Полный текст (1 048 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الْقَوْلَ فِي شَرْحَيْهِ كَغَيْرِهِ فِي الْأَكْثَرِ وَإِنْ شَمِلَتْ الْعِبَارَةُ هُنَا حِكَايَتَهُ فِي الْمُسَاوِي (وَقِيلَ لَا يُسْتَثْنَى مِنْ الْعَدَدِ عَقْدٌ صَحِيحٌ) ، نَحْوُ لَهُ مِائَةٌ إلَّا عَشَرَةً بِخِلَافِ إلَّا تِسْعَةً (وَقِيلَ) لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ (مُطْلَقًا) وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] أَيْ زَمَنًا طَوِيلًا كَمَا تَقُولُ لِمَنْ يَسْتَعْجِلُك اصْبِرْ أَلْفَ سَنَةٍ وَكُلُّ قَائِلٍ بِحَسَبِ اسْتِقْرَائِهِ وَفَهْمِهِ وَالْأَصَحُّ جَوَازُ الْأَكْثَرِ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ إذْ قَالُوا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً لَزِمَهُ وَاحِدٌ.
(وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ
ــ
[حاشية العطار]
نَحْوُ بِالصَّرِيحِ. (قَوْلُهُ: هَذَا الْقَوْلُ) أَيْ الْمُقَيَّدُ بِالْأَكْثَرِ.
(قَوْلُهُ: عَقْدٌ صَحِيحٌ) يَشْمَلُ الْعَقْدَ الْوَاحِدَ وَالْأَكْثَرَ، نَحْوُ عِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ وَخَرَجَ بِالْعَقْدِ غَيْرُهُ كَاثْنَيْ عَشَرَ وَبِالصَّحِيحِ الْكَسْرُ كَنِصْفٍ فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ عُقُودُ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ كَالْآحَادِ وَالْعَشْرَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرَتَّبَةِ الْمَفْرُوضَةِ فَعَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَا يُقَالُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا وَاحِدًا وَلَا مِائَةٌ إلَّا عَشَرَةً وَلَا أَلْفٌ إلَّا مِائَةً وَيُقَالُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا نِصْفًا وَاحِدًا وَنَحْوُهُ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ وَمِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَنَحْوَهَا مِنْ الْآحَادِ وَلَوْ مَعَ الْعَشَرَاتِ وَأَلْفٌ إلَّا تِسْعِينَ أَوْ نَحْوُهَا مِنْ الْعَشَرَاتِ وَلَوْ مَعَ الْآحَادِ اهـ. شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
وَوَجْهُ الِامْتِنَاعِ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ عَدَدٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ تَابِعٍ لِغَيْرِهِ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهِ جُزْءًا مِنْ غَيْرِهِ وَفِيهِ أَنَّ الْعَقْدَ الْأَعْلَى مُتَضَمِّنٌ لِلنَّازِلِ عَنْهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ لَا عَقْدَ بِقِسْمَيْهِ وَلَا غَيْرَ عَقْدٍ وَلَيْسَ الْإِطْلَاقُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ عَقْدٌ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا دُونَ أَنْ يَقُولَ عَدَدٌ مَعَ كَوْنِهِ أَخْصَرَ وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ نُصُوصٌ وَالنُّصُوصُ لَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ وَهَذَا مَا نَقَلَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ قَالَ إلَّا إذَا كَانَ الْعَدَدُ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ لِلْمُبَالَغَةِ كَالْمِائَةِ وَالْأَلْفِ وَالسَّبْعِينَ فَيَجُوزُ رَفْعًا لِتَوَهُّمِ الْمُبَالَغَةِ مَجَازًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت: ١٤] الْآيَةَ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ. (قَوْلُهُ: أَيْ زَمَانًا طَوِيلًا) أَيْ فَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى مَعْنَاهُ الْعَدَدِيِّ لَا إنْ كَانَ كِنَايَةً عَنْ الزَّمَنِ الطَّوِيلِ لِلُحُوقِهِ بِغَيْرِ الْعَدَدِ ثُمَّ إنَّ الْمُتَبَادِرَ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَفِيهِ أَنَّهُ يُضَيِّعُ ثَمَرَةَ قَوْلِهِ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ لَيْسَ نَصًّا فِي شُمُولِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَفِيهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْكِنَايَةِ قَوْلُهُ أَلْفَ سَنَةٍ فَهَذَا الْقَوْلُ مُشْكِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ الْأَكْثَرِ مُطْلَقًا إلَخْ) تَصْحِيحُهُ مَفْهُومٌ مِنْ حِكَايَةِ الْمُصَنِّفِ الْأَقْوَالَ الَّتِي ذَكَرَهَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ مَعَ السِّيَاقِ عَلَى أَنَّ الْأَوْجَهَ أَنْ يَقُولَ وَالْأَصَحُّ جَوَازُ غَيْرِهِ الْمُسْتَغْرِقِ مُطْلَقًا لِيَشْمَلَ الْأَكْثَرَ وَالْعَقْدَ الصَّحِيحَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ الْأَكْثَرِ مُطْلَقًا) قَالَ الْفَنَارِيُّ فِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ إنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ أَوْ الْأَكْثَرِ مِنْهُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَا يُسَاوِيهِ مَفْهُومًا لَا وُجُودًا فَيَصِحُّ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ لِاحْتِمَالِ الْكَلَامِ مَقَامًا يَكُونُ عِبَارَةً عَنْهُ لَا إلَّا عَبِيدِي أَوْ مَمَالِيكِي وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي أَوَّلًا بِمَنْعِهِمَا فَيَجِبُ أَنْ يَبْقَى أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ وَقَالَ ثَانِيًا بِمَنْعِهِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً وَقِيلَ بِمَعْنِهَا فِي الْعَدَدِ الصَّرِيحِ لَا فِي نَحْوِ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إلَّا الْجُهَّالَ وَهُمْ أَلْفٌ وَالْعَالِمُ وَاحِدٌ لِكِفَايَةِ الِاحْتِمَالِ لَنَا وَإِلَّا وُقُوعُهُ، نَحْوُ ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وَهُمْ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وَكُلُّ غَيْرِ مُؤْمِنٍ غَاوٍ فَالْمُسَاوِي أَوْلَى وَثَانِيًا صِحَّةُ أَنْ يُقَالَ «كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ» وَقَدْ أَطْعَمَ الْأَكْثَرَ كَيْفَ وَهُوَ وَارِدٌ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلِكَوْنِهِ آحَادًا لَمْ يَتَمَسَّكْ بِوُقُوعِهِ وَثَالِثًا دَلَالَةُ إجْمَاعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى إلْزَامِ الْوَاحِدِ لِمَنْ قَالَ لَهُ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَخْ) فَلَوْ قَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ فِيمَا لَوْ قَالَ مَا لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ إلَّا خَمْسَةً مَدْلُولُهَا خَمْسَةٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ خَمْسَةٌ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إلَخْ) الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ
стр. 562
خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) فِيهِمَا وَقِيلَ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ فَقَالَ إنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ
ــ
[حاشية العطار]
الْمَفْعُولِ أَوْ الْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ مِنْ ذِي النَّفْيِ ذُو إثْبَاتٍ أَيْ دَالٌّ عَلَيْهِ قَالَ الْقَرَافِيُّ قُلْت يَوْمًا لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْفُقَهَاءَ الْتَزَمُوا قَاعِدَتَيْنِ فِي الْأُصُولِ وَخَالَفُوهُمَا فِي الْفُرُوعِ فَقَالَ لِي مَا هُمَا قُلْت لَهُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ لِلْعُمُومِ عِنْدَهُمْ وَلَوْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ وَالثَّانِيَةُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا إلَّا الْكَتَّانَ فَقَعَدَ عُرْيَانًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَمُقْتَضَى قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَا الْكَتَّانَ وَعَلَى لُبْسِ الْكَتَّانِ وَمَا لَبِسَ الْكَتَّانَ فَيَحْنَثُ فَقَالَ ﵀ سَبَبُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْأَيْمَانَ تَتْبَعُ الْمَنْقُولَاتِ الْعُرْفِيَّةَ دُونَ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ إذَا تَعَارَضَ وَقَدْ انْتَقَلَ اللَّامُ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ لِحَقِيقَةِ الْجِنْسِ دُونَ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَلِذَا كَانَ الْحَالِفُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْمَاهِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ فَلَا تَزِيدُ اللَّامُ لَهُ عَلَى الْوَاحِدِ وَانْتَقَلَ إلَّا فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحَلِفِ لِمَعْنَى الصِّفَةِ، مِثْلُ سِوَى وَغَيْرِ فَمَعْنَى حَلِفِهِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا سِوَى الْكَتَّانِ أَوْ غَيْرَ الْكَتَّانِ فَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ هُوَ الْمُغَايِرُ لِلْكَتَّانِ وَالْكَتَّانُ لَيْسَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ فَلَا يَضُرُّهُ لُبْسُهُ وَلَا تَرْكُهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ ﵀ وَاتَّفَقَ الْبَحْثُ مَعَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ فَالْتَزَمَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ يَحْنَثُ إذَا قَعَدَ عُرْيَانًا وَأَنَّ إلَّا عَلَى بَابِهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَأَرَانَا نَقْلًا فِي ذَلِكَ اهـ. كَلَامُ الْقَرَافِيِّ.
وَأَقُولُ مَا قَالَهُ تَاجُ الدِّينِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ مَمْنُوعٌ مَعَ أَنَّا نُبْقِي إلَّا عَلَى بَابِهَا وَنَلْتَزِمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِهَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ إثْبَاتٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَنْعَ مَا ذَكَرَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ بِحَسَبِ الْمَقْصُودِ مِنْ النَّفْيِ وَالْمَقْصُودُ هُنَا مِنْ النَّفْيِ هُوَ مَنْعُ نَفْسِهِ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِثْبَاتِ هُوَ إبَاحَةُ لُبْسِ الْكَتَّانِ لَا الْتِزَامُ نَفْسِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِالتَّرْكِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ دَقِيقٌ تَرَكَهُ الشَّيْخُ لَنَا ثُمَّ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ حَوَاشِي التَّلْوِيحِ مَا يُوَافِقُ هَذَا الْجَوَابَ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَذَا كَتَبَهُ سم بِهَامِشِ حَاشِيَةِ الْكَمَالِ وَفِي التَّمْهِيدِ لِلْإِسْنَوِيِّ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُعْطِيك إلَّا دِرْهَمًا أَوْ لَا آكُلُ إلَّا هَذَا الرَّغِيفَ أَوْ لَا أَطَأُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ بِالْكُلِّيَّةِ فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ لِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ ذَلِكَ وَهُوَ كَوْنُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْعُ الزِّيَادَةِ وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا هُوَ الْأَوَّلُ لَكِنْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَائِدِهِ الثَّانِيَ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) الْقَوْلُ بِمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بَعِيدٌ حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ إنَّهُ فِي مِثْلِ مَا قَامَ إلَّا زَيْدٌ يَكَادُ يَلْحَقُ بِإِنْكَارِ الضَّرُورِيَّاتِ. وَإِجْمَاعُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَالَ الْكَمَالُ وَالْحَنَفِيَّةُ أَوَّلُوا قَوْلَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ بِأَنَّهُ مَجَازٌ تَعْبِيرًا عَنْ عَدَمِ الْحُكْمِ بِالْحُكْمِ بِالْعَدَمِ لِكَوْنِهِ لَازِمًا لَهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ)
стр. 563
فَنَحْوُ مَا قَامَ أَحَدٌ إلَّا زَيْدًا وَقَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا يَدُلُّ الْأَوَّلُ عَلَى إثْبَاتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَالثَّانِي عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ وَقَالَ لَا وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْقِيَامُ وَعَدَمُهُ وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مُخْرَجٌ مِنْ الْمَحْكُومِ بِهِ فَيَدْخُلُ فِي نَقِيضِهِ مِنْ قِيَامٍ وَعَدَمِهِ مَثَلًا أَوْ مُخْرَجٌ مِنْ الْحُكْمِ فَيَدْخُلُ فِي نَقِيضِهِ أَيْ لَا حُكْمَ إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ دَخَلَ فِي نَقِيضِهِ وَجُعِلَ الْإِثْبَاتُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ بِعُرْفِ الشَّرْعِ وَفِي الْمُفَرَّغِ، نَحْوُ مَا قَامَ إلَّا زَيْدٌ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ.
(وَ) الِاسْتِثْنَاءَاتُ (الْمُتَعَدِّدَةُ
ــ
[حاشية العطار]
أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ الذِّكْرُ فَإِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ مَذْكُورٌ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْحَيْثِيَّاتِ الْآتِيَةِ.
(قَوْلُهُ: فَنَحْوَ مَا قَامَ إلَخْ) مُرَتَّبٌ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا إلَخْ وَعَلَى خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ.
(قَوْلُهُ: وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ مُسْتَثْنًى مِنْ نَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَبْنَى الْخِلَافِ إلَخْ) فِي حَاشِيَةِ الْفَتَاوَى عَلَى التَّلْوِيحِ نَقْلًا عَنْ السَّيِّدِ أَنَّ مَبْنَى الْخِلَافِ هُوَ أَنَّ وَضْعَ الْأَلْفَاظِ لِلْأُمُورِ الذِّهْنِيَّةِ أَمْ لِلْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى الثَّانِي وَعُلَمَاؤُنَا إلَى الْأَوَّلِ وَلَمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ لَزِمَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ بَيْنَ الْأُمُورِ الذِّهْنِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ وَاسِطَةٌ بِالضَّرُورَةِ لَزِمَ الْقَوْلُ بِالْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْمَحْكُومِ بِهِ) أَيْ وَيَكُونُ الْمَعْنَى الْقَوْمُ قَائِمُونَ إلَّا زَيْدًا وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْقَوْمُ مَحْكُومًا بِقِيَامِهِمْ إلَّا زَيْدًا فَإِنَّهُ لَيْسَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْقِيَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ثَابِتٌ لَهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ قِيَامٍ أَوْ عَدَمِهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ نَفْيَ الْقِيَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ الِانْتِفَاءُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ النِّسْبَةَ الْكَلَامِيَّةَ وَاحِدَةٌ كَمَا حُقِّقَ فِي مَوْضِعِهِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْحُكْمِ) أَيْ حُكْمِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ الْإِيقَاعُ وَالِانْتِزَاعُ لَا الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ.
(قَوْلُهُ: إذْ الْقَاعِدَةُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلْمَبْنِيِّ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَجُعِلَ الْإِثْبَاتُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) أَيْ إثْبَاتُ الْأُلُوهِيَّةِ وَقَوْلُهُ بِعُرْفِ الشَّرْعِ أَيْ لَا بِوَضْعِ اللُّغَةِ وَرَدَّهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ خَاطَبَ النَّاسَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عُمُومًا لِإِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ وَحَصَلَ الْفَهْمُ لِذَلِكَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِأَمْرٍ زَائِدٍ وَلَوْ كَانَ وَضْعُ اللَّفْظِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لَبَيَّنَ الشَّارِعُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا مِنْ أَصْلِ وَضْعِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْبَعْضَ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ قِيلَ عَلَيَّ سَبْعَةٌ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ التَّكَلُّمُ بِالْعَشَرَةِ فِي حَقِّ لُزُومِ الثَّلَاثَةِ فَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي الْكَلَامِ بِجَعْلِهِ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ بِمَعْنَى أَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ إيقَاعٌ لِلْكُلِّ لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الدَّالُّ عَلَى النَّفْيِ عَنْ الْبَعْضِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا ثَلَاثَةً فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ فَلَا تَلْزَمُهُ الثَّلَاثَةُ لِلدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفًا فِي الْحُكْمِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ تَوْحِيدٍ أَيْ إقْرَارٌ بِوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى وَوَحْدَتِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَمَلُ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ وَإِثْبَاتُهُ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ لَمَا لَزِمَ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَاهُ، وَالتَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِهَا عَمَّا سِوَاهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ دَهْرِيٌّ مُنْكِرٌ لِصَانِعِ الْعَالَمِ لَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ وَرُجُوعِهِ عَنْ مُعْتَقَدِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ مُخَالِفٍ لِلصَّدْرِ اهـ. مِنْ التَّلْوِيحِ
стр. 564
إنْ تَعَاطَفَتْ فَلِلْأَوَّلِ) أَيْ فَهِيَ عَائِدَةٌ لِلْأَوَّلِ، نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً وَإِلَّا ثَلَاثَةً وَإِلَّا اثْنَيْنِ فَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ فَقَطْ (وَلَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَتَعَاطَفْ (فَكُلٌّ) مِنْهَا عَائِدٌ (لِمَا يَلِيهِ مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْهُ) ، نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً إلَّا أَرْبَعَةً إلَّا ثَلَاثَةً فَيَلْزَمُهُ سِتَّةٌ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ تَخْرُجُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ يَبْقَى وَاحِدٌ يَخْرُجُ مِنْ الْخَمْسَةِ يَبْقَى أَرْبَعَةٌ يَخْرُجُ مِنْ الْعَشَرَةِ تَبْقَى سِتَّةٌ فَإِنْ اسْتَغْرَقَ كُلَّ مَا يَلِيهِ بَطَلَ الْكُلُّ وَإِنْ اسْتَغْرَقَ غَيْرَ الْأَوَّلِ، نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا اثْنَيْنِ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً عَادَ الْكُلُّ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ فَقَطْ وَإِنْ اُسْتُغْرِقَ الْأَوَّلُ، نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً إلَّا أَرْبَعَةً قِيلَ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ لِبُطْلَانِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي تَبَعًا وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ اعْتِبَارًا لِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ وَقِيلَ سِتَّةٌ اعْتِبَارًا لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
(وَ) الِاسْتِثْنَاءُ (الْوَارِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ)
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: إنْ تَعَاطَفَتْ) أَيْ تَوَسَّطَ حَرْفُ الْعَطْفِ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ وَإِلَّا فَالْمُسْتَثْنَى الْأَوَّلُ لَا عَطْفَ فِيهِ (قَوْلُهُ: فَهِيَ عَائِدَةٌ لِلْأَوَّلِ) أَيْ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَا لِلْأَوَّلِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءَاتِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ وَعَوْدُهَا لِلْأَوَّلِ يُصَدَّقُ بِالْمُسْتَغْرِقِ وَبِغَيْرِهِ فَيَصِحُّ فِي الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي مُثِّلَ لَهُ وَيَبْطُلُ فِي الْأَوَّلِ مُطْلَقًا إنْ قُلْنَا بِجَمْعِ مُفَرَّقِهِ وَإِلَّا فَفِيمَا حَصَلَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ مَعَ مَا بَعْدَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ. اهـ. شَيْخُ الْإِسْلَامِ ثُمَّ إنَّ التَّفَاعُلَ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا حُكْمٌ بِحَسَبِ الْعَطْفِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا يَلِيهِ) الضَّمِيرُ الْبَارِزُ عَائِدٌ لِمَا وَالْمُسْتَتِرُ عَائِدٌ إلَى كُلٍّ فَالصِّلَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ إلَخْ) حَلَّ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمَتْنِ بِطَرِيقَةٍ لَا تُنَاسِبُهُ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي نَفْسِهَا وَالْمُطَابِقُ لِعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْخَمْسَةَ تَخْرُجُ مِنْ الْعَشَرَةِ ثُمَّ الْأَرْبَعَةَ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْمُخْرَجَةِ ثُمَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اُسْتُغْرِقَ كُلُّ مَا يَلِيهِ) ، نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً إلَّا إحْدَى عَشَرَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ) هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَصَحِّ فِي الطَّلَاقِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ إنَّهُ الْأَقْيَسُ.
تَنْبِيهٌ
مَحَلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءَاتِ إذَا أَمْكَنَ إخْرَاجُ كُلٍّ مِنْهَا مِمَّا قَبْلَهُ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ بِخِلَافِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ، نَحْوُهُ كَأَمْرِ رَبِّهِمْ إلَّا الْفَتَى إلَّا الْعُلَا إذْ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ فَإِلَّا الثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ بِخِلَافِ نَحْوِ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا ثَلَاثَةً إذْ الثَّانِي مِثْلُ الْأَوَّلِ لَا عَيْنُهُ. اهـ. شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: لِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي) أَيْ الْمُسْتَثْنَى الثَّانِي وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَقَوْلُهُ مِنْ الْأَوَّلِ أَيْ مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ عَشَرَةٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً يَخْرُجُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ يَبْقَى سِتَّةٌ مُخْرَجَةٌ مِنْ الْعَشَرَةِ يَبْقَى أَرْبَعَةٌ فَالْأَوَّلُ مُعْتَبَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الثَّانِي كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: دُونَ الْأَوَّلِ) أَيْ فَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ كَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ وَكَأَنَّهُ قِيلَ ابْتِدَاءً لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِثْنَاءُ الْوَارِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْمَنْخُولِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ الْجُمَلُ الْمُسْتَقِلَّةُ إذَا عُطِفَ الْبَعْضُ مِنْهَا عَلَى الْبَعْضِ بِالْوَاوِ التَّاسِعَةِ وَعُقِّبَ بِاسْتِثْنَاءٍ رَجَعَ إلَى الْجَمَلِ كُلِّهَا وَبُنِيَ عَلَيْهِ قَبُولُ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَقَالَ أَيْضًا لَوْ أَقَرَّ لِبَنِي عَمْرٍو وَبَنِي بَكْرٍ إلَّا الْفُسَّاقَ يُسْتَثْنَى الْفُسَّاقُ مِنْ الْقَبِيلَتَيْنِ وَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ الْجُمَلَ صَارَتْ كَجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلنَّسَقِ لَا لِلْجَمْعِ وَكَيْفَ تَجْتَمِعُ جُمَلٌ مُتَنَاقِضَةٌ كَقَوْلِك أَكْرَمْت بَنِي عَمْرٍو وَأَهَنْت بَنِي خَالِدٍ وَضَرَبْت بَنِي زَيْدٍ لَيْسَ هَذَا كَقَوْلِهِ رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَعَمْرًا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَالْقَطْعُ بِانْعِطَافِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْكُلِّ تَحَكُّمٌ اهـ.
فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَقَدْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمُخْتَارُ عِنْدَ وَالِدِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُقَيَّدُ بِالْوَاوِ بَلْ الضَّابِطُ عِنْدَهُ الْعَاطِفُ الْجَامِعُ بِالْوَضْعِ كَالْوَاوِ وَالْفَاءِ وَثُمَّ بِخِلَافِ بَلْ وَلَكِنْ أَيْ وَنَحْوُهَا كَأَوْ وَلَا وَبَلْ قَالَ
стр. 565
عَائِدٌ (لِلْكُلِّ) حَيْثُ صَلَحَ لَهُ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مُطْلَقًا (وَقِيلَ إنْ سِيقَ الْكُلُّ لِغَرَضٍ) وَاحِدٍ عَادَ لِلْكُلِّ، نَحْوُ حَبَسْتُ دَارِي عَلَى أَعْمَامِي وَوَقَفْت بُسْتَانِي عَلَى أَخْوَالِي وَسَبَّلْت سِقَايَتِي لِجِيرَانِي إلَّا أَنْ يُسَافِرُوا وَإِلَّا عَادَ لِلْأَخِيرَةِ فَقَطْ، نَحْوُ أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ وَاحْبِسْ دِيَارَك عَلَى أَقَارِبِك وَأَعْتِقْ عَبِيدَك إلَّا الْفَسَقَةَ مِنْهُمْ (وَقِيلَ
ــ
[حاشية العطار]
الزَّرْكَشِيُّ التَّقْيِيدُ بِالْوَاوِ وَإِنَّمَا هُوَ احْتِمَالٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ فِي الْبُرْهَانِ بِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ عَوْدُهُ إلَى الْجَمِيعِ وَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِثُمَّ وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ تَضْعِيفِ الْقَوْلِ الَّذِي بَعْدَهُ وَسَكَتَ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْجُمَلِ
وَقَدْ قَالَ أَخُو الْمُصَنِّفِ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ فِي بَحْثِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ فَهَلْ هُوَ كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَهُمَا لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ تَعَدِّي الِاسْتِثْنَاءِ الْأَخِيرِ إلَى الْجَمِيعِ أَنَّ الْعَطْفَ يُصَيِّرُ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُفْرَدِ وَهَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ تَقَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ تَوَسَّطَ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ إلَّا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُخْرِجَ مِمَّا قَبْلَهَا لَا مِمَّا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا الْعَامِلُ فِي الْمُسْتَثْنَى هُوَ إلَّا كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْمُبَرِّدِ فَلَا يَتَعَدَّى الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَةِ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَأَخُّرُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَنْ الْمُسْتَثْنَى وَالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ مَعًا وَقَدْ حَمَلُوا عَلَى الشُّذُوذِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
خَلَا اللَّهَ لَا أَرْجُو سِوَاكَ وَإِنَّمَا ... أَعُدُّ عِيَالِي شُعْبَةً مِنْ عِيَالِكَا
وَإِنْ قُلْنَا الْعَامِلُ فِي الْمُسْتَثْنَى هُوَ مَا قَبْلَهَا أَوْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلْيَعُدْ إلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّا حِينَئِذٍ لَمْ نُؤَخِّرْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَنْ الْمُسْتَثْنَى بَلْ نُقَدِّرُ اسْتِثْنَاءً آخَرَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ كَمَا نُقَدِّرُ اسْتِثْنَاءً عَقِبَ مَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ إذَا تَأَخَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ عَنْهَا وَيَكُونُ حَذَفَ مِنْ أَحَدِهِمَا لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَلَا وَجْهَ لِعَوْدِ الْمُسْتَثْنَى الْمُتَأَخِّرِ لِلْجُمَلِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَامِلَ مَا قَبْلَهَا إلَّا ذَلِكَ وَقَدْ انْحَلَّ لَنَا بِهَذَا إشْكَالٌ كَبِيرٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ إعَادَتَهُمْ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْجُمَلِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُسْتَثْنَى هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَوَارُدُ عَوَامِلُ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ وَقَوْلُهُ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا لَا يُنَافِي وُجُودَهُ فِي الْوَاقِعِ وَقَدْ ظَفِرَ بِهِ الْبِرْمَاوِيُّ فَقَالَ وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْآخَرِ فَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو مَنْصُورٍ، نَحْوُ أَعْطِ بَنِي زَيْدٍ إلَّا مَنْ عَصَاك وَأَعْطِ بَنِي عَمْرٍو وَحَكَيَا عَنْ الْأَصْحَابِ فِيهَا وَجْهَيْنِ الرُّجُوعَ إلَيْهِمَا وَإِلَى مَا قَبْلَهُ دُونَ مَا بَعْدَهُ اهـ. ثُمَّ الشَّارِحُ لَمْ يَذْكُرْ مُحْتَرَزَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُتَعَاطِفَةٌ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُتَعَاطِفَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ فَمِنْ قَائِلٍ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ وَاتِّبَاعِهِ وَمِنْ قَائِلٍ بِعَدَمِ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ وَأَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْأَخِيرِ فَقَطْ وَقَدْ بَيَّنَهُ الْبِرْمَاوِيُّ ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَيَانِيَّيْنِ ذَكَرُوا أَنَّ تَرْكَ الْعَطْفِ قَدْ يَكُونُ لِكَمَالِ الِارْتِبَاطِ، نَحْوُ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وَحِينَئِذٍ فَفِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ السُّبْكِيُّ لَا يَبْعُدُ مَجِيءُ الْخِلَافِ فِيهِ قَالَ وَلَدُهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا لَمَّا صَارَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهُ يَعُودُ لِلْجَمِيعِ قَطْعًا.
