← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21609

الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - ت الفقي

المرداوي

Полный текст (5 685 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ يَقْضِي عَنْ الْمَيِّتِ مَا تَعَذَّرَ فِعْلُهُ بِالْمَرَضِ دُونَ الْمُتَعَذِّرِ بِالْمَوْتِ، وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: وَأَمَّا الْمَنْذُورَاتُ: فَفِي اشْتِرَاطِ التَّمَكُّنِ لَهَا مِنْ الْأَدَاءِ وَجْهَانِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ: هَلْ يَقْضِي الصَّائِمُ الْفَائِتَ بِالْمَرَضِ خَاصَّةً، أَوْ الْفَائِتَ بِالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. الثَّانِي: هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ النَّذْرُ فِي الذِّمَّةِ، فَأَمَّا إنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَمَاتَ قَبْلَ دُخُولِهِ: لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يَقْضِ عَنْهُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهَذَا مَذْهَبُ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ سَقَطَ بَاقِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِمَرَضٍ حَتَّى انْقَضَى، ثُمَّ مَاتَ فِي مَرَضِهِ: فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ هَذِهِ أَحْكَامُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ نَذْرٍ، وَأَمَّا مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ مَنْذُورٌ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ وَلِيَّهُ يَفْعَلُهُ عَنْهُ، وَيَصِحُّ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَفِي الرِّعَايَةِ قَوْلُ لَا يَصِحُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْحَجِّ فِي حَيَاتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. وَهُوَ أَصَحُّ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي الْفَقِيرِ إذَا نَذَرَ الْحَجَّ، وَلَمْ يَمْلِكْ بَعْدَ النَّذْرِ زَادًا وَلَا رَاحِلَةً حَتَّى مَاتَ لَا يُقْضَى عَنْهُ، كَالْحَجِّ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَعَلَيْهِ قِيَاسُ كُلِّ صُورَةٍ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، كَاَلَّذِي يَمُوتُ قَبْلَ مَجِيءِ الْوَقْتِ، أَوْ عِنْدَ خَوْفِ الطَّرِيقِ، قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَةِ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَسَعَةِ الْوَقْتِ: هَلْ هُوَ فِي حَجَّةِ الْفَرْضِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ؟ . الثَّانِيَةُ: حُكْمُ الْعُمْرَةِ الْمَنْذُورَةِ حُكْمُ الْحَجِّ الْمَنْذُورِ إذَا مَاتَ وَهِيَ عَلَيْهِ.

стр. 1402

الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ. بِلَا نِزَاعٍ، وَبِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى التَّرِكَةِ. كَذَا لَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ فِي نَذْرٍ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةٍ، إذَا قُلْنَا: يَصِحُّ، ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالسَّبْعِينَ فِي ضِمْنِ تَعْلِيلِ الْقَاضِي، وَأَمَّا إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُفْعَلُ عَنْهُ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرُهُ: يَنْبَغِي لِأَهْلِهِ أَنْ يَعْتَكِفُوا عَنْهُ، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْتَكِفَ عَنْهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا أَنْ يُخْرَجَ عَنْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ. انْتَهَى. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ حَتَّى مَاتَ، فَالْخِلَافُ السَّابِقُ كَالصَّوْمِ، وَقِيلَ: يَقْضِي. وَقِيلَ: لَا، فَعَلَيْهِ يَسْقُطُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ كَمَا حَكَيْته فِي الْمَتْنِ هَكَذَا " وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، أَوْ حَجٌّ، أَوْ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ " فَلَفْظَةُ " مَنْذُورٌ " مُؤَخَّرَةٌ عَنْ الِاعْتِكَافِ، وَهَكَذَا فِي نُسَخٍ قُرِئَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ، فَغَيَّرَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْمُصَنِّفِ الْمَأْذُونُ لَهُ بِالْإِصْلَاحِ، فَقَالَ " وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مَنْذُورٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ اعْتِكَافٌ فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ " لِأَنَّ تَأْخِيرَ لَفْظَةِ " مَنْذُورٌ " لَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ: إمَّا أَنْ يُعِيدَهُ إلَى الثَّلَاثَةِ، أَوْ إلَى الْأَخِيرِ، وَهُوَ الِاعْتِكَافُ، وَعَلَى كِلَيْهِمَا يَحْصُلُ فِي الْكَلَامِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ إلَى الِاعْتِكَافِ فَقَطْ بَقِيَ الصَّوْمُ مُطْلَقًا. وَالْوَلِيُّ لَا يَفْعَلُ الْوَاجِبَ بِالشَّرْعِ مِنْ الصَّوْمِ، وَإِنْ عَادَ إلَى الثَّلَاثَةِ، بَقِيَ الْحَجُّ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ مَنْذُورًا، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَفْعَلُ الْحَجَّ الْوَاجِبَ بِالشَّرْعِ أَيْضًا، فَلِذَلِكَ غَيَّرَ.

стр. 1403

وَلَا يُقَالُ: إذَا قَدَّمْنَا لَفْظَةَ " مَنْذُورٌ " عَلَى الْحَجِّ وَالِاعْتِكَافِ، يَبْقَى الِاعْتِكَافُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ وَاجِبًا إلَّا بِالنَّذْرِ. قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى [صِفَةِ] مَا قَالَهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ أَوْلَى، وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ هُنَا النِّيَابَةُ فِي الْمَنْذُورَاتِ لَا غَيْرُ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الصَّلَاةَ الْمَنْذُورَةَ، وَالصَّوْمَ الْمَنْذُورَ، فَكَذَا الِاعْتِكَافُ وَالْحَجُّ، وَأَمَّا كَوْنُ الْحَجِّ إذَا كَانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ يُفْعَلُ: فَهَذَا مُسَلَّمٌ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، فَقَالَ: وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ: أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ غَالِبُ الْأَصْحَابِ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا، فَيَذْكُرُونَ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالِاعْتِكَافَ الْمَنْذُورَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمُحَرَّرِهِ، وَالشَّارِحُ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. إحْدَاهُمَا: يُفْعَلُ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ جَزَمَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي. قَالَ الْقَاضِي: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْخِرَقِيُّ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُفْعَلُ عَنْهُ. نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: وَهِيَ أَصَحُّ. قَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ: لَا يُفْعَلُ فِي الْأَشْهَرِ. قَالَ فِي نَظْمِ النِّهَايَةِ: لَا يُفْعَلُ فِي الْأَظْهَرِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِهَا.

стр. 1404

تَنْبِيهَاتٌ. أَحَدُهَا: قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يُطْلِقُ ذِكْرَ " الْوَارِثُ " هُنَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: هُوَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيُّ: هُوَ الْوَارِثُ مِنْ الْعَصَبَةِ. الثَّانِي: هَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا وَهُوَ الْقَضَاءُ إذَا كَانَ النَّاذِرُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْأَدَاءِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ كَذَلِكَ، فَلَا يُشْتَرَطُ التَّمَكُّنُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُفْعَلُ غَيْرُ مَا ذَكَرَ مِنْ الطَّاعَاتِ الْمَنْذُورَةِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْإِيضَاحِ: مَنْ نَذَرَ طَاعَةً فَمَاتَ فُعِلَتْ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ: صَامَ عَنْهُ وَرَثَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ وَطَاعَةٍ، وَكَذَا قَالَ فِي الْعُمْدَةِ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَصِحُّ أَنْ يُفْعَلَ عَنْهُ كُلُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ نَذْرٍ وَطَاعَةٍ إلَّا الصَّلَاةَ، فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: قِصَّةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ نَذْرٍ يُقْضَى، كَذَا تَرْجَمَ عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ الْمُنْتَقَى: بِقَضَاءِ كُلِّ الْمَنْذُورَاتِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: لَا تُفْعَلُ طَهَارَةٌ مَنْذُورَةٌ عَنْهُ مَعَ لُزُومِهَا بِالنَّذْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي فِعْلِهَا عَنْ الْمَيِّتِ وَلُزُومِهَا بِالنَّذْرِ مَا سَبَقَ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْغَيْمِ: هَلْ هِيَ مَقْصُودَةٌ فِي نَفْسِهَا أَمْ لَا؟ مَعَ أَنَّ قِيَاسَ عَدَمِ فِعْلِ الْوَلِيِّ لَهَا: أَنْ لَا تُفْعَلَ بِالنَّذْرِ، وَإِنْ لَزِمَتْ الطَّهَارَةُ: لَزِمَ فِعْلُ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا بِهَا، كَنَذْرِ

