← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مَوْصُوفَةً) نَحْوُ مَرَرْت بِمَا مُعْجَبٍ لَك أَيْ بِشَيْءٍ (وَلِلتَّعَجُّبِ) نَحْوُ مَا أَحْسَنَ زَيْدًا فَمَا نَكِرَةٌ تَامَّةٌ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهَا خَبَرُهُ (وَاسْتِفْهَامِيَّةً) نَحْوُ ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ [الذاريات: ٣١] أَيْ شَأْنُكُمْ (وَشَرْطِيَّةً زَمَانِيَّةً) نَحْوُ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] أَيْ اسْتَقِيمُوا لَهُمْ مُدَّةَ اسْتِقَامَتِهِمْ لَكُمْ (وَغَيْرَ زَمَانِيَّةٍ) نَحْوُ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] (وَ) الْحَرْفِيَّةُ تَرِدُ (مَصْدَرِيَّةً كَذَلِكَ) أَيْ زَمَانِيَّةً نَحْوُ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] أَيْ مُدَّةَ اسْتِطَاعَتِكُمْ وَغَيْرَ زَمَانِيَّةٍ نَحْوُ ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ [السجدة: ١٤] أَيْ بِنِسْيَانِكُمْ (وَنَافِيَةً) عَامِلَةً نَحْوُ ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] وَغَيْرَ عَامِلَةٍ نَحْوُ ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] (وَزَائِدَةً كَافَّةً) عَنْ عَمَلِ الرَّفْعِ نَحْوُ قَلَّمَا يَدُومُ الْوِصَالُ أَوْ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ نَحْوُ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] أَوْ الْجَرِّ نَحْوُ رُبَّمَا دَامَ الْوِصَالُ (وَغَيْرَ كَافَّةٍ) عِوَضًا نَحْوُ افْعَلْ هَذَا إمَّا لَا أَيْ إنْ كُنْت لَا تَفْعَلُ غَيْرَهُ فَمَا عِوَضٌ عَنْ كُنْت أُدْغِمَ فِيهَا النُّونُ لِلتَّقَارُبِ وَحُذِفَ الْمَنْفِيُّ لِلْعِلْمِ بِهِ وَغَيْرَهُ عِوَضٌ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَالْأَصْلُ فَبِرَحْمَةٍ. (الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ) فِي الْمَكَانِ نَحْوُ ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وَالزَّمَانِ نَحْوُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا نَحْوُ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٠] (غَالِبًا) أَيْ وُرُودُهَا لِهَذَا الْمَعْنَى أَكْثَرُ مِنْ وُرُودِهَا لِغَيْرِهِ (وَلِلتَّبْعِيضِ) نَحْوُ ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] أَيْ بَعْضَهُ (وَالتَّبْيِينِ) نَحْوُ ــ [حاشية العطار] الْإِخْبَارُ بِهِ وَأَمَّا صِنَاعَةً فَلِلُزُومِ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الدُّعَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجُمْلَةِ بِتَمَامِهَا لَا مِنْ لَنْ بَلْ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْخَبَرِ الْمُرَادِ بِهِ الْإِنْشَاءُ (قَوْلُهُ: وَلِلتَّعَجُّبِ) جَعَلَهَا قِسْمًا بِرَأْسِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ مِنْ أَيِّ الْأَقْسَامِ هِيَ فَقَدْ قِيلَ إنَّهَا مَوْصُولَةٌ وَقِيلَ مَوْصُوفَةٌ وَقِيلَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ تَضَمَّنَتْ مَعْنَى التَّعَجُّبِ وَقِيلَ نَكِرَةٌ تَامَّةٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ. قَوْلُهُ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٩٧] مَا مَفْعُولٌ بِهِ دَلِيلُ بَيَانِهَا بِقَوْلِهِ مِنْ خَيْرٍ. (قَوْلُهُ: أَيْ مُدَّةَ اسْتِطَاعَتِكُمْ) فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ وَالْمَصْدَرُ نَائِبٌ عَنْ اسْمِ الزَّمَانِ الْمَحْذُوفِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْقَرِينَةِ وَلَيْسَ الدَّالُّ عَلَى الزَّمَانِ هِيَ وَإِلَّا كَانَتْ اسْمًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا غَيْرُ زَمَانِيَّةٍ عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ تَقْوَى اسْتِطَاعَتِكُمْ. (قَوْلُهُ: قَلَّمَا يَدُومُ وِصَالٌ) فَمَا كَافَّةٌ لَا مَصْدَرِيَّةٌ بِدَلِيلِ وُقُوعِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بَعْدَهَا فِي نَحْوِ وَقَلَّمَا وِصَالٌ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ يَدُومُ (قَوْلُهُ: أَيْ إنْ كُنْت) قَالَ النَّاصِرُ فِي حَاشِيَةِ التَّوْضِيحِ لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ كَانَ وَجَعْلِ مَا عِوَضًا عَنْهَا بَلْ الْمَعْنَى أَنْ لَا تَفْعَلَ غَيْرَهُ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الدَّلَالَةُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ وَالْجَزْمِ بِهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَكَانِ وَتَجِيءُ أَيْضًا بَعْدَ أَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَمِثَالُهُ أَمَّا أَنْتَ مُنْطَلِقًا أَيْ لَأَنْ كُنْت مُنْطَلِقًا انْطَلَقْت فَمَا عِوَضٌ عَنْ كَانَ وَاللَّامِ وَالْأَصْلُ انْطَلَقْت لِأَنَّ كُنْت مُنْطَلِقًا فَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ لَهُ لِلِاخْتِصَاصِ وَحَذَفَ الْجَارَّ وَكَانَ لِلِاخْتِصَارِ وَجِيءَ بِمَا لِلتَّعْوِيضِ وَأُدْغِمَتْ فِي النُّونِ لِلتَّقَارُبِ (قَوْلُهُ: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ) أَيْ لِابْتِدَاءِ ذِي الْغَايَةِ أَوْ الْمُرَادُ بِهَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَسَافَةُ بِتَمَامِهَا أَوْ الْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَإِلَّا فَالْغَايَةُ أَمْرٌ بَسِيطٌ لَا ابْتِدَاءَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَالزَّمَانُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ حَقِيقَةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَنَقَلَ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهَا مَجَازٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وَقَالَ الرَّضِيُّ إنَّ مِنْ فِي الْآيَتَيْنِ بِمَعْنَى فِي. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمَا) أَيْ لِمَحْضِ الِابْتِدَاءِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ زَمَانٍ أَوْ مَكَان وَأَرْجَعَهُ بَعْضٌ لِلْمَكَانِ الْحُكْمِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ بَعْضُهُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عَلَامَةَ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ أَنْ يُسَدُّ بَعْضُ مَسَدِّهَا، وَالتَّبْعِيضُ فِيهَا لَا يَتَقَيَّدُ بِالنِّصْفِ فَمَا دُونَهُ فَلَوْ قَالَ بِعْ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْت فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ جَمِيعَهُمْ بَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُمْ إلَّا وَاحِدًا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَهَذَا يُنَاظِرُ الِاسْتِثْنَاءَ فَإِنَّ الْغَالِبَ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ وَاسْتِيفَاءُ الْأَكْثَرِ وَلَكِنْ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَى عَشْرَةٍ إلَّا تِسْعَةً صَحَّ وَجُعِلَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ قَالَهُ الْكَمَالُ. وَفِي بَعْضِ رَسَائِلِ ابْنِ كَمَالٍ بَاشَا أَنَّ الْبَعْضِيَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي مِنْ هِيَ الْبَعْضِيَّةُ فِي الْأَجْزَاءِ لَا الْبَعْضِيَّةُ فِي الْأَفْرَادِ عَلَى خِلَافِ التَّنْكِيرِ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ هِيَ الْبَعْضِيَّةُ فِي الْأَفْرَادِ وَبِهِ تُفَارِقُ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةُ مِنْ الْبَيَانِيَّةَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ وَنَعْرِفُهَا أَيْ نَعْرِفُ مِنْ الْبَيَانِيَّةَ بِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ مِنْ أَوْ بَعْدَهَا مُبْهَمٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْرُورُ بِمِنْ تَفْسِيرًا لَهُ وَيَقَعُ ذَلِكَ الْمَجْرُورُ عَلَى ذَلِكَ الْمُبْهَمِ كَمَا يُقَالُ مَثَلًا لِلرِّجْسِ إنَّهُ

стр. 457

﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] أَيْ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ (وَالتَّعْلِيلِ) نَحْوُ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] أَيْ لِأَجْلِهَا وَالصَّاعِقَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي يَمُوتُ مَنْ يَسْمَعُهَا أَوْ يُغْشَى عَلَيْهِ (وَالْبَدَلِ) نَحْوُ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ أَيْ بَدَلَهَا (وَالْغَايَةِ) كَإِلَى نَحْوُ قَرُبْت مِنْهُ أَيْ إلَيْهِ (وَتَنْصِيصِ الْعُمُومِ) نَحْوُ مَا فِي الدَّارِ مِنْ رَجُلٍ فَهُوَ بِدُونِ مِنْ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ مُحْتَمِلٌ لِنَفْيِ الْوَاحِدِ فَقَطْ (وَالْفَصْلُ) بِالْمُهْمَلَةِ بِأَنْ تَدْخُلَ عَلَى ثَانِي الْمُتَضَادَّيْنِ نَحْوُ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ، ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (وَمُرَادِفُهُ الْبَاءُ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ لِمَعْنَاهَا نَحْوُ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ أَيْ بِهِ. (وَعَنْ) نَحْوُ قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا أَيْ عَنْهُ (وَفِي) نَحْوُ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أَيْ فِيهِ (وَعِنْدَ) نَحْوُ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] أَيْ عِنْدَهُ (وَعَلَى) نَحْوُ وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ أَيْ عَلَيْهِمْ. (الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مَنْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (شَرْطِيَّةٌ) ــ [حاشية العطار] الْأَوْثَانُ وَلِعِشْرُونَ إنَّهَا الدَّرَاهِمُ وَلِلضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ إنَّهُ الْقَائِلُ بِخِلَافِ التَّبْعِيضِيَّةِ فَإِنَّ الْمَجْرُورَ بِهَا لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ بَعْضُ الْمَجْرُورِ وَاسْمُ الْكُلِّ لَا يَقَعُ عَلَى الْبَعْضِ. فَإِنْ قُلْت عِشْرُونَ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَإِنْ أَشَرْت بِالدَّرَاهِمِ إلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ بَعْضُهَا، وَإِنْ قَصَدْت بِالدَّرَاهِمِ جِنْسَ الدَّرَاهِمِ فَمِنْ مُبَيِّنَةٌ لِصِحَّةِ إطْلَاقِ الْمَجْرُورِ عَلَى الْعِشْرِينَ اهـ ثُمَّ إنَّ الْبَعْضِيَّةَ الْمَدْلُولَةَ لِمَنْ هِيَ الْبَعْضِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ الْمُنَافِيَةُ لِلْكُلِّيَّةِ الَّتِي يَنْتَظِمُ فِي ضِمْنِ الْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا لَمَا تَحَقَّقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مِنْ الْبَيَانِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ وَلَمَا تَيَسَّرَ تَمْشِيَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِيمَا إذَا قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ عِنْدَهُ وَلِلْبَيَانِ عِنْدَهُمَا فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ وَلَا تُطَلِّقَ ثَلَاثًا عِنْدَهُ وَقَالَا تُطَلِّقُ ثَلَاثًا إنْ شَاءَتْ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا مُحْكَمَةٌ فِي التَّعْمِيمِ وَكَلِمَةَ مِنْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّمَيُّزِ فَتُحْمَلُ عَلَى تَمْيِيزِ الْجِنْسِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ حَقِيقَةٌ فِي التَّبْعِيضِ وَمَا لِلتَّعْمِيمِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا. وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَ مِنْ الْبَعْضِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ لَا الْبَعْضِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ أَوْ بِدُونِهِ اتِّفَاقُ النُّحَاةِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ احْتَاجُوا إلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] إلَى أَنْ قَالُوا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَغْفِرَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ لِقَوْمٍ وَبَعْضَهَا لِقَوْمٍ أَوْ خِطَابُ الْبَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ وَخِطَابُ الْجَمِيعِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ اهـ. مُلَخَّصًا. قَوْلُهُ ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] إنْ قَدَّرْنَا ضَمِيرًا كَانَتْ مَا مُبْتَدَأً وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ مَجِيءُ الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَأِ لِأَنَّهُ مَفْعُولُ بِهِ مَعْنًى وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ كَانَتْ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِلنَّسْخِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّعْلِيلُ) وَيُعَبِّرُ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ بِالسَّبَبِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَتَنْصِيصُ الْعُمُومِ) هِيَ مِنْ فُرُوعِ الزَّائِدَةِ فَإِنَّ الْحَرْفَ الزَّائِدَ يَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ وَالْعُمُومُ مَتَى أُكِّدَ صَارَ نَصًّا. قَوْلُهُ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾ [البقرة: ٢٢٠] نَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ الْفَصْلَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْعَامِلِ فَإِنْ مَازَ وَمَيَّزَ بِمَعْنَى فَصَلَ وَالْعِلْمُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ فِي الْآيَتَيْنِ لِلِابْتِدَاءِ أَوْ بِمَعْنَى عَنْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ اسْتِفَادَةَ الْفَصْلِ مِنْهَا فِي الْآيَتَيْنِ أَيْضًا غَايَتُهُ أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْعَامِلِ ذَاتًا وَمِنْهَا بِوَاسِطَةٍ لِأَنَّ الْحَرْفَ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ بِهِ) عَلَى أَنَّ الطَّرَفَ آلَةٌ لِلنَّظَرِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ وَقَعَ ابْتِدَاءُ النَّظَرِ مِنْهُ فَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَتِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) فَإِنَّهَا حَرْفٌ وَعِنْدَ اسْمٌ (قَوْلُهُ: مَنْ شَرْطِيَّةٌ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ هِيَ إحْدَى صِيَغِ الْعُمُومِ إذَا وَقَعَتْ شَرْطًا وَتَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ ذَهَبَ إلَى هَذَا أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْ أَرْبَابِ اللِّسَانِ وَالْأُصُولِ وَذَهَبَ شِرْذِمَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّهَا لَا تَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ وَاسْتَمْسَكُوا بِهَذَا الْمَسْلَكِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ الْمُرْتَدَّةِ فَقَالُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» لَا يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ وَإِنَّمَا غَرَّهُمْ مَا طَرَقَ مَسَامِعَهُمْ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْعَرَبِ: مَنْ وَمَنَهْ وَمَنَانْ وَمَنُونْ وَمَنْتَانْ وَمَنَاتْ قَالَ الشَّاعِرُ

стр. 458

نَحْوُ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] (وَاسْتِفْهَامِيَّةٌ) نَحْوُ ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] (وَمَوْصُولَةٌ) نَحْوُ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] . (وَنَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ) نَحْوُ مَرَرْت بِمَنْ مُعْجَبٌ لَك أَيْ بِإِنْسَانٍ (قَالَ أَبُو عَلِيٍّ) الْفَارِسِيُّ (وَنَكِرَةٌ تَامَّةٌ) كَقَوْلِهِ وَنِعْمَ مَنْ هُوَ فِي سِرٍّ وَإِعْلَانِ فَفَاعِلُ نِعْمَ مُسْتَتِرٌ وَمَنْ تَمْيِيزٌ بِمَعْنَى رَجُلًا وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ مَخْصُوصٌ بِالْمَدْحِ رَاجِعٌ إلَى بِشْرٍ مِنْ قَوْلِهِ وَكَيْفَ أَرْهَبُ أَمْرًا أَوْ أُرَاعُ لَهُ ... وَقَدْ زَكَأْتُ إلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ نِعْمَ مَزْكَأً مَنْ ضَاقَتْ مَذَاهِبُهُ وَنِعْمَ مَنْ إلَخْ وَفِي سِرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِنِعْمَ، وَغَيْرُ أَبِي عَلِيٍّ لَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ وَقَالَ مَنْ مَوْصُولَةٌ فَاعِلُ نِعْمَ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ رَاجِعٌ إلَيْهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُوَ مَحْذُوفٌ رَاجِعٌ إلَى بِشْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي سِرٍّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْفِعْلِ كَمَا سَيَظْهَرُ وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ مَنْ وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ أَيْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى بِشْرٍ أَيْضًا وَالتَّقْدِيرُ نِعْمَ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُورُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ بِشْرٌ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ. (السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ هَلْ لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ الْإِيجَابِيِّ لَا لِلتَّصَوُّرِ وَلَا لِلتَّصْدِيقِ السَّلْبِيِّ) التَّقْيِيدُ بِالْإِيجَابِيِّ وَنَفْيُ السَّلْبِيِّ عَلَى مِنْوَالِهِ أَخْذًا مِنْ ابْنِ هِشَامٍ فَهُوَ يَرَى أَنَّ هَلْ لَا تَدْخُلُ عَلَى مَنْفِيٍّ فَهِيَ لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ أَيْ الْحُكْمِ بِالثُّبُوتِ أَوْ الِانْتِفَاءِ كَمَا قَالَهُ السَّكَّاكِيُّ وَغَيْرُهُ يُقَالُ فِي جَوَابِ هَلْ قَامَ زَيْدٌ مَثَلًا نَعَمْ أَوْ لَا وَتُشْرِكُهَا فِي هَذَا الْهَمْزَةُ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِطَلَبِ التَّصَوُّرِ نَحْوُ ــ [حاشية العطار] أَتَوْا دَارِي فَقُلْت مَنُونَ أَنْتُمْ ... فَقَالُوا الْجِنُّ قُلْت عِمُوا ظَلَامًا هَذَا مِنْ قَوْلِ الْأَغْبِيَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَعْقِلُوا مِنْ حَقَائِقِ اللِّسَانِ وَالْأُصُولِ شَيْئًا وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ إذَا أُطْلِقَ بِهَا شَرْطًا لَمْ يَخْتَصَّ بِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى جَمْعٍ أَوْ وُحْدَانَ وَهَذَا مُسْتَمِرٌّ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَلْفَاظِ الْمُتَصَرِّفِينَ فِي الْحُلُولِ وَالْعُقُودِ وَالْأَيْمَانِ وَالتَّعْلِيقَاتِ وَهُوَ الْجَارِي فِي تَفَاهُمِ ذَوِي الْعَادَاتِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي وَضْعِ اللُّغَاتِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ مَنْ دَخَلَ الدَّارَ مِنْ أَرِقَّائِي فَهُوَ حُرٌّ لَمْ يَخْتَصَّ بِالْعَبِيدِ الذُّكُورِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أَوْ أَنَاطَ بِهَا تَوْكِيلًا أَوْ إذْنًا فِي قَضِيَّةٍ مِنْ الْقَضَايَا وَمَا اغْتَرَّ بِهِ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ مَنْ وَمَنَانْ إلَخْ فَهَذَا أَوَّلًا مِنْ شَوَاذِّ اللُّغَةِ وَلَيْسَ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ الْحِكَايَةِ وَبَنَى الْجَوَابَ عَلَى مُحَاكَاةِ الْخِطَابِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ جَاءَ رَجُلٌ قُلْت مَنْ وَإِذَا قَالَ جَاءَ رَجُلَانِ قُلْت مَنَانْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَاسْتِفْهَامِيَّةٌ) وَقَدْ تُشْرَبُ مَعْنَى النَّفْيِ فَيَقَعُ بَعْدَهَا الِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ نَحْوُ ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ بِمَعْنَى النَّفْيِ. (قَوْلُهُ: فَفَاعِلُ نِعْمَ إلَخْ) هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيٍّ وَسَيَأْتِي بِشَرْحِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ. (قَوْلُهُ: مُسْتَتِرٌ) يَعُودُ عَلَى بِشْرٍ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ تَمْيِيزٌ) فَهِيَ نَكِرَةٌ تَامَّةٌ إذْ لَمْ تُوصَفْ بِشَيْءٍ. (قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْهَاءِ) أَتَى بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَفْظُ هُوَ وَلَيْسَتْ ضَمِيرًا وَإِلَّا فَلَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ ضَمِّ الْهَاءِ. (قَوْلُهُ: خَبَرُهُ هُوَ مَحْذُوفٌ) لِأَنَّهُ صِلَةٌ (قَوْلُهُ: وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ) فَإِنْ جَعَلَ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا قَدَّرَ هُوَ رَابِعًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ نِعْمَ هُوَ هُوَ هُوَ هُوَ بِأَرْبَعَةِ ضَمَائِرَ أَحَدُهَا يَعُودُ إلَى بِشْرٍ وَالثَّانِي رَابِطٌ وَالثَّالِثُ مَخْصُوصٌ بِالْمَدْحِ وَالرَّابِعُ خَبَرٌ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ وَهُوَ تَكَلُّفٌ. (قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ) بَيَانٌ لِمَعْنَى هُوَ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْجَارُّ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْفِعْلِ. (قَوْلُهُ: عَلَى مِنْوَالِهِ) حَالٌ أَيْ حَالَ كَوْنِ السَّلْبِيِّ عَلَى مِنْوَالِ الْإِيجَابِيِّ مُقْتَضَاهُ فَإِنَّ التَّقْيِيدَ بِالْإِيجَابِيِّ يُفِيدُ نَفْيَ السَّلْبِيِّ مَفْهُومًا فَهُوَ عَلَى مِنْوَالِهِ فِي إعَادَةِ حُكْمِهِ (قَوْلُهُ: سَهْوٌ) مَنْشَؤُهُ الْتِبَاسُ مَدْخُولِهَا بِالْمَطْلُوبِ بِهَا فَتُوهِمُ اتِّحَادَهُمَا. (قَوْلُهُ: عَلَى مَنْفِيٍّ) أَيْ فَلَا يُقَالُ هَلْ لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَلَا يَكُونُ لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ السَّلْبِيِّ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ هِيَ لِطَلَبِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ عَلَى مَنْفِيٍّ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي جَوَابِ هَلْ قَامَ زَيْدٌ لَا أَوْ لَمْ يَقُمْ كَمَا يُقَالُ نَعَمْ (قَوْلُهُ: فَهِيَ لِطَلَبِ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الصَّوَابِ دُونَ السَّهْوِ. (قَوْلُهُ: وَتَزِيدُ عَلَيْهَا إلَخْ) قَالَ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي مِثْلِ قَوْلِك: أَدِبْسٌ فِي الْإِنَاءِ أَمْ عَسَلٌ؟ لِطَلَبِ تَصَوُّرِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ أَوْ الْمُسْنَدِ أَوْ غَيْرِهِمَا مَبْنِيٌّ عَلَى الظَّاهِرِ تَوَسُّعًا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ أَيْضًا فَإِنَّ السَّائِلَ قَدْ يَتَصَوَّرُ الدِّبْسَ وَالْعَسَلَ بِوَجْهٍ وَبَعْدَ الْجَوَابِ لَمْ يُزَدْ لَهُ فِي تَصَوُّرِهِمَا شَيْءٌ أَصْلًا

стр. 459

أَزَيْدٌ فِي الدَّارِ أَمْ عَمْرٌو أَوْ فِي الدَّارِ زَيْدٌ أَمْ فِي الْمَسْجِدِ فَتُجَابُ بِمُعَيَّنٍ مِمَّا ذُكِرَ وَبِالدُّخُولِ عَلَى مَنْفِيٍّ فَتَخْرُجُ عَنْ الِاسْتِفْهَامِ إلَى التَّقْرِيرِ أَيْ حَمْلِ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ نَحْوُ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فَيُجَابُ بِبَلَى كَمَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُك عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى وَعِزَّتِك وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِك» . وَقَدْ تَبْقَى عَلَى الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِك لِمَنْ قَالَ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا أَلَمْ تَفْعَلْهُ أَيْ أَحَقٌّ انْتِفَاءُ فِعْلِك لَهُ فَتُجَابُ بِنَعَمْ أَوْ لَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ: أَلَا اصْطِبَارٌ لِسَلْمَى أَمْ لَهَا جَلَدٌ ... إذَا أُلَاقِي الَّذِي لَاقَاهُ أَمْثَالِي فَتُجَابُ بِمُعَيَّنٍ مِنْهُمَا (السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْوَاوُ) مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ (لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ) بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْجَمْعِ بِمَعِيَّةٍ أَوْ تَأَخُّرٍ أَوْ تَقَدُّمٍ نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو إذَا جَاءَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ فَتُجْعَلُ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَمْعِ حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي كُلٍّ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَمْعٌ اسْتِعْمَالٌ حَقِيقِيٌّ (وَقِيلَ) هِيَ (لِلتَّرْتِيبِ) أَيْ التَّأَخُّرِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِيهِ فَهِيَ فِي غَيْرِ مَجَازٍ (وَقِيلَ لِلْمَعِيَّةِ) لِأَنَّهَا لِلْجَمْعِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمَعِيَّةُ فَهِيَ فِي غَيْرِهَا مَجَازٌ فَإِذَا قِيلَ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْمَعِيَّةِ وَالتَّأَخُّرِ، وَالتَّقَدُّمُ عَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ وَالتَّأَخُّرُ عَلَى الثَّانِي وَفِي الْمَعِيَّةِ عَلَى الثَّالِثِ وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ قَالَ ــ [حاشية العطار] بَلْ يَبْقَى تَصَوُّرُهُمَا عَلَى مَا كَانَ - فَإِنْ قِيلَ التَّصْدِيقُ حَاصِلٌ لَهُ حَالَ السُّؤَالِ فَكَيْفَ يَطْلُبُهُ - أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَاصِلَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُطْلَقًا فِي الْإِنَاءِ مَثَلًا وَالْمَطْلُوبُ فِي السُّؤَالِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُعَيَّنًا كَالْعَسَلِ مَثَلًا فِي الْإِنَاءِ وَهَذَانِ التَّصْدِيقَانِ مُخْتَلِفَانِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاخْتِلَافُ اعْتِبَارَ تَعَيُّنِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ فِي أَحَدِهِمَا وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ فِي الْآخَرِ وَكَانَ أَصْلُ التَّصْدِيقِ حَاصِلًا تَوَسَّعُوا فَحَكَمُوا بِأَنَّ التَّصْدِيقَ حَاصِلٌ وَأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ تَصَوُّرُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ أَوْ الْمُسْنَدِ أَوْ قَيْدٌ مِنْ قُيُودِهِ اهـ. ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْهَمْزَةَ تَزِيدُ عَلَى هَلْ بِطَلَبِ التَّصَوُّرِ مَبْنِيٌّ كَمَا قَالَ الدَّمَامِينِيُّ عَلَى أَنَّ هَلْ مَقْصُورَةٌ عَلَى طَلَبِ التَّصْدِيقِ لَكِنْ قَدْ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ إنَّ هَلْ قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى الْهَمْزَةِ فَتُعَادِلُهَا أَمْ الْمُتَّصِلَةُ. (قَوْلُهُ: فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ) الْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ ذَهَبٌ عَلَى صُورَةِ الْجَرَادِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَرَادِ الْكَثْرَةَ أَيْ جَرَادٌ كَثِيرٌ. (قَوْلُهُ: لَا غِنَى لِي إلَخْ) فَأَخْذُهُ إيَّاهُ إظْهَارًا لِلْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ إلَى الزِّيَادَةِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَالُ مَنْ أَخَذَ مِنْ الدُّنْيَا زَائِدًا عَلَى حَاجَتِهِ مِنْ الْأَكَابِرِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَبْقَى) أَيْ فِي حَالِ دُخُولِهَا عَلَى النَّفْيِ. (قَوْلُهُ: أَيْ أَحَقٌّ انْتِفَاءُ فِعْلِك) تَحْوِيلٌ لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ بِلَا فَائِدَةٍ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ نَفَى الْفِعْلَ بِإِخْبَارِهِ بِلَا فَائِدَةٍ فِي الِاسْتِفْهَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ بِلَا فَائِدَةٍ (قَوْلُهُ: فَتُجَابُ) أَيْ الْهَمْزَةُ بِنَعَمْ أَوْ لَا لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ تَصْدِيقٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ بَقَاءِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. (قَوْلُهُ: إذَا أُلَاقِي) قَالَ الْكَمَالُ يُنْشِدُهُ بَعْضُهُمْ بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ صَوَابُهُ إذَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ظَرْفُ مُسْتَقْبَلٍ. (قَوْلُهُ: لَاقَاهُ أَمْثَالِي) أَيْ مِنْ الْمَوْتِ عِشْقًا (قَوْلُهُ: مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا فِي الْعَاطِفَةِ لَا فِي غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: الْمُطْلَقُ الْجَمْعُ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ اُشْتُهِرَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْمَصِيرُ إلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إلَى أَنَّهَا لِلْجَمْعِ. وَقَدْ زَلَّ الْفَرِيقَانِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الرَّدِّ عَلَيْهِمَا فَإِذًا مُقْتَضَى الْوَاوِ الْعَطْفُ وَالِاشْتِرَاكُ وَلَيْسَ فِيهِ إشْعَارٌ بِجَمْعٍ وَلَا تَرْتِيبٍ قَالَ فَإِنْ قِيلَ إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ طَلَقَتْ وَاحِدَةً وَلَمْ تَلْحَقْهَا الثَّانِيَةُ وَلَوْ كَانَتْ الْوَاوُ تَقْتَضِي جَمْعًا لَلَحِقَتْهَا الثَّانِيَةُ كَمَا تَطْلُقُ تَطْلِيقَتَيْنِ إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ قُلْنَا السَّبَبُ فِي أَنَّ الثَّانِيَةَ لَا تَلْحَقُهَا أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِصَدْرِ الْكَلَامِ وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ تَامٌّ فَبَانَتْ بِهِ وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ فَالْقَوْلُ الْأَخِيرُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فِي حُكْمِ الْبَيَانِ لَهُ فَكَانَ الْكَلَامُ بِآخِرِهِ. (قَوْلُهُ: حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ) إنْ قِيلَ بِوَضْعِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ وَقَوْلُهُ وَالْمَجَازُ أَيْ إنْ قِيلَ بِالْوَضْعِ لِأَحَدِهَا. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَمْعٌ) فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقِ الْكُلِّيِّ فِيهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ عَلَى أَنَّهَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ (قَوْلُهُ: قَالَ)

