← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ) مِنْ حُكْمٍ وَمَحَلُّهُ كَتَحْرِيمِ كَذَا كَمَا سَيَأْتِي (فَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ) الْمُشْتَمِلُ هُوَ عَلَيْهِ (الْمَنْطُوقَ) أَيْ الْحُكْمَ الْمَنْطُوقَ بِهِ (فَمُوَافَقَةُ) وَيُسَمَّى مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ أَيْضًا ثُمَّ هُوَ (فَحْوَى الْخِطَابِ) أَيْ يُسَمَّى ذَلِكَ (إنْ كَانَ أَوْلَى) مِنْ الْمَنْطُوقِ (وَلَحْنِهِ) أَيْ لَحْنِ الْخِطَابِ أَيْ يُسَمَّى بِذَلِكَ (إنْ كَانَ مُسَاوِيًا) لِلْمَنْطُوقِ مِثَالُ الْمَفْهُومِ الْأُولَى تَحْرِيمُ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ الْمَنْطُوقِ لَا شِدِّيَّةَ الضَّرْبِ مِنْ التَّأْفِيفِ فِي الْإِيذَاءِ وَمِثَالُ الْمُسَاوِي تَحْرِيمُ إحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لِمَعْنَى آيَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] فَهُوَ مُسَاوٍ لِتَحْرِيمِ ــ [حاشية العطار] مُتَحَقِّقٌ مَوْجُودٌ وَأَنَّ الْفَاعِلَ حِينَئِذٍ فَاعِلٌ فِي اللَّيْلِ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الْحَمْلُ كَمَا هُوَ مَبْنَى السُّؤَالِ لَعُدِّيَ بِعَلَى وَلَك أَنْ تَقُولَ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ اللَّيْلَ حَقِيقَتُهُ الْوَقْتُ الْمُمْتَدُّ فَلَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِ تَجْزِئَتِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] . وَقَدْ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ تَجْزِئَتَهُ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالشَّيْخُ ﵀ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْثَرِ أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ إلَخْ التَّصْرِيحُ بِمِثْلِ مَا قُلْنَا وَإِنَّمَا لِشَغَفِهِ بِالِاعْتِرَاضِ يُمَهِّدُ أُصُولًا ضَعِيفَةً يَبْنِي عَلَيْهَا مَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهَا وَقَوْلُ سم أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاقَشَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الصَّادِقَ وَصْفُ اللَّيْلِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِجِمَاعِهِنَّ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُسَامَحَةُ فِي قَوْلِهِ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ اهـ. صَرْفٌ لِلْكَلَامِ عَمَّا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ إلَى مَعْنًى بَعِيدٍ مُتَكَلَّفٍ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ إلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ فِي الْمَفْهُومِ لَيْسَتْ وَضْعِيَّةً بَلْ انْتِقَالِيَّةً، فَإِنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ مِنْ فَهْمِ الْقَلِيلِ إلَى فَهْمِ الْكَثِيرِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَهُ زَكَرِيَّا وَمِثْلُهُ يُقَالُ هُنَا أَنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ مِنْ حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ إلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ وَمِنْ حُرْمَةِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ لِحُرْمَةِ إحْرَاقِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: مِنْ حُكْمٍ) وَمَحَلُّهُ بَيَانٌ لِمَا وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ فَالْمَفْهُومُ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ أَحَدُ إطْلَاقَاتِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ وَحْدَهُ وَعَلَى مَحَلِّهِ أَيْضًا وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ قَلِيلٌ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَيْهِ لِلْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ، فَإِنْ وَافَقَ حُكْمَهُ إلَخْ لِئَلَّا يَلْزَمَ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَلَا يَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْهُ بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِ الْمُشْتَمِلِ هُوَ عَلَيْهِ وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَحَلِّ لَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ وَيُطْلَقُ الْمَفْهُومُ عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: كَتَحْرِيمِ كَذَا) مِثَالٌ لِلْحُكْمِ وَمَحَلُّهُ الْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي فَالْحُكْمُ فِي آيَةِ التَّأْفِيفِ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ وَنَحْوُهُ وَمَحَلُّهُ الضَّرْبُ وَنَحْوُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ) إضَافَةَ حُكْمٍ لِلضَّمِيرِ مِنْ إضَافَةِ الْكُلِّ لِلْجُزْءِ وَقَوْلُهُ الْمُشْتَمِلُ نَعْتٌ سَبَبِيٌّ لِلْحُكْمِ فَالصِّفَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ فَلِذَلِكَ أَبْرَزَ الشَّارِحُ الضَّمِيرَ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ اشْتِمَالِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ (قَوْلُهُ: الْمَنْطُوقَ) الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ وَقَدَّرَ الشَّارِحُ لَفْظَهُ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ مِنْ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ (قَوْلُهُ: فَمُوَافَقَةٌ) وَأَقْسَامُهُ سِتَّةٌ بِعَدَدِ أَقْسَامِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مُبَاحٌ. وَأَمَّا أَقْسَامُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَثَلَاثُونَ مِنْ ضَرْبِ السِّتَّةِ فِي الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ إسْقَاطِ الْمُوَافِقِ لِلْمَنْطُوقِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ هُوَ) أَيْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مُسَاوِيًا) الْقِسْمَةُ غَيْرُ حَاصِرَةٍ إذْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْأَدْوَنُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لَهُمْ مَفْهُومٌ أَدْوَنَ، وَقَدْ يُقَالُ بِهِ فِي نَحْوِ عَدَمِ إجَابَةِ الْوَالِدَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّأْفِيفِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَوْلَى وَلَا مُسَاوِيًا وَيُجَابُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ (قَوْلُهُ: نَظَرًا لِلْمَعْنَى) أَيْ لَا لِمَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ وَالْمُرَادُ بِالْمَعْنَى هُنَا مَا عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ كَالْإِيذَاءِ فِي التَّأْفِيفِ وَالْإِتْلَافِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ مِنْ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَاسِ لُغَةً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ وُجُودَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكَ شَرْطٌ لِدَلَالَةِ الْمَلْفُوظِ عَلَى كُلِّ مَفْهُومٍ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ دَلَّ عَلَى حُكْمِ التَّفَرُّعِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْقُولُ لَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ هَذَا الْإِيرَادِ هُنَا لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي الْخِلَافُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ قِيَاسِيَّةٌ أَوْ لَفْظِيَّةٌ (قَوْلُهُ: لَا شِدِّيَّةَ الضَّرْبِ مِنْ التَّأْفِيفِ) الْأَشَدِّيَّةُ مَصْدَرُ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ مَنْ فِيهِ لَا تُجَامِعُ أَلْ (قَوْلُهُ: فَهُوَ مُسَاوٍ لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ) فِيهِ أَنَّ التَّحْرِيمَ غَيْرُ

стр. 317

الْأَكْلِ لِمُسَاوَاةِ الْإِحْرَاقِ لِلْأَكْلِ فِي الْإِتْلَافِ (وَقِيلَ لَا يَكُونُ) الْمُوَافَقَةُ (مُسَاوِيًا) أَيْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا يُسَمَّى بِالْمُوَافَقَةِ الْمُسَاوِي وَإِنْ كَانَ مَثَلَ الْأُولَى فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَبِاسْمِهِ الْمُتَقَدِّمِ يُسَمَّى الْأَوَّلَ أَيْضًا عَلَى هَذَا وَفَحْوَى الْكَلَامِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ قَطْعًا وَلَحْنُهُ مَعْنَاهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وَيُطْلَقُ الْمَفْهُومُ عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ أَيْضًا كَالْمَنْطُوقِ وَعَلَى هَذَا مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ كَغَيْرِهِ: الْمَفْهُومُ إمَّا أَوْلَى مِنْ الْمَنْطُوقِ بِالْحُكْمِ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ فِيهِ (ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ) إمَامُ الْأَئِمَّةِ (وَالْإِمَامَانِ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ (دَلَالَتُهُ) ــ [حاشية العطار] مَنْطُوقٍ إنَّمَا الْمَنْطُوقُ الْوَعِيدُ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ التَّحْرِيمُ فَهُوَ مِنْ الْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ كَذَا أَوْرَدَ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَمَحَّلُ فِي أَنَّهُ مَذْكُورٌ كِنَايَةً، فَإِنَّ التَّوَعُّدَ عَلَى الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُهُ تَحْرِيمُهُ وَنَاقَشَهُ سم فِي كَوْنِ الْجَوَابِ تَمَحُّلًا وَلَك أَنْ تَقُولَ نَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْطُوقِ الصَّرِيحِ فَلَا تَمَحُّلَ وَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ) وَجَدْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ اسْتَقْرَأَ كَلَامَ الشَّارِحِ فَإِذَا قَالَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ يَكُونُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَتَى قَالَ قَالَ يَكُونُ قَالَهُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ (قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى بِالْمُوَافَقَةِ الْمُسَاوِي) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ مَقْلُوبَةٌ وَالْأَصْلُ لَا يَكُونُ الْمُسَاوِي مُوَافَقَةً أَيْ لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي أَنَّ الْمُسَاوِيَ مِنْ الْمُوَافَقَةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْهَا فَيُسَمَّى بِاسْمِهَا أَوْ لَيْسَ مِنْهَا فَلَا يُسَمَّى بِذَلِكَ لَا فِي أَنَّ الْمُوَافَقَةَ مِنْ الْمُسَاوِي أَوْ لَا إذْ لَا يَتَأَتَّى أَنْ تَكُونَ فَرْدًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا أَعَمُّ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْأَعَمُّ لَا يَكُونُ فَرْدًا مِنْ الْأَخَصِّ وَمُبَايِنَةً لَهُ عَلَى مُقَابِلِ الصَّحِيحِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ لَا تَكُونُ الْمُوَافَقَةُ إلَخْ وَالْمُقَابِلُ لَا يَكُونُ فَرْدًا مِنْ مُقَابِلِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُطَابِقُ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ أَنْ يُقَالَ وَقِيلَ لَا يَكُونُ الْمُسَاوِي مُوَافَقَةً أَيْ لَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ كَمَا بَيَّنَّا بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهَا عَكْسُ ذَلِكَ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَحَلَّ لِلْعِنَايَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَبِاسْمِهِ الْمُتَقَدِّمِ) أَيْ وَهِيَ لَحْنُ الْخِطَابِ يُسَمَّى الْأَوْلَى أَيْضًا عَلَى هَذَا أَيْ الْقَوْلِ فَعَلَيْهِ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ هُوَ الْأَوْلَى وَيُسَمَّى الْأَوْلَى فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ وَالْمُسَاوِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُسَمَّى مَفْهُومَ مُسَاوَاةٍ وَقَوْلُهُ الْأَوْلَى نَائِبُ فَاعِلٍ يُسَمَّى اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ وَمَحَلُّهُ وَتَرَكَ الشَّارِحُ مِنْ إطْلَاقَاتِهِ الْحُكْمَ لِشُيُوعِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: كَالْمَنْطُوقِ) ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ كَالْمَفْهُومِ فَلَا وَقَوْلُ سم وَبَقِيَ إطْلَاقُهُ عَلَى مَجْمُوعِهِمَا وَلَا يَبْعُدُ الْتِزَامُهُ كَالْمَفْهُومِ اهـ وَلَا يَسْلَمُ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ لَا سَبِيلَ لِلرَّأْيِ فِيهَا وَلَا لِلِاسْتِظْهَارِ وَإِنَّمَا سَبِيلُهَا النَّقْلُ وَكَأَنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى مَا مَهَّدَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ بِنَاءً عَلَى أَخْذِهِ عَلَى عُمُومِهِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا) أَيْ إطْلَاقُ الْمَفْهُومِ عَلَى الْمَحَلِّ وَحْدَهُ يَنْبَنِي مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى بِالشَّيْءِ أَوْ الْمُسَاوِيَ لَهُ فِي الْحُكْمِ مُغَايِرٌ لَهُ (قَوْلُهُ: إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) الَّذِي فِي الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ هَكَذَا الْفَحْوَى لَا اسْتِقْلَالَ لَهَا وَإِنَّمَا هِيَ مُقْتَضَى لَفْظٍ عَلَى نَظْمٍ وَنَضَدٍ مَخْصُوصٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ بِالْبِرِّ وَالنَّهْيِ عَنْ الْعُقُوقِ وَالِاسْتِحْثَاثِ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَكَانَ اسْتِيَاقُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الِانْتِظَامِ مُفِيدًا مَعْنًى فِي تَحْرِيمِ ضُرُوبِ التَّعْنِيفِ نَاصًّا وَهُوَ مُتَلَقًّى مِنْ نَظْمٍ مَخْصُوصٍ مُنْتَظِمٍ فَالْفَحْوَى إذًا آيِلَةٌ إلَى مَعْنَى الْأَلْفَاظِ اهـ. فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ مَا ذَكَرَ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَلَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الْكَمَالُ فَقَالَ فِي النَّقْلِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ مِنْ الْبُرْهَانِ أَنَّهَا دَلَالَةُ مَفْهُومٍ. وَقَدْ سَاقَ الزَّرْكَشِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ عِبَارَةَ الْمَتْنِ بِلَفْظٍ وَالْإِمَامُ أَيْ الرَّازِيّ وَذَكَرَا أَنَّ قَوْلَهُ: الْإِمَامَانِ عِبَارَةُ النُّسْخَةِ الْقَدِيمَةِ اهـ. وَذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا وَالْعَجَبُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاشِي أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ لَا سِيَّمَا النَّاصِرُ، فَإِنَّهُ مُتَتَبِّعٌ لِلشَّارِحِ فِي الْمُنَاقَشَةِ حَتَّى فِي الْمِثَالِ وَكَانَ الْأَحَقُّ بِالْمُنَاقَشَةِ هَذَا الْمَحَلُّ (قَوْلُهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ) دَفَعَ بِهِ مَا عَسَاهُ يُقَالُ كَيْفَ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ

стр. 318

أَيْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ (قِيَاسِيَّةٌ) أَيْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الْأَوْلَى أَوْ الْمُسَاوِي الْمُسَمَّى بِالْجَلِيِّ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي وَالْعِلَّةُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ الْإِيذَاءُ. وَفِي الثَّانِي الْإِتْلَافُ وَلَا يَضُرُّ فِي النَّقْلِ عَنْ الْأَوَّلَيْنِ عَدَمُ جَعْلِهِمَا الْمُسَاوِيَ مِنْ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَى الِاسْمِ لَا الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّسْمِيَةِ بِالْمُوَافَقَةِ وَلَا نَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (وَقِيلَ) الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ (لَفْظِيَّةٌ) لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا لِفَهْمِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيَاسٍ (فَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ) مِنْ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ ــ [حاشية العطار] مِنْ غَيْرِ وَصْفِ الْإِمَامِ وَوَصْفِ غَيْرِهِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ شَارَةَ وَصْفِهِ بِذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ فَكَأَنَّهُ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ (قَوْلُهُ: أَيْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ دَلَالَةً مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَأَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ الْمُوَافَقَةُ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ هُنَا هُوَ الْحُكْمُ الْمُوَافِقُ لِلْمَنْطُوقِ قَالَ النَّاصِرُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَعْنَاهُ السَّابِقَ أَيْ مَفْهُومَ مُوَافِقٍ لِلْمَنْطُوقِ كَمَا يَتَبَادَرُ وَالْإِلْزَامُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُوَافِقَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مَدْلُولُ اللَّفْظِ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا، وَمَدْلُولُ الْقِيَاسِ كَمَا صَرَّحُوا فَيَلْزَمُ الْقِيَاسُ بِدُونِ شَرْطِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ فَتَدَبَّرْ اهـ. فَالْمُوَافَقَةُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي قَوْلَ الْإِمَامِ وَالْقَوْلَ الَّذِي بَعْدَهُ لَيْسَتْ مَفْهُومًا كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَخْ سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْهُمَا مِنْ أَنَّ الدَّلَالَةَ مَجَازِيَّةٌ أَوْ عُرْفِيَّةٌ، فَإِنَّ الْمَدْلُولَ عَلَى هَذَا مَنْطُوقٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ إجْرَاءَ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْمُوَافَقَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَفْهُومٌ بَلْ بِاعْتِبَارِهَا فِي نَفْسِهَا وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْخِلَافِ مُقَابَلَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهَا مَفْهُومًا فَقَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْإِمَامَانِ دَلَالَتُهُ إلَخْ مَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ مُوَافَقَةً وَقُلْنَا: إنَّهُ مَفْهُومٌ وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ أَيْ بَعْدَ أَنْ عَلِمْت أَنَّ الْمُوَافَقَةَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَفْهُومِ أَخْبَرَك بِأَنَّهُ خُولِفَ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الْأَوْلَى إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ سَكَتَ عَنْ الْأَدْوَنِ لِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مَفْهُومُ الْأَدْوَنِ حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الْأَدْوَنِ اهـ. وَنَاقَشَهُ سم بِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الْفُهُومِ بَلْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَانْتِفَاءُ كَوْنِ الْمَفْهُومِ أَدْوَنَ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ كَوْنِ الْقِيَاسِ أَدْوَنَ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ عَلَى الْعِلَّةِ وَوُجُودِهَا فِيهِ فَأَيُّ مَحَلٍّ وُجِدَتْ فِيهِ كَانَ مُلْحَقًا الْأَصْلُ فِي حُكْمِهِ (قَوْلُهُ: الْمُسَمَّى بِالْجَلِيِّ) أَيْ بِقِسْمَيْهِ (قَوْلُهُ: مِمَّا سَيَأْتِي) أَيْ فِي خَاتِمَةِ الْقِيَاسِ مِنْ أَنَّ الْجَلِيَّ مَا قَطَعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ أَوْ كَانَ ثُبُوتُهُ احْتِمَالًا ضَعِيفًا (قَوْلُهُ: عَنْ الْأَوَّلَيْنِ) يَعْنِي الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ وَإِمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّالِثُ يَعْنِي بِهِ الْإِمَامَ الرَّازِيَّ. وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَا الْحُكْمِ) أَيْ الِاحْتِجَاجِ (قَوْلُهُ: مِمَّا تَقَدَّمَ) يَعْنِي فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَفْظِيَّةً) قَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْمُقَابَلَةُ غَيْرُ حَسَنَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ إلَخْ فَتَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ لَفْظِيَّةً أَيْضًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ لَفْظِيَّةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ وَهِيَ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا مَدْخَلَ) أَيْ لَا دُخُولَ لِلْقِيَاسِ الِاصْطِلَاحِيِّ فِيهَا وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ اللُّغَوِيُّ لَا بُدَّ مِنْهُ إذْ لَمْ يَقَعْ التَّصْرِيحُ إلَّا بِالتَّأْفِيفِ (قَوْلُهُ: لِفَهْمِهِ) أَيْ الْمُوَافَقَةِ وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِتَأْوِيلِهَا بِالْحُكْمِ (قَوْلُهُ: مِنْ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ) قَالَ سم قَدْ يُفْهِمُ أَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ بَقِيَّةِ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ مَعَ قَوْلِهِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَفْهُومًا وَلَا قِيَاسِيَّةً لَا يَقُولُ بِأَنَّهَا فُهِمَتْ مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ. وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ تَصْوِيرُ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيِّ بِذَلِكَ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِمَا مِنْ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ بَلْ؛ لِأَنَّهُمَا صَرَّحَا

стр. 319

(فُهِمَتْ) أَيْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ (مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ) لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ فَلَوْلَا دَلَالَتُهَا فِي آيَةِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهِمَا تَعْظِيمُهُمَا وَاحْتِرَامُهُمَا مَا فُهِمَ مِنْهَا مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ مَنْعُ الضَّرْبِ إذْ قَدْ يَقُولُ ذُو الْغَرَضِ الصَّحِيحِ لِعَبْدِهِ: لَا تَشْتُمْ فُلَانًا وَلَكِنْ اضْرِبْهُ وَلَوْلَا دَلَالَتُهُمَا فِي آيَةِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهَا حِفْظُهُ وَصِيَانَتُهُ مَا فُهِمَ مِنْهَا مِنْ مَنْعِ أَكْلِهِ مَنْعُ إحْرَاقِهِ إذْ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مَالَ فُلَانٍ وَيَكُونُ قَدْ أَحْرَقَهُ فَلَا يَحْنَثُ (وَهِيَ) أَيْ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ (مَجَازِيَّةٌ مِنْ إطْلَاقِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ) فَأَطْلَقَ الْمَنْعَ مِنْ التَّأْفِيفِ فِي آيَةِ الْوَالِدَيْنِ وَأُرِيدَ الْمَنْعُ مِنْ الْإِيذَاءِ وَأُطْلِقَ الْمَنْعُ مِنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي آيَتِهِ وَأُرِيدَ الْمَنْعُ مِنْ إتْلَافِهِ (وَقِيلَ نُقِلَ اللَّفْظُ لَهَا) أَيْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأَعَمِّ ــ [حاشية العطار] بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا مَعَ إرَادَتِهِ مَا صَرَّحَا بِهِ اهـ (قَوْلُهُ: فُهِمَتْ) أَيْ الدَّلَالَةُ وَفِيهِ أَنَّ الدَّلَالَةَ هِيَ الْفَهْمُ وَلَا مَعْنَى لِفَهْمِ الْفَهْمِ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِالدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ) أَيْ مَعَ اللَّفْظِ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ وَالسِّيَاقُ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ وَهُوَ هُنَا طَلَبُ تَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَلَوْلَا دَلَالَتُهُمَا إلَخْ وَالْقَرَائِنُ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ (قَوْلُهُ: لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ لَا بُدَّ مِنْهَا كَمَا قُلْنَا (قَوْلُهُ: فَلَوْلَا دَلَالَتُهُمَا) أَيْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ (قَوْلُهُ: مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ) أَيْ مِنْ جُلِّ مَنْعِ التَّأْفِيفِ (قَوْلُهُ: ذُو الْغَرَضِ الصَّحِيحِ) احْتِرَازًا عَنْ الْأَحْمَقِ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ ضَرَبَهُ) أَيْ لِكَوْنِ الشَّتْمِ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُجْدِي نَفْعًا لِغِلَظِ طَبْعِهِ وَنَحْوِهِ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ تَكْفِي اللَّبِيبَ إشَارَةٌ مَرْمُوزَةٌ ... وَسِوَاهُ يُدْعَى بِالنِّدَاءِ الْعَالِي وَسِوَاهُمَا بِالزَّجْرِ مِنْ قِبَلِ الْعَصَا ... ثُمَّ الْعَصَا هِيَ رَابِعُ الْأَحْوَالِ (قَوْلُهُ: مِنْ إطْلَاقِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَإِطْلَاقُهُمَا وَهُوَ بَيَانٌ لِعِلَاقَةِ الْمُجَازَةِ قَالَ الْكُورَانِيُّ: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ ذِكْرُ الْمَجَازِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً وَمَا زَعَمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الدَّلَالَةَ الْمَذْكُورَةَ مَجَازِيَّةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ غَايَتُهُ أَنَّهُ عُلِمَ مِنْهُ حُرْمَةُ الضَّرْبِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَسِيَاقِ الْكَلَامِ، وَاللَّفْظُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَجَازًا فَكَأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَرِينَةِ الْمُفِيدَةِ لِلدَّلَالَةِ وَالْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالثَّانِيَةُ هِيَ اللَّازِمَةُ لِلْمَجَازِ دُونَ الْأُولَى وَلَمْ يَتَنَبَّهْ الشُّرَّاحُ لِهَذَا مَعَ ظُهُورِهِ اهـ. بِحَذْفٍ. وَأَجَابَ سم بَعْدَ أَنْ أَقَامَ النَّكِيرَ وَأَكْثَرَ التَّشْنِيعَ عَلَيْهِ بِمَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ثِقَةٌ خَبِيرٌ بِكَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَكُتُبِهِ فَلَا يُرَدُّ نَقْلُهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى نَفْيٍ لَمْ يُثْبِتْهَا مَنْقُولٌ وَلَا مَعْقُولٌ. وَأَمَّا الْمَجَازُ فَلِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْإِيذَاءِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ لِعَلَاقَةِ الْأَخَصِّيَّةِ وَالْأَعَمِّيَّةِ وَالْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَيْ بِخُصُوصِ السِّيَاقِ الْقَاطِعِ بِإِرَادَةِ تَعْظِيمِهَا وَلَيْسَ مِنْ شَرْطٍ قَرِينَةُ الْمَجَازِ أَنْ تَكُونَ قَاطِعَةً بِالصَّرْفِ عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بَلْ يَكْفِي صَلَاحِيَّتُهَا لِذَلِكَ فَلَا يُقَالُ: إنَّ كَوْنَ السِّيَاقِ لِلتَّعْظِيمِ لَا يَسْتَلْزِمُ الصَّرْفَ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِخُصُوصِهِ بَلْ يَجُوزُ مَعَهُ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَلَكِنْ يَثْبُتُ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ فَكُلٌّ مِنْ الطُّرُقِ الثَّلَاثِ مُحْتَمَلٌ فِي الْجُمْلَةِ. فَقَوْلُهُ وَاللَّفْظُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَجَازًا إنْ أَرَادَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَصِيرَ فَهُوَ بَاطِلٌ أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَصِيرَ قُلْنَا لَمْ نَدَعْ التَّعْيِينَ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَهُ مِنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ لِلْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ

стр. 320

(عُرْفًا) بَدَلًا عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَخَصِّ لُغَةً فَتَحْرِيمُ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ وَتَحْرِيمُ إحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ مَنْطُوقِ الْآيَتَيْنِ وَإِنْ كَانَا بِقَرِينَةٍ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْحَنَفِيَّةُ ــ [حاشية العطار] حَاكٍ فَلَا إذْ الْحَاكِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا تَوْجِيهٌ بَلْ لَا يَصِحُّ اعْتِرَاضُ الْحِكَايَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ. اهـ. وَأَقُولُ: قَدْ انْفَصَلَ بَعْدُ أَنَّ شَنَّ الْغَارَةِ عَلَى الشَّيْخِ بِمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا أَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْمُصَنِّفَ ثِقَةٌ فَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ هُنَا، فَإِنَّ الثِّقَةَ غَيْرُ مَعْصُومٍ عَنْ وُقُوعِ الْخَطَأِ. وَإِنَّمَا النَّافِعُ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ مَا نَفَاهُ الْكُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ ﵀ لَهُ كِتَابَانِ فِي الْأُصُولِ أَحَدُهُمَا الْمَنْخُولُ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ، وَأَمَّا فَحَوَى الْخِطَابِ وَهُوَ فَهْمُ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنْ آيَةِ التَّأْفِيفِ فَقَالَ قَائِلُونَ: إنَّهُ قِيَاسٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالنَّصِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ بِقِيَاسٍ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ فَحَوَى فَهْمِ الْمَنْصُوصِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَأَمُّلٍ وَطَلَبٍ جَامِعٍ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مِنْ الْمَفْهُومِ لَا لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي إذْ لَا يَبْعُدُ فِي الْعُرْفِ أَنْ يَقُولَ الْمَلِكُ لِخَادِمِهِ: اُقْتُلْ الْمَلِكَ الْفُلَانِيَّ وَلَا تُوَاجِهْهُ بِكَلِمَةٍ سَيِّئَةٍ فَلَيْسَ فَهْمُ ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ صُورَتِهِ وَلَكِنْ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ وَقَرِينَةُ الْحَالِ فَهْمٌ عَلَى الْقَطْعِ إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ الِاحْتِرَامُ فَلَا يُعَدُّ قِيَاسًا وَالْخِلَافُ آيِلٌ إلَى عِبَارَةِ اهـ. وَالثَّانِي الْمُسْتَصْفَى وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيَّ وَأَظُنُّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ إذْ لَوْ ذَكَرَهُ لَكَانَ النَّاقِلُ عَنْهُ فِي رَدِّ كَلَامِ الْكُورَانِيِّ مُتَعَيِّنًا لَا مَا تَمَسَّكَ بِهِ فِي رَدِّهِ مِمَّا تَكَرَّرَ لَهُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ ثِقَةٌ، فَإِنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ إذْ لَوْ قَالَ الْخَصْمُ هُوَ لَيْسَ بِثِقَةٍ عِنْدِي فِي هَذَا النَّقْلِ لَمْ يَرْدَعْهُ إلَّا تَصْحِيحُ النَّقْلِ بَلْ لَوْ فَرَضَ مُشَافَهَةَ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي ثِقَةٌ فِيمَا أَنْقُلُهُ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَصْحِيحُ مَا نَقَلَهُ أَمَا دَرَى أَنَّ دَعْوَى الْوَثَاقَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا كَثِيرًا مِنْ دَفْعِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ تُبْطِلُ قَاعِدَةً اتَّفَقَ عَلَيْهَا جَمِيعُ عُلَمَاءِ النَّظَرِ وَهِيَ أَنَّ النَّاقِلَ يُطْلَبُ مِنْهُ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ تَصْحِيحُ النَّقْلِ وَلِاهْتِمَامِهِمْ بِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ صَدَّرُوا بِهَا كَثِيرًا مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِمْ. وَأَمَّا تَصْحِيحُ الْمَجَازِ فَقَطْ اعْتَرَفَ هُوَ بِأَنَّ الْقَرِينَةَ غَيْرُ صَارِفَةٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِاشْتِرَاطِ الْبَيَانِيِّينَ كَوْنَهَا صَارِفَةً عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَبَنَوْا عَلَيْهِ امْتِنَاعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ الَّذِي أَشَارَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ إلَى جَوَازِهِ بَلْ صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ بَلْ يَجُوزُ مَعَهُ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ عَلَى أَنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الْمُتَبَادِرَ لِلْفَهْمِ فِي مَقَامِ التَّخَاطُبِ مِنْ الْآيَتَيْنِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ التَّأْفِيفِ وَالتَّوَعُّدِ عَلَى أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِيقَةِ فَأَيْنَ الْمَجَازُ نَعَمْ مَا جَعَلَاهُ مَعْنًى مَجَازِيًّا مَفْهُومٌ مِنْ عَرْضِ الْكَلَامِ وَنَاحِيَتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجَازُ الْعَدَمِ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِيهِ فَلَوْ جَعَلَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ كِنَايَةً لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوهَا بِالْمَجَازِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَشْمَلُهَا فَيُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا خَالَفَ الْأَصْلَ وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ فِي هَذَا الْمَجَازِ بِمَذْهَبِ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الْقَرِينَةَ الصَّارِفَةَ لَكِنْ يُجَوِّزُونَ عَدَمَ مُصَاحَبَتِهَا لِلْمَجَازِ وَهَاهُنَا قَدْ ادَّعَى وُجُودَ الْقَرِينَةِ وَقَوْلُهُ: إنَّ الْمُصَنِّفَ حَاكَ قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ وَقَوْلُهُ الْحَاكِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مَحَلُّهُ إذْ لَمْ يَلْتَزِمْ صِحَّةَ الْمَحْكِيِّ، فَإِنْ الْتَزَمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَقْلَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِرَدِّهِ يَتَضَمَّنُ الْتِزَامَ صِحَّتِهِ، وَقَوْلُهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْحِكَايَةِ مَمْنُوعٌ بَلْ الَّذِي لَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ الْمَحْكِيُّ كُلُّ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْآدَابِ (قَوْلُهُ: عُرْفًا) أَيْ فَيَكُونُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً لَا مَجَازًا (قَوْلُهُ: مِنْ مَنْطُوقِ الْآيَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ مَنْطُوقَهُمَا حِينَئِذٍ تَحْرِيمُ الْإِيذَاءِ وَتَحْرِيمُ الْإِتْلَافِ وَمِنْ أَفْرَادِهِمَا الضَّرَرُ وَالْإِحْرَاقُ (قَوْلُهُ: مِنْهُمَا الْحَنَفِيَّةُ) وَيُسَمُّونَهَا