стр. 1405

الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ، يَلْزَمُ تَحِيَّةُ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي النَّذْرِ. انْتَهَى. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الطَّوَافَ الْمَنْذُورَ كَالصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ. [بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ] ِ قَوْلُهُ (وَأَفْضَلُهُ صَوْمُ دَاوُد ﵇ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ مِنْ الْأَصْحَابِ يَسْرُدُ الصَّوْمَ، فَظَاهِرُ حَالِهِ: أَنَّ سَرْدَ الصَّوْمِ أَفْضَلُ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ صَوْمُ الدَّهْرِ إذَا دَخَلَ فِيهِ يَوْمَا الْعِيدَيْنِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، بَلْ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَبَّرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ بِالْكَرَاهَةِ، وَمُرَادُهُمَا: كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ أَفْطَرَ أَيَّامَ النَّهْيِ: جَازَ صَوْمُهُ، وَلَمْ يُكْرَهْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. نَقَلَ صَالِحٌ: إذَا أَفْطَرَهَا رَجَوْت أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ، وَاخْتَارَ الْكَرَاهَةَ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَثَرِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ جَعَلَهُ تَرْكًا لِلْأَوْلَى أَوْ كَرَاهَةً. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) . هَذَا بِلَا نِزَاعٍ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامَ الْبِيضِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَسُمِّيَتْ بَيْضَاءَ لِابْيِضَاضِهَا لَيْلًا بِالْقَمَرِ وَنَهَارًا بِالشَّمْسِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ.

стр. 1406

وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ فِي كِتَابِهِ " اللَّطِيفُ الَّذِي لَا يَسَعُ جَهْلُهُ " إنَّمَا سُمِّيَتْ بَيْضَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَابَ فِيهَا عَلَى آدَمَ، وَبَيَّضَ صَحِيفَتَهُ، وَهِيَ: الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْخَامِسَ عَشَرَ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ) . أَنَّ الْأَوْلَى: مُتَابَعَةُ السِّتِّ، إذْ الْمُتَابَعَةُ ظَاهِرُهَا التَّوَالِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: وَصَرَّحَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: حُصُولُ فَضِيلَتِهَا بِصَوْمِهَا مُتَتَابِعَةً وَمُتَفَرِّقَةً. ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبُ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ، وَالْمُحَرَّرُ، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَالْفَائِقُ وَغَيْرُهُمْ. هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِإِطْلَاقِهِمْ صَوْمًا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ فَرَّقَهَا جَازَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَآخِرِهِ. قَالَ فِي اللَّطَائِفِ: هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ التَّتَابُعَ، وَأَنْ يَكُونَ عَقِيبَ الْعِيدِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ حَصَلَتْ الْفَضِيلَةُ بِغَيْرِهِ، فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْفَضِيلَةَ لَا تَحْصُلُ بِصِيَامِ السِّتَّةِ فِي غَيْرِ شَوَّالٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَصَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ تَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ بِصَوْمِهَا فِي غَيْرِ شَوَّالٍ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ شَوَّالٍ فَفِيهِ نَظَرٌ.

стр. 1407

قُلْت: وَهَذَا ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِفَضِيلَةِ رَمَضَانَ لِكَوْنِهِ حَرِيمَهُ، لَا لِكَوْنِ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا؛ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهِ يُسَاوِي رَمَضَانَ فِي فَضِيلَةِ الْوَاجِبِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَيَتَوَجَّهُ تَحْصِيلُ فَضِيلَتِهَا لِمَنْ صَامَهَا، وَقَضَى رَمَضَانَ، وَقَدْ أَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ. قَالَ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ، وَمَا ظَاهِرُهُ خِلَافُهُ: خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ. انْتَهَى. قُلْت: وَهُوَ حَسَنٌ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَمَّا كَوْنُ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِسَنَتَيْنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ بَيْنَ شَهْرَيْنِ حَرَامَيْنِ: كَفَّرَ سَنَةً قَبْلَهُ وَسَنَةً بَعْدَهُ، وَالثَّانِي: إنَّمَا كَانَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ وُعِدَتْ فِي الْعَمَلِ بِأَجْرَيْنِ، وَإِنَّمَا كَفَّرَ عَاشُورَاءُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ؛ لِأَنَّهُ تَبِعَهَا وَجَاءَ بَعْدَهَا، وَالتَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ إنَّمَا يَكُونُ لِمَا مَضَى لَا لِمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَفِطْرُهُ أَفْضَلُ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ إلَّا لِمَنْ يُضَعِّفُهُ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلَهُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ صِيَامُهُ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إذَا عَدِمَ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ الْهَدْيَ، فَإِنَّهُ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ. عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ. تَنْبِيهٌ: عَدَمُ اسْتِحْبَابِ صَوْمِهِ لِتَقَوِّيهِ عَلَى الدُّعَاءِ. قَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَعَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ.

стр. 1408

فَائِدَتَانِ. الْأُولَى: سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِيهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ حَجَّ بِإِبْرَاهِيمَ ﵊، فَلَمَّا أَتَى عَرَفَةَ، قَالَ: عَرَفْت؟ قَالَ: عَرَفْت. وَقِيلَ: لِتَعَارُفِ حَوَّاءَ وَآدَمَ بِهَا. الثَّانِيَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ لَيْسَ كَيَوْمِ عَرَفَةَ فِي عَدَمِ الصَّوْمِ، وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْحَاجِّ الْفِطْرُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ بِهِمَا. انْتَهَى، وَسُمِّيَ " يَوْمُ التَّرْوِيَةِ " لِأَنَّ عَرَفَةَ لَمْ يَكُنْ بِهَا مَاءٌ، وَكَانُوا يَرْتَوُونَ مِنْ الْمَاءِ إلَيْهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ رَأَى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ الْأَمْرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ فَأَصْبَحَ يَتَرَوَّى: هَلْ هُوَ مِنْ اللَّهِ، أَوْ حُلْمٌ؟ فَلَمَّا رَآهُ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ عَرَفَ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ. قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) . بِلَا نِزَاعٍ، وَأَفْضَلُهُ: يَوْمُ التَّاسِعِ، وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ. ثُمَّ يَوْمُ الثَّامِنِ، وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ: وَآكَدُ الْعَشْرِ: الثَّامِنُ، ثُمَّ التَّاسِعُ. قُلْت: وَهُوَ خَطَأٌ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: آكَدُهُ الثَّامِنُ ثُمَّ التَّاسِعُ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ: آكَدُهُ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَعَرَفَةَ. قَوْلُهُ (وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ) ، قَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ: جَوْفُ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لَمْ يَلْتَزِمْ الصَّوْمَ فِيهِ لِعُذْرٍ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إلَّا أَخِيرًا. انْتَهَى. وَحَمَلَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي لَطَائِفِهِ عَلَى أَنَّ صِيَامَهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ بِالصِّيَامِ

стр. 1409

بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ: جَوْفُ اللَّيْلِ» قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّوَاتِبَ أَفْضَلُ، فَمُرَادُهُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ: فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَالتَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، وَقَالَ: صَوْمُ شَعْبَانَ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ كَالرَّاتِبَةِ مَعَ الْفَرَائِضِ. قَالَ: فَظَهَرَ أَنَّ فَضْلَ التَّطَوُّعِ مَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ رَمَضَانَ، قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مُلْتَحِقٌ بِصِيَامِ رَمَضَانَ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. فَوَائِدُ الْأُولَى: أَفْضَلُ الْمُحَرَّمِ: الْيَوْمُ الْعَاشِرُ، وَهُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ. ثُمَّ التَّاسِعُ، وَهُوَ تَاسُوعَاءُ. ثُمَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ. الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْعَاشِرِ بِالصِّيَامِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ أَمَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِصَوْمِهَا، وَوَافَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَقَالَ: مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُكْرَهُ. الثَّالِثَةُ: لَمْ يَجِبْ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. مِنْهُمْ: الْقَاضِي. قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا. ثُمَّ نُسِخَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي تَحْرِيمِ إفْرَادِهِ وَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَرَاهَةِ أَحْمَدَ. تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إفْرَادُ غَيْرِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ. وَهُوَ صَحِيحٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

стр. 1410

فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَجَبٍ، وَلَوْ يَوْمًا، أَوْ بِصَوْمِ شَهْرٍ آخَرَ مِنْ السَّنَةِ. قَالَ فِي الْمَجْدِ: وَإِنْ لَمْ يَلِهِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ اسْتِحْبَابَ صَوْمِ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ. وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ: يُسْتَحَبُّ صَوْمُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَشَعْبَانَ كُلِّهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَالَ: آكَدُ شَعْبَانَ يَوْمُ النِّصْفِ، وَاسْتَحَبَّ الْآجُرِّيُّ صَوْمَ شَعْبَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ نِزَاعٌ. قِيلَ: يُسْتَحَبُّ صَوْمُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ. يُفْطِرُ نَاذِرُهُمَا بَعْضَ رَجَبٍ. قَوْلُهُ (وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) . يَعْنِي يُكْرَهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَتَعَهَّدَهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ وَجْهًا. قَوْلُهُ (وَيَوْمِ السَّبْتِ) . يَعْنِي يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ صِيَامُهُ مُفْرَدًا، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّهُ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَثْرَمُ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ شَاذٌّ، أَوْ مَنْسُوخٌ، وَقَالَ: هَذِهِ طَرِيقَةُ قُدَمَاءِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الَّذِينَ صَحِبُوهُ كَالْأَثْرَمِ، وَأَبِي دَاوُد، وَأَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْأَخْذَ بِالْحَدِيثِ. انْتَهَى. وَلَمْ يَذْكُرْ الْآجُرِّيُّ كَرَاهَةً غَيْرَ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَظَاهِرُهُ لَا يُكْرَهُ غَيْرُهُ.

