← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بِأَنْ لَا يَشَاءَ فِعْلَهُ الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا قِيلَ: لَا تَتَحَرَّكُ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ عَلَى الْأَوَّلِ الِانْتِهَاءُ عَنْ التَّحَرُّكِ الْحَاصِلِ بِفِعْلِ ضِدِّهِ مِنْ السُّكُونِ وَعَلَى الثَّانِي فِعْلُ ضِدِّهِ وَعَلَى الثَّالِثِ انْتِفَاؤُهُ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُهُ مِنْ السُّكُونِ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ عَلَى الْجَمِيعِ (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) فِي الْإِتْيَانِ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ ــ [حاشية العطار] الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ أَثَرًا لِقُدْرَتِهِ لِيَكُونَ مُمْتَثِلًا لِلنَّهْيِ إنَّمَا مَقْدُورُهُ التَّرْكُ الَّذِي مَعَهُ يَسْتَمِرُّ الْعَدَمُ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ نِسْبَةُ عَدَمِ الْفِعْلِ لَا عَدَمُ نِسْبَةِ الْفِعْلِ، وَإِنْ عَبَّرَ بِهَذَا تَسَاهُلًا عَنْهُ اهـ كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ لَا فِي تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ تَابِعٌ لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ فَالْبَاءُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لِلسَّبَبِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ سَبَبِيَّةِ الْفَاعِلِ أَوْ مَشِيئَتِهِ. (قَوْلُهُ: الْحَاصِلُ) بِالرَّفْعِ نَعْتٌ لِلِانْتِهَاءِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُهُ) غَيْرُ لَازِمٍ إذْ لَا يَظْهَرُ هَذَا إلَّا إذَا خُوطِبَ وَهُوَ سَاكِنٌ إذْ مَنْ خُوطِبَ وَهُوَ مُتَحَرِّكٌ مَطْلُوبٌ بِتَجَدُّدِ الْعَدَمِ كَذَا أَوْرَدَ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ مُعْتَادَ الشَّارِحِ تَبَعًا لِشَيْخَيْ مَذْهَبِهِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ اسْتِعْمَالُ بِأَنْ بِمَعْنَى كَافِ التَّمْثِيلِ، وَهَذَا مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ سم نَحْوَهُ وَهُوَ جَوَابٌ هَيِّنٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ السُّكُونِ) لَيْسَتْ مِنْ بَيَانِهِ وَإِلَّا لَاتَّحَدَ هَذَا الْقَوْلُ بِالثَّانِي وَلَا تَعْلِيلِيَّةٌ وَإِلَّا لَاتَّحَدَ بِالْأَوَّلِ بَلْ هِيَ ابْتِدَائِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ عَدَمَ الْفِعْلِ نَاشِئٌ مِنْ السُّكُونِ لَا نَفْسِهِ وَلَا حَاصِلَ بِهِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فِيهِ يَخْرُجُ) أَيْ بِالسُّكُونِ لَا يُقَالُ: إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ عَنْ الْأَوَّلِ بِالْكَفِّ الَّذِي يَحْصُلُ بِالسُّكُونِ بَعْدَ الدَّاعِيَةِ لَا بِالسُّكُونِ نَفْسِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يُتَّجَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ فَالْكَفُّ خَفِيٌّ لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ وَالصَّالِحُ لِإِنَاطَةِ الْخُرُوجِ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ هُوَ السُّكُونُ لِظُهُورِهِ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: هَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ مَحْكِيٌّ فِي الْمُسْوَدَّةِ الْأُصُولِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ الِانْتِهَاءُ مَشْرُوطًا بِقَصْدِ التَّرْكِ امْتِثَالًا وَاَلَّذِي حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ شَيْخُ الْبِرْمَاوِيِّ عَنْ الْمُسْوَدَّةِ مَا نَصُّهُ وَقِيلَ: إنْ قَصَدَ الْكَفَّ مَعَ التَّمَكُّنِ أُثِيبَ وَإِلَّا فَلَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ اهـ. نَقَلَهُ الْكَمَالُ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ اعْتِرَافَ الْكُورَانِيِّ بِقَوْلِهِ: لَا وَجْهَ لَا يُرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا؛ لِأَنَّ

стр. 282

مَعَ الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (قَصَدَ التَّرْكَ) لَهُ امْتِثَالًا فَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ وَالْأَصَحُّ (لَا) وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَشْهُورِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَالْأَمْرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ (بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ إلْزَامًا وَقَبْلَهُ إعْلَامًا وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْجُمْهُورِ قَالُوا (يَسْتَمِرُّ) تَعَلُّقُهُ الْإِلْزَامِيُّ بِهِ (حَالَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ (وَ) قَالَ (إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَنْقَطِعُ) التَّعَلُّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ ــ [حاشية العطار] الْكَلَامَ فِي الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ وَاشْتِرَاطَ الْقَصْدِ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ مُتَّجِهٌ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ فَقَوْلُ سم إنَّ قَصْدَ التَّرْكِ امْتِثَالًا عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ وَإِنَّ اعْتِرَاضَ الْكُورَانِيِّ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ مُرَادِ فَهْمِ هَذَا الْقَائِلِ تَحَامُلٌ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: مَعَ الِانْتِهَاءِ) اعْتَرَضَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّ فِيهِ إيهَامَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِانْتِهَاءِ وَالْقَصْدِ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فَلْيَكُنْ قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ بِمَعْنَى لَا بُدَّ لِيَصِيرَ الْمَعْنَى وَقِيلَ: لَا بُدَّ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ مَعَ الِانْتِهَاءِ إلَخْ، وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ " مَعَ " تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْبُوعِ فَلَا تَقْتَضِي كَوْنَ الْقَصْدِ مَشْرُوطًا مُصَاحَبَتُهُ لِلِانْتِهَاءِ أَنَّ الِانْتِهَاءَ شَرْطٌ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ التَّرْكِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النِّيَّةَ الْقَصْدُ، وَالْأَعْمَالُ جَمْعُ عَمَلٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُقَابِلِ لِلتَّرْكِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْأَعْمَالِ أَوْ لِاعْتِبَارِهَا فَكَانَتْ التُّرُوكُ عَلَى الْأَصْلِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لَهَا اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ) تَعْبِيرُ غَيْرِهِ بِالتَّكْلِيفِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْأَمْرِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعَلُّقَيْنِ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ التَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ اعْتِقَادُ وُجُوبِ إيجَادِ الْفِعْلِ كَأَنَّهُ قِيلَ لِلْمُكَلَّفِ: افْعَلْ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ، فَإِنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَاجِبٌ إذَا دَخَلَ وَقْتُهُ وَمِنْ الِالْتِزَامِيِّ الِامْتِثَالُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِكُلٍّ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْإِيجَادِ فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَالتَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ تَغَايُرُ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَالتَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ وَإِنَّ الْمَعْنَوِيَّ أَزَلِيٌّ وَالْإِعْلَامِيَّ حَادِثٌ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ التَّعَلُّقَاتُ ثَلَاثَةً: تَنْجِيزِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ وَإِعْلَامِيٌّ، وَأَمَّا الِالْتِزَامِيُّ: فَهُوَ التَّنْجِيزِيُّ. وَقَدْ يُقَالُ: وُجُوبُ الْإِعْلَامِيِّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ بَلْ يَكْفِي دُخُولُهُ فِي الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ الْأَمْرُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ وُجُودُ النَّوْعِ بِدُونِ جِنْسِهِ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْكَلَامُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ الَّذِي يَئُولُ إلَى كَوْنِهِ أَمْرًا بِالْفِعْلِ وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ فَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم مِنْ التَّكَلُّفَاتِ. (قَوْلُهُ: إلْزَامًا) قَاصِرٌ عَلَى أَمْرِ الْإِيجَابِ وَيُعْلَمُ أَمْرَ النَّدْبِ الْمُؤَقَّتِ بِالْمُقَايَسَةِ وَهُوَ وَإِعْلَامًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ الْحَالِ بِتَقْدِيرِ ذَا أَوْ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ أَيْ تَعَلُّقُ إعْلَامٍ وَإِلْزَامٍ. (قَوْلُهُ: بِهِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَالْجَارِّ مُتَعَلِّقٌ بِتَعَلُّقٍ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ وَصْفُ الْمَصْدَرِ قَبْلَ عَمَلِهِ لَكِنَّهُ مُغْتَفَرٌ فِي الظُّرُوفِ وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِالْإِلْزَامِيِّ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَخْ) مُقَابِلُ الْأَكْثَرِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَلْزَمُ) تَقْرِيرُ الدَّلِيلِ هَكَذَا لَوْ اسْتَمَرَّ التَّعَلُّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (قَوْلُهُ: وَلَا فَائِدَةَ

стр. 283

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ كَالصَّلَاةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ لِانْتِفَائِهِ بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْهُ. (وَقَالَ قَوْمٌ) مِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ (لَا يَتَوَجَّهُ) الْأَمْرُ بِأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ إلْزَامًا (إلَّا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (، وَهُوَ التَّحْقِيقُ) إذْ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ إلَّا حِينَئِذٍ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَدَمُ الْعِصْيَانِ بِتَرْكِهِ فَجَوَابُهُ قَوْلُهُ (فَالْمَلَامُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ اللَّوْمُ وَالذَّمُّ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ بِأَنَّ تَرْكَ الْفِعْلِ ــ [حاشية العطار] إلَخْ) مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ مَحْذُورٌ وَاحِدٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَحْذُورٌ آخَرُ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَطْلُوبَ ذُو أَجْزَاءٍ، وَالْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ وَبِأَجْزَائِهِ ثَانِيًا وَبِالْعَرَضِ وَالتَّعَلُّقُ بِهِ لَا يَنْقَطِعُ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْفِعْلُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ حُصُولِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْفِعْلُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لَمْ يَحْصُلْ لِبَقَاءِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ فَالْمُلَازَمَةُ فِي قَوْلِهِمْ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مَمْنُوعَةٌ هَذَا إذَا نَظَرْنَا لِمَجْمُوعِ الْأَجْزَاءِ، فَإِنْ نَظَرْنَا لِكُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ وَإِنْ كَانَ حَصَلَ حِسًّا لَمْ يَحْصُلْ شَرْعًا؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ الشَّرْعِيَّ الْمُعْتَبَرَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ الْأَجْزَاءِ كُلِّهَا. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِالتَّرْدِيدِ بَيْنَ مَنْعِ الْمُلَازَمَةِ عَلَى تَقْدِيرٍ وَبُطْلَانِ اللَّازِمِ عَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ؛ لِأَنَّكُمْ إنْ أَرَدْتُمْ تَحْصِيلَ حَاصِلٍ بِحُصُولٍ سَابِقٍ عَلَى الطَّلَبِ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ تَحْصِيلَهُ بِحُصُولٍ مُقَارِنٍ لِلطَّلَبِ فَهُوَ غَيْرُ مُحَالٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ التَّحْصِيلَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْحَاصِلُ مَازَالَ مَطْلُوبًا وَالْفَائِدَةُ وَصْفُ ذَلِكَ التَّحْصِيلِ بِالْوُجُوبِ فَعُلِمَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْجَوَابِ أَيْضًا تَعَرَّضَ لِإِثْبَاتِ الْفَائِدَةِ الَّتِي نَفَوْهَا وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَيَّنِ كَافٍ فِي الرَّدِّ فَسُلُوكُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَحْتَاجُ لِطَلَبٍ مُرَجَّحٍ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الْفَاعِلِ مُرَجَّحَةٌ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ فَسَقَطَ مَا أَطَالَ بِهِ سم. (قَوْلُهُ: وَقَالَ قَوْمٌ إلَخْ) مُقَابِلُ الْجُمْهُورِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَتَعَلَّقَ) تَصْوِيرٌ لِلتَّوْجِيهِ. (قَوْلُهُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ) إنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ لِمَا يَأْتِي أَوْ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ. (قَوْلُهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ) ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الْعَرَضُ الْمُقَارِنُ لِلْفِعْلِ فَقَبْلُهُ لَا قُدْرَةَ؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ عِنْدَهُمْ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَلَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ قَبْلَهَا وَقَالَ الْجُمْهُورُ الَّذِي يَعْتَرِضُهُ التَّكْلِيفُ هُوَ الِاسْتِطَاعَةُ بِمَعْنَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لَا الْقُدْرَةِ بِمَعْنَى الْعَرَضِ الْمُقَارِنِ. (قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ) اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: إنَّهُ يَلْزَمُ إلَخْ) لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْإِلْزَامِ إلَيْهِ، وَأَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْقُدْرَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَابِعِيهِ يَلْزَمُ أَنَّ الْقَاعِدَ بَعْدَ دُخُولِ الْقُوتِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا اتِّفَاقًا وَلِأَنَّ مَفْهُومَ الْأَمْرِ وَهُوَ الطَّلَبُ يَسْتَدْعِي تَحْصِيلَ الْمَطْلُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَالتَّكْلِيفُ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ سَابِقٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لُزُومُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَبْنَى هَذَا الْخِلَافِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ الْعَرَضَ هَلْ يَبْقَى زَمَانَيْنِ أَمْ لَا فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَوَازُ اسْتِمْرَارِ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي نَفَاهُ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ سَفْسَطَةٌ احْتَاجَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ عِلَّةَ احْتِيَاجِ الْعَالِمِ إلَى الصَّانِعِ الْحُدُوثُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْحُدُوثِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ يَلْزَمُ اسْتِغْنَاءُ الْعَالَمِ عَنْ الصَّانِعِ فَاضْطَرَّ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ لِتَسْتَمِرَّ الْحَاجَةُ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ الْإِمْكَانُ كَمَا عَلَيْهِ الْحُكَمَاءُ وَطَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُتَكَلِّمِينَ لَمْ يَضْطَرُّوا إلَى ذَلِكَ الْإِمْكَانِ وَصْفٌ قَائِمٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي حَوَاشِينَا الْكُبْرَى عَلَى الْمَقُولَاتِ. (قَوْلُهُ: فَالْمَلَامُ) أَيْ فَالْعِصْيَانُ إنَّمَا هُوَ بِارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا بِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَإِنْ حَصَلَ النَّهْيُ بِالْأَمْرِ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ إلَخْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهُوَ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الْفِعْلِ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهِ، فَمَا لَمْ

стр. 284

أَيْ اللَّوْمِ حَالَ التَّرْكِ (عَلَى التَّلَبُّسِ بِالْكَفِّ) عَنْ الْفِعْلِ (الْمَنْهِيِّ) ذَلِكَ الْكَفِّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ. (مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وَيُوجَدُ مَعْلُومًا لِلْمَأْمُورِ آثَرَهُ) : أَيْ عَقِبَ الْأَمْرِ الْمَسْمُوعِ الدَّالِّ عَلَى التَّكْلِيفِ (مَعَ عِلْمِ الْأَمْرِ وَكَذَا الْمَأْمُورُ) أَيْضًا (فِي الْأَظْهَرِ انْتِفَاءُ شَرْطِ وُقُوعِهِ) أَيْ شَرْطِ وُقُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ (عِنْدَ وَقْتِهِ كَأَمْرِ رَجُلٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ عَلِمَ مَوْتَهُ قَبْلَهُ) لِلْآخَرِ فَقَطْ أَوَّلُهُ وَلِلْمَأْمُورِ بِهِ بِتَوْقِيفٍ مِنْ الْآمِرِ فَإِنَّهُ عَلِمَ فِي ذَلِكَ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِ الصَّوْمِ الْمَأْمُورِ مِنْ الْحَيَاةِ وَالتَّمْيِيزِ عِنْدَ وَقْتِهِ (خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُعْتَزِلَةِ) فِي قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ ــ [حاشية العطار] يَتَعَلَّقْ الْأَمْرُ لَمْ يَتَعَلَّقْ النَّهْيُ فَلَا يَلْزَمُ قَبْلَ فِعْلِهِ اهـ. وَهُوَ اعْتِرَاضٌ قَوِيٌّ وَحَاوَلَ سم الْجَوَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَدْفَعُهُ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ فِي كَلَامِهِ، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ وُجُودِ النَّهْيِ بِدُونِ الْأَمْرِ وَلَوْ أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَعَمُّ مَنَعْنَاهُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي النَّهْيِ الْحَاصِلِ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ. (قَوْلُهُ: أَيْ اللَّوْمُ حَالَ التَّرْكِ) دَفْعٌ لِمَا تُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مِنْ تَحَقُّقِ اللَّوْمِ أَوَّلًا وَالْمُبَاشَرَةِ ثَانِيًا وَهُوَ فَاسِدٌ إذْ اللَّوْمُ إنَّمَا هُوَ مَعَ التَّرْكِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ قَالَهُ سم، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ اللَّوْمُ أَوَّلًا وَالْمُبَاشَرَةُ ثَانِيًا فِيمَا إذَا وَقَعَتْ الْمُبَاشَرَةُ بَعْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ. (قَوْلُهُ: ذَلِكَ الْكَفُّ) هُوَ بَيَانٌ لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْمَنْهِيِّ الَّذِي هُوَ نَائِبُ فَاعِلِهِ لِمُعَامَلَتِهِ مُعَامَلَةَ الْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ تَوَسُّعًا وَالْأَصْلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَحُذِفَ الْجَارُ وَاتَّصَلَ الضَّمِيرُ وَاسْتَتَرَ وَقَوْلُ الشَّارِحِ عَنْهُ صِلَةُ الْكَفِّ وَالضَّمِيرُ لِلْفِعْلِ. [مَسْأَلَةٌ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وَيُوجَدُ مَعْلُومًا لِلْمَأْمُورِ آثَرَهُ] (قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ يَصِحُّ إلَخْ) : تَضَمَّنَ كَلَامُهُ مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى يَصِحُّ التَّكْلِيفُ مَعَ عِلْمِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ الثَّانِيَةُ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَمْرِ وَسَمَاعِهِ بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِ وَالثَّانِيَةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْأُولَى فَقَوْلُهُ: مَعَ عِلْمِ الْأَمْرِ إلَخْ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ لَا فِي قَوْلِهِ وَيُوجَدُ، فَإِنَّ مُتَعَلِّقَهُ قَوْلُهُ: مَعْلُومًا وَلَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخَفَاءِ. (قَوْلُهُ: عَقِبَ الْأَمْرِ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ كَذَا قِيلَ وَهُوَ بَعِيدٌ فَالْأَحْسَنُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْأَمْرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ عَلِمَ) عِلَّةً لِصِحَّةِ التَّمْثِيلِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْحَيَاةِ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ الْجِنْسُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ وَقْتِهِ) ، فَإِنَّهُ مَيِّتٌ لَا حَيَاةَ عِنْدَهُ وَلَا تَمْيِيزَ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ) ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَسْلَكَيْنِ لِلْقَاضِي: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَاطِبَةً قَبْلَ أَنْ تُظْهِرَ الْمُعْتَزِلَةُ هَذَا الرَّأْيَ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ وَالْتَزَمَ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْبَسِيطَةِ مَنْ يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا فَقَدْ بَاهَتَ الشَّرِيعَةَ وَرَاغَمَ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ. الثَّانِي: يَلْتَفِتُ عَلَى أَصْلِهِ فِي النُّسَخِ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ قَطْعًا، ثُمَّ يُرْفَعُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالنُّسَخِ فَقَالَ بَاقِيًا عَلَى ذَلِكَ إذَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ إلَى الْمُخَاطَبِ، ثُمَّ فُرِضَ مَوْتُهُ أَوَّلَ زَمَانِ إمْكَانِهِ فَقَدْ تَحَقَّقَ حُكْمُ الْخِطَابِ أَوَّلًا قَطْعًا، فَإِنْ انْقَطَعَ الْإِمْكَانُ انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِهِ مَا ثَبَتَ قَطْعًا وَبَالَغَ الْإِمَامُ فِي رَدِّهِمَا، ثُمَّ قَالَ: فَقَدْ لَاحَ عَنْ الْمُبَاحَثَةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ مَا عُزِيَ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ)

стр. 285

مَعَ مَا ذَكَرَ لِانْتِفَاءِ فَائِدَةٍ مِنْ الطَّاعَةِ أَوْ الْعِصْيَانِ بِالْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَأُجِيبَ بِوُجُودِهَا بِالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ. وَفِي قَوْلِهِمْ لَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ بِشَيْءٍ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِ عَقِبَ سَمَاعِهِ لِلْأَمْرِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ لِمَوْتٍ قَبْلَ وَقْتِهِ أَوْ عَجْزٍ عَنْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَبِتَقْدِيرِ وُجُوبِهِ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ الدَّالِّ عَلَى التَّكْلِيفِ كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ غَدًا إذَا مَاتَ أَوْ عَزَلَ قَبْلَ الْغَدِ يَنْقَطِعُ التَّوْكِيلُ، وَمَسْأَلَةُ عِلْمِ الْمَأْمُورِ حَكَى الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ فِيهَا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ ــ [حاشية العطار] إشَارَةً إلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْأُولَى وَقَوْلُهُ: وَقَوْلُهُمْ إلَخْ إشَارَةً إلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الثَّانِيَةِ. (قَوْلُهُ: مَعَ مَا ذَكَرَ) أَيْ مَعَ عِلْمِ الْآمِرِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّرْطِ فِي الشَّاهِدِ قَطْعًا لِجَهْلِهِ بِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ الْحُصُولَ فَلَا شَرْطَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَإِنْ عَلِمَ الْعَدَمَ فَلَا أَمْرَ وَرَدَّهُ الْأَشَاعِرَةُ بِأَنَّ الْمَنْظُورَ لَهُ حَالَ الْمَأْمُورِ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَظَرَ لِلْأَمْرِ فَفَائِدَتُهُ الْعَزْمُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَبْعَدَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الْمُتَقَدِّمِ. (قَوْلُهُ: بِالْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ إلَخْ) عَلَى الْتِزَامِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلتَّكْلِيفِ مِنْ فَائِدَةٍ يَعْلَمُهَا وَإِلَّا قُلْنَا أَنْ نَمْنَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْفَائِدَةُ سَلَّمْنَا فَجَازَ أَنْ لَا نَعْلَمَهَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا كُلُّ فِعْلٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمُكَلَّفُ لَا بُدَّ مِنْ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ كَتَعَلُّقِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، فَلَوْ كَانَ عِلْمُ الْآمِرِ بِانْتِفَاءِ شَرْطِ وُقُوعِهِ مَانِعًا مِنْ التَّكْلِيفِ لَمْ يَكُنْ تَارِكُ الصَّلَاةِ مَثَلًا عَمْدًا عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهَا؛ لِأَنَّ الْآمِرَ عَالِمٌ بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ فِي وَقْتِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا. (قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِمْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ فِي قَوْلِهِمْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ إلَخْ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ مَعَ انْتِفَاءِ الشُّرُوطِ وَلَا ثِقَةَ عِنْدَهُ بِهَا. (قَوْلُهُ: وُجُودِهِ) أَيْ الْمَوْتِ أَوْ الْعَجْزِ. (قَوْلُهُ: لَا يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ إلَخْ) وَفَرَّقَ بَيْنَ انْقِطَاعِ الْمَوْجُودِ وَعَدَمِهِ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا قَالُوا: إنَّهُ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ. (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي احْتِمَالَ عَدَمِ الِاسْتِمْرَارِ وَحِينَئِذٍ فَلَا عِلْمَ إذْ لَا عِلْمَ مَعَ الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَزْمَ وَحَمْلَ الْعِلْمِ عَلَى الظَّنِّ بَعِيدٌ كَذَا قَالَ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ لِلْأَصْلِ فَقَطْ بَلْ مَعَ تَقْدِيرِ وُجُودِهِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي الْعِلْمَ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ الِاحْتِمَالُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ وُجِدَ الِاحْتِمَالُ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ لَا تَبَيُّنَ عَدَمِهِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَبَيَّنَ بِهِ الْعَدَمَ لَا الِانْقِطَاعَ إذْ كَمَا يَحْتَمِلُ هَذَا يَحْتَمِلُ

стр. 286

الْمَوْجُودَةِ حَالَ الْجَهْلِ بِالْعَزْمِ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ بِوُجُودِهَا بِالْعَزْمِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الشَّرْطِ قَالَ كَمَا يَعْزِمُ الْمَجْبُوبُ فِي التَّوْبَةِ مِنْ الزِّنَا عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ بِتَقْدِيرِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ عِنْدَهُ. وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ صِحَّتَهُ الْأَظْهَرَ وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ إلَى مَسْأَلَةِ مَنْ عَلِمَتْ بِالْعَادَةِ أَوْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ رَمَضَانَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا افْتِتَاحُهُ بِالصَّوْمِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: أَمَّا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ صَوْمَ بَعْضِ الْيَوْمِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ. وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، وَوَجْهُ الِاسْتِنَادِ أَنَّهَا كُلِّفَتْ بِالصَّوْمِ مَعَ عِلْمِهَا انْتِفَاءَ شَرْطِهِ مِنْ النَّقَاءِ عَنْ الْحَيْضِ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَهَذَا مُنْدَفِعٌ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ صَوْمُ بَعْضِ الْيَوْمِ الْخَالِي عَنْ الْحَيْضِ وَالنَّقَاءِ عَنْهُ جَمِيعُ الْيَوْمِ شَرْطٌ لِصَوْمِ جَمِيعِهِ لَا بَعْضِهِ أَيْضًا، وَكَذَا مَا قَبْلَهُ مُنْدَفِعٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْعَزْمُ عَلَى مَا لَا يُوجَدُ شَرْطُهُ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ وَلَا عَلَى عَدَمِ الْعُودِ إلَى مَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِهَا فَالصَّوَابُ مَا حَكَوْهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ (أَمَّا) التَّكْلِيفُ بِشَيْءٍ (مَعَ جَهْلِ الْآمِرِ) انْتِفَاءَ شُرُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ بِأَنْ يَكُونَ الْآمِرُ غَيْرَ الشَّارِعِ كَأَمْرِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ غَدًا (فَاتِّفَاقٌ) أَيْ فَمُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَوُجُودِهِ. (خَاتِمَةٌ الْحُكْمُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرَيْنِ) فَأَكْثَرَ (عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ) كَأَكْلِ الْمُذَكَّى ــ [حاشية العطار] الْآخَرَ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْخَصْمُ وَذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَالُ لَا إثْبَاتُ الْمُدَّعَى تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمَسْأَلَةُ عِلْمِ الْمَأْمُورِ إلَخْ) هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى. (قَوْلُهُ: وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. (قَوْلُهُ: الْمَجْبُوبُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ زَنَى. (قَوْلُهُ: بِتَقْدِيرِ الْقُدْرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْفِيِّ أَيْ الْعَوْدِ بِتَقْدِيرِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ) إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَيْسُورَ) أَيْ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ) فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إنْ تَبَيَّنَتْ صَوْمَ جَمِيعِ الْيَوْمِ لَا بَعْضِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُكَلَّفُ بِهِ جَمِيعُ الْيَوْمِ لَا بَعْضُهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. (قَوْلُهُ: مَا قَبْلَهُ) وَهُوَ وُجُودُ الْفَائِدَةِ بِالْعَزْمِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَابِعًا لِلْوُجُودِ الْمَقْدُورِ وَهُوَ مَنْفِيٌّ فَكَذَا الْعَزْمُ وَفِيهِ أَنَّ الْعَزْمَ لَمْ نَرْبِطْهُ بِالْمَقْدُورِ بَلْ بِالتَّقْدِيرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ. (قَوْلُهُ: فَالصَّوَابُ مَا حَكَوْهُ) وَهُوَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: أَمَّا التَّكْلِيفُ) أَيْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ اللَّهِ وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ مِنْ السَّيِّدِ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ يَأْمُرُ بِطَاعَتِهِ فَيَرْجِعُ لِكَوْنِ الْآمِرِ هُوَ الشَّارِعُ [خَاتِمَةٌ الْحُكْمُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرَيْنِ] (قَوْلُهُ: عَلَى التَّرْتِيبِ) هُوَ فِي اللُّغَةِ جَعْلُ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَرْتَبَتِهِ وَفِي اصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ جَعْلُ الْأَشْيَاءِ الْمُتَعَدِّدَةِ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْوَاحِدِ وَيَكُونُ لِبَعْضِهَا نِسْبَةٌ إلَى الْبَعْضِ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَتَسْتَعْمِلُهُ النُّحَاةُ فِي ثُبُوتِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِأَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَتَالِيَةٍ كَقَوْلِهِمْ الْفَاءُ وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ يَعْنُونَ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ وَهُوَ الْمَجِيءُ مَثَلًا ثَابِتٌ لِلْمَعْطُوفَاتِ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَتَالِيَةٍ وَمَا هُنَا قَرِيبٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ بَلْ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِبَارِهِ وَثُبُوتِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَتَالِيَةٍ فِي الِاعْتِبَارِ بِشَرْطِ عَدَمِ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْهَا وَلَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّرْتِيبِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْوُضُوءَ مَثَلًا رُتْبَتُهُ التَّقَدُّمُ عَلَى

