Полный текст (5 685 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا) وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَوْلُهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَى) ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ (تَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ فَيُخْرِجْنَهُ) إذَا اُحْتُمِلَ حَيَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: إنْ لَمْ يُوجَدْ أَمَارَاتُ الظُّهُورِ بِانْفِتَاحِ الْمَخَارِجِ وَقُوَّةِ الْحَرَكَةِ فَلَا تَسْطُو الْقَوَابِلُ فَعَلَى الْأَوَّلِ: إنْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ بِالْقَوَابِلِ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشَقُّ بَطْنُهَا، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ يُشَقُّ وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ، قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُتْرَكُ وَلَا يُدْفَنُ حَتَّى يَمُوتَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَسْطُو عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَالْأَوْلَى بِذَلِكَ الْمَحَارِمُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ: كَمُدَاوَاةِ الْحَيِّ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِالْمَحْرَمِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ بِذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْحَمْلِ حَيًّا شُقَّ بَطْنُهَا حَتَّى يَكْمُلَ خُرُوجُهُ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ، غُسِّلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَأَجْزَأَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَأَوَّلُ مَنْ أَفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ: تُيَمَّمُ لِمَا لَمْ يَخْرُجْ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ.
стр. 1052
قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ دُفِنَتْ وَحْدَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا دُفِنَتْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: تُدْفَنُ بِجَنْبِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْمَرُّوذِيَّ قَالَ كَلَامُ أَحْمَدَ: لَا بَأْسَ بِهِ مَعَنَا، لِمَا فِي بَطْنِهَا. قَوْلُهُ (وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ) يَعْنِي وَتَكُونُ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ؛ لِيَكُونَ وَجْهُ الْجَنِينِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَا يُصَلَّى عَلَى هَذَا الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَا سِقْطٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إنْ مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إذَا انْفَصَلَ. الثَّانِيَةُ: يُصَلَّى عَلَى الْمُسْلِمَةِ الْحَامِلِ، بِلَا نِزَاعٍ، وَيُصَلَّى عَلَى حَمْلِهَا إنْ كَانَ قَدْ مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرِهِ، وَإِلَّا صُلِّيَ عَلَيْهَا دُونَهُ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: لَا يَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَى حَمْلِهَا، وَعَلَّلَهُ بِالشَّكِّ فِي وُجُودِهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَاخْتَارَهَا أَيْضًا أَبُو حَفْصٍ.
стр. 1053
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَهِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَعَلَيْهَا قُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ، وَسَمَّى الْمَرُّوذِيُّ، انْتَهَى، قُلْت: قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ مَرَّ بِضَرِيرٍ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرٍ فَنَهَاهُ، وَقَالَ: الْقِرَاءَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ.
فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ: يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي حَبَشٍ الْحَلَبِيِّ؟ فَقَالَ: ثِقَةٌ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُبَشِّرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يُوصِي بِذَلِكَ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ: يَقْرَأُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ وَقْتَ دَفْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ يُسَنُّ وَقْتَ الدَّفْنِ اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ وَشَيْخُنَا، وَعَنْهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ بِدْعَةٌ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَلَا فِعْلِ أَصْحَابِهِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ: فَيُسْتَحَبُّ، عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ نَصَّ عَلَيْهِ أَخِيرًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ، بَلْ تُسْتَحَبُّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تُبَاحُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَتُبَاحُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ
стр. 1054
مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: مَنْ حَجَّ نَفْلًا عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَمَّنْ حَجَّ لِعَدَمِ إذْنِهِ.
فَائِدَةٌ: نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثُمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ يَعْنِي ثَوَابَهُ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ " اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا، فَقَدْ جَعَلْتُ ثَوَابَهُ أَوْ مَا تَشَاءُ مِنْهُ لِفُلَانٍ " لِأَنَّهُ قَدْ يَتَخَلَّفُ فَلَا يَتَحَكَّمُ عَلَى اللَّهِ وَقَالَ الْمَجْدُ: مَنْ سَأَلَ الثَّوَابَ ثُمَّ أَهْدَاهُ، كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أَثِبْنِي عَلَى عَمَلِي هَذَا أَحْسَنَ الثَّوَابِ، وَاجْعَلْهُ لِفُلَانٍ كَانَ أَحْسَنَ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِ الْقُرْبَةِ [وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِ الْقُرْبَةِ] وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَتَقَدَّمَ نِيَّةٌ ذَلِكَ وَتُقَارِنُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِهْدَاءِ وَنَقْلِ الثَّوَابِ: أَنْ يَنْوِيَ الْمَيِّتَ بِهِ ابْتِدَاءً، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبَعْدَهُ فَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعُمُومِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ لَا وَجْهَ لَهُ، فِي أَثَرٍ لَهُ وَلَا نَظَرٍ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَقَعَ الْقُرْبَةُ عَنْ الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً بِالنِّيَّةِ لَهُ: فَهَذَا مُتَّجَهٌ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ثَوَابُ الْقُرْآنِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ إذَا نَوَاهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْإِهْدَاءُ فَظَاهِرُهُ عَدَمُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ فِي التَّبْصِرَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: قَالَ حَنْبَلُ: يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ الْأَعْمَالِ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْتَنِيبِ إلَّا بِالنِّيَّةِ مِنْ النَّائِبِ قَبْلَ الْفَرَاغِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ " وَكَذَا لَوْ أَهْدَى بَعْضَهُ كَنِصْفِهِ، أَوْ ثُلُثِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ.
стр. 1055
وَهَذِهِ قَدْ يُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: أَيْنَ لَنَا مَوْضِعٌ تَصِحُّ فِيهِ الْهَدِيَّةُ، مَعَ جَهَالَةِ الْمُهْدَى بِهَا؟ ذَكَرَهَا فِي النُّكَتِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْجُمُعَةِ كَرَاهَةُ إيثَارِ الْإِنْسَانِ بِالْمَكَانِ الْفَاضِلِ، وَهُوَ إيثَارٌ بِفَضِيلَةٍ فَيُحْتَاجُ إلَى تَفْرِقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إهْدَاءِ الْقُرَبِ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا) الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَالْوَاجِبَ الَّذِي تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَالْعِتْقَ، وَحَجَّ التَّطَوُّعِ فَإِذَا فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَكَذَا تَصِلُ إلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَالَ الْمَجْدُ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ الْقُرَبِ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الْفُنُونِ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ الْقُرَبِ، حَتَّى لِلنَّبِيِّ ﷺ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَلَمْ يَرَهُ لِمَنْ لَهُ ثَوَابٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَأَجْرِ الْعَامِلِ، كَالنَّبِيِّ ﷺ وَمُعَلِّمِ الْخَيْرِ، بِخِلَافِ الْوَالِدِ فَإِنَّ لَهُ أَجْرًا كَأَجْرِ الْوَلَدِ.
الثَّانِيَةُ: الْحَيُّ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ كَالْمَيِّتِ فِي انْتِفَاعِهِ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ كَذَا الْقِرَاءَةُ وَنَحْوُهَا. قَالَ الْقَاضِي: لَا نَعْرِفُ رِوَايَةً بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا أَصَحُّ قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الْحَيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي حَجِّ النَّفْلِ عَنْ الْحَيِّ لَا يَنْفَعُهُ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ: الْقِرَاءَةُ وَنَحْوُهَا لَا تَصِلُ إلَى الْحَيِّ.
قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ) بِلَا نِزَاعٍ، وَزَادَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ إذَا قَصَدَ أَهْلَ الْمَيِّتِ فَأَمَّا لِمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ: فَيُكْرَهُ لِلْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْمَكْرُوهِ. انْتَهَى
стр. 1056
قَوْلُهُ (وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ) يَعْنِي لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُكْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَقِيلَ: يُحَرَّمُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ يُبَاحُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَلَا يُبَاحُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُسَنُّ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَيُكْرَهُ لِأَهْلِهِ.
قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ إجْمَاعًا قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا [بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ الرِّجَالِ الْقُبُورَ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا] فِي إبَاحَةِ زِيَارَتِهَا لِلرِّجَالِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِزِيَارَتِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ [وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ أَخَذَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْمَجْدُ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ: الْإِبَاحَةَ مِنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ] فَقَالُوا: وَقِيلَ: يُبَاحُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا: الِاسْتِحْبَابُ لِقَرِينَةِ تَذَكُّرِ الْمَوْتِ، أَوْ لِلْأَمْرِ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ لَهُنَّ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْوَجِيزُ، وَالْمُنَوِّرُ، وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ مَنْجَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ قَالَ فِي النَّظْمِ: وَهُوَ أَوْلَى، وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.