стр. 1411

قَوْلُهُ (وَيَوْمِ الشَّكِّ) . يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ صَوْمُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الشَّكِّ، فَتَارَةً يَصُومُهُ لِكَوْنِهِ وَافَقَ عَادَتَهُ، وَتَارَةً يَصُومُهُ مَوْصُولًا قَبْلَهُ، وَتَارَةً يَصُومُهُ عَنْ قَضَاءِ فَرْضٍ، وَتَارَةً يَصُومُهُ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُطْلَقٍ، وَتَارَةً يَصُومُهُ بِنِيَّةِ الرَّمَضَانِيَّةِ احْتِيَاطًا. وَتَارَةً يَصُومُهُ تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، فَهَذِهِ سِتُّ مَسَائِلَ. إحْدَاهَا: إذَا وَافَقَ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ عَادَتَهُ، فَهَذَا لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ، وَقَدْ اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي كَلَامِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: إذَا صَامَهُ مَوْصُولًا بِمَا قَبْلَهُ مِنْ الصَّوْمِ، فَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا بِمَا قَبْلَ النِّصْفِ فَلَا يُكْرَهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ وَصَلَهُ بِمَا بَعْدَ النِّصْفِ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَمَبْنَاهُمَا عَلَى جَوَازِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ بَعْدَ النِّصْفِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَمَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ إلَى تَحْرِيمِ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. الثَّالِثَةُ: إذَا صَامَهُ عَنْ قَضَاءِ فَرْضٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ صَوْمُهُ قَضَاءً، جَزَمَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ فِي الْإِيضَاحِ، وَابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ، وَصَاحِبُ الْوَسِيلَةِ فِيهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ طَرْدُهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ لِلشَّكِّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. الرَّابِعَةُ: إذَا وَافَقَ نَذْرٌ مُعَيَّنٌ يَوْمَ الشَّكِّ، أَوْ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا: لَمْ يُكْرَهْ صَوْمُهُ قَوْلًا وَاحِدًا.

стр. 1412

الْخَامِسَةُ: إذَا صَامَهُ بِنِيَّةِ الرَّمَضَانِيَّةِ احْتِيَاطًا: كُرِهَ صَوْمُهُ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. السَّادِسَةُ: إذَا صَامَهُ تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا. قَالَ فِي الْكَافِي: قَالَهُ أَصْحَابُنَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، وَقِيلَ: يَحْرُمُ صَوْمُهُ، فَلَا يَصِحُّ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي، وَمَالَ إلَيْهِ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي عِبَادَاتِهِ الْخَمْسِ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ، وَمَالَ إلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الرِّعَايَةِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ. حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. السَّابِعَةُ: يَوْمُ الشَّكِّ هُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَلَمْ يَتَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ. قَالَ الْقَاضِي: أَوْ كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ، وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ صَوْمُهُ. قَوْلُهُ (وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ) يَعْنِي يُكْرَهُ صَوْمُهُمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُعَظِّمُونَهُمَا بِالصَّوْمِ، فَوَائِدُ. مِنْهَا: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَجْدُ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا: وَعَلَى قِيَاسِ كَرَاهَةِ صَوْمِهِمَا كُلُّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ، أَوْ يَوْمٌ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَجُوزُ صَوْمُ أَعْيَادِهِمْ.

стр. 1413

وَمِنْهَا: النَّيْرُوزُ وَالْمِهْرَجَانُ عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّيْرُوزُ الشَّهْرُ الثَّالِثُ مِنْ الرَّبِيعِ، وَالْمِهْرَجَانُ: الْيَوْمُ السَّابِعُ مِنْ الْخَرِيفِ، وَمِنْهَا: يُكْرَهُ الْوِصَالُ وَهُوَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي، وَأَوْمَأَ إلَى إبَاحَتِهِ لِمَنْ يُطِيقُهُ، وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِأَكْلِ تَمْرَةٍ وَنَحْوِهَا. كَذَا بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ عَلَى ظَاهِرِ مَا رَوَاهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ، وَلَا يُكْرَهُ الْوِصَالُ إلَى السَّحَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ تَرْكُ الْأَوْلَى، وَهُوَ تَعْجِيلُهُ الْفِطْرَ، وَمِنْهَا: هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ صَوْمُ فَرْضٍ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ قَبْلَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. إحْدَاهُمَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، وَيَصِحُّ، قَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ فَهَلْ: يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، أَمْ لَا يُكْرَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَتَابَعَهُ فِي

стр. 1414

الْفُرُوعِ، وَقَالَ: هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا أَقْوَى عِنْدِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لِأَنَّا إذَا حَرَّمْنَا التَّطَوُّعَ قَبْلَ الْفَرْضِ كَانَ أَبْلَغَ مِنْ الْكَرَاهَةِ، فَلَا تَصِحُّ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَلَنَا طَرِيقَةٌ أُخْرَى، قَالَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَهِيَ إنْ قُلْنَا: بِعَدَمِ جَوَازِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ صَوْمِ الْفَرْضِ: لَمْ يُكْرَهْ الْقَضَاءُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ: كُرِهَ الْقَضَاءُ فِيهَا، لِتَوْفِيرِهَا عَلَى التَّطَوُّعِ لِبَيَانِ فَضْلِهِ فِيهَا مَعَ فَضْلِ الْقَضَاءِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَيُبَاحُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَقَالَ فِي الْكُبْرَى أَيْضًا: وَيَحْرُمُ نَفْلُ الصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ فَرْضِهِ لِحُرْمَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ. فَائِدَةٌ: لَوْ اجْتَمَعَ مَا فُرِضَ شَرْعًا وَنُذِرَ: بُدِئَ بِالْمَفْرُوضِ شَرْعًا، إنْ كَانَ لَا يُخَافُ فَوْتُ الْمَنْذُورِ، وَإِنْ خِيفَ فَوْتُهُ بُدِئَ بِهِ، وَيُبْدَأُ بِالْقَضَاءِ أَيْضًا إنْ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ، وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهُمَا كَانَ عَاصِيًا، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ فَرْضٍ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ عَنْ فَرْضٍ، وَلَا نَفْلٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، وَعَنْهُ يَصِحُّ عَنْ فَرْضٍ. نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَفِي الْوَاضِحِ رِوَايَةٌ: يَصِحُّ عَنْ نَذْرِهِ الْمُعَيَّنِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا) بِلَا نِزَاعٍ (وَفِي صَوْمِهَا عَنْ الْفَرْضِ رِوَايَتَانِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ،

стр. 1415

وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى هُنَا، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي. قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، وَقَدَّمَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا أَحْمَدُ أَخِيرًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ صَوْمِ النَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازَ صَوْمِهَا عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ خَاصَّةً، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: خَصَّ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْخِلَافَ بِدَمِ الْمُتْعَةِ. وَكَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ: تَخْصِيصُ الرِّوَايَةِ بِصَوْمِ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعُمْدَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَنَهَى عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، إلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، قُلْت: وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ: أَنَّهَا تُصَامُ عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ إذَا عَدِمَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ فِي بَابِ أَقْسَامِ النُّسُكِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي آخِرِ بَابِ الْإِحْرَامِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ وَالنَّاظِمُ. قَوْلُهُ (وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ: اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُ وَلَمْ يَجِبْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْ أَحْمَدَ يَجِبُ إتْمَامُ الصَّوْمِ. وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِي الصَّوْمِ: إنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ أَعَادَ. قَالَ الْقَاضِي: أَيْ نَذْرَهُ. وَخَالَفَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّفْلِ. وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ حَنْبَلٌ، وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ نَقَلُوا عَنْهُ لَا يَقْضِي، وَفِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: رِوَايَةٌ فِي الصَّوْمِ لَا يَقْضِي الْمَعْذُورُ.

