Полный текст (5 685 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ. صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ. بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ انْعَزَلَ الْوَكِيلُ. وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. قَالَ: لِأَنَّ فِي وِلَايَتِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ وَكِيلٌ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِنَسْخِ الْأَحْكَامِ. لَا يَثْبُتُ قَبْلَ بُلُوغِ النَّاسِخِ. عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافَ الْوَكَالَةِ الْمَحْضَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي الْعُقُودُ وَالْفُسُوخُ، فَتَعْظُمُ الْبَلْوَى بِإِبْطَالِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ. قُلْت: وَهَذَا الصَّوَابُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا بَقَاؤُهُ حَتَّى يَعْلَمَ بِهِ.
فَائِدَةٌ لَوْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ قَاضِي بَلَدٍ، فَوَلَّى غَيْرُهُ حَيًّا: لَمْ يَنْعَزِلْ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ قَدْ وَلَّيْته: لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَنْظُرُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَذَلِكَ لِجَهَالَةِ الْمُوَلَّى مِنْهُمَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَعَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ عَلَّقَ الْوِلَايَةَ بِشَرْطٍ. ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِالْجَوَازِ لِلْخَبَرِ " أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ ". قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَعْرُوفُ صِحَّةُ الْوِلَايَةِ بِشَرْطٍ.
стр. 5147
وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ بِالشَّرْطِ. وَأَمَّا إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ بَعْدَ مَوْتِهِ: فَسَبَقَ ذَلِكَ فِي " بَابِ الْمُوصَى إلَيْهِ ".
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا. فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ) . لِأَنَّهُ وَلَّاهُمَا. ثُمَّ عَيَّنَ مَنْ سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ.
قَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ) : (أَنْ يَكُونَ بَالِغًا) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ فِي كُتُبِهِ " بَالِغًا " وَظَاهِرُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ.
قَوْلُهُ (حُرًّا) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَأَبُو الْخَطَّابِ. وَقَالَ أَيْضًا: يَجُوزُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ.
فَائِدَةٌ يَصِحُّ وِلَايَةُ الْعَبْدِ إمَارَةَ السَّرَايَا، وَقَسْمَ الصَّدَقَاتِ وَالْفَيْءِ، وَإِمَامَةَ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَحَلَّ وِفَاقٍ.
قَوْلُهُ (مُسْلِمًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعُوا بِهِ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ، فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ: لَا نَعْرِفُ فِيهِ رِوَايَةً. وَإِنْ سَلِمَ. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يُحْتَمَلُ الْمَنْعُ، وَإِنْ سَلِمَ.
стр. 5148
قَوْلُهُ (عَدْلًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَلَوْ كَانَ تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجُزِمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: إنْ فُسِّقَ بِشُبْهَةٍ. فَوَجْهَانِ. وَيَأْتِي بَيَانُ الْعَدَالَةِ فِي " بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ". وَقَدْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْعَدَالَةُ الْمُشْتَرَطَةُ هُنَا: هَلْ هِيَ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَمَا فِي الْحُدُودِ أَوْ ظَاهِرًا فَقَطْ، كَمَا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ وَالْحَاضِنِ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَفِيهَا الْخِلَافُ، كَمَا فِي الْعَدَالَةِ فِي الْأَمْوَالِ، ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهَا كَاَلَّتِي فِي الْأَمْوَالِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ كَاَلَّتِي فِي الْحُدُودِ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (سَمِيعًا بَصِيرًا) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطَانِ.
قَوْلُهُ (مُجْتَهِدًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ. وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا إجْمَاعًا.
стр. 5149
وَقَالَ: أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلَا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ. فَلَا يَحْكُمُ وَلَا يُفْتِي إلَّا بِقَوْلِهِ. وَقَالَ فِي الْإِفْصَاحِ: الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي خُطْبَةِ الْمُغْنِي: النِّسْبَةُ إلَى إمَامٍ فِي الْفُرُوعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ. فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ، وَاتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ مَا فَهِمَهُ هَذَا الْحَنَفِيُّ. انْتَهَى وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ: وَمُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ لِلضَّرُورَةِ. وَاخْتَارَ فِي الْإِفْصَاحِ وَالرِّعَايَةِ: أَوْ مُقَلِّدًا. قُلْت: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَإِلَّا تَعَطَّلَتْ أَحْكَامُ النَّاسِ وَقِيلَ فِي الْمُقَلِّدِ: يُفْتِي ضَرُورَةً. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ ابْنَ شَاقِلَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: لَا يَكُونُ فَقِيهًا حَتَّى يَحْفَظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ. فَقَالَ: إنْ كُنْت لَا أَحْفَظُهُ، فَإِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْهُ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵀ لِمَنْعِهِ الْفُتْيَا بِلَا عِلْمٍ. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: ظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَخْذِهِ طُرُقَ الْعِلْمِ عَنْهُ
стр. 5150
وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: مَا أَعِيبُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ خَمْسَ مَسَائِلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ يُفْتِي بِهَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مِنْهُ مُبَالَغَةٌ فِي فَضْلِهِ. وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ: يُفْتِي غَيْرُ مُجْتَهِدٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ عَلَى الْحَاجَةِ. فَعَلَى هَذَا: يُرَاعِي أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا، وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْكُمُ وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ. لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الظَّاهِرِ عَنْهُ. فَيُتَوَجَّهُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ الْخِلَافُ فِي مُجْتَهِدٍ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي أُصُولِهِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مُخَالَفَةُ الْمُفْتِي نَصَّ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ كَمُخَالَفَةِ الْمُفْتِي نَصَّ الشَّارِعِ.
فَائِدَةٌ
يَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى إجْمَاعًا، وَبِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا. وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ أَوْ عَلَيْهِ إجْمَاعًا. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَيَأْتِي قَرِيبًا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُفْتِي.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الشُّرُوطِ.
стр. 5151
قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَالْكَاتِبُ أَوْلَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُشْتَرَطُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. لَكِنْ صَحَّحَ الْأَوَّلَ.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُنْكِرُوهُ. وَقَالَ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵏: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ وَرِعًا. وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ وَرِعًا زَاهِدًا. وَأَطْلَقَ فِي التَّرْغِيبِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ فِيهِمَا وَجْهَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا مُغَفَّلًا. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الَّذِي يَظْهَرُ: الْجَزْمُ بِهِ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ. وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا بَلِيدًا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: لَا نَافِيًا لِلْقِيَاسِ.