стр. 1057
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ فَيُبَاحُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: يَحْرُمُ، كَمَا لَوْ عَلِمْت أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهَا مُحَرَّمٌ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا قَالَ فِي جَامِعِ الِاخْتِيَارَاتِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: تَرْجِيحُ التَّحْرِيمِ. لِاحْتِجَاجِهِ بِلَعْنِهِ ﵊ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَتَصْحِيحُهُ إيَّاهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَتَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْحَمْلِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُنَّ اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: يَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ زِيَارَتُهُ لِلِاعْتِبَارِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ زِيَارَةِ قَبْرِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ. الثَّانِيَةُ: الْأَوْلَى لِلزَّائِرِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْقَبْرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يَقِفُ حَيْثُ شَاءَ، وَالْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ حَالَ الزِّيَارَةِ قَائِمًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ قُعُودُهُ كَقِيَامِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرُبَ مِنْهُ، كَزِيَارَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْوَسِيلَةِ وَالتَّلْخِيصِ. الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: اسْتِحْبَابُ كَثْرَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ يَرِقُّ قَلْبِي؟ قَالَ: اُدْخُلْ الْمَقْبَرَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ زِيَارَةِ الْمَوْتَى قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ سَلَفٌ.
الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ لَمْسُ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ قَالَ
стр. 1058
أَبُو الْحُسَيْنِ فِي تَمَامِهِ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَقَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: هَلْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ فَرَاغِ دَفْنِهِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَجُلُوسُهُ عَلَى جَانِيَيْهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
قَوْلُهُ (وَيَقُولُ إذَا زَارَهَا، أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ إلَى آخِرِهِ) نَكَّرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ لَفْظَ (السَّلَامِ) وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَوَرَدَ الْحَدِيثُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ﵄ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَقُولُ مُعَرِّفًا، فَيَقُولُ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبُرَيْدَةَ ﵄ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَخَيَّرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا مِنْهُمْ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: يَقُولُ لِلْمَوْتَى " عَلَيْكُمْ السَّلَامُ ".
فَائِدَةٌ. إذَا سَلَّمَ عَلَى الْحَيِّ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قُلْت: مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ تَعْرِيفُهُ أَفْضَلُ قَالَ النَّاظِمُ كَالرَّدِّ، وَقِيلَ: تَنْكِيرُهُ أَفْضَلُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَرَدَّهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: سَلَامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ، وَسَلَامُ الْوَدَاعِ مُعَرَّفٌ.
قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلُ الْمَيِّتِ) يَعْنِي سَوَاءً كَانَ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، فِي التَّعْزِيَةِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوْلَى، لِلْإِيَاسِ التَّامِّ مِنْهُ.
стр. 1059
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ تَكْرَارُ التَّعْزِيَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فَلَا يُعَزِّي عِنْدَ الْقَبْرِ مَنْ عَزَّى قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ لِمَنْ عَزَّى وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ إلَّا لِمَنْ لَمْ يُعَزِّ، وَأَطْلَقَ جَوَازَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. انْتَهَى. وَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ لِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لِلْفِتْنَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَا فِي تَشْمِيتِهَا إذَا عَطَسَتْ، وَيُعَزَّى مَنْ شَقَّ ثَوْبَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، لِزَوَالِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الشَّقُّ وَيُكْرَهُ اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَغَيْرُهُ: أَنَّ التَّعْزِيَةَ لَيْسَتْ مُحَدَّدَةً بِحَدٍّ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فَظَاهِرُهُ: يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: آخِرُهَا يَوْمَ الدَّفْنِ، وَقِيلَ: تُسْتَحَبُّ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ، وَالْآمِدِيُّ، وَأَبُو الْفَرَجِ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ: يُكْرَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ قَالَ الْمَجْدُ: لِإِذْنِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْدَادِ فِيهَا، وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِي آخِرِهَا كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: اتَّفَقُوا لِكَرَاهِيَتِهِ بَعْدَهَا، وَلَا يَبْعُدُ تَشْبِيهُهَا بِالْإِحْدَادِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَتِهِ إذَا حَضَرَ وَاخْتَارَهُ النَّاظِمُ، وَقَالَ: مَا لَمْ تُنْسَ الْمُصِيبَةُ الثَّانِي: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ) وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ " أَهْلُ الْمَيِّتِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: أَهْلُ الْمُصِيبَةِ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ
стр. 1060
فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، لَا تَفَقُّهًا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ فِي النُّكَتِ: فَيُعَزَّى الْإِنْسَانُ فِي رَفِيقِهِ وَصَدِيقِهِ وَنَحْوِهِمَا، كَمَا يُعَزَّى فِي قَرِيبِهِ، وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ مَا يُعْجِبُنِي، وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَزَّى وَجَلَسَ قَالَ الْخَلَّالُ: سَهَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْجُلُوسِ إلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَقِيلَ: يُبَاحُ ثَلَاثًا كَالنَّعْيِ، وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَمَعْنَاهُ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ.
وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَلِغَيْرِهِمْ، خَوْفَ شِدَّةِ الْجَزَعِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَمَّا وَالْمَيِّتُ عِنْدَهُمْ: فَأَكْرَهُهُ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَمْنَعْ أَهْلَهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ، لِأَنَّ فِيهِ تَهْيِيجًا لِلْحُزْنِ.
فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ، لِيَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، أَوْ يَخْرُجَ وَلِيُّهُ فَيُعَزِّيَهُ فَعَلَهُ السَّلَفُ.
قَوْلُهُ (وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك) ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ. بَلْ إنْ شَاءَ، قَالَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ فَقَدْ عَزَّى الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَجُلًا، فَقَالَ " آجَرَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، فِي هَذَا الرَّجُلِ " وَعَزَّى أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ " أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ " قَوْلُهُ (وَفِي تَعْزِيَةٍ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) يَعْنِي إذَا عَزَّى مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَنْ مَيِّتٍ كَافِرٍ فَأَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ ﵀: أَنَّهُ
стр. 1061
يُعَزِّيهِ عَنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُعَزِّيهِ عَنْ كَافِرٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَقُولُ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَصَارَ لَك خَلَفًا عَنْهُ. قَوْلُهُ (وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك، وَلَا نَقَصَ عَدَدُك، أَوْ أَكْثَرَ عَدَدَك) فَيَدْعُو لِأَهْلِ الذِّمَّةِ بِمَا يَرْجِعُ إلَى طُولِ الْعُمُرِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَلَا يَدْعُو لِكَافِرٍ حَيٍّ بِالْأَجْرِ، وَلَا لِكَافِرٍ مَيِّتٍ بِالْمَغْفِرَةِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: وَيَقُولُ لَهُ أَيْضًا: وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ يَقُولُ: أَعْطَاك اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِك أَفْضَلَ مَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِك، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: لَا يَنْبَغِي تَعْزِيَتُهُ عَنْ كَافِرٍ، وَلَا الدُّعَاءُ بِالْإِخْلَافِ عَلَيْهِ، وَعَدَمِ تَنْقِيصِ عَدَدِهِ، بَلْ الْمَشْرُوعُ [الدُّعَاء] بِعَدَمِ الْكَافِرِينَ وَإِبَادَتِهِمْ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ، أَوْ عَنْ كَافِرٍ حَيْثُ قِيلَ: بِجَوَازِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ ذَلِكَ أَوْ لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ: جَوَازُ التَّعْزِيَةِ عِنْدَهُ فَيَكُونُ قَدْ اخْتَارَ جَوَازَ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: تَحْرِيمُ تَعْزِيَتِهِمْ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ، وَلَنَا رِوَايَةٌ بِالْكَرَاهَةِ قَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَرِوَايَةٌ بِالْإِبَاحَةِ فَعَلَيْهَا يَقُولُ مَا تَقَدَّمَ.
فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ: هَلْ يَرُدُّ الْمُعَزَّى شَيْئًا أَمْ لَا؟
стр. 1062
وَقَدْ رَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ عَزَّاهُ فَقَالَ: اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَك، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ. انْتَهَى. وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً وَمَتْبُوعًا، قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ. الثَّانِيَةُ: مَعْنَى " التَّعْزِيَةِ " التَّسْلِيَةُ، وَالْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يُكْرَهُ أَخْذُهُ بِيَدِ مَنْ عَزَّاهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ الْوَقْفُ، وَكَرِهَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ قَالَ الْخَلَّالُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ عِنْدَ الْقَبْرِ.
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ، لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا يُحْمَلُ النَّهْيُ عَنْ الْبُكَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ: عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ أَنَّهُ [كَرِهَ] كَثْرَةَ الْبُكَاءِ وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ أَيَّامًا قَالَ جَمَاعَةٌ: الصَّبْرُ عَنْ الْبُكَاءِ أَجْمَلُ مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الْبُكَاءَ يُسْتَحَبُّ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْفَرَحِ كَفَرَحِ الْفُضَيْلِ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ عَلِيٌّ، قُلْت: اسْتِحْبَابُ الْبُكَاءِ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا يُعْدَلُ عَنْهَا.
قَوْلُهُ (وَأَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابَ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ) يَعْنِي يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَامَةً يُعْرَفُ بِهَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ لُبْسُهُ خِلَافَ زِيِّهِ الْمُعْتَادِ.
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ لِلْمُصَابِ تَغْيِيرُ حَالِهِ مِنْ خَلْعِ رِدَائِهِ وَنَعْلِهِ، وَتَغْلِيقِ حَانُوتِهِ،
стр. 1063
وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَوْمَ مَاتَ بِشْرٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ جَوَابٍ هَذَا يَوْمُ حُزْنٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا بَأْسَ بِهَجْرِ الْمُصَابِ الزِّينَةَ وَحُسْنَ الثِّيَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ وَلَا النِّيَاحَةُ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ وَعَنْهُ يُكْرَه النَّدْبُ وَالنَّوْحُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ بِصِدْقٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْكَافِي قَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَالْخِرَقِيُّ. انْتَهَى.
نَقَلَهُ عَنْهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِمَا، وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: قَدْ نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ قَبْلَ الْمُصَنِّفِ، ذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَطَعَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِيَسِيرِ النَّدْبِ إذَا كَانَ صِدْقًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ النَّوْحِ، وَلَا قُصِدَ نَظْمُهُ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَفَاطِمَةَ ﵄، وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، قُلْت: وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيُبَاحُ يَسِيرُ النَّدْبِ الصِّدْقِ نَصَّ عَلَيْهِ.
стр. 1064
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُود، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) مِنْ الصُّرَاخِ، وَخَمْشِ الْوَجْهِ، وَنَتْفِ الشَّعْرِ، وَنَشْرِهِ وَحَلْقِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ، وَالنَّخَعِيُّ قَالَ فِي الْفُصُولِ: يَحْرُمُ النَّحِيبُ وَالتَّعْدَادُ، وَالنِّيَاحَةُ، وَإِظْهَارُ الْجَزَعِ.
فَوَائِدُ. مِنْهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَاءَتْ الْأَخْبَارُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهَا بِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِالنِّيَاحَةِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ فَحَمَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى بِهِ؛ لِأَنَّ عَادَةً الْعَرَبُ كَانَتْ الْوَصِيَّةَ بِهِ فَخَرَجَ عَلَى عَادَتِهِمْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ سِيَاقَ الْخَبَرِ يُخَالِفُهُ. انْتَهَى. وَحَمَلَهُ الْأَثْرَمُ عَلَى مَنْ كَذَّبَ بِهِ حِينَ يَمُوتُ، وَقِيلَ: يَتَأَذَّى بِذَلِكَ مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: يُعَذَّبُ بِذَلِكَ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَتَأَذَّى بِذَلِكَ إنْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يُوصُونَ وَلَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ النِّيَاحَةِ عَادَةَ أَهْلِهِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ إذَا كَانَ عَادَةَ أَهْلِهِ وَلَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ يُعَذَّبُ، لِأَنَّهُ مَتَى ظَنَّ وُقُوعَهُ وَلَمْ يُوصِ فَقَدْ رَضِيَ، وَلَمْ يَنْهَ مَعَ قُدْرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْحَوَاشِي وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي: أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِالْبُكَاءِ الَّذِي مَعَهُ نَدْبٌ، أَوْ نِيَاحَةٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَمِنْهَا: مَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ، مِنْ وَعْظٍ، أَوْ إنْشَادِ شِعْرٍ فَمِنْ النِّيَاحَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَعَنَا لِابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ.
وَمِنْهَا يُكْرَهُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَأَكْلُ ذَلِكَ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، بِحُرْمَةِ الذَّبْحِ وَالتَّضْحِيَةِ عِنْدَهُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا مِنْ
стр. 1065
التَّصَدُّقِ عِنْدَ الْقَبْرِ بِخُبْزٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَفِيهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، وَإِشْهَارٌ لِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ الْمَنْدُوبِ إلَى إخْفَائِهَا. انْتَهَى. وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَفِي مَعْنَى الذَّبْحِ عَلَى الْقَبْرِ: الصَّدَقَةُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ، وَفِيهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إخْرَاجُ الصَّدَقَةِ مَعَ الْجِنَازَةِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَهُوَ يُشْبِهُ الذَّبْحَ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الصَّدَقَةِ.
стр. 1066
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الزَّكَاةِ فَائِدَةٌ: " الزَّكَاةُ " فِي اللُّغَةِ: النَّمَاءُ. وَقِيلَ: النَّمَاءُ وَالتَّطْهِيرُ؛ لِأَنَّهَا تُنَمِّي الْمَالَ وَتُطَهِّرُ مُعْطِيَهَا، وَقِيلَ: تُنَمِّي أَجْرَهَا، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: تُنَمِّي الْفُقَرَاءَ. قُلْت: لَوْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا فِيهَا لَكَانَ حَسَنًا: فَتُنَمِّي الْمَالَ، وَتُنَمِّي أَجْرَهَا، وَتُنَمِّي الْفُقَرَاءَ، وَتُطَهِّرُ مُعْطِيَهَا، وَسُمِّيَتْ " زَكَاةً " فِي الشَّرْعِ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَحَدُّهَا فِي الشَّرْعِ: حَقٌّ يَجِبُ فِي مَالٍ خَاصٍّ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، وَالْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَقَوْلُهُ وَقَالَ ﴿أَصْحَابُنَا تَجِبُ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ﴾ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْهَادِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ نَصًّا، وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ، تَغْلِيبًا وَاحْتِيَاطًا كَتَحْرِيمِ قَتْلِهِ وَإِيجَابِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ.
وَالنُّصُوصُ تَتَنَاوَلُهُ، قَالَ الْمَجْدُ: تَتَنَاوَلُهُ بِلَا شَكٍّ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَأَطْلَقَ فِي التَّبْصِرَةِ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَهُمَا، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْفَائِقِ.
قَوْلُهُ ﴿وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ رِوَايَتَانِ﴾ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ.
стр. 1067
إحْدَاهُمَا: تَجِبُ فِيهَا، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا، قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا، اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ " قَالَ الشَّارِحُ: وَهِيَ أَصَحُّ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَا زَكَاةَ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَفَائِدَتُهُ تَكْمِيلُ النِّصَابِ بِبَقَرَةِ وَحْشٍ. انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ أَرَادَ فِي الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَمَتَى كَمُلَ النِّصَابُ مِنْهُ وَجَبَتْ فِيهِ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ.
فَوَائِدُ: مِنْهَا: حُكْمُ الْغَنَمِ الْوَحْشِيَّةِ حُكْمُ الْبَقَرِ الْوَحْشِيَّةِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، وَالْوُجُوبُ فِيهَا مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَمِنْهَا: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الظِّبَاءِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي الطَّرِيقَةِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ، عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَحَكَى رِوَايَةً؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْغَنَمَ. وَالظَّبْيَةُ تُسَمَّى عَنْزًا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَمِنْهَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا.