стр. 1416

وَعَنْهُ يَلْزَمُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ. بِخِلَافِ الصَّوْمِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَالْمَجْدُ: مَالَ إلَى ذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، وَقَالَ: الصَّلَاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ كَالْحَجِّ. قَالَ الْمَجْدُ: وَالرِّوَايَةُ الَّتِي حَكَاهَا ابْنُ الْبَنَّا فِي الصَّوْمِ: تَدُلُّ عَلَى عَكْسِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وَعَلَّلَ رِوَايَةَ لُزُومِهِ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ الْعُظْمَى، فَلَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ، كَالْحَجِّ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: التَّسْوِيَةُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَفْسَدَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) . هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ خُرُوجُهُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ خُرُوجُهُ، يَتَوَجَّهُ لَا يُكْرَهُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَإِلَّا كُرِهَ فِي الْأَصَحِّ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: هَلْ يُفْطِرُ لِضَيْفِهِ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَصَائِمٍ دُعِيَ يَعْنِي إلَى وَلِيمَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ فِي الِاعْتِكَافِ: يُكْرَهُ تَرْكُهُ بِلَا عُذْرٍ. الثَّانِيَةُ: لَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ سِوَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَسَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ، مِنْ الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِمَا: كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقِيلَ: الِاعْتِكَافُ كَالصَّوْمِ عَلَى الْخِلَافِ يَعْنِي: إذَا دَخَلَ فِي الِاعْتِكَافِ وَقَدْ نَوَاهُ مُدَّةً لَزِمَتْهُ، وَيَقْضِيهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا، وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ وَالْمَجْدُ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ادِّعَائِهِ الْإِجْمَاعَ. الثَّالِثَةُ: لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ، وَشَرَعَ فِي الصَّدَقَةِ بِهِ، فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ إجْمَاعًا. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ تَطَوُّعٍ قَائِمًا لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهَا قَائِمًا. بِلَا خِلَافٍ فِي الْمُذْهَبِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَحْكَامِ، إلَّا فِيمَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَالصَّلَاةِ هُنَا. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إنْ نَوَى طَوَافَ شَوْطٍ أَوْ شَوْطَيْنِ أَجْزَأَ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ تَمَامُ الْأُسْبُوعِ كَالصَّلَاةِ

стр. 1417

الرَّابِعَةُ: لَا تَلْزَمُ الصَّدَقَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالْأَذْكَارُ بِالشُّرُوعِ، وَأَمَّا نَفْلُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: فَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي آخِرِ بَابِ الْفِدْيَةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ ". الْخَامِسَةُ: لَوْ دَخَلَ فِي وَاجِبٍ مُوَسَّعٍ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ كُلِّهِ قَبْلَ رَمَضَانَ، وَالْمَكْتُوبَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، وَكَفَّارَةٍ إنْ قُلْنَا: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا حَرُمَ خُرُوجُهُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَلَوْ خَالَفَ وَخَرَجَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يُكَفِّرُ إنْ أَفْسَدَ قَضَاءَ رَمَضَانَ. قَوْلُهُ (وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ وَالْهَادِي، وَقَالَ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي: تُطْلَبُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ. قَالَ الشَّارِحُ: يُسْتَحَبُّ طَلَبُهَا فِي جَمِيعِ لَيَالِي رَمَضَانَ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ آكَدُ، وَفِي لَيَالِي الْوَتْرِ آكَدُ. انْتَهَى، قُلْت: يَحْتَمِلُ أَنْ تُطْلَبَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُ؛ لِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، خُصُوصًا لَيْلَةَ سَبْعَةَ عَشَرَ. لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ. قَوْلُهُ (وَلَيَالِي الْوَتْرِ آكَدُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّ كُلَّ الْعَشْرِ سَوَاءٌ. فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْوَتْرُ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي، فَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ إلَى آخِرِهِ، وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْبَاقِي. لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «لِتَاسِعَةٍ تَبْقَى» فَإِذَا كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ يَكُونُ ذَلِكَ لَيَالِيَ لِأَشْفَاعٍ، فَلَيْلَةُ الثَّانِيَةِ: تَاسِعَةٌ تَبْقَى، وَلَيْلَةُ الرَّابِعَةِ: سَابِعَةٌ تَبْقَى. كَمَا فَسَّرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَلِمَنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا: كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي كَالتَّارِيخِ بِالْمَاضِي

стр. 1418

قَوْلُهُ (وَأَرْجَاهَا: لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: وَأَرْجَاهَا الْوَتْرُ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقِيلَ: أَرْجَاهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَقَالَ فِي الْكَافِي أَيْضًا: وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي لَيَالِي الْوَتْرِ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي أَفْرَادِ الْعَشْرِ، فَإِذَا اتَّفَقَتْ لَيَالِي الْجَمْعِ فِي الْأَفْرَادِ: فَأَجْدَرُ وَأَخْلَقُ أَنْ تَكُونَ فِيهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرَةِ. وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: ظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَعَلَى هَذَا: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ مُضِيِّ لَيْلَةِ أَوَّلِ الْعَشْرِ: وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ. وَإِنْ مَضَى مِنْهُ لَيْلَةٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي لَيْلَةِ حَلِفِهِ فِيهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا إنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ: إنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ. وَإِنْ كَانَ مَضَى مِنْهُ لَيْلَةٌ: وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. قَالَ الْمَجْدُ: وَيَتَخَرَّجُ حُكْمُ الْعِتْقِ وَالْيَمِينِ عَلَى مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ. قُلْت: هُوَ الصَّوَابُ قُلْت: تَلَخَّصَ لَنَا فِي الْمَذْهَبِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْحَافِظُ النَّاقِدُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِلْعُلَمَاءِ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ قَوْلًا، وَذَكَرَ أَدِلَّةَ كُلِّ قَوْلٍ. أَحْبَبْت أَنْ أَذْكُرَهَا هُنَا مُلَخَّصَةً فَأَقُولُ: قِيلَ: وَقَعَتْ خَاصَّةً بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَتْ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ خَاصَّةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ مُمْكِنَةٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ تَنْتَقِلُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ لَيْلَةُ النِّصْفِ

стр. 1419

مِنْ شَعْبَانَ مُخْتَصَّةٌ بِرَمَضَانَ مُمْكِنَةٌ فِي جَمِيعِ لَيَالِيِهِ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْهُ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْهُ لَيْلَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ قُلْت: أَوْ إنْ كَانَتْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ. ذَكَرَهُ فِي اللَّطَائِفِ. ثَمَانِ عَشْرَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ حَادِي عِشْرِينَ ثَانِي عِشْرِينَ ثَالِثُ عِشْرِينَ رَابِعُ عِشْرِينَ خَامِسُ عِشْرِينَ سَادِسُ عِشْرِينَ سَابِعُ عِشْرِينَ ثَامِنُ عِشْرِينَ تَاسِعُ عِشْرِينَ ثَلَاثِينَ أَرْجَاهَا لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ تَنْتَقِلُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ كُلِّهِ فِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِثْلُهُ بِزِيَادَةِ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَهَلْ هِيَ اللَّيَالِي السَّبْعُ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ؟ أَوْ فِي آخِرِ سَبْعٍ مِنْ الشَّهْرِ؟ مُنْحَصِرَةٌ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ فِي أَشْفَاعِ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ وَالْعَشْرُ الْأَخِيرُ مُبْهَمَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ أَوْ آخِرُ لَيْلَةٍ أَوْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ أَوْ تَاسِعُ لَيْلَةٍ أَوْ سَابِعَ عَشْرَةَ أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ آخِرُ لَيْلَةٍ فِي سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي لَيْلَةُ سِتَّ عَشْرَةَ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ الثَّالِثَةُ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ أَوْ الْخَامِسَةُ مِنْهُ، وَزِدْنَا قَوْلًا عَلَى ذَلِكَ. فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: لَوْ نَذَرَ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَامَ الْعَشْرَ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ نَذَرَهُ فِي أَثْنَاءِ الْعَشْرِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّلَاقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فِي النُّذُورِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُسَنُّ أَنْ يَنَامَ مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ، نَصَّ عَلَيْهِ

