Полный текст (1 048 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
لِكُلٍّ مِنْهُمَا (زَادَ الشَّافِعِيُّ وَظَاهِرٌ فِيهِمَا عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ) الْمُعَيِّنَةِ لِأَحَدِهِمَا كَالْمَصْحُوبِ بِالْقَرَائِنِ الْمُعَمِّمَةِ لَهُمَا (فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا) لِظُهُورِهِ فِيهِمَا
ــ
[حاشية العطار]
مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِمَا مِنْ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ لِيَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ اسْتِعْمَالًا فِيمَا وُضِعَ لَهُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ لَمَا صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ حَقِيقَةً ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَفْسَ الْمَوْضُوعِ لَهُ، بَلْ جُزْئِيَّةً، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ كَمَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ اسْتِعْمَالُهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ، ثُمَّ عَلَى أَنْ يَكُونَ بِمُفْرَدِهِ مَنَاطَ الْحُكْمِ وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا كَذَلِكَ حَقِيقَةً إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِيَّةَ أَرْبَعَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لَهُمَا مَعًا عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءَ الْمَوْضُوعِ لَهُ، أَوْ وُضِعَ لِأَحَدِهِمَا بِشَرْطِ مُصَاحَبَتِهِ الْآخَرَ، أَوْ لَهُ بِشَرْطِ انْفِرَادِهِ عَنْهُ، أَوْ لَهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ انْفِرَادِهِ عَنْهُ، أَوْ مُصَاحَبَتِهِ لَهُ لَا جَائِزَ أَنْ يُرَادَ الْأَوَّلُ وَلَا الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَنْعُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَاحِدِ حَقِيقَةً، وَالْوَاقِعُ بِخِلَافِهِ وَلَا الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَنْعُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِمَا حَقِيقَةً وَلَا الرَّابِعُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ لِمَعْنَاهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَخَصُّصِهِ بِهِ، أَيْ: جَعْلِهِ بِحَيْثُ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ فَاعْتِبَارُ وَضْعِ اللَّفْظِ لِهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ إرَادَتَهُ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ وَضْعِهِ لِلْمَعْنَى الْآخَرِ.
وَالْجَوَابُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الرَّابِعِ وَاسْتِشْكَالُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْتِبَاسِ أَحَدِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ بِالْآخَرِ؛ إذْ هُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِمَعْنَى قَصْرِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَأَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى بِالْقَصْرِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي وَلَهُ طُرُقٌ مِنْهَا النَّفْيُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ، وَإِنَّمَا وَغَيْرُهُمَا ثَانِيهِمَا جَعْلُ الشَّيْءِ مُنْفَرِدًا مِنْ بَيْنِ الْأَشْيَاءِ بِالْحُصُولِ لِلْمُخْتَصِّ بِهِ كَمَا يُقَالُ فِي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] نَخُصُّك بِالْعِبَادَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِتَخْصِيصِ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى أَيْ تَعْيِينِهِ لَهُ وَجَعْلِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَعْنَى الْآخَرُ فَيَخْتَارُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ انْفِرَادٍ وَاجْتِمَاعٍ فَيُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِي هَذَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ فِي الْآخَرِ وَتَارَةً مَعَ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ فِي الْحَالَيْنِ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً.
قَالَ سم: وَقَدْ يُشْكِلُ قَوْلُ الْمُجِيبِ وَجَعْلُهُ مُنْفَرِدًا بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ بِوَضْعِ الْمُتَرَادِفَيْنِ؛ إذْ لَا يَصْدُقُ الِانْفِرَادُ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ إلَى الْآخَرِ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ.
(قَوْلُهُ: كَالْمَصْحُوبِ بِالْقَرَائِنِ الْمُعَمِّمَةِ) ، أَيْ: الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كُلٌّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِكُ عَامًا لَهُمَا، وَهُوَ مِثَالٌ لِلتَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ لَا تَنْظِيرٌ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الْمُعَمِّمَةَ لَهُمَا غَيْرُ الْمُعَيِّنَةِ لِأَحَدِهِمَا فَيَكُونُ الْمَصْحُوبُ بِالْمُعَمِّمَةِ مُجَرَّدًا عَنْ الْمُعَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: وُجُوبًا؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِلَّا فَأَمَّا أَنْ لَا يُحْتَمَلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهِ فَيَلْزَمُ إهْمَالُ اللَّفْظِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْبَعْضِ فَيَتَرَجَّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ كَذَا قِيلَ.
أَقُولُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ الْإِهْمَالِ بِمَعْنَى التَّوَقُّفِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ دَلِيلُ الرُّجْحَانِ قَالَهُ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، ثُمَّ إنَّ الْحَمْلَ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادِ السَّامِعِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مُرَادُهُ، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ السَّامِعِ.
وَأَمَّا الِاسْتِعْمَالُ، فَهُوَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ، وَإِرَادَةُ مَعْنَاهُ، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَأَوْرَدَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي مَعْنًى، أَوْ نَصًّا لَا يُقَالُ فِيهِ يُحْمَلُ؛ إذْ لَا يُقَالُ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الظُّهُورِ، أَوْ التَّنْصِيصِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ.
وَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ الْحَمْلَ هُنَا مَجَازِيٌّ وَأَنَّ الْمُرَادَ انْصِرَافُ اللَّفْظِ إلَيْهِمَا وَقَالَ سم لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَمْلِهِ عَلَيْهِمَا اعْتِقَادُ السَّامِعِ إرَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ إيَّاهُمَا بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْحَمْلُ اعْتِقَادُ إلَخْ، ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَتَسْمِيَةُ الشَّافِعِيِّ لَهُ ظَاهِرًا فِيهِمَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهُ عِنْدَهُ عَامٌّ، وَهُوَ مَا قَالَهُ الْعَضُدُ قَالَ، وَالْعَامُّ عِنْدَهُ قِسْمَانِ مُتَّفِقُ الْحَقِيقَةِ وَقِسْمٌ مُخْتَلِفُهَا وَخَالَفَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فَقَالَ هُوَ عِنْدَهُ كَالْعَامِّ وَلَيْسَ عَامًّا؛ لِأَنَّ الْعَامَّ غَيْرُ مُخْتَلِفِ الْحَقِيقَةِ، وَهَذَا مُخْتَلِفُهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَضُدَ
стр. 387
(وَعَنْ الْقَاضِي) هُوَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُعَيِّنَةِ، وَالْمُعَمِّمَةِ (مُجْمَلٌ) ، أَيْ: غَيْرُ مُتَّضِحِ الْمُرَادِ مِنْهُ (وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ) الْبَصْرِيُّ (وَالْغَزَالِيُّ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ) بِهِ مَا ذَكَرَ مِنْ مَعْنَيَيْهِ عَقْلًا (لَا أَنَّهُ) أَيْ مَا يُرَادُ مِنْ مَعْنَيَيْهِ (لُغَةٌ) لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِمُخَالَفَتِهِ لِوَضْعِهِ السَّابِقِ؛ إذْ قَضِيَّتُهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي كُلٍّ
ــ
[حاشية العطار]
بَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ قِسْمَيْهِ مُخْتَلِفُ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَضُرُّهُ تَسْمِيَتُهُ عَامًّا وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مُخْتَلِفِ الْحَقِيقَةِ.
(قَوْلُهُ:، وَعَنْ الْقَاضِي إلَخْ) مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَاَلَّذِي فِي تَقْرِيبِ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِقَرِينَةٍ وَيَبْعُدَانِ يُقَالُ هَذَا مُقَيِّدٌ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: احْتِيَاطًا) أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ظَاهِرٌ قَالَ سم فِي إطْلَاقَةِ نَظَرٌ؛ إذْ الِاحْتِيَاطُ قَدْ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَمْلِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ اهـ.
يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْحَمْلِ عَلَى أَحَدِهِمَا كَأَنْ يُقَالَ إنْ رَأَيْت الْعَيْنَ فَلَا تَأْكُلْ السَّمَكَ فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْ مَعَانِيهِ؛ إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُعَلَّقًا بِرُؤْيَةِ جَمِيعِ الْمَعَانِي وَبِرُؤْيَةِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَالِاحْتِيَاطُ هُنَا الْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهَا لَا كُلِّهَا.
(قَوْلُهُ: وَالْغَزَالِيُّ إلَخْ) قَالَ الْكُورَانِيُّ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْمُشْتَرِكِ الْمَعْنَيَانِ لَا لُغَةً.
وَفِي شُرُوحِهِ، أَيْ: لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي الْمُسْتَصْفَى لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ عِبَارَةَ الْغَزَالِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهَا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ مِمَّا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا مَجَازَ، بَلْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مَعْنًى مَجَازِيًّا لِيَشْمَلَ الْمَعَانِي الْمُرَادَةَ مِنْ اللَّفْظِ، بَلْ نَقُولُ لَا يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يَسْتَعْمِلَ لَفْظًا عَلَى قَانُونِ اللُّغَةِ اسْتِعْمَالًا لَا صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مَجَازًا وَلَا حَقِيقَةً.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْغَزَالِيِّ فِي غَيْرِ الْمُسْتَصْفَى؛ لِأَنَّ كُتُبَهُ الْأُصُولِيَّةَ تَنْحَصِرُ فِيهِ وَلَا مُفَادَاتُهُ الْأَصْلِيَّةُ مُخْتَصَّةً بِكُتُبِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ الْمَذْكُورُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَصْفَى، أَوْ مِنْ مُفَادَاتِهِ الَّتِي لَمْ تُوضَعْ فِي كُتُبِهِ وَالْمُصَنِّفُ ثِقَةٌ مُطَّلِعٌ عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَصْفَى قُبَيْلَ مَا نَقَلَهُ الْكُورَانِيُّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ قَالَ: احْتَجَّ الْقَاضِي، أَيْ: عَلَى صِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرِكِ مِنْ مَعْنَيَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ اللَّفْظ مَرَّتَيْنِ وَأَرَادَ بِكُلِّ مَرَّةٍ مَعْنًى آخَرَ جَازَ فَأَيُّ بُعْدٍ فِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَيُرِيدُ بِهِ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَعَ صَلَاحِ اللَّفْظِ لِلْكُلِّ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بِلَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ جَمِيعًا فَإِنَّ لَفْظَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرِكِ فَنَقُولُ إنْ قَصَدَ بِاللَّفْظِ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَهَذَا مُمْكِنٌ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ الْوَضْعَ كَمَا فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ اسْمَ الْعَيْنِ لِلذَّهَبِ، وَالْعُضْوِ الْبَاصِرِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ اهـ.
فَقَوْلُهُ فَنَقُولُ إنْ قَصَدَ إلَخْ صَرِيحٌ فِيمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الْمَعْنَيَانِ وَبِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْوَضْعِ، وَهَذَا عَيْنُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَهُ، بَلْ نَقُولُ لَا يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يُسْتَعْمَلَ لَفْظٌ عَلَى قَانُونِ اللُّغَةِ إلَخْ، فَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ وَشُرَّاحَهُ لَمْ يَدَّعُوا عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرِكَ اُسْتُعْمِلَ فِي اللُّغَةِ اسْتِعْمَالًا صَحِيحًا لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَإِنْ صَحَّ عَقْلًا أَنْ يُرَادَ مِنْهُ الْمَعْنَيَانِ فَانْظُرْ بُعْدَ أَحَدِ الْمَقَامَيْنِ عَنْ الْآخَرِ اهـ.
هَذَا مُحَصِّلُ مَا قَالَهُ وَأَقُولُ إنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْجَوَازِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ إلَخْ لَا يُجْدِي نَفْعًا فِي الرَّدِّ عَلَى الْخَصْمِ وَلَيْسَ مِنْ الْقَوَانِينِ الْمُوَجَّهَةِ، وَإِنْ كَثُرَ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاصِرِ.
وَأَمَّا مَا سَاقَهُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُسْتَصْفَى قَائِلًا إنَّهُ عَيْنُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَزَالِيَّ عَبَّرَ بِالْإِمْكَانِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْإِمْكَانِ الْفَرْضِيِّ، وَالْإِمْكَانِ الْوُقُوعِيِّ، وَالِاسْتِدْرَاكُ يُرَجِّحُ إرَادَةَ الْأَوَّلِ لَا سِيَّمَا.
وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ كَمَا فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ شُمُولَهُ لِلْكَافِرِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْعَقْلِيِّ فَقَوْلُهُ، فَهَذَا مُمْكِنٌ، أَيْ: يُمْكِنُ فَرْضُهُ.
وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَدْ عَبَّرَ بِلَفْظِ الصِّحَّةِ الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا الْحُصُولُ بِالْفِعْلِ، أَوْ الْغَرَضِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ وَكِلَاهُمَا لَا يَتِمُّ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِمُخَالَفَتِهِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وُضِعَ لِكُلٍّ عَلَى حِدَةٍ وَفِيهِ أَنَّ غَايَتَهُ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مُوَافَقَتُهُ لِلْوَضْعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَجَازَ تَابِعٌ لِلْحَقِيقَةِ فَإِذَا كَانَتْ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْمَعَانِي مُفْرَدَةً فَكَذَلِكَ الْمَجَازُ وَلَا يَخْفَى بُعْدَهُ وَحِينَئِذٍ، فَالدَّلِيلُ لَا يُنْتِجُ الْمُدَّعَى.
(قَوْلُهُ: لِوَضْعِهِ السَّابِقِ) ، أَيْ: عَلَى الِاسْتِعْمَالِ عَلَى وَضْعٍ آخَرَ (إذْ قَضِيَّتُهُ إلَخْ) فَإِنَّهُ وُضِعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْآخَرِ
стр. 388
مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا فَقَطْ وَعَلَى هَذَا النَّفْيِ الْبَيَانِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ (وَقِيلَ يَجُوزُ) لُغَةً أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَيَانِ (فِي النَّفْيِ لَا الْإِثْبَاتِ) فَنَحْوُ لَا عَيْنَ عِنْدِي يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَاصِرَةُ، وَالذَّهَبُ مَثَلًا بِخِلَافِ عِنْدِي عَيْنٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادُ بِهِ إلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ وَزِيَادَةُ النَّفْيِ عَلَى الْإِثْبَاتِ مَعْهُودَةٌ كَمَا فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ دُونَ الْمُثْبَتَةِ.
وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ يَجُوزُ يَصِحُّ، وَهُوَ أَنْسَبُ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ امْتَنَعَ كَمَا فِي اسْتِعْمَالِ صِيغَةِ افْعَلْ فِي طَلَبِ الْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي مَرْجُوحًا أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ قَطْعًا وَلِظُهُورِ ذَلِكَ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ (وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ (عَلَى جَمْعِهِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ) كَقَوْلِك عِنْدِي عُيُونٌ وَتُرِيدُ مَثَلًا بَاصِرَتَيْنِ وَجَارِيَةً، أَوْ بَاصِرَةً وَجَارِيَةً، وَذَهَبًا.
ــ
[حاشية العطار]
وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ النَّظَرِ إلَى الْآخَرِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرَ إلَى عَدَمِهِ وَدَعْوَى الِاسْتِلْزَامِ مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: مُنْفَرِدًا) مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِعْمَالِ، أَيْ: لَا دُونَ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ وَنَظَرَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّ الْوَضْعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْآخَرِ وَعَدَمُ النَّظَرِ إلَى الْآخَرِ لَيْسَ نَظَرًا إلَى عَدَمِهِ يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَنَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْآخَرِ بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ لَا قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَفْهُومِ كَمَا قَالُوا فِي الْمَاهِيَّةِ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَإِنْ قُيِّدَ فَقَطْ يُفِيدُ اعْتِبَارَ عَدَمِ مُصَاحَبَةِ الْآخَرِ كَمَا فِي الْمَاهِيَّةِ بِشَرْطِ لَا شَيْءَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثَّانِيَ أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَلَا شَكَّ فِي تَبَايُنِ مَفْهُومَيْ الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ وَيَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ فِي الِاعْتِرَاضِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّنَاقُضِ كَمَا، فَهِمَ سم فَلَا دَاعِي لَهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ رُجُوعُهُ إلَيْهِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الشَّارِحَ بِصَدَدِ تَوْجِيهِ كُلِّ قَوْلٍ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُهُ وَجَازَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ صَاحِبُ كُلِّ قَوْلٍ مَا عَلَّلَ بِهِ مُخَالَفَةً وَلَا يَرُدُّ الِاعْتِرَاضَ إلَّا لَوْ كَانَ التَّوْجِيهَانِ لِقَوْلٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ سم عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ إلَخْ فَتَكَلُّفٌ، بَلْ تَعَسُّفٌ لَا يَرْضَى بِمِثْلِهِ مَنْ ذَاقَ حَلَاوَةَ الْمَعْقُولِ، وَالْكَلَامُ فِي غُنْيَةً عَنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ، فَهَذَا الِاعْتِرَاضُ وَجَوَابُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرَهُ سم مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَطَّرَ فِي الصُّحُفِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا النَّفْيِ) لَمْ يَقُلْ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ التَّصْرِيحُ بِالصِّحَّةِ عَقْلًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُمْ التَّصْرِيحُ بِالْمَنْعِ لُغَةً.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمْ) أَيْ كَالْحَنَفِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ الْكَمَالُ فِي تَحْرِيرِهِ.
(قَوْلُهُ: يَجُوزُ لُغَةً أَنْ يُرَادَ) ، أَيْ: يَجُوزُ ذَلِكَ مَجَازًا عَلَى الرَّاجِحِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ مَا يَشْمَلُ النَّهْيَ وَبِالْإِثْبَاتِ مَا يَشْمَلُ الْأَمْرَ (قَوْلُهُ: وَزِيَادَةُ النَّفْيِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ بِلَا فَارِقٍ.
(قَوْلُهُ: دُونَ الْمُثْبَتَةِ) ، أَيْ: فَلَا تَعُمُّ عُمُومًا شُمُولِيًّا.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْسَبُ) أَيْ بِكَلَامِهِ السَّابِقِ قَالَ الْكَمَالُ؛ إنَّ يَجُوزُ أَنْسَبُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ هُوَ، أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ يَصِحُّ عَقِبَ قَوْلِهِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ لَا أَنَّهُ لُغَةً يُوهِمُ أَنَّ الْمَعْنَى وَقِيلَ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ لُغَةٌ وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ فَعَدَلَ إلَى قَوْلِهِ يَجُوزُ لِبُعْدِهِ عَنْ الْإِيهَامِ مَعَ كَوْنِهِ بِمَعْنَى يَصِحُّ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا إذَا أَمْكَنَ) ، أَيْ: فِي الْإِرَادَةِ لَا فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْثِلَةِ أَقْرَأَتْ هِنْدٌ، أَيْ: حَاضَتْ وَطَهُرَتْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ امْتَنَعَ) بِأَنْ كَانَ الْمَعْنَيَانِ ضِدَّيْنِ.
(قَوْلُهُ: فِي طَلَبِ الْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدِ) فَإِنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ ضِدَّانِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الطَّلَبِ الثَّوَابُ، وَمُقْتَضَى التَّهْدِيدِ الْعِقَابُ.
(قَوْلُهُ: وَلِظُهُورِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْقَيْدِ.
(قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ) ، وَكَذَا تَثْنِيَتُهُ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْعِلْمَ الْعَارِضَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ الْخِلَافُ مَعَ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَجَابَ الْجَارْبُرْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ الْجَمْعَ فِي الْعِلْمِ لَا يُؤَدِّي إلَى اللَّبْسِ وَفِي مِثْلِ الْعُيُونِ يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ الْمُخْتَلِفَاتِ، أَوْ الْمُتَّفِقَاتِ. اهـ.
قَالَ الْبُدَخْشِيُّ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ إلَّا بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِالْمُتَوَاطِئِ كَالْمُسَمَّى بِزَيْدٍ مَثَلًا اهـ.
قَالَ النَّاصِرُ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَزِيدَ، أَوْ مَعَانِيهِ لِأَجْلِ الثَّانِي مِنْ مِثَالِيَّةٍ اهـ.
وَدَفَعَهُ سم بِأَنَّ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمَعْنَيَيْنِ لِلتَّمْثِيلِ دُونَ التَّقْيِيدِ فَصَارَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْنَيَيْنِ، أَوْ الْأَكْثَرَ فَلَمْ يَحْتَجْ الشَّارِحُ هُنَا لِزِيَادَةٍ، أَوْ مَعَانِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَتُرِيدُ مَثَلًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إفْرَادِ الْجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِهَا إفْرَادَ الْمَعَانِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الثَّانِي، وَإِفْرَادَ مَعْنَيَيْنِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ وَأَمَّا جَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ إفْرَادِ
стр. 389
(إنْ سَاغَ) ذَلِكَ الْجَمْعُ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَخَالَفَهُ أَبُو حَيَّانَ (مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ) فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ، وَالْأَقَلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ فِيهَا فَقَطْ، بَلْ يَأْتِي عَلَى الْمَنْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي قُوَّةِ تَكْرِيرِ الْمُفْرَدَاتِ بِالْعَطْفِ فَكَأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ كُلَّ مُفْرَدٍ فِي مَعْنًى وَلَوْ لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ إنْ سَاغَ الْمَزِيدُ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَغَيْرَهُ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ الْجَمْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُفْرَدِ صِحَّةً، وَمَنْعًا وَقِيلَ لَا، بَلْ يَصِحُّ مُطْلَقًا فَمُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَالزِّيَادَةُ أَصْرَحُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْخِلَافِ.
(وَفِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ) هَلْ يَصِحُّ
ــ
[حاشية العطار]
مَعْنًى وَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: إنْ سَاغَ ذَلِكَ) شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجَمْعِ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى إنْ صَحَّ الْجَمْعُ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاطُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ، وَالْمَعْنَى إنْ قِيلَ إلَخْ (قَوْلُهُ:، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ) .
وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي بَعْضِ قَصَائِدِ الْمَقَامَاتِ فَقَالَ
جَادَ بِالْعَيْنِ حِينَ أَعْمَى هَوَاهُ ... قَلْبَهُ فَانْثَنَى بِلَا عَيْنَيْنِ
يُرِيدُ الْبَاصِرَةَ، وَالذَّهَبَ وَعَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيَدُ الْمُعْطِي تَلِيهَا وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى» أَفَادَهُ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْحَرِيرِيِّ جَمْعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَثْنِيَةٌ، فَالتَّمْثِيلُ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّثْنِيَةَ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ وَأَنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِالْحَدِيثِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْيَدِ فِي النِّعْمَةِ حَقِيقِيٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَجَازِيٌّ.
(قَوْلُهُ: مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْمُفْرَدِ الْمُشْتَرِكِ لِقَوْلِ الشَّارِحِ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ إلَخْ وَيَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمُفْرَدِ فِي مَعْنَيَيْهِ، وَهُوَ، أَوْلَى لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ لِقَوْلِهِ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ) ، أَيْ: مِنْ الْجَمْعِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَهَذَا يُشِيرُ لِلْأَمْرِ الثَّانِي فَأَفَادَ بِقَوْلِهِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ الْخِلَافَ فِي بِنَاءِ جَمْعِ الْمُشْتَرِكِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَالْخِلَافُ فِي جَوَازِ جَمْعِهِ أَيْضًا لِبِنَاءِ الْمَنْعِ عَلَى الْمَنْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ بِنَاءِ جَوَازِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ عَلَى جَوَازِ إطْلَاقِ الْمُفْرَدِ عَلَيْهِمَا وَأَفَادَ قَوْلُهُ إنْ سَاغَ الْخِلَافُ الثَّانِي كَمَا أَفَادَهُ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ لَكِنَّهُ أَصْرَحُ مِنْهُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَقَلُّ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ، وَالْأَكْثَرُ وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ، أَيْ: الْجَمْعَ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى الْمُفْرَدِ فِيهَا، أَيْ: فِي الصِّحَّةِ، بَلْ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَمْعِ، وَالْمُفْرَدِ حَيْثُ قِيلَ بِجَوَازِ الْجَمْعِ وَلَمْ يُقَلْ بِالصِّحَّةِ فِي الْمُفْرَدِ.
(قَوْلُهُ: فِي قُوَّةِ تَكْرِيرِ إلَخْ) فَإِذَا قُلْت عِنْدِي عُيُونٌ كَأَنَّك قُلْت عِنْدِي عَيْنٌ وَعَيْنٌ وَعَيْنٌ.
(قَوْلُهُ: الْمَزِيدَ) بِالنَّصْبِ صِفَةٌ إنْ سَاغَ.
(قَوْلُهُ: فَمُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ إلَخْ) ، أَيْ: عِبَارَةِ إنْ سَاغَ وَعِبَارَةِ عَدَمِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَفَادَتْ بِنَاءَ جَوَازِ الْجَمْعِ وَامْتِنَاعِهِ عَلَى صِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمُفْرَدِ فِي مَعْنَيَيْهِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا لِأَنَّ الْعِبَارَةَ الَّتِي فِيهَا إنْ سَاغَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى بِنَاءِ الصِّحَّةِ عَلَى الصِّحَّةِ وَلَا تَدُلُّ عَلَى بِنَاءِ الْمَنْعِ عَلَى الْمَنْعِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ إسْقَاطِهَا فَفِيهَا الْبِنَاءَانِ فَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ نَاقِصَةٌ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الصِّحَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الصِّحَّةِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَنْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ فَبِنَاءُ الْمَنْعِ عَلَى الْمَنْعِ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَفَدْ بِطَرِيقِ الصَّرَاحَةِ، فَهُوَ مُسْتَفَادٌ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، وَالْمَفْهُومُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، فَهُوَ مِنْ الْمُؤَدَّى وَالشَّارِحُ لَمْ يَدَّعِ إلَّا تَأْدِيَتَهُمَا مَعْنًى وَاحِدًا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي طَرِيقِ الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: أَصْرَحُ) التَّعْبِيرُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّ فِي الْإِسْقَاطِ صَرَاحَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ الْخِلَافُ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، أَيْ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرِكِ فِي مَعْنَيَيْهِ يَجْرِي فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ (قَوْلُهُ: هَلْ يَصِحُّ إلَخْ) ، أَيْ: فِي جَوَابِ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ؛ إذْ الْخِلَافُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، ثُمَّ إنَّ الْبَيَانِيِّينَ يَمْنَعُونَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَوَافَقَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ
стр. 390
أَنْ يُرَادَا مَعًا بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا فِي قَوْلِك رَأَيْت الْأَسَدَ وَتُرِيدُ الْحَيَوَانَ الْمُفْتَرِسَ، وَالرَّجُلَ الشُّجَاعَ (الْخِلَافُ) فِي الْمُشْتَرَكِ (خِلَافًا لِلْقَاضِي) أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي قَطْعِهِ بِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ قَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ حَيْثُ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعُ لَهُ، أَيْ: أَوَّلًا وَغَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ مَعًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ هَذَيْنِ وَعَلَى الصِّحَّةِ يَكُونُ مَجَازًا، أَوْ حَقِيقَةً، وَمَجَازًا بِاعْتِبَارَيْنِ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ
ــ
[حاشية العطار]
وَالْأُصُولِيُّونَ يُجَوِّزُونَهُ قَالَ الْكَمَالُ فِي تَحْرِيرِهِ لَا خِلَافَ بَيْن الْمُحَقِّقِينَ فِي جَوَازِهِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ بِاعْتِبَارَيْنِ وَلَا فِي جَوَازِهِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْحَقِيقِيُّ وَيُسَمُّونَهُ عُمُومَ الْمَجَازِ اهـ.
مِثْلُ أَنْ يُرَادَ بِلَفْظِ أَسَدٍ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَالْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ مُطْلَقُ صَائِلٍ مَثَلًا فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ كُلِّيٌّ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا صَدَقَ الْمُتَوَاطِئُ عَلَى أَفْرَادِهِ وَأَنْ يُرَادَ بِوَضْعِ الْقَدَمِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ زَيْدٍ الدُّخُولُ فَيَتَنَاوَلُ الدُّخُولَ حَافِيًا، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ وَنَاعِلًا وَرَاكِبًا، وَهُوَ الْمَجَازُ.
وَقَدْ نَقَضَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ بِمَسَائِلَ خَالَفُوا فِيهَا أَصْلَهُمْ مِنْهَا مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ زَيْدٍ وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِ مَا يُدْخِلُهُ زَيْدٌ بِإِعَارَةٍ، أَوْ إجَازَةٍ وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى فُلَانٍ بِالْمِلْكِ حَقِيقَةٌ وَبِغَيْرِهِ مَجَازٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ النَّفْيِ عَنْ غَيْرِ الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يُرَادَا مَعًا) لَا يُقَالُ الْمَجَازُ مَشْرُوطٌ بِالْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ فَيَكْفِ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ اشْتِرَاطُ الْقَرِينَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ لَا عَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ، أَوْ إنَّ الْقَرِينَةَ مَانِعَةٌ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَحْدَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ إرَادَتِهِ مَعَ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا فَالْقَاضِي) قَالَ زَكَرِيَّا كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ وَوَهَمَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِيهِ وَقَالَ لَمْ يَمْنَعْ الْقَاضِي اسْتِعْمَالَهُ فِي حَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ حَمْلَهُ عَلَيْهِمَا بِلَا قَرِينَةٍ فَاخْتَلَطَتْ مَسْأَلَةُ الِاسْتِعْمَالِ بِمَسْأَلَةِ الْحَمْلِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا فَرَضَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إذَا سَاوَى الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ لِشُهْرَتِهِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ الْحَمْلُ قَطْعًا.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ بِوَجْهٍ عَقْلِيٍّ، وَالْحَقُّ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ أُرِيدَ) حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ) ، أَيْ: أَوَّلًا (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَا تَنَافِي) ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ اتِّحَادُ الْمَحَلِّ وَلَمْ يَتَّحِدْ (قَوْلُهُ: يَكُونُ مَجَازًا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلْحَقِيقَةِ، وَهُنَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ مَعَ غَيْرِهِ غَيْرُهُ فِي نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارَيْنِ) ، أَيْ: بِاعْتِبَارِ مَا وُضِعَ، وَمَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، وَهَذَا إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ حَيْثُ وَضْعُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَعَلَى حِدَةٍ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ وَضْعُهُ لِأَمْرٍ كُلِّيٍّ يَنْدَرِجَانِ تَحْتَهُ، فَهُوَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ.
