← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ) : أَيْ: وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَعَبَّرُوا عَنْ وَضْعِهِ بِالتَّوْقِيفِ لِإِدْرَاكِهِ بِهِ (عَلَّمَهَا اللَّهُ) عِبَادَهُ (بِالْوَحْيِ) إلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ (أَوْ خَلْقِ الْأَصْوَاتِ) فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ بِأَنْ تَدُلَّ مَنْ يَسْمَعُهَا مِنْ بَعْضِ الْعِبَادِ عَلَيْهَا (أَوْ) خَلِقِ (الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ) فِي بَعْضِ الْعِبَادِ بِهَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَوَّلُهَا؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي تَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى (وَعُزِيَ) ، أَيْ: الْقَوْلُ بِأَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ (إلَى الْأَشْعَرِيِّ) ، وَمُحَقِّقُو كَلَامِهِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَصْلًا وَاَسْتُدِلَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ، أَيْ: الْأَلْفَاظَ الشَّامِلَةَ لِلْأَسْمَاءِ، وَالْأَفْعَالِ، وَالْحُرُوفِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا اسْمٌ أَيْ عَلَامَةٌ عَلَى مُسَمَّاهُ وَتَخْصِيصُ الِاسْمِ بِبَعْضِهَا عُرْفٌ طَرَأَ وَتَعْلِيمُهُ تَعَالَى دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ ــ [حاشية العطار] الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْقَيُّومِ فَإِنَّهُمْ يَتَخَاطَبُونَ بِهِ وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْعِبَادِ وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ إلَخْ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ] (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ) مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، وَالْعُجْمَةِ وَفَتْحُ فَائِهِ أَشْهَرُ مِنْ ضَمِّهَا وَأَفْرَدَهُ؛ لِاشْتِهَارِهِ بِالْمَسْأَلَةِ، وَإِلَّا، فَهُوَ مِنْ الْجُمْهُورِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: تَوْقِيفِيَّةٌ) ، أَيْ: تَعْلِيمِيَّةٌ، أَيْ: عَلَّمَهَا اللَّهُ لَنَا هَذَا مَعْنَى التَّوْقِيفِ وَالشَّارِحُ فَسَّرَهُ بِالْوَضْعِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَجَازٌ بِقَوْلِهِ فَعَبَّرُوا وَأَشَارَ إلَى عَلَاقَةِ ذَلِكَ الْمَجَازِ بِقَوْلِهِ: لِإِدْرَاكِهِ بِهِ، فَالْعَلَاقَةُ السَّبَبِيَّةُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ سَبَبٌ فِي إدْرَاكِ الْوَضْعِ وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا اشْتَهَرَ هَلْ الْوَاضِعُ لِلُّغَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ الْبَشَرُ قِيلَ وَلَا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ حُكْمٌ وَأَنَّ ذِكْرَهَا فِي الْأُصُولِ فُضُولٌ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا طَوِيلُ الذَّيْلِ قَلِيلُ النَّيْلِ وَقِيلَ إنَّ لِلْخِلَافِ ثَمَرَةٌ فَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: ثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّوْقِيفِ جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِنًا لِكَمَالِ الْعَقْلِ، وَمَنْ قَالَ بِالِاصْطِلَاحِ أَخَّرَ التَّكْلِيفَ عَنْ الْعَقْلِ مِنْ الِاصْطِلَاحِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ اهـ. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِأَوَّلِ طَبَقَةٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ قَبْلَ الْفَهْمِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ قَطْعًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ، فَهْمُ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ، وَالْفَهْمِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ مُدَّةَ التَّعْلِيمِ وَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْجَهْلُ إلَّا الْإِثْمَ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ أَمْ لَا وَقِيلَ إنَّ ثَمَرَتَهُ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ تَغْيِيرِ اللُّغَةِ وَعَدَمِهِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِيَّاتِ فَعَلَى التَّوْقِيفِ لَا يَجُوزُ وَعَلَى الِاصْطِلَاحِ يَجُوزُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي مَوْضُوعَاتِهَا؛ وَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ نَعَمْ تَظْهَرُ الْحُرْمَةُ إنْ أَدَّى إلَى تَخْلِيطٍ فِي الشَّرَائِعِ. (قَوْلُهُ: لِإِدْرَاكِهِ بِهِ) ، أَيْ: إدْرَاكِ الْوَضْعِ بِالتَّوْقِيفِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ لِظَاهِرِ الْحَالِ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمُحْتَمَلِ أَنَّ التَّوْقِيفَ لِمَا وَضَعَهُ غَيْرُهُ. (قَوْلُهُ: إلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ) الظَّاهِرُ مِنْ السِّيَاقِ الْآتِي أَنَّهُ آدَم وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ جُمْلَةٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ تَكَرُّرِ النُّزُولِ بِأَنْ يُعَلِّمَ اللَّهُ آدَمَ شَيْئًا، ثُمَّ يُعَلِّمَ الْآخَرَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِتَوْقِيفٍ لِيَكُونَ تَجْدِيدًا لَا تَأْسِيسًا، أَوْ يَكُونَ الْمُوحَى إلَى النَّبِيِّ الثَّانِي لُغَاتٍ أُخَرَ (قَوْلُهُ: بِأَنْ تَدُلَّ) بِالْفَوْقِيَّةِ أَيْ الْأَصْوَاتُ، أَوْ بِالتَّحْتِيَّةِ، أَيْ: اللَّهُ مِنْ بَعْضِ الْعِبَادِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِنْ بَيَانٌ لِمَنْ يَسْمَعُهَا، وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بَعْضِ. (قَوْلُهُ: عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى اللُّغَاتِ، أَوْ عَلَى مَعَانِيهَا، فَالْأَصْوَاتُ الْمَخْلُوقَةُ عَلَى الْأَوَّلِ هِيَ قَوْلُ لَفْظُ كَذَا لِكَذَا فَيَكُونُ غَيْرَ اللُّغَاتِ؛ إذْ هِيَ مُعَرَّفَةٌ لَهَا وَعَلَى الثَّانِي هِيَ نَفْسُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمَعَانِي وَعَلَى كُلٍّ لَا بُدَّ مِنْ خَلْقِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُفْهَمُ بِهِ الْمَعْنَى؛ إذْ مُجَرَّدُ خَلْقِ الْأَصْوَاتِ لَا يَدُلُّ؛ وَلِذَلِكَ جَعَلَ السَّعْدُ الْخَلْقَ، وَالْإِلْهَامَ طَرِيقًا وَاحِدًا (وَقَوْلُهُ، أَيْ: الْقَوْلُ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّ ضَمِيرَهُ عَائِدٌ إلَى الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ (قَوْلُهُ:، وَمُحَقِّقُو إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ الضَّعْفِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعُزِيَ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَذْكُرُوهُ) ، أَيْ: الْأَشْعَرِيَّ (قَوْلُهُ: وَتَخْصِيصُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الدَّلِيلُ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ مَا قَابَلَ الْأَفْعَالَ، وَالْحُرُوفَ. (قَوْلُهُ: عُرْفٌ طَرَأَ) ، أَيْ: فَلَا يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ، فَالدَّلِيلُ تَامٌّ أَيْضًا؛ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ؛ وَلِأَنَّ التَّكَلُّمَ لِمُجَرَّدِ تَعْلِيمِ الْأَسْمَاءِ دُونَهُمَا مُتَعَذِّرًا، وَمُتَعَسِّرًا. (قَوْلُهُ: وَتَعْلِيمُهُ إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الدَّلَالَةِ. (قَوْلُهُ: دَالٌّ) ، أَيْ: دَلَالَةً ظَنِّيَّةً لَا قَطْعِيَّةً؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِعَلِمَ أُلْهِمَ

стр. 352

الْوَاضِعُ دُونَ الْبَشَرِ (وَ) قَالَ (أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ) هِيَ (اصْطِلَاحِيَّةٌ) ، أَيْ: وَضَعَهَا الْبَشَرُ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ (حَصَلَ عِرْفَانُهَا) لِغَيْرِهِ مِنْهُ (بِالْإِشَارَةِ، وَالْقَرِينَةِ كَالطِّفْلِ) ؛ إذْ يَعْرِفُ لُغَةَ (أَبَوَيْهِ) بِهِمَا وَاَسْتُدِلَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، أَيْ: بِلُغَتِهِمْ، فَهِيَ سَابِقَةٌ عَلَى الْبِعْثَةِ وَلَوْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً، وَالتَّعْلِيمُ بِالْوَحْيِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَتَأَخَّرَتْ عَنْهَا (وَ) قَالَ (الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ) إلَيْهِ مِنْهَا (فِي التَّعْرِيفِ) لِلْغَيْرِ (تَوْقِيفٌ) يَعْنِي: تَوْقِيفِيٌّ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَغَيْرُهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ) لِكَوْنِهِ تَوْقِيفِيًّا، أَوْ اصْطِلَاحِيًّا (وَقِيلَ: عَكْسُهُ) ، أَيْ: الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ اصْطِلَاحِيٌّ (وَغَيْرُهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ) وَلِلتَّوْقِيفِيِّ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْأَوَّلِ تَنْدَفِعُ بِالِاصْطِلَاحِ (وَتَوَقَّفَ كَثِيرٌ) مِنْ الْعُلَمَاءِ عَنْ الْقَوْلِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِتَعَارُضِ أَدِلَّتِهَا (، وَالْمُخْتَارُ الْوَقْفُ عَنْ الْقَطْعِ) بِوَاحِدٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ أَدِلَّتَهَا لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ (وَإِنَّ التَّوْقِيفَ) الَّذِي هُوَ أَوَّلُهَا (مَظْنُونٌ) لِظُهُورِ دَلِيلِهِ دُونَ الِاصْطِلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَدُّمِ اللُّغَةِ عَلَى الْبَعْثَةِ أَنْ تَكُونَ اصْطِلَاحِيَّةً لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ تَوْقِيفِيَّةً وَيَتَوَسَّطُ تَعْلِيمُهَا بِالْوَحْيِ بَيْنَ النُّبُوَّةِ، وَالرِّسَالَةِ ــ [حاشية العطار] أَوْ عُلِّمَ مَا سَبَقَ وَضْعُهُ. (قَوْلُهُ: دُونَ الْبَشَرِ) لَمْ يَقُلْ، وَالْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ غَيْرُ. (قَوْلُهُ: اصْطِلَاحِيَّةٌ) قِيلَ لَوْ كَانَتْ اصْطِلَاحِيَّةً لَجَازَ التَّغْيِيرُ بِأَنْ تَنْمَحِيَ وَتُنْسَى تِلْكَ اللُّغَاتُ بِوَاسِطَةِ قَوْمٍ حَدَثُوا وَحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ الْأَمَانُ عَنْ الشَّرْعِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ مُتَوَاتِرَةٌ نَعَمْ تَرْتَفِعُ الثِّقَةُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ. (قَوْلُهُ: حَصَلَ عِرْفَانُهَا إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَتْ اصْطِلَاحِيَّةً لَاحْتِيجَ فِي تَعْلِيمِهَا إلَى اصْطِلَاحٍ آخَرَ ضَرُورَةَ تَعْرِيفِهِ لِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَالتَّعْرِيفُ إنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ، وَالْغَرَضُ أَنْ لَا تَوْقِيفَ فَيُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَى ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ وَيَتَسَلْسَلُ، أَوْ يَدُورُ. (قَوْلُهُ: بِالْإِشَارَةِ) كَخُذْ هَذَا الْكِتَابَ وَقَوْلُهُ، وَالْقَرِينَةُ كَهَاتِ الْكِتَابَ مِنْ الْخِزَانَةِ مَثَلًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَ اسْمٌ لِهَذَا الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ. (قَوْلُهُ: أَيْ: بِلُغَتِهِمْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ إلَّا أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. (قَوْلُهُ: لَتَأَخَّرَتْ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ الْبِعْثَةِ، وَالْغَرَضُ أَنَّهَا سَابِقَةٌ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَلْزَمُ أَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ، وَمُتَأَخِّرَةٌ، وَذَلِكَ دَوْرٌ وَأُجِيبَ بِانْقِطَاعِ الدَّوْرِ بِأَنْ يُوحِيَ إلَيْهِ بِهَا فَيَعْلَمُهَا، ثُمَّ يُعْلِمُهَا، ثُمَّ يُبْعَثُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: يَعْنِي: تَوْقِيفِيٌّ) أَتَى بِالْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ الْأَمْرُ التَّوْقِيفِيُّ لَا التَّوْقِيفُ وَلِتَصْحِيحِ الْحَمْلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذْ لَا يُقَالُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفٌ. (قَوْلُهُ: لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) أَيْ فَيُوقِفُهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فَضْلًا مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ مُحْتَمِلٌ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَلَا يَدْعُو إلَى الِاصْطِلَاحِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ عَكْسُهُ) أَيْ الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّوْقِيفِ، وَالِاصْطِلَاحِ وَغَيْرُهُ تَوْقِيفِيٌّ وَالشَّارِحُ فَسَّرَ الْعَكْسَ بِمَا ذُكِرَ لِيُوَافِقَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ:، وَالْمُخْتَارُ الْوَقْفُ) قَالَ فِي الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ إنَّ النِّزَاعَ إنْ كَانَ فِي الْقَطْعِ، فَالصَّحِيحُ التَّوَقُّفُ، وَإِنْ كَانَ فِي الظُّهُورِ، فَالظَّاهِرُ قَوْلُ الشَّيْخِ. (قَوْلُهُ: مَظْنُونٌ) قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ تَعْيِينُ الْوَاضِعِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ (قَوْلُهُ: لِظُهُورِ دَلِيلِهِ) ؛ إذْ قَدْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ سِمَاتُ الْأَشْيَاءِ وَخَصَائِصُهَا مِثْلُ أَنْ يُعَلِّمَهُ تَعَالَى أَنَّ الْخَيْلَ لِلرُّكُوبِ، وَالْجَمَلَ لِلْحَمْلِ، وَالْحَمَلَ لِلْأَكْلِ، وَالثَّوْرَ لِلْحَرْثِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَا الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْمَعَانِي سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْأَلْفَاظُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ أَلْفَاظًا سَبَقَ وَضْعُهَا لِمَعَانٍ مِنْ أَقْوَامٍ قَبْلَهُ؛ إذْ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ قَبْلَ آدَمَ مِرَارًا مُتَكَثِّرَةً طَوَائِفَ مُخْتَلِفَةً مِنْ النَّاس وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ آدَم. وَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ حَدِيثَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مِائَةَ أَلْفِ آدَمَ» . (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَخْ) أَيْ حَتَّى يَلْزَمَ الدَّوْرُ السَّابِقُ. (قَوْلُهُ: وَيَتَوَسَّطُ تَعْلِيمُهَا إلَخْ) هَذَا عَلَى أَنَّ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ سَابِقَةٌ عَلَى رِسَالَتِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا مُتَقَارِنَانِ؛ وَلِذَلِكَ أَجَابَ بَعْضٌ عَنْ الدَّلِيلِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَدُّمِ الْوَحْيِ بِهَا أَنَّهُ نَبِيٌّ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ، وَالرِّسَالَةَ الْإِيحَاءُ بِالشَّرَائِعِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ آدَمَ كَانَ تَعَلُّمُهُ لِلْأَسْمَاءِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ إلَّا بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ، أَوْ يُقَالُ إنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْبَعْثَةِ وَنَفْسُ الْإِيحَاءِ بِهَا بِعْثَةٌ وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرِّسَالَةُ سَابِقَةً، وَلَكِنْ لَا يُبَلِّغُهُمْ

стр. 353

(مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ (وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ قِيَاسًا وَخَالَفَهُمْ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْإِمَامُ) الرَّازِيّ فَقَالُوا تَثْبُتُ، وَإِذَا اشْتَمَلَ مَعْنَى اسْمٍ عَلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِلتَّسْمِيَةِ كَالْخَمْرِ، أَيْ: الْمُسْكِرِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لِتَخْمِيرِهِ، أَيْ: تَغْطِيَتِهِ لِلْعَقْلِ وَوُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ ــ [حاشية العطار] إلَّا بَعْدَ تَعْلِيمِهِمْ اللُّغَةَ، وَالْمُرَادُ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، أَيْ: الَّذِي يُعَلِّمُهُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبَحْثَ لَا يَرِدُ إلَّا لَوْ أُرِيدَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ لِقَوْمٍ مُسْلِمِينَ، أَوْ كُفَّارٍ إمَّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ لِقَوْمٍ كُفَّارٍ فَلَا يَرِدُ الْبَحْثُ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ أُرْسِلَ إلَى الْكُفَّارِ نُوحٌ ﵇، وَاللُّغَاتُ تَقَرَّرَتْ قَبْلَهُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ لَمْ يُرْسَلْ إلَى الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ بَنِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كُفَّارٌ. [مَسْأَلَةٌ ثْبُوت اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ] (لَطِيفَةٌ) رَأَيْت فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّهُ لَمَّا أُلْقِيَ إبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، وَمَعَهُ طَنْفَسَةٌ وَقَعَدَ يُحَدِّثُهُ وَرَأَى أَبُو إبْرَاهِيمَ بَعْدَ سَبْعِ لَيَالٍ كَأَنَّ إبْرَاهِيمَ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِطِ فَأَتَى نُمْرُودَ الْجَبَّارَ فَقَالَ لَهُ ائْذَنْ لِي فِي عِظَامِ إبْرَاهِيمَ أَدْفِنُهَا فَرَكِبَ نُمْرُودُ الْجَبَّارُ، وَمَعَهُ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ فَأَتَى الْحَائِطَ فَثَقَبَهُ فَخَرَجَ جِبْرِيلُ فِي وُجُوهِهِمْ فَوَلَّوْا هَارِبِينَ فَتَبَلْبَلُوا عِنْدَ ذَلِكَ فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمِّيَتْ الْأَرْضُ بَابِلَ وَكَانَتْ الْأَلْسُنُ كُلُّهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَتَفَرَّقُوا فَصَارَتْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لُغَةً لَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ كَلَامَ صَاحِبِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ إنَّ الَّذِي يَدَّعِي ذَلِكَ يَعْنِي: الْقِيَاسَ إنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَرَبَ أَرَادَتْهُ وَلَمْ تَبُحْ بِهِ، فَهُوَ مُتَحَكِّمٌ مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ وَتَوْقِيفٍ فَإِنَّ اللُّغَاتِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهَا ادِّعَاءُ نَقْلٍ، وَإِنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَعْنِ ذَلِكَ فَإِلْحَاقُ الشَّيْءِ بِلِسَانِهَا، وَهِيَ لَمْ تُرِدْهُ مُحَالٌ، وَالْقَائِسُ فِي حُكْمِ مَنْ يَبْتَدِئُ وَضْعَ صِيغَةٍ اهـ. (قَوْلُهُ: قِيَاسًا) هَذَا مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ نَقْلٌ مَحْضٌ فَلَا يَدْخُلُهَا قِيَاسٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَبِاسْتِنْبَاطِ الْعَقْلِ أَنَّ مَا هُنَا اسْتِنْبَاطُ اسْمٍ لِآخَرَ بِقِيَاسٍ أُصُولِيٍّ وَثَمَّ اسْتِنْبَاطُ وَصْفٍ لِاسْمٍ بِقِيَاسٍ مَنْطِقِيٍّ. (قَوْلُهُ: وَخَالَفَهُمْ) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ اطَّلَعُوا عَلَى كَلَامِ الْأَوَّلِينَ وَخَالَفُوهُمْ مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ كَابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي إِسْحَاقَ فَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ قَالُوا بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ، أَوْ فِي الْكَلَامِ تَغْلِيبٌ فَغَلَبَ مَنْ خَالَفَهُمْ حَقِيقَةً كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ عَلَى غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا اشْتَمَلَ) بَيَانٌ لِلثُّبُوتِ. (قَوْلُهُ: مَعْنَى اسْمٍ إلَخْ) الِاسْمُ كَالْخَمْرِ، وَمَعْنَاهُ الْمُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَالْوَصْفُ هُوَ تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَعْلَامَ لَا يَجْرِي فِيهَا الْقِيَاسُ لِفَقْدِ

стр. 354

فِي مَعْنًى آخَرَ كَالنَّبِيذِ، أَيْ: الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ مَاءِ الْعِنَبِ ثَبَتَ لَهُ بِالْقِيَاسِ ذَلِكَ الِاسْمُ لُغَةً فَيُسَمَّى النَّبِيذُ خَمْرًا فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ بِآيَةِ ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] لَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَمْرِ، وَسَوَاءٌ فِي الثُّبُوتِ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازُ. (وَقِيلَ: تَثْبُتُ الْحَقِيقَةُ لَا الْمَجَازُ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْهَا (وَلَفْظُ الْقِيَاسِ) فِيمَا ذُكِرَ (يُغْنِي عَنْ قَوْلِك) أَخْذًا مِنْ ابْنِ الْحَاجِبِ (مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَثْبُتْ تَعْمِيمُهُ بِاسْتِقْرَاءٍ) فَإِنَّ مَا ثَبَتَ تَعْمِيمُهُ بِذَلِكَ مِنْ اللُّغَةِ كَرَفْعِ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ لَا حَاجَةَ فِي ثُبُوتِ مَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إلَى الْقِيَاسِ حَتَّى يُخْتَلَفَ فِي ثُبُوتِهِ وَأَشَارَ كَمَا قَالَ بِذِكْرِ قَائِلِي الْقَوْلَيْنِ ــ [حاشية العطار] هَذِهِ الْعِلَّةِ فِيهَا. (قَوْلُهُ: فِي مَعْنًى آخَرَ) بِالْإِضَافَةِ وَبِالتَّوْصِيفِ. (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ) إشَارَةٌ إلَى بَيَانِ الْفَائِدَةِ فِي ثُبُوتِ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ فِي النَّبِيذِ مَثَلًا عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْخَمْرِ شَرْعًا، وَعَنْ النَّظَرِ فِي شَرَائِطِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ هَلْ وُجِدَتْ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَقُولُ بِثُبُوتِ اللُّغَةِ قِيَاسًا فَيَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، أَوْ إلَى دَلِيلٍ مِنْ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي الثُّبُوتِ إلَخْ) هَذَا التَّعْمِيمُ أَخَذَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْمُقَابِلِ. (قَوْلُهُ: لَا الْمَجَازُ) فَلَا يُسْتَعْمَلُ الْأَسَدُ فِي النَّمِرِ مَثَلًا لِعَلَاقَةِ الْجَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ فِيهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْعَلَاقَةِ سَمَاعُ النَّوْعِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ الشَّخْصِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا اسْتَشْكَلَهُ سم مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ إذَا تَجَوَّزَتْ بِكَلِمَةٍ عَنْ مَوْضُوعِهَا وَتَجَوَّزْنَا فِيهَا لِمَعْنًى آخَرَ فَإِنْ وُجِدَتْ عَلَاقَةٌ بَيْنَ هَذَا الْمَجَازِ الَّذِي اسْتَعْمَلْنَاهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَذَاكَ لَيْسَ بِقِيَاسٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ أَجَازَتْ الِاسْتِعْمَالَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وُجِدَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ عَلَاقَةٌ، وَإِنْ لَاحَظْنَا الْعَلَاقَةَ بَيْنَ مَا تَجَوَّزْنَا فِيهِ وَتَجَوَّزُوا فِيهِ أَعْنِي بَيْنَ الْمَجَازَيْنِ وَلَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْعَلَاقَةُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، فَالْقِيَاسُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُشْتَمِلًا عَلَى عِلَّةٍ تُوجَدُ فِي الْأَصْلِ، وَالْعِلَّةُ هِيَ الْعَلَاقَةُ وَلَمْ تُوجَدْ اهـ. فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْعَلَاقَةِ سَمَاعُ نَوْعِهَا فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ أَخْفَضُ رُتْبَةً إلَخْ) ، أَيْ: فَلَا يُحْتَمَلُ التَّوَسُّعُ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَا يُقَاسُ عَلَى الْمَجَازِيِّ؛ إذْ لَا ضَرُورَةَ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ قَدْ يَنْعَكِسُ فَيُقَالُ حَيْثُ تُوُسِّعَ فِيهِ أَوَّلًا جَازَ أَنْ يُتَوَسَّعَ فِيهِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَحَلًّا لِلتَّوَسُّعِ. (قَوْلُهُ: يُغْنِي إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إلْحَاقُ مَسْكُوتٍ بِمَنْطُوقٍ وَكُلُّ مَعْنًى انْدَرَجَ تَحْتَ عَامٍّ ثَبَتَ عُمُومُهُ بِاسْتِقْرَاءٍ، أَوْ بِنَقْلٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ مَنْطُوقٌ لَا مَسْكُوتٌ. (قَوْلُهُ: تَعْمِيمُهُ) ، أَيْ: لِجَمِيعِ الْمَعَانِي الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ فَإِنَّ الْوَاضِعَ إذَا وَضَعَ لَفْظًا يَعُمُّ بِاسْتِقْرَاءٍ مَنْ اللُّغَةِ كَصِيغَةِ الْمُصَغَّرِ، وَالْمَنْسُوبِ، وَالْمُشْتَقِّ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَحَقَّقَ فِيهِ الْوَضْعُ النَّوْعِيُّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ سَمَاعُ مَا صَدَقَاتِهِ مِنْ الْوَاضِعِ، بَلْ يَكْفِي سَمَاعُهُ مِنْهُ، وَالِاسْتِعْمَالُ مُفَوَّضٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ. (قَوْلُهُ: بِاسْتِقْرَاءٍ) اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ النَّقْلُ مِثْلَهُ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ الْأَوْلَى. (قَوْلُهُ: كَرَفْعِ الْفَاعِلِ) إذَا حَصَلَ لَنَا

стр. 355

إلَى اعْتِدَالِهِمَا خِلَافَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى النَّفْيِ وَبِذِكْرِ الْقَاضِي مِنْ النَّافِينَ إلَى أَنَّ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْمُثْبِتِينَ كَالْآمِدِيِّ لَمْ يُحَرِّرْ النَّقْلَ عَنْهُ لِتَصْرِيحِهِ بِالنَّفْيِ فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ ــ [حاشية العطار] بِاسْتِقْرَاءِ جُزْئِيَّاتِ الْفَاعِلِ مَثَلًا قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ هِيَ أَنَّ كُلَّ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ فَإِذَا رَفَعْنَا فَاعِلًا لَمْ نَسْمَعْ رَفْعَهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا؛ لِانْدِرَاجِهِ فِيهَا وَأُورِدَ أَنَّ الرَّفْعَ مِنْ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّهُ كَيْفِيَّةُ اللَّفْظِ فَلَيْسَ مِنْ اللُّغَةِ الَّتِي هِيَ الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْمَعَانِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْإِعْرَابَ لَفْظِيٌّ وَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَرَكَاتِ، وَهِيَ أَحْرُفٌ صَغِيرَةٌ تَأْتِي بَعْدَ الْحَرْفِ فَيَضْمَحِلُّ سُكُونُهُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الرَّضِيُّ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ، فَالْمُرَادُ كَالْفَاعِلِ مِنْ حَيْثُ رَفْعُهُ وَيَرُدُّ عَلَى الْجَوَابِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَلْفَاظِ الْإِفْرَادِيَّةِ مِنْ حَيْثُ مَعَانِيهَا، وَالرَّفْعُ، وَالنَّصْبُ مِنْ الْأَحْكَامِ التَّرْكِيبِيَّةِ. وَقَدْ يُدَّعَى شُمُولُ اللُّغَةِ لَهَا فَيَنْدَفِعُ، أَوْ أَنَّ الْكَافَ لِلتَّنْظِيرِ وَأُورِدَ أَيْضًا أَنَّهُ جَعَلَ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْمَعْنَى مَعَ أَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ كَمَا يَأْتِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، أَيْ: الشُّمُولِ وَاَلَّذِي مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ الْعُمُومُ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إرَادَتِهِ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ وَوَصْفُ الْمَعْنَى بِهِ مَجَازٌ. (قَوْلُهُ: إلَى اعْتِدَالِهِمَا) إنْ أَرَادَ التَّسَاوِي مِنْ حَيْثُ الْقَائِلُ فَفِيهِ أَنَّ الْمُثْبَتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَمَنْ أَثْبَتَ الْأَكْثَرِيَّةَ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مُقَدَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ التَّسَاوِي مِنْ حَيْثُ الْقَوْلُ، فَالتَّرْجِيحُ بِالدَّلِيلِ لَا بِالْقَائِلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْمُثْبَتِ مُقَدَّمًا عَلَى النَّافِي عِنْدَ جَهْلِ الْوَاقِعِ أَمَّا إذَا عُلِمَ الْوَاقِعُ وَأَنَّ الْقَائِلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَالنَّافِي لِأَكْثَرِيَّةِ الْقَائِلَيْنِ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُثْبَتِ وَأَنَّ مَحَلَّ التَّرْجِيحِ بِالدَّلِيلِ لَا بِالْقَائِلَيْنِ إذَا أَبْدَى أَحَدُ الْقَائِلَيْنِ مَطْعَنًا. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبْدِ، فَالتَّرْجِيحُ بِعَدَدِ الْقَائِلِ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ خِلَافَ قَوْلِ إلَخْ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْقِيَاسِ تَرْجِيحُ الثَّانِي، وَإِلَيْهِ عَزَاهُ الشَّارِحُ ثَمَّ وَرَجَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ. (قَوْلُهُ: قَوْلِ بَعْضِهِمْ) ، وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ (قَوْلُهُ: كَالْآمِدِيِّ) تَمْثِيلٌ لِمَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْمُثْبِتِينَ لَا لِلتَّنْظِيرِ مَعَ الْقَاضِي. [وَمَسْأَلَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إنْ اتَّحِدَا] (قَوْلُهُ: اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى إلَخْ) اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الِاسْمَ صَالِحٌ لَأَنْ يَنْقَسِمَ إلَى الْجُزْئِيِّ، وَالْكُلِّيِّ الْمُنْقَسِمِ إلَى الْمُتَوَاطِئِ، وَالْمُشَكِّكِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، وَالْحَرْفِ كَمَا أَفْصَحَ بِسِرِّ ذَلِكَ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ. وَأَمَّا الِانْقِسَامُ إلَى الْمُشْتَرَكِ، وَالْمَنْقُولِ بِأَقْسَامِهِ، وَإِلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ فَلَيْسَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالِاسْمِ وَحْدَهُ فَإِنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا كَخَلَقَ بِمَعْنَى أَوْجَدَ وَافْتَرَى، وَعَسْعَسَ بِمَعْنَى أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. وَقَدْ يَكُونُ مَنْقُولًا كَصَلَّى، وَقَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً كَقَتَلَ؛ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَجَازًا بِمَعْنَى ضَرَبَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَكَذَا الْحَرْفُ أَيْضًا كَمِنْ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ، وَالتَّبْعِيضِ، وَقَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً كَفِي إذَا اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى

стр. 356

(وَمَسْأَلَةُ اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى إنْ اتَّحَدَا) ، أَيْ: كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَاحِدًا ــ [حاشية العطار] الظَّرْفِيَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ مَجَازًا كَفِي إذَا اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى عَلَى، ثُمَّ إنَّ الِاشْتِرَاكَ، وَالنَّقْلَ، وَالْحَقِيقَةَ، وَالْمَجَازَ فِي الْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَادَّةِ كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْهَيْئَةِ كَالْمُضَارِعِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ الْحَالِ، وَالِاسْتِقْبَالِ وَصِيَغِ الْعُقُودِ الْمَنْقُولَةِ مِنْ الْمَاضِي إلَى الْإِنْشَاءِ وَصِيَغِ الْمَاضِي الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، فَالْمُعْتَبَرُ فِي الِاشْتِرَاكِ، وَالنَّقْلِ، وَالْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ تَعَدُّدُ الْوَضْعِ أَعَمُّ مِنْ الْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ كَوَضْعِ الْمَادَّةِ، وَمِنْ الْوَضْعِ النَّوْعِيِّ كَمَا فِي الْهَيْئَةِ. وَالْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ بِالْوَضْعِ الْعَامِّ لَيْسَ فِيهَا تَعَدُّدُ الْوَضْعِ أَصْلًا لَا شَخْصِيًّا وَلَا نَوْعِيًّا فَلَا تَدْخُلُ فِي الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَا وُهِمَ إذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَنَقُولُ وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ إخْلَالٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا عَدَمُ الْحَصْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْمَنْقُولَ بِأَقْسَامِهِ وَلَا التَّسَاوِيَ وَلَا الْعُمُومَ، وَالْخُصُوصَ الْمُطْلَقَ، وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ يَرْجِعُ لِلْمَعْنَى فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَبَعْضَهَا لِلَّفْظِ وَبَعْضَهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا مَعًا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحَالَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ أَطْلَقَ اللَّفْظَ فَشَمِلَ الْمُرَكَّبَ، وَالْمُفْرَدَ مَعَ اخْتِصَاصِ بَعْضِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِالِاسْمِ وَبَعْضِهَا يَتَعَدَّاهُ إلَى أَخَوَيْهِ وَلَا يَتَجَاوَزُ الْمُفْرَدَ، ثُمَّ إنَّ الْبَعْضَ مِنْ هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ حَقِيقِيٌّ، وَالْبَعْضَ اعْتِبَارِيٌّ. وَقَدْ تَفَطَّنَ لِهَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ الْكَمَالُ فَقَالَ التَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ لِلْمُفْرَدِ، وَإِنَّهُ تَقْسِيمٌ بِحَسَبِ الِاعْتِبَارِ إلَّا أَنَّ فِي كَلَامِ الْكَمَالِ إجْمَالًا عَلِمْته مِمَّا قَرَرْنَاهُ وَاَلَّذِي أَوْقَعَ الْمُصَنِّفَ فِي ذَلِكَ مُرَاعَاةُ الِاخْتِصَارِ فَلَمْ يُبَالِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ أَنَّ الْعِنَايَةَ بِهَا أَهَمُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ اللَّفْظِ وَأَمَّا الْعَلَّامَةُ سم فَإِنَّهُ لِشَغَفِهِ بِالِاعْتِرَاضِ أَخَذَ يَتَعَقَّبُ الْكَمَالَ وَيَدَّعِي أَنَّهُ حُجِبَ عَنْ التَّمَتُّعِ بِمَا أَبْدَاهُ مِنْ الْوَجْهِ الْحَسَنِ، وَالْحَقُّ مَعَ الْكَمَالِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي خِلَالِ كَلَامِهِ مُقَدَّمَاتٍ لَا تَتِمُّ لَهُ كَقَوْلِهِ إنَّ مَعْنَى الْفِعْلِ، وَالْحَرْفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا مَعْنَاهُمَا غَيْرُ خَالٍ عَنْ الِاتِّصَافِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْجُزْئِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَقَابِلَانِ لَا يَجُوزُ خُلُوُّ مَعْنًى عَنْهُمَا وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الِاعْتِبَارِ الْمُقَسَّمِ فِي الْأَقْسَامِ وَأَنَّ الِانْقِسَامَ إلَى الْكُلِّيِّ، وَالْجُزْئِيِّ جَارٍ فِي الْمُرَكَّبَاتِ أَيْضًا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ عُدُولُ الْمُصَنِّفِ إلَى جَعْلِ التَّقْسِيمِ لِمُطْلَقِ اللَّفْظِ الشَّامِلِ لِلْمُرَكَّبِ إشَارَةً إلَى جَرَيَانِهِ فِيهِ أَيْضًا وَأَنَّ تَدَاخُلَ الْأَقْسَامِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ. وَأَقُولُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَبَاطِلٌ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عِبَارَةَ السَّيِّدِ الْمُوَجَّهَةَ لِتَخْصِيصِ التَّقْسِيمِ إلَى الْكُلِّيِّ، وَالْجُزْئِيِّ بِمَعْنَى الِاسْمِ الَّتِي أَقَرَّهَا الْمُحَقِّقُونَ حَاوَلَ الْقَوْلَ بِجَرَيَانِهِمَا فِي أَخَوَيْهِ مُعَلِّلًا بِالتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ غَيْرُ نَافِعٍ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا يَجُوزُ خُلُوُّ مَعْنًى عَنْهُمَا قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ مِنْ كَلَامِ السَّيِّدِ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ كَلَامَهُ، وَالتَّقَابُلُ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَارِيًا فِي سَائِرِ الْمَوَادِّ، بَلْ مُتَقَابِلَانِ فِيمَا اخْتَصَّا بِهِ، وَهُوَ الِاسْمُ فَلَا يَجُوزُ خُلُوُّ مَعْنَاهُ عَنْهُمَا لَا خُلُوُّ كُلِّ مَعْنًى عَنْهُمَا، وَمَا ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ فِي تَقَابُلُ التَّضَادِّ. وَقَدْ نَصَّ السَّيِّدُ قُدِّسَ سِرُّهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ حَاشِيَةِ الشَّمْسِيَّةِ أَنَّ التَّقَابُلَ بَيْنَ الْكُلِّيِّ، وَالْجُزْئِيِّ الْحَقِيقِيِّ تَقَابُلُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ خُصُوصُ الْمَحَلِّ، فَالْعَمَى، وَالْبَصَرُ مُتَقَابِلَانِ فِي زَيْدٍ الْأَعْمَى لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْإِنْسَانِ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ هُنَا وَأَمَّا الثَّانِي فَمُخَالِفٌ لِمَا طَفَحَتْ بِهِ كُتُبُ الْمَعْقُولِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُقَسَّمِ مَلْحُوظَةٌ فِي كُلِّ قِسْمٍ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْكُلِّيِّ وَاَلَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْأَقْسَامُ حِصَصُهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالُوا إنَّ التَّقْسِيمَاتِ تَتَضَمَّنُ تَعَارِيفَ الْأَقْسَامِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّ جَرَيَانَ الْكُلِّيَّةِ، وَالْجُزْئِيَّةِ فِي مُرَكَّبٍ مَا نَادِرٌ كَمَا فِي الْجِسْمِ النَّامِي مَثَلًا، وَالنَّادِرُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا بِتَأْوِيلِ مِثْلِهِ بِمُفْرَدٍ لِيَطَّرِدَ الْبَابُ. وَأَمَّا الرَّابِعُ فَإِنَّ تَدَاخُلَ الْأَقْسَامِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ؛ إذْ سَائِرُ التَّقْسِيمَاتِ