стр. 5152
وَجَعَلَهُ ظَاهِرَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: الْوِلَايَةُ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ، وَالْأَمَانَةُ. فَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ: تَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ، وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ. وَالْأَمَانَةُ: تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ . قَالَ: وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تُعْتَبَرُ حَسْبَ الْإِمْكَانِ. وَيَجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَغَيْرِهِ. فَيُوَلِّي لِلْعَدَمِ: أَنْفَعَ الْفَاسِقِينَ. وَأَقَلَّهُمَا شَرًّا، وَأَعْدَلَ الْمُقَلِّدِينَ وَأُعْرَفَهُمَا بِالتَّقْلِيدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ. فَإِنَّ الْمَرُّوذِيَّ نَقَلَ فِيمَنْ قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ الْحُكْمَ بِالْعَدْلِ: يَصِيرُ الْحُكْمُ إلَى أَعْدَلَ مِنْهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا فَاسِقٌ، عَالِمٌ، أَوْ جَاهِلُ دِينٍ: قُدِّمَ مَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَكْثَرُ إذَنْ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ. وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. فَالشَّابُّ الْمُتَّصِفُ بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ كَغَيْرِهِ. لَكِنَّ الْأَسَنَّ أَوْلَى مَعَ التَّسَاوِي. وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمَنْ كَانَ أَكْمَلَ فِي الصِّفَاتِ. وَيُوَلَّى الْمُوَلَّى مَعَ أَهْلِيَّتِهِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: كُلُّ مَا يَمْنَعُ مِنْ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ ابْتِدَاءً: يَمْنَعُهَا دَوَامًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. فَيَنْعَزِلُ إذَا طَرَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْوَجِيزِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ: مَا فُقِدَ مِنْ الشُّرُوطِ
стр. 5153
فِي الدَّوَامِ: أَزَالَ الْوِلَايَةَ، إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِيمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ. فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ بَاقِيَةٌ فِيهِ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: فِي فَقْدِ الْبَصَرِ فَقَطْ. وَقِيلَ: إنْ تَابَ فَاسِقٌ، أَوْ أَفَاقَ مَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَقُلْنَا. يَنْعَزِلُ بِالْإِغْمَاءِ فَوِلَايَتُهُ بَاقِيَةٌ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. وَقَالَ فِي الْمُعْتَمَدِ: إنْ طَرَأَ جُنُونٌ، فَقِيلَ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُطْبَقًا لَمْ يُعْزَلْ كَالْإِغْمَاءِ. وَإِنْ أُطْبِقَ بِهِ: وَجَبَ عَزْلُهُ. وَقَالَ: الْأَشْبَهُ. بِقَوْلِنَا: يُعْزَلُ إنْ أُطْبِقَ شَهْرًا. لِأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجَازَ شَهَادَةَ مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ. وَقَالَ: فِي الشَّهْرِ مَرَّةً. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ مَرِضَ مَرَضًا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ: تَعَيَّنَ عَزْلُهُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: يَنْعَزِلُ.
قَوْلُهُ (وَالْمُجْتَهِدُ: مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﵊ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُبَيَّنَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَعْرِفُ مِنْ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَمُتَوَاتِرَهَا مِنْ آحَادِهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْأَحْكَامِ خَاصَّةً. وَيَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ. وَالْقِيَاسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ، وَكَيْفِيَّةَ
стр. 5154
اسْتِنْبَاطِهِ، وَالْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَمَا يُوَالِيهِمْ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ. فَمَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَرُزِقَ فَهْمَهُ: صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) . وَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَمَنْ عَرَفَ أَكْثَرَهُ: صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: فَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ وَفَهِمَهُ: صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِ، وَرُزِقَ فَهْمَهُ: صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ أَكْثَرَ فُرُوعِ الْفِقْهِ. وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: يَجِبُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: مَنْ حَصَّلَ أُصُولَ الْفِقْهِ وَفُرُوعَهُ: فَمُجْتَهِدٌ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَالْمُفْتِي الْعَالِمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ، وَمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ، وَالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مُفَصَّلَةً، وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا غَالِبًا. وَاعْتَبَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَعْرِفَةَ أَكْثَرِ الْفِقْهِ. وَالْأَشْهَرُ: لَا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ أَوْ إشْكَالٍ. لَكِنْ يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ. وَيَكْفِيهِ أَخْذُ الْأَحْكَامِ مِنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا. زَادَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: وَيَعْرِفُ الِاسْتِدْلَالَ، وَاسْتِصْحَابَ الْحَالِ، وَالْقُدْرَةَ عَلَى إبْطَالِ شُبْهَةِ الْمُخَالِفِ، وَإِقَامَةَ الدَّلَائِلِ عَلَى مَذْهَبِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي أَيْضًا: وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْحِسَابِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَيْهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَيَأْتِي بَعْدَ فَرَاغِ الْكِتَابِ: أَقْسَامُ الْمُجْتَهِدِينَ.
стр. 5155
وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ " مُجْتَهِدٌ " أَنَّهُ لَا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
[فَوَائِد أَدَّى اجْتِهَادُ الْقَاضِي ي إلَى حُكْمٍ]
فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ: لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ إجْمَاعًا. وَيَأْتِي هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فِي قَوْلِهِ " وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ. وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ ". وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ أَيْضًا مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: قَالَهُ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ. اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، وَقَالَ: مَذْهَبُنَا جَوَازُ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهَذَا لَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَصْحَابِنَا. نَقَلَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي الْخُطْبَةِ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ لِأَعْلَمَ مِنْهُ. وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: يُقَلِّدُ صَحَابِيًّا، وَيُخَيَّرُ فِيهِمْ. وَمِنْ التَّابِعِينَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ فَقَطْ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لِلْعُلَمَاءِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ غَيْرُ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُمَا فِي " بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ". وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ لِخَوْفِهِ عَلَى خُصُومٍ مُسَافِرِينَ فَوْتَ رُفْقَتِهِمْ فِي الْأَصَحِّ
وَمِنْهَا: يُتَحَرَّى الِاجْتِهَادُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا.
стр. 5156
وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَتَحَرَّى. وَقِيلَ: يَتَحَرَّى فِي بَابٍ، لَا فِي مَسْأَلَةٍ.
وَمِنْهَا: وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فِي أَحْكَامِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي. تَقَدَّمَ قَرِيبًا تَحْرِيمُ الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى، وَبِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا. وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ ﵏ كَانُوا يَهَابُونَ الْفُتْيَا، وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا، وَيَتَدَافَعُونَهَا. وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ تَهَجَّمَ فِي الْجَوَابِ. وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى. وَقَالَ: إذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنْ يَقُولَ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَفِي وُجُوبِ تَقْدِيمِ مَعْرِفَةِ فُرُوعِ الْفِقْهِ عَلَى أُصُولِهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ تَقْدِيمُ مَعْرِفَةِ فُرُوعِ الْفِقْهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَهُوَ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: يَجِبُ تَقْدِيمُ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَغَيْرُهُمَا. قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَقَدْ أَوْجَبَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ: تَقْدِيمَ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى فُرُوعِهِ. وَلِهَذَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَابْنُ الْبَنَّا، فِي أَوَائِلِ كُتُبِهِمْ الْفُرُوعِيَّةِ.
