Полный текст (5 685 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
قَالَ فِي الْفُرُوعِ عَمَّنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَجُنَّ كُلَّ الشَّهْرِ: لَمْ يَقْضِ، عَلَى الْأَصَحِّ. وَكَذَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَوْضِعٍ. وَعَنْهُ: يَقْضِي.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ: فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ) بِلَا نِزَاعٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) بِلَا نِزَاعٍ.
(وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
إحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ فِي الْمَعْذُورِ: يَفْدِي فَقَطْ. ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ. فَوَائِدُ الْأُولَى: صَوْمُهُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي الشَّهْرِ الْمَنْذُورِ: كَفِطْرِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 5112
وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ هُنَا
الثَّانِيَةُ: لَوْ جُنَّ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ: لَمْ يَقْضِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: يَقْضِيهِ.
الثَّالِثَةُ: إذَا لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ. أَوْ غَيْرِهِ وَقَضَاهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مُتَتَابِعًا مُوَاصِلًا لِتَتِمَّتِهِ. وَعَنْهُ: لَهُ تَفْرِيقُهُ. وَعَنْهُ: وَتَرْكُ مُوَاصَلَتِهِ أَيْضًا.
الرَّابِعَةُ: يَبْنِي مَنْ لَا يَقْطَعُ عُذْرُهُ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ.
الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ (وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ: لَمْ يُجْزِهِ) . بِلَا نِزَاعٍ. كَالصَّلَاةِ. لَكِنْ لَوْ كَانَ نَذَرَهُ بِصَدَقَةِ مَالٍ: جَازَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِلدَّفْعِ. كَالزَّكَاةِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ النَّاظِمُ:
وَيُجْزِئُهُ فِيمَا فِيهِ نَفْعٌ سِوَاهُ ... كَالزَّكَاةِ لِنَفْعِ الْخَلْقِ لَا الْمُتَعَبِّدِ
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ: لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ وَيُكَفِّرُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبُ الْأَدَمِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذِهِ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَاخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ وَابْنِ الْبَنَّا.
стр. 5113
فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ عَقِبَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَ فِيهَا. وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتِمَّ بَاقِيَهُ وَيَقْضِيَ وَيُكَفِّرَ) . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا الْحَاوِي.
تَنْبِيهٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ التَّتَابُعَ فِي الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ، هَلْ وَجَبَ لِضَرُورَةِ الزَّمَنِ؟ وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ. أَوْ لِإِطْلَاقِ النَّذْرِ؟ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْخِرَقِيِّ، وَالْجَمَاعَةِ. وَلِهَذَا لَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ بِلَفْظِهِ، أَوْ نَوَاهُ: لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا: إذَا تَرَكَ صَوْمَ الشَّهْرِ كُلِّهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ، أَوْ يُجْزِئُهُ مُتَفَرِّقًا؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَلِهَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا: الْتِفَاتٌ إلَى مَا إذَا نَوَى صَوْمَ شَهْرٍ، وَأَطْلَقَ: هَلْ يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا أَمْ لَا؟ . وَقَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ يُشْعِرُ بِعَدَمِ التَّتَابُعِ. وَقَضِيَّةُ الْبِنَاءِ هُنَا تَقْتَضِي اشْتِرَاطَ التَّتَابُعِ. كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ ثَمَّ. انْتَهَى. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ قَيَّدَ الشَّهْرَ الْمُعَيَّنَ بِالتَّتَابُعِ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ ابْتِدَاءً وَكَفَّرَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ أَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ لِعُذْرٍ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ وَكَفَّرَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
стр. 5114
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَعَنْهُ: لَا يُكَفِّرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي.
قَوْلُهُ (وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ: لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ، وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. وَفِي إجْزَاءِ صَوْمِ رَمَضَانَ عَنْهُمَا رِوَايَتَانِ. قَالَهُ فِي الْوَاضِحِ.
فَائِدَةٌ لَوْ قَطَعَ تَتَابُعَهُ بِلَا عُذْرٍ: اسْتَأْنَفَهُ. وَمَعَ عُذْرٍ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُ بِلَا كَفَّارَةٍ. أَوْ يَبْنِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَهَلْ يُتِمُّ ثَلَاثِينَ، أَوْ الْأَيَّامَ الْفَائِتَةَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قُلْت: يَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ: إذَا ابْتَدَأَ صَوْمَ شَهْرَيْ الْكَفَّارَةِ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ. وَتَقَدَّمَ: إذَا فَاتَهُ رَمَضَانُ: هَلْ يَقْضِي شَهْرًا. أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا؟ وَيُكَفِّرُ. عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ. وَفِيهِمَا رِوَايَةٌ كَشَهْرَيْ الْكَفَّارَةِ. ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الرَّوْضَةِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ أَفْطَرَهُ بِلَا عُذْرٍ: كَفَّرَ. وَهَلْ يَنْقَطِعُ فَيَسْتَأْنِفُهُ أَمْ لَا؟ فَيَقْضِي مَا تَرَكَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
стр. 5115
وَكَذَا قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ وَهَلْ يُتِمُّهُ أَوْ يَسْتَأْنِفُهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: يُكَفِّرُ وَيَسْتَأْنِفُهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) يَعْنِي: أَوْ يَنْوِيَهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ " وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ " لَوْ كَانَتْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَهُوَ كَذَلِكَ. فَلَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيهَا إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ. كَمَا لَوْ قَالَ عِشْرِينَ وَنَحْوَهَا. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. جُزِمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَهُوَ وَجْهٌ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيهَا، وَإِنْ لَزِمَهُ فِي غَيْرِهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّتَابُعَ لَقَالَ " شَهْرًا ".
قَوْلُهُ (وَإِنْ) (نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا) يَعْنِي غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
стр. 5116
(فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ) يَعْنِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ (أَوْ حَيْضٍ) (: قَضَى لَا غَيْرُ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. قَدَّمَهُ ابْنُ مُنَجَّا. وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَبَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صِيَامِهِ وَيُكَفِّرَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْخِرَقِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ: لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) بِلَا نِزَاعٍ، بِلَا كَفَّارَةٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالزَّرْكَشِيِّ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ.