стр. 460

لِإِيهَامِهِ تَقْيِيدَ الْجَمْعِ بِالْإِطْلَاقِ وَالْغَرَضُ نَفْيُ التَّقْيِيدِ. (الْأَمْرُ) أَيْ هَذَا مَبْحَثُهُ وَهُوَ نَفْسِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَسَيَأْتِيَانِ (أم ر) أَيْ هَذَا اللَّفْظُ الْمُنْتَظِمُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُفِ ــ [حاشية العطار] أَيْ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ. (قَوْلُهُ: لِإِيهَامِهِ تَقْيِيدَ الْجَمْعِ بِالْإِطْلَاقِ إلَخْ) فَإِنَّ الْجَمْعَ الْمُقَيَّدَ بِالْإِطْلَاقِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْجَمْعِ وَقَدْ سَرَى لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْمَاءِ وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَهُمْ وَفِي اللُّغَةِ مُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ فَإِنَّ مُطْلَقَ الْمَاءِ وَمُطْلَقَ الْجَمْعِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الْقَيْدِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُطْلَقِ الْجَمْعِ وَالْجَمْعِ الْمُطْلَقِ سِوَى مَا تُفِيدُهُ الْإِضَافَةُ مِنْ نِسْبَةِ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَ. التَّوْصِيفُ مِنْ نِسْبَةِ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ وَالْمَآلُ وَاحِدٌ وَهُوَ سَلْبُ الْقَيْدِ عَنْ الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْوَاوِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْإِطْلَاقِ أَمْرٌ سَلْبِيٌّ ضِمْنِيٌّ فَلَا يُفِيدُ إلَّا سَلْبَ الشَّيْءِ عَنْ الشَّيْءِ سَوَاءٌ كَانَ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا وَلِهَذَا اسْتَعْمَلُوهُ فِي مَقَامِ السَّلْبِ فَقَالُوا الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ وَالْمَفْعُولُ الْمُطْلَقُ وَالْمَاهِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ [الْأَمْرُ] (قَوْلُهُ: أَيْ هَذَا مَبْحَثُهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى أَصْلِ التَّرْكِيبِ وَأَنَّ الْأَصْلَ هَذَا مَبْحَثُ الْأَمْرِ فَأَوْرَدَ الْمُسْنَدَ إلَيْهِ إشَارَةً رَمْزًا لِكَمَالِ تَعَيُّنِهِ وَمَزِيدِ اتِّضَاحِهِ وَأَنَّهُ بَلَغَ مِنْ الظُّهُورِ بِحَيْثُ إنَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِمَا هُوَ لِلْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرًا لِلْخَبَرِ وَأَنَّهُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَالرَّابِطُ اسْمُ الْإِشَارَةِ وَالْمُحَدَّثُ عَنْهُ الْأَمْرُ لِأَنَّهُ مَوْضُوعُ الْمَبَاحِثِ الْآتِيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعَ التَّرْجَمَةِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ وَالْمَبْحَثُ مَكَانُ الْبَحْثِ أَيْ إثْبَاتُ الْمَحْمُولَاتِ لِلْمَوْضُوعَاتِ وَمَكَانُهُ الْقَضِيَّةُ وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُفْرَدِ مَعَ أَنَّ مَا يَأْتِي مَبَاحِثُ مُتَعَدِّدَةٌ لِشِدَّةِ الِارْتِبَاطِ بِجِهَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا قَالُوا فِي الْمَنْطِقِ إنَّهُ آلَةٌ قَانُونِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ هَذَا اللَّفْظُ الْمُنْتَظِمُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَفْسُ اللَّفْظِ لَا مُسَمَّاهُ وَبَيَّنَ ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَيُقْرَأُ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَيُقْرَأُ مَاضِيًا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَاضِيًا حَقِيقَةً لِانْعِدَامِ الْهَيْئَةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ جُزْأَيْ الْفِعْلِ إذْ الْمَقْصُودُ الْمَادَّةُ وَهِيَ حُرُوفُ أم ر ثُمَّ إنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي قِرَاءَتِهِ مَاضِيًا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ وَلَا قَوْلُ الشَّارِحِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ افْعَلْ إذْ الْمَعْنَى الْمَصْدَرُ الْمُنْتَظِمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ أَيْ عَنْ ذَلِكَ الْمَصْدَرِ بِصِيغَةِ افْعَلْ أَيْ حَيْثُ يُقَالُ افْعَلْ لِلْآمِرِ خِلَافًا لِمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ سم مِنْ أَنَّ مَا ذُكِرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُقْرَأُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ مُقَلِّدًا لَهُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ أم ر يُقْرَأُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ حَقِيقَةً لِأَنَّ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ إنَّمَا هُوَ أَمْرُ الْمَصْدَرِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَيُقْرَأُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي احْتِمَالٌ آخَرُ مَقْطُوعُ النَّظَرِ فِيهِ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. اهـ. وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُمَا كَيْفَ يَذْكُرُ الشَّارِحُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُرِيدُهُ بِزَعْمِهِمَا وَيَتْرُكُ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ شَرْحِ كَلَامِهِ وَبَيَانِهِ إذْ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَكُونُ الْمَعْنَى وَيُقْرَأُ لَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمَا أَرَادَهُ بِهِ وَأَيُّ دَلِيلٍ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَمَا هُوَ إلَّا صَرْفٌ لِلْكَلَامِ عَمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ لِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا يَقْتَضِيهِ وَالسِّرُّ فِي تَفْكِيكِ حُرُوفِهِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ مَتَى تَحَقَّقَتْ فِي أَيِّ تَرْكِيبٍ مَحَلٌّ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ الْآتِي بِاعْتِبَارِ الْمَصْدَرِ الَّذِي مِنْهُ اشْتِقَاقُهَا وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا الْمَصْدَرَ وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ فَظَهَرَ اتِّجَاهُ قَوْلِ الشِّهَابِ عَمِيرَةَ أَيْ اللَّفْظُ الْمُنْتَظِمُ سَوَاءٌ كَانَ مَاضِيًا أَوْ أَمْرًا أَوْ مَصْدَرًا، وَسُقُوطُ اسْتِظْهَارِ سم مَنْعَهُ، وَلِذَلِكَ أَخْلَاهُ عَنْ السَّنَدِ ثُمَّ إنَّ التَّفْكِيكَ فِي الْخَطِّ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا فِي اللَّفْظِ فَبِاعْتِبَارِ قَصْدِ كُلِّ حَرْفٍ بِانْفِرَادِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ ارْتِبَاطِ الْحُرُوفِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَيُقْرَأُ ضُبِطَ بِالْفَوْقِيَّةِ وَبِالتَّحْتِيَّةِ مُضَارِعًا مَجْهُولًا فَضَمِيرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَعُودُ لِحُرُوفِ أم ر وَعَلَى الثَّانِي لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ أم ر وَالْمَآلُ

стр. 461

الْمُسَمَّاةِ بِأَلْفٍ مِيمٍ رَاءٍ وَيُقْرَأُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي مُفَكَّكًا (حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) أَيْ الدَّالِّ عَلَى اقْتِضَاءِ فِعْلٍ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ افْعَلْ نَحْوُ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] أَيْ قُلْ لَهُمْ صَلُّوا (مَجَازٌ فِي الْفِعْلِ) نَحْوُ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أَيْ الْفِعْلِ الَّذِي تَعْزِمُ عَلَيْهِ لِتَبَادُرِ الْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ إلَى الذِّهْنِ وَالتَّبَادُرُ عَلَامَةٌ لِلْحَقِيقَةِ (وَقِيلَ) هُوَ (لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) بَيْنَهُمَا كَالشَّيْءِ حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ ــ [حاشية العطار] وَاحِدٌ. (قَوْلُهُ: الْمُسَمَّاةُ) فَمُسَمَّى أم ر لَفْظَةٌ وَمُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ أَلْفَاظٌ أَيْضًا هِيَ صَلِّ وَصُمْ وَنَحْوُهَا وَمُسَمَّى هَذِهِ الْأَفْعَالِ طَلَبُ إحْدَاثِهَا الْمَشَقَّةَ مِنْهَا لَا الْوُجُوبُ أَوْ النَّدْبُ كَمَا قَالَ سم لِأَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِهَا وَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي إفَادَتِهَا مَا ذُكِرَ حَتَّى تَوَقَّفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ مُسَمَّاهَا مَثَلًا لَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ) فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ لَفْظٌ كَمَا سَمِعْت. (قَوْلُهُ: اقْتِضَاءُ فِعْلٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ يَشْمَلُ صِيغَةَ الِاسْتِفْهَامِ لِأَنَّهُ لِطَلَبِ الْفَهْمِ أَيْ الْعِلْمِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَاهُنَا قَيْدًا مُلَاحَظًا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ اقْتِضَاءَ فِعْلٍ مُعَبَّرٍ عَنْهُ بِلَفْظِ افْعَلْ. (قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ وَإِنْ احْتَمَلَ رُجُوعُهُ لِلِاقْتِضَاءِ وَيَكُونُ الصِّيغَةُ مَدْلُولَ الْقَوْلِ لَكِنَّهُ خُرُوجٌ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْإِنْشَاءِ نَحْوُ أَوْجَبْت عَلَيْك كَذَا وَإِنْ تَرَكْته عَاقَبْتُك لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الطَّلَبِ غَيْرُ وَضْعِيَّةٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَجَازٌ فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ أَمْرًا (قَوْلُهُ: بِصِيغَةِ افْعَلْ) الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الطَّلَبِ فَيَدْخُلُ اسْمُ الْفِعْلِ كَصَهْ وَالْمُضَارِعُ الْمُقْتَرِنُ بِاللَّامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ [الطلاق: ٧] . (قَوْلُهُ: أَيْ قُلْ لَهُمْ إلَخْ) فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ صِيغَتُهُ. (قَوْلُهُ: مَجَازٌ فِي الْفِعْلِ) مِنْ اسْتِعْمَالِ اسْمِ الدَّالِّ فِي الْمَدْلُولِ بِعَلَاقَةِ التَّعَلُّقِ فَإِنْ قِيلَ هُوَ مَجَازٌ فِي غَيْرِ الْفِعْلِ كَالشَّأْنِ وَالصِّفَةِ وَالشَّيْءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ فَالْجَوَابُ أَنَّ تَخَصُّصَ الْفِعْلِ بِالذِّكْرِ لِقُوَّةِ الْقَوْلِ بِالْمَجَازِ فِيهِ. قَوْلُهُ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] إلَخْ قَدْ اُسْتُدِلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] إذْ الْقَوْلُ لَا يُوصَفُ بِالرُّشْدِ بَلْ بِالسَّدَادِ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ فِي الْآيَتَيْنِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ مَجَازًا إذْ حَمْلُهُ عَلَى الشَّأْنِ فِي الثَّانِيَةِ أَشْمَلُ مِنْ الْفِعْلِ وَفِي الْأُولَى لَوْ أُرِيدَ الْفِعْلُ لَزِمَ اتِّحَادُ أَفْعَالِهِ تَعَالَى وَحُدُوثُ الْكُلِّ دُفْعَةً كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وَهُوَ بَاطِلٌ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) قَالَ الْكَمَالُ هَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ التَّصْرِيحُ بِنِسْبَتِهِ إلَى أَحَدٍ وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ الْآمِدِيُّ فِي مَعْرِضِ الْمَنْعِ. الدَّلِيلُ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْفِعْلِ قَالَ ثُمَّ أَوْرَدَ الْآمِدِيُّ عَلَى ذَلِكَ إيرَادَاتٍ وَأَجَابَ عَنْهَا فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَرْتَضِيهِ اهـ. وَأَقُولُ الْإِشْعَارُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْمُنَاظِرَ لَا يَلْتَزِمُ طَرِيقَةً لِأَنَّ الْغَرَضَ إلْزَامُ الْخَصْمِ وَلَوْ بِمَا لَا يَقُولُ بِهِ الْمَلْزُومُ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى اعْتِرَافِ الْخَصْمِ بِالْمُقَدِّمَةِ وَقَوْلُ سم إنَّهُ يَكْفِي فِي حِكَايَةِ الْمُصَنِّفِ لَهُ ارْتِضَاءُ الْآمِدِيِّ ضَعِيفٌ جِدًّا وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُ هَذَا وَنَبَّهْنَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَالشَّيْءِ) أَلْ عَهْدِيَّةٌ أَيْ الشَّيْءُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ الْفِعْلُ لِسَانِيًّا أَوْ غَيْرَهُ فَلَا يَرِدُ مَا يُقَالُ إنَّ الشَّيْءَ عَامٌّ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ أَخَصُّ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا كَالْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَهُوَ الْحَيَوَانُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ لَا مُطْلَقُ الْجِسْمِ لِشُمُولِهِ الْجَمَادَ أَيْضًا ثُمَّ إنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوَضْعِهِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ يَكُونُ مُتَوَاطِئًا وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْأَمْرِ يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا مَعْنًى لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ وَلَا شَكَّ فِي دَلَالَةِ هَذَا عَلَى نَفْيِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَيْضًا وَإِلَّا لَتَبَادَرَ الْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ أَوْ لَمْ يَتَبَادَرْ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ بِخُصُوصِهِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَوْضُوعُ لَهُ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ) أَيْ إنْ قِيلَ بِوَضْعِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ وَقَوْلُهُ

стр. 462

وَالْمَجَازِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقِيٌّ. (وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا قِيلَ وَبَيْنَ الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ وَالشَّيْءِ) لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا أَيْضًا نَحْوُ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠] أَيْ شَأْنُنَا لِأَمْرٍ مَا يَسُودُ مَنْ يَسُودُ أَيْ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِأَمْرٍ مَا جَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ أَيْ لِشَيْءٍ وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِيهَا مَجَازٌ إذْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَفْظَةُ قِيلَ بَعْدَ بَيْنَهُمَا ثَابِتَةٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِهَا يُسْتَفَادُ حِكَايَةُ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ الْأَشْهَرُ مِنْهُ بَيْنَ الْخَمْسَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ حَقِيقَةٌ فِي كَذَا حَدُّ اللَّفْظِيِّ بِهِ. وَأَمَّا النَّفْسِيُّ وَهُوَ الْأَصْلُ أَيْ الْعُمْدَةُ فَقَالَ فِيهِ (وَحَدُّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْكَفِّ (بِغَيْرِ) لَفْظِ (كَفٍّ) ــ [حاشية العطار] وَالْمَجَازِيُّ إنْ قِيلَ بِوَضْعِهِ لِأَحَدِهِمَا. وَقَدْ نُوقِشَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْوَضْعِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ إنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَحَدِهِمَا وَقَدْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ مَجَازًا فِي الْفِعْلِ وَهُوَ تَبَادُرُ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ دُونَهُ وَلَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ لَأَدَّى إلَى ارْتِفَاعِ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ كُلِّ لَفْظٍ يُطْلَقُ لِمَعْنَيَيْنِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَهَذِهِ الْمُنَاقَشَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَضُدِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الشَّارِحُ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِسِيَاقِ هَذَا الْقَوْلِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَقِسْ عَلَى هَذَا مَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارِحُ لِرَدِّهِ مِنْ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ إلَخْ) أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ وَإِلَّا كَانَ مَجَازًا. (قَوْلُهُ: وَبَيْنَ الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الشَّأْنَ أَخَصُّ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الصِّفَةِ الْعَظِيمَةِ وَالصِّفَةَ أَعَمُّ مِنْهُ وَالشَّيْءَ أَعَمُّ مِنْهُمَا لِشُمُولِهِ الذَّاتَ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا أَيْضًا) أَيْ كَمَا اُسْتُعْمِلَ فِي الِاثْنَيْنِ. (قَوْلُهُ: لِأَمْرٍ مَا يَسُودُ) عَجُزُ بَيْتٍ، وَصَدْرُهُ عَزَمْت عَلَى إقَامَةِ ذِي صَلَاحٍ (قَوْلُهُ: أَيْ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّنْكِيرَ فِي أَمْرٍ لِلتَّعْظِيمِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا فَهُمَا مُقَدِّمَتَانِ مُنْتِجَتَانِ الْمَطْلُوبَ. (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ فِيهَا) أَيْ فِي الثَّلَاثَةِ مَجَازٌ لِمَا مَرَّ مِنْ تَبَادُرِ الذِّهْنِ إلَى الْقَوْلِ. (قَوْلُهُ: خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَعَدُّدِ الْوَضْعِ فَمَحَلُّ كَوْنِ الْأَصْلِ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ كَلُزُومِ الِاشْتِرَاكِ وَقَدْ عَارَضَهُ أَيْضًا الْبَتَّارُ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي مَبْحَثِ الْمَجَازِ. (قَوْلُهُ: بَيْنَ الْخَمْسَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْهَاءِ مِنْهُ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْفِعْلِ أَيْ الِاشْتِرَاكِ فَفِيهِ إعْمَالُ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ. (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ إلَخْ) تَمْهِيدٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحَدُّهُ اقْتِضَاءُ إلَخْ وَأَفَادَ بِهِ أَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ فِيمَا سَبَقَ هُوَ الْأَمْرُ اللَّفْظِيُّ لِأَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ مَجَازًا فِي الْفِعْلِ أَوْ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا إلَخْ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِيهِ وَأَصْرَحُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ إذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ وَالْمَوْضُوعُ هُوَ اللَّفْظُ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعَرُّضٌ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ نَفْسِيٌّ وَلَفْظِيٌّ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاقِعِ تَرْجَمَةً وَلَيْسَ هُوَ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ إذْ التَّرَاجِمُ مُنْفَصِلَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا وَإِلَّا لَأَتَى بَدَلَ أم ر بِالضَّمِيرِ. (قَوْلُهُ: حَدُّ اللَّفْظِيِّ بِهِ) أَيْ فَيُؤْخَذُ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ النَّفْسِيِّ مِنْهُ ضِمْنًا بِأَنَّهُ قَوْلٌ دَالٌّ إلَخْ وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِذَلِكَ فِي حَدِّهِ دُونَ النَّفْسِيِّ فَصَرَّحَ بِتَعْرِيفِهِ اعْتِنَاءً بِشَأْنِهِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ إلَخْ فَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِتَعْرِيفِ اللَّفْظِيِّ دُونَ النَّفْسِيِّ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْعُمْدَةُ) أَيْ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّ التَّكَالِيفَ بِالْأَمْرِ النَّفْسِيِّ وَاللَّفْظِيِّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ. (قَوْلُهُ: وَحْدَهُ إلَخْ) صَرِيحُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ حَدٌّ لِلْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ إذْ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ سَابِقًا هُوَ اللَّفْظِيُّ كَمَا عَلِمْت فَيُجَابُ بِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْدَامًا حَيْثُ ذَكَرَ الْأَمْرَ أَوَّلًا بِمَعْنَى اللَّفْظِيِّ وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِمَعْنَى النَّفْسِيِّ فَمَا وَقَعَ فِي سم وَتَابَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ اسْتِظْهَارُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيمَا سَبَقَ عَامٌّ لِلَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَهُوَ لَفْظِيٌّ وَنَفْسِيٌّ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا سَبَقَ وَاحْتِمَالُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْأَمْرِ السَّابِقِ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فِعْلِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْقَوْلِيَّ وَالْجَنَانِيَّ وَالْأَرْكَانِيَّ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا هُوَ مِنْ مَقُولَةِ

стр. 463

فَتَنَاوَلُ الِاقْتِضَاءِ أَيْ طَلَبُ الْجَازِمِ وَغَيْرِ الْجَازِمِ لِمَا لَيْسَ بِكَفٍّ وَلِمَا هُوَ كَفٌّ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِكُفَّ وَمِثْلُهُ مُرَادِفُهُ كَاتْرُكْ وَذَرْ بِخِلَافِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ لَا تَفْعَلْ فَلَيْسَ بِأَمْرٍ وَسُمِّيَ مَدْلُولُ كَفٍّ أَمْرًا لَا نَهْيًا مُوَافَقَةً لِلدَّالِّ فِي اسْمِهِ وَيُحَدُّ النَّفْسِيُّ أَيْضًا بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِفِعْلِ إلَخْ وَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلِ وَالْأَمْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ ــ [حاشية العطار] الْفِعْلِ فَقَطْ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْأَمْرِ مَا يَكُونُ مَقْدُورًا تَحْصِيلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ أَوْ لَا كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ بَلْ مَا يَشْمَلُ الْمَوْجُودَ الذِّهْنِيَّ كَمَا فِي عَلِّمْنِي وَفَهِّمْنِي فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَحْصِيلُ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ لِلْآمِرِ أَيْ حُصُولُ صُورَةٍ فِي ذِهْنِهِ وَبِهَذَا يُشْكِلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ فِي نَحْوِ أَزَيْدٌ قَائِمٌ فَإِنَّهُ لِطَلَبِ الْفَهْمِ عَلَى النَّحْوِ الْمَذْكُورِ وَتَحْقِيقُ الْفَرْضِ أَنَّ الْغَرَضَ فِي الِاسْتِفْهَامِ وُجُودُ النِّسْبَةِ الْمُسْتَفْهَمَةِ بِوُجُودٍ ظِلِّيٍّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلِاتِّصَافِ بِصُورَتِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَفْهِمَ لَيْسَ غَرَضُهُ مِنْ الْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّة إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْمُخَاطَبُ فِي ذِهْنِهِ تِلْكَ النِّسْبَةُ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَالْغَرَضُ مِنْ الْأَمْرِ اتِّصَافُ الْفَاعِلِ بِالْحَدَثِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ جَوْهَرِهِ وَوُقُوعُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ لَا حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَلْزِمُهُ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ أَثَرَ ذَلِكَ الْحَدَثِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ كَمَا فِي فَهِّمْنِي فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَطْلُبُ مِنْك تَفْهِيمًا وَاقِعًا كَمَا أَنَّ اضْرِبْنِي أَطْلُبُ مِنْك ضَرْبًا وَاقِعًا عَلَيَّ إلَّا أَنَّ التَّفْهِيمَ لَمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا بِحُصُولِ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ اقْتَضَاهُ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَثَرُ التَّفْهِيمِ كَمَا أَنَّ حُصُولَ الضَّرْبِ اقْتَضَى حُصُولَ أَثَرِهِ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ الْأَلَمُ فَحُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ وَغَرَضُهُ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَثَرُ التَّفْهِيمِ أَفَادَهُ السَّيَالَكُوتِيُّ فِي حَوَاشِي الرَّازِيّ عَلَى الشَّمْسِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَتَنَاوَلَ) أَيْ الْحَدُّ وَمَفْعُولُهُ الِاقْتِضَاءَ الْجَازِمَ وَغَيْرَ الْجَازِمِ نَعْتٌ وَضَبَطَ الِاقْتِضَاءَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ وَمَفْعُولُهُ الْجَازِمُ وَغَيْرُ الْجَازِمِ ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ ظَاهِرٌ فِي النَّفْسِيِّ وَأَمَّا اللَّفْظِيُّ فَتَنَاوُلُهُ لِغَيْرِ الْجَازِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ لَيْسَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: لِمَا لَيْسَ بِكَفٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِالطَّلَبِ فَفِيهِ إعْمَالُ الْمَصْدَرِ بَعْدَ وَصْفِهِ. (قَوْلُهُ: مُوَافَقَةً لِلدَّالِّ) لَمَّا كَانَ مَدْلُولُ كُفَّ وَلَا تَفْعَلْ وَاحِدًا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَارَةً بِلَفْظٍ كُفَّ وَيُسَمَّى أَمْرًا وَتَارَةً بِلَفْظِ لَا تَفْعَلْ وَيُسَمَّى نَهْيًا نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَى مُنَاسَبَةِ التَّسْمِيَةِ وَهِيَ تُوَافِقُ الدَّالَّ وَالْمَدْلُولَ فَقَوْلُهُ مُوَافَقَةً لِلدَّالِّ وَهُوَ لَفْظُ كُفَّ وَاسْمُهُ هُوَ الْأَمْرُ (قَوْلُهُ: وَيُحَدُّ النَّفْسِيُّ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُحَدُّ بِالِاقْتِضَاءِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ بِمَعْنَى حَدَّ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الْقَوْلُ النَّفْسِيُّ وَاقْتِضَاؤُهُ تَعَلُّقُهُ وَالِاقْتِضَاءُ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ. (قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلِ وَالْأَمْرِ إلَخْ) نَبَّهَ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مِنْ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِيِّ

стр. 464

عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ فِي الْكَلَامِ الْآتِي فِي مَبْحَثِ الْإِخْبَارِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ فِي مُسَمَّى الْأَمْرِ نَفْسِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا حَتَّى يُعْتَبَرَ فِي حَدِّهِ أَيْضًا (عُلُوٌّ) بِأَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ عَالِيَ الرُّتْبَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ (وَلَا اسْتِعْلَاءٌ) بِأَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ بِعَظَمَةٍ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ دُونَهُمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ أَمَرْتُكَ أَمْرًا جَازِمًا فَعَصَيْتَنِي ... وَكَانَ مِنْ التَّوْفِيقِ قَتْلُ ابْنِ هَاشِمٍ هُوَ رَجُلُ بَنِي هَاشِمٍ خَرَجَ مِنْ الْعِرَاقِ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَمْسَكَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَمْرٌو بِقَتْلِهِ فَخَالَفَهُ وَأَطْلَقَهُ لِحِلْمِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى فَأَنْشَدَهُ عَمْرٌو الْبَيْتَ فَلَمْ يُرِدْ بِابْنِ هَاشِمٍ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَيُقَالُ أَمَرَ فُلَانٌ فُلَانًا بِرِفْقٍ وَلِينٍ (وَقِيلَ يُعْتَبَرَانِ) وَإِطْلَاقُ الْأَمْرِ دُونَهُمَا مَجَازِيٌّ (وَاعْتَبَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ) غَيْرُ أَبِي الْحُسَيْنِ (وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالسَّمْعَانِيُّ الْعُلُوَّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (وَالْإِمَامُ) الرَّازِيّ (وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ الِاسْتِعْلَاءَ) وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ حَدَّ اللَّفْظِيَّ كَالْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ النَّفْسِيَّ كَالْآمِدِيِّ. (وَاعْتَبَرَ أَبُو عَلِيٍّ وَابْنُهُ) أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ زِيَادَةً عَلَى الْعُلُوِّ (إرَادَةَ الدَّلَالَةِ ــ [حاشية العطار] وَالنَّفْسِيُّ مُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ فِي مَبْحَثِ الْإِخْبَارِ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُنَوَّعَ إلَى الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ حَقِيقَةٌ فِي النَّفْسِيِّ مَجَازٌ فِي اللَّفْظِيِّ قَالَهُ زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: عَلَى قِيَاسِ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اشْتِرَاكَ الْأَمْرِ بَيْنَ النَّفْسِيِّ وَاللَّفْظِيِّ لَيْسَ مَنْقُولًا مُصَرَّحًا بِهِ وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ بِنَقْلِهِ وَتَضَمَّنَهُ كَلَامُ الْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: فِي الْكَلَامِ) أَيْ الَّذِي الْأَمْرُ أَحَدُ أَقْسَامِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ) مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ الْجَوَابُ عَمَّا عَسَاهُ يُورَدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ تَعْرِيفَهُ غَيْرُ مَانِعٍ إذْ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَهُوَ مَا انْتَفَى فِيهِ الْعُلُوُّ وَالِاسْتِعْلَاءُ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ لِاعْتِبَارِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فِيهِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ اعْتِبَارِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فِيهِ فَدُخُولُ مَا انْتَفَيَا أَوْ أَحَدِهِمَا فِيهِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مَرَّ إفْرَادُهُ وَلِهَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ حَتَّى يُعْتَبَرَ فِي حَدِّهِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: نَفْسِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا) لَا يَخْفَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُخَالِفِينَ الْمُعْتَزِلَةَ وَهُمْ يُنْكِرُونَ الْأَمْرَ النَّفْسِيَّ لِإِنْكَارِهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَإِنَّمَا كَلَامُهُمْ فِي الْأَمْرِ اللَّفْظِيِّ وَاَلَّذِي أَحْوَجَهُ إلَى التَّعْمِيمِ ذَكَرَ الْمُعْتَزِلَةَ مَعَ الْمُخَالِفِينَ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى تَخْصِيصِ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْأَمْرِ اللَّفْظِيِّ لِشُيُوعِ إنْكَارِهِمْ النَّفْسِيَّ قَالَ فِي فُصُولُ الْبَدَائِعِ وَمَنْ أَنْكَرَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ كَالْمُعْتَزِلَةِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ تَعْرِيفُهُ بِالطَّلَبِ اهـ. (قَوْلُهُ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْعُلُوِّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَمْرًا مِنْ أَتْبَاعِ مُعَاوِيَةَ فَلَيْسَ عِنْدَهُ عُلُوٌّ وَلَا اسْتِعْلَاءٌ وَقِيلَ فِيهِ اسْتِعْلَاءٌ مَجَازًا لِقَوْلِهِ فَعَصَيْتنِي وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا مَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥] مُخَاطِبًا قَوْمَهُ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْأَمْرَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ بِلَا عُلُوٍّ مِنْ الْقَائِلِينَ وَلَا اسْتِعْلَاءٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الطَّلَبَ عَلَى سَبِيلِ التَّضَرُّعِ أَوْ التَّسَاوِي لَا يُسَمَّى أَمْرًا وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ. (قَوْلُهُ: وَيُقَالُ) أَيْ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الِاسْتِعْلَاءِ. (قَوْلُهُ: إرَادَةَ الدَّلَالَةِ بِاللَّفْظِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ ثُمَّ إنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَيَنْهَوْا بِهِ عَلَى أَمْثَالِهِ إنَّمَا يَكُونُ أَمْرًا بِثَلَاثٍ: إرَادَةُ اللَّافِظِ وُجُودَ اللَّفْظِ وَالْإِرَادَةُ الثَّانِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِجَعْلِ اللَّفْظِ أَمْرًا وَالثَّالِثَةُ تَتَعَلَّقُ بِامْتِثَالِ الْمَأْمُورِ الْمُخَاطَبِ بِالْأَمْرِ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ يَعْنِي بِهِمَا أَبَا عَلِيٍّ وَابْنَهُ، قَالَ الرَّضِيُّ وَيُحْتَرَزُ بِالْأُولَى عَنْ النَّائِمِ وَالثَّانِيَةِ عَنْ نَحْوِ التَّهْدِيدِ وَالثَّالِثَةِ عَنْ الصِّيغَةِ تَصْدُرُ عَنْ الْمُبَلِّغِ وَالْحَاكِي اهـ. ، وَفِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ اشْتِرَاطُ مَجْمُوعِ الْإِرَادَاتِ الثَّلَاثِ لِتَحْقِيقِ مَاهِيَّةِ الْأَمْرِ اهـ. فَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا ذَكَرَ لِمَا قَالَهُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ إنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِي إرَادَةِ الِامْتِثَالِ. وَأَمَّا إرَادَةُ الدَّلَالَةِ بِالصِّيغَةِ فَالنِّزَاعُ فِيهَا لَيْسَ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ بَلْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَمَّا إرَادَةُ إحْدَاثِ الصِّيغَةِ فَهِيَ شَرْطٌ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَقَدْ حَكَى قَوْمٌ فِيهَا الِاتِّفَاقَ اهـ. وَبِمُقْتَضَى مَا قَرَّرَهُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ يَكُونُ كَلَامُهُ هُنَا غَيْرَ مُوَافِقٍ لَهُ وَلِمَا نُقِلَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَوْ أَبْدَلَ قَوْلَهُ: إرَادَةَ