(قَوْلُهُ: عَائِدٌ لِلْكُلِّ) أَيْ لِلْجُمَلِ الْكُلِّ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا حَالٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الظُّهُورِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ لَا نِزَاعَ فِي إمْكَانِ رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ وَالْأَخِيرِ بَلْ فِي الظُّهُورِ فَعِنْدَنَا إلَى الْأَخِيرَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَى الْجَمِيعِ كَالشَّرْطِ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ:، نَحْوُ حَبَسْت إلَخْ) فَإِنَّ الْفَرْضَ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوَقْفُ. (قَوْلُهُ: سِقَايَتِي) أَيْ مَا يَسْتَقِي مِنْهَا فَإِنْ قَصَدَ الْعَيْنَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الْمَاءُ صَحَّ الْوَقْفُ وَإِنْ قَصَدَ عَيْنَ الْمَاءِ الْمَوْجُودَةَ بَطَلَ إنْ قَصَدَ بِسَبَّلْتُ الْوَقْفَ وَإِنْ قَصَدَ الصَّدَقَةَ لَا فَالْأَسْبِلَةُ الْمَوْجُودَةُ بِمِصْرَ لَيْسَ مَاؤُهَا هُوَ الْمَوْقُوفُ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ بَلْ الْمَوْقُوفُ الْجِهَةُ الْمُعَيَّنُ مَصْرِفُهَا لِشِرَاءِ الْمَاءِ وَالْمَاءُ مَوْقُوفٌ تَبَعًا فَلَا يَضُرُّ ذَهَابُ عَيْنِهِ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا عَادَ لِلْأَخِيرَةِ فَقَطْ) هَلَّا قَالَ وَإِلَّا عَادَ لِلْأَخِيرَةِ وَلَمَّا اتَّفَقَ مَعَهَا فِي الْفَرْضِ فَقَطْ لِيُفِيدَ عَوْدَهُ فِي نَحْوِ قَوْلِك أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ
стр. 566
إنْ عُطِفَ بِالْوَاوِ) عَادَ لِلْكُلِّ بِخِلَافِ الْفَاءِ وَثُمَّ مَثَلًا فَلِلْأَخِيرَةِ وَعَلَى هَذَا الْآمِدِيُّ حَيْثُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعَطْفِ بِالْوَاوِ (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْإِمَامُ) الرَّازِيّ (لِلْأَخِيرَةِ) فَقَطْ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ (وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ) بَيْنَ عَوْدِهِ لِلْكُلِّ وَعَوْدِهِ لِلْأَخِيرَةِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ (وَقِيلَ بِالْوَقْفِ) أَيْ لَا يُدْرَى مَا الْحَقِيقَةُ مِنْهُمَا وَيَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ بِالْقَرِينَةِ وَحَيْثُ وُجِدَتْ انْتَفَى الْخِلَافُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَهُ قَالَ السُّهَيْلِيُّ بِلَا خِلَافٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلَى قَوْلِهِ
ــ
[حاشية العطار]
وَأَعْتِقْ عَبِيدَك وَاحْبِسْ دَارَك عَلَى أَعْمَامِك وَقِفْ بُسْتَانَك عَلَى إخْوَتِك وَسَبِّلْ بِئْرَك عَلَى جِيرَانِك إلَّا الْفَسَقَةَ مِنْهُمْ إلَى قَوْلِهِ وَاحْبِسْ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ قِيَاسُهُ الظَّاهِرُ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: إنْ عُطِفَ بِالْوَاوِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ فَالْمُتَبَادِرُ مِنْهَا اجْتِمَاعُ الْكُلِّ فِي التَّقْيِيدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَقَوْلُهُ مَثَلًا أَدْخَلَ بِهِ حَتَّى فَإِنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ أَيْضًا وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ الْأَصْحَابَ قَدْ أَطْلَقُوا فِي عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْجَمِيعِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ وَرَأَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ فَإِنْ كَانَ بِثُمَّ اُخْتُصَّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ كَلَامٌ طَوِيلٌ فَإِنْ تَخَلَّلَ كَقَوْلِهِ عَلَى أَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَعْقَبَ فَنَصِيبُهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُعَقِّبْ فَنَصِيبُهُ لِلَّذِينَ فِي دَرَجَتِهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَهُوَ مَصْرُوفٌ إلَى إخْوَتِي إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمْ الِاسْتِثْنَاءُ يَخْتَصُّ بِإِخْوَتِهِ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَصَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَاسْتِدْلَالُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ يَقْتَضِيهِ أَيْضًا اهـ. فَلْيُنْظَرْ هَذَا مَعَ مَا نُقِلَ سَابِقًا عَنْ الزَّرْكَشِيّ فَتَذَكَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ) أَوْ نَاقَضَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِبَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ إنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى الْكُلِّ وَنَاقَضَ فِي الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ أَوْصَيْتُ لِبَنِي فُلَانٍ وَلِبَنِي بَكْرٍ الْمَسَاكِينِ مِنْهُمْ قَالَ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا، وَالتَّحَكُّمُ أَيْضًا بِالِانْحِصَارِ بَاطِلٌ إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَوْصَيْت لِبَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ إلَّا الْفُسَّاقَ وَيَعْنِي بِهِ اسْتِثْنَاءَهُمْ عَنْ الْكُلِّ قَالَهُ فِي الْمَنْخُولِ.
(قَوْلُهُ: فَقَطْ) أَيْ مُطْلَقًا أَيْ لِفَرْضٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا عَطَفَ بِالْوَاوِ أَوْ لَا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ) لِكَوْنِهِ بِلَصْقِهِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ بِالْوَقْفِ) قَالَ بِهِ الْغَزَالِيُّ لِقَوْلِهِ فِي الْمَنْخُولِ فَالْوَجْهُ التَّرَدُّدُ وَإِبْطَالُ التَّحَكُّمِ بِكِلَا الْجَانِبَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لَا يُدْرَى مَا الْحَقِيقَةُ مِنْهُمَا) أَيْ أَوْ هُمَا فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْوَقْفِ لَمْ يُجْزَمْ فِيهِ بِشَيْءٍ.
(قَوْلُهُ: الْأَخِيرَيْنِ) أَيْ الِاشْتِرَاكِ وَالْوَقْفِ.
(قَوْلُهُ: انْتَفَى الْخِلَافُ) أَيْ ثَمَرَتُهُ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ وَالْوَقْفِ مَوْجُودٌ بَلْ وَيُوجَدُ مَعَ الْأَوَّلِ أَيْضًا فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ يُعْدَلُ عَنْهَا لِلْقَرِينَةِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى) أَيْ كَالْقَرِينَةِ فِي قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ إلَخْ وَالْقَرِينَةُ فِيهَا وَفِي آيَةِ الْحِرَابَةِ بَعْدَهُ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِيهَا عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ مَا مَرَّ إذْ لَا مُخَصِّصَ لِبَعْضٍ مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ فَالِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَهُ عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ وَالْقَرِينَةُ فِي آيَةِ الْقَتْلِ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي يَصَّدَّقُوا عَلَى أَهْلِ الْقَتِيلِ وَهُمْ مَذْكُورُونَ فِي الدِّيَةِ لَا فِي التَّحْرِيرِ مَعَ أَنَّ التَّصَدُّقَ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ آدَمِيٌّ بِخِلَافِ التَّحْرِيرِ اهـ.
زَكَرِيَّا وَقَالَ الْكَمَالُ الْقَرِينَةُ فِي آيَةِ الْحِرَابَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ ﴿الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٣٣] فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ دَفْعَةً لِأَنْوَاعِهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ الْعُقُوبَاتُ بِاخْتِلَافِهَا لَا تَرْتِيبَ فِيهَا بِاعْتِبَارِ تَنَاوُلِهِ لَهَا لِيَعُودَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] وَمَا بَعْدَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ عَائِدٌ إلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] وَهُوَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْكَلَامُ فِي جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَفَادَهُ النَّاصِرُ وَمُحَصَّلُ جَوَابِ سم بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٦٨] مُنْطَبِقًا عَلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ كَانَ عَائِدًا لَهَا
стр. 567
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إجْمَاعًا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْأَخِيرَةِ أَيْ الدِّيَةِ دُونَ الْكَفَّارَةِ قَطْعًا أَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْأَخِيرَةِ غَيْرُ عَائِدٍ إلَى الْأَوَّلِ أَيْ الْجَلْدِ قَطْعًا لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَفِي عَوْدِهِ إلَى الثَّانِيَةِ أَيْ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْخِلَافُ فَعِنْدَنَا نَعَمْ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا.
(وَ) الِاسْتِثْنَاءُ (الْوَارِدُ بَعْدَ مُفْرَدَاتٍ) نَحْوُ تَصَدَّقْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ إلَّا الْفَسَقَةَ مِنْهُمْ (أَوْلَى بِالْكُلِّ) أَيْ بِعَوْدِهِ لِلْكُلِّ مِنْ الْوَارِدِ بَعْدَ جُمَلٍ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْمُفْرَدَاتِ (أَمَّا الْقِرَانُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ لَفْظًا) بِأَنْ تُعْطَفَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (فَلَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ) بَيْنَهُمَا (فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ حُكْمًا) أَيْ فِيمَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْ الْحُكْمِ الْمَعْلُومِ لِإِحْدَاهُمَا مِنْ خَارِجٍ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ)
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ أَيْ جَمِيعِ قَوْلِهِ ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: ٣٣] وَمَا بَعْدَهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذِهِ مُفْرَدَاتٌ لَا جُمَلٌ؛ لِأَنَّ أَنْ الْمَصْدَرِيَّةَ وَالْفِعْلَ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وَهُوَ مُفْرَدٌ قَالَهُ النَّاصِرُ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ تَسَمَّحُوا فِي عَدِّ مِثْلِ هَذِهِ جُمَلًا نَظَرًا إلَى أَصْلِهَا قَبْلَ دُخُولِ أَنْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى الْعَوْدِ لِجَمِيعِ الْجُمَلِ السَّابِقَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ وَالتَّسَمُّحُ بِنَحْوِ ذَلِكَ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ بِحَيْثُ لَا يُسْتَنْكَرُ.
(قَوْلُهُ: عَائِدٌ إلَى الْأَخِيرَةِ) بَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: ٩٢] وَقَوْلُهُ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] مُفْرَدٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُبْتَدَأٌ وَالثَّانِيَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهُ مُبْتَدَأً مُقَدَّرَ الْخَبَرِ أَيْ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَعَلَيْهِ دِيَةٌ فَيَكُونُ عَلَى عَطْفِ الْجُمَلِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: ٤] إلَخْ) هَذَا الصَّنِيعُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَاجْلِدُوهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَغَيْرِهِ فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَ جُمْلَةَ وَلَا تَقْبَلُوا مُنْقَطِعَةً عَنْ جُمْلَةِ فَاجْلِدُوهُمْ مَعَ أَنَّ كَوْنَهَا مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى وَمُنْشَأُ هَذَا الزَّعْمِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَبِلَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْفِسْقِ وَلَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ الْجَلْدَ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْأَخِيرَتَيْنِ وَقُطِعَ لَا تَقْبَلُوا عَنْ اجْلِدُوا إذْ لَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَيْهِ لَسَقَطَ الْجَلْدُ عَنْ التَّائِبِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ مِنْ صَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: قَطْعًا) أَيْ اتِّفَاقًا فِيهِمَا وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ إلَخْ بَيَانٌ لِقَرِينَةِ عَدَمِ عَوْدِهِ إلَى الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: الْخِلَافُ) أَيْ السَّابِقُ وَقَوْلُهُ فَعِنْدَنَا نَعَمْ أَيْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَارِدِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ فِي بَعْضِهَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا؛ لِأَنَّهُ يَخُصُّهُ بِالْأَخِيرَةِ فَعَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَهُوَ لَا يُصَدَّقُ بِالتَّوْبَةِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ أَنَّهُ قَذَفَ بِلِسَانِهِ فَجَزَاؤُهُ قَطْعُهُ.
(قَوْلُهُ: مُفْرَدَاتٍ) أَيْ مَعْنًى وَلَفْظًا، فَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ جُمْلَةً، وَفِي الْمَعْنَى مُفْرَدًا وَرَدَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، فَإِنَّ الْجُمَلَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي آيَةِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ فِي تَأْوِيلِ الْمُفْرَدَاتِ بِأَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنْ لَا خِلَافَ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِالْجُمَلِ قَدْ وَقَعَ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ فَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: إذَا قَالَ: حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ طَالِقَتَانِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ عَقِبَ الْجُمَلِ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْمُفْرَدَاتِ) أَيْ فَكَأَنَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْقِرَانُ) بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي بِالْوَصْلِ قَالَ سم: وَمُنَاسَبَةُ هَذَا لِمَا قَبْلَهُ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ لِلْأُخْرَى نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي رُجُوعِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ لِمَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: لَفْظًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ عَنْ النِّسْبَةِ أَوْ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ حُكْمًا وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْقِرَانِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ بِأَنْ يَتَبَيَّنَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا) بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] فَعَطَفَ وَاجِبًا عَلَى مُبَاحٍ قَالَهُ الشَّيْخُ خَالِدٌ (قَوْلُهُ: حُكْمًا) أَيْ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ
стр. 568
مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (وَالْمُزَنِيِّ) مُنَافِي قَوْلِهِمَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فِي ذَلِكَ مِثَالُهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» فَالْبَوْلُ فِيهِ يُنَجِّسُهُ بِشَرْطِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَذَلِكَ حِكْمَةُ النَّهْيِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فَكَذَا الِاغْتِسَالُ فِيهِ لِلْقِرَانِ بَيْنَهُمَا وَوَافَقَهُ أَصْحَابُهُ فِي الْحُكْمِ لِدَلِيلِ غَيْرِ الْقِرَانِ وَخَالَفَهُ الْمُزَنِيّ فِيهِ لِمَا تَرَجَّحَ عَلَى الْقِرَانِ فِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْحَدِيثِ طَاهِرٌ لَا نَجِسٌ وَيَكْفِي فِي حِكْمَةِ النَّهْيِ ذَهَابُ الطَّهُورِيَّةِ.
(الثَّانِي) مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ (الشَّرْطُ) بِمَعْنَى صِيغَتِهِ (وَهُوَ) أَيْ الشَّرْطُ نَفْسُهُ (مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ) احْتَرَزَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَائِعِ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: الَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالْجُمَلِ النَّاقِصَةِ كَقَوْلِهِ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا﴾ [الطلاق: ٢] فَالْجُمْلَتَانِ كَجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْإِشْهَادُ فِي الْمُفَارَقَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَكَذَا فِي الرَّجْعَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا فَلَا يَقْتَضِي بِثُبُوتِ حُكْمٍ فِي إحْدَاهُمَا ثُبُوتُهُ فِي الْأُخْرَى أَيْ فَلَا يُقَالُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ لِلْقِرَانِ اهـ.
وَمُرَادُهُ بِالْجُمَلِ النَّاقِصَةِ غَيْرُ الْمُسْتَقِلَّةِ كَالْوَاقِعَةِ جَزَاءً لِلشَّرْطِ كَمَا مُثِّلَ بِهِ لَكِنْ عَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ تَمْثِيلُ الشَّارِحِ بِالْحَدِيثِ الْآتِي؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ جُمْلَتَيْهِ مُسْتَقِلَّةٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْحَنَفِيَّةُ فِرْقَتَانِ فِرْقَةٌ قَيَّدَتْ، وَفِرْقَةٌ أَطْلَقَتْ (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ (قَوْلُهُ: مِثَالُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد) الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ النَّهْيُ فَتَشَارَكَا فِيهِ وَاَلَّذِي لَمْ يُذْكَرْ هُوَ التَّنْجِيسُ بِهِمَا (قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ) وَهُوَ كَوْنُ الْمَاءِ قَلِيلًا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ أَوْ بَلَغَهُمَا وَتَغَيَّرَ عِنْدَنَا - مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَدَارُ التَّنْجِيسِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى التَّغَيُّرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِقِلَّةِ الْمَاءِ أَوْ كَثْرَتِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ) أَيْ التَّنْجِيسُ مَعْلُومٌ أَيْ بِدَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْ الْآيَةِ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ التَّنْجِيسُ (قَوْلُهُ: وَخَالَفَهُ الْمُزَنِيّ فِيهِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي مِثَالِهِ لِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ الْقِرَانُ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِأَبِي يُوسُفَ فِي أَنَّ الْقِرَانَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ، كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمُخَالِفٌ لَهُ فِي حُكْمِهِ الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ لِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ الْقِرَانِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: لِمَا تَرَجَّحَ) أَيْ لِدَلِيلٍ تَرَجَّحَ، وَقَوْلُهُ: فِي أَنَّ الْمَاءَ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَاءَ إلَخْ (قَوْلُهُ: ذَهَابُ الطَّهُورِيَّةِ) لِأَنَّهُ بِالِاسْتِعْمَالِ صَارَ غَيْرَ طَهُورٍ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لِبَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ فَلَعَلَّ حِكْمَةَ النَّهْيِ تَقْذِيرُهُ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُسْتَبْحَرُ إلَّا أَنْ يُلْتَزَمَ فِيهِ عَدَمُ النَّهْيِ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى صِيغَتِهِ) لِأَنَّهَا الْمَوْصُوفَةُ بِالِاتِّصَالِ، وَالْكَلَامُ فِي الْمُخَصَّصِ الْمُتَّصِلِ وَهُوَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ، وَالْمُرَادُ بِالصِّيغَةِ هُنَا الْجُمْلَةُ الْأُولَى مِنْ جُمْلَتَيْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لَا الْأَدَاةُ، وَإِطْلَاقُ الشَّرْطِ عَلَى الصِّيغَةِ لُغَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى وُقُوعِ الْجَزَاءِ، وَإِلَّا فَالشَّرْطُ لُغَةً مُحَقِّقٌ ذَلِكَ نَعَمْ تَسْمِيَتُهَا شَرْطًا اصْطِلَاحِيَّةٌ (قَوْلُهُ: أَيْ الشَّرْطُ نَفْسُهُ إلَخْ) فَفِي عِبَارَتِهِ اسْتِخْدَامٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ نَفْسِهِ مَدْلُولُ الصِّيغَةِ، وَهُوَ التَّعْلِيقُ مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ بِمَا ذُكِرَ الشَّرْطُ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُشْتَرَطِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ إلَخْ فَفِي عِبَارَتِهِ تَسَمُّحٌ (قَوْلُهُ: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ) مَا وَاقِعَةٌ عَلَى شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ الْمَاهِيَّةِ لِمَا اُشْتُهِرَ أَنَّ الشَّرْطَ مَا كَانَ خَارِجَ الْمَاهِيَّةِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ التَّعْرِيفَ شَامِلٌ لِلرُّكْنِ (قَوْلُهُ: بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ إلَخْ) الْقَيْدُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ.
وَالْقَيْدُ الثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ، وَلَا عَدَمٌ، وَالْقَيْدُ الثَّالِثُ هُوَ قَوْلُهُ: لِذَاتِهِ، وَسَكَتَ عَنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَلَا عَدَمٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ الْمَانِعُ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِهِ الْعَدَمُ، وَإِخْرَاجُهُ فِيمَا سَبَقَ
стр. 569
فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ شَيْءٌ، وَبِالثَّانِي مِنْ السَّبَبِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَبِالثَّالِثِ مِنْ مُقَارَنَةِ الشَّرْطِ لِلسَّبَبِ فَيَلْزَمُ الْوُجُودُ كَمَوْجُودِ الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ النِّصَابِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، وَمِنْ مُقَارَنَتِهِ لِلْمَانِعِ كَالدَّيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَيَلْزَمُ الْعَدَمُ فَلُزُومُ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فِي ذَلِكَ لِوُجُودِ السَّبَبِ، وَالْمَانِعُ لَا لِذَاتِ الشَّرْطِ ثُمَّ هُوَ عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ وَشَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَعَادِيٌّ كَنَصْبِ السُّلَّمِ لِصُعُودِ السَّطْحِ وَلُغَوِيٌّ وَهُوَ الْمُخَصَّصُ كَمَا فِي أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إنْ جَاءُوا أَيْ الْجَائِينَ مِنْهُمْ فَيَنْعَدِمُ الْإِكْرَامُ الْمَأْمُورُ بِانْعِدَامِ الْمَجِيءِ وَيُوجَدُ بِوُجُودِهِ إذَا اُمْتُثِلَ الْأَمْرُ (وَهُوَ) أَيْ الشَّرْطُ الْمُخَصِّصُ (كَالِاسْتِثْنَاءِ اتِّصَالًا) فَفِي وُجُوبِهِ هُنَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ
ــ
[حاشية العطار]
بِاعْتِبَارِ عَدَمِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ اعْتِبَارَانِ خَرَجَ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ الْعَدَمُ، وَخَرَجَ ثَانِيًا بِاعْتِبَارِ الْآخَرِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَلَا عَدَمٌ، ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَيْدَ الثَّالِثَ مُخْتَصٌّ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ إلَخْ
وَلَا يَرْجِعُ لِمَا قَبْلَهُ أَيْضًا أَعْنِي قَوْلَهُ: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَالْوَجْهُ رُجُوعُهُ لَهُ أَيْضًا لِإِخْرَاجِ الْمَانِعِ إذَا قَارَنَهُ عَدَمُ الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمِ لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ الْعَدَمُ الشَّرْطُ الَّذِي قَارَنَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ إلَخْ) وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ (قَوْلُهُ: مُقَارَنَةِ الشَّرْطِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: التَّعْبِيرُ بِالْمُقَارَنَةِ تَسَمُّحٌ؛ لِأَنَّ الْمَدْخَلَ إنَّمَا هُوَ الشَّرْطُ الْمُقَارِنُ لِذَلِكَ لَا الْمُقَارَنَةُ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ بَعْدُ لَا لِذَاتِ الشَّرْطِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَيْدِ لِذَاتِهِ؛ وَلِذَا حَذَفَ بَعْضَهُمْ؛ إذْ الْمُقْتَضِي لِمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ الْمُقَارِنُ لَهُ مِنْ السَّبَبِ أَوْ الْمَانِعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَوُجُودِ الْحَوْلِ إلَخْ) لَمْ يُفْرَضْ الْكَلَامُ فِي الْوُضُوءِ وَدُخُولِ الْوَقْتِ لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْوُضُوءَ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَدُخُولُ الْوَقْتِ سَبَبٌ فِي الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ مُقَارَنَتِهِ) أَيْ الشَّرْطِ (قَوْلُهُ: فَلُزُومُ الْوُجُودِ إلَخْ) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمُقَارَنَتَيْنِ (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ السَّبَبِ) أَيْ فِي الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَالْمَانِعُ) أَيْ فِي الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: لَا لِذَاتِ الشَّرْطِ) فَقَوْلُهُ: لِذَاتِهِ رَاجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى، وَكَانَ الْقَيْدُ بِالنِّسْبَةِ لَهَا لِلْإِيضَاحِ، وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ عَدَمِ الشَّرْطِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ هُوَ) أَيْ الشَّرْطُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا الشَّرْطُ الْمُخَصَّصُ بِقَرِينَةٍ آخِرَ كَلَامِهِ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَيْسَتْ مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ أَشَارَ بِهَا إلَى أَنَّ الشَّرْطَ قَدْ يَكُونُ شَرْطًا فِيمَا لَيْسَ مُؤَثِّرًا فَإِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مُؤَثِّرًا، وَكَذَا الْعِلْمُ شَرْطٌ فِي الْإِرَادَةِ، وَهِيَ مُخَصِّصَةٌ لَا مُؤَثِّرَةٌ خِلَافًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي الْمَحْصُولِ فِي ضَابِطِهِ: إنَّهُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَلُغَوِيٌّ) إدْخَالُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، وَهُوَ الصِّيغَةُ؛ لِأَنَّهَا لَفْظٌ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا التَّعْرِيفُ الْمُتَقَدِّمُ وَالصِّيغَةُ، وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْكُلِّ إلَّا أَنَّ الْمُلْتَفَتَ إلَيْهِ فِي التَّخْصِيصِ كَوْنُهَا وَارِدَةً عَلَى قَانُونِ اللُّغَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْجَائِينَ مِنْهُمْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ يَرْجِعُ إلَى الصِّفَةِ (قَوْلُهُ: فَيَنْعَدِمُ الْإِكْرَامُ إلَخْ) وَهُوَ الْمَشْرُوطُ، فَإِنَّ الْمَشْرُوطَ هُوَ الْإِكْرَامُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَا مُطْلَقًا فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ: هَذَا الْمِثَالُ لَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُ الْإِكْرَامِ مِنْ عَدَمِ الْمَجِيءِ (قَوْلُهُ: إذَا اُمْتُثِلَ) أَيْ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ لِذَاتِهِ حَتَّى يَلْزَمَ أَنَّهُ سَبَبٌ لَا شَرْطٌ؛ لِأَنَّهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ جَعْلِيٌّ أَيْ يَجْعَلُ الْمُتَكَلِّمَ وَاعْتِبَارُهُ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ إلَخْ فَلَا يَصِحُّ إدْرَاجُهُ هُنَا لِعَدَمِ انْطِبَاقِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ الْغَالِبِ، وَالْكَلَامُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ
(قَوْلُهُ: اتِّصَالًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ الْمُضَافِ، وَالْأَصْلُ اتِّصَالُهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ (قَوْلُهُ: الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ) أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 570
عَلَى الْأَصَحِّ الْآتِي لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُ فِي إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ صِفَةُ شَرْطٍ وَقِيلَ يَجِبُ اتِّصَالُ الشَّرْطِ اتِّفَاقًا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ حَيْثُ قَالَ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا (وَأَوْلَى) مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ (بِالْعَوْدِ إلَى الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ نَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَأَحْسِنْ إلَى رَبِيعَةَ وَاخْلَعْ عَلَى مُضَرَ إنْ جَاءُوك (عَلَى الْأَصَحِّ) وَقِيلَ: يَعُودُ إلَى الْكُلِّ اتِّفَاقًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرًا بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَضُعِّفَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِهِ فَقَطْ (وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْأَكْثَرِ بِهِ وِفَاقًا) نَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إنْ كَانُوا عُلَمَاءَ، وَيَكُونُ جُهَّالُهُمْ أَكْثَرَ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَفِي إخْرَاجِ الْأَكْثَرِ بِهِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ، وَفِي حِكَايَةِ الْوِفَاقِ تَسَمُّحٌ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ الْقَوْلِ
ــ
[حاشية العطار]
وَغَيْرِهِ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ لِلْأَصْفَهَانِيِّ قَالَ الْمَازِرِيُّ: التَّوَابِعُ هِيَ النَّعْتُ وَالْعَطْفُ وَالتَّأْكِيدُ وَالْبَدَلُ وَالشَّرْطُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ اتِّصَالِهَا وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَفِيهِ الْخِلَافُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ الْآتِي) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى الْأَصَحِّ عَائِدٌ لِمَا هُنَا أَيْضًا، وَهُوَ يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ، وَيُقَيِّدُ مَا فِي النَّاصِرِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى الْأَصَحِّ رَاجِعٌ لِلْأَوْلَوِيَّةِ، وَهُوَ يَصْدُقُ بِالِاتِّفَاقِ فَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مِنْ الِاتِّفَاقِ لَا يُنَافِي التَّصْحِيحَ كَمَا ادَّعَاهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ أَصْلَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ) أَيْ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] الْآيَةَ فَقَالَ الشَّارِحُ هُنَاكَ: وَمِثْلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا الِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ حَيْثُ جَرَى فِيهَا الْخِلَافُ، وَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَوْقُوفَةً عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - كَانَ الظَّاهِرُ وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ إرَادَتَهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ غَيْرِهَا
(قَوْلُهُ: وَأَوْلَى مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ إلَخْ) وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ يُعْرَفُ مِنْ الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَهُ بُعَيْدَهُ وَلِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنْهُ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِعَوْدِهِ لِلْكُلِّ وَبِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ لِمَا قَبْلَهُ فَقَطْ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: أَيْ كُلُّ الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ) لَوْ قَالَ أَيْ كُلُّ الْمُتَعَاطِفَاتِ كَانَ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْمُفْرَدَاتِ وَتَقَدَّمَ الشَّرْطُ اهـ. زَكَرِيَّا.