стр. 357

(فَإِنْ مَنَعَ تَصَوُّرُ مَعْنَاهُ) ، أَيْ: مَعْنَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ (الشَّرِكَةَ) فِيهِ مِنْ اثْنَيْنِ مَثَلًا (فَجُزْئِيٌّ) ، أَيْ: فَذَلِكَ اللَّفْظُ يُسَمَّى جُزْئِيًّا كَزَيْدٍ (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ تَصَوُّرُ مَعْنَاهُ الشَّرِكَةَ فِيهِ (فَكُلِّيٌّ) سَوَاءٌ أَمْتَنَعَ وُجُودُ مَعْنَاهُ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، أَوْ أَمْكَنَ وَلَمْ يُوجَدْ فَرْدٌ مِنْهُ كَبَحْرٍ مِنْ زِئْبَقٍ ــ [حاشية العطار] الِاعْتِبَارِيَّةِ كَذَلِكَ فَلَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى تَقْسِيمِ اعْتِبَارٍ مَحْضٍ، وَالِاعْتِرَاضُ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ تَخْلِيطُ التَّقْسِيمِ الْحَقِيقِيِّ بِالِاعْتِبَارِ، وَمِثْلُهُ لَا يَغْتَفِرُهُ أَرْبَابُ التَّدْقِيقِ لِإِخْلَالِهِ بِالْمَرَامِ وَتَثَبُّتِ الْإِفْهَامِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَعْنَى) هِيَ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ تُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ وَعَلَى الْمَعْلُومِ لِحُصُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الذِّهْنِ الْأَوَّلِ بِوُجُودٍ أَصْلِيٍّ، وَالثَّانِي بِوُجُودٍ ظِلِّيٍّ، وَالْمُنْقَسِمُ لِلْكُلِّيِّ، وَالْجُزْئِيّ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ لِلْمَعْلُومِ. (قَوْلُهُ: إنْ اتَّحَدَ) الِاتِّحَادُ صَيْرُورَةُ الشَّيْئَيْنِ، أَوْ الْأَشْيَاءِ شَيْئًا وَاحِدًا وَلَمَّا كَانَ هَذَا غَيْرَ مُرَادٍ بَيَّنَ الشَّارِحُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ، أَيْ: كَانَ إلَخْ، وَمَا فِي النَّاصِرِ إنَّ هَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ إسْنَادِ الِاتِّحَادِ إلَى مَجْمُوعِ الشَّيْئَيْنِ وَأَمَّا إسْنَادُهُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا هُنَا فَلَا يُفِيدُهُ، بَلْ يُفِيدُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَاحِدٌ لَا مُتَعَدِّدٌ، وَقَدْ رَمَزَ الشَّارِحُ إلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ بِقَوْلِهِ، أَيْ: كَانَ كُلُّ إلَخْ اهـ. مَبْنِيٌّ عَلَى تَخَيُّلٍ بَعِيدٍ فَإِنَّ مَادَّةَ الِاتِّحَادِ يَتَبَادَرُ مِنْهَا ذَلِكَ وَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ صَرْفٌ لِلْمُتَبَادِرِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ مَنَعَ تَصَوُّرُ مَعْنَاهُ) إسْنَادُ الْمَنْعِ لِلتَّصَوُّرِ مِنْ الْإِسْنَادِ لِلسَّبَبِ، وَإِلَّا، فَالْمَانِعُ النَّفْسُ، وَمَعْنَاهُ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ لِلَّفْظِ. (قَوْلُهُ: فَجُزْئِيٌّ) ، أَيْ: حَقِيقِيٌّ فَإِنَّ الْإِضَافِيَّ مَا انْدَرَجَ تَحْتَ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ الشَّرِكَةَ فَيَصْدُقُ بِالْكُلِّيِّ أَيْضًا، وَإِنَّمَا نَكَّرَهُ، وَمَا بَعْدَهُ وَلَمْ يُعَرِّفْهُمَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ انْحِصَارُ الْجُزْئِيِّ، وَالْكُلِّيِّ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَهُ مَعْنًى وَاحِدٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُتَعَدِّدًا، وَالْمَعْنَى وَاحِدًا وَعَكْسُهُ الْأَوَّلُ كَإِنْسَانٍ وَبَشَرٍ، وَالثَّانِي كَلَفْظِ الْعَيْنِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْكُلِّيِّ، وَمِثْلُهُ الْجُزْئِيُّ فَلَا يَدْخُلُ فِي التَّقْسِيمِ فَإِنْ قُلْت مِنْ أَيْنَ الْحَصْرُ قُلْت مِنْ الْجُمْلَةِ الْمُعَرَّفَةِ الطَّرَفَيْنِ؛ إذْ التَّقْدِيرُ، فَهُوَ، أَيْ: اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الَّذِي مَعْنَاهُ وَاحِدُ الْجُزْئِيِّ إلَخْ. (قَوْلُهُ: فَذَلِكَ اللَّفْظُ إلَخْ) اقْتَضَى صَنِيعَهُ جَعْلُ الْكُلِّيَّةِ، وَالْجُزْئِيَّةِ وَصْفَيْنِ لِلَّفْظِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ، وَالْمَوْصُوفُ بِهِمَا حَقِيقَةُ الْمَعْنَى، وَالدَّاعِي إلَى ذَلِكَ عَدَمُ خُرُوجِ التَّقْسِيمِ عَنْ مَوْضُوعِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي تَقْسِيمِ اللَّفْظِ بِالنَّظَرِ لِمَعْنَاهُ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْحُلِّ فَذَلِكَ الْمَعْنَى جُزْئِيٌّ إلَخْ وَلْيُطَابِقْ قَوْلَهُ فِيمَا بَعْدُ فَمُتَرَادِفٌ فَإِنَّ مَعْنَاهُ فَذَلِكَ اللَّفْظُ مُتَرَادِفٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ التَّرَادُفَ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَمْتَنَعَ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ هِيَ هَمْزَةُ التَّسْوِيَةِ؛ لِأَنَّ أَمْ لَا تَعْطِفُ إلَّا عَلَى مَدْخُولِهَا وَأَمَّا هَمْزَةُ الْوَصْلِ فَمَحْذُوفَةٌ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ؛ إذْ قَدْ يَجُوزُ حَذْفُ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ وَتَكُونُ الْمَوْجُودَةُ هِيَ هَمْزَةُ الْوَصْلِ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْحَصْرِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ أَمْ إلَخْ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ أَمْ قَدْ تَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ كَمَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَأَمْ بِهَا اعْطِفْ إثْرَ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ: امْتَنَعَ وُجُودُ مَعْنَاهُ) أَيْ وُجُودُ فَرْدٍ مُطَابِقٍ لَهُ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ لِلْكُلِّيِّ بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِهِ، وَإِلَّا، فَالْكُلِّيُّ لَا يُوجَدُ خَارِجًا، وَإِلَّا لَتَشَخَّصَ فَيَكُونُ جُزْئِيًّا عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ فِي وُجُودِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ. وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ يَتَصَوَّرُهُ الذِّهْنُ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالِامْتِنَاعِ وَنَحْوِهِ وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ أَوْسَعُ دَائِرَةً مِنْ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ فَإِنَّ الذِّهْنَ يَتَصَوَّرُ كُلَّ شَيْءٍ فَلَا تَغْتَرَّ بِمَا فِي الْحَوَاشِي هُنَا أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الذِّهْنِ؛ لِأَنَّ الذِّهْنَ إنَّمَا يَنْتَزِعُ مِنْ الْخَارِجِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّ هَذَا الْحَصْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ الِانْتِزَاعِيِّ دُونَ الِاخْتِرَاعِيِّ، وَالْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ مُنْقَسِمٌ إلَيْهِمَا فَيَلْزَمُ بِمُقْتَضَى الْحَصْرِ الِانْحِصَارُ فِي الِانْتِزَاعِيِّ. (قَوْلُهُ:، أَوْ أَمْكَنَ) هَذَا الْإِمْكَانُ هُوَ الْإِمْكَانُ الْعَامُّ مُقَيَّدًا بِجَانِبِ الْوُجُودِ فَصَحَّ مُقَابَلَتُهُ لِلْمُمْتَنِعِ وَتَنَاوُلُهُ لِلْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ سَلْبَ ضَرُورَةِ الْعَدَمِ يَعُمُّ الْوُجُوبَ دُونَ الِامْتِنَاعِ كَمَا أَنَّ الْإِمْكَانَ الْعَامَّ مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ مَعْنَاهُ سَلْبُ ضَرُورَةِ الْوُجُودِ فَيَعُمُّ الِامْتِنَاعَ وَأَمَّا الَّذِي يَعُمُّ الْجَمِيعَ، فَهُوَ مُطْلَقُ الْإِمْكَانِ يَعْنِي: سَلْبَ الضَّرُورَةِ عَنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ: الْوُجُودِ، وَالْعَدَمِ، فَلَا يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ أُرِيدَ الْإِمْكَانُ الْعَامُّ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْمُمْتَنِعِ مُقَابِلًا لَهُ، وَإِنْ أُرِيدَ الْإِمْكَانُ الْخَاصُّ فَلَا يَنْدَرِجُ

стр. 358

أَوْ وُجِدَ وَامْتَنَعَ غَيْرُهُ كَالْإِلَهِ، أَيْ: الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ، أَوْ أَمْكَنَ وَلَمْ يُوجَدْ كَالشَّمْسِ أَيْ الْكَوْكَبِ النَّهَارِيِّ الْمُضِيءِ، أَوْ وُجِدَ كَالْإِنْسَانِ، أَيْ: الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَدْلُولِ بِالْجُزْئِيِّ، وَالْكُلِّيِّ هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَمَا هُنَا مَجَازٌ مِنْ تَسْمِيَةِ الدَّالِّ بِاسْمِ الْمَدْلُولِ (مُتَوَاطِئٌ) ذَلِكَ الْكُلِّيِّ (إنْ اسْتَوَى مَعْنَاهُ فِي أَفْرَادِهِ) كَالْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ مُتَسَاوِي الْمَعْنَى فِي أَفْرَادِهِ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا. أُسْمِيَ مُتَوَاطِئًا مِنْ التَّوَاطُؤِ، أَيْ: التَّوَافُقِ لِتَوَافُقِ أَفْرَادِ مَعْنَاهُ فِيهِ (مُشَكِّكٌ إنْ تَفَاوَتَ) مَعْنَاهُ فِي أَفْرَادِهِ بِالشِّدَّةِ ــ [حاشية العطار] تَحْتَهُ الْوَاجِبُ. (قَوْلُهُ: أَوْ وُجِدَ) أَيْ الْفَرْدُ. (قَوْلُهُ: كَالْإِلَهِ) فَإِنَّ امْتِنَاعَ الشَّرِكَةِ فِيهِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ مَعْنَاهُ فِي الذِّهْنِ، بَلْ نَظَرِ الدَّلِيلِ الْخَارِجِيِّ؛ وَلِهَذَا ضَلَّ كَثِيرٌ بِالِاشْتِرَاكِ وَلَوْ كَانَتْ وَحْدَانِيُّتُهُ تَعَالَى بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ لَمَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ عَاقِلٍ. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَفِي ذِكْرِ الْمَنَاطِقَةِ هَذَا الْمِثَالَ نَوْعُ إسَاءَةِ أَدَبٍ. وَقَدْ كَانَ اللَّائِقُ بِالشَّارِحِ تَرْكَ هَذَا التَّقْسِيمِ؛ إذْ لَا ضَرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ وَتَرَكَ سَادِسًا، وَهُوَ الْمُنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ، أَوْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَتْ أَفْرَادُهُ خَارِجًا إمَّا أَنْ تَنَاهَى تِلْكَ الْأَفْرَادُ كَالْإِنْسَانِ، أَوْ لَا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْثِيلُهُ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْحُكَمَاءِ، وَمَثَّلَ لَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِمَوْجُودٍ فَإِنَّ أَفْرَادَهُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ بِاعْتِبَارِ شُمُولِهَا لِكِمَالَاتِ الرَّبِّ . وَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ بَيْنَهُمْ، وَالْحُكَمَاءُ مَثَّلُوا لَهُ بِالنُّفُوسِ النَّاطِقَةِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ قِدَمِ الْعَالَمِ وَعَدَمِ الْقَوْلِ بِالتَّنَاسُخِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَرِسْطَاطَالِيسُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النُّفُوسُ النَّاطِقَةُ الْمُفَارِقَةُ عَنْ الْأَبَدَانِ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ وَأَمَّا مَا قَالَ بِهِ أَفْلَاطُونُ مِنْ التَّنَاسُخِ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ مُتَنَاهِيَةٌ، ثُمَّ إنَّهُ أُورِدَ عَلَى الْحَصْرِ فِي الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ أَنَّ الْكُلِّيَّ الْمَعْدُومَ الْمُمْكِنَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْحَصِرًا فِي فَرْدٍ مَعَ امْتِنَاعِ غَيْرِهِ أَوْ لَا وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدًا لِأَفْرَادٍ مُتَنَاهِيَةٍ أَمْ لَا؟ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَصْرُ الْأَقْسَامِ الْمُحَقَّقَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَا ذُكِرَ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ عَقْلِيٍّ. (قَوْلُهُ: إنْ اسْتَوَى مَعْنَاهُ إلَخْ) بِأَنْ يَكُونَ صَدَقَةُ عَلَيْهَا بِالسَّوِيَّةِ، فَالْأَفْرَادُ الَّتِي يَفْرِضُهَا الْعَقْلُ يَفْرِضُهَا مُتَّفِقَةً مَعَ الْفَرْدِ الْخَارِجِيِّ الْمَوْجُودِ فِي جَمِيعِ مَا عَدَا التَّشَخُّصَ؛ إذْ لَا مَبْدَأَ لِانْتِزَاعِ مُقَوِّمٍ لِتِلْكَ الْأَفْرَادِ مُخَالِفٍ لِمُقَوِّمِ الْفَرْدِ الْمَوْجُودِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ زَيْدًا أَشَدُّ، أَوْ أَقْوَمُ، أَوْ، أَوْلَى بِالْإِنْسَانِيَّةِ مِنْ عَمْرٍو عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ بَهْمَنْيَارَ أَنَّ مِعْيَارَ التَّشْكِيكِ اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ (قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ فِي أَفْرَادِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِوَاءَ، وَالتَّفَاوُتَ مِمَّا يُسْنَدُ إلَى مُتَعَدِّدٍ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ ثَابِتٌ لِلْأَفْرَادِ فِي أَنْفُسِهَا. وَأَمَّا ثُبُوتُهُ لِلْمَعْنَى فَبِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ فِي الْأَفْرَادِ وَاتِّفَاقِهِ فِيهَا فَيَصِحُّ إسْنَادُ ذَلِكَ إلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَالشَّارِحُ جَارَى عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ فَإِنَّهُ مُتَسَاوِي الْمَعْنَى وَرَاعَى الْحَقِيقَةَ فَقَالَ: آخِرُ التَّوَافُقِ إفْرَادُ مَعْنَاهُ. (قَوْلُهُ: كَالْإِنْسَانِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِهِ، وَهِيَ الْمَاصَدَقَ، أَوْ إلَى حِصَصِهِ أَيْضًا الَّتِي هِيَ أَفْرَادُ الْإِنْسَانِيَّةِ، فَالْمُتَوَاطِئُ يَتَحَقَّقُ فِي الْمُشْتَقَّاتِ، وَالْمَبَادِئِ وَأَمَّا التَّشْكِيكُ فَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُشْتَقَّاتِ فَقَطْ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْمَنَاطِقَةِ. (قَوْلُهُ: مُشَكِّكٌ) شُكَّ فِيهِ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ إنْ كَانَ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ اللَّفْظِ كَانَ مُشْتَرَكًا، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا فَمُتَوَاطِئٌ. وَأُجِيبَ بِاخْتِيَارِ الثَّانِي

стр. 359

أَوْ التَّقَدُّمِ كَالْبَيَاضِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِي الثَّلْجِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْعَاجِ، وَالْوُجُودِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِي الْوَاجِبِ قَبْلَهُ فِي الْمُمْكِنِ سُمِّيَ مُشَكِّكًا لِتَشْكِيكِهِ النَّاظِرَ فِيهِ فِي أَنَّهُ مُتَوَاطِئٌ نَظَرًا إلَى جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَفْرَادِ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى، أَوْ غَيْرُ مُتَوَاطِئٍ نَظَرًا إلَى جِهَةِ الِاخْتِلَافِ. (وَإِنْ تَعَدَّدَا) ، أَيْ: اللَّفْظُ، وَالْمَعْنَى كَالْإِنْسَانِ، وَالْفَرَسِ (فَمُتَبَايِنٌ) ، أَيْ: فَأَحَدُ اللَّفْظَيْنِ مَثَلًا مَعَ الْآخَرِ مُتَبَايِنٌ لِتَبَايُنِ مَعْنَاهُمَا ــ [حاشية العطار] وَهُوَ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي وُقُوعِهِ عَلَى أَفْرَادِهِ وَحُصُولِهِ فِيهَا فَاعْتُبِرَ قِسْمًا عَلَى حِدَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مُقَابِلًا لِمَا لَيْسَ فِيهِ هَذَا التَّفَاوُتُ. (قَوْلُهُ: أَوْ التَّقَدُّمِ) أَيْ بِالذَّاتِ؛ إذْ لَا اعْتِبَارَ لِلتَّقَدُّمِ الزَّمَانِيِّ فِي التَّشْكِيكِ قَالَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ فَسَقَطَ قَوْلُ النَّاصِرِ، أَوْ بِالزَّمَانِ؛ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُشَكَّكًا لِتَقَدُّمِ أَفْرَادِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ تَقَدُّمًا زَمَانِيًّا وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَفِيدِ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَشَدِّيَّةَ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْأَفْرَادِ، أَوْ كَمَالِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي الْمُتَوَاطِئِ كَالْإِنْسَانِ؛ إذْ بَعْضُ أَفْرَادِهِ كَنَبِيِّنَا ﵊ أَكْثَرُ وَأَكْمَلُ بِحَسَبِ الْخَوَاصِّ الْإِنْسَانِيَّةِ كَالْإِدْرَاكِ مِنْ غَيْرِهِ كَيَحْيَى ﵊، فَمِمَّا لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ ابْتَهَجَ بِنَقْلِهِ سم فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوا الْأَشَدِّيَّةَ بِأَكْثَرِيَّةِ آثَارِ الْمَاهِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَأُورِدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّشْكِيكَ فِي الذَّاتِيَّاتِ وَلَا يَصِحُّ فِيهَا؛ لِأَنَّ الذَّاتِيَّاتِ لَا تَقْبَلُ التَّفَاوُتَ. وَأَجَابَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ الشَّرْحِ الْجَدِيدِ لِلتَّجْرِيدِ بِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ أَحَدَ الْفَرْدَيْنِ أَشَدَّ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَنْتَزِعُ مِنْهُ الْعَقْلُ بِمَعُونَةِ الْوَهْمِ أَمْثَالَ الْأَضْعَفِ وَيُحَلِّلُهُ إلَيْهَا بِضَرْبٍ مِنْ التَّحْلِيلِ فَمَفْهُومُ الْأَسْوَدِ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ عَلَى أَسْوَدَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّوَادَ فِي أَحَدِهِمَا أَزْيَدُ مِنْ الْآخَرِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ بِمَعُونَةِ الْوَهْمِ يَنْتَزِعُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَمْثَالَ الْآخَرِ اهـ. وَمِمَّا يَخْدِشُهُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ بَهْمَنْيَارَ سَابِقًا. نَعَمْ نَقَلَ شَارِحُ سُلَّمِ الْعُلُومِ عَبْدُ الْعَلِيِّ الْهِنْدِيُّ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا هَلْ الْجَوْهَرُ يَشْتَدُّ أَمْ لَا قَالَ الْإِشْرَاقِيُّونَ نَعَمْ بِمَعْنَى كَمَالِ الْمَاهِيَّةِ، وَالْمَاهِيَّةُ الْجَوْهَرِيَّةُ فِي الْفِيلِ أَكْمَلُ مِنْ الْبَعُوضَةِ لِظُهُورِ آثَارِ الْكَثْرَةِ فِي الْفِعْلِ دُونَهَا. وَقَدْ ادَّعَوْا فِيهِ الْمُشَاهَدَةَ بِالرِّيَاضَاتِ وَقَالَ الْمَشَّاءُونَ لَا يَشْتَدُّ الْجَوْهَرُ وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ دَلِيلًا، بَلْ بَنَوْا عَلَى مَجْرَى الْعُرْفِ حَيْثُ لَمْ يُطْلَقْ عَلَى جَوْهَرٍ أَشَدَّ مِنْ جَوْهَرٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: كَالْوُجُودِ) جَعَلَهُ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ مِثَالًا لِلْأَوْلَوِيَّةِ، وَالتَّقَدُّمِ، وَالتَّأَخُّرِ، وَالشِّدَّةِ، وَالضَّعْفِ وَتَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَفْرَادِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ تَوَافُقُ الْأَفْرَادِ الْمُنَاسِبِ لِلتَّوَاطُؤِ. (قَوْلُهُ: فَمُتَبَايِنٌ) قَالَ النَّاصِرُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ تَعَدُّدُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى لَا يَنْحَصِرُ فِي التَّبَايُنِ لِصِدْقِهِ عَلَى نَحْوِ الْإِنْسَانِ، وَالْبَشَرِ، وَالْفَرَسِ اهـ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُتَعَدِّدِ الْمَعْنَى وَلَا تَعَدُّدَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْبَشَرِ فَلَا تَبَايُنَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ بِالنِّسْبَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ لَفْظِ الْفَرَسِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مُتَبَايِنٌ قَالَ سم وَيَنْبَغِي أَنْ يُرِيدَ أَعَمَّ مِنْ التَّبَايُنِ كُلِّيًّا، أَوْ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى يَشْمَلَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقًا، أَوْ مِنْ وَجْهٍ، وَإِلَّا لَزِمَ خُرُوجُ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ الْأَقْسَامِ وَكَانَ نَاقِضًا لِلتَّقْسِيمِ. اهـ. وَأَقُولُ: اسْتِعْمَالُ التَّبَايُنِ فِي الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ الْوَجْهِيِّ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّبَايُنِ الْجُزْئِيِّ شَائِعٌ وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ الْمُطْلَقِ فَفِي دُخُولِهِ تَحْتَ التَّبَايُنِ فِي الْجُمْلَةِ تَوَقُّفٌ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَايِنَ الْمَجْمُوعُ لَا أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّ التَّفَاعُلَ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ، وَإِنَّمَا الْأَحَدُ مُبَايِنٌ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ مُبَايِنٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعَ تَقَوُّمٍ مَقَامَ الْوَاوِ، وَإِنْ كَانَ الْفَصِيحُ الْوَاوُ، وَلَكِنَّ الْأَنْسَبَ أَنْ يُؤَخِّرَ قَوْلُهُ مَعَ الْآخَرِ عَنْ قَوْلِهِ مُتَبَايِنٌ، وَمَا قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ تَفَاعَلَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْفِعْلِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَمَتَى أَسْنَدَ الْفِعْلَ مِنْهُ إلَى أَحَدِ الْفَاعِلَيْنِ لَزِمَ أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ الْآخَرَ بِالْوَاوِ لَا غَيْرُ اهـ. فَأَفَادَ كَلَامُهُ أَمْرَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ تَبَايَنَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو الثَّانِي أَنَّ تَفَاعَلَ إذَا أُسْنِدَ إلَى أَحَدِ الْفَاعِلَيْنِ

стр. 360

(وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ) كَالْإِنْسَانِ، وَالْبَشَرِ فَمُتَرَادِفٌ، أَيْ: فَأَحَدُ اللَّفْظَيْنِ مَثَلًا مَعَ الْآخَرِ مُتَرَادِفٌ لِتَرَادُفِهِمَا أَيْ تَوَالِيهِمَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ (وَعَكْسُهُ) ، وَهُوَ أَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظُ وَيَتَعَدَّدُ الْمَعْنَى كَأَنْ يَكُونَ لِلَّفْظِ مَعْنَيَانِ (إنْ كَانَ) أَيْ اللَّفْظُ (حَقِيقَةً فِيهِمَا) ، أَيْ: فِي الْمَعْنَيَيْنِ مَثَلًا كَالْقُرْءِ لِلْحَيْضِ، وَالطُّهْرِ (فَمُشْتَرَكٌ) ؛ لِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ ــ [حاشية العطار] لَزِمَ عَطْفُ الْآخَرِ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ مُنَازَعٌ فِيهِ. (قَوْلُهُ:، وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ إلَخْ) إنْ أَرَادَ بِالْمَعْنَى الذَّاتَ دَخَلَ الْمُتَسَاوِيَانِ كَالْإِنْسَانِ، وَالضَّاحِكِ فِي هَذَا الْقِسْمِ؛ لِاتِّحَادِ الْمَعْنَى بِمَعْنَى الذَّاتِ فِيهِمَا دُونَ اللَّفْظِ وَلَيْسَا مِنْهُ؛ لِاشْتِرَاطِ الِاتِّحَادِ فِي الْمَفْهُومِ فِيهِ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَفْهُومُ دَخَلَا فِي التَّبَايُنِ وَلَيْسَا مِنْهُ أَيْضًا، وَإِنْ أُرِيدَ الْأَعَمُّ مِنْ الذَّاتِ، وَالْمَفْهُومِ دَخَلَا فِي كُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمَعْنَى الْمَفْهُومَ فَيَدْخُلَانِ فِي التَّبَايُنِ، أَوْ الذَّاتَ فَيَدْخُلَانِ فِي التَّرَادُفِ وَيَكُونُ ذَلِكَ اصْطِلَاحًا مِنْهُ هَذَا مُحَصَّلُ مَا أَطَالَ بِهِ سم وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِالْمَعْنَى مَا هُوَ أَعَمُّ يَلْزَمُ فَسَادٌ فِي التَّقْسِيمِ بِالْإِيهَامِ فِي الْقِسْمَيْنِ وَبِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمُرَادِ مِنْ الْمَعْنَى فِيهِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُتَسَاوِيَانِ قِسْمًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ دَاخِلٍ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ. الثَّانِي: أَنَّ دَعْوَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَهُ أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى مَا ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ارْتِفَاعُ الثِّقَةِ بِالْحَقَائِقِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ خُصُوصًا الْمَفَاهِيمَ الَّتِي يَسْتَعْلِمُهَا أَرْبَابُ الِاصْطِلَاحِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا. وَقَدْ شَنَّعَ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ مِثْلَ السَّيْفِ، وَالصَّارِمِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ لِصِدْقِهِمَا عَلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ إنَّهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ التَّرَادُفَ هُوَ الِاتِّحَادُ فِي الْمَفْهُومِ لَا الِاتِّحَادُ فِي الذَّاتِ نَعَمْ الِاتِّحَادُ فِي الذَّاتِ مِنْ لَوَازِمِ اتِّحَادِ فِي الْمَفْهُومِ دُونَ الْعَكْسِ اهـ. وَأَقَرَّهُ السَّيِّدُ وَعَبْدُ الْحَكِيمِ وَبَقِيَّةُ حَوَاشِيهِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَلَّ بِذِكْرِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ كَإِخْلَالِهِ بِذِكْرِ الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ، وَالْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ الْوَجْهِيِّ إنْ أَدْخَلَ الْأَخِيرَيْنِ تَحْتَ التَّبَايُنِ بِالتَّأْوِيلِ السَّابِقِ، وَقَدْ نَبَّهْنَاك فِي صَدْرِ الْمَبْحَثِ عَلَى أَنَّ التَّقْسِيمَ لَا يَخْلُو عَنْ خَلَلٍ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَهْوَنُ مِنْ تَغْيِيرِ الِاصْطِلَاحَاتِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَعَكْسُهُ) عَكْسًا لُغَوِيًّا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، وَاللَّفْظِ مَعَ بَقَاءِ الِاتِّحَادِ وَالتَّعَدُّدِ فِي مَحَلِّهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الِاتِّحَادِ وَالْعَدَدِ مَعَ بَقَاءِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِحَالِهِمَا وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَةَ الْعَكْسِ اللُّغَوِيِّ فِي الْوَاقِعِ فَإِنَّهُ عَلَى قِيَاسِ سَابِقَةِ تَعَدَّدَ اللَّفْظُ وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، بَلْ الْمُرَادُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: مَعْنَيَانِ) ، أَوْ مَعَانٍ؛ وَلِذَلِكَ أَتَى بِالْكَافِ (قَوْلُهُ: لِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَى) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ مِنْ الْحَذْفِ، وَالْإِيصَالِ، وَهَاهُنَا أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْضُوعِ بِالْوَضْعِ الْعَامِّ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ الْخَاصِّ كَالضَّمَائِرِ، وَالْمَوْصُولَاتِ وَأَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ مِمَّا اتَّحَدَ فِيهِ الْوَضْعُ وَتَعَدَّدَ الْمَعْنَى لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ لِتَعَدُّدِ الْوَضْعِ فِيهِ وَاتِّحَادِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. الثَّانِي: الْمَنْقُولُ فَإِنَّهُ لَفْظٌ وَاحِدٌ تَعَدَّدَ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ، وَالْمَنْقُولُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُجَابُ أَمَّا عَنْ الْأَوَّلِ فَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ جَرَى عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ السَّعْدِ، وَمَذْهَبُ الْمُتَقَدِّمِينَ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ الْعِصَامُ فِي شَرْحِ الْوَضْعِيَّةِ فَتَدْخُلُ تَحْتَ مَا مَوْضُوعُهُ كُلِّيٌّ، أَوْ يَقُولُ بِمَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِي اسْتَحْدَثَهُ الْعَضُدُ وَتَبِعَهُ فِيهِ السَّيِّدُ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا جُزْئِيَّاتٌ وَضْعًا وَاسْتِعْمَالًا وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِتَعَدُّدِ الْوَضْعِ فِي الْمُشْتَرَكِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوَضْعِ الْحَقِيقِيِّ، وَالْحُكْمِيِّ. وَقَدْ نَصَّ السَّيِّدُ عَلَى أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ حَيْثُ الِاحْتِيَاجُ فِيهَا إلَى الْقَرِينَةِ هَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَإِنْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ وَرَجَعْنَا إلَى مَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ لَفْظِيٌّ وَنِزَاعُ الْعِصَامِ فِي تَعَدُّدِ الْوَضْعِ فِي الْمُشْتَرَكِ كَانَتْ مِنْ قِبَلِهِ مُطْلَقًا وَتَحْقِيقُهُ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ

стр. 361

(وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ) كَالْأَسَدِ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ وَلِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلَمْ يَقُلْ، أَوْ مَجَازَانِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَوَّزَ فِي اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ الْآتِي كَأَنَّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَمْ يَثْبُتْ وُجُودُهُ. (، وَالْعِلْمُ مَا) ، أَيْ: لَفْظٌ (وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ) خَرَجَ بِالنَّكِرَةِ (لَا يَتَنَاوَلُ) ، أَيْ: اللَّفْظُ (غَيْرَهُ) ، أَيْ: غَيْرَ الْمُعَيَّنِ خَرَجَ مَا عَدَا الْعَلَمِ ــ [حاشية العطار] لِلْعِصَامِ فَرَاجِعْهُ مَعَ مَا كَتَبْنَاهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَوَاشِي. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمُشْتَرَكِ أَيْضًا، وَهَذِهِ، وَقَدْ نَصَّ مِيرْ زَاهِدْ الْهِنْدِيُّ فِي حَوَاشِي الشَّرْحِ الْجَلَالِ عَلَى التَّهْذِيبِ عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ فِي الْمَنْقُولِ، هُوَ النَّقْلُ وَالشُّهْرَةُ قَالَ وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى الْمَجَازَاتِ الْمَشْهُورَةِ مِنْ قِبَلِ الْحَقَائِقِ اهـ. أَوْ تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَنْقُولَ قَبْلَ الشُّهْرَةِ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ حَقِيقَةٌ بِاعْتِبَارِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ تَأَمَّلْ لَا يُقَالُ اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِنَفْسِهِ بِتَبَعِيَّةِ وَضْعِهِ لِلْمَعْنَى فَيَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ؛ وَلِأَنَّا نَقُولُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْوَضْعِ الْوَضْعُ الْقَصْدِيُّ وَوَضْعُ اللَّفْظِ لِنَفْسِهِ تَبَعِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تُوَزَّعَ فِي كَوْنِ هَذَا وَضْعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ اسْتِعْمَالِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ إلَخْ) لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَجَازُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أَوْ الْمُرَادُ بِالْمَجَازِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَجَازِ، وَالْكِنَايَةِ مَجَازًا. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُلْ، أَوْ مَجَازَانِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَفَى كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِيهِمَا لَا يَنْحَصِرُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، بَلْ يَصْدُقُ بِالْمَجَازَيْنِ أَيْضًا، ثُمَّ الْمُرَادُ، أَوْ مَجَازَانِ لَا حَقِيقَةَ لَهُمَا بِدَلِيلِ آخِرِ الْكَلَامِ، وَإِلَّا كَانَ دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَثْبُتْ وُجُودُهُ) قَالَ النَّاصِرُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُهُ فَإِنَّ عَسَى مَوْضُوعَةٌ لِلرَّجَاءِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ فَلَا تَكُونُ حَقِيقَةً، بَلْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي كَلَامِ الْخَلْقِ لِلرَّجَاءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الزَّمَنِ وَفِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِلْمِ الْمُجَرَّدِ، فَهُمَا مَعْنَيَانِ مَجَازِيَّانِ بِدُونِ مَعْنًى حَقِيقِيٍّ، وَمُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ سم أَنَّا نَمْنَعُ وَضْعَ عَسَى لِلزَّمَانِ فَإِنَّهُ نَقَلَ السَّيِّدُ عِيسَى الصَّفَوِيُّ عَنْ شَرْحِ الْمُفَصَّلِ عَدَمَ ثُبُوتِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا وُجِدَ فِيهِ خَوَاصُّ الْفِعْلِ قَدَّرَ فِيهِ ذَلِكَ إدْرَاجًا لَهُ فِي نَظْمِ أَخَوَاتِهِ فَيَكُونُ وَضْعُهُ لِلزَّمَانِ تَقْدِيرِيًّا، وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ مَجَازًا حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ لَهُ الْمُقَدَّرِ وَلَوْ سُلَّمَ فَكَوْنُهَا فِي كَلَامِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ لِلْعِلْمِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مَمْنُوعٌ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّهَا فِي كَلَامِهِ سُبْحَانَهُ لِلرَّجَاءِ بِاعْتِبَارِ الْمُخَاطَبِ كَمَا أَنَّ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي، وَالْإِشْفَاقِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَنَقَلَهُ الرَّضِيُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ لِلرَّجَاءِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى كَكَلَامِ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ مَجَازَانِ، بَلْ مَجَازٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مُطْلَقُ الرَّجَاءِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ لِلْمُتَكَلِّمِ، أَوْ الْمُخَاطَبِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ التَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخَاطِبِينَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ إنْشَاءِ التَّرَجِّي فَلَزِمَ أَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مَجَازِيَّانِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ:، وَالْعِلْمُ مَا وُضِعَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ، فَهْمَ الْمَعَانِي مِنْ الْأَلْفَاظِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَعَانِي مُتَمَيِّزَةً مُعَيَّنَةً عِنْدَ السَّامِعِ فَإِذَا دَلَّ الِاسْمُ عَلَى مَعْنًى فَإِنْ لُوحِظَ كَوْنُهُ مُتَمَيِّزًا مَعْهُودًا عِنْدَ السَّامِعِ مَعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَهُوَ مَعْرِفَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحَظْ مَعَهُ، فَهُوَ نَكِرَةٌ فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ التَّعْيِينُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَعَارِفِ هُوَ التَّعْيِينُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ لَا الْوَاضِعِ وَلَا الْمُسْتَعْمِلِ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاضِعِ مُتَسَاوِيَةُ الْأَقْدَامِ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَكِرَتِهَا، وَمَعْرِفَتِهَا ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَضْعَ لِلشَّيْءِ يَقْتَضِي تَعَيُّنَهُ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَعْمِلِ فَإِنَّهُ يُورِدُ الْكَلَامَ مُلَاحِظًا فِيهِ حَالَ الْمُخَاطَبِ وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْمَعَانِي النِّكَاتَ الْمُقْتَضِيَةَ لَا يُرَادُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ مَعْرِفَةُ مَعَ اخْتِلَافِ طُرُقِ التَّعْرِيفِ؛ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا حَقِيقَةُ التَّعْرِيفِ الْإِشَارَةُ إلَى مَا يَعْرِفُهُ مُخَاطَبُك. وَقَالَ اللَّيْثِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ الْمَعْرِفَةُ يُقْصَدُ بِهَا مُعَيَّنٌ عِنْدَ السَّامِعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُعَيَّنٌ كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ وَأَمَّا النَّكِرَةُ فَيُقْصَدُ بِهَا الْتِفَاتُ الذِّهْنِ إلَى الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَلَا يُلَاحَظُ فِيهَا تَعَيُّنُهُ، وَإِنْ كَانَ.

стр. 362

مِنْ أَقْسَامِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وُضِعَا لِمُعَيَّنٍ ــ [حاشية العطار] مُتَعَيِّنًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّ بَيْنَ مُصَاحَبَةِ التَّعَيُّنِ، وَمُلَاحَظَتِهِ فَرْقٌ جَلِيٌّ اهـ. فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَوَائِدِ الْغِيَاثِيَّةِ وَفِي حَاشِيَةِ عَبْدِ الْحَكِيمِ عَلَى الْمُطَوَّلِ، وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ وَكُتُبُ مُحَقِّقِي الْأَعَاجِمِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِهِ فَلَا تَغْتَرَّ بِمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِمَّنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ وَلَا اطِّلَاعَ عَلَى كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْمُرَادَ ذِهْنُ الْوَاضِعِ وَبَعْضُ ذِهْنِ الْمُسْتَعْمِلِ وَآخَرُ يَجْعَلُ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةً فَيَقُولُ هَلْ الْمُرَادُ ذِهْنُ الْمُسْتَقْبِلِ، أَوْ السَّامِعِ، وَالْعَجَبُ مِنْ الْعَلَّامَةِ سم، وَالْمُحَقِّقِ النَّاصِرِ حَيْثُ غَفَلَا عَنْ ذَلِكَ مَعَ سَعَةِ اطِّلَاعِهِمَا فَقَالَ الْأَوَّلُ إنَّ النَّكِرَةَ وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ أَيْضًا؛ إذْ الْوَاضِعُ إنَّمَا يَضَعُ لِمُعَيَّنٍ فَقَوْلُهُ خَرَجَ النَّكِرَةُ مَمْنُوعٌ. وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ بِاعْتِبَارِ تَعَيُّنِهِ فَخَرَجَ النَّكِرَةُ فَإِنَّهُ وَإِنْ وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ لَمْ يُعْتَبَرْ تَعَيُّنُهُ وَقَالَ الثَّانِي عَلَى قَوْلِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ، أَيْ: عِنْدَ الْمُسْتَعْمِلِ اهـ. فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْمَنْقُولِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ الثَّانِي عَلَى التَّعْرِيفِ مِنْ عَدَمِ شُمُولِهِ الْعَلَم بِالْغَلَبَةِ وَصِدْقِهِ عَلَى الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا اهـ. فَيُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ غَلَبَةَ اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَعْمَلِينَ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْوَضْعِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْفَوَائِدِ الضِّيَائِيَّةِ فَيَدْجُلُ الْعَلَمُ بِالْغَلَبَةِ بِشُمُولِ الْوَضْعِ لِلتَّحْقِيقِيِّ، وَالْحُكْمِيِّ. وَعَنْ الثَّانِي بِمَا حَقَّقَهُ الْفَاضِلُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ مِنْ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ حَرْفٌ وُضِعَ لِمَفْهُومٍ كُلِّيٍّ هُوَ تَعْيِينُ مَدْخُولِهِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، أَوْ لِتِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ وَاسْمُ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ أَعْنِي الْمَاهِيَّةَ، أَوْ الْفَرْدَ الْمُنْتَشِرَ عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ، وَالْمَجْمُوعُ مَوْضُوعٌ بِالْوَضْعِ التَّرْكِيبِيِّ لِمُعَيَّنٍ عِنْدَ السَّامِعِ هُوَ مَفْهُومُ مَدْخُولُهُ، أَوْ حِصَّتِهِ مِنْهُ فَأَفَادَ أَنَّ فِيهِ وَضْعَيْنِ فَيُفَارِقُ الْعَلَمَ بِأَنَّ الْوَضْعَ فِيهِ شَخْصِيٌّ بِخِلَافِهِ فَلَا يَدْخُلُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ إذْ الْمَعْنَى مَا وُضِعَ وَضْعًا وَاحِدًا شَخْصِيًّا، وَالْمُعَرَّفُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلْ ولسم هُنَا كَلَامٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ قَلِيلُ النَّيْلِ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَقْسَامِ) مِنْ لِلْبَيَانِ الْمَشُوبِ بِالتَّبْعِيضِ فَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ النَّاصِرِ لَفْظَةَ بَاقِي لِإِخْرَاجِ الْعَلَمِ كَذَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَوَقَعَ كَثِيرًا مِثْلُهُ فِي حَوَاشِي الْمُتَأَخِّرِينَ حَتَّى صَارَ قَوْلُهُمْ إنَّ مِنْ لِلْبَيَانِ الْمَشُوبِ بِالتَّبْعِيضِ سُلَّمًا يَرْتَقُونَ بِهِ لِتَأْوِيلَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْبَيَانَ مُغَايِرٌ للِتَّبْعِيضِ فَكَيْفَ يُجَامِعُهُ قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي رِسَالَةٍ لَهُ مُسْتَقِلَّةٍ فِي مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ إنَّ الْبَعْضِيَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي مِنْ هِيَ الْبَعْضِيَّةُ فِي الْأَجْزَاءِ دُونَ الْأَفْرَادِ عَلَى خِلَافِ التَّنْكِيرِ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ وَبِهِ تُفَارِقُ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةُ مِنْ الْبَيَانِيَّةَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ وَنَعْرِفُهَا أَيْ نَعْرِفُ مِنْ الْبَيَانِيَّةَ بِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ مِنْ أَوْ بَعْدَهَا مُبْهَمٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْرُورُ بِمِنْ تَفْسِيرًا لَهُ وَيَقَعُ ذَلِكَ الْمَجْرُورُ عَلَى ذَلِكَ الْمُبْهَمِ كَمَا يُقَالُ مَثَلًا لِلرِّجْسِ إنَّهُ الْأَوْثَانُ وَلَعِشْرُونَ إنَّهَا الدَّرَاهِمُ وَلِلضَّمِيرِ مِنْ قَوْلِك عَزَّ مِنْ قَائِلٍ أَنَّهُ الْقَائِلُ بِخِلَافِ التَّبْعِيضِيَّةِ فَإِنَّ الْمَجْرُورَ بِهَا لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ

стр. 363

وَهُوَ أَيُّ جُزْئِيٍّ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَيَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ بَدَلًا عَنْهُ فَأَنْتَ مَثَلًا وُضِعَ لِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِنْ أَيِّ جُزْئِيٍّ وَيَتَنَاوَلُ جُزْئِيًّا آخَرَ بَدَلَهُ ــ [حاشية العطار] بَعْضُ الْمَجْرُورِ وَاسْمُ الْكُلِّ وَيَقَعُ عَلَى الْبَعْضِ فَإِنْ قُلْتَ عِشْرُونَ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَإِنْ أَشَرْت بِالدَّرَاهِمِ إلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ بَعْضُهَا، وَإِنْ قَصَدْت بِالدَّرَاهِمِ جِنْسَ الدَّرَاهِمِ، فَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لِصِحَّةِ إطْلَاقِ الْمَجْرُورِ عَلَى الْعِشْرِينَ. اهـ. كَلَامُ الرَّضِيِّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَيُّ جُزْئِيٍّ إلَخْ) فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمَعَارِفَ مَا عَدَا الْعَلَمِ مَوْضُوعٌ بِالْوَضْعِ الْعَامِّ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ الْخَاصِّ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ، وَمِنْهُمْ التَّفْتَازَانِيُّ يَجْعَلُونَهَا مَوْضُوعَةً لِلْكُلِّيَّاتِ بِشَرْطِ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ فِي عَدَمِ اسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ لِلْحَقِيقَةِ وَلَا احْتَاجَ مَنْ نَفَى الِاسْتِلْزَامَ إلَى أَمْثِلَةٍ نَادِرَةٍ اهـ. وَنَظَرَ فِيهِ الْمَوْلَى مِيرْ زَاهِدْ فِي حَاشِيَةِ الشَّرْحِ الْجَلَالِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَجَازِ الَّذِي لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ حِينَ الْوَضْعِ الِاسْتِعْمَالُ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ اهـ. وَأَقُولُ: هَذِهِ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ وَأَوْرَدَ مِيرْ زَاهِدْ عَلَيْهِمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِطْلَاقَاتِ الْمَجَازِيَّةِ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ خُصُوصًا فِي إطْلَاقِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ عِنْدَ إطْلَاقِهَا إلَى الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ وَأُورِدَ عَلَى التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يُنَافِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ الرَّئِيسُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ مَوْضُوعَةٌ لِلصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ دُونَ الْأَعْيَانِ الْخَارِجِيَّةِ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ الْحَاصِلَةَ فِي الذِّهْنِ هِيَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الصَّادِقَةَ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ قَالَ وَكَأَنَّ مُرَادُهُمْ بِالصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ هَاهُنَا نَفْسُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَوَاءٌ كَانَ حَاصِلًا فِي الذِّهْنِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِوَجْهٍ مَا وَلِلْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ إنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمَفْهُومٍ كُلِّيٍّ لِتُسْتَعْمَلَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهُ فِي جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ لَا لِذَلِكَ الْمَفْهُومِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ حَقِيقَةً وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجَازٌ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الرَّأْيَيْنِ لَفْظِيٌّ اهـ. ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْجُزْءِ مَا يَشْمَلُ الْجُزْئِيَّ الْحَقِيقِيَّ، وَالْإِضَافِيَّ فَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَطَالِعِ إنَّ كَلِمَةَ هُوَ مَوْضُوعَةٌ لِلْجُزْئِيَّاتِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ قَوْلِنَا كُلُّ غَائِبٍ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ سَوَاءٌ كَانَتْ جُزْئِيَّاتٍ حَقِيقَةً، أَوْ إضَافِيَّةً اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَتَنَاوَلُ جُزْئِيًّا آخَرَ بَدَلَهُ) قَالَ سم قَدْ يُسْتَشْكَلُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعَرَّفِ بِأَلْ، أَوْ الْإِضَافَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَلَا عَلَى جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ؛ إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَيُّ جُزْئِيٍّ؛ إذْ لَيْسَتْ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ وَلَا عَلَى جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ أَيُّ جُزْئِيٍّ؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ الْجُزْئِيَّاتِ لَيْسَتْ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ مَعَ أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَعَانِي الْمُعَرَّفِ بِأَلْ، أَوْ الْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ فِي الثَّانِي مُسْتَعْمَلٌ فِي الْحَقِيقَةِ فِي ضِمْنِ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ لَا فِي نَفْسِ الْجُزْئِيَّاتِ عَلَى مَا حُقِّقَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، فَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْمُعَرَّفِ بِأَلْ، أَوْ الْإِضَافَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ مَعَانِيهِ، وَهُوَ الْفَرْدُ الْمُعَيَّنُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَى مَا فِيهِ أَلْ الَّتِي لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ بِالِاصْطِلَاحِ الْبَيَانِيِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقَةُ فِي ضِمْنِ فَرْدٍ مَا فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُعَيَّنِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ

стр. 364

وَهَلُمَّ، وَكَذَا الْبَاقِي (فَإِنْ كَانَ التَّعَيُّنُ) فِي الْمُعَيَّنِ (خَارِجِيًّا فَعَلَمُ الشَّخْصِ) ، فَهُوَ مَا وُضِعَ ــ [حاشية العطار] الْحَقِيقَةُ لَمْ يَصْدُقْ قَوْلُهُ، وَهُوَ أَيُّ جُزْئِيٍّ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، أَوْ الْفَرْدُ لَمْ يَصْدُقُ قَوْلُهُ وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ إذْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَعَيُّنُ الْفَرْدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِمَا ذُكِرَ أَيْضًا، أَوْ بِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا الْقِسْمُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ الْبَيَانِ اهـ. وَأَقُولُ: ذِكْرُ الْإِضَافَةِ هُنَا دَخِيلٌ فَإِنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأَنَّ أَصْلَ وَضْعِهَا الْعَهْدُ، وَإِنَّمَا تَوَسَّعُوا فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ مُخْتَصٌّ بِالْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْحَقِيقَةِ وَاَلَّتِي لِلِاسْتِغْرَاقِ وَاَلَّتِي لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَحَاصِلُ مَا انْفَصَلَ عَنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ أَيُّ جُزْئِيٍّ إلَخْ نَظَرًا لِغَالِبِ الْمَعَارِفِ فَلَا يَضُرُّ عَدَمُ شُمُولِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَتَخْتَصُّ الَّتِي لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ بِعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهَا لِكَوْنِهَا فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ مَسْبُوقٌ بِهِ فَإِنَّ الْعَلَّامَةَ أَبَا اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيَّ، أَوْرَدَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَعَارِفَ مَوْضُوعَةٌ لِلْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ إلَخْ فَقَالَ مَا نَصُّهُ الْوَضْعُ لِلْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ لِيُسْتَعْمَلَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ مُشْكِلٌ فِي الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَعْنِي الْحَقِيقَةَ الْمُتَّحِدَةَ فِي الذِّهْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَعْلُومَةٌ سَوَاءٌ كَانَ الْقَصْدُ إلَى الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ فِي ضِمْنِ الْبَعْضِ، أَوْ الْكُلِّ اهـ. وَتَصَرَّفَ فِيهِ سم بِمَا سَمِعْت وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ مَثَلًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُعَرَّفٌ فَاللَّامُ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ، وَهُوَ مَفْهُومُ مَدْخُولِهِ الْمُعَيَّنِ عِنْدَ السَّامِعِ بِشَرْطِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ أَعْنِي هَذَا الْمَفْهُومَ، وَذَاكَ الْمَفْهُومَ، وَكَذَا الْعَهْدِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ هُنَا أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ، وَهِيَ جُزْئِيَّاتٌ إضَافِيَّةٌ بِالنَّظَرِ إلَى انْدِرَاجِهَا تَحْتَ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ. وَقَدْ عَلِمْت تَخْصِيصَ الْجُزْئِيَّاتِ بِالْحَقِيقَةِ فَمَفْهُومُ مَدْخُولِهِ الْمُعَيَّنِ عِنْدَ السَّامِعِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ تَحْتَهُ مَفَاهِيمُ هِيَ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ أَيْضًا كَالْإِنْسَانِ، وَالْفَرَسِ، وَالْحِمَارِ، وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَوْضُوعَ لَهُ الْكُلِّيُّ بِشَرْطِ الِاسْتِعْمَالِ فِي جُزْئِيٍّ وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ الْمَفْهُومُ آلَةً؛ لِاسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْمَفَاهِيمِ وَيُوضَعُ اللَّفْظُ بِإِزَائِهَا فَذَلِكَ الْمَفْهُومُ الْكُلِّيُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَوْضُوعٌ لَهُ وَعَلَى الثَّانِي آلَةُ الْمُلَاحَظَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ وَأَمَّا مَا أَجَابَ بِهِ سم فَغَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّعَارِيفِ الْعُمُومُ. (قَوْلُهُ: وَهَلُمَّ) ، أَيْ: يَتَنَاوَلُ ثَالِثًا بَدَلًا عَنْهُمَا، وَهَكَذَا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ التَّعْيِينُ إلَخْ) بَيَّنَ بِهَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ عَلَمَيْ الشَّخْصِ، وَالْجِنْسِ وَسَكَتَ عَنْ بَقِيَّةِ الْمَعَارِفِ، وَهِيَ تُشَارِكُهُمَا فِي التَّعْيِينِ وَتُفَارِقُهُمَا بِأَنَّ التَّعْيِينَ فِيهِمَا بِالْوَضْعِ وَفِيهَا بِالْقَرِينَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: خَارِجِيًّا) الْمُرَادُ بِهِ التَّعَيُّنُ الشَّخْصِيُّ، فَهُوَ بِمَعْنَى مَا قِيلَ الْعَلَمُ مَا وُضِعَ لِشَيْءٍ مَعَ مُشَخِّصَاتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُشَخِّصَاتِ كَمَا قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ أَمَارَاتُ التَّشَخُّصِ لَا مُوجِبَاتُهُ؛ لِأَنَّ التَّشَخُّصَ هُوَ الْوُجُودُ عَلَى النَّحْوِ الْخَاصِّ، أَوْ حَالَةَ تَتْبَعُهُ، أَوْ تُقَارِنُهُ مِنْ الْأَعْرَاضِ، وَالصِّفَاتِ، فَالشَّكْلُ، وَالْكَيْفُ، وَالْكَمُّ أَمَارَاتٌ يُعْرَفُ بِهَا التَّشَخُّصُ فَتَبَدُّلُ الْمُشَخِّصَاتِ لَا يُوجِبُ تَبَدُّلَ الشَّخْصِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْبَحْثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعَلَمِ فِي الصِّغَرِ بَعْدَ صِغَرِهِ مَجَازٌ لِتَغَيُّرِ الْمُشَخِّصَاتِ، وَالْأَجْزَاءِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمُغَايَرَةَ لَا تُعْتَبَرُ عُرْفًا فَإِنَّ الْكَبِيرَ هُوَ الصَّغِيرُ عُرْفًا وَاعْتِبَارُ تِلْكَ الْمُغَايَرَةِ تَدْقِيقٌ فَلْسَفِيٌّ وَبِهِ يُجَابُ عَنْ مِثْلِ أَسْمَاءِ الْقَبَائِلِ، وَالْبُلْدَانِ فَإِنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ؛ إذْ لَمْ تَنْحَصِرْ فَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ؛ إذْ الْمُرَادُ التَّعَيُّنُ فِي الْجُمْلَةِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ أَيْضًا بِالْأَعْلَامِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمَوْلُودِ الْغَائِبِ فَإِنَّ الْوَاضِعَ يَسْتَحْضِرُهُ بِوُجُوهٍ كُلِّيَّةٍ مُنْطَبِقَةٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ، وَهَذَا كَافٍ فِي وَضْعِ الْعِلْمِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا يَتَنَاوَلُ؛ لِأَنَّهُ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ، وَالْحَالُ قَيْدٌ فِي عَامِلِهَا فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْكُورَانِيِّ كَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ زِيَادَةُ قَوْلِهِمْ بِوَاضِعٍ وَاحِدٍ لِئَلَّا تَخْرُجَ الْأَعْلَامُ الْمُشْتَرَكَةُ فَإِنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَاوِلَةً غَيْرَهَا لَكِنْ لَا بِوَضْعٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِأَوْضَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ اهـ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهَا لِلْغَيْرِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ لَهُ، بَلْ مِنْ حَيْثُ عُرُوضُ وَضْعٍ ثَانٍ لِهَذَا الْغَيْرِ

стр. 365

لِمُعَيَّنٍ فِي الْخَارِجِ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ لَهُ فَلَا يَخْرُجُ الْعَلَمُ الْعَارِضُ الِاشْتِرَاكِ كَزَيْدٍ مُسَمًّى بِهِ كُلٌّ مِنْ جَمَاعَةٍ (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّعَيُّنُ خَارِجِيًّا بِأَنْ كَانَ ذِهْنِيًّا (فَعَلَمُ الْجِنْسِ) ، فَهُوَ مَا وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ فِي الذِّهْنِ، أَيْ: مُلَاحَظِ الْوُجُودِ فِيهِ كَأُسَامَةَ عَلَمٌ لِلسَّبْعِ، أَيْ: لِمَاهِيَّتِهِ الْحَاضِرَةِ فِي الذِّهْنِ (وَإِنْ وُضِعَ) اللَّفْظُ (لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ) ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعَيَّنَ فِي الْخَارِجِ، أَوْ الذِّهْنِ (فَاسْمُ الْجِنْسِ) كَأَسَدٍ اسْمٌ لِلسَّبْعِ، أَيْ: لِمَاهِيَّتِهِ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي ذَلِكَ كَأَنْ يُقَالُ أَسَدٌ أَجْرَأُ مِنْ ثُعَالَةٍ كَمَا يُقَالُ أُسَامَةُ أَجْرَأُ مِنْ ثُعَالَةٍ، وَالدَّالُّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّعَيُّنِ فِي عَلَمِ الْجِنْسِ إجْرَاءُ الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ لِعَلَمِ الشَّخْصِ عَلَيْهِ حَيْثُ مَثَلًا مُنِعَ الصَّرْفَ مَعَ تَاءِ التَّأْنِيثِ ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: فَلَا يَخْرُجُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ لَهُ. (قَوْلُهُ: فَعَلَمُ الْجِنْسِ) الْمُرَادُ الْجِنْسُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ فَيَتَنَاوَلُ النَّوْعَ فَإِنَّ الْأَسَدَ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ نَوْعٌ لَا جِنْسٌ. (قَوْلُهُ: لِمُعَيَّنٍ فِي الذِّهْنِ) فَعَلَمُ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ الْمُسْتَحْضَرَةِ فِي الذِّهْنِ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنُهَا وَاسْمُ الْجِنْسِ وُضِعَ لَهَا لَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَأَمَّا أَنَّ التَّعْيِينَ فِيهِ شَرْطٌ، أَوْ شَطْرٌ فَمِمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِيهِ قَالَ النَّاصِرُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَا ذَكَرَ فِي حَدِّ عَلَمِ الشَّخْصِ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا فِي الذِّهْنِ يُخْرِجُ مَا يَخْرُجُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَعَارِفِ وَيُخْرِجُ أَيْضًا عَلَمَ الشَّخْصِ. (قَوْلُهُ: أَيْ: مُلَاحَظِ الْوُجُودِ إلَخْ) الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ مُلَاحَظِ التَّعَيُّنِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ فِي الذِّهْنِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ بِهِ عَنْ سَائِرِهَا، بَلْ بِالْمُشَخِّصَاتِ الذِّهْنِيَّةِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْوُجُودَ فِي الذِّهْنِ يَلْزَمُهُ التَّعَيُّنُ فَيَلْزَمُ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْوُجُودِ مُلَاحَظَةُ التَّعَيُّنِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ يَلْزَمُ إلَخْ مَمْنُوعٌ، وَإِلَّا لَكَانَ مَوْجُودًا فِي الْجِنْسِ أَيْضًا تَأَمَّلْ. وَأَجَابَ النَّجَّارِيُّ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ مُلَاحَظِ الْوُجُودِ فِيهِ، أَيْ: عَلَى وَجْهِ التَّشَخُّصِ اهـ. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ الذِّهْنِيَّةَ كُلَّهَا صُوَرٌ شَخْصِيَّةٌ لِتَشَخُّصِهَا بِالْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ كَمَا بَيَّنَ فِي الْحِكْمَةِ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعَيَّنَ) الْأَوْلَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَاحَظَ تَعَيُّنُهَا فِي الذِّهْنِ؛ إذْ التَّعَيُّنُ فِي الذِّهْنِ لَازِمٌ لِجَمِيعِ مَا وُجِدَ فِيهِ كَمَا سَمِعْت. (قَوْلُهُ: وَاسْتِعْمَالُهُ فِي ذَلِكَ) ، أَيْ: فِي الْمَاهِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَرْدِ أَيْضًا وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الْجِنْسِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ. (قَوْلُهُ: أَسَدٌ أَجْرَأُ مِنْ ثَعْلَبٍ) هَذَا الْمِثَالُ يُفِيدُ أَنَّ أَسَدًا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْفَرْدِ لَا فِي الْمَاهِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ لَا تُوصَفُ بِذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ الْمَاهِيَّةُ فِي ضِمْنِ الْفَرْدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ بِدُونِهِ خَارِجًا (قَوْلُهُ كَمَا يُقَالُ أُسَامَةُ إلَخْ) تَنْظِيرٌ فِي مُطْلَقِ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِلَّا فَذَاكَ لَا تَعْيِينَ فِيهِ وَفِي هَذَا تَعْيِينٌ. (قَوْلُهُ: وَالدَّالُّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّعَيُّنِ إلَخْ) دَلِيلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ مُلَاحَظِ الْوُجُودِ فِيهِ صَوَابُهُ مُلَاحَظِ التَّعَيُّنِ فَإِنَّهُ نَاصِرٌ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ إنَّ عَلَمِيَّتَهُ تَقْدِيرِيَّةٌ اضْطِرَارِيَّةٌ وَفِي الرَّضِيِّ إنَّ عَلَمِيَّةَ عَلَمِ الْجِنْسِ لَفْظِيَّةٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ فِي الْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: إجْرَاءُ الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ تَسْتَلْزِمُ التَّعْرِيفَ وَثُبُوتُ الْمَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ اللَّازِمِ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ مَثَلًا) مُقَدَّمَةٌ مِنْ تَأْخِيرٍ، أَيْ: حَيْثُ مُنِعَ الصَّرْفَ مَثَلًا

стр. 366

وَأُوقِعَ الْحَالُ مِنْهُ نَحْوَ هَذَا أُسَامَةُ مُقْبِلًا، وَمِثْلُهُ فِي التَّعْيِينِ الْمُعَرَّفُ فَاللَّامُ الْحَقِيقَةِ نَحْوُ الْأَسَدُ أَجْرَأُ مِنْ الثَّعْلَبِ كَمَا أَنَّ مِثْلَ النَّكِرَةِ فِي الْإِبْهَامِ الْمُعَرَّفُ فَاللَّامُ الْجِنْسِ بِمَعْنَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ نَحْوُ إنْ رَأَيْت الْأَسَدَ، أَيْ: فَرْدًا مِنْهُ فَفِرَّ مِنْهُ وَاسْتِعْمَالُ عَلَمِ الْجِنْسِ، أَوْ اسْمِهِ مُعَرَّفًا، أَوْ مُنَكَّرًا فِي الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ الْمُبْهَمِ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ حَقِيقِيٌّ نَحْوُ هَذَا أُسَامَةُ، أَوْ الْأَسَدُ، أَوْ أَسَدٌ، أَوْ إنْ رَأَيْت أُسَامَةَ، أَوْ الْأَسَدَ، أَوْ أَسَدًا فَفِرَّ مِنْهُ وَقِيلَ إنَّ اسْمَ الْجِنْسِ كَأَسَدٍ وَرَجُلٍ وُضِعَ لِفَرْدٍ مُبْهَمٍ ــ [حاشية العطار] وَأَدْخَلَ بِهِ مَنْعَ إدْخَالِ أَلْ وَالْإِضَافَةِ. (قَوْلُهُ: وَأُوقِعَ الْحَالُ مِنْهُ) ، أَيْ: بِدُونِ مُسَوِّغٍ فَلَا يُقَالُ إنَّ الْحَالَ تَأْتِي مِنْ النَّكِرَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ لِمُسَوِّغٍ. (قَوْلُهُ: هَذَا أُسَامَةُ مُقْبِلًا) فَاسْتُعْمِلَ فِي الْفَرْدِ فَإِنَّ الْإِقْبَالَ مِنْ صِفَاتِهِ. (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ فِي التَّعْيِينِ) ، أَيْ: فِي اعْتِبَارِ مُطْلَقِ التَّعْيِينِ، وَإِنْ كَانَ فِي عَلَمِ الْجِنْسِ مِنْ ذَاتِ الْكَلِمَةِ وَفِي الْمُعَرَّفِ مِنْ أَلْ. (قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ مِثْلَ النَّكِرَةِ) بِمَعْنَى الدَّالِّ عَلَى وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ الْمُعَرَّفُ فَاللَّامُ الْجِنْسِ، وَقَدْ أَشَارَ التَّفْتَازَانِيُّ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ بِمَعْنَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَبَيْنَ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ إنَّ النَّكِرَةَ تُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ الِاسْمَ بَعْضٌ مِنْ جُمْلَةِ الْحَقِيقَةِ نَحْوُ أَدْخُلُ سُوقًا بِخِلَافِ الْمُعَرَّفِ نَحْوِ أَدْخُلُ السُّوقَ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ، وَالْبَعْضِيَّةُ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الْقَرِينَةِ كَالدُّخُولِ مَثَلًا، فَهُوَ كَعَامٍّ مَخْصُوصٍ بِالْقَرِينَةِ، فَالْمُجَرَّدُ، وَذُو اللَّامِ بِالنَّظَرِ إلَى الْقَرِينَةِ سَوَاءٌ وَبِالنَّظَرِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مُخْتَلِفَانِ (قَوْلُهُ: مُعَرَّفًا، أَوْ مُنَكَّرًا) رَاجِعٌ إلَى اسْمِ الْجِنْسِ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ) خَرَجَ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ فَإِنَّهُ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْخَاصَّ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ يُغَايِرُ الْعَامَّ مِنْ حَيْثُ عُمُومُهُ. (قَوْلُهُ: حَقِيقِيٌّ) بَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ التَّعْيِينَ الذِّهْنِيَّ مُعْتَبَرٌ فِي وَضْعِ عَلَمِ الْجِنْسِ، وَالْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْدِ فَكَيْفَ يَكُونَانِ فِيهِ حَقِيقَةً اهـ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ إطْلَاقَهُ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِشَرْطِهَا، وَهُوَ الِاسْتِحْضَارُ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي ضِمْنِ الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ الْمُبْهَمِ. (قَوْلُهُ: هَذَا أُسَامَةُ) ، أَوْ الْأَسَدُ، أَوْ أَسَدٌ فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمُفْرَدِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ حَاصِلًا مَقْصُودًا مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ وَفِي الثَّانِي عَارِضًا مِنْ (أَلْ) وَفِي الثَّالِثِ حَاصِلًا غَيْرَ مَقْصُودٍ وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي الْفَرْدِ هُوَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ مُرَادًا بِهِ ذَلِكَ الْفَرْدُ، وَالْمَحْمُولُ فِيمَا ذُكِرَ مُرَادٌ بِهِ مَفْهُومُهُ الْوَضْعِيُّ وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَوْضُوعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ صَادِقٌ عَلَيْهِ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَنْطِقِ لَا أَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ كَذِبًا اهـ. وَجْهُ الْبَحْثِ أَنَّ تَصْحِيحَ الْمَحَلِّ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ بِالْمَحْمُولِ الْمَفْهُومُ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْفَرْدِ فَلَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِهِ؛ لِاسْتِعْمَالِ عَلَمِ الْجِنْسِ وَاسْمِ الْجِنْسِ فِي الْفَرْدِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ كُلُّهَا مَمْنُوعَةٌ: الْأُولَى: امْتِنَاعُ حَمْلِ الْجُزْئِيِّ، وَهُوَ، وَإِنْ اخْتَارَهُ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْجَلَالَ الدَّوَانِيَّ صَحَّحَهُ وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ سِينَا، وَالْفَارَابِيِّ صِحَّةَ حَمْلِ الْجُزْئِيِّ وَأَنَّهُمَا صَرَّحَا بِذَلِكَ. الثَّانِيَةُ أَنَّ الْحَمْلَ بِمَعْنَى الصِّدْقِ لَا الِاتِّحَادِ وَلَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ قَوْلُهُمْ الْمُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ الْمَوْضُوعِ الْإِفْرَادُ وَفِي جَانِبِ الْمَحْمُولِ الْمَفْهُومُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَايَا الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْعُلُومِ، وَهِيَ الْمَحْصُورَاتُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَمْلُ بِمَعْنَى الِاتِّحَادِ لَلَزِمَ الْكَذِبُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِالْمَوْضُوعِ الْفَرْدُ وَبِالْمَحْمُولِ الْمَفْهُومُ، وَالْحَمْلُ هُنَا حَمْلُ مُوَاطَأَةٍ، وَهُوَ حَمْلٌ هُوَ هُوَ يَلْزَمُ أَنَّ الْفَرْدَ هُوَ الْمَفْهُومُ، وَالْحَالُ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ فَيَلْزَمُ الْكَذِبُ، وَهَذِهِ أَيْضًا مَمْنُوعَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاتِّحَادِ فِي الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّ وُجُودَ الْفَرْدِ هُوَ وُجُودُ الْمَفْهُومِ وَلَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ هَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَفْهُومُ بِنَاءً عَلَى مُخْتَارِ السَّيِّدِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْفَرْدُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ ذَا هُوَ مَدْلُولُ أُسَامَةَ، أَوْ أَسَدٍ وَأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَفِي الْخَارِجِ قَالَ مِيرْ زَاهِدْ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ مَنَاطُ الْحَمْلِ هُوَ الِاتِّحَادُ فِي ظَرْفٍ، وَالتَّغَايُرُ فِي ظَرْفٍ آخَرَ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ كَمَا أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِي الْكُلِّيَّاتِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْحَمْلِ فِي كُلِّيَّةِ الْمَحْمُولِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: إنْ رَأَيْت إلَخْ) فَإِنَّ الْمُفْرَدَ هُنَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ. (قَوْلُهُ: وُضِعَ لِفَرْدٍ مُبْهَمٍ) قَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ وَعَلَيْهِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَقِيقِيٌّ فَإِنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ وَاسْمَ الْجِنْسِ لِلْفَرْدِ الْمُبْهَمِ عَلَى مُخْتَارِ الْمُصَنِّفِ اعْتِبَارِيٌّ قَالَ