стр. 465

بِاللَّفْظِ عَلَى الطَّلَبِ) فَإِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَمْرًا لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الطَّلَبِ كَالتَّهْدِيدِ وَلَا مُمَيِّزَ سِوَى الْإِرَادَةِ قُلْنَا اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الطَّلَبِ مَجَازِيٌّ بِخِلَافِ الطَّلَبِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ إرَادَتِهِ (وَالطَّلَبُ بَدِيهِيٌّ) أَيْ مُتَصَوَّرٌ بِمُجَرَّدِ الْتِفَاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يُفَرِّقُ بِالْبَدِيهَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَالْإِخْبَارِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِبَدَاهَتِهِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْأَمْرِ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ تَعْرِيفٌ بِالْأَخْفَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِطْرِيٌّ (وَالْأَمْرُ) الْمَحْدُودُ بِاقْتِضَاءِ فِعْلٍ إلَخْ (غَيْرُ الْإِرَادَةِ) لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالْإِيمَانِ وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ لِامْتِنَاعِهِ (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ إنْكَارُ الِاقْتِضَاءِ الْمَحْدُودِ بِهِ الْأَمْرُ قَالُوا إنَّهُ الْإِرَادَةُ (مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ) ــ [حاشية العطار] الدَّلَالَةِ بِإِرَادَةِ الِامْتِثَالِ لَتَطَابَقَ الْكَلَامَانِ وَتَمَّ الِاعْتِذَارُ تَأَمَّلْ. وَفِي الْبُرْهَانِ فَإِنْ قِيلَ مَا أَنْكَرْتُمُوهُ مِنْهُمْ يَلْزَمُكُمْ مِثْلُهُ فِي الْعِبَارَةِ عَنْ الْأَمْرِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ فَقَدْ يَلْفِظُ اللَّافِظُ بِقَوْلِهِ افْعَلْ وَهُوَ يَبْقَى حِكَايَةً. وَقَدْ يَلْفِظُ وَهُوَ يَنْتَحِي تَعْبِيرًا عَنْ الْأَمْرِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ فَكَيْفَ يَقَعُ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْ الْأَمْرِ وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ جَائِزَيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِإِرَادَةٍ فَبِمَ يَصِيرُ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْ الْأَمْرِ قُلْنَا الْمَسْلَكُ الْحَقُّ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَصْدٍ إلَى إيقَاعِ اللَّفْظِ مُشْعِرًا بِالْأَمْرِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَلَكِنْ لَيْسَ لِلَّفْظِ فِيهِ صِيغَةٌ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْإِشْعَارُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَلَوْ هُدِيَ الْمُعْتَزِلَةُ لِذَلِكَ لَمَا ارْتَبَكُوا فِي مَذَاهِبِهِمْ. (قَوْلُهُ: عَلَى الطَّلَبِ) أَيْ الْإِرَادَةِ وَإِلَّا فَهُمْ يُنْكِرُونَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَكْفِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِرَادَةِ. (قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ إلَخْ) أَيْ يَكْفِي أَنَّ الصِّيغَةَ إذَا أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إلَيْهِ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الصِّيغَةِ فِي التَّهْدِيدِ مَجَازٌ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ بَدَاهَةَ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ إنَّمَا تُفِيدُ بَدَاهَةَ التَّصَوُّرِ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ بَدَاهَةَ الْحَقِيقَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعْلُومًا بِكُنْهِ الْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ: بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الطَّلَبِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِلَفْظِهِ كَمَا فِي تَعْرِيفِ أَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ أَوْ بِالِاقْتِضَاءِ كَمَا فِي تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ مَنْعُ كَوْنِ الطَّلَبِ أَخْفَى بَلْ مَنْعُ كَوْنِهِ نَظَرِيًّا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنَّهُ بَدِيهِيٌّ. (قَوْلُهُ: تَعْرِيفُ بِالْأَخْفَى) فِيهِ أَنَّ النَّظَرِيَّةَ لَا تُفِيدُ كَوْنَهُ أَخْفَى مِنْ الْأَمْرِ إذْ غَايَةُ مَا تُفِيدُ خَفَاءَهُ فِي نَفْسِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِالْخَفِيِّ أَوْ الْمَجْهُولِ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الطَّلَبَ نَظَرِيٌّ (قَوْلُهُ: أَمْرُ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ) وَفَائِدَةُ الْأَمْرِ حِينَئِذٍ لِإِظْهَارِ الشَّقَاوَةِ السَّابِقَةِ لَهُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. (قَوْلُهُ: لِامْتِنَاعِهِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِامْتِنَاعِ الْعَدَمُ أَيْ وَلَوْ أَرَادَهُ لَوُجِدَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَعْنَى لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعَ الْحُصُولِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِرَادَةُ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ وَأَيْضًا قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عَدَمِ إيمَانِ أَبِي لَهَبٍ فَيَكُونُ مَعْلُومَ اللَّا وُقُوعِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مَعَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يَكُونُ الطَّلَبُ عَيْنَ الْإِرَادَةِ لَكِنْ قَالَ الْفَنَارِيُّ فِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ وَإِبْطَالُ مَذْهَبِهِمْ بِلُزُومِ وُقُوعِ الْمَأْمُورَاتِ لَا يَلْزَمُهُمْ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ عِنْدَهُمْ مَيْلٌ يَتْبَعُ اعْتِقَادَ النَّفْعِ أَوْ دَفْعَ الضَّرَرِ فَيَجُوزُ تَخَلُّفُ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى لِسُوءِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ لَا الصِّفَةِ الْمُخَصَّصَةِ بِالْوُقُوعِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ فَسَادُ الِاسْتِدْلَالِ بِنَحْوِ إيمَانِ أَبِي لَهَبٍ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ مُرَادُ اللَّهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُؤْمِنُونَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فَكَيْفَ يُرِيدُهُ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ عَلَى مَا فَسَّرُوهُ لَا تُنَافِي الْعِلْمَ بِاللَّاوُقُوعِ. (قَوْلُهُ: قَالُوا إنَّهُ الْإِرَادَةُ) رُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ قَوْلَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ افْعَلْ كَذَا بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ تَوَعَّدَهُ بِالْإِهْلَاكِ عَلَى ضَرْبِهِ لِيَعْصِيَهُ فَيَخْلُصُ أَمْرٌ وَإِلَّا لَمْ يَظْهَرْ عُذْرُهُ وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وَلَا يُرِيدُ مَا يُفْضِي إلَى هَلَاكِهِ لَكِنْ قَدْ يَطْلُبُ إذَا عَلِمَ أَنَّ طَلَبَهُ لَا يُفْضِي

стр. 466

مِنْ الْكَلَامِ وَمِنْهُمْ الْأَشَاعِرَةُ (اخْتَلَفُوا هَلْ لِلْأَمْرِ) النَّفْسِيِّ (صِيغَةٌ تَخُصُّهُ) بِأَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَقِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا (وَالنَّفْيُ عَنْ الشَّيْخِ) ــ [حاشية العطار] إلَى وُقُوعِهِ فَهَذَا يُبْطِلُ كَوْنَ الْإِرَادَةِ عَيْنَهُ أَوْ شَرْطَهُ كَذَا فِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ. [مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ مِنْ الْكَلَامِ اخْتَلَفُوا هَلْ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ] (قَوْلُهُ: مِنْ الْكَلَامِ) أَمْرًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ النَّفْسِيَّ صِفَةً لِلْأَمْرِ مَعَ أَنَّهُ مَوْضُوعُ الْمَبْحَثِ لِئَلَّا يَلْزَمَ فِي قَوْلِهِ هَلْ لِلْأَمْرِ الْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ وَعَادَةُ الْمُصَنِّفِ تَأْبَاهُ. (قَوْلُهُ: صِيغَةٌ تَخُصُّهُ) أَيْ تَكُونُ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِأَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاخْتِصَاصِ الِانْفِرَادَ وَإِلَّا لَقَالَ بِأَنْ لَا يُشَارِكَهَا غَيْرُهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُنَافِي دَلَالَتَهَا عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا مَعَهُ وَلَيْسَ مُرَادًا وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هَلْ صِيغَةُ افْعَلْ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ أَمْ لَا وَإِلَّا فَالْأَمْرُ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ اتِّفَاقًا كَأَمَرْتُكَ وَأَلْزَمْتُك لَوْ فُرِضَ صُدُورُهَا مِنْ الشَّارِعِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا) أَيْ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ بَلْ إمَّا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَمِنْ هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَالْجُمْهُورِ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِمَا هُنَا فَلَوْ ذَكَرَهُ هُنَا أَوْ اكْتَفَى بِهِ كَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: وَالنَّفْيُ عَنْ الشَّيْخِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَمُتَّبِعِيهِ مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ أَنَّ الْعَرَبَ مَا صَاغَتْ لِلْأَمْرِ الْحَقِّ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ عِبَارَةً فَرْدَةً وَقَوْلُ الْقَائِلِ افْعَلْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ نَظَرًا إلَى مَذْهَبِ الْوَعِيدِ وَإِنْ فُرِضَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ النَّهْيِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ رَفْعِ الْحَرَجِ عَلَى مَذْهَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَبَيْنَ الِاقْتِضَاءِ ثُمَّ هُوَ فِي مَسْلَكِ الِاقْتِضَاءِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْإِيجَابِ وَيَتَبَيَّنُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ تَرَدُّدُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْوَاقِفِيَّةِ بَيْنَ هَذِهِ الْجِهَاتِ كُلِّهَا ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي تَنْزِيلِ مَذْهَبِهِ فَقَالَ قَائِلُونَ اللَّفْظُ صَالِحٌ لِجَمِيعِ هَذِهِ الْمَحَامِلِ صَلَاحَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ لِلْمَعَانِي الَّتِي هُيِّئَتْ اللَّفْظَةُ لَهَا وَقَالَ آخَرُ لَيْسَ الْوَقْفُ مَصِيرًا إلَى دَعْوَى الِاشْتِرَاكِ وَضْعًا فِي اللِّسَانِ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى بِهِ أَنَّا لَا نَدْرِي عَلَى أَيِّ وَضْعٍ جَرَى قَوْلُ الْقَائِلِ افْعَلْ فِي اللِّسَانِ فَهُوَ إذًا مَشْكُوكٌ فِيهِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ ثُمَّ نَقَلَ بَعْضُ مُصَنِّفِي الْمَقَالَاتِ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ ﵀ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ مَعَ فَرْضِ الْقَرَائِنِ وَهَذَا زَلَلٌ بَيِّنٌ فِي النَّقْلِ وَالْوَجْهُ أَنْ يُوَرِّك بِالْغَلَطِ عَلَى النَّقْلِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ الْوَقْفَ مَعَ فَرْضِ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ عَلَى نِهَايَةِ الْوُضُوحِ ذُو تَحْصِيلٍ وَاَلَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ جَازِمًا بِهِ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ ﵀ لَا يُنْكِرُ صِيغَةً مُشْعِرَةً بِالْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْكَلَامِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ أَوْجَبْت أَوْ أَلْزَمْت أَوْ مَا شَاكَلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الَّذِي تَرَدَّدَ فِيهِ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ مِنْ حَيْثُ أَلْفَاهُ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ مُتَرَدِّدًا وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا الظَّنُّ بِهِ إذَا اقْتَرَنَ بِقَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ لَفْظٌ أَوْ أَلْفَاظٌ مِنْ الْقَبِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ افْعَلْ حَتْمًا أَوْ افْعَلْ وَاجِبًا نَعَمْ قَدْ يَتَرَدَّدُ الْمُتَرَدِّدُ فِي الصِّيغَةِ الَّتِي فِيهَا الْكَلَامُ إذَا اقْتَرَنَتْ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي ذَكَرْنَا مَا الْمُشْعِرُ بِالْأَمْرِ النَّفْسِيِّ الْأَلْفَاظُ الْمُقْتَرِنَةُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ أَمْ هِيَ فِي حُكْمِ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ وَهَذَا تَرَدُّدٌ قَرِيبٌ ثُمَّ مَا نَقَلَهُ النَّقْلَةُ يَخْتَصُّ بِقَرَائِنِ الْمَقَالِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْحَظِّ فَأَمَّا قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ فَلَا يُنْكِرُهَا أَحَدٌ فَهَذَا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى سِرِّ مَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَالْقَاضِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَطَبَقَةِ

стр. 467

أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ (فَقِيلَ) النَّفْيُ (لِلْوَقْفِ) بِمَعْنَى عَدَمِ الدِّرَايَةِ بِمَا وُضِعَتْ لَهُ حَقِيقَةً مِمَّا وَرَدَتْ لَهُ مِنْ أَمْرٍ وَتَهْدِيدٍ وَغَيْرِهِمَا (وَقِيلَ) لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَ مَا وَرَدَتْ لَهُ (وَالْخِلَافُ فِي صِيغَةِ أَفْعَلَ) وَالْمُرَادُ بِهَا كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ مِنْ صِيَغِهِ، فَلَا تَدُلُّ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِخُصُوصِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَأَنْ يُقَالَ صَلِّ لُزُومًا بِخِلَافِ أَلْزَمْتُك وَأَمَرْتُك. (وَتَرِدُ) لِسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ مَعْنًى (لِلْوُجُوبِ) ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] (وَالنَّدْبِ) ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] (وَالْإِبَاحَةِ) ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] (وَالتَّهْدِيدِ) ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وَيَصْدُقُ مَعَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ (وَالْإِرْشَادِ) ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْمَصْلَحَةُ فِيهِ ــ [حاشية العطار] الْوَاقِفِيَّةِ اهـ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى عَدَمِ الدِّرَايَةِ إلَخْ) قَالُوا لَوْ تَعَيَّنَ مَا وُضِعَ لَهُ فَبِدَلِيلٍ وَلَيْسَ الْعَقْلُ إذْ لَا مَدْخَلَ لَهُ وَالنَّقْلُ آحَادًا لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَتَوَاتُرًا يُوجِبُ اسْتِوَاءَ طَبَقَاتِ الْبَاحِثِينَ وَالِاخْتِلَافُ يُنَافِيهِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ الْحَصْرَ بَلْ الْأَدِلَّةُ الِاسْتِقْرَائِيَّة وَمَرْجِعُهَا تَتْبَعُ مَظَانَّ اسْتِعْمَالِهِ وَالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى مَقْصُودِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اهـ. كَذَا فِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمَا) أَيْ مِنْ بَاقِي الْمَعَانِي وَخَصَّ بَعْضُهُمْ الْوَقْفَ بِالْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ فَجَعَلَ الْخِلَافَ عَامًّا. (قَوْلُهُ: بَيْنَ مَا وَرَدَتْ لَهُ) مُفَادُ كَلَامِهِ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي الْقَوْلُ بِأَنَّ الصِّيغَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ جَمِيعِ الْمَعَانِي الْآتِيَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَإِنَّ مِنْ الْمَعَانِي مَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيهِ كَمَا لِلْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَغَايَةُ مَا قِيلَ أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْخَمْسَةِ الْأُولَى عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ فِي خُصُوصِ الْوُجُوبِ النَّدْبُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي وَقَوْلُ سم لَعَلَّ الشَّارِحَ اطَّلَعَ عَلَى قَوْلٍ بِالِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْجَمِيعِ لَا يُسْمَعُ. (قَوْلُهُ: وَالْخِلَافُ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ أَيْ مِنْ صِيَغِ افْعَلْ لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا فَلَهُ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا. (قَوْلُهُ: مِنْ صِيَغِهِ) أَيْ صِيَغِ الْأَمْرِ فَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ فِعْلَ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى افْعَلْ كَقُمْ وَاسْتَخْرِجْ وَانْطَلِقْ، وَاسْمَ الْفِعْلِ كَصَهْ، وَالْمُضَارِعَ الْمَقْرُونَ بِاللَّامِ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِافْعَلْ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ اسْتِعْمَالًا فِيهِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ أَلْزَمْتُك إلَخْ) بَيَانٌ لِمُحْتَرَزِ قَوْلِهِ وَالْخِلَافُ فِي صِيغَةِ افْعَلْ فَإِنَّ أَلْزَمْتُك تَدُلُّ بِجَوْهَرِهَا وَمَادَّتِهَا وَلَا تَحْتَاجُ لِقَرِينَةٍ إنْ قُلْت إذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي خُصُوصِ صِيغَةِ افْعَلْ فَلِمَ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ هَلْ لِلْأَمْرِ صِيغَةُ الْعَامِّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَبِعَ فِي تَعْبِيرِهِ الْقَوْمَ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ قَوْلُهُ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] إنْ كَانَ بِمَعْنَى دَاوِمُوا عَلَيْهَا كَانَ أَمْرًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى رَاعُوا حُقُوقَهَا مِنْ شَرَائِطَ وَغَيْرِهَا كَانَ أَمْرًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ. قَوْلُهُ ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] إنْ أُرِيدَ بِهَا الْحَلَالُ كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ أَوْ الْمُسْتَلَذَّاتِ كَانَ لِلْإِبَاحَةِ. (قَوْلُهُ: وَيَصْدُقُ إلَخْ) وَجْهُ الصِّدْقِ أَنَّ التَّهْدِيدَ لِلْمَنْعِ، وَالْمَنْعَ يَكُونُ لِلتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ كَذَا قِيلَ وَعِنْدِي أَنَّ

стр. 468

دُنْيَوِيَّةٌ بِخِلَافِ النَّدْبِ وَقَدَّمَهُ هُنَا بَعْدَ أَنْ وَضَعَهُ عَقِبَ التَّأْدِيبِ لِقَوْلِهِ الْآتِي وَقِيلَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْخَمْسَةِ الْأُوَلِ فَإِنَّهُ مِنْهَا (وَإِرَادَةُ الِامْتِثَالِ) كَقَوْلِك لِآخَرَ عِنْدَ الْعَطَشِ اسْقِنِي مَاءً (وَالْإِذْنِ) كَقَوْلِك لِمَنْ طَرَقَ الْبَابَ اُدْخُلْ (وَالتَّأْدِيبِ) «كَقَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ دُونَ الْبُلُوغِ وَيَدُهُ تَبْطِشُ فِي الصَّحْفَةِ كُلْ مِمَّا يَلِيك» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. أَمَّا أَكْلُ الْمُكَلَّفِ مِمَّا يَلِيهِ فَمَنْدُوبٌ وَمِمَّا يَلِي غَيْرَهُ فَمَكْرُوهٌ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى حُرْمَتِهِ لِلْعَالِمِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْإِيذَاءِ (وَالْإِنْذَارِ) ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وَيُفَارِقُ التَّهْدِيدَ بِذِكْرِ الْوَعِيدِ (وَالِامْتِنَانِ) ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] وَيُفَارِقُ الْإِبَاحَةَ بِذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ (وَالْإِكْرَامِ) ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] (وَالتَّسْخِيرِ) أَيْ التَّذْلِيلِ وَالِامْتِهَانِ نَحْوُ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] (وَالتَّكْوِينِ) أَيْ الْإِيجَادِ عَنْ الْعَدَمِ بِسُرْعَةٍ نَحْوُ كُنْ فَيَكُونُ (وَالتَّعْجِيزِ) ــ [حاشية العطار] الْمُهَدَّدَ عَلَيْهِ لَا يَكُون إلَّا حَرَامًا وَكَذَا الْإِنْذَارُ كَيْفَ وَهُوَ مُقْتَرِنٌ بِذِكْرِ الْوَعِيدِ اهـ. قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِحَسَبِ الِاسْتِقْرَاءِ. (قَوْلُهُ: دُنْيَوِيَّةٌ) أَيْ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الِامْتِثَالَ وَالِانْقِيَادَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أُثِيبَ عَلَيْهِ لَكِنْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَكَذَا إنْ قَصَدَهَا لَكِنَّ ثَوَابَهُ فِيهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ النَّدْبِ) أَيْ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَصْلَحَتُهُ دِينِيَّةً وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَكُونُ دُنْيَوِيَّةً. (قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ وَضَعَهُ) أَيْ فِي نُسْخَةٍ رَجَعَ عَنْهَا إلَى هَذِهِ. (قَوْلُهُ: كَقَوْلِك لِآخَرَ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا غَرَضَ مِنْ الْأَمْرِ هُنَا إلَّا إرَادَةُ الِامْتِثَالِ مَا لَمْ يَكُنْ الْقَائِلُ مِمَّنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ كَالسَّيِّدِ وَإِلَّا كَانَتْ الصِّيغَةُ لِلْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ بِمَعْنَى الطَّلَبِ الْجَازِمِ أَوْ غَيْرِهِ لَا الْوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ وَتَحْرِيمُ الْمُخَالَفَةِ لِطَلَبِ الشَّارِعِ الِامْتِثَالَ. (قَوْلُهُ: وَالْإِذْنُ) فِيمَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الشَّارِعِ بِخِلَافِ النَّدْبِ وَأَيْضًا الْإِذْنُ مَا سَبَقَهُ اسْتِئْذَانٌ وَبَعْضُهُمْ أَدْرَجَهُ فِي قِسْمِ الْإِبَاحَةِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّأْدِيبُ) هُوَ تَهْذِيبُ الْأَخْلَاقِ وَإِصْلَاحُ الْعَادَاتِ بِخِلَافِ النَّدْبِ فَإِنَّهُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ. (قَوْلُهُ: كَقَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافُهُ. وَفِي الْبُرْهَانِ أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَلَعَلَّ الْوَاقِعَةَ تَعَدَّدَتْ. قَوْلُهُ ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ [إبراهيم: ٣٠] إلَخْ فِيهِ أَنَّ الْإِنْذَارَ مِنْ الْقَرِينَةِ وَهِيَ ذِكْرُ الْمَصِيرِ. (قَوْلُهُ: وَيُفَارِقُ التَّهْدِيدَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْوَعِيدَ خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ الصِّيغَةِ فَمَتَى وُجِدَتْ الْقَرِينَةُ مَعَ كُلٍّ كَانَ تَهْدِيدًا وَإِنْذَارًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ الْوَعِيدُ فِي التَّهْدِيدِ. (قَوْلُهُ: يَذْكُرُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) أَيْ يَحْتَاجُ الْخَلْقُ إلَيْهِ كَالرِّزْقِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى تَحْصِيلِهِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ ذِكْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ الصِّيغَةِ. (قَوْلُهُ: أَيْ التَّذْلِيلُ وَالِامْتِهَانُ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ إنَّ اللَّائِقَ أَنْ يُسَمَّى سِخْرِيَّةً بِكَسْرِ السِّينِ لَا تَسْخِيرًا لِأَنَّ التَّسْخِيرَ النِّعْمَةُ وَالْإِكْرَامُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ التَّسْخِيرَ يُسْتَعْمَلُ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّذْلِيلِ وَالِامْتِهَانِ قَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣] وَيُقَالُ فُلَانٌ سَخَّرَهُ السُّلْطَانُ أَيْ امْتَهَنَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ بِلَا أَجْرٍ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: نَحْوُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] تَلْمِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] قَالَ فِي التَّلْوِيحِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَجَازٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ وَسُهُولَتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ تَمْثِيلًا لِلْغَائِبِ أَعْنِي تَأْثِيرَ قُدْرَتِهِ فِي الْمُرَادِ بِالشَّاهِدِ أَعْنِي أَمْرَ

стр. 469

أَيْ إظْهَارِ الْعَجْزِ نَحْوُ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ــ [حاشية العطار] الْمُطَاعِ لِلْمُطِيعِ فِي حُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ وَتَوَقُّفٍ وَلَا افْتِقَارٍ إلَى مُزَاوَلَةِ عَمَلٍ وَاسْتِعْمَالِ آلَةٍ وَلَيْسَ هُنَاكَ قَوْلٌ وَلَا كَلَامٌ وَإِنَّمَا وُجُودُ الْأَشْيَاءِ بِالْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ مَقْرُونًا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجْرَى سُنَّتَهُ فِي تَكْوِينِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ تَكْوِينُهَا بِغَيْرِهَا وَالْمَعْنَى يَقُولُ لَهُ اُحْدُثْ فَيَحْدُثُ عَقِيبَ هَذَا الْقَوْلِ لَكِنَّ الْمُرَادَ الْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ تَعَالَى لَا الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ لِأَنَّهُ حَادِثٌ فَيَحْتَاجُ إلَى خِطَابٍ آخَرَ فَيَتَسَلْسَلُ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ قِيَامُ الصَّوْتِ وَالْحُرُوفِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ خِطَابُ التَّكْوِينِ عَلَى الْفَهْمِ وَاشْتَمَلَ عَلَى أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ وَهُوَ الْوُجُودُ جَازَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَعْدُومِ بَلْ خِطَابُ التَّكْلِيفِ أَيْضًا أَزَلِيٌّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوجَدُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَزَلِ لَا يُسَمَّى خِطَابًا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى مُخَاطَبٍ بِهِ اهـ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَوْ كَانَ أَمْرُ كُنْ لِطَلَبِ وُجُودِ الْحَادِثِ وَإِرَادَةِ تَكْوِينِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ وَتَرَاخٍ وَكَانَ أَزَلِيًّا يَلْزَمُ قِدَمُ الْحَادِثِ وَأَيْضًا إذَا كَانَ أَزَلِيًّا لَمْ يَصِحَّ تَرَتُّبُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ عَلَى مَا تُنْبِئُ عَنْهُ الْآيَةُ فَالْأَوْلَى أَنَّ الْكَلَامَ مَجَازٌ وَتَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ التَّكْوِينِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَلَا كَلَامٍ اهـ. وَقَوْلُهُ فِي التَّلْوِيحِ وَلَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ خِطَابُ التَّكْوِينِ إلَخْ انْحَلَّ قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ عَجَبِي مِنْ قَائِلٍ كُنْ لِعَدَمٍ ... وَاَلَّذِي قِيلَ لَهُ لَمْ يَكُ ثَمَّ إلَى آخِرِ الْأَبْيَاتِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ كَيْفَ لِلْقَوْلِ دَلِيلٌ وَاَلَّذِي ... قَدْ بَنَاهُ الْعَقْلُ بِالْكَشْفِ انْهَدَمَ وَفِي حَاشِيَةِ عَبْدِ الْحَكِيمِ عَلَى الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ شُبِّهَتْ هَيْئَةُ حُصُولِ الْمُرَادِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِلَا مُهْمَلَةٍ وَامْتِنَاعٌ بِطَاعَةِ الْمَأْمُورِ الْمُطِيعِ عَقِيبَ أَمْرِ الْمُطَاعِ بِلَا تَوَقُّفٍ وَإِبَاءُ تَصْوِيرِ الْحَالِ الْغَائِبِ فِي أَمْرِ الشَّاهِدِ فَلَا بُدَّ فِي كِلَا الطَّرَفَيْنِ مِنْ مُلَاحَظَةِ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ الْكَلَامُ الْمَوْضُوعُ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الْمُشَبَّهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ اسْتِعَارَةٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ كَمَا شَبَّهَ هَيْئَةَ اسْتِقْرَارِهِمْ وَتَمَكُّنِهِمْ عَلَى الْهُدَى بِاسْتِعْلَاءِ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَرْكُوبِ وَاسْتِقْرَارِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] فَكَانَ أَصْلُ الْكَلَامِ هَكَذَا إذَا قَضَى أَمْرًا فَيَحْصُلُ عَقِيبَهُ دُفْعَةً فَكَأَنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ثُمَّ حَذَفَ الْمُشَبَّهَ وَاسْتَعْمَلَ الْمُشَبَّهَ بِهِ مَقَامَهُ وَلَيْسَ اسْتِعَارَةً تَحْقِيقِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلَى تَشِبِّيهِ حَالٍ بِمَقَالٍ عَلَى مَا تُوُهِّمَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَشِبِّيهِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِقَوْلِ كُنْ كَيْفَ وَهُوَ مَذْكُورٌ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ إذَا قَضَى أَمْرًا وَالِاسْتِعَارَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا طَيُّ ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ اهـ. ١ - وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ التَّكْوِينِيِّ وَالتَّسْخِيرِيِّ أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَقْصِدُ تَكْوِينَ الشَّيْءِ الْمَعْدُومِ وَفِي الثَّانِي صَيْرُورَتَهُ مُنْتَقِلًا مِنْ صُورَةٍ أَوْ صِفَةٍ إلَى أُخْرَى فَفِيهِ زِيَادَةُ اعْتِبَارٍ. (قَوْلُهُ: أَيْ إظْهَارُ الْعَجْزِ) أَيْ لَا إيجَادُهُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ مَعْنَى التَّعْجِيزِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْإِفْحَامُ نَحْوَ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ وَقَدْ عَدَّهُ فِي فُصُول الْبَدَائِع نَوْعًا مُسْتَقِلًّا فَارِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعْجِيزِ بِاخْتِصَاصِهِ بِمَوْضِعِ الْمُنَاظَرَةِ بِخِلَافِ التَّعْجِيزِ. (قَوْلُهُ:

стр. 470

(وَالْإِهَانَةِ) ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] (وَالتَّسْوِيَةِ) فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا (وَالدُّعَاءِ) ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] (وَالتَّمَنِّي) كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ... بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ مِنْك بِأَمْثَلِ ــ [حاشية العطار] وَالْإِهَانَةِ) وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ تَهَكُّمًا وَضَابِطُهُ أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرِيمِ وَيُرَادُ مِنْهُ ضِدُّهُ وَبِهَذَا فَارَقَ السُّخْرِيَّةَ وَأَيْضًا عَدَمُ ذِكْرِ الْمُهَانِ بِهِ فِيهَا بِخِلَافِ التَّسْخِيرِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ مَعَهُ الْمُذَلَّلَ بِهِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ عَنْ الصِّيغَةِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّسْوِيَةِ) قَالَ الْقَرَافِيُّ قُلْنَا الْمُسْتَعْمَلُ هُنَا فِي التَّسْوِيَةِ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ صِيغَتَيْنِ مِنْ الْأَمْرِ مَعَ صِيغَةِ أَوْ وَهَذَا الْمَجْمُوعُ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي التَّسْوِيَةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي التَّمَنِّي فَإِنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِيهِ هُوَ صِيغَةُ الْأَمْرِ مَعَ صِيغَةِ إلَّا لَا الصِّيغَةُ وَحْدَهَا اهـ. بِاخْتِصَارٍ وَأَجَابَ سم بِإِمْكَانِ إفَادَةِ التَّسْوِيَةِ مِنْ كُلٍّ مِنْ الصِّيغَةِ أَوْ بِشَرْطِ مُصَاحَبَةِ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ جَعْلِ التَّسْوِيَةِ مِنْ مَعَانِي الصِّيغَةِ وَبِجَعْلِهَا مِنْ مَعَانِي أَوْ وَقَدْ يُمْنَعُ مَا قَالَهُ فِي التَّمَنِّي بِأَنَّ الصِّيغَةَ وَحْدَهَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى لَفْظَةٍ إلَّا وَإِنْ اتَّفَقَ وُجُودُهَا فِي هَذَا الْمِثَالِ اهـ. وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ لِلِاعْتِرَافِ بِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَأَمَّا الثَّانِي فَدَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَكُلُّهُمْ قَدْ مَثَّلَ لِلتَّمَنِّي بِهَذَا الْمِثَالِ فَلَوْ كَانَ ثَمَّ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّمَنِّي بِدُونِ لَفْظَةِ إلَّا لَذَكَرُوهُ تَأَمَّلْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّسْوِيَةِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالْإِبَاحَةِ كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنْ لَيْسَ لَهُ الْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ فَأُبِيحَ لَهُ وَفِي التَّسْوِيَةِ كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ رُجْحَانَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَدَفَعَ بِالتَّسْوِيَةِ. (قَوْلُهُ: رَبَّنَا افْتَحْ) أَيْ اقْضِ

стр. 471

وَلِبُعْدِ انْجِلَائِهِ عِنْدَ الْمُحِبِّ حَتَّى كَأَنَّهُ لَا طَمَعَ فِيهِ كَانَ مُتَمَنِّيًا لَا مُتَرَجِّيًا (وَالِاحْتِقَارِ) ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣] إذْ مَا يُلْقُونَهُ مِنْ السِّحْرِ وَإِنْ عَظُمَ مُحْتَقَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُعْجِزَةِ مُوسَى ﵇ (وَالْخَبَرِ) كَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» أَيْ صَنَعْت. (وَالْإِنْعَامِ) بِمَعْنَى تَذْكِيرِ النِّعْمَةِ نَحْوُ ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] (وَالتَّفْوِيضِ) ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] (وَالتَّعَجُّبِ) ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨] (وَالتَّكْذِيبِ) ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] (وَالْمَشُورَةِ) ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] (وَالِاعْتِبَارِ) ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩] (وَالْجُمْهُورُ) قَالُوا هِيَ (حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ) ــ [حاشية العطار] بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. (قَوْلُهُ: وَلِبُعْدِ انْجِلَائِهِ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ إنَّ اللَّيْلَ وَإِنْ كَانَ طَوِيلًا يُرْجَى انْجِلَاؤُهُ فَالْأَنْسَبُ الْحَمْلُ عَلَى التَّرَجِّي وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُبْتَلَى بِلَوَاعِجِ الْأَشْوَاقِ وَشَدَائِدِ الْفِرَاقِ قَدْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مَقَاسَاتِ الْهُمُومِ لَا تَنْقَطِعُ كَمَا قِيلَ: رَقَدْت وَلَمْ تَرْثِ لِلسَّاهِرِ قَوْلَهُ ... وَلَيْلُ الْمُحِبِّ بِلَا آخِرِ فَكَأَنَّهُ لَا يُرْتَقَبُ انْجِلَاؤُهُ وَلَيْسَ لَهُ طَاعِيَةٌ فِيهِ فَلِذَا حُمِلَ عَلَى التَّمَنِّي وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ انْجِلَاؤُهُ فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ انْجِلَاؤُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ فَمُحَالٌ. (قَوْلُهُ: مُتَمَنِّيًا) بِالْكَسْرِ اسْمُ فَاعِلٍ وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَظُمَ) أَيْ فِي نَفْسِهِ كَمَا هُوَ مَحْمَلُ ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وَقَوْلُهُ: مُحْتَقَرٌ أَيْ بِالنَّظَرِ لِمُعْجِزَةِ مُوسَى ﵇ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ. (قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا لِلتَّهْدِيدِ وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بِأَنَّ التَّهْدِيدَ فِيهِ قَرِينَةٌ نَحْوُ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ لِاقْتِرَانِهِ بِقَوْلِهِ إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بِخِلَافِ هَذَا. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى تَذْكِيرِ النِّعْمَةِ) وَحَقِيقَتُهُ إسْدَاءُ النِّعْمَةِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ وَكَانَ التَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ لِمُوَافَقَةِ غَرَضِ مَنْ عَدَّ الْإِنْعَامَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُهُ مَعَ الِامْتِنَانِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ تَذْكِيرَ النِّعْمَةِ مُجَرَّدٌ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ مِنْ أَفْرَادِهَا وَلَا كَذَلِكَ الِامْتِنَانُ وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِاخْتِصَاصِ الْإِنْعَامِ بِذِكْرِ إعْلَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَمَا فِي الْمِثَالِ بِخِلَافِ الِامْتِنَانِ لَا يَظْهَرُ فِي جَمِيعِ الْمَوَارِدِ. قَوْلُهُ ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] فِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ التَّحْقِيرِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِدَلِيلِ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَلْيُنْظَرْ الْفَرْقُ. (قَوْلُهُ: وَالتَّعَجُّبِ) الْأَوْلَى التَّعْجِيبُ لِمُوَازِنَةِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: قُلْ فَأْتُوا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْذِيبِ إنَّمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨] وَالْمُرَادُ حَقِيقَةُ الطَّلَبِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَشُورَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا رَاجِعَةٌ لِلطَّلَبِ لِأَنَّ الْمُرَادَ طَلَبُ النَّظَرِ فِي الَّذِي يَرَاهُ (قَوْلُهُ وَالِاعْتِبَارِ) فِيهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ طَلَبُهُ رَجَعَ لِلنَّدَبِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَخْلُو عَدُّ هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْ تَسَامُحٍ. (قَوْلُهُ: وَالْجُمْهُورُ إلَخْ) غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ لِذِكْرِ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَهُوَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ النَّافِينَ لِلْكَلَامِ النَّفْسِيِّ. وَفِي الْبُرْهَانِ نِسْبَةُ هَذَا الْقَوْلِ لِلْفُقَهَاءِ فَقَالَ. وَأَمَّا جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصِّيغَةَ الَّتِي فِيهَا الْكَلَامُ لِلْإِيجَابِ إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ الْقَرَائِنِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا مُجْمِعُونَ عَلَى اتِّبَاعِ أَبِي الْحَسَنِ فِي الْوَقْفِ وَلَمْ يُسَاعِدْ الشَّافِعِيُّ مِنْهُمْ إلَّا الْأُسْتَاذَ أَبُو إِسْحَاقَ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَلَا أَرَى لَهُمْ كَلَامًا مَرَضِيًّا يُعَوَّلُ عَلَى مِثْلِهِ فِي انْتِفَاءِ الْقَطْعِ وَلَكِنْ مَنْ أَظْهَرَ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْمَاضِينَ وَالْأَئِمَّةَ الْمُتَقَدِّمِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ - كَانُوا يَتَمَسَّكُونَ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ فِي طَلَبِ إثْبَاتِ الْإِيجَابِ وَلَا يَنْزِلُونَ عَنْهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ تُنَبِّهُ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَسْلَكُ لَا يَصْفُو عَنْ شَوَائِبِ النِّزَاعِ وَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِيمَا اقْتَرَنَ بِهِ اقْتِضَاءُ الْإِيجَابِ وَكُلُّ مَسْلَكٍ فِي الْكَلَامِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ إمْكَانٌ لَمْ يُفْضِ إلَى الْقَطْعِ اهـ. (قَوْلُهُ: قَالُوا هِيَ إلَخْ) قَدَّرَهُ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ) احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]

стр. 472

فَقَطْ (لُغَةً أَوْ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا مَذَاهِبُ) وَجْهُ أَوَّلِهَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَحْكُمُونَ بِاسْتِحْقَاقِ مُخَالِفِ أَمْرِ سَيِّدِهِ مَثَلًا بِهَا لِلْعِقَابِ. وَالثَّانِي الْقَائِلُ بِأَنَّهَا لُغَةٌ لِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ وَإِنْ جَزَمَهُ الْمُحَقِّقُ لِلْوُجُوبِ بِأَنَّ تَرْتِيبَ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ إنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الشَّرْعِ فِي أَمْرِهِ أَوْ أَمْرِ مَنْ أَوْجَبَ طَاعَتَهُ أَجَابَ بِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ اللُّغَةِ الْمَذْكُورِ مَأْخُوذٌ مِنْ الشَّرْعِ لِإِيجَابِهِ عَلَى الْعَبْدِ مَثَلًا طَاعَةَ سَيِّدِهِ. وَالثَّالِثُ قَالَ إنَّ مَا تُفِيدُهُ لُغَةً مِنْ الطَّلَبِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبَ لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى النَّدْبِ يُصَيِّرُ الْمَعْنَى افْعَلْ إنْ شِئْت وَلَيْسَ هَذَا الْقَيْدُ مَذْكُورًا وَقُوبِلَ بِمِثْلِهِ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ يُصَيِّرُ ــ [حاشية العطار] فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ فَخَوْفُهُمْ وَحَذَرُهُمْ مِنْ إصَابَةِ الْفِتْنَةِ فِي الدُّنْيَا أَوْ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ الْأَمْرَ وَهِيَ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا أَنَّ مُوَافَقَةَ الْأَمْرِ الْإِتْيَانُ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ لَا عَدَمُ اعْتِقَادِ حَقِيقَتِهِ وَلَا حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ مَثَلًا فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ وَمِنْهَا انْتِفَاءُ الْخِيرَةِ عَنْ الْمَأْمُورِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا إتْمَامُ الشَّيْءِ قَوْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أَيْ حُكْمًا لَا فِعْلًا كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] بِدَلَالَةِ عَطْفِ الرَّسُولِ وَكَذَا الْأَمْرُ هُوَ الْقَوْلُ مَصْدَرًا أَوْ تَمْيِيزًا أَوْ حَالًا لَا الْفِعْلُ وَإِلَّا لَزِمَ تَقْدِيرُ الْبَاءِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَمِنْهَا الذَّمُّ وَالتَّوْبِيخُ وَالْإِنْكَارُ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ فِي ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] عَلَى زِيَادَةِ لَا أَوْ بِمَعْنَى مَا دَعَاكَ إلَى أَنْ لَا تَسْجُدَ إذْ الْمَانِعُ مِنْ الشَّيْءِ دَاعٍ إلَى تَرْكِهِ وَالْمُرَادُ بِإِذْ أَمَرْتُك قَوْله تَعَالَى اُسْجُدُوا فَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مُطْلَقًا لِلْوُجُوبِ لَأَمْكَنَهُ أَنْ يَقُولَ مَا أَلْزَمْتنِي فَعَلَامَ الْإِنْكَارُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ جَارِيَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ صِيغَةً تَخُصُّهُ وَكَذَلِكَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي مَدْلُولِ الصِّيغَةِ حَقِيقَةً وَقَوْلُهُ وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي وَمَا بَعْدَهُ مَا عَدَا قو وَعَبْدَ الْجَبَّارِ، وَالْمُخْتَارُ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ بَلْ تَتَجَاوَزُهُ فَهُوَ اخْتِلَافٌ فِيمَا تَتَجَاوَزُ إلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ الْجَبَّارِ فَدَخِيلٌ بَيْنَهُمَا لِابْتِنَائِهِ عَلَى إنْكَارِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَقَدْ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ قَوْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الطَّلَبِ. (قَوْلُهُ: فَقَطْ) بَيَانٌ لِلْمُرَادِ إذْ الْمَعْنَى عَلَى الْحَصْرِ. (قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَيْ وَكُلُّ ذِي وِلَايَةٍ كَالزَّوْجِ. (قَوْلُهُ: بِهَا) أَيْ بِصِيغَةِ افْعَلْ أَوْ بِاللُّغَةِ وَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِأَمَرَ وَعَلَى الثَّانِي بِتَحْكُمُونَ بِجَعْلِ الْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمُدَّعَى اهـ. (قَوْلُهُ: لِلْعِقَابِ) لَمْ يُرِدْ خُصُوصَ الْعِقَابِ الْأُخْرَوِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ بَلْ أَرَادَ مُطْلَقَ الِانْتِقَامِ وَاسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ لَهَا عَلَى قَانُونِ اللُّغَةِ. (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَجَابَ. (قَوْلُهُ: لِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ) أَيْ الطَّلَبِ الْمُجَرَّدِ عَنْ التَّحَتُّمِ فَالطَّلَبُ جِنْسٌ وَجَزْمُهُ الْفَصْلُ الْمُقَوِّمُ لَهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: الْمُحَقَّقِ لِلْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَتَرَتَّبَ الْعِقَابُ إلَخْ أَيْ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُحَقَّقِ، وَقَوْلُهُ إنَّمَا يُسْتَفَادُ خَبَرُ إنَّ فَقَوْلُهُ وَإِنَّ جَزْمَهُ أَيْ الطَّلَبِ، وَقَوْلُهُ الْمُحَقَّقَ بِالنَّصْبِ صِفَةٌ لِلْجَزْمِ. (قَوْلُهُ: مَأْخُوذٌ مِنْ الشَّرْعِ) لَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ شَرِيعَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لِسَبْقِ اللُّغَةِ لَهُ. (قَوْلُهُ: يَتَعَيَّنُ) أَيْ عَقْلًا فَيَكُونُ حَقِيقَةً لِلْوُجُوبِ فِي اللُّغَةِ وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ طَرِيقُهُ الْعَقْلُ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ هَذَا الْقَيْدُ إلَخْ) أَيْ وَالْأَصْلُ عِنْدَ الْعَقْلِ عَدَمُ الْقَيْدِ

стр. 473

الْمَعْنَى افْعَلْ مِنْ غَيْرِ تَجْوِيزِ تَرْكٍ. (وَقِيلَ) هِيَ حَقِيقَةٌ (فِي النَّدْبِ) لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ مِنْ قِسْمَيْ الطَّلَبِ (وَقَالَ) أَبُو مَنْصُورٍ (الْمَاتُرِيدِيُّ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ مَوْضُوعَةٌ (لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَهُوَ الطَّلَبُ حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَاسْتِعْمَالُهَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَلَبُ اسْتِعْمَالٍ حَقِيقِيٍّ وَالْوُجُوبُ الطَّلَبُ الْجَازِمُ كَالْإِيجَابِ تَقُولُ مِنْهُ وَجَبَ كَذَا أَيْ طُلِبَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ طَلَبًا جَازِمًا (وَقِيلَ) هِيَ (مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ (وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ فِيهَا) بِمَعْنَى لَمْ يَدْرُوا هِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ أَمْ فِي الْمَنْدُوبِ أَمْ فِيهِمَا. (وَقِيلَ) هِيَ (مُشْتَرَكَةٌ فِيهِمَا وَفِي الْإِبَاحَةِ وَقِيلَ فِي) هَذِهِ (الثَّلَاثَةِ ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ) أَيْ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ التَّرْكِ الْمُخْتَصِّ بِالْوُجُوبِ أَمْرٌ زَائِدٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ إرَادَتُهُ وَعُورِضَ هَذَا مِنْ جَانِبِ الْقَائِلِ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الْمَوْضُوعَ لِلشَّيْءِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَامِلِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْكَمَالُ وَالْكَمَالُ مِنْ الطَّلَبِ مَا اقْتَضَى مَنْعَ التَّرْكِ وَهُوَ الْوُجُوبُ دُونَ النَّدْبِ وَأَيْضًا الْمُتَيَقَّنُ أَصْلُ الطَّلَبِ وَأَمَّا كَوْنُهُ لِلنَّدَبِ أَوْ الْوُجُوبِ فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ. (قَوْلُهُ: وَالْوُجُوبُ الطَّلَبُ إلَخْ) أَيْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْإِيجَابِ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا اعْتِبَارِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ أَنَّ الطَّلَبَ الْجَازِمَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ إنْ اُعْتُبِرَ كَوْنُهُ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى سُمِّيَ إيجَابًا وَإِنْ اُعْتُبِرَ إضَافَتُهُ لِلْفِعْلِ وَتَعَلُّقُهُ بِهِ سُمِّيَ وُجُوبًا فَيَصِحُّ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ فَلَا يُقَالُ الطَّلَبُ إنَّمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ لَا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْوُجُوبُ غَيْرُ الْإِيجَادِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ صِفَاتِ الْمُكَلَّفِ وَالْإِيجَابَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَوْرَدَ سم أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْوُجُوبُ هُوَ الطَّلَبَ الْجَازِمَ لَزِمَ مَنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ مَدْلُولُ الصِّيغَةِ لُغَةً كَالْمُصَنِّفِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ لُغَوِيٌّ وَأَنَّ الْوُجُوبَ لُغَةٌ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ خَاصَّتِهِ مِنْ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ اللُّغَةِ لِأَنَّ خَاصَّةَ الشَّيْءِ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ. وَأَجَابَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ هُوَ الطَّلَبَ الْجَازِمَ مُطْلَقًا بَلْ الطَّلَبُ الْجَازِمُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ وَصِيغَتِهِ تَرَتُّبُ الْعِقَابِ وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَيْسَ مَدْلُولَ الصِّيغَةِ لُغَةً لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَ تَرَتُّبَ الْعِقَابِ وَلَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي وَضْعِ الصِّيغَةِ اهـ. مُلَخَّصًا وَأَقُولُ حَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ كَوْنِ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ خَاصَّةً الْوُجُوبُ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ جُزْءَ الْمَاهِيَّةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ تَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا فَلَا يَكُونُ الطَّلَبُ الْجَازِمُ فَقَطْ حَقِيقَةً لِلْوُجُوبِ فَيَنْدَفِعُ السُّؤَالُ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ فِيمَا يَأْتِي وَاسْتِفَادَةُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ مِنْ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّ تَصَوُّرَ كَوْنِ الشَّيْءِ لُغَوِيًّا دُونَ خَاصَّتِهِ عَلَيْهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ لِاسْتِلْزَامِهِ تَحَقُّقَ الشَّيْءِ بِدُونِ خَاصَّتِهِ فَلَا يَكُونُ خَاصَّةً لَهُ مَنْعُ فَسَادِهِ فِي نَفْسِهِ يَكُرُّ عَلَى جَوَابِهِ بِالْإِبْطَالِ لِأَنَّ فِيهِ اعْتِرَافًا بِكَوْنِ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ خَاصَّةً وَحِينَئِذٍ تَكُونُ حَقِيقَةُ الْوُجُوبِ لُغَةً الطَّلَبَ الْجَازِمَ فَقَطْ لِأَنَّ خَاصَّةَ الشَّيْءِ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ مَعَ لُزُومِ التَّنَاقُضِ لِأَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْجَوَابِ تَرَتُّبُ الْعِقَابِ لَيْسَ خَاصَّةً وَبِمُقْتَضَى هَذَا الْإِشْكَالِ هُوَ خَاصَّةٌ. وَأَمَّا بَيَانُ الْفَسَادِ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لِاسْتِلْزَامِهِ إلَخْ يَقْضِي بِأَنَّ تَحَقُّقَ الشَّيْءِ بِدُونِ خَاصَّتِهِ بَاطِلٌ وَهُوَ إنْ تَمَّ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ كَمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ دُونَ الِاعْتِبَارِيَّةِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الثَّانِي فَالتَّحَقُّقُ الْخَارِجِيُّ مُنْتَفٍ وَالذِّهْنِيُّ لَا خَاصَّةَ فِيهِ إذْ اللُّغَةُ اعْتَبَرَتْ الطَّلَبَ الْجَازِمَ وَحْدَهُ وَالشَّرْعُ اعْتَبَرَ انْضِمَامَ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ جَزَاءً وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ انْعَدَمَتْ الْخَاصَّةُ تَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: فِيهَا) أَيْ فِي صِيغَةِ افْعَلْ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَدْرُوا) أَيْ فَلَا يَحْكُمُونَ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَأَمَّا بِدُونِهَا فَالصِّيغَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُجْمَلِ وَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ. (قَوْلُهُ: فِيهِمَا) أَيْ فِي

стр. 474

وَالتَّهْدِيدِ) وَفِي الْمُخْتَصَرِ قَوْلٌ أَنَّهَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَيْ الْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ لِقَوْلِهِ لَا نَعْرِفُهُ فِي غَيْرِهِ (وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ هِيَ مَوْضُوعَةٌ (لِإِرَادَةِ الِامْتِثَالِ) وَتَصْدُقُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. (وَقَالَ) أَبُو بَكْرٍ (الْأَبْهَرِيُّ) مِنْ الْمَالِكِيَّةِ (أَمْرُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْوُجُوبِ وَأَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ الْمُبْتَدَأُ) مِنْهُ (لِلنَّدَبِ) بِخِلَافِ الْمُوَافِقِ لِأَمْرِ اللَّهِ أَوْ الْمُبَيِّنِ لَهُ فَلِلْوُجُوبِ أَيْضًا (وَقِيلَ) هِيَ (مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْخَمْسَةِ الْأُوَلِ) أَيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْإِرْشَادِ (وَقِيلَ بَيْنَ الْأَحْكَامِ) الْخَمْسَةِ أَيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ. (وَالْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ) الْإسْفَرايِينِيّ (وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ) أَنَّهَا (حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ) لُغَةً فَلَا تَحْتَمِلُ تَقْيِيدَهُ بِالْمَشِيئَةِ (فَإِنْ صَدَرَ) الطَّلَبُ بِهَا (مِنْ الشَّارِعِ أَوْجَبَ) صُدُورُهُ مِنْهُ (الْفِعْلَ) بِخِلَافِ صُدُورِهِ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا مَنْ أَوْجَبَ هُوَ طَاعَتَهُ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ غَيْرَ الْقَوْلِ السَّابِقِ إنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ شَرْعًا لِأَنَّ جَزْمَ الطَّلَبِ عَلَى ذَلِكَ شَرْعِيٌّ وَعَلَى ذَا لُغَوِيٌّ وَاسْتِفَادَةُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِالتَّرْكِيبِ مِنْ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّهُ هُوَ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي أَنَّ خَاصَّةَ الْوُجُوبِ مِنْ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الشَّرْعِ وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ هِيَ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مَجَازٌ. (وَفِي وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ) فِي الْمَطْلُوبِ بِهَا (قَبْلَ الْبَحْثِ) عَمَّا يَصْرِفُهَا عَنْهُ ــ [حاشية العطار] الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَدَلَالَتِهَا عَلَيْهِمَا. (قَوْلُهُ: أَنَّهَا لِلْقَدْرِ) أَيْ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِأَمْرٍ كُلِّيٍّ فَقَوْلُهُ أَيْ الْإِذْنُ بَيَانٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ. (قَوْلُهُ: الْمُبْتَدَأُ مِنْهُ) بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّهُ ﵊ مُجْتَهِدٌ. (قَوْلُهُ: وَالتَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا التَّهْدِيدُ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي الضِّدِّ وَإِلَّا فَهُمَا لَا طَلَبَ فِيهِمَا وَلَمْ تَرِدْ بِهِمَا الصِّيغَةُ. (قَوْلُهُ: فَلَا تَحْتَمِلُ تَقْيِيدَهُ بِالْمَشِيئَةِ) أَيْ كَمَا فِي النَّدْبِ. (قَوْلُهُ: أَوْجَبَ) لِأَنَّ جَزْمَ الشَّارِعِ هُوَ الْإِيجَابُ أَيْ أَثْبَتَ خَاصَّةَ الْوُجُوبِ وَهِيَ تَرَتُّبُ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ. (قَوْلُهُ: غَيْرَ الْقَوْلِ السَّابِقِ) فَهُوَ غَيْرُ الْأَوَّلِ أَيْضًا لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُسْتَفَادٌ عَلَيْهِ مِنْ اللُّغَةِ وَعَلَى الْمُخْتَارِ مِنْهَا وَمِنْ الشَّرْعِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ جَزْمَ الطَّلَبِ مِنْ اللُّغَةِ وَالْوُجُوبُ بِأَنْ يَتَرَتَّبَ الْعِقَابُ عَلَى التَّرْكِ مِنْ الشَّرْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَزْمِ الطَّلَبِ الْوُجُوبُ قَالَ سم لَنَا إشْكَالٌ فِي مُخْتَارِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالتَّرْكِيبِ الَّذِي ادَّعَاهُ أَنَّ الطَّلَبَ الْجَازِمَ الَّذِي هُوَ جُزْءُ الْوُجُوبِ الْمُرَكَّبِ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا أَسْتُفِيدَ مِنْ اللُّغَةِ فَهُوَ مُشْكِلٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بَلْ كَمَا اُسْتُفِيدَ التَّوَعُّدُ مِنْ الشَّرْعِ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ أَيْضًا الطَّلَبُ وَجَزْمُهُ بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ إفَادَتُهُ التَّوَعُّدَ بِدُونِ إفَادَتِهِ الطَّلَبَ الْجَازِمَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ التَّوَعُّدِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَيْضًا مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّرْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى التَّرْكِيبِ بَلْ لَا وَجْهَ لَهَا بَلْ الْوُجُوبُ بِقَلْبِهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّرْعِ وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ جَزْمَهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللُّغَةِ أَيْضًا لَكِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ تَرْكِيبَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّلَبِ الْجَازِمِ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَهَا فِيهِ عَلَى قَانُونِ اللُّغَةِ فَإِفَادَتُهَا الطَّلَبَ الْجَازِمَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ وَلَا يَخْفَى إشْكَالُهُ أَيْضًا إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظٍ فِي مَعْنًى مُرَكَّبٍ مُسْتَنِدًا فِي اسْتِعْمَالِهِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضٍ مِنْهُ إلَى اللُّغَةِ وَالنِّسْبَةِ لِبَعْضِهِ الْآخَرِ إلَى الشَّرْعِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ وَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الصِّيغَةُ حَقِيقَةً فِي مَعْنَى الْوُجُوبِ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا أَوْ مَعْنَاهَا بِتَمَامِهِ لَيْسَ لُغَوِيًّا وَلَا شَرْعِيًّا تَأَمَّلْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ غَيْرُهُ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَوْجَهُ قَوْلُهُ لَا قَوْلُ غَيْرِهِ فَحَصَلَ بِمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ فِي صِيغَةِ افْعَلْ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَلَا يَخْفَى مَا فِي مَا اخْتَارَهُ مِنْ التَّكَلُّفِ وَالْمُخْتَارُ أَوَّلُهَا وَهُوَ مَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُ اهـ. (قَوْلُهُ: إنَّهُ هُوَ) بِنَاءً عَلَى اتِّحَادِ الْجَزْمِ وَالْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ مَجَازٌ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَعْنًى ذُكِرَ فِي قَوْلِ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيهِ تَكُونُ مَجَازًا فِي غَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ وَإِنْ