стр. 287

وَالْمَيْتَةِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لَكِنَّ جَوَازَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ غَيْرِهَا الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ الْمُذَكَّى فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهَا. (أَوْ يُبَاحُ) الْجَمْعُ كَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُمَا جَائِزَانِ وَجَوَازُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْوُضُوءِ وَقَدْ يُبَاحُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَأَنْ تَيَمَّمَ لِخَوْفِ بُطْءِ الْبُرْءِ مِنْ الْوُضُوءِ مَنْ عَمَّتْ ضَرُورَتُهُ مَحَلَّ الْوُضُوءِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مُتَحَمِّلًا لِمَشَقَّةِ بُطْءِ الْبُرْءِ، وَإِنْ بَطَلَ بِوُضُوئِهِ تَيَمُّمُهُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ (أَوْ يُسَنُّ) الْجَمْعُ كَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَاجِبٌ، لَكِنَّ وُجُوبَ الْإِطْعَامِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصِّيَامِ وَوُجُوبَ الصِّيَامِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْإِعْتَاقِ وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ فَيَنْوِي بِكُلٍّ الْكَفَّارَةَ ــ [حاشية العطار] التَّيَمُّمِ وُجُودًا وَاعْتِبَارًا، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْمُذَكَّى عَلَى الْمَيْتَةِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَالْمَيْتَةِ) أَيْ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجُوزُ أَكْلُهُ أَيْ الْمُذَكَّى وَالْمَيْتَةِ، قَالَ النَّاصِرُ وَلَوْ قَالَ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجُوزُ لَكَانَ أَوْفَى بِمُطَابِقَةِ الْكَلَامِ السَّابِقِ اهـ. وَأَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ: الْحُكْمُ قَدْ يَتَعَلَّقُ إلَخْ وَوَجْهُ الْمُوَافَقَةِ إفَادَتُهُ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِشَيْئَيْنِ صَرِيحًا بِخِلَافِ مَا عَبَّرَ بِهِ وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا وَاقِعٌ كَثِيرًا حَتَّى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ. (قَوْلُهُ: يَجُوزُ أَكْلُهُ) الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ هُنَا مَعْنَاهُ الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ نَظِيرُ الْإِمْكَانِ الْعَامِّ عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّ جَوَازَ إلَخْ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ. (قَوْلُهُ: فَيُحَرَّمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) إشَارَةً إلَى أَنَّ جِهَةَ التَّحْرِيمِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَعُودَ عَلَيْهِمَا مَعًا بَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَّا فَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَلَا دَخْلَ لِلتَّحْرِيمِ فِي الْمُذَكَّى فَانْدَفَعَ بَحْثُ الزَّرْكَشِيّ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْمِثَالِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ إنَّمَا يَكُونُ لِعِلَّةٍ دَائِرَةٍ بَيْنَ الْفَرْدَيْنِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُذَكَّى وَالْمَيْتَةُ كَذَا قَالُوا وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَعْوَى كِفَايَةِ جِهَةِ التَّحْرِيمِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مُحْتَاجَةٌ لِدَلِيلٍ. (قَوْلُهُ: وَجَوَازُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْعَجْزِ) مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقُ الْإِذْنِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَالتَّيَمُّمُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْوُضُوءِ وَاجِبٌ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ قَدْ يُبَاحُ بِمَعْنَى يُؤَذَّنُ وَهُوَ صَادِقٌ بِالْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ الْعَجْزُ الشَّرْعِيُّ لَا الْحِسِّيُّ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِثَالُ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الْحِسِّيِّ، فَإِنَّهُ يُنَافِيهَا مَعَ أَنَّ الْإِبَاحَةَ وَجَمِيعَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ وَلِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ فِي الْعَجْزِ الشَّرْعِيِّ صَحَّ الْحُكْمُ بِإِبَاحَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي مَحَلِّ الْعَجْزِ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَأَيْضًا لَا يَتَأَتَّى الْجَمْعُ فِي الْعَجْزِ الْحِسِّيِّ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ فِيهِ مُبْطِلَةٌ لِلتَّيَمُّمِ فَضْلًا عَنْ اسْتِعْمَالِهِ. (قَوْلُهُ: كَأَنْ تَيَمَّمَ لِخَوْفِ بُطْءِ الْبُرْءِ) فِيهِ أَنَّهُ مَعَ قِيَامِ مُبِيحِ التَّيَمُّمِ يَكُونُ الْوُضُوءُ غَيْرَ مُبَاحٍ وَعِنْدَ انْتِفَائِهِ يَكُونُ وَاجِبًا وَالتَّيَمُّمُ غَيْرَ مُبَاحٍ كَمَا هُوَ مُفَادُ التَّرْتِيبِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَأَتَّى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ يُقَالُ: أَرَادَ بِإِبَاحَةِ الْجَمْعِ صِحَّةَ الشَّيْءِ وَالِاعْتِدَادَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْقُدُومُ عَلَيْهِ مُحَرَّمًا فَالْمُرَادُ الْإِبَاحَةُ الْوَضْعِيَّةُ كَمَا يُشِيرُ لَهُ قَوْلُهُ: وَإِنْ بَطَلَ إلَخْ وَيَكُونُ الْمُرَادُ الصِّحَّةُ قَبْلَ تَمَامِ الْوُضُوءِ لَا الصِّحَّةُ الْمُسْتَمِرَّةُ؛ لِأَنَّهُ بِتَمَامِ الْوُضُوءِ يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِمْ يَرْتَفِعُ حَدَثُ كُلِّ عُضْوٍ بِغَسْلِهِ بُطْلَانُهُ فِي الْأَثْنَاءِ إلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَا الْكَلَامُ فِيهِ، فَلَوْ قَالَ، وَإِنْ صَحَّ مَعَ الْحُرْمَةِ كَانَ أَوْفَقُ. (قَوْلُهُ: مَنْ عَمَّتْ ضَرُورَتُهُ) فَاعِلُ تَيَمَّمَ وَاعْتَبَرَ فِيهِ عُمُومَ الضَّرُورَةِ لِكِفَايَةِ التَّيَمُّمِ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَالضَّرُورَةُ إذَا لَمْ تَعُمَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ فَيَخْرُجُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ عَلَى التَّرْتِيبِ. (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ) إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى أَوَائِلِ مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ بِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بَطَلَ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا فَلَمْ يَجْتَمِعْ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا لَا يُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا اهـ. وَوَجْهُ انْتِفَاعِهِ أَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنْ يَفْعَلَ الْوُضُوءَ مَعَ قِيَامِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ السَّابِقِ وَبُطْلَانُ التَّيَمُّمِ لِلْمَأْخَذِ الْفِقْهِيِّ وَهُوَ انْتِفَاءُ فَائِدَتِهِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَيَحْتَاجُونَ إلَى دَلِيلٍ، قَالَ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ الِاحْتِيَاطُ بِتَكْثِيرِ أَسْبَابِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ كَمَا أَعْتَقَتْ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ نَذْرِهَا فِي كَلَامِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رِقَابًا كَثِيرَةً وَكَانَتْ تَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا

стр. 288

وَإِنْ سَقَطَتْ بِالْأُولَى كَمَا يَنْوِي بِالصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ الْفَرْضَ، وَإِنْ سَقَطَ بِالْفِعْلِ أَوَّلًا. (وَ) قَدْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِأَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ (عَلَى الْبَدَلِ كَذَلِكَ) أَيْ فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ كَتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ مِنْ كُفْأَيْنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجُوزُ التَّزْوِيجُ مِنْهُ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ أَيْ: إنْ لَمْ تَزَوَّجْ مِنْ الْآخَرِ وَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا أَوْ يُبَاحُ الْجَمْعُ كَسِتْرِ الْعَوْرَةِ بِثَوْبَيْنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجِبُ السِّتْرُ بِهِ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ أَيْ إنْ لَمْ تَسْتَتِرْ بِالْآخَرِ وَيُبَاحُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ أَوْ يُسَنَّ الْجَمْعُ كَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا وَاجِبٌ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ أَيْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ غَيْرَهُ مِنْهَا كَمَا قَالَ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ إنَّهُ الْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ نَظَرًا مِنْهُمْ لِلظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ التَّحْقِيقُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهَا فِي ضِمْنٍ أَيْ مُعَيَّنٍ مِنْهَا وَيُسَنُّ الْجَمْعَ بَيْنَهَا كَمَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ. (الْكِتَابُ الْأَوَّلُ) : فِي الْكِتَابِ وَمَبَاحِثِ الْأَقْوَالِ ــ [حاشية العطار] خِمَارَهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ سَقَطَتْ بِالْأُولَى) أَيْ ظَاهِرًا لِئَلَّا يُرَدَّ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهَا إذَا سَقَطَتْ بِالْخَصْلَةِ الْأُولَى لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ حَتَّى يَنْوِيَهَا. (قَوْلُهُ: كَمَا يَنْوِي بِالصَّلَاةِ إلَخْ) تَنْظِيرٌ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجُوزُ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي مِثْلِهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ إنْ لَمْ تُزَوَّجْ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَدَلِيَّةِ هَاهُنَا قِيَامُ الْفَرْعِ أَوْ الْعِوَضِ مَقَامَ الْأَصْلِ أَوْ الْمُعَوَّضِ عَنْهُ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ الْبَدَلِيَّةِ بَلْ قِيَامُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِمَّا قَصَدَ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ كَمَا فِي تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ مِنْ كُفْأَيْنِ أَوْ قِيَامِ أَحَدِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَسَاوِيَةِ فِيمَا قَصَدَ مِنْهَا مَقَامَ كُلٍّ مِنْهَا كَمَا فِي خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا وَاجِبٌ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا فِي ضِمْنِ أَيِّ مُعَيَّنٍ مِنْهَا كَمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. (قَوْلُهُ: إلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ) حَيْثُ قَالُوا: الْوَاجِبُ الْإِطْعَامُ أَوْ الْعِتْقُ أَوْ الْكِسْوَةُ وَلَمْ يَقُولُوا: الْوَاجِبُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ. (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. [الْكِتَابُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ وَمَبَاحِثِ الْأَقْوَالِ] (قَوْلُهُ: فِي الْكِتَابِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ بِمَعْنَى الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ فِي مَبَاحِثِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ لَفْظُ مَبَاحِثَ وَيُضِيفُهَا لِلْكِتَابِ وَالْأَقْوَالُ كَذَا قَالَ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ حَذَفَ مَبَاحِثَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ وَلِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَهِيَ أَنَّ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ فِي مَبَاحِثِ الْقُرْآنِ لَا فِي نَفْسِهِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ تَعْرِيفَ الْكِتَابِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَبَاحِثِ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ بِطَرِيقِ التَّبَعِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ فِي تَفْرِيعِهِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ التَّعْرِيفِ وَمَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ يَرْجِعُ لِمَبَاحِثِ الْأَقْوَالِ أَوْ رَاجِعٌ لِتَوْضِيحِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ كَوْنَ الْبَسْمَلَةِ مِنْهُ دُونَ مَا نُقِلَ آحَادًا مِمَّا يُمَيِّزُهُ بِذَلِكَ أَوْ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي التَّرْجَمَةِ اهـ. وَالْإِنْصَافُ أَنَّ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ وَجِيهٌ وَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَحْضُ تَعَسُّفٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ تَقْدِيرَ لَفْظِ مَبَاحِثَ قَبْلَ الْكِتَابِ مَحْضُ تَكْرَارٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالتَّرْجَمَةِ بَلْ حَاصِلٌ بِطَرِيقِ التَّبَعِ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ وَقَضِيَّةُ تَقْدِيرِهِ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا. وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُؤَلِّفِينَ تَخْصِيصَ التَّرَاجِمِ بِالْمَبَاحِثِ وَتَصْدِيرَ التَّعْرِيفِ قَبْلَهَا لِإِيضَاحِ الْمَبْحُوثِ عَنْهُ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى تَقْدِيرِ لَفْظِ تَعْرِيفٍ وَمُجَرَّدُ ذِكْرِهِ بَعْدَ التَّرْجَمَةِ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الشَّائِعُ مِنْ أَنَّ التَّرْجَمَةَ لِلْمَقَاصِدِ، وَالتَّعَارِيفُ لَيْسَتْ مِنْهُ بَلْ لَا تُعَدُّ مِنْ الْعُلُومِ رَأْسًا بَلْ مِنْ الْمَادِّيِّ كَمَا حَقَقْنَا ذَلِكَ فِي حَوَاشِي الْخَبِيصِيِّ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ جَوَابٌ مَبْذُولٌ يَرْتَكِبُهُ كَثِيرًا مَنْ لَا بِضَاعَةَ لَهُ فِي الْمَعْقُولِ. (قَوْلُهُ: وَمَبَاحِثُ الْأَقْوَالِ) أَيْ الْقَضَايَا الَّتِي يَقَعُ الْبَحْثُ فِيهَا عَنْ الْأَقْوَالِ، فَإِنَّ الْمَبَاحِثَ جَمْعُ مَبْحَثٍ بِمَعْنَى مَكَانِ الْبَحْثِ وَمَكَانُهُ الْقَضِيَّةُ إذْ هُوَ إثْبَاتُ النِّسْبَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالنِّسْبَةُ حَالَّةٌ بَيْنَ طَرَفَيْ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَهِيَ مُتَعَلَّقُ الْإِثْبَاتِ فَالْمُكَاتَبَةُ مُتَخَيَّلَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ دَالٌّ عَلَى تِلْكَ النِّسَبِ عَلَى اعْتِبَارِ أَجْزَائِهِ الَّتِي هِيَ الْقَضَايَا الَّتِي هِيَ مَوْضُوعَاتُهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إلَخْ وَمَحْمُولَاتُهَا أَعْرَاضٌ ذَاتِيَّةٌ لَاحِقَةٌ لَهَا كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ أَتَمَّ الْبَيَانِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ وَذَكَرْنَا مَا يُشِيرُ إلَيْهِ أَوَّلَ الْكِتَابِ هَذَا

стр. 289

الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ وَنَحْوِهَا (الْكِتَابُ) الْمُرَادُ بِهِ (الْقُرْآنُ) غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ (وَالْمَعْنِيُّ بِهِ) أَيْ الْقُرْآنُ (هُنَا) أَيْ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ (اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ ــ [حاشية العطار] تَقْرِيرُ الْكَلَامِ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ الْمَنْطِقِيَّةُ لَا مَا قَرَّرَهُ سم وَتَبِعَهُ مَنْ قَلَّدَهُ بَعْدَهُ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ إثْبَاتُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ أَوْ سَلْبُهُ عَنْهُ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السَّالِبَةَ تَقَعُ مَسْأَلَةً فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِامْتِنَاعِهِ، وَقَدْ جَعَلَ الْمَبْحَثَ تَارَةً اسْمَ مَكَان وَتَارَةً مَصْدَرًا وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُكْشَفْ الْغِطَاءُ. (قَوْلُهُ: الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهَا) صِفَةٌ لِلْأَقْوَالِ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ الْكِتَابِ فَالصِّفَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ فَقَدْ جَرَى عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْإِبْرَازِ عِنْدَ أَمِنِ اللَّبْسِ، وَقَوْلُ سم يُمْكِنُ أَنَّهُ صِفَةُ الْكِتَابِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ مَرْدُودٌ بِلُزُومِ تَقْدِيمِ عَطْفِ النَّسَقِ عَلَى النَّعْتِ مَعَ أَنَّهُ يُؤَخَّرُ عَنْهُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ؛ لِأَنَّ النَّعْتَ وَالْمَنْعُوتَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَبَيْنَهُمَا شِدَّةُ ارْتِبَاطٍ تَأْبَى الْفَصْلَ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ جَوَازِ الْفَصْلِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِقِيَامِ الْمُعَارِضِ هُنَا، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ اشْتِمَالَ الْكِتَابِ عَلَى تِلْكَ الْمَبَاحِثِ مِنْ قَبِيلِ اشْتِمَالِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ أَيْ كُلُّ جُزْءٍ جُزْءٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّرْنَاهُ فِي لَفْظِ مَبَاحِثَ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهَا عَيْنُهُ لِلتَّغَايُرِ الِاعْتِبَارِيِّ فِي مِثْلِهِ قَالَ النَّاصِرُ: ثُمَّ اشْتِمَالُ الْكِتَابِ عَلَى الْأَقْوَالِ كَافٍ فِي ذِكْرِ مَبَاحِثِهَا فِيهِ، وَإِنْ شَارَكَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ الِاشْتِمَالِ اهـ. يُرِيدُ أَنَّ وَجْهَ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهَا كِفَايَةٌ فِيهَا وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مَا يُفْهِمُ ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَإِنْ أَرَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ فِي السُّنَّةِ أَيْضًا فَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَعْلُومٍ. (قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ) لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ قَاصِرًا فِي الْعُرْفِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ إلَخْ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فَسَّرَهُ بِهِ. (قَوْلُهُ: غَلَبَ) أَيْ صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ مُقَارِنًا لِأَلْ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ أَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلْعَهْدِ وَإِنْ لَزِمَ اجْتِمَاعُ مُعَرَّفَيْنِ، فَإِنَّ الْمُعَرَّفَ هُنَا بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ. وَقَدْ اخْتَارَ الرَّضِيُّ جَوَازَ اجْتِمَاعِهِمَا إذَا كَانَ فِي أَحَدِهِمَا مَا فِي الْآخَرِ وَزِيَادَةٌ كَمَا هُنَا بِدَلِيلِ يَا هَذَا وَيَا عَبْدَ اللَّهِ وَيَا اللَّهُ وَمَا قِيلَ أَنَّهَا تُنَكَّرُ، ثُمَّ تُعَرَّفُ بِحَرْفِ النِّدَاءِ لَا تُتِمُّ فِي يَا اللَّهُ وَيَا عَبْدَ اللَّهِ، وَمَا قِيلَ أَنَّ الْعَلَمَ كَبَقِيَّةِ الْمَعَارِفِ لَا يُضَافُ إلَّا إنْ نُكِّرَ مَمْنُوعٌ بَلْ يَجُوزُ عِنْدِي إضَافَتُهُ مَعَ بَقَاءِ تَعْرِيفِهِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ اجْتِمَاعِ تَعْرِيفَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا. (قَوْلُهُ: فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ) احْتَرَزَ عَنْ عُرْفِ النُّحَاةِ وَنَحْوِهِمْ وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِغَلَبَ وَمِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ مُتَعَلِّقٌ بِحَالٍ مَحْذُوفَةٍ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُمْتَازًا بِهَذِهِ الْغَلَبَةِ لِشُهْرَتِهِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ إذْ رُبَّمَا يُسْتَعْمَلُ الْكِتَابُ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَالْقُرْآنُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ إلَّا فِيمَا ذَكَرَ وَلِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْقُرْآنِ إلَى الْمَقْرُوءِ أَظْهَرُ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ الْكِتَابِ إلَى الْمَقْرُوءِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَعْنِيُّ بِهِ) أَيْ الْمَقْصُودُ بِالْقُرْآنِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ إلَخْ فَهُوَ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْهُ كَلَامُهُ وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْجِنْسِ أَيْضًا فَلَهُ اسْتِعْمَالَانِ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْبَعْضِ فِي أَوَّلِهَا وَعَلَيْهِ فِي ثَانِيهَا. (قَوْلُهُ: فِي أُصُولِ الْفِقْهِ) احْتَرَزَ عَنْ الْمَعْنَى بِهِ فِي أُصُولِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ بَحْثَ الْأُصُولِيِّ عَنْ اللَّفْظِ لِكَوْنِهِ الْمُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِخِلَافِ أُصُولِ الدِّينِ، فَإِنَّ الْبَحْثَ فِيهِ عَنْ الْعَقَائِدِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْكَلَامُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ النَّفْسِيَّةِ. (قَوْلُهُ: اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْكَلَامُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ أَظْهَرُ فِي إفَادَةِ الْمُرَادِ إذْ الْكَلَامُ يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْقُيُودِ بَيْنَ الْمُرَادِ، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ فِي ذَاتِهِ لَفْظًا جَوَازُ إسْنَادِ اللَّفْظِ إلَيْهِ تَعَالَى لِعَدَمِ الْإِذْنِ بَلْ يُقَالُ: قَالَ اللَّهُ مَثَلًا، وَإِنْ كَانَ

стр. 290

عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ) يَعْنِي مَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ هَذَا ــ [حاشية العطار] الْقَوْلُ لَفْظًا إلَّا أَنَّهُ وَرَدَ الْإِذْنُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ تَعَالَى وَرُبَّمَا اقْتَضَى هَذَا أَوْلَوِيَّةَ مَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ لِسَلَامَتِهِ مِنْ الْإِيهَامِ وَوَصَفَ اللَّفْظَ بِالْإِنْزَالِ مَعَ أَنَّهُ عَرَضٌ وَالْأَعْرَاضُ لَا تَنْتَقِلُ بِاعْتِبَارِ حَامِلِهِ وَمُبَلِّغِهِ فَهُوَ إسْنَادٌ مَجَازِيٌّ أَوْ لُغَوِيٌّ؛ لِأَنَّ نُزُولَ مُبَلِّغِهِ سَبَبٌ فِي وَصْفِهِ بِالنُّزُولِ وَلِشُيُوعِهِ وَقَعَ فِي التَّعْرِيفِ. لَا يُقَالُ الْمَجَازُ يَصِحُّ نَفْيُهُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وَصْفِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ لِأَنَّا نَقُولُ: غَايَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى وَصْفِهِ بِذَلِكَ وَكَوْنُهُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمَجَازِ شَيْءٌ آخَرُ إنْ قُلْت: الْمُمْتَنِعُ انْتِقَالُ الْعَرَضِ بِذَاتِهِ أَمَّا بِالتَّبَعِ فَلَا قُلْنَا: يَلْزَمُ عَلَيْهِ بَقَاءُ الْعَرَضِ زَمَانَيْنِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا الْبَقَاءَ نَقُولُ: الْأَلْفَاظُ أَعْرَاضٌ سَيَّالَةٌ لَا بَقَاءَ لَهَا اتِّفَاقًا. وَقَدْ يُقَالُ اللُّغَةُ تَنْبَنِي عَلَى الظَّاهِرِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْإِنْزَالُ حَقِيقِيٌّ وَمَسْأَلَةُ الْعَرَضِ إلَخْ مِنْ تَدْقِيقَاتِ الْفَلَاسِفَةِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَمَا أَجَابَ بِهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُنَزَّلُ صُورَتُهُ الذِّهْنِيَّةُ الْمُتَعَقِّلَةُ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَلْفَاظِ الْحِسِّيَّةِ وَتِلْكَ الصُّورَةُ تَبْقَى وَتَتَعَقَّلُ فِي ضِمْنِ الْجُزْئِيَّاتِ الْمُقَيَّدَةِ بِخُصُوصِ الْمُحَالِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْخَارِجِيَّةِ لَا لِلصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ وَلَمْ نَرَ أَحَدًا اسْتَعْمَلَهُ فِيهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَيْلِ لِلْقَوْلِ بِالْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي إثْبَاتِهِ فِي النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، فَمَا ظَنُّك بِالْمِلْكِ الَّذِي لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبَّك إلَّا هُوَ. (قَوْلُهُ: عَلَى مُحَمَّدٍ) قَيْدٌ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لِلِاحْتِرَازِ، فَإِنَّ الْمُنَزَّلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - لَيْسَ لِلْإِعْجَازِ فَيُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: لِلْإِعْجَازِ. (قَوْلُهُ: لِلْإِعْجَازِ) أَيْ لِأَجْلِ الْإِعْجَازِ فَحِكْمَةُ التَّنْزِيلِ الْإِعْجَازُ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا كَبَيَانِ الْأَحْكَامِ وَنَقَلَ الْكَمَالُ عَنْ شَيْخِهِ الْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ اخْتِيَارَ أَنَّ الْإِعْجَازَ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنْ الْإِنْزَالِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّدَبُّرُ وَالتَّذَكُّرُ وَالْإِعْجَازُ تَابِعٌ لَازِمٌ لِأَبْعَاضٍ خَاصَّةٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَا بِقَيْدِ سُورَةٍ وَلَا كُلِّ بَعْضٍ نَحْوَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ: وَهُوَ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ اهـ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ وَكَيْفَ يَكُونُ الْإِعْجَازُ غَيْرَ مَقْصُودٍ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الْآيَةَ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي مَا يُصَدَّقُ إلَخْ) أَتَى بِالْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يُطْلَقُ بِالْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَيُطْلَقُ بِالْمَعْنَى الْجِنْسِيِّ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمَجْمُوعِ وَبَيْنَ كُلِّ بَعْضٍ مِنْهُ لَهُ بِهِ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ قُلْ وَافْعَلْ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْمِلْهُ الشَّارِحُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي مَعَ أَنَّهُ الْأَنْسَبُ بِغَرَضِ الْأُصُولِيِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا هُوَ بِالْأَبْعَاضِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَتْنِ تَعْرِيفٌ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَإِنَّمَا حَدُّوا الْقُرْآنَ مَعَ تَشَخُّصِهِ إلَخْ فَفِي الْعِنَايَةِ كَمَا فِي النَّاصِرِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُعْنَى بِالْقُرْآنِ الْمَعْنَى الْخَارِجِيُّ التَّشَخُّصِيُّ لَا مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ

стр. 291

مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَى آخَرِ سُورَةِ النَّاسِ الْمُحْتَجُّ بِإِبْعَاضِهِ خِلَافَ الْمَعْنَى بِالْقُرْآنِ فِي أُصُولِ الدِّينِ ــ [حاشية العطار] مُنْحَصِرٌ فِي شَخْصٍ كَالشَّمْسِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنْ يُبَيِّنَ لِمَنْ عَرَفَ حَقِيقَةَ مُسَمَّى الْقُرْآنِ وَجَهِلَ أَنَّهُ مُسَمَّاهُ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ الْمَعْرُوفَ بِصِفَةِ كَذَا هُوَ مَفْهُومُ الْقُرْآنِ اهـ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ لَفْظِيًّا وَهُوَ قَدْ يَكُونُ بِاللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ وُقُوعَهُ بِالْمُفْرَدِ كَالْغَضَنْفَرِ الْأَسَدِ. وَفِي سم كَلَامٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ عَنْ مِثْلِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ تَفْسِيرَ الْكِتَابِ بِالْقُرْآنِ وَتَفْسِيرَ الْقُرْآنِ بِمَا بَعْدَهُ يُسَمَّى حَدًّا اسْمِيًّا وَحْدًا لَفْظِيًّا. وَقَالَ فِي قَوْلِ النَّاصِرِ الْمَعْنِيُّ بِالْقُرْآنِ الْمَعْنَى الْخَارِجِيُّ الشَّخْصِيُّ الْمُرَادُ بِالْخَارِجِ نَفْسُ الْأَمْرِ لَا مَا يُرَادِفُ الْأَعْيَانَ وَإِلَّا نَافَى كَوْنَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الشَّخْصِيِّ اعْتِبَارِيًّا؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الْمَاهِيَّةِ وَالشَّخْصُ الَّذِي هُوَ اعْتِبَارِيٌّ وَالْمُرَكَّبُ مِنْ الِاعْتِبَارِيِّ لَا يَكُونُ إلَّا اعْتِبَارِيًّا وَقَالَ هُنَا: إنَّ التَّعْرِيفَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمَعْنَى الِاعْتِبَارِيِّ لَا يَكُونُ إلَّا لَفْظِيًّا أَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذَا الْمَعْنَى الشَّخْصِيَّ إلَخْ فَمُكَابَرَةٌ فِي الْمَحْسُوسِ كَيْفَ وَاللَّفْظُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ فَهُوَ مَوْجُودٌ مَحْسُوسٌ وَمَا اسْتَنَدَ مِنْ تَرَكُّبِهِ مِنْ الْمَاهِيَّةِ وَالشَّخْصُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْخَارِجِ كُلَّهَا أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ؛ لِأَنَّ لَهَا مَاهِيَّاتٍ كُلِّيَّةً هِيَ عِبَارَةٌ عَنْهَا وَعَنْ التَّشَخُّصِ عَلَى أَنَّ فِي كَوْنِ التَّشَخُّصِ اعْتِبَارِيًّا كَلَامٌ مَبْسُوطٌ فِي مَحَلِّهِ وَقَوْلُهُ: إنَّ التَّعْرِيفَ هُنَا لَفْظِيٌّ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ تَعْرِيفَ الْمَعْنَى الِاعْتِبَارِيِّ لَا يَكُونُ إلَّا لَفْظِيًّا مُنَاقِضٌ لِمَا أَسْلَفَهُ قَبْلَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْكِتَابُ الْقُرْآنُ أَنَّ تَعْرِيفَهُ لَفْظِيٌّ اسْمِيٌّ مَعَ أَنَّ جَمْعَهُ بَيْنَهُمَا مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ النُّظَّارِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. قَالُوا: التَّعْرِيفُ إمَّا لَفْظِيُّ يُقْصَدُ بِهِ تَعْيِينُ مَعْنَى اللَّفْظِ لِسَامِعِهِ مِنْ بَيْنِ الْمَعَانِي الْمَعْلُومَةِ لَهُ فَمَآلُهُ إلَى التَّصْدِيقِ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِكَذَا لُغَةً أَوْ اصْطِلَاحًا وَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ مُرَادِفٍ أَوْ أَعَمَّ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْمُفْرَدَةُ ذَكَرَ الْمُرَكَّبَ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَعْيِينُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ تَفْصِيلُهُ، وَإِمَّا حَقِيقِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ وَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ مَا يُقْصَدُ بِهِ تَفْصِيلُ مَفْهُومِ اللَّفْظِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَدْلُولُهُ. وَقَدْ تَصَوَّرَهُ بِوَجْهِ مَا أَوْرَدَ تَصَوُّرَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ تَفْصِيلًا فَيُسَمَّى تَعْرِيفًا اسْمِيًّا وَتَعْرِيفًا بِحَسَبِ الِاسْمِ وَيَنْقَسِمُ إلَى الْحُدُودِ وَالرُّسُومِ وَقَالُوا: إنَّ تَعَارِيفَ الْأُمُورِ الْمَعْدُومَةِ وَالِاعْتِبَارِيَّة تَارَةً تَكُونُ لَفْظِيَّةً وَتَارَةً تَكُونُ اسْمِيَّةً وَلَيْسَ لَهَا تَعْرِيفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ إذْ لَا حَقَائِقَ لَهَا بَلْ مَفْهُومَاتٌ. وَأَمَّا الْمَوْجُودَاتُ، فَإِنَّ لَهَا مَفْهُومَاتٍ وَحَقَائِقَ فَيَجُوزُ. أَنْ يَكُونَ لَهَا أَقْسَامُ التَّعْرِيفِ كُلِّهَا هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ سَائِرُ الْمَنَاطِقَةِ وَالنُّظَّارِ وَالشَّيْخُ خَالَفَهُ بِلَا سَنَدٍ فَلَا يُتَّبَعُ وَقَوْلُهُ: إنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلْمُسَمَّى بِالْقُرْآنِ شَرْعًا إلَّا هَذَا الشَّخْصُ مَمْنُوعٌ كَيْفَ وَالْأَشْخَاصُ كُلُّهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ مَفَاهِيمَ كُلِّيَّةٍ حَتَّى قَالُوا: إنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ كُلِّيٌّ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَالتَّعَقُّلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْجُودُ خَارِجًا لَيْسَ إلَّا الْفَرْدُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ. وَقَدْ قَالُوا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ: إنَّهُ كُلِّيٌّ أَنْحَصَرَ فِي فَرْدٍ كَالشَّمْسِ، فَإِنَّ مَدَارَ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ عَلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصَوُّرَاتُ لَا حَجْرَ فِيهَا كُلُّ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ أَتَمَّ بَيَانٍ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ وَالْمَنْطِقِيَّةِ وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: إنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الشَّخْصِيِّ اعْتِبَارِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الْمَاهِيَّةِ وَالتَّشَخُّصِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ مَا يُنَاقِضُهُ مِنْ الْحَصْرِ الَّذِي ادَّعَاهُ فَتَدَبَّرْ وَلَا تَكُنْ أَسِيرَ التَّقْلِيدِ وَانْظُرْ لِمَا قَالَ لَا لِمَنْ قَالَ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَوَّلِ إلَخْ) أَيْ الَّذِي هُوَ أَوَّلُهُ سُورَةُ إلَخْ فَمِنْ لِلْبَيَانِ لَا لِلِابْتِدَاءِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ ثَابِتٌ لِمَجْمُوعِ الْقُرْآنِ لِأَوَّلِ سُورَةِ الْحَمْدِ. (قَوْلُهُ: الْمُحْتَجُّ بِأَبْعَاضِهِ) كَالتَّعْلِيلِ لِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالْقُرْآنِ هُنَا اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ إلَخْ لَا الْمَدْلُولُ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مِمَّا يَحْتَجُّ بِأَبْعَاضِهِ وَالِاحْتِجَاجُ إنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ إذْ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ مُسَمَّى الْقُرْآنِ هُوَ الْكُلُّ كَمَا قَالَهُ سم خِلَافًا لِلنَّاصِرِ. (قَوْلُهُ: خِلَافُ الْمَعْنَى) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ هُنَا وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ عَلَى مَا هُوَ التَّحْقِيقُ. (قَوْلُهُ: مِنْ مَدْلُولِ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ بِالدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أُضِيفَ لَهُ كَلَامٌ لَفْظِيٌّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلَا

стр. 292

عَنْ مَدْلُولِ ذَلِكَ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا حَدُّوا الْقُرْآنَ مَعَ تَشَخُّصِهِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَوْصَافِهِ لِيَتَمَيَّزَ مَعَ ضَبْطِ كَثْرَتِهِ عَمَّا لَا يُسَمَّى بِاسْمِهِ - ــ [حاشية العطار] لَا بِالدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فِي حَقِّهِ تَعَالَى غَيْرَ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فِي حَقِّنَا وَوَجْهُ إضَافَتُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ صِفَتُهُ وَبِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَعَالَى أَنْشَأَهُ بِرُقُومِهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَمَنَعَ السَّلَفُ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَدَبًا وَتَحَرُّزًا عَنْ ذَهَابِ الْوَهْمِ إلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا حَدُّوا إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: الْأَشْخَاصُ لَا تُحَدُّ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِّ هُنَا التَّعْرِيفُ وَالْأُصُولِيُّونَ كَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِيهِ وَالْمَحَافِظُ عَلَى التَّفْرِقَةِ الْمَنَاطِقَةُ. (قَوْلُهُ: مَعَ تَشَخُّصِهِ) أَيْ وَذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ حَدِّهِ إذْ لَا يَقَعُ فِيهِ اشْتِرَاكٌ وَإِنَّمَا تُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ بِأَنْ يَقْرَأَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَيُقَالُ هُوَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ وَالْحَدُّ إنَّمَا هُوَ لِلْمَاهِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الِاشْتِرَاكُ وَكَوْنُ الْقُرْآنِ وَاحِدًا بِالشَّخْصِ وَإِنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ عَلَمٌ شَخْصِيٌّ هُوَ مَا حَقَّقَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي التَّلْوِيحِ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ هَذَا الْمُؤَلَّفِ الْمَخْصُوصِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُتَلَفِّظِينَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا هُوَ الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ ﵇ وَلَوْ كَانَ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ الْقَائِمِ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ لَكَانَ هَذَا مُمَاثِلًا لَهُ لَا عَيْنَهُ ضَرُورَةً أَنَّ الْأَعْرَاضَ تَتَشَخَّصُ بِمُحَالِهَا فَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُحَالِ اهـ. أَيْ فَهَذَا التَّعَدُّدُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لُغَةً؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ تَنْبَنِي عَلَى الظَّاهِرِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْكَلَامِ الْمُلْتَزَمِ فِيهِ نِظَامٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ اُعْتُبِرَ هَذَا التَّعَدُّدَ كَانَ عِلْمَ جِنْسٍ فَلَا مُنَافَاةَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَقَوْلِ الْكُورَانِيِّ إنَّ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَ لَفْظَانِ مُشْتَرَكَانِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَبَيْنَ اللَّفْظِ الْمَتْلُوِّ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعِبَادِ الْحَادِثِ وَعَلَى الْأَوَّلِ كُلٌّ مِنْهُمَا عِلْمُ شَخْصٍ لِذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَعَلَى الثَّانِي عِلْمُ جِنْسٍ لِاخْتِلَافِ الْمُحَالِ وَهِيَ أَلْسِنَةُ الْعِبَادِ إذْ اخْتِلَافُ الْمُحَالِ يُنَافِي التَّشَخُّصَ. (قَوْلُهُ: بِمَا ذَكَرَ) مُتَعَلِّقٌ بِحَدُّوا. (قَوْلُهُ: لِيَتَمَيَّزَ) أَيْ لَا لِتَصَوُّرِ مَاهِيَّتِه. (قَوْلُهُ: مَعَ ضَبْطِ كَثْرَتِهِ) أَيْ مَعَ مَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ مِنْ ضَبْطِ كَثْرَةِ أَجْزَائِهِ بِبَيَانِ اشْتِرَاكِهَا فِي الِاتِّصَافِ بِمَا ذَكَرَ، وَهَذَا إشَارَةٌ لِفَائِدَةٍ ثَانِيَةٍ لِحَدِّهِ. (قَوْلُهُ: عَمَّا لَا يُسَمَّى) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِيَتَمَيَّزَ أَيْ لِيَحْصُلَ امْتِيَازُ مَدْلُولِ عَمَّا لَيْسَ قُرْآنًا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ عَرَفَ الْإِنْزَالَ

стр. 293

مِنْ الْكَلَامِ فَخَرَجَ عَنْ أَنْ يُسَمَّى قُرْآنًا بِالْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَحَادِيثُ غَيْرُ الرَّبَّانِيَّةِ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ مَثَلًا وَبِالْإِعْجَازِ أَيْ إظْهَارُ صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَاهُ الرِّسَالَةَ. مَجَازًا عَنْ إظْهَارِ عَجْزِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّبَّانِيَّةَ كَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» إلَخْ وَغَيْرِهِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِعْجَازِ، وَإِنْ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لِغَيْرِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي التَّمْيِيزِ وَقَوْلُهُ بِسُورَةٍ مِنْهُ أَيْ أَيِّ سُورَةٍ كَانَتْ مِنْ جَمِيعِ سُوَرِهِ حِكَايَةً لِأَقَلَّ مَا وَقَعَ بِهِ الْإِعْجَازُ الصَّادِقُ بِالْكَوْثَرِ أَقْصَرِ سُورَةٍ وَمِثْلُهَا فِيهِ قَدْرُهَا مِنْ غَيْرِهَا بِخِلَافِ مَا دُونَهَا ــ [حاشية العطار] وَالْإِعْجَازَ وَالسُّورَةَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِتَمْيِيزِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ لِلْإِعْجَازِ لَيْسَ لَازِمًا بَيِّنًا، فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْأَفْرَادُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ذَاتِيًّا أَوْ عَرَضِيًّا وَلِأَنَّ مَعْرِفَةَ السُّورَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَيَدُورُ فَهَذَا التَّمْيِيزُ كَمَا قَالَ النَّاصِرُ تَمْيِيزٌ فِي التَّسْمِيَةِ لَا فِي الْحَقِيقَةِ اهـ. وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا وسم حَاوَلَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ فَذَلِكَ أَنَّ تَعْبِيرَهُ بِالتَّمْيِيزِ فِي التَّسْمِيَةِ غَايَةُ التَّعَسُّفِ وَيَا لَيْتَ شِعْرِي مِنْ الْمُتَعَسِّفِ، فَإِنَّا لَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَالْعِبَارَاتُ كَثِيرًا مَا يُتَسَامَحُ فِيهَا عِنْدَ ظُهُورِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ فَلَا يَحْتَاجُ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا بَلْ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ الْمُسَامَحَةِ وَلَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْمُحَقِّقِينَ الْإِتْيَانُ بِنُقُولٍ كَثِيرَةٍ وَكَلَامٍ طَوِيلٍ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ فِيهَا تَسَامُحٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْكَلَامِ) مِنْ فِيهِ بَيَانِيَّةٌ لِمَا بِحَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ مِنْ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ أَوْ ابْتِدَائِيَّةٌ فِي مَحَلِّ الْحَالِ أَيْ لِيَتَمَيَّزَ عَمَّا لَيْسَ بِاسْمِهِ حَالَةَ كَوْنِهِ كَائِنًا وَنَاشِئًا مِنْ الْكَلَامِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ عَنْ أَنْ يُسَمَّى إلَخْ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ إخْرَاجُ مَا ذَكَرَ عَنْ التَّسْمِيَةِ لَا عَنْ الْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ: بِالْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَيْدٌ وَاحِدٌ خَرَجَ بِهِ أُمُورٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَاَلَّذِي أَفَادَهُ أَرْبَابُ الْحَوَاشِي أَنَّ قَوْلَهُ الْمُنَزَّلُ خَرَجَ بِهِ الْأَحَادِيثُ غَيْرُ الرَّبَّانِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَفْظًا مُنَزَّلًا إذْ الْمُنَزَّلُ مَعْنَاهَا وَالْمُعَبِّرُ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلِذَلِكَ جَوَّزُوا رِوَايَتَهَا بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ؛ وَلِأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ بِاجْتِهَادِهِ ﷺ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَرَجَ بِهِ الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ غَيْرُ الْقُرْآنِ. (قَوْلُهُ: الْأَحَادِيثُ غَيْرُ الرَّبَّانِيَّةِ) أَيْ الَّتِي لَيْسَتْ مَحْكِيَّةً عَنْ اللَّهِ وَهِيَ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ. (قَوْلُهُ: مَثَلًا) زَادَهَا لِإِدْخَالِ بَقِيَّةِ الْكُتُبِ وَالصُّحُفِ. (قَوْلُهُ: مَجَازًا عَنْ إظْهَارِ عَجْزِ الْمُرْسَلِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلْإِعْجَازِ لُغَةً وَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ عَلَاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ وَإِنَّمَا صُرِفَ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّ التَّنْزِيلَ لِإِظْهَارِ الصِّدْقِ وَمُفَادُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ حَقِيقَةٍ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ مَجَازٍ عَنْ حَقِيقَةٍ لِأَنَّ الْإِعْجَازَ فِي الْأَصْلِ إثْبَاتُ الْعَجْزِ، ثُمَّ نُقِلَ لِإِظْهَارِهِ ثُمَّ لِإِظْهَارِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ . (قَوْلُهُ: الْأَحَادِيثُ الرَّبَّانِيَّةُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَنْزَلَ لَفْظَهَا وَقِيلَ النَّازِلُ الْمَعْنَى وَالْمُعَبِّرُ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ فَهِيَ خَارِجَةٌ بِقَوْلِهِ الْمُنَزَّلُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لِغَيْرِهِ) كَالْمَوَاعِظِ وَالْأَحْكَامِ وَالتَّدَبُّرِ لِلْآيَاتِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ) أَيْ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْمَوَاعِظُ وَالْأَحْكَامُ وَالتَّدَبُّرُ فَقَدْ شَارَكَهُ فِيهَا الْأَحَادِيثُ وَغَيْرُهَا. (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ:) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ حِكَايَةٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ جَمِيعِ سُوَرِهِ) بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَى الْعِلْمِيُّ فَلَا يَرِدُ صِدْقُ التَّعْرِيفِ عَلَى بَعْضٍ. (قَوْلُهُ: الصَّادِقُ بِالْكَوْثَرِ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ الْكَوْثَرُ، وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْإِعْجَازَ وَقَعَ بِكُلِّ الْقُرْآنِ وَبِعَشْرِ سُوَرٍ وَبِسُورَةٍ مِنْهُ فَالسُّورَةُ أَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ الْقُرْآنِ وَالْعَشْرُ وَذَلِكَ الْأَقَلُّ صَادِقٌ بِسُورَةِ الْكَوْثَرِ وَلَمْ يَقَعْ الْإِعْجَازُ بِخُصُوصِهَا بَلْ بِمَا يُصَدَّقُ بِالسُّورَةِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْهَا وَالصَّادِقَةُ بِهَا. (قَوْلُهُ: أَقْصَرِ سُورَةٍ) مَجْرُورُ بَدَلٍ مِنْ الْكَوْثَرِ أَنْ قَرَأَ سُورَةً بِهَاءِ التَّأْنِيثِ وَنَعْتٍ أَيْضًا أَنْ قَرَأَ بِهَا الضَّمِيرَ. (قَوْلُهُ: قَدْرُهَا) أَيْ فِي عَدَدِ الْآيَاتِ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ الصَّادِقِ بِآيَتَيْنِ وَبِآيَةٍ وَبِدُونِهَا لِيُوَافِقَ قَوْلَهُمْ الْإِعْجَازُ إنَّمَا يَقَعُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا دُونَهَا) فِيهِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وَهُوَ صَادِقٌ بِالْآيَةِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ كَمَا يُصَدَّقُ بِذَلِكَ يُصَدَّقُ بِالْكُلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ عَلَى أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يُفِيدُ الْعُمُومَ اهـ. وَنَقَلَ زَكَرِيَّا عَنْ الْبِرْمَاوِيِّ أَنَّ الْإِعْجَازَ يَقَعُ بِالْآيَتَيْنِ وَبِالْآيَةِ لَكِنَّ مَحَلَّهُ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا بِهِ التَّعْجِيزُ لَا فِي كَثَمَّ نَظَرٌ

стр. 294

وَفَائِدَتُهُ كَمَا قَالَ دَفْعُ إيهَامِ الْعِبَارَةِ بِدُونِهِ أَنَّ الْإِعْجَازَ بِكُلِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَبِالْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ أَيْ أَبَدًا مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ كَمَا قَالَ مِنْهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ قَالَ عُمَرُ ﵁ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلِلْحَاجَةِ فِي التَّمْيِيزِ إلَى إخْرَاجِ ذَلِكَ زَادَ الْمُصَنِّفُ عَلَى غَيْرِهِ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَهِيَ لَا تَدْخُلُ الْحُدُودَ. (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقُرْآنِ (الْبَسْمَلَةُ أَوَّلُ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرَ بَرَاءَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ) ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: وَفَائِدَتُهُ) أَيْ فَائِدَةُ حِكَايَةِ أَقَلِّ مَا وَقَعَ بِهِ الْإِعْجَازُ أَيْ مِنْ فَوَائِدِهِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَمِنْهَا التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِلْكُلِّ دُونَ أَبْعَاضِهِ. (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ دَفْعُ إيهَامٍ إلَخْ أَيْ لِلِاحْتِرَازِ وَلَا لِلْبَيَانِ، فَإِنَّ الْقُيُودَ فِي التَّعْرِيفِ تَكُونُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ. (قَوْلُهُ: أَيْ أَبَدًا) إنَّمَا زَادَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ تَعَبَّدَ بِهِ فِيمَا مَضَى، وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ التَّأْبِيدَ إلَّا بِوَفَاتِهِ ﷺ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُسَمَّى قُرْآنًا فِي حَيَاتِهِ لِجَوَازِ نَسْخِهِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ التَّعْرِيفَ لِلْقُرْآنِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا يَضُرُّ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ قُيُودٌ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِهِ، فَإِنَّ التَّعَارِيفَ تُعْتَبَرُ فِيهَا حَالُ مَنْ أُلْقِيَتْ إلَيْهِ أَوْ أَنَّ الْأَبَدِيَّةَ شَرْطٌ لِاسْتِمْرَارِ الْقُرْآنِيَّةِ لَا لِثُبُوتِهَا؛ لِأَنَّ أَصْلَ الثُّبُوتِ حَاصِلٌ بِنُزُولِهِ. (قَوْلُهُ: مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ تَعَبَّدَ بِهَا (قَوْلُهُ: وَلِحَاجَةٍ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ زَادَ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَحْكَامِ) لِأَنَّ التَّعَبُّدَ هُوَ الطَّلَبُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِالْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ لَا تَدْخُلُ الْحُدُودَ) ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لِإِفَادَةِ التَّصَوُّرِ وَالْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ، فَلَوْ تَوَقَّفَ تَصَوُّرُهُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ الدُّورُ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْحَدَّ كَمَا يُرَادُ بِهِ تَحْصِيلُ التَّصَوُّرِ قَدْ يُرَادُ بِهِ تَمْيِيزُ تَصَوُّرٍ حَاصِلٍ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ مِنْ بَيْنِ التَّصَوُّرَاتِ وَالْمُرَادُ بِتَحْدِيدِ الْقُرْآنِ تَمْيِيزُ مُسَمَّاهُ عَمَّا عَدَاهُ بِحَسَبِ الْوُجُودِ وَالشَّيْءُ قَدْ يُمَيَّزُ بِذِكْرِ حُكْمِهِ لِمَنْ تَصَوَّرَهُ بِأَمْرٍ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَالْمُرَادُ هُنَا هَذَا، فَإِنَّ تَحْدِيدَ الْقُرْآنِ بِاللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ إلَخْ حَدَّ لَهُ بِمَا يُمَيِّزُهُ عَمَّا لَيْسَ بِقُرْآنٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ عَرَفَ الْإِنْزَالَ وَالْإِعْجَازَ مَعَ بَقِيَّةِ الْقُيُودِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَ الْقُرْآنِ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ الْبَسْمَلَةُ) عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ فَهِيَ آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ وَعَلَيْهِ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَفُقَهَاؤُهُمَا وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَخَالَفَهُمْ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَفُقَهَاؤُهَا وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ: إنَّهَا آيَةُ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ. وَلَمْ يَنُصَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ بِشَيْءِ وَإِنَّمَا قَالَ: يَقْرَؤُهَا الْمُصَلِّي وَيُسِرُّهَا. وَقَالَ يَعْلَى سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْهَا فَقَالَ: مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ قُرْآنٌ، فَقُلْت فَلِمَ سَرَّهُ؟ فَلَمْ يُجِبْنِي. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: تَوَرَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ الْوُقُوعِ فِيهَا، فَإِنَّ خَطَرَهَا عَظِيمٌ. وَقَالَ الْفَنَاِريُّ الْكَبِيرُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ: لَعَلَّ عَدَمَ إجَابَتِهِ لِظُهُورِ وَجْهِهِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْحَنَفِيَّةِ الْإِخْفَاءُ فِي الْأَذْكَارِ، وَقَدْ قَالَ جَمْعٌ غَفِيرٌ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنِ فَالِاحْتِيَاطُ فِي إخْفَائِهَا اهـ. قِيلَ وَالْأَصَحُّ الْمَقْبُولُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا آيَةٌ فَذَّةٌ وَلَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ وَالتَّبَرُّكِ بِالِابْتِدَاءِ بِهَا فَلِذَلِكَ أُخِّرَتْ عَنْ الِاسْتِعَاذَةِ وَكُتِبَتْ بِقَلَمِ الْوَحْيِ وَحَبَّرَهُ وَخَطَّهُ فِي الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ الِاسْتِعَاذَةِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَوْ مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَنَا لَكِنْ بِتَغْلِيبٍ، فَإِنَّ الْبَسْمَلَةَ أَوَّلُ الْفَاتِحَةِ قُرْآنٌ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَهَلْ هِيَ فِي أَوَائِلِ بَقِيَّةِ السُّوَرِ قُرْآنٌ قَطْعًا أَوْ حُكْمًا لَا قَطْعًا وَجْهَانِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ كَمَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى الثَّانِي. وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَمَعْنَى الْحُكْمِ هُنَا أَنَّ لَهَا حُكْمَ الْقُرْآنِ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِهَا أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَارِئًا لِلسُّورَةِ بِكَمَالِهَا إلَّا إذَا ابْتَدَأَهَا بِالْبَسْمَلَةِ مَعَ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ قُرْآنًا بِقَاطِعٍ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْحِجْرُ، فَإِنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ حُكْمًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ إلَّا خَارِجَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِنْهُ بِقَاطِعٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّهَا أَوَائِلُ السُّوَرِ قُرْآنٌ قَطْعًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ لَا مَا نَقَلَ آحَادًا وَلِاقْتِصَارِ الشَّارِحِ فِي الِاسْتِدْلَالِ هُنَا عَلَى مَا يُفِيدُ الْقَطْعَ وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ إلَخْ وَبِكَوْنِهَا قُرْآنًا حُكْمًا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ: إنَّ الْقُرْآنَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّوَاتُرِ فَمَنْ زَادَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ يُكَفِّرُ وَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْهُ يُكَفِّرُ مَعَ أَنَّهُ لَا تَكْفِيرَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّ قُرْآنِيَّتَهَا حُكْمِيَّةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضٌ: إنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ

стр. 295

لِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ كَذَلِكَ بِخَطِّ السُّوَرِ فِي مَصَاحِفِ الصَّحَابَةِ مَعَ مُبَالَغَتِهِمْ فِي أَنْ لَا يُكْتَبَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَتَّى النَّقْطُ وَالشَّكْلُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَغَيْرُهُ لَيْسَتْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْفَاتِحَةِ لِابْتِدَاءِ الْكِتَابِ عَلَى عَادَةِ اللَّهِ فِي كُتُبِهِ وَمِنْهُ سُنَّ لَنَا ابْتِدَاءُ الْكُتُبِ بِهَا وَفِي غَيْرِهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَهِيَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ النَّمْلِ إجْمَاعًا وَلَيْسَتْ مِنْهُ أَوَّلُ بَرَاءَةٍ ــ [حاشية العطار] لَا قَطْعِيَّةٌ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى أَنَّهَا مِنْهُ، وَالظَّنُّ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ التَّوَاتُرِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْآحَادُ إلَّا أَنَّ هَذَا يُشْكِلُ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ نَفْيِ الْقُرْآنِيَّةِ عَمَّا نُقِلَ آحَادًا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ تَوْصِيَةَ الصَّحَابَةِ وَمُبَالَغَتَهُمْ فِي تَجْدِيدِ الْمُصْحَفِ عَمَّا لَيْسَ بِقُرْآنِ عَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ ثَابِتَةٌ بِالتَّوَاتُرِ مُنَادِيَةً أَنَّ نَقْلَ التَّسْمِيَةِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى قُرْآنِيَّتِهَا. وَقَدْ عَارَضَ هَذِهِ عَادَةٌ مِثْلُهَا وَهِيَ أَنَّهَا فِي الشَّرِيعَةِ شِعَارُ الْفَصْلِ وَعِنْوَانُ التَّبَرُّكِ بِالِابْتِدَاءِ بِهَا فَلِمُعَارَضَةِ الْعَادَتَيْنِ فِي كِلَا الطَّرَفَيْنِ لَمْ يُكَفِّرْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ الْأُخْرَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنَّ الشُّبْهَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ دَلِيلِ كُلِّ طَائِفَةٍ قَوِيَّةٌ فِي حَقِّ الْأُخْرَى. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْهُ لِقُوَّةِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ فَالْحَقُّ مَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَنَّ نَقْلَ الْبَسْمَلَةِ بِالتَّوَاتُرِ لَكِنْ لَا عَلَى الْجَزْمِ بِأَنَّهَا قُرْآنٌ أَوْ غَيْرُ قُرْآنٍ كَيْفَ وَالْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ عَلَى افْتِتَاحِ السُّورَةِ بِالْبَسْمَلَةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ إلَخْ لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا قُرْآنِيَّتهَا لِاحْتِمَالِ الْفَصْلِ الْآتِي، وَأَمَّا تَعَيُّنُ قِرَاءَتِهَا فِي الْفَاتِحَةِ وَبُطْلَانُ صَلَاةِ التَّالِي بِتَعَمُّدِ تَرْكِهَا عِنْدَنَا فِيهَا فَلِمَعْنَى يَخُصُّ الصَّلَاةَ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ إلَخْ) دَلِيلٌ اقْتِرَانِيٌّ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ ذَكَرَ الشَّارِحُ صُغْرَاهُ وَطَوَى الْكُبْرَى وَذَكَرَ دَلِيلَهَا تَقْرِيرُهُ هَكَذَا الْبَسْمَلَةُ مَكْتُوبَةٌ أَوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ بِخَطِّ السُّوَرِ فِي مَصَاحِفِ الصَّحَابَةِ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ قُرْآنٌ فَالْبَسْمَلَةُ قُرْآنٌ أَمَّا الصُّغْرَى فَبَدِيهِيَّةٌ، وَأَمَّا الْكُبْرَى فَقَدْ ذَكَرَ دَلِيلَهَا بِقَوْلِهِ: إنَّ الصَّحَابَةَ بَالَغُوا إلَخْ. (قَوْلُهُ: بِخَطِّ السُّوَرِ) دَفَعَ بِهَذَا مَا يُقَالُ: إنَّ أَسْمَاءَ السُّوَرِ كَذَلِكَ مَكْتُوبَةٌ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهَا بِغَيْرِ خَطِّ الْمُصْحَفِ بَلْ مُتَمَيِّزَةٌ بِخَطٍّ آخَرَ وَمِدَادٍ آخَرِ. (قَوْلُهُ: فِي مَصَاحِفِ الصَّحَابَةِ) نُسِبَ إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ كَمَا نُسِبَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي جَمْعِهِ. (قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَكْتُبَ فِيهَا لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ بِخَطِّ السُّوَرِ فَحُذِفَ الْقَيْدُ مِنْ هَذَا لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ فَلَا يَرِدُ أَسْمَاءَ السُّوَرِ. (قَوْلُهُ: حَتَّى النُّقَطُ وَالشَّكْلُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْهُ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى مَا الْمَجْرُورَةُ فِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ وَهُوَ غَايَةٌ فِي الْمُبَالَغَةِ أَيْ انْتَهَتْ مُبَالَغَتُهُمْ إلَى عَدَمِ كِتَابَةِ ذَلِكَ وَعَدَمِ كِتَابَةِ آمِينَ وَالِاسْتِعَاذَةِ أَيْضًا مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ سُنَنِ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ إنَّ تَرَاجِمَ السُّوَرِ وَكَذَا النَّقْطُ وَالشَّكْلُ حَدَثَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ لَنَا أَيْضًا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ سَبْعُ آيَاتٍ أَوْلَاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقَاضِي) هُوَ مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ فَاسْتِدْلَالُهُ لِتَقْوِيَةِ مَذْهَبِهِ. (قَوْلُهُ: لَيْسَتْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرَ بَرَاءَةٍ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْفَاتِحَةِ إلَخْ) مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ كِتَابَتِهَا فِي الْفَاتِحَةِ وَفِي غَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرَ لَمَا سَاغَ كِتَابَتَهَا بِخَطِّ السُّوَرِ لِمُبَالَغَةِ الصَّحَابَةِ فِي تَجْرِيدِ الْقُرْآنِ عَمَّا عَدَاهُ وَلَكُتِبَتْ أَوَّلُ بَرَاءَةٍ وَمَا ذَكَرَ فِي الْخَبَرِ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ نَفَى كَوْنَهَا قُرْآنًا بَلْ قَدْ احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فِي نُزُولِهَا قُرْآنًا فَمُحْتَمَلٌ يَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ بِالْقَاطِعِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كِتَابَتِهَا بِخَطِّ السُّوَرِ مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَجْرِيدِ الْقُرْآنِ عَمَّا عَدَاهُ كَمَا تَقَرَّرَ اهـ زَكَرِيَّا وَيُقَوِّيهِ مَا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ

стр. 296

لِنُزُولِهَا بِالْقِتَالِ الَّذِي لَا تُنَاسِبُهُ الْبَسْمَلَةُ الْمُنَاسِبَةُ لِلرَّحْمَةِ وَالرِّفْقِ (لَا مَا نُقِلَ آحَادًا) قُرْآنًا كَإِيمَانِهِمَا فِي قِرَاءَةِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا إيمَانَهُمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ (عَلَى الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لِإِعْجَازِهِ النَّاسَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَفْسِهِ تَوَاتُرًا وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاتِرًا فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ لِعَدَالَةِ نَاقِلِهِ وَيَكْفِي التَّوَاتُرُ فِيهِ. (وَ) الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ ــ [حاشية العطار] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَنْ تَرَكَهَا أَيْ الْبَسْمَلَةَ فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وَأَرْبَعَةَ عَشْرَةَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْعَادَةِ وَذَكَرَ بِتَأْوِيلِهَا بِالِاعْتِيَادِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَخْ) دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ لِلْفَصْلِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: لَا يُعْرَفُ إلَخْ) فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِهَا لِلْفَصْلِ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لِكَوْنِهَا مِمَّا بَعْدَهَا وَلِعَدَمِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَتْ مِنْهُ أَوَّلُ بَرَاءَةٍ) الْمُنَاسِبُ وَلَمْ تُوجَدْ لِإِيهَامِ عِبَارَتِهِ أَنَّهَا وُجِدَتْ أَوَّلُ بَرَاءَةٍ لَكِنْ لَيْسَتْ مِنْهَا مَعَ أَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ قَالَ سم وَلَمْ يَقُلْ إجْمَاعًا لَعَلَّهُ لِتَرَدُّدِهِ فِيهِ وَإِلَّا فَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ نِسْبَةَ الشَّارِحِ لِلتَّرَدُّدِ فِي مِثْلِهِ مِمَّا يَقْدَحُ فِي سَعَةِ اطِّلَاعِهِ وَالْعَجَبُ أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْسُبُهُ لِسَعَةِ الِاطِّلَاعِ فِي مَوَاضِعَ يُخَالِفُ فِيهَا الْجَمَّ الْغَفِيرَ مَعَ نِسْبَةِ التَّرَدُّدِ إلَيْهِ فِيمَا هُوَ غَيْرُ خَافٍ عَلَى غَيْرِهِ فَضْلًا عَنْهُ فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الْإِجْمَاعِ لِظُهُورِهِ وَلَا غِنَاءَ ذَكَرَهُ قَبْلَهُ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: وَالرِّفْقِ) عَطْفُ مُرَادِفٍ وَالرَّحْمَةُ وَالرِّفْقُ مُنَافِيَانِ لِلْقِتَالِ الَّذِي تَضَمَّنَتْ الْأَمْرَ بِهِ. (قَوْلُهُ: لَا مَا نُقِلَ آحَادًا) أَيْ غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نُقِلَتْ آحَادًا لِيَصِحَّ الْعَطْفُ بِلَا، فَإِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يُصَدِّقَ أَحَدُ مُتَعَاطِفَيْهَا عَلَى الْآخَرِ قَالَهُ سم وَفِيهِ مَا قَدْ عَلِمْت. (قَوْلُهُ: تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي) أَيْ تَكْثُرُ وَضَمِنَهُ مَعْنَى تَجْمَعُ فَعَدَّاهُ بِعَلَى. (قَوْلُهُ: تَوَاتُرًا) فَلَوْ كَانَ مَا نُقِلَ آحَادًا قُرْآنًا لِتَوَاتُرِ نَقْلُهُ. (قَوْلُهُ: وَيَكْفِي التَّوَاتُرُ فِيهِ) أَيْ الْعَصْرِ الْأَوَّلُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَصْرِ الْأَوَّلِ غَيْرَ قُرْآنٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا لِانْقِطَاعِ تَوَاتُرِهِ وَالْكَلَامُ فِي الْقُرْآنِ الْمُسْتَمِرَّةُ قُرْآنِيَّتُهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأَزْمَانِ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ فِي الْمَنْقُولِ قُرْآنًا وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّاذِّ (قَوْلُهُ: وَالْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ إلَخْ) هَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَّا مَنْ شَذَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ كَصَاحِبِ الْبَدِيعِ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا مَشْهُورَةٌ وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهَا آحَادٌ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ وَالْمُرَادُ نَفْيُ التَّوَاتُرِ عَنْ قِرَاءَةِ الشَّيْخِ الْمَخْصُوصِ بِتَمَامِهَا كَنَافِعٍ مَثَلًا بَلْ مِنْهَا مَا هُوَ آحَادٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيُ التَّوَاتُرِ مِنْ أَصْلِهِ وَالْإِلْزَامُ نَفْيُ التَّوَاتُرِ عَنْ الْقُرْآنِ كُلِّهِ وَالْإِجْمَاعُ خِلَافُهُ وَهُنَا بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَسَانِيدَ إلَى الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ وَأَسَانِيدِهِمْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الْقِرَاءَةِ آحَادٌ لَا تَبْلُغُ عَدَدَ التَّوَاتُرِ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّوَاتُرُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ انْحِصَارَ الْأَسَانِيدِ الْمَذْكُورَةِ فِي طَائِفَةِ لَا يَمْنَعُ مَجِيءَ الْقُرْآنِ عَنْ غَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا نُسِبَتْ الْقِرَاءَةُ إلَى الْأَئِمَّةِ وَمَنْ ذُكِرَ فِي أَسَانِيدِهِمْ وَالْأَسَانِيدُ إلَيْهِمْ لِتَصَدِّيهِمْ لِضَبْطِ الْحُرُوفِ وَحِفْظِ شُيُوخِهِمْ فِيهَا وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي طَبَقَتِهِ مَا يَبْلُغُهَا عَدَدُ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ تَلَقَّاهُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ بِقِرَاءَةِ إمَامِهِمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ عَنْ مِثْلِهِمْ، وَكَذَلِكَ دَائِمًا مَعَ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لِقِرَاءَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ بِالْقَبُولِ الثَّانِي أَنَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ قَاطِعَيْنِ، فَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ لَمَا تَعَارَضَتْ مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا ذَلِكَ