وَالثَّانِي: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ [الْخِرَقِيِّ وَ] أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِعَدَمِ تَفْرِيقِهِمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَنَا وَجْهٌ ثَالِثٌ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ. فَفِي الْمَرَضِ: يُخَيَّرُ. وَفِي السَّفَرِ: يَتَعَيَّنُ الِاسْتِئْنَافُ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ " مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ " الْمَرَضُ أَيْضًا. لَكِنَّ مُرَادَهُ بِالْمَرَضِ
стр. 5117
هُنَا: الْمَرَضُ غَيْرُ الْمَخُوفِ. وَمُرَادُهُ بِالْمَرَضِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: الْمَرَضُ الْمَخُوفُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ. ذَكَرَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا، فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ: أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ) . يَعْنِي: يُطْعِمُ وَلَا يُكَفِّرُ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ. وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً كَغَيْرِ الصَّوْمِ. قَالَ فِي الْحَاوِي: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي. وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُطْعَمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ وَيُكَفَّرُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَصَحُّ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ وُجُوبُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْ كُلِّهِ فَقِيرٌ وَاحِدٌ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ. وَفِي النَّوَادِرِ احْتِمَالٌ يُصَامُ عَنْهُ. وَسَبَقَ فِي فِعْلِ الْوَلِيِّ عَنْهُ: أَنَّهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ.
стр. 5118
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَكَمِ: لَوْ نَذَرَهُ فِي حَالِ عَجْزِهِ عَنْهُ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَا كَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ: فَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ الشَّالَنْجِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ غَيْرُ الْحَجِّ عَنْهُ. قَالَ: وَالْمُرَادُ وَلَا يُطِيقُهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ. وَإِلَّا أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ مِنْهُ وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي. قَالَ: وَكَذَا أَطْلَقَ شَيْخُنَا، يَعْنِي: بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ ﵀. قَالَ: الْقَادِرُ عَلَى فِعْلِ الْمَنْذُورِ يَلْزَمُهُ. وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ. انْتَهَى. فَأَمَّا إنْ نَذَرَ مَنْ لَا يَجِدُ زَادًا وَرَاحِلَةً الْحَجَّ، فَإِنْ وَجَدَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ: لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ السَّابِقِ. وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحَجِّ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ فِي فِعْلِ الْوَلِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي ضَمَانِ الْمَجْهُولِ أَكْثَرُ مَا فِيهِ: أَنْ يُظْهِرَ مِنْ الدِّينِ مَا يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ. وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمَانِ. كَمَا لَوْ نَذَرَ أَلْفَ حَجَّةٍ، وَالصَّدَقَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَا يَمْلِكُ قِيرَاطًا: فَإِنَّهُ يَصِحُّ. لِأَنَّهُ وَرَّطَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ بِرِضَاهُ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْعَاجِزِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ غَيْرَ الصِّيَامِ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَعَجَزَ عَنْهُ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ) (نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ) . أَوْ مَكَّةَ وَأَطْلَقَ (لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) . لِأَنَّهُ مَشْيٌ إلَى عِبَادَةٍ. وَالْمَشْيُ إلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ. وَمُرَادُهُ وَمُرَادُ غَيْرِهِ: يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ، مَا لَمْ يَنْوِ إتْيَانَهُ. لَا حَقِيقَةَ الْمَشْيِ.
стр. 5119
صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ.
فَائِدَةٌ حَيْثُ لَزِمَهُ الْمَشْيُ أَوْ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ مَكَانِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا، مُحْتَجًّا بِهِ وَبِمَا لَوْ نَذَرَ مِنْ مَحَلِّهِ: لَمْ يَجُزْ مِنْ مِيقَاتِهِ، عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ مِنْ الْأَبْعَدِ مِنْ إحْرَامِهِ أَوْ مِيقَاتِهِ. وَقِيلَ هُنَا: أَوْ مِنْ إحْرَامِهِ إلَى أَمْنِهِ فَسَادَهُ بِوَطْئِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ فَرَغَ. وَقَالَ أَيْضًا: يَرْكَبُ فِي الْحَجِّ إذَا رَمَى، وَفِي الْعُمْرَةِ إذَا سَعَى. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالتَّحْلِيلَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
تَنْبِيهٌ مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ " لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى غَيْرِ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ. وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ. وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
فَائِدَةٌ لَوْ نَذَرَ الْإِتْيَانَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ: لَغَا قَوْلُهُ " غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ " وَلَزِمَهُ إتْيَانُهُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَهُوَ أَصَحُّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ.
стр. 5120
وَوُجُوبُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ الدَّمِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. ذَكَرَهَا ابْنُ رَزِينٍ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: يَسْتَأْنِفُهُ مَاشِيًا، لِتَرْكِهِ صِفَةَ الْمَنْذُورِ. كَتَفْرِيقِهِ صَوْمًا مُتَتَابِعًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ، فَمَشَى. فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ) . يَعْنِي: الْمُتَقَدِّمَتَانِ. وَهُمَا: هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، أَوْ دَمٍ؟ وَقَدْ عَلِمْت الْمَذْهَبَ مِنْهُمَا. لِأَنَّ الرُّكُوبَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ طَاعَةٍ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا: وَجَبَ الْقَضَاءُ مَاشِيًا وَكَذَا إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ: سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالرَّمْيِ. وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ مَاشِيًا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوْ الْأَقْصَى: لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَالصَّلَاةُ فِيهِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ مُرَادَهُمْ: لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ. لِأَفْضَلِيَّةِ بَيْتِهَا. وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ حَرَمٍ: لَزِمَهُ عِنْدَ وُصُولِهِ رَكْعَتَانِ. ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَوْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدٍ سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ. وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ: لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَشْيِ. فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى أَجْزَأَهُ. قَالَا: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
стр. 5121
قَوْلُهُ (فَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً: فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ، عَنْ الْوَاجِبِ) . عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ فِي " كِتَابِ الظِّهَارِ ".
(إلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا) . فَيُجْزِئَهُ مَا عَيَّنَهُ بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْمَنْذُورُ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ: لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ عَبْدٍ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَهُ. وَقَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَوْ أُتْلِفَ الْعَبْدُ الْمَنْذُورُ عِتْقُهُ: لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا، يَصْرِفُهَا إلَى الرِّقَابِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ: طَافَ طَوَافَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: هَذَا بَدَلٌ وَاجِبٌ. وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَلَى رِجْلَيْهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى يَدَيْهِ. وَفِي الْكَفَّارَةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَالْفُرُوعِ.
