Полный текст (542 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
[بَابٌ فِيمَا يَقَعُ الْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ]
ذَكَرَ ﵀ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَعْلُومَتَيْنِ وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ النَّظَرِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَيَسْتَدْعِي ذَلِكَ طُولًا يَخْرُجُ عَنْ الْمَقْصِدِ.
[بَابٌ فِي رَعْيِ الْخِلَافِ]
(ر ع ي) : بَابٌ فِي رَعْيِ الْخِلَافِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ فِي رَسْمِهِ " إعْمَالُ دَلِيلٍ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ الَّذِي أُعْمِلَ فِي نَقِيضِهِ دَلِيلٌ آخَرُ " هَذَا الرَّسْمُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَابِ مَا يَقَعُ الْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ أَوْ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَاعِدَةَ رِوَايَةِ الْبَلَاغِ وَهِيَ كُلُّ نِكَاحٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ بَيِّنٍ فَالْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ وَكُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي فَسَادِهِ فَالْفَسْخُ فِيهِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَذَكَرَ رِوَايَةَ السَّمَاعِ الَّتِي قَالَ بِهَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ كُلُّ نِكَاحٍ كَانَا مَغْلُوبَيْنِ عَلَى فَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَكُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَكُونَا مَغْلُوبَيْنِ عَلَى فَسْخِهِ فَالْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ وَرَتَّبَ الْمَسَائِلَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ بَحْثَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَرَدَّ عَلَى شَيْخِهِ وَاسْتَطْرَدَ ذِكْرَ الْخِلَافِ الشَّاذِّ وَمُرَاعَاتِهِ وَذَكَرَ مِمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْغَرْنَاطِيَّةِ أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ يَسْتَنِدُونَ إلَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَجَعَلُوهُ قَاعِدَةً فَسَأَلَ السَّائِلُ عَنْ دَلِيلِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَاسْتَشْكَلَ السَّائِلُ مُرَاعَاةَ الْمُجْتَهِدِ دَلِيلَ غَيْرِهِ وَالْمُرَاعَى فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الدَّلِيلُ لَا قَوْلُ الْقَائِلِ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَوَّلِ شَرْحِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ وَهَلْ يُرَاعَى كُلُّ خِلَافٍ أَوْ مَا يُرَاعَى إلَّا الْخِلَافُ الْقَوِيُّ فِيهِ خِلَافٌ وَكَذَلِكَ هَلْ يُرَاعَى الْخِلَافُ مُطْلَقًا كَانَ مَذْهَبِيًّا أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فِي سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَكُرِهَ لِلْخِلَافِ وَهَلْ يَصِحُّ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ ابْتِدَاءً أَوْ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ كَانَ يَمْضِي لَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكُرِهَ لِلْخِلَافِ وَقَبِلُوهُ وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْعُقْبَانِيِّ ﵀ أَنَّهُ كَانَ رَدَّ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ ثُمَّ وَقَفْت عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ الْمَغْرِبِيِّ ﵀ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى
стр. 177
كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْبُوقِ هَلْ هُوَ قَاضِيًا أَوْ بَانِيًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ إنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَأَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ فَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ فَإِذَا قَامَ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ إنَّمَا أَجَابَ بِأَنَّ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَهَا وَرَأَى أَنْ يَحْتَاطَ بِزِيَادَةِ السُّورَةِ فِي السُّورَةِ رَعْيًا لِلْخِلَافِ قَالَ الشَّيْخُ وَفِيهِ إشْكَالٌ لِكَوْنِهِ رَاعَى الْخِلَافَ قَبْلَ الْوُقُوعِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى بَعْدَ الْوُقُوعِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ تَصَوُّرِهِ فَذَكَرَ رَسْمَهُ بِمَا نَقَلْنَا عَنْهُ فَقَوْلُهُ " إعْمَالُ دَلِيلٍ " جِنْسٌ لِرَعْيٍ يَصْدُقُ عَلَى رَعْيِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ (قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ فِي الْإِعْمَالِ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا لِلرَّعْيِ وَالرَّعْيُ مَعْنَاهُ اعْتِبَارُ الشَّيْءِ كَمَا تَقُولُ رَاعَى فُلَانٌ فُلَانًا مَعْنَاهُ اعْتَبَرَهُ وَقَامَ لَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ فَالْإِعْمَالُ كَأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ الرَّعْيِ (قُلْتُ) نَمْنَعُ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَى رَعْيِ الْخِلَافِ الْإِعْمَالُ وَمَا أَشَرْت إلَيْهِ إنْ سَلِمَ فَإِنَّمَا هُوَ لُغَةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) جَرَتْ عَادَتُهُ ﵀ فِي رَسْمِهِ حَقَائِقَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْمَحْدُودِ إذَا كَانَ مُضَافًا لَقَبٌ عَلَى كَذَا كَمَا قَالَ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ وَغَيْرِهَا فَهَلَّا قَالَ هُنَا لَقَبٌ عَلَى إعْمَالِ إلَخْ (قُلْتُ) غَالِبُهُ كَمَا قُلْتَ وَرُبَّمَا وَقَعَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَمْ يَظْهَرْ مَا يَضْبِطُ لِي الْمَقَامَ الَّذِي يُعَيَّنُ فِيهِ بِاللَّقَبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ وَقَعَ لَهُ هُنَا أَنْ قَالَ عِبَارَةٌ عَنْ إعْمَالِ إلَخْ وَهَذَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّقَبِ لَكِنْ يُرَدُّ أَنْ يُقَالَ لَمْ قَالَ عِبَارَةٌ وَلَمْ يَقُلْ لَقَبٌ وَقَدْ قَدَّمْت وَجْهَهُ عَلَى مَا فِيهِ قَوْلُهُ " دَلِيلٍ " فَصْلٌ أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الدَّلِيلِ قَوْلُهُ " فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ " أَخْرَجَ بِهِ إعْمَالَ الدَّلِيلِ فِي مَدْلُولِهِ وَالدَّلِيلُ هُوَ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ وَالْمَطْلُوبُ هُوَ الْمَدْلُولُ فَالنَّهْيُ الْوَارِدُ مَثَلًا فِي نِكَاحِ الشِّغَارِ دَلِيلُ مَدْلُولِهِ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَلَازِمُ هَذَا الْمَدْلُولِ فَسْخُهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلُ النَّهْيِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَفَسْخِهِ وَنِكَاحُ الشِّغَارِ إذَا وَقَعَ يَجِبُ فَسْخُهُ عِنْدَ مَالِكٍ بِطَلَاقٍ فِي رِوَايَةٍ وَبِغَيْرِ طَلَاقٍ فِي أُخْرَى وَمَنْ خَالَفَ مَالِكٌ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فَسْخُهُ وَالْجَارِي عَلَى فَسْخِهِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ أَنْ لَا يَلْزَمَ فِيهِ طَلَاقٌ إذَا وَقَعَ وَلَا مِيرَاثٌ وَقَدْ وَقَعَ لِمَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ يَقُولُ يَقَعُ الْفَسْخُ بِطَلَاقٍ وَيَلْزَمُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَيَقَعُ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَالْجَارِي عَلَى أَصْلِ دَلِيلِهِ وَلَازِمِ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا قَالَ بِثُبُوتِ الْمِيرَاثِ فَقَدْ أَعْمَلَ دَلِيلَ خَصْمِهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ فَسْخِ نِكَاحِ الشِّغَارِ إذَا
стр. 178