стр. 297

الْمَعْرُوفَةُ لِلْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ أَبِي عَمْرٍو وَنَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ وَعَامِرٍ وَعَاصِمٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ (مُتَوَاتِرَةٌ) مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَيْنَا أَيْ نَقَلَهَا عَنْهُ جَمْعٌ يَمْتَنِعُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِمِثْلِهِمْ وَهَلُمَّ (قِيلَ) يَعْنِي قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ (فِيمَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ) أَيْ فَمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِهِ بِأَنْ كَانَ هَيْئَةً لِلَّفْظِ يَتَحَقَّقُ بِدُونِهَا فَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ وَذَلِكَ (كَالْمَدِّ) الَّذِي زِيدَ فِيهِ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا عَلَى أَصْلِهِ حَتَّى بَلَغَ قَدْرَ أَلِفَيْنِ فِي نَحْوِ جَاءَ وَمَا أَنْزَلَ وَوَاوَيْنِ فِي نَحْوِ: السُّوءُ، وَقَالُوا: أَنُؤْمِنُ، وَيَاءَيْنِ فِي نَحْو: جِيءَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ بِنِصْفٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ بِنِصْفٍ أَوْ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ طُرُقٌ لِلْقُرَّاءِ (وَالْإِمَالَةُ) الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْأَصْلِ مَعَ الْفَتْحِ مَحْضَةٌ أَوْ بَيْنَ بَيْنَ بِأَنْ يُنَحِّيَ بِالْفَتْحَةِ فِيمَا يُمَالُ كَالْغَارِ نَحْوَ الْكَسْرَةِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبِ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْفَتْحَةِ. (وَتَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ) الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ مِنْ التَّحْقِيقِ نَقْلًا نَحْوَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] وَإِبْدَالًا نَحْوَ يُؤْمِنُونَ وَتَسْهِيلًا نَحْوَ أَيِنَّكُمْ وَإِسْقَاطًا نَحْو ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [النحل: ٦١] (قَالَ أَبُو شَامَةَ وَالْأَلْفَاظُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ) أَيْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَدَاءِ الْكَلِمَةِ يَعْنِي غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ كَأَلْفَاظِهِمْ فِيمَا فِيهِ حَرْفٌ مُشَدَّدٌ نَحْوَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] بِزِيَادَةٍ عَلَى أَقَلِّ التَّشْدِيدِ مِنْ مُبَالَغَةٍ أَوْ تَوَسُّطٍ وَغَيْرُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَبِي شَامَةَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمَا قَالَاهُ وَالْمُصَنِّفُ ــ [حاشية العطار] وَجَوَابُهُ أَنَّا نَمْنَعُ التَّعَارُضَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ بِإِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ لَا يُنْكِرُ الْأُخْرَى وَلَا يَتَأَتَّى التَّعَارُضُ إلَّا لَوْ نَفَى قِرَاءَةَ غَيْرِهِ وَشُهْرَتُهُ بِرِوَايَتِهِ وَاعْتِنَاؤُهُ بِهَا لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَنْفِي غَيْرَهَا كَأَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ. (قَوْلُهُ: الْمَعْرُوفَةُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ. (قَوْلُهُ: يَمْتَنِعُ عَادَةً) أَيْ يُحِيلُ الْعَقْلُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ تَوَافُقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ كَانَ التَّوَافُقُ قَصْدًا أَوْ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ. (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ) لِأَنَّ الْهَيْئَةَ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا مِنْ قِرَاءَتِهِ ﷺ وَقَوْلُ الْكُورَانِيِّ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ نَقْلَةَ الْمُدُودِ هُمْ نَقَلَةُ الْقُرْآنِ وَلَوْ كَانَ الْمَدُّ وَنَحْوُهُ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ لَزِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ أَصْلُ الْمَدِّ وَاَلَّذِي قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِعَدَمِ تَوَاتُرِهِ مَا يَتَحَقَّقُ اللَّفْظُ بِدُونِهِ وَهُوَ مَا زِيدَ فِي الْمَدِّ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الَّذِي زِيدَ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِنِصْفِ إلَخْ) فَيَكُونُ ثَلَاثُ حَرَكَاتٍ. (قَوْلُهُ: أَوْ اثْنَيْنِ) فَيَكُونُ ثَمَانِيَةَ حَرَكَاتٍ. (قَوْلُهُ: الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْأَصْلِ) ، وَأَمَّا أَصْلُ الْإِمَالَةِ فَمُتَوَاتِرٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْفَتْحِ) بَيَانٌ لِلْأَصْلِ وَقَوْلُهُ: نَفْلًا إلَخْ حَالٌ مِنْ التَّخْفِيفِ. (قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو شَامَةَ وَالْأَلْفَاظِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالْمَدِّ. (قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ الْأَمْثِلَةِ وَسَيَظْهَرُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَجْهُ الْعِنَايَةِ. (قَوْلُهُ: كَأَلْفَاظِهِمْ) أَيْ تَلَفُّظِهِمْ وَنُطْقِهِمْ فَصَحَّتْ الظَّرْفِيَّةُ. (قَوْلُهُ: بِزِيَادَةِ) حَالٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْيَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَقَلِّ التَّشْدِيدِ) الَّذِي هُوَ مُتَوَاتِرٌ. (قَوْلُهُ: هِيَ مُبَالَغَةٌ أَوْ تَوَسُّطٌ) بَيَانٌ لِلزِّيَادَةِ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَخْ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى وَجْهِ ضَعْفِهِ وَأَنَّهُ قَوْلٌ لَا سَلَفَ لَهُمَا فِيهِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي أَوَّلِ النَّشْرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَقَدَّمَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ عَلَى تَوَاتُرِ ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَافَقَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا ضَعَّفَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ حَيْثُ عُمُومُ مَفْهُومِ قَوْلِهِ مَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ تَوَاتُرِ كُلٍّ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْأَدَاءِ مَعَ أَنَّ بَعْضَهُ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ إمَّا جَزْمًا أَوْ تَرَدُّدًا. (قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ) هُوَ الْمَدُّ وَالثَّانِي الْإِمَالَةُ وَالثَّالِثُ التَّخْفِيفُ وَالرَّابِعُ الْأَلْفَاظُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ. (قَوْلُهُ: وَمَقْصُودُهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: تِلْكَ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ يُقَالُ يُغْنِي عَنْ هَذَا الْعِنَايَةُ السَّابِقَةُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ

стр. 298

وَافَقَ عَلَى عَدَمِ تَوَاتُرِ الْأَوَّلِ وَتَرَدَّدَ فِي تَوَاتُرِ الثَّانِي وَجَزَمَ بِتَوَاتُرِ الثَّالِثِ بِأَنْوَاعِهِ السَّابِقَةِ، وَقَالَ فِي الرَّابِعِ: إنَّهُ مُتَوَاتِرٌ فِيمَا يَظْهَرُ وَمَقْصُودُهُ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي شَامَةَ الْمُتَنَاوِلُ بِظَاهِرِهِ لِمَا قَبْلَهُ مَعَ زِيَادَةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ الَّتِي مَثَّلَهَا بِمَا تَقَدَّمَ. عَلَى أَنَّ أَبَا شَامَةَ لَمْ يُرِدْ جَمِيعَ الْأَلْفَاظِ إذْ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُرْشِدِ الْوَجِيزِ مَا شَاعَ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُقْرِئِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ مُتَوَاتِرَةٌ نَقُولُ بِهِ فِيمَا اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ دُونَ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ نُفِيَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ لَا سِيَّمَا كُتُبِ الْمَغَارِبَةِ وَالْمَشَارِقَةِ فَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَا نَلْتَزِمُ التَّوَاتُرَ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ أَيْ بَلْ مِنْهُمَا الْمُتَوَاتِرُ، وَهُوَ مَا اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْهُمْ وَغَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَهُوَ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَتَنَاوَلُ مَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ وَمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِهِ، وَإِنْ حَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ قَبِيلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّاذِّ) أَيْ مَا نُقِلَ قُرْآنًا آحَادًا لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا خَارِجِهَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى وَكَانَ قَارِئُهُ عَامِدًا عَالِمًا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَا وَرَاءَ الْعَشَرَةِ) أَيْ السَّبْعَةِ وَقِرَاءَاتُ يَعْقُوبَ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَخَلَفٍ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا (وِفَاقًا لِلْبَغَوِيِّ وَالشَّيْخِ الْإِمَامِ) وَالِدِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُخَالِفُ رَسْمَ السَّبْعِ مِنْ صِحَّةِ السَّنَدِ وَاسْتِقَامَةِ الْوَجْهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ ــ [حاشية العطار] تَوْطِئَة لِقَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: الْمُتَنَاوَلُ بِظَاهِرِهِ) وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ فِيمَا تَقَدَّمَ يَعْنِي غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى نَقْلِ الْمُصَنِّفِ عَنْ أَبِي شَامَةَ مَا تَقَدَّمَ بِأَنَّ فِيهِ عُمُومًا وَخُصُوصًا فَهُوَ اعْتِرَاضٌ مِنْ وَجْهَيْنِ حَيْثُ نُقِلَ عَنْهُ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ عَلَى نَقْلِهَا عَنْ الْقُرَّاءِ وَاَلَّتِي اخْتَلَفَتْ وَهُوَ قَائِلٌ بِالثَّانِي فَقَطْ، وَحَيْثُ خَصَّ كَلَامَهُ بِمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ بِظَاهِرِهِ شَامِلٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: فِي كِتَابِهِ الْمُرْشِدِ) هُوَ الْمُرْشِدُ اخْتَصَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ. (قَوْلُهُ: فِيمَا اتَّفَقَتْ) وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِيهِ كَلَامُ الْقُرَّاءِ فِيمَا بَيْنَهُمْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُهُ. (قَوْلُهُ: دُونَ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ) كَأَنْ نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ قَارِئٍ وَنَفَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: فِي بَعْضِ الطُّرُقِ) هُمْ رُوَاةُ الرُّوَاةِ كَرُوَاةِ نَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ إلَخْ) مِنْ كَلَامِ أَبِي شَامَةَ وَآخِرُهُ قَوْلُهُ: بَيْنَ الْقُرَّاءِ. (قَوْلُهُ: بِالْمَعْنَى السَّابِقِ) بِأَنْ نُفِيَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الطُّرُقُ. (قَوْلُهُ: يَتَنَاوَلُ مَا لَيْسَ إلَخْ) أَيْ وَالْمُصَنِّفُ خَصَّهُ بِمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ فَقَدْ خَصَّصَ فِي مَوْضِعِ التَّعْمِيمِ وَعَمَّمَ فِي مَوْضِعِ التَّخْصِيصِ (قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّاذِّ) أَيْ يَمْتَنِعُ قِرَاءَتُهُ مَعَ اعْتِقَادِ قُرْآنِيَّتِهِ بَلْ مُجَرَّدُ اعْتِقَادِ قُرْآنِيَّتِهِ كَذَلِكَ أَمَّا مُجَرَّدُ قِرَاءَتِهِ لَا مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ مِنْهُ إلَّا إنْ خَلَطَهُ بِالْقُرْآنِ وَقَرَآهُمَا مَعًا عَلَى مَسَاقٍ يَدُلُّ عَلَى قُرْآنِيَّةِ الْجَمِيعِ. (قَوْلُهُ: أَيْ مَا نُقِلَ قُرْآنًا آحَادًا) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنَاطَ الْجَوَازِ التَّوَاتُرُ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَنْقُولِ آحَادًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ السَّنَدِ ذَا وَجْهٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ إلَخْ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ اللَّائِقُ بِالشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ فِي مَا سَيَأْتِي فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ بَدَلُ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا لَا تُخَالِفُ إلَخْ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ صَرَّحَ بِتَوَاتُرِ الثَّلَاثِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَقَالَ: إنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ تَوَاتُرِهَا فِي غَايَةِ السُّقُوطِ اهـ. فَقَدْ خَلَطَ الشَّارِحُ طَرِيقَةَ الْأُصُولِيِّينَ بِطَرِيقَةِ الْقُرَّاءِ فِي الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ أَفَادَهُ الْكَمَالُ وَسَيَأْتِي الِاعْتِذَارُ عَنْ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: أَنَّ غَيْرَ الْمَعْنَى) أَيْ إنْ زَادَ حَرْفًا أَوْ نَقَصَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَيَّدَ سم الزِّيَادَةَ بِتَغَيُّرِ الْمَعْنَى قَالَ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الزِّيَادَةِ لَا تُبْطِلُ، وَإِنْ لَمْ تَرِدْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَلَامُهُمْ فَكَيْفَ إذَا وَرَدَتْ. (قَوْلُهُ: عَالِمًا) أَيْ بِالْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تُخَالِفُ رَسْمَ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ التَّعْرِيفُ، وَهَذَا إشَارَةٌ لِضَابِطٍ لِلْقُرَّاءِ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ فَكُلُّ قِرَاءَةٍ اجْتَمَعَتْ فِيهَا هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ فَهِيَ مُعْتَمَدَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً أَمْ لَا وَكُلُّ قِرَاءَةٍ اخْتَلَّ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْهَا فَهِيَ شَاذَّةٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ

стр. 299

وَمُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ وَلَا يَضُرُّ فِي الْعَزْوِ إلَى الْبَغَوِيّ عَدَمُ ذِكْرِهِ خَلَفًا، فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ الْقِرَاءَاتِ التِّسْعَةِ إذْ لَهُ فِي كُلِّ حَرْفٍ مُوَافِقٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَيْئَةٌ لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَجُعِلَتْ قِرَاءَةٌ تَخُصُّهُ (وَقِيلَ) الشَّاذُّ (مَا رَوَاهُ السَّبْعَةُ) فَتَكُونُ الثَّلَاثُ مِنْهُ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا عَلَى هَذَا، وَإِنْ حَكَى الْبَغَوِيّ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَوَازِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِخَلَفٍ كَمَا تَقَدَّمَ (أَمَّا إجْرَاؤُهُ مَجْرَى) الْأَخْبَارِ (الْآحَادِ) فِي الِاحْتِجَاجِ (فَهُوَ الصَّحِيحُ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ ــ [حاشية العطار] وَحَيْثُ مَا يَخْتَلُّ رُكْنٌ أَثْبِتَ ... شُذُوذَهُ لَوْ أَنَّهُ فِي السَّبْعَةِ وَعَلَى هَذَا دَرَجَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ الْبَغَوِيّ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا الْقِرَاءَةَ إلَى مُتَوَاتِرَةٍ وَهِيَ مَا تَوَاتَرَ نَقْلُهَا وَصَحِيحَةٍ وَهِيَ مَا اجْتَمَعَ فِيهَا الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ وَشَاذَّةٌ وَهِيَ مَا سِوَاهُمَا، وَجَوَّزُوا الْقِرَاءَةَ بِالْأَوَّلِينَ. وَأَمَّا الْأُصُولِيُّونَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ النَّوَوِيُّ فَلَا يَكْتَفُونَ بِذَلِكَ بَلْ يَشْتَرِطُونَ التَّوَاتُرَ فَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ الْقِرَاءَةُ بِمَا زَادَ عَلَى السَّبْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ هَذَا. وَقَدْ اسْتَشْكَلَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ ضَبْطَ الْقُرَّاءِ بِاسْتِقَامَةِ الْوَجْهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ قَائِلًا: إنْ أَرَادُوا الْوَجْهَ الَّذِي هُوَ الْجَادَّةُ لَزِمَ شُذُوذُ قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ، وَإِنْ أَرَادُوا وَجْهًا وَلَوْ بِتَكَلُّفِ شُذُوذِ خُرُوجٍ عَنْ الْأُصُولِ فَمُمْكِنٌ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ اهـ. قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ لَكِنْ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَتَوَاتَرْ أَمَّا مَا تَوَاتَرَ فَتَجُوزُ بِهِ الْقِرَاءَةُ مُطْلَقًا وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يَقْطَعُ بِنِسْبَتِهِ إلَيْهِ ﷺ فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّوَقُّفُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ اهـ. وَفِي الْكَشَّافِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ بِرَفْعِ الْقَتْلِ وَنَصْبِ الْأَوْلَادِ وَجَرِّ الشُّرَكَاءِ عَلَى إضَافَةِ الْقَتْلِ إلَى الشُّرَكَاءِ وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ الظَّرْفِ فَشَاذٌّ قَالَ: وَاَلَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ شُرَكَائِهِمْ مَكْتُوبًا بِالْيَاءِ وَلَوْ قَرَأَ بِجَرِّ الْأَوْلَادِ وَالشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ شُرَكَاؤُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ لَوَجَدَ فِي ذَلِكَ مَنْدُوحَةً عَنْ هَذَا الِارْتِكَابِ اهـ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ سَقَطَاتِهِ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ لَا بِطَرِيقِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، وَقَدْ ذَكَرَ هُنَا كَلَامًا رَأَيْنَا تَرْكَهُ خَيْرًا مِنْ ذِكْرِهِ سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: وَمُوَافَقَةُ خَطِّ) وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ. (قَوْلُهُ: الْمُصْحَفُ الْإِمَامُ) هُوَ مُصْحَفُ عُثْمَانَ ﵁؛ لِأَنَّهُ إمَامُ الْمَصَاحِفِ وَقُدْوَتُهَا. (قَوْلُهُ: لَا يَضُرُّ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ اعْتِرَاضِ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الْمَوْجُودَ أَوَّلَ تَفْسِيرِ الْبَغَوِيّ ذِكْرُ أَبِي جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبَ دُونَ خَلَفٍ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَأْخَذَ الْجَوَابِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ. (قَوْلُهُ: فِي كُلِّ حَرْفٍ) الْمُرَادُ بِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي فِيهَا الْقِرَاءَةُ. (قَوْلُهُ: فَجُعِلَتْ قِرَاءَةً تَخُصُّهُ) فَنَظَرَ الْمُصَنِّفُ إلَى ذَلِكَ وَالْبَغَوِيُّ لَمْ يَذْكُرْهُ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ فَلَمْ تُجْعَلْ قِرَاءَةً مُسْتَقِلَّةً. (قَوْلُهُ: مَا وَرَاءَ السَّبْعَةِ) أَيْ مَا انْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ عَنْ السَّبْعَةِ إمَامًا وَافَقَ فِيهِ غَيْرَ وَاحِدٍ قَطْعًا مِنْ السَّبْعَةِ فَمُتَوَاتِرٌ. (قَوْلُهُ: فَتَكُونُ الثَّلَاثُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الشَّاذِّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ اعْتِمَادُهُ لَكِنَّ أَئِمَّةَ الْقُرَّاءِ عَلَى إنْكَارِهِ أَشَدُّ إنْكَارٍ حَتَّى لَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَظَّرَ الْقِرَاءَةَ بِالثَّلَاثِ الزَّائِدَةِ عَلَى السَّبْعِ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَكَى الْبَغَوِيّ الِاتِّفَاقَ) أَيْ، فَإِنَّهُ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إلَيْهِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّ الشَّاذَّ مَا وَرَاءَ السَّبْعَةِ. (قَوْلُهُ: مُجْرَى) بِالضَّمِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الرُّبَاعِيِّ، ثُمَّ لَمَا كَانَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ آحَادًا وَإِنَّمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهَا مَعَ أَنَّهُ آحَادٌ بَيْنَ الشَّارِحِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْأَخْبَارُ إلَخْ وَقَرِينَةُ هَذَا الْمَحْذُوفِ إشْعَارُ لَفْظِ الْآحَادِ بِهَا، فَإِنَّ مَوْصُوفَهَا الْمَنْقُولَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ خَبَرًا. (قَوْلُهُ: فَهُوَ الصَّحِيحُ) أَيْ وَلَوْ قُلْنَا: الشَّاذُّ مَا وَرَاءَ السَّبْعَةِ فَغَايَرَ الصَّحِيحُ السَّابِقَ وَالْأَحْسَنُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ أَمَّا إجْرَاؤُهُ لِلشَّاذِّ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ إلَخْ) نَظَرَ فِيهِ الْكُورَانِيُّ بِمَنْعِ الْحَصْرِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ مَذْهَبَ الرَّاوِي وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ قَطْعَ السَّارِقِ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ لَا يُفِيدُ لِاحْتِمَالِ ثُبُوتِ رَفْعِهِ عِنْدَهُ وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِهِ اهـ. وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مَرْفُوعٌ قَطْعًا فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ تَحْرِيرُ كَوْنِهِ مَذْهَبَ الرَّاوِي، بَلْ لَوْ سُلِّمَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ عَدَمُ تَصْرِيحِ الرَّاوِي بِرَفْعِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ إذْ

стр. 300

خُصُوصِ قُرْآنِيَّتِهِ انْتِفَاءُ عُمُومِ خَبَرِيَّتِهِ، وَالثَّانِي وَعَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُقِلَ قُرْآنًا وَلَمْ تَثْبُتْ قُرْآنِيَّتُهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ احْتِجَاجُ كَثِيرٍ مِنْ فُقَهَائِنَا عَلَى قَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ بِقِرَاءَةِ أَيْمَانِهِمَا وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبُوا التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ بِقِرَاءَةِ مُتَتَابِعَاتٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ كَأَنَّهُ لَمَّا صَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إسْنَادَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَزَلَتْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٌ. (وَلَا يَجُوزُ وُرُودُ مَا لَا مَعْنَى لَهُ ــ [حاشية العطار] الْقُرْآنِيَّةُ مِمَّا لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهَا فَمِثْلُ ذَلِكَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الرَّفْعِ وَالشَّافِعِيُّ ﵁ اسْتَدَلَّ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا قِرَاءَةً شَاذَّةً، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الِاحْتِجَاجَ بِهَا فِيمَا حَكَاهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبْ التَّتَابُعَ إلَخْ فَقَدْ دَفَعَهُ الشَّارِحُ وَبَقِيَ هُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ السُّنَّةِ أَنَّ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِكَذِبِهِ الْمَنْقُولُ آحَادًا إذَا كَانَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ تَوَاتُرًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الشَّاذَّ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِكَذِبِهِ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ آحَادًا وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ تَوَاتُرًا فَمَعَ الْقَطْعِ بِكَذِبِهِ كَيْفَ يَصِحُّ إجْرَاؤُهُ مَجْرَى الْأَخْبَارِ الْآحَادِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَكَيْفَ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ صِحَّةُ السَّنَدِ وَاسْتِقَامَةُ الْوَجْهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَمُوَافَقَةُ خَطِّ الْمُصْحَفِ الْإِمَام، وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ إمَّا بِأَنَّ اللَّازِمَ مِمَّا ذَكَرَ الْقَطْعُ بِكَذِبِهِ مِنْ حَيْثُ الْقُرْآنِيَّةُ لَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ الْآحَادِ إذَا كَانَتْ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا فَإِذَا سَقَطَتْ سَقَطَتْ مُطْلَقًا إذْ لَيْسَ لَهَا جِهَتَانِ حَتَّى تَسْقُطَ إحْدَاهُمَا وَتَبْقَى الْأُخْرَى وَإِمَّا بِأَنْ تَتَوَفَّرَ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ تَوَاتُرًا إنَّمَا يَقْتَضِي نَقْلَهُ تَوَاتُرًا فِي الْجُمْلَةِ وَعَدَالَةُ نَاقِلِيهِ تَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاتِرًا فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُ الْقَطْعُ بِكَذِبِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعِ بِكَذِبِهِ مَا لَمْ يَحْتَمِلْ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاتِرًا فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ احْتِمَالًا لَهُ مُنْشَأٌ مُعْتَبَرٌ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ قُرْآنِيَّتُهُ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ التَّوَاتُرَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ قُرْآنِيَّتِهِ قَطْعًا لَا فِي ثُبُوتِهَا فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا فَلْيُتَأَمَّلْ أَفَادَهُ سم. (قَوْلُهُ: انْتِفَاءُ عُمُومِ خَبَرِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْخَاصِّ انْتِفَاءُ الْعَامِّ. (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) أَيْ مُقَابِلُ الصَّحِيحِ ادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَتَبِعَهُ فِيهِ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لِأَنَّ نَاقِلَهَا لَمْ يَنْقُلْهَا إلَّا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا لَمْ يَثْبُتْ خَبَرًا اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إنَّمَا نُقِلَ قُرْآنًا) أَيْ لَا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ حَتَّى لَا يَلْزَمَ مِنْ نَفْيِ الْقُرْآنِيَّةِ نَفْيُ الْخَبَرِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَثْبُتْ) أَيْ لِعَدَمِ التَّوَاتُرِ، وَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ قُرْآنِيَّتُهُ فَلَا تَثْبُتُ خَبَرِيَّتُهُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْخَبَرِيَّةِ. (قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ لَمَّا صَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ) إنَّمَا أَتَى بِالْكَانِيَّةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ النَّسْخَ لِلتِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: فَسَقَطَتْ) أَيْ نُسِخَتْ تِلَاوَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّهَا سَقَطَتْ دُونَ نَسْخٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ وُرُودُ مَا لَا مَعْنَى لَهُ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْوُرُودَ وَعَدَمَهُ لَيْسَ فِي قُدْرَتِنَا وَقَدْ تَرْجَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمِنْهَاجِ بِقَوْلِهِ لَا يُخَاطِبُ اللَّهُ بِمُهْمَلٍ وَهِيَ أَوْلَى وَإِنْ اسْتَلْزَمَهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِجِهَةِ عُمُومِهِ فَإِنَّ وُرُودَ مَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي الْقُرْآنِ شَامِلٌ لَأَنْ يَكُونَ خِطَابًا أَوْ غَيْرَهُ ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمُهْمَلِ اللَّفْظُ الَّذِي لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنًى أَصْلًا أَوْ مَا لَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ النِّزَاعِ كَيْفَ وَالْقُرْآنُ الْعَزِيزُ فِي أَعْلَا طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ الْمُشْتَرَطِ فِيهَا فَصَاحَةُ الْكَلَامِ وَوُقُوعُ مَا يُخِلُّ بِالْفَصَاحَةِ فِيهِ يُخْرِجُهُ عَنْهَا فَكَيْفَ بِالْمُهْمَلِ، وَأَيْضًا لَوْ تَلَفَّظَ وَاحِدٌ مِنَّا فِي خِطَابِهِ بِمُهْمَلٍ نُسِبَ إلَى هَذَيَانٍ وَعَبَثٍ فَكَيْفَ بِالْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ، وَأَيْضًا لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ فِي الْقُرْآنِ لَلَزِمَ إفْحَامُ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنَّهُ يُخَاطِبُ بِهِ مَصَاقِعَ الْبُلَغَاءِ وَأَعَاظِمَ الْفُصَحَاءِ الَّذِينَ هُمْ نَقَدَةُ الْكَلَامِ وَحَاكَّةُ بُرَدَهُ وَقَدْ تَطَأْطَأَتْ رُءُوسُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِ وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَغْمَزًا مِنْ جِهَةِ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ فَلَوْ وَقَعَ فِيهِ لَفْظٌ مُهْمَلٌ لَسَارَعُوا إلَى الْمُبَادَرَةِ بِالطَّعْنِ فِيهِ وَأَيْضًا التَّمْثِيلُ الْمُورَدُ بِفَوَاتِحِ السُّوَرِ يَأْبَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ وَلِلَّهِ دَرُّ الْكُورَانِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ حَيْثُ قَالَا: إنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ إنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا مَعْنَى لَهُ. وَقَالَ

стр. 301

فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خِلَافًا لِلْحَشَوِيَّةِ) فِي تَجْوِيزِهِمْ وُرُودَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ قَالُوا لَوَجَدُوهُ فِيهِ كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّوَرِ وَفِي السُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْكِتَابِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُرُوفَ أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ ــ [حاشية العطار] الْآمِدِيُّ وَكَفَى بِهِ حُجَّةً لَا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ أَصْلًا وَلَا إلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ وَاقِعٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ لَا يُقَالُ: إنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَلَا يَلْزَمُهُ الْوُقُوعُ لِأَنَّا نَقُولُ: الْإِقْدَامُ عَلَى تَجْوِيزِ مِثْلِهِ تَجَاسُرٌ غَيْرُ لَائِقٍ فَإِنَّهُ نَقْصٌ وَالنَّقْصُ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ مُحَالٌ عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ أَنْجَزَ آخِرًا إلَى الْوُقُوعِ بِالْفِعْلِ يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ قَالُوا لِوُجُودِهِ إلَخْ. وَقَدْ يُقَالُ بِاخْتِيَارِ الثَّانِي وَأَنَّ الْمَعْنَى بِالْمُهْمَلِ مَا لَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ بِحَسَبِ مُرَادِهِ تَعَالَى وَإِنْ أَمْكَنَ فَهْمُهُ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ فِي مِنْهَاجِهِ أَنَّ اللَّفْظَ الْخَالِيَ عَنْ الْبَيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنًى هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مُهْمَلٌ اهـ. وَقَدْ اسْتَدَلَّتْ الْحَشَوِيَّةُ أَيْضًا بِآيَةٍ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] بِالْوَقْفِ فَقَالُوا: لِكَوْنِ الْمُتَشَابِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ لَنَا فَقَدْ خَاطَبَنَا اللَّهُ بِمَا لَا نَفْهَمُهُ وَهُوَ الْمُهْمَلُ نَقَلَهُ الْخُجَنْدِيُّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فَوَاتِحَ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَإِنْ فُهِمَ لَهَا مَعْنًى صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِأَنَّهُ مُرَادُ قَائِلِهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ سَلَكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ هَذَا حَيْثُ قَالُوا فِي الْفَوَاتِحِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ وَلَمَّا رَأَى الْحَشَوِيَّةِ أَنَّ مِثْلَهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ، وَمِنْهُ مُرَادُ قَائِلِهِ نَفَوْا الْمَعْنَى عَنْهُ أَصْلًا، وَقَالُوا: إنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ بَلْ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا هَذَا مَا فِي وُسْعِي مِنْ تَوْجِيهِ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي اضْطَرَبَتْ فِيهِ الْأَفْهَامُ وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ كَتَبَ هَاهُنَا كَلَامًا شَافِيًا وَالشَّيْخُ ابْنُ قَاسِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ سَحَبَ ذَيْلَ الْقَوْلِ وَأَكْثَرَ النُّقُولَ وَارْتَكَبَ التَّأْوِيلَاتِ انْفَصَلَ عَلَى أَنْ لَا طَائِلَ مِنْ تَطْوِيلِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةِ) لَا يَخْفَى أَنَّ تَرْجَمَةَ الْمَسْأَلَةِ بِلَا يُخَاطِبُ اللَّهَ بِمُهْمَلٍ وَبِهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ وَلَا يَعْنِي بِهِ شَيْئًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ يُفِيدُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ دُونَ السُّنَّةِ وَالشَّارِحُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْمَحْصُولِ وَحُكْمُ الرَّسُولِ فِي الِامْتِنَاعِ كَحُكْمِهِ تَعَالَى، قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِهِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ نَقْصًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ نَقْصًا فِي حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ جَائِزَانِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ وُقُوعَ مِثْلِهِ فِي السُّنَّةِ لَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ أُمُورٍ جُوِّزَتْ فِي حَقِّهِ ﷺ غَيْرِ قَادِحَةٍ فِي الْعِصْمَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُتَّجَهُ ذِكْرُ السُّنَّةِ وَجَعَلَهَا مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ) أَيْ كَأَسْمَائِهَا فَإِنَّ الْمَوْجُودَ هُوَ الْأَسْمَاءُ قَالَ فِي الْكَشَّافِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي يُتَهَجَّى بِهَا أَسْمَاءٌ مُسَمَّيَاتُهَا الْحُرُوفُ الْمَبْسُوطَةُ الَّتِي مِنْهَا رَكَّبْت الْكَلِمَ فَقَوْلُك ضَادٌ اسْمٌ مُسَمًّى بِهِ ضَهْ مِنْ ضَرَبَ إذَا تَهَجَّيْته. وَقَدْ رُوعِيَتْ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمُسَمَّيَاتِ لَمَّا كَانَتْ أَلْفَاظًا كَأَسَامِيهَا وَهِيَ حُرُوفُ وُجْدَانٍ، وَالْأَسَامِي عَدَدُ حُرُوفِهَا مُرْتَقٍ إلَى الثَّلَاثَة اتَّجَهَ لَهُمْ طَرِيقٌ إلَى أَنْ يَدُلُّوا فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الْمُسَمَّى فَلَمْ يَعْقِلُوهَا وَجَعَلُوا الْمُسَمَّى صَدْرَ كُلِّ اسْمٍ مِنْهَا سِوَى الْأَلْفِ فَإِنَّهُمْ اسْتَعَارُوا الْهَمْزَةَ مَكَانَ مُسَمَّاهَا لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا سَاكِنًا وَهِيَ أَسْمَاءٌ مُعْرَبَةٌ وَإِنَّمَا سُكِّنَتْ سُكُونَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَسْمَاءِ حَيْثُ لَا يَمَسُّهَا إعْرَابٌ لِفَقْدِ مُقْتَضِيهِ وَمُوجِبِهِ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُكُونَهَا وَقْفٌ وَلَيْسَ بِبِنَاءٍ أَنَّهَا لَوْ بُنِيَتْ لَحُذِيَ بِهَا حَذْوَ كَيْفَ وَأَيْنَ وَهَؤُلَاءِ وَلَمْ نَقُلْ صَادْ قَافْ نُونْ مَجْمُوعًا فِيهَا بَيْنَ سَاكِنَيْنِ اهـ. وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ فِي التَّمْثِيلِ بِهَا لِمَا لَا مَعْنَى لَهُ شَيْئًا إذْ الْمُرَادُ مِنْهَا الْحُرُوفُ الَّتِي هِيَ مَعَانِيهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلَّفْظِ الْمُنْتَظِمِ مِنْهَا مَعْنًى اهـ. وَأَقُولُ: هَذَا الْإِيرَادُ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْمَعَانِي الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا إذْ لَا يَرْتَابُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ بَلْ الْمُرَادُ الْمَعَانِي الْمُرَادَةُ مِنْهَا وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ فِي بَيَانِهَا الْمُفَسِّرُونَ فَقَوْلُهُ إذْ الْمُرَادُ مِنْهَا إلَخْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ بَلْ هِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهَا وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ مِنْهَا وَفَرْقٌ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَبَيْنَ مَا يُرَادُ مِنْهُ وَالْعَجَبُ مِنْ سم كَيْفَ سَلِمَ لَهُ الْإِيرَادُ وَاعْتَذَرَ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ نَاقِلٌ لِعِبَارَةِ الْحَشَوِيَّةِ ثُمَّ أَجَابَ بِمَا لَا مَسِيسَ لَهُ بِالْمَقَامِ (قَوْلُهُ: وَفِي السُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ إلَخْ) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ فَلَا يَتِمُّ (قَوْلُهُ: أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ) فِيهِ أَنَّ جَعْلَهَا