وَقَدْ يُقَالُ: الْعُذْرُ فِي اقْتِصَارِ الشَّارِحِ عَلَى الْجُمَلِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُفْرَدَاتُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الْفُرُوعِ وَاسْتِدْلَالُ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الِاتِّفَاقُ فِي الْمُفْرَدَاتِ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ فَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ تَقَدُّمَ الِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى يُحِيلَ عَلَيْهِ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَعُودُ إلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ الْعَوْدِ مَعَ أَنَّ التَّصْحِيحَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِلْأَوْلَوِيَّةِ لَا لِلْعُودِ، وَمُقَابِلُهُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ، وَأَمَّا الْعَوْدُ اتِّفَاقًا فَهُوَ مَصْدُوقُ الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُتَحَقِّقَةٌ فِيهِ كَذَا اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ وَهُوَ بِخِلَافِ الْمُتَبَادَرِ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْعَوْدِ لِلْكُلِّ، وَالتَّرْجِيحُ عَلَيْهِ تَصِحُّ الْمُقَابَلَةُ، وَلَوْ جُعِلَتْ الْأَوْلَوِيَّةُ مُتَحَقِّقَةً فِي الِاتِّفَاقِ كَانَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ غَيْرُ حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: مُتَقَدِّمٌ تَقْدِيرًا) لِتَوَقُّفِ الْمَشْرُوطِ عَلَى تَحَقُّقِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي اللَّفْظِ وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ فَإِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فِي التَّقْدِيرِ أَيْضًا التَّوَقُّفُ الْإِخْرَاجُ عَلَى وُجُودِ الْمُخْرَجِ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَوْدِ الشَّرْطِ إلَى الْجَمِيعِ لِتَقَدُّمِهِ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَيْهِ مَعَ تَأَخُّرِهِ؛ لِأَنَّ لِلتَّقَدُّمِ أَثَرًا فِي عَوْدِهِ إلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا يَكُونُ مَا عَدَا الْأُولَى مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةٍ تُقَرِّرَ لَهَا الْجَزَائِيَّةَ، وَالْعَطْفُ لِلْمُشَارَكَةِ، فَيُنَاسِبُ أَنْ تُشَارِكَهَا فِي الْعَطْفِ بِخِلَافِ الْأَخِيرَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُعْطَفْ عَلَى مَا ثَبَتَ لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُذْكَرُ بَعْدَهَا، فَلَوْ عَادَ إلَى الْكُلِّ لَصَارَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُشْرِكًا لِلْمَعْطُوفِ فِيمَا ثَبَتَ لَهُ، وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُقَيَّدِ بِهِ) أَيْ الَّذِي قَصَدَ تَقْيِيدَهُ بِهِ فَيُمْكِنُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَصَدَ أَنْ يَجْعَلَهُ قَيْدًا لِبَعْضِ الْجُمَلِ لَا لِكُلِّهَا
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ جُهَّالُهُمْ إلَخْ) فِيهِ وُقُوعُ الْمُضَارِعِ الْمُثْبَتِ حَالًا بِالْوَاوِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِالْمَاضِي أَيْ وَإِنْ كَانَ حَالُهُمْ (قَوْلُهُ: تَسَمُّحٌ) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّسَمُّحِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوِفَاقِ قَوْلَ الْأَكْثَرِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ الْوِفَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَوَابِ أَنَّهُ عَلَى التَّسَمُّحِ لَمْ يُرِدْ مَعْنَى الْوِفَاقِ بَلْ مَعْنَى مَا يَقْرَبُ مِنْهُ كَقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَكَانَ الْمَعْنَى عَلَى
стр. 571
بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى قَرِيبٌ مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ وِفَاقَ مَنْ خَالَفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَقَطْ.
(الثَّالِثُ) مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ (الصِّفَةُ) نَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الْفُقَهَاءُ غَيْرُهُمْ، وَهِيَ (كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ) فَتَعُودُ إلَى كُلِّ الْمُتَعَدِّدِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَلَوْ تَقَدَّمَتْ) نَحْوُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ الْمُحْتَاجِينَ، وَوَقَفْت عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ فَيَعُودُ الْوَصْفُ فِي الْأَوَّلِ إلَى الْأَوَّلِ مَعَ أَوْلَادِهِمْ، وَفِي الثَّانِي إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَعَ الْأَوْلَادِ وَقِيلَ: لَا (أَمَّا الْمُتَوَسِّطَةُ) نَحْوُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي الْمُحْتَاجِينَ وَأَوْلَادِهِمْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا نَعْلَمُ فِيهَا نَقْلًا (فَالْمُخْتَارُ اخْتِصَاصُهَا بِمَا وَلِيَتْهُ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تَعُودُ إلَى مَا وَلِيَهَا أَيْضًا.
(الرَّابِعُ) مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ (الْغَايَةُ) نَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إلَى أَنْ يَعْصُوا خَرَجَ حَالُ عِصْيَانِهِمْ فَلَا يُكْرَمُونَ فِيهِ، وَهِيَ (كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ) فَتَعُودُ إلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَهَا عَلَى الْأَصَحِّ نَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَأَحْسِنْ إلَى رَبِيعَةَ وَتَعَطَّفْ عَلَى مُضَرَ إلَى أَنْ يَرْحَلُوا (وَالْمُرَادُ) بِالْغَايَةِ (غَايَةٌ تَقَدَّمَهَا عُمُومٌ يَشْمَلُهَا لَوْ لَمْ تَأْتِ مِثْلُ) مَا تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تَأْتِ
ــ
[حاشية العطار]
التَّشْبِيهِ أَيْ كَالْوِفَاقِ وَعَلَى الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ وِفَاقٌ مَخْصُوصٌ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ) أَيْ لَا بُدَّ فِي التَّخْصِيصِ الشَّامِلِ لِلتَّخْصِيصِ بِالشَّرْطِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: قَرِيبٌ مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ) أَيْ: وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ إخْرَاجِ الْأَكْثَرِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُرِيدَ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: تَسَمُّحٌ فَهُوَ جَوَابٌ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وِفَاقَ مَنْ خَالَفَ) أَيْ فَيَكُونُ وِفَاقًا خَاصًّا لَا عَامًّا (قَوْلُهُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ) أَيْ إخْرَاجُ الْأَكْثَرِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
(قَوْلُهُ: الصِّفَةُ) أَيْ الْمَعْنَوِيَّةُ لَا خُصُوصُ النَّحْوِيَّةِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي الْأَمْثِلَةِ (قَوْلُهُ: فِي الْعَوْدِ) أَيْ وَفِي الِاتِّصَالِ، وَصِحَّةُ إخْرَاجِ الْأَكْثَرِ فَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ فِي الْعَوْدِ لَكَانَ أَعَمَّ (قَوْلُهُ: وَوُقِفَتْ عَلَى مُحْتَاجِي إلَخْ) مِثَالٌ لِمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ (قَوْلُهُ: مَعَ أَوْلَادِهِمْ) أَدْخَلَ مَعَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحَلُّ التَّوَهُّمِ، وَأَدْخَلَهَا فِي الثَّانِي عَلَى الْأَوْلَادِ لِانْعِكَاسِ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا) الْعَطْفُ عَلَى الْمُضَافِ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُتَوَسِّطَةُ فَالْمُخْتَارُ اخْتِصَاصُهَا بِمَا وَلِيَتْهُ) ذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ عَوْدُهَا إلَى مَا وَلِيَهَا أَيْضًا بَلْ قِيلَ إنَّ عَوْدَهَا إلَيْهِمَا أَوْلَى مِمَّا إذَا تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِرَاكُ الْمُتَعَاطِفَاتِ فِي الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَقَدْ أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ ابْنِهِ خَضِرٍ الْمَذْكُورِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ خَضِرٌ وَأَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ الْوَاقِفِ وَبَقِيَ ابْنُ بِنْتِ ابْنِ خَضِرٍ وَبِنْتُ ابْنِ خَضِرٍ هَلْ تَدْخُلُ الْبِنْتُ أَوْ لَا عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فَقَالَ: إنَّ الْبِنْتَ لَا تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ مِنْ الْمَذْكُورِ قَالَ وَهَذَا الشَّرْطُ مُسْتَمِرٌّ فِي بَطْنٍ وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] فَصَارَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إلَى أَنَّ الطَّعَامَ يَتَعَلَّقُ بِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ فِي الْهَدْيِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَجَعَلَ مَا ذُكِرَ فِي الْأَوَّلِ يَجْرِي فِيمَا بَعْدَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: خَرَجَ حَالٌ إلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّهُ تَخْصِيصٌ فِي الْأَحْوَالِ مَعَ أَنَّ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ لِلْعُمُومِ فِي الْأَشْخَاصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ خَرَجُوا مِنْ هَذِهِ الْحَالِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: فَلَا يُكْرَمُوا (قَوْلُهُ: فِي الْعَوْدِ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ الِاتِّصَالُ فِيهَا، وَجَوَازُ إخْرَاجِ الْأَكْثَرِ بِهَا كَمَا ذُكِرَ فِي الشَّرْطِ، وَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ: الْغَايَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الِاتِّصَالُ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَكَذَا إذَا وَلِيَتْ مُتَعَدِّدًا تَعُودُ لِلْكُلِّ نَحْوُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي إلَى أَنْ يَسْتَغْنُوا وَكَذَا فِي إخْرَاجِ الْأَكْثَرِ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَجَمْعِ الْجَوَامِعِ إنَّهَا كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْقَصْرَ عَلَى الْعَوْدِ فَقَطْ بَلْ تَعَرُّضًا لِكَوْنِهِ أَهَمَّ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ) قَدْ يُقَالُ: لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ الْمُخَصِّصَةَ لِلْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ شَامِلًا لَهَا لَوْ لَمْ تَأْتِ، كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مُخَصَّصٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَتَى بِهِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: وَأَمَّا مِثْلُ إلَخْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: تَقَدُّمِهَا) أَيْ تَقَدُّمًا رُتْبِيًّا فَيَشْمَلُ مَا إذَا تَقَدَّمَتْ فِي اللَّفْظِ أَوْ تَوَسَّطَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ
стр. 572
لَقَاتَلْنَاهُمْ أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ أَمْ لَا (وَأَمَّا مِثْلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] مِنْ غَايَةٍ لَمْ يَشْمَلْهَا عُمُومُ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ لَيْسَ مِنْ اللَّيْلَةِ حَتَّى تَشْمَلَهُ (فَلِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ) فِيمَا قَبْلَهَا كَعُمُومِ اللَّيْلَةِ لِأَجْزَائِهَا فِي الْآيَةِ لَا لِلتَّخْصِيصِ (وَكَذَا) قَوْلُهُمْ (قُطِعَتْ أَصَابِعُهُ مِنْ الْخِنْصِرِ إلَى الْبِنْصِرِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَثَالِثِهِمَا فَإِنَّ الْغَايَةَ فِيهِ لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ أَيْ أَصَابِعُهُ جَمِيعُهَا بِأَنْ قُطِعَ مَا عَدَا الْمَذْكُورَيْنِ بَيْنَ قَطْعَيْهِمَا وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْخِنْصِرِ إلَى الْإِبْهَامِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحَيْ الْمُخْتَصَرِ وَالْمِنْهَاجِ وَعَدَلَ عَنْهُ إلَى مَا هُنَا لِمَا فِيهِ مِنْ السَّجْعِ مَعَ الْبَلَاغَةِ الْمُحَوِّجِ إلَى التَّدْقِيقِ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ، وَذَكَرَ مِثَالَيْنِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِي الثَّانِي مِنْ الْمُغَيَّا بِخِلَافِهِمَا فِي الْأَوَّلِ.
(الْخَامِسُ) مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ (بَدَلُ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ) كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ نَحْوُ أَكْرِمْ النَّاسَ الْعُلَمَاءَ (وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُونَ، وَصَوَّبَهُمْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ فَلَا تَحَقُّقَ فِيهِ لِمَحَلٍّ يَخْرُجُ مِنْهُ فَلَا تَخْصِيصَ بِهِ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ الْمُخَصَّصِ (الْمُنْفَصِلُ) أَيْ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: لَقَتَلْنَاهُمْ) أَيْ كُنَّا مَأْمُورِينَ بِقِتَالِهِمْ لَكِنَّ الشَّارِحَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبِعَ الشَّيْخَ السُّبْكِيَّ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَالْمُرَادُ إلَخْ عِبَارَةُ وَالِدِ الْمُصَنِّفِ: فَإِنَّ اللَّازِمَ الْأَمْرُ بِالْمُقَاتَلَةِ لِأَنْفُسِهَا (قَوْلُهُ: أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ أَمْ لَا) عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعُمُومُ فِي الْأَحْوَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى لَقَاتَلْنَا الْأَفْرَادَ الَّذِينَ أَعْطَوْا، وَاَلَّذِينَ لَمْ يُعْطُوا عَلَى أَنَّ الْمُلَاحَظَ الْعُمُومُ فِي الْأَشْخَاصِ (قَوْلُهُ: كَعُمُومِ اللَّيْلَةِ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا) فِيهِ رَدٌّ لِمَا فِي شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ مِنْ التَّنْظِيرِ مِنْ الْمِثَالِ قَالَ: لِأَنَّ اللَّيْلَةَ لَيْسَتْ بِعَامَّةٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَرَدَتْ فِي صِيغَةِ عُمُومٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَيُؤَيِّدُ الرَّدَّ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَالْقَاتِلُ لَهُ حُكْمٌ ثَبَتَ لِمُتَعَدِّدٍ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَامِّ هُنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَحْدُودِ، وَزَادَ الشَّارِحُ الْكَافَ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِثْلُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا لِلتَّخْصِيصِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ فَلِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ (قَوْلُهُ: بَيْنَ قَطْعَيْهِمَا) أَيْ الْخِنْصِرِ وَالْبِنْصِرِ بِأَنْ بَدَأَ بِأَحَدِهِمَا، وَخَتَمَ بِالْآخَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ قَطْعِهِمَا، وَهِيَ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ مَصْدَرٌ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْغَايَةَ إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْبَلَاغَةِ) وَهِيَ مُطَابَقَةُ الْكَلَامِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ، وَالْحَالُ هُوَ اخْتِبَارُ السَّامِعِ هَلْ يُدْرِكُ الْمَعَانِيَ الدَّقِيقَةَ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ مِثَالَيْنِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا لَوْ كَانَا فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَشْبِيهُ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فِي كَوْنِ الْغَايَةِ فِيهِ لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ فَلَوْ قَالَ: وَفَصَّلَهُ بِكَذَا؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ إلَخْ لَكَانَ أَحْسَنَ.
(قَوْلُهُ: بَدَلُ الْبَعْضِ) وَكَذَا بَدَلُ الِاشْتِمَالِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى بَدَلِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ زَيْدًا مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ الذَّاتِ بِأَوْصَافِهَا مِنْ عِلْمٍ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا قِيلَ: عِلْمُهُ خَصَّصَ الْعُمُومَ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ فَقَطْ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعُمُومِ مُطْلَقُ الشُّمُولِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ أَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ الذَّاتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ إشْعَارَهُ بِالصِّفَاتِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّفْعَ مَثَلًا إنَّمَا يَكُونُ أَثَرَ الصِّفَةِ مِنْ صِفَاتِهِ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ كَرْمُهُ أَوْ عِلْمُهُ أَوْ جَاهُهُ مَثَلًا فَصَارَ الْعِلْمُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مُشْعِرًا بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْبَدَلِ أَيْضًا مِنْ الِاتِّصَالِ كَسَائِرِ التَّوَابِعِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الصِّفَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَيَبْقَى الْأَوَّلُ وَأَمَّا تَعْقِيبُهُ لِمُتَعَدِّدٍ حَيْثُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ الْكُلِّ وَمِنْ الْأَخِيرِ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي أَرْشَدِهِمْ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَأْتِي فِيهِ مَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: أَكْرِمْ النَّاسَ الْعُلَمَاءَ) عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ بَدَلٌ لَا نَعْتٌ وَالْأَرْجَحُ لِلصِّفَةِ، وَالْمِثَالُ يَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَالُ (قَوْلُهُ: فَلَا تَخْصِيصَ بِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لِكَوْنِهِ إخْرَاجًا يَسْتَدْعِي مُخْرَجًا مِنْهُ، وَلَا مُخْرَجَ مِنْهُ فِي الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ، وَكَأَنَّ الْبَدَلَ ذُكِرَ ابْتِدَاءً حَتَّى كَأَنَّك قُلْت: ابْتِدَاءً أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ أَنَّهُ مَطْرُوحٌ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي اللَّفْظِ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ ذِكْرِ الْبَدَلِ، وَالْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ
стр. 573
مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ مِنْ لَفْظٍ أَوْ غَيْرِهِ وَبَدَأَ بِالْغَيْرِ لِقِلَّتِهِ فَقَالَ (يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْحِسِّ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى عَادٍ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] أَيْ تُهْلِكُهُ فَإِنَّا نُدْرِكُ بِالْحِسِّ أَيْ الْمُشَاهَدَةِ مَا لَا تَدْمِيرَ فِيهِ كَالسَّمَاءِ (وَالْعَقْلُ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فَإِنَّا نُدْرِكُ بِالْعَقْلِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ - تَعَالَى - لَيْسَ خَالِقًا لِنَفْسِهِ (خِلَافًا لِشُذُوذٍ) مِنْ النَّاسِ فِي مَنْعِهِمْ التَّخْصِيصَ بِالْعَقْلِ قَائِلِينَ إنَّ
ــ
[حاشية العطار]
الْأَلْفَاظِ فَالْمَنْظُورُ لَهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ فَلَا وَجْهَ لِتَصْوِيبِ وَالِدِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ عَطْفَ الْبَيَانِ، وَقَدْ أَدْخَلَهُ الْبِرْمَاوِيُّ فِي الصِّفَةِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِهِ أَيْ بِالْوَصْفِ مَا أَشْعَرَ بِمَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ أَفْرَادُ الْعَامِّ سَوَاءٌ كَانَ نَعْتًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ أَوْ حَالًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُفْرَدًا أَوْ جُمْلَةً أَوْ شِبْهَهَا، وَهُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ وَالظَّرْفُ اهـ.
بِخَطِّ الْعَلَّامَةِ الْغُنَيْمِيِّ تِلْمِيذِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَلْ التَّوْكِيدُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا، فَإِنْ قُلْنَا إنَّ أَجْمَعِينَ مَثَلًا يَقْتَضِي الِاتِّحَادَ فِي الْوَقْتِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا، وَنَقَلَ لَنَا بَعْضُ الْأَفَاضِلِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي أَنْفُسِهِمْ اخْتَصَّ بِأَوْلَادِ الصُّلْبِ، وَلَا يَشْمَلُ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ.
(قَوْلُهُ: مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى ذِكْرِ الْعَامِّ مَعَهُ (قَوْلُهُ: لَقُلْته) أَيْ لِيَتَفَرَّغَ لِمَا يَطُولُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: بِالْحِسِّ) قَدَّمَهُ عَلَى الْعَقْلِ لِمَا قَالَ الْإِمَامُ فِي أَوَّلِ الْبُرْهَانِ إنَّ اخْتِيَارَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ الْمُدْرَكَ بِالْحَوَاسِّ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَأَنَّ الْقَلَانِسِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَقَدَّمَ الْمَعْقُولَاتِ اهـ. فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ خِلَافٌ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ فِي لَفْظٍ عَامٍّ أَنْ يَكُونَ مُخَصَّصًا بِالْعَقْلِ أَوْ بِالْحِسِّ أَيُّهُمَا يَكُونُ هُوَ الْمُخَصَّصَ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَنَازَعَ فِي هَذَا الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَمْثِلَةِ بِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَخْصُوصِ بِالْحِسِّ فَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي الرِّيحِ) الْأَوْضَحُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالسِّيَاقِ فَإِنَّ الْمَأْلُوفَ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ شَيْءٍ مِمَّا أُرِيدَ تَدْمِيرُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّا نُدْرِكُ بِالْحِسِّ) الْمُرَادُ أَيَّ حِسٍّ كَانَ قِيلَ: وَمِنْهُ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُدْرَكٌ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ الْحِسُّ نَفْسُهُ مَانِعًا مِنْ التَّنَاوُلِ وَالسَّمْعُ لَوْ خُلِّيَ، وَنَفْسُهُ لَا يَمْنَعُ فَالْحَقُّ أَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ مِنْ الْمُخَصِّصِ بِاللَّفْظِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُشَاهَدَةُ) تَفْسِيرُ الْحِسِّ بِالْمُشَاهَدَةِ نَظَرًا لِلْآيَةِ، وَإِلَّا فَالْحِسُّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِلْحَوَاسِّ الْخَمْسَةِ الظَّاهِرَةِ مَعَ أَنَّ الْحَاكِمَ فِيهَا هُوَ الْعَقْلُ بِوَاسِطَتِهَا فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْعَقْلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْعَقْلُ) أَيْ بِدُونِ وَاسِطَةٍ وَإِلَّا فَالْمَانِعُ فِي الْحِسِّ الْعَقْلُ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِخُرُوجِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِوَاسِطَةِ الْمُشَاهَدَةِ فَهُوَ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْعَقْلِ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيِّ وَيُرَادُ مَا هُوَ أَعَمُّ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ مَا كَانَ بِدُونِ وَاسِطَةٍ ثُمَّ إنَّ التَّخْصِيصَ بِالْعَقْلِ تَارَةً يَكُونُ ضَرُورِيًّا كَمَا مُثِّلَ أَوْ نَظَرِيًّا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ: كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإِنَّ الْعَقْلَ بِنَظَرِهِ اقْتَضَى عَدَمَ دُخُولِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ فِي التَّكْلِيفِ بِالْحَجِّ لِعَدَمِ فَهْمِهِمَا بَلْ هُمَا فِي جُمْلَةِ الْغَافِلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنَّمَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِالْعَقْلِ، وَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِهِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ، أَوْ يَتَضَمَّنُهُ، وَالْعَقْلُ لَا يَسْتَقِلُّ بِذَاتِهِ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ: النَّسْخُ بَيَانٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ (قَوْلُهُ: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) التَّمْثِيلُ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، وَعَلَى أَنَّ لَفْظَ شَيْءٍ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، وَفِي كِلَيْهِمَا خِلَافٌ (قَوْلُهُ: ضَرُورَةً جَعَلَهُ) ضَرُورَةً بَعْدَ اتِّضَاحِهِ الْآتِي فَلَا يُنَافِي أَنَّ أَصْلَهُ نَظَرِيٌّ (قَوْلُهُ: لِشُذُوذِ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ (قَوْلُهُ: فِي مَنْعِهِمْ التَّخْصِيصَ بِالْعَقْلِ) لَمْ يَذْكُرْ الْحِسَّ مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفُ تَشْمَلُهُ إمَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِهِ تَخْصِيصٌ بِالْعَقْلِ بِوَاسِطَةٍ كَمَا مَرَّ
стр. 574
مَا نَفَى الْعَقْلُ حُكْمَ الْعَامِّ عَنْهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَامُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ (وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ) ﵁ (تَسْمِيَتَهُ تَخْصِيصًا) نَظَرًا إلَى أَنَّ مَا تَخَصَّصَ بِالْعَقْلِ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ بِالْحُكْمِ (وَهُوَ) أَيْ الْخِلَافُ (لَفْظِيٌّ) أَيْ عَائِدٌ إلَى اللَّفْظِ، وَالتَّسْمِيَةُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْعَقْلِ فِيمَا نَفَى عَنْهُ حُكْمَ الْعَامِّ وَهَلْ يُسَمَّى نَفْيُهُ لِذَلِكَ تَخْصِيصًا فَعِنْدَنَا نَعَمْ، وَعِنْدَهُمْ لَا وَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّخْصِيصِ بِالْحِسِّ (وَالْأَصَحُّ جَوَازُ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِهِ) أَيْ بِالْكِتَابِ وَقِيلَ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فَوَّضَ الْبَيَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّخْصِيصُ بَيَانٌ فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِقَوْلِهِ لَنَا الْوُقُوعُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: مَا نَفَى الْعَقْلُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ نَفَى وَمَصْدُوقُ مَا كَالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ مَثَلًا فِي الْآيَةِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَامُّ) أَيْ حَتَّى يَصِحَّ إخْرَاجُهُ، وَإِنَّمَا الْعَقْلُ اقْتَضَى عَدَمَ دُخُولِهِ فِي لَفْظِ الْعَامِّ، وَفُرِّقَ بَيْنَ عَدَمِ دُخُولِهِ وَبَيْنَ خُرُوجِهِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ، وَأَوْرَدَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْعَامِّ لَهُ عَدَمَ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ وَإِنْ أُرِيدَ مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَغَيْرُ مُضِرٍّ؛ لِأَنَّ كُلَّ الْمُخَصِّصَاتِ التَّنَاوُلُ الْحُكْمِيُّ فِيهَا مَنْفِيٌّ.
وَأُجِيبَ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ وَالْمَعْنَى عَلَى الْكَائِنَةِ أَيْ كَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ لِمَنْعِ الْعَقْلِ لَهُ (قَوْلُهُ: لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ) فِيهِ أَنَّ كُلَّ تَخْصِيصٍ كَذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ بِالْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ مَا اسْتَنَدَ لِشَيْءٍ تَصِحُّ إرَادَتُهُ (قَوْلُهُ: تَسْمِيَتُهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجِ بِالْعَقْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَقَوْلِ الشُّذُوذِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَمْنَعُ التَّسْمِيَةَ مَعَ قَوْلِهِ بِأَنَّ لَفْظَ الْعَامِّ شَامِلٌ لِمَا نَفَاهُ الْعَقْلُ، وَالشُّذُوذُ يَمْنَعُونَ التَّنَاوُلَ لِمَا نَفَاهُ الْعَقْلُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ مَنْعُ التَّسْمِيَةِ فَمَا عَلَّلَ بِهِ الشُّذُوذُ عَدَمَ تَنَاوُلِ الْعَامِّ لَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ عَلَّلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ خِلَافًا لِشُذُوذٍ وَالشَّافِعِيِّ
(قَوْلُهُ: أَيْ عَائِدٌ إلَى اللَّفْظِ) الْمُتَبَادَرِ إلَى أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ خِلَافٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَمَرَةٌ فِي الْأَحْكَامِ كَمَا يُشِيرُ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمْ لَا) مُسَلَّمَ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّافِعِيِّ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلشُّذُوذِ فَالْحَلِفُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجُمْهُورِ مَعْنَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْفُونَ التَّنَاوُلَ لَفْظًا وَحُكْمًا (قَوْلُهُ: وَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ إلَخْ) فَإِنَّ التَّخْصِيصَ بِالْحِسِّ تَخْصِيصٌ بِالْعَقْلِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ تَخْصِيصِ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الْمُخَصِّصِ النَّقْلِيِّ قِيلَ: كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَالصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمُقَابِلَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ خَالِدٌ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ وَأَنْزَلْنَا إلَخْ) وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِقَوْلِهِ) أَيْ أَوْ فِعْلِهِ (قَوْلُهُ: لَنَا الْوُقُوعُ) وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ الْجَوَازِ
стр. 575
كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الشَّامِلُ لِأُولَاتِ الْأَحْمَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فَإِنْ قَالَ الْمَانِعُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَبَيَانُ الرَّسُولِ ﷺ يَصْدُقُ بِالْبَيَانِ بِمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (وَالسُّنَّةُ بِهَا) أَيْ بِالسُّنَّةِ وَقِيلَ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فَقَصَرَ بَيَانَهُ عَلَى الْقُرْآنِ لَنَا الْوُقُوعُ كَتَخْصِيصِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» بِحَدِيثِهِمَا «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (وَ) السُّنَّةُ (بِالْكِتَابِ) وَقِيلَ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] جَعَلَهُ مُبَيِّنًا لِلْقُرْآنِ فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ مُبَيِّنًا لِلسُّنَّةِ قُلْنَا: لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وَإِنْ خَصَّ مِنْ عُمُومِهِ مَا خَصَّ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ (وَالْكِتَابُ بِالْمُتَوَاتِرَةِ) وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْفِعْلِيَّةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْآتِي إنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ لَا يُخَصِّصُ.