وَقَعَ لِدَلِيلٍ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ الْفَسْخِ وَعَدَمُ فَسْخِ النِّكَاحِ لَازِمُهُ ثُبُوتُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَأَعْمَلَ مَالِكٌ ﵀ دَلِيلَ خَصْمِهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ فَسْخِ نِكَاحِ الشِّغَارِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِيرَاثِ وَهَذَا الْمَدْلُولُ الْمَذْكُورُ أَعْمَلَ مَالِكٌ ﵀ دَلِيلَهُ فِي نَقِيضِهِ وَهُوَ فَسْخُ النِّكَاحِ وَأَعْمَلَ دَلِيلَ خَصْمِهِ فِي لَازِمِ نَقِيضِ فَسْخِ النِّكَاحِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ فِيهَا إعْمَالُ دَلِيلِ كُلٍّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَأَنَّهُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ رُجْحَانِ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵀ لَمَّا قَرَّرَ الرَّسْمَ وَحَقَّقَ بِهِ الْجَوَابَ عَنْ إشْكَالِ مَنْ سَأَلَ أَوْ رَدَّ سُؤَالًا وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ لِتَمَامِ فَائِدَتِهِ وَالسُّؤَالُ مَعْنَاهُ لَوْ صَحَّ مَا قَرَّرْتُمْ فِي مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَحَقَّقْتُمْ مِنْ مُلَاحَظَةِ لَازِمِ دَلِيلِ الْمَدْلُولِ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي نَقِيضِهِ دَلِيلٌ آخَرُ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى ثُبُوتِ مَلْزُومٍ وَلَا لَازِمَ لَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيُوجَدُ مَلْزُومٌ وَلَا لَازِمَ لَهُ مُحَالٌ وَفَصْلٌ لَمْ يَقُمْ نَوْعُهُ بِهِ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ مَلْزُومٌ لِنَفْيِ الْمِيرَاثِ وَإِذَا ثَبَتَ الْفَسْخُ انْتَفَى الْمِيرَاثُ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ وَفَسْخُهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهَا فَقَدْ وُجِدَ الْمَلْزُومُ وَهُوَ الْفَسْخُ بِدُونِ لَازِمِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْإِرْثِ فَأَجَابَ الشَّيْخُ بِالْجَوَابِ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَمَّا الْجَعْلِيَّةُ فَلَا غَرَابَةَ فِي وُجُودِ مَلْزُومٍ وَلَا لَازِمَ لَهُ لِثُبُوتِ مَانِعٍ مَنَعَ مِنْهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ الْأَوَّلُ فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ وَهُوَ قَدَحٌ فِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ بَابِ وُجُودِ الْمَلْزُومِ بَلْ مِنْ بَابِ نَفْيِ الْمَلْزُومِ أَوْ مِنْ بَابِ وُجُودِ اللَّازِمِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُغَايِرٌ لِمَا أَلْزَمهُ السَّائِلُ وَلَا إحَالَةَ فِيهِ بَيَانُهُ أَنْ نَقُولَ إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بَابِ نَفْيِ الْمَلْزُومِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَدَلِيلُهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِنَفْيِ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَصِحَّةُ النِّكَاحِ مَلْزُومَةٌ لِلْإِرْثِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْإِرْثِ الَّذِي هُوَ صِحَّةُ النِّكَاحِ نَفْيُ اللَّازِمِ الَّذِي هُوَ الْإِرْثُ فَمَا قَالَ بِاعْتِبَارِ مَذْهَبِهِ إلَّا بِنَفْيِ الْمَلْزُومِ لَا بِثُبُوتِ الْمَلْزُومِ مَعَ نَفْيِ اللَّازِمِ وَبِاعْتِبَارِ رَعْيِ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ الْإِرْثُ قَدْ أَثْبَتَ اللَّازِمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْمَلْزُومِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ بَحْثِهِ مَعَ شَيْخِهِ وَذَكَرْنَاهُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ فَرَاجِعْهُ وَبَعْدَ ذِكْرِ مَا قَرَّرْت بِهِ كَلَامَهُ فِي سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ بِمَا ذُكِرَ ظَهَرَ لِي تَلْخِيصُهُ بَعْدَ وُقُوفِي عَلَى مَا بَعْدَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا حَرَّرَ الرَّسْمَ قَالَ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنْ نَقُولَ هُوَ
стр. 179
حُجَّةٌ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ إشْكَالِ إعْمَالِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَلَوْ كَانَ حُجَّةً لَعَمَّ ذَلِكَ وَذَكَرَ مَا يَضْبِطُهُ بِقَوْلِهِ رُجْحَانُ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى دَلِيلِهِ فِي لَازِمِ قَوْلِ الْمُخَالِفِ كَرُجْحَانِ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ فِي ثُبُوتِ الْإِرْثِ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى دَلِيلِ مَالِكٍ فِي لَازِمِ مَدْلُولِ دَلِيلِهِ وَهُوَ نَفْيُ الْإِرْثِ قَالَ وَثُبُوتُ الرُّجْحَانِ وَنَفْيُهُ بِحَسَبِ النَّظَرِ مِنْ الْمُجْتَهِدِ فِي النَّازِلَةِ ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا عَلَى مُقْتَضَى مَا اقْتَضَاهُ رَسْمُهُ وَضَابِطُهُ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ فِي كَوْنِ الْمُجْتَهِدِ يَسْتَعْمِلُ دَلِيلَهُ فِي مَدْلُولِ قَوْلِهِ وَيَسْتَعْمِلُ دَلِيلَ خَصْمِهِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِ أَعْمَلَ فِي نَقِيضِهِ دَلِيلَ الْمُجْتَهِدِ يَئُولُ أَمْرُهُ إلَى أَنَّهُ قَالَ بِوُجُودِ مَلْزُومٍ وَأَبْطَلَ لَازِمَ مَدْلُولِهِ لِدَلِيلِ خَصْمِهِ وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْمَلْزُومِ وَلَا يُوجَدُ لَازِمُهُ " وَأَجَابَ " عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَنَعَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وُجُودِ الْمَلْزُومِ وَنَفْيِ اللَّازِمِ وَمِنْهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الشِّغَارِ وَشَبَهِهَا لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ نَفْيِ الْمَلْزُومِ وَمِنْ بَابِ إثْبَاتِ اللَّازِمِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَفْيِ الْمَلْزُومِ وَالْمَلْزُومُ هُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَيُسْتَعْمَلُ دَلِيلُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ نَفْيُ اللَّازِمِ وَاللَّازِمُ هُوَ الْإِرْثُ وَالْمَلْزُومُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَاسْتَعْمَلَ دَلِيلَ خَصْمِهِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ الْإِرْثُ وَذَلِكَ الْمَدْلُولُ اُسْتُعْمِلَ فِي نَقِيضِهِ دَلِيلٌ آخَرُ وَالْمَدْلُولُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي نَقِيضِهِ مَا ذَكَرَ وَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَازِمُهُ الْإِرْثُ وَأَمَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ إثْبَاتِ اللَّازِمِ فَلِرَعْيِ مَالِكٍ دَلِيلَ مُخَالِفِهِ فِي لَازِمِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ الْإِرْثُ الْمَذْكُورُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ اللَّازِمِ إثْبَاتُ الْمَلْزُومِ فَحَاصِلُهُ لَيْسَ فِي إعْمَالِ دَلِيلِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إثْبَاتُ مَلْزُومٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا فِيهِ نَفْيُ مَلْزُومٍ وَإِثْبَاتُ لَازِمٍ كَمَا قَرَّرْنَا وَلَمَّا قَرَّرْنَا كَلَامَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَسَطْت سُؤَالَهُ وَجَوَابَهُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنْ دَلِيلِ رَعْيِ الْخِلَافِ وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَجْلِسِ الْمُرَاجَعَةُ فِي تَصْحِيحِ كَلَامِهِ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِمْ دَعْوَى الشَّيْخِ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ لَا مِنْ ثُبُوتِ الْمَلْزُومِ وَانْفَصَلَ الْمَجْلِسُ عَلَى نَظَرٍ وَبَحْثٍ فَرَاجَعْت كَلَامَ الشَّيْخِ ﵀ فِي لَفْظِهِ فَوَجَدْتُ فِيهِ مَا يُشِيرُ إلَى بَعْضِ مَا وَقَعَ بِالْمَجْلِسِ مِنْ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ وَأَنَّ السَّائِلَ ﵀ لَمَّا كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَمِنْ الْأَشْيَاخِ الرَّاسِخِينَ وَبَلَغَهُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ الْعَالِمُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ رَاجَعَهُ فِي كَلَامِهِ وَسُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ
стр. 180
وَبَعَثَ بِنَصِّ كَلَامِهِ وَتَلْخِيصِ مَا يَخُصُّ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ مَعَ حَذْفِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا أَنَّ السَّائِلَ ﵀ قَالَ قَوْلُ الشَّيْخِ إنَّ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فِي الشِّغَارِ تَرْجِعُ إلَى نَفْيِ الْمَلْزُومِ غَيْرُ بَيِّنٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْبَيَانِ بِوُجُوهٍ حَذْفِنَا الْأَوَّلَ لِطُولِ الْكَلَامِ فِيهِ الثَّانِي مِنْ الْوُجُوهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ بَيِّنٍ أَنَّهُ أَبْطَلَ مَا ادَّعَى الشَّيْخُ مِنْ لُزُومِ الْإِرْثِ لِلنِّكَاحِ وَأَنَّهُ لَازِمٌ أَعَمُّ وَعَلَيْهِ يَتِمُّ الْجَوَابُ فَقَالَ السَّائِلُ اللَّازِمُ هُنَا مُسَاوٍ لِمَلْزُومِهِ لِأَنَّ الْإِرْثَ اللَّازِمَ لِلنِّكَاحِ الْمَخْصُوصِ إرْثٌ خَاصٌّ لَا إرْثٌ مُطْلَقٌ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِدَوَرَانِهِ مَعَ وُجُودِهِ طَرْدًا وَعَكْسًا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَنَفْيَهُ فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ وَأَجَابَ الشَّيْخُ ﵀ بِأَنْ قَالَ الْإِرْثُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِمُطْلَقِ النِّكَاحِ غَيْرِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ وَنِكَاحٌ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ الْإِرْثُ مُسَاوٍ لَهُ فَإِنْ قَصَدَ الْأَوَّلَ لَمْ يُعَارِضْ قَوْلَنَا بِحَالٍ لِأَنَّ الْمُدَّعَى لَيْسَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُدَّعَى فِي أَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ مَلْزُومٌ لِلْإِرْثِ وَالْإِرْثُ لَازِمٌ لِنِكَاحٍ مُقَيَّدٍ بِالصِّحَّةِ وَالنِّكَاحُ الْمُقَيَّدُ بِالصِّحَّةِ مَلْزُومٌ لِمُطْلَقِ إرْثِ النِّكَاحِ الْأَعَمِّ الْمُقَابِلِ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَهَذَا اللَّازِمُ أَعَمُّ مِنْ الْمَلْزُومِ الْمَذْكُورِ ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمَلْزُومِ مُقَيَّدًا بِالصِّحَّةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّازِمُ مُسَاوِيًا لِأَنَّا قَرَّرْنَا أَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ نِكَاحٍ وَمُطْلَقُ نِكَاحٍ قَابِلٌ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَإِنَّمَا يَتَوَهَّمُ الْمُسَاوَاةَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ إذَا وَقَعَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَمَرَةٌ بِحَالٍ وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ الضَّرُورِيَّةُ تَنْفِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ هَذَا خُلَاصَةُ رَدِّهِ عَلَى السَّائِلِ الْبَاحِثِ مَعَهُ فِي الرَّدِّ الثَّانِي عَلَى سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ وَهَذَا الْجَوَابُ قَدْ يُتَوَهَّمُ مُعَارَضَتُهُ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا إنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الْإِرْثِ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ الْإِرْثِ أَوَّلًا لَازِمًا وَهُنَا لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ مُعَارَضٍ فِي التَّحْقِيقِ لِأَنَّهُ أَوَّلًا جَعَلَ الْمُسْتَلْزِمَ لِمَنْعِ الْإِرْثِ هُوَ الْفَسْخَ وَهُنَا ذَكَرَ أَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَسْتَلْزِمُهُ وَلَا تَصِحُّ الْمُعَارَضَةُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَفْسُوخُ وَالْفَاسِدُ مُتَسَاوِيَيْنِ أَمَّا إذَا لَمْ تَثْبُتْ مُسَاوَاتُهُمَا فَلَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاسِدَ أَعَمُّ مِنْ الْمَفْسُوخِ وَمَا لَزِمَ الْأَخَصَّ قَدْ لَا يَلْزَمُ الْأَعَمَّ قَالَ السَّائِلُ الْمَذْكُورُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي الْبَحْثِ مَعَ الشَّيْخِ فِي زَعْمِهِ أَنَّ مَا ذَكَرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ لَا مِنْ ثُبُوتِهِ قَالَ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَالسُّؤَالُ بَاقٍ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ أَيْضًا مِنْ إثْبَاتِ الْمَلْزُومِ لِأَنَّ نَفْيَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ هُوَ فَاسِدٌ النِّكَاحَ الْمَلْزُومَ
стр. 181
لِانْقِطَاعِ الْإِرْثِ ثُمَّ قَرَّرَهُ بِمَا حَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ يَقُولُ مَا ذَكَرْت مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ عِنْدَنَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ وَذَلِكَ بِادِّعَاءِ أَنَّ فَسَادَ النِّكَاحِ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ الْإِرْثِ فَآلَ الْأَمْرُ إلَى الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْمَلْزُومِ وَنَفْيِ لَازِمِهِ وَأَجَابَ الشَّيْخُ ﵀ بِمَنْعِ أَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ النِّكَاحِ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ الْإِرْثِ وَسَنَدُ الْمَنْعِ أَنَّ الْمَلْزُومَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ اللَّازِمِ وَهِيَ هُنَا أَنَّ نِسْبَةَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إلَى عَدَمِ الْإِرْثِ كَنِسْبَةِ النَّظَرِ الْفَاسِدِ إلَى عَدَمِ الْجَهْلِ وَالنَّظَرُ الْفَاسِدُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ وَالْجَوَابُ الثَّانِي أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِرْثِ لَا لِعَدَمِ الْإِرْثِ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ يُوجِبُ تَرَتُّبَ بَعْضِ ثَمَرَاتِ الصَّحِيحِ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَرَاتِ الصَّحِيحِ الْإِرْثُ وَذَلِكَ يُنْتِجُ إبْطَالَ قَوْلِكُمْ إنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الْإِرْثِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ بِاخْتِصَارٍ وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي فَرَدُّ السَّائِلِ عَلَيْهِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالنَّقْضِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَكَذَلِكَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَأَنَّ انْفِكَاكَ اللَّازِمِ عَنْ مَلْزُومِهِ جَائِزٌ فِي الْجَمِيعِ قَالَ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ وَلَا يُوجَدُ الْعِلْمُ لِطَرَيَانِ آفَةٍ وَهَذَا كَلَامٌ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ لَا يَصِحُّ وَأَغْلَظَ فِي الْقَوْلِ هُنَا وَأَلْزَمَهُ إلْزَامَاتٍ شَنِيعَةً وَحُقَّ لَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى رَدِّ قَوْلِهِ بِأَدِلَّةٍ جَلِيَّةٍ وَمَا وَقَعَ بِهِ الْوَهْمُ أَنْ بَنَيْنَا عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَنَّ اسْتِلْزَامَ النَّظَرِ عَادِيٌّ فَقَدْ خَرَجَتْ الْمَسْأَلَةُ عَنْ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ عَقْلِيٌّ فَإِنَّهُ يَقَعُ الِاسْتِلْزَامُ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ عَدَمُ الْآفَةِ وَهَذَا الْكَلَامُ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ خُلَاصَةُ الْبَحْثِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَنْ الْمَقْصِدِ لَأَشَرْنَا إلَى بَعْضِ مَا يَرِدُ فِي ذَلِكَ وَتَقَعُ الْمُذَاكَرَةُ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ عَلَى النَّاظِرِ (فَإِنْ قُلْتَ) يَرِدُ عَلَى رَسْمِهِ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إذَا أَعْمَلَ مُجْتَهِدٌ دَلِيلًا فِي لَازِمِ مَدْلُولٍ قَدْ أَعْمَلَ مُجْتَهِدٌ آخَرُ دَلِيلًا فِي نَقِيضِ ذَلِكَ الْمَدْلُولِ لِأَنَّ الرَّسْمَ صَادِقٌ عَلَيْهِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدٍ بِمُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) رَسْمُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يَعُمُّ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ ابْتِدَاءً أَوْ وُقُوعًا أَوْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْوُقُوعِ وَلَا يَصِحُّ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ ابْتِدَاءً (قُلْتُ) رَسْمُهُ يَعُمُّ ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمِثَالِ إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْفَهْمِ وَلَا يُقْصَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَكُرِهَ لِلْخِلَافِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَقَدْ أَجَابَ
стр. 182
بِذَلِكَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعُقْبَانِيُّ ﵀ بَدِيهَةً حِينَ سُئِلَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَرَسْمُ الشَّيْخِ إذَا سَلِمَ يَصْدُقُ فِي ذَلِكَ وَتَنْزِيلُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ فَهِمَ الرَّسْمَ وَكَلَامُ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا حَسَنٌ لِأَنَّهُ قَالَ كَثِيرًا مَا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ الْحُكْمُ كَذَا لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَيَقُولُونَ هَلْ يُرَاعَى كُلٌّ خِلَافٍ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَإِذَا لَمْ نُرَاعِ كُلَّ خِلَافٍ رَاعَيْنَا الْمَشْهُورَ وَهَلْ الْمَشْهُورُ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ أَوْ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ فِيهِ خِلَافٌ وَاَلَّذِي يُعْتَقَدُ أَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يُرَاعِي مَنْ قَوِيَ دَلِيلُهُ وَإِذَا حُقِّقَ فَلَيْسَ بِمُرَاعَاةٍ لِلْخِلَافِ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ إعْطَاءُ كُلٍّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ اُنْظُرْهُ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى مَا قَرَّرْنَا فِي رَسْمِ الشَّيْخِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَلْ تَجِبُ مُرَاعَاةُ الدَّلِيلِ أَوْ تَجُوزُ (قُلْتُ) يَظْهَرُ وُجُوبُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَأَمَّلْ بَحْثَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعَ ابْنِ بَشِيرٍ فِي بَيْعِ الْعَذِرَةِ وَسَيَأْتِي.