стр. 302

كطه ويس وَسُمُّوا حَشَوِيَّةً مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَمَّا وَجَدَ كَلَامَهُمْ سَاقِطًا وَكَانُوا يَجْلِسُونَ فِي حَلْقَتِهِ أَمَامَهُ رَدًّا وَهَؤُلَاءِ إلَى حَشْيِ الْحَلْقَةِ أَيْ جَانِبِهَا (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (مَا يَعْنِي بِهِ غَيْرَ ظَاهِرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ) ــ [حاشية العطار] أَسْمَاءً لِلسُّوَرِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى لِأَنَّ الِاسْمَ جُزْءٌ لِلْمُسَمَّى وَالْجُزْءُ لَا يُغَايِرُ كُلَّهُ وَلَا يُغَايِرُ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، وَكَوْنُ الِاسْمِ مُتَّحِدًا مَعَ الْمُسَمَّى بَاطِلٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ عَلَامَةً مَوْضُوعَةً لِنَفْسِهِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ تَأَخُّرُ الْجُزْءِ عَنْ الْكُلِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الِاسْمَ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْمُسَمَّى بِالرُّتْبَةِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْجُزْءَ مُتَقَدِّمٌ فَيَلْزَمُ تَوَقُّفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَهُوَ دَوْرٌ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَنْعِ مَبْنَاهُ وَهِيَ الْمُقَدِّمَةُ الْقَائِلَةُ أَنَّ الْجُزْءَ لَا يُغَايِرُ الْكُلَّ بَلْ يُغَايِرُهُ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا قُلْنَا الْمُسَمَّى وَهُوَ مَجْمُوعُ السُّورَةِ، وَالِاسْمُ جُزْؤُهَا فَلَا اتِّحَادَ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْجُزْءَ مُتَقَدِّمٌ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَمُؤَخَّرٌ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ اسْمًا فَلَا دَوْرَ (فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] مُشْتَمِلٌ عَلَى الْهَمْزَةِ مِنْ أَوَّلِ الْمَخَارِجِ مِنْ الصَّدْرِ وَاللَّامِ مِنْ وَسَطِهَا وَهِيَ أَشَدُّ الْحُرُوفِ اعْتِمَادًا عَلَى اللِّسَانِ، وَالْمِيمُ مِنْ آخِرِ الْحُرُوفِ مَخْرَجًا وَهُوَ الشَّفَةُ فَاشْتَمَلَتْ عَلَى الْبِدَايَةِ وَالْوَسَطِ وَالنِّهَايَةِ وَكُلُّ سُورَةٍ اُفْتُتِحَتْ بِهَا فَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى بَدْءِ الْخَلْقِ وَنِهَايَتِهِ مِنْ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَعَلَى الْوَسَطِ مِنْ التَّشْرِيعِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَتَأَمَّلْهَا وَتَأَمَّلْ الْحُرُوفَ الْمُفْرَدَةَ فَإِنَّهَا سُورَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهَا وَنَحْوُ ﴿ق﴾ [ق: ١] إذْ ذُكِرَ فِيهَا الْخَلْقُ وَتَكْرِيرُ الْقَوْلِ وَمُرَاجَعَتُهُ وَالْقُرْبُ وَتَلَقِّي الْمِلْكِ وَالْقَرِينُ وَالْإِلْقَاءُ فِي جَهَنَّمَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَعَانِيهَا مُنَاسِبَةٌ لِشِدَّةِ الْقَافِ وَجَهْرِهَا وَعُلُوِّهَا وَانْفِتَاحِهَا وَ ﴿ص﴾ [ص: ١] ذُكِرَ فِيهَا الْخُصُومَاتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَالِاخْتِصَامُ عِنْدَ دَاوُد ﵇، فَإِذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّهُ يَلِيقُ بِكُلِّ سُورَةٍ مَا بُدِئَتْ بِهِ وَهُوَ مِنْ الْأَسْرَارِ وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] فَإِنَّ ذَلِكَ مُهْمَلٌ لَا مَوْضُوعَ لَهُ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُهْمَلٌ كَيْفَ وَلِكُلٍّ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ مَعْنًى وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ غَيْرَ أَنَّ الرَّأْسَ هَاهُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلرَّأْسِ الْحَقِيقِيِّ وَهَاهُنَا اُسْتُعْمِلَ فِي أَمْرٍ وَهْمِيٍّ كَأَنْيَابِ الْأَغْوَالِ وَأَظْفَارِ الْمَنِيَّةِ فَهُوَ مَجَازٌ لَا مُهْمَلٌ (قَوْلُهُ: رَدًّا وَهَؤُلَاءِ إلَخْ) لِأَنَّ الْكَلَامَ السَّاقِطَ يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ سَمَاعُهُ (قَوْلُهُ: إلَى حَشَا) فَعَلَى هَذَا حَشَوِيَّةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وَتُسَكَّنُ أَيْضًا نِسْبَةً لِلْحَشْوِ لِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا وُقُوعَهُ فِي الْقُرْآنِ وَبِالْوَجْهَيْنِ ضَبَطَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَالْبِرْمَاوِيُّ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الْفَتْحَ غَلَطٌ (قَوْلُهُ: إلَّا بِدَلِيلٍ) فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لَا يَعْنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كَلَامِهِ مَعْنًى يَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ أَيْ نَصْبِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ. وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ الدَّلِيلُ مِنْ قِبَلِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ بِمَعْنَى نَصْبِ الْقَرِينَةِ، وَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ الدَّلِيلَ بِالْمُخَصَّصِ يُفِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا فَسَقَطَ مَا فِي سم أَنَّهُ إنْ أَرَادَ دَلِيلًا قُرْآنِيًّا بِأَنْ يُوجَدَ فِي الْقُرْآنِ مَا يُعَيِّنُ الْمُرَادَ مِمَّا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ لِظُهُورِ عَدَمِ إطْرَادِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَثِيرًا مَا يُبَيِّنُ بِالنِّسْبَةِ، وَالْإِجْمَاعُ دُونَ الْقُرْآنِ وَإِنْ أَرَادَ أَعَمَّ مِنْ الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ وَرَدَّ عَلَيْهِ أَنَّ دَلِيلَ الْمُرْجِئَةِ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ هُوَ دَلِيلُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ التَّرْهِيبُ فَلَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فِي تَجْوِيزِهِمْ وُرُودَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَإِنْ قِيلَ تَخْتَارُ الشِّقَّ الثَّانِيَ مِنْ التَّرْدِيدِ لَكِنَّ الْمُرَادَ الدَّلِيلُ الْمُعْتَبَرُ الصَّحِيحُ قُلْنَا إنْ أُرِيدَ اعْتِبَارُهُ وَصِحَّتُهُ بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ فَهَذَا لَا يَلْزَمُ تَحَقُّقُهُ لِغَيْرِ الْمُرْجِئَةِ أَيْضًا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ وَإِنْ أُرِيدَ بِحَسَبِ زَعْمِ الْمُسْتَدِلِّ أَوْ أَعَمَّ فَهَذَا مُتَحَقِّقٌ فِي حَقِّهِمْ قَطْعًا لِظُهُورِ أَنَّ مَا اسْتَنَدُوا إلَيْهِ مُعْتَبَرٌ صَحِيحٌ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ وَإِنْ أُرِيدَ بِحَسَبِ زَعْمِنَا دُونَ زَعْمِهِمْ فَهَذَا مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ اهـ. فَإِنَّ الشِّقَّ الثَّانِيَ مِنْ التَّرْدِيدِ بَاطِلٌ إذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى زَعْمِ أَنَّ الْمُرَادَ دَلِيلٌ مِنْ الْمُخَاطَبِ وَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ ذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ دَلِيلُ الْقَائِلِ وَهُوَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَلَا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا مُتَعَلِّقَتَانِ بِالْخِطَابِ وَمُحَصِّلُهُمَا هَلْ يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يُخَاطِبَنَا الرَّبُّ بِمُهْمَلٍ أَوْ بِلَفْظٍ عَنَى بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَلَا ارْتِبَاطَ الثَّانِيَةِ

стр. 303

يُبَيِّنُ الْمُرَادَ كَمَا فِي الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِمُتَأَخِّرٍ (خِلَافًا لِلْمُرْجِئَةِ) فِي تَجْوِيزِهِمْ وُرُودَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ حَيْثُ قَالُوا الْمُرَادُ بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الظَّاهِرَةِ فِي عِقَابِ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ التَّرْهِيبُ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ وَسُمُّوا مُرْجِئَةً لِإِرْجَائِهِمْ أَيْ تَأْخِيرِهِمْ إيَّاهَا عَنْ الِاعْتِبَارِ (وَبَقَاءُ الْمُجْمَلِ) فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ الْأَتْي مِنْ وُقُوعِهِمْ فِيهِمَا (غَيْرُ مُبَيَّنٍ) أَيْ عَلَى أَحْمَالِهِ بِأَنْ لَمْ يَتَّضِحْ الْمُرَادُ مِنْهُ إلَى وَفَاتِهِ ﷺ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: لَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ الدِّينَ قَبْلَ وَفَاتِهِ ــ [حاشية العطار] بِالْأُولَى ذُكِرَتْ عَقِبَهَا فِي كُتُبِهِمْ وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ خَفِيَ عَلَى الشَّيْخِ مِثْلُ هَذَا بَعْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ أَيْ نَصْبُ قَرِينَةٍ وَهَلْ تَكُونُ الْقَرِينَةُ إلَّا مِنْ الْمُتَكَلِّمِ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ الْإِشْكَالُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ فَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَهُ مُسْتَنِدٌ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ، وَالسُّنَّةُ كَالشَّرْحِ لِلْكِتَابِ فَرَجَعَ الدَّلِيلُ فِيهِ إلَى الْكِتَابِ. وَأَمَّا التَّخْصِيصُ بِالْعَقْلِ فَإِنَّهُ لِظُهُورِهِ كَانَ مُغْنِيًا عَنْ نَصْبِ الْقَرِينَةِ وَمِثْلُهُ وَاقِعٌ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ كَثِيرًا بِالْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ الْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْمَجَازِ كَثِيرٌ مُعْتَمَدٌ فِيهِ عَلَى فَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ (قَوْلُهُ: يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ) أَيْ وَلَوْ بِحَسَبِ الظُّهُورِ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُبَيِّنَةَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُفِيدَ الْمُرَادَ قَطْعًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالدَّلِيلِ مَا يَشْمَلُ الْعَقْلَ لِأَنَّهُ صَارِفٌ لِلْمُتَشَابِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَعَمُّ مِمَّا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ وَمِنْ الصَّارِفِ عَنْ الظَّاهِرِ فَيَشْمَلُ مَذْهَبَيْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ فِي الْمُتَشَابِهِ (قَوْلُهُ: بِمُتَأَخِّرٍ) اقْتِصَارٌ عَلَى مَا هُوَ الشَّأْنُ الْغَالِبُ وَإِلَّا فَكَذَلِكَ إذَا تَقَدَّمَ أَوْ قَارَنَ (قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ إلَخْ) قَالَ الْجَارْبُرْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ هُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ آيَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِحْسَانِ وَالشَّفَقَةِ وَالتَّرْهِيبِ مِنْ الْمَلَاهِي وَالظُّلْمِ كَيْ لَا يَخْتَلَّ نِظَامُ الْعَالَمِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ اهـ. فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْإِرْجَاءَ وَقَعَ فِي آيَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لَا الْوَعِيدِ فَقَطْ كَمَا يُوهِمُهُ اقْتِصَارُ الشَّارِحِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: لِتَأْخِيرِهِمْ إيَّاهَا) أَيْ الْآيَاتِ عَنْ اعْتِبَارِ مَعْنَاهَا لِصَرْفِهَا عَنْ ظَاهِرِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَعْصِيَةِ أَوْ تَأْخِيرِ ضَرَرِهَا عَنْ الِاعْتِبَارِ فَمُرْجِئَةٌ بِالْهَمْزِ مِنْ أَرْجَأَ بِمَعْنَى أَخَّرَ أَوْ لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَ الرَّجَاءَ بِقَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ فَعَلَى هَذَا يُقَالُ مُرَجِّيَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ كَمُقَدِّمَةٍ فَإِنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ أَرْجَيْت وَأَخْطَيْت وَتَوَضَّيْت نَقَلَهُ فِي الصِّحَاحِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ ارْتِفَاعُ الْوُثُوقِ بِخَبَرِهِ تَعَالَى إذْ لَا كَلَامَ إلَّا وَيُحْتَمَلُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ (قَوْلُهُ: وَفِي بَقَاءِ الْمُجْمَلِ) . قَالَ فِي الْبُرْهَانِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ بَقِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مُجْمَلٌ قُلْنَا اضْطَرَبَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَمَنَعَ مَانِعُونَ هَذَا وَاسْتَرْوَحُوا إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَأَيْضًا لَوْ سَاغَ اشْتِمَالُ الْقُرْآنِ عَلَى مُجْمَلَاتٍ لَتَطَرَّقَ إلَى الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وُجُوهٌ مِنْ الْمَطَاعِنِ. وَقَالَ قَائِلُونَ لَا يَمْتَنِعُ اشْتِمَالُ الْقُرْآنِ عَلَى مُجْمَلَاتٍ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا إلَّا اللَّهُ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا يَثْبُتُ التَّكْلِيفُ فِي الْعَمَلِ بِهِ يَسْتَحِيلُ اسْتِمْرَارُ الْإِجْمَالِ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ إلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ التَّكْلِيفِ فَلَا يَبْعُدُ اسْتِمْرَارُ الْإِجْمَالِ فِيهِ وَاسْتِئْثَارُ اللَّهِ تَعَالَى أَسِرَ فِيهِ وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُحِيلُ ذَلِكَ وَلَمْ يُرِدْ الشَّرْعُ مِمَّا يُنَاقِضُهُ اهـ. (قَوْلُهُ: عَلَى إجْمَالِهِ) قَالَ النَّاصِرُ الْبَقَاءُ هُوَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ وَتَحْقِيقُهُ الْوُجُودَ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي وَمُتَعَلِّقُهُ فِي قَوْلِهِ وَفِي بَقَاءِ الْمُجْمَلِ غَيْرَ مُبَيَّنٍ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ مُبَيَّنٍ وَهُوَ عَدَمِيٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ بِوُجُودِيٍّ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ اهـ. أَقُولُ: مُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْبَقَاءَ مَعْنًى وُجُودِيٌّ لِكَوْنِهِ عِبَارَةً عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي عَلَى مَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَغَيْرَ مُبَيَّنٍ حَالٌ مِنْ الْمُجْمَلِ الْعَامِلِ فِيهِ الْبَقَاءُ وَالْحَالُ قَيْدٌ فِي عَامِلِهَا وَهُوَ عَدَمِيٌّ لِكَوْنِ النَّفْيِ مَأْخُوذًا فِي مَفْهُومِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ الْبَقَاءَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ وُجُودِيٌّ نَقُولُ لَا مَانِعَ مِنْ تَقْيِيدِ الْوُجُودِيِّ بِالْعَدَمِيِّ فَهَذِهِ الْحَالُ فِي مَعْنَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّهْوِيلِ وَلَا لِمَا سَلَكَهُ سم مِنْ التَّطْوِيلِ (قَوْلُهُ: أَحَدُهَا لَا) أَيْ مُطْلَقًا كُلِّفْنَا بِمَعْرِفَتِهِ أَوْ لَا كَالْقُرْءِ فِي الْأَوَّلِ وَالْيَدِ فِي الثَّانِي وَأُورِدُ عَلَيْهِ الْمُتَشَابِهَ فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُبَيَّنٍ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَقُولُ: إنَّهُ مُبَيَّنُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ الدِّينَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى لِصِدْقِ هَذَا

стр. 304

لِقَوْلِهِ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ثَانِيهَا نَعَمْ قَالَ تَعَالَى فِي مُتَشَابِهِ الْكِتَابِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] إذْ الْوَقْفُ هُنَا كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَإِذَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (ثَالِثُهَا الْأَصَحُّ لَا يَبْقَى) الْمُجْمَلُ (الْمُكَلَّفُ بِمَعْرِفَتِهِ) غَيْرَ مُبَيَّنٍ لِلْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهِ حَذَرًا مِنْ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَلَى أَنَّ صَوَابَ الْعِبَارَةِ بِالْعَمَلِ بِهِ ــ [حاشية العطار] بِمَا قَبْلَ الْوَفَاةِ مَعَ مُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ لَهُ وَالْآيَةُ الْمُسْتَدَلُّ بِهَا تُفِيدُ أَنَّ الْإِكْمَالَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَصَلَ وَوَقْتُ نُزُولِهَا سَابِقٌ عَلَى الْوَفَاةِ. وَقَدْ بُيِّنَتْ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِكْمَالِ الدِّينِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ اسْتِيعَابُ أُصُولِهِ وَمَا بُيِّنَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مِنْ فُرُوعِ تِلْكَ الْأُصُولِ يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي التَّفْسِيرِ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] بِالنَّصْرِ وَالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا أَوْ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى أُصُولِ الشَّرَائِعِ وَقَوَانِينِ الِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ: إذْ الْوَقْفُ هُنَا) أَيْ عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ فَيَكُونُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] مُسْتَأْنَفًا وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوقَفْ عَلَيْهِ لَكَانَ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] عَطْفًا عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ فَيَكُونُ يَقُولُونَ آمَنَّا حَالًا أَيْ قَائِلِينَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ مَجْمُوعِ الْمُتَعَاطِفِينَ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ سُبْحَانَهُ قَائِلًا ذَلِكَ أَيْضًا وَهُوَ بَاطِلٌ أَوْ حَالٌ مِنْ الْمَعْطُوفِ وَلَا يَصِحُّ لِمُخَالَفَتِهِ قَاعِدَةَ الْعَرَبِيَّةِ. وَأُجِيبَ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْمَعْطُوفِ بِالْحَالِ حَيْثُ لَا لَبْسَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ يَعْقُوبَ نَافِلَةً لِظُهُورِ أَنَّ النَّافِلَةَ أَيْ وَلَدَ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ ﵈ إنَّمَا هُوَ يَعْقُوبُ دُونَ إِسْحَاقَ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ وَالْوَقْفُ عَلَى اللَّهِ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُؤَكِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ تَأْوِيلَهُ إلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وَيَقُولُ ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [النساء: ١٦٢] وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَمَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ رُسُوخِهِمْ أَنْ آمَنُوا بِالْمُتَشَابِهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا تَأْوِيلَهُ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ انْتَهَى عِلْمُهُمْ إلَى أَنْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ) وَالْمُقَابِلُ يَقُولُ أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَهُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى عَطْفِ وَالرَّاسِخُونَ عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَاَلَّذِي اخْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ هُوَ عِلْمُ تَفْصِيلِهِ ذَاتًا وَزَمَنًا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ أَصْلًا فَلَا يُنَافِيهِ عَلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِوَاسِطَةٍ أَوْ إلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَلَا يَلْزَمُ اللَّغْوُ وَالْعَبَثُ عَلَى تَقْدِيرِ الْخِطَابِ بِمَا لَا يُفْهَمُ لِجَوَازِ كَوْنِ بَعْضِ الْقُرْآنِ لَا لِلْإِفْهَامِ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اخْتِصَاصِ بَعْضِ الْأَسْرَارِ بِعِلْمِهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً وَهِيَ الثَّوَابُ فِي تِلَاوَتِهِ وَابْتِلَاءُ الرَّاسِخِينَ بِمَنْعِهِمْ عَنْ التَّفْكِيرِ فِيمَا يُوَصِّلُهُمْ إلَى مَبْلَغِهِمْ مِنْ الْعِلْمِ كَمَا تُبْتَلَى الْجَهَلَةُ بِتَحْصِيلِهِ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَرْقِ) قَالَ ابْنُ يَعْقُوبَ فِيهِ أَنَّ نَفْيَ الْقَائِلِ بِالْفَرْقِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْقَائِلِ بِالتَّسَاوِي وَعَلَى تَسْلِيمِهِ يُطَالِبُ بِالدَّلِيلِ وَقِيَاسُ أَنَّهُ لَا فَارِقَ لَا يُسَلِّمُ نَعَمْ احْتِمَالُ الْوُقُوعِ بَيِّنٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ احْتِمَالِ الْوُقُوعِ فِي الْكِتَابِ (قَوْلُهُ: حَذَرًا مِنْ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ) فِيهِ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِهِ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا مِنْهُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَوَقِّفِ مَعْرِفَتُهُ عَلَى التَّبْيِينِ مَعَ انْتِفَاءِ التَّبْيِينِ وَمِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً وَهُوَ مَقْدُورٌ فِي الظَّاهِرِ وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ كَتَكْلِيفِ الْغَافِلِ إذْ الْمُكَلَّفُ هُنَا لَيْسَ بِغَافِلٍ لِأَنَّهُ يَدْرِي وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ وَذَاكَ لَا يَدْرِي هَذَا مُحَصَّلُ مَا فِي سم. وَأَقُولُ: لَا وُرُودَ لِهَذَا السُّؤَالِ أَصْلًا لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بِصَدَدِ نَقْلِ الْأَقْوَالِ فَالتَّصْحِيحُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ إلَّا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُصَحِّحَ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَالْقَائِلُ بِهَذَا يَمْنَعُ التَّكَلُّفَ بِمَا لَا يُطَاقُ إذْ الْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى الْمَنْعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْبُرْهَانِ مَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا حَيْثُ قَالَ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا إلَخْ وَذِكْرُ التَّفْصِيلِ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ وَطَرِيقَةُ صَاحِبِ الْبُرْهَانِ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ صَوَابَ الْعِبَارَةِ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ اسْتِقَامَةِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَا عَبَّرَ بِهِ أَحْسَنُ فَإِنَّ الْمُرَادَ مَا كُلِّفَ بِمَعْرِفَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ لِيَعْمَلَ بِهِ أَوْ يَعْلَمُ بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ بِالْعَمَلِ فَإِنَّهُ قَاصِرٌ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَشْمَلُ

стр. 305

كَمَا فِي الْبُرْهَانِ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ بِالْعِلْمِ بِهِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ مِنْ نَاسِخٍ مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ إذْ وَقَعَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ (وَالْحَقُّ) كَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ (أَنَّ الْأَدِلَّةَ النَّقْلِيَّةَ قَدْ تُفِيدُ الْيَقِينَ بِانْضِمَامِ تَوَاتُرٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُشَاهَدَةِ كَمَا فِي أَدِلَّةِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ عَلِمُوا مَعَانِيَهَا الْمُرَادَةَ بِالْقَرَائِنِ الْمُشَاهَدَةِ وَنَحْنُ عَلِمْنَاهَا بِوَاسِطَةِ نَقْلِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ إلَيْنَا تَوَاتُرًا فَانْدَفَعَ تَوْجِيهُ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ بِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ مِنْهَا (الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ) أَيْ هَذَا مَبْحَثُهُمَا (الْمَنْطُوقُ مَا) أَيُّ مَعْنًى (دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ــ [حاشية العطار] الْعَمَلَ الْقَلْبِيَّ كَانَ مُسَاوِيًا لِعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْبُرْهَانِ) . أَقُولُ: عِنْدِي نُسْخَةٌ عَتِيقَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْهُ الْمَذْكُورُ فِيهِمَا الْعَمَلُ، وَقَدْ نَقَلْت عِبَارَتَهُ سَابِقًا (قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ) أَيْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ثَانِيهَا أَنَّ الْأَدِلَّةَ النَّقْلِيَّةَ تُفِيدُ الْيَقِينَ مُطْلَقًا وَثَالِثُهَا لَا تُفِيدُهُ مُطْلَقًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ دَفَعَ تَوْجِيهَ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ بِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ مِنْهَا أَيْ لِأَنَّ إفَادَتَهَا لَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِوَضْعِ الْأَلْفَاظِ وَبِإِرَادَةِ مَعَانِيهَا مِنْهَا وَالْعِلْمُ بِالْوَضْعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلِ الْعَرَبِيَّةِ لُغَةً وَنَحْوًا وَصَرْفًا وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْآحَادِ لِأَنَّ مَرْجِعَهَا إلَى أَشْعَارِ الْعَرَبِ الَّتِي يَرْوِيهَا عَنْهُمْ الْآحَادُ كَالْأَصْمَعِيِّ وَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِلْخَطَأِ وَالْكَذِبِ، وَالْعِلْمُ بِإِرَادَةِ تِلْكَ الْمَعَانِي يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ نَقْلِ الْأَلْفَاظِ عَنْ مَعَانِيهَا وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ وَالتَّخْصِيصِ وَالْمَجَازِ وَالْفَسْخِ وَالْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَوْ بَعْضِهَا لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالْأَمْرَيْنِ وَمَعَ حُصُولِهِ لَا بُدَّ فِي إفَادَةِ النَّقْلِيَّةِ الْيَقِينَ مِنْ الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ الْمُحْوِجِ إلَى تَأْوِيلِ النَّقْلِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ الطَّرِيقَ إلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَمَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ وَسَائِرِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ النَّقْلِ لَيْسَ إلَّا الْعَقْلُ فَهُوَ أَصْلُ النَّقْلِ فَلَا دَلَالَةَ تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللُّغَةَ وَالنَّحْوَ وَالصَّرْفَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالْآحَادِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ تَأَمُّلٌ وَلَا نُسَلِّمُ أَيْضًا أَنَّ إفَادَةَ النَّقْلِيَّةِ الْيَقِينَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْمُعَارِضِ قَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ الْحَقُّ أَنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُعَارِضِ لَا عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ إذْ كَثِيرًا مَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ مِنْ الدَّلِيلِ وَلَا يَخْطِرُ الْمُعَارِضُ بِالْبَالِ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا فَضْلًا عَنْ الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ أَنَّ إفَادَتَهَا الْيَقِينَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ أَنَّهَا تَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ الْعَقْلَ الْمُعَارِضَ جَزَمَ بِعَدَمِهِ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: بِانْضِمَامِ تَوَاتُرٍ) أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُ أَيْ غَيْرِهِ أَيْ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ كَمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَيْهَا حَالَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَحَثِّهِ عَلَيْهَا حَثًّا شَدِيدًا ثُمَّ الْمُرَادُ تَوَاتُرُ الْقَرَائِنِ وَغَيْرُهُ مُشَاهَدَتُهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ التَّوَاتُرَ أَوْ غَيْرَهُ هُوَ الْقَرِينَةُ فَانْدَفَعَ قَوْلُ النَّاصِرِ ظَاهِرَهُ أَنَّ التَّوَاتُرَ وَالْمُشَاهَدَةَ قَرِينَتَانِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ بِالْقَرَائِنِ الْمُشَاهَدَةِ، وَنَقْلُ تِلْكَ الْقَرَائِنِ إلَيْنَا تَوَاتُرًا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّوَاتُرَ وَالْمُشَاهَدَةَ مُتَعَلِّقَتَانِ بِالْقَرَائِنِ لَا أَنْفُسِهِمَا قَوْلُهُ كَمَا فِي أَدِلَّةٍ أَيْ كَإِفَادَةِ الْيَقِينِ فِي أَدِلَّةٍ (قَوْلُهُ: عَلِمُوا مَعَانِيَهَا الْمُرَادَةَ بِالْقَرَائِنِ) أَيْ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ لِصِدْقِ الْقَائِلِ إذْ عِلْمُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَهُمْ بِعَدَمِ الْمُعَارِضِ إذْ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ مَا حَصَلَ لَهُمْ الْعِلْمُ الْمَذْكُورُ فَانْدَفَعَ قَوْلَ النَّاصِرِ الْآتِي (قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ تَوْجِيهُ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْمُطْلَقَ لَا يُخَالِفُ مَعَ هَذَا التَّقْيِيدَ فَلَا خِلَافَ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ وَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: فَانْدَفَعَ إطْلَاقَ تَوْجِيهِ مَنْ أَطْلَقَ لِأَنَّ الْمُنْدَفِعَ إطْلَاقُ التَّوْجِيهِ لَا نَفْسُ التَّوْجِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: بِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ إلَخْ) أَيْ فَيُؤَدِّي إلَى الِاحْتِمَالِ وَلَا يَقِينَ مَعَهُ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ الْيَقِينَ بِمَا انْضَمَّ إلَيْهَا مِنْ تَوَاتُرٍ أَوْ مُشَاهَدَةٍ قَالَ النَّاصِرُ هَذَا الْقَائِلُ ضَمَّ إلَى هَذَا فِي التَّوْجِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ فَلَا بُدَّ فِي دَفْعِهِ مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلٍ وَالْعِلْمُ بِعَدَمِ الْمُعَارِضِ مِنْ صِدْقِ الْقَائِلِ كَمَا زَادَ وَالسَّيِّدُ اهـ، وَقَدْ عَلِمْت انْدِفَاعَهُ مِمَّا سَبَقَ [الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ] (قَوْلُهُ: أَيْ هَذَا مَبْحَثُهُمَا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ هَذَا مَبْحَثُ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ فَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ (قَوْلُهُ: وَالْمَنْطُوقُ) أَيْ الْمَنْطُوقُ بِهِ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَعْنَى حَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ وَإِلَّا فَالْمَعْنَى لَا يَنْطِقُ بِهِ وَإِنَّمَا يَنْطِقُ بِاللَّفْظِ (قَوْلُهُ: مَا أَيُّ مَعْنًى إلَخْ) أَوْقَع مَا عَلَى مَعْنَى وَلَمْ يَجْعَلْهَا مَصْدَرِيَّةً كَالْعَضُدِ لِأَنَّ الْمَنْطُوقَ وَالْمَفْهُومَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَدْلُولِ دُونَ الدَّلَالَةِ وَالْعَضُدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَهَا مَصْدَرِيَّةً لِيُوَافِقَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ

стр. 306

فِي مَحَلِّ النُّطْقِ) حُكْمًا كَانَ كَمَا مَثَّلَهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ كَغَيْرِهِ بِتَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ أَيْ لِلْوَالِدَيْنِ الدَّالِ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ــ [حاشية العطار] فَإِنَّهُ قَسَّمَ الدَّلَالَةَ إلَى مَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ، وَصَنِيعُ الشَّارِحِ أَحْسَنُ لِقَوْلِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي حَاشِيَةِ الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ أَنَّهُ مُحْوِجٌ إلَى تَكَلُّفٍ عَظِيمٍ فِي تَصْحِيحِ عِبَارَاتِ الْقَوْمِ لِكَوْنِهَا صَرِيحَةً فِي كَوْنِهِمَا مِنْ أَقْسَامِ الْمَدْلُولِ اهـ. ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْنَى مَا يَشْمَلُ الذَّاتَ لِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي كَزَيْدٍ إلَخْ وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (قَوْلُهُ: فِي مَحَلِّ النُّطْقِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٍ مِنْ ضَمِيرِ عَلَيْهِ وَالنُّطْقُ هُوَ التَّلَفُّظُ وَمَحَلُّهُ هُوَ اللَّفْظُ أَيْ مَعْنًى دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ حَالَةَ كَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ أَيْ التَّلَفُّظِ بِاسْمِهِ كَالتَّأْفِيفِ وَكَالنِّسَاءِ فِي تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ إلَخْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ مَذْكُورًا وَيُسَمَّى مَنْطُوقًا صَرِيحًا أَوْ غَيْرَ مَذْكُورٍ وَيُسَمَّى غَيْرَ تَصْرِيحٍ فَدَلَالَةُ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ مَنْطُوقٌ صَرِيحٌ وَعَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ مَفْهُومٌ وَدَلَالَةُ تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَأَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَنْطُوقٌ غَيْرُ صَرِيحٍ قَالَ الْعَضُدُ: فَالْمَنْطُوقُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ أَيْ يَكُونُ حُكْمًا لِلْمَذْكُورِ وَحَالًا مِنْ أَحْوَالِهِ سَوَاءٌ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحُكْمَ وَنَطَقَ بِهِ أَوْ لَا اهـ. هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي النَّاصِرِ مُوَضِّحًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِعِبَارَةِ الْعَضُدِ لَكَانَ حَلُّهُ مُوَافِقًا لِطَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ تَعْمِيمِ الْمَدْلُولِ لِلْحُكْمِ وَغَيْرِهِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ حُكْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ حُكْمٍ فَفِي ذِكْرِ عِبَارَةِ الْعَضُدِ تَخْصِيصٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَصْرٌ لِلْمَعْنَى عَلَى الْحُكْمِ الْمُوَافِقِ لِطَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعَضُدِ بِصَدَدِ شَرْحِ كَلَامِهِ فَيَلْزَمُهُ مُوَافَقَتُهُ دُونَ الْمُصَنِّفِ فَلَوْ أَنَّهُ حَذَفَ الِاسْتِشْهَادَ بِكَلَامِ الْعَضُدِ لَكَانَ مَحَلُّهُ مُوَافِقًا لِلتَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ. وَالشَّيْخُ سم أَوْرَدَ الِاعْتِرَاضَ الْمَذْكُورَ جَاعِلًا مَنْشَأَهُ أَنَّ الْحَالِيَّةَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ تَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْطُوقُ أَمْرًا حَاصِلًا فِي شَيْءٍ نُطِقَ بِاسْمِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْآخَرِ الَّذِي لَهُ ذَلِكَ الِاسْمُ الْمَنْطُوقُ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ مَدْلُولِ زَيْدٍ وَمَدْلُولِ الْأَسَدِ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنْطُوقِ وَلَيْسَ لِلَّفْظِ هَاهُنَا مَدْلُولَانِ غَيْرُ ذَيْنِك الْمَدْلُولَيْنِ وَهُمَا فِيهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْحَالِيَّةِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ بَلْ لَا مُسَمًّى لِلَّفْظِ إلَّا هُمَا اهـ. وَهُوَ مَحْضُ تَطْوِيلٍ مَبْنَاهُ تَخَيُّلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالنُّطْقِ فِي قَوْلِهِ: فِي مَحَلِّ النُّطْقِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَهُوَ التَّلَفُّظُ أَوْ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ اللَّفْظُ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَصِيرُ الْمَعْنَى حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَدْلُولِ ثَابِتًا فِي التَّلَفُّظِ، وَثُبُوتُهُ فِيهِ هُوَ ثُبُوتُ دَالَّةٍ بِتَخَيُّلِ أَنَّ التَّلَفُّظَ مَحَلُّ اللَّفْظِ فَيَئُولُ إلَى

стр. 307

أَوْ غَيْرَ حُكْمٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَمْثِيلِهِ فِي قَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ اللَّفْظُ الدَّالُّ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ (نَصٌّ) ــ [حاشية العطار] أَنَّ ذَلِكَ الْمَدْلُولَ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللَّفْظِ وَدَالٌّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الدَّلَالَةُ بِوَاسِطَةِ الْوَضْعِ وَهُوَ الْمُطَابَقَةُ وَالتَّضَمُّنُ أَوْ لَا فَيَشْمَلُ الْمَنْطُوقَ الصَّرِيحَ وَغَيْرَ الصَّرِيحِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ. وَنَقَلَهُ النَّاصِرُ هُنَا وَصَرَّحَ بِمِثْلِهِ فِي التَّلْوِيحِ وَعَلَى الثَّانِي يَصِيرُ الْمَعْنَى هَكَذَا حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَدْلُولِ ثَابِتًا فِي اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ لِلْأَوَّلِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ جَارٍ فِي الْحُكْمِ وَفِي الْمُفْرَدِ وَشَامِلٌ لَهُمَا لِأَنَّ كُلَّ مَدْلُولٍ ثَابِتٌ وَمُسْتَقِرٌّ فِي دَالِّهِ لَا يُقَالُ: الثَّابِتُ وَالْمُسْتَقِرُّ فِي دَالِّهِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ اللَّفْظُ فَلَا يَشْمَلُ الْمَجَازَ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْمَنْطُوقِ الصَّرِيحِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَجَازُ دَالٌّ عَلَى مَعْنَاهُ دَلَالَةَ مُطَابَقَةٍ بِوَاسِطَةِ الْوَضْعِ النَّوْعِيِّ كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي حَوَاشِينَا عَلَى شَرْحِ الْعِصَامِ لِلرِّسَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ. وَقَالَ الْكَمَالُ: إنَّ قَوْلَهُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ مُتَعَلِّقُ بَدَّلَ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَعْنَى مَدْلُولًا عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ أَنَّهُ لَا تَتَوَقَّفُ اسْتِفَادَتُهُ مِنْ اللَّفْظِ إلَّا عَلَى مُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ لَا عَلَى انْتِقَالٍ مِنْ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ فَإِنَّ مَا تَوَقَّفَ اسْتِفَادَتُهُ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْمَنْطُوقُ إلَيْهِ هُوَ الْمَفْهُومُ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُنْتَقِلَ إلَيْهِ مُوَافِقًا فِي الْحُكْمِ فَهُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ أَوْ مُخَالِفًا فَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ اهـ. وَهُوَ أَمَسُّ بِكَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا بَعْدُ أَيْ اللَّفْظُ الدَّالُّ إلَخْ وَلِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مِنْ تَقْسِيمِهِ الْمَدْلُولَ إلَى حُكْمٍ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ خُرُوجُ الْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ مِنْ تَعْرِيفِهِ وَدُخُولُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَفْهُومِ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ. وَكَذَلِكَ الْمَجَازُ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَتَوَقَّفُ اسْتِفَادَتِهِ. . . إلَخْ أَنَّ اللَّفْظَ دَالٌّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ احْتِجَاجٍ لِشَيْءٍ آخَرَ وَالْمَجَازُ مُحْتَاجٌ لِلْقَرِينَةِ فَيُفْسِدُ التَّعْرِيفَاتِ طَرْدًا وَعَكْسًا فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ مَحَلُّ النُّطْقِ بِمَقَامِ إيرَادِ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَعْنَى مَدْلُولًا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمَجَازِ، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لِشَيْءٍ فِي طَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَوْ لَا فَيَكُونُ شَامِلًا لِلْحُكْمِ وَغَيْرِهِ وَلِلْمَنْطُوقِ الصَّرِيحِ وَغَيْرِ الصَّرِيحِ وَبِهَذَا اسْتَقَامَ الْكَلَامُ وَتَمَّ الْمَرَامُ وَلَوْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَبَّرَ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ بِقَوْلِهِ: الْمَنْطُوقُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مُطَابَقَةً أَوْ تَضَمُّنًا لَا غِنًى عَنْ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الْمِنْهَاجِ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمَنْطُوقِ الصَّرِيحِ فَلَوْ أُرِيدَ شُمُولُهُ لِغَيْرِ الصَّرِيحِ لَقِيلَ أَوْ الْتِزَامًا وَقَوْلُ سم: إنَّهُ لَا يَضُرُّ عَدَمُ شُمُولِ الْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ لِأَنَّ ظَاهِرَ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَدَمُ إثْبَاتِهِ يَرُدُّهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَيَأْتِي ثُمَّ الْمَنْطُوقُ أَنَّ تَوَقُّفَ الصِّدْقِ أَوْ الصِّحَّةِ إلَخْ هَذَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ وَالْمَفْهُومِ أَنَّهُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُكْمٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ إلَّا أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ حُكْمًا لِلْمَذْكُورِ وَلَا حَالًا مِنْ أَحْوَالِهِ بَلْ هُوَ حُكْمٌ لِلْمَسْكُوتِ كَالضَّرْبِ فِي آيَةِ التَّأْفِيفِ بِخِلَافِ الْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ لِلْمَذْكُورِ وَحَالٌ مِنْ أَحْوَالِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُ حَكَمٍ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَدَمُ شُمُولِ الْحَدِّ الثَّانِي أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ الْقَوْمِ. وَأَقُولُ: أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ فَعَدَمُ شُمُولِ الْحَدِّ لَهُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسْلَفْتُهُ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَأَمَّا عَنْ الثَّانِي فَلِأَنَّ بَحْثَ الْمُصَنِّفِ عَنْ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِمَا، فَإِنَّ الْأُصُولِيَّ لَا بَحْثَ لَهُ عَنْ الْمُفْرَدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُفْرَدٌ إذْ مَوْضُوعُ عِلْمِ الْأُصُولِ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ الْبَاحِثَةُ عَنْ الْأَدِلَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالشَّارِحُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي نَحْوِ جَاءَ زَيْدٌ وَرَأَيْت الْيَوْمَ الْأَسَدَ وَأَشَارَ إلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ أَيْ غَيْرَ حُكْمٍ بِأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْحُكْمِ وَالدَّاعِي لِلْمُصَنِّفِ إلَى ذَلِكَ أَنَّ الظَّاهِرَ وَالنَّصَّ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ الْحُكْمُ بِهِمَا. وَأَمَّا مَا قَالَهُ سم بَعْدَ التَّشْنِيعِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنَّ مُجَرَّدَ مُخَالَفَةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِابْنِ الْحَاجِبِ لَا تَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ لِكَلَامِ الْقَوْمِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ هَذَا الْفَنِّ كالباقلاني وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ فُورَكٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ هُمْ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِمُوَافَقَتِهِمْ أَوْ مُخَالَفَتِهِمْ. وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَهُمْ مُصَنِّفُونَ مُتَّبِعُونَ فَعَلَى الشَّيْخِ إنْ أَرَادَ تَصْحِيحَ اعْتِرَاضِهِ أَنْ يُبَيِّنَ كَلَامَ الْقَوْمِ الْمَذْكُورِينَ وَمُخَالَفَةَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِجَمِيعِهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ

стр. 308

أَيْ يُسَمَّى بِذَلِكَ (إنْ أَفَادَ مَعْنًى لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى (كَزَيْدٍ) فِي نَحْوِ جَاءَ زَيْدٌ فَإِنَّهُ مُفِيدٌ لِلذَّاتِ الْمُشَخَّصَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ لِغَيْرِهَا (ظَاهِرٌ) أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ (إنْ اُحْتُمِلَ) بَدَلُ الْمَعْنَى الَّذِي أَفَادَهُ (مَرْجُوحًا كَالْأَسَدِ) فِي نَحْوِ رَأَيْت الْيَوْمَ الْأَسَدَ فَإِنَّهُ مُفِيدٌ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ مُحْتَمِلٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ بَدَلَهُ ــ [حاشية العطار] وَبَعْدَ اللَّتَيَّا وَاَلَّتِي فَقَدْ اُشْتُهِرَ أَنْ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ وَأَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى مَا شَاءَ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ عَنْ مِثْلِهِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ إمَّا أَوْ لَا فَلِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ إمَامٌ جَلِيلٌ ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَرْتَبَةِ مَنْ ذَكَرَهُمْ وَعَدَّدَهُمْ إلَّا أَنَّهُ مُتَتَبِّعٌ لِكَلَامِهِمْ وَمُقْتَبِسٌ مِنْ عُلُومِهِمْ فَهُوَ يَحْذُو حَذْوَهُمْ. وَقَدْ اعْتَنَتْ الْأَفَاضِلُ بِشَرْحِ كَلَامِهِ وَنَاهِيك بِالْعَضُدِ وَالسَّيِّدِ وَالسَّعْدِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَهُمْ نَقَدَةُ الْكَلَامِ وَقَادَةُ الْأَفْهَامِ فَسُكُوتُهُمْ عَلَيْهِ وَإِقْرَارُهُمْ لَهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْمُخَالَفَةِ، فَإِنْ قُلْت: مِنْ أَيْنَ عَلِمْت ذَلِكَ قُلْت: إنَّ الْعَلَّامَةَ سم مَعَ سَعَةِ اطِّلَاعِهِ وَكَثْرَةِ النَّقْلِ عَنْ الْعَضُدِ وَمَوَادِّهِ وَغَيْرِهَا لَوْ وَجَدَ شَيْئًا يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي تَأْيِيدِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَكَانَ أَحَقَّ بِالذِّكْرِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي اتَّخَذَهُ دَيْدَنًا عِنْدَ عَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى نَقْلٍ قَوِيٍّ أَوْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ عَلَى أَنَّا وَجَدْنَا مُقَوِّيًا لِكَلَامِ النَّاصِرِ بِأَنَّ تَخْصِيصَ الْأُصُولِيِّينَ أَقْسَامَ الْمَفْهُومِ بِالْأَحْكَامِ وَلَمْ يَذْكُرُوا مَفْهُومًا مُفْرَدًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْطُوقَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُقَابِلٌ لَهُ. وَفِي الْمِنْهَاجِ وَالتَّلْوِيحِ مَا يُوَافِقُ ابْنَ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ الْأَوَّلُ الْخِطَابُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْحُكْمِ بِمَنْطُوقِهِ إلَخْ وَقَالَ الثَّانِي الْحُكْمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ النَّظْمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِنَفْسِ النَّظْمِ أَوْ لَا إلَى آخِرِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقْسِيمِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا اُشْتُهِرَ أَنْ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ لَيْسَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ وَاتَّخَذَهُ دَيْدَنًا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ فَنٍّ أَنْ يُشَاحِحَ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ فَنٍّ آخَرَ عَلَى أَمْرٍ اُصْطُلِحَ عَلَيْهِ لَا أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْوُثُوقِ بِالْأَلْفَاظِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ وَاشْتِبَاهُ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْوَاضِعُ بِغَيْرِهِ وَسَدُّ أَبْوَابِ الِاعْتِرَاضِ، فَإِنَّ لِلْخَصْمِ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا أَمْرٌ اصْطَلَحْت عَلَيْهِ أَنَا وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ فَلَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ الْمُرَادُ مَنْ كَانَ فِي طَبَقَةِ الْوَاضِعِ أَوْ بَعْدَهَا مِمَّنْ لَهُ اسْتِخْرَاجٌ فِي الْفَنِّ وَتَمْهِيدٌ لِقَوَاعِدِهِ كَالسَّكَّاكِيِّ وَعَبْدِ الْقَاهِرِ وَالزَّمَخْشَرِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَنِّ الْبَيَانِ وَكَذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّحْوِ وَكَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِفَنِّنَا هَذَا إلَّا أَنَّ كُلَّ مُصَنِّفٍ أَوْ مُشْتَغِلٍ بِذَلِكَ الْفَنِّ لَهُ أَنْ يَضَعَ أَلْفَاظًا يَصْطَلِحُ عَلَيْهَا وَيَسْتَعْمِلُهَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَإِلَّا كَانَ نَسْخًا لِمَا عَلَيْهِ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: أَيْ يُسَمَّى بِذَلِكَ) أَفَادَ بِهِ أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ حَمْلُ تَسْمِيَةٍ لَا حَمْلُ وَصْفٍ وَالنَّصُّ مَأْخُوذٌ مِنْ مِنَصَّةِ الْعَرُوسِ وَهُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ فَكَأَنَّ النَّصَّ ظَهَرَ عَنْ الِاحْتِمَالِ ثُمَّ هُوَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا ذَكَرَ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مُقَابِلِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَالْإِجْمَاعِ فَيُرَادُ بِهِ الدَّلِيلُ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ فَيَعُمُّ الظَّاهِرَ وَتَارَةً عَلَى مَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ، وَهُوَ الْمَعْنَى هُنَا. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّهُ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا احْتِمَالًا مَرْجُوحًا وَهُوَ بِمَعْنَى الظَّاهِرِ وَعَلَى مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى كَيْفَ كَانَ وَيُطْلَقُ النَّصُّ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ بِإِزَاءِ الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ فَيُرَادُ بِالنَّصِّ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَصًّا لَا احْتِمَالَ فِيهِ أَوْ ظَاهِرٌ أَوْ يُرَادُ بِالْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ مَا خَرَجَ أَيْ اُسْتُنْبِطَ مِنْ نَصِّهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: فِي نَحْوِ جَاءَ زَيْدٌ) أَفَادَ بِهِ أَنَّ الْإِفَادَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالتَّرْكِيبِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مُفِيدٌ لِلذَّاتِ) فَيَسْتَشْكِلُ بِصِحَّةِ التَّجَوُّزِ فِي الْإِعْلَامِ فَيَحْتَمِلُ زَيْدٌ مَعْنًى مَجَازِيًّا. وَقَدْ قَالَ النُّحَاةُ: إنَّ التَّأْكِيدَ فِي جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ لِدَفْعِ الْمَجَازِ عَنْ الذَّاتِ وَاحْتِمَالُ أَنَّ الْجَائِيَ رَسُولُهُ أَوْ كِتَابُهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُتَجَوَّزُ فِيهِ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ اشْتِهَارًا بِوَصْفٍ وَلَا كَذَلِكَ زَيْدٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ التَّجَوُّزُ بِغَيْرِ الِاسْتِعَارَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ، وَالْمَجَازُ الَّذِي يَدْفَعُهُ التَّأْكِيدُ الْمَجَازُ الْحَذْفِيُّ أَوْ الْعَقْلِيُّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ زَيْدًا مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ بَلْ هُوَ نَصٌّ فِي مَدْلُولِهِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَالْإِنْصَافُ أَنَّ مَادَّةَ الِاحْتِمَالِ لَمْ تَنْقَطِعْ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الِاحْتِمَالَ الضَّعِيفَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ. اهـ. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ (قَوْلُهُ: إنْ احْتَمَلَ) أَيْ اللَّفْظُ (قَوْلُهُ: بَدَلَ الْمَعْنَى) الْبَدَلِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الْإِرَادَةُ وَإِلَّا فَهُوَ مُحْتَمِلٌ

стр. 309

وَهُوَ مَعْنًى مَرْجُوحٌ لِأَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ وَالْأَوَّلُ الْحَقِيقِيُّ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ أَمَّا الْمُحْتَمِلُ لِمَعْنًى مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فَيُسَمَّى مُجْمَلًا وَسَيَأْتِي كَالْجَوْنِ فِي ثَوْبِ زَيْدٍ الْجَوْنُ فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنَيَيْهِ أَيْ الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ عَلَى السَّوَاءِ (وَاللَّفْظُ إنْ دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى) كَغُلَامِ زَيْدٍ ــ [حاشية العطار] لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْنًى مَرْجُوحٌ) لَا يُقَالُ بَلْ هُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ الْقَرِينَةِ عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ) لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُمَا لِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَانَ حَقُّهُ التَّأْكِيدَ بِخِطَابٍ وَاحِدٍ لِيَخْرُجَ الْمُجْمَلُ مَعَ الْمُبَيَّنِ، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ أَفَادَا مَعْنًى وَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَكِنَّهُمَا لَيْسَا بِخِطَابٍ وَاحِدٍ فَلَا يُسَمِّيَانِ نَصًّا. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ قَدْ يَلْتَزِمُ أَنَّ الْمَجْمُوعَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ نَصٌّ لِانْطِبَاقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ اهـ وَفِيهِ أَنَّ تَمْثِيلَهُمْ لِلنَّصِّ بِالْمُفْرَدِ يَأْتِي هَذَا الِالْتِزَامُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَنَاهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي أَصْلُهَا عَلَى غَيْرِ أَسَاسِهَا مِنْ أَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِي ذَلِكَ ١ - (قَوْلُهُ: إنْ دَلَّ جُزْؤُهُ إلَخْ) إنْ اُعْتُبِرَ جُزْءُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْؤُهُ لَزِمَ اسْتِدْرَاكُ قَوْلِهِ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْجُزْءَ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْءٌ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى وَإِنْ أَرَادَ دَلَالَةَ الْجُزْءِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ جُزْءًا بَلْ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ جُزْءًا أَوْ مُفْرَدًا فَالْقَيْدُ وَإِنْ كَانَ مُخْرِجًا لِعَبْدِ اللَّهِ عَلَمًا لَكِنَّهُ مَازَالَ الْحَدُّ شَامِلًا لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ عِلْمًا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ أَيْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ جُزْءًا، وَذَلِكَ قَبْلَ جَعْلِهِ عِلْمًا وَهُوَ مُفْرَدٌ مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَدِّ الْمُرَكَّبِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَخَارِجٌ عَنْ حَدِّ الْمُفْرَدِ فَيَبْطُلُ بِهِ طَرْدُ الْأَوَّلِ، وَعَكْسُ الثَّانِي فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ الْقَصْدِ، فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَقَدْ حَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ هَكَذَا أَوْرَدَ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الثَّانِي وَأَنَّ قَيْدَ الْحَيْثِيَّةِ مُرَادٌ فِي تَعْرِيفِ الْأُمُورِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِالِاعْتِبَارِ وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْ تَعْرِيفِ الْمُرَكَّبِ وَيَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الْمُفْرَدِ الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ، فَإِنَّ جُزْأَهُ وَإِنْ دَلَّ لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ: إنَّهُ جُزْءٌ وَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ. اهـ. أَقُولُ: يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الدَّوَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ التَّهْذِيبِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ اعْتِبَارِهِ فِي أَصْلِ الدَّلَالَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ: إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلتَّفْهِيمِ لَا لِلتَّتْمِيمِ اهـ. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ إنْ أُرِيدَ بِالْقَصْدِ الْقَصْدُ بِالْفِعْلِ فَالْمُرَكَّبَاتُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا وَالْقَصْدُ إلَى مَعَانِيهَا تَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الْمُفْرَدِ وَتَخْرُجُ عَنْ تَعْرِيفِ الْمُرَكَّبِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يُقْصَدُ بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى فَمُرَكَّبٌ وَإِلَّا فَمُفْرَدٌ فَمِثْلُ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ الْعِلْمُ يَخْرُجُ عَنْ الْمُفْرَدِ وَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْمُرَكَّبِ لِأَنَّهُ بِحَيْثُ يُقْصَدُ بِجُزْئِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى مَفْهُومِ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ اللَّذَيْنِ هُمَا جُزْءَا الشَّخْصِ الْمُسَمَّى بِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ

стр. 310

(فَمُرَكَّبٌ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ جُزْؤُهُ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ كَهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ غَيْرُ دَالٍ عَلَى مَعْنًى كَزَيْدٍ أَوْ دَالٍ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ جُزْءِ مَعْنَاهُ كَعَبْدِ اللَّهِ عَلَمًا (فَمُفْرَدٌ وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ مُطَابِقَةٌ) ــ [حاشية العطار] إطْلَاقِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَأَبًّا مَا كَانَ يُنْتَقَضُ التَّعْرِيفَانِ طَرْدًا وَعَكْسًا اهـ. وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَيْضًا بُطْلَانَ التَّعْرِيفَيْنِ بِصِدْقِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي عَلَى الْمُضَارِعِ، فَإِنَّ حُرُوفَ الْمُضَارَعَةِ جُزْءٌ مِنْهُ وَهِيَ تَدُلُّ فِيهِ عَلَى مَعْنًى هُوَ الزَّمَانُ، وَالْمَادَّةُ تَدُلُّ عَلَى الْحَدَثِ وَكِلَاهُمَا مُفْرَدَةٌ عِنْدَ النُّحَاةِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَإِنَّ قَالَ الْمَنْطِقِيُّونَ: إنَّهُ مُرَكَّبٌ وَعَلَى أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ وَالْمَفْعُولِينَ وَالصِّفَاتِ الْمُشَبَّهَةِ كَضَارِبٍ وَمُخْرَجٍ وَعَطْشَانَ، فَإِنَّ الْهَيْئَةَ فِيهَا جُزْءٌ مِنْهَا وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الْحَدَثِ وَهِيَ مُفْرَدَةٌ اتِّفَاقًا وَلَا يُجَابُ عَنْ غَيْرِ الْمُضَارِعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجْزَاءِ أَلْفَاظٌ مُرَتَّبَةٌ مَسْمُوعَةُ وَالْهَيْئَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ قَالَ الْعَضُدُ: إنَّهُ تَمَحَّلَ وَلَا يُشْعِرُ بِهِ الْحَدُّ فَيَفْسُدُ اهـ. وَأَقُولُ: أَمَّا دَلَالَةُ أَحْرُفِ الْمُضَارَعَةِ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي فَلَيْسَ بِالِاسْتِقْلَالِ بَلْ الدَّالُّ هُوَ الْفِعْلُ بِسَبَبِ اقْتِرَانِهَا بِهِ لِأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِتِلْكَ الْمَعَانِي وَإِنَّمَا جُعِلَتْ عَلَامَاتٍ لِاعْتِبَارِ مَعْنًى فِي الْفِعْلِ وَهُوَ دَلَالَتُهُ عَلَى التَّكَلُّمِ وَالْخِطَابِ وَالْغَيْبَةِ وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ السِّينُ مَعَ الْفِعْلِ. وَأَمَّا الْفِعْلُ وَبَقِيَّةُ الْمُشْتَقَّاتِ فَلَيْسَ لِلْهَيْئَةِ اسْتِقْلَالٌ فِيهَا بِالدَّلَالَةِ وَكَذَلِكَ الْمَادَّةُ بَلْ الدَّالُّ الْمَجْمُوعُ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ وَمُرَادُهُ وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَتْحِ فِي حَاشِيَةِ الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ أَيْضًا فَقَالَ لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ الْقَوْلَ بِاسْتِقْلَالِ هَيْئَةِ الْكَلِمَةِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الزَّمَانِ يُبْنَى عَلَى مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي إثْبَاتِهِ مِنْ الدَّوْرَانِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ شَاهِدًا عَدْلًا بَلْ الْعُدُولُ عِنْدَ عَدْلٍ بِأَنْ يُقَالَ: الدَّالُّ عَلَى أَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ فِي الْكَلِمَةِ هُوَ مَجْمُوعُ الْمَادَّةِ وَالْهَيْئَةِ اهـ. وَأَرَادَ بِالدَّوَرَانِ قَوْلَهُمْ بِشَهَادَةِ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْهَيْئَةِ إلَخْ وَأُجِيبَ أَيْضًا بِالْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجْزَاءِ الْأَلْفَاظُ الْمُتَرَتِّبَةُ إلَخْ وَمِمَّنْ أَجَابَ بِهِ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ وَقَرَّرَهُ السَّيِّدُ فِي الْحَاشِيَةِ وَأَيَّدَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ بِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ كَوْنِ اللَّفْظِ ذَا أَجْزَاءٍ أَنَّهَا مَسْمُوعَةٌ حَقِيقَةً أَيْ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا مَسْمُوعٌ لَا أَنَّهَا مَسْمُوعَةٌ مَعًا وَكَفَى بِهَؤُلَاءِ الْمُحَقِّقِينَ سَنَدًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَإِنَّ قَالَ الْمَنْطِقِيُّونَ: إنَّهُ مُرَكَّبٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ سَهْوٌ مِنْ الشَّيْخِ ﵀ وَإِلَّا فَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا تَخْفَى عَلَى صِغَارِ الطَّلَبَةِ فَضْلًا عَنْ الْمُحَقِّقِينَ كَيْفَ وَهِيَ مَنْصُوصَةٌ فِي تَقْسِيمِ مَتْنِ التَّهْذِيبِ وَالشَّمْسِيَّةِ الْمُفْرَدُ إلَى أَدَاةٍ وَكَلِمَةٍ وَاسْمٍ، وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الْفِعْلُ وَبَقِيَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمُعَرَّفُ بِأَلْ وَالْمُنَكَّرُ وَالْمَنْسُوبُ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَلْ دَالَّةٌ عَلَى التَّعْيِينِ وَالتَّنْوِينُ عَلَى الْإِبْهَامِ وَنَحْوِهِ وَالْيَاءُ عَلَى النِّسْبَةِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُرَكَّبَاتٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ لِشِدَّةِ الِارْتِبَاطِ صَارَتْ شَيْئًا وَاحِدًا وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ وَنَحْوُهُمَا فَتَأَمَّلْ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ ذُكِرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ اسْتِطْرَادًا أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمَبْدَئِيَّةِ وَالشَّيْخُ النَّاصِرُ وسم قَدْ أَطَالَا الْكَلَامَ فِيهِ وَلَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ تُصْرَفَ فِيهِ الْعِنَايَةُ، فَإِنَّهُ كَثِيرُ الشُّيُوعِ (قَوْلُهُ: فَمُرَكَّبٌ) قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الطَّبْعِ تَقْدِيمُ الْكَلَامِ عَلَى الْمُفْرَدِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا لِلْمُرَكَّبِ لِشَرَفِهِ يَكُونُ مَفْهُومُهُ وُجُودِيًّا (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ جُزْؤُهُ) أَيْ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْمُرَكَّبِ إذْ أَجْزَاءُ الْمُرَكَّبِ شَامِلَةٌ لِكُلٍّ مِنْ حُرُوفِهِ الْهِجَائِيَّةِ وَكَلِمَاتِهِ وَلَا دَلَالَةَ لِوَاحِدٍ مِنْ حُرُوفِهِ عَلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْحُرُوفَ أَجْزَاءٌ ثَانَوِيَّةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا أَطَالَ بِهِ سم مِنْ التَّكَلُّفَاتِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ) ؛ لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ وَهَذَا بِخِلَافِ جُزْءٍ لَمْ يَدُلَّ، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ إلَّا بِوُجُودِ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُولَةٌ وَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ الشَّارِحُ إلَى قَوْلِهِ: أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَزَيْدٍ) ، فَإِنَّ أَجْزَاءَهُ زِهْ يَهِ دِهْ وَلَا دَلَالَةَ لَهَا بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَأَمَّا دَلَالَتُهَا عَلَى حَيَاةِ الْمُتَكَلِّمِ فَعَقْلِيَّةٌ وَدَلَالَتُهَا عَلَى الْعَدَدِ فَلَيْسَتْ مِنْ وَضْعِ اللُّغَةِ بَلْ اصْطِلَاحُ أَهْلِ الْحَرْفِ (قَوْلُهُ: كَعَبْدِ اللَّهِ عَلَمًا) ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ جُزْأَيْهِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَكِنَّهُ لَيْسَ جُزْءَ الذَّاتِ الْمَوْضُوعَ لَهَا بَلْ الْعُبُودِيَّةُ مِنْ عَوَارِضِهَا وَدَلَالَةُ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ جَعْلِهِ عَلَمًا إنَّمَا هِيَ بِقَطْعِ النَّظَرِ