стр. 1420

الثَّالِثَةُ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ إجْمَاعًا. وَعَنْهُ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ. ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ ابْنِ بَطَّةَ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْجَوْزِيِّ، وَأَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ إجْمَاعًا، وَقَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ. كَذَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَكِيمٍ: أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ. قَالَ: وَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ: أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى اخْتِيَارِ شَيْخِنَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ: يَوْمُ الْقَرِّ الَّذِي يَلِيهِ. قَالَ فِي الْغُنْيَةِ: إنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنْ الْأَيَّامِ أَرْبَعَةً: الْفِطْرَ، وَالْأَضْحَى، وَعَرَفَةَ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَاخْتَارَ مِنْهَا: يَوْمَ عَرَفَةَ، وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لِلْحُسَيْنِ الشَّهَادَةَ فِي أَشْرَفِ الْأَيَّامِ، وَأَعْظَمِهَا وَأَجَلِّهَا، وَأَرْفَعِهَا عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً. الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ، عَلَى ظَاهِرِ مَا فِي الْعُمْدَةِ وَغَيْرِهَا. وَسَبَقَ كَلَامُ شَيْخِنَا فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: قَدْ يُقَالُ ذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ: لَيَالِي عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ وَأَيَّامُ ذَلِكَ أَفْضَلُ. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِوُجُوهٍ، وَذَكَرَهَا. الْخَامِسَةُ: رَمَضَانُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ فِيمَنْ زَالَ عُذْرُهُ، وَذَكَرُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ فِيهِ أَفْضَلُ، وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: إنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنْ الشُّهُورِ أَرْبَعَةً: رَجَبٌ، وَشَعْبَانُ، وَرَمَضَانُ

стр. 1421

وَالْمُحَرَّمُ، وَاخْتَارَ مِنْهَا. شَعْبَانَ وَجَعَلَهُ شَهْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَمَا أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ فَشَهْرُهُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ الْقَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] إنَّمَا سَمَّاهَا حُرُمًا لِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهَا؛ وَلِتَعْظِيمِ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ تَعْظِيمِهِ فِي غَيْرِهَا. كَذَلِكَ تَعْظِيمُ الطَّاعَاتِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مَعْنَاهُ. [كِتَابُ الِاعْتِكَافِ] ِ تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَهُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى) . يَعْنِي عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، مِنْ مُسْلِمٍ طَاهِرٍ مِمَّا يُوجِبُ غُسْلًا. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَهُوَ سُنَّةٌ، إلَّا أَنْ يَنْذُرَهُ فَيَجِبُ) . بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ عَلَّقَهُ أَوْ قَيَّدَهُ بِشَرْطٍ فَلَهُ شَرْطٌ، وَآكَدُهُ عَشْرُ رَمَضَانَ الْأَخِيرُ. وَلَمْ يُفَرِّقْ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الْبَعِيدِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَعْتَكِفُ بِالثَّغْرِ؛ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ عَنْ الثَّغْرِ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَيَجِبُ تَعْيِينُ الْمَنْذُورِ بِالنِّيَّةِ لِيَتَمَيَّزَ، وَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ فَقِيلَ يَبْطُلُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، إلْحَاقًا لَهُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِتَعَلُّقِهِ بِمَكَانٍ كَالْحَجِّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ. وَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَمَجْنُونٍ، وَطِفْلٍ، وَلَا يَبْطُلُ بِإِغْمَاءٍ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، قَدَّمَهُ فِي نَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ

стр. 1422

فَعَلَى الْمَذْهَبِ: أَقَلُّهُ إذَا كَانَ تَطَوُّعًا، أَوْ نَذْرًا مُطْلَقًا مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَحْظَةً، وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَقَلُّهُ سَاعَةٌ، لَا لَحْظَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَغَيْرِهِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي أَيَّامِ النَّهْيِ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا، وَعَلَيْهِ أَيْضًا: لَوْ صَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ عَمْدًا لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يَصِحُّ فِي لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (وَلَا بَعْضَ يَوْمٍ) أَنَّ مُرَادَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ صَائِمٍ، فَأَمَّا إنْ صَائِمًا فَيَصِحُّ فِي بَعْضِ يَوْمٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ. قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْإِفَادَاتِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى إطْلَاقِهِ، فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ بَعْضَ يَوْمٍ، وَلَوْ كَانَ صَائِمًا، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَكَلَامُهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ: كَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ لَا يَصِحُّ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ إذَا اشْتَرَطْنَا الصَّوْمَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إذَا نَذَرَ اعْتِكَافًا وَأَطْلَقَ، يَلْزَمُهُ يَوْمٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَمُرَادُهُمْ: إذَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا. انْتَهَى. قُلْت: قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ شَرَطَ النَّاذِرُ صَوْمًا فَيَوْمٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: قُلْت: بَلْ مُسَمَّاهُ مِنْ صَائِمٍ. انْتَهَى

стр. 1423

وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا: لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي أَيَّامِ النَّهْيِ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا، وَاعْتِكَافُهَا نَذْرًا وَنَفْلًا كَصَوْمِهَا نَذْرًا وَنَفْلًا، فَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ يَوْمُ الْعِيدِ فِي أَثْنَاءِ اعْتِكَافٍ مُتَتَابِعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ، فَالْأَوْلَى: أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ، وَيَجُوزُ خُرُوجُهُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى إنْ شَاءَ وَإِلَى أَهْلِهِ، وَعَلَيْهِ حُرْمَةُ الْعُكُوفِ. ثُمَّ يَعُودُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِهِ لِتَمَامِ أَيَّامِهِ. فَوَائِدُ. الْأُولَى: عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ لَهُ، مَا لَمْ يَنْذُرْهُ. بَلْ يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ، سَوَاءٌ كَانَ فَرْضَ رَمَضَانَ، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ نَذْرًا، أَوْ تَطَوُّعًا. الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ رَمَضَانَ فَفَاتَهُ: لَزِمَهُ شَهْرٌ غَيْرُهُ بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ هَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمٌ؟ قَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى. ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: إنْ شَرَطْنَاهُ فِيهِ لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَ اللُّزُومَ وَعَدَمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَأَمَّا إذَا شَرَطَ فِيهِ الصَّوْمَ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ رَمَضَانُ آخَرُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا: لَا يُجْزِئُهُ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي خِلَافًا فِي نَذْرِ الِاعْتِكَافِ الْمُطْلَقِ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا خِلَافُ نَصِّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ أَقْرَبُ إلَى الْتِزَامِ الصَّوْمِ، فَهُوَ أَوْلَى. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْقَوْلُ بِهِ فِي الْمُطْلَقِ مُتَعَيِّنٌ. الثَّالِثَةُ: لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ فَفَاتَهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ

стр. 1424

الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ خَارِجَ رَمَضَانَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ؛ وَلِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ تَعْيِينِ الْعَشْرِ: تَعْيِينُ رَمَضَانَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى لَيْلَةٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا، أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا: لَزِمَاهُ مَعًا، فَلَوْ فَرَّقَهُمَا أَوْ اعْتَكَفَ وَصَامَ فَرْضَ رَمَضَانَ وَنَحْوَهُ: لَمْ يُجْزِهِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ، لَا الْجَمْعُ، فَلَهُ فِعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا. فَالْوَجْهَانِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَهُ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا، أَوْ يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا: لَمْ يَلْزَمْهُ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ شِعَارِ الِاعْتِكَافِ، وَلَيْسَ الِاعْتِكَافُ مِنْ شِعَارِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، أَوْ يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا: صَحَّا بِدُونِهِ وَلَزِمَاهُ، دُونَ الِاعْتِكَافِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ مَعَ الصَّوْمِ فَقَطْ. انْتَهَى. وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا: فَالْوَجْهَانِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: لَا يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ هُنَا؛ لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً وَيَقْرَأَ فِيهَا سُورَةً بِعَيْنِهَا: لَزِمَهُ الْجَمْعُ، فَلَوْ قَرَأَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِهِ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ لِلْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَلَا لِلْعَبْدِ