[بَابٌ فِي الْمُتْعَةِ]
(م ت ع) : بَابٌ فِي الْمُتْعَةِ
قَالَ ﵀ " مَا يُؤْمَرُ الزَّوْجُ بِإِعْطَائِهِ الزَّوْجَةَ لِطَلَاقِهِ إيَّاهَا " قَوْلُهُ مَا " يُؤْمَرُ الزَّوْجُ " جِنْسٌ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا يُطْلَبُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ وَقَوْلُهُ لِطَلَاقِهِ إيَّاهَا يُخْرِجُ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَالدُّيُونَ الَّتِي عَلَيْهِ لَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يُخْرِجُ نِصْفَ الصَّدَاقِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ الزَّوْجُ لِأَجْلِ طَلَاقِهِ " إيَّاهَا " وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَلَيْهِ ذَلِكَ (قُلْتُ) لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّصْفَ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لِأَجْلِ الطَّلَاقِ بَلْ كَانَ وَاجِبًا لَهَا لِأَنَّهَا تَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) يَرُدُّ عَلَيْهِ ﵁ إذَا أَعْطَتْ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مَالًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا ثُمَّ أَخَذَ الْمَالَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَالُوا فَإِنَّهُ يَرُدُّ لَهَا الْمَالَ فَيَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ مَا أُمِرَ الزَّوْجُ بِإِعْطَائِهِ الزَّوْجَةَ لِطَلَاقِهِ إيَّاهَا (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ قَوْلُهُ " لِطَلَاقِهِ إيَّاهَا " إذَا حَقَّقْت الْعِلَّةَ لَا يَرِدُ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) نَصَّ أَهْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي أَصْلِهِ فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ (قُلْتُ) الْأَمْرُ أَعَمُّ مِمَّا يُقْضَى بِهِ أَمْ لَا وَالْمُسْتَحَبُّ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَا يُقْضَى بِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ لَا يُقْضَى بِهَا
стр. 183
وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيهَا بِالْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ (فَإِنْ قُلْتَ) مُتْعَةُ الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُمَلَّكَةِ كَيْفَ يَدْخُلُ فِي رَسْمِهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْ الزَّوْجَةِ لَا مِنْ الزَّوْجِ (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَقُولَ الرَّسْمُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا مُتْعَةَ لِمَنْ ذَكَرَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَإِنْ قُلْنَا بِالشَّاذِّ فَيُقَالُ الزَّوْجَةُ نَائِبَةٌ عَنْ الزَّوْجِ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُطَلِّقُ إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ إيَّاهَا أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
[بَابُ الْوَلِيمَةِ]
(ول م) : بَابُ الْوَلِيمَةِ
قَالَ ﵁ الْبَاجِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْعَيْنِ طَعَامُ النِّكَاحِ وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهَا طَعَامُ الْإِمْلَاكِ وَقِيلَ طَعَامُ الْعُرْسِ وَالْإِمْلَاكِ (قُلْتُ) تَأَمَّلْ هَذَا فَفِيهِ بَحْثٌ مَعَ مَا يَذْكُرُهُ بَعْدُ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَحِلِّهَا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ فِيهَا أَنْ يُولِمَ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْإِطْعَامَ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَ عَقْدِهِ» وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ اسْتِحْبَابَهَا عِنْدَ الْبِنَاءِ وَعِنْدَ الْعَقْدِ قَالَ وَاسْتَحَبَّهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ الْعَيْنِ لَا يُعَيِّنُ عَقْدًا وَلَا دُخُولًا لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي مَدْلُولِهِ خِلَافٌ وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ عَيْنُ الدُّخُولِ وَالْعَقْدِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فِيهِ مَا رَأَيْته وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
(ط ل ق) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الطَّلَاقِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ مُوجِبًا تَكَرُّرهَا مَرَّتَيْنِ لِلْحُرِّ وَمَرَّةً لِذِي رِقٍّ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجٍ " ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ هَذَا الرَّسْمَ وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِهِ ﵀ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ لَمْ يَرْسِمْهُ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ مَشْعُورٌ بِهَا لِلْعَوَامِّ قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْمَشْعُورَ بِهِ وُقُوعُهُ مِنْ حَيْثُ صَرِيحُ لَفْظِهِ أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلَا
стр. 184
وَلَا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَهَذَا حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ قَوْلُهُ فِي رَسْمِهِ " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ " تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَأْتِي بِالْجِنْسِ بِمَا يُنَاسِبُ الْمَحْدُودَ وَهُنَا الْمَحْدُودُ تُنَاسِبُهُ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهَا مَعَانٍ تَقْدِيرِيَّةٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ الْمُتَقَدِّمِ قَوْلُهُ " تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ " أَخْرَجَ بِهِ الطَّهَارَةَ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ الْأَسْبَابِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَانِعٌ وَالطَّهَارَةُ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ سَبَبٌ وَإِنْ كَانَتْ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ وَالطَّلَاقُ لَمَّا كَانَ مَانِعًا نَاسَبَ فِيهِ ذِكْرُ الرَّفْعِ فَلِذَا قَالَ فِيهَا تَرْفَعُ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ قَالَ فِي الْإِحْرَامِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ حُرْمَةَ إلَخْ فَتَأَمَّلْ مَا الْفَرْقُ فِي ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ ثَمَّ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَرْفَعُ الْحِلِّيَّةَ مَعَ تَوَجُّبِ الْحُرْمَةِ أَوْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (قُلْتُ) الرَّفْعُ أَشَدُّ مِنْ إيجَابِ الْمَنْعِ فِي الْحِلِّيَّةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي النَّسْخِ وَذِكْرُ الرَّفْعِ هَاهُنَا أَنْسَبُ بِالطَّلَاقِ وَفِيهِ بَحْثٌ قَوْلُهُ " حِلِّيَّةَ " لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تُرْفَعُ وَإِنَّمَا يُرْفَعُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا قَوْلُهُ " الزَّوْجَةِ إلَخْ " أَخْرَجَ بِهِ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ بِغَيْرِهَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لَا يَحِلُّ التَّلَذُّذُ بِهَا وَقَدْ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِي التَّلَذُّذِ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا الْخِلَافَ (قُلْتُ) ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الشُّيُوخُ مِثْلُ ابْنِ مُحْرِزٍ وَعِيَاضٍ وَغَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي الْجُلُوسِ عِنْدَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرَ فِي رَسْمِ الْعِدَّةِ الرَّأْيَيْنِ وَبَنَى الْحَدَّ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هُنَا (قُلْتُ) يَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِهِ بَعْدُ وَفِي الرَّجْعَةِ قَوْلُهُ " مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا مَرَّتَيْنِ إلَخْ " صِفَةٌ لِلصِّفَةِ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ عَلَى نُسْخَةِ الرَّفْعِ وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مُوجِبًا فَهُوَ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ زَادَ ذَلِكَ لِأَوْجُهٍ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ تَمْنَعُ أَوْ تَرْفَعُ الْمُتْعَةَ بِالزَّوْجَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ إحْرَامِ الْحَجِّ وَأَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ فَزَادَ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ أَنَّ مُوجِبَ تَكَرُّرِ الصِّفَةِ حُرْمَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ الطَّلَاقِ الْمُمْتَازِ بِهِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ فَزَادَ ذَلِكَ لِيُخْرِجَ بِذَلِكَ مَا يُوجِبُ عَدَمَ طَرْدِ حَدِّهِ بِإِحْرَامِ الصَّلَاةِ أَوْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَصِفَةِ الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ لَا يَرْفَعُ بَلْ يَمْنَعُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنَاهُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْمَنْعِ وَفِيهِ بَحْثٌ وَمَنَعَ قَوْلُهُ " قَبْلَ زَوْجٍ " زَادَ هَذَا الْقَيْدَ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ الْمُطْلَقَةَ وَإِنَّمَا يُوجِبُهَا مُقَيَّدَةً فَزَادَ الْقَيْدَ لِيَجْمَعَ خَاصِّيَّتَهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) ضَمِيرُ تَكَرُّرِهَا يَعُودُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَكَيْفَ تُكَرَّرُ وَإِنَّمَا
стр. 185
يَتَكَرَّرُ التَّطْلِيقُ وَالتَّطْلِيقُ غَيْرُ الطَّلَاقِ (قُلْتُ) إذَا تَكَرَّرَ التَّطْلِيقُ فَقَدْ تَكَرَّرَ الطَّلَاقُ تَقْدِيرًا وَالتَّطْلِيقُ حِسِّيٌّ وَالطَّلَاقُ تَقْدِيرِيٌّ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الطَّهَارَةِ التَّطْهِيرَ وَالطَّهَارَةَ فَكَذَلِكَ نَقُولُ هُنَا التَّطْلِيقُ وَالطَّلَاقُ فَرَسْمُ التَّطْلِيقِ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ ﵀ كَمَا عَرَّفَ التَّطْهِيرَ وَيُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ التَّلَفُّظُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ بِصَرِيحِهِ أَوْ كِنَايَتِهِ ظَاهِرَةً أَوْ خَفِيَّةً وَيَأْتِي حَدُّ الصَّرِيحِ مِنْ كَلَامِهِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) بِمَنْ نَصَبَ مَرَّتَيْنِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى الْمَصْدَرِ الْعَدَدِيِّ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِمَرَّتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ وَالزَّائِدُ لَا أَثَرَ لَهُ وَيُقَالُ فِي الطَّلَاقِ الثَّانِي تَكَرَّرَ وَكَذَا الثَّالِثُ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ مُتَكَرِّرٌ وَفَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَ مَنْعِ حِلِّيَّةِ الْمُتْعَةِ وَبَيْنَ الْحُرْمَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَرَفْعُ حِلِّيَّةِ الْمُتْعَةِ لَا يَسْتَدْعِي التَّحْرِيمَ وَمُقْتَضَى التَّحْرِيمِ يَرْفَعُ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ قَطْعًا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصِّفَةَ الْحُكْمِيَّةَ فِي الطَّلَاقِ وَالطَّهَارَةِ عِنْدَ الْقَرَافِيُّ يَرْجِعَانِ إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ اُنْظُرْ الْقَوَاعِدَ مِنْهُ وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الطَّهَارَةِ وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ حَدَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِخُرُوجِ طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَهَذَا تَطْلِيقٌ وَهُوَ يُوجِبُ الطَّلَاقَ وَالطَّلَاقُ هُوَ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ وَالْبَتَّةُ لَا تَتَبَعَّضُ فَلَا يَقَعُ تَكَرُّرٌ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الثَّلَاثُ مِنْ غَيْرِ تَكَرُّرٍ ضَرُورَةَ عَدَمِ التَّبْعِيضِ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ التَّكَرُّرُ فِي التَّطْلِيقِ فَلَا يَقَعُ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ قَالَ مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا فَالْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَمْنَعَ عَدَمَ التَّبْعِيضِ فَإِنَّ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِهِ وَلَوْ سَلَّمْنَا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرْتُمْ إذَا تُؤُمِّلَ لِأَنَّ التَّكَرُّرَ مَوْجُودٌ تَقْدِيرًا وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ إذًا مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا وُجُودًا أَوْ تَقْدِيرًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّهُ عَامٌّ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ طَلَّقَ خُلْعًا أَوْ رَجْعَةً طَلَاقًا وَاحِدًا أَوْ ثَلَاثًا مُجْتَمِعًا أَوْ مُفْتَرِقًا.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَكَيْفَ يَصْدُقُ حَدُّهُ عَلَى طَلَاقِ الْخُلْعِ وَالْخُلْعُ هُوَ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ (قُلْتُ) التَّعْرِيفُ يَصْدُقُ عَلَى مَعْنَى الطَّلَاقِ لَا عَلَى مَا يُوجِبُ الطَّلَاقَ وَالْخُلْعُ أَوْجَبَ الطَّلَاقَ وَالرَّسْمُ لِلطَّلَاقِ الْمُقْسَمِ إلَى أَقْسَامٍ تَخْتَلِفُ أَسْبَابُهَا (فَإِنْ قُلْتَ) طَلَاقُ الرَّجْعِيَّةِ كَيْفَ رَفَعَ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ فِي حَالِ طَلَاقِهَا إنَّمَا رَفَعَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
(قُلْتُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نَقْلَانِ فِي مَذْهَبِنَا فَاَلَّذِي نَقَلَهُ عِيَاضٌ ﵀ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ حَتَّى تَقَعَ حِلِّيَّتُهَا وَاَلَّذِي نَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ أَنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (قُلْتُ) وَاَلَّذِي حَقَّقَهُ الشَّيْخُ بَعْدَ هَذَا
стр. 186
أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ أَعَمُّ مِنْ إبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَعَدَمِهِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ مَرْغُوبٌ عَنْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) جَرَتْ عَادَةُ الشَّيْخِ ﵁ إذَا كَانَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ خِلَافٌ يُشِيرُ فِي رَسْمِهِ إلَى الرَّأْيَيْنِ وَيَذْكُرُ فِيهِ رَسْمَيْنِ فَيَحُدُّهُ عَلَى رَأْيٍ بِكَذَا وَعَلَى الْآخَرِ بِكَذَا وَقَدْ قَدَّمْنَا لَهُ نَظَائِرَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَهُنَا لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّك عَلِمْت مِنْ الْخِلَافِ مَا ذُكِرَ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ لَمَّا ضَعُفَ عِنْدَهُ الْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَا يَخُصُّهُ وَكَانَ هَذَا يَقَعُ الْجَوَابُ بِهِ هُنَا وَيَقَعُ الْإِقْنَاعُ بِهِ حَتَّى رَأَيْت فِي رَسْمِ الرَّجْعَةِ أَنَّهُ أَشَارَ فِي حَدِّهَا إلَى الرَّأْيَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فَتَقْوَى عِنْدِي السُّؤَالُ وَضَعُفَ مِنْ السُّؤَالِ الْحَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ وَالْمُوَفِّقُ فِي الْأَعْمَالِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَالُوا إنَّ الطَّلَاقَ قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَأَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ فَهَلْ أَطْلَقُوا ذَلِكَ عَلَى الطَّلَاقِ الْمَحْدُودِ أَوْ عَلَى التَّطْلِيقِ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ الطَّلَاقُ الْمَحْدُودُ وَأَسْنَدَ إلَيْهِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ التَّطْلِيقِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الْإِبَاحَةِ وَبَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَلَالُ مَبْغُوضًا وَالْبُغْضُ مِنْ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَالْمَعْنَى الْمُحَالُ فِي حَقِّهِ مُحَالٌ تَقَرُّرُهُ وَلَكِنْ فِيهِ الْكِنَايَةُ عَنْ شِدَّةِ الْكَرَاهَةِ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْحِلِّيَّةِ (قُلْتُ) هَذَا سُؤَالٌ مَعْلُومٌ قَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ وَأَصْلُ السُّؤَالِ أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يُضَافُ إلَّا إلَى جِنْسِ الْمَوْصُوفِ بِهِ فَلَا يُقَالُ زَيْدٌ أَفْضَلُ الْحَمِيرِ وَإِذَا كَانَ الْبُغْضُ يَرْجِعُ إلَى الْكَرَاهَةِ فَكَيْفَ يُقَالُ الطَّلَاقُ أَكْرَهُ الْحَلَالِ وَالْحَلَالُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْحَلَالَ مَا نُفِيَ فِيهِ الْحَرَجُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَاجِبُ وَالْمَكْرُوهُ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ مِنْ أَشَدِّ الْمَكْرُوهَاتِ وَقَدْ كَانَ يَمْشِي لَنَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى وَقَرَّرَ الشَّيْخُ فَهْمَ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ ﵁ مَحْمَلُ كَوْنِهِ أَبْغَضَ أَنَّهُ أَقْرَبُ الْحَلَالِ إلَى الْبُغْضِ فَنَقِيضُهُ أَبْعَدُ عَنْ الْبُغْضِ فَيَكُونُ أَحَلَّ مِنْ الطَّلَاقِ كَقَوْلِ مَالِكٍ إلْغَاءُ الْبَيَاضِ أَحَلُّ هَذَا لَفْظُهُ وَفِيهِ تَعْقِيدٌ وَكَانَ يَمُرُّ لَنَا فِي فَهْمِهِ أَنَّ خُلَاصَةَ فَهْمِ الْحَدِيثِ أَنَّ عَدَمَ الطَّلَاقِ أَحَلُّ مِنْ الطَّلَاقِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنَ الطَّلَاقِ مُبَاحًا اسْتَوَتْ فِيهِ الطَّرَفَانِ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ أَبْغَضَ أَقْرَبُ الْحَلَالِ إلَى الْبُغْضِ لِأَنَّ الْحَلَالَ فِيهِ مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْبُغْضِ وَفِيهِ مَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ
стр. 187
ذَلِكَ الْقَرِيبِ.
وَإِنْ كَانَ الطَّرَفَانِ فِيهِ مُسْتَوِيَانِ فِي الْقُدُومِ لَكِنْ رُبَّمَا كَانَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مَا يُوجِبُ الْقُرْبَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَقْرَبَ الْحَلَالِ إلَى الْبُغْضِ الطَّلَاقُ كَانَ نَقِيضُ الطَّلَاقِ وَهُوَ عَدَمُ الطَّلَاقِ أَبْعَدَ عَنْ الْبُغْضِ فَيَصْدُقُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ عَدَمَ الطَّلَاقِ أَحَلُّ مِنْ الطَّلَاقِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ ثَمَّ حَلَالًا وَأَحَلَّ، أَصْلُهُ مَا قَرَّرَهُ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ أَحَلُّهُ هَذَا مَعْنَاهُ وَلِلْمَازِرِيِّ ﵀ وَغَيْرِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي ذَلِكَ وَنَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ هُنَا لِتَمَامِ الْفَائِدَةِ بِمَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ طَلَاقِ الْخُلْعِ]
(ط ل ق) : بَابُ طَلَاقِ الْخُلْعِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ بَعْدَ أَنْ قَسَمَ الطَّلَاقَ إلَى نَوْعَيْنِ بِعِوَضٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَدُونَهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرْنَا عَنْهُ بِقَوْلِنَا مَا كَانَ بِعِوَضٍ سَمَّاهُ كَثِيرٌ خُلْعًا (قُلْتُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ رَسْمٌ لَهُ وَأَنَّ طَلَاقَ الْخُلْعِ مَا كَانَ بِعِوَضٍ وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ " عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى الْبُضْعِ تَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا وَيَمْلِكُ بِهِ الزَّوْجُ الْعِوَضَ " وَهَذَا صَوَابٌ جَارٍ عَلَى قَاعِدَة الشَّيْخُ فِي رَسْمِ الْعُقُودِ (فَإِنْ قُلْتَ) حَدَّ الشَّيْخِ الطَّلَاقَ الْأَعَمَّ مِنْ طَلَاقِ الْخُلْعِ وَغَيْرِهِ فَطَلَاقُ الْخُلْعِ صِنْفٌ أَوْ نَوْعٌ مِنْ الطَّلَاقِ الْمَحْدُودِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِي رَسْمِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِسَبَبِ عِوَضٍ عَلَى التَّطْلِيقِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ أَنْسَبُ إلَّا أَنَّ طَلَاقَ الْخُلْعِ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ عَلَى الْمَعْنَى النَّاشِئِ عَنْ الْعَقْدِ وَعَلَى الْعَقْدِ فَصَحَّ حَدُّهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ يُطْلِقُونَ الْخُلْعَ عَلَى غَيْرِ طَلَاقِ الْخُلْعِ قَالَ فِيهَا مَا الْخُلْعُ وَمَا الْمُبَارَاةُ وَمَا الْفِدْيَةُ قَالَ قَالَ مَالِكٌ الْمُبَارَاةُ الَّتِي تُبَارِي زَوْجَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَالْمُخْتَلِعَةُ الَّتِي تَخْتَلِعُ مِنْ كُلِّ الَّذِي لَهَا وَالْمُفْتَدِيَةُ الَّتِي تُعْطِي بَعْضَ الَّذِي لَهَا قَالَ وَكُلُّهُ سَوَاءٌ (قُلْتُ) هَذَا اصْطِلَاحٌ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ فِي النَّقْلِ وَالتَّفْسِيرِ فِي مَدْلُولِ أَلْفَاظِهِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمُبَارَاةُ الَّتِي لَا تَأْخُذُ وَلَا تُعْطِي قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا يَصْدُقُ عَلَى أَكْثَرِ صُوَرِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ اُنْظُرْهُ وَالتَّحْرِيرُ هُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ مُتَّفِقَةٌ فِي الْمَعْنَى.
стр. 188
[بَابُ الْمُطَلِّقُ بِالْخُلْعِ]
ط ل ق) : بَابُ الْمُطَلِّقُ بِالْخُلْعِ
قَالَ ﵀ " مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ " (قُلْتُ) هَذَا فِيهِ إحَالَةٌ عَلَى مَنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ مِنْ مَالِكِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ سُلْطَانٍ وَخَلِيفَةٍ وَهَذَا قَرِيبٌ وَلَا يَجُوزُ الطَّلَاقُ بِالْخُلْعِ مِنْ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ وَالسَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ الْبَالِغِ فِيهِ خِلَافٌ وَهَذِهِ مَسَائِلُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَرَسْمُهُ فِيهِ بَحْثٌ.