وَقَدْ عَلِمْت الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّافِعِيِّ) رَاجِعٌ
стр. 391
وَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا إنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ مَعَ الْحَقِيقَةِ كَمَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْمُلَامَسَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ، وَالْوَطْءِ (وَمِنْ ثَمَّ) ، أَيْ: مِنْ هُنَا، وَهُوَ الصِّحَّةُ الرَّاجِحَةُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا، أَيْ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (عَمَّ نَحْوُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ الْوَاجِبَ، وَالْمَنْدُوبَ) حَمْلًا لِصِيغَةِ افْعَلْ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ مِنْ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ بِقَرِينَةِ كَوْنِ مُتَعَلِّقِهَا كَالْخَيْرِ شَامِلًا لِلْوَاجِبِ، وَالْمَنْدُوبِ (خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْوَاجِبِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ الْمَجَازُ مَعَ الْحَقِيقَةِ (وَمَنْ قَالَ) هُوَ (لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) بَيْنَ الْوَاجِبِ، وَالْمَنْدُوبِ، أَيْ: مَطْلُوبِ الْفِعْلِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْآتِي أَنَّ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ
ــ
[حاشية العطار]
لِقَوْلِهِ، أَوْ حَقِيقَةً، وَمَجَازًا وَغَيْرِهِ عَائِدٌ لِقَوْلِهِ مَجَازًا.
(قَوْلُهُ: إنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ إلَخْ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ هُوَ مَا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ مَعَ الْحَقِيقَةِ أَمَّا إذَا لَمْ يَقُمْ بِأَنْ قَامَتْ عَلَى قَصْدِ الْحَقِيقَةِ وَحْدَهَا فَتُحْمَلُ عَلَيْهَا فَقَطْ، أَوْ عَلَى قَصْدِ الْمَجَازِ وَحْدَهُ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ فَقَطْ، أَوْ لَمْ يَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ الْمَجَازِ وَلَا انْتِفَاءَ فَتُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ ذِكْرَ الْقَرِينَةِ فِي الْحَمْلِ دُونَ الِاسْتِعْمَالِ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْقَرِينَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ هُنَا خَاصَّةٌ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ مَعَ غَيْرِهَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْحَمْلِ لَا فِي الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّ الْمُشْتَرَطَ فِيهِ الْقَرِينَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَقَطْ، وَإِلَّا لَحُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ.
(قَوْلُهُ: كَمَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ) ، وَالْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ مُشَارَكَةُ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّلَذُّذِ الْمُثِيرِ لِلشَّهْوَةِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ) الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ، وَالْوَطْءُ لِلَّذِي هُوَ مَجَازٌ، وَكَذَا حَمَلَ الصَّلَاةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] عَلَى الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وَعَلَى مَوَاضِعِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] .
(قَوْلُهُ: الرَّاجِحَةُ) الْمُسْتَفَادُ مِنْ لَامِ الْعَهْدِ فِي قَوْلِهِ الْخِلَافُ أَيْ الْمَعْهُودُ تَرْجِيحُهُ.
(قَوْلُهُ: عَمَّ نَحْوُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) ، أَيْ: عَمَّ نَحْوُ الْخَيْرِ فِي نَحْوِ وَافْعَلُوا الْخَيْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْوَاجِبَ، وَالْمَنْدُوبَ دُونَ قَوْلِهِ الْوُجُوبَ، وَالنَّدْبَ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ عَمَّ افْعَلُوا فِي نَحْوِ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ الْوَاجِبَ، وَالْمَنْدُوبَ، أَيْ: وُجُوبَ الْوَاجِبِ وَنَدْبَ الْمَنْدُوبِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ، وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُمُومَ مُسَبَّبٌ عَنْ حَمْلِ صِيغَةِ افْعَلْ عَلَى مَعْنَيَيْهَا مَعَ أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى مَعْنَيَيْهَا مُسَبَّبٌ عَنْ الْعُمُومِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بِقَرِينَةِ كَوْنِ مُتَعَلِّقِهَا كَالْخَيْرِ شَامِلًا إلَخْ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لِأَجْلِ مَا ذَكَرَ عَمَّ ذَلِكَ، أَيْ: حَكَمَ بِعُمُومِهِ لِأَجْلِ حَمْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ وَحَمْلُهَا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ لِأَجْلِ صَلَاحِيَّةِ نَحْوِ الْخَيْرِ لِلْعُمُومِ فَإِنَّهُ لَمَّا صَحَّ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ حَمَلْنَا هَذَا اللَّفْظَ عَلَى اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِقَرِينَةِ صَلَاحِيَّةِ لَفْظِ الْمُتَعَلِّقِ لِلْعُمُومِ فَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْعُمُومِ.
стр. 392
أَيْ طَلَبِ الْفِعْلِ (وَكَذَا الْمَجَازَانِ) هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا مَعًا بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَقَوْلِك مَثَلًا وَاَللَّهِ لَا أَشْتَرِي وَتُرِيدُ السَّوْمَ، وَالشِّرَاءُ بِالْوَكِيلِ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْمُشْتَرَكِ وَعَلَى الصِّحَّةِ الرَّاجِحَةِ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا إنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِمَا، أَوْ تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَلَا قَرِينَةَ تُبَيِّنُ أَحَدَهُمَا، وَإِطْلَاقُ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ عَلَى الْمَعْنَى كَمَا هُنَا مَجَازِيٌّ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْلُولِ.
(الْحَقِيقَةُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ) لَهُ ابْتِدَاءً
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: أَيْ: طَلَبِ الْفِعْلِ) بَيَانٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ قَالَ سم، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ بِنَاؤُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى طَرِيقَةِ عُمُومِ الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: وَتُرِيدُ السَّوْمَ) ، وَالْعَلَاقَةُ السَّبَبِيَّةُ، والمسببية.
(قَوْلُهُ: وَالشِّرَاءُ بِالْوَكِيلِ) لِعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ فِي الْإِدْخَالِ فِي الْمِلْكِ فِي كُلٍّ.
(قَوْلُهُ: فِيهِ الْخِلَافُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَطْعَ الْقَاضِي السَّابِقَ لَا يَأْتِي هُنَا؛ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى الْحِصَّةِ إلَخْ) ، أَيْ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الصِّحَّةِ أَنَّهُ يُحْمَلُ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمُجَازَيْنَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ) لَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ هَذَا الْقَيْدَ إلَّا فِي الْمُجَازَيْنَ فَيُوهِمُ اخْتِصَاصَهُ بِهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ أَيْضًا وَعَلَيْهِ جَرَى الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا قَرِينَةَ تَبَيَّنَ أَحَدُهُمَا) ، وَإِلَّا حُمِلَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: اسْمِ الدَّالِّ) ، وَهُوَ اللَّفْظُ وَقَوْلُهُ عَلَى الْمَدْلُولِ، وَهُوَ الْمَعْنَى قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ، فَهُوَ مِنْ الْمَجَازِ لَا الْخَطَأِ وَحَمَلَهُ عَلَى خَطَأِ الْعَوَامّ مِنْ خَطَأِ الْخَوَاصِّ اهـ.
وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ إنَّ هَذَا مِنْ الْمَجَازِ، أَوْ مِنْ خَطَأِ الْعَوَامّ عَلَى سَبِيلِ التَّرْدِيدِ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، وَهَذَا حَقٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِطْلَاقَ إنْ كَانَ مَعَ الْخِبْرَةِ، وَمُلَاحَظَةِ أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْلُولِ كَانَ مَجَازًا، وَإِنْ كَانَ لِلْغَفْلَةِ عَنْ أَصْلِ الِاصْطِلَاحِ وَعَدَمِ التَّفَطُّنِ لِتَعْيِينِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ كَانَ مِنْ خَطَأِ الْعَوَامّ.
[الْحَقِيقَةُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ ابْتِدَاءً]
(قَوْلُهُ: الْحَقِيقَةُ) قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّقَابُلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ شَبَهِ التَّقَابُلِ بَيْنَ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ، لَا تَقَابُلِ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ؛ إذْ لَيْسَ الْمَجَازُ عَدَمَ الْحَقِيقَةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ جُزْءَ مَفْهُومِ الْحَقِيقَةِ وَعَدَمُ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ لَازَمَ مَفْهُومَ الْمَجَازِ كَانَ بَيْنَهُمَا شِبْهَ تَقَابُلِ الْعَدَمِ، وَالْمِلْكَةِ، وَمَفْهُومُ الْمِلْكَةِ أَشْرَفُ لِكَوْنِهِ وُجُودِيًّا وَأَيْضًا الْإِعْدَامُ إنَّمَا تُعْرَفُ بِمِلْكَاتِهَا، وَهِيَ فُعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، أَوْ مَفْعُولَةٍ مِنْ حَقِّ الشَّيْءِ ثَبَتَ لِثُبُوتِهَا مَكَانُهَا الْأَصْلِيُّ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ فِيهِ، أَوْ مُثْبَتَةٌ، وَالتَّاءُ عَلَى كُلٍّ لِلنَّقْلِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهِ وَوَجْهُ كَوْنِهَا لِلنَّقْلِ أَنَّ الْمَنْقُولَ فَرْعُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ الْمُؤَنَّثَ فَرْعُ الْمُذَكَّرِ.
(قَوْلُهُ: لَفْظٌ) عَدَلَ عَنْ الْمَنْقُولِ مَعَ أَنَّهُ جِنْسٌ قَرِيبٌ؛ لِاشْتِهَارِهِ فِي الرَّأْيِ، وَالِاعْتِقَادِ، وَعَنْ الْكَلِمَةِ لِيَشْمَلَ الْمُرَكَّبَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ قَالَ مُعَرِّبُ فَارِسِيَّةِ الْعِصَامِ أَنَّ بَعْضَ الْقَوْمِ خَصَّصَ الْحَقِيقَةَ، وَالْمَجَازَ، وَالْكِنَايَةَ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ وَأَلْحَقَ عُمُومَهَا إلَى الْمُفْرَدِ، وَالْمُرَكَّبِ كَمَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ هَاهُنَا؛ إذْ الْوَضْعُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمُفْرَدِ، بَلْ مَا يَعُمُّ الْمُفْرَدَ، وَالْمُرَكَّبَ فَيَلْزَمُ مِنْ عُمُومِ الْوَضْعِ عُمُومُ مَا يَدُورُ عَلَيْهِ أَيْضًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ إمَّا مُفْرَدٌ، وَإِمَّا مُرَكَّبٌ وَسَاقَ أَمْثِلَتَهَا وَبِهَذَا اسْتَغْنَيْت عَمَّا أَطَالَ بِهِ الْعَلَامَتَانِ مِمَّا يُشَوِّشُ الْأَذْهَانَ.
(قَوْلُهُ: ابْتِدَاءً) خَرَجَ الْمَجَازُ فَإِنَّ وَضْعَهُ لَيْسَ ابْتِدَاءً، بَلْ بِالتَّبَعِ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ أَصْلَ وَضْعِ اللَّفْظِ
стр. 393
فَخَرَجَ عَنْهَا اللَّفْظُ الْمُهْمَلُ، وَمَا وُضِعَ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ، وَالْغَلَطُ كَقَوْلِك خُذْ هَذَا الْفَرَسَ مُشِيرًا إلَى حِمَارٍ، وَالْمَجَازُ (وَهِيَ لُغَوِيَّةٌ) بِأَنْ وَضَعَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ بِاصْطِلَاحٍ، أَوْ تَوْقِيفٍ كَالْأَسَدِ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ (وَعُرْفِيَّةٌ) بِأَنْ وَضَعَهَا أَهْلُ.
ــ
[حاشية العطار]
لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَجَازُ مَوْضُوعٌ لَهُ ثَانِيًا بِالنَّوْعِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَضْعِ فِي التَّعْرِيفِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ النَّوْعِيِّ، وَالشَّخْصِيِّ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ إنْ أُرِيدَ الْوَضْعُ الشَّخْصِيُّ خَرَجَ عَنْ التَّعْرِيفِ مَا وَضْعُهُ نَوْعِيٌّ مِنْ الْحَقَائِقِ كَالْمُشْتَقَّاتِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ دَخَلَ الْمَجَازُ، وَإِنْ أُرِيدَ النَّوْعِيُّ خَرَجَ مِنْ الْحَقَائِقِ مَا وَضْعُهُ شَخْصِيٌّ وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا أَجَابَ بِهِ النَّاصِرُ مِنْ اخْتِيَارِ مَا هُوَ أَعَمُّ، وَإِخْرَاجُ الْمَجَازِ بِقَوْلِهِ وُضِعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ تَعْيِينُ اللَّفْظِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنًى بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِ الْوَضْعِ وَأَنَّ الْمَجَازَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ.
وَأَوْرَدَ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ حَقِيقَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلثَّانِي ابْتِدَاءً وَلَا يَشْمَلُ مَا لَا وَضْعَ لَهُ ثَانٍ مِنْ الْحَقَائِقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ ابْتِدَاءً يَقْتَضِي بِمَفْهُومِهِ أَنَّ لَهُ وَضْعًا ثَانِيًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ابْتِدَاءً مَا لَمْ يَتَوَقَّفْ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ عَلَى مُلَاحَظَةِ وَضْعٍ آخَرَ فَلَا يَكُونُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ وَوَضْعُ الْمُشْتَرَكِ لِلْمَعْنَى الثَّانِي غَيْرُ تَابِعٍ لِلْأَوَّلِ كَمَا مَرَّ، وَمَا لَيْسَ لَهُ وَضْعٌ ثَانٍ مِنْ الْحَقَائِقِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ تَابِعٍ لِغَيْرِهِ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ قَيْدًا فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ لِيُخْرِجَ مِنْ الْمَجَازِ مَا لَهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ بِاصْطِلَاحٍ آخَرَ كَالصَّلَاةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَيْدَ الْحَيْثِيَّةِ مُلَاحَظٌ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعْرِيفِ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ وَاسْتِعْمَالُ الشَّرْعِيِّ الصَّلَاةَ مَثَلًا فِي الدُّعَاءِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، بَلْ لِلْعَلَاقَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْكَانِ لَكِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ اسْتِدْرَاكُ قَوْلِهِ ابْتِدَاءً فَيُجَابُ بِأَنَّ قَيْدَ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُرَادًا فِي مِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَسَلَّمْنَا كِفَايَتَهُ هُنَا فِي الْإِخْرَاجِ لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ اعْتِبَارِهِ وَامْتِنَاعَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَالتَّصْرِيحَ بِمَا يُغْنِي عَنْهُ، بَلْ هُوَ بِمَعْنَاهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى التَّعْرِيفِ الْأَعْلَامَ فَإِنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ وَيُجَابُ بِحَمْلِ هَذَا عَلَى أَعْلَامٍ صَدَرَتْ مِمَّنْ لَا يُعْتَبَرُ وَضْعُهُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ أَمَّا الصَّادِرَةُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ وَضْعُهُ، فَهِيَ حَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: الْمُهْمَلُ) أَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَمَا وُضِعَ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ) خَارِجٌ بِقَوْلِهِ الْمُسْتَعْمَلُ إنْ شَرَطَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْقَصْدَ الصَّحِيحَ فَإِنَّ الْغَلَطَ اللِّسَانِيَّ لَا قَصْدَ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ كَانَ خَارِجًا بِقَوْلِهِ وُضِعَ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْوَاقِعَ غَلَطًا لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ قَالَ مُنَجِّمْ بَاشَا فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى تَعْرِيبِ الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ الِاسْتِعْمَالُ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى، وَإِرَادَةِ، فَهْمِهِ مِنْهُ فَيَكُونُ إرَادَةُ الْفَهْمِ جُزْءًا مِنْ مَفْهُومِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُصْطَلَحِ الْوَاقِعِ عَلَى قَانُونِ الْوَضْعِ أَعْنِي الِاسْتِعْمَالَ الصَّحِيحَ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَخْذِ إرَادَةِ الْفَهْمِ جُزْءًا مِنْ مَفْهُومِ الِاسْتِعْمَالِ تَوَقُّفُ الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ عَلَى الْإِرَادَةِ الْمُعْتَرَضِ عَلَى مَنْ زَادَهَا فِي تَعْرِيفِ الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ فَإِنَّ إرَادَةَ الْفَهْمِ غَيْرُ، فَهْمِ الْإِرَادَةِ، وَالْمُلْتَزَمُ فِي الِاسْتِعْمَالِ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلَيْسَ لَهُ دَخْلٌ لَا فِي تَمَامِ الدَّلَالَةِ الْوَضِيعَةِ وَلَا فِي صِحَّةِ الِاسْتِعْمَالِ قِيلَ إنَّ الْغَلَطَ الْجَنَانِيَّ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَالْخَطَأُ إنَّمَا هُوَ فِي إثْبَاتِ الصُّورَةِ لِغَيْرِ ذِي الصُّورَةِ اهـ.
وَأَقُولُ هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ التَّصَوُّرَاتِ لَا يَقَعُ فِيهَا الْخَطَأُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَوْقِيفٍ) ، أَيْ: عَلَى أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْوَضْعَ جَعَلَ اللَّفْظَ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ التَّوْقِيفِ فَإِنَّهُ تَفْهِيمُ الْمَعْنَى وَأَيْضًا هَذَا يُنَافِي أَوَّلَ عِبَارَتِهِ الْمُفِيدَ أَنَّ الْوَاضِعَ هُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَوْ قَالَ بِأَنَّ وَاضِعَهَا وَاضِعَ اللُّغَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ لِلَّهِ، أَوْ غَيْرِهِ كَانَ، أَوْلَى.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ وَضْعُهَا حَقِيقَةً عَلَى أَنَّ الْوَاضِعَ الْبَشَرُ، أَوْ حُكْمًا عَلَى أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ فَإِنْ اسْتِعْمَالَهُمْ لَهَا وَظُهُورَهَا عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ كَالْوَضْعِ، وَإِنَّمَا ارْتَكَبَ الشَّارِحُ هَذَا لِأَجْلِ النِّسْبَةِ فِي قَوْلِهِ لُغَوِيَّةٌ فَإِنَّهَا لَا تُنْسَبُ لَهُمْ إلَّا إذَا كَانَ الْوَاضِعُ لَهَا هُمْ وَلَوْ عَبَّرَ كَمَا قَالَ لَدَخَلَتْ الشَّرْعِيَّةُ.
وَقَدْ يُقَالُ كَانَ يُمْكِنُ الشَّارِحُ الِاسْتِغْنَاءَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا بَيْنَهُمْ
стр. 394
الْعُرْفِ الْعَامِّ كَالدَّابَّةِ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَالْحِمَارِ، وَهِيَ لُغَةٌ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ الْخَاصُّ كَالْفَاعِلِ لِلِاسْمِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النُّحَاةِ (وَشَرْعِيَّةٌ) بِأَنْ وَضَعَهَا الشَّارِعُ كَالصَّلَاةِ لِلْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ (وَوَقَعَ الْأُولَيَانِ) ، أَيْ: اللُّغَوِيَّةُ، وَالْعُرْفِيَّةُ بِقِسْمَيْهَا جَزْمًا وَفِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ الْأُولَتَانِ بِالْفَوْقَانِيَّةِ مُثَنَّى الْأَوَّلَةِ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ جَرَتْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَالْكَثِيرُ الْأُولَى كَمَا ذَكَره النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ فَمُثَنَّاهُ الْأُولَيَانِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ مَعَ ضَمِّ الْهَمْزَةِ (وَنَفَى قَوْمٌ إمْكَانَ الشَّرْعِيَّةِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى مُنَاسَبَةً مَانِعَةً مِنْ نَقْلِهِ إلَى غَيْرِهِ.
(وَ) نَفَى (الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ (وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وُقُوعَهَا) قَالَا وَلَفْظُ الصَّلَاةِ مَثَلًا مُسْتَعْمَلٌ فِي الشَّرْعِ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ أَيْ الدُّعَاءِ بِخَيْرٍ
ــ
[حاشية العطار]
لَا يُقَالُ فِي تَقْسِيمِ الْحَقِيقَةِ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ تَقْسِيمُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ، وَإِلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ الْمُعَرَّفَ الْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّقْسِيمُ لِمَفْهُومِ الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ (قَوْلُهُ: لِلْعُرْفِ الْعَامِّ) ، وَهُوَ مَا لَا يَتَعَيَّنُ نَاقِلُهُ.
(قَوْلُهُ: لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ) قَالَ الْبُدَخْشِيُّ خَصَّهَا الْعُرْفُ بِذَوَاتِ الْحَوَافِرِ، وَهِيَ الْخَيْلُ، وَالْبَغْلُ، وَالْحِمَارُ فَلَوْ، أَوْصَى شَخْصٌ لِآخَرَ بِإِعْطَاءِ دَابَّةٍ وَجَبَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
(قَوْلُهُ: مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ) ، أَيْ: مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْخَاصِّ) ، وَهُوَ مَا تَعَيَّنَ نَاقِلُهُ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْأَعْلَامُ الشَّخْصِيَّةُ فَإِنَّ وَاضِعَهَا خَاصٌّ، وَهُوَ الْمُسَمِّي وَأَوْرَدَ أَنَّ الْعُرْفَ الْخَاصَّ مَا خَصَّ طَائِفَةً، وَالْأَعْلَامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ الْعُرْفِ الْعَامِّ وَأَوْرَدَ أَنَّ الْعَامَّ لَا يَتَعَيَّنُ وَاضِعُهُ، وَهَذِهِ وَاضِعُهَا مُعَيَّنٌ فَإِنَّا نَجْزِمُ بِأَنَّ الْوَاضِعَ وَاحِدٌ، أَوْ اثْنَانِ مَثَلًا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ خُصُوصُهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، أَوْ أَنَّ شُيُوعَ هَذِهِ الْأَعْلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَمُوَافَقَتَهُمْ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَضْعِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ وَضَعَهَا الشَّارِعُ) هَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهَا عُرْفِيَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ فَإِذَا وُجِدَتْ الصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ وَنَحْوُهُمَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ حُمِلَتْ عَلَى الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَعَلَى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ غَيْرِهِمْ اهـ.
زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: جَزْمًا) تَبِعَ فِي الْجَزْمِ بِوُقُوعِ الْعُرْفِيَّةِ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي الْعُرْفِيَّةِ الْخَاصَّةِ أَمَّا الْعَامَّةُ فَأَنْكَرَهَا قَوْمٌ كَالشَّرْعِيَّةِ اهـ.
زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْأَوْلَةُ.
(قَوْلُهُ: قَلِيلَةٌ) ، أَيْ: فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَقَوْلُهُ جَرَتْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، أَيْ: أَلْسِنَةِ الْمُوَلَّدِينَ فَلَا تُنَافِي.
(قَوْلُهُ: فِي مَجْمُوعِهِ) هُوَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(قَوْلُهُ: وَنَفَى قَوْمٌ إمْكَانَ الشَّرْعِيَّةِ) هُوَ كَمَالٌ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ وَالْآمِدِيِّ إنَّهَا مُمْكِنَةٌ اتِّفَاقًا فَلَعَلَّهُمَا لَمْ يَطَّلِعَا عَلَى قَوْلِ النَّافِي، أَوْ لَمْ يَعْتَبِرَاهُ اهـ.
زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ مَا أَوَّلًا، فَهَذَا التَّعْلِيلُ لَا يُنْتِجُ الْمُدَّعَى إذَا لَا مَانِعَ مِنْ تَحَقُّقِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بَيْنَ اللَّفْظِ، وَمَعْنًى وَاحِدٍ لَكِنْ لَا يُفِيدُ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الْمُرْتَجَلَةِ غَيْرَ الْمَنْقُولَةِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمَنْقُولِ نَفْيَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ.
وَأَمَّا ثَانِيًا، فَهَذَا التَّعْلِيلُ يُوجِبُ عَدَمَ نَفْيِ الْعُرْفِيَّةِ أَيْضًا وَقَوْلُ سم إنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَعَلَّهُمْ يَلْتَزِمُونَ نَفْيَ الْعُرْفِيَّةِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ لِعَدَمِ تَصْرِيحِهِمْ بِنَفْيِ غَيْرِهِمَا مَعَ احْتِمَالِ فَرْقِهِمْ بَيْنَهُمَا، وَالتَّصَرُّفُ فِي الدَّلِيلِ بِحَيْثُ يَخُصُّ الشَّرْعِيَّةَ مَرْدُودٌ فَإِنَّ مِثْلَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّقْلِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ التَّرَجِّي، وَالِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بِصَدَدِ نَقْلِ الْأَقْوَالِ فَلَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ لَنَقَلَهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَنَفَى الْقَاضِي إلَخْ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي أَنَّهَا مُقِرَّةٌ عَلَى
стр. 395
لَكِنْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ أُمُورًا كَالرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ (وَقَالَ قَوْمٌ وَقَعَتْ مُطْلَقًا وَقَوْمٌ) وَقَعَتْ
ــ
[حاشية العطار]
حَقَائِقِ اللُّغَاتِ لَمْ تُنْقَلْ وَلَمْ يَزِدْ فِي مَعْنَاهَا وَثَمَّ قَالَ وَاسْتَمَرَّ الْقَاضِي عَلَى لَجَاجٍ ظَاهِرٍ فَقَالَ إنَّ الصَّلَاةَ الدُّعَاءُ، وَالْمُسَمَّى بِهَا فِي الشَّرْعِ دُعَاءٌ عِنْدَ وُقُوعِ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، ثُمَّ الشَّرْعُ لَا يَزْجُرُ عَنْ تَسْمِيَةِ الدُّعَاءِ الْمَحْضِ صَلَاةً وَطَرَدَ ذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي فِيهَا الْكَلَامُ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ فَإِنَّ حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمَسَاقُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْمُسَمَّى بِالصَّلَاةِ الدُّعَاءُ فَحَسْبُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اهـ وَقَالَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الْقَاضِي فَقَالَ الْأُسْتَاذُ يَعْنِي أَبَا إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ إنَّ اسْتِعْمَالَ الشَّارِعِ الْأَسْمَاءَ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ وَضْعِ اللُّغَةِ، بَلْ هِيَ مُقَرَّرَةٌ عَلَى حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ.
وَقَالَ الْمَرَاغِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةَ حَقَائِقُهَا اللُّغَوِيَّةُ وَقَالَ الْخَنْجِيُّ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَنَّ كُلَّ مَا يُدَّعَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ وَزَادَ عَلَيْهِ الْجَارْبُرْدِيُّ قَوْلَهُ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ الْحَقَائِقِ، أَيْ: هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ، وَالزِّيَادَاتُ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مَعَانِيهَا قَالَ الْعُبْرِيُّ وَكَرَمُ الْأُسْتَاذُ، أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ قَالَ الْبُدَخْشِيُّ.
أَقُولُ لَا خَفَاءَ فِي ضَعْفِهِ؛ إذْ الْمُحَقِّقُ مَنْ يَعْرِفُ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ لَا الْحَقَّ بِالرِّجَالِ، بَلْ الْحَقُّ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِتَقَرُّرِهَا عَلَى حَقَائِقِهَا مَا ذَكَرَهُ الْمَرَاغِيُّ، فَهُوَ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهَا مَعَانٍ حَدَثَتْ وَكَانَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَهَا، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا حَقَائِقُ فِي مَعَانِيهَا لُغَةً.
وَفِي مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ مَجَازَاتٌ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ أَصْلًا، فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تُفْهَمُ مِنْهَا بِلَا قَرِينَةٍ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ مَعَانِيهَا الَّتِي يَدَّعِي كَوْنَ الْأَلْفَاظِ فِيهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَزِيَادَةٍ، وَالْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي اللُّغَوِيَّةِ الْحَاصِلَةِ فِي ضِمْنِ الشَّرْعِيَّةِ لَا فِي الْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ مِنْهَا، وَالزِّيَادَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْجَارْبُرْدِيُّ، فَهِيَ مُقَرَّرَةٌ عَلَى حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ وَكَوْنُهَا مَجَازَاتٍ؛ لِاسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ، فَهَذَا بَاطِلٌ أَيْضًا لِلْقَطْعِ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِعِ صَلُّوا لَيْسَ مَعْنَاهُ افْعَلُوا الدُّعَاءَ الَّذِي فِي ضِمْنِ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا حَقَائِقُ لُغَوِيَّةٌ وَاسْتِعْمَالَهَا فِي الشَّرْعِيَّةِ لَيْسَ بِوَضْعِ الشَّارِعِ إيَّاهَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي فَلَهُ وَجْهٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْأَلْفَاظُ الْمُتَدَاوَلَةُ شَرْعًا.
وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي غَيْرِ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ، فَهَلْ ذَلِكَ بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَهَا لِمُنَاسَبَةٍ، أَوْ لَا وَاسْتِعْمَالُهَا فِيهَا لِلْمُنَاسَبَةِ بِقَرِينَةٍ مَجَازًا مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ مُغْنٍ عَنْ الْقَرِينَةِ فَتَكُونُ مَجَازَاتٍ لُغَوِيَّةٍ، ثُمَّ غَلَبَتْ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهَا عَلَى أَلْسُنِ أَهْلِ الشَّرْعِ؛ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا دُونَ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ فَصَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً لَهُمْ حَتَّى إذَا وَجَدْنَاهَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْقَرِينَةِ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالشَّرْعِيِّ فَعَلَى أَيِّهِمَا تُحْمَلُ فَاخْتَارَ الْقَاضِي الثَّانِيَ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَضْعِ الشَّارِعِ، بَلْ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ وَأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَاخْتَارَ غَيْرُهُ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَنَّهُ بِوَضْعِهِ وَأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الشَّرْعِيِّ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حَقَائِقَ فِي مَعَانِيهَا الثَّوَانِي أَيْضًا وَأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ بِلَا قَرِينَةٍ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَالْفِقْهِ، وَالْأُصُولِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ تُحْمَلُ عَلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ اهـ.
كَلَامُ الْفَاضِلِ الْبُدَخْشِيِّ فَقَدْ عَلِمْت مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْبُرْهَانِ، وَمَا نَقَلَهُ الْبُدَخْشِيُّ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِ الْقَاضِي مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَاهُ.
وَقَدْ تَبِعَهُمَا فِي ذَلِكَ النَّقْلِ الْمَرَاغِيُّ وَبَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ الْبُدَخْشِيُّ وَأَنَّ مَا قَالَهُ الْبُدَخْشِيُّ يَرْجِعُ لِلْبَحْثِ فِي الْمَنْقُولِ لَا فِي صِحَّةِ النَّقْلِ، وَمَا قَالَهُ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ، وَهُوَ الْعَضُدُ تَأْوِيلٌ لِكَلَامِ الْقَاضِي وَظَهَرَ لَك الْحَقُّ عِيَانًا وَقَدَرْت عَلَى تَزْيِيفِ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعَلَّامَتَانِ النَّاصِرُ وسم وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يُصِبْ الْمَحَزَّ إنْ كُنْت ذَكِيًّا فَتَبَصَّرْ.