стр. 5122
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَا: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لُزُومُ الْكَفَّارَةِ، لِإِخْلَالِهِ بِصِفَةِ نَذْرِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ. فَوَائِدُ الْأُولَى: مِثْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحُكْمِ: لَوْ نَذَرَ السَّعْيَ عَلَى الْأَرْبَعِ. ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا لَوْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. كَنَذْرِهِ صَلَاةً عُرْيَانًا، أَوْ الْحَجَّ حَافِيًا حَاسِرًا. أَوْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ الْحَجَّ حَاسِرَةً. وَفَاءً بِالطَّاعَةِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. وَفِي الْكَفَّارَةِ لِتَرْكِهِ الْمَنْهِيَّ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ قَالَ " حَافِيًا حَاسِرًا " كَفَّرَ وَلَمْ يَفْعَلْ الصِّفَةَ. وَقِيلَ: يَمْشِي مُنْذُ أَحْرَمَ. انْتَهَى.
الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ الطَّوَافَ. فَأَقَلُّهُ: أُسْبُوعٌ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمًا، فَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ. وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً: لَمْ يُجْزِئْهُ أَقَلُّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ. لَوْ نَذَرَ الْحَجَّ الْعَامَ، فَلَمْ يَحُجَّ. ثُمَّ نَذَرَ أُخْرَى فِي الْعَامِ
стр. 5123
الثَّانِي. فَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَصِحُّ. وَيَبْدَأُ بِالثَّانِيَةِ لِقُوَّتِهَا. وَيُكَفِّرُ لِتَأْخِيرِ الْأُولَى. وَفِي الْمَعْذُورِ الْخِلَافُ. انْتَهَى.
الرَّابِعَةُ: لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ. ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ وَجْهًا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ. وَاخْتَارَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ مِنْ تَأْجِيلِ الْعَارِيَّةِ وَالصُّلْحِ عَنْ عِوَضِ الْمُتْلَفِ بِمُؤَجَّلٍ. وَلَمَّا قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: بِمَ يُعْرَفُ الْكَذَّابُونَ؟ قَالَ: بِخَلْفِ الْمَوَاعِيدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَّجَهٌ. وَتَقَدَّمَ الْخُلْفُ بِالْعَهْدِ فِي أَوَّلِ " كِتَابِ الْأَيْمَانِ ".
الْخَامِسَةُ: لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَفِي الدَّلَالَةِ بِهَا غُمُوضٌ. فَلِهَذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ. فَإِنَّ " إلَّا " لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيقِ، وَ " أَنْ " الْمَفْتُوحَةَ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيقِ. فَمَا بَقِيَ فِي الْآيَةِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيقِ مُطَابَقَةً وَلَا الْتِزَامًا. فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِشَيْءٍ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؟ وَطُولُ الْأَيَّامِ يُحَاوِلُونَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا يَكَادُ يُتَفَطَّنُ لِوَجْهِ الدَّلِيلِ مِنْهَا. وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الِاسْتِثْنَاءُ، وَ " أَنْ " النَّاصِبَةُ لَا الشَّرْطِيَّةُ. وَلَا يَفْطِنُونَ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ وَمَا هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ؟ فَتَأَمَّلْهُ. فَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ. وَهُوَ أَصْلٌ فِي اشْتِرَاطِ الْمَشِيئَةِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْأَفْعَالِ.
стр. 5124
وَالْجَوَابُ، أَنَّا نَقُولُ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ. وَالْمُسْتَثْنَى حَالَةٌ مِنْ الْأَحْوَالِ. وَهِيَ مَحْذُوفَةٌ قَبْلَ " أَنْ " النَّاصِبَةِ. وَعَامِلَةٌ فِيهَا أَعْنِي الْحَالُ عَامِلَةٌ فِي " أَنْ " النَّاصِبَةِ. وَتَقْرِيرُهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] فِي حَالَةٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا مُعَلَّقًا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ حُذِفَتْ " مُعَلَّقًا " وَالْبَاءُ مِنْ " أَنْ " فَيَكُونُ النَّهْيُ الْمُتَقَدِّمُ مَعَ " إلَّا " الْمُتَأَخِّرَةِ قَدْ حَصَرَتْ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ دُونَ سَائِرِ الْأَحْوَالِ. فَتَخْتَصُّ هَذِهِ الْحَالُ بِالْإِبَاحَةِ، وَغَيْرُهَا بِالتَّحْرِيمِ. وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ شَيْءٌ هُنَاكَ يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ إلَّا هَذِهِ. فَتَكُونُ وَاجِبَةً. فَهَذَا مُدْرَكُ الْوُجُوبِ. وَأَمَّا مُدْرَكُ التَّعْلِيقِ: فَهُوَ قَوْلُنَا " مُعَلَّقًا " فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيقٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا إذَا قَالَ " لَا تَخْرُجُ إلَّا ضَاحِكًا " فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْأَمْرَ بِالضَّحِكِ لِلْخُرُوجِ. وَانْتَظَمَ " مُعَلَّقًا " مَعَ " أَنْ " بِالْبَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَاتُّجِهَ الْأَمْرُ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ عِنْدَ الْوَعْدِ بِالْأَفْعَالِ. انْتَهَى.
стр. 5125
[كِتَابُ الْقَضَاءِ]
ِ فَائِدَةٌ " الْقَضَاءُ " وَاحِدُ الْأَقْضِيَةِ. وَالْقَضَاءُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ. وَالْأَصْلُ فِيهِ: الْحَتْمُ، وَالْفَرَاغُ مِنْ الْأَمْرِ. وَيَجْرِي عَلَى هَذَا جَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ لَفْظِ " الْقَضَاءِ ". وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الشَّرْعِ: الْإِلْزَامُ. وَوِلَايَةُ الْقَضَاءِ رُتْبَةٌ دِينِيَّةٌ وَنَصْبَةٌ شَرْعِيَّةٌ. قَوْلُهُ (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذَهَّبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: سُنَّةٌ. نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا. وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ دُخُولُهُ فِيهِ. نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُعْجِبُنِي. هُوَ أَسْلَمُ.
فَائِدَةٌ
نَصْبُ الْإِمَامِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي أَوَّلِ " بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ ". وَذُكِرَ فِي الْفُرُوعِ رِوَايَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ فَرْضَ كِفَايَةٍ. وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (فَيَجِبُ) .
стр. 5126
يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ (عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْصِبَ فِي كُلِّ إقْلِيمٍ قَاضِيًا) . وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ، وَأَوْرَعَهُمْ) . قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَفِي مُنْتَخَبِ الْأَدَمِيّ الْبَغْدَادِيِّ: عَلَى الْإِمَامِ نَصْبُ مَنْ يُكْتَفَى بِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا مِنْ أَفْضَلِ وَأَصْلَحِ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَدِينًا. وَعَنْهُ: وَوَرَعًا وَنَزَاهَةً وَصِيَانَةً وَأَمَانَةً.