[بَابُ بَاذِلِ الْخُلْعِ]
بَذل بَابُ بَاذِلِ الْخُلْعِ
قَالَ ﵁ " مَنْ صَحَّ مَعْرُوفُهُ " قَوْلُهُ (مَنْ صَحَّ مَعْرُوفُهُ) أَخْرَجَ بِهِ مَنْ لَا يَصِحُّ مَعْرُوفُهُ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ (فَإِنْ قُلْتَ) لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الرَّسْمَ قَالَ بَعْدَهُ لِأَنَّ عِوَضَهُ غَيْرُ مَالِيٍّ فَمَا مُنَاسَبَتُهُ (قُلْتُ) مُنَاسَبَتُهُ إنَّهُ صَيَّرَهُ مَعْرُوفًا فَاشْتَرَطَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْرُوفِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ الْخُلْعُ كَالْبَيْعِ (قُلْتُ) فِيهِ شَائِبَةُ الْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ قَصَدَ الضَّرَرَ (قُلْتُ) قَيَّدُوهُ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرًا كَشِرَاءِ الْعَدُوِّ الدَّيْنَ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَاعُ الْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ بِلَا إذْنٍ مِنْ السَّيِّدِ وَالْمَأْذُونِ لَهَا فِي التَّجْرِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يَجُوزُ لَهَا الْخُلْعُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِيهِ وَفِيهِ بَحْثٌ اُنْظُرْهُ وَأَمَّا الصَّبِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ فَوَقَعَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى أَنَّ خُلْعَهَا مَاضٍ وَالْمَعْرُوفُ رَدُّ الْمَالِ وَلَا يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى الْحَدِّ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْمَشْهُورَ فِيمَا يَظْهَرُ وَتَأَمَّلْ خُلْعَ الْأَبِ عَنْ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَمَا فِيهِ وَكَذَلِكَ خُلْعَ الصَّبِيِّ وَهَلْ يَجْرِي عَلَيْهَا الْحَدُّ كَخُلْعِ الْمَرِيضِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ صِيغَةِ الْخُلْعِ]
قَالَ ﵀ مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَلَوْ إشَارَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ مِنْ الْحَفْرِ وَالدَّفْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 189
[بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ]
طلق بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ " مَا كَانَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بَعْدَ غُسْلِهَا أَوْ تَيَمُّمِهَا وَاحِدَةً فَقَطْ " قَوْلُهُ " مَا كَانَ " مَعْنَاهُ طَلَاقٌ كَانَ فِي طُهْرٍ أَخْرَجَ بِالطُّهْرِ الْحَيْضَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِيهِ بِدْعَةٌ وَهُوَ بِدْعِيٌّ وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِيهِ قَوْلُهُ " لَمْ يَمَسَّ فِيهِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا مَسَّهَا فِي طُهْرٍ فَإِنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا وَطَلَاقُهَا فِيهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهٌ وَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِيهِ كَلَامٌ لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ " بَعْدَ غُسْلِهَا " أَخْرَجَ بِهِ إذَا لَمْ تَغْتَسِلْ فَإِنَّ طَلَاقَهَا فِيهِ بِدْعَةٌ قَبْلَ غُسْلِهَا وَهَذَا الشَّرْطُ مَضَى فِيهِ الشَّيْخُ عَلَى مَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا عَلَى مَا قَالَ فِي الْجَلَّابِ وَالتَّلْقِينِ وَقَوْلُهُ " أَوْ تَيَمُّمِهَا يَعْنِي " إذَا لَمْ تَجِدْ مَاءً وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُبِيحُ لَهُ طَلَاقَهَا وَنَقَلَ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُبِيحَ لِلصَّلَاةِ يُبِيحُ طَلَاقَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) فَإِذَا صَلَّتْ بِالتَّيَمُّمِ هَلْ يُبَاحُ طَلَاقُهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ (قُلْتُ) وَقَعَ لِعَبْدِ الْحَقِّ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَوْ صَلَّتْ بِحَيْثُ لَا تَتَنَفَّلُ بِهِ وَتَأَمَّلْ فِي جَرْيِ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي كَوْنِ التَّيَمُّمِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ قَوْلُهُ " وَاحِدَةً فَقَطْ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا أَطْلَقَ غَيْرَ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ بِدْعِيٌّ قَالُوا طَلَاقُهُ اثْنَيْنِ مَكْرُوهٌ وَثَلَاثًا حَرَامٌ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ ارْتَجَعَ ثُمَّ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ ارْتَجَعَ ثُمَّ طَلَّقَ وَاحِدَةً هَلْ ذَلِكَ سُنِّيٌّ وَلَفْظُ الرَّسْمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ (قُلْتُ) نَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ جَوَازَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَك النَّظَرُ فِي صَادِقِيَّةِ لَفْظِ الشَّيْخِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ فَقَطْ وَالظَّاهِرُ خُرُوجُهَا عَنْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ عِوَضَ قَوْلِهِ بَعْدَ غُسْلِهِمَا أَوْ تَيَمُّمِهَا يَحِلُّ لَهَا فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ أَخْصَرُ مِمَّا ذَكَرَ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ كَذَلِكَ (قُلْتُ) يَظْهَرُ إنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصَرِّحَ بِطُهْرِ التَّيَمُّمِ لِلْغَرَابَةِ فِيهِ لِأَنَّ أَصْلَهُ إنَّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَا يَجُوزُ الْوَطْءُ بِهِ وَلَوْ قَالَ فِي رَسْمِهِ طَلَاقُ السُّنَّةِ طَلَاقٌ فِي طُهْرٍ إلَخْ لَكَانَ أَخْصَرَ مِمَّا ذَكَرَ.
стр. 190
[بَابٌ فِي شَرْطِ الطَّلَاقِ]
طلق بَابٌ فِي شَرْطِ الطَّلَاقِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ " شَرْطُهُ أَهْلٌ وَمَحِلٌّ وَالْقَصْدُ مَعَ اللَّفْظِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ إشَارَةٍ وَسَبَبُهُ: وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَا فَسَّرَ بِهِ الشَّرْطَ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ ﵀ فِي كَوْنِهِ صَيَّرَ الْمَذْكُورَاتِ أَرْكَانًا لِلطَّلَاقِ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَذَلِكَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَكُلُّ خَارِجٍ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ غَيْرُ رُكْنٍ لَهُ فَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ فَرَكَّبَ قِيَاسًا مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ الصُّغْرَى فِيهِ مُحَصَّلَةٌ مُوجِبَةٌ وَالْكُبْرَى مُوجِبَةٌ مَعْدُولَةُ الْمَحْمُولِ وَالصُّغْرَى يُبْحَثُ فِيهَا بِمَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ وَبَعْضُ شُيُوخِنَا عَارَضَ كَلَامَهُ هُنَا بِسُكُوتِهِ عَنْ الرَّدِّ بِمِثْلِ هَذَا فِي النِّكَاحِ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي كَوْنِ الصِّيغَةِ رُكْنًا مِنْ النِّكَاحِ وَعِنْدِي لَيْسَ فِيهِ سُكُوتٌ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْأَرْكَانَ أَجْزَاءٌ حِسِّيَّةٌ فَالْمُرَكَّبُ حِسِّيٌّ فَهُوَ مُسَلَّمٌ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا جَعَلَهُ جُزْءًا لَهُ وَفِيمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هُنَا مِنْ الْبَحْثِ مَعَ ابْنِ الْحَاجِبِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَيْك وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ قَوْلُهُ ﵀ الْمَذْكُورَاتِ خَارِجَةً عَنْ حَقِيقَتِهِ إنْ عَنَى عَنْ الطَّلَاقِ الْمَحْدُودِ عِنْدَهُ فَمُسَلَّمٌ وَابْنُ الْحَاجِبِ لَمْ يَحُدَّهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَإِنْ عَنَى الطَّلَاقَ الْحِسِّيَّ الَّذِي أَرْكَانُهُ الْحِسِّيَّةُ أَجْزَاءٌ لَهُ فَلَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ دَاخِلَةٌ فِيهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مَا عَرَّفَهُ الشَّيْخُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ إنَّمَا شَرْطٌ فِيهِ وَيُطْلَقُ عَلَى صُورَةٍ خَارِجِيَّةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَذْكُورَةَ أَجْزَاءٌ لَهُ وَلَا يَكْتَفِي بِهَذِهِ عَنْ رَسْمِ الْمَعْنَوِيِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَهْلِ]
(أهـ ل) بَابُ الْأَهْلِ
الْأَهْلُ هُوَ الْمُوقِعُ لِلطَّلَاقِ وَشَرْطُهُ الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَمَا يُفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِهِ جَلِيٌّ.