стр. 311

وَتُسَمَّى دَلَالَةَ مُطَابَقَةٍ أَيْضًا لِمُطَابَقَةِ الدَّالِّ لِلْمَدْلُولِ (وَعَلَى جُزْئِهِ) أَيْ جُزْءِ مَعْنَاهُ (تَضَمُّنٌ) وَتُسَمَّى دَلَالَةَ تَضَمُّنٍ أَيْضًا لِتَضَمُّنِ الْمَعْنَى لِجُزْئِهِ الْمَدْلُولِ (وَلَازِمِهِ) أَيْ لَازِمِ مَعْنَاهُ ــ [حاشية العطار] عَنْ الْعَلَمِيَّةِ وَإِلَّا فَقَدْ صَارَ عَبْدٌ كَالزَّايِ مِنْ زَيْدٍ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا (قَوْلُهُ: دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ) لَمْ يَقُلْ عَلَى تَمَامِ مَعْنَاهُ وَلَا جَمِيعٍ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ قَيْدَ التَّمَامِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا فِي التَّعْرِيفِ بَلْ ذُكِرَ لِرِعَايَةِ حُسْنِ التَّقَابُلِ مَعَ الشِّقِّ الثَّانِي وَلَفْظُ جَمِيعٍ مُشْعِرٌ بِالتَّرْكِيبِ فَلَا يَشْمَلُ الْمَعْنَى الْبَسِيطَ كَالنُّقْطَةِ وَالْعَقْلِ وَاللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ دَالٌّ عَلَى كُلِّ مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهِ بِاعْتِبَارِ انْفِرَادِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعْرِيفِ لَا إنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَالَ السَّيِّدُ: إذَا عُلِمَ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنَّهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ لَهُ يَنْتَقِلُ ذِهْنُهُ إلَى مُلَاحَظَةِ تِلْكَ الْمَعَانِي بِأَسْرِهَا فَيَكُونُ دَالًّا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُطَابَقَةً، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مَاذَا هُوَ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي، فَإِنَّ كَوْنَ الْمَعْنَى مُرَادًا لِلْمُتَكَلِّمِ لَيْسَ مُعْتَبَرًا فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ اهـ. وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ دَلَالَةَ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ إنَّمَا الْمُحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ بَعْضَهَا لَا يُقَالُ: إذَا أُطْلِقَ الْمُشْتَرَكُ يُفْهَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعَانِيهِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِأَوْضَاعِهِ وَيُفْهَمُ جَمِيعُ الْمَعَانِي أَيْضًا مَعَ أَنَّ هَذِهِ الدَّلَالَةَ لَيْسَتْ شَيْئًا مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَهْمَ جَمِيعِ الْمَعَانِي مِنْ اللَّفْظِ بَلْ ذَلِكَ لَازِمٌ لِاجْتِمَاعِ فَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَتُسَمَّى دَلَالَةَ مُطَابَقَةٍ) فَلَهَا اسْمَانِ مُفْرَدٌ وَمُرَكَّبٌ (قَوْلُهُ: لِمُطَابَقَةِ الدَّالِّ إلَخْ) أَيْ لِكَوْنِهِ بِقَدْرِهِ لَا أَنْقَصَ عَنْهُ كَمَا فِي دَلَالَةِ التَّضَمُّنِ وَلَا أَزِيدَ كَمَا فِي الِالْتِزَامِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى جُزْئِهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ: إنَّهُ جُزْءٌ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ عَلَى مَعْنَاهُ وَعَلَى لَازِمِهِ فَاللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْمَعْنَى وَلِجُزْئِهِ وَلِلَازِمِهِ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ إذَا أُطْلِقَ عَلَى الْجُزْءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْءٌ كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ دَلَالَةَ تَضَمُّنٍ أَوْ مِنْ حَيْثُ وَضْعِ اللَّفْظِ لَهُ كَانَتْ مُطَابَقَةً، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى اللَّازِمِ وَهَاهُنَا بَحْثٌ نَفِيسٌ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ هُمَا إذَا كَانَ رَاجِعًا إلَى الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ مَثَلًا فِي قَوْلِك الْأُبُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ هُمَا إضَافِيَّانِ يَدُلُّ عَلَى الْمَجْمُوعِ بِالْمُطَابَقَةِ وَعَلَى الْجُزْأَيْنِ بِالتَّضَمُّنِ وَكُلُّ جُزْءٍ يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ لِامْتِنَاعِ تَعَقُّلِ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ فَاللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِوَاسِطَةِ لُزُومِهِ لِلْآخَرِ وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ لَيْسَتْ مُطَابَقِيَّةً وَهُوَ الظَّاهِرُ وَلَا تَضَمُّنِيَّةً لِعَدَمِ اعْتِبَارِ حَيْثِيَّةِ الْجُزْئِيَّةِ وَلَا الْتِزَامِيَّةً لِعَدَمِ الْخُرُوجِ. وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ الدَّلَالَةِ بِوَاسِطَةِ اللُّزُومِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَعَقُّلَ أَحَدِ الْمُتَضَايِفَيْنِ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ تَعَقُّلَ الْآخَرِ إذَا كَانَ مَحْظُورًا بِالْبَالِ وَإِلَّا لَزِمَ تَعَقُّلَاتٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُتَضَايِفَيْنِ عِنْدَ تَعَقُّلِ أَحَدِهِمَا وَهَاهُنَا لَمَّا كَانَ فَهْمُ أَحَدِهِمَا فِي ضِمْنِ فَهْمِ مَجْمُوعِهِمَا الَّذِي هُوَ مَدْلُولٌ مُطَابِقِيٌّ لَمْ يَكُنْ فَهْمُ أَحَدِهِمَا مُسْتَلْزِمًا لِفَهْمِ الْآخَرِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الدَّلَالَةُ فَلَا حَاجَةَ فِي جَوَابِهِ إلَى ارْتِكَابِ تَكَلُّفٍ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْخُرُوجُ فِي الْمَدْلُولِ الِالْتِزَامِيِّ أَيْ يَصِيرُ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ مِنْ حَيْثِيَّةٍ غَيْرِ حَيْثِيَّةِ الْعَيْنِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِتَضَمُّنِ الْمَعْنَى) أَيْ الَّذِي وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمُطَابِقِيُّ وَقَوْلُهُ الْمَدْلُولُ صِفَةٌ لِلَّفْظِ أَيْ الْمَدْلُولُ لَهُ بِدَلَالَةِ التَّضَمُّنِ فَدَلَالَةُ التَّضَمُّنِ هِيَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْكُلِّ وَدَلَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى الْجُزْءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِأَنْ اُسْتُعْمِلَ مَا لِلْكُلِّ فِي الْجُزْءِ فَمَجَازٌ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مُطَابَقَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَعَ الْقَرِينَةِ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِالْوَضْعِ النَّوْعِيِّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ، فَإِنْ تَحَقَّقَ اللُّزُومُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ

стр. 312

(الذِّهْنِيِّ) سَوَاءٌ لَزِمَهُ فِي الْخَارِجِ أَيْضًا أَمْ لَا (الْتِزَامٌ) وَتُسَمَّى دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ أَيْضًا لِالْتِزَامِ الْمَعْنَى أَيْ اسْتِلْزَامِهِ لِلْمَدْلُولِ كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ فِي الْأَوَّلِ وَعَلَى الْحَيَوَانِ فِي الثَّانِي وَعَلَى قَابِلِ الْعِلْمِ فِي الثَّالِثِ اللَّازِمِ خَارِجًا أَيْضًا وَكَدَلَالَةِ الْعَمَى أَيْ عَدَمِ الْبَصَرِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْبَصَرُ عَلَى الْبَصَرِ اللَّازِمِ لِلْعَمَى ذِهْنًا الْمُنَافِي لَهُ خَارِجًا (وَالْأُولَى) أَيْ دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ (لَفْظِيَّةٌ) لِأَنَّهَا بِمَحْضِ اللَّفْظِ (وَالثِّنْتَانِ) أَيْ دَلَالَتَا التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ (عَقْلِيَّتَانِ) ــ [حاشية العطار] يَمْتَنِعُ الِانْفِكَاكُ فَهِيَ مُطَابَقَةٌ وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ فِي حَوَاشِي الْمَطَالِعِ فِي دَلَالَةِ الْمُعَمَّيَاتِ عَلَى مَعَانِيهَا (قَوْلُهُ: الذِّهْنِيِّ) بَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ تَقْيِيدَ اللَّازِمِ بِالذِّهْنِيِّ خُرُوجٌ عَنْ الْأُصُولِ إلَى فَنِّ الْمَنْطِقِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلَالَةِ الَّتِي هِيَ الْمَقْسَمُ كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ مَهْمَا أُطْلِقَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ فُهِمَ مِنْهُ الْمَعْنَى كَمَا تَقُولُ الْمُنَاطِقَةُ لَا كَوْنُهُ إذَا أُطْلِقَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ فُهِمَ مِنْهُ الْمَعْنَى كَمَا تَقُولُ الْأُصُولِيُّونَ وَالْبَيَانِيُّونَ وَمِنْ ثَمَّ تَرَكَ ابْنُ الْحَاجِبِ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ وَضَعَّفَ الْقَوْلَ بِهِ فَقَالَ: وَغَيْرُ اللَّفْظِيِّ الْتِزَامٌ وَقِيلَ إذَا كَانَ ذِهْنِيًّا وَأَجَابَ بِأَنَّ اللَّازِمَ الذِّهْنِيَّ لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَمْتَنِعُ انْفِكَاكُ تَعَقُّلِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الْمُسَمَّى وَهُوَ اللَّازِمُ الْبَيِّنُ عِنْدَ الْمُطَابَقَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَلِفُ فِي اشْتِرَاطِهِ بَيْنَ الْمَنَاطِقَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي: مَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي الذِّهْنِيِّ حُصُولُهُ فِيهِ إمَّا عَلَى الْفَوْرِ أَوْ بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي الْقَرَائِنِ وَهَذَا مُرَادُ مَنْ قَيَّدَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْبَيَانِ لَا الْأَوَّلُ وَإِلَّا لَخَرَجَتْ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ فِي الْمَجَازَاتِ وَالْكِنَايَاتِ عَنْ الْمَدْلُولَاتِ الِالْتِزَامِيَّةِ اهـ. أَقُولُ: اخْتَارَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي مَتْنِ التَّهْذِيبِ مَذْهَبَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ اللُّزُومِ عَقْلًا أَوْ عُرْفًا وَوَجَّهَهُ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا رِيبَةَ فِي فَهْمِ هَذَا الْمَعْنَى فَإِسْقَاطُهُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ اهـ. وَقَالَ الْحَفِيدُ فِي شَرْحِ الْمَتْنِ لَوْ اُعْتُبِرَ اللُّزُومُ الْعَقْلِيُّ فَقَطْ لَخَرَجَ الْمَجَازَاتُ وَالْكِنَايَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُحَاوَرَاتِ وَالْمُخَاطَبَاتِ وَلَا شَكَّ أَنَّ نَظَرَ الْمَنْطِقِيِّ فِي الْأَلْفَاظِ لَيْسَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْإِفَادَةِ وَالِاسْتِفَادَةِ فَلَا وَجْهَ لِتَحْدِيدِ اصْطِلَاحٍ بِلَا ضَرُورَةٍ مَعَ إفْضَائِهِ إلَى ضِيقٍ فِي أَمْرِ الدَّلَالَةِ لِإِخْرَاجِ تِلْكَ الدَّلَالَاتِ السَّابِقَةِ فِي الِاعْتِبَارِ عَنْ الِاعْتِبَارِ اهـ. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ فَلَا وَجْهَ لِتَحْدِيدِ اصْطِلَاحٍ إلَخْ أَيْ مُخَالِفٍ لِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: لِالْتِزَامِ الْمَعْنَى) أَيْ الْمُطَابِقِيِّ وَقَوْلُهُ لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ الْتِزَامًا (قَوْلُهُ: أَيْ عَدَمَ الْبَصَرِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَمَى هُوَ الْعَدَمُ الْمُقَيَّدُ بِالْبَصَرِ وَالْقَيْدُ خَارِجٌ وَلَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسَمَّى وَإِلَّا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ تَضَمُّنًا فَالتَّقَابُلُ بَيْنَ الْعَمَى وَالْبَصَرِ تَقَابُلُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ الدَّوَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ التَّهْذِيبِ عَلَى خُرُوجِ الْبَصَرِ عَنْ مُسَمَّى الْعَمَى بِأَنَّ إسْنَادَهُ إلَى الْبَصَرِ شَائِعٌ بِدُونِ قَرِينَةٍ مَجَازِيَّةٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّظَائِرِ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ اهـ. يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَ الْبَصَرَ بِدُونِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ بِأَنْ ذَكَرَ لَفْظَ الْعَمَى الْمَوْضُوعَ لِلْعَدَمِ مَعَ التَّقْيِيدِ بِالْبَصَرِ وَيُرَادُ مُطْلَقُ الْعَدَمِ. وَقَالَ مِيرْ زَاهِدْ الْهِنْدِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَنْ الدَّوَانِيِّ الْعَمَى صِفَةٌ بَسِيطَةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَعْمَى، وَحَقِيقَتُهُ عَدَمٌ خَاصٌّ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَدَمِ الْبَصَرِ، وَقَدْ اُشْتُهِرَ الْفَرْقُ بَيْنَ جُزْءِ الشَّيْءِ وَجُزْءِ مَفْهُومِهِ فَالتَّقْيِيدُ بِالْبَصَرِ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الْعَمَى الْعَيْنَوَانِيِّ، وَخَارِجُ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْبَسِيطَةِ وَلَمَّا كَانَتْ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةً لِلْمَعَانِي دُونَ عِنْوَانِهَا كَانَتْ دَلَالَةُ الْعَمَى عَلَى الْبَصَرِ دَلَالَةً عَلَى خَارِجٍ عَنْ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَكَانَ إسْنَادُهُ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ غَيْرَ تَجْرِيدٍ أَوْ مَجَازٍ اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا بِمَحْضِ اللَّفْظِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى انْتِقَالٍ إلَى جُزْءٍ أَوْ لَازِمٍ كَمَا فِي اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا فَهُوَ كَالْحَصْرِ الْإِضَافِيِّ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْفَهْمَ بِهِ وَالْعِلْمَ بِالْوَضْعِ (قَوْلُهُ: عَقْلِيَّتَانِ) تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْمَحْصُولِ وَغَيْرَهُ وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ ثَانِيهَا أَنَّهُمَا لَفْظِيَّتَانِ كَالْأُولَى اعْتِبَارًا بِفَهْمِ الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَنَاطِقَةِ. وَقَدْ يُقَالُ هُوَ لَازِمٌ لِلْمُصَنِّفِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْقَسْمَ دَلَالَةَ اللَّفْظِ فَأَقْسَامُهُ لَفْظِيَّةٌ وَكَوْنُ بَعْضِهَا بِوَاسِطَةٍ، وَبَعْضِهَا بِلَا وَاسِطَةٍ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ ذَلِكَ

стр. 313

لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى انْتِقَالِ الذِّهْنِ مِنْ الْمَعْنَى إلَى جُزْئِهِ وَلَازِمِهِ ــ [حاشية العطار] ثَالِثُهُمَا: أَنَّ الدَّلَالَةَ التَّضَمُّنِيَّةَ لَفْظِيَّةٌ كَالْأُولَى وَالِالْتِزَامِيَّة عَقْلِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ دَاخِلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ بِخِلَافِ اللَّازِمِ وَلِأَنَّ الدَّلَالَتَيْنِ التَّضَمُّنِيَّتَيْنِ فِي الْمُرَكَّبِ مِنْ جُزْأَيْنِ مَثَلًا نَفْسُ الدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ فَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّفْصِيلِ فِي التَّضَمُّنِيَّةِ وَالْإِجْمَالِ فِي الْمُطَابِقِيَّةِ وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا اهـ. قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَهَذَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ فَقَوْلُ النَّاصِرِ إنَّ الْمُصَنِّفَ خَالَفَ ابْنَ الْحَاجِبِ وَوَافَقَ الْبَيَانِيِّينَ لَا اتِّجَاهَ لَهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِ فَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِمُخَالَفَتِهِ لَهُ حَيْثُ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مَعَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِيِّينَ أَيْضًا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْغُرَّةِ الْمُطَابَقَةُ وَضْعِيَّةٌ صَرَفَهُ بِلَا مَدْخَلٍ مِنْ الْعَقْلِ بِخِلَافِ الْأَخِيرَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا لَيْسَ بِمَحْضِ الْوَضْعِ بَلْ بِمَدْخَلٍ مِنْ الْعَقْلِ وَهُوَ أَنَّ فَهْمَ الْكُلِّ مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِ الْجُزْءِ وَفَهْمَ الْمَلْزُومِ مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِ اللَّازِمِ فَلِذَلِكَ اتَّفَقَتْ الْكَلِمَةُ عَلَى تَخْصِيصِ الْأُولَى بِالْوَضْعِيَّةِ وَاخْتَلَفَ فِيهِمَا فَعَدَّهُمَا الْمَنْطِقِيُّونَ مِنْ الْوَضْعِيَّةِ وَأَهْلُ الْبَيَانِ وَالْأُصُولُ مِنْ الْعَقْلِيَّةِ اهـ. عَلَى أَنَّك قَدْ سَمِعْت أَوَّلَ الْمَبْحَثِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الدَّلَالَةِ وَتَقْسِيمِ اللَّفْظِ إلَى مُفْرَدٍ وَمُرَكَّبٍ ذُكِرَ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ اسْتِطْرَادًا أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمَبْدَئِيَّةِ فَلَا ضَرَرَ فِي مُوَافَقَتِهِمْ غَيْرَهُمْ فِي اصْطِلَاحٍ يَخُصُّهُمْ لِمُنَاسَبَةٍ تَتَعَلَّقُ بِفَنِّ الْأُصُولِ وَاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْبَيَانِ أَمَسُّ بِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ بَاحِثُونَ عَنْ بَلَاغَةِ الْكِتَابِ وَالسَّنَدِ وَهُمَا مِمَّا يَبْحَثُ عَنْهُ فِي هَذَا الْفَنِّ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِنْبَاطُ وَفِي الْحَقِيقَةِ كَادَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَلْفُ لَفْظِيًّا (قَوْلُهُ: لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى انْتِقَالِ الذِّهْنِ إلَخْ) هَذَا لَا يَصِحُّ فِي التَّضَمُّنِ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَتُسَمَّى الْمُطَابَقَةُ وَالتَّضَمُّنِيَّةُ لَفْظِيَّةً؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِتَوَسُّطِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَعْنًى بَلْ مِنْ نَفْسِ اللَّفْظِ بِخِلَافِ الِالْتِزَامِ فَلِذَلِكَ حُكِمَ بِأَنَّهُمَا وَاحِدَةٌ بِالذَّاتِ إذْ لَيْسَ هَاهُنَا إلَّا فَهْمٌ وَانْتِقَالٌ وَاحِدٌ يُسَمَّى بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إلَى مَجْمُوعِ الْجُزْأَيْنِ مُطَابَقَةً وَأَحَدُهُمَا تَضَمُّنًا وَلَيْسَ فِي التَّضَمُّنِ انْتِقَالٌ إلَى مَعْنَى الْكُلِّ ثُمَّ مِنْهُ إلَى الْجُزْءِ كَمَا فِي الِالْتِزَامِ يَنْتَقِلُ مِنْ اللَّفْظِ إلَى الْمَلْزُومِ وَمِنْهُ إلَى لَازِمِهِ فَيَتَحَقَّقُ فَهْمَانِ. وَمَبْنَى هَذَا التَّحْقِيقِ عَلَى أَنَّ التَّضَمُّنَ فَهْمُ الْجُزْءِ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ، وَالِالْتِزَامُ فَهْمُ اللَّازِمِ بَعْدَ فَهْمِ الْمَلْزُومِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الشَّارِحَ مُوَافَقَةُ التَّفْتَازَانِيِّ وَإِنَّهُ لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ لَهُ، فَإِنَّ لَك سَلَفًا فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ: وَأَمَّا الْبَاقِيَتَانِ فَعَقْلِيَّتَانِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا وُضِعَ لِلْمُسَمَّى انْتَقَلَ الذِّهْنُ مِنْ الْمُسَمَّى إلَى لَازِمِهِ، وَلَازِمُهُ إنْ كَانَ دَاخِلًا فِي الْمُسَمَّى فَهُوَ التَّضَمُّنُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا فَهُوَ الِالْتِزَامُ اهـ. وَلَمْ يُنَازِعْهُ أَحَدٌ مِنْ شُرَّاحِهِ فِي ذَلِكَ هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي سم مِنْ كَلَامٍ طَوِيلٍ أَكْثَرُهُ تَشْنِيعٌ عَلَى شَيْخِهِ وَفِي الْحَقِيقَةِ السُّؤَالُ، وَالْجَوَابُ لَيْسَا مِمَّا يَمُدُّ فِيهِ الْقَلَمَ نَعَمْ قَدْ ضَعَّفَ الْكَمَالُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ وُجُودِ الْكُلِّ عَلَى وُجُودِ الْجُزْءِ فِي الذِّهْنِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ فِي الْوُجُودَيْنِ أَوْ فَهْمَ الْجُزْءِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي ضِمْنِ الْمُرَكَّبِ وَأُخْرَى مُنْفَرِدًا وَالْوِجْدَانُ

стр. 314

(ثُمَّ الْمَنْطُوقُ إنْ تَوَقَّفَ ــ [حاشية العطار] يُكَذِّبُهُ اهـ. وَهَذَا التَّضْعِيفُ ضَعِيفٌ أَمَّا أَوَّلًا فَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْوِجْدَانِيَّاتِ لَا تَقُومُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقُومَ الَّذِي أَجِدُهُ فِي نَفْسِي أَنَا خِلَافَ ذَلِكَ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَمَنْ ادَّعَاهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَقْدِيمِ الْجُزْءِ فِي الْوُجُودَيْنِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ أَنَّ فَهْمَ الْجُزْءِ مِنْ اللَّفْظِ مُتَأَخِّرٌ فِي الْوُجُودِ عَنْ فَهْمِ الْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ فَهْمُهُ فِي ذَاتِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ فَهْمَ الْكُلِّ عَيْنُ فَهْمِ الْجُزْءِ بِالذَّاتِ مُغَايِرٌ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ كَمَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْأُصُولِ لِلْعَضُدِيِّ أَوْ قُلْنَا بِتَغَايُرِهِمَا بِالذَّاتِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْمَنْطُوقُ إلَخْ) قَسَّمَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَنْطُوقَ إلَى صَرِيحٍ وَغَيْرِ صَرِيحٍ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ دُونَ تَعَقُّبٍ فَالصَّرِيحُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ مُطَابَقَةً أَوْ تَضَمُّنًا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا غَيْرُ الصَّرِيحِ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ بَلْ يَلْزَمُ مَا وُضِعَ لَهُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ وَيَنْقَسِمُ غَيْرُ الصَّرِيحِ إلَى دَلَالَةِ اقْتِضَاءٍ وَدَلَالَةِ إشَارَةٍ وَدَلَالَةِ إيمَاءً وَذَكَرَ الْأَوَّلِيَّيْنِ هُنَا وَتَرَكَ ذِكْرَ الثَّالِثَةِ لِذِكْرِهِ إيَّاهَا فِي بَابِ الْقِيَاسِ قَدْ أَخَلَّ الْمَتْنُ بِذِكْرِ الصَّرِيحِ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ لِوُضُوحِهِ كَذَا قَرَّرَ الْحَوَاشِي وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْرِيفَ السَّابِقَ شَامِلٌ لِلصَّرِيحِ وَغَيْرِهِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِإِخْلَالِ الْمَتْنِ بِذِكْرِهِ عَدَمَ تَعَرُّضِهِ لَهُ فِي التَّقْسِيمِ وَأَشَارَ لِذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ لِلْإِضْمَارِ وَهَذَا كَلَامُهُ مُتَّجَهٌ. وَقَدْ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ الْكُورَانِيُّ فَقَالَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَاصِرٌ عَنْ إفَادَةِ الْمَرَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الْإِيمَاءَ وَقَسَّمَ الْمَنْطُوقَ، وَالْمُنْقَسِمُ إنَّمَا هُوَ غَيْرُ الصَّرِيحِ وَالصَّرِيحُ قِسْمٌ وَاحِدٌ. وَأَمَّا الْعَلَّامَةُ سم فَلَمْ يَرْضَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ وَأَخَذَ يُطِيلُ التَّشْنِيعَ عَلَى النَّاصِرِ وَالْكُورَانِيِّ وَيَتَأَوَّلُ النُّقُولَ بِمَا يَرْجِعُ مُحَصِّلُهُ إلَى أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَغَيْرَهُ إنَّمَا جَعَلُوا الْمُتَوَقِّفَ غَيْرَ الصَّرِيحِ لِتَقْسِيمِهِمْ الْمَنْطُوقَ إلَى صَرِيحٍ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِضَاءِ مِنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ وَالْمُصَنِّفُ حَصَرَ الْمَنْطُوقَ فِي الصَّرِيحِ فَلَا مَنْطُوقَ عِنْدَهُ إلَّا الصَّرِيحَ فَالْمُتَوَقِّفُ حِينَئِذٍ هُوَ الصَّرِيحُ فَلَا خِلَافَ إلَّا فِي الْعِبَارَةِ فَالْمُصَنِّفُ لَمَّا جَعَلَ الْمَنْطُوقَ مَحْصُورًا فِي الصَّرِيحِ جَعَلَهُ هُوَ الْمُتَوَقِّفَ وَابْنُ الْحَاجِبِ لَمَّا لَمْ يَحْصُرْهُ فِيهِ جَعَلَ غَيْرَ الصَّرِيحِ مُتَوَقِّفًا عَلَى الصَّرِيحِ فَرَجَعَ الْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى أَنَّ الْمُتَوَقِّفَ هُوَ الْمَنْطُوقُ لَا غَيْرُهُ وَتَقْرِيرُ الشَّارِحِ الْأَمْثِلَةَ الْآتِيَةَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَنْطُوقَ فِيهَا هُوَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ الَّذِي سَمَّى ابْنُ الْحَاجِبِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ بِالْمَنْطُوقِ الصَّرِيحِ إذْ غَيْرُ الصَّرِيحِ إنَّمَا هُوَ الْمَحْذُوفُ فِيهَا الْمُقَدَّرُ لَا الْمَذْكُورُ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُقَدَّرَ الَّذِي تَوَقَّفَ الصِّدْقُ أَوْ الصِّحَّةُ عَلَيْهِ الَّذِي سَمَّى الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ بِالِاقْتِضَاءِ وَغَيْرِهِ هُوَ الَّذِي سَمَّى ابْنُ الْحَاجِبِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ بِالْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ وَقَسَّمَهُ إلَى الِاقْتِضَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرَ وَيُوَضِّحُهُ الْأَمْثِلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ لِتَوَقُّفِ صِدْقِهِ أَيْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ إلَخْ فَجَعَلَ الْمُتَوَقِّفَ صِدْقَ مَضْمُونِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَنْطُوقٌ صَرِيحٌ إذْ غَيْرُ الصَّرِيحِ هُوَ الْمُقَدَّرُ مَعَهُ وَجَعَلَ الْمُتَوَقِّفَ عَلَيْهِ الْمُؤَاخَذَةَ وَهُوَ غَيْرُ الصَّرِيحِ إلَى آخِرِ الْأَمْثِلَةِ وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت مَا ذَكَرْنَاهُ فِي شَرْحِ التَّعْرِيفِ وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْحَوَاشِي هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لِهَذَا الِاصْطِلَاحِ كُلِّهِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ مَرَامُهُ

стр. 315

الصِّدْقُ) فِيهِ (أَوْ الصِّحَّةُ) لَهُ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا (عَلَى إضْمَارٍ) أَيْ تَقْدِيرٍ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ (فَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ) أَيْ فَدَلَالَةُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَنْطُوقِ عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ الْمُضْمَرِ الْمَقْصُودِ تُسَمَّى دَلَالَةَ اقْتِضَاءِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي مُسْنَدِ أَخِي عَاصِمٍ الْأَتْي فِي مَبْحَثِ الْمُجْمَلِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» أَيْ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِمَا لِتَوَقُّفِ صِدْقِهِ عَلَى ذَلِكَ لِوُقُوعِهِمَا. وَالثَّانِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا إذْ الْقَرْيَةُ وَهِيَ الْأَبْنِيَةُ الْمُجْتَمِعَةُ لَا يَصِحُّ سُؤَالُهَا عَقْلًا، وَالثَّالِثُ كَمَا فِي قَوْلِك لِمَالِكِ عَبْدٍ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي فَفَعَلَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَنْك أَيْ مِلْكُهُ لِي فَاعْتِقْهُ عَنِّي لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْعِتْقِ شَرْعًا عَلَى الْمَالِكِ (وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ) أَيْ الصِّدْقُ فِي الْمَنْطُوقِ وَلَا الصِّحَّةِ لَهُ عَلَى إضْمَارٍ (وَدَلَّ) اللَّفْظُ الْمُفِيدُ لَهُ (عَلَى مَا لَمْ يَقْصِدْ) بِهِ (فَدَلَالَةُ إشَارَةٍ) أَيْ فَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ بِهِ تُسَمَّى دَلَالَةَ إشَارَةٍ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا لِلُزُومِهِ لِلْمَقْصُودِ بِهِ مِنْ جَوَازِ جِمَاعِهِنَّ فِي اللَّيْلِ الصَّادِقِ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ (وَالْمَفْهُومُ مَا) أَيُّ مَعْنًى (دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لَا ــ [حاشية العطار] لَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَارْتِكَابِ تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ سِوَى تَشْوِيشِ الْإِفْهَامِ مَعَ سُهُولَةِ الْمَرَامِ وَرَحِمَ اللَّهُ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ حَيْثُ يَقُولُ وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمُرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا (قَوْلُهُ: الصِّدْقُ فِيهِ) قَدَّرَ الضَّمِيرَ لِرَبْطِ الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ خَبَرًا وَإِضَافَةُ الصِّدْقِ لِلْمَنْطُوقِ بِفِي لِأَنَّ الصِّدْقَ صِفَةُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ لَا صِفَةٌ لَهُ بِخِلَافِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّهَا صِفَةٌ لَهُ فَلِذَلِكَ عَدَّاهَا بِاللَّامِ (قَوْلُهُ: عَقْلًا أَوْ شَرْعًا) رَاجِعَانِ لِلصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ) وَهُوَ مَا تَوَقَّفَ عَلَى التَّقْدِيرِ صِدْقُهُ وَالثَّانِي مَا تَوَقَّفَ عَلَى التَّقْدِيرِ صِحَّتُهُ عَقْلًا وَالثَّالِثُ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ شَرْعًا (قَوْلُهُ: صِدْقُهُ) أَيْ صِدْقُ الْخَبَرِ (قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى الْإِضْمَارِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الْمُقَدَّرِ فَيَرْجِعُ لِأَدِلَّةٍ أُخَرَ (قَوْلُهُ: لِوُقُوعِهِمَا) أَيْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَهَذَا عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: أَيْ أَهْلَهَا) فِيهِ أَنَّ الصِّحَّةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إضْمَارِ الْأَهْلِ بَلْ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ لَهُمْ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالْإِضْمَارِ وَيَجْعَلُ الْقَرْيَةَ مُسْتَعْمَلَةً فِيهِمْ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ اهـ. وَهَذَا بَحْثٌ غَيْرُ مُتَّجَهٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ لِتَعْيِينِ الطَّرِيقِ إذْ مُحَصِّلُهُ أَنَّ الْكَلَامَ مُحْتَاجٌ لِصَرْفٍ عَنْ الظَّاهِرِ وَذَلِكَ إمَّا بِالْمَجَازِ الْحَذْفِيِّ أَوْ الْمَجَازِ فِي الطَّرَفِ فَأَيُّهُمَا اُعْتُبِرَ لَا يُقَالُ لِمَ اُعْتُبِرَ دُونَ الْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مَجَازًا فِي الطَّرَفِ فَسَدَ الْمِثَالُ إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْطُوقِ الصَّرِيحِ لِمَا سَمِعْت أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ مُطَابَقَةٌ وَهُوَ مَنْطُوقٌ صَرِيحٌ (قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ سُؤَالُهَا عَقْلًا) جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ إذْ يَجُوزُ سُؤَالُ الْجُدَرَانِ وَنُطْقُهَا بِالْجَوَابِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ فَلَا يَتَأَتَّى الْحُكْمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ عَقْلًا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَصِحُّ) أَيْ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ لَك (قَوْلُهُ: وَدَلَّ اللَّفْظُ) أَيْ لَا الْمَنْطُوقُ، فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْنَى فَفِي الْمُصَنِّفِ تَشْتِيتُ الضَّمَائِرِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ) فِي تَقْدِيرٍ بِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِاللَّفْظِ وَإِلَّا فَاللَّائِقُ أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ مِمَّا وَافَقَ الْوَاقِعَ مَقْصُودٌ (قَوْلُهُ: الرَّفَثُ) هُوَ الْجِمَاعُ وَعُدِّيَ بِإِلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ وَلَيْلَةَ ظَرْفُ الرَّفَثِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ مِنْ جَوَازِ جِمَاعِهِنَّ فِي اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: لِلُزُومِهِ) أَيْ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ اكْتَسَبَتْ التَّذْكِيرَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ لِلْمَقْصُودِ بِهِ أَيْ لِلْمَنْطُوقِ الْمَقْصُودِ بِاللَّفْظِ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (قَوْلُهُ: الصَّادِقِ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ) وَهُوَ الْجُزْءُ الْمُلَاصِقُ لِلْفَجْرِ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ إلَّا بَعْدَهُ وَفِي النَّاصِرِ أَنَّ قَوْلَهُ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللَّيْلَ صَادِقٌ بِالْوَقْتِ الْمُمْتَدِّ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَبِإِبْعَاضِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حَقِيقَتُهُ الْأَوَّلُ فَقَطْ فَلَوْ قَالَ الصَّادِقُ بِالْجِمَاعِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ لَكَانَ صَحِيحًا. اهـ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّدْقِ التَّحَقُّقُ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّيْلَ مُتَحَقِّقٌ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ أَيْ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ إذْ يَصْدُقُ لُغَةً وَعُرْفًا عِنْدَ بَقَاءِ جُزْءٍ مِنْهُ أَنَّ اللَّيْلَ