стр. 5157
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ: أَبْلَغُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إحْكَامِ الْأَحْكَامِ: إتْقَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَطَرَفٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي أُصُولِهِ، تَبَعًا لِمُسَوَّدَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: تَقْدِيمُ مَعْرِفَتِهَا أَوْلَى مِنْ الْفُرُوعِ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِ. قُلْت: فِي غَيْرِ فَرْضِ الْعَيْنِ. وَعِنْدَ الْقَاضِي: عَكْسُهُ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى. وَكَلَامُ غَيْرِهِمْ فِي الْوُجُوبِ. وَتَقَدَّمَ: هَلْ لِلْمُفْتِي الْأَخْذُ مِنْ الْمُسْتَفْتِي إذَا كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ، أَمْ لَا؟ وَيَأْتِي: هَلْ لَهُ أَخْذُ الْهَدِيَّةِ أَمْ لَا؟ عِنْدَ أَحْكَامِ هَدِيَّةِ الْحَاكِمِ. وَالْمُفْتِي: مَنْ يُبَيِّنُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، وَيُخْبِرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ. وَالْحَاكِمُ: مَنْ يُبَيِّنُهُ وَيُلْزِمُ بِهِ. قَالَهُ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ. وَلَا يُفْتِي فِي حَالٍ لَا يُحْكَمُ فِيهَا، كَغَضَبٍ وَنَحْوِهِ. عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: فَظَاهِرُهُ يَحْرُمُ كَالْحُكْمِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا يُفْتِي فِي هَذِهِ الْحَالِ. فَإِنْ أَفْتَى وَأَصَابَ: صَحَّ وَكُرِهَ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. وَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي قَضَاءِ الْغَضْبَانِ وَنَحْوِهِ وَتَصِحُّ فَتْوَى الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْقَرِيبِ وَالْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ الْمَفْهُومِ الْإِشَارَةُ أَوْ الْكِتَابَةُ. وَتَصِحُّ مَعَ جَرِّ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ. وَتَصِحُّ مِنْ الْعَدُوِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَآدَابِ الْمُفْتِي، وَالْفُرُوعِ فِي " بَابِ أَدَبِ الْقَاضِي ".
стр. 5158
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ كَالْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ. وَلَا تَصِحُّ مِنْ فَاسِقٍ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، لَكِنْ يُفْتِي نَفْسَهُ وَلَا يَسْأَلُ غَيْرَهُ. وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَغَيْرِهِ: لَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ فِي اجْتِهَادِهِ، بَلْ فِي قَبُولِ فُتْيَاهُ وَخَبَرِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ، قُلْت: الصَّوَابُ جَوَازُ اسْتِفْتَاءِ الْفَاسِقِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ، دَاعِيًا إلَى بِدْعَتِهِ. فَحُكْمُ اسْتِفْتَائِهِ حُكْمُ إمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ. وَلَا تَصِحُّ مِنْ مَسْتُورِ الْحَالِ أَيْضًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. قَدَّمَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي. وَعَمِلَ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ. وَقِيلَ: تَصِحُّ إنْ اكْتَفَيْنَا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِلَّا فَلَا. وَالْحَاكِمُ كَغَيْرِهِ فِي الْفُتْيَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ لَهُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، دُونَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، وَنَحْوِهِمَا.
وَيَحْرُمُ تَسَاهُلُ مُفْتٍ، وَتَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ بِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: لَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ إلَّا مَنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى فِيهِ. وَيَأْتِي: هَلْ لَهُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ، أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ لِمَنْ انْتَسَبَ إلَى مَذْهَبِ إمَامٍ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ: أَنْ
стр. 5159
يَتَخَيَّرَ. فَيَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، بَلْ إنْ عَلِمَ تَارِيخَ الْقَوْلَيْنِ: عَمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ، إنْ صَرَّحَ بِرُجُوعِهِ عَنْ الْأَوَّلِ. وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا. وَهَلْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إذَا تَرَجَّحَ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِقَائِلِهِمَا؟ وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: إذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ بِالدَّلِيلِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوَالْوَجْهَيْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ فِي التَّرْجِيحِ إلَى صِفَاتِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ. فَيَعْمَلَ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَالْأَعْلَمِ وَالْأَوْرَعِ. فَإِنْ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِصِفَةٍ مِنْهَا، وَالْآخَرُ بِصِفَةٍ أُخْرَى: قُدِّمَ الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بِالصَّوَابِ. فَالْأَعْلَمُ الْأَوْرَعُ: مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوْرَعِ الْعَالِمِ. وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِهِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا: اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلَيْهِمَا وَقَابِلَيْهِمَا. وَيُرَجِّحُ مَا وَافَقَ مِنْهُمَا أَئِمَّةَ أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ، أَوْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ. انْتَهَى. قُلْت: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ تَحْرِيرُ ذَلِكَ. وَإِذَا اعْتَدَلَ عِنْدَهُ قَوْلَانِ وَقُلْنَا: يَجُوزُ أَفْتَى بِأَيِّهِمَا شَاءَ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْكِفَايَةِ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ. كَمَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَعْمَلَ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ. وَقِيلَ: يُخَيَّرُ الْمُسْتَفْتِي، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْأَحْوَطُ.
وَيَلْزَمُ الْمُفْتِي تَكْرِيرَ النَّظَرِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْوَاقِعَةِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 5160
جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ: وَإِلَّا كَانَ. مُقَلِّدًا لِنَفْسِهِ. لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ. لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَعَدَمُ غَيْرِهِ، وَلُزُومُ السُّؤَالِ ثَانِيًا فِيهِ الْخِلَافُ. وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْآمِدِيِّ: إنْ ذَكَرَ الْمُفْتِي طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ: لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِلَّا لَزِمَهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَإِنْ حَدَثَ مَا لَا قَوْلَ فِيهِ تَكَلَّمَ فِيهِ حَاكِمٌ وَمُجْتَهِدٌ وَمُفْتٍ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِي أُصُولِ الدِّينِ. قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ مُفَصَّلًا. بَلْ يُمْنَعَ السَّائِلُ وَسَائِرُ الْعَامَّةِ مِنْ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا. وَقَدَّمَهُ فِي مُقْنِعِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَدَّمَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، لَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ. وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ. وَقَالَ فِي خُطْبَةِ الْإِرْشَادِ: لَا بُدَّ مِنْ الْجَوَابِ. وَقَالَ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْأَقْوَالَ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، أَوْ يَجِبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَهْلِيَّةِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ.
فَإِنْ عُدِمَ الْأَمْرَانِ: لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا: اُحْتُمِلَ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ، وَالْجَوَابُ عِنْدَ الْحَاجَةِ دُونَ عَدَمِهَا. انْتَهَى. وَلَهُ تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، أَوْ كَانَ أَرْجَحَ.
стр. 5161
وَسَأَلَهُ أَبُو دَاوُد: الرَّجُلُ يَسْأَلُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، أَدُلُّهُ عَلَى إنْسَانٍ يَسْأَلُهُ؟ قَالَ: إذَا كَانَ، الَّذِي أُرْشِدَ إلَيْهِ يَتْبَعُ وَيُفْتِي بِالسُّنَّةِ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يُرِيدُ الِاتِّبَاعَ، وَلَيْسَ كُلُّ قَوْلِهِ يُصِيبُ. قَالَ: وَمَنْ يُصِيبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟ وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْخُلْعِ: التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ. وَلَا يَلْزَمُ جَوَابٌ مَا لَمْ يَقَعْ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَلَا يَجِبُ جَوَابُ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُ السَّائِلِ، وَلَا مَا لَا نَفْعَ فِيهِ. وَمَنْ عَدِمَ مُفْتِيًا فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَدَّمَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَهُوَ أَقْيَسُ. وَقِيلَ: مَتَى خَلَتْ الْبَلْدَةُ مِنْ مُفْتٍ: حَرُمَتْ السُّكْنَى فِيهَا. ذَكَرَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي. وَلَهُ رَدُّ الْفُتْيَا، إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَطَعَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ بِفُتْيَا، وَهُوَ جَاهِلٌ: تَعَيَّنَ الْجَوَابُ عَلَى الْعَالِمِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: الْأَظْهَرُ لَا يَجُوزُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، كَسُؤَالِ عَامِّيٍّ عَمَّا لَمْ يَقَعْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ حَاكِمٌ فِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ، لَا يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ وَإِلَّا لَزِمَهُ. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، فِي شَهَادَةِ الْعَبْدِ: الْحُكْمُ يَتَعَيَّنُ بِوِلَايَتِهِ، حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ رَدُّ مُحْتَكِمِينَ إلَيْهِ. وَيُمْكِنُهُ رَدُّ مَنْ يَسْتَشْهِدُهُ.