قَوْلُهُ (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ: الدُّخُولُ فِيهِ) . يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَمُرَادُهُ: إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ الْوَجِيزُ، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالِامْتِنَاعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؟ قَالَ: لَا يَأْثَمُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ دُخُولُهُ فِيهِ. نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُعْجِبُنِي. هُوَ أَسْلَمُ
стр. 5127
وَذَكَرَ مَا رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ» . قَالَ فِي الْحَاوِي عَنْ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ الضَّعْفَ فِيهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ كَانَ الْحُكَّامُ يَحْمِلُونَ فِيهِ الْقُضَاةَ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الْحُكْمُ بِالْحَقِّ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إذَا طُلِبَ " أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقِيلَ: يَحْرُمُ الطَّلَبُ، لِخَوْفِهِ مَيْلًا.
فَائِدَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ وَثِقَ بِغَيْرِهِ: فَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَالشَّهَادَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: مُخْتَلِفٌ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ: كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ) . يَعْنِي: فِيمَا إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ لَهُ طَلَبُهُ لِقَصْدِ الْحَقِّ، وَدَفْعِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ مَعَ وُجُودِ أَصْلَحَ مِنْهُ، أَوْ غِنَاهُ عَنْهُ أَوْ شُهْرَتِهِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِقَصْدِ الْحَقِّ. وَدَفْعِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ: يَحْرُمُ بِدُونِهِ.
стр. 5128
قَوْلُهُ (وَإِنْ طُلِبَ، فَالْأَفْضَلُ: أَنْ لَا يُجِيبَ إلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀) . يَعْنِي: إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ وَطُلِبَ هُوَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَفْضَلُ الْإِجَابَةُ إذَا أَمِنَ مِنْ نَفْسِهِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ مَعَ خُمُولِهِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّارِحِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ رَجُلًا خَامِلًا لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، فَالْأَوْلَى: لَهُ التَّوْلِيَةُ لِيُرْجَعَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَيَقُومَ الْحَقُّ بِهِ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي النَّاسِ بِالْعِلْمِ، وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى لَهُ اشْتِغَالٌ بِذَلِكَ. انْتَهَيَا. فَلَعَلَّ ابْنَ حَامِدٍ لَهُ قَوْلَانِ. وَقَدْ حَكَاهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ قَوْلَيْنِ. وَقِيلَ: الْإِجَابَةُ أَفْضَلُ مَعَ خُمُولِهِ وَفَقْرِهِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ بَذْلُ الْمَالِ فِي ذَلِكَ. وَيَحْرُمُ أَخْذُهُ وَطَلَبُهُ وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَهُ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِمْ الْكَرَاهَةَ بِالطَّلَبِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَوْلِيَةُ الْحَرِيصِ، وَلَا يَنْفِي أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى. قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ.
стр. 5129
قُلْت: هَذَا التَّوْجِيهُ هُوَ الصَّوَابُ.
الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ وِلَايَةُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا: مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْبُلْدَانِ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ، أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا، وَاسْتِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ) . قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وِلَايَتِهِ: إمَّا بِالْمُكَاتَبَةِ. وَإِمَّا الْمُشَافَهَةُ، وَاسْتِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى ذَلِكَ فَقَطْ. وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ، فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ إذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا. فَتَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ. وَجُزِمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَالْوَجِيزِ، وَالشَّرْحِ. وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ. إلَّا أَنْ تَكُونَ النُّسْخَةُ مَغْلُوطَةً. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ " كِتَابِ الشَّهَادَاتِ ". تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: حَدَّ الْأَصْحَابُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ فَمَا دُونَ. وَأَطْلَقَ الْأَدَمِيُّ الِاسْتِفَاضَةَ. وَظَاهِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ.
стр. 5130
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ بِمُجَرَّدِ الْكِتَابَةِ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتُتَوَجَّهُ صِحَّتُهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْخَطِّ. وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. ذَكَرَهُ فِي " بَابِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ ".
قَوْلُهُ (وَهَلْ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي؟) بِكَسْرِ اللَّازِمِ، اسْمُ فَاعِلٍ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ؛ وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، فِي نَائِبِ الْإِمَامِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي بَعْدَ أَنْ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ وَقِيلَ: الرِّوَايَتَانِ فِي نَائِبِ الْإِمَامِ دُونَهُ.
إحْدَاهُمَا: لَا تُشْتَرَطُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيُّ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ فِي الْإِمَامِ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَغَيْرِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تُشْتَرَطُ. وَعَنْهُ: تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي سِوَى الْإِمَامِ.
стр. 5131
وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي. ثُمَّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ قُلْنَا الْحَاكِمُ نَائِبُ الشَّرْعِ: صَحَّتْ مِنْهُمَا. وَإِلَّا فَلَا. قُلْت: فِي الْإِمَامِ وَجْهَانِ: هَلْ تَصَرُّفُهُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، أَوْ الْوِلَايَةِ؟ . اخْتَارَ الْقَاضِي: الْأَوَّلَ. وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ. وَإِذَا كَانَ الْمُوَلِّي نَائِبَ الْإِمَامِ: لَمْ تُشْتَرَطْ عَدَالَتُهُ.
قَوْلُهُ (وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَةٌ " وَلَّيْتُك الْحُكْمَ " وَ " قَلَّدْتُك " وَ " اسْتَنَبْتُكَ " وَ " اسْتَخْلَفْتُك " وَ " رَدَدْت إلَيْك " وَ " فَوَّضْت إلَيْك " وَ " جَعَلْت إلَيْك الْحُكْمَ ") . زَادَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي: وَ " اسْتَكْفَيْتُك ". وَذَكَرَهَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ " اسْتَنَبْتُكَ ". وَقِيلَ: " رَدَدْته، فَوَّضْته، وَجَعَلْته إلَيْك " كِنَايَةً.