стр. 367

كَمَا يُؤْخَذُ مَعَ تَضْعِيفِهِ مِمَّا سَيَأْتِي أَنَّ الْمُطْلَقَ: الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ دَلَالَتَهُ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ تَوَهَّمَهُ النَّكِرَةَ، فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِاسْمِ الْجِنْسِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْمُطْلَقِ نَظَرًا إلَى الْمُقَابِلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْآتِي مِنْ إطْلَاقِ النَّكِرَةِ عَلَى الدَّالِّ عَلَى وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْمَعْرِفَةِ عَلَى الدَّالِّ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ صَحِيحٌ كَالْمَأْخُوذِ مِمَّا تَقَدَّمَ صَدْرَ الْمَبْحَثِ مِنْ إطْلَاقِ النَّكِرَةِ عَلَى الدَّالِّ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مَاهِيَّةً كَانَ، أَوْ فَرْدًا، وَالْمَعْرِفَةِ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الْمُعَيَّنِ كَذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ: الِاشْتِقَاقُ) مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ بِالْفِعْلِ: (رَدُّ لَفْظٍ إلَى) لَفْظٍ (آخَرَ) بِأَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّانِي ــ [حاشية العطار] السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ إذَا قِيلَ إنَّ اسْمَ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ مَعَ وَحْدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ كَانَ تَجْرِيدُهُ عَنْ مَعْنَى الْوَحْدَةِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي جُزْءِ مَا وُضِعَ لَهُ إلَّا أَنْ يُدَّعَى صَيْرُورَتُهُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَأَمَّا إذَا قِيلَ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ، فَهُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ. (قَوْلُهُ: الْمُطْلَقَ الدَّالَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ) إنْ قِيلَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ وُضِعَ لِفَرْدٍ مُبْهَمٍ هُوَ قَوْلُهُ أَنَّ مَنْ زَعَمَ دَلَالَتَهُ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ لَا قَوْلُهُ إنَّ الْمُطْلَقَ الدَّالَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِهِ أُجِيبَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْأَخْذَ الْمَذْكُورَ يَتَوَقَّفُ عَلَى اتِّحَادِ الْمُطْلَقِ وَاسْمِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ إنَّ الْمُطْلَقَ الدَّالَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ؛ إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْكَلَامُ فِيمَا سَيَأْتِي إنَّمَا هُوَ فِي الْمُطْلَقِ لَا فِي اسْمِ الْجِنْسِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَوْضِعَيْنِ) ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ ذُكِرَ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ عَلَمِ الْجِنْسِ وَثَمَّ فِي مُقَابَلَةِ الْمُقَيَّدِ. (قَوْلُهُ: صَحِيحٌ) ، أَيْ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ. (قَوْلُهُ: صَدْرَ الْمَبْحَثِ) ، أَيْ: فِي تَعْرِيفِ الْعَلَمِ وَتَقْسِيمِهِ. [مَسْأَلَةٌ الِاشْتِقَاقُ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ بِالْفِعْلِ] (قَوْلُهُ: الِاشْتِقَاقُ) يُحَدُّ بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ وَبِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فَحَدُّهُ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ مَا قَالَهُ الْمَيْدَانِيُّ هُوَ أَنْ تَجِدَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَنَاسُبًا فِي الْمَعْنَى وَالتَّرْكِيبِ فَتَرُدَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَبِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي مَا قَالَهُ الرُّمَّانِيُّ الِاشْتِقَاقُ اقْتِطَاعُ فَرْعٍ مِنْ أَصْلٍ يَدُورُ فِي تَصَارِيفِهِ الْأَصْلُ قَالَ، وَالْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ هُنَا غَيْرُهُمَا فِي الْأَقْيِسَةِ الْفِقْهِيَّةِ، فَالْأَصْلُ هَاهُنَا يُرَادُ بِهِ الْحُرُوفُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْمَعْنَى وَضْعًا أَوَّلِيًّا، وَالْفَرْعُ لَفْظٌ يُوجَدُ فِيهِ تِلْكَ الْحُرُوفُ مَعَ نَوْعِ تَغْيِيرٍ يُضَمُّ إلَيْهِ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى الْأَصْلِ اهـ. أَقُولُ: وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا رُجِّحَ بِهِ أَصَالَةُ الْمَصْدَرِ لِلْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَصْدَرِ فِي مَعْنَاهُ وَزِيَادَتُهُ عَلَيْهِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الزَّمَانِ الْمَخْصُوصِ اهـ. وَقَالَ الزَّمْلَكَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ الِاشْتِقَاقُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِأَلْفَاظٍ يَجْمَعُهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ مَعَ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣] وَقَوْلُهُ ﵊ «ذُو الْوَجْهَيْنِ لَا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا» وَلَيْسَ مِنْهُ ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ؛ لِأَنَّ الْجَنَى لَيْسَ مِنْ مَعْنَى الِاجْتِنَانِ. اهـ. وَحَدُّ الْمُصَنِّفُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ وَالشَّارِحُ حَمَلَهُ عَلَى الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ بِأَنْ يُحْكَمَ إلَخْ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالرَّدِّ يَقْتَضِي وُجُودَ كُلٍّ مِنْ الْمَرْدُودِ، وَالْمَرْدُودِ إلَيْهِ قَبْلَ وُجُودِ الرَّدِّ بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ بِالِاقْتِطَاعِ، وَالْأَخْذِ وَنَحْوِهِمَا، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَظَاهِرٌ شُمُولُهُ لِأَقْسَامِ الْكَلِمَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ أَمَّا فِي الِاسْمِ وَالْفِعْلِ فَظَاهِرٌ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ هَلْ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ الْفِعْلُ، أَوْ الْمَصْدَرُ. وَأَمَّا فِي الْحَرْفِ فَلِقَوْلِ ابْنِ جِنِّي فِي الْخَاطِرِيَّاتِ لَا إنْكَارَ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ الْحُرُوفِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا سَوَّفْت الرَّجُلَ إذَا قُلْت لَهُ سَوِّفْ أَفْعَلُ وَسَأَلْتُك حَاجَةً فَلَوْلَيْتَ لِي، أَيْ: قُلْت لِي لَوْلَا، وَلَا لَيْتَ لِي أَيْ قُلْت لِي لَا لَا وَقَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَلِيتُهُ حَقَّهُ، أَيْ: انْتَقَصَهُ إيَّاهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَيْتَ لِي كَذَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَنِّي لِلشَّيْءِ مُعْتَرِفٌ بِنَقْصِهِ عَنْهُ وَحَاجَتِهِ إلَيْهِ اهـ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْأَصْلِ مَا يَشْمَلُ الْمُقَدَّرَ فَدَخَلَتْ الْأَفْعَالُ الَّتِي لَا مَصْدَرَ لَهَا كَعَسَى وَلَيْسَ، فَهِيَ مُشْتَقَّةٌ وَلَا يُنَافِيهِ وَصْفُ النُّحَاةِ لَهَا بِالْجُمُودِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى عَدَمِ التَّصَرُّفِ لَا بِمَعْنَى عَدَمِ الِاشْتِقَاقِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ إلَخْ) إنَّمَا قَيَّدَهُ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ رَدٌّ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ أَنَّهُ مَصْدَرُ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّهُ مَصْدَرُ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ يَتَّصِفُ بِهِ الْفَاعِلُ عَلَى جِهَةِ قِيَامِهِ بِهِ، وَالْمَفْعُولُ عَلَى وِجْهَةِ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ أُرِيدَ تَعْرِيفُهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ قِيلَ تَطَابُقُ اللَّفْظَيْنِ إلَخْ قَالَ الْكَمَالُ وَتَعْرِيفُهُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَفْعُولِ أَقْرَبُ

стр. 368

أَيْ فَرْعٌ عَنْهُ (وَلَوْ) كَانَ الْآخَرُ (مَجَازًا لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى) بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الثَّانِي ــ [حاشية العطار] إلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (قَوْلُهُ: أَيْ فَرْعٌ عَنْهُ) التَّعْبِيرُ بِالْفَرْعِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاشْتِقَاقَ لَا يَقَعُ فِي الْأَعْلَامِ الْمُرْتَجَلَةِ وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ الْبَسِيطِ فَقَالَ التَّحْقِيقُ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَقْدَحُ فِي الِارْتِجَالِ؛ لِأَنَّهُ حَالَ الِاشْتِقَاقِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ اشْتِقَاقُهُ لِمَعْنًى فَإِذَا سُمِّيَ بِهِ كَانَ مَنْقُولًا مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَلَا يَكُونُ مُرْتَجَلًا اهـ. وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْأَعْجَمِيَّةُ كَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ وَنَحْوِهِمَا فَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ لَا اشْتِقَاقَ فِيهَا؛ إذْ لَوْ كَانَ فِيهَا اشْتِقَاقٌ لَمَا كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً لِكَوْنِ الْعُجْمَةِ مُنَافِيَةً لِلِاشْتِقَاقِ الْحَاصِلِ فِي الْعَرَبِيَّةِ اهـ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْأَشْبَاهِ، وَالنَّظَائِرِ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّهَا هَلْ تُوزَنُ أَمْ لَا فَقِيلَ لَا تُوزَنُ لِتَوَقُّفِ الْوَزْنِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَصْلِ، وَالزَّائِدِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالِاشْتِقَاقِ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا فَلَا تُوزَنُ وَقِيلَ تُوزَنُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ لِلْعِلَّةِ السَّابِقَةِ بِمَعْنَاهُ اهـ. وَقَدْ يَتَعَدَّدُ الْفَرْعُ لِأَصْلٍ وَاحِدٍ فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ يَعِيشَ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الِاسْمَانِ مُشْتَقَّيْنِ مِنْ شَيْءٍ، وَالْمَعْنَى بِهِمَا وَاحِدٌ وَبِنَاؤُهُمَا مُخْتَلِفٌ فَيَخْتَصُّ أَحَدُ الْبِنَاءَيْنِ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ لِلْفَرْقِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا عَدْلُ لِمَا يُعَادِلُ مِنْ الْمَتَاعِ وَعَدِيلٌ لِمَا يُعَادِلُ مِنْ الْأَنَاسِيِّ، وَالْأَصْلُ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَدْلٌ. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَلَكِنْ خَصُّوا كُلَّ بِنَاءٍ بِمَعْنًى لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ آخَرُ لِلْفَرْقِ، وَمِثْلُهُ بِنَاءٌ حَصِينٍ وَامْرَأَةٌ حِصَانٌ، وَالْأَصْلُ وَاحِدٌ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحِرْزُ، فَالْبِنَاءُ يُحْرَزُ مِنْ يَكُونَ بِهِ وَيُلْجَأُ إلَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ تَحْرُزُ فَرْجَهَا، ثُمَّ إنَّ النَّاصِرَ، أَوْرَدَ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْفَرْعِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي التَّعْرِيفِ الْمَنْسُوبِ، وَالْمُصَغَّرِ، وَالْجَمْعِ، وَالتَّثْنِيَةِ وَلَيْسَا مِنْ الِاشْتِقَاقِ وَيَلْزَمُ فَسَادٌ آخَرُ، وَهُوَ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ بِالْأَصَالَةِ، وَالْفَرْعِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاشْتِقَاقِ فَلَا يُدْرَكَانِ إلَّا بِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُدْرَكُ إلَّا بِهِمَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْمُعَرَّفِ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْزَاءِ الْمُعَرِّفِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَذْكُورَاتِ مُشْتَقَّاتٌ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْمَنْسُوبِ إلَى الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ اشْتِقَاقٌ وَقِسْ الْبَاقِي. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْفَرْعِيَّةَ، وَالْأَصَالَةَ أَعَمُّ مِنْهُمَا فِي الِاشْتِقَاقِ لِتَحَقُّقِهِمَا فِي غَيْرِهِ بِدُونِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمَانِهِ فَيُعَقَّلَانِ بِدُونِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ إلَخْ) غَايَةٌ لِلرَّدِّ بِحَسَبِ زَعْمِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ يَمْنَعُ الِاشْتِقَاقَ فِي الْمَجَازِ لَا بِحَسَبٍ الْوَاقِعِ يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي. (قَوْلُهُ: لِمُنَاسَبَةٍ إلَخْ) الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْمَعْنِيّ تَارَةٌ تَكُونُ بِاسْتِلْزَامِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الْآخَرِ، أَوْ عَيْنَهُ، أَوْ مُقَرَّبًا لَهُ، وَإِنْ كَانَا مُتَغَايِرَيْنِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ لَيْسَ مُرَادًا وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ، أَيْ: مَدْلُولِهِ بِدُونِ زِيَادَةٍ لِلثَّانِي عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَقْتَلِ مِنْ الْقَتْلِ. وَقَدْ يَكُونُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْقَاتِلِ مِنْ الْقَتْلِ، ثُمَّ إنَّ فَائِدَةَ الِاشْتِقَاقِ فِيمَا إذَا كَانَ عَيْنُ الْأَوَّلِ التَّوَسُّعَ فِي اللُّغَةِ فَقَدْ يَضْطَرُّ الشَّاعِرُ، أَوْ النَّاثِرُ لِلنُّطْقِ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَأَمَّا الْمُوَافَقَةُ فِي الْمَعْنَى، فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّحَادِ مَفْهُومِ اللَّفْظَيْنِ فِي النَّوْعِ بِحَيْثُ لَا يَتَغَايَرُ مَفْهُومَاهُمَا إلَّا بِاعْتِبَارِ اسْتِفَادَتِهِمَا مِنْ اللَّفْظَيْنِ كَالْقَتْلِ مَعَ الْمَقْتَلِ مَصْدَرًا، أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّغَايُرِ بِالْإِطْلَاقِ، وَالتَّقْيِيدِ أَيْضًا كَمَا فِي ضَرَبَ مَعَ ضَرْبٍ، فَالْمُنَاسَبَةُ أَعَمُّ. وَقَدْ أَخْرَجَ شَارِحُ الْمِنْهَاجِ بِهَذَا الْقَيْدِ نَحْوَ الذَّهَابِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الذَّهَبِ وَأَخْرَجَ الْمَعْدُولَ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَلَا مُغَايَرَةَ فِي الْمَعْدُولِ اهـ. وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ فَقَدْ قَالَ الزَّمْلَكَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الْبَسِيطِ الْعَدْلُ ضَرْبٌ مِنْ الِاشْتِقَاقِ إلَّا أَنَّهُ مُضْمَرٌ بِتَقْدِيرِ وَضْعِهِ مَوْضِعَ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ؛ وَلِذَلِكَ ثَقُلَ الْمَعْدُولُ وَلَمْ يَثْقُلْ الْمُشْتَقُّ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ مَوْقِعَ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ بِمِثْلِهِ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ فَقَالَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْعَدْلُ أَخْذُ صِيغَةٍ مِنْ صِيغَةٍ أُخْرَى مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ عَلَيْهَا، وَالِاشْتِقَاقُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَالْعَدْلُ قِسْمٌ مِنْهُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الثَّانِي إلَخْ) خَرَجَ بِهِ نَحْوُ مِلْحٍ وَلَحْمٍ إنْ قَلَّتْ الْمُنَاسَبَةُ نِسْبَةً بَيْنَهُمَا فَمَا وَجْهُ كَوْنِ أَحَدِهِمَا مُشْتَقًّا، وَالْآخَرُ مُشْتَقًّا مِنْهُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لِوُجُودِ مَزِيَّةٍ فِي الْمُشْتَقِّ مِنْهُ أَمَّا فِي الْمَعْنَى بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُتَأَصِّلًا فِيهِ وَغَيْرَ طَارٍ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الْحَدَثِ، وَالْفِعْلَ عَلَى الْحَدَثِ الْمُقَيَّدِ بِالزَّمَنِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ. وَأَمَّا فِي اللَّفْظِ فَإِنَّ مَا فِيهِ زِيَادَةُ فَرْعٍ لِمَا لَا زِيَادَةَ فِيهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ

стр. 369

فِي الْأَوَّلِ (وَالْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ) بِأَنْ تَكُونَ فِيهِمَا عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي النَّاطِقِ مِنْ النُّطْقِ بِمَعْنَى التَّكَلُّمِ حَقِيقَةً وَبِمَعْنَى الدَّلَالَةِ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْلِك الْحَالُ نَاطِقَةٌ بِكَذَا أَيْ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَجَازِ كَمَا فِي الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ مَجَازًا كَمَا سَيَأْتِي لَا يُقَالُ مِنْهُ آمِرٌ وَلَا مَأْمُورٌ مَثَلًا بِخِلَافِهِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ حَقِيقَةً وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ إنَّ عَدَمَ الِاشْتِقَاقِ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ عَلَامَاتِ كَوْنِهِ مَجَازًا أَنَّهُمْ مَانِعُونَ الِاشْتِقَاقَ مِنْ الْمَجَازِ كَمَا فَهِمَهُ عَنْهُمْ الْمُصَنِّفُ وَأَشَارَ بِلَوْ كَمَا قَالَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَلَامَةَ لَا يَلْزَمُ انْعِكَاسُهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الِاشْتِقَاقِ وُجُودُ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ مَا ذَكَرَ تَعْرِيفٌ لِلِاشْتِقَاقِ الْمُرَادِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ الصَّغِيرُ أَمَّا الْكَبِيرُ فَلَيْسَ فِيهِ التَّرْتِيبُ كَمَا فِي الْجَذْبِ وَجَبذْ، وَالْأَكْبَرُ لَيْسَ فِيهِ جَمِيعُ الْأُصُولِ كَمَا فِي الثَّلْمِ وَثَلْبٍ وَيُقَالُ أَيْضًا أَصْغَرُ وَصَغِيرٌ وَكَبِيرٌ وَأَصْغَرُ وَأَوْسَطُ وَأَكْبَرُ. (وَلَا بُدَّ) فِي تَحَقُّقِ الِاشْتِقَاقِ (مِنْ تَغْيِيرٍ) بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَحْقِيقًا كَمَا فِي ضَرَبَ مِنْ الضَّرْبِ وَقَسَّمَهُ فِي الْمِنْهَاجِ ــ [حاشية العطار] عَدَمُ الزِّيَادَةِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ تَكُونَ) ، أَيْ: الْحُرُوفُ بِتَمَامِهَا؛ إذْ الْكَلَامُ فِي الِاشْتِقَاقِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ فِي جَمِيعِ الْحُرُوفِ وَقَيَّدَ الْحُرُوفَ بِالْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَزِيدَةَ لَا يُحْتَاجُ لِلِاشْتِقَاقِ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَصْلِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً كُلُّهَا؛ إذْ قَدْ يُحْذَفُ بَعْضُهَا لِعَارِضٍ كَخِفْ وَكُلْ مِنْ الْخَوْفِ، وَالْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ كَالثَّابِتِ فَإِنَّ أَصْلَ خِفْ أَخْوَفْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا فَاسْتَغْنَى عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، ثُمَّ حُذِفَتْ الْوَاوُ؛ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. (قَوْلُهُ: عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ) تَفْسِيرٌ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْحُرُوفِ فَلَمْ يُهْمِلْ الْمُصَنِّفُ قَيْدَ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ لَا بُدَّ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ الِاشْتِقَاقُ الْكَبِيرُ وَخَرَجَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ الِاشْتِقَاقَ الْأَكْبَرَ. (قَوْلُهُ: الْحَالُ نَاطِقَةٌ بِكَذَا) مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ، أَوْ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكِنِيَّةِ وَتَقْرِيرُهُمَا غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْك. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ) ، أَيْ: الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ، أَيْ: الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ كَاضْرِبْ مَثَلًا. (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ إلَخْ) ، أَيْ: حَتَّى يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْجُمْهُورِ كَمَا، فَهِمَ الْمُصَنِّفُ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِالْفَاءِ. (قَوْلُهُ: أَنَّهُمْ مَانِعُونَ الِاشْتِقَاقَ) ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عَدَمِ الِاشْتِقَاقِ عَلَامَةً عَلَى الْمَجَازَانِ وُجُودُ الِاشْتِقَاقِ عَلَامَةً عَلَى عَدَمِ الْمَجَازِ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَلْزَمُ إلَخْ) فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ إذْ ظَاهِرُهُ أَنْ عَكْسَ الْعَلَامَةِ هَاهُنَا كُلَّمَا وُجِدَ الِاشْتِقَاقُ وُجِدَتْ الْحَقِيقَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ عَكْسُهَا كُلَّمَا وُجِدَ الْمَجَازُ وُجِدَ عَدَمُ الِاشْتِقَاقِ كَمَا أَنَّ إطْرَادَهَا كُلَّمَا وُجِدَ عَدَمُ الِاشْتِقَاقِ وُجِدَ الْمَجَازُ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الصَّغِيرُ) قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ إنْ اعْتَبَرَ فِي الِاشْتِقَاقِ الْحُرُوفَ الْأُصُولَ مَعَ التَّرْتِيبِ، فَالِاشْتِقَاقُ الصَّغِيرُ، وَإِلَّا فَإِنْ اعْتَبَرَ الْحُرُوفَ الْأُصُولَ، فَالْكَبِيرُ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ الْحُرُوفِ بِالنَّوْعِيَّةِ، وَالْمَخْرَجِ لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ الِاشْتِقَاقِ فِي مِثْلِ الْحَبْسِ مَعَ الْمَنْعِ، وَالْقُعُودِ مَعَ الْجُلُوسِ وَيُسَمَّى الْأَكْبَرَ. (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ فِيهِ التَّرْتِيبُ) الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَمُ التَّرْتِيبِ فَيَكُونُ مُبَايِنًا لِلصَّغِيرِ وَحِينَئِذٍ، فَالتَّسْمِيَةُ بِصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ اصْطِلَاحِيَّةٌ خَالِيَةٌ عَنْ الْمُنَاسَبَةِ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ فَيَصْدُقُ بِوُجُودِ التَّرْتِيبِ وَعَدَمِهِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الصَّغِيرِ، فَالتَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ بِالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ أَكْثَرُ إفْرَادًا. (قَوْلُهُ: لَيْسَ فِيهِ جَمِيعُ الْأُصُولِ) ، أَيْ: بَلْ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ كَمَا فِي الثَّلْمِ وَثَلَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ الضَّمَانُ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّمِّ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّ ذِمَّةً إلَى أُخْرَى فَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ لَمْ يَقُلْ بِالِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ مِنْ النُّحَاةِ إلَّا أَبُو الْفَتْحِ وَكَانَ ابْنُ الْبَاذِشِ يَأْنَسُ بِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اطِّرَادِهِ. وَعَنْ ابْنِ فَارِسٍ أَنَّهُ قَالَ بِهِ وَبَنَى عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْمَقَايِيسُ فِي اللُّغَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَجْمُوعَ كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا يُوهِمُ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ فِي أَنْوَاعِ الِاشْتِقَاقِ الثَّلَاثَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُنَاسَبَةُ فِي الصَّغِيرِ بِمَعْنًى وَفِي الْكَبِيرِ، وَالْأَكْبَرِ بِمَعْنًى آخَرَ، فَالْمُنَاسَبَةُ فِي الصَّغِيرِ مَعْنَاهَا الْمُوَافَقَةُ وَبِالْمُوَافَقَةِ غَيَّرَ فِيهِ

стр. 370

خَمْسَةَ عَشَرَ قِسْمًا، أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا فِي طَلَبَ مِنْ الطَّلَبِ فَيُقَدَّرُ أَنَّ فَتْحَةَ اللَّامِ فِي الْفِعْلِ غَيْرُهَا فِي الصَّدْرِ كَمَا قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ ضَمَّةَ النُّونِ فِي جُنُبٍ جَمْعًا غَيْرُهَا فِيهِ مُفْرَدًا وَلَوْ قَالَ تَغَيَّرَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ كَانَ أَنْسَبَ (، وَقَدْ يَطَّرِدُ) الْمُشْتَقُّ (كَاسْمِ الْفَاعِلِ) نَحْوُ ضَارِبٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَقَعَ مِنْهُ الضَّرْبُ (وَقَدْ يَخْتَصُّ) بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ (كَالْقَارُورَةِ) مِنْ الْقَرَارِ لِلزُّجَاجَةِ الْمَعْرُوفَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مُقِرٌّ لِلْمَائِعِ كَالْكُوزِ. (، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَصْفٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ لَفْظِهِ (اسْمٌ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي تَجْوِيزِهِمْ ذَلِكَ حَيْثُ نَفَوْا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةَ كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ وَوَافَقُوا عَلَى أَنَّهُ عَالِمٌ قَادِرٌ مَثَلًا ــ [حاشية العطار] ابْنِ الْحَاجِبِ، وَالْمُنَاسَبَةُ فِي الْكَبِيرِ، وَالْأَكْبَرِ أَعَمُّ مِنْ الْمُوَافَقَةِ كَمَا حَقَّقَهُ الْعَضُدُ مُمَثِّلًا لِلِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ بِنَحْوِ كَنَى وَنَاكَ فَإِنَّ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ لَيْسَ فِي الْمُشْتَقِّ، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا تَنَاسُبٌ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ مَعْنَيَيْهَا يَرْجِعَانِ إلَى السِّتْرِ؛ لِأَنَّ فِي الْكِنَايَةِ سِتْرًا لِلْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ لِلصَّرِيحِ، وَالْمَعْنَى الْآخَرُ مِمَّا يُسْتَتَرُ فِيهِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ سِتْرٌ لِلْآلَةِ بِتَغْيِيبِهَا فِي الْفَرْجِ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ قِسْمًا) قَدْ اسْتَوْفَاهَا الْكَمَالُ وَالنَّجَّارِيُّ، وَهِيَ قَلِيلَةُ الْجَدْوَى قَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ أَنْ سَاقَهَا إنَّ حَرَكَاتِ الْإِعْرَابِ لَا أَثَرَ لَهَا وَلَا حَرَكَاتِ الْبِنَاءِ، وَمَا فِي بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ مِنْ بِنَائِهِ عَلَى اعْتِبَارِ حَرَكَاتِ الْإِعْرَابِ، وَالْبِنَاءِ فَإِنَّمَا ارْتَكَبَ لِلضَّرُورَةِ فِي التَّمْثِيلِ. (قَوْلُهُ: كَانَ أَنْسَبَ) ؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ صِفَةُ الْمُغَيِّرِ وَصِفَةَ اللَّفْظِ التَّغَيُّرُ الَّذِي هُوَ أَثَرُ التَّغْيِيرِ وَأَيْضًا الْكَلَامُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْعِلْمِيِّ، وَهُوَ لَا تَغْيِيرَ فِيهِ؛ إذْ هُوَ مُجَرَّدُ الْحُكْمِ بِأَخْذِ لَفْظٍ مِنْ آخَرَ، وَالْحَاكِمُ لَا يَقَعُ مِنْهُ تَغْيِيرٌ، وَإِنَّمَا التَّغْيِيرُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْعَمَلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ الصَّوَابَ لِإِمْكَانِ الْجَوَابِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّغْيِيرِ الْحُكْمُ بِالتَّغَيُّرِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَطْرُدُ) أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمَاعِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنْ اُعْتُبِرَ فِي مُسَمَّى الْمُشْتَقِّ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُشْتَقُّ اسْمًا لِذَاتٍ مُبْهَمَةٍ يُنْسَبُ إلَيْهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَهُوَ مُطَّرِدٌ لُغَةً كَضَارِبٍ، وَمَضْرُوبٍ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ ذَلِكَ لَا عَلَى أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلتَّسْمِيَةِ مِنْ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ الِاسْمُ اسْمًا لِذَاتٍ مَخْصُوصَةٍ يُوجَدُ فِيهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَهُوَ مُخْتَصٌّ لَا يَطَّرِدُ فِي غَيْرِهَا مِمَّا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَالْقَارُورَةِ لَا تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الزُّجَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ مِمَّا هُوَ مَقَرُّ الْمَائِعِ وَكَالدَّبَرَانِ لَا يُطْلَقُ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ دَبُورٌ غَيْرَ الْكَوَاكِبِ الْخَمْسَةِ الَّتِي فِي الثَّوْرِ، وَهِيَ مُنَزَّلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ اهـ. (قَوْلُهُ: لِلْمَائِعِ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ لِلْقَرَارِ، وَإِلَّا، فَالْجَامِدُ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَصْفٌ) اُحْتُرِزَ بِالْوَصْفِ عَنْ الِاشْتِقَاقِ مِنْ الْأَعْيَانِ فَلَا يَجِبُ مَعَهَا كَمَا فِي لَابِنٍ وَتَامِرٍ وَحَدَّادٍ، وَمَكِّيٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْسُوبَ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ فِي الِاشْتِقَاقِ قِيَامُ الْمُشْتَقِّ بِمَالِهِ الِاشْتِقَاقُ، فَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ الْمَصَادِرِ (قَوْلُهُ:، أَيْ: مِنْ لَفْظِهِ) ارْتَكَبَ الِاسْتِخْدَامَ؛ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ مِنْ اللَّفْظِ لَا مِنْ الْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: حَيْثُ نَفَوْا إلَخْ) حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ نَفْيِهِمْ الصِّفَاتِ بِاللُّزُومِ مَعَ أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَا يُعَدُّ مَذْهَبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا بَيِّنًا فَإِنَّهُ يُعَدُّ، وَاللَّازِمُ هُنَا لَيْسَ بَيِّنًا عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ أَنَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُوا الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ حَيْثُ قَالَ فَفِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُخَالِفُوا إلَخْ. (قَوْلُهُ: كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ) حَقُّهُ