وَهَلْ تَجِبُ فِي الْمَالِ الْمَنْسُوبِ إلَى الْجَنِينِ، إذَا انْفَصَلَ حَيًّا أَمْ لَا؟ ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْدِ فِي مَسْأَلَةِ زَكَاةِ مِلْكِ الصَّبِيِّ، مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ. بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ. لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَيْسَ حَمْلًا، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ حَيًّا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فِطْرَةِ الْجَنِينِ: لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ
стр. 1068
بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الْوُجُوبَ بِحُكْمِنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا، حَتَّى مَنَعْنَا بَاقِيَ الْوَرَثَةِ، وَهُمَا وَجْهَانِ. ذَكَرَهُمَا أَبُو الْمَعَالِي، وَمَنَعَهُ فِي الْفُرُوعِ.
تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَجِبُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ﴾ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا يَمْلِكُهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا تَجِبُ عَلَى أَصْلِيٍّ، عَلَى الْأَشْهَرِ، كَذَا الْمُرْتَدُّ، نَصَّ عَلَيْهِ. سَوَاءٌ حَكَمْنَا بِبَقَاءِ مِلْكِهِ مَعَ الرِّدَّةِ أَوْ زَوَالِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَنَصَرَهُ، وَذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ] ، فَقِيلَ: لِكَوْنِهَا عِبَادَةً، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقِيلَ: لِمَنْعِهِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ قُلْنَا " يَزُولُ مِلْكُهُ " فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَيْهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا إذَا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ، نَصَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: تَجِبُ لِمَا مَضَى مِنْ الْأَحْوَالِ عَلَى مَالِهِ حَالَ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ مِلْكَهُ، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ شَاقِلَا رِوَايَةً، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَجِبُ عَلَى مُكَاتَبٍ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ هُوَ كَالْقِنِّ، وَعَنْهُ يُزَكِّي بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
стр. 1069
قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالًا وَقُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ﴾ . يَعْنِي عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ، وَصَاحِبُ الْحَوَاشِي، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قُلْت: مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالزَّرْكَشِيُّ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَعَنْهُ يُزَكِّيهِ الْعَبْدُ، ذَكَرَهَا فِي الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ.
وَعَنْهُ يُزَكِّيهِ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: يُزَكِّي الْعَبْدُ مَالَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ تَبَعًا لِابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُزَكِّيَهُ السَّيِّدُ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَعَنْ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِوُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَى السَّيِّدِ، عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ سَوَاءٌ قُلْنَا يَمْلِكُهُ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إمَّا مِلْكٌ لَهُ، أَوْ فِي حُكْمِ مِلْكِهِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ. كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، قُلْت: وَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِلَا نِزَاعٍ.
تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ ﵀ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا: أَنَّ فِي مِلْكِهِ خِلَافًا؛ لِقَوْلِهِ " وَقُلْنَا إنَّهُ يُمَلِّكُهُ "، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ وَقَوَاعِدِ ابْنِ اللَّحَّامِ، وَقَالَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَشْهَرُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ فِي بَابِ
стр. 1070
الدُّيُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّقِيقِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي آخِرِ بَابِ الْحَجْرِ اخْتَارَ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ شَاقِلَا، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَيَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: لَوْ مَلَكَ مَلَكَهُ فِي الْأَقْيَسِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ.
فَائِدَةٌ: لِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ. أَكْثَرُهَا مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْكِتَابِ، وَمِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مَا إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا، وَمِنْهَا: إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ عَبْدًا وَأَهَلَّ عَلَيْهِ هِلَالُ الْفِطْرِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ، فَفِطْرَتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ، لَمْ يَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا اعْتِبَارًا بِزَكَاةِ الْمَالِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلَا فِطْرَةَ إذَنْ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَيُؤَدِّي السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِ عَبْدِهِ؛ إذْ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَإِنْ مَلَكَ فَلَا فِطْرَةَ لَهُ؛ لِعَدَمِ مِلْكِ السَّيِّدِ وَنَقْصِ مِلْكِ الْعَبْدِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْحُرَّ كَنَفَقَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ [وَالشَّارِحُ] ، وَمِنْهَا: تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ فِي الْحَجِّ، وَالْأَيْمَانِ، وَالظِّهَارِ، وَنَحْوِهَا، وَفِيهِ لِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي فَوَائِدِهِ، وَذَكَرْتُهَا فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ.
стр. 1071
وَمِنْهَا: إذَا بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ. وَلِلْأَصْحَابِ أَيْضًا: فِيهَا طُرُقٌ، ذَكَرْتُهَا فِي آخِرِ بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَمِنْهَا: إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِمَالِهِ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَاشْتَرَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، صَحَّ، وَكَانَ مَمْلُوكًا لِلسَّيِّدِ، قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ، قُلْت: وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ: لَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ بِالْوَكَالَةِ. انْتَهَى.
قُلْت: وَيَتَخَرَّجُ الصَّحِيحُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ بِالْوَكَالَةِ، وَمِنْهَا: عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ أَذِنَ الْكَافِرُ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ رَقِيقًا مُسْلِمًا. فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، صَحَّ، وَكَانَ الْعَبْدُ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، لَمْ يَصِحَّ، وَمِنْهَا: تَسَرِّي الْعَبْدِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، جَازَ تَسَرِّيهِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ بِغَيْرِ نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ: مُحَرَّمٌ، بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي، وَالْأَصْحَابِ بَعْدَهُ، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ تَسَرِّيهِ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْوَاضِحِ، وَرَجَّحَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَحَرَّرَهَا فِي فَوَائِدِهِ، وَتَأْتِي هَذِهِ الْفَائِدَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ، فِي قَوْلِهِ " وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ " بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي يَدِهِ، فَهَلْ يُعْتَقُ؟ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ
стр. 1072
يُعْتَقُ بِذَلِكَ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مَعَ قَوْلِهِ " إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ " وَقَوْلُ الْقَاضِي عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ، وَمِنْهَا: إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ مَالٌ، فَهَلْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ لِلْعَبْدِ أَمْ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَاهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ وَعَدَمِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَالْمَجْدُ، وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ بِمَالِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، لَمْ يَنْفَسِخْ، وَمِنْهَا: لَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، فَالْوَلَدُ مِلْكُ السَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، فَالْوَلَدُ مَمْلُوكُ الْعَبْدِ، لَكِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، حَتَّى يُعْتَقَ فَإِذَا أُعْتِقَ وَلَمْ يَنْزِعْهُ مِنْهُ قَبْلَ عِتْقِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ لِتَمَامِ مِلْكِهِ حِينَئِذٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ السَّيِّدِ فِي مَالِ الْعَبْدِ دُونَ اسْتِرْجَاعِهِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، صَحَّ بِغَيْرِ إشْكَالٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُ السَّيِّدِ رَقِيقَ عَبْدِهِ، قَالَ الْقَاضِي: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ فِيهِ قَبْلَ عِتْقِهِ، قَالَ: وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَلِأَنَّ عِتْقَهُ يَتَضَمَّن الرُّجُوعَ فِي التَّمْلِيكِ، وَمِنْهَا: لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ. فَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، فَأَمَّا إنْ قِيلَ: إنَّهُ يَمْلِكُ، فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ كَالْمُكَاتَبِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ [وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الْوَقْفِ] .
وَمِنْهَا: وَصِيَّةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ: صَحَّ وَعَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمَالِ، وَيَكْمُلُ عِتْقُهُ مِنْ بَقِيَّةِ
стр. 1073
الْوَصِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي تَعْلِيلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي فَوَائِدِ قَوَاعِدِهِ، وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ، وَمِنْهَا: ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُقَدَّرٍ، فَفِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ رِوَايَتَانِ، أَشْهَرُهُمَا: عَدَمُ الصِّحَّةِ. فَمِنْ الْأَصْحَابِ: مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَتَمَلَّكُ أَمْ لَا؟ وَهُمَا طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالشِّيرَازِيِّ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الصِّحَّةَ عَلَى أَنَّ لِلْوَصِيَّةِ لِقَدْرٍ [مِنْ] الْعَيْنِ، أَوْ لِقَدْرٍ مِنْ التَّرِكَةِ لَا بِعَيْنِهِ، فَيَعُودُ إلَى الْحَقِّ الْمُشَاعِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَمِنْهَا: لَوْ غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ مَلَّكَهُ إيَّاهُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهَا الْعَبْدُ لَمْ يُسْهَمْ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِمَالِكِهَا، فَيَرْضَخُ لَهَا، كَمَا يَرْضَخُ لَهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا أَسْهَمَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لِسَيِّدِهِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُسْهِمُ لِفَرَسِ الْعَبْدِ. وَتَوَقَّفَ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَا يُسْهِمُ لَهَا مُتَّحِدًا، وَمَوْضِعُ هَذِهِ الْفَوَائِدِ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، فِي آخِرِ بَابِ الْحَجْرِ فِي أَحْكَامِ الْعَبْدِ.