стр. 5162
وَإِنْ كَانَ مُتَحَمِّلًا لِشَهَادَةٍ: فَنَادِرٌ أَنْ لَا يَكُونَ سِوَاهُ. وَفِي الْحُكْمِ لَا يَنُوبُ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ. وَلَا يَقُولُ لِمَنْ ارْتَفَعَ إلَيْهِ: امْضِ إلَى غَيْرِي مِنْ الْحُكَّامِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ مِنْ الْوَجْهِ فِي إثْمِ مَنْ دُعِيَ لِشَهَادَةٍ. قَالُوا: لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِدُعَائِهِ. لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إثْمُ مَنْ عَيَّنَ فِي كُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ فَامْتَنَعَ. قَالَ: وَكَلَامُهُمْ فِي الْحَاكِمِ، وَدَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ. وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ: خِلَافُهُ. انْتَهَى. وَمَنْ قَوِيَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ: أَفْتَى بِهِ وَأَعْلَمَ السَّائِلَ. وَمَنْ أَرَادَ كِتَابَةً عَلَى فُتْيَا، أَوْ شَهَادَةٍ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَبِّرَ خَطَّهُ، لِتَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ، وَلَا حَاجَةَ كَمَا لَوْ أَبَاحَهُ قَمِيصَهُ فَاسْتَعْمَلَهُ فِيمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْعَادَةِ بِلَا حَاجَةٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، وَغَيْرِهِ. وَكَذَا قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُفْتِيَ، أَوْ يَكْتُبَ شَهَادَةً: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ الْأَسْطُرَ، وَلَا يُكْثِرُ إذَا أَمْكَنَ الِاخْتِصَارُ. لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ، وَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ. وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي أُصُولِهِ: وَيُتَوَجَّهُ مَعَ قَرِينَةِ خِلَافٍ. وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ فِي الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ إجْمَاعًا، بَلْ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ. فَلَوْ سُئِلَ: هَلْ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ، لَا الثَّانِي. وَمَسْأَلَةُ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي الطَّيِّبِ مَعَ قَوْمٍ مَعْلُومِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لَا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِدٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ.
стр. 5163
فَيُرَاعِي أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا. وَيُقَلِّدُ كِبَارَ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ. وَالْعَامِّيُّ يُخَيَّرُ فِي فَتْوَاهُ فَقَطْ. فَيَقُولُ: مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: النَّاظِرُ الْمُجَرَّدُ يَكُونُ حَاكِيًا، لَا مُفْتِيًا. وَقَالَ فِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إنْ كَانَ الْفَقِيهُ مُجْتَهِدًا، يَعْرِفُ صِحَّةَ الدَّلِيلِ: كَتَبَ الْجَوَابَ عَنْ نَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الدَّلِيلَ، قَالَ: مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَذَا. مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا. فَيَكُونُ مُخْبِرًا، لَا مُفْتِيًا. وَيُقَلِّدُ الْعَامِّيُّ مَنْ عَرَفَهُ عَالِمًا عَدْلًا، أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا مُعَظَّمًا. وَلَا يُقَلِّدُ مَنْ عَرَفَهُ جَاهِلًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهَا: يَكْفِيهِ قَوْلُ عَدْلٍ. وَمُرَادُهُ: خَبِيرٌ. وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الِاسْتِفَاضَةَ بِكَوْنِهِ عَالِمًا، لَا مُجَرَّدَ اعْتِزَائِهِ إلَى الْعِلْمِ، وَلَوْ بِمَنْصِبِ تَدْرِيسٍ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ سُؤَالُ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْخَيْرِ. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: يُقَلِّدُ مَنْ عَلِمَهُ أَوْ ظَنَّهُ أَهْلًا بِطَرِيقِ مَا، اتِّفَاقًا. فَإِنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ: فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْجَوَازِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَالطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَغَيْرُهُمَا.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ. قَدَّمَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي. وَتَقَدَّمَ: هَلْ يَصِحُّ فُتْيَا فَاسِقٍ، أَوْ مَسْتُورِ الْحَالِ، أَمْ لَا؟
стр. 5164
وَيُقَلِّدُ مَيِّتًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ. وَقِيلَ: لَا يُقَلِّدُ مَيِّتًا. وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَاخْتَارَهُ فِي التَّمْهِيدِ، فِي أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لِمَوْتِهِمَا. وَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَحْفَظَ الْأَدَبَ مَعَ الْمُفْتِي وَيُجِلَّهُ. فَلَا يَقُولُ أَوْ يَفْعَلُ مَا جَرَتْ عَادَةُ الْعَوَّامِ بِهِ، كَإِيمَاءٍ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ، وَمَا مَذْهَبُ إمَامِك فِي كَذَا؟ وَمَا تَحْفَظُ فِي كَذَا؟ أَوْ أَفْتَانِي غَيْرُك، أَوْ فُلَانٌ بِكَذَا أَوْ كَذَا. قُلْت أَنَا: أَوْ وَقِّعْ لِي، أَوْ إنْ كَانَ جَوَابُك مُوَافِقًا فَاكْتُبْ. لَكِنْ إنْ عَلِمَ غَرَضَ السَّائِلِ فِي شَيْءٍ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ بِغَيْرِهِ. أَوْ يَسْأَلَهُ فِي حَالِ ضَجَرٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ قِيَامِهِ، وَنَحْوِهِ. وَلَا يُطَالِبُهُ بِالْحُجَّةِ. وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: قَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي فُرُوعِهِ فِي " اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ " لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْأَوْثَقِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: عَلَى الْأَقْيَسِ. وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا. فَيُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ. وَمَعْنَاهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ كَالْقِبْلَةِ فِي الْأَعْمَى وَالْعَامِّيِّ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: أَمَّا لَوْ بَانَ لِلْعَامِّيِّ الْأَرْجَحُ مِنْهُمَا: لَزِمَهُ تَقْلِيدُهُ. زَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِي الْأَظْهَرِ. قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ.
стр. 5165
وَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ: إنْ رَجَحَ دِينُ وَاحِدٍ. قَدَّمَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْآخَرِ: لَا. لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَا تُنْكِرُ عَلَى الْعَامِّيِّ تَرْكَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: فِي تَقْدِيمِ الْأَدْيَنِ عَلَى الْأَعْلَمِ وَعَكْسُهُ وَجْهَانِ. قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: تَقْدِيمُ الْأَدْيَنِ، حَيْثُ قِيلَ لَهُ: مَنْ نَسْأَلُ بَعْدَك؟ قَالَ: عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ. فَإِنَّهُ صَالِحٌ، مِثْلُهُ يُوَفَّقُ لِلْحَقِّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَكْفِيهِ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إلَيْهِ. وَقُدِّمَ الْأَعْلَمُ عَلَى الْأَوْرَعِ انْتَهَى. فَإِنْ اسْتَوَى مُجْتَهِدَانِ تَخَيَّرَ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هَلْ يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ، وَالْأَخْذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قُلْت: قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي أَثْنَاءِ " بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ " وَأَمَّا لُزُومُ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ، وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ: فَفِيهِ وَجْهَانِ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَعَدَمُهُ أَشْهَرُ. انْتَهَى.