стр. 1425

بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) بِلَا نِزَاعٍ (وَإِنْ شَرَعَا فِيهِ بِغَيْرِ إذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُمَا لَا يُمْنَعَانِ مِنْ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، كَرِوَايَةٍ فِي الْمَرْأَةِ فِي صَوْمٍ وَحَجٍّ مَنْدُوبَيْنِ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالتَّعْلِيقِ، وَنَصَرَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَالْعَبْدُ يَصُومُ النَّذْرَ. قَالَ الْمَجْدُ: وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ: مَنْعُهُمَا وَتَحْلِيلُهُمَا مِنْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، كَوَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا فِي صَوْمٍ وَحَجٍّ مَنْذُورٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمَا تَحْلِيلَهَا إذَا أَذِنَا لَهُمَا فِي النَّذْرِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ قَالَ الْمَجْدُ: وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ رَابِعٌ: مَنْعُهُمَا وَتَحْلِيلُهُمَا، إلَّا مِنْ مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، كَوَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا فِي سُقُوطِ نَفَقَتِهِمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ إنْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَكَالْمَنْذُورِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ لَمْ يُحَلِّلَاهُمَا صَحَّ وَأَجْزَأَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ ابْنُ الْبَنَّا: يَقَعُ بَاطِلًا لِتَحْرِيمِهِ، كَصَلَاةٍ فِي مَغْصُوبٍ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَذَكَرَهُ نَصُّ أَحْمَدَ فِي الْعَبْدِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إنْ كَانَ تَطَوُّعًا، وَإِلَّا فَلَا) إذَا أَذِنَا لَهُمَا، فَتَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا، وَتَارَةً يَكُونُ تَطَوُّعًا، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا، فَتَارَةً يَكُونُ نَذْرًا مُعَيَّنًا، وَتَارَةً يَكُونُ مُطْلَقًا: فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا: لَمْ يَكُنْ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا بِلَا نِزَاعٍ. وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا: فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُمَا لَيْسَ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْمَنْعُ كَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ كَنَذْرِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ قَالَ فِيهَا: إنْ شِئْت مُتَفَرِّقَةً، أَوْ مُتَتَابِعَةً

стр. 1426

إذَا أَذِنَ لَهُمَا ذَلِكَ: يَجُوزُ تَحْلِيلُهُمَا مِنْهُ عِنْدَ مُنْتَهَى كُلِّ يَوْمٍ، لِجَوَازِ الْخُرُوجِ لَهُ مِنْهُ إذَنْ كَالتَّطَوُّعِ. قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا. لَكِنَّ تَعْلِيلَهُمْ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْت. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا فِي غَيْرِ نَذْرٍ، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ أَذِنَا لَهُمَا ثُمَّ رَجَعَا قَبْلَ الشُّرُوعِ جَازَ إجْمَاعًا. الثَّانِيَةُ: حُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ حُكْمُ الْعَبْدِ فِيمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَوْلُهُ (وَيَحُجَّ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) . يَعْنِي لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَحُجَّ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى [وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَسْتَحِقُّ مَنَافِعَهُ، وَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى الْكَسْبِ، وَإِنَّمَا لَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، فَهُوَ كَالْحُرِّ الْمَدِينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ هُنَا] قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى [وَالنَّظْمِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ هُنَا] مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ. انْتَهَوْا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ إنْفَاقِهِ هُنَا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا قَدْ جَمَعَهُ مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَهُ الْحَجُّ مِنْ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ، مَا لَمْ يَأْتِ نَجْمُهُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ عَلَى إذْنِهِ لَهُ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُكَاتَبِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا

стр. 1427

فَائِدَةٌ: يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَأَطْلَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَعَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ فِعْلُ صَلَاةٍ وَهُوَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ أَوَّلًا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ فِعْلُ صَلَاةٍ: فَهَذَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، سَوَاءٌ جُمِّعَ فِيهِ أَوْ لَا، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ فِعْلُ صَلَاةٍ لَمْ تَصِحَّ إلَّا فِي مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ أَيْ يُصَلَّى فِيهِ الْجَمَاعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ شَرْطِيَّتِهَا. أَمَّا إنْ قُلْنَا: إنَّهَا سُنَّةٌ، فَيَصِحُّ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَاشْتِرَاطُ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ مِنْ الرَّجُلِ مُطْلَقًا إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. قَوْلُهُ (إلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَمَسْجِدُ بَيْتِهَا لَيْسَ مَسْجِدًا، لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَالْخِرَقِيِّ. كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ. فَوَائِدُ. إحْدَاهُمَا: رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ

стр. 1428

قَالَ الْحَارِثِيُّ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ أَنَّهَا مِنْهُ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي مَوْضِعٍ، فَقَالَا: وَرَحْبَةُ الْمَسْجِدِ كَهُوَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَجَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ، فَقَالَ: إنْ كَانَتْ مَحُوطَةً فَهِيَ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْمَجْدُ: وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْجَمْعِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ أَذَانَ الْعَصْرِ وَهُوَ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ انْصَرَفَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَقَالَ: لَيْسَ [هُوَ] بِمَنْزِلَةِ الْمَسْجِدِ. هَذَا الْمَسْجِدُ: هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ حَائِطٌ وَبَابٌ، وَقُدِّمَ هَذَا الْجَمْعُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ، وَقَدَّمَهُ أَيْضًا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَوْضِعٍ. وَالْآدَابِ الْكُبْرَى. الثَّانِيَةُ: الْمَنَارَةُ الَّتِي لِلْمَسْجِدِ إنْ كَانَتْ فِيهِ أَوْ بَابُهَا فِيهِ فَهِيَ مِنْ الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ مَنْعِ جُنُبٍ، وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجًا مِنْهُ، بِحَيْثُ لَا يَسْتَطْرِقُ إلَيْهَا إلَّا خَارِجَ الْمَسْجِدِ، أَوْ كَانَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهُ. كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَخَرَجَ لِلْأَذَانِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مَشَى حَيْثُ يَمْشِي لِأَمْرٍ مِنْهُ بُدٌّ كَخُرُوجِهِ إلَيْهَا لِغَيْرِ الْأَذَانِ، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ، اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَالْمَجْدُ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لَهُ، فَكَأَنَّهَا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لِأَنَّهَا كَالْمُتَّصِلَةِ بِهِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِلْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَةِ الْأَذَانِ، وَكَانَتْ مِنْهُ فِيمَا بُنِيَتْ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ ثُبُوتُ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ لَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. الثَّالِثَةُ: ظَهْرُ الْمَسْجِدِ مِنْهُ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. الرَّابِعَةُ: لَمَّا ذَكَرَ فِي الْآدَابِ: الثَّوَابَ الْحَاصِلَ بِالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدَيْ مَكَّةَ

стр. 1429

وَالْمَدِينَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ تَخْتَصُّ الْمَسْجِدَ، عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَظَاهِرِ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا كَانَ فِي زَمَانِهِ لَا مَا زِيدَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «فِي مَسْجِدِي هَذَا» وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ حُكْمَ الزَّائِدِ حُكْمُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. قَوْلُهُ (وَالْأَفْضَلُ: الِاعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ) وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ وَجْهًا بِلُزُومِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ، فَإِنْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ بَطَلَ لِخُرُوجِهِ إلَيْهَا. فَائِدَةٌ: يَجُوزُ لِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ الَّذِي يَتَخَلَّلُهُ الْجُمُعَةُ لَكِنْ يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ إلَيْهَا، إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْقِيَاسُ وُجُوبُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ، إلَّا مَسْجِدَ قُبَاءَ إذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ فِيهِ. لَا يَفْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ. تَنْبِيهَانِ: الْأُولَى: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: أَنَّهُ سَوَاءٌ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ، عَتِيقٍ أَوْ جَدِيدٍ. امْتَازَ بِمَزِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، كَقِدَمٍ وَكَثْرَةِ جَمْعٍ أَوْ لَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي: إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ بَعِيدًا يَحْتَاجُ إلَى شَدِّ رَحْلٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْقِيَاسُ لُزُومُهُ، تَرَكْنَاهُ لِقَوْلِهِ