стр. 321

عَلَى أَنَّ الْمُوَافَقَةَ مَفْهُومٌ لَا مَنْطُوقٌ وَلَا قِيَاسِيٌّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ صَدْرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ تَارَةً مَفْهُومًا وَأُخْرَى قِيَاسِيًّا كَالْبَيْضَاوِيِّ فَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مَسْكُوتٌ، وَالْقِيَاسُ إلْحَاقُ مَسْكُوتٍ بِمَنْطُوقٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ يُقَالُ بَيْنَهُمَا تَنَافٍ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مَدْلُولٌ لِلَّفْظِ وَالْمَقِيسَ غَيْرُ مَدْلُولٍ لَهُ (وَإِنْ خَالَفَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ الْحُكْمَ الْمَنْطُوقَ بِهِ فَمُخَالَفَةٌ) وَيُسَمَّى مَفْهُومَ مُخَالَفَةٍ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي التَّعْبِيرُ بِهِ فِي مَبْحَثِ الْعَامِّ (وَشَرْطُهُ) لِيَتَحَقَّقَ (أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسْكُوتُ تُرِكَ لِخَوْفٍ) فِي ذِكْرِهِ بِالْمُوَافَقَةِ كَقَوْلِ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ لِعَبْدِهِ بِحُضُورِ الْمُسْلِمِينَ تَصَدَّقْ بِهَذَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيُرِيدُ غَيْرَهُمْ وَتَرَكَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتَّهَمَ بِالنِّفَاقِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ الْخَوْفِ كَالْجَهْلِ بِحُكْمِ الْمَسْكُوتِ كَقَوْلِك فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ وَأَنْتَ تَجْهَلُ حُكْمَ الْمَعْلُوفَةِ (وَ) أَنْ (لَا يَكُونَ الْمَذْكُورُ خَرَجَ لِلْغَالِبِ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ــ [حاشية العطار] أَدِلَّةَ النَّصِّ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إلَخْ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مَفْهُومٌ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَمُوَافِقَةٌ ظَاهِرَهُ فَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمُوَافِقِ حُكْمُهُ حُكْمُ مُوَافَقَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَحُكْمُهُ الْمُوَافِقُ مُوَافَقَةً فَعَلَى الْأَوَّلِ الظَّاهِرُ يَكُونُ مَفْهُومًا لَا قِيَاسًا وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ قِيَاسًا (قَوْلُهُ: صَدَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ) وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْمَفْهُومُ مَا دَلَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَالْبَيْضَاوِيِّ) ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمُوَافَقَةَ فِي مَبْحَثِ اللُّغَاتِ مَفْهُومًا وَفِي كِتَابِ الْقِيَاسِ قِيَاسًا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مَسْكُوتٌ) فِيهِ أَنَّ الْمَفْهُومَ إمَّا الْحُكْمُ وَإِمَّا هُوَ مَعَ مَحَلِّهِ وَالْمَسْكُوتُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ مَحَلُّ الْحُكْمِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُ حَمْلُ الْمُبَايِنِ وَعَلَى الثَّانِي حَمْلُ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَسْكُوتُ بِالْمَعْنَى الْوَصْفِيِّ لَا الِاسْمِيِّ أَوْ يُرَادُ بِالْمَفْهُومِ مَحَلُّ الْحُكْمِ فَصِحَّةُ الْحَمْلِ حِينَئِذٍ ظَاهِرَةٌ (قَوْلُهُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ لِلْمَفْهُومِ جِهَتَيْنِ هُوَ بِاعْتِبَارِ إحْدَاهُمَا مُسْتَنِدٌ إلَى اللَّفْظِ فَكَانَ مَفْهُومًا وَبِاعْتِبَارِ الْأُخْرَى قِيَاسٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَأَشَارَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ وَتَعَقَّبَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبِرْمَاوِيُّ بِأَنَّ لِلْخِلَافِ فَوَائِدَ مِنْهَا أَنَّا إنْ قُلْنَا: إنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ جَازَ النَّسْخُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا اهـ. زَكَرِيَّا وَتَعَقَّبَهُ سم بِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ تَصْحِيحُ النُّسَخِ بِالْقِيَاسِ وَجَوَازُ النَّسْخِ بِالْفَحْوَى وَحِكَايَةُ الشَّارِحِ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَوَازِ فِيهَا عَنْ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيِّ وَقَوْلًا بِالْمَنْعِ فِيهَا عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فَهَذِهِ الْفَائِدَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ضَعِيفٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَالْمَقِيسُ غَيْرُ مَدْلُولٍ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ حُكْمَ الْأَصْلِ الْفَرْعُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ الْمَفْهُومُ قِيَاسًا لِلُزُومِ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ وَغَيْرَ مَدْلُولٍ لَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ صَرَاحَةً بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ قَرِينَةٍ أَوْ عِلَّةٍ فَلَا مَانِعَ حِينَئِذٍ مِنْ كَوْنِ الْمَفْهُومِ قِيَاسًا (قَوْلُهُ: حُكْمُ الْمَفْهُومِ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَفْهُومِ الْمَحَلَّ وَالْمُنَاسِبَ لِقَوْلِهِ: الْحُكْمَ الْمَنْطُوقَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحُكْمَ، وَقَدْ يُجَابُ بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً (قَوْلُهُ: فَمُخَالَفَةٌ) أَيْ يُسَمَّى بِذَلِكَ اصْطِلَاحًا كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ فَلَا يَلْزَمُ اتِّحَادُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، فَإِنَّ الشَّرْطَ نُظِرَ فِيهِ لِلْمَعْنَى (قَوْلُهُ: لِيَتَحَقَّقَ) أَيْ بِحَيْثُ إذَا انْتَفَى الشَّرْطُ انْتَفَى الْمَفْهُومُ مِنْ أَصْلِهِ وَلَيْسَ الشَّرْطُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا (قَوْلُهُ: لِخَوْفٍ) أَيْ لِخَوْفٍ مَحْذُورٍ بِسَبَبِ ذِكْرِ الْمَسْكُوتِ بِطَرِيقِ مُوَافَقَتِهِ لِلْمَنْطُوقِ بِأَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ فَفِي لِلسَّبَبِيَّةِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِذِكْرِهِ وَهَذَا الشَّرْطُ إنَّمَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلِذَلِكَ مَثَّلَ لَهُ الشَّارِحُ بِكَلَامِ الْخَلْقِ (قَوْلُهُ: كَقَوْلِ قَرِيبِ الْعَهْدِ) الْعَهْدُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الِاتِّصَافِ مَجَازًا عَنْ الْعِلْمِ اللَّازِمِ لِلِاتِّصَافِ اهـ. نَاصِرٌ (قَوْلُهُ: وَتَرَكَهُ) أَيْ قَوْلُهُ وَغَيْرِهِمْ (قَوْلُهُ: كَالْجَهْلِ) أَيْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ كَمَا رَمَزَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَقَوْلِك إلَخْ (قَوْلُهُ: خَرَجَ لِلْغَالِبِ) قَالَ النَّاصِرُ: هَاهُنَا مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَيْدَ خَرَجَ لِلْغَالِبِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْغَالِبِ. وَالثَّانِي: هُوَ الَّذِي خَالَفَ الْإِمَامُ فِي اشْتِرَاطِ نَفْيِهِ بِدَلِيلِ مَا سَيَجِيءُ اهـ. أَرَادَ بِهِ قَوْلَ الشَّارِحِ أَنَّ الْقَيْدَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ، وَهَذَانِ الْمَقَامَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ تَعْبِيرِ

стр. 322

فَإِنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ الرَّبَائِبِ فِي حُجُورِ الْأَزْوَاجِ أَيْ تَرْبِيَتُهُمْ (خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ) فِي نَفْيِهِ هَذَا الشَّرْطَ لِمَا سَيَأْتِي مَعَ دَفْعِهِ (أَوْ) خَرَجَ الْمَذْكُورُ (لِسُؤَالٍ) عَنْهُ (أَوْ حَادِثَةٍ) تَتَعَلَّقُ بِهِ (أَوْ لِلْجَهْلِ بِحُكْمِهِ) دُونَ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ. كَمَا لَوْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ هَلْ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ أَوْ قِيلَ بِحَضْرَتِهِ لِفُلَانٍ غَنَمٌ سَائِمَةٌ أَوْ خَاطَبَ مَنْ جَهِلَ حُكْمَ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ دُونَ الْمَعْلُوفَةِ فَقَالَ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ خَرَجَ الْمَذْكُورُ لِغَيْرِ مَا ذَكَرَ (مِمَّا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ) كَمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] نَزَلَتْ كَمَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي قَوْمٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالَوْا الْيَهُودَ أَيْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّمَا شَرَطُوا لِلْمَفْهُومِ انْتِفَاءَ الْمَذْكُورَاتِ لِأَنَّهَا فَوَائِدُ ظَاهِرَةٌ وَهُوَ فَائِدَةٌ خَفِيَّةٌ فَأُخِّرَ عَنْهَا وَبِذَلِكَ انْدَفَعَ تَوْجِيهُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لِمَا نَفَاهُ مُخَالِفًا لِلشَّافِعِيِّ ــ [حاشية العطار] الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ فِي غَيْرِ مَا هُنَا كَشَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ وَعَبَّرَ الشَّارِحُ تَارَةً بِالْخُرُوجِ لِلْغَالِبِ وَتَارَةً بِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ مَعَ كَوْنِهِمَا فِي بَيَانِ مَحَلِّ نِزَاعِ الْإِمَامِ فَلِذَلِكَ قَالَ سم: إنَّ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ مُجَرَّدُ اخْتِرَاعٍ لِشَيْءٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ (قَوْلُهُ: ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] نَبَّهَ بِهَذَا عَلَى مَعَالِي الْأُمُورِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُرَبِّيَ بِنْتَ زَوْجَتِهِ فِي حِجْرِهِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (قَوْلُهُ: لِمَا سَيَأْتِي) أَيْ مِنْ تَوْجِيهِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ قَالَ سم: فَإِنْ قِيلَ لِمَ خَالَفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا الشَّرْطِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ تَوْجِيهَهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ فِي الْجَمِيعِ قُلْت لِظُهُورِ الْفَرْقِ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ فِي غَيْرِ هَذَا مُضْطَرٌّ إلَيْهِ كَمَا فِي صُورَةِ الْجَهْلِ أَوْ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ كَمَا فِي صُورَةِ قَصْدِ الِامْتِنَانِ وَكَمَا فِي صُورَةِ جَهْلِ الْمُخَاطَبِ بِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ دُونَ الْمَسْكُوتِ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى التَّقْيِيدِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعَبَثِ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الْعَبَثِ وَهُوَ إخْبَارُ الْمُخَاطَبِ بِمَا يَعْلَمُهُ أَوْ عَنْ الْإِبْهَامِ عَلَى الْمُخَاطَبِ وَإِيقَاعِهِ فِي حُكْمِ الشَّكِّ، فَإِنَّهُ لَوْ أُطْلِقَ تَرَدُّدٌ فِي عُمُومِ الْحُكْمِ وَتَخْصِيصِهِ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَلَا كَذَلِكَ مُوَافَقَةُ الْغَالِبِ، فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ وَلَا حَاجَةَ وَلَا فَائِدَةَ مُقَيَّدًا بِهَا فِي التَّقْيِيدِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّ الْقَيْدَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ بَعِيدًا ضَعِيفًا وَكَانَ الْأَظْهَرُ عِنْدَهُ حَمْلٌ عَلَى أَنَّهُ لِنَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَا الْمَذْكُورَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِسُؤَالٍ) أَيْ لِجَوَابِ سُؤَالٍ وَقَوْلُهُ أَوْ حَادِثَةٍ أَيْ لِبَيَانِ حُكْمِ حَادِثَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَذْكُورِ وَتُضْعِفُ الْمَفْهُومَ عَنْ الْمَنْطُوقِ فِي الدَّلَالَةِ كَانَ السُّؤَالُ وَالْحَادِثَةُ مَثَلًا صَارِفَيْنِ لَهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ بَلْ مَانِعَيْنِ مِنْ وُجُودِهِ بِخِلَافِ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَيْهَا لَا يَصْرِفَانِهِ عَنْ مُقْتَضَاهُ لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِ بَلْ اُعْتُبِرَ فِيهِ عُمُومُ اللَّفْظِ لَا خُصُوصُ السَّبَبِ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: أَوْ لِلْجَهْلِ) أَيْ مِنْ الْمُخَاطَبِ فَخَالَفَ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَقَالَ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ (قَوْلُهُ: لِغَيْرِ مَا ذَكَرَ) إشَارَةٌ إلَى نُكْتَةِ إفْرَادِ الضَّمِيرِ (قَوْلُهُ: مِمَّا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ إلَخْ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ ضَابِطَ الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِتَخْصِيصِ الْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ غَيْرُ نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَتْ لَهُ فَائِدَةٌ كَالْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَكَانَ بِسِيَاقِ الْمَذْكُورِ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّأْكِيدِ لِلنَّهْيِ كَخَبَرٍ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ لِلْكَافِرَةِ أَيْضًا وَكَزِيَادَةِ الِامْتِنَانِ كَقَوْلِهِ ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] فَلَا يَمْتَنِعُ أَكْلُ الْقَدِيدِ (قَوْلُهُ: كَمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ) الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَادِثَةِ أَنَّ الْحَادِثَةَ يُقْصَدُ فِيهَا الْحُكْمُ عَلَى خُصُوصِ الْمَخْصُوصِ بِخِلَافِ مُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْحُكْمُ الْعَامُّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ (قَوْلُهُ: فَوَائِدُ ظَاهِرَةٌ) لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ وَالْقَرَائِنِ لَهَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ فَائِدَةٌ خَفِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّ اسْتِفَادَتَهُ بِوَاسِطَةِ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ وَغَيْرَ التَّخْصِيصِ بِالْحُكْمِ مُنْتَفٍ فَتَعَيَّنَ التَّخْصِيصُ (قَوْلُهُ: فِي تَوْجِيهِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ) لِلشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الرِّسَالَةِ كَلَامٌ آخَرُ يَنْدَفِعُ بِهِ أَيْضًا تَوْجِيهُ الْإِمَامِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ لِتَخْصِيصِ الْمَنْطُوقِ فَائِدَةٌ غَيْرُ نَفْيِ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ إلَى الْمَفْهُومِ فَيَصِيرُ الْكَلَامُ مُجْمَلًا حَتَّى لَا يُقْضَى فِيهِ بِمُوَافَقَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: لِمَا نَفَاهُ) أَيْ مِنْ بَعْضِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ أَنْ

стр. 323

بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ فَلَا تُسْقِطُهُ مُوَافَقَةُ الْغَالِبِ. وَقَدْ مَشَى فِي النِّهَايَةِ فِي آيَةِ الرَّبِيبَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْقَيْدَ فِيهَا لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومٍ لَهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَ بِمَفْهُومِهِ مِنْ أَنَّ الرَّبِيبَةَ الْكَبِيرَةَ وَقْتَ التَّزَوُّجِ بِأُمِّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ وَتَرْبِيَتِهِ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فَقَدْ نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ عَنْ دَاوُد كَمَا نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ الْبَعِيدَةَ عَنْ الزَّوْجِ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ وَرَوَاهُ عَنْهُ بِالسَّنَدِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَمَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْقَيْدَ لَيْسَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ. وَالْمَقْصُودُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْمَذْكُورِ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا وَيُعْلَمُ حُكْمُ الْمَسْكُوتِ فِيهَا مِنْ خَارِجٍ بِالْمُخَالَفَةِ كَمَا فِي الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ لِمَا سَيَأْتِي أَوْ الْمُوَافَقَةِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِي آيَتَيْ الرَّبِيبَةِ وَالْمُوَالَاةِ لِلْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الرَّبِيبَةَ حُرِّمَتْ لِئَلَّا يَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّهَا التَّبَاغُضُ لَوْ أُبِيحَتْ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا فَيُوجَدُ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ أَمْ لَا وَمُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِ الْكَافِرَ حُرِّمَتْ لِعَدَاوَةِ الْكَافِرِ لَهُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ سَوَاءٌ وَالَى الْمُؤْمِنَ أَمْ لَا. وَقَدْ عَمَّ مَنْ وَالَاهُ وَمَنْ لَمْ يُوَالِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٧] إلَى قَوْلِهِ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَمِنْ الْمَعْنَى الْمَعْلُومِ بِهِ ــ [حاشية العطار] لَا تَكُونَ الْمَذْكُورُ خَرَجَ لِلْغَالِبِ قَالَ النَّاصِرُ وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي نَفَاهُ هُوَ الشَّرْطُ وَلَيْسَ التَّوْجِيهُ لَهُ بَلْ لِنَفْيِهِ فَالْوَجْهُ أَنَّ مَا وَاقِعُهُ عَلَى النَّفْيِ وَرَدَّهُ سم بِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ لِلنَّفْيِ الَّذِي نَفَاهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي نَفَاهُ لَيْسَ هُوَ النَّفْيُ وَلَا وَجْهَ لَهُ وَحِينَئِذٍ تُجْعَلُ مَا بِحَالِهَا وَاقِعَةً عَلَى الِاشْتِرَاطِ وَيُقَدَّرُ مُضَافٌ إلَيْهَا وَالتَّقْدِيرُ لِنَفْيِ الِاشْتِرَاطِ الَّذِي نَفَاهُ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْمَفْهُومَ) مُتَعَلِّقٌ بِتَوْجِيهِ (قَوْلُهُ: مِنْ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ) أَيْ مَدْلُولَاتِهِ وَحَاصِلُ دَفْعِهِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُقْتَضَيَاتِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ الْمُقْتَضَيَاتِ الْخَفِيَّةِ وَالْغَالِبُ مِنْ الْمُقْتَضَيَاتِ الظَّاهِرَةِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ) لَا مَفْهُومَ لَهُ إنَّمَا ذَكَرَ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ لِلْخِلَافِ فِيهِمَا كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي وَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الْقَوْلُ بِمَفْهُومِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ إلَخْ وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَى مَعْنَى هَذَا الشَّرْطِ (قَوْلُهُ: فَقَدْ نَقَلَهُ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اسْتِمْرَارِ مَالِكٍ عَلَيْهِ بُطْلَانُهُ، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَرْجِعُ الْمُجْتَهِدُ عَنْ شَيْءٍ وَالْفَتْوَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: عَنْ دَاوُد) وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ كَالْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِمَا فَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْغَزَالِيِّ مُوهِمٌ لِعِزَّةِ النَّقْلِ عَنْ دَاوُد (قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ عَنْهُ بِالسَّنَدِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ) قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنُ الْحَدَثَانِ قَالَ كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ فَتُوُفِّيَتْ وَقَدْ وَلَدَتْ لِي فَوَجَدْت عَلَيْهَا فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَا لَك فَقُلْت تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ فَقَالَ عَلِيٌّ: هَلْ لَهَا ابْنَةٌ فَقُلْت نَعَمْ وَهِيَ بِالطَّائِفِ قَالَ كَانَتْ فِي حِجْرِك قُلْت لَا هِيَ بِالطَّائِفِ قَالَ فَانْكِحْهَا قُلْت فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ: إنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِك إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي حِجْرِك قَالَ الْحَافِظُ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ إسْنَادُهُ قَوِيٌّ ثَابِتٌ إلَى عَلِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا اهـ كَمَالٌ (قَوْلُهُ: وَمَرْجِعُ ذَلِكَ) أَيْ مَا نُقِلَ عَنْ دَاوُد وَعَلِيٍّ ﵁ (قَوْلُهُ: وَالْمَقْصُودُ إلَخْ) أَيْ لَيْسَ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ أَنْ لَا يَعْمَلَ بِمَا يُوَافِقُ الْمَفْهُومَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ الْمَقْصُودُ عَدَمُ الِاسْتِنَادِ فِي الْعَمَلِ إلَى الْمَفْهُومِ، وَقَدْ يُعْمَلُ عَلَى وَفْقِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ لِدَلِيلٍ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ) وَحُكْمُ الْمَفْهُومِ حِينَئِذٍ مَسْكُوتٌ عَنْهُ (قَوْلُهُ: لِمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى إنْكَارِ أَبِي حَنِيفَةَ مَفَاهِيمَ الْمُخَالَفَةِ (قَوْلُهُ: الْمِثَالُ الْأَوَّلُ) وَهُوَ قَوْلُ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّهُ يُرِيدُ وَغَيْرَهُمْ (قَوْلُهُ: لِلْمَعْنَى) أَيْ الْعِلَّةِ وَهَذَا عِلَّةٌ لِلْمُوَافَقَةِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَتَزَوَّجَ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَقَعُ (قَوْلُهُ: أَوْلِيَاءَ) أَيْ وَلَمْ يَقُلْ إلَّا أَنْ تَوَلَّوْا مَعَهُمْ الْمُؤْمِنِينَ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمَعْنَى الْمَعْلُومِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَشَاءُ وَالْمُرَادُ بِالْمَعْنَى الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ أَيْ مِنْ النَّظَرِ فِيهَا

стр. 324

الْمَسْكُوتِ لِلْمَنْطُوقِ نَشَأَ خِلَافٌ فِي أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَسْكُوتِ قِيَاسِيَّةٌ أَوْ لَفْظِيَّةٌ وَكَأَنَّ الْقَيْدَ لَمْ يُذْكَرْ حَكَاهُ فِي قَوْلِهِ (وَلَا يَمْنَعُ) أَيْ مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ (قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ) بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عِلَّةٌ جَامِعَةٌ لِعَدَمِ مُعَارَضَتِهِ بَلْ قِيلَ يَعُمُّهُ أَيْ الْمَسْكُوتَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْعِلَّةِ (الْمَعْرُوضُ) لِلْمَذْكُورِ مِنْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إذَا عَارَضَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَسْكُوتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْعِلَّةِ كَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ (وَقِيلَ لَا يَعُمُّهُ إجْمَاعًا) لِوُجُودِ الْعَارِضِ وَإِنَّمَا يَلْحَقُ بِهِ قِيَاسًا. وَعَدَمُ الْعُمُومِ هُوَ الْحَقُّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ كَمَا أَفَادَتْهُ الْعِبَارَةُ بِخِلَافِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّ الْمَسْكُوتَ هُنَا أَدْوَنُ مِنْ الْمَنْطُوقِ بِخِلَافِهِ هُنَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَلْ هُنَا انْتِقَالِيَّةٌ لَا إبْطَالِيَّةٌ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: مُوَافَقَةُ الْمَسْكُوتِ لِلْمَنْطُوقِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ هَلْ يَكْفِي أَخْذُهُ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ قِيَاسٍ أَوْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قِيَاسٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَمْنَعُ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسْكُوتُ إلَخْ وَالْمَعْنَى أَنَّ وُجُودَ مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ مِنْ الْأُمُورِ السَّابِقَةِ كَكَوْنِهِ جَوَابًا لِسُؤَالٍ أَوْ بَيَانًا لِحَادِثَةٍ إلَخْ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْمَفْهُومِ وَلَا يَمْنَعُ إلْحَاقَ الْمَسْكُوتِ الْمَنْطُوقَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ وَقَوْلُهُ مَا يَقْتَضِي إلَخْ فَاعِلٌ يَمْنَعُ وَقِيَاسُ الْمَسْكُوتِ مَفْعُولُهُ وَبَاءُ بِالْمَنْطُوقِ بِمَعْنَى عَلَى أَوْ ضَمَّنَ الْقِيَاسَ مَعْنَى الرَّبْطِ فَعَدَّاهُ بِالْبَاءِ إذْ الْفَرْعُ مَرْبُوطٌ بِالْأَصْلِ قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى اسْتِبْعَادِ مَنْعِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ بَلْ قِيلَ يَعُمُّهُ إلَخْ يَعْنِي كَيْفَ يَمْتَنِعُ هَذَا الْقِيَاسُ مَعَ أَنَّ لَنَا قَائِلًا بِأَنَّ الْمَفْرُوضَ لَهُ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ يَعُمُّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ بِدُونِ قِيَاسٍ كَمَا فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ فَلَفْظُ الْغَنَمِ عِنْدَهُ عَامٌّ يَشْمَلُ الْمَعْلُوفَةَ وَالسَّائِمَةَ وَالْعِبَارَةَ وَالسَّدِيدَةَ وَلَا يَمْتَنِعُ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوضَ لَا يَعُمُّ الْمَسْكُوتَ وَقِيلَ يَعُمُّهُ فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ. اهـ. قَالَ بَعْضٌ وَشُمُولُ الْغَنَمِ لِلْمَعْلُوفَةِ فِي الْحُكْمِ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ بِأَنَّ الْمَعْلُوفَةَ فِيهَا الزَّكَاةُ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ مُعَارَضَتِهِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَا يَمْنَعُ وَضَمِيرُهُ يَعُودُ لِمَا يَقْتَضِي وَضَمِيرُ لَهُ لِلْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: بَلْ قِيلَ يَعُمُّهُ) هَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ لَفْظِيَّةٌ (قَوْلُهُ: الْمَعْرُوضُ) فَاعِلُ يَعُمُّ وَالْمَعْرُوضُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُفِيدُ بِصِفَةٍ وَنَحْوِهَا، وَالْعَارِضُ هُوَ الْقَيْدُ عَبَّرَ بِالْمَعْرُوضِ دُونَ الْمَوْصُوفِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى مَوْصُوفًا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالصِّفَةِ وَقَوْلُهُ لِلْمَذْكُورِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْرُوضِ وَقَوْلُهُ مِنْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِهَا بَيَانٌ لِلْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: إذَا عَارَضَهُ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ يَعُمُّهُ (قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ) فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ وَكَأَنَّ الْمَعْرُوضَ شَامِلٌ لِلْمَوْصُوفِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَعُمُّهُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ اقْتِرَانَ مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى إلْغَاءِ الْمَذْكُورِ مِنْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَجَعْلُهُ كَالْعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى إفَادَةِ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ أَوْ لَا يَدُلُّ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَصِيرُ الْمَعْرُوضُ إذَا كَانَ عَامًّا شَامِلًا لِلْمَذْكُورِ وَالْمَسْكُوتِ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ إلَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ وُجُودَ دَلِيلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ شَرْحِ الْمُصَنِّفِ لِلْمُخْتَصَرِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ غَيْرُ الْمَذْكُورِ مَسْكُوتًا عَنْ حُكْمِهِ فَيُجَوِّزُ حِينَئِذٍ الْقِيَاسَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ الْعَارِضِ) أَيْ فِي اللَّفْظِ (قَوْلُهُ: لَا سِيَّمَا وَقَدْ ادَّعَى إلَخْ) أَيْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحَقَّ فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْأَحَقِّيَّةِ (قَوْلُهُ: كَمَا أَفَادَتْهُ الْعِبَارَةُ) حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ وَحُكِيَ الْعُمُومُ بِقِيلَ الْمُشْعِرَةِ بِالتَّضْعِيفِ وَقَوِيَ ذَلِكَ الضَّعْفُ بِحِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الْعُمُومِ، وَإِنْ سِيقَتْ بِقِيلِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ) أَيْ فَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّ عَدَمَ الْعُمُومِ هُوَ الْحَقُّ بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمَتْنِ تَرْجِيحَ مُقَابِلِهِ لِذِكْرِهِ مُقَدَّمًا بِدُونِ صِيغَةِ تَمْرِيضٍ وَذَكَرَ الْآخَرَ مُؤَخَّرًا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَسْكُوتَ هُنَا) أَيْ فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَدْوَنَ أَيْ فَيَكُونُ الْمَنْطُوقُ أَوْلَى، وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ قِيَاسَ الْمَسْكُوتِ عَارَضَهُ ظَاهِرُ التَّقْيِيدِ وَصَرْفُ مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ مَوْضِعُ نِزَاعٍ فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ الْخِلَافِ فِي الرَّبِيبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ الصَّرْفَ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ ثُمَّ الْمُرَادُ الْأَدْنَوِيَّةُ فِي الْحُكْمِ لَا فِي الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ؛ لِأَنَّهُ مَقِيسٌ، وَشَرْطُهُ أَنْ يُسَاوِيَ الْأَصْلَ فِي تَمَامِ الْعِلَّةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مَقِيسًا قِيَاسَ الْأَدْوَنِ وَهُوَ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ ظَنِّيَّةً بِخِلَافِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَهُوَ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ قَطْعِيَّةً (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ هُنَاكَ) أَيْ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، فَإِنَّ الْمَسْكُوتَ أَوْلَى أَوْ

стр. 325

(وَهُوَ صِفَةٌ) أَيْ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ بِمَعْنَى الْحُكْمِ مَفْهُومُ صِفَةٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْمُرَادُ بِهَا لَفْظٌ مُقَيِّدٌ لِآخَرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ وَلَا غَايَةٍ ــ [حاشية العطار] مُسَاوٍ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مَحَلِّ الْحُكْمِ) الْبَاعِثِ عَلَى حَمْلِهِ عَلَيْهِ مَعَ قِلَّةِ اسْتِعْمَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ إضَافَتُهُ إلَى الصِّيغَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بَلْ عَلَى مَحَلِّهِ، فَإِنَّ السَّائِمَةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْمَعْلُوفَةِ لَا عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ وَلِمُوَافَقَةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهَلْ الْمَنْفِيُّ غَيْرُ سَائِمَتِهَا أَوْ غَيْرُ مُطْلَقِ السَّوَائِمِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَفْهُومِ الْمَحَلُّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ سَائِمَتِهَا وَغَيْرَ مُطْلَقِ السَّوَائِمِ ثُمَّ مَحَلُّ الْحُكْمِ لَا نَفْسُهُ فَلَوْ أُرِيدَ الْحُكْمُ لَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يُقَالَ وَهَلْ الْمَنْفِيُّ الزَّكَاةُ فِي غَيْرِ سَائِمَتِهَا أَوْ فِي غَيْرِ مُطْلَقِ السَّوَائِمِ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْحُكْمُ وَإِضَافَتُهُ إلَى الصِّفَةِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهَا بِاعْتِبَارِ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ فِي مُقَابِلِهَا وَأَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: مَفْهُومُ صِفَةٍ) قَدَّرَهُ لِأَجْلِ صِحَّةِ الْأَخْبَارِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَفْظٌ وَالْمَفْهُومُ مَعْنًى (فَائِدَةٌ) مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ جَمَعَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي قَوْلِهِ صِفْ وَاشْتَرِطْ عَلِّلْ وَلَقِّبْ ثَنِّيَا ... وَعُدَّ ظَرْفَيْنِ وَحَصْرًا لَاغِيَا فَالثُّنْيَا الِاسْتِثْنَاءُ والْأَغْيَاءُ الْغَايَةُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْعَدَدَ وَاللَّقَبَ لَيْسَا مِنْ الْمَفَاهِيمِ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهَا) أَيْ بِالصِّفَةِ وَهُوَ بَيَانٌ لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، فَإِنَّهُمَا فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ وَفِي اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ التَّابِعُ الْمُشْتَقُّ (قَوْلُهُ: لَفْظٌ) خَرَجَ مَا لَيْسَ بِلَفْظٍ كَتَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظٍ (قَوْلُهُ: مُقَيِّدٌ لِآخَرَ) أَيْ مُقَلِّلٌ لِشُيُوعِهِ فَلَا يَرِدُ النَّعْتُ لِمُجَرَّدِ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ إلَخْ) وَجْهُ اسْتِثْنَائِهَا احْتِيَاجُهَا لِآلَةٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَالْحَقُّ أَنَّهُ