قَالَ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ. وَقَالَ فِي أُصُولِهِ: عَدَمُ اللُّزُومِ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَيَتَخَيَّرُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَلْزَمُ كُلَّ مُقَلِّدٍ أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فِي الْأَشْهَرِ فَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَ أَهْلِهِ. وَقِيلَ: بَلَى. وَقِيلَ: ضَرُورَةً.
стр. 5166
فَإِنْ الْتَزَمَ فِيمَا يُفْتَى بِهِ أَوْ عَمِلَ بِهِ، أَوْ ظَنَّهُ حَقًّا، أَوْ لَمْ يَجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ: لَزِمَ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ مَنْعَ الِانْتِقَالِ فِيمَا عَمِلَ بِهِ. وَعِنْدَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: يَجْتَهِدُ فِي أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ فَيَتْبَعُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: فِي الْأَخْذِ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ طَاعَةُ غَيْرِ الرَّسُولِ ﵊ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَتَوَقَّفَ أَيْضًا فِي جَوَازِهِ. وَقَالَ أَيْضًا: إنْ خَالَفَهُ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ أَوْ زِيَادَةِ عِلْمٍ أَوْ تَقْوَى: فَقَدْ أَحْسَنَ. وَلَا يُقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ. وَقَالَ أَيْضًا: بَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ. وَأَنَّهُ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ هُبَيْرَةَ. وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: هَلْ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَخَيَّرَ، وَيُقَلِّدَ أَيَّ مَذْهَبٍ شَاءَ، أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ مُنْتَسِبًا إلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ بَنَيْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ: هَلْ لَهُ مَذْهَبٌ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ مَذْهَبَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا مَذْهَبَ لَهُ. فَلَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ، سِيَّمَا إنْ قُلْنَا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ مَذْهَبٌ. لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ. فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ. فَلَا يَسْتَفْتِي مَنْ يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَسَبَ إلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ: هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ يَأْخُذُ بِرُخْصِهِ وَعَزَائِمِهِ؟ وَفِيهِ مَذْهَبَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأَمَةِ أَنْ يَخُصَّ الْأُمِّيُّ الْعَامِّيُّ عَالِمًا مُعَيَّنًا يُقَلِّدُهُ، سِيَّمَا إنْ قُلْنَا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
стр. 5167
فَعَلَى هَذَا: هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ عَلَى أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ، أَمْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَ مِثْلِهِ أَسَدَّ الْمَذَاهِبِ، وَأَصَحَّهَا أَصْلًا؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ.
الثَّانِي: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ. وَهُوَ جَارٍ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَرْبَابِ سَائِرِ الْعُلُومِ. فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اخْتِيَارِ مَذْهَبٍ يُقَلِّدُهُ عَلَى التَّعْيِينِ. وَهَذَا أَوْلَى بِإِلْحَاقِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ عَلَى الْعَامِّيِّ مِمَّا سَبَقَ فِي الِاسْتِفْتَاءِ. انْتَهَى. وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا. وَيَفْسُقُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، وَغَيْرِهِ. وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى مُتَأَوِّلٍ أَوْ مُقَلَّدٍ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي فِسْقِ مَنْ أَخَذَ بِالرُّخَصِ رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ قَوِيَ دَلِيلٌ أَوْ كَانَ عَامِّيًّا فَلَا كَذَا قَالَ. انْتَهَى. وَإِذَا اسْتَفْتَى وَاحِدًا أَخَذَ بِقَوْلِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ. وَقَالَ: وَالْأَشْهَرُ يَلْزَمُ بِالْتِزَامِهِ. وَقِيلَ: وَبِظَنِّهِ حَقًّا. وَقِيلَ: وَيَعْمَلُ بِهِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إنْ ظَنَّهُ حَقًّا. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ لَزِمَهُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا إلَّا مَعَ عَدَمِ غَيْرِهِ.
стр. 5168
وَلَوْ سَأَلَ مُفْتِيَيْنِ، وَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ: تَخَيَّرَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا وَجْهًا: أَنَّهُ يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْأَرْجَحِ. وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. وَقُدِّمَ فِي الرَّوْضَةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَفْضَلِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا أَيْضًا: وَجْهًا آخَرَ يَأْخُذُ بِأَغْلَظِهِمَا. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِالْأَخَفِّ. وَقِيلَ: يَسْأَلُ مُفْتِيًا آخَرَ. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِأَرْجَحِهِمَا دَلِيلًا. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي " بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ " وَلَوْ سَأَلَ مُفْتِيَيْنِ فَاخْتَلَفَا. فَهَلْ يَأْخُذُ بِالْأَرْجَحِ، أَوْ الْأَخَفِّ، أَوْ الْأَشَدِّ، أَوْ يُخَيَّرُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ فِي الْمَذْهَبِ. وَأَطْلَقَهُنَّ. وَإِنْ سَأَلَ فَلَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ، فَفِي تَكْرَارِهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: أَظْهَرُهُمَا لَا يَلْزَمُ. فَهَذِهِ جُمْلَةٌ صَالِحَةٌ نَافِعَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إلَى رَجُلٍ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَحَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا. فَحَكَمَ: نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الْمَالِ وَيَنْفُذُ فِي الْقِصَاصِ وَالْحَدِّ، وَالنِّكَاحِ وَاللِّعَانِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
стр. 5169
وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْفُذُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً. وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ. وَقَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَعَنْهُ: لَا يَنْفُذُ فِي قَوَدٍ، وَحَدِّ قَذْفٍ، وَلِعَانٍ، وَنِكَاحٍ. وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُحَرَّرِ. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْكَافِي. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَنْفُذُ فِي غَيْرِ فَرَجٍ كَتَصَرُّفِهِ ضَرُورَةً فِي تَرِكَةِ مَيِّتٍ فِي غَيْرِ فَرَجٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ نُفُوذَ حُكْمِهِ بَعْدَ حُكْمِ حَاكِمٍ، لَا إمَامٍ. وَقَالَ: إنْ حَكَّمَ أَحَدُهُمَا خَصْمَهُ، أَوْ حَكَّمَا مُفْتِيًا فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ: جَازَ. وَقَالَ: يَكْفِي وَصْفُ الْقِصَّةِ لَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ: نَازَعَنِي ابْنُ عَمِّي الْآذَانَ. فَتَحَاكَمْنَا إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: اقْتَرِعَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: خَصُّوا اللِّعَانَ لِأَنَّ فِيهِ دَعْوَى وَإِنْكَارًا، وَبَقِيَّةُ الْفُسُوخِ كَإِعْسَارٍ. وَقَدْ يَتَصَادَقَانِ. فَيَكُونُ الْحُكْمُ إنْشَاءً لَا ابْتِدَاءً. وَنَظِيرُهُ: لَوْ حَكَّمَاهُ فِي التَّدَاعِي بِدَيْنٍ وَأَقَرَّ بِهِ الْوَرَثَةُ. انْتَهَى. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَلْزَمُ مَنْ يُكْتَبُ إلَيْهِ بِحُكْمِهِ الْقَبُولُ، وَتَنْفِيذُهُ كَحَاكِمِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسٌ فِي عُقُوبَةٍ، وَلَا اسْتِيفَاءُ قَوَدٍ، وَلَا ضَرْبُ دِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ وُصِّيَ بِحُكْمِهِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَزَادَ فِي الصُّغْرَى: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُدَّ.