قَوْلُهُ (فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُوَلَّى: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ) . وَكَذَا قَالَ فِي الْوَجِيزِ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي: فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَجَوَابُهَا مِنْ الْمُوَلَّى بِالْقَبُولِ: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ. وَفِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ: فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا، وَقَبُولُ الْمُوَلَّى فِي الْمَجْلِسِ إنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ فِيمَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ غَائِبًا: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ. وَفِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ: فَإِذَا أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَاتَّصَلَ الْقَبُولُ: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ. زَادَ فِي الشَّرْحِ: كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 5132
وَفِي مُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ: يُشْتَرَطُ فَوْرِيَّةُ الْقَبُولِ مَعَ الْحُضُورِ. وَفِي الْمُنَوِّرِ: وَفَوْرِيَّةُ الْقَبُولِ. هَذِهِ عِبَارَاتُهُمْ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَمَنْ تَابَعَهُ: مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَمَنْ تَابَعَهُ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْحَاضِرِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ. وَأَنَّ مُرَادَهُ فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ بِالِاتِّصَالِ: الْمَجْلِسُ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ ". وَأَمَّا الْمُنْتَخَبُ، وَالْمُنَوِّرُ: فَمُخَالِفٌ لَهُمْ. وَكَلَامُهُ فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ: يَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَمَنْ تَابَعَهُ: عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْقَبُولِ الْمَجْلِسُ. وَلَمْ نَرَهُ صَرِيحًا. فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ. وَكَلَامُهُ فِي الْمُنْتَخَبِ وَالْمُنَوِّرِ وَجْهٌ ثَالِثٌ. وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: هَلْ الْقُضَاةُ نُوَّابُ الْإِمَامِ، أَوْ نُوَّابُ الْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي: عَزْلُ الْقَاضِي نَفْسَهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ: هَلْ هُوَ وَكِيلٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: هَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ. وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُشْتَرَطُ لِلْوَكِيلِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ (وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُوَلَّى) . إنْ قَبِلَ بِاللَّفْظِ فَلَا نِزَاعَ فِي انْعِقَادِهَا. وَإِنْ قَبِلَ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: انْعِقَادُ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ.
стр. 5133
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ أَوْ شَرَعَ غَائِبٌ فِي الْعَمَلِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: قُلْت وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبُ الشَّرْعِ، كَفَى الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ. وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبُ مَنْ وَلَّاهُ، فَلَا. وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ. وَجَعَلَ مَأْخَذَهُمَا: هَلْ يَجْرِي الْفِعْلُ مَجْرَى النُّطْقِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ؟ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْخَمْسِينَ: وَيَحْسُنُ بِنَاؤُهُمَا عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ عَقْدٌ جَائِزٌ، أَوْ لَازِمٌ.
قَوْلُهُ (وَالْكِنَايَةُ: نَحْوَ " اعْتَمَدْت عَلَيْك " وَ " عَوَّلْت " وَ " وَكَّلْت إلَيْك " وَ " أَسْنَدْت إلَيْك الْحُكْمَ " فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا، حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ. نَحْوَ " فَاحْكُمْ " أَوْ " فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْت عَلَيْك " وَمَا أَشْبَهَهُ) . وَتَقَدَّمَ قَوْلٌ: إنَّ فِي " رَدَدْته " وَ " فَوَّضْته " وَ " جَعَلْته إلَيْك " كِنَايَةً فَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ الْقَرِينَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَتْ الْوِلَايَةُ، وَكَانَتْ عَامَّةً: اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ: فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ، مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ فِي عَمَلِهِ بِإِجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا، وَتَزْوِيجُ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ، وَإِقَامَةُ الْحُدُدِ، وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ) .
стр. 5134
وَكَذَا إقَامَةُ الْعِيدِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعُوا بِهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَالَ النَّاظِمُ: وَقَبْضُ خَرَاجٍ وَالزَّكَاةُ أُجْرَةٌ وَأَنْ يَلِيَ جُمُعَةً وَالْعِيدَ فِي الْمُتَجَوَّدِ فَظَاهِرُهُ: إجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ. وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ. وَلَعَلَّ الْخِلَافَ عَائِدٌ إلَى قَبْضِ الْخَرَاجِ وَالزَّكَاةِ. تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُخَصَّا بِإِمَامٍ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ " وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ " وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَمُنْتَخَبُ الْأَدَمِيِّ، وَالْمُنَوِّرُ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَإِمَامَةُ الْجُمُعَةِ بِالْمِيمِ بَدَلُ الْقَافِ. وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمَ عِبَارَةُ النَّاظِمِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: قَالَ الشَّيْخُ: وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِالْقَافِ. وَعُلِّلَ بِأَنَّ الْأَئِمَّةَ كَانُوا يُقِيمُونَهَا، وَالْقَاضِي يَنُوبُ عَنْهُمْ. وَ " الْإِقَامَةُ " قَدْ يُرَادُ بِهَا وِلَايَةُ الْإِذْنِ فِي إقَامَتِهَا، وَمُبَاشَرَةُ الْإِمَامَةِ فِيهَا. وَقَدْ يُرَادُ بِهَا نَصْبُ الْأَئِمَّةِ مَعَ عَدَمِ وِلَايَةِ أَصْلِ الْإِذْنِ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إمَامَةٌ بِالْمِيمِ كَقَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ. وَكَذَا الْقَاضِي. فَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ نَصْبِ الْأَئِمَّةِ. وَهَذَا أَظْهَرُ. وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ. فَإِنَّ النَّصْبَ فِيهِمَا إقَامَةٌ لَهُمَا. وَعَلَى هَذَا: نَصْبُ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ.
стр. 5135
وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ فِعْلِ الْإِمَامَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ شُيُوخِنَا فِي مُصَنَّفِهِ. قَالَ: وَأَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، مَعَ عَدَمِ إمَامٍ خَاصٍّ لَهُمَا. إلَّا أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْإِقَامَةُ أَوَالْإِمَامَة إلَّا فِي بُقْعَةٍ مِنْ عَمَلِهِ، لَا فِي جَمِيعِ عَمَلِهِ. إذْ لَا يُمْكِنُ مِنْهُ الْفِعْلُ إلَّا فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُ. وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ إطْلَاقِ: أَنَّ لَهُ فِعْلَ ذَلِكَ فِي عَمَلِهِ. انْتَهَى. قُلْت: عِبَارَتُهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي " وَأَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ " كَمَا فِي نَقْلِ الْحَارِثِيِّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ.
فَائِدَةٌ مِنْ جُمْلَةِ مَا نَسْتَفِيدُهُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا: النَّظَرُ فِي عَمَلِ مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَقَلِّيَّتِهِمْ، وَتَصَفُّحِ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، وَالِاسْتِبْدَالِ مِمَّنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ. وَيَنْظُرُ أَيْضًا فِي أَقْوَالِ الْغَائِبِينَ. عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَوَاخِرِ " بَابِ آدَابِ الْقَاضِي ".
قَوْلُهُ (فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ: فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . وَمَحَلُّهُمَا إذَا لَمْ يَخْتَصَّا بِعَامِلٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: يُسْتَفَادَانِ بِالْوِلَايَةِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَفَادَانِ بِهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ.
стр. 5136
وَقِيلَ: لَا يُسْتَفَادُ الْخَرَاجُ فَقَطْ.