стр. 371

لَكِنْ قَالُوا بِذَاتِهِ لَا بِصِفَاتٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهَا مُتَكَلِّمٌ لَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْكَلَامِ فِي جِسْمٍ كَالشَّجَرَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْهَا مُوسَى ﵊ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ إلَّا الْحُرُوفَ، وَالْأَصْوَاتِ الْمُمْتَنِعِ اتِّصَافُهُ تَعَالَى بِهَا فَفِي الْحَقِيقَةُ لَمْ يُخَالِفُوا فِيمَا هُنَا؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْكَلَامِ بِمَعْنَى خَلْقِهِ ثَابِتَةٌ لَهُ تَعَالَى وَبَقِيَّةُ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ لَا يَسَعُهُمْ نَفْيُهَا لِمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى تَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَنْ أَضْدَادِهَا، وَإِنَّمَا يَنْفُونَ زِيَادَتَهَا عَلَى الذَّاتِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا نَفْسُ الذَّاتِ مَرَّ تَبَيُّنُ ثَمَرَاتِهَا عَلَى الذَّاتِ كَكَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا فَرُّوا بِذَلِكَ مِنْ تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ عَلَى أَنَّ تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ إنَّمَا هُوَ مَحْذُورٌ فِي ذَوَاتٍ لَا فِي ذَاتٍ وَصِفَاتٍ ــ [حاشية العطار] أَنْ يَقُولَ، وَالْكَلَامُ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مَنْفِيٌّ عِنْدَهُمْ عَنْ الذَّاتِ، وَإِنْ قَالُوا بِقِيَامِهِ بِمَحَلٍّ آخَرَ كَالشَّجَرَةِ، أَوْ بِثُبُوتِ صِفَةٍ فَعَلَيْهِ بِمَعْنَى خَلْقِ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا حَقُّهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِيمَا وَافَقُونَا عَلَيْهِ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ اهـ. نَاصِرٌ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْكَلَامَ كَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةَ وَفِي تَمْثِيلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ بِوَاسِطَةِ دُخُولِ كَافِ التَّمْثِيلِ عَلَيْهِ، فَهَذَا سَهْوٌ مِنْ الشَّيْخِ. (قَوْلُهُ: خَالِقٌ لِلْكَلَامِ) نَظَرَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُشْتَقِّ الْحَقِيقِيِّ لَا الْمَجَازِيِّ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ ذُو كَلَامٍ لَكِنْ قَائِمٌ بِمَحَلٍّ آخَرَ، فَالنِّزَاعُ إذًا مَعَهُمْ فِي جَوَازِ الِاشْتِقَاقِ مَعَ قِيَامِ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ بِمَحَلٍّ آخَرَ اهـ. وَأَجَابَ سم بِمَنْعِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُشْتَقِّ الْحَقِيقِيِّ لَا الْمَجَازِيِّ، بَلْ هُوَ فِي الْأَعَمِّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَمَّا قَوْلُهُ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ ذُو كَلَامٍ إلَخْ إنْ أَرَادَ أَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ حَقِيقَةً فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ خَلَقَ الْكَلَامَ، فَهَذَا هُوَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ كَغَيْرِهِ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْرَفْ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ خِلَافَهُمْ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ مَعْنَى قَامَ بِغَيْرِهِ لَا مِنْ مَعْنَى لَمْ يَقُمْ بِهِ فَفِيهِ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى أَنَّ الِاشْتِقَاقَ مِنْ مَعْنَى لَمْ يَقُمْ بِهِ وَكَوْنُهُ قَامَ بِغَيْرِهِ أَوَّلًا لَا ثَمَرَةَ لَهُ. (قَوْلُهُ: لَمْ يُخَالِفُوا فِيمَا هُنَا، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَصْفٌ إلَخْ) ، بَلْ قَائِلُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْكَلَامِ. (قَوْلُهُ: نَفْسُ الذَّاتِ) فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الزَّعْمَ بَدِيهِيُّ الِاسْتِحَالَةِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ اتِّحَادِ الذَّاتِ، وَالْمَعْنَى، وَالْحَقُّ أَنَّهَا عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ صِفَاتٌ اعْتِبَارِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ كَالْعِلْمِ بِمَعْنَى انْكِشَافِ الْمَعْلُومِ لَا بِمَعْنَى صِفَةِ تَوْجِيهٍ فَلَمْ يُشْتَقَّ مَعَ انْتِفَاءِ قِيَامِ الْمَعْنَى وَلَمْ يَلْزَمْهُمْ جَعْلُ الذَّاتِ مَعْنًى قَالَهُ النَّاصِرُ. وَأَقُولُ: هَذَا خِلَافُ مَا هُوَ الْمُحَرَّرُ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ الْمُعْتَمَدَةِ وَكَانَ الشَّيْخُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهَا مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ الْعَقْلِيَّةِ فَنَقَلَهُ وَلَمْ يَنْظُرْ فِيمَا كَتَبَهُ حَوَاشِيهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَمَّا بَاطِنُ كَلَامِهِمْ، فَالصِّفَاتُ الَّتِي جَعَلَهَا الْأَشَاعِرَةُ، وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ صِفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ زَائِدَةٌ مِثْلُ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، فَهِيَ عَيْنُ الذَّاتِ عِنْدَهُمْ إلَّا صِفَةَ الْإِرَادَةِ فَإِنَّهَا حَادِثَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا لَا بِمَحَلٍّ فِي زَعْمِهِمْ، وَالصِّفَاتُ الَّتِي جَعَلُوهَا صِفَاتٍ اعْتِبَارِيَّةً زَائِدَةٌ لَيْسَتْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، بَلْ الصِّفَاتُ الْمُعَلَّلَةُ بِهَا كَالْعَالِمِيَّةِ الْمُعَلَّلَةِ بِالْعِلْمِ إلَخْ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ، وَالْقُدْرَةُ وَأَمْثَالُهَا عَيْنَ الذَّاتِ عِنْدَهُمْ كَانَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ مُعَلَّلَةً بِالذَّاتِ عِنْدَهُمْ لَا بِالْعِلْمِ الزَّائِدِ إلَخْ؛ وَلِذَا قَالُوا هُوَ عَالِمٌ بِالذَّاتِ وَقَادِرٌ بِالذَّاتِ وَعِلْمُهُ عَيْنُ ذَاتِهِ وَعَالَمِيَّتُهُ زَائِدَةٌ وَقَادِرٌ بِذَاتِهِ وَقَادِرِيَّتُهُ زَائِدَةٌ إلَخْ فَلَيْسَ لِلْوَاجِبِ عِلْمٌ زَائِدٌ لَا صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَلَا اعْتِبَارِيَّةٌ؛ وَلِذَا أَوْرَدَ عَلَيْهِمْ الْأَشَاعِرَةُ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ عَالِمٌ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا هَذَا الْجِسْمُ أَسْوَدُ وَلَا سَوَادَ لَهُ، وَهُوَ سَفْسَطَةٌ فَلَوْ أَثْبَتُوا لَهُ تَعَالَى عِلْمًا زَائِدًا وَلَوْ وَصْفًا اعْتِبَارِيًّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ لَا يُرَادُ وَجْهٌ أَصْلًا اهـ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَفِي الدَّوَانِيِّ أَيْضًا، وَالْفَلَاسِفَةُ حَقَّقُوا عَيْنِيَّةَ الصِّفَاتِ اهـ. فَقَدْ رَجَعَ كَلَامُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ بِعَيْنِهِ وَلَنَا فِي هَذَا الْمَطْلَبِ رِسَالَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ اسْتَوْعَبْنَا فِيهَا أَطْرَافَ الْكَلَامِ (قَوْلُهُ: فَرُّوا بِذَلِكَ مِنْ تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ) ، أَيْ: الَّذِي كَفَرَتْ بِهِ النَّصَارَى. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ) أَيْ، وَالتَّحْقِيقُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إلَخْ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ رَدَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ. (قَوْلُهُ: لَا فِي ذَاتٍ وَصِفَاتٍ)

стр. 372

(وَمِنْ بِنَائِهِمْ) عَلَى التَّجْوِيزِ (اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ) ﵊ (ذَابِحٌ) ، أَيْ: ابْنَهُ إسْمَاعِيلَ حَيْثُ أَمَرَّ عِنْدَهُمْ آلَةَ الذَّبْحِ عَلَى مَحَلِّهِ مِنْهُ لِأَمْرِ اللَّهِ إيَّاهُ بِذَبْحِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] إلَخْ (وَاخْتِلَافُهُمْ هَلْ إسْمَاعِيلُ) ﵊ (مَذْبُوحٌ) فَقِيلَ نَعَمْ، وَالْتَأَمَ مَا قُطِعَ مِنْهُ وَقِيلَ لَا، أَيْ: لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَالْقَائِلُ بِهَذَا أَطْلَقَ الذَّابِحَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الذَّبْحُ لَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُمِرٌّ آلَتَهُ عَلَى مَحَلِّهِ فَمَا خَالَفَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَمَا هُنَا أَنْسَبُ بِالْمَقْصُودِ مِمَّا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ لَا عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ مِنْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إسْمَاعِيلَ غَيْرُ مَذْبُوحٍ، أَيْ: غَيْرُ مُزْهَقِ الرُّوحِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ إبْرَاهِيمُ ذَابِحٌ، أَيْ: قَاطِعٌ فَمُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ ــ [حاشية العطار] لِأَنَّ الْقَدِيمَ لِذَاتِهِ هُوَ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ وَصِفَاتُهُ الذَّاتِيَّةُ وَجَبَتْ لِلذَّاتِ لَا بِالذَّاتِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ بِنَائِهِمْ إلَخْ) قَالَ الْكُورَانِيُّ إنَّ ابْتِنَاءَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ؛ إذْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِذَلِكَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ هُنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي جَوَازِ النُّسَخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ كَمَا سَيَأْتِي فَعِنْدَنَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخُ الْحُكْمُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ ﵇؛ إذْ أَمَرَهُ بِالذَّبْحِ نُسِخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ، وَهُمْ مَنَعُوا ذَلِكَ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ تَارَةً بِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ إلَّا بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ. وَقَدْ أَتَى بِهَا وَتَارَةً يَقُولُونَ، بَلْ أَتَى بِالذَّبْحِ وَيَرْوُونَ فِي ذَلِكَ خَبَرًا مَوْضُوعًا، وَهُوَ أَنَّهُ ذَبَحَ، وَلَكِنْ الْتَأَمَ مَوْضِعُ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَطَعَ جُزْءًا الْتَأَمَ مَكَانَهُ وَبِالْجُمْلَةِ ذَبَحَ، أَوْ لَمْ يَذْبَحْ الذَّبْحُ فِعْلٌ قَائِمٌ بِالذَّابِحِ، وَإِنْ ذَهَبُوا إلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ أَنَّ الضَّرْبَ قَائِمٌ بِالْمَضْرُوبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ ذَابِحٌ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ وَجِيهٌ يَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ قَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ لَا عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ فَلَا دَاعِي لِمَا تَمَحَّلَ بِهِ سم فِي رَدِّهِ، وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَقَّ حَقِيقٌ بِالِاتِّبَاعِ. (قَوْلُهُ: عَلَى التَّجْوِيزِ) ، أَيْ: يَلِي تَجْوِيزَ اشْتِقَاقِ الِاسْمِ مِنْ وَصْفٍ مَعْدُومٍ. (قَوْلُهُ: إنِّي أَرَى) ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ. وَحْيٌ لِذَلِكَ بَادَرَ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه إلَى الْمُبَادَرَةِ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ فَقَوْلُهُ ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ، أَيْ: أُمِرْت بِذَبْحِك بِدَلِيلِ ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] لِيَحْسُنَ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ بِذَبْحِهِ. (قَوْلُهُ: وَاخْتِلَافُهُمْ) عَطْفٌ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ، فَهُوَ مِنْ مَدْخُولِ الْبِنَاءِ. (قَوْلُهُ: فَالْقَائِلُ بِهَذَا) أَيْ بِأَنَّهُ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا شُرُوعٌ مِنْ الشَّارِحِ فِي بَيَانِ وَجْهِ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَطْلَقَ الذَّابِحَ بِمَعْنَى الْقَاطِعِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الذَّبْحُ بِمَعْنَى الْقَطْعِ، وَهَذَا مُجَارَاةٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا فَصَاحِبُ هَذَا الْقِيلِ قَالَ إنَّ إبْرَاهِيمَ ذَابِحٌ بِمَعْنَى أَنَّ إمْرَارَ الْآلَةِ قَائِمٌ بِهِ فَلَا خِلَافَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَكِنْ إلَخْ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَلِذَا قَالَ فَمَا خَالَفَ فِي الْحَقِيقَةِ أَيْ قَاعِدَةَ الِاشْتِقَاقِ إلَّا أَنَّ الِاشْتِقَاقَ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ الذَّبْحِ عَلَى الْأَمْرِ مَجَازًا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي صِفَةِ الْكَلَامِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَمْ يُخَالِفْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ. (قَوْلُهُ: أَنْسَبُ بِالْمَقْصُودِ) وَجْهُ الْأَنْسَبِيَّةِ أَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ أَيْ بَعْضَهُمْ يُطْلِقُ لَفْظَ ذَابِحٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ ذَبْحٌ، أَيْ: قَطْعٌ لِلْمَحَلِّ الْخَاصِّ وَلَفْظَ مَذْبُوحٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ ذَبْحٌ بِمَعْنَى الزُّهُوقِ، وَمَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ يَتَضَمَّنُ الْأَوَّلَ فَقَطْ. وَأَمَّا مَا تَضْمَنَّهُ مِنْ نَفْيِ الْمَذْبُوحِيَّةِ بِمَعْنَى الزَّهُوقِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ مَعْنَاهَا بِإِسْمَاعِيلَ، أَيْ: لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ، فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْقَاعِدَةِ مِنْ نَفْيِ الْمُشْتَقِّ عَمَّنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْوَصْفُ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِقَوْلِهِمْ. (قَوْلُهُ: بِالْمَقْصُودِ) ، وَهُوَ بِنَاءُ قَوْلِهِمْ هَذَا عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ لَنَا فِي قَاعِدَةِ الِاشْتِقَاقِ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا يُفِيدُ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ذَابِحٌ بِاتِّفَاقٍ وَأَنَّ إسْمَاعِيلَ مَذْبُوحٌ عَلَى قَوْلٍ وَأَمَّا نَفْيُ الْمَذْبُوحِيَّةِ عَمَّنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الذَّبْحُ بِمَعْنَى زُهُوقِ الرُّوحِ فَجَارٍ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَعَدَمُ الزَّهُوقِ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. (قَوْلُهُ: لَا عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ) ، أَيْ: لَمْ يَقُلْهُ عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ كَمَا صَنَعَ هُنَا، بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَقَوْلُهُ مِنْ أَنَّهُمْ إلَخْ بَيَانٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ. (قَوْلُهُ: فَمُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ) ؛ لِأَنَّ الْإِمْرَارَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْقَطْعَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عِنْدَهُمْ وَأَمَّا عَدَمُ الْإِزْهَاقِ فَاتِّفَاقٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُؤَدِّي وَاحِدًا كَانَ مَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ فَصَحَّ التَّعْبِيرُ بِأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا لَمْ يُمِرَّ الْخَلِيلُ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي

стр. 373

وَعِنْدَنَا لَمْ يُمِرَّ الْخَلِيلُ آلَةَ الذَّبْحِ عَلَى مَحَلِّهِ مِنْ ابْنِهِ لِنَسْخِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ كَمَا ذَكَرَهُ لَا إِسْحَاقُ (فَإِنْ قَامَ بِهِ) ، أَيْ: بِالشَّيْءِ (مَا) ، أَيْ: وَصْفٌ (لَهُ اسْمٌ وَجَبَ الِاشْتِقَاقُ) لُغَةً مِنْ ذَلِكَ الِاسْمِ لِمَنْ قَامَ بِهِ الْوَصْفُ كَاشْتِقَاقِ الْعَلَمِ مِنْ الْعِلْمِ لِمَنْ قَامَ بِهِ مَعْنَاهُ (أَوْ) قَامَ بِالشَّيْءِ (مَا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ) فَإِنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لَهَا أَسْمَاءٌ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِالتَّقْيِيدِ كَرَائِحَةِ كَذَا، وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْآلَامِ (لَمْ يَجِبْ) أَيْ الِاشْتِقَاقُ؛ لِاسْتِحَالَتِهِ وَعَدَلَ عَنْ نَفْيِ الْجَوَازِ الْمُرَادِ إلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ الصَّادِقِ بِهِ رِعَايَةً لِلْمُقَابَلَةِ. (وَالْجُمْهُورُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ (وَعَلَى اشْتِرَاطِ بَقَاءَ) مَعْنَى (الْمُشْتَقِّ مِنْهُ) فِي الْمَحَلِّ (فِي كَوْنِ الْمُشْتَقِّ) الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ (حَقِيقَةً إنْ أَمْكَنَ) بَقَاءُ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَالْقِيَامِ (وَإِلَّا فَآخِرُ جُزْءٍ) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَقَاؤُهُ كَالتَّكَلُّمِ؛ لِأَنَّهُ بِأَصْوَاتٍ تَنْقَضِي شَيْئًا فَشَيْئًا، فَالْمُشْتَرَطُ بَقَاءُ آخِرُ جُزْءٍ (مِنْهُ) ــ [حاشية العطار] تَفْسِيرِهِ مِنْ أَنَّهُ أَمَرَّ آلَتَهُ عَلَى مَحَلِّهِ فَلَمْ تَعْمَلْ شَيْئًا، وَمِثْلُهُ فِي الْبَيْضَاوِيِّ فَلَعَلَّ الشَّارِحِ تَبِعَهُ فِيهِ قِيلَ، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ هُنَا فَلَعَلَّهُ سَرَى لِلْبَيْضَاوِيِّ مِنْ الْكَشَّافِ. قَوْلُهُ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] قَدْ يُقَالُ فَدَيْنَاهُ، أَيْ: مِنْ الذَّبْحِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِدَاءَ قَبْلَ الذَّبْحِ، أَيْ: الْقَطْعِ وَقِيلَ الذَّبْحُ أَعَمُّ مِنْ قِبَلِ التَّمَكُّنِ لِثُبُوتِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ بِإِمْرَارِ الْآلَةِ قَالَهُ النَّاصِرُ، أَيْ: وَالْأَعَمُّ لَا إشْعَارَ لَهُ بِالْأَخَصِّ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الْمَعْنَى وَسِيَاقَ الْآيَةِ أَنَّ الْفِدَاءَ قَبْلَ الشُّرُوعِ مُطْلَقًا اهـ. وَهُوَ جَوَابٌ هَيِّنٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ تَبِعَ فِيهِ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَالْأَرْجَحُ دَلِيلًا مَا هُنَا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَامَ بِهِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَشْمَلُ الْمُطَّرِدَ وَغَيْرَهُ، وَالظَّاهِرُ تَخَصُّصُهُ بِالْمُطَّرِدِ؛ لِأَنَّهُ قَاعِدَةٌ، وَالْقَاعِدَةُ يَجِبُ اطِّرَادُهَا. (قَوْلُهُ: وَجَبَ الِاشْتِقَاقُ) ، أَيْ: ثَبَتَ. (قَوْلُهُ: لِاسْتِحَالَتِهِ) لَمَّا كَانَ الْمَرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَجِبْ لَمْ يَجُزْ كَمَا بَيَّنَهُ نَاسَبَ تَعْلِيلَهُ بِالِاسْتِحَالَةِ. (قَوْلُهُ: وَعَدَلَ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْمُنَاسِبُ لِلتَّعْلِيلِ بِالِاسْتِحَالَةِ نَفْيُ الْجَوَازِ لَا نَفْيُ الْوُجُوبِ وَقَوْلُهُ الْمُرَادِ صِفَةٌ لِلنَّفْيِ (قَوْلُهُ: الصَّادِقِ بِهِ) ، أَيْ: بِنَفْيِ الْجَوَازِ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ رِعَايَةً لِلْمُقَابَلَةِ، أَيْ: مَعَ قَوْلِهِ وَجَبَ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ رِعَايَةَ الْمُقَابَلَةِ نُكْتَةٌ لَفْظِيَّةٌ وَدَفْعُ الْإِيهَامِ نُكْتَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ النُّكْتَةَ الْمَعْنَوِيَّةَ لَمَّا قَامَ عَلَيْهَا الْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ الدَّافِعَةُ لِلْإِيهَامِ، وَهِيَ قَوْلُهُ، وَمَا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ إلَخْ دُونَ النُّكْتَةِ اللَّفْظِيَّةِ قَدَّمَ اللَّفْظِيَّةَ. (قَوْلُهُ: وَالْجُمْهُورُ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا أَنَّ فِي كُلِّ كَلَامٍ زَمَانَيْنِ أَحَدُهُمَا زَمَانُ النِّسْبَةِ، وَهُوَ زَمَانُ ثُبُوتِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ حَالَ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ وَثَانِيهِمَا زَمَانُ إثْبَاتِ النِّسْبَةِ، وَهُوَ زَمَانُ التَّكَلُّمِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ حَالَ الْحُكْمِ فَإِذَا قُلْنَا مَثَلًا ضُرِبَ زَيْدٌ فَزَمَانُ نِسْبَةِ الضَّرْبِ هُوَ الزَّمَانُ الْمَاضِي؛ إذْ فِيهِ ثَبَتَ الضَّرْبُ لِزَيْدٍ وَاتَّصَفَ بِهِ. وَأَمَّا زَمَانُ إثْبَاتِ هَذِهِ النِّسْبَةِ، فَهِيَ حَالَ التَّكَلُّمِ بِهَذَا الْكَلَامِ فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا عَيْنًا لِلْآخَرِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ يَعْنِي: بِهِ زَمَنَ التَّلَبُّسِ بِالْحَدَثِ، وَهُوَ حَالَ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ، ثُمَّ إنَّ الزَّمَنَ لَيْسَ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ حَتَّى يَكُونَ جُزْءًا مِنْ الْمَدْلُولِ، وَإِلَّا كَانَتْ أَفْعَالًا، بَلْ اُعْتُبِرَ عَلَى أَنَّهُ قَيْدٌ مُخَصِّصٌ لِلْحَدَثِ الْقَائِمِ بِهَا، وَمَا اعْتَبَرَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَنَّ الْحَالَ هُوَ حَالُ النُّطْقِ هُوَ حَالُ الْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: عَلَى اشْتِرَاطِ) ، أَيْ: جَارُونَ، أَوْ مُتَّفِقُونَ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ كَانَ مَجَازًا (قَوْلُهُ: فِي الْمَحَلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِبَقَاءِ وَقَوْلُهُ فِي كَوْنِ مُتَعَلِّقٌ بِاشْتِرَاطِ (وَقَوْلُهُ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْمَحَلِّ. (قَوْلُهُ: إنْ أَمْكَنَ بَقَاءُ ذَلِكَ) ، أَيْ: بِحَسَبِ الظَّاهِرِ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ، وَإِلَّا، فَالْعَرْضُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، أَوْ أَنَّهُ عَلَى بَقَاءِ الْعَرْضِ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَآخِرِ جُزْءٍ) بِالْجَرِّ، وَالتَّقْدِيرِ، وَإِلَّا فَبَقَاءُ آخِرِ جُزْءٍ فَلَفْظُ الْبَقَاءِ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَفِي التَّعْبِيرِ فِيهِ بِالْبَقَاءِ تَسَمُّحٌ. (قَوْلُهُ: كَالتَّكَلُّمِ) ، أَيْ: وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَصَادِرِ السَّيَالَةِ. (قَوْلُهُ: فَالْمُشْتَرَطُ بَقَاءُ آخِرِ إلَخْ) التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمُلَابَسَةُ الْعُرْفِيَّةُ كَانَتْ بِآخِرِ جُزْءٍ

стр. 374

فَإِذَا لَمْ يَبْقَ الْمَعْنَى، أَوْ جُزْؤُهُ الْأَخِيرُ فِي الْمَحَلِّ يَكُونُ الْمُشْتَقُّ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ مَجَازًا كَالْمُطْلَقِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَعْنَى نَحْوَ إنَّك مَيِّتٌ وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ مَا ذَكَرَ فَيَكُونُ الْمُشْتَقُّ الْمُطْلَقُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ حَقِيقَةً اسْتِصْحَابًا لِلْإِطْلَاقِ (وَثَالِثُهَا) ، أَيْ: الْأَقْوَالِ (الْوَقْفُ) عَنْ الِاشْتِرَاطِ وَعَدَمِهِ لِتَعَارُضِ دَلِيلِهِمَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْبَقَاءِ الَّذِي هُوَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ دُونَ الْوُجُودِ الْكَافِي فِي الِاشْتِرَاطِ لِيَتَأَتَّى لَهُ حِكَايَةُ مُقَابِلِهِ فِي الِاشْتِرَاطِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي آخِرُ جُزْءٍ لِتَمَامِ الْمَعْنَى بِهِ وَفِي التَّعْبِيرِ فِيهِ بِالْبَقَاءِ تَسَمُّحٌ، وَمَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ مِنْ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ فِيهِ دُونَ الْأَوَّلِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ فِي الْمَحْصُولِ وَدَفَعَهُ ــ [حاشية العطار] أَوْ لَا يُمْكِنُ تَطْبِيقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ عَلَيْهِ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً إلَّا قَبْلَ انْعِدَامِ آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَهَذَا صَادِقٌ بِأَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ، أَوْ مَعَ جُزْءٍ آخَرَ قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَبْقَ الْمَعْنَى) ، أَيْ: يُوجَدْ عِنْدَ إطْلَاقِ الْمُشْتَقِّ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ جُزْؤُهُ، أَيْ: فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَمَوْرِدَ الْأَقْوَالِ هُوَ الْمُشْتَقُّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَعْنَى كَإِطْلَاقِ ضَارِبٍ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ ضَرْبٌ وَانْقَضَى أَمَّا حَالَ وُجُودِ الْمَعْنَى فَحَقِيقَةٌ اتِّفَاقًا. وَأَمَّا قَبْلَ وُجُودِهِ كَإِطْلَاقِ ضَارِبٍ عَلَى مَنْ سَيَقَعُ مِنْهُ ضَرْبٌ فَمَجَازٌ اتِّفَاقًا قَالَ الْخُجَنْدِيُّ فِي شَرْحِ مِنْهَاجٍ الْبَيْضَاوِيِّ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ مَدْيُونٌ مُفْلِسٌ وَوَجَدَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ مَا بَاعَهُ مِنْهُ فِي تِرْكَتِهِ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ أَمْ لَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهُ ذَلِكَ «لِقَوْلِهِ ﵊ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ» ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ حَقِيقَةَ اشْتِرَاطٍ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْمَعْنَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِصَاحِبِ الْمَتَاعِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَبْقَ صَاحِبَ مَتَاعٍ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ دَوَامِ الْمَعْنَى كَذَا نَقَلَ الْجَارْبُرْدِيُّ. أَقُولُ: هُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَاحِبُ مَتَاعٍ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَلَيْسَ الْبَائِعُ بِصَاحِبٍ لَهُ فِي الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، بَلْ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ، وَإِنْ صَلُحَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُرَجِّحُ الْبَائِعَ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ كَمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَحَقُّ بِالْمَرْهُونِ مِنْ غَيْرِهِ لِذَلِكَ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ لِلْمَيِّتِ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَى الْمَتَاعِ يَدًا وَرَقَبَةً وَعَدَمِ عُرُوضِ مَا يُزِيلُهُ إلَى حِينِ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ اهـ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْكَمَالِ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرَّرْ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْمَحَلِّ. (قَوْلُهُ: كَالْمُطْلَقِ) ، أَيْ: قِيَاسًا عَلَيْهِ نَظَرًا لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى حَالَ الْإِطْلَاقِ فِي كُلٍّ، وَإِنْ كَانَ هَذَا وُجُودُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. (قَوْلُهُ: إنَّكَ مَيِّتٌ) فِيهِ مَجَازُ الْأَوَّلِ فَإِنْ أُرِيدَ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَمُوتَ، فَالْإِطْلَاقُ حَقِيقِيٌّ (قَوْلُهُ: الْمُطْلَقُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ) أَيْ بِخِلَافِ الْمُطْلَقِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَعْنَى فَمَجَازٌ؛ إذْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ حَقِيقَةٌ تُسْتَصْحَبُ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُطْلَقِ قَبْلَ الْوُجُودِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ. (قَوْلُهُ: لِتَعَارُضِ دَلِيلِهِمَا) ، أَيْ: وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْأَوَّلِ، وَالِاسْتِصْحَابُ فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ: دُونَ الْوُجُودِ الْكَافِي إلَخْ) ، وَإِلَّا كَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْوُجُودِ الْأَوَّلِ مَجَازًا فَإِنَّ الْبَقَاءَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ زَمَانَيْنِ مَعَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ. (قَوْلُهُ: لِيَتَأَتَّى حِكَايَةُ مُقَابِلِهِ) ، وَهُوَ الثَّانِي وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوُجُودِ لَمْ تَتَأَتَّ حِكَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُهُ لَا اشْتِقَاقَ (قَوْلُهُ: آخِرَ جُزْءٍ) ، أَيْ: دُونَ الْأَوَّلِ الْوَسَطِ. (قَوْلُهُ: لِتَمَامِ الْمَعْنَى بِهِ) ، أَيْ: وَغَيْرِهِ لَا يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى فَلَا يَتَأَتَّى الْوَصْفُ حَقِيقَةً. (قَوْلُهُ: وَفِي التَّعْبِير فِيهِ بِالْبَقَاءِ) ، أَيْ: فِي التَّعْبِيرِ فِي آخِرِ جُزْءٍ بِالْبَقَاءِ، وَهُوَ الْمُقَدَّرُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا فَآخِرُ جُزْءٍ عَلَى مَا قَرَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: تَسَمُّحٌ) ؛ لِأَنَّ آخِرَ جُزْءٍ بَسِيطٌ لَا بَقَاءَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَمَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ بِحَثِّ، وَمِنْ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ بَيَانٌ لِمَا أَيْ أَنَّ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي

стр. 375

بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَلِذَلِكَ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ خِلَافَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَذَكَرَ بَدَلَهُ الْوَقْفَ. (وَمِنْ ثَمَّ) ، أَيْ: مِنْ هُنَا، وَهُوَ اشْتِرَاطُ مَا ذَكَرَ، أَيْ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (كَانَ اسْمُ الْفَاعِلِ) مِنْ جُمْلَةِ الْمُشْتَقِّ (حَقِيقَةً فِي الْحَالِ أَيْ حَالِ التَّلَبُّسِ) بِالْمَعْنَى، أَوْ جُزْئِهِ الْأَخِيرِ (لَا) حَالِ (النُّطْقِ خِلَافًا لِلْقَرَافِيِّ) فِي قَوْلِهِ بِالثَّانِي حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْحَالِ فِي الْمُشْتَقِّ أَنْ يَكُونَ التَّلَبُّسُ بِالْمَعْنَى حَالَ النُّطْقِ بِهِ وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ سُؤَالُهُ فِي نُصُوصِ الزَّانِيَةِ، وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا السَّارِقَ، وَالسَّارِقَةَ فَاقْطَعُوا فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَنَحْوَهَا أَنَّهَا إنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَنْ اتَّصَفَ بِالْمَعْنَى بَعْدَ نُزُولِهَا الَّذِي هُوَ حَالُ النُّطْقِ مَجَازًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ قَالَ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى تَنَاوُلِهَا لَهُ حَقِيقَةً وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُشْتَقِّ الْمَحْكُومِ بِهِ نَحْوُ زَيْدٍ ضَارِبٌ فَإِنْ كَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ ــ [حاشية العطار] وَهُوَ مَا لَا تَجْتَمِعُ أَجْزَاؤُهُ فِي الْوُجُودِ مِنْ الْأَعْرَاضِ السَّيَالَةِ كَالتَّكَلُّمِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا تَجْتَمِعُ أَجْزَاؤُهُ فِي الْوُجُودِ كَالْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ لَيْسَ مَذْهَبًا لِصَاحِبِ الْمَحْصُولِ، وَهُوَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ، وَإِنَّمَا وَقَعَ بَحْثًا عَلَى لِسَانِ الْخَصْمِ وَدَفَعَهُ عَلَى لِسَانِهِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ حُصُولُ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً إذَا كَانَ مُمْكِنَ الْحُصُولِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا قُلْت إنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ بِهِ فَيَكُونُ بَاطِلًا. (قَوْلُهُ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ) ، وَإِنَّمَا قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ مُجَارَاةِ الْخَصْمِ. (قَوْلُهُ: فَلِذَلِكَ) أَيْ لِكَوْنِهِ دَفَعَهُ. (قَوْلُهُ: خِلَافَ) حَالٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ. (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ بَدَلَهُ الْوَقْفَ) ، أَيْ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْوَقْفَ بَدَلَ مَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَتَبِعَهُ فِي حِكَايَتِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ قِيلَ وَلَا يُوجَدُ الْوَقْفُ مَنْقُولًا نَعَمْ حَكَى الْآمِدِيُّ الْمَذَاهِبَ الثَّلَاثَةَ وَلَمْ يُرَجِّحْ مِنْهَا شَيْئًا وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى مَيْلِهِمَا إلَى الْوَقْفِ اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ:، وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْجُمْهُورِ الْبَقَاءَ. (قَوْلُهُ: مَا ذَكَرَ) ، وَهُوَ الْبَقَاءُ. (قَوْلُهُ: مِنْ جُمْلَةِ الْمُشْتَقِّ) حَالٌ مِنْ اسْمِ الْفَاعِلِ. (قَوْلُهُ: أَيْ: حَالَ التَّلَبُّسِ) ، أَيْ: سَوَاءٌ وُجِدَ التَّلَبُّسُ حَالَ النُّطْقِ، أَوْ لَا، وَالْمُرَادُ التَّلَبُّسُ الْعُرْفِيُّ كَمَا يُقَالُ يَكْتُبُ الْقُرْآنَ وَيَمْشِي مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ مَثَلًا وَيَقْصِدُ الْحَالَ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْآنَ الْحَاضِرَ، وَهُوَ مَا لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ؛ لِأَنَّ هَذَا اصْطِلَاحُ الْفَلَاسِفَةِ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ الْمَاضِي، وَالْمُسْتَقْبَلِ مُتَّصِلٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لَا يَتَخَلَّلُ فَصْلٌ يُعَدُّ عُرْفًا تَرْكًا لِذَلِكَ الْفِعْلِ، وَإِعْرَاضًا عَنْهُ، فَالْمُتَكَلِّمُ حَقِيقَةً مَنْ يُبَاشِرُ الْكَلَامَ مُبَاشَرَةً عُرْفِيَّةً حَتَّى لَوْ انْقَطَعَ كَلَامُهُ بِتَنَفُّسٍ، أَوْ سُعَالٍ قَلِيلٍ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا، وَكَذَا سَائِرُ أَقْوَالِ الْحَالِ وَأَفْعَالِهِ. (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِيمَا، فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا، فَهِمَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ كَلَامِهِمْ لَا أَنَّهُ قَالَهُ ابْتِدَاءً مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: فِي نُصُوصِ الزَّانِيَةِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ: بَعْدَ نُزُولِهَا الَّذِي هُوَ حَالَ النُّطْقِ) ، أَيْ: لَا حَالَ نُزُولِهِ لَهُ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَالْمُرَادُ بِالنُّطْقِ نُطْقُ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُطْقُ جِبْرِيلَ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمُكَلَّفِينَ إنَّمَا تَتَرَتَّبُ ظَاهِرًا عَلَى نُطْقِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ لَهُمْ. (قَوْلُهُ: مَجَازًا) قَيْدٌ لِتَنَاوُلِ النُّصُوصِ، أَيْ: تَنَاوَلَتْ مَنْ اتَّصَفَ بِالْمَعْنَى بَعْدَ نُزُولِهَا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا إطْلَاقٌ قَبْلَ الِاتِّصَافِ بِالْمَعْنَى لَكِنْ قَالَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا تَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً. (قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ إلَخْ) مِنْ تَتِمَّةِ السُّؤَالِ وَاعْتَرَضَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ بِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَا وُضِعَ لِخِطَابِ الْمُشَافَهَةِ نَحْوُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ لَهُمْ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ، أَوْ نَصٍّ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ) هَذَا حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ لِقَوْلِ الْمَنَاطِقَةِ وَأَمَّا صِدْقُ وَصْفِ الْمَوْضُوعِ عَلَى ذَاتِهِ فَبِالْفِعْلِ عِنْدَ ابْنِ سِينَا، أَيْ: مَا صَدَقَ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الْمَوْضُوعِ بِالْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الصِّدْقُ فِي الْمَاضِي، أَوْ الْحَاضِرِ، أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ قَالَهُ النَّاصِرُ. أَقُولُ: أَشَارَ بِهَذَا الْكَلَامِ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَنَاطِقَةُ مِنْ أَنَّ مَفْهُومَ الْقَضِيَّةِ يَرْجِعُ إلَى عَقْدَيْنِ عَقْدُ الْمَوْضُوعِ، وَهُوَ اتِّصَافُ ذَاتِ الْمَوْضُوعِ بِوَصْفِهِ وَعَقْدُ الْحَمْلِ، وَهُوَ اتِّصَافُ ذَاتِ الْمَوْضُوعِ بِوَصْفِ الْمَحْمُولِ، وَالْأَوَّلُ تَرْكِيبٌ تَقْيِيدِيٌّ، وَالثَّانِي تَرْكِيبٌ خَبَرِيٌّ قَالَ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ. وَأَمَّا صِدْقُ