وَفِي كَلَامِ الْأَفَاضِلِ تَدَبَّرْ وَلَا يُهَوِّلُنَّك هَذِهِ التَّهَايُلُ وَكَثْرَةُ الْقَالِ، وَالْقِيلِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ إلَخْ) ، أَيْ: لَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا كَانَتْ مَجَازًا لُغَوِيًّا حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً وَبِحَمْلِ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَوَافُقٌ مَعَ قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ، وَالْمُسَمَّى بِهَا مَا فِي الشَّرْعِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ قَوْمٌ وَقَعَتْ مُطْلَقًا) هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمُعْتَزِلَةُ وَاخْتَلَفُوا
стр. 396
(إلَّا الْإِيمَانَ) فَإِنَّهُ فِي الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، أَيْ: تَصْدِيقِ الْقَلْبِ، وَإِنْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْقَادِرِ كَمَا سَيَأْتِي (وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ) فِي وُقُوعِهَا (، وَالْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَالْإِمَامَيْنِ) أَيْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَامِ الرَّازِيّ (وَابْنُ الْحَاجِبِ وُقُوعُ الْفَرْعِيَّةِ) كَالصَّلَاةِ (لَا الدِّينِيَّةِ) كَالْإِيمَانِ فَإِنَّهَا فِي الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ (وَمَعْنَى الشَّرْعِيِّ)
ــ
[حاشية العطار]
فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهَا فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّهَا حَقَائِقُ وَضَعَهَا الشَّارِعُ مُبْتَكَرَةً لَمْ يُلَاحِظْ فِيهَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَصْلًا وَلَا لِلْعَرَبِ فِيهَا تَصَرُّفٌ وَقَالَ غَيْرُهُمْ إنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ اُسْتُعِيرَ لَفْظُهَا لِلْمَدْلُولِ الشَّرْعِيِّ لِعَلَاقَةٍ، فَهِيَ عَلَى هَذَا مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ وَحَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ هَذَا، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مَا سَيُذْكَرُ اهـ.
زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: الْإِيمَانَ) أَيْ فَقَطْ لَا غَيْرُ فَغَايَرَ الْمُخْتَارَ الْآتِي.
(قَوْلُهُ: أَيْ: تَصْدِيقِ الْقَلْبِ إلَخْ) بَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ شَرْعًا مَعْنَاهُ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَمِيعِ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ وَلُغَةً مُطْلَقُ التَّصْدِيقِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَالْأَعَمُّ غَيْرُ الْأَخَصِّ قَطْعًا، وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ بِدُونِ الْعَكْسِ اهـ.
وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ سم أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُ الْعَامِّ فِيهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ إنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْخَاصِّ هُنَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ، فَالْحَقُّ أَنَّ مَبْنِيَّ الْبَحْثِ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ الشَّرْعِيَّ مُغَايِرٌ لِلتَّصْدِيقِ اللُّغَوِيِّ بِالْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ اللُّغَوِيَّ هُوَ الشَّرْعِيُّ، بَلْ الْمَنْطِقِيُّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَحَوَاشِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ وَعَلَى هَذَا الْإِشْكَالُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْكَمَالُ وَجَعْلُ الْمُتَعَلِّقِ خَاصًّا فِي الْإِيمَانِ لَا يَقْتَضِي نَقْلَهُ عَنْ كَوْنِهِ تَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ هُوَ بَاقٍ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ) قَالَ النَّاصِرُ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا كَانَ اعْتِبَارُ التَّلَفُّظِ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ لَا شَطْرٌ اهـ.
قُلْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى التَّحْقِيقِ فَتَمَّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: إمَامِ الْحَرَمَيْنِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَأَمَّا الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فَيَقْتَضِي بَيَانُهُ تَقْدِيمَ أَصْلٍ، وَذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ فَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا بَنَيْنَا عَلَيْهِ غَرَضَنَا وَقُلْنَا الدُّعَاءُ الْتِمَاسٌ وَأَفْعَالُ الْمُصَلِّي أَحْوَالٌ يَخْضَعُ فِيهَا لِرَبِّهِ وَيَبْتَغِي فِيهَا الْتِمَاسًا فَعَمَّمَ الشَّارِعُ عُرْفًا فِي تَسْمِيَةِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ دُعَاءً تَجَوُّزًا وَاسْتِعَارَةً وَخَصَّصَ اسْمَ الصَّلَاةِ بِدُعَاءٍ مَخْصُوصٍ فَلَا تَخْلُو الْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ عَنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُمَا مُلْتَقِيَانِ مِنْ عُرْفِ الشَّرْعِ فَمَنْ قَالَ إنَّ الشَّرْعَ زَادَ فِي مُقْتَضَاهَا وَأَرَادَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَهُ، فَالْحَقُّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَنْ قَالَ إنَّهَا نُقِلَتْ نَقْلًا كُلِّيًّا فَقَدْ زَلَّ فَإِنَّ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ اعْتِبَارَ مَعَانِي اللُّغَةِ مِنْ الدُّعَاءِ، وَالْقَصْدِ، وَالْإِمْسَاكُ فِي الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا الدِّينِيَّةِ) ، أَيْ: الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُصُولِ الدِّينِ الشَّامِلِ لِلْإِيمَانِ وَغَيْرِهِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ وَقَوْمٌ إلَّا الْإِيمَانَ (قَوْلُهُ:، وَمَعْنَى الشَّرْعِيِّ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ، وَهِيَ اللَّفْظُ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ مَنْزِلَتُهُ مَعَ أَفْرَادِهِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَهُ مَنْزِلَةُ الْجِنْسِ مَعَ أَنْوَاعِهِ فَأَفْرَادُ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ لَفْظُ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَنَحْوِهِمَا وَلِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ مُسَمَّيَاتٌ هِيَ حَقَائِقُ كُلِّيَّةٌ أَيْضًا وَحَيْثُ عُلِمَ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ عِلْمُ مَا صَدَقَاتُ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ تَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ مَا صَدَقَاتُهُ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْكَلَامَ هُنَا لِمُجَرَّدِ الْإِيضَاحِ وَلِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ.
وَقَدْ يُطْلَقُ إلَخْ، ثُمَّ إنَّ كَلَامَهُ لَا يَخْلُو عَنْ قَلَاقَةٍ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ بِمُقْتَضَى مَا مَهَّدْنَاهُ وَبِمُقْتَضَى إضَافَةِ مَعْنًى لِلشَّرْعِيِّ هُوَ اللَّفْظُ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ أَيْضًا لِقَوْلِهِ بَعْدُ، وَقَدْ يُطْلَقُ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطْلَاقِ هُنَا الِاسْتِعْمَالُ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يُسْتَفَدْ اسْمُهُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ انْصَرَفَ عَنْ هَذَا الْمُتَبَادِرِ إلَى إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِجَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً وَلِلِاسْتِخْدَامِ فِي قَوْلِهِ
стр. 397
الَّذِي هُوَ مُسَمَّى مَا صَدَقَ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ (مَا) ، أَيْ: شَيْءٌ (لَمْ يُسْتَفَدْ اسْمُهُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ) كَالْهَيْئَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَاةِ (وَقَدْ يُطْلَقُ) ، أَيْ: الشَّرْعِيُّ (عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَالْمُبَاحِ) ، وَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ مِنْ النَّوَافِلِ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، أَيْ: تُنْدَبُ كَالْعِيدَيْنِ.
وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ لَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمِهِ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ بَدَلُ الْمُبَاحِ الْوَاجِبُ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا يُقَالُ شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّيْءَ، أَيْ: أَبَاحَهُ وَشَرَعَهُ، أَيْ: طَلَبه وُجُوبًا، أَوْ نَدْبًا وَلَا يَخْفَى
ــ
[حاشية العطار]
وَقَدْ يُطْلَقُ إلَخْ حَيْثُ أُرِيدَ بِالشَّرْعِيِّ أَوَّلًا الْمَعْنَى وَأُعِيدَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ.
وَلَوْ أَنَّهُ حَذَفَ لَفْظَ اسْمٍ لَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمُتَبَادِرِ وَانْتَفَتْ الْقَلَاقَةُ وَالشَّارِحُ ﵀ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ الَّذِي هُوَ مُسَمًّى؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى الْمَعْنَى، ثُمَّ مَثَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَكَالْهَيْئَةِ الْمُسَمَّاةِ فَكُلُّ هَذَا صَرِيحٌ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى فَلْنَعُدْ لِحَلِّ الْعِبَارَةِ عَلَيْهِ فَنَقُولُ مَعْنَى الشَّرْعِيِّ أَيْ وَبَيَانُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ مُسَمَّى أَيِّ مَدْلُولٍ مَا صَدَقَ، أَيْ: إفْرَادُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْ وَبَيَانُ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ الْمَدْلُولَةِ لِلْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ، أَيْ: تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ مَا صَدَقَاتُ، أَيْ: إفْرَادُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَفْهُومَ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَفْظٌ وَضَعَهُ الشَّارِعُ فَإِفْرَادُهُ مَا صَدَقَاتُ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّتِي هِيَ الصَّلَاةُ وَنَحْوُهَا وَقَوْلُهُ كَالْهَيْئَةِ بَيَانٌ لِمُسَمَّى تِلْكَ الْمَاصَدَقَاتِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يُسْتَفَدْ اسْمُهُ، أَيْ: وُضِعَ ذَلِكَ الِاسْمُ لَهُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضُوعُ لَهُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً أَمْ مَجَازًا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا اخْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا، أَوْ لَمْ يُسْتَفَدْ كَوْنُ اللَّفْظِ الْمَخْصُوصِ اسْمًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ، فَالْمُسْتَفَادُ مِنْ الشَّرْعِ وَضْعُهُ، أَوْ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ لَا ذَاتَه، فَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ: وَضْعِ اسْمِهِ، أَوْ وَصْفِهِ قَالَ الْكَمَالُ وَكَانَ الْأَلْيَقُ بِالشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ، وَمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ مُسَمَّى الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ الصَّادِقِ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْمَجَازِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إضَافَةُ الْمُسَمَّى لِلِاسْمِ وَجَعْلُ الْمَاصَدَقِ اللَّفْظَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ الْأَلْيَقُ أَنْ يَقُولَ، وَالشَّرْعِيُّ الِاسْمُ الَّذِي لَمْ يُسْتَفَدْ وَضْعُهُ لِمَعْنَاهُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ اهـ.
وَهُوَ كَلَامٌ جَيِّدٌ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَاهُ، وَمُنَاقَشَةُ سم لَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ نَعَمْ الْأَوْلَى الْأَلْيَقِيَّةُ لِلْمُصَنِّفِ لَا لِلشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ حَمْلِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهَا بِحَسَبِ الْإِضَافَةِ إلَّا أَنَّهُ صَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ قَضِيَّةُ الْإِخْبَارِ وَزِيَادَةُ لَفْظِ اسْمٍ فَحَمَلَهَا عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ بِحَسَبِهِمَا.
وَأَمَّا اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِقَوْلِهِ إنَّ الشَّرْعِيَّ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ مَفْهُومٍ كُلِّيٍّ هُوَ شَيْءٌ لَمْ يُسْتَفَدْ اسْمُهُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ، وَإِنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّ الْهَيْئَةَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ لَا نَفْسِهِ، فَهِيَ أَخَصُّ مِنْهُ، وَالْأَخَصُّ لَا يُحْمَلُ عَلَى أَعَمِّهِ بِهُوَ هُوَ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ اهـ.
فَلَا اتِّجَاهَ لَهُ أَصْلًا، بَلْ هُوَ مَحْضُ مُغَالَطَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، وَمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مُعَرَّفٌ وَقَوْلُهُ، وَمَا لَمْ يُسْتَفَدْ اسْمُهُ إلَخْ تَعْرِيفٌ، وَالتَّعْرِيفَاتُ لَا حَمْلَ فِيهَا بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ كَمَا حُقِّقَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَمْلَ حَقِيقِيٌّ فَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ حَمْلِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، وَمَعْنَى الشَّرْعِيِّ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَمَعْنَى اللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَعْنِي الْمَفْهُومَ الْكُلِّيَّ لِلَّفْظِ الشَّرْعِيِّ هُوَ بِعَيْنِهِ مَفْهُومٌ مَا لَمْ يُسْتَفَدْ إلَخْ، فَهُمَا مُتَّحِدَانِ مَا صَدَقَا مُتَغَايِرَانِ بِالْإِجْمَالِ، وَالتَّفْصِيلِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُعَرَّفِ مَعَ الْمُعَرِّفِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ كَالْهَيْئَةِ إلَخْ، فَهُوَ تَمْثِيلٌ بِذِكْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا يُقَالُ الْفَاعِلُ هُوَ الِاسْمُ الْمَرْفُوعُ إلَخْ كَزَيْدٍ مِنْ قَامَ زَيْدٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْحَمْلِ فِي شَيْءٍ كَمَا زَعَمَ هَذَا خُلَاصَةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ ولسم هَاهُنَا تَطْوِيلٌ مُمْلٍ لَا يَخْلُو عَنْ شَغَبٍ يُحَيِّرُ الْإِفْهَامَ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ مُسَمَّى) صِفَةٌ لِلْمَعْنَى، وَمَا صَدَقُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ مَا صَدَقُهُ، أَيْ: حُمِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَفْرَادِهَا كَلَفْظِ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ فَإِنَّهُ يُقَالُ الصَّلَاةُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مَثَلًا، أَيْ: لَمْ تُسْتَفَدْ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: كَالْهَيْئَةِ) مِثَالٌ لِمَعْنَى اللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ الْمُسَمَّى.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يُطْلَقُ إلَخْ) اسْتِطْرَادٌ لِمُنَاسَبَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي الِاسْمِ فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْكُورَانِيِّ هَذَا مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ) أَيْ الْمُبَاحِ فَإِنَّ الْمُبَاحَ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَأْذُونٍ فِيهِ وَيُمَثِّلُ لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ بَيْعُ الْمَجْهُولِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَشَرْعُ السَّلَمِ
стр. 398
مُجَامَعَةُ الْأُولَى لِكُلٍّ مِنْ الْإِطْلَاقَاتِ الثَّلَاثَةِ.
(وَ الْمَجَازُ) الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْمَجَازُ فِي الْإِفْرَادِ (اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ) فِيمَا وُضِعَ لَهُ لُغَةً أَوْ عُرْفًا أَوْ شَرْعًا (بِوَضْعٍ ثَانٍ) خَرَجَ الْحَقِيقَةُ (لِعَلَاقَةٍ) بَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَمَا وُضِعَ لَهُ ثَانِيًا خَرَجَ الْعَلَمُ الْمَنْقُولُ كَفَضْلٍ وَمَنْ زَادَ كَالْبَيَانِيِّينَ مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا
ــ
[حاشية العطار]
لِلْحَاجَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى مُجَامَعَةُ الْأَوَّلِ) ، أَيْ: تَفْسِيرُ الشَّرْعِيِّ بِمَا لَمْ يُسْتَفَدْ اسْمُهُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ لِكُلٍّ مِنْ الْإِطْلَاقَاتِ الثَّلَاثَةِ أَيْ عَلَى الْوَاجِبِ، وَالْمَنْدُوبِ، وَالْمُبَاحِ؛ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الشَّيْءِ أَنَّهُ شَرْعِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّ اسْمَهُ لَمْ يُسْتَفَدْ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ وَأَنَّهُ شَرْعِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَاجِبٌ، أَوْ مَنْدُوبٌ، أَوْ مُبَاحٌ وَيَنْفَرِدُ عَنْهَا فِي صَلَاةِ الْحَائِضِ مَثَلًا، وَالصَّلَاةُ فِي الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ وَاسْمُهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ تَشْمَلُ الصَّحِيحَ، وَالْفَاسِدَ فَإِنَّ وَصْفَ الصِّحَّةِ لَيْسَ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ
[الْمَجَازُ]
(قَوْلُهُ: الْمَجَازُ) هُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَصْلُهُ مُجَوَّزٌ بِمَعْنَى الْجَوَازِ نُقِلَ إلَى الْكَلِمَةِ الْجَائِزَةِ مَكَانَهَا الْأَصْلِيَّ أَوْ الْمُجَوَّزِ بِهَا عَلَى مَا هُوَ مَشْهُورٌ. (قَوْلُهُ: الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) أَتَى بِهَذَا الْوَصْفِ هُنَا دُونَ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَيَأْتِي يَقُولُ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْإِسْنَادِ فَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الْمُعَرَّفَ هُنَا الْمَجَازُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا مَا يَشْمَلُ الْمَجَازَ فِي الْإِسْنَادِ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَشْمَلُهُ وَلَمَّا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلْحَقِيقَةِ فِي الْإِسْنَادِ أَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يُقَيِّدَ بِهِ فِيمَا هُنَالِكَ لِعَدَمِ التَّوَهُّمِ وَأَيْضًا الْحَقِيقَةُ وَإِنْ انْقَسَمَتْ إلَى مُفْرَدَةٍ وَمُرَكَّبَةٍ فَحَقِيقَتُهَا وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فِي الْإِفْرَادِ فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ تُبَايِنُ حَقِيقَةَ الْمَجَازِ فِي الْإِسْنَادِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْإِفْرَادِ) أَيْ الْكَلِمَاتِ فَيَشْمَلُ الْمَجَازَ الْمُرَكَّبَ لِشُمُولِ اللَّفْظِ لَهُ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْمَجَازَ الْمُطْلَقَ يُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ وَالْمَجَازُ فِي قَوْلِك الْمَجَازُ فِي الْإِفْرَادِ مُرَادٌ بِهِ الْمَصْدَرُ الْمِيمِيُّ أَيْ التَّجَوُّزُ فِي الْإِفْرَادِ اهـ.
أَقُولُ مُحَصَّلُ هَذِهِ الْمُنَاقَشَةِ عَدَمُ صِحَّةِ الْحَمْلِ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ الْمَجَازُ فِي الْإِفْرَادِ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ الْمُتَبَايِنَيْنِ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ مُرَادٌ بِهِ اللَّفْظُ وَالْمَحْمُولُ الْحَدَثُ.
وَالْجَوَابُ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْمُولِ الْمَصْدَرُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ اللَّفْظُ وَفِي الْإِفْرَادِ حَالٌ وَفِي لِلظَّرْفِيَّةِ الِاعْتِبَارِيَّةِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ أَوْ الظَّرْفُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا قِيلَ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْمِ الشَّرِيفِ لِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنَى الْمَعْبُودِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَصْدَرُ قَدَّرْنَا الْمُضَافَ أَيْ وَهُوَ مَجَازُ الْمَجَازِ أَيْ اللَّفْظُ الْمُتَجَوَّزُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ) خَرَجَ مَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُهْمَلَةِ وَمَا وُضِعَ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ عَلَى نَسَقِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: خَرَجَ الْعَلَمُ الْمَنْقُولُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّانَوِيَّةَ فِي الزَّمَنِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانَوِيَّةُ فِي التَّبْعِيدِ وَحِينَئِذٍ فَالْعَلَمُ الْمَنْقُولُ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ بِوَضْعٍ ثَانٍ وَقَوْلُهُ لِعَلَاقَةِ قَيْدٌ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ.
وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَلْفِيقًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَرَّفُوا الْمَجَازَ بِالْكَلِمَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْعَلَاقَةُ وَقِيلَ الْوَضْعُ الثَّانَوِيُّ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْوَضْعِ الثَّانَوِيِّ لَا يَنْفِي الْعَلَاقَةَ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ هِيَ كَافِيَةٌ عَنْ الْوَضْعِ الثَّانَوِيِّ أَوْ لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَهَا وَهُوَ التَّحْقِيقُ وَمُفَادُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْعَلَمَ الْمَنْقُولَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
وَقَدْ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ صَرَّحَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ يَشْتَرِكَانِ فِي امْتِنَاعِ اتِّصَافِ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ بِهِمَا كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو.
(قَوْلُهُ: كَفَضْلٍ) قَالَ النَّاصِرُ فِيهِ أَنَّ الْعَلَاقَةَ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ الْمَنْقُولِ عَنْهُ وَالْمَنْقُولِ إلَيْهِ فِي فَضْلٍ فَالْأَوْلَى التَّمْثِيلُ بِجَعْفَرٍ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ وُجُودَ الْعَلَاقَةِ مُجَرَّدَةً غَيْرُ كَافٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَتِهَا كَمَا هُوَ مُفَادُ لَامِ التَّعْلِيلِ وَهِيَ غَيْرُ مُلَاحَظَةِ فَضْلٍ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ وُجُودِهَا فِي جَعْفَرٍ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ النَّهْرُ الصَّغِيرُ فَيُمْكِنُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ الْمُشَابَهَةُ.
(قَوْلُهُ: كَالْبَيَانِيِّينَ) الْأَحْسَنُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ أَيْ مَنْ زَادَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ كَالْبَيَانِيِّينَ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأُصُولِ
стр. 399
مَشَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا (فَعُلِمَ) مِنْ تَقْيِيدِ الْوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمَالِ بِالثَّانِي (وُجُوبُ سَبْقِ الْوَضْعِ) لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ (وَهُوَ) أَيْ وُجُوبُ ذَلِكَ (اتِّفَاقٌ) أَيْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي تَحَقُّقِ الْمَجَازِ (لَا الِاسْتِعْمَالُ) فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلَا يَجِبُ سَبْقُهُ فِي تَحَقُّقِ الْمَجَازِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ كَالْعَكْسِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الْوُجُوبِ (الْمُخْتَارُ) إذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَتَجَوَّزَ فِي اللَّفْظِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَقِيلَ يَجِبُ سَبْقُ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ وَإِلَّا لَعَرِيَ الْوَضْعُ الْأَوَّلُ عَنْ الْفَائِدَةِ وَأُجِيبَ بِحُصُولِهَا بِاسْتِعْمَالِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ ثَانِيًا وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ سَبْقُ الِاسْتِعْمَالِ.
(قِيلَ مُطْلَقًا وَالْأَصَحُّ) تَفْصِيلٌ لِلْمُصَنِّفِ -
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: مَشَى عَلَى أَنَّهُ) مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مَاشٍ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا ذُكِرَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَجَازٍ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ قَالَهُ النَّاصِرُ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْحَقِيقَةُ إلَخْ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَقِيقَةٌ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَجَازٌ وَصِحَّتُهُ فِي الْكِنَايَةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كِنَايَةٌ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ أَصْلًا أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْكِنَايَةَ فِيهَا خِلَافٌ وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمِفْتَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْحَقِيقَةِ قَالَهُ فِي التَّلْوِيحِ وَلَئِنْ وَرَدَ هَذَا السُّؤَالُ عَلَى ظَاهِرِ بَعْضِ تَفَاسِيرِهَا فَيَنْدَفِعُ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ فِي الْكِنَايَةِ إنَّمَا أُرِيدَ لِلِانْتِقَالِ مِنْهُ إلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ قَصْدًا وَبِالذَّاتِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا بِأَنْ يُقْصَدَا مَعًا.
وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكِنَايَةِ فَإِيرَادُ صُورَةِ الْكِنَايَةِ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْت مُغَرِّبًا ... شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
(قَوْلُهُ: بِالثَّانِي) مُتَعَلِّقٌ بِتَقْيِيدِ أَيْ تَقْيِيدِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ.
(قَوْلُهُ: لَا الِاسْتِعْمَالِ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَطْفٌ عَلَى الْوَضْعِ الْوَاقِعِ فِي حَيِّزِ قَوْلِهِ فَعُلِمَ وَمَفَادُهُ أَنَّ وُجُوبَ سَبْقِ الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ سَبْقُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ اهـ.
وَأَقُولُ قَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مُفَادُهُ مَا ذُكِرَ لَوْ كَانَ الْعَطْفُ عَلَى الْوُجُوبِ أَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى الْوَضْعِ فَلَا إذْ حَاصِلُهُ حِينَئِذٍ عُلِمَ وُجُوبِ سَبْقِ هَذَا دُونَ سَبْقِ هَذَا أَيْ عُلِمَ مُخَالَفَةُ هَذَا السَّبْقِ لِذَلِكَ السَّبْقِ فِي الْوُجُوبِ أَيْ إنَّ هَذَا وَاجِبٌ وَإِنَّ سَبْقَ ذَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا تَقُولُ عَلِمْت اسْتِحْقَاقَ زَيْدٍ دُونَ عَمْرٍو وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ عِلْمِ وُجُوبِ سَبْقِ الْمَعْطُوفِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: كَالْعَكْسِ) أَيْ كَمَا لَا تَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةُ الْمَجَازَ بِلَا خِلَافٍ فَقَدْ يُوجَدُ لَفْظٌ حَقِيقِيٌّ لَمْ يَتَجَوَّزْ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ وَلِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ جَعَلَهُ أَصْلًا مُشَبَّهًا بِهِ اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجِبُ) أَيْ فَالْمَجَازُ يَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَعَرِيَ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ سَبْقُ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ لِأَنَّهُ الْمُدَّعَى فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ سَبْقِ الِاسْتِعْمَالِ عُرْيُ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ عَنْ الْفَائِدَةِ فَإِنَّ عَدَمَ وُجُوبِ سَبْقِ الِاسْتِعْمَالِ يَصْدُقُ بِالِاسْتِعْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ الِاسْتِعْمَالُ لَعَرِيَ وَإِنْ كَانَ هَذَا بَعِيدًا وَعَرِيَ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِمَعْنَى خَلَا وَأَمَّا عَرَا بِفَتْحِ الرَّاءِ فَهُوَ بِمَعْنَى نَزَلَ.
(قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِحُصُولِهِ إلَخْ) إذْ لَوْلَا الْوَضْعُ الْأَوَّلُ لَمَا وُجِدَ الْوَضْعُ الثَّانِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فَعُلِمَ وُجُوبُ سَبْقِ الْوَضْعِ.
(قَوْلُهُ: قِيلَ مُطْلَقًا) أَيْ لَا يَجِبُ سَبْقُ الِاسْتِعْمَالِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَصْدَرِ أَوْ فِي غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: تَفْصِيلٌ لِلْمُصَنِّفِ إلَخْ) نَبَّهَ بِهِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْبِرْمَاوِيِّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِيَّاتِهِ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ خِلَافُ مَنْقُولٍ وَقَوْلُ الْعِرَاقِيِّ أَنَّهُ مُخْتَارُهُ تَبَعًا لِلْآمِدِيِّ سَهْوٌ فَإِنَّ الْآمِدِيَّ لَمْ يَذْكُرْهُ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ اخْتَارَهُ وَإِنَّمَا اخْتَارَ عَدَمَ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مُقَيِّدًا لَهُ بِمَا صَحَّحَهُ فَالْعِرَاقِيُّ نَظَرَ إلَى لَفْظِ الْمُخْتَارِ وَلِهَذَا عَبَّرَ بِهِ كَمَا مَرَّ فَوَقَعَ فِي السَّهْوِ ثُمَّ مَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ وَقْفَةٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُشْتَقِّ مَجَازًا وُجُوبُ سَبْقِ اسْتِعْمَالِ مَصْدَرِهِ حَقِيقَةً اهـ. زَكَرِيَّا.
وَقَالَ الْكُورَانِيُّ إنَّ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يُسَاعِدُهُ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ وَأَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ وَضْعَ الْمَصْدَرِ غَيْرُ وَضْعِ الْمُشْتَقِّ وَمَعْنَاهُمَا كَذَلِكَ
стр. 400
اخْتَارَهُ مَذْهَبًا كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ (لِمَا عَدَا الْمَصْدَرَ) وَيَجِبُ لِمَصْدَرٍ الْمَجَازِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُشْتَقِّ مَجَازٌ إلَّا إذَا سَبَقَ اسْتِعْمَالُ مَصْدَرِهِ حَقِيقَةً وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ الْمُشْتَقُّ حَقِيقَةً كَالرَّحْمَنِ
ــ
[حاشية العطار]
فَأَيُّ لُزُومٍ فِي أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَقَّ إذَا كَانَ مَجَازًا يَكُونُ مَصْدَرُهُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ لِيَصِيرَ حَقِيقَةً فَإِنْ نَظَرَ إلَى الِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّتَبُّعِ لِكَلَامِ الْبُلَغَاءِ فَلَا يَتِمُّ لَهُ إذْ هُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ اسْتِيعَابُهُ وَإِنْ نَظَرَ إلَى خُصُوصِ لَفْظِ رَحْمَنٍ وَأَنَّ مَصْدَرَهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ حَقِيقَةً فَذَلِكَ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ وَلَكِنْ لَا يُجْدِيهِ نَفْعًا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ عُلَمَاءَ الْبَيَانِ وَالْأُصُولِ مُجْمِعُونَ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ أَحَدٌ فَلَا يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِمَا مُحَصَّلُهُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي مِثْلِ مَا هُنَا الِاسْتِقْرَاءُ النَّاقِصُ وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَجَازُ مِنْ الْجَوَازِ وَالِانْتِقَالِ لَمْ يَبْعُدْ بَلْ اُسْتُحْسِنَ عِنْدَ الْعَقْلِ اعْتِبَارُ سَبْقِ اسْتِعْمَالِ أَصْلِهِ حَقِيقَةً لِيَظْهَرَ مَعْنَى الِانْتِقَالِ عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ اهـ.
وَأَقُولُ هَذَا حُكْمٌ لَفْظِيٌّ طَرِيقُهُ النَّقْلُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْبُلَغَاءِ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَكَانَ يَكْفِي الْكُورَانِيَّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ وَالْأُصُولِ وَلَا سَنَدَ لَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ وَسَّعَ دَائِرَةَ الْبَحْثِ بِمَا زَادَهُ فَالْجَوَابُ فِي مِثْلِهِ إثْبَاتُ سَنَدٍ لِلْمُصَنِّفِ بِعَزْوِ هَذَا الْخِلَافِ لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا أَوْ سَرْدِ مَوَارِدَ وَقَعَ فِيهَا ذَلِكَ كَالرَّحْمَنِ فَالْعُدُولُ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ إلَى غَيْرِهِ عُدُولٌ عَنْ الْجَادَّةِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَجِبُ لِمَا عَدَا الْمَصْدَرَ إلَخْ) مُفَادُهُ أَنَّ الْمَصْدَرَ إذَا اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا يَجِبُ سَبْقُ اسْتِعْمَالِهِ حَقِيقَةً وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ مُشْتَقُّهُ مَجَازًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرُهُ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ وَيَجِبُ لِمَصْدَرِ الْمَجَازِ إلَخْ أَيْ يَجِبُ لِمَصْدَرِ الْمُشْتَقِّ الَّذِي تَجَوَّزَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَصْدَرُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَقَوْلُ النَّاصِرِ لَوْ قَالَ لِلْمَصْدَرِ الْمَجَازِ بِالنَّعْتِ لَا الْإِضَافَةِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْمَصْدَرُ الْمَجَازَ الَّذِي لَمْ يُشْتَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ اهـ.
مَدْفُوعٌ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُسْتَعْمَلِ مَجَازًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْإِرَادَةِ لِلْمُصَنِّفِ وَلَا يَشْمَلُ الَّذِي لَمْ يَتَجَوَّزْ فِيهِ بَلْ فِي مُشْتَقَّةِ الَّذِي هُوَ مُرَادٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُشْتَقِّ مَجَازٌ) قَالَ النَّاصِرُ يَنْتَقِضُ بِنَحْوِ لَيْسَ وَعَسَى وَنِعْمَ وَبِئْسَ فَإِنَّهَا مَجَازَاتٌ لِاسْتِعْمَالِهَا فِي الْحَدَثِ مُجَرَّدًا عَنْ الزَّمَانِ وَلَمْ تُسْتَعْمَلْ مَصَادِرُهَا لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا اهـ.