стр. 5170
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ: فَلَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ، وَقَبْلَ تَمَامِهِ: فَفِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ. الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. انْتَهَى. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إنْ أَشْهَدَا عَلَيْهِمَا بِالرِّضَا بِحُكْمِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ: فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الرُّجُوعُ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّحْكِيمِ وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى مُتَقَدِّمُو الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ الْوَسَاطَاتِ وَالصُّلْحَ عِنْدَ الْفَوْرَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَتَفْوِيضَ الْأَمْوَالِ إلَى الْأَوْصِيَاءِ، وَتَفْرِقَةَ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى رَقِيقِهِ، وَخُرُوجَ طَائِفَةٍ إلَى الْجِهَادِ تَلَصُّصًا وَبَيَاتًا، وَعِمَارَةَ الْمَسَاجِدِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالتَّعْزِيرَ لِعَبِيدٍ وَإِمَاءٍ. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. انْتَهَى.
стр. 5171
[بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي]
قَوْلُهُ (يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَلَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ الْفُصُولِ يَجِبُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (حَلِيمًا ذَا أَنَاةٍ وَفَطِنَةٍ) . قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: إنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْحَاكِمِ: أَنْ لَا يَكُونَ بَلِيدًا. وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ (بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ) . بِلَا نِزَاعٍ.
وَقَوْلُهُ (وَرِعًا عَفِيفًا) . فَهَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي: أَنْ يَكُونَ وَرِعًا، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِيهِ. وَتَقَدَّمَ: أَنَّ الْخِرَقِيَّ وَجَمَاعَةً مِنْ الْأَصْحَابِ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ فِيهِ. وَهُوَ الصَّوَابُ فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَوْ افْتَاتَ عَلَيْهِ خَصْمٌ. فَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَهُ تَأْدِيبُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يَزْجُرُهُ. فَإِنْ عَادَ: عَزَّرَهُ. وَاعْتَبَرَهُ بِدَفْعِ الصَّائِلِ وَالنُّشُوزِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَنْتَهِرُهُ، وَيَصِيحُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ. لَكِنَّ هَلْ ظَاهِرُهُ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْحَكَمِ؟ فِيهِ نَظَرٌ كَالْإِقْرَارِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ،
стр. 5172
أَوْ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ. لِكَثْرَةِ الْمُتَظَلِّمِينَ عَلَى الْحُكَّامِ وَأَعْدَائِهِمْ. فَجَازَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ. وَلِهَذَا شَقَّ رَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ. فَأَدَّبَهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى إنَّهُ حَقٌّ لَهُ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا: إنْ شَقَّ رَفْعُهُ إلَى الْحَاكِمِ لَا يَرْفَعُ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: لَهُ أَنْ يَنْتَهِرَ الْخَصْمَ إذَا الْتَوَى وَيَصِيحَ عَلَيْهِ. وَإِنْ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَزَّرَهُ بِمَا يَرَى.
قَوْلُهُ (وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. أَعْنِي أَنَّهُ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ يُعْلِمُهُمْ بِدُخُولِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَلَقِّيه. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَأْمُرُهُمْ بِتَلَقِّيه. قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبُ، وَالْخُلَاصَةُ.
قَوْلُهُ (وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، أَوْ الْخَمِيسِ، أَوْ السَّبْتِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. يَعْنِي: أَنَّهُ بِالْخِيرَةِ فِي الدُّخُولِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يَدْخُلُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ: فَيَوْمَ الْخَمِيسِ
стр. 5173
مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْمُذَهَّبِ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَدْخُلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ: فَيَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ السَّبْتِ. قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يَدْخُلُ ضَحْوَةً، لِاسْتِقْبَالِ الشَّهْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَأَنَّ اسْتِقْبَالَ الشَّهْرِ تَفَاؤُلًا كَأَوَّلِ النَّهَارِ. وَلَمْ يُنْكِرْهَا الْأَصْحَابُ.
قَوْلُهُ (لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ) . قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَكَذَا أَصْحَابُهُ. وَقَالَ أَيْضًا: تَكُونُ ثِيَابُهُمْ كُلُّهَا سُودٌ، وَإِلَّا فَالْعِمَامَةُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: غَيْرُ السَّوَادِ أَوْلَى، لِلْأَخْبَارِ. فَوَائِدُ
الْأُولَى: لَا يَتَطَيَّرُ بِشَيْءٍ، وَإِنْ تَفَاءَلَ فَحَسَنٌ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ) بِلَا نِزَاعٍ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَلْيَقُلْ مِنْ كَلَامِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ.
الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ (وَيُنَفَّذُ. فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ مِنْ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ) بِلَا نِزَاعٍ. قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَلْيَأْمُرْ كَاتِبَ ثِقَةٍ يُثْبِتُ مَا تَسَلَّمَهُ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ.
الرَّابِعَةُ: دِيوَانُ الْحُكْمِ: هُوَ مَا فِيهِ مَحَاضِرُ وَسِجِلَّاتٌ وَحِجَجٌ وَكُتُبُ وَقْفٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ) .
стр. 5174
وَلَوْ كَانُوا صِبْيَانًا. وَهُوَ صَحِيحٌ. صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ) . بِلَا نِزَاعٍ. فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ خُيِّرَ، وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ.
الثَّانِيَةُ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَضَاءُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَلَا يُكْرَهُ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَوْلُ (وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ) وَنَحْوِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ وَنَحْوِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمَا: عَلَى بِسَاطٍ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَغَيْرِهِ: عَلَى بِسَاطٍ، أَوْ لُبَدٍ أَوْ حَصِيرٍ.
فَائِدَةٌ:
قَوْلُهُ (وَيَجْعَلُ مَجْلِسَهُ فِي مَكَان فَسِيحٍ. كَالْجَامِعِ وَالْفَضَاءِ وَالدَّارِ الْوَاسِعَةِ) . بِلَا نِزَاعٍ. وَلَكِنْ يَصُونَهُ مِمَّا يُكْرَهُ فِيهِ. ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا، وَلَا بَوَّابًا إلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إنْ شَاءَ) . مُرَادُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ: جَازَ اتِّخَاذُهُمَا. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَتَّخِذُهُمَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذَهَّبِ: يَتْرُكُهُمَا نَدْبًا.