стр. 326

لَا النَّعْتَ فَقَطْ أَيْ أَخْذًا مِنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ أَدْرَجُوا فِيهَا الْعَدَدَ وَالظَّرْفَ مَثَلًا (كَالْغَنَمِ السَّائِمَةِ أَوْ سَائِمَةِ الْغَنَمِ) أَيْ الصِّفَةُ كَالسَّائِمَةِ فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، وَفِي الثَّانِي مَنْ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ قَدَّمَ مِنْ تَأْخِيرٍ. وَكُلٌّ مِنْهَا يُرْوَى حَدِيثًا وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ» إلَخْ (لَا مُجَرَّدِ السَّائِمَةِ) أَيْ مَنْ فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ وَإِنْ رُوِيَ فَلَيْسَ مِنْ الصِّفَةِ (عَلَى الْأَظْهَرِ) لِاخْتِلَالِ الْكَلَامِ بِدُونِهِ كَاللَّقَبِ وَقِيلَ هُوَ مِنْهَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى السَّوْمِ الزَّائِدِ عَلَى الذَّاتِ بِخِلَافِ اللَّقَبِ فَيُفِيدُ نَفْيَ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ مُطْلَقًا كَمَا يُفِيدُ إثْبَاتَهَا فِي السَّائِمَةِ مُطْلَقًا وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ كَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْقَاتِلِ وَالْوَارِثِ يَجْرِي مَجْرَى الْمُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (وَهَلْ النَّفْيُ) عَنْ مَحَلِّيَّةِ الزَّكَاةِ فِي الْمِثَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ (غَيْرَ سَائِمَتِهَا) وَهُوَ مَعْلُوفَةُ الْغَنَمِ (أَوْ غَيْرَ مُطْلَقِ السَّوَائِمِ) وَهُوَ مَعْلُوفَةُ الْغَنَمِ وَغَيْرِ الْغَنَمِ ــ [حاشية العطار] لَا حَاجَةَ بَلْ لَا صِحَّةَ لِاسْتِثْنَائِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِآلَتِهِ فَهُوَ لَفْظٌ مُقَيِّدٌ لِآخَرَ وَلِهَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَوْ عَبَّرَ مُعَبِّرٌ عَنْ جَمِيعِ الْمَفَاهِيمِ بِالصِّفَةِ لَكَانَ مُنْقَدِحًا؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ وَالْمَحْدُودَ مَوْصُوفَانِ بِعَدَدِهِمَا وَحْدَهُمَا وَكَذَا سَائِرُ الْمَفَاهِيمِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْطُوفَاتُ كُلُّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ إلَّا تَقْدِيمَ الْمَعْمُولِ فَعَلَى صِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الصِّفَةِ بِمَا ذَكَرَهُ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورَاتِ فَلِيَسْتَثْنِيَ مَعَهَا مَا بَعْدَهَا اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: لَا النَّعْتِ فَقَطْ) أَيْ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الصِّفَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ أَخْذًا) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِهَا (قَوْلُهُ: حَيْثُ أَدْرَجُوا إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مَوْصُوفٌ بِالْعَدَدِ وَالْمَخْصُوصُ بِالْكَوْنِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان مَوْصُوفٍ بِالِاسْتِقْرَارِ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَيْ الصِّفَةُ كَالسَّائِمَةِ إلَخْ) دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الصِّفَةَ مَجْمُوعُ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا بَعْدَ الْكَافِ هُوَ الْمِثَالُ (قَوْلُهُ: قَدَّمَ) أَيْ لَفْظَ السَّائِمَةِ فِي الثَّانِي وَأُضِيفَ إلَى الْمَوْصُوفَةِ فَسَقَطَتْ مِنْهُ لَامُ التَّعْرِيفِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ فِي الْمَوْجُودِ فِي الثَّانِي سَائِمَةً بِالتَّنْكِيرِ لَا السَّائِمَةَ بِالتَّعْرِيفِ كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ وَفِي الثَّانِي، وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ أَنَّ تَعْرِيفَهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ) بَدَلٌ مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَيْ وَفِي شَأْنِ صَدَقَةِ الْغَنَمِ وَفِي سَائِمَتِهَا بَدَلٌ (قَوْلُهُ: إنْ رُوِيَ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ قَالَ الْكَمَالُ: وَقَدْ تَتَبَّعْت مَظَانَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْحَدِيثِيَّةِ فَلَمْ أَظْفَرْ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: لِاخْتِلَافِ الْكَلَامِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ لَهُ فَائِدَةَ أُخْرَى غَيْرُ نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ وَفِيهِ مَا سَتَسْمَعُ (قَوْلُهُ: بِدُونِهِ) أَيْ السَّائِمَةِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْمَوْصُوفِ (قَوْلُهُ: فَيُفِيدُ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَابَلَ الْأَظْهَرَ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْجُمْهُورَ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَظْهَرَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْوَصْفِ صَادِقٌ بِهِ غَايَتُهُ أَنَّ الْمَوْصُوفَ مُقَدَّرٌ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ اهـ. وَبِهِ يُتَّجَهُ مَا قَالَهُ الْكُورَانِيُّ أَنَّ الظَّاهِرَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ مَرْدُودٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْوَصْفِ صَادِقٌ، غَايَتُهُ أَنَّ الْمَوْصُوفَ مُقَدَّرٌ وَذِكْرُ الْمَوْصُوفِ وَتَقْدِيرُهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ اهـ. فَتَوَرُّكُ سم عَلَيْهِ لَيْسَ مِمَّا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْلُوفَةُ الْغَنَمِ) بَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ سَائِمَةَ الْغَنَمِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ السَّوَائِمِ وَنَفْيُ الْأَخَصِّ أَعَمُّ مِنْ نَفْيِ الْأَعَمِّ فَغَيْرُ سَائِمَةِ الْغَنَمِ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِ مُطْلَقِ السَّوَائِمِ لِصِدْقِ الثَّانِي بِالْمَعْلُوفَةِ مُطْلَقًا وَالْأَوَّلُ بِهَا وَسَائِمَةُ غَيْرِ الْغَنَمِ وَمُقْتَضَى تَفْسِيرِ الشَّارِحِ لَهَا عَكْسُ ذَلِكَ

стр. 327

(قَوْلَانِ) : الْأَوَّلُ: وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ يَنْظُرُ إلَى السَّوْمِ فِي الْغَنَمِ وَالثَّانِي إلَى السَّوْمِ فَقَطْ لِتَرْتِيبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ الْغَنَمِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَجَوَّزَ الْمُصَنِّفُ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ لَفْظُ الْغَنَمِ عَلَى وِزَانِهَا فِي مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ كَمَا سَيَأْتِي فَيُفِيدُ نَفْيَ الزَّكَاةِ عَنْ سَائِمَةِ غَيْرِ الْغَنَمِ وَأَنْ تَثْبُتَ فِيهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ يُعِيدُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ إلَى الْأَذْهَانِ. (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الصِّفَةِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ (الْعِلَّةُ) نَحْوُ أَعْطِ السَّائِلَ لِحَاجَتِهِ أَيْ الْمُحْتَاجَ دُونَ غَيْرِهِ (وَالظَّرْفُ) زَمَانًا وَمَكَانًا نَحْوُ سَافِرْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَيْ لَا فِي غَيْرِهِ وَاجْلِسْ أَمَامَ فُلَانٍ أَيْ لَا وَرَاءَهُ (وَالْحَالُ) نَحْوُ أَحْسِنْ إلَى الْعَبْدِ مُطِيعًا أَيْ لَا عَاصِيًا (وَالْعَدَدُ) نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أَيْ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» أَيْ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ــ [حاشية العطار] وَأَجَابَ بِجَوَابٍ أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَيْدًا حُذِفَ لِلْعِلْمِ وَالتَّقْدِيرُ غَيْرَ سَائِمَتِهَا مِنْهَا وَلَيْسَ تَفْسِيرًا لَهُ بِحَسَبِ مَفْهُومِهِ الظَّاهِرِ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ الْإِشْكَالِ (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) مَيْلُ الشَّارِحِ إلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَنْظُرُ وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ اعْتِرَاضِيَّةٌ أَيْ أَنَّ الْأَوَّلَ يَعْتَبِرُ الْمَفْهُومَ السَّوْمَ مُضَافًا لِلْغَنَمِ فَيَنْفِي الزَّكَاةَ عَنْ غَيْرِ سَائِمَتِهَا (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي إلَى السَّوْمِ) أَيْ يَعْتَبِرُ السَّوْمَ فَقَطْ غَيْرَ مُضَافٍ لِلْغَنَمِ فَيَنْفِي الزَّكَاةَ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ مُطْلَقًا وَيُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي السَّائِمَةِ (قَوْلُهُ: وَجَوَّزَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ بَلْ قَالَ فِيهِ: إنَّهُ التَّحْقِيقُ قَالَ: إذَا كَانَ الْمَعْنَى بِالصِّفَةِ التَّقْيِيدَ كَانَ الْمُقَيَّدُ فِي قَوْلِنَا فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةً إنَّمَا هُوَ الْغَنَمُ. وَفِي قَوْلِنَا: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ إنَّمَا هُوَ السَّائِمَةُ فَمَفْهُومُ الْأَوَّلِ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ الَّتِي لَوْلَا التَّقْيِيدُ بِالسَّوْمِ لَشَمَلَهَا لَفْظُ الْغَنَمِ وَمَفْهُومُ الثَّانِي عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي سَائِمَةِ غَيْرِ الْغَنَمِ كَالْبَقَرِ مَثَلًا الَّتِي لَوْلَا تَقْيِيدُ السَّائِمَةِ بِإِضَافَتِهَا إلَى الْغَنَمِ لَشَمَلَهَا لَفْظُ السَّائِمَةِ اهـ. فَالْمُصَنِّفُ نَاظِرٌ إلَى إضَافَةِ السَّائِمَةِ إلَى الْغَنَمِ لَا إلَى لَفْظِ الْغَنَمِ فَقَطْ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ فَاعْتِرَاضُ النَّاصِرِ قَوْلُهُ عَلَى وِزَانِهَا إلَخْ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا جَلِيًّا، فَإِنَّ الْغَنِيَّ مُشْتَقٌّ يَصِحُّ وُقُوعُهُ نَعْتًا وَالْغَنَمُ بِخِلَافِهِ اهـ. لَا وُرُودَ لَهُ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَبَرَ التَّقْيِيدَ بِالْغَنَمِ مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ إلَى السَّائِمَةِ، فَإِنَّ السَّائِمَةَ بِدُونِهِ تَعُمُّ الْغَنَمَ وَغَيْرَهَا فَإِذَا ذَكَرَ الْغَنَمَ كَانَ السَّوْمُ خَاصًّا بِهَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى وِزَانِهَا مِنْ حَيْثُ التَّقْيِيدُ فَالنَّظَرُ إلَى الْقَيْدِ وَعَدَمِهِ لَا إلَى الِاشْتِقَاقِ وَعَدَمِهِ كَمَا فَهِمَهُ النَّاصِرُ أَخْذًا بِظَاهِرِ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَلَمْ يَتَدَبَّرْ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ: عَلَى وِزَانِهَا) أَيْ فِي تَقْيِيدِهَا بِالْمُضَافِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ مِنْ أَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَطْلَ غَيْرِ الْغَنِيِّ لَيْسَ بِظُلْمِ لَا أَنَّ غَيْرَ الْمَطْلِ لَيْسَ بِظُلْمٍ فَعَلَى مَا جَوَّزَهُ الْمُصَنِّفُ يُفِيدُ قَوْلُهُ ﵊ «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» نَفْيَ الزَّكَاةِ عَنْ سَائِمَةِ غَيْرِ الْغَنَمِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ بِالْإِضَافَةِ، وَإِنَّ ثَبَتَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ) تَعْلِيلٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ خِلَافَ التَّبَادُرِ نَفْسُ الْبُعْدِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: أَيْ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ) وَهُوَ لَفْظٌ مُقَيَّدٌ إلَخْ وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْعِلَّةِ بِأَنَّ الصِّفَةَ قَدْ تَكُونُ مُكَمِّلَةً لِلْعِلَّةِ لَا عِلَّةً وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ لَيْسَ لِلسَّوْمِ وَإِلَّا لَوَجَبَتْ فِي الْوُحُوشِ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ وَهِيَ مَعَ السَّوْمِ أَتَمُّ مِنْهَا مَعَ الْعَلَفِ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُحْتَاجِ) أَشَارَ إلَى التَّأْوِيلِ فِي الْعِلَّةِ حَتَّى تُدْرَجَ فِي الصِّفَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا وَرَاءَهُ) أَيْ وَلَا شَيْئًا مِنْ بَقِيَّةِ جِهَاتِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بَدَلَهُ بِخَلْفِهِ لَكَانَ أَنْسَبَ؛ لِأَنَّ وَرَاءَ تَكُونُ بِمَعْنَى قُدَّامَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أَيْ أَمَامَهُمْ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا أَكْثَرَ) ذَكَرَ هُنَا الْأَكْثَرَ دُونَ الْأَقَلِّ وَفِيمَا بَعْدَ الْأَقَلِّ دُونَ الْأَكْثَرِ احْتِبَاكًا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْكَثْرَةَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الزَّجْرُ فَرُبَّمَا تُتَوَهَّمُ فِيهِ الْكَثْرَةُ وَفِي الثَّانِي الْقِلَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّنْظِيفُ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ

стр. 328

(وَشَرْطٌ) عَطْفٌ عَلَى صِفَةٍ نَحْوُ ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] أَيْ فَغَيْرَ أُولَاتِ الْحَمْلِ لَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِنَّ (وَغَايَةٌ) نَحْوُ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أَيْ فَإِذَا نَكَحَتْهُ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ بِشَرْطِهِ (وَإِنَّمَا) نَحْوُ ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] أَيْ فَغَيْرُهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ وَالْإِلَهُ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ (وَمِثْلُ لَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ) مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَى نَفْيٍ وَاسْتِثْنَاءٍ نَحْوُ مَا قَامَ إلَّا زَيْدٌ، مَنْطُوقُهُمَا نَفْيُ الْعِلْمِ وَالْقِيَامِ عَنْ غَيْرِ زَيْدٍ وَمَفْهُومُهُمَا إثْبَاتُ الْعِلْمِ وَالْقِيَامِ لِزَيْدٍ (وَفَصْلُ الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْخَبَرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ) نَحْوُ ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] أَيْ فَغَيْرُهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ أَيْ نَاصِرٍ (وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ) عَلَى مَا سَيَأْتِي عَنْ الْبَيَانِيِّينَ كَالْمَفْعُولِ وَالْجَارِ وَالْمَجْرُورِ نَحْوُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أَيْ لَا غَيْرَك ﴿لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] أَيْ لَا إلَى غَيْرِهِ (وَأَعْلَاهُ) أَيْ أَعْلَى مَا ذَكَرَ مِنْ أَنْوَاعِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ (لَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ) أَيْ مَفْهُومُ ذَلِكَ وَنَحْوُهُ إذْ قِيلَ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ أَيْ صَرَاحَةً لِسُرْعَةِ تَبَادُرِهِ إلَى الْأَذْهَانِ (ثُمَّ مَا قِيلَ) إنَّهُ (مَنْطُوقٌ) أَيْ (بِالْإِشَارَةِ) ــ [حاشية العطار] مَا يَحْصُلُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَشَرْطٌ) عَطْفٌ عَلَى صِفَةٍ فَالتَّقْدِيرُ وَهُوَ أَيْ الْمَفْهُومُ صِفَةٌ وَشَرْطٌ وَغَايَةٌ وَيُقَالُ أَيْضًا مَفْهُومُ صِفَةٍ وَمَفْهُومُ شَرْطٍ وَمَفْهُومُ غَايَةٍ وَالْمُرَادُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ مَا فُهِمَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى شَيْءٍ بِأَدَاةِ شَرْطٍ كَانَ وَإِذَا وَبِمَفْهُومِ الْغَايَةِ مَا فُهِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِأَدَاةِ غَايَةٍ كَإِلَى وَحَتَّى وَاللَّامِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَعَطْفُ ذَلِكَ عَلَى صِفَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَائِهِ مِمَّا فَسَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ الصِّفَةَ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهَا فَالْأَوْجَهُ عَطْفٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَتَعْرِيفُهُ بِأَلْ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ فَغَيْرُهُ) بَيَانٌ لِمَفْهُومِ ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] فَمَحَلُّ النُّطْقِ فِي الْآيَةِ هُوَ اللَّهُ وَالْمَنْطُوقُ هُوَ الْأُلُوهِيَّةُ، وَمَحَلُّ السُّكُوتِ غَيْرُ اللَّهِ وَالْمَفْهُومُ هُوَ انْتِفَاءُ الْأُلُوهِيَّةِ ثُمَّ إنَّ مُقْتَضَى انْحِلَالِ إنَّمَا بِالنَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْطُوقُ نَفْيَ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى وَالْمَفْهُومُ ثُبُوتُهَا لَهُ تَعَالَى. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا نَطَقَ بِأَدَاةِ النَّفْيِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ جَعَلَ الْمَنْطُوقَ نَفْيَ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى وَلَمَّا لَمْ يَنْطِقْ بِهِمَا مَعَ إنَّمَا بَلْ بِالْجُمْلَةِ الْمُوجِبَةِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَنْطُوقِ نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إذْ الْمَنْطُوقُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ بِمَعْنَى الشَّيْءِ أَنْ يُعْطَى حُكْمَهُ (قَوْلُهُ: وَالْإِلَهُ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّ صِحَّةَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْآيَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْإِلَهِ بِالْمَعْبُودِ بِحَقٍّ إذْ لَوْ أُرِيدَ مُطْلَقُ الْمَعْبُودِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمَعْبُودَاتِ بِالْبَاطِلِ كَثِيرَةٌ (قَوْلُهُ: وَمَفْهُومُهَا إثْبَاتُ الْعِلْمِ إلَخْ) هَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَى الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ الْآتِي إذَا قِيلَ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ إلَخْ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَرَجَّحَهُ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ وَالْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ قَالَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَا لَهُ عَلَيَّ إلَّا دِينَارٌ كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا بِالدِّينَارِ وَلَوْ كَانَ بِالْمَفْهُومِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فِي الْأَقَارِيرِ. اهـ. قَالَ الْكَمَالُ: وَهُوَ الَّذِي يَنْثَلِجُ لَهُ الصَّدْرُ إذْ كَيْفَ يُقَالُ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى إثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ بِالْمَفْهُومِ اهـ. وَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ نَفْيُ مَا خَالَفَنَا فِيهِ الْمُشْرِكُونَ لَا إثْبَاتُ مَا وَافَقُونَا عَلَيْهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلْأَوَّلِ الْمَنْطُوقَ وَلِلثَّانِي الْمَفْهُومَ وَمَحَلُّ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فِي الْأَقَارِيرِ إذَا كَانَ بِغَيْرِ الْحَصْرِ كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُهُمْ (قَوْلُهُ: وَفَصْلُ الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْخَبَرِ) أَيْ الْمُنَكَّرُ نَحْوُ زَيْدٌ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو أَيْ لَا غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْخَبَرِ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ فَالْحَصْرُ فِيهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْخَبَرِ لَا مِنْ ضَمِيرِ الْفَصْلِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ زَيْدٌ هُوَ الْفَاضِلُ كَانَ تَأْكِيدًا لِلْحَصْرِ كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ قَالَهُ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِ الْمَتْنِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ فِي تَمْثِيلِ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] تَسَامُحًا وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَضَمِيرُ الْفَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالْحَصْرُ إثْبَاتٌ وَهُوَ مَنْطُوقٌ وَنَفْيٌ وَهُوَ مَفْهُومٌ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا سَيَأْتِي) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا (قَوْلُهُ: أَيْ إعْلَامًا) ذُكِرَ إشَارَةً إلَى وَجْهِ إفْرَادِ الضَّمِيرِ مَعَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ جَمِيعٌ (قَوْلُهُ: أَيْ صَرَاحَةً) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ مَا قِيلَ إنَّهُ مَنْطُوقٌ

стр. 329

كَمَفْهُومِ إنَّمَا وَالْغَايَةُ كَمَا سَيَأْتِي لِتَبَادُرِهِ إلَى الْأَذْهَانِ (ثُمَّ غَيْرُهُ) عَلَى التَّرْتِيبِ الْآتِي (مَسْأَلَةُ الْمَفَاهِيمِ) الْمُخَالَفَةُ (إلَّا اللَّقَبَ حُجَّةً لُغَةً) لِقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ بِهَا مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعُبَيْدٌ تِلْمِيذُهُ قَالَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ ــ [حاشية العطار] رَتَّبْته بَعْدَ هَذَا وَالشَّارِحُ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ صَرَاحَةً مُعَلِّلًا بِسُرْعَةِ التَّبَادُرِ فَلَيْسَ الْعِلَّةُ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى بَاقِي الْمَفَاهِيمِ مُجَرَّدُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَنْطُوقٌ لِمُشَارَكَةِ مَا بَعْدَهُ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَصْلَ التَّبَادُرِ دُونَ هَذَا وَلِذَلِكَ حَذَفَ قَيْدَ السُّرْعَةِ فِيهِ قَالَ النَّاصِرُ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى بِإِلَّا مَذْكُورٌ فَهُوَ مَحَلُّ نُطْقٍ وَإِلَّا تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ لَهُ فَقَدْ صَدَقَ عَلَى هَذَا الثُّبُوتُ أَنَّهُ مَعْنًى دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ إلَّا بَعْدَ النَّفْيِ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِثْبَاتِ فَهُوَ مَنْطُوقٌ صَرِيحٌ اهـ. وَإِيرَادُ سم أَنَّ الْمَنْطُوقَ بِالْإِشَارَةِ مِنْ أَقْسَامِ الْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيمَا سَبَقَ لِانْقِسَامِ الْمَنْطُوقِ إلَى صَرِيحٍ وَغَيْرِ صَرِيحٍ وَانْقِسَامُ غَيْرِ الصَّرِيحِ إلَى إشَارَةٍ وَغَيْرِهِ فَكَيْفَ تَصِحُّ هَذِهِ الْحَوَالَةُ مِنْهُ اهـ. مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسْلَفَهُ سَابِقًا فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ الْمَنْطُوقُ إنْ تَوَقَّفَ الصِّدْقُ أَوْ الصِّحَّةُ إلَخْ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا فِيهِ هُنَاكَ بِمَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: كَمَفْهُومِ إنَّمَا وَالْغَايَةُ) أَمَّا كَوْنُ مَفْهُومِ إنَّمَا مَنْطُوقًا فَلِأَنَّ قَوْلَك إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ أَوْ إنَّمَا الْقَائِمُ زَيْدٌ مَعْنَاهُ لَا قَاعِدًا وَلَا عَمْرُو فَمَحَلُّ النُّطْقِ فِي الْأَوَّلِ زَيْدٌ وَفِي الثَّانِي الْقَائِمُ وَالْمَنْفِيُّ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِهِ فَيَكُونُ الْمَنْفِيُّ مَنْطُوقًا؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ ثُمَّ هَذَا النَّفْيُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ اللَّفْظُ بَلْ لَازِمٌ عَنْ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ غَيْرَ صَرِيحٍ ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلْمُتَكَلِّمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّدْقُ وَلَا الصِّحَّةُ فَيَكُونُ إشَارَةً، وَأَمَّا الْغَايَةُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحُكْمِ الْغَيْرِ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ يَنْقَطِعُ بِالْغَايَةِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ خِلَافِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي تَرْتِيبِ الْمَفَاهِيمِ (قَوْلُهُ: لِتَبَادُرِهِ إلَى الْأَذْهَانِ) حَذَفَ لَفْظَ سُرْعَةٍ مِنْهُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّرَاحَةِ السَّابِقَةِ وَبَقِيَ مَا يُفِيدُهُ الْحَصْرُ كَالْمَذْكُورَاتِ تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ نَحْوُ صَدِيقِي زَيْدٌ وَزَيْدٌ الْعَالِمُ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ تَرْتِيبِ الْمَفَاهِيمِ [مَسْأَلَةُ الْمَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةُ إلَّا اللَّقَبَ حُجَّةً لُغَةً] (قَوْلُهُ: إلَّا اللَّقَبَ) قَضِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ مَفْهُومٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ قَائِلٌ بِحُجَّتِهِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْهُومٍ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَفَاهِيمُ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَهُوَ مُتَّصِلٌ (قَوْلُهُ: الْمُخَالِفَةِ) بِكَسْرِ اللَّامِ، فَإِنَّهُ تُكْسَرُ حَيْثُ وَقَعَ صِفَةً كَمَا هُنَا وَحَيْثُ أُطْلِقَ عَلَى الْمَفْهُومِ أَوْ أُضِيفَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ، وَإِنْ خَالَفَ فَمُخَالَفَةٌ إلَخْ وَهُوَ صِفَةٌ إلَخْ فُتِحَتْ وَإِنَّمَا لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأَنَّ الْمَفَاهِيمَ جَمْعُ كَثْرَةٍ لِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَسَيَأْتِي مُحْتَرَزُ الْمُخَالَفَةِ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ: حُجَّةً لُغَةً) أَيْ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعًا بِدَلِيلِ اللُّغَةِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَقِيلَ حُجَّةً شَرْعًا أَيْ بِدَلِيلِ الشَّرْعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْحُجِّيَّةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ اخْتَلَفُوا هَلْ نَفْيُ الْحُكْمِ فِيهِ عَمَّا عَدَا الْمَنْطُوقَ بِهِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَيْ لَيْسَ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِتَصَرُّفٍ مِنْهُ زَائِدٌ عَلَى وَضْعِ اللُّغَةِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْمَعْنَى أَيْ الْعُرْفِ الْعَامِّ فَعُلِمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مَأْخَذِ الْحُجِّيَّةِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ النَّاصِرِ لَا يَصِحُّ إخْرَاجُ الشَّارِحِ الْمَفَاهِيمَ الْمُوَافِقَةَ عَنْ عُمُومِ الْمَفَاهِيمِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَيْهَا مُخْتَلِفٌ فِيهِ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ حُجَّةً لُغَةً أَيْ مَدْلُولَةَ اللَّفْظِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَبُو عُبَيْدَةَ) بِالتَّثْنِيَةِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو عُبَيْدٍ هُوَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَالْأَوَّلُ شَيْخُ الثَّانِي وَكِلَاهُمَا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ فِي اللُّغَةِ كَالْأَصْمَعِيِّ وَالْخَلِيلِ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مُخَالَفَةُ الْأَخْفَشِ إنْ صَحَّتْ؛ لِأَنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهَا خُصُوصًا. وَقَدْ وَافَقَهُمَا إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ ﵁ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ صَارَ إلَى الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ إمَامٌ غَيْرُ مُدَافِعٍ وَلَئِنْ سَاغَ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلٍ عَرَبِيٍّ جِلْفٍ مِنْ الْأَفْجَاجِ فَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَوْلَى ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ ثُمَّ قَالَ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ. وَقَدْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ الْأَصْمَعِيُّ وَصَحَّحَ عَلَيْهِ دَوَاوِينَ الْهُذَلِيِّينَ وَهَذَا الْمَسْلَكُ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ قَدْ يَحْكُمُونَ عَلَى اللِّسَانِ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِنْبَاطٍ وَهُمْ فِي مَسَالِكِهِمْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ مُطَالَبُونَ بِالدَّلِيلِ، وَالْأَعْرَابِيُّ يُنْطِقُهُ طَبْعُهُ فَيَقَعُ التَّمَسُّكُ بِمَنْظُومِهِ وَمَنْثُورِهِ وَلَا يَعْدَمُ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِهَذَا الطَّرِيقِ الْمُعَارَضَةَ وَقُصَارَى الْكَلَامِ تَجَاذُبٌ

стр. 330

مَثَلًا «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَطْلَ غَيْرِ الْغَنِيِّ لَيْسَ بِظُلْمٍ وَهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ (وَقِيلَ) حُجَّةً (شَرْعًا) لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ مَوَارِدِ كَلَامِ الشَّارِعِ. وَقَدْ فُهِمَ ﷺ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] أَنَّ حُكْمَ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ بِخِلَافِ حُكْمِهِ حَيْثُ قَالَ كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «خَبَّرَنِي اللَّهُ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ» . (وَقِيلَ) حُجَّةً (مَعْنًى) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْفِ الْمَذْكُورَ ــ [حاشية العطار] وَنِزَاعٌ وَاعْتِصَامٌ بِنَفْسِ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُمَا قَالَا بِذَلِكَ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا فَفِي الْبُرْهَانِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَوْبِيخِ مَنْ لَمْ يَعْتَنِ بِغَيْرِ الشِّعْرِ فَأَمَّا مَنْ جَمَعَ إلَى عُلُومِهِ عِلْمَ الشِّعْرِ فَلَا يُلَامُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ إلَخْ) دَفَعَ بِهَذَا مَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ فَهْمَهُمَا ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَاهُ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْمَبَاحِثِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعًا لَا لُغَةً (قَوْلُهُ: مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ) أَيْ لُغَتِهِمْ (قَوْلُهُ: لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الدَّلَالَةُ شَرْعِيَّةً لَا مَكَانَ أَنْ يَكُونَ وُرُودُهُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ لِمُوَافَقَتِهِ لُغَةَ الْعَرَبِ وَكَلَامُ الشَّارِعِ عَرَبِيٌّ وَلَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ فَهْمِ الشَّارِعِ فِي الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْعِيًّا بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ وَاللَّفْظُ عَرَبِيٌّ وَإِثْبَاتُ كَوْنِهِ شَرْعِيًّا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ. وَالْمَوَارِدُ جَمْعُ مَوْرِدٍ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَوْ بَاقٍ عَلَى مَصْدَرِيَّتِهِ مُرَادًا مِنْهُ الْمَكَانُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ فَهِمَ ﷺ ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُثْبِتُ قَوْلُهُ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الْآيَةَ قِيلَ «قَالَ ﷺ لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» قُلْنَا: هَذَا لَمْ يُصَحِّحْهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَوَّلًا، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي مِنْ شَدَا طَرَفًا مِنْ الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَجْرِ عَلَى تَحْدِيدِ الْعَدَدِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهِ يُخَالِفُهُ وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ مُؤَيِّسًا مِنْ مَغْفِرَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَإِنْ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ مَا يَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ فَكَيْفَ يَخْفَى مُدْرِكٌ هَذَا وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْصَحُ مِنْ نَطَقَ بِالضَّادِ ﷺ اهـ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ إنَّ مَا نُقِلَ فِي الِاسْتِغْفَارِ كَذِبٌ قَطْعًا إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّنَاهِي فِي تَحْقِيقِ الْيَأْسِ مِنْ الْمَغْفِرَةِ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذُهُولٌ عَنْهُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ قَالَ) حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ (قَوْلُهُ: وَسَأَزِيدُهُ) أَيْ الِاسْتِغْفَارَ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَإِنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَتَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ؛ لِأَنَّهُ الدَّاعِي إلَى اللَّهِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عُمَرُ ﵁ دَاعِيًا ضَاقَ صَدْرُهُ عَنْ تَحَمُّلٍ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَعْنًى مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ لَا عَلَى التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْنَى هُوَ الْحُجَّةُ مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ هُوَ الْمَفْهُومُ قَالَهُ النَّاصِرُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ لَا الْفَاعِلِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنَّهُ) ضَمِيرٌ هُوَ لِلْمَعْنَى وَضَمِيرُ