وَحَصَلَ مَا أَجَابَ بِهِ سم أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْصِيلُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدًا بِمَا لَهُ مَصْدَرٌ فَتَخْرُجُ الْمَذْكُورَاتُ إذْ لَا مَصَادِرَ لَهَا وَيَتَكَلَّفُ الْفَرْقَ بِنَحْوِ أَنَّ مَا لَهُ مَصْدَرٌ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ وُجُودُهُ تَفَرُّعًا مُحَقَّقًا فَنَاسَبَ أَنْ يَتَفَرَّعَ تَجَوُّزُهُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ وَلَا كَذَلِكَ مَا لَا مَصْدَرَ لَهُ أَوْ يُقَالُ إنَّ كَوْنَ هَذَا الْمَذْكُورَاتِ مَوْضُوعَةً فِي الْأَصْلِ لِلزَّمَانِ حَتَّى لَزِمَ الْآنَ أَنَّهَا مَجَازَاتٌ لِاسْتِعْمَالِهَا فِي مُجَرَّدِ الْحَدَثِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ فِي الْأَصْلِ لِلزَّمَانِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ شَرْحِ الْمُفَصَّلِ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَمَادَّةُ النَّقْضِ لَا يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ.
(قَوْلُهُ: كَالرَّحْمَنِ) تَمْثِيلٌ لِلْمُشْتَقِّ الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِ مَجَازٌ وَقَدْ سَبَقَ اسْتِعْمَالُ مَصْدَرِهِ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فَقَوْلُهُ وَهُوَ مِنْ الرَّحْمَةِ إلَخْ بَيَانٌ لِوُجُوبِ كَوْنِهِ مَجَازًا فِي حَقِّهِ تَعَالَى لَا حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَتِهِ وَبِهَذَا يَتِمُّ التَّمْثِيلُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا لَهُ تَعَالَى فَهُوَ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ إذْ لَا يَتَوَقَّفُ التَّمْثِيلُ عَلَى نَفْيِ اسْتِعْمَالِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَقَوْلُ سم إنَّ التَّجَوُّزَ فِي الرَّحْمَنِ يَقْتَضِي عَلَى تَصْحِيحِ الْمُصَنِّفِ سَبْقَ اسْتِعْمَالِ الرَّحْمَةِ بِمَعْنَى رِقَّةِ الْقَلْبِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَمَا أَجَابَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ السَّبْقِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ اهـ
стр. 401
لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مِنْ الرَّحْمَةِ وَحَقِيقَتُهَا الرِّقَّةُ وَالْحُنُوُّ الْمُسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا قَوْلُ بَنِي حَنِيفَةَ فِي مُسَيْلِمَةَ رَحْمَانُ الْيَمَامَةِ وَقَوْلُ شَاعِرِهِمْ فِيهِ:
سَمَوْت بِالْمَجْدِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمَيْنِ أَبًا ... وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْت رَحْمَانَا
أَيْ ذَا رَحْمَةٍ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَمِنْ تَعَنُّتِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ أَيْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ غَيْرُ صَحِيحٍ دَعَاهُمْ إلَيْهِ لَجَاجُهُمْ فِي كُفْرِهِمْ بِزَعْمِهِمْ نُبُوَّةَ مُسَيْلِمَةَ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَ كَافِرٌ لَفْظَةَ اللَّهِ فِي غَيْرِ الْبَارِي مِنْ آلِهَتِهِمْ وَقِيلَ إنَّهُ شَاذٌّ لَا اعْتِدَادَ بِهِ وَقِيلَ إنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ وَالْمُخْتَصُّ بِاَللَّهِ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ
(وَهُوَ) أَيْ الْمَجَازُ (وَاقِعٌ) فِي الْكَلَامِ (خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ) أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (وَ) أَبِي عَلِيٍّ (الْفَارِسِيِّ) فِي نَفْيِهِمَا وُقُوعَهُ
ــ
[حاشية العطار]
لَا اتِّجَاهَ لَهُ، أَمَّا السُّؤَالُ فَلَا وُرُودَ لَهُ فَإِنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ بِحَسَبِ الْقَانُونِ الْعَرَبِيِّ.
وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ الرَّحْمَةُ فِي مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ وَسَاغَ بِحَسَبِ هَذَا الْقَانُونِ اسْتِعْمَالُ رَحْمَنٍ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ لَكِنَّهُ لَمَّا اخْتَصَّ بِهِ مَنَعَ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصُ اسْتِعْمَالَهُ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كَالرَّحْمَةِ أَيْضًا فَوُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً لِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ وَهُوَ لَا يُعَارِضُ قَاعِدَةَ اللُّغَةِ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ جَوَّزَ كَوْنَهُ كِنَايَةً فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْكِنَايَةَ يَجُوزُ مَعَهَا إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِيهِ فَأَجَابَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّ الْكِنَايَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ يَجُوزُ مَعَهَا إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ امْتِنَاعُهُ لِخُصُوصِ الْمَادَّةِ كَمَا هُنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ فَسَاقِطٌ عَنْ رُتْبَةِ الِاعْتِبَارِ عِنْدَ أُولِي الْأَنْظَارِ.
وَقَدْ تَفَطَّنَ ﵀ لِمِثْلِ مَا قُلْنَا حَيْثُ كَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فَمِنْ تَعَنُّتِهِمْ رَادًّا عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُمْ خَرَجُوا بِمُبَالَغَتِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ عَنْ نَهْجِ اللُّغَةِ حَيْثُ اسْتَعْمَلُوا الْمُخْتَصَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِهِ اهـ.
بِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ رَحْمَنٌ مِنْ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ وَمِنْ لَازِمِهَا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ جَوَازَ إطْلَاقِهَا عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى كَانَ هَذَا الْإِطْلَاقُ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مُوَافِقًا لِقِيَاسِ لُغَةِ الْعَرَبِ وَنُطْقًا بِمَا قِيَاسُ اللُّغَةِ جَوَازُ النُّطْقِ بِهِ وَمِثْلُهُ بِمَا يَجِبُ صِحَّتُهُ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَبِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ نَهْجِ اللُّغَةِ وَتَجْوِيزُ كَوْنِ الْوَاضِعِ شَرْطَ أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالْخَطَأِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ قَالَ وَبِهَذَا يَظْهَرُ قُوَّةُ مَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ إنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ إلَخْ وَضَعَّفَ قَوْلَ الْكَمَالِ فِيهِ أَنَّ الشَّارِحَ إنَّمَا أَخَّرَهُ لِكَوْنِهِ أَضْعَفَ الْأَوْجُهِ وَلِبَعْضِ الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَةِ هَاهُنَا كَلَامٌ تَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ وَتَأْبَاهُ الطِّبَاعُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ بَنِي حَنِيفَةَ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ يُورَدُ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا لِلَّهِ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ فَكَيْفَ هَذَا الْحَصْرُ.
(قَوْلُهُ: فَمِنْ تَعَنُّتِهِمْ) التَّعَنُّتُ تَطَلُّبُ الْإِيقَاعِ فِي الْعَنَتِ أَيْ الْأَمْرِ الشَّاقِّ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ إيقَاعُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أَوْ إيقَاعُ كُلٍّ مِنْهُمْ نَفْسَهُ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ غَيْرُ صَحِيحٍ) قَالَ سم ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَ كَافِرٌ إلَخْ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ ذَلِكَ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت وَجْهَ إشْكَالِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَ كَافِرٌ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ اعْتِرَاضِ الْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَلَى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ فَمِنْ تَعَنُّتِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ فَإِنَّهُ اعْتَرَضَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ التَّعَنُّتَ سَبَبٌ فِي الْإِطْلَاقِ وَمَتَى ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ فَقَدْ وُجِدَ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْجُمْلَةِ غَايَتُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ سَبَبَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ التَّعَصُّبُ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَيْسَ إطْلَاقًا صَحِيحًا وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَيْهِ اللَّجَاجُ فِي كُفْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَفَرُوا بِادِّعَائِهِمْ لِمُسَيْلِمَةَ النُّبُوَّةَ وَتَوَغَّلُوا فِي الْكُفْرِ بِإِطْلَاقِهِمْ عَلَيْهِ مَا يَخْتَصُّ بِالْإِلَهِ تَوَغُّلًا خَرَجُوا بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ عَنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ.
قَالَهُ الْكَمَالُ وَفِيهِ أَنَّ اللَّجَاجَ لَا يُخْرِجُ الْعَرَبِيَّ عَنْ لُغَتِهِ وَإِلَّا لَأَدَّى ذَلِكَ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِاسْتِعْمَالِهِمْ فَيَنْسَدُّ بَابُ الِاسْتِدْلَالِ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ شَرْعًا لَا لُغَةً لِأَنَّ قِيَاسَ اللُّغَةِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ اتَّصَفَ بِالرَّحْمَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْعُ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ) هُوَ مَا ارْتَضَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ
стр. 402
(مُطْلَقًا) قَالَا وَمَا يُظَنُّ مَجَازًا نَحْوُ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي فَحَقِيقَةٌ (وَ) خِلَافًا (لِلظَّاهِرِيَّةِ) فِي نَفْيِهِمْ وُقُوعَهُ (فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) قَالُوا لِأَنَّهُ كَذِبٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَمَا فِي قَوْلِك فِي الْبَلِيدِ هَذَا حِمَارٌ وَكَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُنَزَّهٌ عَنْ الْكَذِبِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا كَذِبَ مَعَ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ وَهِيَ فِيمَا ذُكِرَ الْمُشَابَهَةُ فِي الصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ
ــ
[حاشية العطار]
الشَّارِحُ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ الْأَوْجُهِ قَالَهُ الْكَمَالُ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ وَلَا يَخْفَاك أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَا يَتَخَرَّجُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ لَا بِقَيْدِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَحَقِيقَةٌ) إنْ اكْتَفَوْا فِي الْحَقِيقَةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْمَالِ رَجَعَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا وَإِنْ أَرَادُوا اسْتِوَاءَ الْكُلِّ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَهَذَا مُرَاغَمَةٌ فِي الْحَقَائِقِ فَإِنَّ الْعَرَبَ مَا وَضَعَتْ اسْمَ الْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ وَمَا أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلْ لَفْظَ أَسَدٍ فِي الشُّجَاعِ مَثَلًا فَبَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ أَشْعَارَ الْعَرَبِ طَافِحَةٌ بِالْمَجَازَاتِ قَالُوا لَوْ وَقَعَ الْمَجَازُ لَلَزِمَ الْإِخْلَالُ بِالتَّفَاهُمِ إذْ قَدْ تَخْفَى الْقَرِينَةُ وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يُنْتِجُ امْتِنَاعَهُ بَلْ اسْتِبْعَادَ وُقُوعِهِ مَعَ أَنَّهُ وَاقِعٌ قَطْعًا وَبِالْجُمْلَةِ فَأَدِلَّةُ النَّافِي لَا تَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ) كَذِبٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ وَإِذَا صَحَّ نَفْيُهُ لَمْ يَصِحَّ إثْبَاتُهُ لِلتَّنَاقُضِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ شَرْطَ التَّنَاقُضِ اتِّحَادُ الْجِهَةِ وَالنَّفْيُ وَارِدٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْإِثْبَاتُ عَلَى الْمَجَازِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَذِبَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمُرَكَّبِ الْخَبَرِيِّ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمَجَازِ هُنَا الْمَجَازُ اللُّغَوِيُّ كَمَا يَقْتَضِيهِ اقْتِصَارُ الشَّارِحِ فِي التَّمْثِيلِ لَهُ أَشْكَلَ وَصْفُهُ بِالْكَذِبِ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ وَإِنْ أُرِيدَ مُطْلَقُ الْمَجَازِ الشَّامِلِ اللُّغَوِيِّ وَالْعَقْلِيِّ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الْعَضُدِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ لَنَا عَلَى وُقُوعِ الْمَجَازِ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْأَسَدَ لِلشُّجَاعِ وَالْحِمَارَ لِلْبَلِيدِ وَشَابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ وَقَامَتْ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ مِمَّا لَا يُحْصَى مَجَازَاتٌ اهـ.
فَالْوَصْفُ بِالْكَذِبِ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَلِلْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ بِتَأْوِيلِ أَنَّ نِسْبَةَ الْكَذِبِ إلَيْهِ بَعْدَ اعْتِبَارِ نِسْبَةِ شَيْءٍ إلَيْهِ أَوْ نِسْبَتِهِ إلَى شَيْءٍ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الدَّلِيلُ تَامَّ التَّقْرِيبِ وَعَلَى صَنِيعِ الشَّارِحِ يَكُونُ أَعَمَّ مِنْ الْمُدَّعَى وَذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي تَمَامِيَّةِ التَّقْرِيبِ كَمَا بَيَّنَ فِي عِلْمِ الْآدَابِ وَإِنَّمَا قَصَرَ الشَّارِحُ الْكَلَامَ عَلَى الْمَجَازِ الْمُفْرَدِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ هُنَا وَإِنْ كَانَ يَرِدُ عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ فِي تَخْصِيصِ مُدَّعَاهُمْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ قَصَرَهُ عَلَى أَحَدِ الْفَرْدَيْنِ لِخَفَائِهِ وَيُعْلَمُ مِنْهُ حَالُ الْفَرْدِ الثَّانِي.
فَإِنْ قُلْت إنَّمَا تَعَرَّضَ عُلَمَاءُ الْمَعَانِي لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَلِذَلِكَ اعْتَرَضَهُمْ الْعِصَامُ فِي الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ الْفَرْقِ بِالِاسْتِعَارَةِ فَإِنَّ التَّفْرِقَةَ الَّتِي ذَكَرُوهَا تَجْرِي فِي الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ أَيْضًا قُلْت أَجَابَ مُنَجِّمٌ بَاشَا عَنْ اعْتِرَاضِهِ بِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ أَشَدُّ احْتِيَاجًا إلَى بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَذِبِ لِكَوْنِهِ أَشْبَهَ بِهِ مِنْ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ادِّعَاءِ اتِّحَادِ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ مَعَ مُغَايَرَتِهِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهَذَا عَيْنُ الْكَذِبِ لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّأْوِيلُ بِخِلَافِ الْمُرْسَلِ إذْ لَيْسَ فِيهِ هَذَا الِادِّعَاءُ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْبُعْدَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَجَازِيِّ وَالْحَقِيقِيِّ فِي الِاسْتِعَارَةِ أَزْيَدُ مِنْ الْبُعْدِ بَيْنَهُمَا فِي الْمُرْسَلِ لِأَنَّ عَلَاقَةَ الِاسْتِعَارَةِ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَلَاقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ إذْ الْمُشَابَهَةُ أَضْعَفُ عَلَائِقِ الْمَجَازِ وَزِيَادَةُ الْبُعْدِ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ تَقْتَضِي زِيَادَةَ الْمُشَابَهَةِ بِالْكَذِبِ اهـ.
ثُمَّ إنَّ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ بِكَوْنِهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ إنْ كَانَ وَاقِعًا فِي كَلَامِ النَّافِي فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا فَعُذِرَ الشَّارِحُ فِي زِيَادَتِهِ أَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُرَادِهِمْ وَإِنْ أَطْلَقُوا إذْ لَا يُسَوَّغُ لَهُمْ دَعْوَى كَوْنِهِ كَذِبًا فِي الْحَقِيقَةِ فَيَرِدُ حِينَئِذٍ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ إذَا تَأَمَّلْت قَوْلَ الْمُجِيبِ مَعَ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ وَقَوْلَ الْمُسْتَدِلِّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَجَدْت الْجَوَابَ غَيْرَ مُلَاقٍ لِلدَّلِيلِ وَالْمُنَاسِبُ سَوْقُ الدَّلِيلِ مُجَرَّدًا عَنْ قَوْلِهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ اهـ.
وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُلَاقَاةِ أَنَّ مَرْجِعَ الدَّلِيلِ لِقِيَاسٍ اقْتِرَانِيٍّ نَظْمُهُ هَكَذَا الْمَجَازُ كَذِبٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَرْجِعُ الْجَوَابِ نَمْنَعُ الصُّغْرَى فَنَفْيُ كَوْنِهِ كَذِبًا فِي الْوَاقِعِ الَّذِي هُوَ مُفَادُهُ
стр. 403
أَيْ عَدَمِ الْفَهْمِ (وَإِنَّمَا يُعْدَلُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَجَازِ عَنْ الْحَقِيقَةِ الْأَصْلِ (لِثِقَلِ الْحَقِيقَةِ) عَلَى اللِّسَانِ كَالْخِنْفِقِيقِ اسْمٌ لِلدَّاهِيَةِ يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى الْمَوْتِ مَثَلًا (أَوْ بَشَاعَتِهَا) كَالْخِرَاءَةِ يُعْدَلُ عَنْهَا إلَى الْغَائِطِ وَحَقِيقَتُهُ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ (أَوْ جَهْلِهَا) لِلْمُتَكَلِّمِ أَوْ
ــ
[حاشية العطار]
تَبْقَى مَعَهُ الصُّغْرَى عَلَى حَالِهَا وَهُوَ أَنَّهُ كَذِبٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَبِهَذَا سَقَطَ قَوْلُ سم أَنَّ إيهَامَ الْكَذِبِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ لِاقْتِضَائِهِ بَقَاءَ الدَّلِيلِ سَالِمًا عَنْ الْمَنْعِ فَيَتِمُّ نَعَمْ قَوْلُ النَّاصِرِ: الْمُنَاسِبُ سَوْقُ الدَّلِيلِ مُجَرَّدًا عَنْ قَوْلِهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْته مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُخَاطَبَ الَّذِي يُلْقَى إلَيْهِ الْمَجَازُ هُوَ الْمُتَفَطِّنُ الْعَارِفُ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ وَوُجُوهِ اعْتِبَارَاتِهِ وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ إذَا خُوطِبَ بِالْمَجَازِ مُحْتَفًّا بِقَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ فَهِمَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ وَلَا يَتَبَادَرُ ذِهْنُهُ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَصْلًا فَلَا كَذِبَ فِي الْمَجَازِ أَصْلًا لَا بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ وَلَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَيُذْكَرُ فِي كُتُبِ الْأَدَبِ نَوَادِرُ كَثِيرَةٌ تَقْضِي بِأَنَّ الْعَرَبَ الْخُلَّصَ وَصَلُوا إلَى غَايَةٍ مِنْ الْفَطِنَةِ فِي أَسَالِيبِ الْكَلَامِ وَسُرْعَةِ الْبَدِيهَةِ مَا وَصَلَ إلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الْأُمَمِ سِوَاهُمْ.
مِنْ ذَلِكَ مَا حُكِيَ أَنَّ مُهَلْهَلًا كَانَ فِي سَفَرٍ مَعَ عَبْدَيْنِ لَهُ فَفَهِمَ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا يُرِيدَانِ اغْتِيَالَهُ فَأَوْصَاهُمَا إذَا وَرَدَا الْحَيَّ أَنْ يُنْشِدَا هَذَا الشِّعْرَ:
مَنْ يُخْبِرُ الْبِنْتَيْنِ أَنَّ مُهَلْهَلًا ... بِاَللَّهِ رَبِّكُمَا وَرَبِّ أَبِيكُمَا
فَاتَّفَقَ أَنْ قَتَلَاهُ وَوَصَلَا لِلْحَيِّ فَسُئِلَا عَنْهُ فَقَالَا مَاتَ فَقِيلَ وَهَلْ أَوْصَى بِشَيْءٍ قَالَا نَعَمْ أَوْصَى بِأَنْ نُنْشِدَ هَذَا الشِّعْرَ فَقِيلَ إنَّ لِهَذَا الشِّعْرِ بَقِيَّةٌ وَإِنَّكُمَا قَتَلْتُمَاهُ فَأَقَرَّا بِذَلِكَ وَأَنْشَدَ الْبِنْتَانِ هَذَا الشِّعْرَ بِحَسَبِ سَلِيقَتِهِمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ
مَنْ يُخْبِرُ الْبِنْتَيْنِ أَنَّ مُهَلْهَلًا ... أَضْحَى قَتِيلًا بِالْفَلَاةِ مُجَنْدَلَا
بِاَللَّهِ رَبِّكُمَا وَرَبِّ أَبِيكُمَا ... لَا تَتْرُكَا الْعَبْدَيْنِ حَتَّى يُقْتَلَا
فَقُتِلَ الْعَبْدَانِ فَانْظُرْ كَيْفَ اهْتَدَيَا بِصَفَاءِ أَذْهَانِهِمَا بِالْكَلَامِ مُطْوًى لَمْ يُرْمَزْ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فَمَا ظَنُّك لِكَلَامِ مُحْتَفٍّ بِالْقَرَائِنِ فَظَهَرَ لَك بِهَذَا صِدْقُ مَا ادَّعَيْنَاهُ وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَى الشَّارِحِ مَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ أَنَّ الْكَذِبَ لَازِمٌ لِإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَارْتِفَاعُهُ إنَّمَا هُوَ بِإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَالدَّالُّ عَلَيْهَا هُوَ الْقَرِينَةُ فَانْتِفَاءُ الْكَذِبِ لِأَجْلِ وُجُودِ الْقَرِينَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لَا لِأَجْلِ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ اهـ.
وَهُوَ وَجِيهٌ إذْ قَدْ صَرَّحَ بِهِ الْبَيَانِيُّونَ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ إنَّ الْمُسْتَعِيرَ يُؤَوِّلُ كَلَامُهُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ الظَّاهِرِ وَيَنْصِبُ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ لَيْسَ بِمُرَادٍ لَهُ بِخِلَافِ الْكَاذِبِ فَإِنَّهُ يَدَّعِي الظَّاهِرَ وَيُرِيدُهُ وَيَصْرِفُ هِمَّتَهُ عَلَى إثْبَاتِهِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ ثَابِتٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَا أَجَابَ بِهِ سم بِأَنَّ الْمُحَقِّقَ لِإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الدَّافِعِ لِلْكَذِبِ فِي الْوَاقِعِ إنَّمَا هُوَ اعْتِبَارُ الْعَلَاقَةِ.
وَأَمَّا الْقَرِينَةُ فَإِنَّمَا هِيَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ الِانْتِفَاءِ إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ إنَّمَا يُنَاسِبُ التَّعَرُّضَ لِنَفْيِ الْكَذِبِ فِي الْوَاقِعِ الَّذِي هُوَ مَسَاقُ كَلَامِ الْمُجِيبِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْخَصْمَ إنَّمَا يَدَّعِي الْكَذِبَ ظَاهِرًا، وَجَوَابُ الشَّارِحِ لَا يُلَاقِي دَلِيلَهُ وَأَنَّ النَّافِيَ لِلْكَذِبِ ظَاهِرًا هُوَ نَصْبُ الْقَرِينَةِ إذْ لَوْلَاهَا لَتَبَادَرَ الذِّهْنُ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَيَجِيءُ الْكَذِبُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ عَدَمِ الْفَهْمِ) قَالَ سم وَجْهُ كَوْنِهِ صِفَةً ظَاهِرَةً أَنَّهُ مِمَّا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِالْمُخَاطَبَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ عَدَمَ الْفَهْمِ يَظْهَرُ بِمُخَاطَبَةِ صَاحِبهِ ظُهُورًا تَامًّا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُجَرِّبِ اهـ.
وَأَرَادَ بِنَحْوِ الْمُخَاطَبَةِ تَرْكِيبَ الشَّكْلِ وَالسَّجِيَّةِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي كُتُبِ الْفِرَاسَةِ عَلَامَاتٍ فِي الْأَشْخَاصِ ظَاهِرَةً تَدُلُّ عَلَى أَخْلَاقٍ بَاطِنَةٍ مَنْ أَحَاطَ بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ خُبْرًا اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ مَا قَالُوهُ وَكُنْت ظَفِرْت بِنُبْذَةٍ مِنْ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الشِّيرَازِيِّ عَلَى الْقَانُونِ ذَكَرْت بَعْضَهَا مِنْهَا فِي شَرْحِي عَلَى نُزْهَةِ الْأَذْهَانِ فِي عِلْمِ الطِّبِّ.
(قَوْلُهُ: الْأَصْلِ) بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلْحَقِيقَةِ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لِأَنَّ الْمَجَازِ ابْتَنَى عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ سَبْقِ وَضْعِهَا أَوْ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا حَمَلَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ وَالنَّقْلُ خِلَافُ الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَيْ كَالنَّائِبَةِ وَالْحَادِثَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ جَهْلِهَا لِلْمُتَكَلِّمِ) أَيْ مَعَ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِهَا وَالْمُرَادُ بِالْعُدُولِ عَدَمُ الْإِتْيَانِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ
стр. 404
لِلْمُخَاطَبِ دُونَ الْمَجَازِ (أَوْ بَلَاغَتِهِ) نَحْوُ زَيْدٌ أَسَدٌ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ شُجَاعٍ (أَوْ شُهْرَتِهِ) دُونَ الْحَقِيقَةِ (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَإِخْفَاءِ الْمُرَادِ عَنْ غَيْرِ الْمُتَخَاطِبِينَ الْجَاهِلِ بِالْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ وَكَإِقَامَةِ الْوَزْنِ وَالْقَافِيَةِ وَالسَّجْعِ بِهِ دُونَ الْحَقِيقَةِ (وَلَيْسَ الْمَجَازُ غَالِبًا عَلَى اللُّغَاتِ خِلَافًا لِابْنِ جِنِّي) بِسُكُونِ الْيَاءِ مُعَرَّبُ كِنِّي بَيْنَ الْكَافِ وَالْجِيمِ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ غَالِبٌ فِي كُلِّ لُغَةٍ
ــ
[حاشية العطار]
مَعْرِفَةِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَجَازٌ مَعْرِفَةُ الْحَقِيقَةِ بِعَيْنِهَا فَلَا يُقَالُ الْمَجَازُ مَصْحُوبٌ بِالْعَلَاقَةِ وَهِيَ ارْتِبَاطٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَيَلْزَمُ مِنْ الْعِلْمِ بِالْمَجَازِ الْعِلْمُ بِالْحَقِيقَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَلَاغَتِهِ) لَيْسَ الْمُرَادُ الْبَلَاغَةَ الْبَيَانِيَّةَ إذْ لَا تَكُونُ فِي الْمُفْرَدِ بَلْ الْمُرَادُ الْأَبْلَغِيَّةُ فِي الْوَصْفِ لِأَنَّ الْمَجَازَ انْتِقَالٌ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ فَهُوَ كَدَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ شُجَاعٍ (قَوْلُهُ: زَيْدٌ أَسَدٌ) التَّمْثِيلُ بِهِ عَلَى مُخْتَارِ التَّفْتَازَانِيِّ أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ أَبْلَغُ) مِنْ شُجَاعٍ قَالَ النَّاصِرُ تَعْبِيرُ الشَّارِحِ بِأَبْلَغَ الْمُوَافِقِ لِتَعْبِيرِهِمْ فِي اقْتِضَاءِ ثُبُوتِ الْبَلَاغَةِ لِلْحَقِيقَةِ أَيْضًا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَوْ قَالَ أَوْ أَبْلَغِيَّتُهُ كَانَ أَوْلَى اهـ.
قَالَ سم وَقَدْ يُوَجَّهُ عُدُولُ الْمُصَنِّفِ عَنْ التَّعْبِيرِ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ لِعَدَمِ اطِّرَادِهِ إذْ قَدْ يَنْفَرِدُ الْمَجَازُ بِالْبَلَاغَةِ دُونَهَا بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ بِبَلَاغَتِهِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا فَإِنَّهُ مُطَّرِدٌ سَوَاءٌ تَشَارَكَا فِي الْأَصْلِ أَوْ لَا. اهـ.
أَقُولُ وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَبْلَغِيَّةِ لَوُجِّهَ أَيْضًا فَإِنَّهُ نَقَلَ دده أَفَنْدِي فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ تَصْرِيفِ الْعِزِّيِّ لِلتَّفْتَازَانِيِ إنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ قَدْ يَكُونُ الْمُشَارَكَةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْهُ تَقْدِيرِيَّةً فَرْضِيَّةً اعْتِقَادِيَّةً وَمِنْهُ حَدِيثُ اللَّهُمَّ أَبْدَلَنِي خَيْرًا مِنْهُمْ أَيْ فِي اعْتِقَادِهِمْ وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرًّا أَيْ فِي اعْتِقَادِهِمْ وَإِلَّا فَلَيْسَ فِيهِ ﷺ شَرٌّ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُمْ زَيْدٌ أَعْلَمُ مِنْ الْحِمَارِ وَعَمْرٌو أَفْصَحُ مِنْ الْأَشْجَارِ أَيْ لَوْ كَانَ لِلْحِمَارِ عِلْمٌ وَلِلْأَشْجَارِ فَصَاحَةٌ.
(قَوْلُهُ: غَالِبٌ فِي كُلِّ لُغَةٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَلْ فِي اللُّغَاتِ
стр. 405
عَلَى الْحَقِيقَةِ أَيْ مَا مِنْ لَفْظٍ إلَّا وَيَشْتَمِلُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَجَازٍ تَقُولُ مَثَلًا رَأَيْت زَيْدًا وَضَرَبْته وَالْمَرْئِيُّ وَالْمَضْرُوبُ بَعْضُهُ وَإِنْ كَانَ يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ كُلُّهُ وَلَا مُعْتَمَدًا حَيْثُ تَسْتَحِيلُ الْحَقِيقَةُ
ــ
[حاشية العطار]
اسْتِغْرَاقِيَّةٌ وَإِنْ عَلَى بِمَعْنَى فِي وَيُمْكِنُ بَقَاؤُهَا عَلَى حَالِهَا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ فِي اللُّغَاتِ صَارَ غَالِبًا عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْحَقِيقَةِ) أَيْ عَلَى الْكَلِمَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لِمَعَانٍ وَضْعًا أَوَّلِيًّا أَيْ إنَّ أَكْثَرَهَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَعَانٍ مَجَازِيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَا مِنْ لَفْظٍ إلَخْ) قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ الْغَالِبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمَجَازُ لَا الْحَقِيقَةُ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِكَلَامِ الْفُصَحَاءِ وَالْبُلَغَاءِ فِي نَظْمِهِمْ وَنَثْرِهِمْ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا تَشْبِيهَاتٌ وَاسْتِعَارَاتٌ وَكِنَايَاتٌ وَإِسْنَادَاتُ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ إلَى مَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِذَلِكَ كَالْحَيَوَانَاتِ وَالدَّهْرِ وَالْأَطْلَالِ وَالزَّمَنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَجَوُّزٌ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْتِعْمَالِ الْمَعْلُومِ فَكَذَلِكَ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ سَافَرْت الْبِلَادَ وَرَأَيْت الْعِبَادَ وَلَبِسْت الثِّيَابَ وَمَلَكْت الْعَبِيدَ مَعَ أَنَّهُ مَا سَافَرَ كُلَّهَا وَلَا رَأَى كُلَّهُمْ وَمَا لَبِسَ كُلَّ الثِّيَابِ وَلَا مَلَكَ كُلَّ الْعَبِيدِ وَكَذَلِكَ تَقُولُ ضَرَبْت زَيْدًا مَعَ أَنَّك مَا ضَرَبْت إلَّا جُزْءًا مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ طَابَ الْهَوَاءُ وَبَرَدَ الْمَاءُ وَمَاتَ زَيْدٌ وَمَرِضَ عَمْرٌو بَلْ إسْنَادُ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كُلِّهَا إلَى الْحَيَوَانَاتِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَجَازٌ لِأَنَّ فَاعِلَهَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِسْنَادُهَا إلَى غَيْرِهِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ اهـ.
وَفِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ قَوْلَهُ مَا مِنْ لَفْظٍ إلَخْ لَا يُوفِي بِمُدَّعَى ابْنِ جِنِّي مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ غَالِبٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِصِدْقِهِ بِمُسَاوَاتِهَا اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ وَارِدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْغَالِبِ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَا مِنْ لَفْظٍ إلَّا وَهُوَ فِي أَكْثَرِ اسْتِعْمَالَاتِهِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مُشْتَمِلٌ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَجَازٍ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ فِي أَكْثَرِ اسْتِعْمَالَاتِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ مَجَازًا أَكْثَرَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ حَقِيقَةً.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَجَازٍ) أَيْ تَجَوُّزًا وَمَعْنَى مَجَازِيٍّ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَرْئِيُّ وَالْمَضْرُوبُ إلَخْ) فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ وَالْمَجَازُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ الْأَعْلَامَ مَجَازُ الِاسْتِعَارَةِ وَقِيلَ هُوَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَالْحَقُّ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تَنْبَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُضَايَقَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِغْرَاقُ الْفِعْلِ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَفْعُولِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَضْعًا فِي الْفِعْلِ هُوَ نِسْبَةُ إيقَاعِ الْحَدَثِ عَلَى الْمَفْعُولِ وَتَعَلُّقُهُ بِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَمَّهُ أَوْ لَا وَكُلٌّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فَلَا تَجَوُّزَ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ كُلُّهُ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ اشْتِمَالُ ضَرَبْت زَيْدًا عَلَى الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَضْرُوبَ بَعْضُهُ لَا كُلُّهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نِسْبَةِ التَّأَلُّمِ الَّذِي هُوَ إحْسَاسُ الْجِسْمِ بِالْآلَةِ لَا فِي نِسْبَةِ التَّأَلُّمِ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْإِحْسَاسِ (قَوْلُهُ: وَلَا مُعْتَمَدًا) أَيْ مُعَوَّلًا عَلَيْهِ فِي تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْحَقِيقَةِ مِنْ قَرَائِنِ الْمَجَازِ فَلَا يُقَالُ إنَّ الِاسْتِحَالَةَ مِنْ الْقَرَائِنِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَجَازِ فَكَيْفَ يَكُونُ غَيْرَ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ أَيْ فَرْعٌ لَهَا بِمَعْنَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْأَصْلُ الرَّاجِحُ الْمُقَدَّمُ فِي الِاعْتِبَارِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ
стр. 406
خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ الَّذِي لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ هَذَا ابْنِي أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْعِتْقَ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ لِلْبُنُوَّةِ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِلْغَاءِ وَأَلْغَيْنَاهُ كَصَاحِبَيْهِ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَصْحِيحِهِ بِمَا ذُكِرَ أَمَّا إذَا كَانَ مِثْلُ الْعَبْدِ يُولَدُ لِمِثْلِ السَّيِّدِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا كَقَوْلِهِمْ إنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةً بِاللَّازِمِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَلْزُومُ
(وَهُوَ) أَيْ الْمَجَازُ (وَالنَّقْلُ خِلَافُ الْأَصْلِ) فَإِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ وَالْمَجَازِيَّ أَوْ الْمَنْقُولَ عَنْهُ وَإِلَيْهِ فَالْأَصْلُ أَيْ الرَّاجِحُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ
ــ
[حاشية العطار]
مِنْ جِهَةِ الْخَلَفِيَّةِ فَعِنْدَهُمَا هِيَ الْحُكْمُ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِي الْمَجَازِ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَعِنْدَهُ التَّكَلُّمُ حَتَّى تَكْفِيَ صِحَّةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ سَوَاءٌ صَحَّ مَعْنَاهُ أَوْ لَا فَقَوْلُ الْقَائِلِ هَذَا ابْنِي لِعَبْدٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ مَجَازٌ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ فَعِنْدَهُ مَجَازٌ يَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ لِصِحَّةِ اللَّفْظِ وَعِنْدَهُمَا لَغْوٌ لِاسْتِحَالَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْأَكْبَرَ مَخْلُوقٌ مِنْ نُطْفَةِ الْأَصْغَرِ اهـ.
وَنَقَلَ الْكَمَالُ عَنْ شَيْخِهِ فِي تَحْرِيرِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْأَصْلَ اهـ.
لَكِنْ نَقَلَ سم عَنْ شَيْخِهِ الشِّهَابِ أَنَّهُ كَتَبَ بِخَطِّهِ عَلَى هَامِشِ الْكَمَالِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْأَصْلَ ظَهِيرُ الدِّينِ الزَّنْجَانِيُّ فِي كِتَابِ تَخْرِيجِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ فَقَالَ مَسْأَلَةُ الْمَجَازِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي الْحُكْمِ كَمَا أَنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ فِي التَّكَلُّمِ اهـ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَة لِمَا اعْتَذَرَ بِهِ الْكَمَالُ بِقَوْلِهِ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ فَهِمَ مِنْ مُوَافَقَتِهِمَا فِي الْفَرْعِ مُوَافَقَتَهُمَا فِي الْأَصْلِ قَالَ سم وَظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ النِّيَّةِ قَالَ وَعِبَارَةُ الْقَرَافِيِّ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ إنْ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ وَكَانَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ هُنَاكَ مُسْتَحِيلًا بِالْمَجَازِ عِنْدَنَا لَاغٍ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعْمُولٌ بِهِ مِثَالُهُ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ الَّذِي هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ هَذَا ابْنِي وَأَرَادَ بِهِ الْعِتْقَ لَمْ يَعْتِقْ عِنْدَنَا لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَصْلُحُ مَجَازًا إذَا كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَهَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فَيُلْغَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْتِقُ اهـ.
قَالَ سم أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ وَأَرَادَ بِهِ الْعِتْقَ مَعَ قَوْلِهِ لَمْ يَعْتَقْ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ مَعَ النِّيَّةِ اهـ.
وَاَلَّذِي رَأَيْته بِخَطِّ بَعْضِ أَفَاضِلِ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ أَدْرَكْنَا عَصْرَهُمْ أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ الْعَمَلُ بِالْقَرَائِنِ خِلَافًا لِمَا فِي الْقَرَافِيِّ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالِاسْتِحَالَةِ الِاسْتِحَالَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَوْ الْعَادِيَةُ لَا الشَّرْعِيَّةُ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْعِتْقِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ فِيهِ اعْتِمَادَ الْمَجَازِ مَعَ اسْتِحَالَةِ الْحَقِيقَةِ شَرْعًا (قَوْلُهُ: الَّذِي لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ) لِكِبَرِ الْعَبْدِ وَصِغَرِ سِنِّ السَّيِّدِ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ لَازِمٌ لِلْبُنُوَّةِ) فَتَكُونُ عَلَاقَةُ الْمَجَازِ الْمَلْزُومِيَّةَ أَوْ أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مِنْ أَسْبَابِ الْعِتْقِ لَا يُقَالُ هَذَا ابْنِي مِنْ قَبِيلِ زَيْدٌ أَسَدٌ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وَلَيْسَ بِاسْتِعَارَةٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَيْ هَذَا كَابْنِي وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا أَوْرَدَ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ زَيْدٌ أَسَدٌ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْحَالُ نَاطِقَةٌ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ ابْنِي مَعْنَاهُ مَوْلُودٌ لِي وَمَخْلُوقٌ مِنْ مَائِي فَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِثْلُ الْحَالُ نَاطِقَةٌ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَصْحِيحِهِ) أَيْ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ مَثَلًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ آحَادِ النَّاسِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ عَدَمُ الِاعْتِمَادِ دَائِمًا وَفِي النَّاصِرِ أَنَّ قَوْلَهُ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَخْ احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَإِنَّ الْمَجَازَ بِالنُّقْصَانِ اعْتَمَدَ فِيهِ لِضَرُورَةِ الصِّحَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي كَلَامِ الصَّادِقِ إلَى اعْتِمَادِهِ وَإِنْ آلَ الْأَمْرُ مَعَهُ إلَى الْحَقِيقَةِ وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى سَبِيلِ الْكُلِّيَّةِ لَا فِي الْجُمْلَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَلْزُومُ)
стр. 407
لِعَدَمِ الْحَاجَةِ فِيهِ إلَى قَرِينَةٍ أَوْ عَلَى الْمَنْقُولِ عَنْهُ اسْتِصْحَابًا لِلْمَوْضُوعِ لَهُ أَوَّلًا مِثَالُهُمَا رَأَيْت الْيَوْمَ أَسَدًا وَصَلَّيْت أَيْ حَيَوَانًا مُفْتَرِسًا وَدَعَوْت بِخَيْرٍ أَيْ سَلَامَةٍ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ الرَّجُلَ الشُّجَاعَ وَالصَّلَاةَ الشَّرْعِيَّةَ (وَ) الْمَجَازُ وَالنَّقْلُ (أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ) فَإِذَا احْتَمَلَ لَفْظٌ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنَى أَنْ يَكُونَ فِي آخَرَ حَقِيقَةً وَمَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً وَمَنْقُولًا فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْ الْمَنْقُولِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُؤَدِّي إلَى الِاشْتِرَاكِ لِأَنَّ الْمَجَازَ أَغْلَبُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَغْلَبِ أَوْلَى وَالْمَنْقُولُ لِإِفْرَادِ مَدْلُولِهِ قَبْلَ النَّقْلِ وَبَعْدَهُ لَا يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْمُشْتَرَكُ لِتَعَدُّدِ مَدْلُولِهِ لَا يُعْمَلُ بِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تُعَيِّنُ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ مَثَلًا إلَّا إذَا قِيلَ
ــ
[حاشية العطار]
إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَصُورَةِ الِاسْتِحَالَةِ بِأَنَّ الْمَلْزُومَ هُنَا مُمْكِنُ الثُّبُوتِ وَهُنَاكَ مُسْتَحِيلُهُ اهـ. نَاصِرٌ
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَخْ) أَيْ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَأَمَّا قَرِينَةُ الْمُشْتَرَكِ فَلِتَعَارُضِ الْمَعَانِي.
(قَوْلُهُ: وَصَلَّيْتُ) أَيْ إذَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ الشَّرْعِيِّ فَلَا يُقَالُ إنْ أَرَادَ الْحَمْلَ فِي نَحْوِ هَذَا الْمِثَالِ بِالنِّسْبَةِ لِعُرْفِ اللُّغَةِ كَانَ مِنْ قَبِيلِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ وَالْمَجَازِيَّ لَا الْمَنْقُولَ عَنْهُ وَالْمَنْقُولَ إلَيْهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالنِّسْبَةِ لِعُرْفِ الشَّرْعِ خَالَفَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِي ثُمَّ هُوَ أَيْ اللَّفْظُ مَحْمُولٌ عَلَى عُرْفِ الْمُخَاطَبِ فَفِي خِطَابِ الشَّرْعِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ عُرْفُهُ ثُمَّ اللُّغَوِيِّ إلَخْ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ أَنَّ مَا لَهُ مَعَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مَعْنًى عُرْفِيٌّ عَامٌّ أَوْ مَعْنًى لُغَوِيٌّ أَوْ هُمَا يُحْمَلُ أَوَّلًا عَلَى الشَّرْعِيِّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ سَلَامَةٍ مِنْهُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ صَلَّيْتُ جُزْءٌ مِنْ الْمِثَالِ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ مِثَالًا مُشْتَمِلًا عَلَى شَيْئَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بَلْ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ كُلًّا مِثَالٌ مُسْتَقِلٌّ (قَوْلُهُ: وَالْمَجَازُ وَالنَّقْلُ إلَخْ) تُفِيدُ أَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَيَيْهِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ وَالْمَنْقُولِ إلَيْهِ لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ وَإِنْ كَانَ لَفْظًا وَاحِدًا مُتَعَدِّدَ الْمَعْنَى وَالْوَضْعِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ التَّفْتَازَانِيِّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ.
قَالَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَيْ إنْ كَانَ مَعْنَى الِاسْمِ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ وَضْعُهُ لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ عَلَى السَّوِيَّةِ بِأَنْ وُضِعَ لِهَذَا كَمَا وُضِعَ لِذَاكَ وَلَمْ يُعْتَبَرْ النَّقْلُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ سُمِّيَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْمَعَانِي مُشْتَرَكًا وَإِلَى أَحَدِهِمَا مُجْمَلًا كَالْعَيْنِ لِلْبَاصِرَةِ وَالْجَارِيَةِ وَالذَّهَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَضْعُهُ لِلْمَعَانِي عَلَى السَّوِيَّةِ بَلْ وُضِعَ أَوَّلًا لِأَحَدِهِمَا ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْآخَرِ لِمُنَاسِبَةٍ بَيْنَهُمَا فَإِمَّا أَنْ يُتْرَكَ وَيَهْجُرَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ حَقِيقَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ أَوْ لَا فَإِنْ تُرِكَ سُمِّيَ مَنْقُولًا وَيُنْسَبُ إلَى النَّاقِلِ وَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ فَحَالُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي الَّذِي نُقِلَ إلَيْهِ يُسَمَّى مَجَازًا اهـ.
وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ تَعَدُّدَ الْمَعْنَى فِي الْمَنْقُول بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا وَضَعَهُ لِلْمَنْقُولِ عَنْهُ وَالْآخَرُ وَضَعَهُ لِلْمَنْقُولِ إلَيْهِ فَاتَّضَحَ قَوْلُ الشَّارِحِ وَالْمَنْقُولُ لِإِفْرَادِ مَدْلُولِهِ إلَخْ وَفِي زِيَادَةِ قَيْدٍ تَعَدَّدْ الْوَضْعِ فِي الْمُشْتَرَكِ نِزَاعٌ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْوَضْعِيَّةِ وَذَكَرْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِيمَا كَتَبْنَاهُ مِنْ الْحَوَاشِي عَلَى ذَلِكَ الشَّرْحِ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا احْتَمَلَ لَفْظٌ) هُوَ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنَى أَيْ بِلَا تَرَدُّدِ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنًى آخَرَ حَقِيقَةً أَيْ فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهَذَا الْمَعْنَى الْآخَرِ وَمَجَازًا أَيْ وَأَنْ يَكُونَ مَجَازًا فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْأَوَّلِ مَجَازًا فِي الْآخَرِ وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ أَوْ حَقِيقَةً وَمَنْقُولًا وَإِنَّمَا عُطِفَ قَوْلُهُ وَمَجَازًا وَمَنْقُولًا بِالْوَاوِ دُونَ أَوْ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ بِخِلَافِ الْحَمْلِ فَلِذَا أَتَى فِيهِ بِأَوْ هُنَا بِلَفْظٍ وَفِيمَا سَبَقَ بِاللَّفْظِ لِأَنَّ اللَّفْظَ فِي الْأُولَى تَحَقَّقَتْ لَهُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازِيَّةُ وَالِاحْتِمَالُ إنَّمَا هُوَ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِ أَوْ مَجَازًا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَفِي الثَّانِيَةِ تَحَقَّقَتْ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْآخَرِ بِهِ وَالِاحْتِمَالُ إنَّمَا هُوَ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِ أَوْ مَجَازًا أَوْ مَنْقُولًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَجَازَ أَغْلَبُ) إنَّمَا لَمْ يُعَلَّلْ بِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ فِي الْوَضْعِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْأَصْلِ لَازِمَةٌ فِي الْمَجَازِ وَالنَّقْلِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: لِإِفْرَادِ مَدْلُولِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَصْدَرٌ أَيْ اتِّحَادُهُ وَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ لَا يَمْتَنِعُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَمْتَنِعُ) بَلْ يُعْمَلُ بِهِ اكْتِفَاءً بِعُرْفِ التَّخَاطُبِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى قَرِينَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَيْ أَوْ مَعَانِيهِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا قِيلَ إلَخْ) فَإِنَّ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِمَا لَا يَمْتَنِعُ عِنْدَهُ الْعَمَلُ بِالْمُشْتَرَكِ بِدُونِ قَرِينَةٍ فَلَا
стр. 408
بِحَمْلِهِ عَلَيْهِمَا وَمَا لَا يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ فَالْأَوَّلُ كَالنِّكَاحِ حَقِيقَةُ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ وَقِيلَ الْعَكْسُ وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا مُحْتَمِلٌ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي الْآخَرِ وَالثَّانِي كَالزَّكَاةِ حَقِيقَةُ فِي النَّمَاءِ أَيْ الزِّيَادَةِ مُحْتَمِلٌ فِيمَا يُخْرَجُ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَقِيقَةً أَيْضًا أَيْ لُغَوِيَّةً وَمَنْقُولًا شَرْعِيًّا:
(قِيلَ وَ) الْمَجَازُ وَالنَّقْلُ أَوْلَى (مِنْ الْإِضْمَارِ) فَإِذَا احْتَمَلَ الْكَلَامُ لَأَنْ يَكُونَ فِيهِ مَجَازٌ وَإِضْمَارٌ أَوْ نَقْلٌ وَإِضْمَارٌ فَقِيلَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْ النَّقْلِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْإِضْمَارِ لِكَثْرَةِ الْمَجَازِ وَعَدَمِ احْتِيَاجِ النَّقْلِ إلَى قَرِينَةٍ وَقِيلَ الْإِضْمَارُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ لِأَنَّ قَرِينَتَهُ مُتَّصِلَةٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا سِيَّانِ لِاحْتِيَاجِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى قَرِينَةٍ وَإِنَّ الْإِضْمَارَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ لِسَلَامَتِهِ مِنْ نَسْخِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ الَّذِي يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ الْمَشْهُورِ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ هَذَا ابْنِي أَيْ عَتِيقٌ تَعْبِيرًا عَنْ اللَّازِمِ بِالْمَلْزُومِ فَيُعْتَقُ أَوْ مِثْلُ ابْنِي فِي الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ فَلَا يُعْتَقُ وَهُمَا وَجْهَانِ عِنْدَنَا كَمَا تَقَدَّمَ وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
فَقَالَ الْحَنَفِيُّ أَيْ أَخْذَهُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ مَثَلًا فَإِذَا أُسْقِطَتْ صَحَّ الْبَيْعُ وَارْتَفَعَ الْإِثْمُ وَقَالَ غَيْرُهُ نُقعلَ الرِّبَا شَرْعًا إلَى الْعَقْدِ فَهُوَ فَاسِدٌ وَإِنْ أُسْقِطَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ مَثَلًا وَالْإِثْمُ فِيهَا بَاقٍ
ــ
[حاشية العطار]
يَنْتَهِضُ الدَّلِيلُ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ نَعَمْ لَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ قَبِيلِ الْمُنْفَرِدِ وَالْمُنْفَرِدُ أَغْلَبُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ فَالْإِلْحَاقُ بِهِ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى ذَلِكَ وَلِذَا ذَكَرَهُ بِالْفَاءِ الْمُؤْذِنَةِ بِتَسَبُّبِ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: مُحْتَمِلٌ لِلْحَقِيقَةِ) أَيْ عَلَى الثَّالِثِ وَقَوْلُهُ وَالْمَجَازُ أَيْ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ بِاعْتِبَارِنَا وَإِلَّا فَكُلُّ قَائِلٍ جَازِمٌ بِمَا قَالَهُ وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ النَّاصِرِ أَنَّ الْأَقْوَالَ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ لَا تَدَّعِي الْقَطْعَ بَلْ الظَّنَّ وَالِاحْتِمَالُ قَائِمٌ مَعَهُ.
(قَوْلُهُ: فِي النَّمَاءِ) بِالْمَدِّ الزِّيَادَةُ وَبِالْقَصْرِ صِغَارُ النَّمْلِ.
(قَوْلُهُ: قِيلَ وَالْمَجَازُ) الْمُرَادُ بِهِ الْمَجَازُ الِاصْطِلَاحِيُّ وَهُوَ التَّجَوُّزُ فِي اللَّفْظِ فَصَحَّ مُقَابَلَتُهُ بِالْإِضْمَارِ وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازٌ بِالْحَذْفِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ احْتَمَلَ الْكَلَامُ إلَخْ) إنَّمَا عَبَّرَ هُنَا بِالْكَلَامِ دُونَ اللَّفْظِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَعُمُّ الْمُفْرَدَ وَالْمُرَكَّبَ وَالْإِضْمَارُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمُرَكَّبِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ.
(قَوْلُهُ: وَعَدَمُ احْتِيَاجِ النَّقْلِ إلَى قَرِينَةٍ) أَيْ وَاحْتِيَاجُ الْإِضْمَارِ إلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ قَرِينَتَهُ مُتَّصِلَةٌ) لِأَنَّ الْإِضْمَارَ هُوَ الْمُسَمَّى سَابِقًا بِالِاقْتِضَاءِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ قَرِينَتَهُ تَوَقُّفُ الصِّدْقِ أَوْ الصِّحَّةِ الْعَقْلِيَّةِ أَوْ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ وَتَوَقُّفُ صِدْقِ الْكَلَامِ وَصِحَّتُهُ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُ وَذَلِكَ غَايَةُ الِاتِّصَالِ اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا سِيَّانِ) أَيْ وَاسْتِوَاؤُهُمَا لَا يُنَافِي تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِمُدْرَكٍ يَخُصُّهُ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْآتِي وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّ الْإِضْمَارَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ لَا يُنَافِي تَرْجِيحَ النَّقْلِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِمُدْرَكٍ يَخُصُّهُ قَالَ سم.
(قَوْلُهُ: لِاحْتِيَاجِ كُلٍّ مِنْهُمَا) إلَى قَرِينَةٍ يَعْنِي وَأَمَّا كَثْرَةُ الْمَجَازِ فَمُقَابَلَةٌ بِاتِّصَالِ قَرِينَةِ الْإِضْمَارِ وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ تَمَامُ الْعِلَّةِ اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: لِسَلَامَتِهِ مِنْ نَسْخِ الْمَعْنَى) وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْبَلَاغَةِ بِخِلَافِ النَّقْلِ (قَوْلُهُ: مِثَالُ الْأَوَّلِ) أَيْ الْكَلَامُ الْمُحْتَمَلُ لَأَنْ يَكُونَ فِيهِ مَجَازٌ وَإِضْمَارٌ.
(قَوْلُهُ: عَنْ اللَّازِمِ) وَهُوَ عَتِيقٌ بِالْمَلْزُومِ وَهُوَ ابْنِي إذْ بُنُوَّةُ الْمَمْلُوكِ لِمَالِكِهِ تَسْتَلْزِمُ عِتْقَهُ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ (قَوْلُهُ: أَوْ مِثْلُ ابْنِي) فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ.
(قَوْلُهُ: وَهُمَا وَجْهَانِ عِنْدَنَا) فَإِنْ قِيلَ الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ
стр. 409
(وَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْمَجَازِ وَالنَّقْلِ.
فَإِذَا احْتَمَلَ الْكَلَامُ لَأَنْ يَكُونَ فِيهِ تَخْصِيصٌ وَمَجَازٌ أَوْ تَخْصِيصٌ وَنَقْلٌ فَحَمْلُهُ عَلَى التَّخْصِيصِ أَوْلَى أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِتَعَيُّنِ الْبَاقِي مِنْ الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَعَيَّنُ بِأَنْ يَتَعَدَّدَ وَلَا قَرِينَةَ تُعَيِّنُ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِسَلَامَةِ التَّخْصِيصِ مِنْ نَسْخِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ النَّقْلِ مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
فَقَالَ الْحَنَفِيُّ أَيْ مِمَّا لَمْ يُتَلَفَّظْ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ ذَبْحِهِ وَخُصَّ مِنْهُ النَّاسِي لَهَا فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ أَيْ مِمَّا لَمْ يُذْبَحْ تَعْبِيرًا عَنْ الذَّبْحِ بِمَا يُقَارِنُهُ غَالِبًا مِنْ التَّسْمِيَةِ فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْمُتَعَمِّدِ لِتَرْكِهَا عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
فَقِيلَ هُوَ الْمُبَادَلَةُ مُطْلَقًا وَخُصَّ مِنْهُ الْفَاسِدُ لِعَدَمِ حِلِّهِ وَقِيلَ نُقِلَ شَرْعًا إلَى الْمُسْتَجْمِعِ لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ فَمَا شَكَّ فِي اسْتِجْمَاعِهِ لَهَا يَحِلُّ وَيَصِحُّ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فَسَادِهِ دُونَ الثَّانِي
ــ
[حاشية العطار]
الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةً بِاللَّازِمِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَلْزُومُ وَذَلِكَ تَرْجِيحٌ لِلْمَجَازِ عَلَى الْإِضْمَارِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الرَّاجِحَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا أُجِيبَ بِأَنَّ تَرْجِيحَ الْمَجَازِ هُنَا لِخَارِجٍ وَهُوَ تَشَوُّفُ الشَّارِعِ إلَى الْعِتْقِ وَذَلِكَ خَاصٌّ بِهَذَا الْمَحَلِّ لَا يَطَّرِدُ فِي غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ بِمُجَرَّدِ هَذَا ابْنِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْعِتْقِ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُجْرَى فِي قَوْلِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ أَيْ كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ نُقِلَ الرِّبَا شَرْعًا إلَى الْعَقْدِ فَيَقِلُّ فِي تَرْجِيحِ النَّقْلِ عَلَى الْإِضْمَارِ مَعَ أَنَّ الرَّاجِحَ عَكْسُهُ رُجِّحَ لَا لِكَوْنِهِ نَقْلًا بَلْ لِمُرَجِّحٍ خَاصٍّ وَهُوَ تَنْظِيرُ الرِّبَا بِالْبَيْعِ فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْكُفَّارِ ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَقْدِ وَلِهَذَا رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَإِنَّمَا يُطَابِقُهُ بِحَمْلِ الرِّبَا فِيهِ عَلَى الْعَقْدِ وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا يَجْرِي فِي تَعَارُضِ التَّخْصِيصِ وَالْمَجَازِ الْآتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] . اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَالتَّخْصِيصُ) أَيْ إخْرَاجُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ مِنْ الْعَامِّ.
(قَوْلُهُ: فَلِتَعَيُّنِ الْبَاقِي مِنْ الْعَامِّ إلَخْ) فَإِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ ثُمَّ أَخْرَجْنَا مِنْهُ بَعْضَ أَفْرَادِهِ بِدَلِيلٍ بَقِيَ الْبَاقِي مُتَعَيَّنُ الْإِرَادَةِ فَيُعْمَلُ بِهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَجَازِيِّ) أَيْ الْمَعْنَى الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَعَيَّنُ) إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَجَازِ مُصَاحَبَةُ الْقَرِينَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ فَإِذَا قُلْت رَأَيْت بَحْرًا فِي الْحَمَّامِ احْتَمَلَ الرَّجُلَ الْكَرِيمَ وَالْعَالِمَ وَلَا قَرِينَةَ تُعَيِّنُ أَحَدَهُمَا فَإِنَّ الْقَرِينَةَ الْمَوْجُودَةَ مَانِعَةٌ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَقَطْ وَهِيَ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ قَالَ الْعِصَامُ فِي الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ الْقَرِينَةُ الَّتِي هِيَ دَاخِلَةٌ فِي مَفْهُومِ الْمَجَازِ وَيَتَوَقَّفُ حُصُولُهُ عَلَيْهِ هِيَ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ لَا الْمُعَيِّنَةُ الَّتِي بِهَا يَتَعَيَّنُ الْمَجَازِيُّ الْمُرَادُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُهُمَا مُحَسِّنًا لِلْكَلَامِ وَلِذَلِكَ اسْتَكْرَهَ الْبُلَغَاءُ الْمَجَازَ الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ قَرِينَةٌ مُعَيِّنَةٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ الْبَلِيغُ إذْهَابَ نَفْسِ السَّامِعِ إلَى كُلِّ مَعْنًى مَجَازِيٍّ مُمْكِنٍ فِي الْمَقَامِ وَتَشْوِيقَهَا إلَى التَّعْيِينِ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ تَرْكُهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَتَعَدَّدَ) كَمَا إذَا قُلْت وَاَللَّهِ لَا أَشْتَرِي وَتُرِيدُ السَّوْمَ وَالشِّرَاءَ بِالْوَكِيلِ.
(قَوْلُهُ: فَلِسَلَامَةِ التَّخْصِيصِ مِنْ نَسْخِ الْمَعْنَى) لَا يُقَالُ إنَّ فِيهِ نَسْخًا لِرَفْعِهِ الْحُكْمَ عَنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ نَسْخُ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ بِرُمَّتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي التَّخْصِيصِ بِخِلَافِ النَّقْلِ.
(قَوْلُهُ: وَخُصَّ مِنْهُ النَّاسِي) أَيْ مَذْبُوحُ النَّاسِي.
(قَوْلُهُ: مِمَّا لَمْ يُذْبَحْ) أَيْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا.
(قَوْلُهُ: بِمَا يُقَارِنُهُ) فَهُوَ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ الْمُجَاوَرَةُ وَلَمْ تُجْعَلْ الْعَلَاقَةُ اللَّازِمِيَّةَ وَالْمَلْزُومِيَّة لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الذَّبْحُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ وَالْأَنْسَبُ تَأْوِيلُ بَعْضِهِمْ بِمَا ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْ مِمَّا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا لِيُطَابِقَ قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَرُجِّحَ الْمَجَازُ هُنَا لِمَدْرَكٍ خَاصٍّ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مُرَجَّحَةً فِي الْأُصُولِ أَنْ تَكُونَ مُرَجَّحَةً فِي الْفُرُوعِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ الْمُبَادَلَةُ مُطْلَقًا) أَيْ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي الْبَيْعِ اسْتِغْرَاقِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: يَحِلُّ)
стр. 410
لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اسْتِجْمَاعِهِ لَهَا وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَوْلَوِيَّةِ التَّخْصِيصِ مِنْ الْمَجَازِ الْأَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْمُسَاوِي لِلْإِضْمَارِ أَنَّ التَّخْصِيصَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَأَنَّ الْإِضْمَارَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَمَنْ ذَكَرَ الْمَجَازَ قَبْلَ النَّقْلِ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْهُ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ وَوَجْهُ الْأَخِيرِ سَلَامَةُ الْمَجَازِ مِنْ نَسْخِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ النَّقْلِ.