стр. 475

إنْ كَانَ (خِلَافَ الْعَامِّ) هَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ حَتَّى يُتَمَسَّكَ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ الْأَصَحُّ نَعَمْ كَمَا سَيَأْتِي. (فَإِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ) أَيْ افْعَلْ (بَعْدَ حَظْرٍ) ــ [حاشية العطار] كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ يَكُونُ حَقِيقِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِ آخَرَ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ) هِيَ تَامَّةٌ وَفَاعِلُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الصَّارِفِ الْمَأْخُوذِ مِنْ يَصْرِفُ وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً وَالتَّقْدِيرُ إنْ كَانَ أَيْ الصَّرْفُ مَوْجُودًا. (قَوْلُهُ: خِلَافُ الْعَامِّ) أَيْ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْعَامِّ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ فِي وُجُوبِ اعْتِقَادِ إلَخْ وَقَوْلُهُ قَبْلَ الْبَحْثِ أَيْ بَحْثِ الْمُجْتَهِدِ وَقِيلَ ظَرْفُ الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: هَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ) أَخَذَ ذَلِكَ الشَّارِحُ مِنْ جَعْلِ الْعَامِّ مُنَاظِرًا لِمَا هُنَا فَاقْتَضَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَا فَسَّرَهُ بِهِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا قِيلَ إنَّ الْخِلَافَ فِي الْعَامِّ إنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إنْ تَنَاوَلَهُ حِينَئِذٍ ظَنِّيٌّ فَكَيْفَ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ وَكَذَلِكَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الصَّارِفِ عَنْهُ كَمَا هُوَ مِثَالُ الْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ ظَاهِرًا يُفِيدُ الظَّنَّ لَا الِاعْتِقَادَ وَإِنَّمَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ لَا يُقَالُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبُرْهَانِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ حَيْثُ قَالَ إذَا وَرَدَتْ الصِّيغَةُ الظَّاهِرَةُ فِي اقْتِضَاءِ الْعُمُومِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهَا فَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ يَجِبُ عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِيهَا عَلَى جَزْمٍ ثُمَّ إنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ فَذَاكَ وَإِنْ تَبَيَّنَ الْخُصُوصُ تَغَيَّرَ الْعَقْدُ لِأَنَّا نَقُولُ. وَقَدْ زَيَّفَ مَقَالَتَهُ صَاحِبُ الْبُرْهَانِ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ إنَّهُ قَوْلٌ صَدَرَ عَنْ غَبَاوَةٍ وَاسْتِمْرَارٍ فِي عِنَادٍ إلَخْ وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يُتَّبَعَ فَالْحَقُّ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ قَوِيٌّ وَإِنَّ مَا أَطَالَ بِهِ سم هُنَا لَا يُلَاقِيهِ وَإِنْ اشْتَمَلَ فِي نَفْسِهِ عَلَى فَوَائِدَ شَرِيفَةٍ نَقَلَهَا عَنْ الْقَوْمِ وَقَالَ الْكَمَالُ إنَّ تَرْجِيحَ وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي وَيَتَمَسَّكُ بِالْعَامِّ إلَخْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِبَارَةِ الْمَتْنِ هُنَاكَ تَصْرِيحٌ بِوُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ فَرْعُ وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ وَسَتَعْرِفُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي مَبَاحِثِ الْعَامِّ مَا فِي مَسْأَلَةِ التَّمَسُّكِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ مِنْ قُوَّةِ الْخِلَافِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ آتٍ هُنَا اهـ. مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْعَامِّ فَرْعُ وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ وَهُوَ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ قَالَ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ حُكْمُ الْعَامِّ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَشَاعِرَةِ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ وَعِنْدَ الْبَلْخِيّ وَالْجُبَّائِيِّ الْجَزْمُ بِالْخُصُوصِ كَالْوَاحِدِ فِي الْجِنْسِ وَالثَّلَاثَةِ فِي الْجَمْعِ، وَالتَّوَقُّفُ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ الْأَفْرَادِ قَطْعًا وَتَعْيِينًا عِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَظَنًّا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ حَتَّى يُفِيدَ وُجُوبَ الْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ اهـ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَتَمَسَّكَ بِهِ) حَتَّى تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ لِلتَّمَسُّكِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْعَامِّ فَرْعُ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ وَفِيهِ مَا قَدْ سَمِعْت (قَوْلُهُ: الْأَصَحُّ نَعَمْ) أَيْ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فَكَذَا هُنَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَرَدَ إلَخْ) مُقَابِلُ الْمَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ هَذَا أَيْ مَحِلُّ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ إذَا لَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ أَوْ الِاسْتِئْذَانِ فَإِنْ وَرَدَ إلَخْ فَهَذَا تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ أَيْ مَحَلُّ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ وَارِدًا بَعْدَمَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَفِيهِ خِلَافٌ آخَرُ عَلَى أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ الْإِبَاحَةِ وَالْوُجُوبِ وَالْوَقْفِ وَحُكِيَ فِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ وَهُوَ النَّدْبُ «كَقَوْلِهِ ﵊ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَقَدْ خَطَبَ امْرَأَةً اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» أَيْ يُجْعَلَ بَيْنَكُمَا الْمَوَدَّةُ فَإِنَّهُ وَارِدٌ بَعْدَ الْحَظْرِ وَهُوَ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَقَوْلٌ خَامِسٌ وَهُوَ إسْقَاطُ الْحَظْرِ وَرُجُوعُ الْأَمْرِ إلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ افْعَلْ) يَعْنِي مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرِينَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى الطَّلَبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ اللَّفْظِيُّ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْوُرُودِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْوُجُوبِ لِأَنَّ النَّفْسِيَّ الَّذِي هُوَ الِاقْتِضَاءُ لَا يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ إذْ لَا اقْتِضَاءَ فِيهَا وَلَا لِلْوُجُوبِ لِاقْتِضَاءِ ذَلِكَ الْمُغَايِرَةَ بَلْ هُوَ نَفْسُ الْوُجُوبِ إذْ الِاقْتِضَاءُ

стр. 476

لِمُتَعَلِّقِهِ (قَالَ الْإِمَامُ) الرَّازِيّ (أَوْ الِاسْتِئْذَانُ) فِيهِ (فَلِلْإِبَاحَةِ) حَقِيقَةً لِتَبَادُرِهَا إلَى الذِّهْنِ فِي ذَلِكَ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا حِينَئِذٍ وَالتَّبَادُرُ عَلَامَةٌ لِلْحَقِيقَةِ (وَقَالَ) الْقَاضِي (أَبُو الطَّيِّبِ) وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ (الشِّيرَازِيُّ وَ) أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ (لِلْوُجُوبِ) حَقِيقَةً كَمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَغَلَبَةُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْإِبَاحَةِ ــ [حاشية العطار] الْوَارِدُ بَعْدَ الْحَظْرِ هُوَ نَفْسُ الْوُجُوبِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ الْكَمَالُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ إذَا حَلَلْتُمْ فَأَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِالِاصْطِيَادِ فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ إنَّهَا تَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَلَا تَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ. (قَوْلُهُ: لِمُتَعَلِّقِهِ) الْمُرَادُ بِهِ الْمَطْلُوبُ كَالِانْتِشَارِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] . (قَوْلُهُ: أَوْ اسْتِئْذَانٍ) لَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْإِمَامِ الْآتِي بِالْوُجُوبِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا أَنَّ الْإِمَامَ جَعَلَ مَا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ مَحَلَّ الْخِلَافِ فَمَقُولُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَوْ اسْتِئْذَانٍ لَا لِلْإِبَاحَةِ. (قَوْلُهُ: فَلِلْإِبَاحَةِ حَقِيقَةً) أَيْ شَرْعًا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ إلَخْ فَإِنَّ هَذِهِ الْغَلَبَةَ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ قَالُوا غُلِّبَ فِي الْإِبَاحَةِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ بَعْدَ الْحَظْرِ نَحْوُ فَاصْطَادُوا فَانْتَشِرُوا إلَخْ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْوُجُوبِ الَّذِي عَلَيْهِ اللُّغَةُ وَهَذَا قَوْلُ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵁ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ فُصُولِ الْبَدَائِعِ قَالَ وَلَا نُسَلِّمُ الْغَلَبَةَ لِوُرُودِهَا لِلْوُجُوبِ أَيْضًا كَمَا فِي ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا﴾ [التوبة: ٥] وَكَالْأَمْرِ بِالصَّوْمِ بَعْدَ زَوَالِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَبِالْقَتْلِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِقَطْعٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ حَرْبٍ وَبِالْحُدُودِ لِلْجِنَايَاتِ، وَفَهْمُ الْإِبَاحَةِ مِمَّا ذَكَرُوا بِالنُّصُوصِ الْمُبِيحَةِ أَوْ بِالْقَرَائِنِ اهـ. وَقَالَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ إنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ مُعَارِضَةٌ لِأَدِلَّةِ الْإِبَاحَةِ وَهُنَاكَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ سَالِمٌ عَنْ الْمُعَارَضَةِ وَهُوَ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ السَّابِقَةِ إفَادَةُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَوُرُودُهُ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا يَدْفَعُهُ لِأَنَّهُ رَفَعَ الْحُرْمَةَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُجُوبِ وَالْعَامُّ لَا يُدَافِعُ الْخَاصَّ فَثَبَتَ أَنَّ الْوُجُوبَ لِوُجُوبِ الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ الدَّافِعِ فَهَذَا مِمَّا يُرَجِّحُ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ اهـ. وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ يُشْكِلُ كَمَا قَالَ سم لِقَاعِدَةِ مَا كَانَ مُمْتَنِعًا إذَا جَازَ وَجَبَ لِشُمُولِ الْجِوَارِ بَعْدَ الْمَنْعِ لِلْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مَحِلُّهُ إذَا وَرَدَتْ صِيغَةُ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ وَتِلْكَ الْقَاعِدَةُ إذَا وَرَدَ جَوَازُ شَيْءٍ هُوَ مَحْظُورٌ إذْ هَذَا لَا يَقْتَضِي مَعْنًى فَارِقًا بَيْنَهُمَا بَلْ قَدْ يُقَالُ وُرُودُ صِيغَةِ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ وُرُودِ الْجَوَازِ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ إذَا اقْتَضَى وُرُودُ الْجَوَازِ بَعْدَ الْحَظْرِ الْوُجُوبَ فَاقْتِضَاءُ الصِّيغَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْوُجُوبِ أَوْلَى وَلِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مَحِلُّهُ إذَا كَانَ الْحَظْرُ السَّابِقُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَتِلْكَ الْقَاعِدَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ كَالْخِتَانِ فَإِنَّ قَطْعَ الْقُلْفَةِ لَمْ يَقَعْ نَصٌّ عَلَى تَحْرِيمِهِ بِعَيْنِهِ بَلْ دَخَلَ تَحْرِيمُهُ تَحْتَ تَحْرِيمِ قَطْعِ عُضْوِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ صَرَّحَ بِأَنَّ أَفْرَادَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ أَكْلُ الْمَيِّتَةِ مَعَ أَنَّ حُرْمَتَهَا مَنْصُوصَةٌ بِعَيْنِهَا فَالْمُوَافِقُ لِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ تَرْجِيحُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْجُمْهُورِ هَذَا. وَقَدْ نَقَضَ الْمُصَنِّفُ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ عِنْدَنَا وَسُجُودِ السَّهْوِ وَزِيَادَةِ رُكُوعٍ فِي الْخُسُوفَيْنِ وَالنَّظَرِ إلَى الْمَخْطُوبَةِ وَالْكِتَابَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ وَإِنْ طَلَبَهَا الْعَبْدُ الْكَسُوبُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ قَبْلَهَا مَمْنُوعَةً لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُعَامِلُ عَبْدَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ اهـ. ثُمَّ يَرِدُ إشْكَالٌ آخَرُ عَلَى جَعْلِهَا حَقِيقَةً فِي الْإِبَاحَةِ وَكَذَا فِي النَّدْبِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ بِأَنَّ جَوَازَ التَّرْكِ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِهِمَا فَيُبَايِنَانِ الطَّلَبَ الْجَازِمَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى افْعَلْ وَأَيْضًا لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِيهِمَا لَكَانَ الْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ مَأْمُورًا بِهِمَا حَقِيقَةً فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُمَا. وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ «إنِّي غَيْرُ مَأْمُورٍ بِصَلَاةِ الضُّحَى وَصَوْمِ أَيَّامِ الْبِيضِ» بِخِلَافِهِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ إنَّهُ فِيهِمَا مَجَازٌ وَلَكِنْ نَقَلَ فِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ عَنْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ لِأَنَّ مَعْنَاهَا بَعْضُ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَالشَّيْءُ فِي بَعْضِهِ حَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ كَالْإِنْسَانِ فِي الْأَعْمَى وَالْأَشَلِّ اهـ. (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي وُرُودِهِ بَعْدَ الْحَظْرِ أَوْ الِاسْتِئْذَانِ (قَوْلُهُ: السَّمْعَانِيُّ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا. (قَوْلُهُ: لِلْوُجُوبِ) وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْجُمْهُورِ وَالْمُوَافِقُ لِقَاعِدَةِ مَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ إذَا جَازَ وَجَبَ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ الْأَمْرِ الْوَارِدِ بَعْدَ الْحَظْرِ وَالِاسْتِئْذَانِ. (قَوْلُهُ: وَغَلَبَةُ الِاسْتِعْمَالِ إلَخْ) أَيْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا مَشْهُورًا فَلَا يُعَارِضُ الْوُجُوبَ الَّذِي هُوَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ

стр. 477

لَا تَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِيهَا (وَتَوَقَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) فَلَمْ يَحْكُمْ بِإِبَاحَةٍ وَلَا وُجُوبٍ وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ بَعْدَ الْحَظْرِ فِي الْإِبَاحَةِ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَفِي الْوُجُوبِ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] إذْ قِتَالُهُمْ الْمُؤَدِّي إلَى قَتْلِهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَأَمَّا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ فَكَأَنْ يُقَالَ لِمَنْ قَالَ أَأَفْعَلُ كَذَا افْعَلْهُ. (أَمَّا النَّهْيُ) أَيْ لَا تَفْعَلْ (بَعْدَ الْوُجُوبِ فَالْجُمْهُورُ) قَالُوا هُوَ (لِلتَّحْرِيمِ) كَمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ وَفَرَّقُوا بِأَنَّ النَّهْيَ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ وَالْأَمْرَ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ ــ [حاشية العطار] فَلِلَّفْظِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ وَهُوَ الْوُجُوبُ وَمَعْنًى مَجَازِيٌّ غَالِبٌ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ هُنَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفِي تَعَارُضِ الْمَجَازِ الرَّاجِحِ وَالْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ مُجْمَلٌ إلَخْ وَيُجَابُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ مَا سَبَقَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَعْنَى وَكَانَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ حَقِيقِيًّا وَفِي الْآخَرِ مَجَازِيًّا وَمَا هُنَا مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمَعْنَى وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي إيجَابِهِ حَقِيقِيًّا وَفِي إبَاحَتِهِ مَجَازِيًّا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَسْلِيمَ الْغَلَبَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ وَإِلَّا فَقَدْ مَنَعَ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ تَبَادُرَ الْإِحَالَةِ مِنْ الصِّيغَةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ إذْ هُنَا الْمُتَبَادِرُ بِقَرِينَةٍ وَمِنْ شَأْنِ الْحَقِيقَةِ عَدَمُ الِافْتِقَارِ إلَى الْقَرَائِنِ. (قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ الرَّأْيُ الْحَقُّ عِنْدِيّ الْوَقْفُ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى مُطْلَقِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَظْرُ لَا بِالْإِيجَابِ وَلَا بِالْإِبَاحَةِ فَإِنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ فِي الْإِطْلَاقِ مَوْضُوعَةً لِلِاقْتِضَاءِ فَهِيَ مَعَ الْحَظْرِ الْمُتَقَدِّمِ مُشْكِلَةٌ فَيَتَعَيَّنُ الْوُقُوفُ إلَى الْبَيَانِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ بَعْدَ الْحَظْرِ إلَخْ) وَالْقَائِلُ بِأَنَّهَا لِلْوُجُوبِ يَقُولُ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي الْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَجَازٌ وَكَرَّرَ الْأَمْثِلَةَ إشَارَةً إلَى كَثْرَتِهَا كَمَا قَالَ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ الْغَلَبَةَ مَمْنُوعَةٌ. قَوْلُهُ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] وَحَمَلَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدَبِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إذَا انْصَرَفْت عَنْ الْجُمُعَةِ فَسَاوِمْ بِشَيْءٍ وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِهِ وَذَهَبَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ إلَى أَنَّ ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] لِلْإِيجَابِ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «طَلَبُ الْكَسْبِ بَعْدَ الصَّلَاةِ هُوَ الْفَرِيضَةُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] » الْآيَةَ قَالَهُ فِي التَّلْوِيحِ. (قَوْلُهُ: إذْ قِتَالُهُمْ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ قَتْلَهُمْ وَهُوَ إزْهَاقُ الرُّوحِ لَيْسَ فِي وُسْعِنَا حَتَّى نُكَلَّفَ بِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْقِتَالُ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْقَتْلِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدَ الْحَظْرِ. (قَوْلُهُ: فَكَانَ يُقَالُ إلَخْ) قَالَهُ الْكَمَالُ يُمْكِنُ التَّمْثِيلُ لَهُ بِمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَأُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَالَ نَعَمْ» فَإِنَّهُ بِمَعْنَى صَلِّ فِيهَا وَسَكَتَ عَنْ النَّهْيِ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ وَحُكْمُهُ التَّحْرِيمُ عَلَى قِيَاسِ وُقُوعِهِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَمِمَّا وَرَدَ مِنْهُ لِلتَّحْرِيمِ خَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ الْمِقْدَادِ قَالَ «أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ أَسْلَمْت لِلَّهِ أَفَأُقَاتِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا قَالَ لَا» وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ الْكَرَاهَةِ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَيْضًا «أَأُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ قَالَ لَا» . [مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ] (قَوْلُهُ: أَيْ لَا تَفْعَلْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ اللَّفْظِيُّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِلتَّحْرِيمِ وَقَوْلِهِ لِلْكَرَاهَةِ وَإِلَّا لَقَالَ إنَّهُ التَّحْرِيمُ أَوْ الْكَرَاهَةُ وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَقِيلَ لِلْإِبَاحَةِ فَإِنَّ النَّهْيَ النَّفْسِيَّ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْكَفِّ وَالطَّلَبُ لَا يَكُونُ إبَاحَةً (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْوُجُوبِ) قَضِيَّةُ اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ بَعْدَ النَّدْبِ لِلتَّحْرِيمِ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ اهـ. سم (قَوْلُهُ: كَمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ فِي غَيْرِ الْوَارِدِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَهُوَ النَّهْيُ الْمُبْتَدَأُ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ وُجُوبٍ. (قَوْلُهُ: وَفَرَّقُوا إلَخْ) كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مِنْ النَّهْيِ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ وَمِنْ الْأَمْرِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ وَإِلَّا فَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ مُتَضَمِّنٌ

стр. 478

وَاعْتِنَاءُ الشَّارِعِ بِالْأَوَّلِ أَشَدُّ (وَقِيلَ لِلْكَرَاهَةِ) عَلَى قِيَاسِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ (وَقِيلَ لِلْإِبَاحَةِ) نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ يَرْفَعُ طَلَبَهُ فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ فِيهِ (وَقِيلَ لِإِسْقَاطِ الْوُجُوبِ) وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ إبَاحَةٍ لِكَوْنِ الْفِعْلِ مَضَرَّةً أَوْ مَنْفَعَةً (وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى وَقْفِهِ) فِي مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ فَلَمْ يَحْكُمْ هُنَا بِشَيْءٍ كَمَا هُنَاكَ (مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ) أَيْ افْعَلْ (لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ لَا التَّكْرَارِ وَلَا مَرَّةَ وَالْمَرَّةُ ضَرُورِيَّةٌ) إذْ لَا تُوجَدُ الْمَاهِيَّةُ بِأَقَلَّ مِنْهَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا. (وَقِيلَ) الْمَرَّةُ (مَدْلُولَةٌ) ــ [حاشية العطار] لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ وَبِالْعَكْسِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: وَاعْتِنَاءُ الشَّارِعِ إلَخْ) وَمِنْ هُنَا كَانَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِلْكَرَاهَةِ عَلَى قِيَاسِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ) أَيْ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ حَقِيقَتَيْ افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِهِمَا إذْ الْكَرَاهَةُ أَدْنَى مَرْتَبَتَيْ صِيغَةِ لَا تَفْعَلْ كَمَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ أَدْنَى مَرَاتِبِ افْعَلْ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَفِيهِ أَنْ لَا تَفْعَلْ يَأْتِي لِلْإِبَاحَةِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فَهِيَ أَدْنَى مَرَاتِبِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ لَا تَفْعَلْ الْوَارِدَةُ ابْتِدَاءً أَيْ الَّتِي لَمْ تَرِدْ بَعْدَ وُجُوبٍ وَلَا شَكٍّ أَنَّ أَدْنَى مَرَاتِبِهَا الْكَرَاهَةُ. (قَوْلُهُ: وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَخْ) وَبِهَذَا فَارَقَ الْإِبَاحَةَ وَلَا تَتَوَهَّمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بَلْ هُوَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ السَّادِسِ وَخَصُّوا ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَقَالُوا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِيهِ دَلِيلٌ مِنْ الشَّارِعِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَضَرَّةٍ كَانَ حَرَامًا وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَنْفَعَةٍ كَانَ مُبَاحًا أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ بَعْدَ الشَّرْعِ. (قَوْلُهُ: مِنْ تَحْرِيمٍ) أَيْ أَوْ كَرَاهَةٍ أَوْ نَدْبٍ بِأَنْ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ خَفِيَّةً وَالْمَصْلَحَةُ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: أَيْ افْعَلْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ اللَّفْظِيُّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ إذْ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِطَلَبِهَا وَالْوَاضِعُ مِنْ خَاصِّيَّةِ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى الطَّلَبِ. (قَوْلُهُ: لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ) لِأَنَّ مَدْلُولَ الصِّيغَةِ طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ وَالْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ زَائِدٌ عَلَيْهَا فَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِالْحَقِيقَةِ مَعَ أَيِّهِمَا حَصَلَ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ اضْرِبْ مَثَلًا مُخْتَصَرٌ مِنْ أَطْلُبُ مِنْك ضَرْبًا أَوْ افْعَلْ ضَرْبًا وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ الْمَصْدَرُ مَعْرِفَةً بِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ فَيُفِيدُ الْعُمُومَ اهـ. وَتَقْدِيرُ الْمَصْدَرِ مَعْرِفَةً هُوَ مُتَمَسَّكُ الْقَائِلِ بِالتَّكْرَارِ بِهَذَا الدَّلِيلِ بِعَيْنِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَرَّةُ ضَرُورِيَّةٌ) أَيْ لَا يُمْكِنُ الِامْتِثَالُ بِدُونِهَا فَإِفَادَةُ الصِّيغَةِ لَهَا وَاجِبٌ فَدُخُولُهَا فِي مَدْلُولِ الصِّيغَةِ مَجْزُومٌ بِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَرَّةِ لَيْسَ لِكَوْنِهَا مَوْضُوعًا لَهَا بَلْ لِتَوَقُّفِ تَحَقُّقِ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ فَهِيَ مَدْلُولٌ الْتِزَامِيٌّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِخِلَافِ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا) أَيْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَدْلُولُ الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمَرَّةُ مَدْلُولُهُ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَدْلُولُهُ الْمَاهِيَّةُ بِقَيْدِ تَحَقُّقِهَا فِي الْمَرَّةِ فَقَطْ أَوْ أَنَّ مَدْلُولَهُ نَفْسُ الْمَرَّةِ قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ إنَّ النَّقَلَةَ لِهَذَا عَنْ أَصْحَابِنَا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ يَعْنِي الْأَوَّلَ فَلَيْسَ غَرَضُهُمْ إلَّا نَفْيَ التَّكْرَارِ وَالْخُرُوجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْمَرَّةِ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا لِذَلِكَ اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَحْتَمِلُ عَلَى التَّكْرَارِ) لَكِنْ عَلَى الثَّانِي الْحَمْلُ مَجَازِيٌّ مِنْ إطْلَاقِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مِنْ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ عَلَى أَحَدِ

стр. 479

وَيُحْمَلُ عَلَى التَّكْرَارِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِقَرِينَةٍ (وَقَالَ الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (وَ) أَبُو حَاتِمٍ (الْقَزْوِينِيُّ) فِي طَائِفَةٍ (لِلتَّكْرَارِ مُطْلَقًا) وَيُحْمَلُ عَلَى الْمَرَّةِ بِقَرِينَةٍ (وَقِيلَ) لِلتَّكْرَارِ (إنْ عَلِقَ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ) أَيْ بِحَسَبِ تَكْرَارِ الْمُعَلَّقِ بِهِ ــ [حاشية العطار] فَرْدَيْهِ. (قَوْلُهُ: فِي طَائِفَةٍ) حَالٌ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَفِي بِمَعْنَى مَعَ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ عُلِّقَ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَمْ لَا قَالَ فِي التَّلْوِيحِ وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَهِمَ التَّكْرَارَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ فَسَأَلَ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ (لَا يُقَالُ لَوْ فَهِمَ لَمَا سَأَلَ) لِأَنَّا نَقُولُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي الدَّيْنِ وَأَنَّ فِي حَمْلِ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ عَلَى مُوجِبِهِ مِنْ التَّكْرَارِ حَرَجًا عَظِيمًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ وَجَوَابُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ فَهِمَ التَّكْرَارَ بَلْ إنَّمَا سَأَلَ لِاعْتِبَارِهِ الْحَجَّ بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ حَيْثُ تَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْأَوْقَاتِ وَإِنَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ رَأَى الْحَجَّ مُتَعَلِّقًا بِالْوَقْتِ وَهُوَ مُتَكَرِّرٌ وَبِالسَّبَبِ أَعْنِي الْبَيْتَ وَلَيْسَ بِمُتَكَرِّرٍ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْبُدَخْشِيِّ عَلَى الْمِنْهَاجِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] عَلَى قِتَالِ مَانِعِيهَا بَعْدَ أَنْ أَدَّوْا مَرَّةً بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِفَهْمِهِمْ التَّكْرَارَ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَعَلَّهُ ﷺ بَيَّنَ لِلصَّحَابَةِ التَّكْرَارَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا بِأَنْ أَرْسَلَ الْعُمَّالَ كُلَّ حَوْلٍ إلَى الْمُلَّاكِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ لِذَلِكَ فَإِنْ قُلْت الْأَصْلُ عَدَمُ الْقَرِينَةِ قُلْنَا لَمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ التَّكْرَارِ صِرْنَا إلَى مَا قُلْنَاهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ اهـ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَ إثْبَاتًا وَالنَّهْيَ اقْتِضَاءً انْكِفَافًا وَهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَصْلِ الِاقْتِضَاءِ وَالْإِطْلَاقِ فَإِذَا تَضَمَّنَ أَحَدُهُمَا اسْتِيعَابَ الزَّمَانِ كَانَ الثَّانِي فِي مَعْنَاهُ وَرَدَّهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ بِأَنَّ قَضَايَا الْأَلْفَاظِ لَا تَثْبُتُ بِالْأَقْيِسَةِ. (قَوْلُهُ: عُلِّقَ بِشَرْطٍ) فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُؤَثِّرُ التَّعْلِيقُ فِي إثْبَاتِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ قُلْنَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَإِنَّ الْقَيْدَ رُبَّمَا يَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ مَدْلُولِهِ كَصِيَغِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ ضِدَّ الْإِطْلَاقِ يُوجِبُ الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ وَإِذَا عُلِّقَ بِالشَّرْطِ يَتَأَخَّرُ الْحُكْمُ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ اهـ. تَلْوِيحٌ (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ تَكْرَارِ الْمُعَلَّقِ بِهِ) أَيْ مِنْ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ لَا التَّكْرَارِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ بِخِلَافِ التَّكْرَارِ حَيْثُ قِيلَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّعْلِيقِ فَإِنَّهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ مَا عَدَا أَوْقَاتِ الضَّرُورَةِ فَالتَّكْرَارُ عِنْدَ عَدَمِ التَّعْلِيقِ أَضْيَقُ مِنْهُ عِنْدَ التَّعْلِيقِ وَمِنْ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ إجَابَةِ كُلِّ مُؤَذِّنٍ سَمِعَهُ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ وَاسْتَظْهَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ

стр. 480

نَحْوُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ، وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] تُكَرَّرُ الطَّهَارَةُ وَالْجَلْدُ بِتَكَرُّرِ الْجَنَابَةِ وَالزِّنَا وَيُحْمَلُ الْمُعَلَّقُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمَرَّةِ بِقَرِينَةٍ كَمَا فِي أَمْرِ الْحَجِّ الْمُعَلَّقِ بِالِاسْتِطَاعَةِ فَإِنْ لَمْ يُعَلَّقْ الْأَمْرُ فَلِلْمَرَّةِ وَيُحْمَلُ عَلَى التَّكْرَارِ بِقَرِينَةٍ (وَقِيلَ بِالْوَقْفِ) عَنْ الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَلَا نَعْرِفُهُ قَوْلَانِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِقَرِينَةٍ. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا كَأَمْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَمْرِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ فَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَلَا نَعْرِفُهُ أَوْ هُوَ لِلتَّكْرَارِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ أَوْ الْمَرَّةُ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنُ أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَهُوَ الْأَوَّلُ الرَّاجِحُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالتَّكْرَارِ فِي الْمُعَلَّقِ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَا ذُكِرَ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّتِهِ وَالْحُكْمُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ عِلَّتِهِ وَوَجْهُ ضَعْفِهِ ــ [حاشية العطار] تَخْرِيجَهَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِيهِ مَرَّةً قَالَ الْكَمَالُ وَلَا نَقْلَ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ قَالَ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَيْضًا مَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ فَقَالَ بِعْ هَذَا بِكَذَا فَبَاعَهُ فَرُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ قَالَ بِعْهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَفَعَلَ فَفُسِخَ بِالْخِيَارِ هَلْ لَهُ الْبَيْعُ ثَانِيًا وَفِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ حُكْمِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ وَفِي الرَّهْنِ لَكِنَّهُ جَزَمَ فِي الْوَكَالَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ ثَانِيًا اهـ. ثُمَّ إنَّ الْبَيْضَاوِيَّ فِي الْمِنْهَاجِ جَزَمَ بِمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي الْمُعَلَّقِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَيَقْتَضِيهِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْطِ أَوْ الصِّفَةِ يُقَيِّدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّرْطَ وَتِلْكَ الصِّفَةَ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَلْزَمُ تَكَرُّرُ الْحُكْمِ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ لِتَكَرُّرِ الْحُكْمِ بِتَكَرُّرِ عِلَّتِهِ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالشَّرْطِ دَالًّا عَلَى تَكْرَارِهِ بِالْقِيَاسِ لَكَانَ يَلْزَمُ تَكْرَارُ الطَّلَاقِ بِتَكَرُّرِ الْقِيَامِ فِيمَا إذَا قَالَ إنْ قُمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ الْقِيَامَ عِلَّةَ الطَّلَاقِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ تَعْلِيلُ الشَّارِعِ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَآحَادُ النَّاسِ لَا عِبْرَةَ بِتَعْلِيلِهِمْ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ مِثَالٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ وَمَا بَعْدَهُ لِلتَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ. (قَوْلُهُ: بِقَرِينَةِ كَمَا فِي أَمْرِ الْحَجِّ) أَيْ الْأَمْرِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] إذْ التَّقْدِيرُ مِنْ اسْتَطَاعَ فَلْيَحُجَّ أَوْ لِيَحُجَّ الْمُسْتَطِيعُ فَالتَّعْلِيقُ هَاهُنَا بِشَرْطٍ وَهُوَ تَكْرَارُ الِاسْتِطَاعَةِ وَقَضِيَّتُهُ التَّكْرَارُ بِتَكَرُّرِهَا لَكِنْ قَامَتْ الْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَرَّةِ وَهِيَ حَدِيثُ «أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ لَا بَلْ لِلْأَبَدِ» . (قَوْلُهُ: فَلِلْمَرَّةِ) الْأُولَى أَنْ يَقُولَ فَلِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ أَوْ فَلَيْسَ لِلتَّكْرَارِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِيمَا ذَكَرَ قَائِلٌ بِأَنَّ الْمَرَّةَ حِينَئِذٍ مَدْلُولُهُ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِجَعْلِ هَذَا مِنْ الْوَقْفِ وَكَانَ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْوَقْفُ عَنْ عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ. (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمَا قَوْلَانِ أَوَّلُهُمَا أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ ثَانِيهِمَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا وَلَا نَعْرِفُهُ. (قَوْلُهُ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ أَوَّلِ الْمَبْحَثِ إلَى هُنَا. (قَوْلُهُ: فَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلَيْ الْوَقْفِ وَقَوْلُهُ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا إلَخْ هُوَ الثَّانِي مِنْ قَوْلَيْ الْوَقْفِ. (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ لِلتَّكْرَارِ) أَيْ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ وَمَنْ مَعَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ الْمَرَّةُ) هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ الْمَرَّةُ مَدْلُولُهُ. (قَوْلُهُ: أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الْمُصَدَّرُ بِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوَّلُ الرَّاجِحُ مِنْ أَدِلَّتِهِ) وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى إبْطَالِ التَّكْرَارِ خَاصَّةً أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلتَّكْرَارِ لَعَمَّ الْأَوْقَاتِ كُلَّهَا لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَالتَّعْمِيمُ بَاطِلٌ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ الثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْسَخَهُ كُلُّ تَكْلِيفٍ يَأْتِي بَعْدَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَامِعَهُ فِي الْوُجُودِ لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ الثَّابِتَ بِالْأَوَّلِ يَزُولُ بِالِاسْتِغْرَاقِ الثَّابِتِ بِالثَّانِي كَذَلِكَ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَامِعَهُ نَحْوُ الصَّوْمِ مَعَ الصَّلَاةِ وَاعْتُرِضَ كُلٌّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْأَوْقَاتَ

стр. 481

أَنَّ التَّكْرَارَ حِينَئِذٍ إنْ سَلِمَ مُطْلَقًا أَيْ فِيمَا إذَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّةُ الْمُعَلَّقِ بِهِ مِنْ خَارِجٍ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ لَيْسَ مِنْ الْأَمْرِ. ثُمَّ التَّكْرَارُ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ وَمُوَافِقِيهِ حَيْثُ لَا بَيَانَ لِأَمَدِهِ يَسْتَوْعِبُ مَا يُمْكِنُ مِنْ زَمَانِ الْعُمْرِ لِانْتِفَاءِ مُرَجِّحِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّكْرَارِ فِي الْمُعَلِّقِ بِتَكْرَارِ الْمُعَلَّقِ بِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَبِالتَّكْرَارِ فِيهِ إنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ الْمُعَلَّقُ بِهِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ عَلَى الْمَرَّةِ فَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مُطْلَقًا (وَلَا لِفَوْرٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ) فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الْأَمْرَ لِلْفَوْرِ ــ [حاشية العطار] الضَّرُورِيَّةَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ فِيهَا الِاشْتِغَالُ بِالْمَأْمُورِ خَارِجَةٌ عَنْ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ فَلَا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ الثَّانِي أَيْضًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُخَصَّصٍ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا وَمِثْلُ هَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرْعِ أَصْلًا وَلَوْ وَقَعَ لَالْتَزَمَ الْخَصْمُ النَّسْخَ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَمْرُ الثَّانِي مَخْصُوصًا بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَلَا يَلْزَمُ نَسْخُهُ لِلْأَوَّلِ بَلْ يَلْزَمُهُ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ عَقْلًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ أَيْضًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَفْرُوضِ لَا فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي غَيْرِهِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: أَنَّ التَّكْرَارَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ التَّعْلِيقِ وَقَوْلُهُ إنْ سَلِمَ مُطْلَقًا يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَوَّلًا أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ أَوْ الصِّفَةِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ مُطْلَقًا بَلْ إنَّمَا يُشْعِرُ بِهَا إذَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّةُ الْمُعَلَّقِ بِهِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ مِثْلِ إنْ زَنَى فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عِلِّيَّتُهُ مِثْلُ إذَا دَخَلَ الشَّهْرُ فَأَعْتِقْ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِتَكْرَارِ مَا عُلِّقَ بِهِ ثُمَّ إنْ سَلِمَ إشْعَارُ التَّعْلِيقِ بِذَلِكَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْمُعَلَّقُ بِهِ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْ الشَّرْطِ أَوْ الصِّفَةِ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى فَهْمِهَا مِنْ التَّعْلِيقِ لَيْسَ التَّكْرَارُ مُسْتَفَادًا مِنْ الْأَمْرِ بَلْ إمَّا مِنْ الْخَارِجِ أَوْ مِنْ التَّعْلِيقِ الْمُشْعِرِ بِالْعِلِّيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِوُجُودِ الْمَعْلُولِ كُلَّمَا وُجِدَتْ عِلَّتُهُ أَوْ مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ وَلِذَلِكَ يَتَكَرَّرُ الْحَجُّ وَإِنْ عُلِّقَ بِالِاسْتِطَاعَةِ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ) ظَرْفُ التَّكْرَارِ وَقَوْلُهُ لَا بَيَانَ لِأَمَدِهِ أَيْ غَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ وَقَوْلُهُ يَسْتَوْعِبُ خَبَرُ التَّكْرَارِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ مَا يُمْكِنُ عَنْ أَوْقَاتِ الضَّرُورَةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهَا وَاسْمُ هَاهُنَا كَلَامٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَطَّرَ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ تَرْدِيدَاتٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُمُورٍ فَرْضِيَّةٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْأَوَامِرِ الْوَاقِعَةِ مِنْ الشَّارِعِ بِالْفِعْلِ فَلَوْ فَتَحْنَا بَابَ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ لَطَالَ الْكَلَامُ بِلَا فَائِدَةٍ إذْ هَذِهِ أُمُورٌ مَا وَقَعَتْ وَلَمْ تَقَعْ فَمَا بَالُنَا نَفْرِضُ وُقُوعَهَا وَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: فَهُمْ يَقُولُونَ) أَيْ الْأُسْتَاذُ وَمَنْ مَعَهُ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الِاسْتِيعَابِ (قَوْلُهُ: وَبِالتَّكْرَارِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمُعَلَّقِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَتَصَدَّقْ فَيَجِبُ عَلَى هَذَا تَكْرَارُ التَّصَدُّقِ بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ الدُّخُولُ الَّذِي هُوَ الْمُعَلَّقُ بِهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا قَالَ سم لَوْ كَانَ الْمُعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ وَلَمْ تَتَكَرَّرْ بَلْ عَجَزَ مُطْلَقًا فَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّكْرَارِ حِينَئِذٍ وَاسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ فِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ. (قَوْلُهُ: وَلَا لِفَوْرٍ) أَيْ وَلَا لِتَرَاخٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا لِتَكْرَارٍ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ إذَا قُيِّدَتْ بِوَقْتٍ مُضَيَّقٍ أَوْ مُوَسَّعٍ كَانَتْ بِحَسَبِ مَا قُيِّدَتْ بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قُيِّدَتْ بِفَوْرٍ أَوْ تَرَاخٍ وَإِنْ لَمْ تُقَيَّدْ بِفَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ وَهُوَ مَوْضِعُ الْكَلَامِ هُنَا فَهَلْ يَقْتَضِي الْفَوْرَ أَوْ لَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ الصِّيغَةُ الْمُطْلَقَةُ إنْ قِيلَ إنَّهَا تَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الْأَوْقَاتِ بِالِامْتِثَالِ فَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ الْفَوْرُ وَالْبِدَارُ وَاسْتِعْقَابُ الصِّيغَةِ فِي مَوْرِدِهَا اقْتِضَاءُ مُبَادَرَةِ الِامْتِثَالِ وَإِذَا جَرَى التَّفْرِيعُ عَلَى أَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الزَّمَانِ فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الصِّيغَةِ تَقْتَضِي الْفَوْرَ وَالْبِدَارَ إلَى الِامْتِثَالِ وَهَذَا مَعْزِيٌّ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَمُتَّبِعِيهِ وَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إلَى أَنَّ الصِّيغَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهَا الِامْتِثَالُ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا وَهَذَا يُنْسَبُ إلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ اللَّائِقُ بِتَفْرِيعَاتِهِ فِي الْفِقْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي مَجْمُوعَاتِهِ فِي الْأُصُولِ. وَأَمَّا الْوَاقِفِيَّةُ فَقَدْ تَحَزَّبُوا حِزْبَيْنِ فَذَهَبَ غُلَاتُهُمْ فِي الْمَصِيرِ إلَى الْوَقْفِ إلَى أَنَّ الْفَوْرَ وَالتَّأْخِيرَ إذَا لَمْ

стр. 482

أَيْ الْمُبَادَرَةِ عَقِبَ وُرُودِهِ بِالْفِعْلِ وَمِنْهُمْ الْقَائِلُونَ لِلتَّكْرَارِ (وَقِيلَ لِلْفَوْرِ أَوْ الْعَزْمِ) فِي الْحَالِ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدُ (وَقِيلَ) هُوَ (مُشْتَرَكٌ) بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي أَيْ التَّأْخِيرِ (وَالْمُبَادِرُ) بِالْفِعْلِ (مُمْتَثِلٌ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ) امْتِثَالَهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ الْأَمْرُ لِلتَّرَاخِي (وَمَنْ وَقَفَ) عَنْ الِامْتِثَالِ وَعَدَمِهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ لَا نَعْلَمُ أَوُضِعَ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ أَمْ لِلتَّرَاخِي وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا كَأَمْرِ الْإِيمَانِ وَأَمْرِ الْحَجِّ ــ [حاشية العطار] يَتَبَيَّنْ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِقَرِينَةٍ فَلَوْ أَوْقَعَ الْمُخَاطَبُ مَا خُوطِبَ بِهِ عَقِبَ فَهْمِ الصِّيغَةِ لَمْ يُقْطَعْ بِكَوْنِهِ مُمْتَثِلًا وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ غَرَضُ الْآمِرِ فِيهِ أَنْ يُؤَخِّرَ وَهَذَا سَرَفٌ عَظِيمٌ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ وَذَهَبَ الْمُقْتَصِدُونَ مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ إلَى أَنَّ مَنْ بَادَرَ أَوَّلَ الْوَقْتِ كَانَ مُمْتَثِلًا قَطْعًا فَإِنْ أَخَّرَ وَأَوْقَعَ الْفِعْلَ الْمُقْتَضَى فِي آخَرِ الْوَقْتِ فَلَا يُقْطَعُ بِخُرُوجِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ﵀ إلَى مَا شُهِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ مِنْ حَمْلِ الصِّيغَةِ عَلَى إيقَاعِ الِامْتِثَالِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى وَقْتٍ مُقَدَّمٍ أَوْ مُؤَخَّرٍ وَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ قِيَاسِ مَذْهَبِهِ مَعَ اسْتِمْسَاكِهِ بِالْوَقْفِ وَتَجْهِيلِهِ مَنْ لَا يَرَاهُ وَمِمَّا يَتَعَيَّنُ التَّنْبِيهُ لَهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِتَهْذِيبِ الْعِبَارَةِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُتَرْجَمَةٌ بِأَنَّ الصِّيغَةَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي فَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ فَهَذَا اللَّفْظُ لَا بَأْسَ بِهِ وَمَنْ قَالَ إنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي فَلَفْظُهُ مَدْخُولٌ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الصِّيغَةَ الْمُطْلَقَةَ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ حَتَّى لَوْ فُرِضَ الِامْتِثَالُ عَلَى الْبِدَارِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلَيْسَ هَذَا مُعْتَقَدَ أَحَدٍ فَالْوَجْهُ أَنْ نُعَبِّرَ عَنْ الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ الْمَعْزِيِّ إلَى الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِأَنْ يُقَالَ الصِّيغَةُ تَقْتَضِي الِامْتِثَالَ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَهَا وَقْتٌ اهـ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُبَادَرَةُ إلَخْ) قَالُوا إذَا اقْتَضَتْ الصِّيغَةُ إيجَابًا فَالْوَاجِبُ مَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إذْ لَوْ جَازَ تَرْكُهُ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ مِنْ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ لَمَا كَانَ مُتَّصِفًا بِالْوُجُوبِ فِيهِ وَفِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْفَوْرِيَّةِ يُنْسَبُ إلَى بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَخَّرَ عَصَى اهـ. (قَوْلُهُ: بِالْفِعْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُبَادَرَةِ وَأَخَّرَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْفِعْلِ لَوْ قَدَّمَهُ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لِلتَّكْرَارِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَسْتَلْزِمُ الْفَوْرِيَّةَ لِأَنَّهُ الْإِيقَاعُ فِي جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنْ أَزْمِنَةِ الْعُمُرِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الزَّمَانُ الْأَوَّلُ. (قَوْلُهُ: بَعْدَ ظَرْفٍ) لِلْفِعْلِ أَيْ يَعْزِمُ فِي الْحَالِ عَلَى أَنْ يُوقِعَ الْفِعْلَ بَعْدُ قَالَ سم وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَنَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْفِعْلِ أَوْ الْعَزْمُ عَلَيْهِ بَعْدُ فِي الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: أَيْ التَّأْخِيرُ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنْ يُرَادَ بِالتَّرَاخِي مَدُّ الْفِعْلِ وَالِاسْتِمْرَارُ فِيهِ مَعَ الْمُبَادَرَةِ إلَى التَّلَبُّسِ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْمُبَادِرُ بِالْفِعْلِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يُقَيِّدْ بِوَقْتٍ وَلَا بِفَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ وَإِلَّا فَهُوَ بِحَسَبِ مَا قُيِّدَ بِهِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَمَنْ وَقَفَ إلَخْ) أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيَّنَهُمَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِنَاءً فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُمَا الْقَوْلُ بِاقْتِضَائِهَا التَّرَاخِيَ وَالْقَوْلُ بِالْوَقْفِ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ. وَقَدْ عَلِمْت مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْبُرْهَانِ سَابِقًا أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ فِرْقَتَانِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا إحْدَاهُمَا ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّرَاخِي يُوجِبُهُ حَتَّى تَكُونَ الْمُبَادَرَةُ مَمْنُوعَةً وَأَنَّ الِامْتِثَالَ عَلَى الْبِدَارِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وَهُوَ قَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ لِامْتِنَاعِ التَّقْدِيمِ. وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَقَالُوا إنَّهُ لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ إلَى ذَلِكَ وَمَعْنَى كَوْنِهِ عَلَى التَّرَاخِي أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لَا أَنَّهُ يَجِبُ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ فَإِنَّ الْبَعْضَ مِنْهُمْ مُتَوَقِّفٌ عَنْ الْقَطْعِ بِكَوْنِ الْمُبَادِرِ مُمْتَثِلًا خَارِجًا عَنْ الْعُهْدَةِ لِجَوَازِ إرَادَةِ التَّرَاخِي قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ وَقَائِلُ هَذَا لَا يُجَوَّزُ فِعْلَهُ عَلَى الْفَوْرِ لَكِنَّهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى أَمَّا الْمُبَادِرُ فَمُمْتَثِلٌ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فَقَالَ وَيَتَوَقَّفُ فِي الْمُبَادِرِ اهـ. قَالَ الْكَمَالُ وَكَانَ مُعْتَمَدُ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَمَنْ وَقَفَ هُوَ هَذَانِ النَّقْلَانِ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّ مَنْعَ الْمُبَادَرَةِ بِالْفِعْلِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ عَنْ الْقَطْعِ بِكَوْنِ الْمُبَادِرِ مُمْتَثِلًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ لَا مُقَابِلَ لَهُ كَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَاللَّائِقُ أَنْ يُقَالَ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ الْمُبَادَرَةَ هُنَا عَلَى الْوَقْفِ أَيْ عَنْ الْقَطْعِ بِكَوْنِ الْمُبَادِرِ مُمْتَثِلًا اهـ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ لَك اتِّجَاهُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْكُورَانِيُّ قَائِلًا الْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ لَا وَجْهَ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ لِلتَّرَاخِي لَمْ يَقُلْ بِهِ وُجُوبًا

стр. 483

وَإِنْ كَانَ التَّرَاخِي فِيهِ غَيْرَ وَاجِبٍ فَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَلَا نَعْرِفُهُ أَوْ هُوَ لِلْفَوْرِ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ أَوْ التَّرَاخِي لِأَنَّهُ يَسُدُّ عَنْ الْفَوْرِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِامْتِنَاعِ التَّقْدِيمِ أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَهُوَ الْأَوَّلُ الرَّاجِحُ أَيْ طَلَبُ الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَقْتٍ مِنْ فَوْرٍ أَوْ تَرَاخٍ. (مَسْأَلَةٌ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ (الرَّازِيّ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (وَ) الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ (الشِّيرَازِيُّ) مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (وَعَبْدُ الْجَبَّارِ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (الْأَمْرُ) بِشَيْءٍ ــ [حاشية العطار] بَلْ جَوَازًا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الِامْتِثَالِ يُلَائِمُ الْقَوْلَ بِالتَّوَقُّفِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ ثُمَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ وَقَفَ عَطْفًا عَلَى مَنْ مَنَعَ لَيْسَ عَلَى مَنْ يَنْبَغِي أَيْضًا إذْ الْوَاقِفِيَّةُ طَائِفَتَانِ إلَخْ مَا تَقَدَّمَ وَحَاوَلَ سم رَدَّ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْكُورَانِيُّ مُفَرِّعًا عَلَى كَلَامٍ نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِيهِ حِكَايَةُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَنَّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ وَإِنْ كَانَ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ هُوَ قَوْلٌ ثَابِتٌ وَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ خَرْقُهُ لِلْإِجْمَاعِ وَلَا ثُبُوتُ الْقَوْلِ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ الِامْتِثَالِ وَعَدَمِهِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْمُسْتَصْفَى وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فَقَالَ يُتَوَقَّفُ فِي الْمُبَادِرِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ الَّذِي صَدَّرَ كَلَامَهُ بِعِبَارَتِهِ وَإِنْ بَادَرَ بِفِعْلِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَانْقَطَعَ بِكَوْنِهِ مُمْتَثِلًا مَعَ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ حَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ غُلَاةِ الْوَاقِفِيَّةِ إنَّا لَا نَقْطَعُ بِأَمْثَالِهِ بَلْ نَتَوَقَّفُ فِيهِ إلَخْ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَتْنِ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَمَنْ وَقَفَ هَذَا زُبْدَةُ كَلَامِهِ الَّذِي أَطَالَهُ جِدًّا وَزَادَ مَا هُوَ دَيْدَنُهُ مِنْ الْحَطِيطَةِ عَلَى الْكُورَانِيِّ بِتَجْوِيزِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ آخَرَ يُوَافِقُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَتُهُ مِمَّا قَدْ فَرَغْنَا مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. ثُمَّ إنَّهُ قَدْ رَجَعَ الْأَمْرُ فِي كَلَامِهِ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى قَوْلَيْ الْوَقْفِ وَقَوْلُهُ إنَّ الْمَذْهَبَ الْخَارِقَ لِلْإِجْمَاعِ ثَابِتٌ نَحْنُ لَا نَمْنَعُ ثُبُوتَهُ وَلَا يُنْكِرُ ثُبُوتَهُ أَحَدٌ وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ التَّنْبِيهِ عَلَى خَرْقِهِ لِلْإِجْمَاعِ فَرُبَّمَا اعْتَقَدَ الْوَاقِفُ عَلَى الْكِتَابِ صِحَّتَهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ لِامْتِنَاعِ التَّقْدِيمِ. وَمِنْ هُنَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الشَّارِحِ مُؤَاخَذَةٌ فِي عَدَمِ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ أَنَّ الْعَلَّامَةَ سم اقْتَصَرَ عَلَى نَقْلِ عِبَارَةِ الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَقْنَعٌ وَغُنْيَةٌ عَنْ التَّطْوِيلِ قَالَ فِي نِهَايَتِهِ مَا نَصُّهُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ أَيْ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمُعْظَمُ أَصْحَابِهِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَعَدَدٌ جَمْعًا مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ إلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ فَعَلَى هَذَا مَهْمَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ الْمَأْمُورَ بِهِ مُبَادِرًا أَوْ مُؤَخِّرًا كَانَ مُمْتَثِلًا وَذَهَبَ الْأَقَلُّونَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرَاخِي فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْمُبَادِرُ مُمْتَثِلًا. وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَنُسِبُوا فِيهِ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْوَاقِفِيَّةُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ تَوَقُّفَ الِاشْتِرَاكِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ تَوَقُّفَ اللَّا أَدْرِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا إلَى غُلَاةٍ وَمُقْتَصِدَةٍ أَمَّا الْغُلَاةُ فَهُمْ الَّذِينَ تَوَقَّفُوا فِي الْمُبَادِرِ وَالْمُؤَخِّرِ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا وَنُسِبُوا أَيْضًا إلَى خَرْقِ إجْمَاعِ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَاطِعِينَ إلَى أَنَّ الْمُبَادِرَ مُسَارِعٌ فِي الِامْتِثَالِ وَمُبَالِغٌ فِي الطَّاعَةِ. وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُونَ فَهُمْ الَّذِينَ قَطَعُوا بِامْتِثَالِ الْمُبَادِرِ وَتَوَقَّفُوا فِي الْمُؤَخِّرِ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِتَأْثِيمِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤَثِّمْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَصْلَ الْمَطْلُوبِ اهـ. (قَوْلُهُ: حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ) أَيْ لَوْ قِيلَ بِالْوَضْعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ. (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ) أَيْ الْأَحَدُ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ) فِيهِ نَظَرٌ مَعَ احْتِمَالِ التَّرَاخِي. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَسُدُّ إلَخْ) لِأَنَّهُ يَكُونُ قَضَاءً عَنْهُ. (قَوْلُهُ: مِنْ فَوْرٍ إلَخْ) أَيْ مِنْ ذِي فَوْرٍ إلَخْ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ هُوَ الْفَوْرُ وَالتَّرَاخِي لِأَنَّ الْفَوْرَ الْمُبَادَرَةُ وَالتَّرَاخِي التَّأْخِيرُ [الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مُؤَقَّتٍ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ] (قَوْلُهُ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) يُوهِمُ كَلَامُهُ انْفِرَادَهُ بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ غَيْرُهُ بَلْ الْمَنْقُولُ فِي التَّلْوِيحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لِجُمْهُورِهِمْ حَتَّى قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ. (قَوْلُهُ: الْأَمْرُ بِشَيْءٍ إلَخْ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّفْظِيِّ كَمَا فَعَلَ فِيمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ مَا هُنَا يَصْلُحُ لِلْأَمْرَيْنِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ بِأَمْرٍ

стр. 484

مُؤَقَّتٍ (يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ) لَهُ إذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي وَقْتِهِ لِإِشْعَارِ الْأَمْرِ بِطَلَبِ اسْتِدْرَاكِهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْفِعْلُ (وَقَالَ الْأَكْثَرُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ) كَالْأَمْرِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا ــ [حاشية العطار] جَدِيدٍ لِأَنَّ الْأَمْرَ النَّفْسِيَّ يُوصَفُ بِالتَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ الْحَادِثُ. (قَوْلُهُ: مُؤَقَّتٌ) خَرَجَ بِالْمُؤَقَّتِ الْمُطْلَقُ وَذُو السَّبَبِ إذْ لَا قَضَاءَ فِيهِمَا اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ) أَيْ الْأَمْرَ بِهِ. (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَفْعَلْ) قَالَ النَّاصِرُ ظَرْفٌ يَسْتَلْزِمُ لَا لِلْقَضَاءِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَضَاءَ لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِ عَدَمِ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّ وَقْتَ عَدَمِ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي مَضَى مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَالْقَضَاءُ فِي وَقْتٍ بَعْدَهُ وَفِيهِ أَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالِاسْتِلْزَامِ فَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّ الِاسْتِلْزَامَ ذَاتِيٌّ لِلْأَمْرِ لَا أَنَّهُ فِي وَقْتِ عَدَمِ الْفِعْلِ اللَّازِمِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَضَاءِ وَفِي الظَّرْفِيَّةِ تَسَمُّحٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَضَاءَ يَتَّصِلُ بِآخِرِ وَقْتِ عَدَمِ الْفِعْلِ أَوْ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ وَقْتُ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ وَقْتَ الْحُكْمِ بَعْدَ الْفِعْلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ. (قَوْلُهُ: لِإِشْعَارِ الْأَمْرِ) أَيْ إعْلَامِهِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ إشْعَارًا أَنَّهُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى لَازِمِ مَعْنَاهُ وَفِيهَا خَفَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ. (قَوْلُهُ: بِطَلَبِ اسْتِدْرَاكِهِ) أَيْ اسْتِدْرَاكِ الْفِعْلِ إنْ لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِهِ وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَقُولُ الْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْفِعْلُ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ خَارِجَهُ قَالَ سم وَشَرَحَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ إنَّ نَحْوَ صُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُقْتَضَاهُ أَمْرَانِ إلْزَامُ الصَّوْمِ وَكَوْنُهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الثَّانِي لِفَوَاتِهِ بَقِيَ اقْتِضَاءُ الصَّوْمِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْجَوَابِ بِمَنْعِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ وَالْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْأَكْثَرُ) قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. (قَوْلُهُ: بِأَمْرٍ) جَدِيدٍ أَيْ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لَا بِالْأَوَّلِ ثُمَّ إنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ جَدِيدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَا إلَى عَدَمِ الْفِعْلِ (قَوْلُهُ: كَالْأَمْرِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ أَوَّلُهُمَا دَالٌّ عَلَى حُكْمِ النِّسْيَانِ وَثَانِيهمَا عَلَى حُكْمِ الرُّقَادِ وَالْفَضْلَةُ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ النِّسْيَانِ وَيَبْقَى حُكْمُ التَّرْكِ عَمْدًا قَصْدًا وَلَعَلَّهُ مُسْتَفَادٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ مَعَ الْعُذْرِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى اهـ. سم. (قَوْلُهُ: فَلْيُصَلِّهَا) وَجْهُ