стр. 331

الْحُكْمَ عَنْ الْمَسْكُوتِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ وَهَذَا كَمَا عَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِالْمَعْنَى عَبَّرَ عَنْهُ فِي مَبْحَثِ الْعَامِّ كَمَا سَيَأْتِي بِالْعَقْلِ. وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ هُنَا بِالْعُرْفِ الْعَامِّ لِأَنَّهُ مَعْقُولٌ لِأَهْلِهِ (وَاحْتَجَّ بِاللَّقَبِ الدَّقَّاقُ وَالصَّيْرَفِيُّ) مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ) مِنْ الْمَالِكِيَّةِ (وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ) ــ [حاشية العطار] أَنَّهُ لِلشَّأْنِ وَفِي إسْنَادِ نَفْيِ الْحُكْمِ إلَى الْمَذْكُورِ تَجَوُّزٌ، وَالْإِسْنَادُ الْحَقِيقِيُّ لِلْمُتَكَلِّمِ وَأَرَادَ بِالْمَذْكُورِ الْقَيْدَ كَالسَّائِمَةِ مَثَلًا وَفِي كَلَامِهِ قِيَاسٌ اسْتِثْنَائِيٌّ حُذِفَتْ اسْتِثْنَائِيَّتُهُ أَيْ وَاللَّازِمُ وَهُوَ عَدَمُ الْفَائِدَةِ فِي ذِكْرِهِ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ وَهُوَ عَدَمُ نَفْيِ الْمَذْكُورِ الْحُكْمُ عَنْ الْمَسْكُوتِ مِثْلُهُ وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْوَضْعِ بِالْفَائِدَةِ وَالْوَضْعُ إنَّمَا يَثْبُتُ نَقْلًا لَا غَيْرَ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْوَضْعِ بِالْفَائِدَةِ بَلْ ثَبَتَ بِالِاسْتِقْرَاءِ عَنْهُمْ أَنَّ كُلَّ مَا ظُنَّ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلَّفْظِ سِوَاهُ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فَائِدَةُ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ وَالْمُتَنَازِعُ فِيهِ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ (قَوْلُهُ: الْحُكْمُ عَنْ الْمَسْكُوتِ إلَخْ) بَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْمَذْكُورِ مِنْ الصِّفَةِ وَغَيْرِهَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ لَا مَحَلِّهِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ لِلْمَفْهُومِ كَمَا تَقَدَّمَ ثَلَاثَ إطْلَاقَاتٍ فَيُحْمَلُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ عَلَى مَا يُنَاسِبُهُ فَحَمَلَهُ الشَّارِحُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْمَحَلِّ وَفِيمَا هُنَا عَلَى الْحُكْمِ وَحْدَهُ أَوْ هُوَ مَعَ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلِاحْتِجَاجِ (قَوْلُهُ: عَبَّرَ عَنْهُ إلَخْ) أَيْ مُخَالَفَةٌ بَيْنَ الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ مَعْنًى فَكُلٌّ مِنْ الْعَقْلِ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ وَالْمَعْنَى كِنَايَةٌ عَنْ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ مَعْقُولٌ لِأَهْلِ الْعُرْفِ الْعَامِّ وَنَاشِئٌ عَنْ نَظَرِ الْعَقْلِ فَيَصِحُّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْعِبَارَاتِ الثَّلَاثَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَخْ) هَذَا تَصْحِيحٌ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْعَقْلِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: الدَّقَّاقُ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَاضِي الْأُصُولِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ كَانَ مُعْتَزِلِيَّ الْعَقِيدَةِ فِي الْأَصْلِ وَالصَّيْرَفِيُّ هُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ شَارِحُ الرِّسَالَةِ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ تَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَخُوَيْزِ مَنْدَادٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ بَدَلِ الْمِيمِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ سِوَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْغَيْرِ وَبِأَنَّ مَنْ قَالَ: لَيْسَتْ أُخْتِي بِزَانِيَةٍ يَتَبَادَرُ مِنْهُ إلَى الْفَهْمِ نِسْبَةُ الزِّنَا إلَى أُخْتِ الْخَصْمِ وَلِذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَلَوْلَا مَفْهُومُ اللَّقَبِ لَمَا تَبَادَرَ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ مَنْعُ حَصْرِ الْفَائِدَةِ فِيهِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ كَالْخِصَامِ وَإِرَادَةِ الْإِيذَاءِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ عَلَمًا كَانَ نَحْوُ زَيْدٌ قَائِمٌ أَوْ اسْمَ جِنْسٍ كَقَوْلِك فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ الْقِيَاسُ وَالتَّالِي بَاطِلٌ اتِّفَاقًا أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ النَّفْيَ الدَّالَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ إنْ تَنَاوَلَ الْفَرْعَ فَلَا قِيَاسَ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ بِالنَّصِّ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ فَكَذَلِكَ إذْ النَّصُّ حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ. وَالْفَرْعُ غَيْرُهُ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ لِتَقَدُّمِ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى النَّفْيِ عَلَيْهِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ لَلَزِمَ كُلٌّ مِنْ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ فِي نَحْوِ قَوْلِنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدٌ مَوْجُودٌ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بَدِيهَةً وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ دَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِرَسُولٍ وَالثَّانِي عَلَى أَنَّ غَيْرَ زَيْدٍ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَمِنْ جُمْلَةِ الْغَيْرِ وُجُودُ الرَّبِّ وَكِلَاهُمَا لَازِمٌ لِمَا ذُكِرَ لَا يُقَالُ اللَّازِمُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا تَحَقَّقَ شَرَائِطُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ هُنَا مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ

стр. 332

عَلَمًا كَانَ أَوْ اسْمَ جِنْسٍ نَحْوُ عَلَى زَيْدٍ حَجٌّ أَيْ لَا عَلَى عَمْرٍو وَفِي النَّعَمِ زَكَاةٌ أَيْ لَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَاشِيَةِ إذْ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلَّا نَفْيُ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ كَالصِّفَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ اسْتِقَامَةُ الْكَلَامِ إذْ بِإِسْقَاطِهِ يَخْتَلُّ بِخِلَافِ إسْقَاطِ الصِّفَةِ وَيَقْوَى - كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - الدَّقَّاقُ الْمَشْهُورُ بِاللَّقَبِ بِمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ خُصُوصًا الصَّيْرَفِيَّ فَإِنَّهُ أَقْدَمُ مِنْهُ وَأَجَلُّ ــ [حاشية العطار] هُوَ فَضْلُ الْإِخْبَارِ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَوُجُودُ زَيْدٍ وَلَا طَرِيقَ لِذَلِكَ سِوَى التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ قُلْنَا فَحِينَئِذٍ لَا يَتَحَقَّقُ مَفْهُومُ اللَّقَبِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ حَاصِلَةٌ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَنَقْضُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ بِجَرَيَانِهِ فِي غَيْرِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ كَمَا لَوْ عَبَّرَ فِي الْمِثَالَيْنِ بَدَلَ مُحَمَّدٍ وَزَيْدٍ بِالْهَاشِمِيِّ مَثَلًا رَسُولِ اللَّهِ وَالضَّارِبِ زَيْدًا مَوْجُودٌ لِوُرُودِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ قَدْ سَفَّهَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ هَذَا الرَّجُلَ يَعْنِي الدَّقَّاقَ فِي مَصِيرِهِ إلَى أَنَّ الْأَلْقَابَ إذَا خُصِّصَتْ بِالذِّكْرِ يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصُهَا نَفْيَ مَا عَدَاهَا وَقَالُوا هَذَا خُرُوجٌ عَنْ حُكْمِ اللِّسَانِ وَانْسِلَالٌ عَنْ تَفَاوُضِ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: رَأَيْت زَيْدًا لَمْ يَقْضِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ غَيْرَهُ قَطْعًا (قَوْلُهُ: عَلَمًا كَانَ إلَخْ) تَنْبِيهٌ عَلَى مُغَايَرَةِ اللَّقَبِ بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِ لِلَّقَبِ بِاصْطِلَاحِ النُّحَاةِ فَالْعِلْمُ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ لَقَبٌ أُصُولِيٌّ. وَقَوْلُهُ: أَوْ اسْمَ جِنْسٍ إفْرَادِيًّا كَانَ لِرَجُلٍ مَا، أَوْ جَمْعِيًّا كَتَمْرٍ، جَامِدًا أَوْ مُشْتَقًّا وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْوَصْفِ الَّذِي لَمْ يُسْتَعْمَلْ اسْتِعْمَالَ الْأَسْمَاءِ أَمَّا الْمُشْتَقُّ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ كَالطَّعَامِ فَلَقَبٌ أَيْضًا كَمَا يُفِيدُهُ تَمْثِيلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْمُسْتَصْفَى اللَّقَبَ بِحَدِيثِ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» . وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ وَفِي الْمَاشِيَةِ زَكَاةٌ؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَقَّةً لَكِنْ لَمْ يُلْحَظْ فِيهَا الْمَعْنَى بَلْ غَلَبَ عَلَيْهَا الِاسْمِيَّةُ اهـ. أَمَّا مَا لَمْ تَغْلِبْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَدَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا لَا مُجَرَّدِ السَّائِمَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَكَاسْمِ الْجِنْسِ اسْمُ الْجَمْعِ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا عَلَى عَمْرٍو) الْأَوْلَى لَا عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ عَمْرٍو بِالذِّكْرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: كَالصِّفَةِ) أَيْ فَإِنَّ وَجْهَ الِاحْتِجَاجِ بِهَا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهَا إلَّا نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ إذَا كَانَ لَا مُقْتَضَى لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ فِي ذِكْرِ هَذَا الْخَاصِّ وَيَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ بِدُونِ ذِكْرِهِ وَالْإِتْيَانُ بِالْحُكْمِ الْعَامِّ، فَإِنْ قِيلَ: وَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ أُرِيدَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ قُلْنَا: يَلْزَمُ أَنَّ عَدَمَ أَرْجَحِيَّتِهِ فِي الْخَبَرِ دُونَ الْإِنْشَاءِ (قَوْلُهُ: الدَّقَّاقُ) فَاعِلُ يَقْوَى (قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ بِاللَّقَبِ) أَيْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَفِيهِ تَوْرِيَةٌ، فَإِنَّ شُهْرَتَهُ بِاللَّقَبِ لَا بِاسْمِهِ (قَوْلُهُ:، فَإِنَّهُ أَقْدَمُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ وَفَاةَ الدَّقَّاقِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَالصَّيْرَفِيِّ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ عِنْدَ مَعَاشِرِ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ الْكَمَالُ وَقَعَ لِأَصْحَابِنَا فِي الْفِقْهِ اسْتِدْلَالَاتٌ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا اسْتِدْلَالٌ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ كَاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ «بِقَوْلِهِ ﷺ لِأَسْمَاءِ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ» وَاسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى تَعَيُّنِ التُّرَابِ لِلتَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ «وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» . وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ

стр. 333

(وَأَنْكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ الْكُلَّ مُطْلَقًا) أَيْ لَمْ يَقُلْ بِشَيْءٍ مِنْ مَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَسْكُوتِ بِخِلَافِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فَلِأَمْرٍ آخَرَ كَمَا فِي انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ قَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ الزَّكَاةِ وَرَدَتْ فِي السَّائِمَةِ فَبَقِيَتْ الْمَعْلُوفَةُ عَلَى الْأَصْلِ (وَ) أَنْكَرَ الْكُلَّ (قَوْمٌ فِي الْخَبَرِ) نَحْوُ فِي الشَّامِ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ فَلَا يَنْفِي الْمَعْلُوفَةَ عَنْهَا لِأَنَّ الْخَبَرَ لَهُ خَارِجِيٌّ يَجُوزُ الْإِخْبَارُ بِبَعْضِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْقَيْدُ فِيهِ لِلنَّفْيِ ــ [حاشية العطار] لَيْسَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ أَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ إلَّا بِذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ صِفَةً أَوْ نَعْتًا. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الثَّانِي فَلِأَنَّ قَرِينَةَ الِامْتِنَانِ تَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ فِيهِ وَلِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ أُسْلُوبِ التَّعْمِيمِ مَعَ الْإِيجَازِ إلَى التَّخْصِيصِ مَعَ تَرْكِ الْإِيجَازِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُكْتَةِ اخْتِصَاصِ الطَّهُورِيَّةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ بِأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ حُجَّةٌ مَعَ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنْ يُقَالَ اللَّقَبُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ رَائِحَةُ التَّعْلِيقِ، فَإِنْ وُجِدَتْ كَانَ حُجَّةً، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعُهَا» يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَمْنَعُ امْرَأَتَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ لِأَجْلِ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالْخُرُوجِ لِلْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ لِمَا فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَحْوَ الْعِبَادَةِ فَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَأَنْكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ) فِيهِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ إنَّمَا يُنْكِرُونَ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَمَّا فِي مُصْطَلَحِ النَّاسِ فَهُوَ حُجَّةٌ عَكْسُ مَا سَيَأْتِي عَنْ وَالِدِ الْمُصَنِّفِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا نَقَلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَلْزَمُ مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهِ لَهُ إذْ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُ الْأَئِمَّةُ أَصْحَابَهُمْ (قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَقُلْ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَدَمَ الْقَوْلِ بِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْهَا وَإِلَّا كَانَ مُتَرَدِّدًا فِيهَا وَالْغَرَضُ خِلَافُهُ فَانْدَفَعَ قَوْلُ النَّاصِرِ الْأَوْفَقُ بِالْإِنْكَارِ أَنْ يَقُولَ أَيْ قَالَ بِعَدَمِهَا؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الشَّيْءِ قَوْلٌ بِعَدَمِهِ لَا عَدَمِ قَوْلٍ بِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْخَبَرَ لَهُ خَارِجِيٌّ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا أَنَّ لِكُلِّ خَبَرٍ خَارِجِيٌّ يُطَابِقُهُ أَوْ لَا يُطَابِقُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ وَهِيَ بِعَيْنِهَا النِّسْبَةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ اللَّفْظِ وَالْمُتَعَلِّقَةُ فَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّسَبِ الثَّلَاثَةِ اعْتِبَارِيٌّ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا خَارِجِيَّةً أَنَّهَا هِيَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اسْتِفَادَتِهَا مِنْ اللَّفْظِ وَهِيَ حَالَةٌ بَسِيطَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّبْعِيضَ وَمُسَاوِيَةٌ

стр. 334

بِخِلَافِ الْإِنْشَاءِ نَحْوُ «زَكُّوا عَنْ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ» وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا تَقَدَّمَ فَلَا خَارِجِيَّ لَهُ فَلَا فَائِدَةَ لِلْقَيْدِ فِيهِ إلَّا النَّفْيُ. (وَ) أَنْكَرَ الْكُلَّ (الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ (فِي غَيْرِ الشَّرْعِ) مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ ــ [حاشية العطار] لِلنِّسْبَةِ الْكَلَامِيَّةِ وَأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ الْخَبَرِ حَتَّى فِي الْقَضَايَا الذِّهْنِيَّةِ وَإِلَّا لَذَهَبَتْ حَقِيقَةُ الْخَبَرِ إلَّا أَنَّهَا فِي الْقَضَايَا الذِّهْنِيَّةِ الَّتِي لَا وُجُودَ لِطَرَفَيْهَا فِي الْخَارِجِ مَعْنَى وُجُودِهَا الْخَارِجِيِّ وُجُودُهَا الذِّهْنِيُّ الْأَصْلِيُّ وَتُعْتَبَرُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الْأَصْلِيِّ وَالذِّهْنِيِّ. فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت اتِّجَاهَ قَوْلِ النَّاصِرِ: إنَّ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ يَجُوزُ الْإِخْبَارُ بِبَعْضِهِ نَظَرًا مِنْ وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَارِجِيَّ هُوَ الْمُخْبَرُ بِهِ لَا النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ وَأَنَّ خَارِجِيَّ الْخَبَرِ أَعَمُّ مِنْ نِسْبَتِهِ الذِّهْنِيَّةِ لَا مُسَاوٍ لَهَا وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فِيهِمَا وَأَنَّ مَا قَالَهُ سم فِي جَوَابِهِ لَا يَنْطَبِقُ أَكْثَرُهُ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَعْقُولِ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ مُخْبَرٌ بِهَا أَيْ مُعْلَمٌ بِهَا الْمُخَاطَبُ إلَخْ وَأَنَّ النِّسْبَةَ الَّتِي تَتَبَعَّضُ هِيَ النِّسْبَةُ الشَّخْصِيَّةُ كَالَّتِي بَيْنَ زَيْدٍ، وَالْقِيَامُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَالنِّسْبَةِ الَّتِي فِي قَوْلِنَا فِي الشَّامِ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ، فَإِنَّهَا تَتَبَعَّضُ إلَخْ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ خَارِجِيَّةِ النِّيَّةِ خَارِجِيَّةُ الْمُخْبَرِ بِهِ إلَخْ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِعْلَامِ بِالْخَبَرِ إلْقَاؤُهُ لِلْمُخَاطَبِ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ مُخْبَرًا بِهَا وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي حَيِّزِ الْإِعْلَامِ لِضَرُورَةِ التَّعْدِيَةِ وَالنِّسْبَةُ فِيهِ مُخْبَرٌ عَنْهَا فَالْمُعْلَمُ بِهِ النِّسْبَةُ الْكَلَامِيَّةُ الْمُلْقَاةُ لِلْمُخَاطَبِ وَهِيَ إخْبَارٌ عَنْ النِّسْبَةِ الْكَلَامِيَّةِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ ثُبُوتِ الْمُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ حَالَةٌ بَسِيطَةٌ مُطْلَقًا فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ، فَإِنَّ الثُّبُوتَ لَا يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ وَالْقَوْلُ بِتَبْعِيضِ النِّسْبَةِ قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ تَعَدُّدُ النِّسْبَةِ بِالْقُوَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ مُتَعَدِّدًا بِتَبْعِيضِهَا، فَإِنَّ قَوْلَنَا جَاءَ الرِّجَالُ مَثَلًا النِّسْبَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْفِعْلِ فِيهِ ثُبُوتُ الْمَجِيءِ وَلِهُمْ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الثُّبُوتُ حَاصِلًا لِمُتَعَدِّدٍ كَانَ فِي قُوَّةِ قَوْلِنَا جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو إلَخْ كَمَا قَالُوا: إنْ جَاءَ عَبِيدِي فِي قُوَّةِ قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ النِّسَبَ الْمُتَعَدِّدَةَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا تِلْكَ الْقَضَايَا مُتَغَايِرَةٌ بِتَغَايُرِ أَطْرَافِهَا وَلَا يُقَالُ: إنَّهَا أَبْعَاضٌ مِنْ النِّسْبَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْفِعْلِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْقَضَايَا الْخَارِجِيَّةِ دُونَ الذِّهْنِيَّةِ الَّتِي لَا وُجُودَ لِشَيْءٍ مِنْ طَرَفَيْهَا خَارِجًا كَشَرِيكِ الْبَارِئِ مُمْتَنِعٌ وَالْتِقَاء مُمْكِنِ الْوُجُودِ وَنَحْوِهِمَا مَعَ أَنَّ لَهَا نِسْبَةً خَارِجِيَّةً كَمَا حَقَّقْنَاهُ فَقَدْ لَزِمَ عَلَى كَلَامِهِ انْحِصَارُ الْقَضَايَا فِي الْخَارِجِيَّةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمَنَاطِقَةُ وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَدْ بَقِيَ فِي كَلَامِهِ أَشْيَاءُ أَعْرَضْنَا عَنْهَا وَمَنْ أَرَادَ اسْتِيفَاءَ هَذَا الْمَبْحَثِ فَعَلَيْهِ بِمُرَاجَعَةِ الرَّازِيّ عَلَى الشَّمْسِيَّةِ مَعَ مَوَادِّهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي حِلِّ كَلَامِ الشَّارِحِ بِحَيْثُ يَنْدَفِعُ عَنْهُ اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْخَبَرَ لَهُ خَارِجِيٌّ إلَخْ الْخَبَرُ الْكُلِّيُّ أَيْ كُلُّ خَبَرٍ لَهُ خَارِجِيٌّ وَمِنْ إفْرَادِ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ قَوْلُنَا فِي الشَّامِ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ، فَإِنَّهُ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْخَبَرِ وَقَوْلُهُ يَجُوزُ الْإِخْبَارُ بِبَعْضِهِ فِيهِ تَقْدِيرُ مُضَافٍ أَيْ مُتَعَلِّقٌ بِبَعْضِهِ وَهُوَ الْمُسْنَدُ وَلَا ارْتِيَابَ فِي أَنَّ الْمُسْنَدَ هُنَا وَهُوَ الْكَوْنُ فِي الشَّامِ الْمُخْبَرِ بِهِ عَنْ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ بَعْضٌ مِنْ أَفْرَادِ مُطْلَقٍ مُسْنَدٍ الَّذِي هُوَ أَحَدُ طَرَفَيْ الْإِخْبَارِ الْكُلِّيِّ فَهَذَا الْخَبَرُ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ مُطْلَقِ الْخَبَرِ وَمُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الْمُسْنَدُ، وَإِنْ كَانَ جُزْئِيًّا مِنْ جُزْئِيَّاتِ مُطْلَقِ الْمُسْنَدِ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ فَهُوَ بَعْضٌ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ الَّتِي تَقَعُ بِهَا الْأَخْبَارُ تَأَمَّلْ وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَدْ قَالَ الْكَمَالُ: إنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْإِخْبَارِ بِالْبَعْضِ لَا لِفَائِدَةٍ غَيْرُ لَائِقٍ بِكَلَامِ الْعَاقِلِ فَضْلًا عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْفَائِدَةُ فِيهِ قَدْ تَكُونُ إفْهَامَ أَنَّ الْحُكْمَ مَا عَدَا الْمَذْكُورَ بِخِلَافِهِ كَمَا فَهِمَهُ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ فِي حَدِيثِ «مَطْلِ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» وَنَحْوِهِ. وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ كَإِفَادَةِ أَنَّ فِي الشَّامِ الْغَنَمَ السَّائِمَةَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَعْلَمُ أَنَّ بِهَا الْمَعْلُوفَةَ فَلَا يَعْلَمُ نَفْيَ الْمَعْلُوفَةِ عَنْهَا لِمُخَالَفَتِهِ لِلْوَاقِعِ عِنْدَهُ فَنَفْيُ الْمَفْهُومِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ لِقَرِينَةٍ تَقْتَضِيهِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ عَنْ كُلِّ خَبَرٍ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْإِنْشَاءِ) ، فَإِنَّهُ لَا خَارِجَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مَدْلُولُهُ إلَّا بِالنُّطْقِ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَخُصُّ مَحَلَّ النُّطْقِ وَيَنْتَفِي عَنْ الْمَسْكُوتِ فَلِذَلِكَ قِيلَ بِالْمَفْهُومِ فِيهِ (قَوْلُهُ: مِمَّا تَقَدَّمَ) فِي نَحْوِ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا إنْشَاءً مَعْنًى (قَوْلُهُ: فَلَا خَارِجِيَّ لَهُ) أَيْ حَتَّى يَثْبُتَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ وَيُخْبِرُ بِبَعْضِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا اُلْتُفِتَ لِلنَّفْيِ فِي الْوَاقِعِ مَعَ أَنَّ الْمُلْتَفِتَ لَهُ حُكْمُ الْمُتَكَلِّمِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَاقِعِ فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ وَالْخَبَرِ فِي اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فِي الِاحْتِجَاجِ (قَوْلُهُ: وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) إنْ قُلْت هَذَا الْقَوْلُ بِعَيْنِهِ هُوَ الْقَوْلُ

стр. 335

وَالْوَاقِفِينَ لِغَلَبَةِ الذُّهُولِ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِهِ فِي الشَّرْعِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ (وَ) أَنْكَرَ (إمَامُ الْحَرَمَيْنِ صِفَةً لَا تُنَاسِبُ الْحُكْمَ) كَأَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ فِي الْغَنَمِ الْعُفْرِ الزَّكَاةُ قَالَ فَهِيَ فِي مَعْنَى اللَّقَبِ بِخِلَافِ الْمُنَاسَبَةِ كَالسَّوْمِ لِخِفَّةِ مُؤْنَةِ السَّائِمَةِ فَهِيَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ وَلِكَوْنِ الْعِلَّةِ غَيْرَ الصِّفَةِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ أَطْلَقَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ عَنْهُ إنْكَارَ الصِّفَةِ وَلِكَوْنِ غَيْرِ الْمُنَاسَبَةِ فِي مَعْنَى اللَّقَبِ أَطْلَقَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْهُ الْقَوْلَ بِالصِّفَةِ. وَأَمَّا غَيْرُهَا مِمَّا تَقَدَّمَ فَصَرَّحَ مِنْهُ بِالْعِلَّةِ وَالظَّرْفِ وَالْعَدَدِ وَالشَّرْطِ وَإِنَّمَا وَمَا وَإِلَّا وَسَكَتَ عَنْ الْبَاقِي وَهُوَ الْمَذْكُورُ (وَ) أَنْكَرَ (قَوْمٌ الْعَدَدَ دُونَ غَيْرِهِ) فَقَالُوا لَا يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَةِ حُكْمِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ أَوْ النَّاقِصِ عَنْهُ ــ [حاشية العطار] الثَّانِي الْمَحْكِيُّ صَدْرَ الْمَبْحَثِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ شَرْعًا قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الشَّرْعَ مَحَلُّ الْمَفَاهِيمِ وَفِي ذَلِكَ الْقَوْلِ أَنَّهُ مُثْبِتٌ لَهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا جَلِيٌّ اهـ. نَاصِرٌ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَرْقَ اعْتِبَارِيٌّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالْوَاقِفِينَ) أَيْ الْمُحْبِسِينَ (قَوْلُهُ: لِغَلَبَةِ الذُّهُولِ) تَعَقَّبَهُ الْكُورَانِيُّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي دَلَالَتِهِ لُغَةً وَالدَّلَالَةُ الْتِفَاتُ النَّفْسِ مِنْ اللَّفْظِ إلَى الْمَعْنَى وَلَا دَخْلَ لِإِرَادَةِ اللَّافِظِ فِيهَا وَلَا لِشُعُورِهِ وَالتَّخَلُّفُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ مُعَارِضٍ أَقْوَى. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ حَاصِلَ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْمَفْهُومَ مَعْنًى يُقْصَدُ تَبَعًا لِلْمَنْطُوقِ فَلَا يُعْتَبَرُ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ إذْ الْأُمُورُ التَّابِعَةُ إنَّمَا يُعْتَدُّ بِهَا مِمَّنْ قَصَدَهَا وَلَاحَظَهَا وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ لَا وُثُوقَ بِقَصْدِهِ وَمُلَاحَظَتِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَوَقُّفُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْإِرَادَةِ بَلْ الَّذِي فِيهِ تَوَقُّفٌ اعْتِبَارُهَا فِي الْمَعَانِي التَّابِعَةِ لَا مُطْلَقًا عَلَى مَنْ يُوثَقُ فِيهِ بِإِرَادَتِهِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ) أَيْ وَالرَّسُولُ مَعْصُومٌ عَنْ النُّطْقِ عَنْ الْهَوَى (قَوْلُهُ: وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَخْ) إنَّمَا أَنْكَرَ الصِّفَةَ غَيْرَ الْمُنَاسِبَةِ لِكَوْنِهَا فِي مَعْنَى اللَّقَبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْعِلَّةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعِبَارَتُهُ فِي الْبُرْهَانِ الْحَقُّ الَّذِي نَرَاهُ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَا يُفْهَمُ بِهَا مُنَاسِبَةٌ لِلْحُكْمِ فَالْمَوْصُوفُ بِهَا كَالْمُلَقَّبِ بِلَقَبِهِ، وَالْقَوْلُ فِي تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ كَالْقَوْلِ فِي تَخْصِيصِ الْمُسَمَّيَاتِ بِأَلْقَابِهَا فَقَوْلُ الْقَائِلِ زَيْدٌ يَشْبَعُ إذَا أَكَلَ كَقَوْلِهِ الْأَبْيَضُ اللَّوْنُ يَشْبَعُ إذْ لَا أَثَرَ لِلْبَيَاضِ فِيمَا ذَكَرَ كَمَا لَا أَثَرَ لِلتَّسْمِيَةِ بِزَيْدٍ فِيهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ: وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ ﵁ الصِّفَةَ وَلَمْ يَفْصِلْهَا وَاسْتَقَرَّ أَيْ عَلَى تَقْسِيمِهَا وَإِلْحَاقِ مَا لَا يُنَاسِبُ مِنْهَا بِاللَّقَبِ وَحَصَرَ الْمَفْهُومَ فِيمَا يُنَاسِبُ (قَوْلُهُ: فِي الْغَنَمِ الْعُفْرِ) فِي الصِّحَاحِ شَاةٌ عَفْرَاءُ أَيْ يَعْلُو بَيَاضَهَا حُمْرَةٌ (قَوْلُهُ: فَهِيَ فِي مَعْنَى اللَّقَبِ) لِعَدَمِ مُنَاسَبَةِ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: فَهِيَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ) فَلَهَا مَفْهُومٌ وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: وَلِكَوْنِ الْعِلَّةِ إلَخْ) اعْتِذَارٌ عَنْ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ نَقَلَ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إنْكَارَهُ مَفْهُومَ الصِّفَةِ. وَالثَّانِي نَقَلَ عَنْهُ الْقَوْلَ بِهِ وَكِلَا النَّقْلَيْنِ مَنْقُوصٌ بِأَنَّهُ إطْلَاقٌ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ الظَّاهِرِ) يَعْنِي أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الصِّفَةَ هِيَ النَّعْتُ وَبِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ لَفْظٌ مُقَيِّدٌ لِآخَرَ إلَخْ فَالْعِلَّةُ غَيْرُ الصِّفَةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَمِنْهَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي (قَوْلُهُ: خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْعِلَّةِ غَيْرَ الصِّفَةِ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شُمُولِ الصِّفَةِ لِلْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: أَطْلَقَ الْإِمَامُ) أَيْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِغَيْرِ الْمُنَاسِبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَةَ الَّتِي أَثْبَتَهَا عِلَّةٌ فِي الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ الصِّفَةِ الَّتِي لَا يُنَاسِبُ وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ صِفَةً لَا تُنَاسِبَ وَفِي نُسْخَةِ غَيْرِهِمَا أَيْ الصِّفَةِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ وَاللَّقَبِ (قَوْلُهُ: مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ (قَوْلُهُ: فَصَرَّحَ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (قَوْلُهُ: عَنْ الْبَاقِي) وَهُوَ الْحَالُ وَالْغَايَةُ وَضَمِيرُ الْفَصْلِ وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ لَكِنَّ الْأَخِيرَ صَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فَلَمْ يَسْكُتْ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَالْمَذْكُورِ) فَإِنَّ الْحَالَ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ الْمُنَاسِبِ وَغَيْرِهِ وَالْغَايَةُ فِي مَعْنَى الظَّرْفِ، فَإِنْ أَجَّرْتُك الدَّارَ إلَى آخِرِ هَذَا الشَّهْرِ بِكَذَا فِي مَعْنَى أَجَرْتُهَا بَقِيَّةَ هَذَا الشَّهْرِ وَفَصْلُ الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْخَبَرِ فِي مَعْنَى مَا وَإِلَّا (قَوْلُهُ: وَأَنْكَرَ قَوْمٌ الْعَدَدَ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَفْهُومُ الْعَدَدِ بَاطِلٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ: إنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ هُوَ الْعُمْدَةُ عِنْدَنَا فِي عَدَمِ تَنْقِيصِ الْحِجَارَةِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ فِي الثَّلَاثَةِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي

стр. 336

كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا بِقَرِينَةٍ أَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى حُجِّيَّتِهِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ (مَسْأَلَةُ الْغَايَةِ قِيلَ مَنْطُوقٌ) أَيْ بِالْإِشَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْأَذْهَانِ (وَالْحَقُّ) أَنَّهُ (مَفْهُومٌ) كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَبَادُرِ الشَّيْءِ إلَى الْأَذْهَانِ أَنْ يَكُونَ مَنْطُوقًا (يَتْلُوهُ) أَيْ الْغَايَةَ (الشَّرْطُ) إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ. وَفِي رُتْبَةِ الْغَايَةِ إنَّمَا فَسَيَأْتِي قَوْلٌ أَنَّهُ مَنْطُوقٌ أَيْ بِالْإِشَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ فَصْلُ الْمُبْتَدَأِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَرْتَبَةَ الْغَايَةِ تَلِي مَرْتَبَةَ لَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ (فَالصِّفَةُ الْمُنَاسِبَةُ) تَتْلُو الشَّرْطَ لِأَنَّ بَعْضَ الْقَائِلِينَ بِهِ خَالَفَ فِي الصِّفَةِ (فَمُطْلَقُ الصِّفَةِ) عَنْ الْمُنَاسَبَةِ (غَيْرُ الْعَدَدِ) مِنْ نَعْتٍ وَحَالٍ وَظَرْفٍ وَعِلَّةٍ غَيْرِ مُنَاسِبَاتٍ فَهِيَ سَوَاءٌ تَتْلُو الصِّفَةَ الْمُنَاسِبَةَ (فَالْعَدَدُ) يَتْلُو الْمَذْكُورَاتِ ــ [حاشية العطار] خِيَارِ الشَّرْطِ اهـ. وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَنْهُ وَعَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْعَدَدَ حُجَّةٌ (قَوْلُهُ: إلَّا بِقَرِينَةٍ) أَيْ فَتَكُونُ الدَّلَالَةُ حِينَئِذٍ لِتِلْكَ الْقَرِينَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) وَرَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ وَهُوَ يَدُلُّ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي كَوْنِهَا قِيَاسِيَّةً أَوْ لَفْظِيَّةً [مَسْأَلَةُ الْغَايَةِ قِيلَ مَنْطُوقٌ أَيْ بِالْإِشَارَةِ] (قَوْلُهُ: الْغَايَةُ) أَيْ مَدْلُولُهَا أَوْ حُكْمُهَا لَا مَفْهُومُهَا لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ قِيلَ مَنْطُوقٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْغَايَةَ صَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْمَدْلُولِ أَوْ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: أَيْ بِالْإِشَارَةِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْغَايَةِ مَوْضُوعٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا خِلَافُ مَا قَبْلَهَا وَهِيَ لَيْسَتْ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا فَلَا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ لِضَرُورَةِ تَفْهِيمِ الْكَلَامِ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إضْمَارِ ضِدِّ مَا قَبْلَهَا فَيُضْمَرُ فِي قَوْلِهِ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَتَحِلُّ وَالْمُضْمَرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَلْفُوظِ لَا يَنْسَاقُ ذِهْنُ الْعَارِفِ لَهُ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الْإِشَارَةِ لَا الْمَفْهُومِ كَذَا نَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَنْطُوقَ الْإِشَارِيَّ مِنْ أَقْسَامِ الصَّرِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ يَدُلُّ عَلَى الْمَدْلُولِ وَهَذَا غَيْرُ طَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَارَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارِيَّ ضِدُّهُ مِنْ أَقْسَامِ غَيْرِ الصَّرِيحِ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِاللُّزُومِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ الصِّدْقُ أَوْ الصِّحَّةُ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ مَا قِيلَ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي تَعْدَادِ الْمُصَنِّفِ الْمَفَاهِيمَ (قَوْلُهُ: أَيْ الْغَايَةَ) ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَدْلُولًا أَوْ مَفْهُومًا (قَوْلُهُ: إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ) فِيهِ أَنَّ عَدَمَ الْقَوْلِ بِذَلِكَ لَا يُوجِبُ أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ وَاعْتَرَضَ سم أَيْضًا بِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْغَايَةِ وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا فِي الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ وَالْكَلَامِ فِي الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ فِيهِ عَقْلِيًّا فَلَا يُقَاوِمُ الْمَنْطُوقَ نَعَمْ قَدْ يَكُون مَفْهُومُ مَعْنَى الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ شَرْطًا عَقْلِيًّا فَيَكُونُ اللُّزُومُ فِيهِ عَقْلِيًّا كَأَنْ يُقَالَ: إنْ أُحْيِيَ زَيْدٌ فَقَدْ عَقَلَ مَثَلًا وَحِينَئِذٍ لَا يَبْعُدُ تَقَدُّمُهُ عَلَى مَفْهُومِ الْغَايَةِ (قَوْلُهُ: فَسَيَأْتِي قَوْلُ إلَخْ) الْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الشَّرْطِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِإِنَّمَا وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الرُّتْبَةِ (قَوْلُهُ: فَصْلُ الْمُبْتَدَأِ) وَمِثْلُهُ طَرِيقُ الْحَصْرِ بِلَا فَصْلٍ بَلْ بِتَعْرِيفِ الْجُزْأَيْنِ أَوْ بِعُمُومِ الْأَوَّلِ وَخُصُوصِ الثَّانِي كَمَا فِي الْعَالِمُ زَيْدٌ وَزَيْدٌ الْعَالِمُ وَالْكَرَمُ فِي الْعَرَبِ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ (قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَرْتَبَةَ الْغَايَةِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِذَلِكَ دَفْعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْغَايَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَفَاهِيمِ وَحِينَئِذٍ فَكَوْنُ أَعْلَاهَا النَّفْيَ وَالِاسْتِثْنَاءَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَابِقًا بِقَوْلِهِ وَأَعْلَاهُ لَا عَالِمٌ إلَّا زَيْدٌ ثُمَّ تَلِيهِ الْغَايَةُ وَفَائِدَةُ هَذَا التَّرْتِيبِ تَظْهَرُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَإِذَا تَعَارَضَ مَفْهُومُ الْغَايَةِ وَالشَّرْطِ قُدِّمَ مَفْهُومُ الْغَايَةِ كَمَا فِي قَوْلِ الْمَنْهَجِ مَثَلًا وَحَرُمَ فِي فَرْضٍ ضَاقَ وَقْتُهُ إنْ جُعِلَ صِفَةً اقْتَضَى تَخْصِيصَ حُرْمَةِ الْقَطْعِ فِي الْفَرْضِ الَّذِي وَقْتُهُ ضَيِّقٌ فَيَخْتَصُّ بِالْمَغْرِبِ وَلَيْسَ مُرَادًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَيُّ وَقْتٍ كَانَ فَلِذَلِكَ زَاد الشَّارِحُ قَبْلَ قَوْلِهِ ضَاقَ لَفْظَةَ إنْ فَجَعَلَهُ مَفْهُومَ شَرْطٍ (قَوْلُهُ: تَتْلُو الشَّرْطَ) ذَكَرَهُ مَعَ صِحَّةِ الْمَعْنَى بِدُونِهِ لِيَذْكُرَ عِلَّتَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ بَعْضَ الْقَائِلِينَ بِهِ) كَأَبِي سُرَيْجٍ، فَإِنَّهُ قَالَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَلَمْ يَقُلْ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ (قَوْلُهُ: فَمُطْلَقُ الصِّفَةِ فِيهِ) تَجَوُّزٌ بِحَذْفِ الْمُضَافِ، وَالتَّقْدِيرُ فَبَاقِي مُطْلَقِ الصِّفَةِ أَوْ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلصِّفَةِ الْمُنَاسِبَةِ وَغَيْرِهَا وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمُنَاسِبَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ إذْ لَا مَعْنَى؛ لَأَنْ تَلِيَ الْمُنَاسِبَةُ الْمُنَاسِبَةَ فَيَلْزَمُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: غَيْرِ مُنَاسِبَاتٍ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفِيهِ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ أَنْ

стр. 337

لِإِنْكَارِ قَوْمٍ لَهُ دُونَهَا كَمَا تَقَدَّمَ (فَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ) آخِرُ الْمَفَاهِيمِ (لِدَعْوَى الْبَيَانِيِّينَ) فِي فَنِّ الْمَعَانِي (أَفَادَتْهُ الِاخْتِصَاصَ) أَخْذًا مِنْ مَوَارِدِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ (وَخَالَفَهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَبُو حَيَّانَ) فِي ذَلِكَ (الِاخْتِصَاصِ) الْمُفَادِ (الْحَصْرُ) الْمُشْتَمِلُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ (خِلَافًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ) وَالِدِ الْمُصَنِّفِ (حَيْثُ أَثْبَتَهُ وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ الْحَصْرَ) وَإِنَّمَا هُوَ قَصْدُ الْخَاصِّ مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ فَإِنَّ الْخَاصَّ كَضَرْبِ زَيْدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُطْلَقِ الضَّرْبِ قَدْ يُقْصَدُ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ فَيَأْتِي بِأَلْفَاظِهِ فِي مَرَاتِبِهَا. وَقَدْ يُقْصَدُ مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ ــ [حاشية العطار] تَكُونَ مُنَاسِبَةً وَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ الْعِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْكَلَامُ فِي الْعِلَّةِ اللُّغَوِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِإِنْكَارِ قَوْمٍ) ، فَإِنَّ بَعْضَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ يُنْكِرُ مَفْهُومَ الْعَدَدِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ هُنَاكَ مَنْ أَنْكَرَ الْكُلَّ كَأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ (قَوْلُهُ: لِدَعْوَى الْبَيَانِيِّينَ) عِلَّةٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ فَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ مِنْ إثْبَاتِ مَفْهُومِ تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ لَا لِتَرَتُّبِهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُ كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْعِبَارَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ مَوَارِدِ الْكَلَامِ) حَالٌ مِنْ دَعْوَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا الْبُلَغَاءَ إذَا أَرَادُوا الْحَصْرَ قَدَّمُوا الْمَعْمُولَ (قَوْلُهُ: وَخَالَفَهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَبُو حَيَّانَ) احْتَجَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ التَّقْدِيمُ فِي نَحْوِ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ عَلَى الْحَصْرِ لَدَلَّ التَّأْخِيرُ فِي نَحْوِ فَاعْبُدْ اللَّهَ عَلَى عَدَمِ الْحَصْرِ لِكَوْنِهِ نَقِيضَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَقِيضَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَصْرِ هَاهُنَا عَدَمُ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ إفَادَةِ الْحَصْرِ إفَادَةُ نَفْيِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ وَنَقَلَ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الَّذِي شَأْنُهُ أَهَمُّ وَهُمْ بِبَيَانِهِ أَعْنَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاهْتِمَامَ لَا يُنَافِي الِاخْتِصَاصَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِهِ نَفْيُ الِاخْتِصَاصِ نَعَمْ الِاخْتِصَاصُ لَازِمٌ لِتَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ غَالِبًا فَقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ وَالتَّبَرُّكِ وَالتَّلَذُّذِ بِذِكْرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ فِي إفَادَةِ التَّقْدِيمِ الِاخْتِصَاصُ خِلَافًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّقْدِيمَ يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الِاخْتِصَاصِ الَّذِي أَفَادَهُ التَّقْدِيمُ هَلْ هُوَ الْحَصْرُ أَوْ الِاهْتِمَامُ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيمَ مُفِيدٌ الِاخْتِصَاصَ، وَاخْتُلِفَ فِي الِاخْتِصَاصِ الْمُفَادِ مَا هُوَ فَقَالَ الْبَيَانِيُّونَ: هُوَ الْحَصْرُ وَخَالَفَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَبُو حَيَّانِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالِاخْتِصَاصُ الْحَصْرُ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَالْحَصْرُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ فَهُوَ مُرَكَّبٌ وَجُزْؤُهُ الْإِثْبَاتِيُّ مَنْطُوقٌ وَالسَّلْبِيُّ مَفْهُومٌ وَالْكَلَامُ الْآنَ فِيهِ فَلِذَلِكَ تَعَرَّضَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ إلَخْ وَهُوَ مِنْ اشْتِمَالِ الْكُلِّ عَلَى أَحَدِ جُزْأَيْهِ (قَوْلُهُ: كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ دَعْوَى الْبَيَانِيِّينَ (قَوْلُهُ: لَيْسَ الْحَصْرَ) أَيْ لَيْسَ الِاخْتِصَاصُ الْحَصْرَ فَالْحَصْرُ مَنْصُوبُ خَبَرِ لَيْسَ وَاسْمُهَا ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ بَلْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ لِشَيْءٍ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ وَالِاخْتِصَاصُ إعْطَاءُ الْحُكْمِ لِلشَّيْءِ وَالسُّكُوتُ عَمَّا عَدَاهُ فَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ إنَّمَا يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ لَا غَيْرُ، وَإِنَّ اُسْتُفِيدَ النَّفْيُ فَمِنْ دَلِيلٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: قَصْدُ الْخَاصِّ إلَخْ) أَيْ أَنَّ الْخَاصَّ لَهُ جِهَتَانِ: جِهَةُ خُصُوصٍ وَجِهَةُ عُمُومٍ مِثَالُ الْخَاصِّ ضَرَبَ زَيْدٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُطْلَقِ الضَّرْبِ الصَّادِرِ مِنْ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ فَهَذَا الْخَاصُّ قَدْ يُقْصَدُ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ خُصُوصِهِ بِأَنْ لَا يُقْصَدَ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُهُ عَلَى مُعَيَّنٍ كَعَمْرٍو فَيُؤْتَى بِأَلْفَاظِهِ مِنْ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فِي مَرَاتِبِهَا بِأَنْ يُقَدَّمَ الْفِعْلُ فَالْفَاعِلُ فَالْمَفْعُولُ، وَقَدْ يُقْصَدُ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ أَيْ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُهُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَيُقَدَّمُ الْمَفْعُولُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الْقَصْدِ لَا لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ (قَوْلُهُ: كَضَرْبِ زَيْدٍ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ كَزَيْدًا ضَرَبْت (قَوْلُهُ: لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ) أَيْ وُقُوعِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْمَعْمُولِ حِينَئِذٍ لِكَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْحُكْمِ

стр. 338

كَالْخُصُوصِ بِالْمَفْعُولِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ فَيُقَدَّمُ لَفْظُهُ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ نَحْوُ زَيْدًا ضَرَبْت فَلَيْسَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ مَا فِي الْحَصْرِ مِنْ نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِ وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] لِلْعِلْمِ بِأَنَّ قَائِلِيهِ أَيْ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمَامِ وَقَدْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ الْحَصْرُ لِخَارِجٍ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَأَشَارَ إلَيْهِ هُنَا بِقَوْلِهِ لِدَعْوَى الْبَيَانِيِّينَ (مَسْأَلَةُ إنَّمَا) بِالْكَسْرِ قَالَ الْآمِدِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ (لَا تُفِيدُ الْحَصْرَ) لِأَنَّهَا إنَّ الْمُؤَكِّدَةُ وَمَا الزَّائِدَةُ الْكَافَّةُ فَلَا تُفِيدُ النَّفْيَ الْمُشْتَمِلَ عَلَيْهِ الْحَصْرُ وَعَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» إذْ رِبَا الْفَضْلِ ثَابِتٌ إجْمَاعًا وَإِنْ تَقَدَّمَهُ خِلَافٌ وَاسْتِفَادَةُ النَّفْيِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ خَارِجٍ كَمَا فِي ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] فَإِنْ سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي اعْتِقَادِهِمْ إلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ (وَ) قَالَ الشَّيْخُ (أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَ) صَاحِبُهُ أَبُو الْحَسَنِ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَمَعْنَاهُ فِي لُغَةِ الْفُرْسِ الْكَبِيرُ (وَالْإِمَامُ) الرَّازِيّ (تُفِيدُ) الْحَصْرَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِ نَحْوُ إنَّمَا قَامَ زَيْدٌ أَيْ لَا عَمْرٌو أَوْ نَفْيِ غَيْرِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَذْكُورِ نَحْوُ إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ أَيْ لَا قَاعِدٌ (فَمَهْمَا وَقِيلَ نُطْقًا) أَيْ بِالْإِشَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ لِتَبَادُرِ الْحَصْرِ إلَى الْأَذْهَانِ مِنْهَا وَإِنْ عُورِضَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِمَا هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الرِّبَا السَّابِقِ وَلَا بَعْدُ فِي إفَادَةِ الْمُرَكَّبِ مَا لَمْ تُفِدْهُ أَجْزَاؤُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ بِإِنَّمَا ــ [حاشية العطار] لَا لِكَوْنِ الْحُكْمِ خَاصًّا بِهِ (قَوْلُهُ: كَالْخُصُوصِ بِالْمَفْعُولِ) أَيْ اخْتِصَاصِهِ بِهِ أَيْ وُقُوعِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ (قَوْلُهُ: لِإِفَادَةِ ذَلِكَ) أَيْ الْقَصْدِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ فِي الِاخْتِصَاصِ) أَيْ بَلْ نَفْيُ الْحُكْمِ فِيهِ سُكُوتٌ عَنْهُ وَفِي الْحَصْرِ مُتَعَرِّضٌ لَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ (قَوْلُهُ: وَحَاصِلُهُ) أَيْ حَاصِلُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْفَلَكِ الدَّائِرِ، فَإِنَّهُ قَالَ الْحَقُّ: إنَّ تَقْدِيمَ الْمَعْمُولِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَيْ الْحَصْرِ إلَّا بِالْقَرَائِنِ فَقَدْ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ نَحْوُ ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ، فَإِنَّ حَوَّاءَ كَذَلِكَ اهـ. وَعَلَى ذِكْرِ آدَمَ وَحَوَّاءَ تَذَكَّرْت قَوْلَ الْقَائِلِ مَنْ كَانَ آدَم جَمَلًا فِي سِنِّهِ ... هَجَرَتْهُ حَوَّا السِّنِينَ مِنْ الدَّمَا يَعْنِي مَنْ كَانَ سِنُّهُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُرْضِيهِ بِنْتُ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً مِنْ النِّسَاءِ (قَوْلُهُ: لِلِاهْتِمَامِ إلَخْ) لَا يُنَافِيهِ جَعْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ الِاهْتِمَامَ عِلَّةً لِقَصْدِ الْخُصُوصِ إذْ قَدْ جُعِلَ هُنَا عِلَّةً لِلتَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِاعْتِبَارِ مُحَصَّلِ الْكَلَامِ وَمَآلِهِ وَعِلَّةُ عِلَّةِ الشَّيْءِ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ دَعْوَى يُفِيدُ أَنَّ الْأَحْسَنَ خِلَافُهُ لَكِنَّ قَوْلَهُ سَابِقًا وَالِاخْتِصَاصُ الْحَصْرُ خِلَافًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي مُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ [مَسْأَلَةُ إنَّمَا بِالْكَسْرِ قَالَ الْآمِدِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ لَا تُفِيدُ الْحَصْرَ] (قَوْلُهُ: مِنْ جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ) إذْ تَقَدَّمَ عَنْهُ إنْكَارُ الْكُلِّ (قَوْلُهُ: لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ) أَيْ النَّفْيَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَصْرُ وَإِلَّا فَإِفَادَتُهُمَا الثُّبُوتَ أَمْرٌ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: الْكَافَّةُ) لِكَفِّهَا إنَّ عَنْ الْعَمَلِ وَيُقَالُ مُهَيِّئَةً؛ لِأَنَّهَا هَيَّأَتْهَا لِلدُّخُولِ عَلَى الْأَفْعَالِ (قَوْلُهُ: الْمُشْتَمِلَ) صِفَةٌ لِلنَّفْيِ وَهُوَ مِنْ اشْتِمَالِ الْكُلِّ عَلَى أَحَدِ جُزْأَيْهِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَدَمِ إفَادَتِهَا الْحَصْرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْحَصْرُ إضَافِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ (قَوْلُهُ: ثَابِتٌ) أَيْ بِالرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَقَدَّمَهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ وَتَقَدُّمُ الْخِلَافِ عَلَيْهِ لَا يَقْدَحُ فِيهِ فَقَدْ رَجَعَ الْمُخَالِفُ كَابْنِ عَبَّاسٍ إلَى الْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: وَصَاحِبُهُ) أَيْ فِي الْأَخْذِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ (قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ) كَذَا لِلْإِسْنَوِيِّ وَضَبَطَهُ الْكُورَانِيُّ بِفَتْحِهَا؛ لِأَنَّ كِيَا مَعْنَاهُ الْعَظِيمُ وَأَلْ حَرْفُ تَعْرِيفٍ وَهَمْزَتُهَا بِالْفَتْحِ؛ لِأَنَّهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ وَنَظَرَ فِيهِ سم بِأَنَّ ذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَلُغَةُ الْعَجَمِ لَا تُوَافِقُ تَصْرِيفَاتِ الْعَرَبِ (قَوْلُهُ: عَنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِ) أَيْ فَيَكُونُ مِنْ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ، وَقَوْلُهُ أَوْ نَفْيِ غَيْرِ الْحُكْمِ إلَخْ فَيَكُونُ مِنْ قَصْرِ الْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ (قَوْلُهُ: فَهْمًا وَقِيلَ نُطْقًا) حَالَانِ مِنْ

стр. 339

كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ وَلَا مَنْطُوقٌ (وَ) أَنَّمَا (بِالْفَتْحِ الْأَصَحُّ أَنَّ حَرْفَ أَنَّ فِيهَا) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ إنَّ. (فَرْعٌ) إنَّ (الْمَكْسُورَةُ) فَهِيَ الْأَصْلُ لِاسْتِغْنَائِهَا بِمَعْمُولَيْهَا فِي الْإِفَادَةِ بِخِلَافِ الْمَفْتُوحَةِ لِأَنَّهَا مَعَ مَعْمُولَيْهَا بِمَنْزِلَةِ مُفْرَدٍ وَقِيلَ الْمَفْتُوحَةُ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ أَصْلٌ لِأَنَّ لَهُ مَحَالَّ يَقَعُ فِيهَا دُونَ الْآخَرِ (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا وَهُوَ أَنَّ الْمَفْتُوحَةَ فَرْعُ الْمَكْسُورَةِ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اللَّازِمِ لَهُ فَرْعِيَّةٌ أَنَّمَا بِالْفَتْحِ لِإِنَّمَا بِالْكَسْرِ (ادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ) فِي تَفْسِيرِ ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فِيهِ (إفَادَتُهَا) أَيْ إفَادَةُ أَنَّمَا بِالْفَتْحِ (الْحَصْرَ) كَإِنَّمَا بِالْكَسْرِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلْأَصْلِ يَثْبُتُ لِلْفَرْعِ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ وَالْأَصْلُ انْتِفَاؤُهُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا الْمَأْخَذِ قُوَّةُ كَلَامِهِ تُشِيرُ إلَيْهِ وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا مَا قَالَهُ إنَّ الْوَحْيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ فِي أَمْرِ الْإِلَهِ مَقْصُورٌ ــ [حاشية العطار] مَفْعُولٍ تُفِيدُ الْمَحْذُوفَ الَّذِي هُوَ الْحَصْرُ وَقَوْلُهُ لِتَبَادُرِ إلَخْ عِلَّةٌ نُطْقًا وَهَلْ هَذَا مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ أَوْ لَا الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّ عُورِضَ إلَخْ) أَيْ فَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ إفَادَةِ النَّفْيِ عَنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِ لِأَمْرٍ عَارَضَهُ وَهُوَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» (قَوْلُهُ: بِمَا هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ) أَيْ بِدَلِيلٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَنْطُوقًا صَرِيحًا (قَوْلُهُ: وَلَا بَعْدُ إلَخْ) رَدٌّ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا إنَّ الْمُؤَكَّدَةُ إلَخْ (قَوْلُهُ: مَعَ قَوْلِهِ بِإِنَّمَا) أَيْ بِكَوْنِهَا تُفِيدُ الْحَصْرَ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي الْكَلَامِ عَلَى إنْكَارِهِ صِفَةً لَا تُنَاسِبُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ إلَخْ) يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ الْغَايَةُ فِي قَوْلِهِ فَصَرَّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: حَرْفُ أَنْ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْفَرْعِيَّةَ لِمُطْلَقِ إنَّ لَا الْمُرَكَّبَةِ مَعَ مَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَرْعُ إنَّ الْمَكْسُورَةِ وَأَنَّ الْفَرْعِيَّةُ لِلْمُرَكَّبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ الْمُطْلَقَةِ (قَوْلُهُ: بِمَنْزِلَةِ مُفْرَدٍ) فَلَا تُسْتَغْنَى فِي الْإِفَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ لَا يُفِيدُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ كُلُّ أَصْلٍ) إنَّمَا نُكِّرَ الْأَصْلُ فِي هَذَا لِعَدَمِ إرَادَةِ الْحَصْرِ بِخِلَافِ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَا مَحَالَّ) أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الْمَكْسُورَةِ وَالْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ إنَّ هَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ لَهُمَا مَحَالَّ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: لِأَنَّ مَحَالَّ كُلٍّ لَا يَقَعُ فِيهِ الْآخَرُ (قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ أَجْلِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مِنْ لِلتَّعْلِيلِ وَأَنَّ الْإِشَارَةَ لِلْبَعِيدِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا (قَوْلُهُ: اللَّازِمُ لَهُ) جَعْلُهُ أَنَّ بِالْفَتْحِ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَرْعُ إنَّ بِالْكَسْرِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَحْوَجُهُ لِدَعْوَى الِاسْتِلْزَامِ وَلَوْ حُمِلَ الْمَتْنُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ كَوْنِ أَنَّ بِالْفَتْحِ فِي إنَّمَا فَرْعُ إنَّ بِالْكَسْرِ فِي إنَّمَا لَاسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الْمَأْخَذُ حَقِيقَةً هَذَا مَا اعْتَرَضَ بِهِ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ فَرْعِيَّةَ أَنَّ بِالْفَتْحِ فِي إنَّمَا بِالْكَسْرِ فِي إنَّمَا يُجِيزُ فَرْعِيَّةَ مَجْمُوعِ إنَّمَا بِالْفَتْحِ لِمَجْمُوعِ إنَّمَا بِالْكَسْرِ إذْ فَرْعِيَّةُ جُزْءِ أَحَدِ الْكَلِمَتَيْنِ بِجُزْءِ الْأُخْرَى غَيْرُ فَرْعِيَّةِ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ لِلْأُخْرَى فَلَا بُدَّ فِي بَيَانِ كَوْنِ مَا ذَكَرَهُ مَنْشَأً لِمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ بَيَانِ اسْتِلْزَامِ الْفَرْعِيَّةِ الْأُولَى لِلْفَرْعِيَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَنْشَأُ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ اهـ. وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ انْتِفَاؤُهُ) أَيْ الْمُعَارِضِ (قَوْلُهُ: بِهَذَا الْمَأْخَذِ) وَهُوَ كَوْنُ الْمَفْتُوحَةِ فَرْعَ الْمَكْسُورَةِ اللَّازِمِ لَهُ مَا تَقَدَّمَ الْمَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ ثَمَّ فَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: قُوَّةُ كَلَامِهِ) ، فَإِنَّهُ قَالَ إنَّمَا لِقَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى الشَّيْءِ أَوْ لِقَصْرِ الشَّيْءِ عَلَى حُكْمٍ كَقَوْلِك إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ وَإِنَّمَا يَقُومُ زَيْدٌ، وَقَدْ اجْتَمَعَ الْمِثَالَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] مَعَ فَاعِلِهِ بِمَنْزِلَةِ إنَّمَا يَقُومُ زَيْدٌ ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] بِمَنْزِلَةِ إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ اهـ. فَنِسْبَةُ الْقَصْرَيْنِ إلَى إنَّمَا بِالْكَسْرِ وَجَعْلُ ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] هُوَ الْوَحْدَانِيَّةُ مِثَالًا لِلثَّانِي ظَاهِرٌ فِي الْفَرْعِيَّةِ وَإِلَّا لَمَا صَحَّ التَّمْثِيلُ بِالْمَفْتُوحَةِ لِلْمَكْسُورَةِ قَالَهُ النَّجَّارِيُّ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْوَحْيَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: فِي أَمْرِ الْإِلَهِ) أَيْ لَا فِي غَيْرِهِ كَالْأَحْكَامِ وَالْمَوَاعِظِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرُ مَا يُوحِي إلَيْهِ فِي

стр. 340

عَلَى اسْتِئْثَارِ اللَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَيْ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ كَغَيْرِهِ مُتَعَدِّدًا كَمَا عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُونَ وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ﴾ [الحديد: ٢٠] أَرَادَ أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إلَّا هَذِهِ الْأُمُورُ الْمُحَقَّرَاتُ أَيْ وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ وَالْقُرَبُ فَمِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ لِظُهُورِ ثَمَرَتِهَا فِيهَا. وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ إفَادَتَهَا الْحَصْرَ عَنْ التَّوَخِّيِّ أَيْضًا فِي الْأَقْصَى الْقَرِيبِ وَفِي قَوْلِهِ كَابْنِ هِشَامٍ ادَّعَى إشَارَةً إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ بَقَاءِ إنَّ فِيهَا عَلَى مَصْدَرِيَّتِهَا مَعَ كَفِّهَا بِمَا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ فِيمَا عَلِمْت اكْتِفَاءً بِكَوْنِهَا فِيهَا مِنْ أَفْرَاد إنَّ وَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ الْأُولَى مَا يُوحَى إلَيَّ فِي أَمْرِ الْإِلَهُ إلَّا وَحْدَانِيَّتَهُ أَيْ لَا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ اشْتِرَاكٍ، وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ اعْلَمُوا حَقَارَةَ الدُّنْيَا أَيْ فَلَا تُؤْثِرُوهَا عَلَى الْآخِرَةِ الْجَلِيلَةِ فَبَقَاءُ إنَّ فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ كَافٍ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِمَا مِنْ نَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْقِيرِ الدُّنْيَا (مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَلْطَافِ) : جَمْعُ لَطَفٍ بِمَعْنَى مَلْطُوفٍ ــ [حاشية العطار] أَمْرِ الْإِلَهِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْإِلَهِ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّعَدُّدِ فَقَطْ فَالْقَصْر بِإِنَّمَا مَكْسُورَةٌ إضَافِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ (قَوْلُهُ: عَلَى اسْتِيثَارِ) أَيْ اخْتِصَاصِ اللَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَهَذَا مِنْ أَنَّمَا الْمَفْتُوحَةِ فَالْمَقْصُورُ هُوَ الْوَحْدَانِيَّةُ وَالْمَقْصُورُ عَلَيْهِ هُوَ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَهُوَ قَصْرُ أَفْرَادٍ رَدًّا عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ الشَّرِكَةَ وَفِيهِ أَنَّ اعْتِقَادَ الشَّرِكَةِ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ تُدَافَعُ إذْ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا اعْتِقَادٌ، فَإِنَّهَا نَفْيُ التَّعَدُّدِ فَلَا يَتَأَتَّى الرَّدُّ إذْ مَتَى مَا حَصَلَ إشْرَاكٌ وَلَا وَحْدَانِيَّةٌ كَذَا أَوْرَدَ النَّاصِرُ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَحْصُورُ إلَهَكُمْ وَهُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ وَالْمَحْصُورُ فِيهِ إلَهٌ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اللَّهِ. وَأَجَابَ النَّجَّارِيُّ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ قَصْرِ الْقَلْبِ وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَلَى اللَّهِ لَا يُوصَفُ بِهَا غَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُخَاطَبِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا قَصْرَ الْوَحْدَانِيَّةِ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِمْ بِقَصْرِ الْقَلْبِ. وَقَالَ سم: إنَّهُ مِنْ قَصْرِ الْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِلَهَ وَهُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ مَقْصُورٌ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ لَا يَتَجَاوَزُهَا إلَى التَّعَدُّدِ كَمَا قَالَ الْمُخَاطَبُونَ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ لَا يَتَجَاوَزُهُ قَالَ وَمَا قَالَهُ النَّاصِرُ خِلَافُ قَاعِدَةِ الْحَصْرِ بِإِنَّمَا، فَإِنَّهَا لِقَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْمَقْصُورُ عَلَيْهِ، وَجَعْلُ الْوَصْفِ كِنَايَةً عَنْ الْعِلْمِ بَعِيدٌ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ الشَّارِحِ اسْتِيثَارُ اللَّهِ الْوَحْدَانِيَّةَ، فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ نَعَمْ جَعْلُ الْوَصْفِ كِنَايَةً عَنْ الْعِلْمِ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ؛ لِأَنَّهُ مَحْوٌ لِخَوَاصِّ الْأَلْفَاظِ وَتَصَرُّفٌ فِي التَّرَاكِيبِ بِمَا لَا يُسَوِّغُهُ أَرْبَابُ الْمَعَانِي (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَتَجَاوَزُهُ) أَيْ لَا يَتَجَاوَزُ الْوَحْيُ الِاسْتِئْثَارَ وَدَفَعَ بِهَذَا مَا أَوْرَدَهُ أَبُو حَيَّانَ عَلَى الزَّمَخْشَرِيِّ بِأَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَمْرِ الْإِلَهِ سِوَى التَّوْحِيدِ مَعَ أَنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ فِي شَأْنِ الْإِلَهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْإِيرَادَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي الْآيَةِ حَقِيقِيٌّ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ إضَافِيٌّ (قَوْلُهُ: كَمَا عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُونَ) فِيهِ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ لَا يَقُولُونَ بِالْوَحْيِ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ تَنْزِيلِ الْمُنَكَّرِ مَنْزِلَةَ غَيْرِ الْمُنَكَّرِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَا أَنَّ تَأَمُّلَهُ ارْتَدَعَ عَنْ إنْكَارِهِ وَلَمَّا تَقَوَّى ذَلِكَ بِالْبَرَاهِينِ صَارَ إنْكَارُهُمْ كَالْعَدَمِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ) أَيْ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [محمد: ٣٦] فَالْقَصْرُ فِيهِ مِنْ قَصْرِ الْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ (قَوْلُهُ: أَرَادَ أَنَّ الدُّنْيَا) مَقُولُ الْقَوْلِ (قَوْلُهُ: فِي الْأَقْصَى الْقَرِيبِ) اسْمُ كِتَابٍ وَلَا تَنَافِي فِي كَوْنِهِ أَقْصَى وَقَرِيبًا إذْ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ اسْتِيعَابِ الْأَحْكَامِ وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ سُهُولَةِ الْمَأْخَذِ مِنْ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَصْدَرِيَّتِهَا) أَيْ عَلَى مُجَرَّدِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَالْمَصْدَرِيَّةُ لَا تُنَافِي الْحَصْرَ (قَوْلُهُ: فِيمَا عَلِمْته) قَالَ ذَلِكَ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَبَا حَيَّانَ صَرَّحَ بِهِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ تَصْرِيحُ الْمُتَقَدِّمِينَ (قَوْلُهُ: اعْلَمُوا حَقَارَةَ الدُّنْيَا) هَذَا الْحَلُّ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَعْنَى وَلَا يَقْتَضِيهِ السَّبْكُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ خَبَرُ اسْمِ إنَّ جَامِدًا أُضِيفَ إلَيْهِ الْكَوْنُ فَيُقَالُ هُنَا اعْلَمُوا كَوْنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إلَخْ (قَوْلُهُ: كَافٍ) إلَى أَنَّ الْحَصْرَ أَبْلَغُ [مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَلْطَافِ حُدُوثُ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ] (قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَلْطَافِ إلَخْ) : هَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ تَرْجَمَةٌ لِمَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مَلْطُوفٍ) إنَّمَا أُوِّلَ الْمَصْدَرُ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ لِيَصِحَّ الْإِخْبَارُ بِقَوْلِهِ حُدُودٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا كَانَ الْمُنَاسِبُ إحْدَاثَ) ؛ لِأَنَّ اللَّطَفَ صِفَةُ فِعْلٍ أَوْ صِفَةُ ذَاتٍ بِمَعْنَى