стр. 5175
وَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الْحُضُورِ إذَا تَنَازَعُوا إلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ، وَلَا لَهُ أَنْ يَحْتَجِبَ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ. فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَيَعْرِضُ الْقَصَصَ. فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) . قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى رَأْسِهِ مَنْ يُرَتِّبُ النَّاسَ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَلَا يُقَدِّمُ السَّابِقَ فِي أَكْثَرِ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ) وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيمَ السَّابِقِ عَلَى غَيْرِهِ وَاجِبٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ بِتَقْدِيمِ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، لِئَلَّا تَضَجَّرَ بَيِّنَتُهُ. وَجَعَلَهُ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ مُتَأَخِّرٍ. قَوْلُهُ (فَإِنْ حَضَرُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا: قَدَّمَ أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُقَدَّمُ الْمُسَافِرُ الْمُرْتَحِلُ. قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَالَ ذَلِكَ فِي الْكَافِي، مَعَ قِلَّتِهِمْ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْمَرْأَةَ لِمَصْلَحَةٍ
стр. 5176
قَوْلُهُ (وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ وَمَجْلِسِهِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَلْزَمُهُ، فِي الْأَصَحِّ: الْعَدْلُ بَيْنَهُمَا فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ. بَلْ يُسْتَحَبُّ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا. فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ فِي الدُّخُولِ وَيَرْفَعُهُ فِي الْجُلُوسِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَالْأَشْهَرُ يُقَدَّمُ مُسْلِمٌ عَلَى كَافِرٍ، دُخُولًا وَجُلُوسًا. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَوْلَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، فِي الدُّخُولِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ: فِي الْمَجْلِسِ. وَصَحَّحَهُ فِي الرَّفْعِ. وَقَدَّمَهُ فِيهِمَا فِي الشَّرْحِ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الدُّخُولِ فَقَطْ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقِيلَ: يُسْتَوَى بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
стр. 5177
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ فِي الْجُلُوسِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي رَفْعِهِ: فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِيهِمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ فِي الْجُلُوسِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الدُّخُولِ. وَفِي الرِّعَايَةِ قَوْلُ عَكْسِهِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ: يُسَوِّي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِهِ وَلَحْظِهِ وَلَفْظِهِ. وَلَوْ ذِمِّيًّا فِي وَجْهٍ. فَظَاهِرُهُ دُخُولُ اللَّحْظِ وَاللَّفْظِ فِي الْخِلَافِ. فَتَخْلُصُ لَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: التَّقْدِيمُ مُطْلَقًا، وَمَنْعُهُ مُطْلَقًا. وَالتَّقْدِيمُ فِي الدُّخُولِ دُونَ الرَّفْعِ. وَظَاهِرُ الْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي: قَوْلٌ رَابِعٌ. وَهُوَ التَّقْدِيمُ فِي الرَّفْعِ دُونَ الدُّخُولِ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ سَلَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْقَاضِي: رَدَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَصْبِرُ حَتَّى يُسَلِّمَ الْآخِرُ، لِيَرُدَّ عَلَيْهِمَا مَعًا إلَّا أَنْ يَتَمَادَى عُرْفًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ سَلَّمَا مَعًا رَدَّ عَلَيْهِمَا مَعًا. وَإِنْ سَلَّمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ دُخُولِ خَصْمِهِ أَوْ مَعَهُ، فَهَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَبْلَهُ؟ يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. وَلَهُ الْقِيَامُ السَّائِغُ وَتَرْكُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْقِيَامُ لَهُمَا. فَإِنْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا قَامَ لِلْآخِرِ، أَوْ اعْتَذَرَ إلَيْهِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُسَارَّ أَحَدُهُمَا، وَلَا يُلَقِّنُهُ حَجَّتَهُ، وَلَا يُضِيفُهُ) يَعْنِي: يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
стр. 5178
قَوْلُهُ (وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي؟ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي. وَفِي الْآخِرِ: يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى إذَا لَمْ يُحِسَّهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا.
تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَلْزَمْ ذِكْرُهُ. فَأَمَّا إنْ لَزِمَ ذِكْرُهُ فِي الدَّعَاوَى كَشَرْطِ عَقْدٍ، أَوْ سَبَبٍ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُدَّعِي: فَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ. قَوْلُهُ (وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ إلَى خَصْمِهِ، لِيُنْظِرَهُ، أَوْ يَضَعَ عَنْهُ، وَيَزِنَ عَنْهُ) . وَيَحُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَشْفَعَ إلَى خَصْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيَنْظُرَهُ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ. وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ لِيَضَعَ عَنْهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالشَّرْحِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْكَافِي. وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزِنَ عَنْهُ أَيْضًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِصَاحِبِ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَمَا هُوَ تَبْعِيدٌ.
стр. 5179
قَوْلُهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إنْ أَمْكَنَ، وَيُشَاوِرُهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ) . مِنْ اسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ. وَتَعَرُّفِ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: مَا أَحْسَنَهُ لَوْ فَعَلَهُ الْحُكَّامُ، يُشَاوِرُونَ وَيَنْتَظِرُونَ. فَإِنْ اتَّضَحَ لَهُ حُكْمٌ وَإِلَّا أَخَّرَهُ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ) . وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ. وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: لَا تُقَلِّدْ أَمْرَك أَحَدًا. وَعَلَيْك بِالْأَثَرِ. وَقَالَ لِلْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ: لَا تُقَلِّدْ دِينَك الرِّجَالَ. فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يُغَلِّطُوا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ. قَالَ: وَهَذَا لَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ مِمَّا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا كَالصَّلَاةِ فَعَلَهَا بِحَسَبِ حَالِهِ، وَيُعِيدُ إذَا قَدَرَ، كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ. فَلَا ضَرُورَةَ إلَى التَّقْلِيدِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ مُسَافِرًا يَخَافُ فَوْتَ رُفْقَتِهِ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
стр. 5180
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ أَحْكَامِ الْمُفْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. فَائِدَةٌ:
لَوْ حَكَمَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ، ثُمَّ بَانَ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِالْحَقِّ: لَمْ يَصِحَّ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْقَصْرِ مِنْ الْفُصُولِ. قُلْت: لَوْ خَرَّجَ الصِّحَّةَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ، فِيمَا إذَا اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالطَّهُورِ، وَتَوَضَّأَ مِنْ وَاحِدٍ فَقَطْ، فَظَهَرَ أَنَّهُ الطَّهُورُ: لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا حَاقِنٌ) وَكَذَا أَوْ حَاقِبٌ (وَلَا فِي شِدَّةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَالْهَمِّ، وَالْوَجَعِ، وَالنُّعَاسِ، وَالْبَرْدِ الْمُؤْلِمِ، وَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ) . وَكَذَا فِي شِدَّةِ الْمَرَضِ وَالْخَوْفِ، وَالْفَرَحِ الْغَالِبِ، وَالْمَلَلِ وَالْكَسَلِ. وَمُرَادُهُ بِالْغَضَبِ: الْغَضَبُ الْكَثِيرُ. وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لِلْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ. وَصَرَّحَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ بِالتَّحْرِيمِ. قُلْت: وَالدَّلِيلُ فِي ذَلِكَ يَقْتَضِيهِ. وَكَلَامُهُمْ إلَيْهِ أَقْرَبُ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَعَامَّةِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْخِصَالِ: الْكَرَاهَةَ. فَقَالَ: إنْ كَانَ غَضْبَانَا، أَوْ جَائِعًا: كُرِهَ لَهُ الْقَضَاءُ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ.
فَائِدَةٌ:
كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ الْغَضَبِ دُونَ غَيْرِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ فِي " كِتَابِ الطَّلَاقِ ". قَوْلُهُ (فَإِنْ خَالَفَ وَحَكَمَ، فَوَافَقَ الْحَقَّ: نَفَذَ حُكْمُهُ) .