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلَخْ) هَذَا مَخْصُوصٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ شُمُولُهُ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ) أَيْ الْعَامَّةُ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ، وَفِيهِ الْعَطْفُ لِمَعْمُولَيْنِ عَلَى مَعْمُولَيْ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: لِتُبَيِّنَ) أَيْ بِسُنَّتِك، فَالْبَيَانُ بِالسُّنَّةِ مَقْصُورٌ عَلَى الْقُرْآنِ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ السُّنَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكُونُ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً ثُمَّ إنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُنَا لَا يُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّ كُلًّا اسْتَدَلَّ بِهَا بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ مِنْهَا، وَالْآيَةُ الْوَاحِدَةُ تَحْتَمِلُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً أَوْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَوَّلَ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٤٤] أَيْ بِالسُّنَّةِ وَهَذَا نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] حَيْثُ جَعَلَهُ خَاصًّا بِالْقُرْآنِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ نَاظِرٌ إلَى الْفَاعِلِ أَيْ تُبَيِّنَ أَنْتَ وَالثَّانِي نَاظِرٌ إلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا نَاظِرٌ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعًا (قَوْلُهُ: قَصَرَ بَيَانَهُ عَلَى الْقُرْآنِ) أَيْ قَصَرَ بَيَانَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُبَيَّنٌ بِالْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ: " مَا نُزِّلَ " فَلَا يُبَيَّنُ بِسُنَّةٍ إلَّا الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى بَيَانُ النَّبِيِّ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقُرْآنَ مُبَيِّنٌ بِالْكَسْرِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ﴾ [النحل: ٤٤] أَيْ الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ الْقُرْآنُ لَا السُّنَّةُ ثُمَّ إنَّ الْقَصْرَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْمَفْهُومِ؛ إذْ الْمَعْنَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ لَا غَيْرُهُ ثُمَّ إنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ دَاوُد وَطَائِفَةٌ حَيْثُ قَالُوا: يَتَعَارَضَانِ، وَهَذَا يَشْمَلُ الْمُتَوَاتِرَةَ بِالْمُتَوَاتِرَةِ وَالْآحَادَ بِالْآحَادِ وَتَصَوُّرُ الْأَوَّلِ فِي زَمَانِنَا عُسْرٌ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ لِفَقْدِ التَّوَاتُرِ قَالَ: وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي عَصْرَا الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مُتَوَاتِرَةً لِقُرْبِ الْعَهْدِ وَشِدَّةِ الْعِنَايَةِ بِالرُّوَاةِ
(قَوْلُهُ: قُلْنَا: لَا مَانِعَ إلَخْ) فَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْكِتَابِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ فَنَظَرَ هَاهُنَا لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] لَوْ قَالَ الْآيَةَ أَوْلَى فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ إلَخْ) لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَى الْوُقُوعِ كَمَا فَعَلَ فِي الَّذِينَ قَبْلَهُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ «مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠] الْآيَةَ قَوْلُهُ ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وَالسُّنَّةُ مِنْ الْأَشْيَاءِ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْقُرْآنِ) أَيْ كَالْعَقْلِ وَالْحِسِّ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْآتِي) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَبِفِعْلِهِ ﵊ فَإِنَّهُ يَأْتِي لِلشَّارِحِ قَوْلٌ إنَّ فِعْلَهُ يُنْسَخُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا بِطَرِيقِ التَّأَسِّي.
стр. 576
(وَكَذَا) يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ (بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ) مُطْلَقًا، وَقِيلَ: لَا مُطْلَقًا، وَإِلَّا لَتَرَكَ الْقَطْعِيَّ بِالظَّنِّيِّ، قُلْنَا: مَحَلُّ التَّخْصِيصِ دَلَالَةُ الْعَامِّ، وَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، وَالْعَمَلُ بِالظَّنَّيْنِ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا (وَثَالِثُهَا) قَالَ ابْنُ أَبَانَ يَجُوزُ
ــ
[حاشية العطار]
وَقَوْلُهُ: وَكَذَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) فَإِنْ قِيلَ «قَالَ ﵊ إذَا رُوِيَ عَنِّي حَدِيثٌ فَأَعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ فَاقْبَلُوهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَرُدُّوهُ» وَخَبَرُ الْوَاحِدِ الْمُعَارِضُ لِلْكِتَابِ مُخَالِفٌ لَهُ فَيُرَدُّ، وَلَا يُخَصَّصُ بِهِ فَيَمْتَنِعُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مَنْقُوضٌ بِجَرَيَانِهِ فِي الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ؛ إذْ لَوْ صَحَّ مَا ذُكِرَ لَمَا خُصَّ الْكِتَابُ بِهِ لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ وَأَيْضًا الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْوَاجِبِ عَرْضُهُ عَلَى الْكِتَابِ هُوَ مَا لَمْ يُقْطَعْ بِأَنَّهُ حَدِيثُهُ ﷺ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ فَإِنْ قِيلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ خَاصًّا ظَنِّيٌّ وَالْكِتَابُ قَطْعِيٌّ وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعَ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ مَقْطُوعُ الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ لِثُبُوتِهِمَا بِالتَّوَاتُرِ، لَكِنَّهُ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ لِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ، وَالْخَاصُّ مَقْطُوعُ الدَّلَالَةِ مَظْنُونُ السَّنَدِ فَتَعَادَلَا لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا قَطْعِيًّا مِنْ وَجْهٍ ظَنِّيًّا مِنْ وَجْهٍ فَجَازَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا، وَالْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ الْمُقْتَضِي لِرُجْحَانِ الْخَاصِّ لَا يُنَافِي التَّعَادُلَ؛ إذْ هُوَ بِحَسَبِ الذَّاتِ وَالرَّاجِحُ بِزَائِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ إعْمَالُ الدَّلِيلِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) خُصَّ بِقَاطِعٍ أَوَّلًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْخِلَافُ مَوْضِعُهُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﵊ «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَنَهْيُهُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا» فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَاتِرِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى رِوَايَتِهَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُخَصِّصَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الْإِجْمَاعُ، وَكَلَامُنَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا اُحْتُفَّ بِالْقَرَائِنِ أَفَادَ الْعِلْمَ كَالْمُتَوَاتِرِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَفِي التَّحْرِيرِ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّخْصِيصِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِلْكِتَابِ بَعْدَ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْقَطْعِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ؛ لِأَنَّ إعْمَالَ كُلٍّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ، وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ وَارِدَةٌ عَنْ ظَاهِرِ الْمَتْنِ (وَقَوْلُهُ: وَهِيَ ظَنِّيَّةٌ) وَالْقَطْعِيُّ إنَّمَا هُوَ الْمَتْنُ (قَوْلُهُ: بِالظَّنِّيَّيْنِ) وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: ابْنُ أَبَانَ) اسْمُهُ عِيسَى مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَمَّا أَبَانُ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الصَّرْفُ، وَعَدَمُهُ فَمَنْ لَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ فِعْلًا مَاضِيًا، وَالْهَمْزَةُ زَائِدَةٌ فَيَكُونُ أَفْعَلَ، وَمَنْ صَرَفَهُ جَعَلَ الْهَمْزَةَ أَصْلًا فَيَكُونُ فَعَالًا، وَصَرْفُهُ هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ جَامِعِ اللُّغَةِ وَالْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ اهـ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ الْمُحَدِّثُونَ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ صَرْفِ أَبَانَ هَذَا، وَكَذَلِكَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ -
стр. 577
(إنْ خُصَّ بِقَاطِعٍ) كَالْعَقْلِ لِضَعْفِ دَلَالَتِهِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُخَصَّ، أَوْ خُصَّ بِظَنِّيٍّ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا خُصَّ بِاللَّفْظِ حَقِيقَةٌ، قَالَ الْمُصَنِّفُ (: وَعِنْدِي عَكْسُهُ) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ حَيْثُ فُرِّقَ بَيْنَ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ: يَجُوزُ إنْ خُصَّ بِظَنِّيٍّ؛ لِأَنَّ الْمُخَرَّجَ بِالْقَطْعِيِّ لَمَّا لَمْ تَصِحَّ إرَادَتُهُ كَانَ الْعَامُّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ فَيُلْحَقُ بِمَا لَمْ يُخَصَّ (وَقَالَ الْكَرْخِيُّ) يَجُوزُ إنْ خُصَّ (بِمُنْفَصِلٍ) قَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ لِضَعْفِ دَلَالَتِهِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُخَصَّ أَوْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ فَالْعُمُومُ فِي الْمُتَّصِلِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فَقَطْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَخْصُوصَ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ حَقِيقَةٌ (وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ عَنْ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ لَنَا الْوُقُوعُ كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] إلَخْ الشَّامِلِ لِلْوَلَدِ الْكَافِرِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: إنْ خُصَّ بِقَاطِعٍ) أَيْ قَبْلَ تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَإِنَّ الْعَقْلَ خَصَّ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ لَهُمَا فَيَصِحُّ تَخْصِيصُ هَذَا حِينَئِذٍ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (قَوْلُهُ: لِضَعْفِ دَلَالَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ بَابَ التَّخْصِيصِ بِالْقَاطِعِ انْجَرَّ الِاحْتِمَالُ إلَى التَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ: إنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عِنْدَهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ قَطْعِيَّةٌ، فَإِذَا خُصَّ بِهِ صَارَ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى آحَادِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ خُصَّ بِظَنِّيٍّ) أَوْرَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ ابْنِ أَبَانَ أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ بِظَنِّيٍّ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَصَّصُ بِهِ إلَّا إذَا خُصَّ بِقَاطِعٍ أَوْ لَا.
وَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا مَعْنًى لِبِنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ فَالْأَوْلَى الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ ظَنِّيٌّ غَيْرُ خَبَرِ الْآحَادِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ خَبَرِ الْآحَادِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا خُصَّ بِقَاطِعٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْآحَادِ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ صَارَتْ ضَعِيفَةً؛ لِأَنَّهَا مَجَازِيَّةٌ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُخَصَّ، أَوْ خُصَّ بِظَنِّيٍّ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ قَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ، قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ نَظْمِ الْمِنْهَاجِ لِوَالِدِهِ: فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ أَبَانَ مِنْ أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَرْعُ كَوْنِهِ حُجَّةً، قُلْت: إنَّمَا مَنَعَ ابْنُ أَبَانَ حُجِّيَّةَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَجَازًا، وَلَيْسَ بَعْضُ الْمَحَامِلِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فَيَبْقَى مُجْمَلًا، فَإِذَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ مُخَصِّصٌ جَزَمْنَا بِإِخْرَاجِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِجْمَالِ لَا يُجْزَمُ بِإِرَادَتِهِ، وَلَا بِعَدَمِهَا
(قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلٍ) تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَقِيلَ: مَجَازٌ إنْ خُصَّ بِغَيْرِ لَفْظٍ كَالْعَقْلِ (قَوْلُهُ: إنَّ مَا خُصَّ بِاللَّفْظِ حَقِيقَةٌ) فِيهِ قُصُورٌ؛ إذْ اللَّفْظُ قَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا كَمَا يَكُونُ ظَنِّيًّا، وَالْفَرْضُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ لَفْظًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ مُتَعَقِّبًا عَلَى ابْنِ أَبَانَ (قَوْلُهُ: وَعِنْدِي عَكْسُهُ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُخْتَارُ الْعَكْسُ، وَإِلَّا لَنَافَاهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْجُمْهُورِ بَلْ لَوْ سَلِمَ كَلَامُ ابْنِ أَبَانَ لَكَانَ الْأَوْلَى الْعَكْسَ، وَلِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّارِحُ الْعِبَارَةَ عَنْ ظَاهِرِهَا، وَقَالَ أَيْ يَنْبَغِي فَمَحَلُّ عِبَارَةِ الْمَتْنِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَحْثٌ مَعَ ابْنِ أَبَانَ عَلَى سَبِيلِ الْقَدْحِ فِي دَلِيلِهِ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ خِلَافًا لِمَا حَلَّ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلُ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّهُ قَوْلٌ مُسْتَقِلٌّ ارْتَكَبَهُ الْمُصَنِّفُ وَوَجَّهَهُ وَتَعَقَّبَهُ فِي ذَلِكَ التَّوْجِيهِ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ (قَوْلُهُ: فَيُلْحَقُ بِمَا لَمْ يُخَصَّ) أَيْ فِي قُوَّةِ دَلَالَتِهِ بِخِلَافِ مَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ لِضَعْفِ دَلَالَتِهِ عَلَى أَفْرَادِهِ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فَقَطْ) أَيْ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُخَصَّ (قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي) قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ:
стр. 578
وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي تَخْصِيصِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ ثُمَّ الْبَيْضَاوِيِّ زِيَادَةً عَلَى إمَامِهِ.
(وَ) يَجُوزُ التَّخْصِيصُ لِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ (بِالْقِيَاسِ) الْمُسْتَنِدِ إلَى نَصٍّ خَاصٍّ وَلَوْ كَانَ خَبَرَ وَاحِدٍ (خِلَافًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ فِي مَنْعِهِ ذَلِكَ (مُطْلَقًا) بَعْدَ أَنْ جَوَّزَهُ حَذَرًا مِنْ تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى النَّصِّ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ (وَلِلْجُبَّائِيِّ) أَبِي عَلِيٍّ فِي مَنْعِهِ ذَلِكَ (إنْ كَانَ) الْقِيَاسُ (خَفِيًّا) لِضَعْفِهِ بِخِلَافِ الْجَلِيِّ وَسَيَأْتِيَانِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْجُبَّائِيُّ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَقَدْ مَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحَيْهِ (وَلِابْنِ أَبَانَ إنْ لَمْ يُخَصَّ مُطْلَقًا) بِخِلَافِ مَا خُصَّ فَيَجُوزُ لِضَعْفِ دَلَالَتِهِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْجَوَازَ هُنَا، وَقَيَّدَهُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقَاطِعِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَكُنْ رَاوِيهِ فَقِيهًا (وَ) خِلَافًا (لِقَوْمٍ) فِي مَنْعِهِمْ (إنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ) أَيْ أَصْلُ الْقِيَاسِ وَهُوَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ (مُخَصَّصًا) بِفَتْحِ الصَّادِ (مِنْ الْعُمُومِ) أَيْ مُخْرَجًا مِنْهُ (بِنَصٍّ) بِأَنْ لَمْ يُخَصَّ أَوْ خُصَّ مِنْهُ غَيْرُ أَصْلِ الْقِيَاسِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ فَكَأَنَّ التَّخْصِيصَ بِنَصِّهِ (وَلِلْكَرْخِيِّ) فِي مَنْعِهِ (إنْ لَمْ يُخَصَّ بِمُنْفَصِلٍ) بِأَنْ لَمْ يُخَصَّ أَوْ خُصَّ بِمُتَّصِلِ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ لِضَعْفِ دَلَالَةِ الْعَامِّ حِينَئِذٍ (وَتَوَقَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) عَنْ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ
ــ
[حاشية العطار]
الْخَامِسُ يَعْنِي مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ لَكِنْ مَا وَقَعَ حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الْقَرِيبِ وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّ الدَّلِيلَ قَامَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْآحَادِ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا
السَّادِسُ الْوَقْفُ إمَّا عَلَى مَعْنَى لَا نَدْرِي، وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى تَعَارُضِ أَمْرَيْنِ دَلَالَةً لِلْعُمُومِ عَلَى إثْبَاتِهِ وَالْخُصُوصِ عَلَى نَفْيِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَتْنَ الْكِتَابِ قَطْعِيٌّ، وَفَحْوَاهُ مَظْنُونٌ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ بِالْعَكْسِ فَتَعَارَضَا، وَلَا مُرَجِّحَ فَالْوَقْفُ اهـ.
وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْعَضُدُ عَنْ الْقَاضِي الْوَقْفُ بِمَعْنَى لَا أَدْرِي فَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ كَمَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَيَأْتِي الْخِلَافُ) أَيْ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَإِلَّا فَمُطْلَقُ الْخِلَافِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالسُّنَّةِ بِهَا اهـ. زي.
مِنْ إطْلَاقِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي تَنَاوُلِ تَخْصِيصِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْآحَادِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَفْرُوضًا فِي الْمُتَسَاوِيَيْنِ اهـ. سم (قَوْلُهُ: عَلَى إمَامِهِ) أَيْ الرَّازِيّ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ كَثِيرًا وَيَخْتَصِرُ كَلَامَهُ فِي الْمَحْصُولِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سُنَّةً) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا مُتَوَاتِرَةً أَوْ لَا وَقَيَّدَهَا الْقَرَافِيُّ بِالْمُتَوَاتِرَةِ، وَكَذَا الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ نَظْمِ وَالِدِهِ الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: إلَى نَصٍّ خَاصٍّ) بِأَنْ كَانَ حُكْمُ أَصْلِهِ مُخْرَجًا مِنْ الْعُمُومِ بِنَصٍّ خَاصٍّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ أَمَّا الْمَقْطُوعُ فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ قَطْعًا، وَهُوَ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ مُحَقَّقَةً، أَوْ قُطِعَ بِوُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ، وَانْتَفَى الْفَارِقُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَطْعًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ التَّخْصِيصَ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الْحَقِيقَةِ بِدَلِيلِهِ لَا بِهِ (قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) إذْ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ أَصْلٌ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّا لَمْ نُقَدِّمْ الْقِيَاسَ عَلَى أَصْلِهِ بَلْ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ لَيْسَ فَرْعًا دَلِيلُهُ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَطْلَقَ الْجَوَازَ) أَيْ جَوَازَ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُخَصِّصَ لِلْعَامِّ بِالْقَطْعِيِّ، وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْوَلِيِّ الْعِرَاقِيِّ لِنَظْمِ وَالِدِهِ لِلْمِنْهَاجِ مَا نَصُّهُ: رَابِعُهَا الْجَوَازُ إنْ خُصَّ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَقْطُوعٍ بِهِ لَا بِمَظْنُونٍ، وَأَطْلَقَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَشَرَطَ ابْنُ أَبَانَ التَّخْصِيصَ اعْتِمَادًا عَلَى تَقْيِيدِهِ بِالْمَقْطُوعِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ اهـ.
فَلْيُحَرَّرْ النَّقْلُ عَنْ ابْنِ أَبَانَ (قَوْلُهُ: أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ) أَيْ فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ التَّخْصِيصَ بِهِ (قَوْلُهُ: فَقِيهًا) أَيْ مُجْتَهِدًا كَمَا هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ أَصْلِهِ) أَيْ تَخْصِيصِ أَصْلِهِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ كَمَا إذَا قِيلَ: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ وَفُرِضَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْبُرَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ثُمَّ يُقَاسُ عَلَى هَذَا الْبُرِّ الذُّرَةُ (قَوْلُهُ: بِنَصِّهِ) أَيْ بِنَصِّ ذَلِكَ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: لِضَعْفِ دَلَالَةِ الْعَامِّ) ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ مَجَازِيَّةٌ (قَوْلُهُ: أَوْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ فِي الْمُتَّصِلِ بِالنَّظَرِ إلَى أَفْرَادِهِ فَكَأَنْ لَا تَخْصِيصَ
стр. 579
لَنَا أَنَّ إعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَقَدْ خُصَّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] الْأَمَةُ فَعَلَيْهَا نِصْفُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَالْعَبْدُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَمَةِ النِّصْفُ أَيْضًا.
(وَ) يَجُوزُ التَّخْصِيصُ (بِالْفَحْوَى) أَيْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَإِنْ قُلْنَا: الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ قِيَاسِيَّةٌ بِأَنْ يُقَالَ: مَنْ أَسَاءَ إلَيْك فَعَاقِبْهُ، ثُمَّ يُقَالَ: إنْ أَسَاءَ لَك زَيْدٌ فَلَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ (وَكَذَا دَلِيلُ الْخِطَابِ) أَيْ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ (فِي الْأَرْجَحِ) وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ بِالْمَنْطُوقِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِ مَنْطُوقٌ خَاصٌّ لَا مَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَالْمَفْهُومُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا وَقَدْ خَصَّ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُنَا: لَنَا أَنَّ إعْمَالَ إلَخْ) تَمَامُ تَقْرِيرِهِ أَنْ يُقَالَ: لَنَا أَنَّ الْقِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَارَضَ مِثْلَهُ، وَفِي تَخْصِيصِهِ بِهِ إعْمَالُ الدَّلِيلَيْنِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إلْقَاءِ أَحَدِهِمَا
(قَوْلُهُ: وَقَدْ خُصَّ مِنْ قَوْلِهِ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] إلَخْ قَالَ سم هَذَا لَا يَصْلُحُ حُجَّةً عَلَى ابْنِ أَبَانَ وَالْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ إذَا خُصَّ الْعَامُّ بِتَخْصِيصٍ آخَرَ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ نَعَمْ يَصْلُحُ التَّخْصِيصُ فِي الْآيَةِ لِلرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ الرَّازِيّ حَيْثُ مَنَعَ مُطْلَقًا وَعَلَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ تَوَقَّفَ قَوْلُهُ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] أَيْ الْحَرَائِرِ الْأَبْكَارِ (قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ) لَعَلَّ الْخَصْمَ لَا يُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَثَبَتَ حُكْمُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ هَذَا الْقِيَاسِ
(قَوْلُهُ: وَبِالْفَحْوَى) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ نَفْسِ الْفَحْوَى إذَا لَمْ يَعُدْ التَّخْصِيصُ فِيهِ بِالنَّقْضِ عَلَى الْمَلْفُوظِ مِثْلَ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ الدَّالِّ عَلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ فَيُخَصُّ بِمَا إذَا لَمْ تَفْجُرْ الْأُمُّ مَثَلًا، وَيَرْتَدَّ الْأَبُ بِخِلَافِ مَا إذَا عَادَ عَلَى أَصْلِهِ بِالنَّقْضِ فَلَا يَجُوزُ مِثْلُ أَنْ يُبَاحَ ضَرْبُ الْوَالِدَيْنِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَعَ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ، وَكَذَا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى ثُبُوتِ مِثْلِ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ كَمَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ إلَخْ) لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ قِيَاسِيَّةٍ، وَإِلَّا تَكَرَّرَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا دَلِيلُ الْخِطَابِ فِي الْأَرْجَحِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْفَحْوَى، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الشَّرْحِ الْمُخْتَصَرِ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ دَلِيلَ مُقَابِلِ الْأَرْجَحِ فِي دَلِيلِ الْخِطَابِ جَارٍ هُنَا فَيَنْبَغِي جَرَيَانُ ذَلِكَ الْمُقَابِلِ هُنَا وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُفَرِّقُوا بِأَنَّ الْفَحْوَى أَقْوَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَرَى فِيهَا قَوْلٌ: إنَّهَا مَنْطُوقٌ كَمَا سَبَقَ فَهِيَ إمَّا مَنْطُوقٌ أَوْ فِي حُكْمِهِ لِفَوْتِهَا؛ فَلِهَذَا لَمْ يَجْرِ فِيهَا هَذَا الْمُقَابِلُ تَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ: عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ) أَيْ عَلَى الْفَرْدِ، وَهُوَ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومٌ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْمُقَدَّمَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ) أَيْ بِأَنَّ الْمَنْطُوقَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَفْهُومِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ إعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ، وَهُمَا الْمَفْهُومُ وَالْعَامُّ) أَيْ مَفْهُومُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَالْعَامُّ، وَهُوَ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا) وَهُوَ الْمَفْهُومُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ خَصَّ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ) أَيْ خَصَّ عُمُومَ الْمَاءِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ كَذَا مَثَّلَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا أَنَّ الْكُلَّ مَثَّلُوا بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَارٍ عِنْدِي؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَدِيثَيْنِ عَامٌّ عَلَى وَجْهٍ وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَالْأَوَّلُ عَامٌّ مِنْ جِهَةِ حَمْلِ الْخَبَثِ، وَهُوَ التَّنَجُّسُ فِيمَا تَغَيَّرَ وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَخَاصٌّ مِنْ جِهَةِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَالثَّانِي عَامٌّ مِنْ حَيْثُ الْقُلَّتَانِ وَدُونَهُمَا، وَخَاصٌّ مِنْ حَيْثُ التَّقْيِيدُ بِالتَّغَيُّرِ، وَلَيْسَ تَخْصِيصُ عُمُومِ أَحَدِهِمَا بِخُصُوصِ الْآخَرِ بِأَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ فَيُوقَفُ حَتَّى يُرَجَّحَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِدَلِيلٍ وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي كَلَامِهِ هُوَ الثَّانِي هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى
стр. 580
إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» بِمَفْهُومِ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» .
(وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ وَتَقْرِيرِهِ فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا، كَمَا لَوْ قَالَ: الْوِصَالُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ثُمَّ فَعَلَهُ أَوْ أَقَرَّ مَنْ فَعَلَهُ وَقِيلَ: لَا يُخَصِّصَانِ بَلْ يَنْسَخَانِ حُكْمَ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَسَاوِي النَّاسِ فِي الْحُكْمِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ أَوْلَى مِنْ النُّسَخِ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْمَال الدَّلِيلَيْنِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ عَطْفَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ) وَعَكْسَهُ الْمَشْهُورُ (لَا يُخَصِّصُ) الْعَامَّ وَقِيلَ يُخَصِّصُهُ
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ إلَخْ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ رِيحٌ وَلَوْنٌ، وَالْحُكَمَاءُ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ؛ إذْ هُوَ عُنْصُرٌ بَسِيطٌ، وَالْبَسَائِطُ لَا لَوْنَ لَهَا وَلَا رِيحَ فَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ أَيْ رِيحُهُ الْعَارِضُ عَلَيْهِ إلَخْ وَقَدْ دَلَّ بَسْطُنَا ذَلِكَ عَلَى حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فِي وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ) أَيْ لَا يَتَنَجَّسُ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَمْ لَا فَهُوَ عَامٌّ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الْمَعْنَى إذَا بَلَغَ فِي الِانْتِقَاصِ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ أَيْ فَيُنَجَّسُ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ) أَيْ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (قَوْلُهُ: بِفِعْلِهِ ﵇) إنَّمَا ذَكَرَهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مِمَّنْ قَالَ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالسُّنَّةِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى أَنْ يَكُونَ مُخَصَّصًا بِالْفَتْحِ؛ إذْ لَا عُمُومَ لَهُ بَلْ مُخَصِّصًا بِالْكَسْرِ (قَوْلُهُ: وَتَقْرِيرُهُ) وَهَلْ التَّخْصِيصُ بِنَفْسِ تَقْرِيرِهِ ﷺ أَوْ بِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ سَبْقِ قَوْلٍ بِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِتَقْرِيرِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ خُصَّ بِقَوْلٍ سَابِقٍ؛ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا مَا فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْعَامِّ إلَّا بِإِذْنٍ صَرِيحٍ، فَتَقْرِيرُهُ دَلِيلُ ذَلِكَ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْقَطَّانِ وَإِلْكِيَا قَالَ ابْنُ فُورَكٍ وَالطَّبَرِيُّ إنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلُ أَفَادَهُ الْبِرْمَاوِيُّ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ الْوِصَالُ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ مَحَلُّ كَوْنِهِ تَخْصِيصًا إذَا كَانَ الْعُمُومُ شَامِلًا لَهُ وَلِلْأُمَّةِ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مَثَلًا ثُمَّ يَفْعَلُ الْفِعْلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ إمَّا لِكَوْنِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَمَّا إذَا أَوْجَبْنَا التَّأَسِّي بِهِ فِيهِ فَيَرْتَفِعُ الْحُكْمُ عَنْ الْكُلِّ، وَذَلِكَ نَسْخٌ لَا تَخْصِيصٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعُمُومُ لِلْأُمَّةِ دُونَهُ فَفِعْلُهُ ﷺ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ، وَقَدْ مُثِّلَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَاسْتِدْبَارِهَا ثُمَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِلصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ فَيَحْرُمُ فِيهِمَا، وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ يَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ ﷺ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ فَالتَّخْصِيصُ لِلْبَيَانِ مِنْ الْعُمُومِ سَوَاءٌ هُوَ وَالْأُمَّةُ فِي ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: بَلْ يَنْسَخَانِ حُكْمَ الْعَامِّ) أَيْ فَتَكُونُ الْحُرْمَةُ مَنْسُوخَةً عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ ثُمَّ إنَّ هَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ يُعْلَمُ تَفْصِيلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَلَّامَةِ الْبِرْمَاوِيِّ فَتَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا مِنْ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَامِّ فَهَلْ يَكُونُ تَخْصِيصًا إذَا وُجِدَتْ شَرَائِطُ التَّقْرِيرِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ مُسَاوَاةُ الَّذِي قَرَّرَهُ لِغَيْرِهِ كَانَ تَخْصِيصًا، وَإِنْ ثَبَتَ الْمُسَاوَاةُ لِجَمِيعِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ أَوْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ كَانَ نَاسِخًا، وَمَثَّلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ مَا يَكُونُ تَخْصِيصًا «بِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَتَرْكُهُ ﷺ أَخْذَ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ، وَكَذَا تَقْرِيرُهُ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ لِمَنْ نَامَ قَاعِدًا» اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ تَسَاوِي النَّاسِ فِي الْحُكْمِ) لَعَلَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ إنْ اُشْتُهِرَ كَوْنُ الْفِعْلِ مِنْ خَصَائِصِهِ
стр. 581
أَيْ يَقْصُرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْخَاصِّ لِوُجُوبِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ قُلْنَا فِي الصِّفَةِ مَمْنُوعٌ مِثَالُ الْعَكْسِ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» يَعْنِي كَافِرٌ حَرْبِيٌّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى قَتْلِهِ بِغَيْرِ الْحَرْبِيِّ فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: يُقَدَّرُ الْحَرْبِيُّ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِوُجُوبِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ فِي صِفَةِ الْحُكْمِ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَ بِهِ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وَمِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ: لَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِكَافِرٍ وَلَا الْمُسْلِمُ بِكَافِرٍ فَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِ الْأَوَّلِ الْحَرْبِيُّ فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِ الثَّانِي الْحَرْبِيُّ أَيْضًا لِوُجُوبِ الِاشْتِرَاكِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّمْثِيلُ بِالْحَدِيثِ لِمَسْأَلَةِ: إنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْعَامِّ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَ) الْأَصَحُّ أَنَّ (رُجُوعَ الضَّمِيرِ أَوْ الْبَعْضِ) أَيْ بَعْضِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ أَيْ يَقْصُرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ حَذَرًا مِنْ مُخَالَفَةِ الضَّمِيرِ لِمَرْجِعِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي الْمُخَالَفَةِ لِقَرِينَةٍ مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَضَمِيرُ بُعُولَتِهِنَّ لِلرَّجْعِيَّاتِ وَيَشْمَلُ قَوْلُهُ وَالْمُطَلَّقَاتُ مَعَهُنَّ الْبَوَائِنَ وَقِيلَ لَا وَيُؤْخَذُ حُكْمُ الْبَوَائِنِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ (وَ) الْأَصَحُّ أَنَّ (مَذْهَبَ الرَّاوِي) لِلْعَامِّ بِخِلَافِهِ لَا يُخَصِّصُهُ
ــ
[حاشية العطار]
لَمْ يُخَصَّ بِهِ، وَإِلَّا خُصَّ كَمَا جَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ إلْكِيَا: إنَّهُ الْأَصَحُّ قَالَ: وَلِهَذَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ «تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ ﵂ وَهُوَ ﵊ مُحْرِمٌ» عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ (قَوْلُهُ: وَعَكْسُهُ) يُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَيْ كَذَلِكَ، وَالنَّصْبُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ عَطْفَ، وَقَوْلُهُ الْمَشْهُورُ أَيْ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَوْ بِالْخِلَافِ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي عَكْسِهِ أَيْضًا الِاتِّحَادُ الْمُدْرَكُ وَفِيهِ إيمَاءٌ لِعُذْرِ الْمُصَنِّفِ فِي تَرْكِهِ الْعَكْسَ (قَوْلُهُ: أَيْ يَقْصُرُهُ إلَخْ) هَذَا مَعْنًى آخَرَ لِلتَّخْصِيصِ غَيْرُ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمَ قَصْرُهُ عَلَى مَا عَدَا الْخَاصَّ
(قَوْلُهُ: وَصِفَتُهُ) وَمِنْهَا الْخُصُوصُ وَتَعْمِيمُ الْخَاصِّ لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَمْرٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: مِثَالُ الْعَكْسِ) قَدَّمَهُ لِوُرُودِ مِثَالِهِ وَلِأَنَّهُ الَّذِي اُشْتُهِرَ فِيهِ الْخِلَافُ فَقَدَّمَهُ اعْتِنَاءً بِهِ قَوْلُهُ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» قَالَ الشِّهَابُ الْعَامُّ الْكَافِرُ الْأَوَّلُ وَالْخَاصُّ الْكَافِرُ الْمُقَدَّرُ فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكَافِرِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ مَعْطُوفٌ بِالْوَاوِ الدَّاخِلَةِ عَلَى: وَلَا ذُو عَهْدٍ فَإِنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ عَطَفَ ذُو عَلَى مُسْلِمٍ وَبِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ عَلَى بِكَافِرٍ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، أَوْ عَكْسِهِ (قَوْلُهُ: لِلْإِجْمَاعِ عَلَى قَتْلِهِ) أَيْ الْمُعَاهَدِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِتَقْدِيرِ الْخَاصِّ (قَوْلُهُ: بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ) فِيهِ تَغْلِيبٌ (قَوْلُهُ: فِي صِفَةِ الْحُكْمِ) وَهِيَ الْحِرَابَةُ، وَهِيَ صِفَةٌ خَاصَّةٌ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا صِفَةً لِلْحُكْمِ أَنَّهَا صِفَةٌ لِمُتَعَلِّقِهِ، وَهُوَ الشَّخْصُ الْكَافِرُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ صِحَّةَ التَّمْثِيلِ بِهِ فِي الْمَوْضُوعَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ فَالتَّمْثِيلُ بِهِ هُنَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْعَامِّ أَيْ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، وَالتَّمْثِيلُ بِهِ هُنَاكَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْعَامِّ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْمَعْطُوفِ (قَوْلُهُ: وَرُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَخْ) قَدْ يُعَبَّرُ بَدَلَ الضَّمِيرِ بِمَا يَعُمُّهُ وَغَيْرُهُ؛ لَأَنْ يُقَالَ: تَعْقِيبُ الْعَامِّ بِمَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِهِ لَا يُخَصِّصُهُ فِي الْأَصَحِّ وَالْغَيْرُ كَالْمُحَلَّى بِأَلْ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ كَأَنْ يُقَالَ بَدَلَ: " وَبُعُولَتُهُنَّ " إلَخْ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَبِقَوْلِهِ: " الْمُطَلَّقَاتُ " أَوْ هَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ اهـ. ز
(قَوْلُهُ: لَا مَحْذُورَ) بَلْ فِيهِ مِنْ الْمُحَسِّنَاتِ الِاسْتِخْدَامُ (قَوْلُهُ: وَالْمُطَلَّقَاتُ) أَيْ مِنْ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ غَيْرِ الْحَوَامِلِ وَغَيْرُهُ الصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ وَكُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ وَكُنَّ أَحْرَارًا فَفِي الْآيَةِ تَخْصِيصَاتٌ (قَوْلُهُ: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ وَقَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ أَيْ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ (قَوْلُهُ: وَيَشْمَلُ) أَيْ فَالْمُطَلَّقَاتُ عَامٌّ فِي الْبَائِنَاتِ وَالرَّجْعِيَّاتِ فَلَا يَخْتَصُّ التَّرَبُّصُ بِالرَّجْعِيَّاتِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ وَبِالْبَائِنَاتِ (قَوْلُهُ: مَعَهُنَّ) حَالٌ مِنْ الْبَوَائِنِ أَيْ يَشْمَلُ الْبَوَائِنَ حَالَ كَوْنِهِنَّ مَعَ الرَّجْعِيَّاتِ فِي الشُّمُولِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا) أَيْ لَا يَشْمَلُ، وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مُقَدَّرٍ هُوَ الْمُتَضَمَّنُ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الرَّجْعِيَّاتُ مَدْلُولًا تَضْمِينًا لِلْمُتَضَمِّنِ عَلَى صِفَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ الْمُطَلَّقَاتُ مُرَادًا بِهِنَّ الرَّجْعِيَّاتُ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْكُلِّ، وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ، وَوُجُوبُ تَرَبُّصِ غَيْرِ الرَّجْعِيَّاتِ بِدَلِيلٍ آخَرَ كَالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: لِلْعَامِّ) مُتَعَلِّقٌ بِالرَّاوِي وَاللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ وَبِخِلَافِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَذْهَبٍ أَوْ حَالٌ مِنْهُ
стр. 582
(وَلَوْ) كَانَ (صَحَابِيًّا) وَقِيلَ يُخَصِّصُهُ مُطْلَقًا وَقِيلَ إنْ كَانَ صَحَابِيًّا وَقِيلَ إنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ غَيْرُ الرَّاوِي لِلْعَامِّ بِخِلَافِهِ يُخَصِّصُهُ أَيْضًا أَيْ يَقْصُرُهُ عَلَى مَا عَدَا مَحَلَّ الْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَصْدُرُ عَنْ دَلِيلٍ، قُلْنَا: فِي ظَنِّ الْمُخَالِفِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ اتِّبَاعُهُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا كَمَا سَيَأْتِي، مِثَالُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» مَعَ قَوْلِهِ: إنْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ مَنْ الشَّرْطِيَّةَ لَا تَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ كَمَا هُوَ قَوْلٌ تَقَدَّمَ.
(وَ) الْأَصَحُّ أَنَّ (ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ) بِحُكْمِ الْعَامِّ (لَا يُخَصِّصُ) الْعَامَّ، وَقِيلَ: يُخَصِّصُهُ أَيْ يَقْصُرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ بِمَفْهُومِهِ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلَّا ذَلِكَ قُلْنَا مَفْهُومُ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْبَعْضِ نَفْيُ احْتِمَالِ تَخْصِيصِهِ مِنْ الْعَامِّ مِثَالُهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» مَعَ حَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ صَحَابِيًّا) لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَالْعَامُّ حُجَّةٌ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ صَحَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ: إنَّ مَذْهَبَ إلَخْ) خَارِجٌ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الرَّاوِي (قَوْلُهُ: يُخَصِّصُهُ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُخَصِّصُهُ مَذْهَبُ الرَّاوِي، وَهَذَا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ (قَوْلُهُ: مَا عَدَا إلَخْ) وَهِيَ الْأَفْرَادُ الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تَصْدُرُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَعْلِيلُ الْقَوْلِ الْأَخِيرِ أَيْ وَإِذَا صَدَرَتْ عَنْ دَلِيلٍ جَازَ أَنْ تَكُونَ مُخَصِّصَةً (قَوْلُهُ: فِي ظَنِّ الْمُخَالِفِ) أَيْ الْمُخَالَفَةِ أَيْ هُوَ دَلِيلٌ فِي ظَنِّهِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِإِمْكَانِ أَنَّهُ أَخَصُّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاوِي الْمُجْتَهِدُ (قَوْلُهُ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ) عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (قَوْلُهُ: إنْ ثَبَتَ عَنْهُ) وَإِلَّا فَقَدْ طَعَنَ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ بِالْوَضْعِ (قَوْلُهُ: إنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ) وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَكُونُ مُخَالَفَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُرْتَدَّةِ إنْ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ قَبِيلِ التَّخْصِيصِ لِعُمُومِ مَرْوِيِّهِ اهـ ز
(قَوْلُهُ: أَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ إلَخْ) هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْمِثَالُ لَا يُخَصِّصُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِأَخُصُّ) كَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْمَتْنِ وَشَرَحَ عَلَيْهَا الْعِرَاقِيُّ قَالَ: وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ بِأَخُصُّ مِنْ حُكْمِ الْعُمُومِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ لِذَلِكَ الْفَرْدِ جَمِيعَ الْحُكْمِ الْعَامِّ، أَوْ بَعْضَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ حَدِيثِ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ إلَّا فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارِحُ لِذِكْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِحُكْمِ الْعَامِّ) وَأَمَّا بِغَيْرِ حُكْمِهِ فَيُخَصِّصُهُ مِنْ الْعَامِّ (قَوْلُهُ: لَا يُخَصِّصُ) خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَقَدَّرَهُ الشَّارِحُ بَعْدَ كُلِّ وَاحِدٍ لِبَيَانِ الْمَعْنَى، وَأُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ أَوْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَيَقْرُبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا عُطِفَ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ نَحْوُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هَلْ يَدُلُّ الْعَطْفُ عَلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ مُرَادٍ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ حَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: لَا يَدْخُلُ، وَلَوْ دَخَلَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِفْرَادِ فَائِدَةٌ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: يَدْخُلُ، وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ، وَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ (قَوْلُهُ: إلَّا ذَلِكَ) أَيْ التَّخْصِيصُ (قَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ) أَيْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِهِ فَيُخَصِّصُ ثُمَّ هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ الْمَذْكُورُ لَقَبًا فَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا بِمَفْهُومِهِ، وَبِهِ قَالَ الْعَضُدُ وَالْحَقُّ عَدَمُ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمَنْطُوقِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ (قَوْلُهُ: تَخْصِيصِهِ مِنْ الْعَامِّ) أَيْ إخْرَاجِهِ مِنْهُ وَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِ: إذْ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: مَيْتَةٍ) بِالتَّشْدِيدِ، وَالتَّخْفِيفُ فِي الْمَيِّتِ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا مَا سَيَمُوتُ فَبِالتَّشْدِيدِ لَا غَيْرُ، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] قَوْلُهُ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا» لَا يَتَأَتَّى دَعْوَى التَّخْصِيصِ إلَّا إذَا وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بَعْدَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَيُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ: إنَّهَا مَيْتَةٌ؛ إذْ لَوْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ لَمْ يَقْوَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ الْحُكْمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ أَيُّمَا إهَابٍ إلَخْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ لَمْ يَبْلُغْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ ﷺ أَوْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّخْصِيصِ تَأْخِيرُ الْمُخَصَّصِ بَعْدَ وُرُودِ الْعَامِّ تَأَمَّلْ
стр. 583
فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ الْأَوَّلَ بِلَفْظِ: «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» وَالْبُخَارِيُّ الثَّانِيَ بِلَفْظِ «هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا» إلَخْ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْعَادَةَ بِتَرْكِ بَعْضِ الْمَأْمُورِ) بِهِ أَوْ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ (تُخَصِّصُ) الْعَامَّ أَيْ تَقْصُرُهُ عَلَى مَا عَدَا الْمَتْرُوكَ أَوْ الْمَفْعُولَ (إنْ أَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ ) بِأَنْ كَانَتْ فِي زَمَانِهِ وَعَلِمَ بِهَا وَلَمْ يُنْكِرْهَا (أَوْ الْإِجْمَاعُ) بِأَنْ فَعَلَهَا النَّاسُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ) أَيْ وَالِانْتِفَاعُ يَسْتَلْزِمُ الطَّهَارَةَ، وَقَدْ يَمْنَعُ الِاسْتِلْزَامَ بِأَنَّ الْجِلْدَ النَّجِسَ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي مَوَاضِعَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ إطْلَاقَ الِانْتِفَاعِ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ؛ إذْ مِنْ أَفْرَادِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ عَلَيْهِ، وَإِرَادَةُ بَعْضِ الِانْتِفَاعَاتِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ قَوْلُهُ: «إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» أَيْ لَا الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا (قَوْلُهُ: وَرَوَى مُسْلِمٌ) بَيَانٌ لِاخْتِلَافِ لَفْظِ الرِّوَايَتَيْنِ وَتَفْوِيتِهَا اهـ. زَكَرِيَّا.
وَبِخَطِّ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الْغُنَيْمِيِّ أَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِأَنَّ مَنْ نَسَبَهَا فِي الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إلَى مُسْلِمٍ فَقَدْ وَهَمَ (قَوْلُهُمْ: إنَّ الْعَادَةَ بِتَرْكِ إلَخْ) أَيْ الْجَارِيَةِ بِتَرْكِ بَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَأَنْ قِيلَ: فِي النَّعَمِ زَكَاةٌ وَاعْتَادُوا تَرْكَهَا فِي الْغَنَمِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بِفِعْلِ إلَخْ كَأَنْ قِيلَ: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ثُمَّ اعْتَادُوا بَيْعَ الْبُرِّ بِمِثْلِهِ مُتَفَاضِلًا، وَالْمُرَادُ الْعَادَةُ اللَّاحِقَةُ بَعْدَ وُرُودِ الْعَامِّ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَيَأْتِي الْعَادَةُ السَّابِقَةُ (قَوْلُهُ: الْمَأْمُورِ بِهِ) أَيْ أَمْرَ إيجَابٍ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَرْكَهُ يُخَصِّصُ؛ إذْ الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْرَ نَدْبٍ لَا يُنَافِي تَرْكَهُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَيْ تَحْرِيمًا؛ إذْ هُوَ الَّذِي يُنَافِي فِعْلَهُ كَوْنُهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ فِعْلَهُ تَخْصِيصٌ كَذَا قَالُوا هُنَا، وَفِيهِ تَوَقُّفٌ فَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ النَّظْمِ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ مِنْهُ أَنَّ تَقْرِيرَهُ ﷺ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْمُجَرَّدَةِ، أَوْ يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ أَيْضًا قَالَ السُّبْكِيُّ: لَا أَسْتَحْضِرُ فِيهِ نَقْلًا، وَمَالَ إلَى الْإِبَاحَةِ، وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ أَبِي نَصْرِ بْنِ الْقُشَيْرِيِّ وَحَكَى التَّوَقُّفَ فِيهَا عَنْ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَّحَ الْحَمْلَ عَلَى الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ اهـ.
وَحَيْثُ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى مَا قَالُوا، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالُ: وَلَوْ كَانَ أَمْرَ نَدْبٍ وَنَهْيَ كَرَاهَةٍ يَحْصُلُ التَّخْصِيصُ بِهَا، وَتُسْتَفَادُ الْإِبَاحَةُ الْمُجَرَّدَةُ تَأَمَّلْهُ
(قَوْلُهُ: بِصِيغَةِ الْعُمُومِ) يَتَنَازَعُهُ الْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ (قَوْلُهُ: أَوْ الْإِجْمَاعُ) بِأَنْ عَلِمَ جَرَيَانَهَا مِنْ بَعْدِهِ ﷺ إذْ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَنِهِ مُحَالٌ (قَوْلُهُ: بِأَنْ فَعَلَهَا النَّاسُ) أَيْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ
стр. 584
مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ، وَالْمُخَصِّصُ فِي الْحَقِيقَةِ التَّقْرِيرُ أَوْ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ بِخِلَافِ مَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِهِ ﵊ وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الشَّرْعِ، وَهَذَا تَوَسُّطٌ لِلْإِمَامِ الرَّازِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ بَيْنَ إطْلَاقِ بَعْضِهِمْ التَّخْصِيصَ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا إجْمَاعٌ فِعْلِيٌّ، وَبَعْضِهِمْ عَدَمَهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ فِعْلَ النَّاسِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْعَامَّ لَا يُقْصَرُ عَلَى الْمُعْتَادِ، وَلَا عَلَى مَا وَرَاءَهُ) أَيْ وَرَاءَ الْمُعْتَادِ (بَلْ تُطْرَحُ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِّ فِي الثَّانِي.
(الْعَادَةُ السَّابِقَةُ) عَلَيْهِ فَيَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ فِي الْقِسْمَيْنِ، وَقِيلَ: يُقْصَرُ عَلَى مَا ذُكِرَ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ عَادَتُهُمْ تَنَاوُلَ الْبُرِّ ثُمَّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فَقِيلَ: يُقْصَرُ الطَّعَامُ عَلَى الْبُرِّ الْمُعْتَادِ، وَالثَّانِي كَمَا لَوْ كَانَ عَادَتُهُمْ بَيْعَ الْبُرِّ بِالْبُرِّ مُتَفَاضِلًا ثُمَّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فَقِيلَ: يُقْصَرُ الطَّعَامُ عَلَى غَيْرِ الْبُرِّ الْمُعْتَادِ، وَالْأَصَحُّ لَا فِيهِمَا (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ نَحْوَ) قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ ﷺ (قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ هُوَ لَفْظٌ لَا يُعْرَفُ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِوَارِ» وَهُوَ مُرْسَلٌ (لَا يَعُمُّ) كُلَّ جَارٍ وَنَحْوَهُ (وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ) وَقِيلَ: يَعُمُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ عَدْلٌ عَارِفٌ بِاللُّغَةِ وَالْمَعْنَى فَلَوْلَا ظُهُورُ عُمُومِ الْحُكْمِ مِمَّا صَدَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
[حاشية العطار]
وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَهِدِينَ؛ إذْ لَوْ فَعَلَهَا جَمِيعُ النَّاسِ، أَوْ الْمُجْتَهِدُونَ كَانَ إجْمَاعًا بِدُونِ التَّقْيِيدِ بِالتَّقْرِيرِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلُهُ بَعْدُ أَوْ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى لَا الْمُقَابِلَ لِلْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَهُوَ مَا فَعَلَهُ كُلُّهُمْ (قَوْلُهُ: وَالْمُخَصِّصُ فِي الْحَقِيقَةِ) أَيْ فَفِي إسْنَادِ التَّخْصِيصِ إلَى الْعِدَّةِ تَسَمُّحٌ عَلَى أَنَّ الْمُخَصِّصَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ فَقَوْلُهُ: أَوْ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِشُمُولِ التَّقْرِيرِ لَهُ؛ إذْ الْمُرَادُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ تَقْرِيرُ الْإِجْمَاعِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُهُ (قَوْلُهُ: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِهِ ﷺ ) أَوْ كَانَتْ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَوْ عَلِمَ بِهَا وَأَنْكَرَهَا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهَا) أَيْ بَعْدَ زَمَنِهِ ﷺ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسِ) أَيْ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: تَوَسُّطٌ لِلْإِمَامِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ يَنْزِلَانِ عَلَى تَفْصِيلِ الْإِمَامِ فَيَرْجِعُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا.
(قَوْلُهُ: إنَّ الْعَامَّ لَا يُقْصَرُ عَلَى الْمُعْتَادِ) هَذِهِ غَيْرُ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا فِي الْعَادَةِ السَّابِقَةِ عَلَى وُرُودِ الْعَامِّ، وَتِلْكَ فِي الْعِدَّةِ اللَّاحِقَةِ لَهُ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. اهـ ز.
(قَوْلُهُ: بَلْ تُطْرَحُ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِّ فِي الثَّانِي الْعَادَةُ السَّابِقَةُ قَيَّدَ بِالثَّانِي مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ مِثْلُهُ فِي أَنَّ الْعَامَّ يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عَقِبَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْأَوَّلِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَامِّ حَتَّى تُطْرَحَ مِنْهُ بِخِلَافِهَا فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا فِي الْأَوَّلِ فِي مِثَالِهِ تَنَاوَلَ الْبُرَّ، وَالْعَامُّ فِيهِ إنَّمَا هُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ فِيهِ بِخِلَافِهَا فِي الثَّانِي فِي مِثَالِهِ فَإِنَّهَا بَيْعُ الْبُرِّ بِالْبُرِّ مُتَفَاضِلًا، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: فِي الثَّانِي) ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ يَنْدَرِجُ فِي حُكْمِ الْعَامِّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ نَهَى إلَخْ) أَتَى بِثُمَّ أَخْذًا مِنْ الْمَتْنِ حَيْثُ قَالَ السَّابِقَةُ فَعُلِمَ أَنَّ وُرُودَ الْعَامِّ مُتَأَخِّرٌ عَنْهَا (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ) أَيْ مُجَرَّدَةً عَنْ تَقْرِيرِهِ ﷺ أَوْ إجْمَاعٍ؛ إذْ لَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُتَّجَهْ إلَّا التَّخْصِيصُ، وَقَصْرُ الْعَامِّ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمُعْتَادِ (قَوْلُهُ: بِالْجَوَازِ) أَيْ بِحَقِّهِ، وَمِنْهُ الشُّفْعَةُ (قَوْلُهُ: لَا يَعُمُّ) لِأَنَّ الْقَضَاءَ حُكْمٌ فِي جُزْئِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ (قَوْلُهُ: وَنَحْوَهُ) بِنَصْبِهِ عَطْفًا عَلَى " كُلَّ " أَيْ فَيُقَالُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ نَحْوِ «نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» لَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعِ غَرَرٍ فَاسْتِدْلَالُ الْفُقَهَاءِ بِهِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ كُلِّ بَيْعٍ فِيهِ غَرَرٌ نَظَرُوا فِيهِ لِلْإِطْلَاقِ لَا لِلْعُمُومِ
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَدْ يُتَخَيَّلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُكَرَّرَةٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْعُمُومِ: الْفِعْلُ الْمُثْبَتُ لَيْسَ بِعَامٍّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفِعْلَ لَا صِيغَةَ لَهُ حَتَّى يُتَمَسَّكَ بِعُمُومِهِ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ صِيغَةٍ، وَقَدْ يَفْهَمُ الرَّاوِي مِنْهَا الْعُمُومَ لِيَرْوِيَهُ كَذَلِكَ اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: عَارِفٌ بِاللُّغَةِ) أَيْ بِقَرَائِنِهَا
стр. 585
لَمْ يَأْتِ هُوَ فِي الْحِكَايَةِ لَهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ كَالْجَارِ قُلْنَا: ظُهُورُ عُمُومِ الْحُكْمِ بِحَسَبِ ظَنِّهِ، وَلَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ، وَنَحْوُ قَضَى إلَخْ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقِيلَ يَعُمُّ كُلَّ غَرَرٍ.
(مَسْأَلَةٌ جَوَابُ السَّائِلِ غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ دُونَهُ) أَيْ دُونَ السُّؤَالِ (تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ) وَخُصُوصِهِ، الْعُمُومُ كَحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: لَمْ يَأْتِ هُوَ) أَيْ مَعَ كَوْنِ الْقَضَاءِ حُكْمًا فِي جُزْئِيَّةٍ لَا يَعُمُّ (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَيْسَ لَنَا اتِّبَاعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا اتِّبَاعُهُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَعُمُّ كُلَّ غَرَرٍ) وَإِلَّا لَزِمَ بُطْلَانُ كُلِّ مَا فِيهِ غَرَرٌ مِنْ الْبُيُوعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُمْ صَحَّحُوا كَثِيرًا مِمَّا فِيهِ غَرَرٌ كَبَيْعِ الرَّقِيقِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ نَحْوِ عَوْرَتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بِهَا مَا يُنْقِصُ قِيمَتَهَا وَيُنَفِّرُ عَنْهُ، وَبَيْعُ الْكِرْبَاسِ مَعَ رُؤْيَةِ أَحَدِ وَجْهَيْهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ مَا ذُكِرَ وَبَيْعُ الصُّبْرَةُ مَعَ رُؤْيَةِ ظَاهِرِهَا فَقَطْ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بِبَاطِنِهَا مَا ذُكِرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى، فَإِنْ قُلْت: عَدَمُ حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ يُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ بَعْضِ بُيُوعِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُطْلَقٌ فَيَكْفِي صُورَةً، وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ اسْتِدْلَالُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ كَثِيرٍ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ، قُلْت: لَا نُسَلِّمُ الْمُنَافَاةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَهِمَ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الْغَرَرُ صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ غَرَرٌ لَكِنْ لَمَّا أَفَادَتْ الْأَدِلَّةُ صِحَّةَ كَثِيرٍ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَ فِيهَا مُطْلَقُ الْغَرَرِ بَلْ الْغَرَرُ الشَّدِيدُ، وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ انْدِفَاعُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْكَمَالُ تَأَمَّلْ سم.