стр. 341

أَيْ مِنْ الْأُمُورِ الْمَلْطُوفِ بِالنَّاسِ بِهَا (حُدُوثُ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ) بِإِحْدَاثِهِ تَعَالَى وَإِنْ قِيلَ وَاضِعُهَا غَيْرُهُ مِنْ الْعِبَادِ لِأَنَّهُ الْخَالِقُ لِأَفْعَالِهِمْ (لِيُعَبِّرَ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لَيُعَبِّرَ كُلٌّ مِنْ النَّاسِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ لِغَيْرِهِ حَتَّى يُعَاوِنَهُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِهِ (وَمَرَّ) فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا فِي الضَّمِيرِ (أَفْيَدُ مِنْ الْإِشَارَةِ وَالْمِثَالِ) أَيْ الشَّكْلُ لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ وَهُمَا يَخُصَّانِ الْمَوْجُودَ الْمَحْسُوسَ (وَأَيْسَرُ) مِنْهُمَا أَيْضًا لِمُوَافَقَتِهَا لِلْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ دُونَهُمَا بِأَنَّهَا كَيْفِيَّاتٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ الضَّرُورِيَّ ــ [حاشية العطار] إيصَالِ الْإِحْسَانِ إلَى الْعَبْدِ أَوْ إرَادَةِ ذَلِكَ الْحُدُوثِ وَلَيْسَ الْحُدُوثُ بَعْضًا مِنْهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِمَعْنًى مَلْطُوفٍ بِهِ بِحَيْثُ يَأْتِي بِالْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اللَّفْظُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيَانُ الْمَعْنَى فَلَا يُقَالُ إنَّ فِيهِ حَذْفَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَهُوَ كَأَصْلِهِ مُمْتَنِعُ الْحَذْفِ (قَوْلُهُ: بِهَا) أَيْ بِسَبَبِهَا بِمَعْنَى أَنَّهَا سَبَبٌ لِحُصُولِ أَثَرِ اللَّطَفِ وَهُوَ إفْهَامُ مَا فِي النَّفْسِ بِالْأَلْفَاظِ، فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى حُدُوثِ الْمَوْضُوعَاتِ تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ اللَّطَفَ لَازِمٌ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ بِالْبَاءِ هِيَ فِي الْأَوَّلِ لِمُجَرَّدِ التَّعْدِيَةِ وَفِي الثَّانِي لَهَا مَعَ السَّبَبِيَّةِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ لَا يَتَعَدَّى إلَى اثْنَيْنِ بِحَرْفَيْنِ مُتَّحِدِي الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ) خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُنَا مُطْلَقَ اللُّغَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يَحْتَاجُ إلَى لُغَتِهِ أَوْ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ وَغَيْرَهَا وَالْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ الْآتِي أَعْنِي قَوْلَهُ وَهِيَ الْأَلْفَاظُ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِإِحْدَاثِهِ تَعَالَى) تَحْقِيقٌ لِلْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الْحُدُوثَ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِحْدَاثِهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْخَالِقُ لِأَفْعَالِهِمْ) أَيْ وَمِنْهَا الْوَضْعُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْمَوْضُوعَاتِ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَوْضُوعَاتٌ، فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِالْعِلِّيَّةِ فَانْدَفَعَ قَوْلُ النَّاصِرِ لَا يَلْزَمُ مِنْ خَلْقِ الْأَلْفَاظِ الْوَضْعُ، فَإِنَّهُ لَا يَرِدُ إلَّا لَوْ أُرِيدَ بِالْأَفْعَالِ الْأَلْفَاظُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا (قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ) فَيَكُونُ الْفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ (قَوْلُهُ: مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى كُلٍّ وَضَمِيرُ إلَيْهِ يَرْجِعُ إلَى مَا وَضَمِيرُ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ يَرْجِعُ إلَى كُلٍّ أَيْضًا، وَكَذَا الضَّمِيرُ فِي لِغَيْرِهِ وَأُتِيَ بِالْمَعْمُولِ عَامًّا؛ لِأَنَّ حَذْفَهُ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ أَيْ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْغَيْرِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْمَوْضُوعَاتُ اللُّغَوِيَّةُ أَيْ دَلَالَتُهَا وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ فِي الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: أَفْيَدُ) مَصُوغٌ مِنْ فَادَ الثُّلَاثِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فَادَتْ لَهُ فَائِدَةٌ بِمَعْنَى حَصَلَتْ أَوْ مِنْ أَفَادَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ سم أَنَّ فِي أَخْذِ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ مِنْ الرُّبَاعِيِّ الْمَصْدَرِ بِالْهَمْزَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الْمَوْضُوعَاتِ أَيْ دَلَالَتُهَا (قَوْلُهُ: وَهُمَا يَخُصَّانِ إلَخْ) وَأَيْضًا يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ أَنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِثَالًا يُطَابِقُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْثِلَةَ الْمُجَسَّمَةَ كَمَا يَجْعَلُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ لَا نَفْيَ بِالْمَعْدُومَاتِ وَالْمُخَطَّطَةِ كَانَ يَنْقُشُ صُورَةَ الْفَرَسِ عَلَى جِدَارٍ كَذَلِكَ وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ شُمُولِ الْمِثَالِ وَالشَّكْلِ لِلْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخُصُّ الْمَوْجُودَ الْمَحْسُوسَ بَلْ تَشْمَلُ الْمَعْدُومَ أَيْضًا لَكِنَّ الْأَلْفَاظَ أَيْسَرُ مِنْهَا وَكَانَ وَجْهُ تَرْكِ الْمُصَنِّفُ لَهَا أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْأَلْفَاظِ فَهِيَ مِنْ تَوَابِعِهَا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا كَيْفِيَّاتٌ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّوْتَ كَيْفِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْهَوَاءِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْحُكَمَاءِ وَفِي الطَّوَالِعِ أَنَّ الْحُرُوفَ كَيْفِيَّاتٌ عَارِضَةٌ لِلْأَصْوَاتِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الشِّفَاءِ وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ الْحُكَمَاءِ فَكَيْفَ جَعَلَهَا هُنَا كَيْفِيَّةً لِلنَّفْسِ وَهُوَ لَيْسَ بِصَوْتٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَرْفَ عَارِضٌ لِلصَّوْتِ وَهُوَ لِلنَّفْسِ وَالْعَارِضُ لِلْعَارِضِ عَارِضٌ وَفِيهِ قِيَامُ الْعَارِضِ بِالْعَرَضِ وَالْحُكَمَاءُ

стр. 342

(وَهِيَ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي) خَرَجَ الْأَلْفَاظُ الْمُهْمَلَةُ ــ [حاشية العطار] يُجَوِّزُونَهُ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي حَوَاشِينَا عَلَى الْمَقُولَاتِ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ الْأَلْفَاظُ إلَخْ) دَخَلَ فِيهَا الْأَلْفَاظُ الْمُقَدَّرَةُ كَالضَّمَائِرِ الْمُسْتَتِرَةِ وَخَرَجَتْ الدَّوَالُّ الْأَرْبَعُ ثُمَّ إنَّهُ جَمَعَ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى وِزَانِ الْجَمْعِ فِي الْمُعَرَّفِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ لِلْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِأَلْ يُفِيدُ الْعُمُومَ وَمَدْلُولُ الْعَامِّ كُلِّيَّةً لَا يُنَافِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ دَالٌّ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ اللُّغَةِ فَسَاوَى قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ اللُّغَةُ كُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى انْدَفَعَ قَوْلُ النَّاصِرِ: إنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّ اللُّغَةَ تُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الْوَاحِدِ الدَّالِّ عَلَى مَعْنًى بِخِلَافِ تَعْرِيفِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأُورِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ أَنَّ فِيهِ تَجْدِيدَ الْجَمْعِ وَالْحَدُّ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَاهِيَّةِ. وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهَا مُفْرَدٌ وَأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْحَدِّ عَنْ الْحُكْمِ بِأَيُّهَا أَفْيَدُ وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ حَدٌّ لِلْمَاهِيَّةِ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهَا فِي ضِمْنِ الْأَفْرَادِ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ بَلْ هُوَ حَدٌّ لَفْظِيٌّ لِلْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ فِي قَوْلِك مَثَلًا الْمَوْضُوعَاتُ اللُّغَوِيَّةُ تَوْقِيفِيَّةٌ فَالسَّامِعُ عَرَّفَ الْمَوْضُوعَاتِ بِوَجْهٍ مَا وَيُعَرِّفُ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى الْمَعَانِي وَلَكِنْ يَجْهَلُ التَّطْبِيقَ بَيْنَهُمَا فَهَذَا الْحَدُّ يُفِيدُهُ مَا كَانَ يَجْهَلُهُ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي إذْ الْغَرَضُ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا بِوَجْهٍ مَا، وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَيْضًا شُمُولَ تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ الْمَجَازَ وَالْكِنَايَةَ وَالْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعُرْفِيَّةَ وَفِي صِدْقِ الْمَحْدُودِ عَلَيْهَا نَظَرٌ اهـ. وَأَقُولُ: مَبْنِيُّ هَذَا السُّؤَالِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَوْضِعِ الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِ الْمَوْضُوعَاتِ الْوَضْعُ الشَّخْصِيُّ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلَالَةِ فِي قَوْلِ اللَّفْظِ الدَّالِّ الدَّلَالَةُ بِالنَّفْسِ وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَضْعِ مَا يَشْمَلُ الشَّخْصِيَّ وَالنَّوْعِيَّ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَشَمِلَ الْحَدُّ الْمُرَكَّبَ الْإِسْنَادِيَّ وَهُوَ مِنْ الْمَحْدُودِ إذْ لَوْ أُرِيدَ الْوَضْعُ الشَّخْصِيُّ لَمَا تَنَاوَلَهُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْمُرَكَّبِ نَوْعِيٌّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلَالَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الدَّلَالَةِ بِالنَّفْسِ أَوْ بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ فَيَدْخُلُ الْمَجَازُ وَالْكِنَايَةُ وَكَيْفَ يَدْخُلَانِ فِي الْمَحْدُودِ وَهُمَا شَائِعَانِ فِي اللُّغَةِ وَأَمَّا الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْعُرْفِيَّةُ فَهِيَ فِي الْأَصْلِ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ فَتَدْخُلُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا، وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَلَا خَفَاءَ فِي دُخُولِهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ فِيهِ دَالٌّ بِنَفْسِهِ، وَاحْتِيَاجُهُ لِلْقَرِينَةِ إنَّمَا هُوَ لِمُزَاحَمَةِ الْمَعَانِي فَتَأَمَّلْ فَهَذَا أَدَقُّ مِمَّا تَكَلَّفَهُ سم (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعَانِي) الْمُرَادُ بِهَا مَدْلُولَاتُ الْأَلْفَاظِ مَعَانِيَ كَانَتْ أَوْ أَلْفَاظًا فَلَا يُنَافِي تَقْسِيمَهُ بَعْدَ مَدْلُولِ اللَّفْظِ إلَى مَعْنًى وَإِلَى لَفْظٍ (قَوْلُهُ: خَرَجَ الْأَلْفَاظُ الْمُهْمَلَةُ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَا عُنِيَ مِنْ اللَّفْظِ وَقُصِدَ بِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُهْمَلَاتُ وَهَذَا لَا يُنَافِي دَلَالَتَهَا عَلَى حَيَاةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِنَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ عَقْلِيَّةٌ وَقَوْلُ النَّاصِرِ: إنَّ فِي خُرُوجِهَا شَيْئًا لِدَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنًى كَحَيَاةِ اللَّافِظِ

стр. 343

وَشَمَلَ الْحَدُّ الْمُرَكَّبَ الْإِسْنَادِيَّ وَهُوَ مِنْ الْمَحْدُودِ عَلَى الْمُخْتَارِ الْآتِي فِي مَبْحَثِ الْإِخْبَارِ (وَتُعْرَفُ بِالنَّقْلِ تَوَاتُرًا) نَحْوُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ لِمَعَانِيهَا الْمَعْرُوفَةِ (أَوْ آحَادًا) كَالْقُرْءِ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ (وَبِاسْتِنْبَاطِ الْعَقْلِ مِنْ النَّقْلِ) نَحْوُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِأَلْ عَامٌّ فَإِنَّ الْعَقْلَ يَسْتَنْبِطُ ذَلِكَ مِمَّا نُقِلَ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ أَيْ إخْرَاجُ بَعْضِهِ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا بِأَنْ يُضَمَّ إلَيْهِ وَكُلُّ مَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ مِمَّا لَا حَصْرَ فِيهِ فَهُوَ عَامٌّ كَمَا سَيَأْتِي لِلُّزُومِ تَنَاوُلُهُ لِلْمُسْتَثْنَى (لَا مُجَرَّدَ الْعَقْلِ) فَلَا تُعْرَفُ بِهِ إذْ لَا مَجَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ (وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ إمَّا مَعْنًى جُزْئِيٌّ أَوْ كُلِّيٌّ) الْأَوَّلُ مَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ الشَّرِكَةِ فِيهِ كَمَدْلُولِ زَيْدٍ، وَالثَّانِي مَا لَا يَمْنَعُ كَمَدْلُولِ الْإِنْسَانِ كَمَا سَيَأْتِي ــ [حاشية العطار] سَاقِطٌ بِمَا قُلْنَاهُ وَمَا قَالَهُ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ: إنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُقْصَدُ مِنْ اللَّفْظِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوَضْعِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ الْمَحْدُودِ) أَيْ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُخْتَارِ) مِنْ أَنَّ دَلَالَتَهُ وَضْعِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَتُعْرَفُ) أَيْ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي وَلَيْسَ الْمُرَاد تُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ بَلْ الْمُرَادُ تُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الْمَعَانِي (قَوْلُهُ: تَوَاتُرًا) أَيْ نَقْلَ تَوَاتُرٍ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ثُمَّ إنَّ طُرُقَ الِاسْتِفَادَةِ مُطْلَقًا ثَلَاثَةٌ عَقْلٌ وَنَقْلٌ وَمُرَكَّبٌ مِنْهُمَا وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ اسْتِقْلَالُ الْعَقْلِ بِإِدْرَاكِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ انْحَصَرَ الطُّرُقُ فِي اثْنَيْنِ أَشَارَ لَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِالنَّقْلِ أَيْ مُجَرَّدًا أَوْ بِاسْتِنْبَاطِ الْعَقْلِ أَيْ بِوَاسِطَةِ النَّقْلِ، وَالْعَضُدُ لَمَّا أَرَادَ بِالنَّقْلِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ جَعَلَهَا قِسْمًا وَاحِدًا فَلَا يَعْتَرِضُ بِكَلَامِهِ عَلَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ كَمَا فَعَلَ النَّاصِرُ (قَوْلُهُ: نَحْوُ الْجَمْعِ إلَخْ) هَذَا إشَارَةٌ إلَى قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ نَتِيجَةُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِأَلْ عَامٌّ وَقَوْلُهُ: إنَّ هَذَا الْجَمْعَ يَصِحُّ إلَخْ مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى نَقْلِيَّةٌ وَيَشْهَدُ بِنَقْلِهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَكَلَامُ الْعَرَبِ وَقَوْلُهُ أَيْ إخْرَاجُ تَفْسِيرٌ لِلِاسْتِثْنَاءِ وَقَوْلُهُ: بِأَنْ يُضَمَّ إلَخْ الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ، وَقَوْلُهُ: إلَيْهِ أَيْ إلَى مَا نُقِلَ وَقَوْلُهُ وَكُلَّمَا صَحَّ إلَخْ مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى عَقْلِيَّةٌ وَالشَّارِحُ قَيَّدَ مَوْضُوعَهَا بِقَوْلِهِ مِمَّا لَا حَصْرَ فِيهِ لِيَخْرُجَ نَحْوُ قَوْلِنَا لَهُ عَلَى عَشْرَةٍ إلَّا ثَلَاثَةً، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِعَامٍّ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُضَمَّ) تَفْسِيرٌ لِلِاسْتِنْبَاطِ وَقَوْلُهُ وَكُلُّ مَا صَحَّ إلَخْ مَفْعُولُ يُضَمُّ (قَوْلُهُ: مِمَّا لَا حَصْرَ فِيهِ) خَرَجَ الْعَدَدُ كَمَا نَبَّهْنَاك عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ هَذَا الْقَيْدِ فِي الصُّغْرَى أَيْضًا لِيَتَكَرَّرَ الْحَدُّ الْوَسَطُ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي قَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْعَامِّ وَمِعْيَارِ الْعُمُومِ وَالِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ: وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ إلَخْ) أَرَادَ مَا يَشْمَلُ الْمَفْهُومَ وَالْمَاصَدَقَ كَمَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ (قَوْلُهُ: إمَّا مَعْنًى جُزْئِيٌّ) قَدْ يُقَالُ هَذَا إنَّمَا يُنَاسِبُ اخْتِيَارَ وَالِدِهِ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا اخْتِيَارُهُ هُوَ وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ؛ لِأَنَّ الْخَارِجِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا جُزْئِيًّا فَلَا يَصِحُّ تَقْسِيمُهُ لِلْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ وَاخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلذِّهْنِيِّ، فَإِنَّهُ وَإِنَّ صَحَّ التَّقْسِيمُ لِلْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ لَا يُوصَفُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ بِكَوْنِهِ لَفْظًا فَلَا يَصِحُّ تَقْسِيمُ الْمَدْلُولِ إلَى الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُنَاسِبُ كُلًّا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّكِرَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَالْكَلَامُ هُنَا فِيمَا يَشْمَلُ الْمَعْرِفَةَ وَسَيَأْتِي أَنَّ مِنْهَا مَا وُضِعَ لِلْخَارِجِيِّ وَمِنْهَا مَا وُضِعَ لِلذِّهْنِيِّ (قَوْلُهُ: جُزْئِيٌّ) نِسْبَةً لِلْجُزْءِ وَهُوَ الْكُلِّيُّ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ كُلِّهِ وَالْكُلِّيُّ

стр. 344

مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ (أَوْ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُسْتَعْمَلٌ كَالْكَلِمَةِ فَهِيَ قَوْلٌ مُفْرَدٌ) ، وَالْقَوْلُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ يَعْنِي كَمَدْلُولِ الْكَلِمَةِ بِمَعْنَى مَاصَدَقِهَا كَرَجُلٍ وَضَرَبَ وَهَلْ (أَوْ) لَفْظٌ مُفْرَدٌ (مُهْمَلٌ كَأَسْمَاءِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ) يَعْنِي كَمَدْلُولِ أَسْمَائِهَا نَحْوُ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَالسِّينِ أَسْمَاءٌ لِحُرُوفِ جَلَسَ مَثَلًا أَيْ جه لَهْ سَهْ (أَوْ) لَفْظٌ (مُرَكَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ كَمَدْلُولِ لَفْظِ الْخَبَرِ) أَيْ مَاصَدَقُهُ نَحْوُ قَامَ زَيْدٌ أَوْ مُهْمَلٌ كَمَدْلُولِ لَفْظِ الْهَذَيَانِ وَسَيَأْتِي فِي مَبْحَثِ الْإِخْبَارِ التَّصْرِيحُ بِقِسْمَيْ الْمُرَكَّبِ مَعَ حِكَايَةِ خِلَافٍ فِي وَضْعِ الْأَوَّلِ وَوُجُودِ الثَّانِي وَإِطْلَاقِ الْمَدْلُولِ عَلَى الْمَاصَدَقِ كَمَا هُنَا سَائِغٌ، وَالْأَصْلُ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَفْهُومِ ــ [حاشية العطار] نِسْبَةً لِلْكُلِّ وَهُوَ الْجُزْئِيُّ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ (قَوْلُهُ: مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ) أَيْ تَعْرِيفُ الْجُزْئِيِّ وَالْكُلِّيِّ، وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى إنْ اتَّحَدَا، فَإِنَّهُ مَنَعَ تَصَوُّرَ مَعْنَاهُ الشَّرِكَةَ فَجُزْئِيٌّ وَإِلَّا فَكُلِّيٌّ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ تَعْرِيفُهُمَا (قَوْلُهُ: أَوْ لَفْظٌ) عَطْفٌ عَلَى مَعْنَى (قَوْلِهِ وَالْقَوْلُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ) جَارِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَلِمُقَابَلَةِ الْمُهْمَلِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى مُفْرَدٍ اُسْتُعْمِلَ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: يَعْنِي كَمَدْلُولِ الْكَلِمَةِ) قَدْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَدْلُولِ وَلَمَّا كَانَ مَدْلُولُهَا مَا ذُكِرَ مِنْ الْقَوْلِ الْمُفْرَدِ وَهُوَ كُلِّيٌّ فَهُوَ صُورَةٌ ذِهْنِيَّةٌ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا قَوْلٌ إذْ الْقَوْلُ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ أُرْدِفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى مَاصَدَقَهَا لِيَصِحَّ التَّمْثِيلُ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مَاصَدَقَهَا) أَيْ الْأَفْرَادِ الَّتِي يَصْدُقُ لَفْظُ الْكَلِمَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا أَسْمَاءً كَانَ أَوْ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا (قَوْلُهُ: الْهِجَاءِ) هُوَ تَقْطِيعُ الْكَلِمَةِ بِذِكْرِ أَسْمَاءِ حُرُوفِهَا (قَوْلُهُ: كَمَدْلُولِ أَسْمَائِهَا) يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَيْ مَاصَدَقَهُ قَالَهُ النَّاصِرُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ حَذَفَهَا اكْتِفَاءً بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ جه مَثَلًا مَنْطُوقًا لِزَيْدٍ غَيْرُهُ مَنْطُوقًا لِعَمْرٍو وَفِي جَلَسَ غَيْرُهُ فِي جَعْفَرٍ فَجَهْ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ لَكِنَّ قَوْلَهُ أَسْمَاءٌ لِحُرُوفِ جَلَسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَدْلُولَ شَخْصِيٌّ وَفِيهِ مَا قَدْ عَلِمْت وَأَنَّ جه فِي جَلَسَ وَجَعْفَرٍ وَاحِدٌ شَخْصِيٌّ قَائِمٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِمَحَلَّيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ وَذَلِكَ مُحَالٌ بَدِيهَةً اهـ. فَمَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّعَدُّدِ الِاعْتِبَارِيِّ وَهُوَ تَدْقِيقٌ فَلْسَفِيٌّ لَا تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قَوَاعِدُ الْعَرَبِيَّةِ وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ عِلْمًا (قَوْلُهُ: أَيْ جه) الْهَاءُ لِلسَّكْتِ وَالْحُرُوفُ جَ لَ سَ (قَوْلُهُ: أَوْ مُرَكَّبٌ) مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ مُفْرَدٌ الْوَاقِعُ صِفَةً لِلَّفْظِ فَيَنْقَسِمُ كَمَتْبُوعِهِ إلَى الْمُسْتَعْمَلِ وَالْمُهْمَلِ وَلَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى الْمُقَابِلِ وَعَلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ فِيمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: أَيْ مَاصَدَقَهُ) أَيْ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُهْمَلٍ) إنْ قِيلَ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْمُرَكَّبِ الْمُهْمَلِ حَدُّ الْمُرَكَّبِ وَهُوَ مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُهْمَلًا قُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ هُنَا مَا فِيهِ كَلِمَتَانِ فَأَكْثَرُ (قَوْلُهُ: كَمَدْلُولِ لَفْظِ الْهَذَيَانِ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَمَدْلُولُهُ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ فَالْهَذَيَانُ مَخْصُوصٌ بِالْمُرَكَّبِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ قَالَ النَّاصِرُ وَلَمْ يَقُلْ مَاصَدَقَهُ لِمَا يُشِيرُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ فِي وُجُودِهِ خِلَافًا لَكِنَّ عَدَمَ وُجُودِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ لَا يَجُوزُ عَدَمُ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ إذْ التَّمْثِيلُ إنَّمَا يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ الْمَاصَدَقَ، وَأَمَّا وُجُودُهُ فَأَمْرٌ وَرَاءَ ذَلِكَ اهـ. أَقُولُ: قَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ الْمَاصَدَقَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَحَذَفَهُ فِي بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ لِلِاعْتِمَادِ عَلَى فَطَانَةِ السَّامِعِ عَلَى تَقْدِيرِ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ ذِكْرُهُ فِي كُلِّ مِثَالٍ (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي فِي مَبْحَثِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنًى مُرَادٍ هُنَا بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ (قَوْلُهُ: وَوُجُودُ الثَّانِي) أَيْ الْمُرَكَّبِ الْمُهْمَلِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَاصَدَقَ) أَيْ مَعَ الْمَفْهُومِ أَيْضًا لَا الْمَاصَدَقَ وَحْدَهُ وَإِلَّا لَفَسَدَ التَّقْسِيمُ؛ لِأَنَّ الْمَدْلُولَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَفْهُومُ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ أَوْ لَفْظٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْسِيمَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّ أُرِيدَ بِهِ الْمَاصَدَقَ وَحْدَهُ لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ كَمَدْلُولِ الْإِنْسَانِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَفْهُومٌ لَا لِمَا صَدَقَهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌّ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَدْلُولِ مَا يَعُمُّ الْمَاصَدَقَ وَالْمَفْهُومَ إمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ عُمُومِ الْمَجَازِ (قَوْلُهُ: سَائِغٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولٌ لُغَةً، وَأَصْلُهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ فَحَذَفَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَاللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى مَاصَدَقَهُ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَفْهُومِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ) أَيْ الْحَقِيقَةُ

стр. 345

أَيْ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ (وَالْوَضْعُ جَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى) فَيَفْهَمُهُ مِنْهُ الْعَارِفُ بِوَضْعِهِ لَهُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْوَضْعِ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ مَعَ تَقْسِيمِهَا إلَى لُغَوِيَّةٍ وَعُرْفِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَفِي حَدِّ الْمَجَازِ مَعَ انْقِسَامِهِ إلَى مَا ذَكَرَ فَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ كَمَا يَصْدُقُ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ يَصْدُقُ عَلَى الْعُرْفِيِّ وَالشَّرْعِيِّ خِلَافَ قَوْلِ الْقَرَافِيِّ إنَّهُمَا ــ [حاشية العطار] الِاصْطِلَاحِيَّةُ (قَوْلُهُ: أَيْ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ) وَتَسْمِيَتُهُ مَفْهُومًا بِاعْتِبَارِ فَهْمِ السَّامِعِ لَهُ مِنْ اللَّفْظِ وَمَعْنًى بِاعْتِبَارِ عِنَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ قَصْدِهِ إيَّاهُ مِنْ اللَّفْظِ فَهُمَا مُتَّحِدَانِ ذَاتًا مُخْتَلِفَانِ اعْتِبَارًا (قَوْلُهُ: وَالْوَضْعُ) أَيْ الْمُتَقَدِّمُ فَأَلْ لِلْعَهْدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ جَعْلِ اللَّفْظِ إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الْوَضْعِ لَقَالَ جَعَلَ الشَّيْءَ ثُمَّ إنْ أُرِيدَ الْجَعْلُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إطْلَاقُهُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مُفِيدًا لِفَهْمِ الْمَعْنَى لَا تَتَقَيَّدُ إفَادَتُهُ لَهُ بِاشْتِرَاطِ وُجُودِ قَرِينَةٍ وَيُسَمَّى وَضْعًا شَخْصِيًّا كَزَيْدٍ عَلَمًا وَيَنْدَرِجُ فِيهِ بَعْضُ أَقْسَامِ الْوَضْعِ النَّوْعِيِّ أَيْضًا وَهُوَ الْمُنْدَرِجُ تَحْتَ قَاعِدَةٍ لَهُ كُلِّيَّةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الدَّلَالَةِ الْقَرِينَةُ كَدَلَالَةِ الْمُثَنَّى عَلَى اثْنَيْنِ كَانَ الْمَجَازُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، وَإِنَّ أُرِيدَ الْجَعْلُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إطْلَاقُهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مُفِيدًا لِفَهْمِ الْمَعْنَى وَهُوَ وَقْتُ اقْتِرَانِ الْقَرِينَةِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْوَضْعِ النَّوْعِيِّ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى انْضِمَامُ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ كَانَ الْمَجَازُ مَوْضُوعًا فَالْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعًا أَوْ لَا لَفْظِيٌّ مَنْشَؤُهُ الِاخْتِلَافُ فِي تَفْسِيرِ الْوَضْعِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ (قَوْلُهُ: فَيَفْهَمُهُ) لَا يَصِحُّ نَصْبُهُ بِأَنَّ مُضْمَرَةٍ عَطْفًا عَلَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ جَعْلُ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ جَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى فَيَفْهَمُهُ مِنْهُ فَيَلْزَمُ أَنَّ الْفَهْمَ قَيْدٌ فِي تَعْرِيفِ الْوَضْعِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ بَلْ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْوَضْعَ كَافٍ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ فِي الْفَهْمِ فَهَذَا الْحَدُّ مُسَاوٍ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ تَعْيِينُ اللَّفْظِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنًى بِنَفْسِهِ وَلَا خَفَاءَ فِي صِدْقِ شَيْءٍ مِنْهُمَا عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ لَا أَحَدُهُمَا فَمَا رَامَهُ الشَّارِحُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ انْدِرَاجِ وَضْعِ الْمَجَازِ بِأَقْسَامِهِ فِي التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ فَيَفْهَمُهُ إلَخْ وَالصَّوَابُ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ أَنَّ الْمَجَازَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ أَلْبَتَّةَ لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّ الْوَضْعِ عَلَيْهِ قَالَهُ النَّاصِرُ. وَقَدْ عَلِمْت انْدِفَاعَهُ بِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْوَضْعِ وَأَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ السَّيِّدِ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ مُعَارَضٌ بِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ فِي حَاشِيَةِ الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ وَأَنَّ قَوْلَهُ: إنَّ الدَّالَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ مَمْنُوعٌ بَلْ الدَّالُّ هُوَ اللَّفْظُ بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ وَأَنَّ تَفْسِيرَ الْوَضْعِ بِتَعْيِينِ اللَّفْظِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنًى بِنَفْسِهِ أَحَدُ تَفْسِيرَيْنِ لَهُ. وَقَدْ بَسَطَ الْمُحَقِّقُ الْعِصَامُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي أَوَّلِ شَرْحِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ مَعَ مَا كَتَبْنَاهُ مِنْ الْحَوَاشِي عَلَى ذَلِكَ الشَّرْحِ (قَوْلُهُ: مِنْهُ) أَيْ مِنْ اللَّفْظِ (قَوْلُهُ: الْعَارِفُ بِوَضْعِهِ) أَيْ فَهُوَ فَهْمُ تَذْكِيرٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَجْهُولٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْوَضْعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَضْعَ نِسْبَةٌ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَيَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِ الطَّرَفَيْنِ (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْوَضْعِ) الْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ الْوَضْعَ سِتَّةُ أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَثَلَاثَةٌ فِي الْمَجَازِ وَكُلُّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى يَشْمَلُ الْجَعْلَ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ وَيَصْدُقُ بِكَوْنِ الْجَاعِلِ وَاضِعَ اللُّغَةِ أَوْ الشَّارِعِ أَوْ أَهْلِ الْعُرْفِ بِقِسْمَيْهِ بِقَرِينَةِ مَا سَيَأْتِي مِنْ ذِكْرِ الْوَضْعِ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ مَعَ تَقْسِيمِهَا إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِّ الْمَجَازِ مَعَ انْقِسَامِهِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا (قَوْلُهُ: مَعَ انْقِسَامِهِ) عَبَّرَ هُنَا بِالِانْقِسَامِ وَفِي الْحَقِيقَةِ بِالتَّقْسِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَسَّمَ الْحَقِيقَةَ فَقَطْ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ انْقِسَامُ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا وَالِانْقِسَامُ أَثَرُ التَّقْسِيمِ (قَوْلُهُ: إلَى مِثْلِ إلَخْ) زَادَ لَفْظَ " مِثْلِ "؛ لِأَنَّ أَقْسَامَ الْمَجَازِ غَيْرُ أَقْسَامِ الْحَقِيقَةِ فَالْمَاصَدَقَ مُخْتَلِفٌ (قَوْلُهُ: يَصْدُقُ عَلَى الْعُرْفِيِّ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَجَازِ أَوْ فِي الْحَقِيقَةِ خِلَافًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَصْرِ التَّعْرِيفِ عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ (قَوْلُهُ: خِلَافُ قَوْلِ الْقَرَافِيِّ) أَيْ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ الْقَرَافِيِّ وَمُرَادُهُ أَنَّ الْوَضْعَ الْعُرْفِيَّ أَوْ الشَّرْعِيَّ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ وَحَاصِلُ رَدِّهِ أَنَّ الْوَضْعَ جَعْلُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى

стр. 346

فِي الْحَقِيقَةِ كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى بِحَيْثُ يَصِيرُ فِيهِ أَشْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ نَعَمْ يُعْرَفَانِ فِيهَا بِالْكَثْرَةِ الْمَذْكُورَةِ وَيَزِيدُ الْعُرْفِيُّ الْخَاصُّ بِالنَّقْلِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي اللُّغَوِيِّ (وَلَا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى) فِي وَضْعِهِ لَهُ فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ لِلضِّدَّيْنِ كَالْجَوْنِ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ لَا يُنَاسِبُهُمَا خِلَافًا (لِعَبَّادٍ) الصَّيْمَرِيِّ (حَيْثُ أَثْبَتَهَا) بَيْنَ كُلِّ لَفْظٍ وَمَعْنَاهُ. قَالَ وَإِلَّا فَلِمَ اخْتَصَّ بِهِ (فَقِيلَ بِمَعْنَى أَنَّهَا حَامِلَةٌ عَلَى الْوَضْعِ) عَلَى وَفْقِهَا فَيَحْتَاجُ إلَيْهِ (وَقِيلَ بَلْ) بِمَعْنَى أَنَّهَا (كَافِيَةٌ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْوَضْعِ يُدْرِكُ ذَلِكَ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ كَمَا فِي الْقَافَةِ وَيَعْرِفُهُ غَيْرُهُ مِنْهُ قَالَ الْقَرَافِيُّ حُكِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُسَمَّيَاتِ مِنْ الْأَسْمَاءِ فَقِيلَ لَهُ مَا مُسَمَّى آذغاغ وَهُوَ مِنْ لُغَةِ الْبَرْبَرِ فَقَالَ أَجِدُ فِيهِ يُبْسًا شَدِيدًا وَأَرَاهُ اسْمَ الْحَجَرِ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ عَبَّادٍ (وَاللَّفْظُ) الدَّالُّ عَلَى مَعْنًى ذِهْنِيٍّ خَارِجِيٍّ أَيْ ــ [حاشية العطار] وَالِاسْتِعْمَالُ عَلَامَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَأَمَارَةُ تَعْرِيفٍ بِهَا إذْ الْمُرَادُ بِالْجَعْلِ عِنْدَهُمْ تَعْيِينُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعُرْفِ اعْلَمُوا أَنَّ كَذَا اسْمٌ لِكَذَا أَوْ أَنَا عَيْنَا كَذَا لِكَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ أَوْ قَوْلِ الشَّارِعِ كَذَلِكَ بَلْ تَحْصُلُ مَعْرِفَةُ التَّعْيِينِ بِتَكَرُّرِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ وَتَكَرُّرِ وُرُودِ اللَّفْظِ فِي الشَّرْعِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَفَهِمَ الرَّسُولُ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْهُ وَفَهِمَ الْأُمَّةُ ذَلِكَ عَنْهُ (قَوْلُهُ: فِي الْحَقِيقَةِ) أَيْ قِسْمَيْ الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْ وَلَيْسَ هُنَاكَ تَعْيِينٌ وَهَذَا أَدَقُّ وَأَظْهَرُ فِي مُرَادِ الْقَرَافِيِّ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَصِيرُ إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ قَلَاقَةٌ وَالْأَوْلَى بِحَيْثُ يَصِيرُ فِيهِ أَشْهَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ أَيْ بِحَيْثُ يَصِيرُ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى إفَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَشْهَرُ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى إفَادَةِ غَيْرِهِ وَذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُعْرَفَانِ) اسْتِدْرَاكٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْكَثْرَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ أَصْلًا وَيُعْرَفَانِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ لَا التَّعْرِيفِ وَضَمِيرُ فِيهَا يَعُودُ عَلَى الْحَقِيقَةِ (قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ الْعُرْفِيُّ الْخَاصُّ) أَيْ عَلَى الْعُرْفِيِّ الْعَامِّ وَالْعُرْفِيُّ الْخَاصُّ يَشْمَلُ الشَّرْعِيَّ وَأَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ (قَوْلُهُ: بِالنَّقْلِ) أَيْ الْإِخْبَارِ عَنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعُرْفِ كَأَنْ يَنْقُلَ عَنْ النُّحَاةِ مَثَلًا أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ الِاسْمُ الْمَرْفُوعُ إلَخْ بِخِلَافِ الْعُرْفِ الْعَامِّ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ أَحَدٍ كَالدَّابَّةِ لِذَاتِ الْأَرْبَعِ لَا النَّقْلِ مِنْ مَعْنًى إلَى مَعْنًى، فَإِنَّهُ لَا يَخُصُّ الْعُرْفِيُّ الْخَاصُّ إذْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْعَامِّ أَيْضًا، فَإِنَّ الدَّابَّةَ لُغَةٌ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نُقِلَ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ لِذَاتِ الْأَرْبَعِ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ) أَيْ النَّقْلُ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ الْأَصْلُ فِي اللُّغَوِيِّ، وَأَمَّا الِاسْتِنْبَاطُ فَخِلَافُ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: لِعِبَادٍ) هُوَ أَبُو سَهْلِ ابْنُ سُلَيْمَانَ الصَّيْمَرِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَشْهَرُ مِنْ ضَمِّهَا نِسْبَةً إلَى صَيْمَرَ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَرْيَةٍ آخِرِ عِرَاقِ الْعَجَمِ وَأَوَّلِ عِرَاقِ الْعَرَبِ وَهُوَ مِنْ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ أَثْبَتَهَا) الْمُطَابِقُ لِلْمُخَالَفَةِ فِي عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ أَنْ يَقُولَ: حَيْثُ اشْتَرَطَهَا لَكِنَّ نِسْبَةَ اشْتِرَاطِهِمَا إلَيْهِ تَسْتَلْزِمُ قَوْلَهُ بِالِافْتِقَارِ إلَى الْوَضْعِ، وَفِيهِ خِلَافٌ عَنْهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فَنِسْبَةُ الْإِثْبَاتِ إلَيْهِ أَوْلَى لِصِدْقِهَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ شُمُولُ الْأَعْلَامِ الشَّخْصِيَّةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ قَالَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ بَعْدَ أَنْ نَسَبَ لِعَبَّادٍ أَنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ الْمَعْنَى لِذَاتِهِ مَا نَصُّهُ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ أَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ لَوْ كَانَتْ ذَاتِيَّةً لَمَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ النَّوَاحِي وَالْأُمَمِ وَلَاهْتَدَى كُلُّ إنْسَانٍ إلَى كُلِّ لُغَةٍ، وَبُطْلَانُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَلْزُومِ (قَوْلُهُ: فَلِمَ اخْتَصَّ) أَيْ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخَصِّصٍ وَإِلَّا لَزِمَ التَّخْصِيصُ بِدُونِ مُخَصِّصٍ وَالْمُخَصِّصُ هُنَا الْمُنَاسَبَةُ وَفِيهِ أَنَّ الْمُخَصِّصَ إرَادَةُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ وَلَوْ عَلَى أَنَّ الْوَاضِعَ غَيْرُ اللَّهِ إذْ الْمُخَصِّصُ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ (قَوْلُهُ: فَقِيلَ بِمَعْنَى أَنَّهَا حَامِلَةٌ) وَهُوَ مُقْتَضَى نَقْلِ الْآمِدِيِّ عَنْ عَبَّادٍ وَمُقَابِلُهُ مُقْتَضَى نَقْلِ الْإِمَامِ عَنْهُ ثُمَّ لَا يَخْفَى شَنَاعَةُ هَذَا التَّعْبِيرِ عَلَى أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ (قَوْلُهُ: فَيَحْتَاجُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَضْعِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَحْتَاجُ إلَخْ) وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْوَضْعَ مَوْجُودٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحَاجَةِ لَهُ عَدَمُ وُجُودِهِ (قَوْلُهُ: وَيَعْرِفُهُ غَيْرُهُ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ إذَا كَانَ قَاصِرًا عَلَى مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ ضَاعَتْ ثَمَرَةُ الْوَضْعِ (قَوْلُهُ: وَأَرَاهُ) أَيْ أَظُنُّهُ الْحَجْرَ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ يُبْسٌ كَذَلِكَ (مَعْنًى ذِهْنِيٍّ خَارِجِيٍّ) أَوْرَدَهُمَا لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَعْنَى

стр. 347

لَهُ وُجُودٌ فِي الذِّهْنِ بِالْإِدْرَاكِ وَوُجُودٌ فِي الْخَارِجِ بِالتَّحَقُّقِ كَالْإِنْسَانِ بِخِلَافِ الْمَعْدُومِ فَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ كَبَحْرِ زِئْبَقٍ (مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ لَا الذِّهْنِيِّ خِلَافًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ ــ [حاشية العطار] الْمَوْضُوعَ لَهُ وَاحِدٌ بِالذَّاتِ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُ هَلْ الْوَضْعُ لَهُ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ الذِّهْنِيِّ أَوْ الْخَارِجِيِّ أَوْ لَا مِنْ حَيْثُ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: لَهُ وُجُودٌ فِي الذِّهْنِ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ، وَقَدْ نَفَاهُ الْمُتَكَلِّمُونَ وَأَثْبَتَهُ الْحُكَمَاءُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ جَرَى عَلَى طَرِيقَةِ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُوَافِقِ لِلْحُكَمَاءِ، فَإِنَّ النَّافِيَ لَهُ جُمْهُورُهُمْ أَوْ الْمُرَادَ وُجُودٌ لَا عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَالَ بِهِ الْحُكَمَاءُ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ: وَوُجُودٌ فِي الْخَارِجِ بِالتَّحَقُّقِ) أَفَادَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ التَّحَقُّقُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا مَا رَادَفَ الْأَعْيَانَ، فَإِنَّ لَفْظَ نِسْبَةِ اسْمُ جِنْسٍ نَكِرَةٌ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي بَلْ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَالثُّبُوتُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ شَامِلٌ لَهُ وَالْحَقَائِقُ الْكُلِّيَّةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ هُنَا وَأَوْفَقُ بِمَسَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ. وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ وُجُودِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ الَّتِي حَارَتْ فِيهَا أَذْهَانُ الْأَذْكِيَاءِ كَمَا فَعَلَ الْحَوَاشِي هُنَا فَمُوجِبٌ لِصُعُوبَةِ الْمَرَامِ وَتَشْتِيتِ الْأَفْهَامِ (قَوْلُهُ: كَالْإِنْسَانِ) الْأَوْلَى كَإِنْسَانٍ بِالتَّنْكِيرِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْآتِيَ فِي النَّكِرَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ وَمَدْخُولَهَا فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ قَالَ النَّاصِرُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكُلِّيَّ يَتَحَقَّقُ فِي الْخَارِجِ فِي ضِمْنِ جُزْئِيَّاتِهِ وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرِيٌّ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ وَإِلَّا لَكَانَ جُزْئِيًّا لِعَدَمِ قَبُولِ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ لِلِاشْتِرَاكِ نَعَمْ يَتَحَقَّقُ فِيهِ جُزْئِيَّاتٌ مُطَابِقَةٌ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَعْدُومِ) أَيْ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى مَعْنًى مَعْدُومٍ أَيْ فَلَا تَتَأَتَّى فِيهِ الْأَقْوَالُ؛ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْإِمَامِ) قَالَ النَّاصِرُ الْحَقُّ قَوْلُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي النَّكِرَةِ أَيْ مَا لَيْسَ بِمَعْرِفَةٍ وَهُوَ إمَّا اسْمُ جِنْسٍ وَهُوَ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَإِمَّا نَكِرَةٌ وَهُوَ الْمَوْضُوعُ لِلْفَرْدِ الْمُنْتَشِرِ وَكِلَاهُمَا كُلِّيٌّ يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ فَهُمَا مَوْضُوعَانِ لِلذِّهْنِيِّ، وَإِنْ صَحَّ إطْلَاقُهُمَا حَقِيقَةً عَلَى الْفَرْدِ الْمَوْجُودِ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ أَيْ عَلَى مَا يُطَابِقُهُ فَمَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا

стр. 348

فِي قَوْلِهِ بِالثَّانِي قَالَ لِأَنَّا إذَا رَأَيْنَا جِسْمًا مِنْ بَعِيدٍ وَظَنَنَّاهُ صَخْرَةً سَمَّيْنَاهُ بِهَذَا الِاسْمِ، فَإِذَا دَنَوْنَا مِنْهُ وَعَرَفْنَا أَنَّهُ حَيَوَانٌ لَكِنْ ظَنَنَّاهُ طَيْرًا سَمَّيْنَاهُ بِهِ. فَإِذَا ازْدَادَ الْقُرْبُ وَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنْسَانٌ سَمَّيْنَاهُ بِهِ فَاخْتَلَفَ الِاسْمُ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ لَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الِاسْمِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى فِي الذِّهْنِ لِظَنِّ أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ كَذَلِكَ لَا لِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِهِ فِي الذِّهْنِ فَالْمَوْضُوعُ لَهُ مَا فِي الْخَارِجِ وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ تَابِعٌ لِإِدْرَاكِ الذِّهْنِ لَهُ حَسْبَمَا أَدْرَكَهُ. (وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ هُوَ مَوْضُوعٌ (لِلْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ هُوَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ التَّقْيِيدِ بِالذِّهْنِيِّ أَوْ الْخَارِجِيِّ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى فِي ذِهْنٍ كَانَ أَوْ خَارِجٍ حَقِيقِيٍّ عَلَى هَذَا دُونَ الْأَوَّلَيْنِ ــ [حاشية العطار] يُخَالِفُ مَا يَأْتِي لَهُ فِيهِمَا وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اشْتِرَاكُ اللَّفْظِ بَيْنَ الْجُزْئِيَّاتِ الْخَارِجِيَّةِ أَوْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهَا مَجَازًا فِي بَاقِيهَا وَلَا قَائِلَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا اهـ وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ سم أَنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَوْضُوعَ لَهُ الْأَفْرَادُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ مَعَ أَنَّ مَوْضُوعَ الْكَلَامِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهُ فِي الْأَفْرَادِ وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ اسْتِعْمَالَ الْكُلِّيِّ فِي الْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهُ فِيهِ حَقِيقَةٌ اهـ. وَاَلَّذِي قَالَهُ شَارِحُ الْمِنْهَاجِ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ بِأَسْرِهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْحَقَائِقِ الْخَارِجِيَّةِ مِمَّا لَا خَفَاءَ فِي بُطْلَانِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهَا بَيْنَ الْفُضَلَاءِ غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَذَهَبَ الشَّيْخُ ابْنُ سِينَا وَالْفَارَابِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ كَالْقُطْبِ الرَّازِيّ إلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ ذِهْنِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا الْمَعْلُومُ بِالذَّاتِ لَا الْأَمْرُ الْعَيْنِيُّ بِمَا هُوَ عَيْنِيٌّ وَذَهَبَ النُّصَيْرُ الطُّوسِيُّ وَالْعَلَّامَةُ الشِّيرَازِيُّ وَالتَّفْتَازَانِي وَالدَّوَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِإِزَاءِ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْمُلْتَفَتُ إلَيْهَا بِالذَّاتِ وَهُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِخِلَافِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، فَإِنَّهَا مِرْآةٌ لِمُشَاهَدَتِهَا وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ إلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْمَعَانِي مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ لِمَا أَنَّ مَنَاطَ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِمَا فِي التَّمَدُّنِ إنَّمَا هُوَ الْمَعَانِي مُطْلَقًا لَا الْخُصُوصِيَّاتُ الذِّهْنِيَّةُ أَوْ الْخَارِجِيَّةُ، فَإِنَّهَا مُلْغَاةٌ وَالْحَقُّ هُوَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْسُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَيْنِيًّا كَانَ أَوْ ذِهْنِيًّا وَقَوَّاهُ مِيرْ زَاهِدْ الْهِنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ وَقَالَ: إنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ مَصْرُوفٌ عَنْ الظَّاهِرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْسُ الشَّيْءِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ فِي الذِّهْنِ اهـ. فَهَذَا رُجُوعٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ وَالِدِ الْمُصَنِّفِ وَتَمَامُ هَذَا كَلَامٌ فِي حَوَاشِينَا عَلَى الْخَبِيصِيِّ (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِ بِالثَّانِي) ؛ لِأَنَّهَا التَّعْرِيفُ مَا فِي الضَّمِيرِ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَمَّا فِيهِ فَتَكُونُ مَوْضُوعَةً لَهُ (قَوْلُهُ: سَمَّيْنَاهُ إلَخْ) فِيهِ اعْتِرَافٌ بِمَا قَالَهُ الْخَصْمُ؛ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى هُوَ الْمَرْئِيُّ الْمَظْنُونُ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إنَّهُ فِي الْخَارِجِ كَذَلِكَ أَنَّهُ مِمَّا يُسَمَّى فِي الْخَارِجِ بِهَذَا الِاسْمِ فَالْمَوْضُوعُ لَهُ مَا فِي الْخَارِج وَالذِّهْنُ طَرِيقٌ لِلْخَارِجِ، وَالْوَضْعُ لَهُ كَمَا يَدُلُّ لِذَلِكَ آخِرُ عِبَارَتِهِ (قَوْلُهُ: لِظَنٍّ) خَبَرُ أَنَّ قَوْلُهُ لِاخْتِلَافٍ نَعْتٌ لِقَوْلِهِ اخْتِلَافَ الِاسْمِ أَوْ حَالٌ مِنْهُ أَيْ أُجِيبَ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الِاسْمِ التَّابِعِ أَوْ حَالَةَ كَوْنِهِ تَابِعًا لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى فِي الذِّهْنِ سَبَبُهُ ظَنُّ أَنَّ الْمَعْنَى فِي الْخَارِجِ كَمَا فِي الذِّهْنِ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ كَالْمَعْنَى الَّذِي فِي الذِّهْنِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَيَرِدُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الِاخْتِلَافِ لِظَنِّ مَا ذَكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ (قَوْلُهُ: حَسْبَمَا أَدْرَكَهُ) هُوَ خَبَرٌ ثَانٍ لِلتَّعْبِيرِ أَوْ نَعْتٌ لِتَابِعٍ أَيْ التَّعْبِيرُ قَدْرُ مَا أَدْرَكَهُ أَوْ تَابِعٌ قَدْرَهُ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ) فَعَلَى هَذَا مُفَادُ الْكَلَامِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْخَارِجِ أَوْ الذِّهْنِ (قَوْلُهُ: حَقِيقِيٌّ) عَلَى هَذَا يُقَالُ: إنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْكُلِّيِّ فِي الْجُزْئِيِّ وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِ إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهُ فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَمَجَازٌ فَلَا يُنَاسِبُهُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ مَجَازٌ (قَوْلُهُ: دُونَ الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ، فَإِنَّهُ مَجَازٌ، وَفِيهِ أَنَّ الذِّهْنِيَّ وَالْخَارِجِيَّ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَالِاخْتِلَافُ بِالِاعْتِبَارِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ سَوَاءٌ كَانَ مَوْضُوعًا لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ وَاسْتُعْمِلَ فِي الذِّهْنِيِّ أَوْ بِالْعَكْسِ. وَقَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَى الِاعْتِبَارِ فَالِاخْتِلَافُ الِاعْتِبَارِيُّ فِيهَا مُضِرٌّ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ خَارِجِيًّا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ

стр. 349

وَالْخِلَافُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي اسْمِ الْجِنْسِ أَيْ فِي النَّكِرَةِ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْهُ مَا وُضِعَ لِلْخَارِجِيِّ وَمِنْهُ مَا وُضِعَ لِلذِّهْنِيِّ كَمَا سَيَأْتِي (وَلَيْسَ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظٌ بَلْ) اللَّفْظُ (لِكُلِّ مَعْنًى مُحْتَاجٍ أَوْ اللَّفْظُ) فَإِنَّ أَنْوَاعَ الرَّوَائِحِ مَعَ كَثْرَتِهَا جِدًّا لَيْسَ لَهَا أَلْفَاظٌ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهَا بِالتَّقْيِيدِ كَرَائِحَةِ كَذَا فَلَيْسَتْ مُحْتَاجَةً إلَى الْأَلْفَاظِ وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْآلَامِ وَبَلْ هُنَا انْتِقَالِيَّةٌ لَا إبْطَالِيَّةٌ (وَالْمُحْكَمُ) مِنْ (الْمُتَّضِحِ الْمَعْنَى) ــ [حاشية العطار] كَوْنُهُ ذِهْنِيًّا (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ (قَوْلُهُ: أَيْ فِي النَّكِرَةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاسْمِ الْجِنْسِ خُصُوصَ مَا وُضِعَ لِلْمَاهِيَّةِ بَلْ يَشْمَلُ مَا وُضِعَ لِلْفَرْدِ الْمُنْتَشِرِ (قَوْلُهُ: مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَذُكِرَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَفْظٌ (قَوْلُهُ: لِلْخَارِجِيِّ) كَعَلَمِ الشَّخْصِ (قَوْلُهُ: مَا وُضِعَ لِلذِّهْنِيِّ) كَاسْمِ الْجِنْسِ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) مِنْ أَنَّ عِلْمَ الشَّخْصِ مَا وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ فِي الْخَارِجِ، وَعِلْمُ الْجِنْسِ مَا وُضِعَ لِمُعَيِّنٍ فِي الذِّهْنِيِّ (قَوْلُهُ: لَيْسَ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظٌ) مُحْتَمِلٌ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ وَالْجَوَازِ وَبِهِمَا قِيلَ. وَقَالَ فِي الْمَحْصُولِ لَا يَجِبُ بَلْ لَا يَجُوزُ قَالَ النَّاصِرُ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْنَى هُوَ الْخَارِجِيُّ، وَإِنَّ أُرِيدَ بِهِ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ مِنْ حَيْثُ وُضِعَ بِإِزَائِهَا لَفْظٌ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظًا اهـ. وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ الْإِمَامَ مَعَ قَوْلِهِ بِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ قَائِلٌ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ: فَلَا إشْكَالَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْأَلْفَاظُ الْخَاصَّةُ بِالْمَعَانِي فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ ذِهْنِيَّةٍ لَهَا لَفْظٌ خَاصٌّ بِهَا وَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ عَنْ التَّبْرِيزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ اللَّفْظَ الدَّالَّ كَانَ مَخْصُوصًا بِهِ أَمْ لَا مُفْرَدًا أَوْ مُرَكَّبًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَقَعَ؛ لِأَنَّ الْفَصِيحَ لَا يَعْجِزُ عَنْ التَّعْبِيرِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَا يَدُلُّ بِالْمُطَابَقَةِ مُفْرَدًا فَاسْتِيعَابُ الْوَضْعِ لِجَمِيعِ الْمَعَانِي غَيْرُ مَعْلُومٍ بِدَلِيلِ الْحَالِ وَالرَّوَائِحِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ أَنْوَاعَ الرَّوَائِحِ) لِلرَّوَائِحِ جِنْسٌ عَالٍ وَهُوَ مَقُولَةُ الْكَيْفِ وَتَحْتَهُ رَائِحَةٌ وَهَذَا الْجِنْسُ تَحْتَهُ جِنْسَانِ أَيْضًا عَطِرَةٌ وَمُنْتِنَةٌ وَتَحْتَ هَذَيْنِ أَنْوَاعٌ هِيَ رَائِحَةُ مِسْكٍ وَرَائِحَةُ عَنْبَرٍ وَرَائِحَةُ جِيفَةٍ وَرَائِحَةُ عَذِرَةٍ إلَخْ فَاكْتَفَوْا فِي التَّعْبِيرِ عَنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ بِالْمُرَكَّبِ التَّقْيِيدِيِّ مَعَ أَنَّ أَجْنَاسَهَا دَلَّ عَلَيْهَا بِأَلْفَاظٍ مُفْرَدَةٍ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا إلَخْ) أَيْ فَلَا يُمْكِنُ الْوَضْعُ لَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ الْبَشَرُ إمَّا عَلَى أَنَّهُ الْمَوْلَى ، فَإِنَّ الْوَضْعَ لِمَصْلَحَةِ تَخَاطُبِ الْبَشَرِ وَلَا يُخَاطَبُونَ بِمَا لَا يَعْقِلُونَهُ فَلَا وَضْعَ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ زَائِدٌ عَلَى مَا يَخُصُّنَا، فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ إنَّهُ إذَا لَمْ يَحْتَجْ لِلَّفْظِ لَا وَضْعَ وَعَدَمُ الِانْضِبَاطِ قَدْرٌ زَائِدٌ وَاَلَّذِي يُنْتِجُهُ تَعَسُّرُ الْوَضْعِ أَوْ تَعَذُّرُهُ لَا عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ فَلَا يُنْتِجُ. قَوْلُهُ: فَلَيْسَتْ مُحْتَاجَةً فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهَا) أَيْ دَلَالَةَ كِفَايَةٍ فِي الْغَرَضِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَعَانِي الْمَوْضُوعِ لَهَا الْأَلْفَاظُ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِالتَّقْيِيدِيِّ (قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهَا أَلْفَاظٌ) أَيْ خَاصَّةً مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ (قَوْلُهُ: أَنْوَاعُ الْآلَامِ) أَيْ مُعْظَمُهَا وَإِلَّا فَلِبَعْضِهَا أَسْمَاءٌ خَاصَّةٌ كَالصُّدَاعِ وَالرَّمَدِ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلْأَلَمِ فَالرَّمَدُ مَثَلًا مَوْضُوعٌ لِهَيَجَانِ الْعَيْنِ وَإِلَّا لَمْ يَنْشَأْ

стр. 350

مِنْ نَصٍّ أَوْ ظَاهِرٍ (وَالْمُتَشَابِهُ مِنْهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ) أَيْ اخْتَصَّ (بِعَمَلِهِ) فَلَمْ يَتَّضِحْ لَنَا مَعْنَاهُ. (وَقَدْ يُطْلِعُ) أَيْ اللَّهُ (عَلَيْهِ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ) إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي ثُبُوتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ الْمُشْكِلَةِ عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ بِتَفْوِيضِ مَعْنَاهَا إلَيْهِ تَعَالَى كَمَا سَيَأْتِي مَعَ قَوْلِ الْخَلَفِ بِتَأْوِيلِهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَهَذَا الِاصْطِلَاحُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (قَالَ الْإِمَامُ) الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ (، وَاللَّفْظُ الشَّائِعُ) بَيْنَ الْخَوَاصِّ، وَالْعَوَامِّ (لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى خَفِيٍّ إلَّا عَلَى الْخَوَاصِّ) ؛ لِامْتِنَاعِ تَخَاطُبِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعَوَامّ بِمَا هُوَ خَفِيٌّ عَلَيْهِمْ لَا يُدْرِكُونَهُ (كَمَا يَقُولُ) مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ (مُثْبِتُو الْحَالِ) ، أَيْ: الْوَاسِطَةِ بَيْنَ الْمَوْجُودِ، وَالْمَعْدُومِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ (الْحَرَكَةُ مَعْنًى تُوجِبُ تَحَرُّكَ الذَّاتِ) ، أَيْ: الْجِسْمِ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى خَفِيُّ التَّعَقُّلِ عَلَى الْعَوَامّ فَلَا يَكُونُ مَعْنَى الْحَرَكَةِ الشَّائِعَ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَالْمَعْنَى الظَّاهِرُ لَهُ تَحَرُّكُ الذَّاتِ ــ [حاشية العطار] عَنْهُ وَيُضَافُ إلَيْهِ فَيُقَالُ أَلَمُ الرَّمَدِ كَمَا يُقَالُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ (قَوْلُهُ: مِنْ نَصٍّ أَوْ ظَاهِرٍ) خَرَجَ الْمُجْمَلُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْمُتَشَابِهِ؛ لِأَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّاهِرِ مَا يَشْمَلُ الظَّاهِرَ بِالْقَرَائِنِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُجْمَلُ إنْ قَامَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ فَهُوَ مِنْ الْمُحْكَمِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُتَشَابِهُ مِنْهُ) قِيلَ مِنْ تَبْعِيضِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الْمُتَشَابِهِ بِهِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَبَعْضٌ أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ إلَخْ وَقَوْلِهِ. وَقَدْ يَطَّلِعُ، وَكَذَا قِيلَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُتَشَابِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ، وَالْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ لِلَّفْظِ فَلَا تَنَاقُضَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِيثَارِ أَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لِلْبَشَرِ لِلْعِلْمِ بِهِ طَرِيقًا عَادِيًّا فَلَا يُمْكِنُ كَسْبُهُ وَلَوْ قِيلَ الْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ أَوْ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْضُ أَصْفِيَائِهِ لَكَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ فِي الْآيَةِ عَلَى إلَّا اللَّهَ، وَالثَّانِي عَلَى الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. وَقَدْ ذَهَبَ لِكُلٍّ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ ثُمَّ إنَّهُ كَمَا يُطْلَقَانِ عَلَى مَا ذَكَرَ بِالِاصْطِلَاحِ الْمَذْكُورِ يُطْلَقُ الْمُحْكَمُ عَلَى مَا أُحْكِمَ أَيْ أُتْقِنَ فَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خَلَلٌ وَالْقُرْآنُ بِهَذَا الْمَعْنَى كُلُّهُ مُحْكَمٌ قَالَ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] أَيْ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ اخْتِلَالٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَيُطْلَقُ لِلْمُتَشَابِهَةِ وَيُرَادُ بِهِ مَا تَمَاثَلَتْ أَبْعَاضُهُ فِي الْأَوْصَافِ، وَالْقُرْآنُ بِهَذَا الْمَعْنَى كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ قَالَ تَعَالَى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] أَيْ مُتَمَاثِلَ الْأَبْعَاضِ فِي الْإِعْجَازِ وَصِحَّةِ الْمَعْنَى وَالدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: فَلَمْ يَتَّضِحْ لَنَا مَعْنَاهُ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُصَنِّفِ لِلْمُتَشَابِهِ بِمَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ تَعْرِيفٌ بِمَلْزُومِ ذَلِكَ عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ تَعْرِيفِهِ بِمَا لَمْ يَتَّضِحْ مَعْنَاهُ الْمُنَاسِبُ لِتَعْرِيفِ مُقَابِلِهِ وَهُوَ الْمُحْكَمُ بِمَا ذَكَرَهُ لِيُشِيرَ إلَى مَأْخَذِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَمَالِ التَّأْدِيبِ بِالنِّسْبَةِ لِكَلَامِ اللَّهِ (قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْخَلَفِ غَيْرُ مُتَشَابِهٍ مَعَ أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ، فَإِنَّ مَا قَالُوهُ مِنْ التَّأْوِيلِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْمُرَادُ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ حَصَلَ فِي بَعْضٍ اتِّضَاحٌ قُلْنَا كَذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ السَّلَفُ، فَإِنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ وَجْهٌ مَثَلًا لَا كَوُجُوهِ الْحَوَادِثِ (قَوْلُهُ: مَعَ قَوْلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتِي وَقَوْلُهُ بِتَأْوِيلِهَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ وَقَوْلُهُ فِي أُصُولِ إلَخْ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ يَأْتِي (قَوْلُهُ:، وَهَذَا الِاصْطِلَاحُ إلَخْ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا الِاصْطِلَاحَ طَارِئٌ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّ الْمُحْكَمَ لُغَةً الْمُتْقَنُ وَالْمُتَشَابِهُ مَا تَمَاثَلَتْ أَبْعَاضُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ مُعْظَمُهُ (قَوْلُهُ: إلَّا عَلَى الْخَوَاصِّ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مَفْعُولٍ أَيْ خَفِيٍّ عَلَى كُلِّ النَّاسِ إلَّا عَلَى الْخَوَاصِّ. (قَوْلُهُ: لِامْتِنَاعِ تَخَاطُبِ غَيْرِهِمْ) يَعْنِي: أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْخِطَابِ الْإِفْهَامُ فَيَسْتَحِيلُ عَادَةُ التَّخَاطُبِ مَعَ عَدَمِ الْإِفْهَامِ بِخِلَافِ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ لَا يَتَعَيَّنُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ: الْإِفْهَامُ، فَيَجُوزُ خِطَابُهُ إيَّاهُمْ بِمَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَمَا سَبَقَ قَالَهُ: النَّاصِرُ. وَأَقُولُ: أَيُّ مَانِعٍ مِنْ أَنْ يُخَاطِبَ الْعَامِّيُّ عَامِّيًّا بِمَا لَا يَعْرِفَانِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ قَالَ لِي فُلَانٌ قُلْ لِفُلَانٍ أَحْضِرْ الأذغاغ مَثَلًا، ثُمَّ مِنْ أَسْمَائِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ دَقِيقَةٍ لَا يُدْرِكُ مَعْنَاهَا الْعَوَامُّ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهَا صِفَةُ مَدْحٍ فِي