стр. 5181
وَهَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَفَذَ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: نَفَذَ فِي الْأَظْهَرِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْفُذُ. وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي التَّحْرِيمَ. وَقِيلَ: إنْ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ أَنْ فَهِمَ الْحُكْمَ: نَفَذَ، وَإِلَّا فَلَا. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْمُفْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي أَوَائِلِ أَحْكَامِ الْمُفْتِي.
قَوْلُهُ (وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إلَّا مِمَّنْ كَانَ يُهْدَى إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُكُومَةٌ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ.: مَنَعَ الْأَصْحَابُ مِنْ قَبُولِ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ حُكُومَةٌ. قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَأَطْلَقَ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إذَا أَحَسَّ أَنَّ لَهُ حُكُومَةً.
стр. 5182
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ. وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ صَدِيقٍ، كَانَ يُلَاطِفُهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ، أَوْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خَصْمٌ. انْتَهَى. وَعِبَارَتُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ قَرِيبَةٌ مِنْ هَذِهِ. وَذَكَرَ فِي الْفُصُولِ احْتِمَالًا: أَنَّ الْقَاضِيَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ كَالْعَادَةِ. فَوَائِدُ
الْأُولَى: حَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ قَبُولِهَا، فَرَدُّهَا أَوْلَى. بَلْ يُسْتَحَبُّ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: رَدُّهَا أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يُكْرَهُ أَخْذُهَا.
الثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُفْتِي أَخْذُ الْهَدِيَّةِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي، وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ: فَلَهُ قَبُولُهَا. وَقِيلَ: يَحْرُمُ إذَا كَانَتْ رِشْوَةً عَلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُ. قُلْت: أَوْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ فَيُفْتِيهِ لِذَلِكَ بِمَا لَا يُفْتَى بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ كَنَفْعِ الْأَوَّلِ. انْتَهَى.
стр. 5183
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَلَهُ قَبُولُ هَدِيَّةٍ. وَالْمُرَادُ: لَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ، وَإِلَّا حَرُمَتْ. زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ لِنَفْعِهِ بِجَاهِهِ أَوْ مَالِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إلَّا أَنْ يُكَافِئَ. وَقَالَ: لَوْ جَعَلَ لِلْمُفْتِي أَهْلُ بَلَدٍ رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ: جَازَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هُوَ بَعِيدٌ. وَلَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ لِلْحَاكِمِ طَلَبَ الرِّزْقِ لَهُ وَلِأُمَنَائِهِ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَكْفِيهِ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي فِي أَوَائِلِ " بَابِ الْقَضَاءِ ".
الثَّالِثَةُ: " الرِّشْوَةُ " مَا يُعْطَى بَعْدَ طَلَبِهِ، وَ " الْهَدِيَّةُ " الدَّفْعُ إلَيْهِ ابْتِدَاءً. قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ فِي " بَابِ حُكْمِ الْأَرْضِينَ الْمَغْنُومَةِ ".
الرَّابِعَةُ: حَيْثُ قُلْنَا لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَخَالَفَ وَفَعَلَ: أُخِذَتْ مِنْهُ لِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى قَوْلٍ. لِخَبَرِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: تُرَدُّ إلَى صَاحِبِهَا، كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهَا إنَّ عَجَّلَ مُكَافَأَتَهَا. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ. فَعَلَى
الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: تُؤْخَذُ هَدِيَّةُ الْعَامِلِ لِلصَّدَقَاتِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِي انْتِقَالِ الْمَلِكِ فِي الرِّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ: وَجْهَيْنِ. قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ.
стр. 5184
إنَّمَا فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّ السَّاعِيَ يَعْتَدُّ لِرَبِّ الْمَالِ بِمَا أَهْدَاهُ إلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لَا، مَأْخَذُهُ ذَلِكَ. وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ اشْتَرَى مِنْ وَكِيلٍ، فَوَهَبَهُ شَيْئًا: أَنَّهُ لِلْمُوَكِّلِ. وَهَذَا يَدُلُّ لِكَلَامِ الْقَاضِي الْمُتَقَدِّمِ. وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ، فِي نَقْلِ الْمَلِكِ: الْخِلَافُ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ فِي عَامِلِ الزَّكَاةِ إذَا ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ بِرِشْوَةٍ أَوْ هَدِيَّةٍ: أَخَذَهَا الْإِمَامُ لَا أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ. وَتَبِعَهُ فِي الرِّعَايَةِ، ثُمَّ قَالَ: قُلْت: إنْ عُرِفُوا رُدَّ إلَيْهِمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِيمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا. يُرْوَى " هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ ". وَالْحَاكِمُ خَاصَّةً: لَا أُحِبُّهُ لَهُ، إلَّا مِمَّنْ كَانَ لَهُ بِهِ خِلْطَةٌ وَوَصْلَةٌ وَمُكَافَأَةٌ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ فِيمَنْ كَسَبَ مَالًا مُحَرَّمًا بِرِضَى الدَّافِعِ، ثُمَّ تَابَ، كَثَمَنِ خَمْرٍ وَمَهْرِ بَغْيٍ، وَحُلْوَانِ كَاهِنٍ: أَنَّ لَهُ مَا سَلَفَ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَرُدُّهُ، لِقَبْضِهِ عِوَضَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ. كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي حَامِلِ الْخَمْرِ. وَقَالَ فِي مَالٍ مُكْتَسِبٍ مِنْ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ: يَتَصَدَّقُ بِهِ. فَإِذَا تَصَدَّقَ بِهِ: فَلِلْفَقِيرِ أَكْلُهُ، وَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ لِأَعْوَانِهِ. وَقَالَ أَيْضًا فِيمَنْ تَابَ: إنْ عَلِمَ صَاحِبُهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا دَفَعَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَهُ مَعَ حَاجَتِهِ أَخْذُ كِفَايَتِهِ. وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ فِي بَيْعِ سِلَاحٍ فِي فِتْنَةٍ وَعِنَبٍ لِخَمْرٍ: يَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ.
стр. 5185
وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ مُحَقِّقِي الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَقَوْلُهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى. وَتَقَدَّمَ مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ فِي " بَابِ الْغَصْبِ " عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا ".
الْخَامِسَةُ: لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْهَدِيَّةِ لِمَنْ يَشْفَعُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَنَحْوَهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَوْمَأَ إلَيْهِ. لِأَنَّهَا كَالْأُجْرَةِ. وَالشَّفَاعَةِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا. وَفِيهِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي السُّنَنِ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَدَّاهَا. فَأُهْدِيَتْ إلَيْهِ هَدِيَّةٌ: أَنَّهُ لَا يَقْبَلَهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْمُكَافَأَةِ. وَحُكْمُ الْهَدِيَّةِ عِنْدَ سَائِرِ الْأَمَانَاتِ: كَحُكْمِ الْوَدِيعَةِ. قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ.
قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَعَلَهَا الشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ: كَالْهَدِيَّةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. كَالْوَالِي. وَسَأَلَهُ حَرْبٌ: هَلْ لِلْقَاضِي وَالْوَالِي أَنْ يَتَّجِرَ؟ قَالَ: لَا. إلَّا أَنَّهُ شَدَّدَ فِي الْوَالِي.
следующие страницы →