تَنْبِيهٌ: هَلْ الْخِلَافُ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ مُخْتَصٌّ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ أَمْ لَا؟ فَاخْتَارَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، فَلَا يَمْلِكُ بِهِ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَأَصْحَابُنَا لَمْ يُقَيِّدُوا الرِّوَايَتَيْنِ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ، بَلْ ذَكَرُوهُمَا مُطْلَقًا فِي مِلْكِ الْعَبْدِ إذَا مَلَكَ، قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَكَلَامُ الْأَكْثَرِينَ، يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ.
стр. 1074
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: اللُّقَطَةُ بَعْدَ الْحَوْلِ، قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: تَنْبَنِي عَلَى رِوَايَتَيْ الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ، جَعْلًا لِتَمْلِيكِ الشَّارِعِ كَتَمْلِيكِ السَّيِّدِ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ يَمْلِكُ اللُّقَطَةَ، وَإِنْ لَمْ تُمْلَكْ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ، وَعِنْدَ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ: لَا يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ، كَذَلِكَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهَا مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ بِمُضِيِّ الْحَوْلِ، وَمِنْهَا: حِيَازَةُ الْمُبَاحَاتِ: مِنْ احْتِطَابٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوْ اصْطِيَادٍ، أَوْ مَعْدِنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هُوَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، كَالْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ لَكِنْ لَوْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ كَتَمْلِيكِهِ إيَّاهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَخَرَّجَ طَائِفَةٌ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ وَعَدَمِهِ، مِنْهُمْ الْمَجْدُ.
وَقَاسَهُ عَلَى اللُّقَطَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمِنْهَا: لَوْ أَوْصَى لِلْعَبْدِ، أَوْ وَهَبَ لَهُ، وَقَبِلَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ بِدُونِهِ إذَا أَجَزْنَا لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَالْمَالُ لِلسَّيِّدِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَبَنَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ، وَيَأْتِي أَيْضًا هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ، وَمِنْهَا: لَوْ خَلَعَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ بِعِوَضٍ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ: بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ الْعَبْدَ هُنَا يَمْلِكُ الْبِضْعَ فَمَلَكَ عِوَضَهُ بِالْخُلْعِ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ عِوَضَهُ، فَأَمَّا مَهْرُ الْأَمَةِ: فَهُوَ لِلسَّيِّدِ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ مِنْ قَوَاعِدِهِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا.
فَائِدَةٌ: تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُهُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
стр. 1075
قَوْلُهُ (الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَسِيرًا، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ) ، فَالنِّصَابُ تَقْرِيبٌ فِي النَّقْدَيْنِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ [وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ] تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: قَالَهُ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ نَقَصَ النِّصَابُ مَا لَا يُضْبَطُ كَحَبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي: قَالَهُ الْأَصْحَابُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ: لَا يُعْتَبَرُ النَّقْصُ، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالنَّظْمِ وَعَنْهُ النِّصَابُ تَحْدِيدٌ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ يَسِيرًا، قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: هَذَا أَظْهَرُ وَأَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَدْخُلُ فِي الْمَكَايِيلِ، كَالْأُوقِيَّةِ، وَنَحْوِهَا، فَلَا يُؤَثِّرُ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَحَوَاشِيهِ وَالْكَافِي، وَالْمُقْنِعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَعَنْهُ لَا يَضُرُّ النَّقْصَ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ حَبَّتَيْنِ، وَعَنْهُ حَتَّى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَنِصْفَ وَثُلُثَ مِثْقَالٍ، وَأَطْلَقَ فِي الْفَائِقِ فِي ثُلُثِ مِثْقَالٍ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الدَّانَقِ وَالدَّانَقَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقِيلَ: الدَّانَقُ وَالدَّانَقَانِ لَا يَمْنَعُ فِي الْفِضَّةِ، وَيَمْنَعُ فِي الذَّهَبِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هَذَا أَوْجَهُ، وَقِيلَ: يَضُرُّ النَّقْصُ الْيَسِيرُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ أَوْ وَسَطِهِ، دُونَ آخِرَهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يُعْتَبَرُ النَّقْصُ الْيَسِيرُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ نَقْصُ ثَمَنٍ، فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَفِي [أُخْرَى فِي] الْفِضَّةِ ثُلُثُ دِرْهَمٍ، وَفِي أُخْرَى فِي الذَّهَبِ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَلَا يُؤَثِّرُ الثُّلُثُ.
стр. 1076
فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الصَّحِيحُ: أَنَّ نِصَابَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ تَحْدِيدٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالسَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَعَنْهُ نِصَابُ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُؤَثِّرُ نَحْوُ رَطْلَيْنِ وَمُدَّيْنِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يُؤَثِّرُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ: وَجَعَلَهُ فِي الرِّعَايَةِ مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ.
الثَّانِيَةُ: لَا اعْتِبَارَ بِنَقْصٍ دَاخِلَ الْكَيْلِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إذَا نَقَصَ مَا لَوْ وُزِّعَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ظَهَرَ فِيهَا: سَقَطَتْ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ ﴿وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ، إلَّا فِي السَّاعَةِ﴾ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي وَقْصِ السَّائِمَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي وَقْصِهَا، اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَوْ تَلِفَ بَعِيرٌ مِنْ تِسْعَةِ أَبْعِرَةٍ، أَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ إنْ اعْتَبَرْنَا التَّمَكُّنَ: سَقَطَ تِسْعُ شِيَاهٍ، وَلَوْ تَلِفَ مِنْ التِّسْعِ سِتَّةٌ زَكَّى الْبَاقِيَ ثُلُثَ شَاةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً فَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْدَ الْحَوْلِ زَكَّاهُ بِتُسْعِ شَاةٍ.
стр. 1077
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا رَدِيئًا أَوْ صِغَارًا كَانَ الْوَاجِبُ وَسَطًا، وَيُخْرِجُ مِنْ الْأَعْلَى بِالْقِيمَةِ فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ مِنْ فَوَائِدِهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَجِبُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى شَاةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا، وَفِي الثَّالِثَةِ: خُمُسُهَا، وَفِي الرَّابِعَةِ: يَتَعَلَّقُ الْوَاجِبُ بِالْخِيَارِ، وَيَتَعَلَّقُ الرَّدِيءُ بِالْوَقْصِ لِأَنَّهُ أَحَطُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ أَيْضًا، وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَيْضًا: لَوْ تَلِفَ عِشْرُونَ بَعِيرًا مِنْ أَرْبَعِينَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ: خَمْسَةُ أَتْسَاعِ بِنْتِ لَبُونٍ، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ نِصْفُ بِنْتِ لَبُونٍ وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ الْوَقْصِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي وُجُوبِ الشَّاةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّصَابِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَفَوَائِدُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالزَّائِدِ عَلَى نِصَابِ السَّرِقَةِ احْتِمَالَانِ يَعْنِي أَنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْمَسْرُوقِ، أَوْ بِالنِّصَابِ مِنْهُ فَقَطْ، فَظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ، وَهِيَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ ﴿فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ بِصِحَّةِ الضَّمَانِ، فَدَلَّ عَلَى الْخِلَافِ هُنَا. انْتَهَى. قَوْلُهُ ﴿وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ، وَلَا فِي حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا﴾ أَمَّا السَّائِمَةُ الْمَوْقُوفَةُ: فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنِينَ كَالْأَقَارِبِ وَنَحْوِهِمْ فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَالنَّصُّ الْوُجُوبُ.
стр. 1078
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا زَكَاةَ فِيهَا قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى رِوَايَةِ الْمِلْكِ فَقَطْ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عَيْنِهَا، لِمَنْعِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي الْوَقْفِ، فَيَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهَا، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ السَّائِمَةُ أَوْ غَيْرُهَا وَقْفًا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَوْ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ، وَالرُّبُطِ وَنَحْوِهَا، لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً، وَنَصَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ: لَا عُشْرَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَصِيرُ إلَيْهِمْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ خِلَافٌ.