стр. 376

كَمَا فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَحَقِيقَةٌ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِوَالِدِهِ فِي دَفْعِ السُّؤَالِ إنَّ الْمَعْنِيَّ بِالْحَالِ حَالُ التَّلْبِيسِ بِالْمَعْنَى، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ النُّطْقِ بِالْمُشْتَقِّ فِيمَا إذَا كَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ لَا حَالُ النُّطْقِ بِهِ الَّذِي هُوَ حَالُ التَّلَبُّسِ بِالْمَعْنَى أَيْضًا فَقَطْ ــ [حاشية العطار] وَصْفِ الْمَوْضُوعِ عَلَى ذَاتِهِ فَبِالْإِمْكَانِ عِنْدَ الْفَارَابِيِّ وَبِالْفِعْلِ عِنْدَ الشَّيْخِ، أَيْ: مَا صَدَقَ عَلَيْهِ ج بِالْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الصِّدْقُ فِي الْمَاضِي، أَوْ الْحَاضِرِ، أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى لَا يَدْخُلَ فِيهِ مَا لَا يَكُونُ ج دَائِمًا فَإِذَا قُلْنَا كُلَّ أَسْوَدَ كَذَا يَتَنَاوَلُ الْحُكْمُ كُلَّ مَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ حَتَّى الرُّومِيِّ مَثَلًا عَلَى مَذْهَبِ الْفَارَابِيِّ لِإِمْكَانِ اتِّصَافِهِمْ بِالسَّوَادِ وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ الْحُكْمُ لِعَدَمِ اتِّصَافِهِمْ بِالسَّوَادِ فِي وَقْتٍ مَا اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا هُوَ مَا حَقَّقَ فِي ذَلِكَ الشَّارِحُ وَقَالُوا إنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ الرَّئِيسِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلُّغَةِ، وَالْعُرْفِ وَأَمَّا الشَّيْخُ سم فَإِنَّهُ عَارَضَ نَقْلَ شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخُ هُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الشَّيْخِ بِقَيْدِ الْفِعْلِ فِعْلُ الْوُجُودِ فِي الْأَعْيَانِ، بَلْ مَا يَعُمُّ الْفَرْضِيَّ الذِّهْنِيَّ، وَالْوُجُودَ الْخَارِجِيَّ، فَالذَّاتُ الْخَالِيَةُ تَدْخُلُ فِي الْمَوْضُوعِ إذَا فَرَضَهُ الْعَقْلُ مَوْصُوفًا بِهِ بِالْفِعْلِ مَثَلًا إذَا قُلْنَا كُلَّ أَسْوَدَ كَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَسْوَدُ فِي الْخَارِجِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ أَسْوَدَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ إذَا فَرَضَهُ الْعَقْلُ أَسْوَدَ بِالْفِعْلِ اهـ. فَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ اعْتِبَارَ الصِّدْقِ بِالْفِعْلِ فَرْضًا صَارَ حَاصِلُ قَوْلِ الْمَنَاطِقَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وَصْفِ الْمَوْضُوعِ فَرْضُ صَدَقَةٍ بِالْفِعْلِ فِي أَحَدِ الْأَزْمِنَةِ حَتَّى يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا فُرِضَ اتِّصَافُهُ بِوَصْفِ الْمَوْضُوعِ بِالْفِعْلِ فِيهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الرُّومِيُّ فِي قَوْلِنَا كُلَّ أَسْوَدَ كَذَا إذَا فُرِضَ صِدْقُ السَّوَادِ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ فِي أَحَدِ الْأَزْمِنَةِ، وَمِنْ الْبَدِيهِيِّ لِكُلِّ عَاقِلٍ إنْ صَدَقَ نَحْوُ الْأَسْوَدِ عَلَى الْأَبْيَضِ الَّذِي فُرِضَ صِدْقُ السَّوَادِ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ كَالرُّومِيِّ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً لُغَةً فَكَوْنُ اصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ الْمَذْكُورِ مُخَالِفًا لِلُّغَةِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى هَذَا اهـ. اعْتِرَاضٌ سَاقِطٌ فَإِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ مَا فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ لَا مَا فِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهِ اعْتِرَاضَهُ فَإِنَّ الْفَاضِلَ عَبْدَ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ حَكَمَ بِفَسَادِ مَا فِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ وَبَيَّنَهُ بِوُجُوهٍ خَمْسَةٍ ذَكَرَهَا وَحَقَّقَ أَنَّ مَعْنَى الِاتِّصَافِ بِالْفِعْلِ فِي الْوَضْعِ أَنْ يَعْتَبِرَ الْعَقْلُ بِالْفِعْلِ الِاتِّصَافَ الَّذِي يَكُونُ لِذَاتِ الْمَوْضُوعِ بِمَفْهُومِهِ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ بِالْفِعْلِ فَفِي قَوْلِنَا كُلَّ أَسْوَدَ كَذَا يَدْخُلُ الْحَبَشِيُّ الْمَوْجُودُ وَغَيْرُ الْمَوْجُودِ فِي الْحُكْمِ وَلَا يَدْخُلُ الرُّومِيُّ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُوَافِقُ لِلْعُرْفِ، وَاللُّغَةِ اهـ. فَسَقَطَ قَوْلُ سم فَيَكُونُ اصْطِلَاحُ الْمَنَاطِقَةِ إلَخْ كَيْفَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عُدُولَ الشَّيْخِ عَنْ مَذْهَبِ الْفَارَابِيِّ لِعَدَمِ مُوَافَقَةِ اللُّغَةِ، وَالْعُرْفِ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ نَقَلَ عِبَارَةَ السَّيِّدِ فِي حَاشِيَةِ الشَّمْسِيَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ عَلَيْهَا اعْتِرَاضَ بَعْضِ الْحَوَاشِي مِمَّنْ تَمَسَّك بِمَا فِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ الْمُبَيِّنِ فَسَادَهُ، وَمِمَّا يَتَنَبَّهُ لَهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَنَاطِقَةُ مُخْتَصٌّ بِالْمَحْصُورَاتِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضُوعُ فِيهَا مُشْتَقًّا، أَوْ غَيْرَهُ نَحْوَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَحَرِّكُ الْأَصَابِعِ وَكُلُّ فَرَسٍ صُهَالٌ وَالشَّيْخُ اسْتَرْوَحَ بِهِ بِاعْتِبَارِ تَنَاوُلِهِ لِلْمَشْقِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَأَنَّ مَحَلَّ جَرَيَانِ الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ مَا لَمْ يُقَيِّدْ عَقْدَ الْوَضْعِ بِجِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ أَمَّا إذَا قَيَّدَ بِجِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَعَقْدُ الْوَضْعِ فِيهَا بِحَسَبِ تِلْكَ الْجِهَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْآيَاتِ) ، أَوْرَدَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَفْعُولٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ مَعْنًى فَحَقِيقَةً مُطْلَقًا، أَيْ: فِي الْمَاضِي، وَالْحَالِ، وَالِاسْتِقْبَالِ (قَوْلُهُ: إنَّ الْمَعْنِيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، أَيْ: الْمَقْصُودَ لِلْأُصُولِيِّينَ (قَوْلُهُ:، وَإِنْ تَأَخَّرَ) ، أَيْ: هَذَا إنْ وَافَقَ حَالَ النُّطْقِ، بَلْ، وَإِنْ تَأَخَّرَ (قَوْلُهُ: فِيمَا إذَا كَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ) لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ مَعَ الْقَرَافِيِّ، وَإِلَّا، فَالْمَحْكُومُ بِهِ مِثْلُهُ. (قَوْلُهُ: فَقَطْ) قَيْدٌ لِحَالِ النُّطْقِ الْمَوْصُوفِ بِمَا قَالَهُ قَالَ، وَالِدُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا سَرَى الْوَهْمُ لِلْقَرَافِيِّ مِنْ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَاضِي، وَالْحَالَ، وَالِاسْتِقْبَالَ بِحَسَبِ زَمَنِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْقَاعِدَةُ صَحِيحَةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْهَا وَاسْمُ الْفَاعِلِ وَنَحْوُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى زَمَانِ النُّطْقِ، فَالْمَنَاطُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ حَالُ

стр. 377

فَأَبْقَيَا الْمَسْأَلَةَ عَلَى عُمُومِهَا وَغَيْرُهُمَا كَالْإِسْنَوِيِّ سَلَّمَ لِلْقَرَافِيِّ تَخْصِيصَهَا. (وَقِيلَ: إنْ طَرَأَ عَلَى الْمَحَلِّ) لِلْوَصْفِ (وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُنَاقِضُ) الْوَصْفَ (الْأَوَّلَ) كَالسَّوَادِ بَعْدَ الْبَيَاضِ، وَالْقِيَامِ بَعْدَ الْقُعُودِ (لَمْ يُسَمَّ) الْمَحَلُّ (بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِالْمُشْتَقِّ مِنْ اسْمِهِ (إجْمَاعًا) ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ جَرَيَانُهُ فِيهِ؛ إذْ لَا يَظْهَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ (وَلَيْسَ فِي الْمُشْتَقِّ) الَّذِي هُوَ ــ [حاشية العطار] التَّلَبُّسِ لَا حَالُ النُّطْقِ فَاسْمُ الْفَاعِلِ مَثَلًا حَقِيقَةٌ فِيمَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْمَعْنَى حِينَ قِيَامِهِ بِهِ حَاضِرًا عِنْدَ النُّطْقِ، أَوْ مُسْتَقْبَلًا، وَمَجَازٌ فِيمَنْ سَيَتَّصِفُ بِهِ، وَكَذَا فِيمَنْ اتَّصَفَ بِهِ فِيمَا مَضَى عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَكَوْنُهُ مَجَازًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ مَحَلُّهُ فِي وَصْفٍ لِمَخْلُوقٍ فَاَللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ فِي الْأَزَلِ بِالْخَالِقِ، وَالرَّازِقِ حَقِيقَةً، وَإِنْ قُلْنَا صِفَاتُ الْفِعْلِ مِنْ الْخَلْقِ، وَالرِّزْقِ وَنَحْوِهِمَا حَادِثَةٌ فِيهِ نَظَرٌ إذَا الْكَلَامُ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ عَلَى الْمَحَلِّ قَبْلَ اتِّصَافِهِ بِالْمُشْتَقِّ مِنْهُ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَزَلِ لِحُدُوثِهِ، وَالْمَوْجُودُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ وَصْفُهُ تَعَالَى بِمَعْنَاهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صِفَاتِهِ الْفِعْلِيَّةَ قَدِيمَةٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ اهـ. زَكَرِيَّا. وَأَقُولُ: لَا وَجْهَ لِهَذَا النَّظَرِ؛ لِأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ حَادِثَةٌ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ لِكَوْنِهَا رَاجِعَةً لِتَعَلُّقَاتِ الْقُدْرَةِ التَّنْجِيزِيَّةِ الْحَادِثَةِ، فَهِيَ صِفَاتٌ إضَافِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ لِرُجُوعِهَا لِصِفَةِ التَّكْوِينِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْإِنْصَافُ بِهَا بِاعْتِبَارِ قِيَامِ مَبْدَئِهَا بِالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَهِيَ صِفَاتُ التَّأْثِيرِ، فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهَا أَزَلًا وَأَبَدًا. وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَلَا إشْكَالَ، وَالتَّنْظِيرُ الْمَذْكُورُ يَقْتَضِي أَنَّ صِحَّةَ الْإِطْلَاقِ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْهِ فَيُشْكِلُ الْإِطْلَاقُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ وَلَا يَصِحُّ دَعْوَى الْمَجَازِ فِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَالْحَقُّ أَنَّ الْإِطْلَاقَ حَقِيقِيٌّ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ تَأَمَّلْ. وَقَدْ تَعَقَّبَ الْكُورَانِيَّ الْقَرَافِيَّ أَيْضًا بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَقَاءِ فِي الْمُشْتَقِّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، فَهُوَ حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ أَمَّا أَوَّلًا؛ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي اللُّغَةِ هَلْ يَشْتَرِطُ بَقَاءَ الْمَعْنَى لِلْإِطْلَاقِ حَقِيقَةً أَمْ لَا وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ كَوْنَ اللَّفْظِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، أَوْ مَحْكُومًا بِهِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي هَذَا لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّ وُجُوبَ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّانِي، وَالسَّارِقِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ فِي النَّصَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَقَعَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا، بَلْ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى الْوَصْفِ الصَّالِحِ لِلْعَلِيَّةِ فَحَيْثُ وُجِدَ الْوَصْفُ وُجِدَ الْحُكْمُ كَمَا رَتَّبَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى السَّوْمِ فِي قَوْلِهِ «فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: تَخْصِيصَهَا) ، أَيْ: قَصْرَهَا عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنْ طَرَأَ إلَخْ) هَذَا قَوْلٌ رَابِعٌ يَرْجِعُ عِنْدَ قَائِلِهِ لِتَحْرِيرِ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَمَحَلُّهُ قَبْلَ قَوْلِهِ، وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَمْ يُسَمِّ الْمَحَلَّ بِالْأَوَّلِ إجْمَاعًا) ، أَيْ: حَقِيقَةً، بَلْ مَجَازًا اسْتِصْحَابًا وَعَلَيْهِ، فَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَاعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُ نَاقِلِينَ لَهُ عَنْ الْآمِدِيِّ، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ جَرَيَانُهُ فِيهِ؛ إذْ لَا يَظْهَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ الْمَذْكُورُ مَعَ الْإِجْمَاعِ إنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِيَّاتِ الْآمِدِيِّ قَالَ فِي رَدِّهِ دَلِيلُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ الَّذِي لَا يَلْتَزِمُ الرَّادُّ فِيهِ مَذْهَبُهُ مَعَ أَمْرِهِ بِالنَّظَرِ، وَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بَحْثٌ قَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الضَّارِبَ حَقِيقَةً مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الضَّرْبُ مُطْلَقًا، بَلْ مِنْ الضَّرْبِ حَاصِلٌ مِنْهُ حَالَ تَسْمِيَتِهِ ضَارٍ بِإِثْمٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةُ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ كَفَرَةً، وَالْقَائِمِ قَاعِدًا، وَالْقَاعِدِ قَائِمًا لِمَا وُجِدَ مِنْهُ مِنْ الْكُفْرِ، وَالْقُعُودِ، وَالْقِيَامِ السَّابِقَاتِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ اللِّسَانِ، ثُمَّ قَالَ هَذَا مَا عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَلَيْك بِالنَّظَرِ، وَالِاعْتِبَارِ قُلْت نَظَرْت وَاعْتَبَرْت فَوَجَدْت أَنَّ الْحَقَّ جَرَيَانُ الْخِلَافِ مُطْلَقًا كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ فَقَطْ لِشَرَفِهِمْ مَعَ أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ إطْلَاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَهُوَ عَارِضٌ؛ إذْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ شَرْعًا، بَلْ فِيهِمَا صِنَاعَةٌ اهـ. شَيْخُ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: إذْ لَا يَظْهَرُ إلَخْ)

стр. 378

دَالٌّ عَلَى ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ كَالْأَسْوَدِ (إشْعَارٌ بِخُصُوصِيَّةِ) تِلْكَ مِنْ (الذَّاتِ) مِنْ كَوْنِهَا جِسْمًا، أَوْ غَيْرَ جِسْمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَك مَثَلًا الْأَسْوَدُ جِسْمٌ صَحِيحٌ وَلَوْ أَشْعَرَ الْأَسْوَدُ فِيهِ بِالْجِسْمِيَّةِ لَكَانَ بِمَثَابَةِ قَوْلِك الْجِسْمُ ذُو السَّوَادِ جِسْمٌ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ إفَادَتِهِ. (مَسْأَلَةُ الْمُتَرَادِفِ) ، وَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ اللَّفْظُ الْمُتَعَدِّدُ الْمُتَّحِدُ الْمَعْنَى (وَاقِعٌ) فِي الْكَلَامِ (خِلَافًا لِثَعْلَبَ وَابْنِ فَارِسٍ) فِي نَفْيِهِمَا وُقُوعُهُ (مُطْلَقًا) قَالَا، وَمَا يُظَنُّ مُتَرَادِفًا كَالْإِنْسَانِ، وَالْبَشَرِ فَمُتَبَايِنٌ بِالصِّفَةِ، فَالْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ النِّسْيَانِ، أَوْ أَنَّهُ يَأْنَسُ، وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَادِي الْبَشَرَةِ أَيْ ظَاهِرُ الْجِلْدِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِالْمُخَالِفِ الَّذِي أَبْهَمَهُ غَيْرُهُ لِغَرَابَةِ النَّقْلِ عَنْهُ كَمَا قَالَ (وَ) خِلَافًا (لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ فِي نَفْيِهِ وُقُوعَهُ (فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ) قَالَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي النَّظْمِ، وَالسَّجْعِ مَثَلًا ــ [حاشية العطار] لِانْتِفَاءِ الْوَصْفِ الَّذِي اُشْتُقَّ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَكَوْنُهُ خَلَقَهُ غَيْرُهُ أَوَّلًا شَيْءٌ آخَرُ (قَوْلُهُ: دَالٌّ إلَخْ) إنَّمَا أَتَى بِهَذَا الْوَصْفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُشْتَقِّ الْمَوْضُوعِ لِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ كَأَسْمَاءِ الْآلَةِ، وَالْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ فَإِنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِخُصُوصِيَّةِ الذَّاتِ بِأَنَّهَا زَمَانٌ، أَوْ مَكَانٌ مَثَلًا. [مَسْأَلَةُ الْمُتَرَادِفِ وَاقِعٌ خِلَافًا لِثَعْلَبَ وَابْنِ فَارِسٍ] (قَوْلُهُ: الْمُتَرَادِفُ وَاقِعٌ) السَّبَبُ الْأَكْثَرِيُّ فِي وُقُوعِهِ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ الْمُتَرَادِفَيْنِ إمَّا مِنْ وَاضِعَيْنِ بِأَنْ تَضَعَ إحْدَى الْقَبِيلَتَيْنِ إحْدَى اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنًى، وَالْأُخْرَى الْآخَرَ لَهُ أَيْضًا وَاشْتَهَرَ الْوَضْعَانِ، وَالْتَبَسَا، أَوْ مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لِتَكْثِيرِ وَسَائِلِ التَّعْبِيرِ عَلَى النَّاسِ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ تَأْدِيَةِ الْمَعَانِي بِأَيِّهِمَا شَاءُوا، أَوْ بِأَحَدِهِمَا عِنْدَ نِسْيَانِ الْآخَرِ، وَالتَّوَسُّعُ فِي مَجَالِ الْبَدَائِعِ نَظْمًا وَنَثْرًا كَمَا يُشِيرُ إلَى هَذَا الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: اللَّفْظُ الْمُتَعَدِّدُ) فِيهِ أَنَّ الْمُتَعَدِّدَ هُوَ مَجْمُوعُ الْمُتَرَادِفَيْنِ فَأَكْثَرَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هُوَ اللَّفْظُ الْمُوَافِقُ بِالْوَضْعِ لِلَفْظٍ آخَرَ فِي مَعْنَاهُ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ تَسَمُّحٌ فِي التَّعْبِيرِ لِظُهُورِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَاتِّكَالًا عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ فِي تَقْسِيمِ اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: فِي الْكَلَامِ) أَلْ عَهْدِيَّةٌ، أَيْ: كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامُ الْبُلَغَاءِ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِثَعْلَبٍ) قَدْ يُحْتَجُّ لَهُ بِأَنَّ التَّرَادُفَ يُحْوِجُ الْمُخَاطَبِينَ إلَى حِفْظِ جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ؛ إذْ لَوْلَاهُ لَاخْتَلَّ الْفَهْمُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمَعْلُولُ لِأَحَدِ الْمُخَاطَبِينَ غَيْرَ اللَّفْظِ الْمَعْلُومِ لِلْآخَرِ فَعِنْدَ التَّخَاطُبِ لَا يَعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُرَادَ الْآخَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ حِفْظِ الْجَمِيعِ لِيَتَيَسَّرَ الْفَهْمُ فَتَزْدَادُ الْمَشَقَّةُ ذَكَرَهُ الْعُبْرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) ، أَيْ: فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَغَيْرِهَا. (قَوْلُهُ: فَمُتَبَايِنٌ بِالصِّفَةِ) ، أَيْ: لَا بِالذَّاتِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ تَبَايَنَا فِيهِمَا أَيْضًا لَمْ يَكُونَا مُتَرَادِفَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالذَّاتِ الْمَاصَدَقُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّرَادُفَ يَقْتَضِي الِاتِّحَادَ فِي الذَّاتِ، وَالصِّفَةِ (قَوْلُهُ:، فَالْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ إلَخْ) بَحَثَ فِيهِ بِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ إنْسَانًا وَبَشَرًا مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ مَا ذَكَرَ، وَذَلِكَ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي مُسَمَّى اللَّفْظِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا فِي الْوَضْعِ لَلَزِمَ مُلَاحَظَتُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي الْوَضْعِ لِلْمُنَاسَبَةِ اعْتِبَارُهُ وَعِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ. (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ النِّسْيَانِ) فَوَزْنُهُ إفْعَانٌ وَأَصْلُهُ إنْسِيَانٌ إفْعِلَانٌ حُذِفَتْ لَامُهُ الَّتِي هِيَ الْيَاءُ. (قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ يَأْنَسُ) فَيَكُونُ مَأْخُوذًا مِنْ أَنِسَ، فَالْهَمْزَةُ أَصْلِيَّةٌ وَوَزْنُهُ فُعْلَانَ. (قَوْلُهُ: أَيْ: ظَاهِرُ الْجِلْدِ) تَفْسِيرٌ لِمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ لَا لِلْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّهَا كَمَا فِي الصِّحَاحِ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ فَيَحْصُلُ تَهَافُتٌ فِي اللَّفْظِ. (قَوْلُهُ: لِغَرَابَةِ النَّقْلِ عَنْهُ) قَالَ الْكَمَالُ قَدْ وَافَقَهُمَا الزَّجَّاجُ وَأَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ وَصَنَّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا كِتَابًا مَنَعَ فِيهِ التَّرَادُفَ وَسَمَّى الْعَسْكَرِيُّ كِتَابَهُ الْفُرُوقَ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ، وَالْبَشَرِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَبَيْنَ قُعُودٍ وَجُلُوسٍ بِأَنَّ الْقُعُودَ مَا كَانَ عَنْ قِيَامٍ، وَالْجُلُوسَ مَا كَانَ عَنْ نَوْمٍ وَنَحْوِهِ لِدَلَالَةِ الْمَادَّةِ عَلَى مَعْنَى الِارْتِفَاعِ قَالَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُبَرِّدُ وَغَيْرُهُ اهـ. وَقَدْ حَكَى عَنْ ابْنِ خَالَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ بِمَجْلِسِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ أَحْفَظُ لِلسَّيْفِ خَمْسِينَ اسْمًا فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ مَا أَحْفَظُ لَهُ إلَّا اسْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ السَّيْفُ فَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فَأَيْنَ الْمُهَنَّدُ، وَالصَّارِمُ، وَالرَّسُوبُ، وَالْمِخْذَمُ وَأَخَذَ يُعَدِّدُ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ هَذِهِ صِفَاتٌ وَكَأَنَّ الشَّيْخُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الِاسْمِ، وَالصِّفَةِ. (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَعَدُّدِ الدَّالِّ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَرُبَّمَا، أَوْقَعَ فِي اللَّبْسِ (قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَشَارَ إلَى فَوَائِدَ أُخَرَ

стр. 379

وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي كَلَام الشَّارِعِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ كَالْقَرَافِيِّ بِالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَبِالسُّنَّةِ وَالتَّطَوُّعِ وَيُجَابُ بِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ لَا شَرْعِيَّةٌ، وَالشَّرْعِيَّةُ مَا وَضَعَهَا الشَّارِعُ كَمَا سَيَأْتِي. (وَالْحَدُّ، وَالْمَحْدُودُ) أَيْ كَالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ، وَالْإِنْسَانِ (وَنَحْوُ حَسَنٍ بِسِنٍّ) ، أَيْ: الِاسْمُ وَتَابِعُهُ كَعَطْشَانَ نَطْشَانَ (غَيْرِ مُتَرَادِفَيْنِ) ، أَيْ: غَيْرُ مُتَّحِدَيْ الْمَعْنَى (عَلَى الْأَصَحِّ) أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الْحَدَّ يَدُلُّ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَاهِيَّةِ تَفْصِيلًا، وَالْمَحْدُودَ - أَيْ: اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهِ - يَدُلُّ عَلَيْهَا إجْمَالًا، وَالْمُفَصَّلُ غَيْرُ الْمُجْمَلِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ التَّابِعَ لَا يُفِيدُ الْمَعْنَى بِدُونِ مَتْبُوعِهِ، وَمِنْ شَأْنِ كُلِّ مُتَرَادِفَيْنِ إفَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْمَعْنَى وَحْدَهُ، وَالْقَائِلُ بِالتَّرَادُفِ يَمْنَعُ ذَلِكَ (وَالْحَقُّ إفَادَةُ التَّابِعِ التَّقْوِيَةَ) لِلْمَتْبُوعِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ، وَالْعَرَبُ لِحِكْمَتِهَا لَا تَتَكَلَّمُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَمُقَابِلُ هَذَا ــ [حاشية العطار] كَتَيَسُّرِ النُّطْقِ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا فِي بُرٍّ وَقَمْحٍ فِي حَقِّ الْأَلْثَغِ بِالرَّاءِ وَكَالْجِنَاسِ فَقَدْ يَقَعُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] فَإِنَّهُ يَقَعُ يَتَحَسَّبُونَ دُونَ يَظُنُّونَ، وَمِثْلُهُ رَحْبَةٌ رَحْبَةٌ وَلَوْ قِيلَ وَاسِعَةٌ فَاتَ الْجِنَاسُ. وَفِي الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ لِلْمُخْتَصَرِ وَكَالْمُطَابَقَةِ، وَهِيَ ذِكْرُ مَعْنَيَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ؛ إذْ قَدْ يَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَوْضُوعًا بِالِاشْتِرَاكِ لِمَعْنًى آخَرَ يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِهِ التَّقَابُلُ دُونَ صَاحِبِهِ كَمَا قَالَ خَسُّنَا خَيْرٌ مِنْ خَسِّكُمْ فَقَالَ خَسُّنَا خَيْرٌ مِنْ خِيَارِكُمْ فَوَقَعَ التَّقَابُلُ بَيْنَ الْخَسِّ، وَالْخِيَارِ بِوَجْهٍ وَوَقَعَ بَيْنَهُمَا الْمُنَاسَبَةُ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ إذْ الْخَسُّ قَدْ وُضِعَ لِلْبَقْلِ، وَالْخِيَارُ لِلْقِثَّاءِ أَيْضًا وَلَوْ قَالَ خَيْرٌ مِنْ قِثَّائِكُمْ لَمْ يَحْصُلْ التَّقَابُلُ بِهِ اهـ. وَفِيهِ مِنْ اللَّطَافَةِ مَا يُدْرِكُهُ الذَّكِيُّ بِذَوْقِهِ. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ مُنْتَفٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الِاحْتِيَاجِ عَدَمُ وُقُوعِهِ لِتَعَلُّقِ غَرَضٍ صَحِيحٍ بِهِ كَتَوَافُقِ الْفَوَاصِلِ، وَالتَّجْنِيسِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ وَارِدٌ عَلَى قَانُونِ الْبُلَغَاءِ. (قَوْلُهُ: وَيُجَابُ بِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ) ، أَيْ: اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَضَعَهَا الشَّارِعُ وَاعْتِرَاضُهُ النَّاصِرَ بِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوَضْعِ عِنْدَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ سَدُّ بَابِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ لَهَا الْجَزْمُ بِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا لِمَعْنًى وَاحِدٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فَارِقٌ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَلَوْ اسْتَعْمَلَهَا لِمَعْنًى وَاحِدٍ مَا صَحَّ خِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَقَوْلُ سم إنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ مَحْفُوظَةٌ عَنْ الشَّارِعِ فَفِيهِ أَنَّ غَايَةَ مَا وَقَعَ مِنْ الشَّارِعِ الِاسْتِعْمَالُ فَإِنْ قِيلَ الْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ قُلْنَا هُوَ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ فَيَلْزَمُ عَدَمُ الْمَجَازِ، وَإِنْ قِيلَ بِاحْتِمَالِهِ فَكَذَلِكَ، فَالتَّفْرِقَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ. (قَوْلُهُ: فَلِأَنَّ الْحَدَّ) لَمْ يَقُلْ، أَيْ: اللَّفْظَ كَمَا فِي الْمَحْدُودِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الْحَدِّ اللَّفْظُ بِخِلَافِ الْمَحْدُودِ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ الْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَاهِيَّةِ إلَخْ) الِاخْتِلَافُ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ؛ إذْ الرَّسْمُ بِالْعَوَارِضِ، وَهِيَ غَيْرُ الْمَاهِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ تَفْصِيلًا لَهَا. (قَوْلُهُ: لَا يُفِيدُ الْمَعْنَى) ، أَيْ: مَعْنَى مَتْبُوعِهِ بِدُونِهِ، بَلْ مَعَهُ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ شَأْنِ كُلِّ مُتَرَادِفَيْنِ) قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ لَوْ قَالَ إفَادَتُهُ الْمَعْنَى لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ؛ إذْ لَا يُقَالُ شَأْنُ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا إفَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا، بَلْ إفَادَةُ إلَخْ اهـ. يُرِيدُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِذِكْرِ كُلِّ الثَّانِيَةِ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ مَبْنَاهُ تَوَهَّمَ أَنَّ كِلَا الْأُولَى، وَالثَّانِيَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ سَهْوٌ، بَلْ الْأُولَى عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْرَادِ الَّتِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَجْمُوعُ لَفْظَيْنِ مُتَّحِدَيْ الْمَعْنَى، وَالثَّانِيَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْرَادِ هِيَ اللَّفْظَانِ الْمَذْكُورَانِ، فَمَجْمُوعُ لَفْظِ الْإِنْسَانِ، وَالْبَشَرِ فَرْدٌ وَاحِدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْأُولَى، وَمَجْمُوعُ لَفْظِ الْقَمْحِ وَلَفْظِ الْبُرِّ فَرْدٌ آخَرُ مِنْ أَفْرَادِهَا، وَهَكَذَا لَفْظُ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ فَرْدٌ وَاحِدٌ، وَمِنْ أَفْرَادِ الثَّانِيَةِ لَفْظُ الْبَشَرِ وَحْدَهُ فَرْدٌ آخَرُ مِنْ أَفْرَادِهَا، وَهَكَذَا فَمَعْنَى عِبَارَتِهِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ كُلِّ مَجْمُوعَيْ لَفْظَيْنِ مُتَّحِدَيْ الْمَعْنَى إفَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ اللَّفْظَيْنِ الْمَعْنَى وَحْدَهُ وَلَوْ قَالَ: وَمِنْ شَأْنِ كُلِّ مُتَرَادِفَيْنِ إفَادَتُهُ الْمَعْنَى وَحْدَهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ كَانَ مَعْنَاهُ إنَّ مِنْ شَأْنِ كُلِّ مَجْمُوعِ لَفْظَيْنِ مُتَّحِدَيْ الْمَعْنَى إفَادَتَهُ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ الْمَعْنَى وَحْدَهُ، وَهَذَا لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ الَّذِي هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ جُزْأَيْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ يُفِيدُ الْمَعْنَى وَحْدَهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: يَمْنَعُ ذَلِكَ) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ، وَمِنْ شَأْنِ إلَخْ كَمَا صَنَعَ سم، وَهُوَ الظَّاهِرُ