تَنْبِيهٌ مَفْهُومُ قَوْلِهِ " اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ " أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ غَيْرَهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَيَسْتَفِيدُ أَيْضًا الِاحْتِسَابَ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ، وَإِلْزَامَهُمْ بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْوِلَايَةِ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا. بَلْ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَمِيرُ الْبَلَدِ إنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْأَدَبِ. وَلَيْسَ لَهُ الْمَوَارِيثُ وَالْوَصَايَا. وَالْفُرُوجُ وَالْحُدُودُ. إنَّمَا يَكُونُ هَذَا إلَى الْقَاضِي.
قَوْلُهُ (وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْحَاوِي. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا: فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ.
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ. وَلَهُ أَخْذُهُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَغَيْرِهِ.
стр. 5137
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ: وَبِدُونِ حَاجَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَلَا لَهُ أَخْذُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَهُ الْأَخْذُ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لَا يَأْخُذُ أُجْرَةً عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَكْفِيهِ، فَفِي جَوَازِ أَخْذِهِ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ، فَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ شَيْءٌ، فَقَالَ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إلَّا بِجُعْلٍ: جَازَ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رِزْقٌ فَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا حَتَّى تَجْعَلَا لِي عَلَيْهِ جُعْلًا: جَازَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ. انْتَهَيَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ. اخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَيَأْتِي حُكْمُ الْهَدِيَّةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ وَلَهُ كِفَايَةٌ. فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي آدَابِ الْمُفْتِي، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَأُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ، وَفُرُوعِهِ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ عَدَمَ الْجَوَازِ.
стр. 5138
وَمَنْ أَخَذَ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَأْخُذْ أُجْرَةً لِفُتْيَاهُ. وَفِي أُجْرَةِ خَطِّهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ. قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ.
الثَّانِي: لَا يَجُوزُ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَنْ يُسْأَلُ عَنْ الْعِلْمِ، فَرُبَّمَا أُهْدِيَ لَهُ؟ قَالَ: لَا يَقْبَلُ، إلَّا أَنْ يُكَافَأَ. وَيَأْتِي أَيْضًا حُكْمُ هَدِيَّةِ الْمُفْتِي عِنْدَ ذِكْرِ هَدِيَّةِ الْقَاضِي.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا أَوْ فِيهِمَا) . (فَيُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ) . بِلَا نِزَاعٍ.
قَوْلُهُ (فَيَنْفُذُ) (قَضَاؤُهُ فِي أَهْلِهِ، وَمَنْ طَرَأَ إلَيْهِ) . بِلَا نِزَاعٍ أَيْضًا. لَكِنْ لَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ. وَهُوَ مَحَلُّ حُكْمِهِ. وَيَجِبُ إعَادَةُ الشَّهَادَةِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا لِتَعْدِيلِهَا. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: إخْبَارُ الْحَاكِمِ لِحَاكِمٍ آخَرَ بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ فِي عَمَلِهِمَا أَوْ فِي غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ. وَيَجْعَلُ إلَى
стр. 5139
كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلًا فَيَجْعَلُ إلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِلَى الْآخَرِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ، دُونَ غَيْرِهَا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: إنْ اتَّحَدَ الزَّمَنُ أَوْ الْمَحَلُّ: لَمْ يَجُزْ تَوْلِيَةُ قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ. وَإِلَّا جَازَ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ جَعَلَ إلَيْهِمَا عَمَلًا وَاحِدًا: جَازَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ: وَالْأَقْوَى عِنْدِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ. وَقِيلَ: إنْ اتَّحَدَ عَمَلُهُمَا، أَوْ الزَّمَنُ أَوْ الْمَحَلُّ: لَمْ يَجُزْ. وَإِلَّا جَازَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
[فَوَائِدُ جَعْلُ قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي عَمَلٍ وَاحِدٍ]
فَوَائِدُ الْأُولَى: حَيْثُ جَوَّزْنَا جَعْلَ قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي عَمَلٍ وَاحِدٍ، لَوْ تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ أَحَدِهِمْ: قُدِّمَ قَوْلُ صَاحِبِ الْحَقِّ. وَهُوَ الطَّالِبُ. وَلَوْ طَلَبَ حُكْمَ النَّائِبِ أُجِيبَ. فَلَوْ كَانَا مُدَّعِيَيْنِ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاقٍ: اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحُكْمَيْنِ. ثُمَّ الْقُرْعَةُ. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُهُمَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُقَدَّمُ مِنْهُمَا مَنْ طَلَبَ حُكْمَ الْمُسْتَنِيبِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ تَنَازَعَا أُقْرِعَ.
стр. 5140
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأَخِيرَةِ: لَوْ اخْتَلَفَ خَصْمَانِ فِيمَنْ يَحْتَكِمَانِ إلَيْهِ. قُدِّمَ الْمُدَّعِي فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى. اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ إلَيْهِمَا. فَإِنْ اسْتَوَيَا: أُقْرِعَ بَيْنَهَا. وَقِيلَ: يُمْنَعَانِ مِنْ التَّخَاصُمِ حَتَّى يَتَّفِقَانِ عَلَى أَحَدِهِمَا. قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِقَوْلِنَا.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَجُوزُ لِكُلِّ ذِي مَذْهَبٍ أَنْ يُوَلِّيَ مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ. ذَكَرَهُ فِي مَكَانَيْنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ: فَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. قُلْت: الصَّوَابُ الْجَوَازُ. وَقَالَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى أَيْضًا، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ النَّاظِمُ:
وَتَوْلِيَةُ الْمَرْءِ الْمُخَالِفِ مَذْهَبَ ... الْمُوَلِّي أُجِزْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مُقَيَّدٍ
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَمَتَى اسْتَنَابَ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ إنْ كَانَ لِكَوْنِهِ أَرْجَحَ، فَقَدْ أَحْسَنَ مَعَ صِحَّةِ ذَلِكَ. وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي " بَابِ الْوَكَالَةِ " وَيُتَوَجَّهُ جَوَازُهَا إذَا جَازَ لَهُ الْحُكْمُ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ. وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِ إمَامِهِ. وَإِلَّا انْبَنَى عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَسْتَنِيبُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ، كَتَوْكِيلِ مُسْلِمٍ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ؟ انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ الْمِرْدَاوِيُّ، صَاحِبُ الِانْتِصَارِ فِي الْحَدِيثِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ جَوَّزَ الْمُنَاقَلَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ. قَالَ: وَلَمْ يَقُلْ بِجَوَازِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْحَابِ إلَّا ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ. انْتَهَى.
الثَّالِثَةُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ. قَالَا: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
стр. 5141
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: مَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إمَامٍ بِعَيْنِهِ: اُسْتُتِيبَ. فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. قَالَ: وَإِنْ قَالَ: يَنْبَغِي، كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا. قَالَ: وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِإِمَامٍ، فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، أَوْ لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا أَعْلَمَ وَأَتْقَى: فَقَدْ أَحْسَنَ. وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ. قَالَ: وَهَذِهِ الْحَالُ تَجُوزُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ أَيْضًا: بَلْ تَجِبُ. وَأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵀ نَصَّ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي أَحْكَامِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي.
قَوْلُهُ (فَإِنْ) (مَاتَ الْمُوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّازِمِ (أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِهَا (مَعَ صَلَاحِيَتِهِ) : (لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . إذَا مَاتَ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّازِمِ فَهَلْ يَنْعَزِلُ الْمُوَلَّى؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَطْلَقَهُمَا الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَزِلُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَالنَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الشَّارِحُ: وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَوْلًا وَاحِدًا. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي " بَابِ نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ " فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْمَحْرَمِ: الْمَشْهُورُ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَنْعَزِلُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ، أَوْ الْعَازِلُ قَاضِيًا.
стр. 5142
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، إنْ قُلْنَا: الْحَاكِمُ نَائِبُ الشَّرْعِ: لَمْ يَنْعَزِلْ. وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبُ مَنْ وَلَّاهُ: انْعَزَلَ. وَأَمَّا إذَا عَزَلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ الْقَاضِيَ الْمُوَلَّى مَعَ صَلَاحِيَتِهِ فَهَلْ يَنْعَزِلُ، وَتَبْطُلُ وِلَايَتُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا.
أَحَدُهُمَا: لَا تَبْطُلُ وِلَايَتُهُ. وَلَا يَنْعَزِلُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ الْأَدَمِيُّ فِي مُنْتَخَبِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَبْطُلُ وِلَايَتُهُ وَيَنْعَزِلُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: كَالْوَلِيِّ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: كَعَقْدِ وَصِيٍّ وَنَاظِرٍ عَقْدًا جَائِزًا، كَوَكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ. انْتَهَى. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْقُضَاةَ هَلْ هُمْ نُوَّابُ الْإِمَامِ، أَوَالْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَغَيْرِهِ.
أَحَدُهُمَا: هُمْ نُوَّابُ الْمُسْلِمِينَ. فَعَلَيْهِ: لَا يَنْعَزِلُونَ بِالْعَزْلِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَالثَّانِي: هُمْ نُوَّابُ الْإِمَامِ. فَيَنْعَزِلُونَ بِالْعَزْلِ.
стр. 5143
فَوَائِدُ الْأُولَى: مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ: كُلُّ عَقْدٍ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَوَالٍ، وَمَنْ يُنْصَبُ لِجِبَايَةِ مَالٍ وَصَرْفِهِ، وَأَمِيرِ الْجِهَادِ، وَوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمُحْتَسِبِ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَيْضًا فِي الْكُلِّ: لَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِ الْمُسْتَنِيبِ وَمَوْتِهِ حَتَّى يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي نَائِبِهِ فِي الْحَكَمِ وَقَيِّمِ الْأَيْتَامِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِمْ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا: إنْ اسْتَخْلَفَهُمْ بِإِذْنِ مَنْ وَلَّاهُ، وَقِيلَ: وَقَالَ اُسْتُخْلِفَ عَنْك: انْعَزِلُوا انْتَهَى. وَلَا يَبْطُلُ مَا فَرَضَهُ فَارِضٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ قَاضِيًا، فَزَالَتْ وِلَايَتُهُ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ: انْعَزَلَ نَائِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْعَزِلْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَهَا. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَكُلُّ قَاضٍ مَاتَ أَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ وَصَحَّ عَزْلُهُ فِي الْأَصَحِّ أَوْ عَزْلُ مَنْ وَلَّاهُ وَصَحَّ عَزْلُهُ أَوْ انْعَزَلَ بِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ: انْعَزَلَ نَائِبُهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ، كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ خَاصَّةٍ وَبَيْعِ تَرِكَةِ مَيِّتٍ خَاصَّةٍ. وَقَالَ: وَفِي خُلَفَائِهِ وَنَائِبِهِ فِي الْحُكْمِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَبَلَدٍ وَقَرْيَةٍ، وَقَيِّمِ الْأَيْتَامِ وَنَاظِرِ الْوُقُوفِ وَنَحْوِهِمْ أَوْجُهٌ: الْعَزْلُ وَعَدَمُهُ. وَهُوَ بَعِيدٌ.
стр. 5144
وَالثَّالِثُ: إنْ اسْتَخْلَفَهُمْ بِإِذْنِ مَنْ وَلَّاهُ انْعَزِلُوا.
وَالرَّابِعُ: إنْ قَالَ لِلْمُوَلِّي: اُسْتُخْلِفَ عَنْك: انْعَزَلُوا. وَإِنْ قَالَ: اُسْتُخْلِفَ عَنِّي: فَلَا كَمَا تَقَدَّمَ. انْتَهَى. وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْأَصْحَابِ: يَنْعَزِلُ نُوَّابُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُمْ نُوَّابُهُ. وَلَا يَنْعَزِلُ الْقُضَاةُ. لِأَنَّهُمْ نُوَّابُ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَا يَنْعَزِلُ نُوَّابُ الْقُضَاةِ. وَاخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ. وَجَزَمَ فِي التَّرْغِيبِ أَيْضًا: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ فِي أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، مِنْ سَمَاعِ شَهَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِحْضَارِ مُسْتَعْدًى عَلَيْهِ. وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: لَوْ عَزَلَهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مِنْ عِنْدِهِ: وَمَنْ لَزِمَهُ قَبُولُ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا: لَهُ عَزْلُ نَائِبِهِ بِأَفْضَلَ مِنْهُ. وَقِيلَ: بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: بِدُونِهِ لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ. وَقَالَ الْقَاضِي: عَزْلُ نَفْسِهِ يَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ: هَلْ هُوَ وَكِيلٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
стр. 5145
نُصَّ عَلَيْهِمَا فِي خَطَأِ الْإِمَامِ. فَإِنْ قِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَالِ فَهُوَ وَكِيلٌ، فَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَلَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي: هَلْ لِمَنْ وَلَّاهُ عَزْلُهُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّالِفُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي " بَابِ الْعَاقِلَةِ " وَخَطَأُ إمَامٍ وَحَاكِمٍ: فِي حُكْمِ بَيْتِ الْمَالِ. وَعَلَيْهَا: لِلْإِمَامِ عَزْلُ نَفْسِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ " بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ " الْخِلَافُ فِي تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ: هَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، أَوْ الْوِلَايَةِ؟ فَلْيُعَاوَدْ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ) وَبِنَاءُ الْخِلَافِ هُنَا عَلَى رِوَايَتَيْ عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِانْعِزَالِهِ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَقَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِمْ. فَيَكُونُ الْمُرَجَّحُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ عَزْلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ. وَذَكَرَهُمَا مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي الْمُذَهَّبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ.