فَائِدَةٌ: لَوْ وَقَفَ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا عَلَى مُعَيَّنٍ: وَجَبَتْ الزَّكَاةُ مُطْلَقًا فِي الْغَلَّةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِجَوَازِ بَيْعِهَا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَالَ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: تَجِبُ مَعَ غِنَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، دُونَ غَيْرِهِ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْفَرَجِ، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُهُ، وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ فَحَيْثُ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ، فَإِنْ حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصَابُ زَكَاةٍ، وَإِلَّا خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَأْثِيرِ الْخَلْطِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي.
فَوَائِدُ: مِنْهَا: لَوْ أَوْصَى بِدَرَاهِمَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، أَوْ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مَا يُوقَفُ، فَاتَّجَرَ بِهِمَا الْوَصِيُّ: فَرِبْحُهُ مَعَ أَصْلِ الْمَالِ فِيمَا وَصَّى بِهِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا، وَإِنْ خَسِرَ ضَمِنَ النَّقْصَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: رِبْحُهُ إرْثٌ.
стр. 1079
وَقَالَ فِي الْمُؤَجَّرِ فِيمَنْ اتَّجَرَ بِمَالِ غَيْرِهِ إنْ رَبِحَ: لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَيَأْتِي مَا إذَا بَنَى فِي الْمُوصَى بِوَقْفِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ وَقْفِهِ: فِي كِتَابِ الْوَصَايَا فِي فَوَائِدِ مَا إذَا قَبِلَ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَتَى يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ. وَمِنْهَا: الْمَالُ الْمُوصَى بِهِ يُزَكِّيهِ مَنْ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عَلَى مِلْكِهِ، وَمِنْهَا: لَوْ وَصَّى بِنَفْعِ نِصَابِ سَائِمَةٍ: زَكَّاهَا مَالِكُ الْأَصْلِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ لَا زَكَاةَ إنْ وَصَّى بِهَا أَبَدًا، فَيُعَايَى بِهَا، وَأَمَّا حِصَّةُ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ: فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَجْهَيْنِ [وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ] وَقَالَ: إنَّ حِصَّةَ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا تَخْلُو، إمَّا أَنْ نَقُولَ: لَا يَمْلِكُهَا بِالظُّهُورِ أَوْ يَمْلِكُهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا بِالظُّهُورِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ حَتَّى تُقْسَمَ، وَإِنْ قُلْنَا: تُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ أَيْضًا، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخِلَافِ وَالْمُجَرَّدِ، وَذَكَرَهُ فِي الْوَسِيلَةِ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَغَيْرِهِمْ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَيَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ بَعْدَ إطْلَاقِ الْوَجْهَيْنِ وَالْمُخْتَارُ وُجُوبُهَا بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ: يُعْتَبَرُ بُلُوغُ حِصَّتِهِ نِصَابًا، فَإِنْ كَانَتْ دُونَهُ انْبَنَى عَلَى الْخُلْطَةِ فِيهِ، عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِلَا إذْنٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
стр. 1080
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَأَمَّا حَقُّ رَبِّ الْمَالِ: فَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ تَزْكِيَتُهُ بِدُونِ إذْنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْآجُرِّيِّ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَصِيرَ الْمُضَارِبُ شَرِيكًا، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْخُلَطَاءِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِدُخُولِهِمَا عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ حُكْمِهِ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْمَالِ، صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ.
فَائِدَةٌ: يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ زَكَاةُ رَأْسِ مَالِهِ مَعَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَيَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ بِالظُّهُورِ، نَصَّ عَلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ، وَقِيلَ: قَبْضِهَا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَيُحْتَمَلُ سُقُوطُهَا قَبْلَهُ لِتَزَلْزُلِهَا. انْتَهَى. وَأَمَّا حِصَّةُ الْمُضَارِبِ إذَا قُلْنَا " لَا يَمْلِكُهَا بِالظُّهُورِ " فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ زَكَاتُهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَالْأَكْثَرِينَ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ عَنْ الْقَاضِي: يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ زَكَاتُهُ، إذَا قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ الْعَامِلُ بِدُونِ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ، وَحَكَاهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَجْهًا، وَصَحَّحَهُ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، لَكِنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ.
فَائِدَةٌ: لَوْ أَدَّاهَا رَبُّ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ: فَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ، وَإِنْ أَدَّاهَا مِنْهُ: حُسِبَ مِنْ الْمَالِ وَالرِّبْحِ، عَلَى الصَّحِيحِ [مِنْ الْمَذْهَبِ] قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمَا، فَيَنْقُصُ رُبْعُ عُشْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ: يُحْسَبُ مِنْ الرِّبْحِ فَقَطْ، وَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ، وَجَزَمَا بِهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي، وَقَالَ فِي الْكَافِي: هِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَدَيْنِهِ، وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ: فَمِنْ الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْنَا: فِي الْعَيْنِ، فَمِنْ الرِّبْحِ فَقَطْ.
стр. 1081
قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ زَكَّاهُ إذَا قَبَضَهُ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَا يُزَكِّيهِ إذَا قَبَضَهُ، وَعَنْهُ يُزَكِّيهِ إذَا قَبَضَهُ، أَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " عَلَى مَلِيءٍ " مِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَكُونَ بَاذِلًا.
فَائِدَةٌ: الْحَوَالَةُ بِهِ وَالْإِبْرَاءُ مِنْهُ كَالْقَبْضِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ جُعِلَا وَفَاءً فَكَالْقَبْضِ، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ ﴿زَكَّاهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى﴾ يَعْنِي مِنْ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ قَصْد بِبَقَائِهِ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ أَوْ لَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُزَكِّيهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا مَضَى.
فَوَائِدُ إحْدَاهَا: يُجْزِيهِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِزَكَاةِ سِنِينَ، وَلَوْ وَقَعَ التَّعْجِيلُ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لِقِيَامِ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْأَدَاءُ رُخْصَةً. الثَّانِيَةُ: لَوْ مَلَكَ مِائَةً نَقْدًا، وَمِائَةً مُؤَجَّلَةً: زَكَّى النَّقْدَ لِتَمَامِ حَوْلِهِ، وَزَكَّى الْمُؤَجَّلَ إذَا قَبَضَهُ. الثَّالِثَةُ: حَوْلُ الصَّدَاقِ: مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا، مُسْتَقِرًّا كَانَ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ كَذَا عِوَضُ الْخُلْعِ وَالْأُجْرَةِ، وَعَنْهُ ابْتِدَاءُ حَوْلِهِ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ لَا قَبْلَهُ.
стр. 1082
وَعَنْهُ لَا زَكَاةَ فِي الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى يُقْبَضَ، فَيَثْبُتُ الِانْعِقَادُ وَالْوُجُوبُ قَبْلَ الْحَوْلِ، قَالَ الْمَجْدُ: بِالْإِجْمَاعِ، مَعَ احْتِمَالِ الِانْفِسَاخِ، وَعَنْهُ تَمْلِكُ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَكَذَا الْحُكْمُ خِلَافًا وَمَذْهَبًا فِي اعْتِبَارِ الْقَبْضِ فِي كُلِّ دَيْنٍ، إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مُقَابَلَةِ مَالٍ، أَوْ مَالٌ زَكَوِيٌّ عِنْدَ الْكُلِّ، كَمُوصًى بِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَثَمَنِ مَسْكَنٍ، وَعَنْهُ لَا حَوْلَ لِأُجْرَةٍ، فَيُزَكِّيهِ فِي الْحَالِ كَالْمَعْدِنِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَيَّدَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِأُجْرَةِ الْعَقَارِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا نَظَرًا إلَى كَوْنِهَا غَلَّةَ أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَعَنْهُ أَيْضًا لَا حَوْلَ لِمُسْتَفَادٍ، وَذَكَرَهَا أَبُو الْمَعَالِي فِيمَنْ بَاعَ سَمَكًا صَادَهُ بِنِصَابِ زَكَاةٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَلَا زَكَاةَ لِاشْتِرَاطِ السَّوْمِ فِيهَا، فَإِنْ عُيِّنَتْ زُكِّيَتْ كَغَيْرِهَا، وَكَذَا الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ مَالًا زَكَوِيًّا؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ فِي الذِّمَّةِ فِيهَا أَصْلٌ أَوْ أَحَدُهَا.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ " الْقَرْضَ، وَدَيْنَ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَكَذَا الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، فَيُزَكِّيهِ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، أَوْ زَالَ، أَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، بِتَلَفِ مَطْعُومٍ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَيُزَكَّى الْمَبِيعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِهِ، وَلَوْ فَسَخَ الْعَقْدَ. وَيُزَكَّى أَيْضًا دَيْنُ السَّلَمِ إنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَثْمَانًا. وَيُزَكَّى أَيْضًا ثَمَنُ الْمَبِيعِ وَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ عِوَضِهِمْ، وَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مِلْكٍ تَامٍّ مَقْبُوضٍ، وَعَنْهُ أَوْ مُمَيَّزٍ لَمْ يُقْبَضْ ثُمَّ قَالَ قُلْت: وَفِيمَا صَحَّ تَصَرُّفُ رَبِّهِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ ضَمِنَهُ بِتَلَفِهِ، وَفِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَرَأْسِ مَالِ الْمُسْلِمِ قَبْلَ قَبْضِ عِوَضِهِمَا،
стр. 1083
وَدَيْنُ السَّلَمِ إنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَثْمَانًا، وَفِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ قَبْل الْقَبْضِ رِوَايَتَانِ. وَلِلْبَائِعِ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَبِيعٍ فِيهِ خِيَارٌ مِنْهُ، فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِهِ، وَفِي قِيمَتِهِ رِوَايَتَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَفِي أَيِّهِمَا تُقْبَلُ.