стр. 380

كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ، وَالتَّابِعُ لَا يُفِيدُ عَقِبَ قَوْلِهِ، وَالتَّأْكِيدُ يَعْنِي: الْمُؤَكَّدَ يُقَوِّي الْأَوَّلَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي الْمَحْصُولِ أَنَّ التَّابِعَ وَحْدَهُ لَا يُفِيدُ، أَيْ: الْمَعْنَى يَعْنِي: بِخِلَافِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَرَادِفَيْنِ، فَهُوَ عَلَى هَذَا سَاكِتٌ عَنْ إفَادَةِ التَّقْوِيَةِ لَا نَافٍ لَهَا (وَ) الْحَقُّ (وُقُوعُ كُلٍّ مِنْ الرَّدِيفَيْنِ) أَيْ اللَّفْظِ الْمُتَّحِدِ الْمَعْنَى (مَكَانَ الْآخَرِ إنْ لَمْ يَكُنْ تَعَبَّدَ بِلَفْظِهِ) ، أَيْ: يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ رَدِيفَيْنِ بِأَنْ يُؤْتِيَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرَ فِي الْكَلَامِ؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ (خِلَافًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ فِي نَفْيِهِ ذَلِكَ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: مِنْ لُغَتَيْنِ، أَوْ لُغَةٍ قَالَ؛ لِأَنَّك لَوْ أَتَيْت مَكَانَ مَنْ فِي قَوْلِك مَثَلًا خَرَجْت مِنْ الدَّارِ بِمُرَادِفِهَا بِالْفَارِسِيَّةِ، أَيْ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ لَمْ يَسْتَقِمْ الْكَلَامُ؛ لِأَنَّ ضَمَّ لُغَةٍ إلَى أُخْرَى بِمَثَابَةِ ضَمِّ مُهْمَلٍ إلَى مُسْتَعْمَلٍ قَالَ، وَإِذَا عَقَلَ ذَلِكَ فِي لُغَتَيْنِ ــ [حاشية العطار] خِلَافًا لِمَا فِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى قَوْلِهِ؛ فَلِأَنَّ التَّابِعَ إلَخْ فَإِنَّ بِسِنٍّ وَحْدَهُ غَيْرُ مُفِيدٍ قَطْعًا. (قَوْلُهُ: كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ، وَالْحَقُّ. (قَوْلُهُ: قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ) بِمَعْنَى مَقُولُهُ خَبَرُ قَوْلُهُ، وَمُقَابِلُ هَذَا وَقَوْلُهُ عَقِبَ ظَرْفٌ لِقَوْلِ الْبَيْضَاوِيِّ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي: الْمُؤَكَّدَ) أَتَى بِالْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ التَّأْكِيدِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ التَّقْوِيَةُ وَالشَّارِحُ بِالْعِنَايَةِ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُرَادَ بِالتَّأْكِيدِ هُنَا مَا هُوَ بِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدُ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّأْكِيدِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُهُ غَيْرُ مَدْلُولِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْجُمْلَةِ؛ إذْ هُوَ مُرَكَّبٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمُرَادِفِ بِمُرَكَّبٍ. (قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ) يَعْنِي: الْبَيْضَاوِيَّ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى، فَهْمٍ فِي كَلَامِ الْمِنْهَاجِ يَصِيرُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا وَفِيهِ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِيمَا، فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّهُ قَائِلٌ بِالنَّفْيِ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْمَعْنَى) أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ تَوَحُّدِهِ لَا يُتَوَهَّمُ تَقْوِيَتُهُ؛ لِأَنَّهَا فَرْعُ الِانْضِمَامِ لِلْغَيْرِ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُفِيدُ الْمَعْنَى وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى سِيَاقِ الْكَلَامِ أَنَّ التَّقْوِيَةَ الْمُثْبَتَةَ أَوَّلًا هِيَ الْمَنْفِيَّةُ بِقَوْلِهِ لَا يُفِيدُ، وَمَا قَرَّرَ بِهِ الشَّارِحُ كَلَامَ الْبَيْضَاوِيِّ هُوَ مَا قَرَّرَهُ بِهِ شَارِحُهُ الْخُجَنْدِيُّ حَيْثُ قَالَ إنَّ التَّابِعَ وَحْدَهُ لَا يُفِيدُ، أَيْ: الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَى بِدُونِ الْمَتْبُوعِ. (قَوْلُهُ: فَهُوَ عَلَى هَذَا سَاكِتٌ) ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَائِلٌ بِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: لَا نَافٍ لَهَا) ، أَيْ: فَلَا يُنَافِي فِي إفَادَةِ التَّابِعِ لَهَا قَالَ الْكَمَالُ، وَإِيرَادُ الْبَيْضَاوِيِّ قَوْلَهُ، وَالتَّابِعُ لَا يُفِيدُ عَقِبَ قَوْلِهِ، وَالتَّأْكِيدُ يُقَوِّي الْأَوَّلَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ التَّابِعَ نَحْوَ بِسِنٍّ وَنَطْشَانَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا لَا تَقْوِيَةً وَلَا غَيْرَهَا كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّابِعَ يُفِيدُ التَّقْوِيَةَ فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَضَعُهُ سُدًى، ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت فَصَارَ كَالتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا يُفِيدُ التَّقْوِيَةَ قُلْت التَّأْكِيدُ يُفِيدُ مَعْنَى التَّقْوِيَةِ نَفَى احْتِمَالَ الْمَجَازِ، ثُمَّ قَالَ وَأَيْضًا، فَالتَّابِعُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى زِنَةِ الْمَتْبُوعِ، وَالتَّأْكِيدُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ اهـ. فَقَوْلُهُ، وَالتَّأْكِيدُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّهُ حَمَلَ التَّأْكِيدَ عَلَى التَّأْكِيدِ الْمَعْنَوِيِّ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ سم صَرَّحَ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ بِأَنَّ هَذَا التَّابِعَ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ. وَأَوْرَدَهُ عَلَى تَعْرِيفِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِأَنَّهُ إعَادَةُ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ، أَوْ بِمُرَادِفِهِ فَإِنَّ هَذَا تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ وَلَيْسَ عَيْنَ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَلَا مُرَادِفًا لَهُ أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. فَقَوْلُ الْكَمَالِ عَنْ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْمُصَنِّفِ فَإِنْ قُلْت فَصَارَ كَالتَّأْكِيدِ إلَخْ يُخَالِفُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّأْكِيدَ الْمَعْنَوِيَّ لَا مُطْلَقَ التَّأْكِيدِ وَلَا اللَّفْظِيَّ، وَإِلَّا، فَهَذَا مِنْهُمَا اهـ. لَا حَاجَةَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وُقُوعُ كُلٍّ مِنْ الرَّدِيفَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ) ، أَيْ: بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَظَاهِرٌ أَنَّ أَحَدَ الرَّدِيفَيْنِ قَدْ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ فِي نَحْوِ السَّجْعِ، وَالنَّظْمِ. (قَوْلُهُ: أَيْ: يَصِحُّ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الصِّحَّةِ لَا الْوُقُوعِ بِالْفِعْلِ، وَإِلَّا كَانَتْ الْكُلِّيَّةُ غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ (قَوْلُهُ: فِي كُلِّ رَدِيفَيْنِ) أَخَذَ الْعُمُومَ مِنْ الاستغراقية فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الرَّدِيفَيْنِ وَأَخْذُ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ بِأَنْ يُؤْتِيَ بِكُلٍّ إلَخْ مِنْ قَوْلِهِ وُقُوعُ كُلِّ، فَهَاهُنَا عُمُومَانِ أَحَدُهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالرَّدِيفِ مُسْتَفَادٌ مِنْ كُلِّ، وَالثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ الرَّدِيفَيْنِ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللَّامِ

стр. 381

فَلِمَ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي لُغَةٍ، أَيْ: لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلُ أَيْ الْجَوَازَ الْأَظْهَرُ فِي أَوَّلِ النَّظَرِ. وَالثَّانِي حَقٌّ (وَ) خِلَافًا (لِلْبَيْضَاوِيِّ وَ) الصَّفِيِّ (الْهِنْدِيُّ) فِي نَفْيِ مَا ذَكَرَ (إذَا كَانَا) ، أَيْ: الرَّدِيفَانِ (مِنْ لُغَتَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَمَّا مَا تَعَبَّدَ بِلَفْظِهِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عِنْدَنَا لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا فَلَا يَقُومُ مُرَادِفُهُ مَقَامَهُ لِعُرُوضِ التَّعَبُّدِ، وَيَكُنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ تَامَّةٌ فَتَعَبُّدٌ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ فَاعِلُهَا وَضَمِيرُ بِلَفْظِهِ لِلْآخَرِ. (مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكُ) ، وَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الْمُتَعَدِّدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ (وَاقِعٌ) فِي الْكَلَامِ جَوَازًا (خِلَافًا لِثَعْلَبٍ وَالْأَبْهَرِيِّ وَالْبَلْخِيِّ) فِي نَفْيِهِمْ وُقُوعَهُ (مُطْلَقًا) قَالُوا، وَمَا يُظَنُّ مُشْتَرَكًا، فَهُوَ إمَّا حَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ، أَوْ مُتَوَاطِئٌ كَالْعَيْنِ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاصِرَةِ، وَمَجَازٌ فِي غَيْرِهَا كَالذَّهَبِ لِصَفَائِهِ، وَالشَّمْسِ لِضِيَائِهَا وَكَالْقُرْءِ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَيْضِ، وَالطُّهْرِ، وَهُوَ الْجَمْعُ مِنْ قَرَأْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ، أَيْ: جَمَعْته فِيهِ، وَالدَّمُ يَجْتَمِعُ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ فِي الْجَسَدِ وَفِي زَمَنِ الْحَيْضِ فِي الرَّحِمِ. وَمَا هُنَا عَنْ الثَّلَاثَةِ أَقْرَبُ مِمَّا فِي شَرْحَيْ الْمُخْتَصَرِ، وَالْمِنْهَاجِ أَنَّهُمْ أَحَالُوهُ (وَ) خِلَافًا (لِقَوْمٍ) فِي نَفْيِهِمْ وُقُوعَهُ (فِي الْقُرْآنِ قَبْلُ، وَالْحَدِيثِ) اأَيْضًا قَالُوا لَوْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ ــ [حاشية العطار] فَالتَّقْدِيرُ يَصِحُّ وُقُوعُ كُلِّ رَدِيفٍ مِنْ كُلِّ رَدِيفَيْنِ مَكَانَ الرَّدِيفِ الْآخَرِ وَحَاوَلَ الشَّارِحُ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي لُزُومِ الصِّحَّةِ لَا فِي الصِّحَّةِ فِي الْجُمْلَةِ؛ إذْ الصِّحَّةُ فِي الْجُمْلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا خِلَافٌ وَلَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُمْ لَوْ صَحَّ لَصَحَّ خداي أَكْبَرُ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا عَقَلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: نَفْيَ الصِّحَّةِ، أَيْ: فَهِمْت عِلَّتَهُ. (قَوْلُهُ: فَلِمَ لَا يَجُوزُ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يُنْتِجُ الْجَزْمَ بِنَفْيِ الْوُقُوعِ عَلَى أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ اتِّحَادُ الْمَوْضُوعَاتِ وَاخْتِلَافُهَا. (قَوْلُهُ: أَيْ: لَا مَانِعَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ إنْكَارِيٌّ وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ النَّظَرِ، أَيْ: بِحَسَبِ النَّظْرَةِ الْأُولَى لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَالثَّانِي الْحَقُّ. (قَوْلُهُ: لِعُرُوضِ التَّعَبُّدِ إلَخْ) إشَارَةٌ مِنْ الشَّارِحِ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ لَوْ حَذَفَ قَيْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَعَبَّدَ مَا ضَرَّ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ الْوُقُوعِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَهَذَا لِمَانِعٍ عَارِضٍ، وَالْكَلَامُ فِي الصِّحَّةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ شَرْعًا وَعَدَمُهُ فَلِذَلِكَ قَالَ الْعِرَاقِيُّ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَسْأَلَةِ جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وَعَدَمِهَا. (قَوْلُهُ: وَيَكُنْ تَامَّةٌ) لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، بَلْ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً وَاسْمُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى الرَّدِيفِ وَتُعُبِّدَ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. [مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الْمُتَعَدِّدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ] (قَوْلُهُ: جَوَازًا) الْمُرَادُ بِهِ الْإِمْكَانُ الْخَاصُّ، وَهُوَ سَلْبُ الضَّرُورَةِ عَنْ الطَّرَفَيْنِ فَتَكُونُ الْقَضِيَّةُ مُمْكِنَةً خَاصَّةً وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ حَسُنَ التَّقَابُلُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الْآتِيَةِ فَقَوْلُهُ خِلَافًا لِثَعْلَبٍ مُقَابِلُ الْوُقُوعِ وَقَوْلُهُ وَقِيلَ وَاجِبٌ مُقَابِلُ الْجَوَازِ وَقَوْلُهُ وَقِيلَ مُمْتَنِعٌ يُقَابِلُ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يَقَعُ. (قَوْلُهُ: قَالُوا، وَمَا يُظَنُّ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا، أَوْرَدَ عَلَيْهِمْ بِالْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَمُحَصِّلُهُ مَنْعُ كَوْنِهَا مِنْهُ بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ. (قَوْلُهُ: أَوْ مُتَوَاطِئٌ) فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا كَالْإِنْسَانِ الْمَوْضُوعِ لِلْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الَّذِي اسْتَوَتْ أَفْرَادُهُ فِي مَعْنَاهُ. (قَوْلُهُ: كَالْعَيْنِ) مِثَالٌ لِمَا هُوَ حَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ وَقَوْلُهُ كَالذَّهَبِ، وَالشَّمْسِ مِثَالَانِ لِقَوْلِهِ غَيْرِهَا وَقَوْلُهُ لِصِفَاتِهِ وَلِضِيَائِهِ إشَارَةٌ لِلْجَامِعِ فَيَكُونُ مَجَازَ اسْتِعَارَةٍ وَقَوْلُهُ وَكَالْقُرْءِ مِثَالٌ لِلْمُتَوَاطِئِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى كَالْعَيْنِ وَأَعَادَ الْكَافَ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمُتَوَاطِئِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ لِلْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ (قَوْلُهُ:، وَهُوَ الْجَمْعُ) قَالَ سم الْجَمْعُ لَا يَصْدُقُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْحَيْضِ، وَالطُّهْرِ؛ إذْ الْحَيْضُ الدَّمُ الْمَخْصُوصُ وَخُرُوجُهُ، وَالطُّهْرُ الْخُلُوُّ مِنْ ذَلِكَ اهـ. وَأُجِيبَ بِتَقْدِيرِ ذَوُو الدَّمِ ذُو الْجَمْعِ، وَالطُّهْرُ كَذَلِكَ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ، وَالدَّمُ يَجْمَعُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: أَقْرَبُ) ؛ لِأَنَّهُمْ نَفَوْا الْوُقُوعَ وَنَفْيُ الْوُقُوعِ أَعَمُّ مِنْ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ، وَالِاسْتِحَالَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ مُرَادُهُمْ، وَلَكِنَّ الْأَقْرَبَ إلَى نَفْيِ الْوُقُوعِ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ. (قَوْلُهُ: مِمَّا فِي شَرْحَيْ الْمُخْتَصَرِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ، بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ الِاسْتِحَالَةَ مُصَرَّحٌ بِهَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمِنْهَاجِ، أَوْجَبَهُ قَوْمٌ لِوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا وَرَدَّهُمَا، ثُمَّ قَالَ وَأَحَالَهُ آخَرُونَ، ثُمَّ قَالَ، وَالْمُخْتَارُ إمْكَانُهُ وَوُقُوعُهُ اهـ. فَالتَّصْرِيحُ بِالِاسْتِحَالَةِ وَقَعَ فِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ فَلْيُحَرَّرْ. (قَوْلُهُ: فِي الْقُرْآنِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَقَوْلُهُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] فَإِنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ

стр. 382

لَوَقَعَ إمَّا مُبَيِّنًا فَيَطُولُ بِلَا فَائِدَةٍ، أَوْ غَيْرَ مُبَيِّنٍ فَلَا يُفِيدُ الْقُرْآنُ يُنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَمَنْ نَفَى الْوُقُوعَ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِيهِ. وَأُجِيبَ بِاخْتِيَارِ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِمَا غَيْرَ مُبَيِّنٍ وَيُفِيدُ إرَادَةَ أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ مَثَلًا الَّذِي سَيُبَيِّنُ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي الْإِفَادَةِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ الثَّوَابُ، أَوْ الْعِقَابُ بِالْعَزْمِ عَلَى الطَّاعَةِ، أَوْ الْعِصْيَانِ بَعْدَ الْبَيَانِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي (وَقِيلَ:) هُوَ (وَاجِبُ الْوُقُوعِ) ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِي أَكْثَرَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ؛ إذْ مَا مِنْ مُشْتَرَكٍ إلَّا وَلِكُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْهِ مَثَلًا لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: لَوَقَعَ إمَّا مُبَيِّنًا إلَخْ) مَحَطُّ الْجَزَاءِ قَوْلُهُ إمَّا مُبَيِّنًا فَلَا يَلْزَمُ اتِّحَادُ الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا تَرْدِيدٌ صُورِيٌّ، وَإِلَّا، فَالْبَيَانُ لَا بُدَّ مِنْهُ إمَّا فِي الْحَالِ، أَوْ الْمَالِ كَمَا بَيَّنَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الَّذِي سَيُبَيَّنُ، فَالطُّولُ لَازِمٌ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَدْ نُقِضَ هَذَا الدَّلِيلُ بِجَرَيَانِهِ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَإِنَّهَا وَاقِعَةٌ مَعَ عَدَمِ دَلَالَتِهَا عَلَى خُصُوصِيَّاتِ مُسَمَّيَاتِهَا وَلَوْ صَحَّ الدَّلِيلُ لَمَا وَقَعَتْ بِعَيْنِ مَا ذَكَرْتُمْ. (قَوْلُهُ: فَيَطُولُ) فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْبَيَانِ الطُّولُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْبَيَانُ بِنَفْسِ الْحُكْمِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ نَحْوُ شَرِبْت عَيْنًا فَإِنَّهُ مُسَاوٍ لِشَرِبْتُ مَاءً وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ جُزْئِيَّةٌ، أَيْ: قَدْ يَطُولُ وَفِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَنْتِجُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: بِلَا فَائِدَةٍ) إنْ أُرِيدَ الطُّولُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَالْوَصْفُ مُخَصِّصٌ، وَإِنْ أُرِيدَ الطُّولُ الِاصْطِلَاحِيُّ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى أَصْلِ الْمُرَادِ لَا لِفَائِدَةٍ، فَالْوَصْفُ كَاشِفٌ قَالَ سم وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الطُّولِ عَدَمُ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ التَّفْصِيلَ بَعْدَ الْإِجْمَالِ، وَهِيَ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِإِفَادَتِهَا الْكَلَامَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ. (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرَ مُبَيِّنٍ فَلَا يُفِيدُ) قَدْ يُقَالُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَشَابِهِ وَوُقُوعَهُ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ مُنْكَرٍ. (قَوْلُهُ: أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ) الْمُرَادُ فَرْدٌ مُعَيَّنٌ فِي الْخَارِجِ لَا فَرْدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الَّذِي سَيُبَيَّنُ. (قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَيْ، أَوْ مَعَانِيهِ. (قَوْلُهُ: الَّذِي سَيُبَيَّنُ) نَعْتٌ لِأَحَدِ، أَيْ: وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ تَأَخُّرُ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: بِالْعَزْمِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَتَرَتَّبُ، أَيْ: الْعَزْمُ الْآنَ (قَوْلُهُ: حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ) أَيْ عِنْدَ مَنْ يَرَى حَمْلَهُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا غَيْرُ قَادِحٍ فِي إفَادَةِ أَرَادَ أَحَدَهُمَا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَعَانِي أَكْثَرُ) أَيْ الْمَعَانِي الْمَوْضُوعَ لَهَا أَلْفَاظٌ فَلَا يُنَافِي فِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظٌ قَالَهُ فِي الْمَعَانِي مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: الدَّالَّةِ عَلَيْهَا إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعَانِي الْمَوْضُوعُ لَهَا. (قَوْلُهُ: بِمَنْعِ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَنْعِ أَنَّ الْمَعَانِي الْمَوْضُوعَ لَهَا الْأَلْفَاظُ أَكْثَرُ، بَلْ الْأَلْفَاظُ أَكْثَرُ، بَلْ ادَّعَى الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُشْتَرَكَةَ أَغْلَبُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ قَالَ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ بِأَسْرِهَا مُشْتَرَكَةٌ الْمَاضِي بَيْنَ الْخَبَرِ، وَالْإِنْشَاءِ، وَالْمُضَارِعُ بَيْنَ الْحَالِ، وَالِاسْتِقْبَالِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ كَذَا الْحَرْفُ بِشَهَادَةِ النُّحَاةِ وَبَعْضُ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ غَالِبًا وَرَدَّهُ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ اشْتِرَاكً جَمِيعِ الْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ، وَالْخَبَرِ مَمْنُوعٌ، بَلْ يَعْرِضُ ذَلِكَ لِلْبَعْضِ كَصِيَغِ الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا وَاشْتِرَاكُ الْمُضَارِعِ

стр. 383

(وَقِيلَ) هُوَ (مُمْتَنِعٌ) لِإِخْلَالِهِ بِفَهْمِ الْمُرَادِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْوَضْعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُفْهَمُ بِالْقَرِينَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْوَضْعِ الْفَهْمُ التَّفْصِيلِيُّ، أَوْ الْإِجْمَالِيُّ الْمُبَيِّنُ بِالْقَرِينَةِ فَإِنْ انْتَفَتْ حَمَلَ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي (وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ) هُوَ (مُمْتَنِعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَقَطْ) كَوُجُودِ الشَّيْءِ وَانْتِفَائِهِ؛ إذْ لَوْ جَازَ وَضْعُ لَفْظٍ لَهُمَا لَمْ يُفِدْ سَمَاعُهُ غَيْرَ التَّرَدُّدِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْعَقْلِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُمَا فَيَسْتَحْضِرُهُمَا بِسَمَاعِهِ، ثُمَّ يَبْحَثُ عَنْ الْمُرَادِ مِنْهُمَا. (مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكِ يَصِحُّ) ــ [حاشية العطار] مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ إذْ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا، وَالْأَصَحُّ فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ مُمْتَنِعٌ) هَلَّا قَالَ مُطْلَقًا لِمُقَابَلَةِ قَوْلِ الْإِمَامِ الْآتِي كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ لِمُقَابَلَةِ الْقَوْلِ الثَّانِي اهـ. سم، وَقَدْ يُقَالُ لَمْ يَقُلْهُ لِعِلْمِهِ مِنْ السِّيَاقِ، وَالسِّبَاقِ. (قَوْلُهُ: الْمَقْصُودِ) صِفَةٌ لِفَهْمِ الْمُرَادِ لَا لِلْمُرَادِ بِقَرِينَةِ الْجَوَابِ بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: التَّفْصِيلِيُّ) ، أَيْ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِذَاتِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ الْإِجْمَالِيُّ) ، أَيْ: كَمَا فِي الْمُشْتَرَكِ فَلَا يُقَالُ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوَضْعِ الْفَهْمُ بِدُونِ قَرِينَةٍ (قَوْلُهُ: الْمُبَيِّنُ بِالْقَرِينَةِ) فِيهِ تَسَامُحٌ فَإِنَّ الْمُبَيِّنَ الْمَفْهُومُ لَا الْفَهْمُ الْإِجْمَالِيُّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ حَذْفًا، أَيْ: الْمُبَيِّنُ مُتَعَلِّقُهُ، أَوْ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْفَهْمَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ أَوَّلًا وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِمَعْنَى الْمَفْهُومِ. (قَوْلُهُ: حَاصِلٌ فِي الْعَقْلِ) ، أَيْ: قَبْلَ السَّمَاعِ قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ بِأَنَّ حُصُولَهُ فِي الْعَقْلِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ إرَادَةِ أَحَدِهِمَا؛ إذْ قَدْ لَا يُرَادُ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِخِلَافِهِ بَعْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يُغْفَلُ) ، أَوْ يُقَالُ الْبَيَانُ يَحْصُلُ بِالْقَرِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكِ يَصِحُّ لُغَةً إطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ] (قَوْلُهُ: يَصِحُّ إطْلَاقُهُ) اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَإِنَّ الصَّلَاةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمَغْفِرَةِ، وَالِاسْتِغْفَارِ؛ إذْ هِيَ مِنْ اللَّهِ مَغْفِرَةٌ، وَمِنْ غَيْرِهِ اسْتِغْفَارٌ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ فِي الْآيَةِ؛ إذْ الْجَائِزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى الْمَغْفِرَةُ دُونَ الِاسْتِغْفَارِ وَفِي الْمَلَائِكَةِ بِالْعَكْسِ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ فَإِنْ قِيلَ الضَّمِيرُ فِي يُصَلُّونَ مُتَعَدِّدٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا يَعُودُ إلَى اللَّهِ، وَمَا يَعُودُ إلَى الْمَلَائِكَةِ فَيَتَعَدَّدُ الْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إلَيْهِمَا وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ إعْمَالَ لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي الْمَفْهُومَيْنِ، بَلْ لَفْظَيْنِ قُلْنَا يَتَعَدَّدُ الْفِعْلُ مَعْنًى لَا لَفْظًا؛ إذْ الْمَلْفُوظُ وَاحِدٌ يُرَادُ بِهِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةُ، وَهُوَ الْمُدَّعَى وَتَكْرِيرُ لَفْظِ يُصَلِّي تَقْدِيرًا مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِمَنْعِ أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَوَاطِئِ وَأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِأَمْرٍ كُلِّيٍّ، وَهُوَ الدُّعَاءُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْبَعْضُ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فَإِنَّ السُّجُودَ مِنْ النَّاسِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ؛ إذْ لَوْ أُرِيدَ الِانْقِيَادُ لَمَا قَالَ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لِشُمُولِهِ الْجَمِيعَ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ الِانْقِيَادُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ وَضْعِ الْجَبْهَةِ مِنْهُ، وَاللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لَهُمَا فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا مَعًا فَوَقَعَ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ فَإِنْ قِيلَ حَرْفُ الْعَطْفِ بِمَثَابَةِ الْعَامِلِ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ التَّكْرِيرِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وَيَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ. وَهَكَذَا إلَى قَوْلِهِ وَكَثِيرٌ بِمَعْنَى وَيَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَتَكُونُ أَلْفَاظًا مُتَعَدِّدَةً فِي مَعَانِي مُخْتَلِفَةٍ، وَهَذَا غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ بِمَثَابَةِ الْعَامِلِ كَيْفَ، وَالْعَمَلُ لِلْعَامِلِ لَا لَهُ وَلَئِنْ سُلِّمَ فَمَعْنَى كَوْنِهِ بِمَثَابَتِهِ تَعْيِينَهُ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْسِحَابِ عَمَلِ هَذَا الْعَامِلِ بِعَيْنِهِ عَلَى الْمَعْطُوفِ لَا أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ مِثْلِهِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ وَاحِدًا، وَالْمَعَانِي مُخْتَلِفَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا قِيلَ إنَّهَا عَلَى حَذْفِ الْفِعْلِ أَيْ وَيَسْجُدُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَيُؤَيِّدُ مَسْأَلَةَ الْعَاطِفِ مَا قَالُوا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ، وَهَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا بِدُخُولِ الدَّارِ الثَّانِيَةِ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَلَوْ اقْتَضَى الْعَطْفُ الْإِعَادَةَ لَطَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْإِعَادَةِ قِيلَ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الِاسْتِبْدَادِ فِي قَوْلِهِ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو. وَفِي قَوْلِهِ فُلَانٌ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ مُشَارَكَةُ الِاثْنَيْنِ فِي مَجِيءٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي طَلَاقٍ وَاحِدٍ لَا يُتَصَوَّرُ فَيُصَارُ إلَى الِاسْتِبْدَادِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ

стр. 384

لُغَةً (إطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ) ــ [حاشية العطار] بِالسُّجُودِ الِانْقِيَادُ فِي الْجَمِيعِ وَشُمُولٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْكُفَّارَ الْمُنْكَرِينَ لَمْ يَمَسَّهُمْ الِانْقِيَادُ أَصْلًا وَأَيْضًا لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ وَضْعُ الرَّأْسِ عَلَى الْأَرْضِ فِي الْجَمِيعِ وَلَا يَحْكُمُ بِاسْتِحَالَتِهِ مِنْ الْجَمَادَاتِ إلَّا مُنْكِرُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ اهـ. وَبَحَثَ فِيهِ التَّفْتَازَانِيُّ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالِانْقِيَادِ امْتِثَالُ التَّكَالِيفِ لَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ، وَإِنْ أُرِيدَ امْتِثَالُ حُكْمِ التَّكْوِينِ، أَوْ مُطْلَقُ الْإِطَاعَةِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا، وَذَاكَ فَشُمُولُهُ لِكَافَّةِ النَّاسِ ظَاهِرٌ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بِمَعْنًى آخَرَ كَوَضْعِ الْجَبْهَةِ، أَوْ امْتِثَالِ التَّكَالِيفِ وَقَوْلُهُ وَلَا يَبْعُدُ إلَخْ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ السُّجُودِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ لَا وَضْعُ الرَّأْسِ؛ إذْ لَيْسَ وَضْعُ الرَّأْسِ مِنْ الْقَفَا سُجُودًا وَلَوْ سُلِّمَ فَإِثْبَاتُ حَقِيقَةِ الرَّأْسِ فِي مِثْلِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ السَّمَاوِيَّاتِ مُشْكِلٌ وَلَوْ سُلِّمَ فَفِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْخَفِيِّ لَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ أَلَمْ تَرَ وَقَوْلُهُ لَا يُحْكَمُ بِاسْتِحَالَتِهِ إلَخْ فِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وُجُوهٌ وَلَا حَيَاةَ كَالْحُكْمِ عَلَيْهَا بِاسْتِحَالَةِ الْمَشْيِ بِالْأَرْجُلِ، وَالْبَطْشِ بِالْأَيْدِي وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْخَوَارِقِ اهـ. وَأَجَابَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ التَّنْقِيحِ، أَوْ الْمُرَادَ هُنَا وَاحِدٌ حَاصِلٌ لِلْكُلِّ لَا أَنْ يُرَادَ بِالْمُشْتَرَكِ جَمِيعُ مَعَانِيهِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ كَوْنُ هَذَا الْمَعْنَى الْوَاحِدِ مَعْنًى حَقِيقِيًّا كَمَا قَالَ فِي ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ثَمَّةَ وَاحِدًا حَقِيقِيًّا كَالدُّعَاءِ، أَوْ مَجَازِيًّا كَإِرَادَةِ الْخَيْرِ وَبِأَنَّ عَدَمَ تَحَقُّقِ الْوُجُوهِ، وَالْحَيَاةِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِحَالَةَ وَضْعِ الرَّأْسِ كَمَا أَنَّ انْتِفَاءَ الْأَرْجُلِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِحَالَةَ الْبَطْشِ بِالْأَيْدِي اهـ. وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] فَإِنَّ تَسْبِيحَ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضِ بِلِسَانِ الْحَالِ وَتَسْبِيحِ مَنْ فِيهِنَّ بِلِسَانِ الْمَقَالِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْعَامِلِ فِي مَنْ، أَيْ: وَيُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِيهِنَّ، أَوْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّسْبِيحِ مُطْلَقُ التَّعْظِيمِ، أَوْ أَنَّ التَّسْبِيحَ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ تَسْبِيحَ الْحَصَى وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] يُحَقِّقُ أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَةُ التَّسْبِيحِ لَا الدَّلَالَةُ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى، وَمَا قِيلَ إنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْأُلُوهِيَّةِ، وَالْوَحْدَانِيَّةِ، وَمَنْعِ أَنَّ، وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ لَا يُنَاسِبُهُ، بَلْ يُنَاسِبُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَفْهَمُونَ هَذِهِ الدَّلَالَةَ وَلَا يَعْرِفُونَهَا لِإِخْلَالِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ اهـ. مَمْنُوعٌ أَمَّا أَوَّلًا فَدَعْوَى أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى التَّأْوِيلِ طَرِيقُ إثْبَاتِهَا الِاسْتِقْرَاءُ وَلَا يُمْكِنُ لِعَدَمِ الْإِحَاطَةِ بِالْمُفَسِّرِينَ كُلِّهِمْ حَتَّى يُعْلَمَ الْأَكْثَرَ مِنْ الْأَقَلِّ. وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ لَا يُوجِبُ جَهَالَةَ الْأُلُوهِيَّةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا إنْكَارَهَا رَأْسًا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِرَافِهِمْ بِأُلُوهِيَّتِهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ وَهَلْ فِي الَّتِي دَانُوا لَهَا وَتَعَبَّدُوا ... لِذَاتِك نَافٍ أَوْ لِوَصْفِك جَاحِدُ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ فِي تَفْقَهُونَ مُخْتَصٌّ بِالْكُفَّارِ فَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، أَوْ لِلْجَمِيعِ، فَالْمُنَاسَبَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَةُ التَّسْبِيحِ ظَاهِرَةٌ. (قَوْلُهُ: لُغَةً) زَادَهُ لِأَجْلِ الْمُقَابَلَةِ بِالصِّحَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ الْآتِيَةِ. (قَوْلُهُ: عَلَى مَعْنَيَيْهِ) سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَ فِي حَقِيقَتَيْهِ نَحْوَ تَرَبَّصِي قُرْءًا، أَيْ: طُهْرًا، أَوْ حَيْضًا أَمْ فِي مَجَازِيَّةٍ، أَوْ حَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ نَحْوِ لَا أَشْتَرِي وَيُرِيدُ السَّوْمَ وَشِرَاءَ الْوَكِيلِ، أَوْ الشِّرَاءَ الْحَقِيقِيَّ، وَالسَّوْمَ، وَالثَّلَاثَةُ مَعْلُومَةٌ مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي اهـ. زَكَرِيَّا قَالَ سم يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي هَذَا التَّعْمِيمَ مَعَ عَدَمِ صِدْقِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ قُبَيْلَ مَبْحَثِ الْعِلْمِ وَعَكْسُهُ إنْ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِمَا فَمُشْتَرِكٌ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ اهـ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، وَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الْمُتَعَدِّدُ، وَالْحَقِيقِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَالثَّلَاثَةُ مَعْلُومَةٌ مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ قَوْلَهُ الْآتِي وَفِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ الْخِلَافُ، ثُمَّ قَالَ، وَكَذَا الْمَجَازَانِ