стр. 1430

عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ» الْحَدِيثَ وَذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ احْتِمَالًا فِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ لِلصَّلَاةِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ وَجْهًا يَتَعَيَّنُ الْمَسْجِدُ الْعَتِيقُ فِي نَذْرِ الصَّلَاةِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَنَذْرُ الِاعْتِكَافِ مِثْلُهُ، وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي تَعْيِينِ مَا امْتَازَ بِمَزِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ كَقِدَمٍ وَكَثْرَةِ جَمْعٍ وَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَتَعَيَّنُ، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ: لَا يَخْتَصَّانِ بِمَكَانٍ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَا، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيُصَلِّيَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَيَّنَهُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَمَ الْكَفَّارَةِ فِي نُسْخَةٍ قُرِئَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَكَذَا فِي نُسَخٍ كَثِيرَةٍ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فِي وَجْهٍ إنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَجَزَمَ بِالْكَفَّارَةِ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُحَرَّرِ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ النَّذْرِ. الثَّانِي: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ إنْ وَجَبَتْ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَبِّ. انْتَهَى. فَمَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَبِّ. الثَّالِثُ: جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الصَّلَاةَ وَالِاعْتِكَافَ إذَا نَذَرَهُمَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يُصَلِّي فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَيْضًا، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ. انْتَهَى. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ " فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ " يَعْنِي: مِنْ الْمَسَاجِدِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يُصَلِّي فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَيْضًا، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: لَوْ أَرَادَ الذَّهَابَ إلَى مَا عَيَّنَهُ بِنَذْرِهِ، فَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى شَدِّ رَحْلٍ:

стр. 1431

خُيِّرَ بَيْنَ ذَهَابِهِ وَعَدَمِهِ، عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: الْإِبَاحَةَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا يَتَرَخَّصُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ يُكْرَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ: يُكْرَهُ إلَى الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ بِعَيْنِهَا، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: يَجِبُ السَّفَرُ الْمَنْذُورُ إلَى الْمَشَاهِدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَدِّ رَحْلٍ خُيِّرَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ بَيْنَ الذَّهَابِ وَغَيْرِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ. قَوْلُهُ (إلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ، وَأَفْضَلُهَا: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ بَابِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إذَا عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ: لَمْ يُجْزِهِ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا. احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ إنْ قُلْنَا الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ أَنَّ مَسْجِدَهَا أَفْضَلُ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ: لَمْ يُجْزِهِ فِي غَيْرِهِ، إلَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ

стр. 1432

وَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ الْمَسْجِدَانِ فَقَطْ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ إلَى انْقِضَائِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ أَوْ يَدْخُلُ قَبْلَ فَجْرِ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَعَلَّهُ بِنَاءٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ لَهُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: كَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ وَالْمَذْهَبُ إذَا نَذَرَ عَشْرًا مُعَيَّنًا، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: جَوَازُ دُخُولِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ تَطَوُّعًا: دَخَلَ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الْأُولَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ بَعْدَ صَلَاةِ فَجْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ إذَا نَذَرَ اعْتِكَافًا فِي رَمَضَانَ وَفَاتَهُ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهُ مِنْ لَيَالِيِهِ إلَى لَيْلَتِهِ الْأُولَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِمَا فِي لَيَالِيِهِ الْمُتَخَلِّلَةِ تَخْرِيجُ ابْنِ عَقِيلٍ وَقَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ الْآتِيَانِ قَرِيبًا. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ وَجْهًا وَاحِدًا. كَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا شَهْرًا، وَكَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ لَوْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ، وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ تَتَابُعُهُ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَغَيْرُهُ.

стр. 1433

فَائِدَتَانِ. إحْدَاهَا: يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرَتِهَا، وَعَنْهُ أَوْ وَقْتَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَعَنْهُ أَوْ قَبْلَ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ فِيهِ. الثَّانِيَةُ: يَكْفِيهِ شَهْرٌ هِلَالِيٌّ نَاقِصٌ بِلَيَالِيِهِ. أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا. قَالَ الْمَجْدُ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ: يَجُوزُ إفْرَادُ اللَّيَالِي عَنْ الْأَيَّامِ إذَا لَمْ نَعْتَبِرْ الصَّوْمَ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَاهُ لَمْ يَجِبْ. وَوَجَبَ اعْتِكَافُ كُلِّ يَوْمٍ مَعَ لَيْلَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ ابْتَدَأَ الثَّلَاثِينَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَتَمَامُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ، وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْ الصَّوْمَ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَاهُ فَثَلَاثِينَ لَيْلَةً صِحَاحًا بِأَيَّامِهَا الْكَامِلَةِ، فَيَتِمُّ اعْتِكَافُهُ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، أَوْ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِئَلَّا يَعْتَكِفَ بَعْضَ يَوْمٍ، أَوْ بَعْضَ لَيْلَةٍ دُونَ يَوْمِهَا الَّذِي يَلِيهَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً فَلَهُ تَفْرِيقُهَا) . وَكَذَا لَوْ نَذَرَ لَيَالِيَ مَعْدُودَةً، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ إلَّا إذَا نَذَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِلْقَرِينَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهْرِ، فَعُدُولُهُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّتَابُعِ. قُلْت: لَوْ قِيلَ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي نَذْرِهِ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا: لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ. ثُمَّ وَجَدْت ابْنَ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ ذَكَرَهُ وَجْهًا، وَقَدَّمَهُ نَاظِمُهَا. تَنْبِيهٌ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ " فَلَهُ تَفْرِيقُهَا " إذَا لَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ، فَأَمَّا إذَا نَوَى التَّتَابُعَ: فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ

стр. 1434

فَوَائِدُ. مِنْهَا: إذَا تَابَعَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ، وَمِنْهَا: يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ فِيمَا إذَا نَذَرَ أَيَّامًا قَبْلَ الْفَجْرِ الثَّانِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ أَوْ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَمِنْهَا: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا مُعَيَّنًا، أَوْ مُطْلَقًا: دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ فَجْرِ الثَّانِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِهِ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً يَدْخُلُ وَقْتَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهَا: لَوْ نَذَرَ شَهْرًا مُتَفَرِّقًا جَازَ لَهُ تَتَابُعُهُ. قَوْلُهُ (أَوْ نَذَرَ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا يَتَخَلَّلُهُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ، وَخَرَّجَهُ أَيْضًا مِنْ اعْتِكَافِ يَوْمٍ لَا يَلْزَمُهُ مَعَهُ لَيْلَةٌ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ لَيْلًا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَائِدَةٌ: لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مُعَيِّنًا أَوْ مُطْلِقًا فَقَدْ تَقَدَّمَ: مَتَى يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ، وَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ بِسَاعَاتٍ مِنْ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَ وَسَطَ النَّهَارِ، وَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ وَقْتِي هَذَا: لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ، وَفِي دُخُولِ اللَّيْلَةِ: الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ، فَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ. تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) . إجْمَاعًا، وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ. إذَا لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي اعْتِكَافِهِ، وَسَوَاءٌ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ مُدَّةً، أَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي عَدَدٍ.

стр. 1435

فَائِدَةٌ: يَحْرُمُ بَوْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ، وَكَذَا فَصْدٌ وَحِجَامَةٌ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا: لَا يَجُوزُ فِي إنَاءٍ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ، وَكَذَا حُكْمُ النَّجَاسَةِ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فَوْقَ الْمَسْجِدِ، وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ وَالْبَوْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، فِي الْإِجَارَةِ فِي التَّمَسُّحِ بِحَائِطِهِ مُرَادُهُ الْحَظْرُ، فَإِذَا بَالَ خَارِجًا وَجَسَدُهُ فِيهِ لَا ذَكَرُهُ: كُرِهَ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ، وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ (وَالطَّهَارَةِ) . يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِلْوُضُوءِ عَنْ حَدَثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ فِيهِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَيَخْرُجُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ. كَذَا لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ. إنْ وَجَبَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ. فَوَائِدُ. يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ لِقَيْءٍ بَغْتَةً، وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ لِحَاجَتِهِ، وَلَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَصْدُ بَيْتِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا مِنْهُ. كَسِقَايَةٍ لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ عَنْهَا، وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ بِهِ. وَيَجُوزُ الْخُرُوجُ لِيَأْتِيَ بِمَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ يَحْتَاجُهُ. إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ فِي بَيْتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ، وَحُمِلَ كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إلَى مَنْزِلِهِ. جَازَ أَنْ يَأْكُلَ فِيهِ يَسِيرًا، كَلُقْمَةٍ وَلُقْمَتَيْنِ لَا كُلِّ أَكْلِهِ. قَوْلُهُ (وَالْجُمُعَةِ) . يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ. كَذَا إنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ

стр. 1436

وَاشْتَرَطَ خُرُوجَهُ إلَيْهَا، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْخُرُوجَ إلَيْهَا: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا، فَإِنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ. فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ، فَلَهُ التَّبْكِيرُ إلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَهُ إطَالَةُ الْمُقَامِ بَعْدَهَا، وَلَا يُكْرَهُ؛ لِصَلَاحِيَةِ الْمَوْضِعِ لِلِاعْتِكَافِ. لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ عَكْسُ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْخِيَرَةُ إلَيْهِ فِي تَعْجِيلِ الرُّجُوعِ وَتَأْخِيرِهِ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْدِ احْتِمَالٌ: أَنَّ تَبْكِيرَهُ أَفْضَلُ، وَأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الْمُعْتَكِفَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ. وَأَنَّهُ إنْ تَنَفَّلَ فَلَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِي التَّبْكِيرِ: أَجْوَدُ، وَأَنَّهُ يَرْكَعُ بَعْدَهَا عَادَتَهُ. الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ إلَى الْجُمُعَةِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ يَلْزَمُهُ، كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ لِذَلِكَ وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ. لَا سِيَّمَا النَّذْرُ، وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ أَطْوَلِ الطُّرُقِ إنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ عِبَادَةً وَغَيْرَهَا. قَوْلُهُ (وَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيَّنِ) . بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا إذَا تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ، وَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ (وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ) . يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِلشَّهَادَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ التَّحَمُّلُ. وَلَوْ كَانَ سَبَبُهُ اخْتِيَارِيًّا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ

стр. 1437

الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: إنْ كَانَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا: خَرَجَ إلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَالْخَوْفِ مِنْ فِتْنَةٍ) . يَجُوزُ الْخُرُوجُ إنْ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ وَخَافَ مِنْهَا إنْ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ، أَوْ مَالِهِ نَهْبًا، أَوْ حَرِيقًا وَنَحْوَهُ، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ (أَوْ مَرَضٍ) . اعْلَمْ أَنَّ الْمَرَضَ إذَا كَانَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْقِيَامُ فِيهِ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ: يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ، وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ خَفِيفًا كَالصُّدَاعِ وَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ، إلَّا أَنْ يُبَاحَ بِهِ الْفِطْرُ فَيُفْطِرُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إنْ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ (وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) . تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ إلَى بَيْتِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ رَحْبَةٌ، فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ يُمْكِنُ ضَرْبُ خِبَائِهَا فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ: فَعَلَتْ ذَلِكَ، فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَنَقَلَهُ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ: تَذْهَبُ إلَى بَيْتِهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ بَنَتْ عَلَى اعْتِكَافِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ: إذَا قُلْنَا إنَّ رَحْبَةَ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: إقَامَتُهَا فِي الرَّحْبَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يُسَنُّ جُلُوسُهَا فِي الرَّحْبَةِ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ، وَحَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا

стр. 1438

وَهَذَا الْحُكْمُ إذَا لَمْ تَخَفْ تَلْوِيثَهُ، فَأَمَّا إنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ: فَأَيْنَ شَاءَتْ، وَكَذَا بِشَرْطِ الْأَمْنِ عَلَى نَفْسِهَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مَعَ سَلَامَةِ الزَّمَانِ. قَوْلُهُ بَعْدَ ذِكْرِ مَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لَهُ. (وَنَحْوُ ذَلِكَ) ، فَنَحْوُ ذَلِكَ: إذَا تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ، أَوْ إنْقَاذِ غَرِيقٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا إذَا أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَكَذَا لَوْ خَافَ أَنْ يَأْخُذَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا، فَخَرَجَ وَاخْتَفَى، وَإِنْ أَخْرَجَهُ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ وَاجِبٌ. فَائِدَةٌ: لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ نَاسِيًا لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ كَالصَّوْمِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يَبْطُلُ، لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ كَالْجِمَاعِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ. وَيَبْنِي، كَمَرَضٍ وَحَيْضٍ، وَاخْتَارَهُ، وَذِكْرُهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُ الْمُكْرَهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْخُرُوجِ، وَلَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يُشَيِّعُ جِنَازَةً) . كَذَا كُلُّ قُرْبَةٍ، كَزِيَارَةٍ، وَتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ وَأَدَائِهَا، وَتَغْسِيلِ مَيِّتٍ وَغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ: لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ بِالْمَنْعِ، مَعَ الِاشْتِرَاطِ أَيْضًا، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَقْضِي زَمَنَ الْخُرُوجِ إذَا نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. كَمَا لَوْ عَيَّنَ الشَّهْرَ. قَالَ الْمَجْدُ: وَلَوْ قَضَاهُ صَارَ الْخُرُوجُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمَشْرُوطُ فِي غَيْرِ الشَّهْرِ

стр. 1439

تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ: لَوْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، أَوْ دَفْنُ مَيِّتٍ، أَوْ تَغْسِيلُهُ، فَإِنَّهُ كَالشَّهَادَةِ إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ. فَائِدَةٌ: لَوْ شَرَطَ فِي اعْتِكَافِهِ فِعْلَ مَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَيَحْتَاجُهُ، كَالْعَشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَالْمَبِيتِ فِيهِ: جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا، وَنَصَرُوهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَعَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَلَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، أَوْ الْإِجَارَةِ، أَوْ التَّكَسُّبِ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ: لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَصْحَابِهِ، وَلَوْ قَالَ: مَتَى مَرِضْت، أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ: خَرَجْت، فَلَهُ شَرْطُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا، وَأَطْلَقُوا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: فَائِدَةُ الشَّرْطِ هُنَا: سُقُوطُ الْقَضَاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَأَمَّا الْمُطْلَقَةُ، كَنَذْرِ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ: فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إلَّا لِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ يَقْضِي زَمَنَ الْمَرَضِ؛ لِإِمْكَانِ حَمْلِ شَرْطِهِ هُنَا عَلَى نَفْيِ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ فَقَطْ، فَنَزَلَ عَلَى الْأَقَلِّ، وَيَكُونُ الشَّرْطُ أَفَادَ هُنَا الْبِنَاءَ مَعَ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَلَى أَصْلِنَا. قَوْلُهُ (وَلَهُ السُّؤَالُ عَنْ الْمَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ) . إذَا خَرَجَ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَسَأَلَ عَنْ الْمَرِيضِ، أَوْ غَيْرِهِ فِي طَرِيقِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ: جَازَ كَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ إذَا لَمْ يَقِفْ لَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فِي الرِّعَايَةِ: فَيَسْأَلُ عَنْ الْمَرِيضِ، وَقِيلَ: أَوْ غَيْرِهِ. فَائِدَةٌ: لَوْ وَقَفَ لِمَسْأَلَتِهِ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.

стр. 1440

قَوْلُهُ (وَالدُّخُولُ إلَى مَسْجِدٍ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ) إذَا خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَدَخَلَ مَسْجِدًا يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ جَازَ. إنْ كَانَ الثَّانِي أَقْرَبَ إلَى مَكَانِ حَاجَتِهِ مِنْ الْأَوَّلِ. وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ، أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؛ لِتَرْكِهِ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ فِيهِمَا. كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِي الْمُتَتَابِعِ، وَتَطَاوَلَ: خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَإِتْمَامِهِ، مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ) . مُرَادُهُ " بِالتَّتَابُعِ " غَيْرُ الْمُعَيَّنِ. وَمُرَادُهُ " بِالْخُرُوجِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ " الْخُرُوجُ لِلنَّفِيرِ، وَالْخَوْفِ، وَالْمَرَضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُتِمُّهُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ الْخِلَافُ. وَقِيلَ: أَوْ يَسْتَأْنِفُ إنْ شَاءَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَيَتَخَرَّجُ يَلْزَمُ الِاسْتِئْنَافُ فِي مَرَضٍ يُبَاحُ الْفِطْرُ بِهِ، وَلَا يَجِبُ، بِنَاءً عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي انْقِطَاعِ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ بِمَا يُبِيحُ الْفِطْرَ وَلَا يُوجِبُهُ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ لِوَاجِبٍ كَمَرَضٍ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَإِلَّا كَانَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ، إلَّا لِعُذْرِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَضَعَّفَ الْمَجْدُ كَلَامَ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ الْمَجْدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ لَا يَقْضِي، وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي هُنَا فِي الصَّوْمِ وَلَا فَرْقَ. فَائِدَةٌ: تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْخُرُوجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُوجَدُ خُرُوجٌ لِمُعْتَادٍ وَهُوَ صَحِيحٌ، فَالْمُعْتَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ: حَاجَةُ الْإِنْسَانِ إجْمَاعًا، وَالطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ إجْمَاعًا، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إجْمَاعًا، وَالْجُمُعَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شُرُوطُ ذَلِكَ
следующие страницы →