[مَسْأَلَةٌ جَوَابُ السَّائِلِ غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ دُونَهُ]
(قَوْلُهُ: غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ) وَهُوَ مَا لَا يُفِيدُ بِدُونِ السُّؤَالِ كَنَعَمْ وَبَلَى أَيْ لَوْ اُبْتُدِئَ بِهِ لَمْ يُفِدْ، وَغَيْرُ مَرْفُوعٌ صِفَةٌ لِ " جَوَابٌ " (قَوْلُهُ: أَيْ دُونَ السُّؤَالِ) أَيْ الْمَفْهُومِ مِنْ السَّائِلِ، وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ السَّائِلِ بِالسُّؤَالِ وَبَدَلَ السُّؤَالِ بَدَلَهُ كَانَ أَوْضَحَ وَأَخْصَرَ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ مَرْجِعٌ ثُمَّ إنَّ الصُّوَرَ ثَمَانٍ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ السُّؤَالِ أَوْ أَخَصَّ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ لَكِنْ يَتَعَطَّلُ مِنْهَا صُورَتَانِ، وَهُمَا كَوْنُ الْجَوَابِ أَعَمَّ مِنْ السُّؤَالِ، أَوْ أَخَصَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْعُمُومِ أَوْ الْخُصُوصِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ الصُّوَرُ السِّتَّةُ فِي الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ (قَوْلُهُ: تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ) اُخْتُلِفَ فِي جِهَةِ عُمُومِهِ فَقِيلَ لِعَدَمِ اسْتِفْصَالِهِ عَنْ حَالِهِ وَقِيلَ لِعُمُومِ عِلَّةِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِلسَّائِلِ وَغَيْرِهِ وَجُعِلَ مِنْ هَذَا حَدِيثُ «أَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَحْتَاجُ إلَى سَبْقِ مُفَسِّرٍ فَلَمْ يَسْتَقِلَّ الْجَوَابُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ هُوَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ فَيَكُونَ الْجَوَابُ مُسْتَقِلًّا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ (قَوْلُهُ: سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ) الظَّاهِرُ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ بِنَحْوِ هَلْ يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ لَا بِنَحْوِ هَلْ أَبِيعُ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ، وَإِلَّا كَانَ السُّؤَالُ خَاصًّا
стр. 586
فَلَا إذَنْ» فَيَعُمُّ كُلَّ بَيْعٍ لِلرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالْخُصُوصُ كَمَا «قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَائِلٌ: تَوَضَّأْت مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ يُجْزِيكَ» فَلَا يَعُمُّ غَيْرَهُ (وَالْمُسْتَقِلُّ) دُونَ السُّؤَالِ (الْأَخَصُّ) مِنْهُ (جَائِزٌ إذَا أَمْكَنَتْ مَعْرِفَةُ الْمَسْكُوتِ) مِنْهُ كَأَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ» كَالْمُظَاهِرِ فِي جَوَابِ مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مَاذَا عَلَيْهِ فَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: جَامَعَ أَنَّ الْإِفْطَارَ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ فَإِذَا لَمْ تُمْكِنْ مَعْرِفَةُ الْمَسْكُوتِ مِنْ الْجَوَابِ فَلَا يَجُوزُ لِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (وَالْمُسَاوِي وَاضِحٌ) كَأَنْ يُقَالَ: مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ كَالظِّهَارِ فِي جَوَابِ مَاذَا عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَكَأَنْ يُقَالَ لِمَنْ قَالَ: جَامَعْت فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مَاذَا عَلَيَّ: عَلَيْك كَفَّارَةٌ كَالظِّهَارِ.
وَالْأَعَمُّ ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ (وَالْعَامُّ) الْوَارِدُ عَلَى (سَبَبٍ خَاصٍّ) فِي سُؤَالٍ أَوْ غَيْرِهِ (مُعْتَبَرٌ عُمُومُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ) نَظَرًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى السَّبَبِ لِوُرُودِهِ فِيهِ، مِثَالُهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: فَلَا إذْنَ) هُوَ الْجَوَابُ وَهُوَ عَامٌّ لِكُلِّ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ صَدَرَ مِنْ السَّائِلِ أَوْ غَيْرِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِدُونِ السُّؤَالِ اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: فَيَعُمُّ كُلَّ بَيْعٍ) صَدَرَ مِنْ السَّائِلِ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: يُجْزِيك) مِثَالٌ لِكَوْنِ الْجَوَابِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ وَخَاصٍّ بِالسَّائِلِ عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَا يَعُمُّ غَيْرَ السَّائِلِ فَالضَّمِيرُ فِي لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ لِلسَّائِلِ، وَيَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ لِلْوُضُوءِ وَالْمَعْنَى يُجْزِيك أَيْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ فَلَا يَعُمُّ غَيْرَهُ أَيْ غَيْرَ ذَلِكَ الْوُضُوءِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَقِلُّ) وَهُوَ بِحَيْثُ لَوْ اُبْتُدِئَ بِهِ كَانَ مُفِيدًا لِلْمَقْصُودِ (قَوْلُهُ: الْأَخَصُّ) أَيْ بِحَسَبِ مَنْطُوقِهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ مُسَاوِيًا (قَوْلُهُ: جَائِزٌ) أَيْ الْإِجَابَةُ بِهِ جَائِزَةٌ صَحِيحَةٌ، أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى جَائِزُ الْوُقُوعِ لَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِهِ لُغَةً وَلَا شَرْعًا (قَوْلُهُ: مَعْرِفَةُ الْمَسْكُوتِ) أَيْ الْحُكْمِ الْمَسْكُوتِ، وَمِنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِ " مَعْرِفَةُ " وَضَمِيرُهُ يَرْجِعُ لِلْجَوَابِ لَا يُقَالُ: إذَا كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ مُمْكِنَةً كَانَ مُسَاوِيًا لَا أَخَصَّ لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَخَصِّيَّةُ بِاعْتِبَارِ الْمَنْطُوقِ، وَالْمُسَاوَاةُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ، وَإِمْكَانُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَوَابِ تَنْبِيهٌ عَلَى حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ السَّائِلُ أَهْلًا لِلتَّنْبِيهِ لِذَلِكَ، وَأَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْعَمَلِ زَمَنٌ يَسَعُ التَّأَمُّلَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّنْبِيهُ (قَوْلُهُ: كَالْمُظَاهِرِ) التَّشْبِيهُ تَامٌّ عَلَى مَذْهَبِنَا - مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ - فَإِنَّ كَفَّارَةَ الصَّوْمِ عِنْدَنَا مُرَتَّبَةٌ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ مُخَيَّرَةٌ (قَوْلُهُ: مَنْ أَفْطَرَ إلَخْ) عَامٌّ يَشْمَلُ الْجِمَاعَ وَغَيْرَهُ (قَوْلُهُ: فَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ جَامَعَ) لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ جَامَعَ إلَخْ فِي قُوَّةِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ الْمُؤْذِنِ بِالْعِلِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ إلَخْ) مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ فِي ضِمْنِ الْعَامِّ فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَالْعَامُّ إلَخْ غَيْرُ قَاصِرٍ عَلَى الْجَوَابِ وَالسُّؤَالِ (قَوْلُهُ وَالْمُسَاوِي وَاضِحٌ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا أَمْ لَا؛ وَلِهَذَا مَثَّلَ الشَّارِحُ لَهُ بِمِثَالَيْنِ أَوَّلُهُمَا لِلْمُسْتَقِلِّ، وَالثَّانِي لِغَيْرِهِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَطْفِ الْمُسَاوِي عَلَى الْمُسْتَقِلِّ، وَفِيهِ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فَالْأَوْجَهُ عَطْفُهُ عَلَى الْأَخَصِّ، وَالْمُسَاوِي صَادِقٌ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْعُمُومِ، وَفِي الْخُصُوصِ فَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ لِلْعُمُومِ، وَالثَّانِي لِلْخُصُوصِ لَكِنْ بِزِيَادَةِ إنْ جَامَعْت فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بَعْدُ عَلَيْك قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: فِي سُؤَالٍ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ السُّؤَالُ عَامًّا، أَوْ لَا وَفِي سُؤَالٍ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِسَبَبٍ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: الْوَارِدُ أَوْ فِي شَأْنِ سُؤَالٍ وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ وَالْعَامُّ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ جَوَابُ السَّائِلِ إلَخْ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ (قَوْلُهُ: نَظَرًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ) إذْ الْحُجَّةُ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَالسَّبَبُ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: هُوَ مَقْصُودٌ إلَخْ) نَسَبَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي صَحَّ عِنْدَنَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا نَقَلَهُ تِلْمِيذُهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ (قَوْلُهُ: أَتَتَوَضَّأُ) بِتَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ (قَوْلُهُ: بُضَاعَةَ) فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَهْلُ اللُّغَةِ يَضُمُّونَ الْبَاءَ وَيَكْسِرُونَهَا وَالْمَحْفُوظُ الضَّمُّ وَفِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ حَكَى بَعْضُهُمْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قَالَهُ بَعْضُ حَوَاشِي التَّلْوِيحِ (قَوْلُهُ: الْحِيَضُ) جَمْعُ حِيضَةٍ كَكِسْرَةٍ وَكِسَرٍ وَدِيمَةٍ وَدِيَمٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ حَيْضَةٍ بِالْفَتْحِ كَضِيَعِ جَمْعُ ضَيْعَةٍ، وَالْمُرَادُ إلْقَاءُ خِرَقِ الْحِيَضِ
стр. 587
وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» أَيْ مِمَّا ذُكِرَ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: مِمَّا ذُكِرَ، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ غَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ وُجِدَتْ (قَرِينَةُ التَّعْمِيمِ فَأَجْدَرُ) أَيْ أَوْلَى بِاعْتِبَارِ الْعُمُومِ مِمَّا لَوْ لَمْ تَكُنْ مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَسَبَبُ نُزُولِهِ عَلَى مَا قِيلَ رَجُلٌ سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ فَذَكَرَ السَّارِقَةَ قَرِينَةً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالسَّارِقِ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَقَطْ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] نَزَلَ كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي شَأْنِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ لَمَّا أَخَذَهُ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ قَهْرًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ لِيُصَلِّيَ فِيهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَخَرَجَ فَسَأَلَهُ الْعَبَّاسُ الْمِفْتَاحَ لِيَضُمَّ السِّدَانَةَ إلَى السِّقَايَةِ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فَرَدَّهُ عَلَى عُثْمَانَ بِلُطْفٍ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِذَلِكَ فَتَعَجَّبَ عُثْمَانُ مِنْ ذَلِكَ فَقَرَأَ لَهُ عَلِيٌّ الْآيَةَ فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ فَذِكْرُ الْأَمَانَاتِ بِالْجَمْعِ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْعُمُومِ.
(وَصُورَةُ السَّبَبِ) الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا الْعَامُّ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: وَالنَّتْنُ) فِي الْقَامُوسِ النَّتْنُ ضِدُّ الْفَوْحِ نَتُنَ كَكَرُمَ وَضَرَبَ نَتَانَةً وَأَنْتَنَ فَهُوَ مُنْتِنٌ اهـ. (قَوْلُهُ: شَيْءٌ) هَذَا هُوَ الْعَامُّ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ مِمَّا ذُكِرَ) أَيْ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مِنْ الْحِيَضِ وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ غَيْرِهِ) أَيْ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ التَّنَجُّسِ بِهِ ثَابِتًا بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ بِدَلِيلٍ آخَرَ كَالْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: أَيْ وُجِدَتْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ أَيْ أَوْلَى إلَخْ وَهَلْ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ، أَوْ يُقْطَعُ بِالتَّعْمِيمِ لِلْقَرِينَةِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى قَصْرِهِ عَلَى السَّبَبِ أَوْ تَعْمِيمِهِ (قَوْلُهُ: مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ) وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِزِيَادَةِ لَوْ وَيَرِدُ عَلَيْهَا أَنَّ لَوْ لِلنَّفْيِ، وَلَمْ لِلنَّفْيِ، وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَتَكُونُ الْقَرِينَةُ مَوْجُودَةً، وَهُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فَنُسْخَةُ حَذْفِهَا أَوْلَى (قَوْلُهُ: عَلَى مَا قِيلَ) عَبَّرَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ الْبَيْهَقِيّ: إنَّهُ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لَكِنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقٍ مِنْهَا عَنْ طَاوُسٍ عَنْ صَفْوَانَ وَرَجَّحَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اهـ. ز.
وَنَقَلَ الْكَمَالُ عَنْ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ بَيْرَقٍ وَسَارِقِ الدِّرْعِ الْمَذْكُورِ وَقِصَّتُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فِي آيَةِ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] (قَوْلُهُ: قَهْرًا) لِامْتِنَاعِهِ مِنْ دَفْعِ الْمِفْتَاحِ لِعَلِيٍّ ﵁ لَيْلًا، وَقَالَ: لَمْ تُفْتَحْ الْكَعْبَةُ لَيْلًا أَبَدًا فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يُسَمِّيهِ اللَّهُ أَمَانَةً مَعَ أَخْذِهِ قَهْرًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ غَصْبًا إلَّا إذَا كَانَ الْآخِذُ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ، وَالْآخِذُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مُسْتَحِقٌّ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: السِّدَانَةَ) أَيْ خِدْمَةَ الْبَيْتِ وَالسِّقَايَةَ أَيْ سِقَايَةَ زَمْزَمَ فَإِنَّهَا كَانَتْ مَعَ الْعَبَّاسِ ﵁ (قَوْلُهُ: فَأَسْلَمَ) لَعَلَّ الْمُرَادَ فَأَظْهَرَ إسْلَامَهُ؛ إذْ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ وَالنَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ وَالْمُزَنِيُّ وَالذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُمْ (قَوْلُهُ: فَذَكَرَ الْأَمَانَاتِ بِالْجَمْعِ إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ سَوَاءٌ وُجِدَتْ قَرِينَةُ التَّعْمِيمِ أَمْ لَا نَعَمْ لَوْ وُجِدَتْ قَرِينَةُ الْخُصُوصِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ كَالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ فَإِنَّ سَبَبَهُ «أَنَّهُ ﵊ رَأَى امْرَأَةً حَرْبِيَّةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ مَقْتُولَةً» وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحَرْبِيَّاتِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُرْتَدَّةَ، وَإِنَّمَا قُتِلَتْ لِخَبَرِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: وَصُورَةُ السَّبَبِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا) أَيْ
стр. 588
(قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ) فِيهِ (عِنْدَ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ لِوُرُودِهِ فِيهَا (فَلَا يُخَصُّ) مِنْهُ (بِالِاجْتِهَادِ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ: هِيَ (ظَنِّيَّةٌ) كَغَيْرِهَا فَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْهُ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا لَزِمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُسْتَفْرَشَةِ لَا يَلْحَقُ سَيِّدَهَا مَا لَمْ يَقْرَبْهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّحَاقِ الْإِقْرَارُ إخْرَاجُهُ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» الْوَارِدِ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ الْمُخْتَصِمِ فِيهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَدْ قَالَ ﷺ هُوَ لَك يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد هُوَ أَخُوك يَا عَبْدُ (قَالَ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا
ــ
[حاشية العطار]
لِأَجْلِهَا وَهَذَا كَالتَّوْضِيحِ لِكَوْنِهَا سَبَبًا (قَوْلُهُ: قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ) وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهَا سَبَبًا مَعْنًى، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى قَطْعِيَّةِ الدُّخُولِ وَمُحَصِّلُهُ كَمَا قَالَ سم هَلْ كَوْنُهَا سَبَبًا قَرِينَةٌ عَلَى دُخُولِهَا قَطْعًا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: فَلَا تَخْتَصُّ مِنْهُ بِالِاجْتِهَادِ) خَصَّ الِاجْتِهَادَ بِالذِّكْرِ نَظَرًا لِلْقَوْلِ بِمُقَابِلِهِ، وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ لَا يُخَصِّصُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ يَنْسَخُهُ اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: كَغَيْرِهِ) رُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُ، وَقَدْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَنْ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ صُورَةَ السَّبَبِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ؛ وَلِذَلِكَ اُنْتُقِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ " الْأَكْثَرِ " وَمَا يَأْتِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَازِمٌ لِمَذْهَبِهِ وَلَيْسَ قَائِلًا بِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا لَزِمَ) أَيْ كَلُزُومِ الْإِخْرَاجِ فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ (قَوْلُهُ: نَظَرًا) أَيْ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ: إلَى أَنَّ الْأَصْلَ) أَيْ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: إخْرَاجُهُ) فَاعِلُ لَزِمَ الضَّمِيرُ لِلْوَلَدِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ، وَاعْتُرِضَ عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُخَالِفُ الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّ الْفُرُشَ عِنْدَهُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُسْتَوْلَدَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ، وَالْأَمَةُ فِي الْحَدِيثِ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَالِاحْتِيَاجُ إلَى الْإِقْرَارِ عِنْدَهُ فِي غَيْرِهَا فَلَمْ تَكُنْ صُورَةُ السَّبَبِ خَارِجَةً عِنْدَهُ، وَلَا يُخَالِفُ فِيهَا؛ إذْ كَيْفَ بِخُرُوجِهَا مَعَ وُرُودِ الْحَدِيثِ فِيهَا، وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ لِزَمْعَةَ كَذَا حَقِيقَةُ الْكَمَالِ بْنِ الْهَمَّامِ قَوْلُهُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» أَيْ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ أَمْ لَمْ يُقِرَّ فَهَذَا وَجْهُ عُمُومِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْهُ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ فَلَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ إلَّا بِالدَّعْوَةِ
(قَوْلُهُ: الْمُخْتَصَمِ فِيهِ) نَعْتٌ سَبَبِيٌّ لِابْنِ وَزَمْعَةَ اسْمُ سَيِّدِ الْأَمَةِ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ اللَّفْظِيِّ (قَوْلُهُ: عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) هُوَ سَيِّدُ الْأَمَةِ بَعْدَ أَبِيهِ زَمْعَةَ (قَوْلُهُ: وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) يَدَّعِي أَنَّهُ وَلَدُ عُتْبَةَ عَهِدَ إلَيْهِ فِي خَلَاصِهِ، وَحَاصِلُ الْقِصَّةِ أَنَّ جَارِيَةَ زَمْعَةَ زَنَى بِهَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَخُو سَعْدٍ وَأَوْصَى عُتْبَةُ الْمَذْكُورُ أَخَاهُ سَعْدًا أَنَّ أَمَةَ زَمْعَةَ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا فَهُوَ لَك أَيْ مَنْسُوبٌ لَك بِأَنَّهُ ابْنُ أَخِيك فَادَّعِهِ ثُمَّ مَاتَ عُتْبَةُ وَكَذَلِكَ زَمْعَةُ أَوْصَى ابْنَهُ عَبْدًا أَنَّ الْأَمَةَ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا فَادَّعِهِ فَإِنَّهُ لَك أَيْ أَخُوك وَمَاتَ زَمْعَةُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ بَعْدَ وِلَادَةِ الْأَمَةِ اخْتَصَمَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ مَعَ سَعْدٍ أَخِي عُتْبَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ» الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ «ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي مِنْهُ» لَمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَحِقَ اللَّهَ - تَعَالَى (قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُبَيِّنَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَقَالَ بَعْضٌ آخَرُ: إنَّهَا مُعَارِضَةٌ لَهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ لَك أَيْ مِيرَاثٌ مِنْ أَبِيك، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ فَقُدِّمَتْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» هُوَ قَضَاءٌ بِالْمَلْكِ لِعَبْدٍ لِكَوْنِهِ وَلَدَ أَمَةِ أَبِيهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ بِنَسَبِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ «قَوْلُهُ: ﵊ لِبِنْتِ زَمْعَةَ أَمَّا أَنْتِ يَا سَوْدَةُ فَاحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ لَك»
وَقَوْلُهُ: ﵊ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» لِتَحْقِيقِ نَفْيِ النَّسَبِ عَنْ عُتْبَةَ لَا لِإِلْحَاقِهِ بِزَمْعَةَ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ إقْرَارَ الْوَرَثَةِ بِبُنُوَّةِ وَلَدِ الْأَمَةِ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَةِ مِنْ الْأَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ السَّبَبَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ (غَرِيبَةٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِتَرْشِيحِ التَّوْشِيحِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَا وَقَعَ الْغَلَطُ فِيهِ بِسَبَبِ تَصْحِيفٍ أَوْ تَحْرِيفٍ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ هَذَا أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ حَرْفُ
стр. 589
(وَيَقْرُبُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ صُورَةِ السَّبَبِ حَتَّى يَكُونَ قَطْعِيَّ الدُّخُولِ أَوْ ظَنِّيَّهُ (خَاصٌّ فِي الْقُرْآنِ تَلَاهُ فِي الرَّسْمِ) أَيْ رَسْمِ الْقُرْآنِ بِمَعْنَى وَضَعَهُ مَوَاضِعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتْلُهُ فِي النُّزُولِ (عَامٌّ لِلْمُنَاسِبَةِ) بَيْنَ التَّالِي وَالْمَتْلُوِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] إلَخْ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: إشَارَةٌ إلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَنَحْوِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ لَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ وَشَاهَدُوا قَتْلَى بَدْرٍ حَرَّضُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِمْ وَمُحَارَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُمْ مَنْ أَهْدَى سَبِيلًا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَمْ نَحْنُ؟ فَقَالُوا: أَنْتُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ مِنْ نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُنْطَبِقِ عَلَيْهِ وَأَخْذِ الْمَوَاثِيقِ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ فَكَانَ ذَلِكَ أَمَانَةً لَازِمَةً لَهُمْ وَلَمْ يُؤَدُّوهَا حَيْثُ قَالُوا لِلْكُفَّارِ: أَنْتُمْ أَهْدَى سَبِيلًا حَسَدًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ الْآيَةُ مَعَ هَذَا الْقَوْلِ التَّوَعُّدَ عَلَيْهِ الْمُفِيدَ لِلْأَمْرِ بِمُقَابِلِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى إرَادَةِ الْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ بَيَانُ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِفَادَتِهِ أَنَّهُ الْمَوْصُوفُ فِي كِتَابِهِمْ، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ أَمَانَةٍ، وَذَلِكَ خَاصٌّ بِأَمَانَةٍ هِيَ بَيَانُ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالطَّرِيقِ السَّابِقِ
ــ
[حاشية العطار]
النِّدَاءِ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ لَك يَا عَبْدٌ ثُمَّ نَوَّنَ عَبْدٌ أَوْ جَعَلَهُ خَبَرَ هُوَ وَقَالَ إنَّمَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ لَك عَبْدٌ» فَأَيْنَ لُحُوقُ النَّسَبِ وَاتَّخَذَ الْحَدِيثَ حُجَّةً لَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَانْظُرْ هَذِهِ الْعَجَائِبَ وَالْغَرَائِبَ (قَوْلُهُ: وَيَقْرُبُ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ النَّصَّ عَلَى الْخَاصِّ بِخُصُوصِهِ يُغْنِي عَنْ إلْحَاقِهِ بِصُورَةِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ كَوْنَ صُورَةِ السَّبَبِ مَانِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ إخْرَاجِهِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ الْعُمُومِ فَالنَّصُّ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ مَانِعٌ مِنْ الْغَايَةِ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَيُجَابُ بِأَنَّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ فِي أَحَدِهِمَا حَتَّى يُقَدِّمَ ذَلِكَ الْخَاصَّ عَلَى خَاصٍّ آخَرَ عَارَضَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُّ تَالِيًا لَهُ فِي الرَّسْمِ اهـ سم
(قَوْلُهُ: فِي الْقُرْآنِ) وَكَذَا فِي السُّنَّةِ عَلَى مَا بَحَثَهُ سم قَوْلُهُ: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] هُمَا ضَمَانٌ لِقُرَيْشٍ (قَوْلُهُ: إشَارَةٌ إلَى كَعْبٍ إلَخْ) أَيْ إلَى حَالِهِمْ (قَوْلُهُ: لَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَطَنَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانُوا مُتَوَطِّنِينَ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَةَ كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَقَوْلُهُ: وَشَاهَدُوا أَيْ وَقَدْ شَاهَدُوا فِيمَا سَبَقَ قَتْلَى بَدْرٍ فَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ قَالَ سم: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً، وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْمُشَاهَدَةِ سَابِقَةً عَلَى الْقُدُومِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَرْتِيبَ فِيهَا (قَوْلُهُ: فَسَأَلُوهُمْ) أَيْ سَأَلَ الْمُشْرِكُونَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَنَحْوَهُ لِكَوْنِهِمْ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَمُرَادُ الْمُشْرِكِينَ بِالسُّؤَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَهْدَى سَبِيلًا فَلَا يُقَاتِلُونَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ أَهْدَى يُقَاتِلُونَهُمْ (قَوْلُهُ: مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ) أَيْ أَمُحَمَّدٌ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ (قَوْلُهُ: فَقَالُوا أَنْتُمْ) هَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى﴾ [النساء: ٥١] إلَخْ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُ - تَعَالَى - حِكَايَةٌ لِقِصَّتِهِمْ وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ اكْتِفَاءٌ أَيْ أَنْتُمْ أَهْدَى سَبِيلًا (قَوْلُهُ: الْمُنْطَبِقِ عَلَيْهِ) نَعْتٌ لِنَعْتٍ أَيْ مَا وُجِدَ فِي كِتَابِهِمْ الدَّالِّ عَلَى النَّعْتِ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ ﷺ بِذِكْرِ أَوْصَافِهِ فِيهِ
(قَوْلُهُ: فَكَانَ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ الْكِتْمَانِ لَمَّا عَلِمُوهُ وَقَوْلُهُ: أَمَانَةً أَيْ لَازِمَةً لَهُمْ مِنْ حَيْثُ التَّأْدِيَةُ وَالْإِظْهَارُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ قَالُوا إلَخْ) حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ (قَوْلُهُ: مَعَ هَذَا الْقَوْلِ) أَيْ مَعَ تَضَمُّنِهَا مَعَ لِهَذَا الْقَوْلِ، وَغَرَضُهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَدْ تَضَمَّنَهُ إلَخْ تَطْبِيقُ الشَّاهِدِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ بَيَانِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالتِّلْوِ وَالْمُنَاسَبَةِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ، وَقَوْلُهُ: الْآيَةُ عِبَارَةُ الشَّيْخِ خَالِدٍ: الْآيَاتُ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ؛ لِأَنَّهَا آيَةٌ، وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ، وَقَوْلُهُ: الْمُفِيدَ لِلْأَمْرِ؛ لِأَنَّ التَّوَعُّدَ يَقْتَضِي النَّهْيَ وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَقَوْلُهُ: الْمُشْتَمِلِ بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِلْمُقَابِلِ، وَالْمُقَابِلُ هُوَ قَوْلُهُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَهْدَى سَبِيلًا (قَوْلُهُ: بِإِفَادَتِهِ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الِاشْتِمَالِ أَيْ اشْتِمَالِ مُقَابِلِ مَا ذُكِرَ عَلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ يَكُونُ بِإِفَادَتِهِ أَنَّهُ ﷺ هُوَ الْمَوْصُوفُ فِي كِتَابِهِمْ فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُشْتَمِلِ، وَيَجُوزُ تَعَلُّقُهَا بِأَدَاءِ اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ إلَخْ) أَيْ الْأَمْرُ بِالْمُقَابِلِ الْمُسْتَلْزِمِ لِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ (قَوْلُهُ: فَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: أَيْ الْأَمْرُ بِالْمُقَابِلِ وَقَوْلُهُ: خَاصٌّ بِأَمَانَةٍ أَيْ بِأَدَائِهَا وَقَوْلُهُ: بِالطَّرِيقِ مُتَعَلِّقٌ بِ " بَيَانٌ " (قَوْلُهُ: وَالْعَامُّ) أَيْ وَالْآيَةُ الَّتِي فِيهَا الْعَامُّ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَالَ وَيَقْرُبُ إلَخْ) أَيْ وَلَمْ يَقُلْ وَمِنْهَا كَذَا
стр. 590
وَالْعَامُّ تَالٍ لِلْخَاصِّ فِي الرَّسْمِ مُتَرَاخٍ عَنْهُ فِي النُّزُولِ بِسِتِّ سِنِينَ مُدَّةُ مَا بَيْنَ بَدْرٍ فِي رَمَضَانَ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ مِنْ الثَّامِنَةِ وَإِنَّمَا قَالَ وَيَقْرُبُ مِنْهَا كَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْعَامَّ بِسَبَبِهِ بِخِلَافِهَا.
(مَسْأَلَةٌ إنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ عَنْ الْعَمَلِ) بِالْعَامِّ الْمُعَارِضِ لَهُ أَيْ عَنْ وَقْتِهِ (نَسَخَ) الْخَاصُّ (الْعَامَّ) بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَعَارَضَا فِيهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ عَنْ الْخِطَابِ بِالْعَامِّ دُونَ الْعَمَلِ أَوْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ عَنْ الْخَاصِّ مُطْلَقًا أَوْ تَقَارَنَا
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: لَمْ يَرُدَّ الْعَامُ) فِعْلٌ وَفَاعِلٌ وَقَوْلُهُ: بِسَبَبِهِ أَيْ الْخَاصِّ وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِهَا أَيْ صُورَةِ السَّبَبِ.