وَقَدْ تَمَّ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْعَشَرَةَ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي تَعَارُضِ
ــ
[حاشية العطار]
لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْمَانِعِ وَالْمُرَادُ بِالْحِلِّ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَبِالصِّحَّةِ عَدَمُ الْفَسَادِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فَسَادِهِ) أَيْ الْمُقْتَضِي لِإِخْرَاجِهِ أَيْ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اسْتِجْمَاعِهِ) فِيهِ أَنَّ عَدَمَ الِاسْتِجْمَاعِ هُوَ الْفَسَادُ فَيُنَاقِضُ قَوْلَهُ عَدَمُ فَسَادِهِ كَذَا لِلنَّاصِرِ وَالشِّهَابِ وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ الْقَائِلَ مُخْتَلِفٌ وَلَوْ حُكْمًا فَإِنَّ قَوْلَيْ التَّنَاقُضِ بِاعْتِبَارِ رَأْيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَفِيهِ أَنَّ شَرْطَ الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عِنْدَ الْخَصْمِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الِاسْتِدْلَال بِمَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ كُلٌّ بِعِلَّةِ الْآخَرِ تَأَمَّلْ قَالَ النَّاصِرُ وَلَوْ قَالَ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِهِ أَخْرَجَ مِنْهَا الْفَاسِدَ أَيْ الْمَحْكُومَ بِفَسَادِهِ فَمَا شَكَّ فِي فَسَادِهِ بَاقٍ عَلَى عَدَمِ الْإِخْرَاجِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ لَأَجَادَ وَيَتَحَصَّلُ هَذَا الْمَعْنَى بِأَنْ يَسْتَبْدِلَ عَدَمَ الْفَسَادِ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفَسَادِ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي الْمَتْنِ وَالشَّارِحِ فَإِنَّ مُسَاوَاةَ الْمَجَازِ لِلْإِضْمَارِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّارِحِ فَبَعْدَ أَنْ تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى السِّتَّةِ أَخَذَ فِي بَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَوْلَوِيَّةِ التَّخْصِيصِ) قَالَ الْكَمَالُ فِي تَمْشِيَتِهِ عَلَى قَانُونِ الْعَرَبِيَّةِ نَظَرٌ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِتْيَانِ بِمِنْ الْجَارَّةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ مِنْ الْمَجَازِ وَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ وَيُؤْخَذُ كَوْنُ التَّخْصِيصِ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ أَوْلَى إلَخْ.
(قَوْلُهُ: الْمُسَاوِي) أَيْ الْمَجَازُ فَهُوَ صِفَةٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْمُسَاوِي بِالْوَاوِ وَهِيَ أَوْلَى لِإِيهَامِ الْأُولَى رُجُوعَ الْمُسَاوِي لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ مَعَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَجَازِ وَالثَّانِيَةُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: أَوْلَى) لِأَنَّ الْأَوْلَى مِنْ الْأَوْلَى مِنْ الْمُسَاوِي أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْإِضْمَارَ أَوْلَى لِمُسَاوَاةِ الْإِضْمَارِ لِلْمَجَازِ) الْأَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ فَيَكُونُ هُوَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ ذِكْرِ الْمَجَازِ) أَيْ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذِكْرِ الْمَجَازِ إلَخْ وَأُخِذَ هَذَا مِنْ ذِكْرِ الْمُصَنِّفُ الْمَجَازَ قَبْلَ النَّقْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَوْلَوِيَّةِ شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْهَا ذَلِكَ بِأَنْ يُصَرِّحَ بِأَوْلَوِيَّةِ الْإِضْمَارِ الْمُسَاوِي لِلْمَجَازِ عَلَى النَّقْلِ (قَوْلُهُ: وَوَجْهُ الْأَخِيرِ) أَيْ أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ تَمَّ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ) وَهِيَ تَعَارُضُ التَّخْصِيصِ وَالِاشْتِرَاكِ تَعَارُضُ التَّخْصِيصِ وَالْإِضْمَارِ تَعَارُضُ الْإِضْمَارِ وَالِاشْتِرَاكِ تَعَارُضُ الْمَجَازِ وَالنَّقْلِ وَقَوْلُهُ الْعَشَرَةُ فَاعِلُ تَمَّ وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ أَعْنِي الْمَجَازَ وَالنَّقْلَ وَالِاشْتِرَاكَ وَالْإِضْمَارَ وَالتَّخْصِيصَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يُؤْخَذُ مَعَ مَا بَعْدَهُ فَتَبْلُغُ عَشْرَةً.
وَقَدْ جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ:
تَجَوُّزُ ثُمَّ إضْمَارٌ وَبَعْدَهُمَا ... نَقْلٌ تَلَاهُ اشْتَرَاك فَهُوَ يَخْلُفُهُ
وَأَرْجَحُ الْكُلِّ تَخْصِيصٌ وَآخِرُهَا ... نَسْخٌ فَمَا بَعْدَهُ قَسَمٌ يَخْلُفُهُ
قَالَ النَّاصِرُ إنْ قُلْت هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا يَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةٍ اثْنَانِ فِي قَوْلِهِ وَالْمَجَازُ وَالنَّقْلُ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَاثْنَانِ فِي قَوْلِهِ قِيلَ وَمِنْ الْإِضْمَارِ عَلَى مَا بَيَّنَ أَنَّهُ مُرَادُهُ وَاثْنَانِ فِي قَوْلِهِ وَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنْهُمَا وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا وَالْمَجَازُ وَالنَّقْلُ خِلَافُ الْأَصْلِ يَشْتَمِلُ عَلَى اثْنَيْنِ أَيْضًا فَمَا بَالُ الشَّارِحِ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِمَا
стр. 411
مَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] فَقَالَ الْحَنَفِيُّ أَيْ مَا وَطْؤُهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ فَيَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ مَزْنِيَّةُ أَبِيهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْ مَا عَقَدُوا عَلَيْهِ فَلَا تَحْرُمُ وَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ الِاشْتِرَاكُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ لِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَيْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ نَحْوُ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَيَلْزَمُ الثَّانِي التَّخْصِيصُ حَيْثُ قَالَ تَحِلُّ لِلرَّجُلِ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَبُوهُ فَاسِدًا بِنَاءً عَلَى تَنَاوُلِ الْعَقْدِ لِلْفَاسِدِ كَالصَّحِيحِ.
وَقِيلَ لَا يَتَنَاوَلُهُ وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] أَيْ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الِانْكِفَافُ عَنْ الْقَتْلِ فَيَكُونُ الْخِطَابُ عَامًّا أَوْ فِي الْقِصَاصِ نَفْسِهِ حَيَاةٌ لِوَرَثَةِ الْقَتِيلِ الْمُقْتَصِّينَ بِدَفْعِ شَرِّ الْقَاتِلِ الَّذِي صَارَ عَدُوًّا لَهُمْ فَيَكُونُ الْخِطَابُ مُخْتَصًّا بِهِمْ وَمِثَالُ الثَّالِثِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا وَقِيلَ الْقَرْيَةُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَهْلِ كَالْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا نَحْوُ ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] وَمِثَالُ الرَّابِعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أَيْ الْعِبَادَةَ الْمَخْصُوصَةَ فَقِيلَ هِيَ مَجَازٌ
ــ
[حاشية العطار]
قُلْت لِأَنَّ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي التَّعَارُضِ هِيَ هَذِهِ الْعَشَرَةُ.
وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خِلَافِهَا مِنْ الْمَجَازِ وَالنَّقْلِ إذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ أَصْلٍ وَغَيْرِ أَصْلٍ (قَوْلُهُ: مَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ لَا الظَّنِّ وَلَهُمْ خَمْسَةٌ أُخْرَى تُخِلُّ بِالْفَهْمِ وَهِيَ النَّسْخُ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَتَغَيُّرُ الْإِعْرَابِ وَالتَّصْرِيفِ وَالْمُعَارِضُ الْعَقْلِيُّ وَاقْتَصَرَ كَالْمُصَنِّفِ عَلَى الْخَمْسَةِ الْأُولَى لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَلِقُوَّةِ الظَّنِّ مَعَ انْتِفَائِهَا (قَوْلُهُ: مِثَالُ الْأَوَّلِ) أَيْ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَأْخُوذَةِ وَهُوَ أَنَّ التَّخْصِيصَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ (قَوْلُهُ: حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ) كَمَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا ثَبَتَ) أَيْ فِي اللُّغَةِ.
(قَوْلُهُ: لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ) وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازُ الْمَشْهُورُ خِلَافُ الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: نَحْوُ حَتَّى تَنْكِحَ) هِيَ وَمَا بَعْدُ مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ فِيهَا الْعَقْدُ وَالْوَطْءُ مُسْتَفَادٌ مِنْ خَارِجٍ (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُ الثَّانِي) أَيْ الشَّافِعِيُّ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى تَنَاوُلِ الْعَقْدِ) هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ وَإِنْ أَوْهَمَتْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ خِلَافَ ذَلِكَ وَالتَّحْقِيقُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْعُرْفِيَّةَ مَوْضُوعَةٌ لِمُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ صَحِيحَةً كَانَتْ أَوْ فَاسِدَةً.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَتَنَاوَلُهُ) فَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّخْصِيصِ.
(قَوْلُهُ: وَمِثَالُ الثَّانِي) أَيْ أَنَّ التَّخْصِيصَ أَوْلَى مِنْ الْإِضْمَارِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ) أَيْ فَيَكُونُ مِنْ الْإِضْمَارِ.
(قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْخِطَابُ عَامًّا) أَيْ فِي لَكُمْ لِلْقَاتِلِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فِي الْقِصَاصِ) أَيْ فَيَكُونُ تَخْصِيصًا.
(قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْخِطَابُ مُخْتَصًّا بِهِمْ) أَيْ فَيَلْزَمُ التَّخْصِيصُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ التَّخْصِيصِ فِي الْخِطَابِ التَّخْصِيصُ فِي الْحُكْمِ الْعَامِّ فَإِنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ فَلَا يَرِدُ أَنَّ التَّمْثِيلَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِمَا الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ الْعَامِّ (قَوْلُهُ: وَمِثَالُ الثَّالِثِ) أَيْ أَنَّ الْإِضْمَارَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ (قَوْلُهُ: كَالْأَبْنِيَةِ) أَيْ كَمَا أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْأَبْنِيَةِ فَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْأَهْلِ وَالْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ.
(قَوْلُهُ: لِهَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ هُوَ هَذِهِ الْآيَةُ وَغَيْرُهَا وَفِيهِ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ بَلْ تَحْتَمِلُ الْإِضْمَارَ وَقَوْلُهُ ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] حَيْثُ أُسْنِدَ الْإِيمَانُ إلَى ضَمِيرِ الْقَرْيَةِ (قَوْلُهُ: وَمِثَالُ الرَّابِعِ) أَيْ أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ.
(قَوْلُهُ: فَقِيلَ هِيَ مَجَازٌ) يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْكَانِ مَجَازٌ
стр. 412
فِيهَا عَنْ الدُّعَاءِ بِخَيْرٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ وَقِيلَ نُقِلَتْ إلَيْهَا شَرْعًا.
(وَقَدْ يَكُونُ) الْمَجَازُ مِنْ حَيْثُ الْعَلَاقَةُ (بِالشَّكْلِ) كَالْفَرَسِ لِصُورَتِهِ الْمَنْقُوشَةِ
ــ
[حاشية العطار]
مَعَ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ كَمَا مَرَّ هَلْ نُقِلَتْ مَعَ الْمُنَاسَبَةِ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ يُوضَعُ ثَانٍ مُسْتَقِلٌّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ الْتَفَتَ لِمُجَرَّدِ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا رَاجِحًا أَوْ لَا
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يَكُونُ إلَخْ) قَدْ تَحْقِيقِيَّةٌ لَا تَقْلِيلِيَّةٌ لِأَنَّ مَجِيءَ الْمَجَازِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ كَثِيرٌ.
(قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْعَلَاقَةُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ بِاعْتِبَارِهَا وَهِيَ شَرْطٌ لِلْمَجَازِ وَالْعُمْدَةُ فِي ضَبْطِهَا الِاسْتِقْرَاءُ وَالْمَشْهُورُ بُلُوغُهَا إلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ نَوْعًا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ عَلَاقَاتِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ بِلَا خِلَافٍ وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَوْعًا.
وَقِيلَ تَرْجِعُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِرُجُوعِ الْأَخِيرِ مِنْهَا إلَى الثَّالِثِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ وَإِنْ بَلَغَتْ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ تَرْجِعُ إلَى عَلَاقَتَيْنِ عَلَاقَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَعَلَاقَةِ اللُّزُومِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِهِمَا الدَّلَالَةُ التَّضَمُّنِيَّةُ وَالدَّلَالَةُ الِالْتِزَامِيَّةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللُّزُومَ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ مِنْ الْعَقْلِيِّ وَالْعَادِيِّ بَلْ هُوَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمُلَابَسَةِ فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا فَإِنْ قُلْت قَدْ ذَكَرَ الْقَوْمُ أَنَّ الْمَجَازَ لَهُ وَضْعٌ نَوْعِيٌّ لِمَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ مُطَابِقِيَّةً وَضْعِيَّةً لَا تَضَمُّنِيَّةً وَلَا الْتِزَامِيَّةً قُلْت مَجَازِيَّةُ كُلِّ مَجَازٍ حَالَةٌ تَسَبُّبِيَّةٌ إضَافِيَّةٌ إنَّمَا تَتَحَصَّلُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ وَإِلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْوَضْعُ الثَّانِي فَلَيْسَ اعْتِبَارُهُ إلَّا لَأَنْ يُقَرِّرَ هَذِهِ الْحَالَةَ الْمَجَازِيَّةَ لَا لَأَنْ يَجْعَلَهُ حَقِيقَةً فَمَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ عَلَاقَةٌ تُصَحِّحُ الدَّلَالَةَ التَّضَمُّنِيَّةَ أَوْ الِالْتِزَامِيَّةَ لَمْ يَصِحَّ تَعَيُّنُهُ لِلْمَجَازِيَّةِ فَمَبْنَى الْمَجَازِيَّةِ عَلَى الْوَضْعَيْنِ.
(قَوْلُهُ: بِالشَّكْلِ) أَيْ بِالْمُشَابَهَةِ فِيهِ لَا أَنَّهَا نَفْسُ الشَّكْلِ فَهُوَ مَجَازُ
стр. 413
(أَوْ صِفَةٍ ظَاهِرَةٍ) كَالْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ دُونَ الرَّجُلِ الْأَبْخَرِ لِظُهُورِ الشَّجَاعَةِ دُونَ الْبَخَرِ فِي الْأَسَدِ الْمُفْتَرِسِ (أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَكُونُ) فِي الْمُسْتَقْبَلِ (قَطْعًا) نَحْوُ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] (أَوْ ظَنًّا) كَالْخَمْرِ لِلْعَصِيرِ (لَا احْتِمَالًا) كَالْحُرِّ لِلْعَبْدِ فَلَا يَجُوزُ أَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلُ كَالْعَبْدِ لِمَنْ عَتَقَ فَتَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الِاشْتِقَاقِ (وَبِالضِّدِّ) كَالْمَفَازَةِ لِلْبَرِيَّةِ الْمُهْلِكَةِ (وَالْمُجَاوَرَةِ)
ــ
[حاشية العطار]
اسْتِعَارَةٍ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يُخَصُّ هَذَا النَّوْعُ بِاسْمِ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ وَبِمَجَازِ الْمُشَابَهَةِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ صِفَةٍ ظَاهِرَةٍ) فِيهِ تَسَمُّحٌ لِأَنَّ الْعَلَاقَةَ هِيَ الْمُشَابَهَةُ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ وَالْمُرَادُ بِظُهُورِهَا ظُهُورُ آثَارِهَا لِأَنَّ الشَّجَاعَةَ مِنْ قَبِيلِ الْمَلَكَاتِ ثُمَّ إنَّ قَضِيَّةَ عَطْفِهَا عَلَى الشَّكْلِ أَنَّهَا نَوْعٌ آخَرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَالْمُشَابَهَةُ أَيْ الِاشْتِرَاكُ فِي صِفَةٍ وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً كَالْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ بِاعْتِبَارِ الشَّجَاعَةِ أَوْ مَحْسُوسَةً وَهِيَ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَنْقُوشِ عَلَى الْجِدَارِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالشَّكْلِ فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الشَّكْلِ مِنْ قَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ فِي الصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ (قَوْلُهُ: لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِالشَّجَاعَةِ مُطْلَقُ الْجَرَاءَةِ لَا الْمَلَكَةُ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَى الْإِقْدَامِ فَإِنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْعَاقِلِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَكُونُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْكَوْنِ وَهُوَ الْأَيْلُولَةُ فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ وَلَيْسَتْ وَاقِعَةً عَلَى مَعْنًى فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي سَيَقَعُ لَيْسَ هُوَ الْعَلَاقَةُ بَلْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ظَنًّا) أَيْ بِاعْتِبَارِ الشَّأْنِ وَالْعَادَةِ لَا بِاعْتِبَارِ ظَنِّ الْمُسْتَعْمِلِ فَلَا يُقَالُ قَدْ يُحَرِّمُ مَالِكُ الْعَصِيرِ بِشُرْبِهِ عَصِيرًا فَأَيْنَ الظَّنُّ وَكَذَا قَوْلُهُ لَا احْتِمَالًا فَلَا يُقَالُ إنَّهُ قَدْ يُظَنُّ عِتْقُ الْعَبْدِ لِنَحْوِ وَعْدٍ مِنْ السَّيِّدِ.
(قَوْلُهُ: فَتَقَدَّمَ) أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ تَقَدُّمَ أَنَّ الْمُشْتَقَّ يَكُونُ إطْلَاقُهُ عَلَى الذَّاتِ حَالَةَ الِاتِّصَافِ حَقِيقَةٌ وَبَعْدَهَا مَجَازٌ.
(قَوْلُهُ: وَبِالضِّدِّ) أَيْ بِضِدِّيَّةِ الضِّدِّ لِأَنَّ الضِّدِّيَّةَ هِيَ الْعَلَاقَةُ لَا الضِّدُّ لِأَنَّهُ ذَاتٌ لَا عَلَاقَةَ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَأَعَادَ الْمُصَنِّفُ الْبَاءَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا لَا احْتِمَالًا وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ ضِدٍّ يُسْتَعْمَلُ فِي ضِدِّهِ وَهُوَ مُقْتَضَى الِاكْتِفَاءِ بِسَمَاعِ نَوْعِ الْعَلَاقَةِ.
وَفِي التَّلْوِيحِ وَالرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ أَنَّ أَهْلَ التَّحْقِيقِ عَلَى رُجُوعِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْعَلَاقَةِ إلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الصِّفَةِ أَعْنِي إلَى عَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ فَتَكُونُ مُخْتَصَّةً بِالِاسْتِعَارَةِ أَيْضًا لِأَنَّ مَنْ يَسْتَعْمِلُ اسْمَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ فِي الْآخَرِ يُنَزِّلُ التَّضَادَّ مَنْزِلَةَ التَّنَاسُبِ تَهَكُّمًا وَاسْتِهْزَاءً أَوْ مُطَايَبَةً وَاسْتِمْلَاحًا أَوْ مُشَاكَلَةً فَيُشَبِّهُ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ التَّضَادِّ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ التَّنَاسُبِ وَيَسْتَعِيرُ لَفْظَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فَيَقُولُ رَأَيْت أَسَدًا وَيُرِيدُ رَجُلًا شُجَاعًا وَرَأَيْت كَافُورًا وَيُرِيدُ زِنْجِيًّا وَكَمَا فِي إطْلَاقِ السَّيِّئَةِ عَلَى جَزَاءِ السَّيِّئَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُجَاوَرَةِ) أَيْ الْمُجَاوِرِيَّةِ فَلَا يُقَالُ إنَّ الْمُجَاوَرَةَ مُفَاعَلَةٌ فَيَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْعَلَاقَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنَّهَا إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ قَالَ سم لَمْ أَرَ لَهَا ضَابِطًا وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهَا صِحَّةُ التَّجَوُّزِ بِإِطْلَاقِ نَحْوِ الْأَرْضِ عَلَى النَّابِتِ فِيهَا مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ
стр. 414
كَالرَّاوِيَةِ لِظَرْفِ الْمَاءِ الْمَعْرُوفِ تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ جَمَلٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ (وَالزِّيَادَةِ) نَحْوُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فَالْكَافُ زَائِدَةٌ وَإِلَّا فَهِيَ بِمَعْنَى مِثْلِ فَيَكُونُ لَهُ تَعَالَى مِثْلٌ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَالْقَصْدُ بِهَذَا الْكَلَامِ نَفْيُهُ (وَالنُّقْصَانِ) نَحْوُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا فَقَدْ تَجَوَّزَ أَيْ تَوَسَّعَ
ــ
[حاشية العطار]
وَلَفْظُ الشَّفَةِ عَلَى الْأَسْنَانِ وَلَفْظُ السَّقْفِ عَلَى الْجِدَارِ بَلْ وَلَفْظُ الْمَسْجِدِ عَلَى مُلَاصِقِهِ مِنْ نَحْوِ الدُّورِ وَبِالْعَكْسِ وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ غَرَابَةٍ وَبُعْدٍ اهـ.
وَفِي التَّلْوِيحِ الْمُرَادُ بِالْمُجَاوَرَةِ مَا يَعُمُّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ الْحُلُولِ وَكَوْنِهِمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَكَوْنُهُمَا مُتَلَازِمَيْنِ فِي الْوُجُودِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْخَيَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ عَلَاقَةَ الْمُجَاوَرَةِ تَعُمُّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ كُلَّهَا فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهَا قَسِيمًا لَهَا اهـ.
وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ إنَّهَا لَيْسَتْ بِعَلَاقَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَلَى مَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ اهـ. وَمِنْ قَبِيلِ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْخَيَالِ عَلَاقَةُ الْمُشَاكَلَةِ قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْمُولَةِ فِيهَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصُّحْبَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الْعَلَاقَةَ فِي الْمُشَاكَلَةِ هِيَ الصُّحْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَوْ التَّقْدِيرِيَّةُ مُصَاحَبَتُهُ مَدْلُولَيْ اللَّفْظَيْنِ وَمَرْجِعُهُمَا إلَى مُجَاوَرَتِهِمَا فِي الْخَيَالِ نَحْوُ قَوْلِهِ
قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَك طَبْخَهُ ... قُلْت اُطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصًا
وَلِدُخُولِ الْمُشَاكَلَةِ فِي النَّوْعِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَذْكُرُوهَا مُسْتَقِلَّةً (قَوْلُهُ: كَالرِّوَايَةِ) عَدَلَ عَنْ الْمِثَالِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ إطْلَاقُ الْغَائِطِ عَلَى الْفَضْلَةِ لِمَا قَالَ الْعِصَامُ فِي الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِيهِ تُؤَوَّلُ إلَى الْحَالِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ لِأَنَّ الْمُجَاوَرَةَ مُشَارَكَةُ الْأَمْرَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهَذِهِ الْمُشَارَكَةُ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بَلْ الْعَلَاقَةُ الْمَوْجُودَةُ فِيهَا هِيَ الْمُلَابَسَةُ بَيْنَ الْحَالِ وَالْمَحَلِّ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهِيَ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَائِدَةً لَمْ يَسْتَقِمْ الْمَعْنَى لِأَنَّهَا بِمَعْنًى مِثْلُ إلَخْ فَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَمَا ذُكِرَ بَعْدُ إلَّا فَهُوَ دَلِيلُهُ.
قَوْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي الْقَرْيَةِ قُدْرَةَ الْكَلَامِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ وَيَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا يُقَالُ الْأَصْلُ عَدَمُ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَجَازِ اهـ.
وَأَقُولُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ هُنَا مُسْتَحِيلٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ وُجُوهِ الْعُدُولِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ اسْتِحَالَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَاحْتِمَالُ الْمَجَازِ قَوِيٌّ بَلْ هُوَ مُتَعَيَّنٌ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ اللَّيْثِيِّ عَلَى الْمُطَوَّلِ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ السُّؤَالُ لِطَلَبِ الْجَوَابِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِذَوِي الْعُقُولِ.
وَأَمَّا خَلْقُ اللَّهِ فِي الْجَمَادِ الشُّعُورَ وَالتَّكَلُّمَ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خَرْقِ الْعَادَةِ إظْهَارًا لِلْمُعْجِزَةِ أَوْ لِلْكَرَامَةِ وَلَيْسَ هَذَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَأَمَّا السُّؤَالُ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ وَاعِظًا وَمُذَكِّرًا أَوْ لِنَفْسِهِ مُتَّعِظًا وَمُعْتَبِرًا اسْأَلْ الْقَرْيَةَ عَنْ أَهْلِهَا فَلَيْسَ لِطَلَبِ الْجَوَابِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَالْكَافُ زَائِدَةٌ) لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الْمِثْلِ وَقِيلَ الْكَافُ بِمَعْنَى الْمِثْلِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ الذَّاتُ وَقِيلَ إنَّهُ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ عَلَى حَدِّ مِثْلُك لَا يَبْخَلُ أَيْ إذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا مِثْلَ لَهُ فَأَوْلَى هُوَ وَقِيلَ إنَّهُ عَلَى حَدِّ لَيْسَ لِأَخِي زَيْدٍ أَخٌ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ الْأَخِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ لَكَانَ أَخًا لِأَخِيهِ فَلَوْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ لَكَانَ هُوَ مِثْلًا لِذَلِكَ الْمِثْلِ فَإِذَا انْتَفَى مِثْلُ الْمِثْلِ انْتَفَى الْمِثْلُ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهِيَ بِمَعْنَى مِثْلُ) أَيْ وَإِلَّا تَكُنْ زَائِدَةً فَهِيَ بِمَعْنَى الْمِثْلِ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الْمِثْلِ لَهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ الْمِثْلِ.
(قَوْلُهُ: فَقَدْ تَجَوَّزَ أَيْ تَوَسَّعَ إلَخْ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ
стр. 415
وَإِنْ لَمْ يَصْدُقْ عَلَى ذَلِكَ حَدُّ الْمَجَازِ السَّابِقُ.
وَقِيلَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ نَفْيَ مِثْلِ الْمِثْلِ فِي نَفْيِ الْمِثْلِ وَسُؤَالَ الْقَرْيَةِ فِي سُؤَالِ أَهْلِهَا
ــ
[حاشية العطار]
عَدَّهُمَا مِنْ أَقْسَامِ الْمَجَازِ الْمُعَرَّفِ بِالتَّعْرِيفِ السَّابِقِ تَسَمُّحٌ وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّلْوِيحِ إنَّ لَفْظَ الْمَجَازِ مَقُولٌ عَلَيْهِمَا وَعَلَى الْمَجَازِ الْمُعَرَّفِ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ أَوْ التَّشَابُهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمِفْتَاحِ، وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ لِلْمَجَازِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى لَا لِلْمَجَازِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْإِعْرَابِ أَوْ صِفَةُ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ تَغَيُّرِ حُكْمِ إعْرَابِهِ لَا يُقَالُ اللَّفْظُ الزَّائِدُ مُسْتَعْمَلٌ لَا لِلْمَعْنَى فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي مَعْنًى لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لَا لِمَعْنًى بَلْ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِمَعْنًى وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِزِيَادَةِ كَلِمَةٍ) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَوْ السَّبَبِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَجَعْلُهُ مِنْ الْعَلَاقَاتِ تَسَمُّحٌ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ رَابِطَةً بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ حَقِيقِيٍّ وَمَجَازِيٍّ وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ هَذَا وَلَوْ جَعَلَ الْقَرِينَةَ مَجَازًا عَنْ الْأَهْلِ بِعَلَاقَةِ الْحَالِيَّةِ لَمْ يَحْتَجْ لِتَقْدِيرِ ذَلِكَ الْمُضَافِ كَمَا لَوْ جُعِلَتْ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْجُدْرَانِ وَالْأَهْلِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ مُنَجِّمٌ بَاشَا فِي حَوَاشِي الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ وَمِنْ الْعَجِيبِ أَنَّهُمْ بِأَيِّ مَانِعٍ تَرَكُوا إرْجَاعَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ إلَى عَلَاقَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ الْقَرْيَةَ مَثَلًا لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلْجُزْءِ وَهُوَ مَعْنَى الْقَرْيَةِ أَيْ الْجُدْرَانِ وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي الْكُلِّ أَيْ فِي الْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ مِنْ مَعْنَى الْأَهْلِ وَالْقَرْيَةِ بِعَلَاقَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ مَعَ قَرِينَةِ السُّؤَالِ وَبِعَكْسِ ذَلِكَ فَنَقُولُ إنَّ كَمَثَلِ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ أَيْ لِمَجْمُوعِ مَعْنَى الْكَافِ وَالْمِثْلِ وَاسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي جُزْئِهِ وَهُوَ مَعْنَى الْمِثْلِ فَقَطْ بِالْعَلَاقَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ قَرِينَةِ فَقْدِ الْمِثْلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إلَخْ) هَذَا مَا قَرَّرَهُ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ قَالَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ يَعْنِي الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْقَرْيَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي أَهْلِهَا مَجَازًا وَلَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ إنَّهَا مَجَازٌ بِالنُّقْصَانِ أَنَّ الْأَهْلَ مُضْمَرٌ هُنَاكَ مُقَدَّرٌ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ فَإِنَّ الْإِضْمَارَ يُقَابِلُ الْمَجَازَ عِنْدَهُمْ بَلْ أَرَادُوا أَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ فَلَمَّا حُذِفَتْ الْأَصْلُ اسْتَعْمَلَ الْقَرْيَةَ مَجَازًا فَهِيَ مَجَازٌ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ وَسَبَبُهُ النُّقْصَانُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ كَمِثْلِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْمِثْلِ مَجَازًا وَسَبَبُ هَذَا الْمَجَازِ هُوَ الزِّيَادَةُ وَلَوْ قِيلَ لَيْسَ مِثْلُهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَجَازٌ اهـ. وَكَلَامُ مُنَجِّمٍ بَاشَا مَأْخُوذٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ اسْتَعْمَلَ إلَخْ) مُفَادُهُ أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْكَلَامِ بِتَمَامِهِ لَا فِي لَفْظِ كَمِثْلِهِ وَالْأُولَى حَذْفُ نَفْيٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَجَازَ
стр. 416
وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمَجَازِ فِي الْإِسْنَادِ (وَالسَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ) نَحْوُ لِلْأَمِيرِ يَدٌ أَيْ قُدْرَةٌ فَهِيَ مُسَبَّبَةٌ عَنْ الْيَدِ بِحُصُولِهَا بِهَا (وَالْكُلِّ لِلْبَعْضِ) نَحْوُ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ أَيْ أَنَامِلَهُمْ (وَالْمُتَعَلِّقِ) بِكَسْرِ اللَّامِ (لِلْمُتَعَلَّقِ) بِفَتْحِهَا نَحْوُ ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أَيْ مَخْلُوقُهُ وَرَجُلٌ عَدْلٌ أَيْ عَادِلٌ (وَبِالْعُكُوسِ) أَيْ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ كَالْمَوْتِ لِلْمَرَضِ الشَّدِيدِ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ لَهُ عَادَةً وَالْبَعْضِ لِكُلٍّ نَحْوُ فُلَانٌ يَمْلِكُ أَلْفَ رَأْسٍ مِنْ الْغَنَمِ
ــ
[حاشية العطار]
فِي اسْتِعْمَالِ مِثْلِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِ وَقَوْلُهُ وَسُؤَالُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ الْأَوْلَى حَذْفُ سُؤَالٍ كَمَا عَلِمْت.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمَجَازِ فِي الْإِسْنَادِ) لِأَنَّ الْإِسْنَادَ فِيهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إلَى مَا هُوَ لَهُ وَهَذَا جَوَابُ اعْتِرَاضٍ عَلَى قَوْلِهِ وَقِيلَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ سم اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالسَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ) أَيْ السَّبَبِيَّةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ الْكُلِّ لِلْبَعْضِ أَيْ الْكُلِّيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ وَقِسْ الْبَاقِي فَفِي كَلَامِهِ تَسَمُّحٌ اتَّكَلَ فِيهِ عَلَى ظُهُورِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَالْمُرَادُ بِالسَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ هُنَا مَا هُوَ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ لَا مَا هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ الْمُفْضِي إلَى الشَّيْءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ إذْ السَّبَبُ بِهَذَا الْمَعْنَى الْعَامِّ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ مُسَبَّبِهِ عَلَيْهِ مَجَازًا بِخِلَافِ السَّبَبِ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْآخَرُ مَجَازًا لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجِ الْمَعْلُولِ إلَيْهَا وَابْتِنَائِهِ عَلَيْهَا وَالْمَعْلُولُ الْمَقْصُودُ أَصْلٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِيَّةِ وَالْغَائِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُولَةً لِلْفَاعِلِ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ فِي الْخَارِجِ إلَّا أَنَّهَا فِي الذِّهْنِ عِلَّةٌ فَاعِلِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهَا وَلِهَذَا قَالُوا الْإِحْكَامُ عِلَلٌ مَآلِيَّةٌ وَالْأَسْبَابُ عِلَلٌ آلِيَّةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ احْتِيَاجَ النَّاسِ بِالذَّاتِ إنَّمَا هُوَ إلَى الْإِحْكَامِ دُونَ الْأَسْبَابِ قَالَهُ مُنَجِّمٌ بَاشَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ قُدْرَةٌ) أَرَادَ بِهِ الِاقْتِدَارَ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ لَا الْقُدْرَةَ بِمَعْنَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهَا لَا تَتَسَبَّبُ عَنْ الْيَدِ وَالنَّاصِرُ حَمَلَ الْقُدْرَةَ عَلَى الصِّفَةِ فَجَعَلَ التَّعْبِيرَ عَنْ آثَارِ الْقُدْرَةِ بِالْيَدِ مَجَازًا عَلَى مَجَازٍ حَيْثُ تَجَوَّزَ بِالْيَدِ عَنْ الْقُدْرَةِ وَبِالْقُدْرَةِ عَنْ آثَارِهَا وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ أَنَامِلَهُمْ) مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ أَيْ يَجْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمْ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنِهِ فَلَا يَخُصُّ كُلًّا مِنْهُمْ إلَّا أُصْبُعٌ وَأُنْمُلَةٌ وَالْأُنْمُلَةُ بَعْضُ الْأَصَابِعِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا فَلَا يُقَالُ إنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَكُلُّ أُصْبُعٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَنَامِلَ مَا عَدَا الْإِبْهَامَ فَإِنَّ لَهُ أُنْمُلَتَيْنِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي التَّشْرِيحِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَضْعَهَا كُلِّهَا وَهَاهُنَا فَائِدَةٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَهِيَ أَنَّ الْكَلَامَ الْوَارِدَ لِأَمْرٍ خَطَابِيٍّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُطَابِقُ الْوَاقِعَ لَا يُقْصَدُ بِهِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ بَلْ هُوَ مَسْلُوبُ الدَّلَالَةِ عَنْهُ إلَى مَعْنًى يُنَاسِبُ الْمَقَامَ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْكَشَّافِ عَلَى الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ النَّاسِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] أَرَادَ أَنَّهُ مَسْلُوبُ الدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ فِي الْكَلَامِ لَا الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُلَاحَظُ لَا لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بَلْ لِلِانْتِقَالِ مِنْهُ إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَبِذَلِكَ تَنْدَفِعُ الشُّكُوكُ وَالْأَوْهَامُ عَنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْمُبَالَغَةِ لِأَمْرٍ خَطَابِيٍّ يُنَاسِبُ الْمَقَامَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] فَإِنَّ مَا يُجْعَلُ فِي الْأُذُنِ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ وَذِكْرُ الْأَصَابِعِ مُبَالَغَةٌ فَلَا تَجُوزُ فِي لَفْظِ الْأَصَابِعِ وَإِلَّا لَفَاتَتْ الْمُبَالَغَةُ كَمَا تَفُوتُ إذَا كَانَ لَفْظُ الْعَدْلِ مَجَازًا عَنْ الْعَادِلِ فِي قَوْلِك رَجُلٌ عَادِلٌ
стр. 417
وَالْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا نَحْوُ ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أَيْ الْفِتْنَةُ وَقُمْ قَائِمًا أَيْ قِيَامًا (وَمَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ) كَالْمُسْكِرِ لِلْخَمْرِ فِي الدَّنِّ
ــ
[حاشية العطار]
«وَكَقَوْلِهِ ﵊ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ» فِي قَوْلِهِ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ» الْحَدِيثَ فَإِنَّ الْمُرَادَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْكَثْرَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَعَلَّقِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مُطْلَقَ التَّعَلُّقِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْعَلَاقَاتِ فَلَا يُعَدُّ عَلَاقَةً مُسْتَقِلَّةً فَإِنْ أُرِيدَ تَعَلُّقٌ خَاصٌّ رَجَعَ لِغَيْرِهِ وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ التَّعَلُّقُ الْمَعْهُودُ الْخَاصُّ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُشْتَقَّاتِ فَيَرْجِعُ إلَى عَلَاقَةِ اللُّزُومِ وَفَسَّرُوهُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَجِبُ عِنْدَ وُجُودِهِ وُجُودُ شَيْءٍ آخَرَ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ اللُّزُومِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي عَلَيْهِ الْمَجَازُ وَالْكِنَايَةُ مُطْلَقًا لِأَنَّ ذَلِكَ اللُّزُومَ هُوَ لُزُومُ أَهْلِ الْمَعْقُولِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ الِانْفِكَاكِ فِي أَحَدِ الْوُجُودَيْنِ أَوْ فِي كِلَيْهِمَا كَمَا فِي لَوَازِمِ الْمَاهِيَّةِ بِخِلَافِ اللُّزُومِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْمَجَازُ وَالْكِنَايَةُ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ صِحَّةِ الِانْتِقَالِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ لُزُومُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ فَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الِاشْتِبَاهُ بَيْنَ اللُّزُومَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَالْبَعْضِ لِلْكُلِّ) لَيْسَ كُلُّ جُزْءٍ يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ اسْمُهُ عَلَى الْكُلِّ وَأَنَّ كُلَّ جُزْئِيَّةٍ تَصْلُحُ لَأَنْ تَكُونَ عَلَاقَةً مُعْتَبَرَةً بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجُزْءُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْكُلِّ غَالِبًا وَعُرْفًا مِثْلُ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَيْنِ وَالْيَدِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ الْإِنْسَانُ عَلَى فَاقِدِ نَحْوِ الْعَيْنِ وَالْيَدِ.
وَأَمَّا إطْلَاقُ الْعَيْنِ عَلَى الرَّقِيبِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ رَقِيبًا لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ كَإِطْلَاقِ اللِّسَانِ عَلَى التُّرْجُمَانِ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِالْغَالِبِ وَالْعُرْفِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْجُزْءِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْكُلِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَرُورَةً لِأَنَّ أَيَّ جُزْءٍ كَانَ مَتَى زَالَ لَمْ يَبْقَ الْكُلُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلٌّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ زَوَالِ ذَلِكَ الْجُزْءِ الزَّائِلِ بَلْ الْبَاقِي بَعْضُهُ الَّذِي هُوَ مَا عَدَا الْجُزْءَ الزَّائِلَ لَكِنَّ الْعُرْفَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَجْزَاءِ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ آنِفًا وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ غَالِبًا فِي أَمْثَالِ هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الْعُرْفُ.
قَوْلُهُ ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أَيْ الْفِتْنَةُ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَفْتُونِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَوْصَافِهِ وَسَبَبًا عَادِيًّا فِي اتِّصَافِهِ بِكَوْنِهِ مَفْتُونًا وَالسِّرُّ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ كَأَنَّهُ قَامَ بِالْمَفْتُونِ مَفْتُونٌ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَقُمْ قَائِمًا وَقِيلَ إنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ وَأَصْلُ الْكَلَامِ أَيُّكُمْ الْمَفْتُونُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ قُلْنَا إنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَجَازِ وَقَوْلُهُ قُمْ قَائِمًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا حَالًا مُؤَكَّدَةً أَيْ حَالَ كَوْنِكَ قَائِمًا فَهُوَ حَقِيقَةٌ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَمَا بِالْفِعْلِ) أَيْ وَقَدْ يَكُونُ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ أَيْ الشَّيْءِ الْمُتَّصِفِ بِصِفَةٍ بِالْفِعْلِ عَنْ الشَّيْءِ الْمُتَّصِفِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِالْقُوَّةِ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ وَبِالْعُكُوسِ لِعَدَمِ جَرَيَانِ ذَلِكَ فِيهِ وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ بِالِاسْتِعْدَادِ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْفَارِسِيَّةِ وَهِيَ كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفَ بِوَصْفٍ وَلَمْ يَتَّصِفْ بِهِ بَعْدُ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الِاسْتِعْدَادِ وَالْإِمْكَانِ اسْمُ الْمُتَّصِفِ بِهِ بِالْفِعْلِ اهـ.
قَالَ مُنَجِّمٌ بَاشَا فِي حَاشِيَتِهَا وَأَوْرَدُوا مِثَالًا لَهُ الْمُسْكِرُ إذَا أُطْلِقَ عَلَى الْخَمْرِ الَّتِي أُرِيقَتْ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُسْكِرِ عَلَيْهَا مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ عَلَاقَةِ الْقُوَّةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ ذَلِكَ عَيْنَ عَلَاقَةِ الْأَوَّلِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ لِلْخَمْرِ الْمُرَاقَةِ الَّتِي هِيَ الْمُسَمَّى الْمَجَازِيُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْإِسْكَارِ فِي الزَّمَانِ اللَّاحِقِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ فِي وَجْهِ الضَّبْطِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ اللَّفْظُ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فِي حَالِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ وَإِلَّا لَكَانَ حَقِيقَةً وَهَذَا خِلَافُ الْمَفْرُوضِ ثُمَّ إنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ أَيْ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِالْفِعْلِ فِي زَمَانٍ سَابِقٍ عَلَى زَمَانِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ فَيَكُونُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ فِي زَمَانٍ لَاحِقٍ بِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَوْ يَتَّصِفُ بِهِ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ عَلَاقَةِ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ كَمَا فِي إطْلَاقِ الْمُسْكِرِ عَلَى الْخَمْرِ الْمُرَاقَةِ فَظَهَرَ أَنَّ بَيْنَ الْعَلَاقَتَيْنِ أَعْنِي عَلَاقَةَ الْأَوَّلِ وَعَلَاقَةَ الْقُوَّةِ تَغَايُرٌ وَفَرْقٌ وَاضِحٌ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ قَدْ اُعْتُبِرَ الِاتِّصَافُ بِالْفِعْلِ لَكِنْ لَا فِي زَمَانِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ بَلْ فِي زَمَانٍ لَاحِقٍ بِهِ وَفِي الثَّانِي اُعْتُبِرَ الِاتِّصَافُ بِالْقُوَّةِ دُونَ الْفِعْلِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ
стр. 418
(وَقَدْ يَكُونُ) الْمَجَازُ (فِي الْإِسْنَادِ) بِأَنْ يُسْنَدَ الشَّيْءُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] أُسْنِدَتْ الزِّيَادَةُ وَهِيَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ سَبَبًا لَهَا عَادَةً (خِلَافًا لِقَوْمٍ) فِي نَفْيِهِمْ الْمَجَازَ فِي الْإِسْنَادِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْمَجَازَ فِيمَا يُذْكَرُ مِنْهُ
ــ
[حاشية العطار]
الزَّمَانُ أَصْلًا اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ عَلَاقَةِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي هَذِهِ الْعَلَاقَةِ أَعْنِي عَلَاقَةَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ هُوَ كَوْنُ الْمُسَمَّى الْمَجَازِيِّ مُتَّصِفًا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِالْفِعْلِ فِي زَمَانٍ لَاحِقٍ بِزَمَانِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ لَا مُجَرَّدُ اسْتِعْدَادِهِ لِلِاتِّصَافِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي عَلَاقَةِ الْقُوَّةِ نَعَمْ قَدْ يَكْفِي فِيهِ تَقْدِيرُ الِاتِّصَافِ لَكِنْ هَذَا أَخَصُّ مِنْ الْقُوَّةِ هَذَا مَا حَرَّرَهُ مُحَقِّقُو الْقُوَّةِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الشَّارِحَ لَوْ عَبَّرَ بِالْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَسَلِمَ مِمَّا أُورِدَ عَلَى مِثَالِهِ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَاقَةَ يُغْنِي عَنْهَا قَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ وَاعْتِبَارُ مَا يَكُونُ إلَخْ وَأَنَّ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وسم بَعِيدٌ عَنْ مَرَامِ الْقَوْمِ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ فِيمَا نَقَلْنَاهُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يَكُونُ الْمَجَازُ فِي الْإِسْنَادِ) الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونُ عَلَى أَنَّهَا تَامَّةٌ أَوْ بِمَحْذُوفٍ خَبَرِهَا عَلَى أَنَّهَا نَاقِصَةٌ أَيْ كَائِنًا فِي الْإِسْنَادِ أَيْ فِي عِدَادِهِ وَمِنْ أَفْرَادِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَجَازِ بِمَعْنَى التَّجَوُّزِ وَإِنْ كَانَ رِعَايَةُ الْمَعْنَى تَقْتَضِيهِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَذْكُورًا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَيَانًا لِلضَّمِيرِ وَفِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُرَادُهُ بِالْمَجَازِ هُنَا مُطْلَقُهُ لَا مَا عَرَّفَهُ بِمَا مَرَّ اهـ.
وَالْمُطْلَقُ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَلَا شَكَّ فِي تَنَاوُلِهِ الْقِسْمَيْنِ الْمَجَازَ اللُّغَوِيَّ وَالْعَقْلِيَّ، وَكَوْنُ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ لَفْظًا وَالْآخَرِ إسْنَادًا لَا يَقْدَحُ فِي تَنَاوُلِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَهُمَا ضَرُورَةَ اخْتِلَافِ الْأَفْرَادِ بِقُيُودٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يَكُونُ لَا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلَى الْمَجَازِ السَّابِقِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الظَّرْفِيَّةِ إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى.
وَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فِي الْإِسْنَادِ وَلَا مَعْنَى لَهُ فَأَرْجَعَ الضَّمِيرَ لِلْمَجَازِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لِتَصْحِيحِهَا فَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمُطْلَقِ فِي أَحَدِ فَرْعَيْهِ بِمَعْنَى تَحَقُّقِهِ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ اسْتِخْدَامٌ وَالشَّارِحُ ﵀ رَمَزَ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ الْمَجَازُ وَلَمْ يَقُلْ أَيْ الْمَجَازُ لِأَنَّ أَيْ تُشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا الضَّمِيرَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ مَعَ الْإِيمَاءِ إلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمَجَازَ هُنَا غَيْرُ الْمُعَرَّفِ السَّابِقِ فَإِنَّ الِاسْتِخْدَامَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ لَك مِنْ بَيَانِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ يَظْهَرُ لَك سُقُوطُ قَوْلِ سم إنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَجَازِ الْمَارِّ تَعْرِيفُهُ وَالْمَجَازِ فِي الْإِسْنَادِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ لِاخْتِلَافِ حَقِيقَتِهِمَا وَجَوَابُهُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الصَّادِقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إذْ مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدًا عَنْ مَذَاقِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِهِمْ مِنْ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا مُنْطَبِقًا عَلَى أَفْرَادِهِ مَعًا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَلَا كَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الشَّيْءِ وَمَا أُسْنِدَ إلَيْهِ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ حَذَفَ قَيْدًا بِتَأَوُّلِ الَّذِي زَادَهُ الْبَيَانِيُّونَ فِي التَّعْرِيفِ فَدَخَلَ فِيهِ صُورَتَانِ لَيْسَتَا مِنْ الْمَجَازِ الْأَوْلَى قَوْلُ الدَّهْرِيِّ أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ الثَّانِيَةُ الْكَذِبُ كَمَا إذَا قَالَ الْقَائِلُ جَاءَ زَيْدٌ عَالِمًا لِمَا أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأُولَى خَارِجَةٌ بِمُلَاحَظَةِ قَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ أَيْ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْ هُوَ لَهُ وَالدَّهْرِيُّ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِسْنَادَ لِمَا هُوَ لَهُ وَالثَّانِيَةُ بِقَوْلِهِ لِمُلَابَسَةٍ إذْ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْمُلَابَسَةِ وَمُلَاحَظَتِهَا وَالْقَوْلُ الْمَذْكُورُ لَمْ يُلَاحِظْ عَلَاقَةً وَإِنَّمَا حَذَفَ الْمُصَنِّفُ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّ فِي احْتِيَاجِ التَّعْرِيفِ إلَيْهِ نِزَاعًا كَمَا بَسَطَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي مُطَوَّلِهِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَمِثْلُهُ غَيْرُ مَنْكُورٍ فِي تَعَارِيفِ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ ثُمَّ إنَّ الْمُسْنَدَ وَالْمُسْنَدَ إلَيْهِ قَدْ يَكُونَانِ حَقِيقِيَّيْنِ كَالْآيَةِ الْمُمَثَّلِ بِهَا وَقَدْ يَكُونَانِ مَجَازَيْنِ كَمَا فِي أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك أَوْ أَحَدُهُمَا حَقِيقِيًّا وَالْآخَرُ مَجَازِيًّا كَمَا فِي سَرَّنِي اكْتِحَالِي بِرُؤْيَتِك أَوْ أَحْيَتْنِي رُؤْيَتُك.
(قَوْلُهُ: سَبَبًا لَهَا عَادَةً) قَالَ الْكَمَالُ الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَا يَحْمِلُ الْفَاعِلَ عَلَى إحْدَاثِ فِعْلِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً أَوْ غَرَضًا أَوْ عُذْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يُنَاسِبُ إذَا
стр. 419
فِي الْمُسْنَدِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ فِي الْمُسْنَدِ إلَيْهِ فَمَعْنَى زَادَتْهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ ازْدَادُوا بِهَا وَعَلَى الثَّانِي زَادَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إطْلَاقًا لِلْآيَاتِ عَلَيْهِ تَعَالَى لِإِسْنَادِ فِعْلِهِ إلَيْهَا
(وَ) قَدْ يَكُونُ الْمَجَازُ (فِي الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ وِفَاقًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ والنقشواني) مِثَالُهُ فِي الْأَفْعَالِ ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] أَيْ يُنَادِي ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ تَلَتْهُ وَفِي الْحُرُوفِ ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أَيْ مَا نَرَى (وَمَنَعَ) الْإِمَامُ الرَّازِيّ (الْحَرْفَ مُطْلَقًا) أَيْ قَالَ لَا يَكُونُ فِيهِ مَجَازُ إفْرَادٍ لَا بِالذَّاتِ وَلَا بِالتَّبَعِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا بِضَمِّهِ إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ ضُمَّ إلَى مَا يَنْبَغِي ضَمُّهُ إلَيْهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي ضَمُّهُ إلَيْهِ فَمَجَازُ تَرْكِيبٍ قَالَ النَّقْشَوَانِيُّ مِنْ أَيْنَ أَنَّهُ مَجَازُ تَرْكِيبٍ بَلْ ذَلِكَ الضَّمُّ قَرِينَةُ مَجَازِ الْإِفْرَادِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أَيْ عَلَيْهَا (وَ) مَنَعَ أَيْضًا (الْفِعْلَ وَالْمُشْتَقَّ) كَاسْمِ الْفَاعِلِ فَقَالَ لَا يَكُونُ فِيهِمَا مَجَازٌ (إلَّا بِالتَّبَعِ) لِلْمَصْدَرِ
ــ
[حاشية العطار]
كَانَ الْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ كَمَا فِي الْآيَةِ فَلَوْ قَالَ مَا يَكُونُ وَاسِطَةً وَلَوْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ عَادَةً بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ لَكَانَ أَقْرَبَ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّ كَلَامَهُ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمُطَّرِدَةِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ وَهُوَ كَوْنُ الْفَاعِلِ يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ وَبِاعْتِبَارِهِ يُرَادُ بِالْحَمْلِ الثَّمَرَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ كَمَا فِي نَحْوِ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (قَوْلُهُ: فِي الْمُسْنَدِ) أَيْ كَابْنِ الْحَاجِبِ (قَوْلُهُ: فِي الْمُسْنَدِ إلَيْهِ) وَمِنْهُمْ السَّكَّاكِيُّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ إلَى الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: ازْدَادُوا بِهَا) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا مِنْ أَوْجُهِ تَفْسِيرِ الْمُتَعَدِّي بِاللَّازِمِ مَعَ أَنَّ نَصْبَ الْمَفْعُولِ مَانِعٌ مِنْهُ وَقَلْبَ التَّرْكِيبِ يَجْعَلُ الْفَاعِلَ مَفْعُولًا وَبِالْعَكْسِ، وَزِيَادَةُ الْبَاءِ فَالْأَوْلَى قَوْلُ الْعَضُدِ أَنَّ الْمَعْنَى كَانَتْ سَبَبًا فِي إيمَانِهِمْ فَشَبَّهَ السَّبَبَ بِالزِّيَادَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَأَطَالَ سم فِي رَدِّهِ بِمَا أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ لَائِحٌ.
(قَوْلُهُ: إطْلَاقًا لِلْآيَاتِ عَلَيْهِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَوْقِيفِيَّةٌ خُصُوصًا وَالْآيَاتُ مُؤَنَّثَةٌ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ نَاقِلٌ عَنْ الْغَيْرِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ يَرَى الْقَوْلَ بِعَدَمِ التَّوَقُّفِ وَبِأَنَّهُ إطْلَاقٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَلَا تَوْقِيفَ بَعْدَهُ وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ التَّوْقِيفِ يَشْتَرِطُ عَدَمَ الْإِيهَامِ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَا قَاطِعَ فِي الْآيَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ وَمِثْلُهُ لَا يُثْبِتُ جَوَازَ الْإِطْلَاقِ وَكُلُّ هَذَا إنَّمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ إطْلَاقًا إلَخْ مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ كَالسَّكَّاكِيِّ يَجْعَلُهُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ وَهِيَ عَلَى مُخْتَارِهِ ذِكْرُ الْمُشَبَّهِ وَإِرَادَةُ الْمُشَبَّهِ بِهِ بِوَاسِطَةِ قَرِينَةٍ هِيَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ اللَّوَازِمِ الْمُسَاوِيَةِ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ فَالْمُرَادُ بِالرَّبِيعِ فِي أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ عِنْدَهُ الْفَاعِلُ الْحَقِيقِيُّ لِلْإِنْبَاتِ يَعْنِي الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ بِقَرِينَةِ نِسْبَةِ الْإِنْبَاتِ إلَى الرَّبِيعِ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ إطْلَاقٌ بَلْ مُجَرَّدُ ادِّعَاءِ اسْتِعْمَالِهِ فَيُقَالُ هَاهُنَا الْمُرَادُ بِالْآيَاتِ الْمَوْلَى ادِّعَاءٌ نَعَمْ مَذْهَبُهُ فِي هَذَا التَّقْرِيرِ لَا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ وَهُوَ شَهِيرٌ فِي كُتُبِ الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ: والنقشواني) بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الشِّينِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَا تَرَى) فَيَكُونُ مَجَازًا مُرْسَلًا عَلَاقَتُهُ اللَّازِمِيَّةُ والملزومية لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ يَلْزَمُهُ عَدَمُ التَّحَقُّقِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى النَّفْيِ (قَوْلُهُ: الْحَرْفُ) أَيْ الْمَجَازُ فِيهِ (قَوْلُهُ: لَا بِالذَّاتِ وَلَا بِالتَّبَعِ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ بِالذَّاتِ لَا بِالتَّبَعِ فِي
стр. 420
فَوَاضِحٌ أَصْلُهُمَا فَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فَلَا مَجَازَ فِيهِمَا وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالتَّجَوُّزِ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَالْعَكْسُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِي أَصْلِهِمَا وَبِأَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَقَّ يُرَادُ بِهِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ مَجَازًا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِي أَصْلِهِ وَكَأَنَّ الْإِمَامَ فِيمَا قَالَهُ نَظَرَ إلَى الْحَدِيثِ مُجَرَّدًا عَنْ الزَّمَانِ
(وَلَا يَكُونُ) الْمَجَازُ (فِي الْأَعْلَامِ) لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُرْتَجَلَةً أَيْ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ الْعَلَمِيَّةِ كَسُعَادَ أَوْ مَنْقُولَةً لِغَيْرِ مُنَاسَبَةٍ كَفَضْلٍ فَوَاضِحٌ
ــ
[حاشية العطار]
الْإِفْرَادِ.
(قَوْلُهُ: إلَى مَا يَنْبَغِي) أَيْ عَامِلٍ يَنْبَغِي إلَخْ (قَوْلُهُ: أَصْلُهُمَا) صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَجَوُّزٍ إلَخْ) لِأَنَّ الزَّمَانَ خَارِجٌ عَنْ مَعْنَى الْمَصْدَرِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّجَوُّزُ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ الْإِمَامُ إلَخْ) اعْتِذَارٌ مِنْ الشَّارِحِ عَنْ الْإِمَامِ يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ لَا تَجَوُّزَ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ الْحَدَثِ مُجَرَّدًا عَنْ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا التَّجَوُّزُ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ وَالْمَصْدَرُ لَيْسَ أَصْلًا لَهُمَا بِاعْتِبَارِهِ بَلْ هُوَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ فَلَا اعْتِرَاضَ بِالتَّجَوُّزِ فِيهِمَا مَعَ عَدَمِ التَّجَوُّزِ فِي أَصْلِهِمَا لِمَا ذُكِرَ قَالَ سم وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الْإِمَامِ فِي الْمَحْصُولِ ظَهَرَ لَهُ سُلُوكُ الْإِمَامِ بِطَرِيقَةِ الْبَيَانِيِّينَ نَعَمْ يَرِدُ عَلَى جَوَابِ الشَّارِحِ اسْمُ الْفَاعِلِ إذَا أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ وَبِالْعَكْسِ إلَّا أَنْ يُجِيبَ عَنْ الْإِمَامِ بِمَنْعِ التَّجَوُّزِ فِي ذَلِكَ إذْ كُلٌّ مِنْ اسْمِ الْفَاعِلِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ فِيمَا ذُكِرَ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ ظَاهِرِهِ وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْ التَّجَوُّزِ فِيهِ أَوْ بِمَنْعِ عَدَمِ التَّجَوُّزِ فِي الْمَصْدَرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْفَاعِلِ إنَّمَا تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ الْمَفْعُولِ بَعْدَ التَّجَوُّزِ بِمَصْدَرِ الْمَعْلُومِ عَنْ مَصْدَرِ الْمَجْهُولِ وَأَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمَفْعُولِ إنَّمَا تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ اسْمِ الْفَاعِلِ بَعْدَ التَّجَوُّزِ بِمَصْدَرِ الْمَجْهُولِ عَنْ الْمَعْلُومِ اهـ.
وَأَقُولُ تَرْكُ الِاعْتِذَارِ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ خَيْرٌ مِنْ ذِكْرِهِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّجَوُّزَ فِي الْمِثَالَيْنِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ وَالْأَصَالَةُ وَالتَّبَعِيَّةُ إنَّمَا يَكُونَانِ فِيهَا فَلَا يَرِدُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ الْمَجَازُ فِي الْأَعْلَامِ) أَيْ أَنَّ الْعَلَمَ لَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ مَجَازًا وَهَذَا غَيْرُ قَوْلِهِمْ الِاسْتِعَارَةُ لَا تَكُونُ فِي الْأَعْلَامِ إلَّا إذَا اُشْتُهِرَتْ بِصِفَةٍ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ التَّجَوُّزِ عَنْ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ إلَى غَيْرِهِ فَهُمَا مَقَامَانِ مُتَغَايِرَانِ.
وَقَدْ الْتَبَسَا عَلَى الْكُورَانِيِّ فَتَوَهَّمَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَقَامِ الثَّانِي وَقَالَ إنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ إذْ قَالُوا إذَا قُلْت رَأَيْت حَاتِمًا وَأَرَدْت بِهِ شَخْصًا مُعَيَّنًا فَإِنَّمَا أَطْلَقْت لَفْظَ حَاتِمٍ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّشْبِيهِ بِهِ فِي الْجُودِ فَهُوَ مَجَازٌ لِكَوْنِهِ اسْتِعَارَةً إلَى أَنْ قَالَ فَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ قَبُولِهِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَسْبِقْ لَهَا اسْتِعْمَالٌ) الْأَوْلَى وَضْعٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ سَبْقِ الِاسْتِعْمَالِ نَفْيُ التَّجَوُّزِ لِإِمْكَانِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ الْمُشْتَرَطُ فِي الْمَجَازِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِعْمَالِ الْوَضْعُ كِنَايَةً لِلتَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا غَالِبًا (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْعَلَمِيَّةِ) الْأَوْلَى لِغَيْرِ مَعْنَاهَا لِاقْتِضَاءِ كَلَامِهِ أَنَّ مَا اُسْتُعْمِلَ اسْمَ جِنْسٍ أَوْ عَلَمَهُ ثُمَّ نُقِلَ لِغَيْرِهِ مُرْتَجَلٌ مَعَ أَنَّهُ مَنْقُولٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَلْ لِلْحُضُورِ فَالْمَعْنَى لَمْ يَسْبِقْ لَهَا اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ الْعَلَمِيَّةِ الْحَاضِرَةِ.