قَوْلُهُ ﴿وَفِي قِيمَةِ الْمُخْرَجِ وَجْهَانِ﴾ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ قُلْت: الصَّوَابُ قَوْلُ الْمُخْرَجِ، فَأَمَّا مَبِيعٌ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ وَلَا مُتَمَيِّزٍ فَيُزَكِّيهِ الْبَائِعُ.
الْخَامِسَةُ: كُلُّ دَيْنٍ سَقَطَ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَمْ يَتَعَوَّضْ عَنْهُ: تَسْقُطُ زَكَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: هَلْ يُزَكِّيهِ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَسْقَطَهُ رَبُّهُ زَكَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الصَّدَاقِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: يُزَكِّيهِ الْمُبَرَّأُ مِنْ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ مُلِكَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ عِوَضًا، أَوْ أَحَالَ أَوْ احْتَالَ زَادَ بَعْضُهُمْ، وَقُلْنَا: الْحَوَالَةُ وَفَاءٌ زَكَّاهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَعَيْنٍ وَهَبَهَا، وَعَنْهُ زَكَاةُ التَّعْوِيضِ عَلَى الدَّيْنِ، وَقِيلَ فِي ذَلِكَ، وَفِي الْإِبْرَاءِ يُزَكِّيهِ رَبُّهُ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا الْمَدِينَ.
السَّادِسَةُ: الصَّدَاقُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَالدَّيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: سُقُوطُهُ كُلُّهُ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ مِنْ جِهَتِهَا كَإِسْقَاطِهَا، وَإِنْ زَكَّتْ صَدَاقَهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ غَيْرُ تَامٍّ، وَقِيلَ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، هَذَا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ، أَمَّا إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَإِنَّ الْحَوْلَ يَنْعَقِدُ مِنْ حِينِ الْمِلْكِ، نَصَّ عَلَيْهِ. انْتَهَى
стр. 1084
وَإِنْ زَكَّتْ صَدَاقَهَا كُلَّهُ، ثُمَّ تَنَصَّفَ بِطَلَاقٍ: رَجَعَ فِيمَا بَقِيَ بِكُلِّ حَقِّهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَقِيمَةُ حَقِّهِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِنِصْفِ مَا بَقِيَ، وَنِصْفِ بَدَلِ مَا أَخْرَجَتْ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَنِصْفِ قِيمَةِ مَا أَصْدَقَهَا يَوْمَ الْعَقْدِ أَوْ مِثْلَهُ، وَلَا تُجْزِيهَا زَكَاتُهَا مِنْهُ بَعْدَ طَلَاقِهِ، لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، وَقِيلَ: بَلَى عَنْ حَقِّهَا، وَتَغْرَمُ لَهُ نِصْفَ مَا أَخْرَجَتْ، وَمَتَى لَمْ تُزَكِّهِ رَجَعَ بِنِصْفِهِ كَامِلًا، وَتُزَكِّيهِ هِيَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا إنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ وَقِيلَ: أَوْ بِالذِّمَّةِ.
[فَائِدَةٌ: لَوْ وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا: لَمْ تَسْقُطْ عَنْهَا الزَّكَاةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ، وَفِي الْكَافِي احْتِمَالٌ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا] .
قَوْلُهُ ﴿وَفِي الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ، وَالْمُؤَجَّلِ، وَالْمَجْحُودِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالضَّائِعِ: رِوَايَتَانِ﴾ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَى مُمَاطِلٍ، أَوْ كَانَ الْمَالُ مَسْرُوقًا، أَوْ مَوْرُوثًا، أَوْ غَيْرَهُ جَهِلَهُ أَوْ جَهِلَ عِنْدَ مَنْ هُوَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَحْمَدُ، وَالْمُحَرَّرِ. إحْدَاهُمَا: كَالدِّينِ عَلَى الْمَلِيءِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إذَا قَبَضَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَنَصَرَهَا أَبُو الْمَعَالِي، وَقَالَ: اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْوَجِيزِ
стр. 1085
وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْمُؤَجَّلِ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَالْإِبْرَاءِ. وَشَمِلَهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ بِحَالٍ، صَحَّحَهَا فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ فِي غَيْرِ الْمُؤَجَّلِ [وَرَجَّحَهَا بَعْضُهُمْ] وَاخْتَارَهَا ابْنُ شِهَابٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ.
وَقِيلَ: تَجِبُ فِي الْمَدْفُونِ فِي دَارِهِ، وَفِي الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ وَالْمُمَاطِلِ، وَجَزَمَ فِي الْكَافِي بِوُجُوبِهَا فِي وَدِيعَةٍ جَهِلَ عِنْدَ مَنْ هِيَ، وَعَلَيْهِ: مَا لَا يُؤْمَلُ رُجُوعُهُ: كَالْمَسْرُوقِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَجْحُودِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ. وَمَا يُؤْمَلُ رُجُوعُهُ كَالدَّيْنِ، عَلَى الْمُفْلِسِ: أَوْ الْغَائِبُ الْمُنْقَطِعُ خَبَرُهُ فِيهِ الزَّكَاةُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذِهِ أَقْرَبُ، وَعَنْهُ إنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى رَبِّهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَجْحُودِ، ذَكَرَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُزَكِّي ذَلِكَ كُلَّهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمُوا بِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْمُبْهِجِ: إذَا قُلْنَا تَجِبُ فِي الدَّيْنِ وَقَبَضَهُ، فَهَلْ يُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " الْمَجْحُودُ " يَعْنِي سَوَاءً كَانَ مَجْحُودًا بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا أَوْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ بِالْمَجْحُودِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: ظَاهِرًا.
فَوَائِدُ: مِنْهَا: لَوْ كَانَ بِالْمَجْحُودِ بَيِّنَةٌ، وَقُلْنَا: لَا تَجِبُ فِي الْمَجْحُودِ، فَفِيهِ هُنَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي] .
стр. 1086
أَحَدُهُمَا: تَجِبُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ [وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ] . الثَّانِي: لَا تَجِبُ. وَمِنْهَا: لَوْ وَجَبَتْ فِي نِصَابٍ بَعْضُهُ دَيْنٌ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ غَصْبٌ أَوْ ضَالٌّ وَنَحْوُهُ، فَفِي وُجُوبِ إخْرَاجِ زَكَاةِ مَا بِيَدِهِ قَبْلَ قَبْضِ الدَّيْنِ وَالْغَصْبِ وَالضَّالِّ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَا بِيَدِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، فَلَوْ كَانَتْ إبِلًا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، مِنْهَا خَمْسٌ مَغْصُوبَةٌ أَرْضًا أَخْرَجَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ بِنْتَ مَخَاضٍ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ حَتَّى يَقْبِضَ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى مَلِيءٍ فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، قُلْت: الصَّوَابُ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ، وَمِنْهَا: لَوْ قَبَضَ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ، أَخْرَجَ زَكَاتَهُ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِالْحِسَابِ وَلَوْ أَنَّهُ دِرْهَمٌ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
وَالْفَائِقِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: لَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْبُوضُ نِصَابًا، أَوْ يَصِيرُ مَا بِيَدِهِ مَا يُتَمِّمُ بِهِ نِصَابًا، وَمِنْهَا: يَرْجِعُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالزَّكَاةِ لِنَقْصِهِ بِيَدِهِ كَتَلَفِهِ، وَمِنْهَا: لَوْ غُصِبَ رَبُّ الْمَالِ بِأَسْرٍ أَوْ حَبْسٍ، وَمُنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ: لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ.