стр. 485

إذَا ذَكَرَهَا» . وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَالْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا وَالشِّيرَازِيُّ مُوَافِقٌ لِلْأَكْثَرِ كَمَا فِي لُمَعِهِ وَشَرْحِهِ فَذِكْرُهُ مِنْ الْأَقَلِّ سَهْوٌ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ) أَيْ بِالشَّيْءِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ (يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ) لِلْمَأْتِيِّ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْزَاءَ الْكِفَايَةُ ــ [حاشية العطار] الدَّلَالَةِ أَنَّ قَوْلَهُ فَلْيُصَلِّهَا أَمْرٌ جَدِيدٌ غَيْرُ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا الثَّانِي. (قَوْلُهُ: إذَا ذَكَرَهَا) فِيهِ اكْتِفَاءٌ أَيْ أَوْ اسْتَيْقَظَ أَوْ أَنَّ الذِّكْرَ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ وَالْمَعْنَى إذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ النِّسْيَانِ أَوْ النَّوْمِ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا تَذَكُّرَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَالْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ) رَدٌّ لِقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْفِعْلُ بِمَنْعِ كَوْنِ مُقْتَضَاهُ وُجُودَ الْفِعْلِ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: لَا مُطْلَقًا) إذْ لَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْفِعْلَ دُونَ كَوْنِهِ فِي الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ لَمْ يُفِدْ التَّحْدِيدُ بِالْوَقْتِ وَقَدْ يُقَالُ غَرَضُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْفِعْلَ هُوَ الْمَقْصُودُ أَوْ لَا بِالذَّاتِ. وَأَمَّا الْوَقْتُ فَبِطَرِيقِ التَّبَعِ فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ بَقِيَ الْفِعْلُ الْمَقْصُودُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ قَصْدًا بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ وَالتَّتِمَّةِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ (قَوْلُهُ: أَيْ بِالشَّيْءِ عَلَى الْوَجْهِ إلَخْ) أَحْوَجَهُ إلَى هَذَا الْمَأْمُورِ بِهِ اسْمٌ لِذَاتِ الْفِعْلِ وَمُجَرَّدُ الْإِتْيَانِ بِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِالْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَأَفَادَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الذَّاتِ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَيْدَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَعْنًى فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا إذَا أَتَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا أَوْقَعَهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُقَيِّدْ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ وَمَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ يَقْضِي إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْوَجْهِ لَا بِالْفِعْلِ أَجَابَ عَنْهُ سم بِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الْأَمْرِ بِالْوَجْهِ الْأَمْرُ بِذِي الْوَجْهِ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْوَجْهِ بَلْ لَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا الْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ إلَّا أَنَّ الشَّيْءَ مَأْمُورٌ بِهِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَمْرَهُ بِهِ أَمْرٌ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ وَمَعَهُ فَالْإِفْضَاءُ الَّذِي ادَّعَاهُ مَمْنُوعٌ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ) أَيْ وَلَوْ فِي ظَنِّهِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْزَاءَ الْكِفَايَةُ) حَاصِلُهُ بِنَاءُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْخِلَافِ

стр. 486

فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُسْقِطَ الْمَأْتِيُّ بِهِ الْقَضَاءَ بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْفِعْلِ ثَانِيًا كَمَا فِي صَلَاةِ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ حَدَثُهُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْأَمْرَ) لِلْمُخَاطَبِ (بِالْأَمْرِ) لِغَيْرِهِ (بِالشَّيْءِ) نَحْوُ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] (لَيْسَ أَمْرًا) لِذَلِكَ الْغَيْرِ (بِهِ) أَيْ بِالشَّيْءِ وَقِيلَ هُوَ أَمْرٌ بِهِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ. وَقَدْ تَقُومُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْآمِرَ) بِالْمَدِّ (بِلَفْظٍ يَتَنَاوَلُهُ) كَمَا فِي قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ أَكْرِمْ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْك. وَقَدْ أَحْسَنَ هُوَ إلَيْهِ (دَاخِلٌ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ مَا أَمَرَ بِهِ وَقِيلَ لَا يَدْخُلُ فِيهِ لِبُعْدِ أَنْ يُرِيدَ الْآمِرُ نَفْسَهُ وَسَيَأْتِي تَصْحِيحُهُ فِي مَبْحَثِ الْعَامِّ ــ [حاشية العطار] فِي تَفْسِيرِ الْإِجْزَاءِ وَاَلَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُ حَتَّى الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ إنَّ الْخِلَافَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى تَفْسِيرِ الْإِجْزَاءِ بِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ أَمَّا إذَا فُسِّرَ بِالْكِفَايَةِ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فَالْإِتْيَانُ يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ بِلَا خِلَافٍ فَالْمَسْأَلَةُ مُفَرَّعَةٌ عَلَى ضَعِيفٍ كَذَا قِيلَ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ بِلَا خِلَافٍ أَيْ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ كَمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ فَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ مُفَرَّعَةً عَلَى ذَلِكَ عَلَيْهِمَا مَعًا كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا فُعِلَ خَارِجَ الْوَقْتِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ أَمْرٌ بِهِ) رُدَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ مُرْ عَبْدَك بِكَذَا مُتَعَدٍّ لِكَوْنِهِ أَمْرًا لِلْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلْعَبْدِ بَعْدَمَا ذَكَرَ لَا تَفْعَلْ يَكُونُ مُنَاقِضًا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ مَأْمُورًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لِأَنَّهُ أَمَرَ وَلِيَّهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلَاةِ وَبِالصَّوْمِ فَيَكُونُ مُكَلَّفًا وَلَمْ يَقُلْ بِتَكْلِيفِهِ أَحَدٌ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ) أُجِيبَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِيهِ امْتِثَالُ أَمْرِ الْمُخَاطَبِ لَا الْأَمْرِ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَقُومُ قَرِينَةٌ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ لِهَذَا الْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالرَّجْعَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْأَمْرِ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ وَهُوَ أَمْرُ نَدْبٍ فَالْأَمْرُ بِهَا مِثْلُهُ اهـ. قَالَ سم وَلَكَ مَنْعُ قَوْلِهِ لَا يَزِيدُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِسَاءَةُ بِالطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُقْتَضِيَةً لِوُجُوبِ الرَّجْعَةِ جَبْرًا لِهَذِهِ الْإِسَاءَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ الرَّجْعَةُ عَلَى الصَّوَابِ الْمُعْتَمَدِ فِيمَا إذَا ظَلَمَ إحْدَى نِسَائِهِ بِإِعْطَاءِ نَوْبَتِهَا لِغَيْرِهَا مِنْهُنَّ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ وَفَائِهَا حَقَّهَا. (قَوْلُهُ: مَنْ أَحْسَنَ إلَخْ) فَإِنَّ مَنْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ وَجَعَلَ مَنْ مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهَا. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي تَصْحِيحُهُ إلَخْ) اعْتِذَارُهُ بِهَذَا عَنْ الِاعْتِرَاضِ بِالتَّنَاقُضِ يَأْبَاهُ مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ مِنْ حَمْلِ مَا هُنَا عَلَى الْإِنْشَاءِ مُطْلَقًا وَمَا هُنَاكَ عَلَى مَا يَعُمُّ الْإِنْشَاءَ وَالْخَبَرَ مِنْ غَيْرِ مُبَلِّغٍ بِخِلَافِ الْمُبَلِّغِ كَالنَّبِيِّ ﷺ الْأَمْرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَزِيرِ الْأَمْرَ عَنْ الْأَمِيرِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّعَسُّفِ مَعَ

стр. 487

بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَدْ تَقُومُ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ تَصَدَّقْ عَلَى مَنْ دَخَلَ دَارِي وَقَدْ دَخَلَهَا هُوَ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ النِّيَابَةَ تُدْخِلُ الْمَأْمُورَ) بِهِ مَالِيًّا كَالزَّكَاةِ أَوْ بَدَنِيًّا كَالْحَجِّ بِشَرْطِهِ (إلَّا لِمَانِعٍ) كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ لَا تَدْخُلُ الْبَدَنِيَّ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِقَهْرِ النَّفْسِ وَكَسْرِهَا بِفِعْلِهِ وَالنِّيَابَةُ تُنَافِي ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا فِي الْحَجِّ قُلْنَا لَا تُنَافِيهِ لِمَا فِيهَا مِنْ بَذْلِ الْمُؤْنَةِ أَوْ تَحَمُّلِ الْمِنَّةِ. (مَسْأَلَةٌ قَالَ الشَّيْخُ) أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ (وَالْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ ــ [حاشية العطار] وُرُودِهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَجْتَمِعَانِ فِيهَا قَالَ وَلَوْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى خِطَابٍ شَامِلٍ لَهُ نَحْوِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنَا بِكَذَا وَحَمْلِ مَا هُنَاكَ عَلَى خِطَابٍ لَا يَشْمَلُهُ نَحْوِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] كَانَ أَوْلَى وَاسْتَشْكَلَهُ تِلْمِيذُهُ الْبِرْمَاوِيُّ بِأَنَّ الْخِطَابَ إذَا لَمْ يَكُنْ شَامِلًا لَهُ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ فَلِهَذَا سَلَّمَ الشَّارِحُ تُنَافِيَهُمَا وَاعْتُذِرَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِمَا ذَكَرَهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَشْهُورُ مَا هُنَاكَ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ إنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الْأُصُولِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَالتَّصْحِيحَانِ كَائِنَانِ بِحَسَبِ إلَخْ (قَوْلُهُ: تَصَدَّقْ إلَخْ) فَإِنَّ السَّيِّدَ لَا يَقْصِدُ التَّصَدُّقَ مِنْ عَبْدِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لَهُ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ النِّيَابَةَ إلَخْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ فِي الصَّوْمِ وَالْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا لِبَيَانِ حُكْمِهَا الشَّرْعِيِّ وَذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ عَقْلًا فَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا تَبَعًا لَهُمْ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ جِهَةَ الْبَحْثِ مُخْتَلِفَةٌ وَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِ مَسْأَلَةٍ تَحْتَ عِلْمَيْنِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ جِهَةِ الْبَحْثِ فَالْفَقِيهُ يَبْحَثُ عَنْهَا مِنْ جِهَةِ الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ وَالْأُصُولِيُّ مِنْ جِهَةِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا لِمَانِعٍ إنَّمَا يُنَاسِبُ الْفَقِيهَ دُونَ الْأُصُولِيِّ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَصِحُّ فِي الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ وَلَا يُقَالُ إنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ قَطْعِيًّا وَإِنْ كَانَ عَقْلِيًّا لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَانِعَ إنَّمَا يُنَاسِبُ الْوُقُوعَ دُونَ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَكَذَا يُقَالُ فِي التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ كَمَا فِي الْحَجِّ بِشَرْطِهِ لِأَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ إنَّمَا يُنَاسِبُ الْوُقُوعَ دُونَ مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا يَشْمَلُ الْجَوَازَ وَالْوُقُوعَ لِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَوْلُ الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَوُقُوعِهَا كَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَدَنِيَّةِ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى جَوَازِهَا وَوُقُوعِهَا وَمَنَعَهُ غَيْرُهُمْ اهـ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ كَنَفْيِ الْمَانِعِ بِالنَّظَرِ لِشِقِّ الْوُقُوعِ. (قَوْلُهُ: مَالِيًّا كَالزَّكَاةِ إلَخْ) التَّصْحِيحُ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ مِنْ الْمَالِيِّ وَالْبَدَنِيِّ وَإِلَّا فَدُخُولُ النِّيَابَةِ فِي الْمَالِيِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ الْكَمَالِ بِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: الْمَأْمُورَ بِهِ أَعَمُّ فَتَتَنَاوَلُهُ الْمَالِيَّةُ وَلَيْسَتْ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ فِي أَمَالِيهِ الطَّاعَاتُ يَعْنِي الْبَدَنِيَّةَ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ إلَّا الْحَجَّ وَالصَّوْمَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا الْإِجْلَالُ وَالْإِثَابَةُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْظِيمِ الْوَكِيلِ تَعْظِيمُ الْمُوَكِّلِ اهـ. وَمَقْصُودُهُ بَيَانُ الْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ وَمَقْصُودُ شَيْخِهِ الْآمِدِيِّ بَيَانُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ فَلَيْسَ كَلَامُهُمَا مَعًا كَكَلَامِ شَيْخِهِ كَمَا فَهِمَهُ أَبُو زُرْعَةَ تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ اهـ. (قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ) أَيْ شَرْطِ قَبُولِهِ النِّيَابَةِ أَوْ بِشَرْطِ الِاسْتِنَابَةِ وَهُوَ الْعَجْزُ أَوْ الْمَوْتُ. (قَوْلُهُ: إلَّا لِمَانِعٍ) فَإِذَا انْتَفَى الْمَانِعُ جَازَتْ بِدُونِ ضَرُورَةٍ عِنْدَنَا دُونَ الْمُعْتَزِلَةِ فَنَحْنُ نَشْتَرِطُ لِلْجَوَازِ عَدَمَ الْمَانِعِ وَهُمْ يَشْتَرِطُونَ لَهُ الضَّرُورَةَ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الصَّلَاةِ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمَانِعَ فِيهَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُنَافَاةَ النِّيَابَةِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ كَسْرِ النَّفْسِ وَقَهْرِهَا لِأَنَّ هَذَا هُوَ حُجَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْبَدَنِيِّ مُطْلَقًا وَقَدْ رَدَّهَا نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَانِعُ كَوْنَ الْمَقْصُودِ الْكَسْرَ وَالْقَهْرَ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّرْعِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ مَعَ النِّيَابَةِ وَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا مُطْلَقُ الْكَسْرِ وَالْقَهْرِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: مِنْ بَذْلِ الْمُؤْنَةِ) إنْ كَانَتْ النِّيَابَةُ

стр. 488

(الْأَمْرُ النَّفْسِيُّ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ) إيجَابًا أَوْ نَدْبًا (نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْوُجُودِيِّ) تَحْرِيمًا أَوْ كَرَاهَةً وَاحِدًا كَانَ الضِّدُّ كَضِدِّ السُّكُونِ ــ [حاشية العطار] بِعِوَضٍ وَقَوْلُهُ أَوْ تَحَمُّلِ الْمِنَّةِ أَيْ إنْ كَانَتْ بِلَا عِوَضٍ [مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ النَّفْسِيُّ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ إيجَابًا أَوْ نَدْبًا نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْوُجُودِيِّ] (قَوْلُهُ: الْأَمْرُ النَّفْسِيُّ) قَالَ الْكَمَالُ اُسْتُشْكِلَ تَصَوُّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَكَلَامُهُ وَاحِدٌ بِالذَّاتِ وَهُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ وَاسْتِخْبَارٌ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلَّقِ وَحِينَئِذٍ فَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالشَّيْءِ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ بَلْ وَعَيْنُ النَّهْيِ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ فَكَيْفَ يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلِذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى هَذَا لَا يُمْكِنُ فَرْضُهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ وَاحِدٌ هُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ فَلَا تَتَطَرَّقُ الْغَيْرِيَّةُ إلَيْهِ فَلْيُفْرَضْ فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِ اهـ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَخْلُوقِ فَكَيْفَ يَكُونُ عَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ مَعَ احْتِمَالِ ذُهُولِهِ عَنْ الضِّدِّ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ حُجَّةُ مَنْ قَالَ لَا عَيْنُهُ وَلَا يَتَضَمَّنُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّعَلُّقِ وَالْمَعْنَى هَلْ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هُوَ عَيْنُ تَعَلُّقِهِ بِالْكَفِّ عَنْ ضِدِّهِ إنْ كَانَ وَاحِدًا أَوْ أَضْدَادِهِ إنْ تَعَدَّدَتْ بِمَعْنَى أَنَّ الطَّلَبَ لَهُ تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ بِأَمْرَيْنِ هُمَا فِعْلُ الشَّيْءِ وَالْكَفُّ عَنْ الضِّدِّ فَبِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ هُوَ أَمْرٌ وَبِاعْتِبَارِ الثَّانِي هُوَ نَهْيٌ أَوْ أَنَّ مُتَعَلَّقَ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ الْوَاحِدِ هُوَ الْفِعْلُ وَلَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعَلُّقِ الطَّلَبِ بِالْكَفِّ عَنْ الضِّدِّ كَالْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ كَيَمِينٍ وَشِمَالٍ وَفَوْقُ وَتَحْتُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَهُ بِالْآخَرِ اهـ. وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّ التَّعَلُّقَ التَّنْجِيزِيَّ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِ الْأَمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَبِهِ يَصِحُّ التَّعَدُّدُ فَحَاصِلُ أَصْلِ الْكَلَامِ هَلْ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِشَيْءٍ نَوْعَيْنِ تَعَلُّقَهُ بِالنَّهْيِ إلَخْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّعَلُّقَ فِي الْأَمْرِ مُضَافٌ لِلْفِعْلِ وَفِي النَّهْيِ مُضَافٌ لِلتَّرْكِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ مَفْهُومًا فَكَيْفَ يَصِحُّ الْحُكْمُ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا هُوَ الْآخَرُ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُغَايِرَةِ إذْ مَبْنَاهَا عَلَى اعْتِبَارِ دُخُولِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي مَفْهُومِهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الطَّلَبِ وَالتَّعَلُّقِ نَظِيرَ مَا حَقَّقَهُ السَّيِّدُ فِي قَوْلِهِمْ الْعَمَى عَدَمُ الْبَصَرِ بِأَنَّ حَقِيقَتَهُ الْعَدَمُ وَالْإِضَافَةُ إلَى الْبَصَرِ مَعَ خُرُوجِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَهُوَ الْبَصَرُ عَنْ الْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ: مُعَيَّنٌ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَغَايُرِ مَفْهُومَيْ الْأَمْرِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ لِاخْتِلَافِ الْإِضَافَةِ قَطْعًا وَلَا فِي لَفْظَيْهِمَا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ بَلْ فِي أَنَّ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ إذَا أُمِرَ بِهِ فَهَلْ ذَلِكَ الْأَمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمْرٌ نَفْسِيٌّ هَلْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ اهـ. . زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: إيجَابًا أَوْ نَدْبًا) أَخَذَهُ مِنْ الْمُقَابِلِ الْآتِي فِي قَوْلِهِ وَقِيلَ أَمْرُ الْوُجُوبِ فَإِنَّ الْإِيجَابَ وَالْوُجُوبَ مُتَلَازِمَانِ كَمَا مَرَّ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الشَّارِحَ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْإِيجَابِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصُّدُورِ مِنْ الْأَمْرِ لَا فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّيْءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْأَمْرُ بِشَيْءٍ إلَخْ. (قَوْلُهُ: نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ) أَيْ يَكُونُ عَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ قَوْلٌ عَرِيَ عَنْ تَحْصِيلٍ فَإِنَّ الْقَوْلَ الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِافْعَلْ يُغَايِرُ الْقَوْلَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَا تَفْعَلْ وَمَنْ جَحَدَ هَذَا سَقَطَتْ مُكَالَمَتُهُ وَعُدَّ مُبَاهِتًا اهـ. (قَوْلُهُ: الْوُجُودِيُّ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالضِّدِّ مُطْلَقَ الْمُنَافِي وَلَيْسَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ كَمَا قِيلَ قَالَ فِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالضِّدِّ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ النَّهْيُ أَوْ الْأَمْرُ الضِّمْنِيَّانِ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا ظُنَّ أَوْ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْإِبْصَارُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا وَيَلْزَمُ كَوْنُ النَّهْيِ نَوْعًا مِنْ الْأَمْرِ وَلَا مُطْلَقَ الضِّدِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بَلْ أَضْدَادُهُ

стр. 489

أَيْ التَّحَرُّكِ أَوْ أَكْثَرَ كَضِدِّ الْقِيَامِ أَيْ الْقُعُودِ وَغَيْرِهِ. (وَعَنْ الْقَاضِي) آخِرًا أَنَّهُ (يَتَضَمَّنُهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّضَمُّنِ (عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَالْإِمَامُ) الرَّازِيّ (وَالْآمِدِيُّ) فَالْأَمْرُ بِالسُّكُونِ مَثَلًا أَيْ طَلَبُهُ مُتَضَمِّنٌ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّحَرُّكِ أَيْ طَلَبِ الْكَفِّ عَنْهُ أَوْ هُوَ نَفْسُهُ بِمَعْنَى أَنَّ الطَّلَبَ وَاحِدٌ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى السُّكُونِ أَمْرٌ وَإِلَى التَّحَرُّكِ نَهْيٌ كَمَا يَكُونُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْءٍ قُرْبًا وَإِلَى آخَرَ بُعْدًا. وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا يَتَحَقَّقُ الْمَأْمُورُ بِهِ بِدُونِ الْكَفِّ عَنْ ضِدِّهِ ــ [حاشية العطار] الْجُزْئِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ كَأَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ نَهْيًا عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَكَلَامِ الْبَشَرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ أَضْدَادُ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا أَوْ عُرْفًا. (قَوْلُهُ: أَيْ التَّحَرُّكُ) أَيْ الْحَرَكَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَعَنْ الْقَاضِي) أَيْ وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي وَالنَّاقِلُ لَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي آخِرًا مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ عَيْنَ النَّهْيِ وَلَكِنْ يَقْتَضِيهِ وَيَتَضَمَّنُهُ فَالْمَعْنَى بِالِاقْتِضَاءِ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ قِيَامَ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ النَّفْسِيِّ يَقْتَضِي أَنْ يَقُومَ بِالنَّفْسِ مَعَهُ قَوْلٌ هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا يَقْتَضِي قِيَامَ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ قِيَامَ الْحَيَاةِ بِهَا وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ غَيْرُ هَذَا وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا فَإِنَّ الَّذِي يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ قَدْ لَا يَخْطُرُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِأَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ إمَّا لِذُهُولٍ أَوْ إضْرَابٍ فَلَمْ يَسْتَقِمْ الْحُكْمُ بِأَنَّ قِيَامَ الْأَمْرِ بِالنَّفْسِ مَشْرُوطٌ بِقِيَامِ النَّهْيِ اهـ. (قَوْلُهُ: أَيْ طَلَبُهُ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَمْرِ النَّفْسِيِّ. (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ) أَيْ الْأَمْرُ بِالسُّكُوتِ نَفْسُهُ أَيْ نَفْسُ النَّهْيِ عَنْ التَّحَرُّكِ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّ الطَّلَبَ إلَخْ) أَيْ لَا بِمَعْنَى اتِّحَادِ الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِمَا أَوْ اتِّحَادِ مَفْهُومِهِمَا. (قَوْله قُرْبًا) أَيْ ذَا قُرْبٍ أَوْ قَرِيبًا وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْءِ الْمَوْصُوفِ إمَّا عَلَى أَنَّهُ الصِّفَةُ وَهُوَ السُّكُونُ فِي حَيِّزِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنُ لَمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يُوجَدْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِلْزَامِ الْمُقْتَضِي لِلْغَيْرِيَّةِ لَا عَلَى الْعَيْنِيَّةِ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعَيْنِيَّةِ بَلْ عَلَى التَّضَمُّنِ بِمَعْنَى الِاسْتِلْزَامِ اهـ. (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَخْ)

стр. 490

كَانَ طَلَبُهُ طَلَبًا لِلْكَفِّ أَوْ مُتَضَمِّنًا لِطَلَبِهِ وَلِكَوْنِ النَّفْسِيِّ هُوَ الطَّلَبُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ اللَّفْظِ سَاغَ لِلْمُصَنِّفِ نَقْلُ التَّضَمُّنِ فِيهِ عَنْ الْأَوَّلَيْنِ وَإِنْ كَانَا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُنْكِرِينَ لِلْكَلَامِ النَّفْسِيِّ (وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ) هُوَ (لَا عَيْنُهُ وَلَا يَتَضَمَّنُهُ) وَالْمُلَازَمَةُ فِي الدَّلِيلِ مَمْنُوعَةٌ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَحْضُرَ الضِّدُّ حَالَ الْأَمْرِ فَلَا يَكُونُ مَطْلُوبَ الْكَفِّ بِهِ (وَقِيلَ أَمْرُ الْوُجُوبِ يَتَضَمَّنُ فَقَطْ) أَيْ دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ فَلَا يَتَضَمَّنُ النَّهْيُ عَنْ الضِّدِّ لِأَنَّ الضِّدَّ فِيهِ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ أَصْلِهِ مِنْ الْجَوَازِ بِخِلَافِ الضِّدِّ فِي أَمْرِ الْوُجُوبِ ــ [حاشية العطار] وَلِذَلِكَ قَالَ الْكَمَالُ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ إنَّهُ لَا بُدَّ فِي تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا تَقْيِيدُ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ الْفَوْرِيِّ الَّذِي قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَتِهِ مِنْهُ لِيَكُونَ التَّلَبُّسُ بِضِدِّهِ مُفَوِّتًا لِلِامْتِثَالِ وَإِمَّا تَقْيِيدُ الضِّدِّ بِالْمُفَوَّتِ مَعَ إطْلَاقِ الْأَمْرِ عَنْ كَوْنِهِ فَوْرِيًّا وَإِلَّا فَلَا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْكَفِّ عَنْ ضِدِّهِ لِجَوَازِ أَنْ يَفْعَلَ الضِّدَّ أَوَّلًا ثُمَّ يَأْتِي بِالْمَأْمُورِ. وَقَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَأْمُورُ لَا دَائِمًا وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِامْتِثَالُ فَالضِّدُّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ الْكَمَالُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا خَالَفَ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ فِي الْأَمْرِ وَبِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ فِي النَّهْيِ أَوْ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِارْتِكَابِ الضِّدِّ أَيْضًا (قَوْلُهُ: كَانَ طَلَبُهُ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْنِيَّةُ (قَوْلُهُ: وَلِكَوْنِ النَّفْسِيِّ) أَيْ عِنْدَنَا. (قَوْلُهُ: هُوَ الطَّلَبُ الْمُسْتَفَادُ) أَيْ وَهُوَ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ إنَّهُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ إنَّهُ الْإِرَادَةُ وَلَا أَمْرَ عِنْدَهُمْ إلَّا اللَّفْظِيَّ. (قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ فِي الْأَمْرِ النَّفْسِيِّ. (قَوْلُهُ: سَاغَ لِلْمُصَنِّفِ) لِأَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَهُ لِلْإِرَادَةِ فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ اللَّفْظِيَّانِ وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَتْنِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فَكَيْفَ يُحْكَى عَنْهُمَا مَا حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ وَالْآمِدِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ النَّفْسِيَّ بِشَيْءٍ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ. قَالَ الْكَمَالُ: وَجَوَابُ الشَّارِحِ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إلَى أَنَّ النِّزَاعَ فِي إثْبَاتِ النَّفْسِيِّ نِزَاعٌ فِي التَّسْمِيَةِ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الْأَمْرَ اللَّفْظِيَّ يُقَيَّدُ طَلَبًا وَذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ وَإِنَّ ذَلِكَ الطَّلَبَ هُوَ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ النَّفْسِيِّ وَأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِ الضِّدِّ لَكِنَّهُمَا لَا يُسَمِّيَانِ ذَلِكَ طَلَبًا نَفْسِيًّا وَنَحْنُ نُسَمِّيهِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ مَعَ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ لِرَدِّ كُلٍّ أَدِلَّةَ الْآخَرِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ تَابِعٌ لِلْخِلَافِ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ مُطْلَقِ الطَّلَبِ إلَّا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ إنَّهُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ. وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ إنَّهُ الْإِرَادَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الصِّفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَانِ تَعَلُّقًا هَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّارِحِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ أَنَّهُ أَطْلَقَ النَّفْسِيَّ وَأَرَادَ اللَّفْظِيَّ فَإِنَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِ أَمَّا اللَّفْظِيُّ فَلَيْسَ إلَخْ (وَقَوْلُهُ وَالْمُلَازَمَةُ فِي الدَّلِيلِ) أَيْ دَلِيلِ الْقَوْلَيْنِ مَمْنُوعَةٌ أَيْ لَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ بَيْنَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِدُونِ الْكَفِّ عَنْ ضِدِّهِ وَبَيْنَ كَوْنِ طَلَبِهِ طَلَبًا لِلْكَفِّ أَوْ مُتَضَمِّنًا لِطَلَبِهِ وَقَوْلُهُ لِجَوَازِ إلَخْ سَنَدٌ لِلْمَنْعِ فَهُوَ نَقْضٌ تَفْصِيلِيٌّ لِوُرُودِهِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الدَّلِيلِ أَيْ يَجُوزُ عَدَمُ حُضُورِ الضِّدِّ بِذِهْنِ الْآمِرِ حَالَةَ الْأَمْرِ بِأَنْ يَأْمُرَ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ لَهُ بِضِدِّهِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ طَالِبًا لِمَا لَا شُعُورَ لَهُ بِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُضُورِ مَا يَشْمَلُ حُضُورَ الِاعْتِبَارِ بِأَنْ لَا يَتَوَجَّهَ الطَّلَبُ لِلْمُخَاطَبِ. وَقَالَ سم إنَّ طَلَبَ الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ فَرْعًا عَنْ مُلَاحَظَتِهِ وَيَسْتَحِيلُ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُ إذَا كَانَ مَطْلُوبًا بِالْقَصْدِ لَا بِالتَّبَعِيَّةِ كَمَا هُنَا فَطَلَبُ الْفِعْلِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُلَاحَظَتِهِ لِكَوْنِهِ قَصْدِيًّا وَلَا كَذَلِكَ تَرْكُ الضِّدِّ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُلَاحَظَةُ الْمَطْلُوبِ بِالْقَصْدِ. (قَوْلُهُ: مَطْلُوبُ الْكَفِّ بِهِ) أَيْ فِي الْأَمْرِ (قَوْلُهُ: فَقَطْ) مَحِلُّهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ أَيْ أَمْرِ الْوُجُوبِ فَقَطْ لَا أَمْرِ النَّدْبِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الضِّدَّ فِيهِ) أَيْ فِي النَّدْبِ. (قَوْلُهُ: لَا يَخْرُجُ بِهِ) أَيْ بِالنَّدْبِ وَفِيهِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَصْلِهِ بِالْمَرَّةِ