(قَوْلُهُ: فَوَاضِحٌ) جَوَابُ أَنْ قَالَ النَّاصِرُ هُوَ غَيْرُ وَاضِحٍ إذْ الْمَجَازُ يَكْفِي فِيهِ سَبْقُ الْوَضْعِ بِمُجَرَّدِهِ وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ بِالنِّسْبَةِ لِلشِّقِّ الثَّانِي وَهُوَ الْمَنْقُولَةُ لِغَيْرِ مُنَاسَبَةٍ إذْ النَّقْلُ
стр. 421
أَوْ لِمُنَاسَبَةٍ كَمَنْ سَمَّى وَلَدَهُ بِمُبَارَكٍ لِمَا ظَنَّهُ فِيهِ مِنْ الْبَرَكَةِ فَكَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْإِطْلَاقِ عِنْدَ زَوَالِهَا (خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ فِي مُتَلَمَّحِ الصِّفَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ كَالْحَارِثِ فَقَالَ إنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ مِنْهُ الصِّفَةُ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ مَوْضُوعًا لَهَا وَهَذَا خِلَافٌ فِي التَّسْمِيَةِ وَعَدَمُهَا أَوْلَى
(وَيُعْرَفُ) الْمَجَازُ أَيْ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لِلَّفْظِ (بِتَبَادُرِ غَيْرِهِ) مِنْهُ إلَى الْفَهْمِ (لَوْلَا الْقَرِينَةُ) وَمِنْ الْمَصْحُوبِ بِهَا الْمَجَازُ الرَّاجِحُ وَسَيَأْتِي
ــ
[حاشية العطار]
لِغَيْرِ مُنَاسَبَةٍ يُنَافِي اعْتِبَارَ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمَجَازِ الَّتِي هِيَ مُنَاسَبَةٌ مَخْصُوصَةٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلشِّقِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُرْتَجَلَةُ الْمُفَسَّرَةُ بِاَلَّتِي لَمْ يَسْبِقْ لَهَا اسْتِعْمَالٌ لِغَيْرِ الْعَلَمِيَّةِ فَالتَّوَقُّفُ فِي مَحَلِّهِ.
وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْكَمَالُ فَقَالَ إنَّ الْوَاجِبَ فِي تَحَقُّقِ الْمَجَازِ سَبْقُ الْوَضْعِ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ اتِّفَاقٌ لَا سَبْقٌ لِلِاسْتِعْمَالِ عَلَى الْمُخْتَارِ فَعَلَيْهِ يُتَجَوَّزُ فِي اللَّفْظِ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ اسْتِعْمَالٌ وَأَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ وَتَعْبِيرُهُمْ فِيهِ بِالِاسْتِعْمَالِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْبِقْ الِاسْتِعْمَالُ فِي مَعْنًى لَمْ يَسْبِقْ الْوَضْعُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَنَّهُ إذَا وُضِعَ اللَّفْظُ لِمَعْنًى اُسْتُعْمِلَ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ نَفْيُ سَبْقِ الْوَضْعِ وَتَوَجَّهَ إفَادَةُ الْعِبَادَةِ لَهُ بِحَمْلِهَا عَلَى الْكِنَايَةِ لِأَنَّ الْوَضْعَ لَازِمٌ لِلِاسْتِعْمَالِ بِحَسَبِ الْغَالِبِ وَاللُّزُومُ فِي الْكِتَابَةِ يُكْتَفَى فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ) أَيْ فَكَالْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي وُضُوحِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْمَجَازُ فِيهَا لِفَوَاتِ الْمُصَحِّحِ لِلتَّجَوُّزِ وَهُوَ بَقَاءُ الْمُنَاسَبَةِ الَّتِي هِيَ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ فِي مُتَلَمَّحِ الصِّفَةِ) أَيْ الْعَلَمُ الْمُتَلَمَّحُ فِيهِ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ كَوْنُهُ صِفَةً كَالْحَارِثِ فَإِنَّهُ كَانَ صِفَةً ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْعَلَمِيَّةِ.
وَقَدْ يُتَلَمَّحُ فِيهِ الْأَصْلُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَتَدْخُلُهُ اللَّامُ جَوَازًا وَهَذَا الَّذِي عَنَاهُ الشَّارِحُ بِالْعَلَمِ الْمَنْقُولِ لِمُنَاسَبَةٍ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْأَعْلَامِ الَّتِي وُضِعَتْ لِمَحْضِ الْفَرْقِ بَيْنَ الذَّوَاتِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَلَا يَدْخُلُهَا مَجَازٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ مِنْهُ الصِّفَةُ) أَيْ حَالَ الْعَلَمِيَّةِ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ مَوْضُوعًا لَهَا فَانْطَبَقَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْمَجَازِ وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا بِوَضْعٍ ثَانٍ لِعَلَاقَةٍ.
وَالْجَوَابُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّجَوُّزِ بَقَاءُ الْمُنَاسَبَةِ حَالَ الْإِطْلَاقِ وَهَذَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ بَعْدَ زَوَالِهَا.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا خِلَافٌ فِي التَّسْمِيَةِ) أَيْ هَلْ يُسَمَّى مُتَلَمَّحُ الصِّفَةِ مَجَازًا أَوْ لَا وَعَدَمُهَا أَيْ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ يَعْنِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَجَازًا أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّسْمِيَةِ لِأَنَّ وَضْعَ الْعَلَمِ شَخْصِيٌّ وَوَضْعَ الْمَجَازِ نَوْعِيٌّ وَلِصِحَّةِ الْإِطْلَاقِ بَعْدَ زَوَالِ الْمُنَاسَبَةِ وَزَوَالِهَا فِي الْمَجَازِ يَنْفِي صِحَّةَ الْإِطْلَاقِ
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ) حُمِلَ الْمَجَازُ عَلَى الْمَعْنَى مَعَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ اللَّفْظُ لِأَنَّ التَّبَادُرَ إنَّمَا هُوَ لِلْمَعْنَى وَلِذَلِكَ احْتَاجَ إلَى التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ وَجَمْعُهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ لِلَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمَصْحُوبِ بِهَا) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ الْمَجَازُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَدُفِعَ بِهَذَا مَا يُقَالُ إنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمَجَازِ الْمَجَازُ الرَّاجِحُ وَهُوَ يَتَبَادَرُ عَلَى غَيْرِهِ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ أَنَّ الْعَلَامَةَ لَا يَلْزَمُ انْعِكَاسُهَا وَأَيْضًا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ لَوْلَا الْقَرِينَةُ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ فَائِدَةٍ.
وَفِي الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ أَنَّ الْمَجَازَ الرَّاجِحَ نَادِرٌ وَالتَّبَادُرُ فِي الْأَغْلَبِ يَخْتَصُّ بِالْحَقِيقَةِ وَتَخَلُّفُ الْمَدْلُولِ عَنْ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ لَا يَقْدَحُ فِيهِ لَا سِيَّمَا فِي الْمَبَاحِثِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْأَمَارَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ أَيْ يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَيَعْرِفُ الْمَجَازُ إلَخْ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِمَّا تَقَدَّمَ نَفْيُ تَبَادُرُ الْغَيْرِ لَا تَبَادُرِ الْحَقِيقَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْعَلَامَةُ ثُبُوتَ التَّبَادُرِ لَهَا لَمْ يَشْمَلْ الْمُشْتَرَكَ فَإِنَّ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ غَيْرُ مُتَبَادَرٍ وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ عَدَمُ تَبَادُرِ الْغَيْرِ وَأَيْضًا مَا قَالَهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْعَلَاقَةُ مُنْعَكِسَةً مَعَ أَنَّهَا لَا تَنْعَكِسُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّبَادُرِ نَفْيُ الْمَجَازِ وَثُبُوتُ الْحَقِيقَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْعَلَامَةِ نَفْيُ الْمُعَلَّمِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِمَّا تَقَدَّمَ نَفْيُ تَبَادُرِ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَا هُوَ غَيْرٌ فِي الْوَاقِعِ وَلَيْسَ إلَّا الْحَقِيقَةُ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومُ الْغَيْرِ عَامًّا شَامِلًا لَهَا وَغَيْرِهَا فَأَفَادَ أَنَّ عَلَامَةَ الْحَقِيقَةِ تَبَادُرُهَا لَا يُقَالُ كَمَا يَصْدُقُ الْغَيْرُ بِالْحَقِيقَةِ يَصْدُقُ اللَّفْظُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ فَلَا نُسَلِّمُ الْأَخْذَ إلَّا لَوْ
стр. 422
وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ التَّبَادُرَ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تُعْرَفُ بِهِ الْحَقِيقَةُ (وَصِحَّةُ النَّفْيِ) كَمَا فِي قَوْلِك فِي الْبَلِيدِ هَذَا حِمَارٌ فَإِنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُ الْحِمَارِ عَنْهُ (وَعَدَمُ وُجُوبِ الِاطِّرَادِ) فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَطَّرِدَ كَمَا فِي ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا فَلَا يُقَالُ وَاسْأَلْ الْبِسَاطَ أَيْ صَاحِبَهُ
ــ
[حاشية العطار]
كَانَ الْغَيْرُ مَحْصُورًا فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّا نَقُولُ اللَّفْظُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ لَا يُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ وَالتَّبَادُرُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَلَا يَرِدُ الْمُشْتَرَكُ لِأَنَّ عَدَمَ التَّبَادُرِ إنَّمَا هُوَ إذَا الْتَفَتَ إلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ مَعَانِيهِ عَلَى حِدَتِهِ.
وَأَمَّا إذَا اُلْتُفِتَ لِلْمَجْمُوعِ فَمُتَبَادَرٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُتَبَادَرٌ عَلَى الْبَدَلِ وَأَنَّ الْأَخْذَ لَيْسَ لِانْعِكَاسِ الْعَلَاقَةِ بَلْ لِأَنَّ الْغَيْرَ الْمُضَافَ إلَيْهِ التَّبَادُرُ هُوَ الْحَقِيقَةُ هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِهِ الطَّوِيلِ وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْعَلَاقَةِ لَا تَنْعَكِسُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ انْعِكَاسُهَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا قَدْ تَنْعَكِسُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِخُصُوصِيَّةٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةُ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَصِحَّةُ النَّفْيِ) أَيْ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِاعْتِبَارِ الِاسْتِعْمَالِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ قَدْ تَنْتَفِي فِي الِاسْتِعْمَالِ نَحْوُ مَا أَنْتَ بِإِنْسَانٍ وَإِنَّمَا عُرِفَ بِهِ الْمَجَازُ لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ الَّذِي فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ يُقَابِلُهُ النَّفْيُ الَّذِي فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَصِحَّةُ النَّفْيِ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الْإِثْبَاتِ الَّذِي فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَأَنَّهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَمَحَطُّ الْإِثْبَاتِ غَيْرُ مَحَطِّ النَّفْيِ فَلَا تَنَاقُضَ وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذِهِ الْعَلَاقَةِ بِلُزُومِ الدَّوْرِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ مِنْ الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ وَكَوْنُهُ لَيْسَ مِنْهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ صِحَّةَ نَفْيِهِ بِاعْتِبَارِ التَّعَقُّلِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنْ يَعْلَمَ كَوْنَهُ مَجَازًا فَيَنْفِيهِ وَبِأَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي مَعْنَى جَهْلِ كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِيهِ بَلْ فِي مَعْنَى عِلْمِ أَنَّ لَفْظَهُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيُّهُمَا الْمُرَادُ فَيُعْرَفُ بِصِحَّةِ النَّفْيِ كَوْنُهُ مَجَازًا.
(قَوْلُهُ: فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِوُجُوبٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْمَجَازِ اطِّرَادُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَيُسْتَعْمَلُ دَائِمًا فِي إفْرَادِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بَلْ يَجُوزُ اطِّرَادُهُ.
قَوْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] هَذَا التَّمْثِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ وَهُوَ أَنَّ الْمَجَازَ هُنَا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ وَلَيْسَ مَجَازًا بِالْحَذْفِ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ السَّابِقَةِ ثُمَّ إنَّ مَعْنَى الِاطِّرَادِ فِيهِ اسْتِعْمَالُ نَظَائِرِهِ فِي نَظَائِرِ مَعْنَاهُ لَا بِاسْتِعْمَالِهِ هُوَ فِي أَفْرَادِ مَعْنَاهُ كَمَا هُوَ حَقِيقَةُ الِاطِّرَادِ.
(قَوْلُهُ: وَاسْأَلْ الْبِسَاطَ) كَلَامُ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَفِي التَّسْهِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ فِي إعْرَابِهِ وَقَسَّمَ ذَلِكَ إلَى قِيَاسِيٍّ وَسَمَاعِيٍّ وَذَكَرَ أَنَّ ضَابِطَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ اسْتِقْلَالُ الْمُضَافِ إلَيْهِ بِالْحُكْمِ فَهُوَ قِيَاسِيٌّ نَحْوُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] إذْ الْقَرْيَةُ لَا تُسْأَلُ وَالْعِجْلُ لَا يُشْرَبُ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ فَهُوَ سَمَاعِيٌّ كَقَوْلِهِ
عَشِيَّةَ فَرَّ الْحَارِثِيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى الْقَوْمِ هَوْبَرُ
стр. 423
أَوْ يَطَّرِدَ لَا وُجُوبًا كَمَا فِي الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ فَيَصِحُّ فِي جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ الْجَوَازِ أَنْ يُعَبِّرَ فِي بَعْضِهَا بِالْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَيَلْزَمُ اطِّرَادُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فِي جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ لِانْتِفَاءِ التَّعْبِيرِ الْحَقِيقِيِّ بِغَيْرِهَا (وَجَمْعُهُ) أَيْ جَمْعُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ (عَلَى خِلَافِ جَمْعِ الْحَقِيقَةِ) كَالْأَمْرِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ مَجَازًا يُجْمَعُ عَلَى أُمُورٍ بِخِلَافِهِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ حَقِيقَةً
ــ
[حاشية العطار]
أَيْ ابْنُ هَوْبَرٍ اهـ.
عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْعَلَاقَةِ نَوْعُهَا لَا شَخْصُهَا وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ هُنَا وَالِاسْتِحَالَةُ قَرِينَةٌ فَمَا وَجْهُ الِامْتِنَاعِ وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِأَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ فِيمَا إذَا حُذِفَ الْمُضَافُ غَيْرَ مُرَادٍ بَعْدَ حَذْفِهِ بَلْ اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي مَعْنَى الْمُضَافِ وَكَلَامُ النَّحْوِيِّينَ فِيمَا إذَا حُذِفَ الْمُضَافُ مَعَ إرَادَتِهِ بَعْدَ حَذْفِهِ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ لَفْظُ الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي مَعْنَى الْمُضَافِ بَلْ بَقِيَ بِحَالِهِ بِأَنْ حَذَفَ فِي الْمِثَالِ لَفْظَ الْأَهْلِ مَعَ إرَادَتِهِ وَأُرِيدَ بِلَفْظِ الْقَرْيَةِ فِيهِ بَعْدَ الْحَذْفِ نَفْسُ الْأَبْنِيَةِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ التَّنَافِي وَلَكِنْ يَبْقَى إشْكَالُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْعَلَاقَةِ نَوْعُهَا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُ اطِّرَادُ إلَخْ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَجَازَ يَلْزَمُ اطِّرَادُهُ لِانْتِفَاءِ التَّعْبِيرِ الْمَجَازِيِّ بِغَيْرِهِ فَإِنْ نَظَرَ لِمُطْلَقِ التَّعْبِيرِ كَانَ تَحْقِيقُهُ أَوَّلًا يَلْزَمُ عَدَمُ الِاطِّرَادِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى جَعْلِ الْعَلَامَةِ عَدَمَ الِاطِّرَادِ إلَخْ الدَّوْرُ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ مَجَازٌ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مُطَّرِدٌ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فَقَدْ تَوَقَّفَ الِاطِّرَادُ أَوْ عَدَمُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُعَلَّمِ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ عَلَامَةً وَلِذَلِكَ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْعَلَامَةَ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الِاطِّرَادِ صِحَّةُ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعَ إمْكَانِ الْعُدُولِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ إلَى إطْلَاقٍ يَكُونُ حَقِيقِيًّا وَبِوُجُوبِ الِاطِّرَادِ صِحَّةُ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعَ عَدَمِ إمْكَانِ الْعُدُولِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ إلَى إطْلَاقٍ يَكُونُ حَقِيقِيًّا وَلَا دَوْرَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِ الْإِطْلَاقِ الْآخَرِ حَقِيقِيًّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِ الْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ مَجَازِيًّا كَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ أَنَّ مَا عَدَا الْإِطْلَاقَ الْأَوَّلَ لَيْسَ حَقِيقِيًّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّ الْإِطْلَاقَ الْأَوَّلَ حَقِيقِيٌّ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت يَرِدُ عَلَى الشَّارِحِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَرَادِفَيْنِ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الرَّدِيفِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ أَيْضًا فَقَدْ وُجِدَ عَدَمُ وُجُوبِ الِاطِّرَادِ بِالْمَعْنَى الَّذِي حَمَلْت عَلَيْهِ كَلَامَهُ بِالنِّسْبَةِ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ قُلْت يُمْكِنُ تَخْصِيصُ هَذِهِ الْعَلَامَةِ بِمَا إذَا عُلِمَ انْتِفَاءُ التَّرَادُفِ وَاحْتَمَلَ الِاشْتِرَاكُ وَالتَّجَوُّزُ. اهـ.
وَلَوَائِحُ التَّعَسُّفِ لَائِحَةٌ عَلَيْهِ لِمَنْ تَدَبَّرَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الِاطِّرَادِ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْقُوضٌ بِأَنَّ مِنْهَا مَا لَا يَطَّرِدُ كَالْفَاضِلِ وَالسَّخِيِّ فَإِنَّهُمَا يُطْلَقَانِ حَقِيقَةً فِي الْإِنْسَانِ لَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَكَالْقَارُورَةِ وَالدَّبَرَانِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يُطْلَقُ حَقِيقَةً فِي الزُّجَاجَةِ الْمَعْرُوفَةِ لَا فِي كُلِّ مَا فِيهِ قَرَارٌ وَالثَّانِي فِي مَنْزِلَةِ الْقَمَرِ لَا فِي كُلِّ مَا فِيهِ دَبُورٌ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ عَدَمَ إطْلَاقِ الْأَوَّلَيْنِ عَلَيْهِ تَعَالَى لِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ أَنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَلِإِيهَامِ النَّقْصِ لِأَنَّ الْفَاضِلَ يُطْلَقُ فِي مَحَلٍّ يَقْبَلُ الْجَهْلَ وَالسَّخِيَّ فِي مَحَلٍّ يَقْبَلُ الْبُخْلَ وَعَدَمُ إطْلَاقِ الْأَخِيرَيْنِ عَلَى غَيْرِ مَا ذُكِرَ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْمُعَيَّنَ قَدْ اُعْتُبِرَ فِي وَضْعِهِمَا وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ جَمْعُ اللَّفْظِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مَا عَدَا الضَّمِيرَ فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى نَفْسِ لَفْظِ
стр. 424
فَيُجْمَعُ عَلَى أَوَامِرَ.
(وَبِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ) أَيْ تَقْيِيدِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ كَجَنَاحِ الذُّلِّ أَيْ لِينِ الْجَانِبِ وَنَارِ الْحَرْبِ أَيْ شِدَّتِهِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ مِنْ غَيْرِ لُزُومٍ كَالْعَيْنِ الْجَارِيَةِ (وَتَوَقُّفِهِ) فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ (عَلَى الْمُسَمَّى الْآخَرِ) نَحْوُ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] أَيْ جَازَاهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ حَيْثُ تَوَاطَئُوا وَهُمْ الْيَهُودُ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا عِيسَى ﵊ بِأَنْ أَلْقَى شَبَهَهُ عَلَى مَنْ وَكَلُوا بِهِ قَتْلَهُ وَرَفَعَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَتَلُوا الْمُلْقَى عَلَيْهِ الشَّبَهُ ظَنًّا أَنَّهُ عِيسَى وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى قَوْلِهِ أَنَا صَاحِبُكُمْ ثُمَّ شَكُّوا فِيهِ لَمَّا لَمْ يَرَوْا الْآخَرَ فَإِطْلَاقُ الْمَكْرِ عَلَى الْمُجَازَاةِ عَلَيْهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِهِ بِخِلَافِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِ
ــ
[حاشية العطار]
الْمَجَازِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ وَلَكِنَّ الشَّارِحَ أَعَادَ جَمِيعَ الضَّمَائِرِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَقَدَّرَ الْمُضَافَ فِيمَا لَا يَصْلُحُ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لِتَكُونَ الضَّمَائِرُ رَاجِعَةً إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ حَذَرًا مِنْ التَّشْتِيتِ ثُمَّ إنَّهُ نَقَضَ طَرْدَ هَذِهِ الْعَلَامَةِ بِالْمُشْتَرَكِ فَإِنَّهُ قَدْ يَخْتَلِفُ الْجَمْعُ فِي مَعْنَيَيْهِ كَالذُّكْرَانِ وَالذُّكُورِ فِي جَمْعِ الذَّكَرِ ضِدِّ الْأُنْثَى، وَالْمَذَاكِيرُ فِي جَمْعِ الذَّكَرِ بِمَعْنَى الْفَرْجِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ.
وَأُجِيبَ أَنَّ هَذَا فِيمَا ثَبَتَ لَهُ اسْتِعْمَالٌ حَقِيقِيٌّ ثُمَّ أُرِيدَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنًى آخَرَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَعَ ثُبُوتِ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ الْأَوَّلَ حَقِيقَةٌ لَزِمَ الْحَمْلُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَالْأَصْلُ خِلَافُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ يُغْنِي عَنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَجَازِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْجَمْعِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَبِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ) أَيْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ صُوَرِ الْمَجَازِ قَدْ يَخْلُو عَنْ التَّقْيِيدِ (قَوْلُهُ: أَيْ لِينِ الْجَانِبِ) تَفْسِيرٌ لِلْجَنَاحِ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللِّينِ وَإِضَافَةُ الذُّلِّ إلَيْهِ قَرِينَةٌ وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكَّاكِيُّ فِي قَرِينَةِ الْمَكْنِيَّةِ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ كَمَا فِي أَظْفَارِ الْمَنِيَّةِ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْقَوْمِ مِنْ أَنَّ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازَ فِي الْإِثْبَاتِ فَالْمَجَازُ عَقْلِيٌّ لَا إفْرَادِيٌّ وَهُوَ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ شِدَّتِهِ) جَرَى فِيهِ عَلَى لُغَةِ تَذْكِيرِهَا وَالْمَشْهُورُ تَأْنِيثُهُمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خِلَافًا لِمَا فِي النَّاصِرِ مِنْ أَنَّ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ وَاجِبٌ اهـ.
عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَذْكِيرُهَا بِالتَّأْوِيلِ بِالْقِتَالِ فَإِنَّهُ قَدْ يُذَكَّرُ الْمُؤَنَّثُ وَيُؤَنَّثُ الْمُذَكَّرُ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ
تَرَى رَجُلًا مِنْهُمْ أَسِيفًا كَأَنَّمَا ... يَضُمُّ إلَى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبَا
فَذَكَّرَ وَصْفَ الْكَفِّ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى الْعُضْوِ، وَالثَّانِي كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ أَتَتْهُ كِتَابِي فَاحْتَقَرَهَا فَأَنَّثَ ضَمِيرَ الْكِتَابِ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى الصَّحِيفَةِ وَلَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ عَنْ التَّأْنِيثِ خَشْيَةَ تَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ لِلنَّارِ دُونَ الْحَرْبِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمُسَمَّى الْآخَرِ) أَيْ عَلَى وُجُودِهِ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْعِبَارَةِ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ الْحَوَاشِي هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْوُجُودُ فِي الْعِبَارَةِ لِتَقْسِيمِهِمْ لَهُ إلَى الْوُجُودِ التَّحْقِيقِيِّ وَالتَّقْدِيرِيِّ فَالْأَوَّلُ كَمِثَالِ الشَّارِحِ.
وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] أَيْ مُجَازَاتَهُ لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ إذْ التَّقْدِيرُ أَفَأَمِنُوا حِينَ مَكَرُوا مَكْرَ اللَّهِ وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ وَهِيَ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ الْمُصَاحَبَةُ فِي الذِّكْرِ وَنُوقِشَ بِأَنْ تَكُونَ الْمُصَاحَبَةُ فِي الذِّكْرِ حَاصِلَةً بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ عَلَاقَتَهُ لِوُجُوبِ حُصُولِهَا قَبْلَهُ لِابْتِنَائِهِ عَلَيْهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يُعَبِّرُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْمُصَاحَبَةِ فِي الذِّكْرِ قَبْلَ التَّعْبِيرِ
стр. 425
(وَالْإِطْلَاقُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ) نَحْوُ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ فَإِطْلَاقُ الْمَسْئُولِ عَلَيْهَا الْمَأْخُوذُ مِنْ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّهَا الْأَبْنِيَةُ الْمُجْتَمِعَةُ وَإِنَّمَا الْمَسْئُولُ أَهْلُهَا (وَالْمُخْتَارُ اشْتِرَاطُ السَّمْعِ فِي نَوْعِ الْمَجَازِ) فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَجَوَّزَ فِي نَوْعٍ مِنْهُ كَالسَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ إلَّا إذَا سُمِعَ مِنْ الْعَرَبِ صُورَةٌ مِنْهُ مَثَلًا وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ يُكْتَفَى بِالْعَلَاقَةِ الَّتِي نَظَرُوا إلَيْهَا فَيَكْفِي السَّمَاعُ فِي نَوْعٍ لِصِحَّةِ التَّجَوُّزِ فِي عَكْسِهِ مَثَلًا (وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ) فِي الِاشْتِرَاطِ وَعَدَمِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ فِي شَخْصِ الْمَجَازِ إجْمَاعًا بِأَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ إلَّا فِي الصُّورَةِ الَّتِي اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِيهَا
(مَسْأَلَةُ الْمُعَرَّبُ لَفْظٌ غَيْرُ عَلَمٍ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي مَعْنًى وُضِعَ لَهُ فِي غَيْرِ لُغَتِهِمْ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ جَرِيرٍ وَالْأَكْثَرِ) إذْ لَوْ كَانَ فِيهِ لَاشْتَمَلَ عَلَى غَيْرِ عَرَبِيٍّ فَلَا يَكُونُ كُلُّهُ عَرَبِيًّا
ــ
[حاشية العطار]
بِالْمُتَصَاحبين فِي الْمُشَاكَلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَبِأَحَدِهِمَا فِي التَّقْدِيرِيَّةِ وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ هِيَ الْمُجَاوَرَةُ فِي الْخَيَالِ (قَوْلُهُ: شَبَهَهُ) أَيْ شَبَهَ عِيسَى ﵇ لَا شَبَهَ الْمَقْتُولِ خِلَافًا لِمَا فِي زَكَرِيَّا وَوَكَلُوا بِالتَّخْفِيفِ وَأَلْقَى مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ ضَمِيرُهُ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِطْلَاقُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ) أَيْ لِأَنَّ الِاسْتِحَالَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا وَأَوْرَدَ أَنَّ الْمَجَازَ الْعَقْلِيَّ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُهُ بِهِ بَدِيهَةً، وَاَلَّذِي فِي الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ يَمْتَنِعُ نَظَرًا اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: فَإِطْلَاقُ الْمَسْئُولِ) أَيْ إطْلَاقُ لَفْظِ الْمَسْئُولِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْفِعْلِ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْفِعْلِ وَإِيقَاعَهُ عَلَى الْمَفْعُولِ يَقْتَضِي اشْتِقَاقَ اسْمِ الْمَفْعُولِ لَهُ فَإِذَا قُلْت اضْرِبْ زَيْدًا جَازَ أَنْ يُقَالَ إنَّ زَيْدًا مَضْرُوبٌ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِحَالَةَ صِفَةً لِلْإِطْلَاقِ وَالْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُطْلَقِ وَهُوَ الْمَعْنَى وَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِ الْمُسْتَحِيلِ إطْلَاقَهُ لَفْظًا آخَرَ مَأْخُوذًا مِنْ وَاسْأَلْ بَلْ هُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ.
الثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ بِاسْتِحَالَةِ الْإِطْلَاقِ يُنَافِي الْأَخْذَ مِنْ الْآيَةِ لَا يُقَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْآيَةِ الْإِطْلَاقُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَالْمُحَالُ الْإِطْلَاقُ الْحَقِيقِيُّ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْآيَةِ هُوَ الْمُسْتَحِيلُ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ وَصْفَ الْإِطْلَاقِ بِالِاسْتِحَالَةِ بِالتَّبَعِ لِمُتَعَلِّقِهِ فَإِنَّ اسْتِحَالَةَ اللَّفْظِ بِالتَّبَعِ لِاسْتِحَالَةِ الِاتِّصَافِ بِمَعْنَاهُ فَرَجَعَ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَخْذُ مِنْ الْآيَةِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَالِاسْتِحَالَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهَذَا تَسَامُحٌ سَهْلٌ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا حُمِلَ الْمَأْخُوذُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَالْمُسْتَحِيلُ الْحَقِيقَةُ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَدَمُ الِاتِّحَادِ وَعَدَمُ صِحَّةِ الْحَمْلِ مَعَ أَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَهُ عَيْنَهُ لِأَنَّ الْحَمْلَ بِاعْتِبَارِ الِاتِّحَادِ الذَّاتِيِّ إذْ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا اعْتِبَارِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ الْحَمْلَ.
وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحَالَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ إرَادَةُ الْمَجَازِ لِإِمْكَانِ الْكِنَايَةِ أَوْ إرَادَةِ مَعْنًى آخَرَ حَقِيقِيٍّ عَلَى تَقْدِيرِ الِاشْتِرَاكِ وَكَوْنُ الْأَصْلِ عَدَمَهُ الْتِفَاتٌ لِدَلِيلٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: الْمَأْخُوذُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَالْإِطْلَاقُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ أَيْ وَإِطْلَاقُ التَّرْكِيبِ الَّذِي فِيهِ الْمَجَازُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ فِي شَخْصِ الْمَجَازِ إجْمَاعًا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ نَقْلَ غَيْرِهِ كَابْنِ الْحَاجِبِ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ النَّقْلُ فِي الْآحَادِ عَلَى الْأَصَحِّ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْأَشْخَاصِ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ حَيْثُ قَالَ مَحَلُّ الْخِلَافِ آحَادُ الْأَنْوَاعِ لَا الْأَشْخَاصِ إذْ الشَّخْصُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مَحَلَّ خِلَافٍ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ لَا أُطْلِقُ الْأَسَدَ عَلَى هَذَا الشُّجَاعِ إلَّا إذَا أَطْلَقَتْهُ عَلَيْهِ الْعَرَبُ بِعَيْنِهِ وَأَطَالَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ فَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَنْوَاعِ لَا فِي الْجِنْسِ وَلَا فِي جُزْئِيَّاتِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ اهـ. زَكَرِيَّا.
[مَسْأَلَةُ الْمُعَرَّبُ]
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ لُغَتِهِمْ) أَمَّا إذَا اسْتَعْمَلُوهُ فِي مَعْنًى وَضَعُوهُ لَهُ فِي لُغَتِهِمْ فَلَيْسَ بِمُعَرَّبٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ كُلُّهُ عَرَبِيًّا) وَالتَّالِي بَاطِلٌ وَقَوْلُهُ وَقَدْ قَالَ إلَخْ دَلِيلُ بُطْلَانِ التَّالِي وَقَدْ تُمْنَعُ الْمُلَازَمَةُ بِأَنَّ الْعَرَبِيَّ
следующие страницы →