قَوْلُهُ ﴿وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إذَا جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا﴾ اللُّقَطَةُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا رَبُّهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَالِ الضَّائِعِ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ خِلَافًا
стр. 1087
وَمَذْهَبًا، وَعِنْدَ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا إذَا وَجَدَهَا رَبُّهَا لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ " الْخِرَقِيُّ " تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا ذَكَرَهُ فَوَائِدَ إذَا مَلَكَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ، بَعْدَ الْحَوْلِ، اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا وَزَكَّاهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مَدِينٌ بِهَا. وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي: لَا زَكَاةَ فِيهَا، نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مَلَكَهَا مَضْمُونَةً عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا، فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ. انْتَهَى.
وَلِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَكِنْ نَظَرًا إلَى عَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ فِيهَا. انْتَهَى. فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: لَوْ مَلَكَ قَدْرَ مَا يُقَابِلُ قَدْرَ عِوَضِهَا: زَكَّى عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: لَا؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ لَهَا، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ. وَإِذَا مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطُ وَزَكَّاهَا فَلَا زَكَاةَ إذَنْ عَلَى رَبِّهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ بَلَى، وَهَلْ يُزَكِّيهَا رَبُّهَا حَوْلَ التَّعْرِيفِ أَوْ بَعْدَهُ، إذْ لَمَّا يَمْلِكُهَا الْمُلْتَقِطُ؟ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ فِي الْمَالِ الضَّالِّ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ اللُّقَطَةَ وَقُلْنَا: لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ حَتَّى يَخْتَارَ بِهَا الضَّمَانَ فَتَثْبُتُ حِينَئِذٍ فِي ذِمَّتِهِ كَدَيْنٍ تَجَدَّدَ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْمُلْتَقِطُ زَكَاتَهَا عَلَيْهِ مِنْهَا ثُمَّ أَخَذَهَا رَبُّهَا، رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أَخْرَجَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، إنْ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ رَبَّهَا زَكَاتُهَا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لِوُجُوبِهَا عَلَى الْمُلْتَقِطِ إذَنْ.
قَوْلُهُ ﴿وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ، إلَّا مَا اسْتَثْنَى، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكَاةَ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ يَمْنَعُ الدَّيْنُ الْحَالُّ خَاصَّةً، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَغَيْرِهِ.
стр. 1088
قَوْلُهُ (إلَّا فِي الْحُبُوبِ وَالْمَوَاشِي) ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَمْنَعُ أَيْضًا، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، قُلْت: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَمْنَعُ مَا اسْتَدَانَهُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَ ثَمَنُهُ، وَلَا يَمْنَعُ مَا اسْتَدَانَهُ لِمُؤْنَةِ نَفْسِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الْمَنْعِ: مَا لَزِمَهُ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ مِنْ أُجْرَةِ حَصَادٍ، وَكِرَاءِ أَرْضٍ وَنَحْوِهِ يَمْنَعُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَ: رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَحَكَى أَبُو الْبَرَكَاتِ رِوَايَةً: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ فِي الظَّاهِرِ مُطْلَقًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ أَجِدْ بِهَا نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يَمْنَعُ خَلَا الْمَاشِيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
فَوَائِدُ: الْأُولَى: فِي الْأَمْوَالِ: ظَاهِرَةً، وَبَاطِنَةً، فَالظَّاهِرَةُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْمَوَاشِي، وَكَذَا الثِّمَارُ، وَالْبَاطِنَةُ: كَالْأَثْمَانِ، وَقِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ: الْأَمْوَالُ الْبَاطِنَةُ: هِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَقَطْ. انْتَهَى. وَهَلْ الْمَعْدِنُ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، أَوْ الْبَاطِنَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: هُوَ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشِّيرَازِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
стр. 1089
الثَّانِي: هُوَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنِيَّةِ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْأَثْمَانِ، وَقِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ: السَّائِمَةُ وَالْحُبُوبُ، وَالثِّمَارُ، قَالَ فِي الْفَائِقِ وَالْمَنْعُ فِي الْمَعْدِنِ، وَقِيلَ: لَا.
الثَّانِيَةُ: لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ خُمُسَ الزَّكَاةِ بِلَا نِزَاعٍ. الثَّالِثَةُ: لَوْ تَعَلَّقَ بِعَبْدِ تِجَارَةٍ أَرْشُ جِنَايَةٍ: مَنَعَ الزَّكَاةَ فِي قِيمَتِهِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ جَبْرًا لَا مُوَاسَاةً، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ كَالدَّيْنِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي حَوَاشِيهِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ عَرَضُ قُنْيَةٍ يُبَاعُ لَوْ أَفْلَسَ بَقِيَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ جُعِلَ فِي مُقَابَلَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَزَكَّى مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، اعْتِبَارًا بِمَا فِيهِ الْحَظَّ لِلْمَسَاكِينِ، وَعَنْهُ يُفْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ مَا مَعَهُ وَلَا يُزَكِّيهِ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْحَوَاشِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْفَائِقِ، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ: مَا إذَا كَانَ بِيَدِهِ أَلْفٌ، وَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ عَلَى مَلِيءٍ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، فَإِنَّهُ يُزَكِّي مَا مَعَهُ عَلَى الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ هُنَا جَعَلَ الدَّيْنَ مُقَابِلًا لِمَا فِي يَدِهِ، وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالُوا: أَوْ قِيلَ مُقَابِلًا لِلدَّيْنِ. الْخَامِسَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ عَرَضُ تِجَارَةٍ بِقَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَمَعَهُ عَيْنٌ بِقَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُجْعَلُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَرَضِ، وَيُزَكِّي مَا مَعَهُ مِنْ الْعَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَأَبِي الْحَارِثِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَابْنُ تَمِيمٍ.
стр. 1090
وَقِيلَ: إنْ كَانَ فِيمَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ جِنْسَ الَّذِي جُعِلَ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً، وَتَابَعَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ الْأَحَظُّ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ مُطْلَقًا، فَمَنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ، قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ جَعَلَ الدَّنَانِيرَ قُبَالَةَ دَيْنِهِ، وَزَكَّى مَا مَعَهُ، وَمَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً وَعَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ، وَدَيْنُهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا: جَعَلَ قُبَالَةَ دَيْنِهِ الْغَنَمَ وَزَكَّى شَاتَيْنِ. السَّادِسَةُ: دَيْنُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، يَمْنَعُ الزَّكَاةَ بِقَدْرِهِ فِي مَالِهِ، دُونَ الضَّامِنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي.
السَّابِعَةُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَالِ الَّذِي حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي لِلْغُرَمَاءِ كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ تَشْبِيهًا لِلْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَنْعِ الْحِسِّيِّ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا بَعِيدٌ، بَلْ إلْحَاقُهُ بِمَالِ الدُّيُونِ أَقْرَبُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَالُ سَائِمَةً زَكَّاهَا، لِحُصُولِ النَّمَاءِ وَالنِّتَاجِ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ قَضَى الْحَاكِمُ دُيُونَهُ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ، فَهُوَ الَّذِي مَلَكَ نِصَابًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، قَالَ: وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ غَرِيمٍ بَعْضَ أَعْيَانِ مَالِهِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ، لِضَعْفِهِ بِتَسْلِيطِ الْحَاكِمِ لِغَرِيمِهِ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ. انْتَهَى. وَإِنْ حَجَر عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهَا، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ إنْ كَانَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِخْرَاجِ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي، وَابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَا يَمْلِكُ إخْرَاجَهَا مِنْ الْمَالِ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْأَوْلَى: أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ كَالرَّاهِنِ، وَهُمَا وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهَا، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالزَّكَاةِ، وَتَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، ذَكَرَهُ
следующие страницы →