[مَسْأَلَةٌ إنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ عَنْ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ الْمُعَارِضِ لَهُ أَيْ عَنْ وَقْتِهِ]
(قَوْلُهُ: إنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ) أَيْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مِنْ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ السُّنَّةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ الْكِتَابِ وَالْآخَرُ مِنْ السُّنَّةِ ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْخِيرِ التَّرَاخِي كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ أَيْ تَرَاخَى يَقِينًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَوْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا، فَقَوْلُهُ: عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: عَنْ الْعَمَلِ وَقَوْلُهُ: لَوْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: إنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ، وَقَوْلُهُ: أَوْ تَقَارَنَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ تَأَخَّرَ وَقَوْلُهُ: أَوْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا مُحْتَرَزُ يَقِينًا الْمُقَدَّرَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ فَمَا بَعْدُ إلَّا صُوَرٌ أَرْبَعٌ وَقَبْلَهَا صُورَةٌ مُجْمَلَةٌ الصُّوَرُ خَمْسٌ، وَالصُّورَةُ الْأُولَى مِمَّا بَعْدَ إلَّا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَالثَّلَاثَةُ بَعْدَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ غَيْرِنَا وَأَشَارَ إلَى ذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهَا بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ: إنْ قَارَنَّا إلَخْ (قَوْلُهُ: الْمُعَارِضِ) أَيْ وَإِلَّا فَلَا يُخَصِّصُ (قَوْلُهُ: أَيْ عَنْ وَقْتِهِ) أَشَارَ بِهِ إلَى دَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ عَنْ نَفْسِ الْعَمَلِ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى تَأَخُّرِهِ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ عَمَلٌ اهـ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوجِبَ الْعَمَلَ أَوْ لَا، وَأَنَّهُ إذَا وُجِدَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ بِالْفَرْدِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْخَاصِّ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: نَسَخَ) إذْ لَوْ كَانَ تَخْصِيصًا لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ قَصْرٌ لِلْعَامِّ عَلَى بَعْضِ إفْرَادِهِ فَيَكُونُ تَخْصِيصًا فَلَا تَظْهَرُ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَخَصُّ (قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَعَارَضَا فِيهِ) أَيْ وَيُعْمَلُ بِالْعَامِّ فِي بَقِيَّةِ الْأَفْرَادِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ اتِّفَاقًا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ وَالْعِرَاقِيُّ وَنَبَّهَ الشَّارِحُ بِمَا ذَكَرَهُ لِدَفْعِ مَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمَتْنِ مِنْ أَنَّهُ يَنْسَخُ جُمْلَةَ الْعَامِّ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ) أَيْ تَرَاخَى عَنْهُ بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ أَوْ تَقَارَنَا (قَوْلُهُ: دُونَ الْعَمَلِ إلَخْ) بِأَنْ وَرَدَ الْخَاصُّ بَعْدَ الْخِطَابِ (قَوْلُهُ: بِالْعَامِّ) وَقَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ وَقْتِ
стр. 591
بِأَنْ عَقِبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا (خَصَّصَ) الْخَاصُّ الْعَامَّ (وَقِيلَ إنْ تَقَارَنَا تَعَارَضَا فِي قَدْرِ الْخَاصِّ كَالنَّصَّيْنِ) أَيْ كَالْمُخْتَلِفِينَ بِالنُّصُوصِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَا خَاصَّيْنِ فَيَحْتَاجُ الْعَمَلُ بِالْخَاصِّ إلَى مُرَجِّحٍ لَهُ قُلْنَا الْخَاصُّ أَقْوَى مِنْ الْعَامِّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يُرَادَ مِنْ الْعَامِّ بِخِلَافِ الْخَاصِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى مُرَجِّحٍ لَهُ.
(وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُتَأَخِّرُ) عَنْ الْخَاصِّ (نَاسِخٌ) لَهُ كَعَكْسِهِ بِجَامِعِ التَّأَخُّرِ قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْخَاصِّ الْمُتَأَخِّرِ لَا يُلْغِي الْعَامَّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَالْخَاصُّ أَقْوَى مِنْ الْعَامِّ فِي الدَّلَالَةِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ قَالُوا (فَإِنْ جُهِلَ) التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا (فَالْوَقْفُ) عَنْ الْعَمَلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَوْ التَّسَاقُطُ) لَهُمَا قَوْلَانِ لَهُمْ مُتَقَارِبَانِ لِاحْتِمَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَهُمْ لَأَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْآخَرِ مِثَالُ الْعَامِّ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَالْخَاصُّ أَنْ يُقَالَ: لَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ
ــ
[حاشية العطار]
الْخِطَابِ بِالْخَاصِّ أَوْ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ عَقِبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ) أَيْ بِأَنْ وَرَدَ الْخَاصُّ بَعْدَ الْخِطَابِ بِالْعَامِّ وَقَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ وَبَيَّنَ الشَّارِحِ بِذَلِكَ أَنَّ التَّقَارُنَ مَجَازِيٌّ؛ إذْ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا التَّقَارُنُ الْحَقِيقِيُّ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ ﷺ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَيَقُولَ عَقِبَهُ «لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ» أَوْ بِالْعَكْسِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ: الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ تَأَخُّرِ الْخَاصِّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ فَيَكُونَ تَخْصِيصًا لِلْعَامِّ، وَبَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا بَقِيَ مِنْ أَفْرَادِهِ هُوَ الْمُرَادُ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْمُرَجَّحِ فِي تَأَخُّرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ فَأَمَّا إنْ قِيلَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي كَوْنِهِ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ قَالَ: وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ يَخْتَصُّ بِهَا، وَإِنَّمَا هُمَا الْقَوْلَانِ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ وَنَفْيِهِ، وَيُنْقَلُ كَوْنُهُ نَسْخًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَنْ مُعْظَمِ الْحَنَفِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَرَاخَى الْخَاصُّ عَنْ الْعَامِّ بِقَدْرِ مَا يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ الِاعْتِقَادِ قَالُوا: لِأَنَّهُمَا دَلِيلَانِ وَبَيْنَ حُكْمَيْهِمَا تَنَافٍ فَيُجْعَلُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ أَقَلُّ مَفْسَدَةً مِنْ النَّسْخِ اهـ.
(قَوْلُهُ: خَصَّصَ الْخَاصُّ الْعَامَّ) أَيْ قَصَرَهُ عَلَى مَا عَدَا الْخَاصَّ فِي كُلِّ الصُّوَرِ، وَلَوْ مَعَ تَقَدُّمِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فِيهِ تَعْجِيلُ الْفَائِدَةِ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَيْ كَالْمُخْتَلِفِينَ) أَيْ كَاللَّفْظَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِسَبَبِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَصٌّ فِي مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَا خَاصَّيْنِ إلَخْ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّصِّ مَا يَعُمُّ الظَّاهِرَ لَا مَا يُقَابِلُهُ فَالْمُرَادُ بِخُصُوصِهِمَا خُصُوصُهُمَا بِمَوْرِدٍ وَاحِدٍ لَا خُصُوصُهُمَا الْمُقَابِلُ لِعُمُومِهِمَا فَيَشْمَلَانِ الْعَامَّيْنِ اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: إلَى مُرَجِّحٍ) أَيْ أَجْنَبِيٍّ (قَوْلُهُ: الْخَاصُّ أَقْوَى) ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي مَدْلُولِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يُرَادَ) أَيْ ذَلِكَ الْخَاصُّ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ ظَنِّيَّةٌ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْخَاصِّ) أَيْ إذَا كَانَا خَاصَّيْنِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مُرَجِّحٍ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ بِالصَّرَاحَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: الْخَاصُّ أَقْوَى مِنْ الْعَامِّ إلَخْ فَالْقِيَاسُ عَلَى النَّصَّيْنِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ.
(قَوْلُهُ: كَعَكْسِهِ) أَيْ الْخَاصِّ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْعَامِّ أَيْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: جَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ الْخَاصَّ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ الْخِطَابِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ (قَوْلُهُ: لَا يُلْغِي الْعَامَّ) أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَقْصُرُهُ عَلَى مَا عَدَا ذَلِكَ الْخَاصِّ، وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْعَكْسِ أَيْ فَإِنَّهُ يُلْغِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ (قَوْلُهُ: فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ) أَيْ فَلَا يَكُونُ الْعَامُّ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ بَلْ الْخَاصُّ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: فَالْوَقْفُ) أَيْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ التَّارِيخُ أَوْ مَا يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا، أَوْ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ: مُتَقَارِبَانِ) لِاتِّحَادِ ثَمَرَتِهِمَا، وَهِيَ عَدَمُ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَهُمْ بِالْمُتَأَخِّرِ (قَوْلُهُ: لَأَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا) لَمْ يَقُلْ: وَنَاسِخًا اقْتِصَارًا
стр. 592
(وَإِنْ كَانَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (عَامًّا عَلَى وَجْهٍ) خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ (فَالتَّرْجِيحُ) بَيْنَهُمَا مِنْ خَارِجٍ وَاجِبٌ لِتَعَادُلِهِمَا تَقَارَنَا أَوْ تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا (وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ) لِلْمُتَقَدِّمِ مِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
، وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» فَالْأَوَّلُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ وَالثَّانِي خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ عَامٌّ فِي الْحَرْبِيَّاتِ وَالْمُرْتَدَّاتِ.
(الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ) أَنَّ هَذَا مَبْحَثُهُمَا (الْمُطْلَقُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ) مِنْ وَحْدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ دَلَالَتَهُ)
ــ
[حاشية العطار]
عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمُلَائِمِ لِلْغَرَضِ، وَهُوَ عَدَمُ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا) يَعْنِي مِنْ الْمُتَعَارِضَيْنِ لَا مِنْ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ مُطْلَقٌ لَا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ اهـ ز أَيْ؛ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ كَوْنِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ خَاصًّا وَالْآخَرِ عَامًّا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ بَيْنَهُمَا الْعُمُومَ الْمُطْلَقَ (قَوْلُهُ: فَالتَّرْجِيحُ) قَالَ سم: أَطْلَقَ اعْتِبَارَ التَّرْجِيحِ هُنَا لَكِنَّ الَّذِي فِي الْوَرَقَاتِ، وَشَرْحِهَا لِلشَّارِحِ إنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِتَخْصِيصِ عُمُومِ كُلٍّ بِخُصُوصِ الْآخَرِ وَجَبَ وَإِلَّا اُحْتِيجَ إلَى التَّرْجِيحِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَالْحُكْمُ التَّخْيِيرُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَحْصُولِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: مِنْ خَارِجٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ الدَّاخِلُ كَوَصْفِ أَحَدِهِمَا بِكَوْنِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَاجِبٌ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا وَقَعَ فِيهِ التَّعَارُضُ (قَوْلُهُ: تَقَارَنَا) أَيْ اتَّصَلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا إلَخْ) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا لِيَشْمَلَ مَا إذَا جُهِلَ تَارِيخُهُمَا
(قَوْلُهُ: وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ) أَيْ لِمَا تَعَارَضَا فِيهِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلُوهُ تَخْصِيصًا؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ فِي الْمُخَصِّصِ الْمُقَارَنَةَ اهـ. ز. ثُمَّ قَضِيَّةُ هَذَا الصُّنْعِ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَكُونُ نَاسِخًا مُطْلَقًا وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ دُخُولِهِ وَقْتَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ وَبَحَثَ سم فِي شَرْحِ الْوَرَقَاتِ بِأَنَّ قِيَاسَ سم أَيْ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا تَأَخَّرَ الْخَاصُّ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ كَانَ نَاسِخًا مِنْهُ لِمَا تَعَارَضَا فِيهِ إنَّ خَبَرَ إنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِمَّا بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْآخَرِ نَاسِخٌ لِلْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَارَضَهُ فِيهِ وَقَالَ: وَلَمْ أَرَهُ اهـ.
وَكَتَبَ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ الْغُنَيْمِيُّ أَنَّ قِيَاسَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ أَنْ يَكُونَ خُصُوصُ الْمُتَأَخِّرِ نَاسِخًا، وَعُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِمَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مَنْسُوخًا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ وَمُخَصَّصًا بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ بِالْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: مِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ إلَخْ) قَدْ تَرَجَّحَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ بِقِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الثَّانِي بِسَبَبِهِ، وَهُوَ الْحَرْبِيَّاتُ اهـ. ز (قَوْلُهُ: عَامٌّ فِي الْحَرْبِيَّاتِ وَالْمُرْتَدَّاتِ) فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ تَعَارَضَا بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ الْمُرْتَدَّاتِ فَالْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِقَتْلِهِنَّ وَالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ.
[الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ]
(قَوْلُهُ: بِلَا قَيْدٍ) أَيْ بِلَا اعْتِبَارِ قَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الْمَاهِيَّةَ لَا تُوجَدُ إلَّا مُقَيَّدَةً فَإِنَّهَا لَا وُجُودَ لَهَا إلَّا بِوُجُودِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِ الْقَيْدِ صَادِقٌ بِأَنْ يُوجَدَ، وَلَا يُعْتَبَرَ، وَأَنْ يُوجَدَ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَدَمِ، فَإِنَّ لِلْكُلِّيِّ الَّذِي هُوَ الْمَاهِيَّةُ اعْتِبَارَاتٍ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَأْخُوذٌ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ أَوْ بِشَرْطِ شَيْءٍ أَوْ بِشَرْطِ لَا شَيْءَ، وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ يُسَمَّى مُطْلَقًا وَبِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي يُسَمَّى مُقَيَّدًا.
وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ الثَّالِثُ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي عِلْمِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْأَفْرَادِ الْخَارِجَةِ، وَهِيَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا تَصْلُحُ لَأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهَا) يَدْخُلُ فِيهِ التَّعَيُّنُ فَيَقْتَضِي أَنَّ عِلْمَ الْجِنْسِ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّعَيُّنُ الذِّهْنِيُّ؛ وَلِذَا كَانَ مَعْرِفَةً
стр. 593
أَيْ دَلَالَةَ الْمُسَمَّى بِالْمُطْلَقِ مِنْ الْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ وَنَحْوِهَا (عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ) حَيْثُ عَرَّفَاهُ بِمَا يَأْتِي عَنْهُمَا (تَوَهَّمَاهُ النَّكِرَةَ) أَيْ وَقَعَ فِي وَهْمِهِمَا أَيْ فِي ذِهْنِهِمَا أَنَّهُ هِيَ؛ لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ حَيْثُ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ الْأَصْلِ مِنْ الْإِفْرَادِ إلَى التَّثْنِيَةِ أَوْ الْجَمْعِ، وَالْمُطْلَقُ عِنْدَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا؛ إذْ عَرَّفَهُ الْأَوَّلُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: أَيْ دَلَالَةَ الْمُسَمَّى) الْمُرَادُ بِهِ الْمَاصَدَقَاتُ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّمِيرِ فِي دَلَالَتِهِ هُوَ الْمُطْلَقَ الْمُعَرَّفَ فِيمَا سَبَقَ فَفِي الْكَلَامِ اسْتِخْدَامُ (قَوْلِهِ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ) أَيْ الْمَاهِيَّةِ مَعَ وَحْدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا وَتُسَمَّى فَرْدًا مُنْتَشِرًا فَخَرَجَ جَمِيعُ الْمَعَارِفِ لِاعْتِبَارِ التَّعَيُّنِ فِيهَا إمَّا شَخْصًا نَحْوُ زَيْدٍ وَهَذَا أَوْ حَقِيقَةً نَحْوُ الرَّجُلِ وَأُسَامَةَ أَوْ حِصَّةً نَحْوُ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أَوْ اسْتِغْرَاقًا نَحْوُ الرِّجَالِ أَوْ عَهْدًا ذِهْنِيًّا نَحْوُ اُدْخُلْ السُّوقَ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ الذِّهْنِيَّ قَيْدٌ مَانِعٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْبُدَخْشِيِّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: إنَّهُ مُطْلَقٌ وَكَذَلِكَ خَرَجَ الْعَامُّ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً نَحْوَ: كُلُّ رَجُلٍ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ كُلٍّ وَالنَّفْيِ صَارَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْيِينِ وَالِاسْتِغْرَاقِ قَيْدٌ مِنْ الْقُيُودِ فَيُنَافِي الْإِطْلَاقَ (قَوْلُهُ: حَيْثُ عَرَّفَاهُ) تَعْلِيلٌ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَازِمُ قَوْلِهِمَا (قَوْلُهُ: وَتَوَهَّمَاهُ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا سَبَبُ هَذَا الزَّعْمِ فَقَالَ: تَوَهَّمَاهُ إلَخْ ثُمَّ إنَّ الزَّعْمَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ؛ وَلِذَلِكَ تَعَدَّى إلَى وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَاهُ تَعَدَّى لِاثْنَيْنِ كَمَا تَقُولُ: زَعَمْت الْبَاطِلَ حَقًّا
(قَوْلُهُ: أَيْ وَقَعَ فِي وَهْمِهَا إلَخْ) فَسَّرَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَهْمَ بِمَعْنَى الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَذْهَبٌ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَوَهَّمَاهُ النَّكِرَةَ بَلْ تَحَقَّقَاهُ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ هِيَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا قَالَا بِتَرَادُفِهِمَا مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا تَوَهَّمَاهُ مِنْ أَفْرَادِهَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ تَوَهَّمَاهُ النَّكِرَةَ أَيْ تَوَهَّمَاهُ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهَا؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهَا تَصْدُقُ عَلَى الْعَامِّ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَمْ تَخْرُجْ إلَخْ) حَيْثِيَّةُ تَقْيِيدٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا خَرَجَتْ إلَى التَّثْنِيَةِ أَوْ الْجَمْعِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ دَالَّةً عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ بَلْ عَلَى اثْنَيْنِ شَائِعَيْنِ فِي الْجِنْسِ أَوْ عَلَى جَمْعٍ شَائِعٍ مِنْ الْجِنْسِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا نَكِرَةٌ أَيْضًا، وَدَاخِلٌ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِمَا دَلَّ عَلَى الشَّائِعِ، وَفِي تَعْرِيفِ الْآمِدِيِّ بِالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ اعْتِبَارَهُمَا الْوَحْدَةَ الشَّائِعَةَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي دَلَالَةِ النَّكِرَةِ، وَهُوَ الْإِفْرَادُ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، وَالْحَقُّ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيَّ لَمْ يُقَيِّدَا بِالْوَحْدَةِ، وَإِنَّمَا نَظَرُهُمَا إلَى الشُّيُوعِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ مَعْنَاهُ مَا دَلَّ عَلَى حِصَّةٍ مِنْ الْجِنْسِ مُمْكِنَةِ الصِّدْقِ عَلَى كُلٍّ مِنْ حِصَصٍ كَثِيرَةٍ مُنْدَرِجَةٍ تَحْتَ مَفْهُومٍ
стр. 594
بِالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَالثَّانِي بِمَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ وَخَرَجَ الدَّالُّ عَلَى شَائِعٍ فِي نَوْعِهِ نَحْوُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ أُسْلُوبٌ الْمَنْطِقِيِّينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَكَذَا الْفُقَهَاءُ
ــ
[حاشية العطار]
كُلِّيٍّ، وَقَوْلُ الْآمِدِيِّ: إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ بِنَحْوِ مَعْنَاهُ لَا أَنَّ مُرَادَهُ النَّكِرَةُ الْمَحْضَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ: إنَّهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: نَكِرَةً عَنْ الْمَعَارِفِ، وَعَمَّا مَدْلُولُهُ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ أَوْ عَامٌّ مُسْتَغْرِقٌ ثُمَّ تَصْرِيحُهُ بِأَنَّ النَّكِرَةَ تَخْرُجُ بِالِاسْتِغْرَاقِ عَنْ التَّنْكِيرِ؛ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّهَا إنَّمَا تَخْرُجُ بِهِ عَنْ كَوْنِهَا نَكِرَةً مَحْضَةً لَا أَنَّهَا تَصِيرُ مَعْرِفَةً (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ الدَّالُّ عَلَى شَائِعٍ فِي نَوْعِهِ نَحْوُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أَيْ فَلَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَلَا يَكُونُ نَكِرَةً يَعْنِي مَحْضَةً، وَإِلَّا فَهِيَ نَكِرَةٌ مُقَيَّدَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: أُسْلُوبُ الْمَنْطِقِيِّينَ) فِيهِ أَنَّ الْمَنَاطِقَةَ لَا بَحْثَ لَهُمْ عَنْ الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ، وَإِنَّمَا غَايَةُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي مَبْحَثِ الْقَضَايَا: إنَّ مَوْضُوعَ الْقَضِيَّةِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَانَتْ طَبِيعِيَّةً، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهَا فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ كَانَتْ جُزْئِيَّةً، وَلَا بَحْثَ لَهُمْ عَنْ مَدْلُولِ النَّكِرَةِ مَا هُوَ، وَلَا الْمُطْلَقِ مَا هُوَ وَأُسْلُوبُهُمْ هَذَا لَا يُخَالِفُ فِيهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيُّ وَالْأُصُولِيُّونَ فَإِنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيَّ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا بِكَلَامِ غَيْرِهِمَا عَلَى أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ مِنْهُمْ عَلَى كُلٍّ مِنْ الطَّرِيقَتَيْنِ وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَقَامَ الْعَلَّامَةُ طَاشْ كُبْرَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَالَ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي أَلَّفَهَا فِي بَيَانِ أَقْسَامِ النَّظْمِ: إنَّ الْمُطْلَقَ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ إجْرَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ فِي ضِمْنِ الْأَفْرَادِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْحِصَّةُ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ كَوْنَهُ حِصَّةً مُحْتَمَلَةً عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لِحِصَصٍ كَثِيرَةٍ مِنْ غَيْرِ شُمُولٍ، وَلَا تَعْيِينٍ وَأَرَادُوا بِالِاحْتِمَالِ إمْكَانَ صِدْقِهَا عَلَى كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْحِصَصِ
وَمَا يُقَالُ: إنَّ فِي إطْلَاقِ الْحِصَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى رَدِّ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْقَوْمِ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْرَادِ دُونَ الْمَفْهُومَاتِ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ هُوَ حَالَةُ اعْتِبَارِ الْوَضْعِ، وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ حَالَةِ وُجُودِهِ فِي ضِمْنِ الْأَفْرَادِ لِتُرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الِاعْتِبَارَيْنِ، وَالْفَائِدَةُ فِي وَضْعِهِ لِمُطْلَقِ الْحَقِيقَةِ هِيَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْوَارِدَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْبَعْضِ وَلَا عَامٍّ لِلْكُلِّ، وَحَاصِلَةُ تَمَكُّنُ الْمَأْمُورِ مِنْ الْإِتْيَانِ لِفَرْدٍ مِنْهَا
стр. 595
حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَانَ حَمْلُك ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَانَ ذَكَرَيْنِ، قِيلَ: لَا تَطْلُقُ نَظَرًا لِلتَّنْكِيرِ الْمُشْعِرِ بِالتَّوْحِيدِ، وَقِيلَ: تَطْلُقُ حَمْلًا عَلَى الْجِنْسِ اهـ.
وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ إنْ اُعْتُبِرَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ سُمِّيَ مُطْلَقًا وَاسْمَ جِنْسٍ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ مَعَ قَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ سُمِّيَ نَكِرَةً وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ يُنَكِّرَانِ الْأَوَّلَ فِي مُسَمَّى الْمُطْلَقِ مِنْ أَمْثِلَتِهِ الْآتِيَةِ وَنَحْوِهَا وَيَجْعَلَانِهِ الثَّانِيَ فَيَدُلُّ عِنْدَهُمَا عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ، وَالْوَحْدَةُ ضَرُورِيَّةٌ؛ إذْ لَا وُجُودَ لِلْمَاهِيَّةِ الْمَطْلُوبَةِ بِأَقَلَّ مِنْ وَاحِدٍ وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالتَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ بِالْمُطْلَقِ لِمُقَابَلَةِ الْمُقَيَّدِ وَعُدُولُ الْمُصَنِّفِ فِي النَّقْلِ عَنْ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ عَمَّا قَالَاهُ مِنْ التَّعْرِيفِ إلَى لَازِمِهِ السَّابِقِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْبِنَاءِ.
(وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ وَمِنْ هُنَا، وَهُوَ مَا زَعَمَاهُ مِنْ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (قَالَا: الْأَمْرُ بِمُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ)
ــ
[حاشية العطار]
أَيِّ فَرْدٍ كَانَ، وَإِنْ حَصَلَ التَّعْيِينُ وَالشُّرُوعُ مِنْ خَارِجٍ مَثَلًا الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي فِي نَفْسِهِ وُجُوبَ الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ، وَلَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَالْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ إلَّا مِنْ خَارِجٍ، وَقَدْ يُعَرَّفُ الْمُطْلَقُ بِمَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَأَرَادُوا بِالْأَمْرِ الْمُشْتَرَكِ الْمَفْهُومَ الْمُطْلَقَ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ بِمَا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْحِصَصُ الْمَذْكُورَةُ اهـ.
وَبِهِ تَعْلَمُ تَرْجِيحَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيُّ وَإِنْ قَالَاهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِأُسْلُوبِ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي قَوَاعِدِ اسْتِنْبَاطِ أَحْكَامِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالتَّكْلِيفُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَفْرَادِ دُونَ الْمَفْهُومَاتِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ أُمُورٌ عَقْلِيَّةٌ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: حَيْثُ اخْتَلَفُوا) حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ (قَوْلُهُ: حَمْلًا عَلَى الْجِنْسِ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْحَمْلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فَإِنَّ الْبِنَاءَ عَلَى احْتِمَالَيْنِ فِي الْفَتْوَى لَا يُعَيِّنُ أَنَّ مَدْلُولَ الْمُطْلَقِ مَا هُوَ (قَوْلُهُ: وَمِنْ هُنَا) أَيْ مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ (قَوْلُهُ: وَاحِدٌ) أَيْ إنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ وَالْفَرْدِ فَلَا يَتَمَيَّزَانِ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْمُعْتَبَرِ وَاسْتِعْمَالِهِ
(قَوْلُهُ: إنْ اُعْتُبِرَ إلَخْ) أَيْ اعْتَبَرَهُ الْوَاضِعُ كَذَا قَالَ النَّاصِرُ: وَقَدْ يُقَالُ: اعْتِبَارُ الْوَاضِعِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَلَا دَلِيلَ لِلْمُصَنِّفِ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ النَّكِرَةِ وَالْمُطْلَقِ فَالْأَوْفَقُ بِالنَّظَرِ مَذْهَبُهُمَا (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي مَسْأَلَةِ الِاشْتِقَاقِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ: إنَّ اسْمَ الْجِنْسِ كَأَسَدٍ وَرَجُلٍ وُضِعَ لِفَرْدٍ كَمَا يُؤْخَذُ مَعَ تَضْعِيفِهِ مِمَّا سَيَأْتِي إنَّ الْمُطْلَقَ الدَّالَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ دَلَالَتَهُ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ تَوَهَّمَهُ النَّكِرَةَ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِاسْمِ الْجِنْسِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْمُطْلَقِ نَظَرًا لِلْمُقَابِلِ (قَوْلُهُ: اعْتِبَارُ الْأَوَّلِ) بِالْإِضَافَةِ أَيْ اعْتِبَارُ الْمَاهِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ الِاعْتِبَارُ الْأَوَّلُ، وَهِيَ أَحْسَنُ بِدَلِيلِ وَيَجْعَلَانِهِ الثَّانِيَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ (قَوْلُهُ: وَيَجْعَلَانِهِ الثَّانِيَ) أَيْ ذَا الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَالْوَحْدَةُ ضَرُورِيَّةٌ) فِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا مُوجِبَ لِاعْتِبَارِ الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَوَّلًا، وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: وَالْوَحْدَةُ ضَرُورِيَّةٌ، وَتَفْرِيعُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ،.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْوَحْدَةَ ضَرُورِيَّةٌ عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَى الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ (قَوْلُهُ: الْمَطْلُوبَةِ) قَيَّدَ بِهِ مَعَ أَنَّ مَوْضُوعَ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَعَمُّ لِلدُّخُولِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ) وَهُوَ كَوْنُ الْمُطْلَقِ يَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ
(قَوْلُهُ: مُوَافِقٌ لِكَلَامِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ) إذْ لَا دَلِيلَ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ (قَوْلُهُ: وَالتَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ بِالْمُطْلَقِ) أَيْ مَعَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ (قَوْلُهُ: لِمُقَابَلَةِ الْمُقَيَّدِ) وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى الْوَحْدَةِ مِنْ كَثْرَةٍ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: إلَى لَازِمِهِ) فِيهِ أَنَّ الَّذِي عَدَلَ إلَيْهِ الدَّلَالَةُ، وَهِيَ خَارِجَةٌ فَلَا لُزُومَ نَعَمْ الْوَحْدَةُ لَازِمَةٌ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ لَازِمٌ لِلْكُلِّ، وَالْوَحْدَةُ الشَّائِعَةُ بَعْضُ مَعْنَى النَّكِرَةِ وَبَعْضُ مَعْنَى الشَّائِعِ (قَوْلُهُ: لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ) أَيْ بِنَاءً وَاضِحًا وَإِلَّا فَالتَّعْرِيفُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضَا) جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ أَيْ وَعَدَمُ تَعَرُّضِهِمَا لَهُ فِي الذِّكْرِ لَا يُنَافِي أَنَّهُمَا ارْتَكَبَاهُ فِي الْوَاقِعِ بِمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهُمَا مَا ذَكَرَهُ مَنْشَؤُهُ زَعْمُهُمَا الْمَذْكُورُ.