стр. 5146
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ. صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ. بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ انْعَزَلَ الْوَكِيلُ. وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. قَالَ: لِأَنَّ فِي وِلَايَتِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ وَكِيلٌ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِنَسْخِ الْأَحْكَامِ. لَا يَثْبُتُ قَبْلَ بُلُوغِ النَّاسِخِ. عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافَ الْوَكَالَةِ الْمَحْضَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي الْعُقُودُ وَالْفُسُوخُ، فَتَعْظُمُ الْبَلْوَى بِإِبْطَالِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ. قُلْت: وَهَذَا الصَّوَابُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا بَقَاؤُهُ حَتَّى يَعْلَمَ بِهِ.
فَائِدَةٌ لَوْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ قَاضِي بَلَدٍ، فَوَلَّى غَيْرُهُ حَيًّا: لَمْ يَنْعَزِلْ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ قَدْ وَلَّيْته: لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَنْظُرُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَذَلِكَ لِجَهَالَةِ الْمُوَلَّى مِنْهُمَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَعَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ عَلَّقَ الْوِلَايَةَ بِشَرْطٍ. ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِالْجَوَازِ لِلْخَبَرِ " أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ ". قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَعْرُوفُ صِحَّةُ الْوِلَايَةِ بِشَرْطٍ.
стр. 5147
وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ بِالشَّرْطِ. وَأَمَّا إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ بَعْدَ مَوْتِهِ: فَسَبَقَ ذَلِكَ فِي " بَابِ الْمُوصَى إلَيْهِ ".
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا. فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ) . لِأَنَّهُ وَلَّاهُمَا. ثُمَّ عَيَّنَ مَنْ سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ.
قَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ) : (أَنْ يَكُونَ بَالِغًا) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ فِي كُتُبِهِ " بَالِغًا " وَظَاهِرُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ.
قَوْلُهُ (حُرًّا) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَأَبُو الْخَطَّابِ. وَقَالَ أَيْضًا: يَجُوزُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ.
فَائِدَةٌ يَصِحُّ وِلَايَةُ الْعَبْدِ إمَارَةَ السَّرَايَا، وَقَسْمَ الصَّدَقَاتِ وَالْفَيْءِ، وَإِمَامَةَ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَحَلَّ وِفَاقٍ.
قَوْلُهُ (مُسْلِمًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعُوا بِهِ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ، فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ: لَا نَعْرِفُ فِيهِ رِوَايَةً. وَإِنْ سَلِمَ. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يُحْتَمَلُ الْمَنْعُ، وَإِنْ سَلِمَ.
стр. 5148
قَوْلُهُ (عَدْلًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَلَوْ كَانَ تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجُزِمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: إنْ فُسِّقَ بِشُبْهَةٍ. فَوَجْهَانِ. وَيَأْتِي بَيَانُ الْعَدَالَةِ فِي " بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ". وَقَدْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْعَدَالَةُ الْمُشْتَرَطَةُ هُنَا: هَلْ هِيَ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَمَا فِي الْحُدُودِ أَوْ ظَاهِرًا فَقَطْ، كَمَا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ وَالْحَاضِنِ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَفِيهَا الْخِلَافُ، كَمَا فِي الْعَدَالَةِ فِي الْأَمْوَالِ، ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهَا كَاَلَّتِي فِي الْأَمْوَالِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ كَاَلَّتِي فِي الْحُدُودِ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (سَمِيعًا بَصِيرًا) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطَانِ.
قَوْلُهُ (مُجْتَهِدًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ. وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا إجْمَاعًا.
стр. 5149
وَقَالَ: أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلَا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ. فَلَا يَحْكُمُ وَلَا يُفْتِي إلَّا بِقَوْلِهِ. وَقَالَ فِي الْإِفْصَاحِ: الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي خُطْبَةِ الْمُغْنِي: النِّسْبَةُ إلَى إمَامٍ فِي الْفُرُوعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ. فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ، وَاتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ مَا فَهِمَهُ هَذَا الْحَنَفِيُّ. انْتَهَى وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ: وَمُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ لِلضَّرُورَةِ. وَاخْتَارَ فِي الْإِفْصَاحِ وَالرِّعَايَةِ: أَوْ مُقَلِّدًا. قُلْت: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَإِلَّا تَعَطَّلَتْ أَحْكَامُ النَّاسِ وَقِيلَ فِي الْمُقَلِّدِ: يُفْتِي ضَرُورَةً. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ ابْنَ شَاقِلَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: لَا يَكُونُ فَقِيهًا حَتَّى يَحْفَظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ. فَقَالَ: إنْ كُنْت لَا أَحْفَظُهُ، فَإِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْهُ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵀ لِمَنْعِهِ الْفُتْيَا بِلَا عِلْمٍ. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: ظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَخْذِهِ طُرُقَ الْعِلْمِ عَنْهُ
стр. 5150
وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: مَا أَعِيبُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ خَمْسَ مَسَائِلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ يُفْتِي بِهَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مِنْهُ مُبَالَغَةٌ فِي فَضْلِهِ. وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ: يُفْتِي غَيْرُ مُجْتَهِدٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ عَلَى الْحَاجَةِ. فَعَلَى هَذَا: يُرَاعِي أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا، وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْكُمُ وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ. لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الظَّاهِرِ عَنْهُ. فَيُتَوَجَّهُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ الْخِلَافُ فِي مُجْتَهِدٍ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي أُصُولِهِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مُخَالَفَةُ الْمُفْتِي نَصَّ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ كَمُخَالَفَةِ الْمُفْتِي نَصَّ الشَّارِعِ.
فَائِدَةٌ
يَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى إجْمَاعًا، وَبِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا. وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ أَوْ عَلَيْهِ إجْمَاعًا. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَيَأْتِي قَرِيبًا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُفْتِي.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الشُّرُوطِ.
следующие страницы →