стр. 491

لِاقْتِضَائِهِ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّضَمُّنِ كَالْآمِدِيِّ وَإِنْ شَمِلَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْوُجُوبَ دُونَ النَّدْبِ الْمُعَيَّنِ أَيْضًا أَخْذًا بِالْمُحَقَّقِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُعَيَّنٍ عَنْ الْمُبْهَمِ مِنْ أَشْيَاءَ فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِهِ بِالنَّظَرِ إلَى مَاصَدَقَهُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ مِنْهَا وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ قَطْعًا وَبِالْوُجُودِيِّ عَنْ الْعَدَمِيِّ أَيْ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَالْأَمْرُ نَهْيٌ عَنْهُ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ قَطْعًا وَالتَّضَمُّنُ هُنَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِلْزَامِ لِاسْتِلْزَامِ الْكُلِّ لِلْجُزْءِ. (أَمَّا) الْأَمْرُ (اللَّفْظِيُّ فَلَيْسَ عَيْنَ النَّهْيِ) اللَّفْظِيِّ قَطْعًا ــ [حاشية العطار] فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَيَخْرُجُ إلَى الْكَرَاهَةِ وَإِنْ أَرَادَ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ أَصْلِهِ مِنْ الْجَوَازِ إلَى الْحُرْمَةِ فَهَذَا لَا يُخَلِّصُهُ فَإِنَّ النَّدْبَ اقْتَضَى مَرْجُوحِيَّةَ الضِّدِّ. (قَوْلُهُ: الْعَيْنَ) مَفْعُولُ شَمِلَ أَيْ عَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّ مُتَعَلِّقِ الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: أَخْذًا بِالْمُحَقَّقِ) لِاحْتِمَالِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالتَّضَمُّنِ مَنْ خَصَّ فَيُسَاوِي مَا هُنَا وَأَنَّ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ يَخُصُّ أَمْرَ الْوُجُوبِ بِهَذَا الْخِلَافِ فَيَشْمَلُ الْعَيْنَ وَالتَّضَمُّنَ فَأَخَذَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُحَقَّقِ قَالَهُ النَّاصِرُ قَالَ سم وَبَقِيَ احْتِمَالُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْعَيْنِ مَنْ يَخُصُّ الْوُجُوبَ وَلَا يُمْكِنُ هَذَا الِاحْتِمَالُ مُطْلَقًا وَغَايَةُ مَا يَدَّعِي بَعْدَهُ لَكِنَّهُ يَمْنَعُ التَّحَقُّقَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّحَقُّقِ الظُّهُورُ ظُهُورًا قَوِيًّا أَوْ يَكُونُ قَدْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ مَا يَمْنَعُ هَذَا الِاحْتِمَالَ كَثُبُوتِ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ وَبَقِيَ بَحْثٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ تَحَقُّقُ قَوْلِ التَّضَمُّنِ دُونَ الْعَيْنِ لَا يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّضَمُّنِ فَهَلَّا عَبَّرَ بِعِبَارَةٍ تَشْمَلُ الْعَيْنَ أَيْضًا كَابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ حِكَايَةِ الْخِلَافِ بِخِلَافِ الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّضَمُّنِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ يَقِينًا عَنْ هَذِهِ الْعُهْدَةِ بَلْ يُوهِمُ تَحَقُّقَ انْتِفَاءِ قَوْلِ الْعَيْنِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَخْذًا بِالْمُحَقَّقِ عِنْدَ إيثَارِ طَرِيقِ التَّعْيِينِ اهـ. (قَوْلُهُ: عَنْ الْمُبْهَمِ إلَخْ) أَيْ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فَإِنَّ الْأَمْرَ عَلَى التَّخْيِيرِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ الْمُبْهَمِ مِنْ أَشْيَاءَ مِنْهَا ضِدَّانِ فَأَكْثَرُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ. (قَوْلُهُ: بِالنَّظَرِ إلَى مَاصَدَقَهُ) أَيْ فَرْدِهِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ النَّظَرِ إلَى مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْأَحَدُ الدَّائِرُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّ الْأَمْرَ حِينَئِذٍ نَهْيٌ عَنْ الضِّدِّ الَّذِي هُوَ مَا عَدَا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ اهـ. سم (قَوْلُهُ: وَبِالْوُجُودِيِّ عَنْ الْعَدَمِيِّ) أَيْ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ تَرْكُ ذَلِكَ الشَّيْءِ خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ فِي الْمِنْهَاجِ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ التَّرْكِ جُزْءُ مَفْهُومِ الْإِيجَابِ فَالدَّالُّ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّضَمُّنِ وَأَوْرَدَهُ النَّاصِرُ أَنَّ النَّهْيَ لِكَوْنِهِ تَكْلِيفًا لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلٍ اهـ. أَيْ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ الشَّارِحِ فَالْأَمْرُ نَهْيٌ عَنْهُ أَيْ عَنْ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ الْمُقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَدَمِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّارِحَ جَرَى عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى بَيَانِ الْمُعْتَمَدِ فِيمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ النَّهْيَ مُقْتَضَاهُ فِعْلٌ وَهُوَ الْكَفُّ أَوْ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالتَّرْكِ لِوُقُوعِهِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ كَالْمُصَنِّفِ وَالْإِسْنَوِيِّ فِي شَرْحَيْهِمَا عَلَى الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِلْزَامِ) أَيْ فَيُقَالُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ بَدَلَ قَوْلِهِمْ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ وَتَعْلِيلُ الشَّارِحِ لَهُ بِأَنَّ الْكُلَّ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءَ يُوهِمُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الضِّدِّ جُزْءُ مَعْنَى الْأَمْرِ فَيَقْتَضِي أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِلْزَامِ مَجَازٌ وَبِالتَّضَمُّنِ حَقِيقَةً مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ وَأَنَّ النَّهْيَ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَحِينَئِذٍ فَمُرَادُ الْقَائِلِ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّضَمُّنِ تَنْزِيلًا لِمَا لَزِمَ الشَّيْءَ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ فِي ضِمْنِهِ تَوَسُّعًا هَذَا مَا قَرَّرَهُ الْحَوَاشِيُّ وَأَمَّا الْعَلَّامَةُ سم فَحَاوَلَ رَدَّ هَذَا الْكَلَامِ وَتَصْحِيحَ الْجُزْئِيَّةِ بِمَا أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ وَالْمُنَاقَشَةُ

стр. 492

(وَلَا يَتَضَمَّنُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) وَقِيلَ يَتَضَمَّنُهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا قِيلَ اُسْكُنْ مَثَلًا فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَتَحَرَّكْ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ السُّكُونُ بِدُونِ الْكَفِّ عَنْ التَّحَرُّكِ (وَأَمَّا النَّهْيُ) النَّفْسِيُّ عَنْ شَيْءٍ تَحْرِيمًا أَوْ كَرَاهَةً (فَقِيلَ) هُوَ (أَمْرٌ بِالضِّدِّ) لَهُ إيجَابًا أَوْ نَدْبًا قَطْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي النَّهْيِ فِعْلُ الضِّدِّ وَقِيلَ لَا قَطْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهِ انْتِفَاءُ الْفِعْلِ حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ دُونَ الْأَوَّلِ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ لِقَوْلِهِ إنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ (وَقِيلَ عَلَى الْخِلَافِ) فِي الْأَمْرِ أَيْ إنَّ النَّهْيَ أَمْرٌ بِالضِّدِّ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ أَوْ لَا أَوْ نَهْيُ التَّحْرِيمِ يَتَضَمَّنُهُ دُونَ نَهْيِ الْكَرَاهَةِ وَتَوْجِيهُهَا ظَاهِرٌ لِمَا سَبَقَ وَالضِّدُّ إنْ كَانَ وَاحِدًا كَضِدِّ التَّحَرُّكِ فَوَاضِحٌ أَوْ أَكْثَرَ كَضِدِّ الْقُعُودِ أَيْ الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ فَالْكَلَامُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُ أَيًّا كَانَ وَالنَّهْيُ اللَّفْظِيُّ يُقَاسُ بِالْأَمْرِ اللَّفْظِيِّ. (مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَانِ) حَالَ كَوْنِهِمَا ــ [حاشية العطار] فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ خُصُوصًا مَعَ التَّطْوِيلِ مِنْ ضِيقِ الْفِطَنِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) لِأَنَّ تَضَمُّنَ شَيْءٍ لِشَيْءٍ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْرَ اللَّفْظِيَّ غَيْرُ النَّهْيِ اللَّفْظِيِّ وَأَمَّا الْقَائِلُ بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى الِاشْتِمَالِ بَلْ فِي قُوَّةِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا وَلِذَا قَالَ فَكَأَنَّهُ وَفِيهِ أَنَّ الْأَوَّلَ يُقَالُ بِالْكَأَنِّيَّةِ فَيَرْجِعُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا قَطْعًا) أَيْ لَيْسَ أَمْرًا بِالضِّدِّ قَطْعًا أَيْ اتِّفَاقًا فَهُمَا طَرِيقَانِ مُتَنَافِيَانِ فِي النَّقْلِ وَمِنْ شَأْنِ الشَّارِحِ فِي هَذَا الشَّرْحِ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ الِاتِّفَاقِ بِالْقَطْعِ قَالَهُ النَّجَّارِيُّ وَإِنَّمَا جَرَى الْقَطْعُ فِي جَانِبِ النَّهْيِ دُونَ جَانِبِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ لِكَوْنِهِ دَفْعَ مَفْسَدَةٍ بِخِلَافِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ جَانِبُ مَصْلَحَةٍ لَا يُقَالُ الْأَمْرُ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ لِأَنَّا نَقُولُ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ فِي جَانِبِ الْأَمْرِ بِالذَّاتِ الْفِعْلُ دُونَ التَّرْكِ وَأَمَّا النَّهْيُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ بِالذَّاتِ التَّرْكُ. (قَوْلُهُ: فَوَاضِحٌ) أَيْ ذَلِكَ الضِّدُّ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ أَمْرًا بِهِ أَوْ عَلَى الْخِلَافِ. (قَوْلُهُ: أَيًّا كَانَ) أَيْ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ فَهُوَ كَافٍ فِي تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ضِدٍّ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ كُلِّهَا إذْ لَا يَتَأَتَّى الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا بِالْكَفِّ عَنْهَا كُلِّهَا. (قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ اللَّفْظِيُّ يُقَاسُ إلَخْ) أَيْ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِيهِ [مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَانِ غَيْرَ مُتَعَاقِبَيْنِ أَوْ بِغَيْرِ مُتَمَاثِلَيْنِ غَيْرَانِ] (قَوْلُهُ: حَالَ كَوْنِهِمَا إلَخْ) فَهُوَ حَالٌ مِنْ الْمُبْتَدَأِ وَيَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَا حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ فِي غَيْرِ أَنَّ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى مُغَيَّرَانِ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ صِفَةً مُشَبَّهَةً عَلَى أَنَّ مَنْعَ مَجِيءِ الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَأِ مَحِلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُبْتَدَأُ فِي مَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْأَمْرَانِ هُنَا فِي مَعْنَى الْفَاعِلِ إذْ التَّقْدِيرُ تَغَايُرُ الْأَمْرَيْنِ، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ ضَعِيفٌ فَلَا يَعْمَلُ الرَّفْعُ فِي الْمُبْتَدَأِ وَالنَّصْبُ فِي الْحَالِ

стр. 493

(غَيْرَ مُتَعَاقِبَيْنِ) بِأَنْ يَتَرَاخَى وُرُودُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ مُتَخَالِفَيْنِ (أَوْ) مُتَعَاقِبَيْنِ (بِغَيْرِ مُتَمَاثِلَيْنِ) بِعِطْفٍ أَوْ دُونَهُ نَحْوُ اضْرِبْ زَيْدًا وَأَعْطِهِ دِرْهَمًا (غَيْرَانِ) فَيُعْمَلُ بِهِمَا جَزْمًا (وَالْمُتَعَاقَبَانِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّكْرَارِ) فِي مُتَعَلَّقِهِمَا مِنْ عَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. (وَالثَّانِي غَيْرُ مَعْطُوفٍ) نَحْوُ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ (قِيلَ مَعْمُولٌ بِهِمَا) نَظَرًا لِلْأَصْلِ أَيْ التَّأْسِيسِ (وَقِيلَ) الثَّانِي (تَأْكِيدٌ) نَظَرًا لِلظَّاهِرِ (وَقِيلَ بِالْوَقْفِ) عَنْ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ لِاحْتِمَالِهِمَا. (وَفِي الْمَعْطُوفِ التَّأْسِيسُ أَرْجَحُ) لِظُهُورِ الْعَطْفِ فِيهِ (وَقِيلَ التَّأْكِيدُ) أَرْجَحُ لِتَمَاثُلِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ (فَإِنْ رَجَحَ التَّأْكِيدُ) عَلَى التَّأْسِيسِ (بِعَادِيٍّ) وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْعَطْفِ نَحْوُ اسْقِنِي مَاءً اسْقِنِي مَاءً وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّ الْعَادَةَ ــ [حاشية العطار] وَقَوْلُهُ بِمُتَمَاثِلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَمْرَانِ وَأَوْ مُتَخَالِفَيْنِ عَطْفٌ عَلَيْهِ وَأَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ عَطْفٌ عَلَى غَيْرِ مُتَعَاقِبَيْنِ وَقَوْلُهُ بِعَطْفٍ مُتَعَلِّقٍ بِمُتَعَاقِبَيْنِ وَقَوْلُهُ غَيْرَان خَبَرُ الْأَمْرَانِ. وَقَدْ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ صُورَةً لِأَنَّ الْأَمْرَيْنِ إمَّا بِمُتَخَالِفَيْنِ أَوْ بِمُتَمَاثِلَيْنِ وَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُمَا إمَّا مُتَعَاقِبَانِ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا بِعَطْفٍ أَوْ لَا وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي ثَمَانِيَةٌ لِأَنَّهُمَا إمَّا مُتَعَاقِبَانِ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا بِعَطْفٍ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ التَّكْرَارِ أَيْ التَّعَدُّدِ مَانِعٌ أَوْ لَا وَلَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُتَخَالِفَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ إلَّا مُتَغَايِرِينَ فَقَوْلُهُ وَالْأَمْرَانِ إلَى قَوْلِهِ غَيْرَانِ يَشْمَلُ سِتَّ صُوَرٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِعَطْفٍ أَوْ لَا رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ وَيَشْمَلُ قَوْلُهُ وَالْمُتَعَاقَبَانِ إلَخْ أَرْبَعَ صُوَرٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُتَعَاقَبَانِ إلَى قَوْلِهِ وَقِيلَ بِالْوَقْفِ صُورَةً. وَقَوْلُهُ وَفِي الْمَعْطُوفِ إلَى قَوْلِهِ وَقِيلَ: التَّأْكِيدُ صُورَةً وَقَوْلُهُ فَإِنْ رَجَحَ التَّأْكِيدُ بِعَادِيٍّ قُدِّمَ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ صُورَتَانِ وَبَقِيَ صُورَتَانِ لَمْ يَشْمَلْهُمَا كَلَامُهُ وَهُمَا إذَا مَنَعَ مِنْ التَّكْرَارِ مَانِعٌ وَالْأَمْرَانِ غَيْرُ مُتَعَاقِبَيْنِ وَحُكْمُهُمَا كَحُكْمِ الْمُتَعَاقِبَيْنِ فَيُقَالُ إنْ كَانَ الْمَانِعُ عَادِيًّا تَرَجَّحَ بِهِ التَّأْكِيدُ عِنْدَ عَدَمِ الْعَطْفِ وَيَتَوَقَّفُ عِنْدَ الْعَطْفِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: نَحْوَ اضْرِبْ زَيْدًا وَأَعْطِهِ دِرْهَمًا) وَمِثَالُ مَا لَا عَطْفَ فِيهِ اضْرِبْ زَيْدًا أَعْطِهِ دِرْهَمًا. (قَوْلُهُ: وَلَا مَانِعَ إلَخْ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ التَّعَدُّدُ. (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهَا) مِنْ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَأَمَّا التَّعْرِيفُ فَمِنْ الْعَادَةِ كَمَا لِلْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعَضُدِ وَيَأْتِي لِلشَّارِحِ الْمُرُورُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُرِدْ بِالْغَيْرِ هُنَا التَّعْرِيفُ حَتَّى يَكُونَ مُقَابِلًا لَهَا كَمَا هُوَ طَرِيقَةُ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ كَمَا فَهِمَ الْكَمَالُ فَاعْتَرَضَ عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّهُ خَلَطَ الطَّرِيقَتَيْنِ بِالْمُرُورِ أَوَّلًا عَلَى مَا لِلرَّازِيِّ وَثَانِيًا عَلَى مَا لِغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: قِيلَ مَعْمُولٌ بِهِمَا) أَيْ وَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ بِهِمَا أَرْبَعًا وَعَلَى الثَّانِي رَكْعَتَيْنِ. (قَوْلُهُ: نَظَرًا لِلظَّاهِرِ) فَإِنَّ الظَّاهِرَ مَعَ اتِّحَادِ الْمُتَعَلِّقِ عِنْدَ التَّعَاقُبِ التَّأْكِيدُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ بِالْوَقْفِ) فَيُفِيدُ طَلَبَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمِثَالِ وَيَتَوَقَّفُ عَنْ الْآخَرَيْنِ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ. وَقَدْ نَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْأَوَّلَ عَنْ الْأَكْثَرِ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا لَكِنْ لَا تَرْجِيحَ فِي مِثْلِهِ مِنْ النَّظَرِيَّاتِ إلَّا بِوَجْهٍ نَظَرِيٍّ لَا بِالنَّقْلِ عَنْ الْأَكْثَرِ (قَوْلُهُ: لِظُهُورِ الْعَطْفِ فِيهِ) أَيْ فِي التَّأْسِيسِ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْعَطْفِ بِالْحَرْفِ غَيْرِ الْمُرَتَّبِ وَإِلَّا فَهُمَا غَيْرَانِ يُعْمَلُ بِهِمَا (قَوْلُهُ وَقِيلَ التَّأْكِيدُ أَرْجَحُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي حِكَايَةِ الْمُصَنِّفِ الْخِلَافَ هُنَا نَظَرٌ فَقَدْ صَرَّحَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لِلتَّأْسِيسِ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعْطَفُ عَلَى مِثْلِهِ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَ الثَّانِيَ. (قَوْلُهُ: لِتَمَاثُلِ الْمُتَعَلَّقَيْنِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْأَصْلِ فِي الْعَطْفِ مِنْ الْمُغَايِرَةِ وَالتَّأْسِيسِ (قَوْلُهُ: بِعَادِيٍّ) أَيْ بِأَمْرٍ يَمْنَعُ عَادَةً مِنْ التَّكْرَارِ مِثْلَ التَّعْرِيفِ وَانْدِفَاعُ الْحَاجَةِ بِمَرَّةٍ كَمَا فِي الْمِثَالَيْنِ فَبَحْثُ الْعَادَةِ قِسْمَانِ الْعَادَةُ بِحَسَبِ

стр. 494

بِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِمَرَّةٍ فِي الْأَوَّلِ وَبِالتَّعْرِيفِ فِي الثَّانِي تَرَجَّحَ التَّأْكِيدُ (قُدِّمَ) لِتَأْكِيدِ رُجْحَانِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرَجَّحْ التَّأْكِيدُ بِالْعَادِيِّ وَذَلِكَ فِي الْعَطْفِ لِمُعَارَضَتِهِ لِلْعَادِيِّ بِنَاءً عَلَى أَرْجَحِيَّةِ التَّأْسِيسِ حَيْثُ لَا عَادِيَّ (فَالْوَقْفُ) عَنْ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ لِاحْتِمَالِهِمَا وَإِنْ مَنَعَ مِنْ التَّكْرَارِ وَالنَّقْلِ نَحْوُ اُقْتُلْ زَيْدًا اُقْتُلْ زَيْدًا أَوْ الشَّرْعِ نَحْوُ اعْتِقْ عَبْدَك فَالثَّانِي تَأْكِيدٌ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ بِعَطْفٍ. (النَّهْيُ) النَّفْسِيُّ (اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ لَا يَقُولُ كُفَّ) وَنَحْوُهُ كَذَرْ وَدَعْ فَإِنَّ مَا هُوَ كَذَلِكَ أَمْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَنَاوَلَ الِاقْتِضَاءُ الْجَازِمَ وَغَيْرَهُ وَيُحَدُّ أَيْضًا بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِكَفٍّ إلَخْ كَمَا يُحَدُّ اللَّفْظِيُّ بِالْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَى مَا ذُكِرَ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي مُسَمَّى النَّهْيِ مُطْلَقًا عُلُوٌّ وَلَا اسْتِعْلَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَالْأَمْرِ ــ [حاشية العطار] الرِّيِّ كَمَا فِي اسْقِنِي مَاءً فَإِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِحُصُولِ الرِّيِّ فِي أَوَّلِ شَرْبَةٍ وَالْعَادَةُ بِحَسَبِ اللِّسَانِ وَالِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ غَيْرًا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إنْ وُجِدَ مَانِعٌ عَادِيٌّ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بِالْأَمْرِ الثَّانِي شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ الْمَطْلُوبِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ مَطْلُوبًا بِهِ التَّكْرَارُ قُدِّمَ التَّأْكِيدُ فَقَوْلُهُ فَإِنْ رَجَحَ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّكْرَارِ. (قَوْلُهُ: بِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ) وَهِيَ الْعَطَشُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَادَةِ بِمَعْنَى الِاعْتِيَادِ أَوْ بِمَحْذُوفٍ أَيْ الْجَارِيَةُ وَقَوْلُهُ تَرَجَّحَ خَبَرُ إنَّ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ وُجِدَ مَانِعٌ مِنْ التَّكْرَارِ عَادِيٌّ قُدِّمَ التَّأْكِيدُ لَكَانَ أَظْهَرَ وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُصَنِّفُ الْمَانِعَ بِالْعَادِيِّ مَعَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ كَذَلِكَ مَعَ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ لِأَنَّ فِي التَّقْدِيمِ مَعَ الْمَانِعِ الْعَادِيِّ خِلَافًا وَأَمَّا فِي الْمَانِعِ الْقِيَاسِيِّ وَالشَّرْعِيِّ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُرَجَّحْ التَّأْكِيدُ بِالْعَادِيِّ) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْعَادِيُّ مَوْجُودًا فَمَحَطُّ النَّفْيِ التَّرْجِيحُ ثُمَّ إنَّ عَدَمَ رُجْحَانِهِ صَادِقٌ بِمُسَاوَاتِهِ لِلتَّأْسِيسِ وَبِأَنْ يَكُونَ التَّأْسِيسُ أَقْوَى مِنْهُ وَهَذِهِ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا لِأَجْلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِمُعَارَضَتِهِ لِلْعَادِيِّ. (قَوْلُهُ: لِمُعَارَضَتِهِ) أَيْ الْعَطْفُ لِلْعَادِيِّ فَإِنَّ وُرُودَ التَّأْكِيدِ بِوَاوِ الْعَطْفِ لَمْ يُعْهَدْ أَوْ هُوَ قَلِيلٌ جِدًّا. (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَرْجَحِيَّةِ إلَخْ) أَمَّا عَلَى أَرْجَحِيَّةِ التَّأْكِيدِ فَالْعَادِيُّ مُؤَكِّدٌ لَهُ فَلَا يُعَارِضُهُ الْعَطْفُ إذْ لَا يَقْوَى قُوَّتَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ مَنَعَ مِنْ التَّكْرَارِ الْعَقْلُ) كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ رَجَحَ التَّأْكِيدُ لِيُتَمِّمَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّكْرَارِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا مَانِعَ إلَخْ. (قَوْلُهُ: نَحْوَ اُقْتُلْ زَيْدًا) فَإِنَّ إزْهَاقَ الرُّوحِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَإِزْهَاقُهُ ثَانِيًا تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ. (قَوْلُهُ: اعْتِقْ عَبْدَك إلَخْ) فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْعِتْقِ ثَانِيًا هُوَ الشَّرْعُ وَأَوْرَدَ أَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ فَالْمَانِعُ مِنْ التَّكْرَارِ الْعَقْلُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيُحَارِبَ وَيُسْتَرَقَّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَكَرُّرُ الْعِتْقُ وَفِيهِ أَنَّ الشَّرْعَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا وَأَيْضًا اُقْتُلْ زَيْدًا يُمْكِنُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ فَلَا يَمْنَعُ الْعَقْلُ قَتْلَهُ ثَانِيًا فَالْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّكْرَارُ فِي آنٍ وَاحِدٍ وَالْعَقْلُ لَوْ خُلِّيَ وَنَفْسَهُ فِي اعْتِقْ عَبْدَك اعْتِقْ عَبْدَك لَا يَمْنَعُهُ بِخِلَافِ الشَّرْعِ [النَّهْيُ] (قَوْلُهُ: لَا يَقُولُ كَفٌّ) مُتَعَلِّقٌ بِاقْتِضَاءٍ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ مَا يَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالِاعْتِقَادَ وَنَحْوَهُمَا وَأَوْرَدَ عَدَمَ شُمُولِ التَّعْرِيفِ قَوْلُنَا لَا تُكَفَّ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ فَإِنَّهُ لِطَلَبِ كَفٍّ عَنْ كَفٍّ لَا كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ مَا يَشْمَلُ الْكَفَّ فَدَخَلَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَلَكِنَّ مُقَابَلَةَ الْفِعْلِ بِالْكَفِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَشْمَلُ الْكَفَّ. (قَوْلُهُ: وَنَحْوَهُ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْضَحَ أَنْ يَقُولَ فِي التَّعْرِيفِ لَا بِغَيْرِ نَحْوِ كُفَّ إلَّا أَنَّ زِيَادَتَهَا لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً لِوُضُوحِ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ كُفَّ بَلْ مِثْلُهَا مَا يُشَارِكُهَا فِيمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: أَيْضًا) مُقَدِّمَةٌ مِنْ تَأْخِيرٍ وَالتَّقْدِيرُ وَيُحَدُّ أَيْضًا بِالْقَوْلِ أَيْ النَّفْسِيِّ كَمَا يُحَدُّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: كَمَا يُحَدُّ إلَخْ) وَجْهُ الشَّبَهِ تَصْدِيرُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْقَوْلِ. (قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذُكِرَ) أَيْ عَلَى الِاقْتِضَاءِ وَالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا)

стр. 495

(وَقَضِيَّةُ الدَّوَامِ) عَلَى الْكَفِّ (مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِالْمَرَّةِ) فَإِنْ قُيِّدَ بِهَا نَحْوُ لَا تُسَافِرْ الْيَوْمَ إذْ السَّفَرُ فِيهِ مَرَّةٌ مِنْ السَّفَرِ كَانَتْ قَضِيَّتُهُ (وَقِيلَ) قَضِيَّةُ الدَّوَامِ (مُطْلَقًا) وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَرَّةِ يَصْرِفُهُ عَنْ قَضِيَّتِهِ (وَتَرِدُ صِيغَتُهُ) أَيْ لَا تَفْعَلْ (لِلتَّحْرِيمِ) نَحْوُ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] (وَالْكَرَاهَةِ) ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (وَالْإِرْشَادِ) ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] (وَالدُّعَاءِ) ــ [حاشية العطار] أَيْ نَفْسِيًّا كَانَ أَوْ لَفْظِيًّا (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ إلَخْ) لَمْ يَقُلْ مَعْنَاهُ أَوْ مَدْلُولُهُ لِأَنَّ هَذَا لَا يُقَالُ إلَّا فِي اللَّفْظِيِّ وَالْكَلَامُ فِي النَّفْسِيِّ وَأَيْضًا الدَّوَامُ لَازِمٌ لَهُ لِلُزُومِهِ لِلِامْتِثَالِ وَإِنَّمَا كَانَ قَضِيَّتُهُ الدَّوَامَ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ عَنْ إدْخَالِ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ فِي الْوُجُودِ فَوَجَبَ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ دَائِمًا إذْ لَوْ أَتَى بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَرَّةً لَزِمَ دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى النَّهْيِ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْفَوْرُ وَلِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ النَّكِرَةِ الْوَاقِعَةِ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمَرَّةِ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِغَيْرِ الدَّوَامِ لِيَشْمَلَ الْمَرَّتَيْنِ وَالْأَكْثَرَ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْمَرَّةِ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ. (قَوْلُهُ: نَحْوِ لَا تُسَافِرْ) أَيْ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَإِلَّا فَلَا يَقْتَضِي الْمَرَّةَ. (قَوْلُهُ: كَانَتْ قَضِيَّتَهُ) اسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ لِلْمَرَّةِ وَقَضِيَّتَهُ نُصِبَ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ إنْ قَيَّدَ أَيْ كَانَتْ الْمَرَّةُ لَازِمَةً لَهُ نَظَرَ اللُّزُومِ الْعُرْفِيِّ وَلَا يَكُونُ الدَّوَامُ مُفَادَهُ حِينَئِذٍ. (قَوْلُهُ: يَصْرِفُهُ عَنْ قَضِيَّتِهِ) وَهُوَ الدَّوَامُ فَهُوَ مَجَازٌ لِلْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ. قَوْلُهُ ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أَيْ الرَّدِيءَ فَيُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ إذَا قُصِدَ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ غَيْرُهُ وَيُسْتَعْمَلُ الْخَبِيثُ بِمَعْنَى الْحَرَامِ كَمَا فِي آيَةِ ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا وَإِلَّا كَانَتْ الصِّيغَةُ لِلتَّحْرِيمِ (قَوْلُهُ: وَالْإِرْشَادُ) الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَرَاهَةِ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمَطْلُوبَ دَرْؤُهَا فِيهِ دُنْيَوِيَّةٌ وَفِي الْكَرَاهَةِ دِينِيَّةٌ وَالْحَقُّ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنَّ الصِّيغَةَ هُنَا لِلتَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَسُؤْكُمْ فِي دِينِكُمْ. (قَوْلُهُ: وَالدُّعَاءُ إلَخْ) الْغَرَضُ تَعْدِيدُ مَا يَأْتِي لَهُ النَّهْيُ مِنْ الْمَعَانِي الْمُسَمَّى بَعْضُهُ بِالدُّعَاءِ فِي بَعْضِ الِاصْطِلَاحَاتِ فَلَا
следующие страницы →