стр. 316

لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ) مِنْ حُكْمٍ وَمَحَلُّهُ كَتَحْرِيمِ كَذَا كَمَا سَيَأْتِي (فَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ) الْمُشْتَمِلُ هُوَ عَلَيْهِ (الْمَنْطُوقَ) أَيْ الْحُكْمَ الْمَنْطُوقَ بِهِ (فَمُوَافَقَةُ) وَيُسَمَّى مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ أَيْضًا ثُمَّ هُوَ (فَحْوَى الْخِطَابِ) أَيْ يُسَمَّى ذَلِكَ (إنْ كَانَ أَوْلَى) مِنْ الْمَنْطُوقِ (وَلَحْنِهِ) أَيْ لَحْنِ الْخِطَابِ أَيْ يُسَمَّى بِذَلِكَ (إنْ كَانَ مُسَاوِيًا) لِلْمَنْطُوقِ مِثَالُ الْمَفْهُومِ الْأُولَى تَحْرِيمُ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ الْمَنْطُوقِ لَا شِدِّيَّةَ الضَّرْبِ مِنْ التَّأْفِيفِ فِي الْإِيذَاءِ وَمِثَالُ الْمُسَاوِي تَحْرِيمُ إحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لِمَعْنَى آيَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] فَهُوَ مُسَاوٍ لِتَحْرِيمِ ــ [حاشية العطار] مُتَحَقِّقٌ مَوْجُودٌ وَأَنَّ الْفَاعِلَ حِينَئِذٍ فَاعِلٌ فِي اللَّيْلِ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الْحَمْلُ كَمَا هُوَ مَبْنَى السُّؤَالِ لَعُدِّيَ بِعَلَى وَلَك أَنْ تَقُولَ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ اللَّيْلَ حَقِيقَتُهُ الْوَقْتُ الْمُمْتَدُّ فَلَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِ تَجْزِئَتِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] . وَقَدْ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ تَجْزِئَتَهُ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالشَّيْخُ ﵀ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْثَرِ أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ إلَخْ التَّصْرِيحُ بِمِثْلِ مَا قُلْنَا وَإِنَّمَا لِشَغَفِهِ بِالِاعْتِرَاضِ يُمَهِّدُ أُصُولًا ضَعِيفَةً يَبْنِي عَلَيْهَا مَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهَا وَقَوْلُ سم أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاقَشَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الصَّادِقَ وَصْفُ اللَّيْلِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِجِمَاعِهِنَّ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُسَامَحَةُ فِي قَوْلِهِ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ اهـ. صَرْفٌ لِلْكَلَامِ عَمَّا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ إلَى مَعْنًى بَعِيدٍ مُتَكَلَّفٍ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ إلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ فِي الْمَفْهُومِ لَيْسَتْ وَضْعِيَّةً بَلْ انْتِقَالِيَّةً، فَإِنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ مِنْ فَهْمِ الْقَلِيلِ إلَى فَهْمِ الْكَثِيرِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَهُ زَكَرِيَّا وَمِثْلُهُ يُقَالُ هُنَا أَنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ مِنْ حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ إلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ وَمِنْ حُرْمَةِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ لِحُرْمَةِ إحْرَاقِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: مِنْ حُكْمٍ) وَمَحَلُّهُ بَيَانٌ لِمَا وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ فَالْمَفْهُومُ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ أَحَدُ إطْلَاقَاتِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ وَحْدَهُ وَعَلَى مَحَلِّهِ أَيْضًا وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ قَلِيلٌ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَيْهِ لِلْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ، فَإِنْ وَافَقَ حُكْمَهُ إلَخْ لِئَلَّا يَلْزَمَ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَلَا يَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْهُ بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِ الْمُشْتَمِلِ هُوَ عَلَيْهِ وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَحَلِّ لَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ وَيُطْلَقُ الْمَفْهُومُ عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: كَتَحْرِيمِ كَذَا) مِثَالٌ لِلْحُكْمِ وَمَحَلُّهُ الْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي فَالْحُكْمُ فِي آيَةِ التَّأْفِيفِ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ وَنَحْوُهُ وَمَحَلُّهُ الضَّرْبُ وَنَحْوُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ) إضَافَةَ حُكْمٍ لِلضَّمِيرِ مِنْ إضَافَةِ الْكُلِّ لِلْجُزْءِ وَقَوْلُهُ الْمُشْتَمِلُ نَعْتٌ سَبَبِيٌّ لِلْحُكْمِ فَالصِّفَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ فَلِذَلِكَ أَبْرَزَ الشَّارِحُ الضَّمِيرَ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ اشْتِمَالِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ (قَوْلُهُ: الْمَنْطُوقَ) الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ وَقَدَّرَ الشَّارِحُ لَفْظَهُ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ مِنْ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ (قَوْلُهُ: فَمُوَافَقَةٌ) وَأَقْسَامُهُ سِتَّةٌ بِعَدَدِ أَقْسَامِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مُبَاحٌ. وَأَمَّا أَقْسَامُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَثَلَاثُونَ مِنْ ضَرْبِ السِّتَّةِ فِي الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ إسْقَاطِ الْمُوَافِقِ لِلْمَنْطُوقِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ هُوَ) أَيْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مُسَاوِيًا) الْقِسْمَةُ غَيْرُ حَاصِرَةٍ إذْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْأَدْوَنُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لَهُمْ مَفْهُومٌ أَدْوَنَ، وَقَدْ يُقَالُ بِهِ فِي نَحْوِ عَدَمِ إجَابَةِ الْوَالِدَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّأْفِيفِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَوْلَى وَلَا مُسَاوِيًا وَيُجَابُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ (قَوْلُهُ: نَظَرًا لِلْمَعْنَى) أَيْ لَا لِمَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ وَالْمُرَادُ بِالْمَعْنَى هُنَا مَا عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ كَالْإِيذَاءِ فِي التَّأْفِيفِ وَالْإِتْلَافِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ مِنْ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَاسِ لُغَةً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ وُجُودَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكَ شَرْطٌ لِدَلَالَةِ الْمَلْفُوظِ عَلَى كُلِّ مَفْهُومٍ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ دَلَّ عَلَى حُكْمِ التَّفَرُّعِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْقُولُ لَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ هَذَا الْإِيرَادِ هُنَا لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي الْخِلَافُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ قِيَاسِيَّةٌ أَوْ لَفْظِيَّةٌ (قَوْلُهُ: لَا شِدِّيَّةَ الضَّرْبِ مِنْ التَّأْفِيفِ) الْأَشَدِّيَّةُ مَصْدَرُ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ مَنْ فِيهِ لَا تُجَامِعُ أَلْ (قَوْلُهُ: فَهُوَ مُسَاوٍ لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ) فِيهِ أَنَّ التَّحْرِيمَ غَيْرُ

стр. 317

الْأَكْلِ لِمُسَاوَاةِ الْإِحْرَاقِ لِلْأَكْلِ فِي الْإِتْلَافِ (وَقِيلَ لَا يَكُونُ) الْمُوَافَقَةُ (مُسَاوِيًا) أَيْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا يُسَمَّى بِالْمُوَافَقَةِ الْمُسَاوِي وَإِنْ كَانَ مَثَلَ الْأُولَى فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَبِاسْمِهِ الْمُتَقَدِّمِ يُسَمَّى الْأَوَّلَ أَيْضًا عَلَى هَذَا وَفَحْوَى الْكَلَامِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ قَطْعًا وَلَحْنُهُ مَعْنَاهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وَيُطْلَقُ الْمَفْهُومُ عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ أَيْضًا كَالْمَنْطُوقِ وَعَلَى هَذَا مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ كَغَيْرِهِ: الْمَفْهُومُ إمَّا أَوْلَى مِنْ الْمَنْطُوقِ بِالْحُكْمِ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ فِيهِ (ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ) إمَامُ الْأَئِمَّةِ (وَالْإِمَامَانِ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ (دَلَالَتُهُ) ــ [حاشية العطار] مَنْطُوقٍ إنَّمَا الْمَنْطُوقُ الْوَعِيدُ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ التَّحْرِيمُ فَهُوَ مِنْ الْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ كَذَا أَوْرَدَ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَمَحَّلُ فِي أَنَّهُ مَذْكُورٌ كِنَايَةً، فَإِنَّ التَّوَعُّدَ عَلَى الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُهُ تَحْرِيمُهُ وَنَاقَشَهُ سم فِي كَوْنِ الْجَوَابِ تَمَحُّلًا وَلَك أَنْ تَقُولَ نَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْطُوقِ الصَّرِيحِ فَلَا تَمَحُّلَ وَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ) وَجَدْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ اسْتَقْرَأَ كَلَامَ الشَّارِحِ فَإِذَا قَالَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ يَكُونُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَتَى قَالَ قَالَ يَكُونُ قَالَهُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ (قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى بِالْمُوَافَقَةِ الْمُسَاوِي) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ مَقْلُوبَةٌ وَالْأَصْلُ لَا يَكُونُ الْمُسَاوِي مُوَافَقَةً أَيْ لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي أَنَّ الْمُسَاوِيَ مِنْ الْمُوَافَقَةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْهَا فَيُسَمَّى بِاسْمِهَا أَوْ لَيْسَ مِنْهَا فَلَا يُسَمَّى بِذَلِكَ لَا فِي أَنَّ الْمُوَافَقَةَ مِنْ الْمُسَاوِي أَوْ لَا إذْ لَا يَتَأَتَّى أَنْ تَكُونَ فَرْدًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا أَعَمُّ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْأَعَمُّ لَا يَكُونُ فَرْدًا مِنْ الْأَخَصِّ وَمُبَايِنَةً لَهُ عَلَى مُقَابِلِ الصَّحِيحِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ لَا تَكُونُ الْمُوَافَقَةُ إلَخْ وَالْمُقَابِلُ لَا يَكُونُ فَرْدًا مِنْ مُقَابِلِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُطَابِقُ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ أَنْ يُقَالَ وَقِيلَ لَا يَكُونُ الْمُسَاوِي مُوَافَقَةً أَيْ لَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ كَمَا بَيَّنَّا بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهَا عَكْسُ ذَلِكَ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَحَلَّ لِلْعِنَايَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَبِاسْمِهِ الْمُتَقَدِّمِ) أَيْ وَهِيَ لَحْنُ الْخِطَابِ يُسَمَّى الْأَوْلَى أَيْضًا عَلَى هَذَا أَيْ الْقَوْلِ فَعَلَيْهِ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ هُوَ الْأَوْلَى وَيُسَمَّى الْأَوْلَى فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ وَالْمُسَاوِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُسَمَّى مَفْهُومَ مُسَاوَاةٍ وَقَوْلُهُ الْأَوْلَى نَائِبُ فَاعِلٍ يُسَمَّى اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ وَمَحَلُّهُ وَتَرَكَ الشَّارِحُ مِنْ إطْلَاقَاتِهِ الْحُكْمَ لِشُيُوعِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: كَالْمَنْطُوقِ) ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ كَالْمَفْهُومِ فَلَا وَقَوْلُ سم وَبَقِيَ إطْلَاقُهُ عَلَى مَجْمُوعِهِمَا وَلَا يَبْعُدُ الْتِزَامُهُ كَالْمَفْهُومِ اهـ وَلَا يَسْلَمُ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ لَا سَبِيلَ لِلرَّأْيِ فِيهَا وَلَا لِلِاسْتِظْهَارِ وَإِنَّمَا سَبِيلُهَا النَّقْلُ وَكَأَنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى مَا مَهَّدَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ بِنَاءً عَلَى أَخْذِهِ عَلَى عُمُومِهِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا) أَيْ إطْلَاقُ الْمَفْهُومِ عَلَى الْمَحَلِّ وَحْدَهُ يَنْبَنِي مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى بِالشَّيْءِ أَوْ الْمُسَاوِيَ لَهُ فِي الْحُكْمِ مُغَايِرٌ لَهُ (قَوْلُهُ: إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) الَّذِي فِي الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ هَكَذَا الْفَحْوَى لَا اسْتِقْلَالَ لَهَا وَإِنَّمَا هِيَ مُقْتَضَى لَفْظٍ عَلَى نَظْمٍ وَنَضَدٍ مَخْصُوصٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ بِالْبِرِّ وَالنَّهْيِ عَنْ الْعُقُوقِ وَالِاسْتِحْثَاثِ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَكَانَ اسْتِيَاقُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الِانْتِظَامِ مُفِيدًا مَعْنًى فِي تَحْرِيمِ ضُرُوبِ التَّعْنِيفِ نَاصًّا وَهُوَ مُتَلَقًّى مِنْ نَظْمٍ مَخْصُوصٍ مُنْتَظِمٍ فَالْفَحْوَى إذًا آيِلَةٌ إلَى مَعْنَى الْأَلْفَاظِ اهـ. فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ مَا ذَكَرَ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَلَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الْكَمَالُ فَقَالَ فِي النَّقْلِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ مِنْ الْبُرْهَانِ أَنَّهَا دَلَالَةُ مَفْهُومٍ. وَقَدْ سَاقَ الزَّرْكَشِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ عِبَارَةَ الْمَتْنِ بِلَفْظٍ وَالْإِمَامُ أَيْ الرَّازِيّ وَذَكَرَا أَنَّ قَوْلَهُ: الْإِمَامَانِ عِبَارَةُ النُّسْخَةِ الْقَدِيمَةِ اهـ. وَذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا وَالْعَجَبُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاشِي أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ لَا سِيَّمَا النَّاصِرُ، فَإِنَّهُ مُتَتَبِّعٌ لِلشَّارِحِ فِي الْمُنَاقَشَةِ حَتَّى فِي الْمِثَالِ وَكَانَ الْأَحَقُّ بِالْمُنَاقَشَةِ هَذَا الْمَحَلُّ (قَوْلُهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ) دَفَعَ بِهِ مَا عَسَاهُ يُقَالُ كَيْفَ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ

стр. 318

أَيْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ (قِيَاسِيَّةٌ) أَيْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الْأَوْلَى أَوْ الْمُسَاوِي الْمُسَمَّى بِالْجَلِيِّ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي وَالْعِلَّةُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ الْإِيذَاءُ. وَفِي الثَّانِي الْإِتْلَافُ وَلَا يَضُرُّ فِي النَّقْلِ عَنْ الْأَوَّلَيْنِ عَدَمُ جَعْلِهِمَا الْمُسَاوِيَ مِنْ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَى الِاسْمِ لَا الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّسْمِيَةِ بِالْمُوَافَقَةِ وَلَا نَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (وَقِيلَ) الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ (لَفْظِيَّةٌ) لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا لِفَهْمِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيَاسٍ (فَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ) مِنْ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ ــ [حاشية العطار] مِنْ غَيْرِ وَصْفِ الْإِمَامِ وَوَصْفِ غَيْرِهِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ شَارَةَ وَصْفِهِ بِذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ فَكَأَنَّهُ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ (قَوْلُهُ: أَيْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ دَلَالَةً مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَأَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ الْمُوَافَقَةُ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ هُنَا هُوَ الْحُكْمُ الْمُوَافِقُ لِلْمَنْطُوقِ قَالَ النَّاصِرُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَعْنَاهُ السَّابِقَ أَيْ مَفْهُومَ مُوَافِقٍ لِلْمَنْطُوقِ كَمَا يَتَبَادَرُ وَالْإِلْزَامُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُوَافِقَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مَدْلُولُ اللَّفْظِ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا، وَمَدْلُولُ الْقِيَاسِ كَمَا صَرَّحُوا فَيَلْزَمُ الْقِيَاسُ بِدُونِ شَرْطِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ فَتَدَبَّرْ اهـ. فَالْمُوَافَقَةُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي قَوْلَ الْإِمَامِ وَالْقَوْلَ الَّذِي بَعْدَهُ لَيْسَتْ مَفْهُومًا كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَخْ سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْهُمَا مِنْ أَنَّ الدَّلَالَةَ مَجَازِيَّةٌ أَوْ عُرْفِيَّةٌ، فَإِنَّ الْمَدْلُولَ عَلَى هَذَا مَنْطُوقٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ إجْرَاءَ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْمُوَافَقَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَفْهُومٌ بَلْ بِاعْتِبَارِهَا فِي نَفْسِهَا وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْخِلَافِ مُقَابَلَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهَا مَفْهُومًا فَقَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْإِمَامَانِ دَلَالَتُهُ إلَخْ مَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ مُوَافَقَةً وَقُلْنَا: إنَّهُ مَفْهُومٌ وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ أَيْ بَعْدَ أَنْ عَلِمْت أَنَّ الْمُوَافَقَةَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَفْهُومِ أَخْبَرَك بِأَنَّهُ خُولِفَ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الْأَوْلَى إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ سَكَتَ عَنْ الْأَدْوَنِ لِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مَفْهُومُ الْأَدْوَنِ حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الْأَدْوَنِ اهـ. وَنَاقَشَهُ سم بِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الْفُهُومِ بَلْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَانْتِفَاءُ كَوْنِ الْمَفْهُومِ أَدْوَنَ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ كَوْنِ الْقِيَاسِ أَدْوَنَ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ عَلَى الْعِلَّةِ وَوُجُودِهَا فِيهِ فَأَيُّ مَحَلٍّ وُجِدَتْ فِيهِ كَانَ مُلْحَقًا الْأَصْلُ فِي حُكْمِهِ (قَوْلُهُ: الْمُسَمَّى بِالْجَلِيِّ) أَيْ بِقِسْمَيْهِ (قَوْلُهُ: مِمَّا سَيَأْتِي) أَيْ فِي خَاتِمَةِ الْقِيَاسِ مِنْ أَنَّ الْجَلِيَّ مَا قَطَعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ أَوْ كَانَ ثُبُوتُهُ احْتِمَالًا ضَعِيفًا (قَوْلُهُ: عَنْ الْأَوَّلَيْنِ) يَعْنِي الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ وَإِمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّالِثُ يَعْنِي بِهِ الْإِمَامَ الرَّازِيَّ. وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَا الْحُكْمِ) أَيْ الِاحْتِجَاجِ (قَوْلُهُ: مِمَّا تَقَدَّمَ) يَعْنِي فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَفْظِيَّةً) قَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْمُقَابَلَةُ غَيْرُ حَسَنَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ إلَخْ فَتَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ لَفْظِيَّةً أَيْضًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ لَفْظِيَّةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ وَهِيَ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا مَدْخَلَ) أَيْ لَا دُخُولَ لِلْقِيَاسِ الِاصْطِلَاحِيِّ فِيهَا وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ اللُّغَوِيُّ لَا بُدَّ مِنْهُ إذْ لَمْ يَقَعْ التَّصْرِيحُ إلَّا بِالتَّأْفِيفِ (قَوْلُهُ: لِفَهْمِهِ) أَيْ الْمُوَافَقَةِ وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِتَأْوِيلِهَا بِالْحُكْمِ (قَوْلُهُ: مِنْ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ) قَالَ سم قَدْ يُفْهِمُ أَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ بَقِيَّةِ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ مَعَ قَوْلِهِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَفْهُومًا وَلَا قِيَاسِيَّةً لَا يَقُولُ بِأَنَّهَا فُهِمَتْ مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ. وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ تَصْوِيرُ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيِّ بِذَلِكَ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِمَا مِنْ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ بَلْ؛ لِأَنَّهُمَا صَرَّحَا

стр. 319

(فُهِمَتْ) أَيْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ (مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ) لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ فَلَوْلَا دَلَالَتُهَا فِي آيَةِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهِمَا تَعْظِيمُهُمَا وَاحْتِرَامُهُمَا مَا فُهِمَ مِنْهَا مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ مَنْعُ الضَّرْبِ إذْ قَدْ يَقُولُ ذُو الْغَرَضِ الصَّحِيحِ لِعَبْدِهِ: لَا تَشْتُمْ فُلَانًا وَلَكِنْ اضْرِبْهُ وَلَوْلَا دَلَالَتُهُمَا فِي آيَةِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهَا حِفْظُهُ وَصِيَانَتُهُ مَا فُهِمَ مِنْهَا مِنْ مَنْعِ أَكْلِهِ مَنْعُ إحْرَاقِهِ إذْ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مَالَ فُلَانٍ وَيَكُونُ قَدْ أَحْرَقَهُ فَلَا يَحْنَثُ (وَهِيَ) أَيْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ (مَجَازِيَّةٌ مِنْ إطْلَاقِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ) فَأَطْلَقَ الْمَنْعَ مِنْ التَّأْفِيفِ فِي آيَةِ الْوَالِدَيْنِ وَأُرِيدَ الْمَنْعُ مِنْ الْإِيذَاءِ وَأُطْلِقَ الْمَنْعُ مِنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي آيَتِهِ وَأُرِيدَ الْمَنْعُ مِنْ إتْلَافِهِ (وَقِيلَ نُقِلَ اللَّفْظُ لَهَا) أَيْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأَعَمِّ ــ [حاشية العطار] بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا مَعَ إرَادَتِهِ مَا صَرَّحَا بِهِ اهـ (قَوْلُهُ: فُهِمَتْ) أَيْ الدَّلَالَةُ وَفِيهِ أَنَّ الدَّلَالَةَ هِيَ الْفَهْمُ وَلَا مَعْنَى لِفَهْمِ الْفَهْمِ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِالدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ) أَيْ مَعَ اللَّفْظِ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ وَالسِّيَاقُ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ وَهُوَ هُنَا طَلَبُ تَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَلَوْلَا دَلَالَتُهُمَا إلَخْ وَالْقَرَائِنُ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ (قَوْلُهُ: لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ لَا بُدَّ مِنْهَا كَمَا قُلْنَا (قَوْلُهُ: فَلَوْلَا دَلَالَتُهُمَا) أَيْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ (قَوْلُهُ: مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ) أَيْ مِنْ جُلِّ مَنْعِ التَّأْفِيفِ (قَوْلُهُ: ذُو الْغَرَضِ الصَّحِيحِ) احْتِرَازًا عَنْ الْأَحْمَقِ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ ضَرَبَهُ) أَيْ لِكَوْنِ الشَّتْمِ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُجْدِي نَفْعًا لِغِلَظِ طَبْعِهِ وَنَحْوِهِ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ تَكْفِي اللَّبِيبَ إشَارَةٌ مَرْمُوزَةٌ ... وَسِوَاهُ يُدْعَى بِالنِّدَاءِ الْعَالِي وَسِوَاهُمَا بِالزَّجْرِ مِنْ قِبَلِ الْعَصَا ... ثُمَّ الْعَصَا هِيَ رَابِعُ الْأَحْوَالِ (قَوْلُهُ: مِنْ إطْلَاقِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَإِطْلَاقُهُمَا وَهُوَ بَيَانٌ لِعِلَاقَةِ الْمُجَازَةِ قَالَ الْكُورَانِيُّ: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ ذِكْرُ الْمَجَازِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً وَمَا زَعَمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الدَّلَالَةَ الْمَذْكُورَةَ مَجَازِيَّةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ غَايَتُهُ أَنَّهُ عُلِمَ مِنْهُ حُرْمَةُ الضَّرْبِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَسِيَاقِ الْكَلَامِ، وَاللَّفْظُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَجَازًا فَكَأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَرِينَةِ الْمُفِيدَةِ لِلدَّلَالَةِ وَالْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالثَّانِيَةُ هِيَ اللَّازِمَةُ لِلْمَجَازِ دُونَ الْأُولَى وَلَمْ يَتَنَبَّهْ الشُّرَّاحُ لِهَذَا مَعَ ظُهُورِهِ اهـ. بِحَذْفٍ. وَأَجَابَ سم بَعْدَ أَنْ أَقَامَ النَّكِيرَ وَأَكْثَرَ التَّشْنِيعَ عَلَيْهِ بِمَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ثِقَةٌ خَبِيرٌ بِكَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَكُتُبِهِ فَلَا يُرَدُّ نَقْلُهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى نَفْيٍ لَمْ يُثْبِتْهَا مَنْقُولٌ وَلَا مَعْقُولٌ. وَأَمَّا الْمَجَازُ فَلِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْإِيذَاءِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ لِعَلَاقَةِ الْأَخَصِّيَّةِ وَالْأَعَمِّيَّةِ وَالْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَيْ بِخُصُوصِ السِّيَاقِ الْقَاطِعِ بِإِرَادَةِ تَعْظِيمِهَا وَلَيْسَ مِنْ شَرْطٍ قَرِينَةُ الْمَجَازِ أَنْ تَكُونَ قَاطِعَةً بِالصَّرْفِ عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بَلْ يَكْفِي صَلَاحِيَّتُهَا لِذَلِكَ فَلَا يُقَالُ: إنَّ كَوْنَ السِّيَاقِ لِلتَّعْظِيمِ لَا يَسْتَلْزِمُ الصَّرْفَ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِخُصُوصِهِ بَلْ يَجُوزُ مَعَهُ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَلَكِنْ يَثْبُتُ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ فَكُلٌّ مِنْ الطُّرُقِ الثَّلَاثِ مُحْتَمَلٌ فِي الْجُمْلَةِ. فَقَوْلُهُ وَاللَّفْظُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَجَازًا إنْ أَرَادَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَصِيرَ فَهُوَ بَاطِلٌ أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَصِيرَ قُلْنَا لَمْ نَدَعْ التَّعْيِينَ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَهُ مِنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ لِلْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ

стр. 320

(عُرْفًا) بَدَلًا عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَخَصِّ لُغَةً فَتَحْرِيمُ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ وَتَحْرِيمُ إحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ مَنْطُوقِ الْآيَتَيْنِ وَإِنْ كَانَا بِقَرِينَةٍ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْحَنَفِيَّةُ ــ [حاشية العطار] حَاكٍ فَلَا إذْ الْحَاكِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا تَوْجِيهٌ بَلْ لَا يَصِحُّ اعْتِرَاضُ الْحِكَايَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ. اهـ. وَأَقُولُ: قَدْ انْفَصَلَ بَعْدُ أَنَّ شَنَّ الْغَارَةِ عَلَى الشَّيْخِ بِمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا أَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْمُصَنِّفَ ثِقَةٌ فَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ هُنَا، فَإِنَّ الثِّقَةَ غَيْرُ مَعْصُومٍ عَنْ وُقُوعِ الْخَطَأِ. وَإِنَّمَا النَّافِعُ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ مَا نَفَاهُ الْكُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ ﵀ لَهُ كِتَابَانِ فِي الْأُصُولِ أَحَدُهُمَا الْمَنْخُولُ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ، وَأَمَّا فَحَوَى الْخِطَابِ وَهُوَ فَهْمُ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنْ آيَةِ التَّأْفِيفِ فَقَالَ قَائِلُونَ: إنَّهُ قِيَاسٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالنَّصِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ بِقِيَاسٍ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ فَحَوَى فَهْمِ الْمَنْصُوصِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَأَمُّلٍ وَطَلَبٍ جَامِعٍ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مِنْ الْمَفْهُومِ لَا لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي إذْ لَا يَبْعُدُ فِي الْعُرْفِ أَنْ يَقُولَ الْمَلِكُ لِخَادِمِهِ: اُقْتُلْ الْمَلِكَ الْفُلَانِيَّ وَلَا تُوَاجِهْهُ بِكَلِمَةٍ سَيِّئَةٍ فَلَيْسَ فَهْمُ ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ صُورَتِهِ وَلَكِنْ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ وَقَرِينَةُ الْحَالِ فَهْمٌ عَلَى الْقَطْعِ إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ الِاحْتِرَامُ فَلَا يُعَدُّ قِيَاسًا وَالْخِلَافُ آيِلٌ إلَى عِبَارَةِ اهـ. وَالثَّانِي الْمُسْتَصْفَى وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيَّ وَأَظُنُّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ إذْ لَوْ ذَكَرَهُ لَكَانَ النَّاقِلُ عَنْهُ فِي رَدِّ كَلَامِ الْكُورَانِيِّ مُتَعَيِّنًا لَا مَا تَمَسَّكَ بِهِ فِي رَدِّهِ مِمَّا تَكَرَّرَ لَهُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ ثِقَةٌ، فَإِنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ إذْ لَوْ قَالَ الْخَصْمُ هُوَ لَيْسَ بِثِقَةٍ عِنْدِي فِي هَذَا النَّقْلِ لَمْ يَرْدَعْهُ إلَّا تَصْحِيحُ النَّقْلِ بَلْ لَوْ فَرَضَ مُشَافَهَةَ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي ثِقَةٌ فِيمَا أَنْقُلُهُ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَصْحِيحُ مَا نَقَلَهُ أَمَا دَرَى أَنَّ دَعْوَى الْوَثَاقَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا كَثِيرًا مِنْ دَفْعِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ تُبْطِلُ قَاعِدَةً اتَّفَقَ عَلَيْهَا جَمِيعُ عُلَمَاءِ النَّظَرِ وَهِيَ أَنَّ النَّاقِلَ يُطْلَبُ مِنْهُ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ تَصْحِيحُ النَّقْلِ وَلِاهْتِمَامِهِمْ بِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ صَدَّرُوا بِهَا كَثِيرًا مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِمْ. وَأَمَّا تَصْحِيحُ الْمَجَازِ فَقَطْ اعْتَرَفَ هُوَ بِأَنَّ الْقَرِينَةَ غَيْرُ صَارِفَةٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِاشْتِرَاطِ الْبَيَانِيِّينَ كَوْنَهَا صَارِفَةً عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَبَنَوْا عَلَيْهِ امْتِنَاعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ الَّذِي أَشَارَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ إلَى جَوَازِهِ بَلْ صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ بَلْ يَجُوزُ مَعَهُ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ عَلَى أَنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الْمُتَبَادِرَ لِلْفَهْمِ فِي مَقَامِ التَّخَاطُبِ مِنْ الْآيَتَيْنِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ التَّأْفِيفِ وَالتَّوَعُّدِ عَلَى أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِيقَةِ فَأَيْنَ الْمَجَازُ نَعَمْ مَا جَعَلَاهُ مَعْنًى مَجَازِيًّا مَفْهُومٌ مِنْ عَرْضِ الْكَلَامِ وَنَاحِيَتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجَازُ الْعَدَمِ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِيهِ فَلَوْ جَعَلَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ كِنَايَةً لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوهَا بِالْمَجَازِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَشْمَلُهَا فَيُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا خَالَفَ الْأَصْلَ وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ فِي هَذَا الْمَجَازِ بِمَذْهَبِ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الْقَرِينَةَ الصَّارِفَةَ لَكِنْ يُجَوِّزُونَ عَدَمَ مُصَاحَبَتِهَا لِلْمَجَازِ وَهَاهُنَا قَدْ ادَّعَى وُجُودَ الْقَرِينَةِ وَقَوْلُهُ: إنَّ الْمُصَنِّفَ حَاكَ قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ وَقَوْلُهُ الْحَاكِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مَحَلُّهُ إذْ لَمْ يَلْتَزِمْ صِحَّةَ الْمَحْكِيِّ، فَإِنْ الْتَزَمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَقْلَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِرَدِّهِ يَتَضَمَّنُ الْتِزَامَ صِحَّتِهِ، وَقَوْلُهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْحِكَايَةِ مَمْنُوعٌ بَلْ الَّذِي لَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ الْمَحْكِيُّ كُلُّ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْآدَابِ (قَوْلُهُ: عُرْفًا) أَيْ فَيَكُونُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً لَا مَجَازًا (قَوْلُهُ: مِنْ مَنْطُوقِ الْآيَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ مَنْطُوقَهُمَا حِينَئِذٍ تَحْرِيمُ الْإِيذَاءِ وَتَحْرِيمُ الْإِتْلَافِ وَمِنْ أَفْرَادِهِمَا الضَّرَرُ وَالْإِحْرَاقُ (قَوْلُهُ: مِنْهُمَا الْحَنَفِيَّةُ) وَيُسَمُّونَهَا
следующие страницы →