стр. 351

(مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ) : أَيْ: وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَعَبَّرُوا عَنْ وَضْعِهِ بِالتَّوْقِيفِ لِإِدْرَاكِهِ بِهِ (عَلَّمَهَا اللَّهُ) عِبَادَهُ (بِالْوَحْيِ) إلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ (أَوْ خَلْقِ الْأَصْوَاتِ) فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ بِأَنْ تَدُلَّ مَنْ يَسْمَعُهَا مِنْ بَعْضِ الْعِبَادِ عَلَيْهَا (أَوْ) خَلِقِ (الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ) فِي بَعْضِ الْعِبَادِ بِهَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَوَّلُهَا؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي تَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى (وَعُزِيَ) ، أَيْ: الْقَوْلُ بِأَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ (إلَى الْأَشْعَرِيِّ) ، وَمُحَقِّقُو كَلَامِهِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَصْلًا وَاَسْتُدِلَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ، أَيْ: الْأَلْفَاظَ الشَّامِلَةَ لِلْأَسْمَاءِ، وَالْأَفْعَالِ، وَالْحُرُوفِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا اسْمٌ أَيْ عَلَامَةٌ عَلَى مُسَمَّاهُ وَتَخْصِيصُ الِاسْمِ بِبَعْضِهَا عُرْفٌ طَرَأَ وَتَعْلِيمُهُ تَعَالَى دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ ــ [حاشية العطار] الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْقَيُّومِ فَإِنَّهُمْ يَتَخَاطَبُونَ بِهِ وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْعِبَادِ وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ إلَخْ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ] (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ) مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، وَالْعُجْمَةِ وَفَتْحُ فَائِهِ أَشْهَرُ مِنْ ضَمِّهَا وَأَفْرَدَهُ؛ لِاشْتِهَارِهِ بِالْمَسْأَلَةِ، وَإِلَّا، فَهُوَ مِنْ الْجُمْهُورِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: تَوْقِيفِيَّةٌ) ، أَيْ: تَعْلِيمِيَّةٌ، أَيْ: عَلَّمَهَا اللَّهُ لَنَا هَذَا مَعْنَى التَّوْقِيفِ وَالشَّارِحُ فَسَّرَهُ بِالْوَضْعِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَجَازٌ بِقَوْلِهِ فَعَبَّرُوا وَأَشَارَ إلَى عَلَاقَةِ ذَلِكَ الْمَجَازِ بِقَوْلِهِ: لِإِدْرَاكِهِ بِهِ، فَالْعَلَاقَةُ السَّبَبِيَّةُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ سَبَبٌ فِي إدْرَاكِ الْوَضْعِ وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا اشْتَهَرَ هَلْ الْوَاضِعُ لِلُّغَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ الْبَشَرُ قِيلَ وَلَا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ حُكْمٌ وَأَنَّ ذِكْرَهَا فِي الْأُصُولِ فُضُولٌ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا طَوِيلُ الذَّيْلِ قَلِيلُ النَّيْلِ وَقِيلَ إنَّ لِلْخِلَافِ ثَمَرَةٌ فَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: ثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّوْقِيفِ جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِنًا لِكَمَالِ الْعَقْلِ، وَمَنْ قَالَ بِالِاصْطِلَاحِ أَخَّرَ التَّكْلِيفَ عَنْ الْعَقْلِ مِنْ الِاصْطِلَاحِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ اهـ. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِأَوَّلِ طَبَقَةٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ قَبْلَ الْفَهْمِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ قَطْعًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ، فَهْمُ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ، وَالْفَهْمِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ مُدَّةَ التَّعْلِيمِ وَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْجَهْلُ إلَّا الْإِثْمَ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ أَمْ لَا وَقِيلَ إنَّ ثَمَرَتَهُ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ تَغْيِيرِ اللُّغَةِ وَعَدَمِهِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِيَّاتِ فَعَلَى التَّوْقِيفِ لَا يَجُوزُ وَعَلَى الِاصْطِلَاحِ يَجُوزُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي مَوْضُوعَاتِهَا؛ وَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ نَعَمْ تَظْهَرُ الْحُرْمَةُ إنْ أَدَّى إلَى تَخْلِيطٍ فِي الشَّرَائِعِ. (قَوْلُهُ: لِإِدْرَاكِهِ بِهِ) ، أَيْ: إدْرَاكِ الْوَضْعِ بِالتَّوْقِيفِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ لِظَاهِرِ الْحَالِ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمُحْتَمَلِ أَنَّ التَّوْقِيفَ لِمَا وَضَعَهُ غَيْرُهُ. (قَوْلُهُ: إلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ) الظَّاهِرُ مِنْ السِّيَاقِ الْآتِي أَنَّهُ آدَم وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ جُمْلَةٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ تَكَرُّرِ النُّزُولِ بِأَنْ يُعَلِّمَ اللَّهُ آدَمَ شَيْئًا، ثُمَّ يُعَلِّمَ الْآخَرَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِتَوْقِيفٍ لِيَكُونَ تَجْدِيدًا لَا تَأْسِيسًا، أَوْ يَكُونَ الْمُوحَى إلَى النَّبِيِّ الثَّانِي لُغَاتٍ أُخَرَ (قَوْلُهُ: بِأَنْ تَدُلَّ) بِالْفَوْقِيَّةِ أَيْ الْأَصْوَاتُ، أَوْ بِالتَّحْتِيَّةِ، أَيْ: اللَّهُ مِنْ بَعْضِ الْعِبَادِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِنْ بَيَانٌ لِمَنْ يَسْمَعُهَا، وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بَعْضِ. (قَوْلُهُ: عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى اللُّغَاتِ، أَوْ عَلَى مَعَانِيهَا، فَالْأَصْوَاتُ الْمَخْلُوقَةُ عَلَى الْأَوَّلِ هِيَ قَوْلُ لَفْظُ كَذَا لِكَذَا فَيَكُونُ غَيْرَ اللُّغَاتِ؛ إذْ هِيَ مُعَرَّفَةٌ لَهَا وَعَلَى الثَّانِي هِيَ نَفْسُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمَعَانِي وَعَلَى كُلٍّ لَا بُدَّ مِنْ خَلْقِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُفْهَمُ بِهِ الْمَعْنَى؛ إذْ مُجَرَّدُ خَلْقِ الْأَصْوَاتِ لَا يَدُلُّ؛ وَلِذَلِكَ جَعَلَ السَّعْدُ الْخَلْقَ، وَالْإِلْهَامَ طَرِيقًا وَاحِدًا (وَقَوْلُهُ، أَيْ: الْقَوْلُ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّ ضَمِيرَهُ عَائِدٌ إلَى الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ (قَوْلُهُ:، وَمُحَقِّقُو إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ الضَّعْفِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعُزِيَ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَذْكُرُوهُ) ، أَيْ: الْأَشْعَرِيَّ (قَوْلُهُ: وَتَخْصِيصُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الدَّلِيلُ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ مَا قَابَلَ الْأَفْعَالَ، وَالْحُرُوفَ. (قَوْلُهُ: عُرْفٌ طَرَأَ) ، أَيْ: فَلَا يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ، فَالدَّلِيلُ تَامٌّ أَيْضًا؛ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ؛ وَلِأَنَّ التَّكَلُّمَ لِمُجَرَّدِ تَعْلِيمِ الْأَسْمَاءِ دُونَهُمَا مُتَعَذِّرًا، وَمُتَعَسِّرًا. (قَوْلُهُ: وَتَعْلِيمُهُ إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الدَّلَالَةِ. (قَوْلُهُ: دَالٌّ) ، أَيْ: دَلَالَةً ظَنِّيَّةً لَا قَطْعِيَّةً؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِعَلِمَ أُلْهِمَ

стр. 352

الْوَاضِعُ دُونَ الْبَشَرِ (وَ) قَالَ (أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ) هِيَ (اصْطِلَاحِيَّةٌ) ، أَيْ: وَضَعَهَا الْبَشَرُ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ (حَصَلَ عِرْفَانُهَا) لِغَيْرِهِ مِنْهُ (بِالْإِشَارَةِ، وَالْقَرِينَةِ كَالطِّفْلِ) ؛ إذْ يَعْرِفُ لُغَةَ (أَبَوَيْهِ) بِهِمَا وَاَسْتُدِلَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، أَيْ: بِلُغَتِهِمْ، فَهِيَ سَابِقَةٌ عَلَى الْبِعْثَةِ وَلَوْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً، وَالتَّعْلِيمُ بِالْوَحْيِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَتَأَخَّرَتْ عَنْهَا (وَ) قَالَ (الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ) إلَيْهِ مِنْهَا (فِي التَّعْرِيفِ) لِلْغَيْرِ (تَوْقِيفٌ) يَعْنِي: تَوْقِيفِيٌّ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَغَيْرُهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ) لِكَوْنِهِ تَوْقِيفِيًّا، أَوْ اصْطِلَاحِيًّا (وَقِيلَ: عَكْسُهُ) ، أَيْ: الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ اصْطِلَاحِيٌّ (وَغَيْرُهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ) وَلِلتَّوْقِيفِيِّ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْأَوَّلِ تَنْدَفِعُ بِالِاصْطِلَاحِ (وَتَوَقَّفَ كَثِيرٌ) مِنْ الْعُلَمَاءِ عَنْ الْقَوْلِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِتَعَارُضِ أَدِلَّتِهَا (، وَالْمُخْتَارُ الْوَقْفُ عَنْ الْقَطْعِ) بِوَاحِدٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ أَدِلَّتَهَا لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ (وَإِنَّ التَّوْقِيفَ) الَّذِي هُوَ أَوَّلُهَا (مَظْنُونٌ) لِظُهُورِ دَلِيلِهِ دُونَ الِاصْطِلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَدُّمِ اللُّغَةِ عَلَى الْبَعْثَةِ أَنْ تَكُونَ اصْطِلَاحِيَّةً لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ تَوْقِيفِيَّةً وَيَتَوَسَّطُ تَعْلِيمُهَا بِالْوَحْيِ بَيْنَ النُّبُوَّةِ، وَالرِّسَالَةِ ــ [حاشية العطار] أَوْ عُلِّمَ مَا سَبَقَ وَضْعُهُ. (قَوْلُهُ: دُونَ الْبَشَرِ) لَمْ يَقُلْ، وَالْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ غَيْرُ. (قَوْلُهُ: اصْطِلَاحِيَّةٌ) قِيلَ لَوْ كَانَتْ اصْطِلَاحِيَّةً لَجَازَ التَّغْيِيرُ بِأَنْ تَنْمَحِيَ وَتُنْسَى تِلْكَ اللُّغَاتُ بِوَاسِطَةِ قَوْمٍ حَدَثُوا وَحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ الْأَمَانُ عَنْ الشَّرْعِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ مُتَوَاتِرَةٌ نَعَمْ تَرْتَفِعُ الثِّقَةُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ. (قَوْلُهُ: حَصَلَ عِرْفَانُهَا إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَتْ اصْطِلَاحِيَّةً لَاحْتِيجَ فِي تَعْلِيمِهَا إلَى اصْطِلَاحٍ آخَرَ ضَرُورَةَ تَعْرِيفِهِ لِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَالتَّعْرِيفُ إنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ، وَالْغَرَضُ أَنْ لَا تَوْقِيفَ فَيُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَى ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ وَيَتَسَلْسَلُ، أَوْ يَدُورُ. (قَوْلُهُ: بِالْإِشَارَةِ) كَخُذْ هَذَا الْكِتَابَ وَقَوْلُهُ، وَالْقَرِينَةُ كَهَاتِ الْكِتَابَ مِنْ الْخِزَانَةِ مَثَلًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَ اسْمٌ لِهَذَا الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ. (قَوْلُهُ: أَيْ: بِلُغَتِهِمْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ إلَّا أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. (قَوْلُهُ: لَتَأَخَّرَتْ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ الْبِعْثَةِ، وَالْغَرَضُ أَنَّهَا سَابِقَةٌ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَلْزَمُ أَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ، وَمُتَأَخِّرَةٌ، وَذَلِكَ دَوْرٌ وَأُجِيبَ بِانْقِطَاعِ الدَّوْرِ بِأَنْ يُوحِيَ إلَيْهِ بِهَا فَيَعْلَمُهَا، ثُمَّ يُعْلِمُهَا، ثُمَّ يُبْعَثُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: يَعْنِي: تَوْقِيفِيٌّ) أَتَى بِالْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ الْأَمْرُ التَّوْقِيفِيُّ لَا التَّوْقِيفُ وَلِتَصْحِيحِ الْحَمْلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذْ لَا يُقَالُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفٌ. (قَوْلُهُ: لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) أَيْ فَيُوقِفُهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فَضْلًا مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ مُحْتَمِلٌ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَلَا يَدْعُو إلَى الِاصْطِلَاحِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ عَكْسُهُ) أَيْ الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّوْقِيفِ، وَالِاصْطِلَاحِ وَغَيْرُهُ تَوْقِيفِيٌّ وَالشَّارِحُ فَسَّرَ الْعَكْسَ بِمَا ذُكِرَ لِيُوَافِقَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ:، وَالْمُخْتَارُ الْوَقْفُ) قَالَ فِي الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ إنَّ النِّزَاعَ إنْ كَانَ فِي الْقَطْعِ، فَالصَّحِيحُ التَّوَقُّفُ، وَإِنْ كَانَ فِي الظُّهُورِ، فَالظَّاهِرُ قَوْلُ الشَّيْخِ. (قَوْلُهُ: مَظْنُونٌ) قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ تَعْيِينُ الْوَاضِعِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ (قَوْلُهُ: لِظُهُورِ دَلِيلِهِ) ؛ إذْ قَدْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ سِمَاتُ الْأَشْيَاءِ وَخَصَائِصُهَا مِثْلُ أَنْ يُعَلِّمَهُ تَعَالَى أَنَّ الْخَيْلَ لِلرُّكُوبِ، وَالْجَمَلَ لِلْحَمْلِ، وَالْحَمَلَ لِلْأَكْلِ، وَالثَّوْرَ لِلْحَرْثِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَا الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْمَعَانِي سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْأَلْفَاظُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ أَلْفَاظًا سَبَقَ وَضْعُهَا لِمَعَانٍ مِنْ أَقْوَامٍ قَبْلَهُ؛ إذْ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ قَبْلَ آدَمَ مِرَارًا مُتَكَثِّرَةً طَوَائِفَ مُخْتَلِفَةً مِنْ النَّاس وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ آدَم. وَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ حَدِيثَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مِائَةَ أَلْفِ آدَمَ» . (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَخْ) أَيْ حَتَّى يَلْزَمَ الدَّوْرُ السَّابِقُ. (قَوْلُهُ: وَيَتَوَسَّطُ تَعْلِيمُهَا إلَخْ) هَذَا عَلَى أَنَّ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ سَابِقَةٌ عَلَى رِسَالَتِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا مُتَقَارِنَانِ؛ وَلِذَلِكَ أَجَابَ بَعْضٌ عَنْ الدَّلِيلِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَدُّمِ الْوَحْيِ بِهَا أَنَّهُ نَبِيٌّ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ، وَالرِّسَالَةَ الْإِيحَاءُ بِالشَّرَائِعِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ آدَمَ كَانَ تَعَلُّمُهُ لِلْأَسْمَاءِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ إلَّا بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ، أَوْ يُقَالُ إنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْبَعْثَةِ وَنَفْسُ الْإِيحَاءِ بِهَا بِعْثَةٌ وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرِّسَالَةُ سَابِقَةً، وَلَكِنْ لَا يُبَلِّغُهُمْ

стр. 353

(مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ (وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ قِيَاسًا وَخَالَفَهُمْ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْإِمَامُ) الرَّازِيّ فَقَالُوا تَثْبُتُ، وَإِذَا اشْتَمَلَ مَعْنَى اسْمٍ عَلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِلتَّسْمِيَةِ كَالْخَمْرِ، أَيْ: الْمُسْكِرِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لِتَخْمِيرِهِ، أَيْ: تَغْطِيَتِهِ لِلْعَقْلِ وَوُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ ــ [حاشية العطار] إلَّا بَعْدَ تَعْلِيمِهِمْ اللُّغَةَ، وَالْمُرَادُ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، أَيْ: الَّذِي يُعَلِّمُهُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبَحْثَ لَا يَرِدُ إلَّا لَوْ أُرِيدَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ لِقَوْمٍ مُسْلِمِينَ، أَوْ كُفَّارٍ إمَّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ لِقَوْمٍ كُفَّارٍ فَلَا يَرِدُ الْبَحْثُ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ أُرْسِلَ إلَى الْكُفَّارِ نُوحٌ ﵇، وَاللُّغَاتُ تَقَرَّرَتْ قَبْلَهُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ لَمْ يُرْسَلْ إلَى الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ بَنِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كُفَّارٌ. [مَسْأَلَةٌ ثْبُوت اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ] (لَطِيفَةٌ) رَأَيْت فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّهُ لَمَّا أُلْقِيَ إبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، وَمَعَهُ طَنْفَسَةٌ وَقَعَدَ يُحَدِّثُهُ وَرَأَى أَبُو إبْرَاهِيمَ بَعْدَ سَبْعِ لَيَالٍ كَأَنَّ إبْرَاهِيمَ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِطِ فَأَتَى نُمْرُودَ الْجَبَّارَ فَقَالَ لَهُ ائْذَنْ لِي فِي عِظَامِ إبْرَاهِيمَ أَدْفِنُهَا فَرَكِبَ نُمْرُودُ الْجَبَّارُ، وَمَعَهُ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ فَأَتَى الْحَائِطَ فَثَقَبَهُ فَخَرَجَ جِبْرِيلُ فِي وُجُوهِهِمْ فَوَلَّوْا هَارِبِينَ فَتَبَلْبَلُوا عِنْدَ ذَلِكَ فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمِّيَتْ الْأَرْضُ بَابِلَ وَكَانَتْ الْأَلْسُنُ كُلُّهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَتَفَرَّقُوا فَصَارَتْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لُغَةً لَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ كَلَامَ صَاحِبِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ إنَّ الَّذِي يَدَّعِي ذَلِكَ يَعْنِي: الْقِيَاسَ إنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَرَبَ أَرَادَتْهُ وَلَمْ تَبُحْ بِهِ، فَهُوَ مُتَحَكِّمٌ مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ وَتَوْقِيفٍ فَإِنَّ اللُّغَاتِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهَا ادِّعَاءُ نَقْلٍ، وَإِنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَعْنِ ذَلِكَ فَإِلْحَاقُ الشَّيْءِ بِلِسَانِهَا، وَهِيَ لَمْ تُرِدْهُ مُحَالٌ، وَالْقَائِسُ فِي حُكْمِ مَنْ يَبْتَدِئُ وَضْعَ صِيغَةٍ اهـ. (قَوْلُهُ: قِيَاسًا) هَذَا مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ نَقْلٌ مَحْضٌ فَلَا يَدْخُلُهَا قِيَاسٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَبِاسْتِنْبَاطِ الْعَقْلِ أَنَّ مَا هُنَا اسْتِنْبَاطُ اسْمٍ لِآخَرَ بِقِيَاسٍ أُصُولِيٍّ وَثَمَّ اسْتِنْبَاطُ وَصْفٍ لِاسْمٍ بِقِيَاسٍ مَنْطِقِيٍّ. (قَوْلُهُ: وَخَالَفَهُمْ) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ اطَّلَعُوا عَلَى كَلَامِ الْأَوَّلِينَ وَخَالَفُوهُمْ مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ كَابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي إِسْحَاقَ فَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ قَالُوا بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ، أَوْ فِي الْكَلَامِ تَغْلِيبٌ فَغَلَبَ مَنْ خَالَفَهُمْ حَقِيقَةً كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ عَلَى غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا اشْتَمَلَ) بَيَانٌ لِلثُّبُوتِ. (قَوْلُهُ: مَعْنَى اسْمٍ إلَخْ) الِاسْمُ كَالْخَمْرِ، وَمَعْنَاهُ الْمُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَالْوَصْفُ هُوَ تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَعْلَامَ لَا يَجْرِي فِيهَا الْقِيَاسُ لِفَقْدِ

стр. 354

فِي مَعْنًى آخَرَ كَالنَّبِيذِ، أَيْ: الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ مَاءِ الْعِنَبِ ثَبَتَ لَهُ بِالْقِيَاسِ ذَلِكَ الِاسْمُ لُغَةً فَيُسَمَّى النَّبِيذُ خَمْرًا فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ بِآيَةِ ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] لَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَمْرِ، وَسَوَاءٌ فِي الثُّبُوتِ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازُ. (وَقِيلَ: تَثْبُتُ الْحَقِيقَةُ لَا الْمَجَازُ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْهَا (وَلَفْظُ الْقِيَاسِ) فِيمَا ذُكِرَ (يُغْنِي عَنْ قَوْلِك) أَخْذًا مِنْ ابْنِ الْحَاجِبِ (مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَثْبُتْ تَعْمِيمُهُ بِاسْتِقْرَاءٍ) فَإِنَّ مَا ثَبَتَ تَعْمِيمُهُ بِذَلِكَ مِنْ اللُّغَةِ كَرَفْعِ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ لَا حَاجَةَ فِي ثُبُوتِ مَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إلَى الْقِيَاسِ حَتَّى يُخْتَلَفَ فِي ثُبُوتِهِ وَأَشَارَ كَمَا قَالَ بِذِكْرِ قَائِلِي الْقَوْلَيْنِ ــ [حاشية العطار] هَذِهِ الْعِلَّةِ فِيهَا. (قَوْلُهُ: فِي مَعْنًى آخَرَ) بِالْإِضَافَةِ وَبِالتَّوْصِيفِ. (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ) إشَارَةٌ إلَى بَيَانِ الْفَائِدَةِ فِي ثُبُوتِ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ فِي النَّبِيذِ مَثَلًا عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْخَمْرِ شَرْعًا، وَعَنْ النَّظَرِ فِي شَرَائِطِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ هَلْ وُجِدَتْ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَقُولُ بِثُبُوتِ اللُّغَةِ قِيَاسًا فَيَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، أَوْ إلَى دَلِيلٍ مِنْ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي الثُّبُوتِ إلَخْ) هَذَا التَّعْمِيمُ أَخَذَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْمُقَابِلِ. (قَوْلُهُ: لَا الْمَجَازُ) فَلَا يُسْتَعْمَلُ الْأَسَدُ فِي النَّمِرِ مَثَلًا لِعَلَاقَةِ الْجَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ فِيهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْعَلَاقَةِ سَمَاعُ النَّوْعِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ الشَّخْصِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا اسْتَشْكَلَهُ سم مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ إذَا تَجَوَّزَتْ بِكَلِمَةٍ عَنْ مَوْضُوعِهَا وَتَجَوَّزْنَا فِيهَا لِمَعْنًى آخَرَ فَإِنْ وُجِدَتْ عَلَاقَةٌ بَيْنَ هَذَا الْمَجَازِ الَّذِي اسْتَعْمَلْنَاهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَذَاكَ لَيْسَ بِقِيَاسٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ أَجَازَتْ الِاسْتِعْمَالَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وُجِدَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ عَلَاقَةٌ، وَإِنْ لَاحَظْنَا الْعَلَاقَةَ بَيْنَ مَا تَجَوَّزْنَا فِيهِ وَتَجَوَّزُوا فِيهِ أَعْنِي بَيْنَ الْمَجَازَيْنِ وَلَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْعَلَاقَةُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، فَالْقِيَاسُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُشْتَمِلًا عَلَى عِلَّةٍ تُوجَدُ فِي الْأَصْلِ، وَالْعِلَّةُ هِيَ الْعَلَاقَةُ وَلَمْ تُوجَدْ اهـ. فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْعَلَاقَةِ سَمَاعُ نَوْعِهَا فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ أَخْفَضُ رُتْبَةً إلَخْ) ، أَيْ: فَلَا يُحْتَمَلُ التَّوَسُّعُ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَا يُقَاسُ عَلَى الْمَجَازِيِّ؛ إذْ لَا ضَرُورَةَ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ قَدْ يَنْعَكِسُ فَيُقَالُ حَيْثُ تُوُسِّعَ فِيهِ أَوَّلًا جَازَ أَنْ يُتَوَسَّعَ فِيهِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَحَلًّا لِلتَّوَسُّعِ. (قَوْلُهُ: يُغْنِي إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إلْحَاقُ مَسْكُوتٍ بِمَنْطُوقٍ وَكُلُّ مَعْنًى انْدَرَجَ تَحْتَ عَامٍّ ثَبَتَ عُمُومُهُ بِاسْتِقْرَاءٍ، أَوْ بِنَقْلٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ مَنْطُوقٌ لَا مَسْكُوتٌ. (قَوْلُهُ: تَعْمِيمُهُ) ، أَيْ: لِجَمِيعِ الْمَعَانِي الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ فَإِنَّ الْوَاضِعَ إذَا وَضَعَ لَفْظًا يَعُمُّ بِاسْتِقْرَاءٍ مَنْ اللُّغَةِ كَصِيغَةِ الْمُصَغَّرِ، وَالْمَنْسُوبِ، وَالْمُشْتَقِّ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَحَقَّقَ فِيهِ الْوَضْعُ النَّوْعِيُّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ سَمَاعُ مَا صَدَقَاتِهِ مِنْ الْوَاضِعِ، بَلْ يَكْفِي سَمَاعُهُ مِنْهُ، وَالِاسْتِعْمَالُ مُفَوَّضٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ. (قَوْلُهُ: بِاسْتِقْرَاءٍ) اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ النَّقْلُ مِثْلَهُ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ الْأَوْلَى. (قَوْلُهُ: كَرَفْعِ الْفَاعِلِ) إذَا حَصَلَ لَنَا

стр. 355

إلَى اعْتِدَالِهِمَا خِلَافَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى النَّفْيِ وَبِذِكْرِ الْقَاضِي مِنْ النَّافِينَ إلَى أَنَّ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْمُثْبِتِينَ كَالْآمِدِيِّ لَمْ يُحَرِّرْ النَّقْلَ عَنْهُ لِتَصْرِيحِهِ بِالنَّفْيِ فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ ــ [حاشية العطار] بِاسْتِقْرَاءِ جُزْئِيَّاتِ الْفَاعِلِ مَثَلًا قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ هِيَ أَنَّ كُلَّ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ فَإِذَا رَفَعْنَا فَاعِلًا لَمْ نَسْمَعْ رَفْعَهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا؛ لِانْدِرَاجِهِ فِيهَا وَأُورِدَ أَنَّ الرَّفْعَ مِنْ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّهُ كَيْفِيَّةُ اللَّفْظِ فَلَيْسَ مِنْ اللُّغَةِ الَّتِي هِيَ الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْمَعَانِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْإِعْرَابَ لَفْظِيٌّ وَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَرَكَاتِ، وَهِيَ أَحْرُفٌ صَغِيرَةٌ تَأْتِي بَعْدَ الْحَرْفِ فَيَضْمَحِلُّ سُكُونُهُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الرَّضِيُّ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ، فَالْمُرَادُ كَالْفَاعِلِ مِنْ حَيْثُ رَفْعُهُ وَيَرُدُّ عَلَى الْجَوَابِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَلْفَاظِ الْإِفْرَادِيَّةِ مِنْ حَيْثُ مَعَانِيهَا، وَالرَّفْعُ، وَالنَّصْبُ مِنْ الْأَحْكَامِ التَّرْكِيبِيَّةِ. وَقَدْ يُدَّعَى شُمُولُ اللُّغَةِ لَهَا فَيَنْدَفِعُ، أَوْ أَنَّ الْكَافَ لِلتَّنْظِيرِ وَأُورِدَ أَيْضًا أَنَّهُ جَعَلَ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْمَعْنَى مَعَ أَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ كَمَا يَأْتِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، أَيْ: الشُّمُولِ وَاَلَّذِي مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ الْعُمُومُ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إرَادَتِهِ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ وَوَصْفُ الْمَعْنَى بِهِ مَجَازٌ. (قَوْلُهُ: إلَى اعْتِدَالِهِمَا) إنْ أَرَادَ التَّسَاوِي مِنْ حَيْثُ الْقَائِلُ فَفِيهِ أَنَّ الْمُثْبَتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَمَنْ أَثْبَتَ الْأَكْثَرِيَّةَ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مُقَدَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ التَّسَاوِي مِنْ حَيْثُ الْقَوْلُ، فَالتَّرْجِيحُ بِالدَّلِيلِ لَا بِالْقَائِلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْمُثْبَتِ مُقَدَّمًا عَلَى النَّافِي عِنْدَ جَهْلِ الْوَاقِعِ أَمَّا إذَا عُلِمَ الْوَاقِعُ وَأَنَّ الْقَائِلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَالنَّافِي لِأَكْثَرِيَّةِ الْقَائِلَيْنِ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُثْبَتِ وَأَنَّ مَحَلَّ التَّرْجِيحِ بِالدَّلِيلِ لَا بِالْقَائِلَيْنِ إذَا أَبْدَى أَحَدُ الْقَائِلَيْنِ مَطْعَنًا. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبْدِ، فَالتَّرْجِيحُ بِعَدَدِ الْقَائِلِ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ خِلَافَ قَوْلِ إلَخْ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْقِيَاسِ تَرْجِيحُ الثَّانِي، وَإِلَيْهِ عَزَاهُ الشَّارِحُ ثَمَّ وَرَجَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ. (قَوْلُهُ: قَوْلِ بَعْضِهِمْ) ، وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ (قَوْلُهُ: كَالْآمِدِيِّ) تَمْثِيلٌ لِمَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْمُثْبِتِينَ لَا لِلتَّنْظِيرِ مَعَ الْقَاضِي. [وَمَسْأَلَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إنْ اتَّحِدَا] (قَوْلُهُ: اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى إلَخْ) اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الِاسْمَ صَالِحٌ لَأَنْ يَنْقَسِمَ إلَى الْجُزْئِيِّ، وَالْكُلِّيِّ الْمُنْقَسِمِ إلَى الْمُتَوَاطِئِ، وَالْمُشَكِّكِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، وَالْحَرْفِ كَمَا أَفْصَحَ بِسِرِّ ذَلِكَ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ. وَأَمَّا الِانْقِسَامُ إلَى الْمُشْتَرَكِ، وَالْمَنْقُولِ بِأَقْسَامِهِ، وَإِلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ فَلَيْسَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالِاسْمِ وَحْدَهُ فَإِنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا كَخَلَقَ بِمَعْنَى أَوْجَدَ وَافْتَرَى، وَعَسْعَسَ بِمَعْنَى أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. وَقَدْ يَكُونُ مَنْقُولًا كَصَلَّى، وَقَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً كَقَتَلَ؛ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَجَازًا بِمَعْنَى ضَرَبَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَكَذَا الْحَرْفُ أَيْضًا كَمِنْ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ، وَالتَّبْعِيضِ، وَقَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً كَفِي إذَا اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى
следующие страницы →