стр. 385

مَثَلًا (مَعًا) بِأَنْ يُرَادَ بِهِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِك عِنْدِي عَيْنٌ وَتُرِيدُ الْبَاصِرَةَ، وَالْجَارِيَةَ مَثَلًا، وَمَلْبُوسِي الْجَوْنُ وَتُرِيدُ الْأَسْوَدَ، وَالْأَبْيَضَ وَأَقْرَأَتْ هِنْدٌ وَتُرِيدُ حَاضَتْ وَطَهُرَتْ (مَجَازًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُمَا مَعًا، وَإِنَّمَا وُضِعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْآخَرِ بِأَنْ تَعَدَّدَ الْوَاضِعُ، أَوْ وُضِعَ الْوَاحِدُ نَاسِيًا لِلْأَوَّلِ. (وَعَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي) أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ (، وَالْمُعْتَزِلَةِ) هُوَ (حَقِيقَةٌ) نَظَرًا لِوَضْعِهِ ــ [حاشية العطار] وَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مَنْعُ عِلْمِهِمَا مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ، وَالْمَجَازَ، وَالْمَجَازَانِ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ، بَلْ سِيَاقُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِهِ خُصُوصًا مَعَ مُلَاحَظَةِ كَلَامِ الشَّارِحِ. وَأَقُولُ يَلْزَمُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ أَيْضًا أَنَّ اللَّفْظَ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنًى حَقِيقِيٍّ، وَمَجَازِيٍّ مَعًا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ مَعًا فَيَنْسَدُّ بَابُ الِاعْتِرَاضِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ يَتَخَلَّصُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ وَلَا يُعَرِّجُونَ عَلَى دَعْوَى الِاشْتِرَاكِ أَصْلًا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: مَثَلًا) ، أَيْ: أَوْ مَعَانِيهِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُرَادَ بِهِ إلَخْ) تَحْرِيرٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ بِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي إطْلَاقِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا مَرَّةً وَعَلَى الْآخَرِ أُخْرَى وَلَا فِي إطْلَاقِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا، بَلْ هُوَ مَجَازٌ، أَوْ حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمُعَيَّنِ وَلَا فِي إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَجْمُوعِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، بَلْ هُوَ كَذَلِكَ وَلَا فِي إطْلَاقِهِ مِنْ مُتَكَلِّمِينَ. (قَوْلُهُ: كَقَوْلِك عِنْدِي عَيْنٌ) أَشَارَ بِتَعْدَادِ الْمِثَالِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا خِلَافِيَّيْنِ كَالْأَوَّلِ، أَوْ ضِدَّيْنِ كَالثَّانِي، أَوْ نَقِيضَيْنِ كَالثَّالِثِ. (قَوْلُهُ: وَتُرِيدُ) ، أَيْ: فِي آنٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا الْحُصُولُ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَلَا يُمْكِنُ نَحْوُ الطُّهْرِ، وَالْحَيْضِ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وُضِعَ لِكُلٍّ) ، أَيْ: فَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنَّ الْتَفَتَ لِهَيْئَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْهُمَا لَا لِكُلٍّ عَلَى حِدَتِهِ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْآخَرِ) إنْ أُرِيدَ بِشَرْطِ عَدَمِ النَّظَرِ لِلْآخَرِ، فَهُوَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النَّظَرُ لِلْآخَرِ الصَّادِقِ بِالْوُجُودِ وَعَدَمِهِ فَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُنْتِجُ الْمَجَازِيَّةَ، بَلْ يَكُونُ فِيهِمَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ لَهُ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ اللَّفْظُ إلَّا فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِيهِمَا عَلَى وَضْعِهِ لَهُمَا مَعًا وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَيُجَابُ بِاخْتِيَارِ الثَّانِي وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُنْتِجُ الْمَجَازِيَّةَ، بَلْ يُنْتِجُهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا لَأَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي هَذَا دُونَ هَذَا وَلِهَذَا دُونَ هَذَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ عَلَى خِلَافِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ وُضِعَ لَأَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي أَحَدِهِمَا وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِيهَا وَضْعٌ لَهُ مَعَ زِيَادَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ الْعَلَاقَةُ هُنَا الْجُزْئِيَّةُ، وَالْكُلِّيَّةُ وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إرَادَةِ كُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ لَا فِي إرَادَةِ الْمَجْمُوعِ الَّذِي أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءٌ مِنْهُ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَ كُلُّ جُزْءٍ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى الْكُلِّ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالْمُرَكَّبِ الْحَقِيقِيِّ وَأَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْجُزْءِ خُصُوصِيَّةٌ بِأَنْ يَنْتَفِيَ الْكُلُّ بِانْتِفَائِهِ عُرْفًا كَإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ، أَوْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ الْكُلِّ كَإِطْلَاقِ الْعَيْنِ عَلَى الْجَاسُوسِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ تَعَدَّدَ إلَخْ) تَصْوِيرٌ لِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا وُضِعَ إلَخْ. (قَوْلُهُ: نَاسِيًا لِلْأَوَّلِ) غَيْرُ لَازِمٍ؛ إذْ قَدْ يَضَعُهُ مَعَ تَذَكُّرِهِ لِلْأَوَّلِ لِقَصْدِ الْإِيهَامِ وَيَكْتَفِي فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ بِالْقَرِينَةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ تَعَدُّدَ الْوَضْعِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْوَاضِعَ الْبَشَرُ أَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُ اللَّهُ كَانَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا. (قَوْلُهُ: وَعَنْ الشَّافِعِيِّ) عَبَّرَ بِعَنْ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ عِنْدَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّافِعِيِّ، وَالْمُعْتَزِلَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْهُمَا فِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، أَوْ مَجَازٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْمُعْتَزِلَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: نَظَرًا لِوَضْعِهِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ

стр. 386

لِكُلٍّ مِنْهُمَا (زَادَ الشَّافِعِيُّ وَظَاهِرٌ فِيهِمَا عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ) الْمُعَيِّنَةِ لِأَحَدِهِمَا كَالْمَصْحُوبِ بِالْقَرَائِنِ الْمُعَمِّمَةِ لَهُمَا (فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا) لِظُهُورِهِ فِيهِمَا ــ [حاشية العطار] مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِمَا مِنْ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ لِيَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ اسْتِعْمَالًا فِيمَا وُضِعَ لَهُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ لَمَا صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ حَقِيقَةً ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَفْسَ الْمَوْضُوعِ لَهُ، بَلْ جُزْئِيَّةً، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ كَمَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ اسْتِعْمَالُهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ، ثُمَّ عَلَى أَنْ يَكُونَ بِمُفْرَدِهِ مَنَاطَ الْحُكْمِ وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا كَذَلِكَ حَقِيقَةً إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِيَّةَ أَرْبَعَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لَهُمَا مَعًا عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءَ الْمَوْضُوعِ لَهُ، أَوْ وُضِعَ لِأَحَدِهِمَا بِشَرْطِ مُصَاحَبَتِهِ الْآخَرَ، أَوْ لَهُ بِشَرْطِ انْفِرَادِهِ عَنْهُ، أَوْ لَهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ انْفِرَادِهِ عَنْهُ، أَوْ مُصَاحَبَتِهِ لَهُ لَا جَائِزَ أَنْ يُرَادَ الْأَوَّلُ وَلَا الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَنْعُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَاحِدِ حَقِيقَةً، وَالْوَاقِعُ بِخِلَافِهِ وَلَا الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَنْعُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِمَا حَقِيقَةً وَلَا الرَّابِعُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ لِمَعْنَاهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَخَصُّصِهِ بِهِ، أَيْ: جَعْلِهِ بِحَيْثُ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ فَاعْتِبَارُ وَضْعِ اللَّفْظِ لِهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ إرَادَتَهُ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ وَضْعِهِ لِلْمَعْنَى الْآخَرِ. وَالْجَوَابُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الرَّابِعِ وَاسْتِشْكَالُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْتِبَاسِ أَحَدِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ بِالْآخَرِ؛ إذْ هُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِمَعْنَى قَصْرِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَأَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى بِالْقَصْرِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي وَلَهُ طُرُقٌ مِنْهَا النَّفْيُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ، وَإِنَّمَا وَغَيْرُهُمَا ثَانِيهِمَا جَعْلُ الشَّيْءِ مُنْفَرِدًا مِنْ بَيْنِ الْأَشْيَاءِ بِالْحُصُولِ لِلْمُخْتَصِّ بِهِ كَمَا يُقَالُ فِي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] نَخُصُّك بِالْعِبَادَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِتَخْصِيصِ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى أَيْ تَعْيِينِهِ لَهُ وَجَعْلِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَعْنَى الْآخَرُ فَيَخْتَارُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ انْفِرَادٍ وَاجْتِمَاعٍ فَيُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِي هَذَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ فِي الْآخَرِ وَتَارَةً مَعَ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ فِي الْحَالَيْنِ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً. قَالَ سم: وَقَدْ يُشْكِلُ قَوْلُ الْمُجِيبِ وَجَعْلُهُ مُنْفَرِدًا بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ بِوَضْعِ الْمُتَرَادِفَيْنِ؛ إذْ لَا يَصْدُقُ الِانْفِرَادُ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ إلَى الْآخَرِ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ. (قَوْلُهُ: كَالْمَصْحُوبِ بِالْقَرَائِنِ الْمُعَمِّمَةِ) ، أَيْ: الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كُلٌّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِكُ عَامًا لَهُمَا، وَهُوَ مِثَالٌ لِلتَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ لَا تَنْظِيرٌ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الْمُعَمِّمَةَ لَهُمَا غَيْرُ الْمُعَيِّنَةِ لِأَحَدِهِمَا فَيَكُونُ الْمَصْحُوبُ بِالْمُعَمِّمَةِ مُجَرَّدًا عَنْ الْمُعَيِّنَةِ. (قَوْلُهُ: فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: وُجُوبًا؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِلَّا فَأَمَّا أَنْ لَا يُحْتَمَلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهِ فَيَلْزَمُ إهْمَالُ اللَّفْظِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْبَعْضِ فَيَتَرَجَّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ كَذَا قِيلَ. أَقُولُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ الْإِهْمَالِ بِمَعْنَى التَّوَقُّفِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ دَلِيلُ الرُّجْحَانِ قَالَهُ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، ثُمَّ إنَّ الْحَمْلَ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادِ السَّامِعِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مُرَادُهُ، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ السَّامِعِ. وَأَمَّا الِاسْتِعْمَالُ، فَهُوَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ، وَإِرَادَةُ مَعْنَاهُ، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَلِّمِ. وَأَوْرَدَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي مَعْنًى، أَوْ نَصًّا لَا يُقَالُ فِيهِ يُحْمَلُ؛ إذْ لَا يُقَالُ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الظُّهُورِ، أَوْ التَّنْصِيصِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ. وَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ الْحَمْلَ هُنَا مَجَازِيٌّ وَأَنَّ الْمُرَادَ انْصِرَافُ اللَّفْظِ إلَيْهِمَا وَقَالَ سم لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَمْلِهِ عَلَيْهِمَا اعْتِقَادُ السَّامِعِ إرَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ إيَّاهُمَا بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْحَمْلُ اعْتِقَادُ إلَخْ، ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَتَسْمِيَةُ الشَّافِعِيِّ لَهُ ظَاهِرًا فِيهِمَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهُ عِنْدَهُ عَامٌّ، وَهُوَ مَا قَالَهُ الْعَضُدُ قَالَ، وَالْعَامُّ عِنْدَهُ قِسْمَانِ مُتَّفِقُ الْحَقِيقَةِ وَقِسْمٌ مُخْتَلِفُهَا وَخَالَفَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فَقَالَ هُوَ عِنْدَهُ كَالْعَامِّ وَلَيْسَ عَامًّا؛ لِأَنَّ الْعَامَّ غَيْرُ مُخْتَلِفِ الْحَقِيقَةِ، وَهَذَا مُخْتَلِفُهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَضُدَ

стр. 387

(وَعَنْ الْقَاضِي) هُوَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُعَيِّنَةِ، وَالْمُعَمِّمَةِ (مُجْمَلٌ) ، أَيْ: غَيْرُ مُتَّضِحِ الْمُرَادِ مِنْهُ (وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ) الْبَصْرِيُّ (وَالْغَزَالِيُّ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ) بِهِ مَا ذَكَرَ مِنْ مَعْنَيَيْهِ عَقْلًا (لَا أَنَّهُ) أَيْ مَا يُرَادُ مِنْ مَعْنَيَيْهِ (لُغَةٌ) لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِمُخَالَفَتِهِ لِوَضْعِهِ السَّابِقِ؛ إذْ قَضِيَّتُهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي كُلٍّ ــ [حاشية العطار] بَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ قِسْمَيْهِ مُخْتَلِفُ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَضُرُّهُ تَسْمِيَتُهُ عَامًّا وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مُخْتَلِفِ الْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ:، وَعَنْ الْقَاضِي إلَخْ) مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَاَلَّذِي فِي تَقْرِيبِ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِقَرِينَةٍ وَيَبْعُدَانِ يُقَالُ هَذَا مُقَيِّدٌ لِذَلِكَ. (قَوْلُهُ: احْتِيَاطًا) أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ظَاهِرٌ قَالَ سم فِي إطْلَاقَةِ نَظَرٌ؛ إذْ الِاحْتِيَاطُ قَدْ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَمْلِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ اهـ. يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْحَمْلِ عَلَى أَحَدِهِمَا كَأَنْ يُقَالَ إنْ رَأَيْت الْعَيْنَ فَلَا تَأْكُلْ السَّمَكَ فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْ مَعَانِيهِ؛ إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُعَلَّقًا بِرُؤْيَةِ جَمِيعِ الْمَعَانِي وَبِرُؤْيَةِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَالِاحْتِيَاطُ هُنَا الْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهَا لَا كُلِّهَا. (قَوْلُهُ: وَالْغَزَالِيُّ إلَخْ) قَالَ الْكُورَانِيُّ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْمُشْتَرِكِ الْمَعْنَيَانِ لَا لُغَةً. وَفِي شُرُوحِهِ، أَيْ: لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي الْمُسْتَصْفَى لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ عِبَارَةَ الْغَزَالِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهَا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ مِمَّا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا مَجَازَ، بَلْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مَعْنًى مَجَازِيًّا لِيَشْمَلَ الْمَعَانِي الْمُرَادَةَ مِنْ اللَّفْظِ، بَلْ نَقُولُ لَا يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يَسْتَعْمِلَ لَفْظًا عَلَى قَانُونِ اللُّغَةِ اسْتِعْمَالًا لَا صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مَجَازًا وَلَا حَقِيقَةً. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْغَزَالِيِّ فِي غَيْرِ الْمُسْتَصْفَى؛ لِأَنَّ كُتُبَهُ الْأُصُولِيَّةَ تَنْحَصِرُ فِيهِ وَلَا مُفَادَاتُهُ الْأَصْلِيَّةُ مُخْتَصَّةً بِكُتُبِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ الْمَذْكُورُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَصْفَى، أَوْ مِنْ مُفَادَاتِهِ الَّتِي لَمْ تُوضَعْ فِي كُتُبِهِ وَالْمُصَنِّفُ ثِقَةٌ مُطَّلِعٌ عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَصْفَى قُبَيْلَ مَا نَقَلَهُ الْكُورَانِيُّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ قَالَ: احْتَجَّ الْقَاضِي، أَيْ: عَلَى صِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرِكِ مِنْ مَعْنَيَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ اللَّفْظ مَرَّتَيْنِ وَأَرَادَ بِكُلِّ مَرَّةٍ مَعْنًى آخَرَ جَازَ فَأَيُّ بُعْدٍ فِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَيُرِيدُ بِهِ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَعَ صَلَاحِ اللَّفْظِ لِلْكُلِّ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بِلَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ جَمِيعًا فَإِنَّ لَفْظَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرِكِ فَنَقُولُ إنْ قَصَدَ بِاللَّفْظِ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَهَذَا مُمْكِنٌ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ الْوَضْعَ كَمَا فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ اسْمَ الْعَيْنِ لِلذَّهَبِ، وَالْعُضْوِ الْبَاصِرِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ اهـ. فَقَوْلُهُ فَنَقُولُ إنْ قَصَدَ إلَخْ صَرِيحٌ فِيمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الْمَعْنَيَانِ وَبِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْوَضْعِ، وَهَذَا عَيْنُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ لَهُ، بَلْ نَقُولُ لَا يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يُسْتَعْمَلَ لَفْظٌ عَلَى قَانُونِ اللُّغَةِ إلَخْ، فَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ وَشُرَّاحَهُ لَمْ يَدَّعُوا عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرِكَ اُسْتُعْمِلَ فِي اللُّغَةِ اسْتِعْمَالًا صَحِيحًا لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَإِنْ صَحَّ عَقْلًا أَنْ يُرَادَ مِنْهُ الْمَعْنَيَانِ فَانْظُرْ بُعْدَ أَحَدِ الْمَقَامَيْنِ عَنْ الْآخَرِ اهـ. هَذَا مُحَصِّلُ مَا قَالَهُ وَأَقُولُ إنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْجَوَازِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ إلَخْ لَا يُجْدِي نَفْعًا فِي الرَّدِّ عَلَى الْخَصْمِ وَلَيْسَ مِنْ الْقَوَانِينِ الْمُوَجَّهَةِ، وَإِنْ كَثُرَ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاصِرِ. وَأَمَّا مَا سَاقَهُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُسْتَصْفَى قَائِلًا إنَّهُ عَيْنُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَزَالِيَّ عَبَّرَ بِالْإِمْكَانِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْإِمْكَانِ الْفَرْضِيِّ، وَالْإِمْكَانِ الْوُقُوعِيِّ، وَالِاسْتِدْرَاكُ يُرَجِّحُ إرَادَةَ الْأَوَّلِ لَا سِيَّمَا. وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ كَمَا فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ شُمُولَهُ لِلْكَافِرِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْعَقْلِيِّ فَقَوْلُهُ، فَهَذَا مُمْكِنٌ، أَيْ: يُمْكِنُ فَرْضُهُ. وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَدْ عَبَّرَ بِلَفْظِ الصِّحَّةِ الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا الْحُصُولُ بِالْفِعْلِ، أَوْ الْغَرَضِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ وَكِلَاهُمَا لَا يَتِمُّ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِمُخَالَفَتِهِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وُضِعَ لِكُلٍّ عَلَى حِدَةٍ وَفِيهِ أَنَّ غَايَتَهُ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مُوَافَقَتُهُ لِلْوَضْعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَجَازَ تَابِعٌ لِلْحَقِيقَةِ فَإِذَا كَانَتْ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْمَعَانِي مُفْرَدَةً فَكَذَلِكَ الْمَجَازُ وَلَا يَخْفَى بُعْدَهُ وَحِينَئِذٍ، فَالدَّلِيلُ لَا يُنْتِجُ الْمُدَّعَى. (قَوْلُهُ: لِوَضْعِهِ السَّابِقِ) ، أَيْ: عَلَى الِاسْتِعْمَالِ عَلَى وَضْعٍ آخَرَ (إذْ قَضِيَّتُهُ إلَخْ) فَإِنَّهُ وُضِعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْآخَرِ

стр. 388

مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا فَقَطْ وَعَلَى هَذَا النَّفْيِ الْبَيَانِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ (وَقِيلَ يَجُوزُ) لُغَةً أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَيَانِ (فِي النَّفْيِ لَا الْإِثْبَاتِ) فَنَحْوُ لَا عَيْنَ عِنْدِي يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَاصِرَةُ، وَالذَّهَبُ مَثَلًا بِخِلَافِ عِنْدِي عَيْنٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادُ بِهِ إلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ وَزِيَادَةُ النَّفْيِ عَلَى الْإِثْبَاتِ مَعْهُودَةٌ كَمَا فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ دُونَ الْمُثْبَتَةِ. وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ يَجُوزُ يَصِحُّ، وَهُوَ أَنْسَبُ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ امْتَنَعَ كَمَا فِي اسْتِعْمَالِ صِيغَةِ افْعَلْ فِي طَلَبِ الْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي مَرْجُوحًا أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ قَطْعًا وَلِظُهُورِ ذَلِكَ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ (وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ (عَلَى جَمْعِهِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ) كَقَوْلِك عِنْدِي عُيُونٌ وَتُرِيدُ مَثَلًا بَاصِرَتَيْنِ وَجَارِيَةً، أَوْ بَاصِرَةً وَجَارِيَةً، وَذَهَبًا. ــ [حاشية العطار] وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ النَّظَرِ إلَى الْآخَرِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرَ إلَى عَدَمِهِ وَدَعْوَى الِاسْتِلْزَامِ مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: مُنْفَرِدًا) مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِعْمَالِ، أَيْ: لَا دُونَ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ وَنَظَرَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّ الْوَضْعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْآخَرِ وَعَدَمُ النَّظَرِ إلَى الْآخَرِ لَيْسَ نَظَرًا إلَى عَدَمِهِ يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَنَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْآخَرِ بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ لَا قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَفْهُومِ كَمَا قَالُوا فِي الْمَاهِيَّةِ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَإِنْ قُيِّدَ فَقَطْ يُفِيدُ اعْتِبَارَ عَدَمِ مُصَاحَبَةِ الْآخَرِ كَمَا فِي الْمَاهِيَّةِ بِشَرْطِ لَا شَيْءَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثَّانِيَ أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَلَا شَكَّ فِي تَبَايُنِ مَفْهُومَيْ الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ وَيَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ فِي الِاعْتِرَاضِ. وَأَمَّا أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّنَاقُضِ كَمَا، فَهِمَ سم فَلَا دَاعِي لَهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ رُجُوعُهُ إلَيْهِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الشَّارِحَ بِصَدَدِ تَوْجِيهِ كُلِّ قَوْلٍ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُهُ وَجَازَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ صَاحِبُ كُلِّ قَوْلٍ مَا عَلَّلَ بِهِ مُخَالَفَةً وَلَا يَرُدُّ الِاعْتِرَاضَ إلَّا لَوْ كَانَ التَّوْجِيهَانِ لِقَوْلٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا قَوْلُ سم عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ إلَخْ فَتَكَلُّفٌ، بَلْ تَعَسُّفٌ لَا يَرْضَى بِمِثْلِهِ مَنْ ذَاقَ حَلَاوَةَ الْمَعْقُولِ، وَالْكَلَامُ فِي غُنْيَةً عَنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ، فَهَذَا الِاعْتِرَاضُ وَجَوَابُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرَهُ سم مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَطَّرَ فِي الصُّحُفِ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا النَّفْيِ) لَمْ يَقُلْ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ التَّصْرِيحُ بِالصِّحَّةِ عَقْلًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُمْ التَّصْرِيحُ بِالْمَنْعِ لُغَةً. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمْ) أَيْ كَالْحَنَفِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ الْكَمَالُ فِي تَحْرِيرِهِ. (قَوْلُهُ: يَجُوزُ لُغَةً أَنْ يُرَادَ) ، أَيْ: يَجُوزُ ذَلِكَ مَجَازًا عَلَى الرَّاجِحِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ مَا يَشْمَلُ النَّهْيَ وَبِالْإِثْبَاتِ مَا يَشْمَلُ الْأَمْرَ (قَوْلُهُ: وَزِيَادَةُ النَّفْيِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ بِلَا فَارِقٍ. (قَوْلُهُ: دُونَ الْمُثْبَتَةِ) ، أَيْ: فَلَا تَعُمُّ عُمُومًا شُمُولِيًّا. (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْسَبُ) أَيْ بِكَلَامِهِ السَّابِقِ قَالَ الْكَمَالُ؛ إنَّ يَجُوزُ أَنْسَبُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ هُوَ، أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ يَصِحُّ عَقِبَ قَوْلِهِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ لَا أَنَّهُ لُغَةً يُوهِمُ أَنَّ الْمَعْنَى وَقِيلَ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ لُغَةٌ وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ فَعَدَلَ إلَى قَوْلِهِ يَجُوزُ لِبُعْدِهِ عَنْ الْإِيهَامِ مَعَ كَوْنِهِ بِمَعْنَى يَصِحُّ. (قَوْلُهُ: فِيمَا إذَا أَمْكَنَ) ، أَيْ: فِي الْإِرَادَةِ لَا فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْثِلَةِ أَقْرَأَتْ هِنْدٌ، أَيْ: حَاضَتْ وَطَهُرَتْ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ امْتَنَعَ) بِأَنْ كَانَ الْمَعْنَيَانِ ضِدَّيْنِ. (قَوْلُهُ: فِي طَلَبِ الْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدِ) فَإِنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ ضِدَّانِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الطَّلَبِ الثَّوَابُ، وَمُقْتَضَى التَّهْدِيدِ الْعِقَابُ. (قَوْلُهُ: وَلِظُهُورِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْقَيْدِ. (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ) ، وَكَذَا تَثْنِيَتُهُ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْعِلْمَ الْعَارِضَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ الْخِلَافُ مَعَ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَجَابَ الْجَارْبُرْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ الْجَمْعَ فِي الْعِلْمِ لَا يُؤَدِّي إلَى اللَّبْسِ وَفِي مِثْلِ الْعُيُونِ يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ الْمُخْتَلِفَاتِ، أَوْ الْمُتَّفِقَاتِ. اهـ. قَالَ الْبُدَخْشِيُّ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ إلَّا بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِالْمُتَوَاطِئِ كَالْمُسَمَّى بِزَيْدٍ مَثَلًا اهـ. قَالَ النَّاصِرُ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَزِيدَ، أَوْ مَعَانِيهِ لِأَجْلِ الثَّانِي مِنْ مِثَالِيَّةٍ اهـ. وَدَفَعَهُ سم بِأَنَّ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمَعْنَيَيْنِ لِلتَّمْثِيلِ دُونَ التَّقْيِيدِ فَصَارَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْنَيَيْنِ، أَوْ الْأَكْثَرَ فَلَمْ يَحْتَجْ الشَّارِحُ هُنَا لِزِيَادَةٍ، أَوْ مَعَانِيهِ. (قَوْلُهُ: وَتُرِيدُ مَثَلًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إفْرَادِ الْجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِهَا إفْرَادَ الْمَعَانِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الثَّانِي، وَإِفْرَادَ مَعْنَيَيْنِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ وَأَمَّا جَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ إفْرَادِ

стр. 389

(إنْ سَاغَ) ذَلِكَ الْجَمْعُ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَخَالَفَهُ أَبُو حَيَّانَ (مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ) فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ، وَالْأَقَلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ فِيهَا فَقَطْ، بَلْ يَأْتِي عَلَى الْمَنْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي قُوَّةِ تَكْرِيرِ الْمُفْرَدَاتِ بِالْعَطْفِ فَكَأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ كُلَّ مُفْرَدٍ فِي مَعْنًى وَلَوْ لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ إنْ سَاغَ الْمَزِيدُ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَغَيْرَهُ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ الْجَمْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُفْرَدِ صِحَّةً، وَمَنْعًا وَقِيلَ لَا، بَلْ يَصِحُّ مُطْلَقًا فَمُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَالزِّيَادَةُ أَصْرَحُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْخِلَافِ. (وَفِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ) هَلْ يَصِحُّ ــ [حاشية العطار] مَعْنًى وَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: إنْ سَاغَ ذَلِكَ) شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجَمْعِ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى إنْ صَحَّ الْجَمْعُ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاطُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ، وَالْمَعْنَى إنْ قِيلَ إلَخْ (قَوْلُهُ:، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ) . وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي بَعْضِ قَصَائِدِ الْمَقَامَاتِ فَقَالَ جَادَ بِالْعَيْنِ حِينَ أَعْمَى هَوَاهُ ... قَلْبَهُ فَانْثَنَى بِلَا عَيْنَيْنِ يُرِيدُ الْبَاصِرَةَ، وَالذَّهَبَ وَعَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيَدُ الْمُعْطِي تَلِيهَا وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى» أَفَادَهُ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْحَرِيرِيِّ جَمْعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَثْنِيَةٌ، فَالتَّمْثِيلُ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّثْنِيَةَ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ وَأَنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِالْحَدِيثِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْيَدِ فِي النِّعْمَةِ حَقِيقِيٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَجَازِيٌّ. (قَوْلُهُ: مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْمُفْرَدِ الْمُشْتَرِكِ لِقَوْلِ الشَّارِحِ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ إلَخْ وَيَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمُفْرَدِ فِي مَعْنَيَيْهِ، وَهُوَ، أَوْلَى لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ لِقَوْلِهِ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ) ، أَيْ: مِنْ الْجَمْعِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَهَذَا يُشِيرُ لِلْأَمْرِ الثَّانِي فَأَفَادَ بِقَوْلِهِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ الْخِلَافَ فِي بِنَاءِ جَمْعِ الْمُشْتَرِكِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَالْخِلَافُ فِي جَوَازِ جَمْعِهِ أَيْضًا لِبِنَاءِ الْمَنْعِ عَلَى الْمَنْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ بِنَاءِ جَوَازِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ عَلَى جَوَازِ إطْلَاقِ الْمُفْرَدِ عَلَيْهِمَا وَأَفَادَ قَوْلُهُ إنْ سَاغَ الْخِلَافُ الثَّانِي كَمَا أَفَادَهُ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ لَكِنَّهُ أَصْرَحُ مِنْهُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: وَالْأَقَلُّ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ، وَالْأَكْثَرُ وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ، أَيْ: الْجَمْعَ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى الْمُفْرَدِ فِيهَا، أَيْ: فِي الصِّحَّةِ، بَلْ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَمْعِ، وَالْمُفْرَدِ حَيْثُ قِيلَ بِجَوَازِ الْجَمْعِ وَلَمْ يُقَلْ بِالصِّحَّةِ فِي الْمُفْرَدِ. (قَوْلُهُ: فِي قُوَّةِ تَكْرِيرِ إلَخْ) فَإِذَا قُلْت عِنْدِي عُيُونٌ كَأَنَّك قُلْت عِنْدِي عَيْنٌ وَعَيْنٌ وَعَيْنٌ. (قَوْلُهُ: الْمَزِيدَ) بِالنَّصْبِ صِفَةٌ إنْ سَاغَ. (قَوْلُهُ: فَمُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ إلَخْ) ، أَيْ: عِبَارَةِ إنْ سَاغَ وَعِبَارَةِ عَدَمِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَفَادَتْ بِنَاءَ جَوَازِ الْجَمْعِ وَامْتِنَاعِهِ عَلَى صِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمُفْرَدِ فِي مَعْنَيَيْهِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا لِأَنَّ الْعِبَارَةَ الَّتِي فِيهَا إنْ سَاغَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى بِنَاءِ الصِّحَّةِ عَلَى الصِّحَّةِ وَلَا تَدُلُّ عَلَى بِنَاءِ الْمَنْعِ عَلَى الْمَنْعِ. وَأَمَّا عِبَارَةُ إسْقَاطِهَا فَفِيهَا الْبِنَاءَانِ فَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ نَاقِصَةٌ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الصِّحَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الصِّحَّةِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَنْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ فَبِنَاءُ الْمَنْعِ عَلَى الْمَنْعِ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَفَدْ بِطَرِيقِ الصَّرَاحَةِ، فَهُوَ مُسْتَفَادٌ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، وَالْمَفْهُومُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، فَهُوَ مِنْ الْمُؤَدَّى وَالشَّارِحُ لَمْ يَدَّعِ إلَّا تَأْدِيَتَهُمَا مَعْنًى وَاحِدًا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي طَرِيقِ الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: أَصْرَحُ) التَّعْبِيرُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّ فِي الْإِسْقَاطِ صَرَاحَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ الْخِلَافُ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، أَيْ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرِكِ فِي مَعْنَيَيْهِ يَجْرِي فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ (قَوْلُهُ: هَلْ يَصِحُّ إلَخْ) ، أَيْ: فِي جَوَابِ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ؛ إذْ الْخِلَافُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، ثُمَّ إنَّ الْبَيَانِيِّينَ يَمْنَعُونَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَوَافَقَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ

стр. 390

أَنْ يُرَادَا مَعًا بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا فِي قَوْلِك رَأَيْت الْأَسَدَ وَتُرِيدُ الْحَيَوَانَ الْمُفْتَرِسَ، وَالرَّجُلَ الشُّجَاعَ (الْخِلَافُ) فِي الْمُشْتَرَكِ (خِلَافًا لِلْقَاضِي) أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي قَطْعِهِ بِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ قَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ حَيْثُ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعُ لَهُ، أَيْ: أَوَّلًا وَغَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ مَعًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ هَذَيْنِ وَعَلَى الصِّحَّةِ يَكُونُ مَجَازًا، أَوْ حَقِيقَةً، وَمَجَازًا بِاعْتِبَارَيْنِ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ــ [حاشية العطار] وَالْأُصُولِيُّونَ يُجَوِّزُونَهُ قَالَ الْكَمَالُ فِي تَحْرِيرِهِ لَا خِلَافَ بَيْن الْمُحَقِّقِينَ فِي جَوَازِهِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ بِاعْتِبَارَيْنِ وَلَا فِي جَوَازِهِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْحَقِيقِيُّ وَيُسَمُّونَهُ عُمُومَ الْمَجَازِ اهـ. مِثْلُ أَنْ يُرَادَ بِلَفْظِ أَسَدٍ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَالْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ مُطْلَقُ صَائِلٍ مَثَلًا فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ كُلِّيٌّ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا صَدَقَ الْمُتَوَاطِئُ عَلَى أَفْرَادِهِ وَأَنْ يُرَادَ بِوَضْعِ الْقَدَمِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ زَيْدٍ الدُّخُولُ فَيَتَنَاوَلُ الدُّخُولَ حَافِيًا، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ وَنَاعِلًا وَرَاكِبًا، وَهُوَ الْمَجَازُ. وَقَدْ نَقَضَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ بِمَسَائِلَ خَالَفُوا فِيهَا أَصْلَهُمْ مِنْهَا مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ زَيْدٍ وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِ مَا يُدْخِلُهُ زَيْدٌ بِإِعَارَةٍ، أَوْ إجَازَةٍ وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى فُلَانٍ بِالْمِلْكِ حَقِيقَةٌ وَبِغَيْرِهِ مَجَازٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ النَّفْيِ عَنْ غَيْرِ الْمِلْكِ. (قَوْلُهُ: أَنْ يُرَادَا مَعًا) لَا يُقَالُ الْمَجَازُ مَشْرُوطٌ بِالْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ فَيَكْفِ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ اشْتِرَاطُ الْقَرِينَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ لَا عَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ، أَوْ إنَّ الْقَرِينَةَ مَانِعَةٌ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَحْدَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ إرَادَتِهِ مَعَ غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا فَالْقَاضِي) قَالَ زَكَرِيَّا كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ وَوَهَمَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِيهِ وَقَالَ لَمْ يَمْنَعْ الْقَاضِي اسْتِعْمَالَهُ فِي حَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ حَمْلَهُ عَلَيْهِمَا بِلَا قَرِينَةٍ فَاخْتَلَطَتْ مَسْأَلَةُ الِاسْتِعْمَالِ بِمَسْأَلَةِ الْحَمْلِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا فَرَضَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إذَا سَاوَى الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ لِشُهْرَتِهِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ الْحَمْلُ قَطْعًا. (قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ بِوَجْهٍ عَقْلِيٍّ، وَالْحَقُّ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ أُرِيدَ) حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ) ، أَيْ: أَوَّلًا (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَا تَنَافِي) ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ اتِّحَادُ الْمَحَلِّ وَلَمْ يَتَّحِدْ (قَوْلُهُ: يَكُونُ مَجَازًا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلْحَقِيقَةِ، وَهُنَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ مَعَ غَيْرِهِ غَيْرُهُ فِي نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارَيْنِ) ، أَيْ: بِاعْتِبَارِ مَا وُضِعَ، وَمَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، وَهَذَا إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ حَيْثُ وَضْعُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَعَلَى حِدَةٍ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ وَضْعُهُ لِأَمْرٍ كُلِّيٍّ يَنْدَرِجَانِ تَحْتَهُ، فَهُوَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ. وَقَدْ عَلِمْت الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّافِعِيِّ) رَاجِعٌ
следующие страницы →