(قَوْلُهُ: الْأَمْرُ بِمُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ إلَخْ) قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ فَالْأَمْرُ بِالْمُطْلَقِ أَمْرٌ بِجُزْئِيٍّ مِنْ
стр. 596
كَالضَّرْبِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ (أَمْرٌ بِجُزْئِيٍّ) مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا كَالضَّرْبِ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُجُودُ، وَلَا وُجُودَ لِلْمَاهِيَّةِ، وَإِنَّمَا تُوجَدُ جُزْئِيَّاتُهَا فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهَا أَمْرًا بِجُزْئِيٍّ لَهَا (وَلَيْسَ) قَوْلُهُمَا ذَلِكَ (بِشَيْءٍ) لِوُجُودِ الْمَاهِيَّةِ بِوُجُودِ جُزْئِيَّاتِهَا؛ لِأَنَّهَا جُزْؤُهُ وَجُزْءُ الْمَوْجُودِ مَوْجُودٌ (وَقِيلَ) أَمْرٌ (بِكُلِّ جُزْئِيٍّ) لَهَا لِإِشْعَارِ عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالتَّعْمِيمِ (وَقِيلَ: إذَنْ فِيهِ) أَيْ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ أَنْ يَفْعَلَ وَيَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِوَاحِدٍ.
ــ
[حاشية العطار]
جُزْئِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ لَا بِالْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ فَالْمَطْلُوبُ بِاضْرِبْ مَثَلًا فِعْلٌ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الضَّرْبِ مِنْ حَيْثُ مُطَابِقًا لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي الْأَعْيَانِ، وَضُعِّفَ ذَلِكَ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَبِشَرْطِ لَا شَيْءَ، وَلَا بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَطْلُوبُ الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا بِقَيْدِ الْجُزْئِيَّةِ، وَلَا بِقَيْدِ الْكُلِّيَّةِ، وَاسْتِحَالَةُ وُجُودِهَا فِي الْخَارِجِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ تَجَرُّدُهَا إلَّا فِي ضِمْنٍ جُزْئِيٍّ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهِ نَعَمْ ابْنُ الْحَاجِبِ يَقُولُ: إنَّ الْمَاهِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا بِالْمُطَابَقَةِ، وَلَمَّا تَوَقَّفَ وُجُودُهَا عَلَى جُزْئِيٍّ كَانَ ذَلِكَ الْجُزْئِيُّ مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ وُجُودِهَا عَلَيْهِ فَآلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْمُطْلَقِ جُزْئِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُطَابَقَةِ اهـ.
وَفِيهِ إيضَاحٌ لِكَلَامِ الشَّارِحِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ لَا يُنْكِرُ كَوْنَ الْمَاهِيَّةِ مَطْلُوبَةً أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْجُزْئِيَّاتِ الْخَارِجِيَّةِ لَا بِالْمَاهِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ كَالْكَمَالِ بْنِ الْهَمَّامِ فِي تَحْرِيرِهِ مَنَعَ الْوَضْعَ بِالْكُلِّيَّةِ لِلْمَاهِيَّاتِ، وَقَالَ: إنَّ الْمَوْضُوعَ لَهُ إنَّمَا هُوَ الْأَفْرَادُ إلَّا فِي عِلْمِ الْجِنْسِ عَلَى رَأْيٍ فِيهِ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَصْدًا هُوَ الْجُزْئِيُّ، وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْكَمَالِ بْنِ الْهَمَّامِ فَالْمَطْلُوبُ أَوَّلًا هُوَ الْجُزْئِيُّ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُجُودُ) أَيْ وُجُودُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ لِهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ دُونَ مَا قَالَاهُ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْوَحْدَةِ دُونَ الْمَاهِيَّةِ فَالْمَقْصُودُ الْوَحْدَةُ (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ الْمَاهِيَّةِ. . . إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ: الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ كَالسَّيِّدِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْكُلِّيَّ مُطَابِقًا لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ مِنْ الْخَارِجِ؛ إذْ كُلُّ مَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُعَيَّنٌ مُشَخَّصٌ لَا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فَالْحُكْمُ بِوُجُودِ الْمَاهِيَّةِ، وَهَمٌ صِرْفٌ اهـ. أَقُولُ: الْإِنْصَافُ أَنَّ هَذَا اعْتِسَافٌ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةٌ حَتَّى قِيلَ بِوُجُودٍ مَا اسْتِقْلَالًا، وَقَدْ نَقَلَ الْفَاضِلُ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ عِبَارَةَ ابْنِ سِينَا فِي الْإِشَارَاتِ وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ، فَلَا يَلِيقُ أَنْ تُذْكَرَ هُنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي حَوَاشِي الْخَبِيصِيِّ وَحَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: أَمْرٌ بِكُلِّ جُزْئِيٍّ لَهَا) أَيْ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِكُلٍّ مِنْهَا بَلْ مَعْنَى الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ خِصَالِهِ كُلِّهَا لَا يُقَالُ فَيَتَّحِدُ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ وَاحِدُهُ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ؛ إذْ الْوَاجِبُ ثَمَّ الْأَحَدُ الْمُبْهَمُ الصَّادِقُ بِكُلِّ جُزْئِيٍّ عَلَى الْبَدَلِ، وَهُنَا الْوَاجِبُ كُلٌّ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ لَكِنْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إذَنْ إلَخْ) هُوَ كَمَا قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ احْتِمَالٌ
стр. 597
(مَسْأَلَةٌ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ كَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ) فَمَا جَازَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِهِ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِهِ وَمَا لَا فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَبِالْكِتَابِ، وَتَقْيِيدِهِمَا بِالْقِيَاسِ وَالْمَفْهُومَيْنِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﵊ وَتَقْرِيرِهِ بِخِلَافِ مَذْهَبِ الرَّاوِي، وَذَكَرَ بَعْضَ جُزْئِيَّاتِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ (وَ) يَزِيدُ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ (أَنَّهُمَا إنْ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا وَمُوجِبُهُمَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ سَبَبُهُمَا (وَكَانَا مُثْبَتَيْنِ) كَأَنْ يُقَالَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً (وَتَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ
ــ
[حاشية العطار]
أَبْدَاهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فِي بَابِ الْقِيَاسِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُجِّيَّةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] أَنَّهُ إذَنْ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ حَيْثُ اعْتَرَضَ الْخَصْمُ بِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْكُلِّيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجُزْئِيِّ فَلَا يَلْزَمُ الْأَمْرُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ جُزْئِيٌّ مِنْ الْكُلِّيِّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الِاعْتِبَارِ فَقَالَ الْهِنْدِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ الْأَمْرُ بِجُزْئِيَّاتِهَا لَكِنْ يَقْتَضِي تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ فِي الْإِتْيَانِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ الْمُعَيِّنَةِ لِوَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ بِجَمِيعِهَا ثُمَّ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي جَوَازَ فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ: أَنْ يَفْعَلَ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ (قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ إلَخْ) رَاجِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
[الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ كَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ]
(قَوْلُهُ: فَمَا جَازَ إلَخْ) هَذَا هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ أُولَى، قَوْلُهُ: وَمَا لَا فَلَا قَاعِدَةٌ ثَانِيَةٌ، وَفَرَّعَ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى تِسْعَةَ أَمْثِلَةٍ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ مِثَالَيْنِ فَقَطْ، وَهُمَا قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَذْهَبِ الرَّاوِي إلَخْ الْأَمْثِلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا إحْدَى عَشَرَ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ يَرْجِعُ إلَيْهَا كُلِّهَا لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ كَمَا سَنَنْقُلُهُ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ بَعْضَ جُزْئِيَّاتِ إلَخْ) يَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِعَدَمِ ذِكْرِ الْقَيْدِ مِنْ وَصْفٍ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا قُيِّدَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَرْقُ الشَّارِحُ الْآتِي (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ) يَعْنِي فِي غَيْرِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا فِي التَّخْصِيصِ بِهِ اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ إلَخْ) أَفْرَدَ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: أَنَّهُمَا إلَخْ) يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ نَظَرًا لِمَا قَدَّرَهُ الشَّارِحُ عَلَى حَذْفِ الْجَارِّ أَيْ لِأَنَّهُ وَبِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ (قَوْلُهُ: أَيْ سَبَبُهُمَا) أَيْ سَبَبُ حُكْمِهِمَا، وَفِي جَعْلِ الظِّهَارِ سَبَبًا مُسَامَحَةٌ؛ إذْ السَّبَبُ إنَّمَا هُوَ الْعَوْدُ (قَوْلُهُ: وَكَانَا مُثْبَتَيْنِ) أَيْ أَمْرَيْنِ كَمَا مَثَّلَ الشَّارِحُ أَوْ خَبَرَيْنِ نَحْوَ تُجْزِئُ رَقَبَةٌ تُجْزِئُ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْرًا وَالْآخَرُ خَبَرًا نَحْوَ أَعْتِقْ رَقَبَةً تُجْزِئُ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً تُجْزِي رَقَبَةٌ اهـ. ز ثُمَّ إنَّهُ أَرَادَ بِالْإِثْبَاتِ مَا قَابَلَ النَّفْيَ وَالنَّهْيَ
(قَوْلُهُ: وَتَأَخَّرَ) أَيْ مَعَ تَرَاخٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: الْآتِي أَوْ تَقَارَنَا، وَالْمُرَادُ عَلِمَ تَأَخُّرَهُ كَمَا يُنَبِّهُ عَلَيْهِ إدْخَالُهُ تَحْتَ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا (قَوْلُهُ: عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ) أَيْ عَنْ دُخُولِ وَقْتِهِ وَفِيهِ أَنَّ الْخَاصَّ مَعَ الْعَامِّ كَذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ الزِّيَادَةِ قَوْلُهُ: إنْ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا فَهَذَا الشَّرْطُ هُوَ الَّذِي انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ
стр. 598
فَهُوَ)
أَيْ الْمُقَيَّدُ (نَاسِخٌ) لِلْمُطْلَقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صِدْقِهِ بِغَيْرِ الْمُقَيَّدِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِالْمُطْلَقِ دُونَ الْعَمَلِ أَوْ تَأَخَّرَ الْمُطْلَقُ عَنْ الْمُقَيَّدِ مُطْلَقًا أَوْ تَقَارَنَا أَوْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا (حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُقَيَّدِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ (وَقِيلَ: الْمُقَيَّدُ نَاسِخٌ) لِلْمُطْلَقِ (إنْ تَأَخَّرَ) عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِهِ كَمَا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ بِجَامِعِ التَّأْخِيرِ (وَقِيلَ: يُحْمَلُ الْمُقَيَّدُ عَلَى الْمُطْلَقِ) بِأَنْ يُلْغِيَ الْقَيْدَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُقَيَّدِ ذِكْرٌ لِجُزْئِيٍّ مِنْ الْمُطْلَقِ فَلَا يُقَيِّدُهُ كَمَا أَنَّ ذِكْرَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ، قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَفْهُومَ الْقَيْدِ حُجَّةٌ بِخِلَافِ مَفْهُومِ " الْقَيْدُ حُجَّةٌ " بِخِلَافِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ فَرْدٌ مِنْ الْعَامِّ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ) يَعْنِي غَيْرَ مُثْبَتَيْنِ مَنْفِيَّيْنِ أَوْ مُنْهَيَّيْنِ نَحْوَ: لَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ لَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ كَافِرٍ لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا (فَقَائِلٌ الْمَفْهُومَ) أَيْ الْقَائِلُ بِحُجِّيَّةِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ (يُقَيِّدُهُ بِهِ) أَيْ يُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ بِالْمُقَيَّدِ فِي ذَلِكَ (وَهِيَ) أَيْ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: فَهُوَ نَاسِخٌ) فَلَا يَلْزَمُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ اللَّازِمِ عَلَى جَعْلِهِ مُقَيَّدًا، وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا بِأَنْ تَأَخَّرَ إلَخْ) جَعَلَ الشَّارِحُ إلَّا رَاجِعَةً لِلْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَقَطْ مِنْ الْقُيُودِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَيَأْتِي يَأْخُذُ مُحْتَرَزَ الثَّلَاثَةِ فَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَمْرًا إلَخْ مُحْتَرَزُ الْقَيْدِ الثَّالِثِ، وَقَوْلُهُ: إنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ مُحْتَرَزُ الْقَيْدِ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ: وَمُوجِبُهَا، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ إلَخْ مُحْتَرَزُ الْأَوَّلِ فَقَدْ سَلَكَ فِي أَخْذِ الْمُحْتَرَزَاتِ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ الْمُشَوَّشَ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِالْمُقَيَّدِ، أَوْ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَقَارَنَا) أَيْ بِأَنْ عَقِبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (قَوْلُهُ: حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الْمُقَيَّدُ
(قَوْلُهُ: جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ مِنْ الْمُقَيَّدِ فَإِذَا أَعْمَلْنَا الْمُقَيَّدَ فَقَدْ عَمِلْنَا بِهِمَا، وَإِذَا لَمْ نَعْمَلْ بِهِ فَقَدْ أَلْغَيْنَا أَحَدَهُمَا (قَوْلُهُ: بِجَامِعِ التَّأَخُّرِ) يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ إذْ التَّأَخُّرُ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ يَسْتَلْزِمُ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ عَنْهُ بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ دُونَ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُحْمَلُ الْمُقَيَّدُ) أَيْ فِيمَا إذَا تَأَخَّرَ عَنْ الْمُطْلَقِ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ دَلِيلُ الشَّارِحِ الْمَقِيسِ عَلَى دَلِيلِ عَدَمِ تَخْصِيصِ ذِكْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عَدَمِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِذِكْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا ذُكِرَ الْفَرْدُ بَعْدَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ ذِكْرَ أَفْرَادِ الْعَامِّ) أَيْ بِحُكْمِ الْعَامِّ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُقَيِّدَةٌ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ الْفَرْدَ لَقَبٌ أَمَّا لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا فَيُعْمَلُ بِمَفْهُومِهِ وَيُخَصَّصُ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَيْدَ حُجَّةٌ بِخِلَافِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إنَّ مَفْهُومَ الْقَيْدِ حُجَّةٌ) لِأَنَّهُ صِفَةٌ
(قَوْلُهُ: مَفْهُومُ الْقَيْدِ) أَيْ الْمُشْتَقِّ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَالُ: إنَّ ذِكْرَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُطْلَقِ بِحُكْمِ الْمُطْلَقِ لَا يُقَيِّدُهُ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَا مَرَّ مُقَيَّدٌ بِأَنَّ الْفَرْدَ مِنْ الْعَامِّ لَقَبٌ أَمَّا لَوْ كَانَ صِفَةً فَإِنَّا نُوَافِقُ أَبَا ثَوْرٍ فِي الْقَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ وَحَمْلِ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ اللَّقَبِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مِنْهُ) أَيْ غَالِبًا، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ ذِكْرُ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ صِفَةً، وَيَكُونُ مُخَصِّصًا، وَضَمِيرُ مِنْهُ يَعُودُ لِلَّقَبِ، وَلَوْ حُذِفَ ذِكْرٌ، وَاقْتُصِرَ عَلَى الْبَاقِي كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ اللَّقَبِ فَرْدُ الْعَامِّ لَا ذِكْرُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَذِكْرُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مَفْهُومٍ، وَيُجْعَلُ الْمَفْهُومُ لِلذِّكْرِ لَا لِلْمَذْكُورِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ الْفَهْمُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الذِّكْرِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ) أَشَارَ بِهَذَا الصَّرْفِ إلَى دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمَتْنِ وَهُوَ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ (قَوْلُهُ: أَوْ مَنْهِيَّيْنِ) أَيْ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا (قَوْلُهُ: لَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ) أَيْ عَنْ الْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَا مَنْفِيَّيْنِ (قَوْلُهُ: حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ
стр. 599
(خَاصٌّ وَعَامٌّ) لِعُمُومِ الْمُطْلَقِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَنَافِي الْمَفْهُومِ يُلْغِي الْقَيْدَ وَيُجْرِي الْمُطْلَقَ عَلَى إطْلَاقِهِ.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَمْرًا، وَالْآخَرُ نَهْيًا) نَحْوُ أَعْتِقْ رَقَبَةً، لَا تُعْتِقْ رَقَبَةً كَافِرَةً، أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، لَا تُعْتِقْ رَقَبَةً (فَالْمُطْلَقُ مُقَيَّدٌ بِضِدِّ الصِّفَةِ) فِي الْمُقَيَّدِ لِيَجْتَمِعَا فَالْمُطْلَقُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مُقَيَّدٌ بِالْإِيمَانِ، وَفِي الثَّانِي مُقَيَّدٌ بِالْكُفْرِ (وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ) مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَفِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْمَلُ) الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ فَيَبْقَى الْمُطْلَقُ عَلَى إطْلَاقِهِ (وَقِيلَ: يُحْمَلُ) عَلَيْهِ (لَفْظًا) أَيْ بِمُجَرَّدِ وُرُودِ اللَّفْظِ الْمُقَيَّدِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى جَامِعٍ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) ﵁ يُحْمَلُ عَلَيْهِ (قِيَاسًا) فَلَا بُدَّ مِنْ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ حُرْمَةُ سَبَبِهِمَا أَيْ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ (وَإِنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ) فِيهِمَا (وَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] وَفِي الْوُضُوءِ فَاغْسِلُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ، وَالْمُوجِبُ لَهُمَا الْحَدَثُ، وَاخْتِلَافُ الْحُكْمِ مِنْ مَسْحِ الْمُطْلَقِ وَغَسْلِ الْمُقَيَّدِ الْمَرَافِقِ وَاضِحٌ (فَعَلَى الْخِلَافِ) مِنْ أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ لَفْظًا أَوْ قِيَاسًا، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ اشْتِرَاكُهُمَا
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: خَاصٌّ وَعَامٌّ) أَيْ وَلَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَإِنْ عَبَّرَ بِهِمَا فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاصْطِلَاحِ مَجَازٌ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ؛ إذْ كَانَ مَفْهُومَ لَقَبٍ، وَهُوَ هُنَا مَفْهُومُ صِفَةٍ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ التَّمْثِيلُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا تَتْمِيمًا لِلْأَقْسَامِ (قَوْلُهُ: عَلَى إطْلَاقِهِ) إلَّا أَنَّهُ يَطْرُقُهُ هُنَا مَا سَبَقَ مَا أَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ هَلْ يُخَصِّصُ أَوَّلًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي بِالْكُفْرِ) ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْإِيمَانِ، قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْحَمْلُ فِي ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ وَاضِحٌ، وَتَسْمِيَتُهُمَا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمَا عَامًّا وَخَاصًّا مَجَازٌ كَمَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ: اتَّحَدَ مُوجِبُهُمَا، وَلَوْ قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ أَوْ الْحُكْمُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَعَبَّرَ هَاهُنَا بِالسَّبَبِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ بِالْمُوجِبِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ السَّبَبُ (قَوْلُهُ: مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ) ، وَهُوَ وُجُوبُ الْإِعْتَاقِ (قَوْلُهُ: لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ) وَمَا إذَا اتَّحَدَ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ وَكَانَا مُثْبَتَيْنِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ فِي الْأَسْرَارِ وَأَبُو الْمَنْصُورِ الْمَاتُرِيدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ: لَفْظًا) أَيْ يَدُلُّ بِلَفْظِهِ عَلَى تَقْيِيدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا قُيِّدَتْ الشَّهَادَةُ بِالْعَدَالَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأُطْلِقَتْ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ حَمَلْنَا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) وَالْحَنَفِيَّةُ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ عَدَمُ مُعَارَضَةِ مُقْتَضَى نَصٍّ فِي الْمُقْتَبَسِ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى إجْزَاءِ الْمُقَيَّدِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ عَدَمُ إجْزَاءِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ لِانْتِفَاءِ صِحَّتِهِ (قَوْلُهُ: قِيَاسًا) وَمِثْلُ الْقِيَاسِ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَالْمُطْلَقُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ (قَوْلُهُ: حُرْمَةُ سَبَبِهِمَا) أَيْ فِي ذَاتِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ آيَةَ الْقَتْلِ وَرَدَتْ فِي الْخَطَأِ وَلَا حُرْمَةَ عَلَى الْمُخْطِئِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ إلَخْ) وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَ فِي الْحُكْمِ وَالْمُوجِبِ فَهُمَا أَمْرَانِ مُتَبَايِنَانِ لَا عَلَاقَةَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بَلْ مُتَعَارِضَانِ (قَوْلُهُ: وَاخْتِلَافُ الْحُكْمِ) قَدْ يُقَالُ: الْحُكْمُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوُجُوبُ أَيْ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَوُجُوبُ الْمَسْحِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مُخْتَلِفًا جُعِلَ الْحُكْمُ كَأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ (قَوْلُهُ: مِنْ مَسْحِ الْمُطْلَقِ إلَخْ) أَيْ الْعُضْوِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ الْأَيْدِي أَيْ الْمُطْلَقِ بِالنَّظَرِ إلَى أَجْزَائِهِمَا فَإِنَّ الْأَيْدِيَ تَصْدُقُ بِالْمُقَيَّدِ بِالْمَرَافِقِ كَغَيْرِهِمَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ عَامٌّ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ جَمْعًا مُضَافًا إلَى مَعْرِفَةٍ
(قَوْلُهُ: فَعَلَى الْخِلَافِ)
стр. 600
فِي سَبَبِ حُكْمِهَا (وَالْمُقَيَّدُ) فِي مَوْضِعَيْنِ (بِمُتَنَافِيَيْنِ) وَقَدْ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي قَضَاءِ أَيَّامِ رَمَضَانَ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَفِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وَفِي صَوْمِ التَّمَتُّعِ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (يَسْتَغْنِي) فِيمَا أَطْلَقَ فِيهِ (عَنْهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى بِأَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ قِيَاسًا) كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ بَقِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِامْتِنَاعِ تَقْيِيدِهِ بِهِمَا لِتَنَافِيهِمَا وَبِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِانْتِفَاءِ مُرَجِّحِهِ فَلَا يَجِبُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ تَتَابُعٌ وَلَا تَفْرِيقٌ أَمَّا إذَا كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْيِيدِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسُ كَأَنْ وُجِدَ الْجَامِعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُقَيَّدِهِ دُونَ الْآخَرِ قُيِّدَ بِهِ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَنَّ الْحَمْلَ قِيَاسِيٌّ فَإِنْ قِيلَ: لَفْظِيٌّ فَلَا.
(الظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ) أَيْ هَذَا مَبْحَثُهُمَا (الظَّاهِرُ مَا دَلَّ) عَلَى الْمَعْنَى (دَلَالَةً ظَنِّيَّةً) أَيْ رَاجِحَةً فَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَرْجُوحًا كَالْأَسَدِ رَاجِحٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ مَرْجُوحٌ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ
ــ
[حاشية العطار]
أَيْ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَفِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِيهَا عَيْنُ الْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهَا، فَهَلَّا جَمَعَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: إنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ أَوْ عُكِسَ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ هُنَا غَيْرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمَسْحِ إلَى الْمِرْفَقِ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (قَوْلُهُ: فِي سَبَبِ حُكْمِهِمَا) وَهُوَ الْحَدَثُ وَالْحُكْمُ هُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ (قَوْلُهُ: وَالْمُقَيَّدُ بِمُتَنَافِيَيْنِ إلَخْ) هَذَا تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ أَيْ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ السَّبَبُ، وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ مَا لَمْ يُوجَدْ مُقَيَّدٌ بِمُتَنَافِيَيْنِ، وَقَدْ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعٍ، وَإِلَّا فَلَا تَقْيِيدَ يَرْجِعُ إلَى الْخِلَافِ قَالَ سم فِيمَا كَتَبَهُ بِهَامِشِ حَاشِيَةِ الْكَمَالِ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَالْمُقَيَّدُ بِمُتَنَافِيَيْنِ يُسْتَغْنَى عَنْهُمَا إلَخْ شَامِلًا لِمَا إذَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ كَمَا فِي رِوَايَاتِ غَسَلَاتِ الْكَلْبِ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِغْنَاءِ إلْغَاءُ الْقَيْدَيْنِ لِتَعَارُضِهِمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَمُتَعَلَّقِ الْحُكْمِ، وَلِمَا إذَا لَمْ يَتَّحِدَا كَمَا فِي مِثَالِ الشَّارِحِ عَلَى هَذَا يُعْمَلُ بِالْإِطْلَاقِ فِي مَحَلِّهِ كَمَا يُعْمَلُ بِكُلِّ قَيْدٍ فِي مَحَلِّهِ، وَأَمَّا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ فَإِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الْقِسْمِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ وَفَرْعٍ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِيهِ لِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالْحُكْمِ الْمُوجِبِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعٍ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْمُطْلَقَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ فَلَا يُقَالُ: لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْلِهِ) أَيْ كَالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى إلَخْ بِدَلِيلِ التَّمْثِيلِ (قَوْلُهُ: يُسْتَغْنَى) أَيْ الْمُقَيَّدُ بِمُتَنَافِيَيْنِ الَّذِي أُطْلِقَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ يُقَالُ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَبَعْضُهُمْ ضَبَطَ يُسْتَغْنَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُطْلَقُ أَوْلَى بِالتَّقْيِيدِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْآخَرِ فَقَوْلُهُ: مِنْ الْآخَرِ أَيْ مِنْهُ بِالْآخِرِ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْيِيدِ) مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَفِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] وَفِي صَوْمِ التَّمَتُّعِ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَحَمْلُ الْمُطْلَقِ فِيهِ عَلَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي التَّتَابُعِ أَوْلَى عَلَى قَوْلٍ قَدِيمٍ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى صَوْمِ التَّمَتُّعِ فِي التَّفْرِيقِ لِاتِّحَادِهِمَا فِي الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ اهـ. ز.
(قَوْلُهُ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُقَيَّدِهِ) أَيْ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ الْمُقَيَّدِ بِأَحَدِ الْقَيْدَيْنِ فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَضَمِيرُهُ لِأَحَدِ الْقَيْدَيْنِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ لَفْظِيٌّ) أَيْ فَإِنْ قُلْنَا: الْحَمْلُ لَفْظِيٌّ فَلَا تَقْيِيدَ وَإِنْ وُجِدَ الْجَامِعُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَمْلِ عَلَى أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ لِتَعَارُضِهِمَا بِخِلَافِهِ عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ فَإِنَّ الْجَامِعَ مُرَجِّحٌ.
[الظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ]
(قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى الظُّهُورِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: دَلَالَةً ظَنِّيَّةً) وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الدَّلَالَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لُغَوِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً أَوْ شَرْعِيَّةً وَقَدْ مَثَّلَ لِلْأَوَّلَيْنِ، وَمِثَالُ الثَّالِثِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا رَاجِحَةٌ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَرْجُوحَةٌ فِي الدُّعَاءِ (قَوْلُهُ: رَاجِحٌ فِي الْحَيَوَانِ إلَخْ) وَهَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْحَمْلِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الظَّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ
следующие страницы →