стр. 191
[بَابُ الْمَحِلِّ]
ح ل ل) بَابُ الْمَحِلِّ
قَالَ ﵀ " وَهُوَ الْعِصْمَةُ ثُمَّ قَالَ شَرْطُهُ مُقَارَنَةُ إنْشَائِهِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لِامْتِنَاعِ وُجُودِ حَالٍّ دُونَ مَحِلٍّ " قَوْلُهُ " وَهُوَ الْعِصْمَةُ " (فَإِنْ قُلْتَ) تَفْسِيرُ الْمَحِلِّ بِالْعِصْمَةِ تَفْسِيرٌ بِالْمُسَاوِي أَوْ الْأَخْفَى وَلَمْ يُبَيِّنْهَا بَعْدُ (قُلْتَ) كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْعِصْمَةَ مَشْهُورَةٌ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْك مِمَّا يَرُدُّ بِهِ عَلَى شَيْخِهِ وَغَيْرِهِ ﵀ وَالصَّوَابُ رَسْمُهَا قَوْلُهُ " مُقَارَنَةُ إنْشَائِهِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا لَمْ يُقَارِنْ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ الْمَحِلَّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ وَعِصْمَةٍ تَحْقِيقًا لِوُجُودِهَا حِسًّا وَوَقَعَ الطَّلَاقُ فِعْلًا أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقًا فِي أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى تَقْدِيرِ تَزْوِيجِهَا وَلِذَا قَالَ فِيهَا إذَا قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ طَالِقٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إنْ تَزَوَّجْتهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ اللَّافِظِ وَلَوْ بِسِيَاقٍ أَوْ نِيَّةٍ وَهَذَا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ لِلْمَحَلِّ وَذَكَرَ ﵀ شَرْطًا آخَرَ بَعْدُ قَالَ فِيهِ وَشَرْطُ اعْتِبَارِ الْمَحِلِّ مُقَارَنَةُ سَبَبِ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا زَادَ ذَلِكَ فِي شَرْطِ اعْتِبَارِ الْمَحِلِّ لِيُدْخِلَ صُورَةَ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرَهَا إذَا حَلَفَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا لَا أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ ثُمَّ أَبَانَهَا فَأَكَلَتْهُ أَوْ لَمْ يُبِنْهَا بِالثَّلَاثِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ رَاجَعَهَا وَأَكَلَتْ بَقِيَّتَهُ حَنِثَ وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ فَإِنْ أَبَانَهَا بِالثَّلَاثِ ثُمَّ رَاجَعَهَا وَأَكَلَتْ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ فَلِذَا قَالَ شَرْطُ اعْتِبَارِ الْمَحِلِّ أَيْضًا مُقَارَنَةُ سَبَبِ الطَّلَاقِ فَتَأَمَّلْهُ وَسَبَبُ الطَّلَاقِ هُوَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ الْقُصُورِ مَعَ اللَّفْظِ وَانْظُرْ مَا هُنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهَا أَبْحَاثٌ تَأَمَّلْ ذَلِكَ فِيهِ.
[بَابُ الْقَصْدِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي الطَّلَاقِ]
(ق ص د) : بَابُ الْقَصْدِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي الطَّلَاقِ
قَالَ ﵀ " شَرْطُهُ تَعَلُّقُهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ مَعَهُ " قَوْلُهُ " شَرْطُهُ " يَعْنِي شَرْطُ اعْتِبَارِ قَصْدِ الطَّلَاقِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْقَصْدَ الْمُجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ شَرْعًا وَانْظُرْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّيَّةِ لَا يَلْزَمُ اتِّفَاقًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الطَّلَاقِ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ قَوْلُهُ " تَعَلُّقُهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ " كَمَا إذَا
стр. 192
قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَصَدَ النُّطْقَ بِهِ فِي الطَّلَاقِ فَإِنْ نَطَقَ بِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ فَظَاهِرُهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا وَكَذَا إذَا قَصَدَ لَفْظَ الطَّلَاقِ وَجَرَى لِسَانُهُ عَلَى قَوْلِهِ كُلِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ سَبْقَ اللِّسَانِ لَغْوٌ وَكَذَا إذَا نَوَى لَفْظًا فَغَلَبَهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَكَذَا إذَا كَانَتْ امْرَأَةٌ اسْمُهَا طَالِقٌ فَنَادَاهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " أَوْ غَيْرِهِ مَعَهُ " مَعْنَاهُ غَيْرُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الطَّلَاقِ مَعَ الْقَصْدِ كَالْإِشَارَةِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا قُصِدَ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ الْأَفْعَالِ أَوْ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ بِاللَّفْظِ وَغَيْرُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الطَّلَاقِ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ كَيْفَ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ (قُلْتُ) تَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَصْلِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَا يُبْنَى عَلَى ذَلِكَ لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ لَفْظِ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ]
(ط ل ق) بَابُ لَفْظِ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ
قَالَ ﵀ " هُوَ مَا لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ بِنِيَّةِ صَرْفِهِ " مَعْنَاهُ مَا لَا تَنْفَعُ فِيهِ النِّيَّةُ فِي رَفْعِهِ.
[بَابُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ]
كني بَابُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ
قَالَ " مَا يُصْرَفُ عَنْهُ بِهَا " مَعْنَاهُ لَفْظٌ يَنْفَعُ صَرْفُهُ عَنْ الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ.
[بَابُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ]
(ك ن ي) بَابُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ
قَالَ " هِيَ مَا تَتَوَقَّفُ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ عَلَيْهَا " أَيْ لَفْظٌ تَتَوَقَّفُ دَلَالَتُهُ عَلَى الطَّلَاقِ عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ مِنْ اللَّافِظِ.
[بَابُ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ]
(ط ل ق) بَابُ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ
قَالَ " شَرْطُهُ الِاتِّصَالُ وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ " زَادَ اللَّخْمِيُّ وَشَرْطُ نِيَّتِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْيَمِينِ قَوْلُهُ " الِاتِّصَالُ " قَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَلِذَا قَالَ كَمَا
стр. 193
مَرَّ فِي الْأَيْمَانِ قَوْلُهُ " وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ " قَالَ فِي الْمَحْصُولِ الْإِجْمَاعُ عَلَى فَسَادِهِ اُنْظُرْ مَا نُقِلَ هُنَا عَنْ الْقَرَافِيُّ مِنْ الْخِلَافِ عَنْ ابْنِ طَلْحَةَ وَعَرَّفَ الشَّيْخُ هُنَا بِهِ وَنُسِبَ الشَّيْخُ إلَى الْوَهْمِ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّ ابْنَ طَلْحَةَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ هُوَ الْمُعَرِّفُ بِهِ بَلْ هُوَ غَيْرُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى مَاضٍ الْمُخْتَلَفِ فِي حِنْثِهِ]
طلق بَابٌ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى مَاضٍ الْمُخْتَلَفِ فِي حِنْثِهِ قَالَ ﵀ مَا مَعْنَاهُ " الْمُعَلَّقُ عَلَى فِعْلٍ مُرَتَّبٍ عَلَى فَرْضٍ مَاضٍ لَمْ يَقَعْ " قَوْلُهُ " الْمُعَلَّقُ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُعَلَّقِ " قَوْلُهُ عَلَى فِعْلٍ مُرَتَّبٍ " أَخْرَجَ مَا لَيْسَ بِمُرَتَّبٍ عَلَى فَرْضِ قَوْلِهِ " مَاضٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمُسْتَقْبِلَ قَوْلُهُ " لَمْ يَقَعْ " أَخْرَجَ بِهِ مَا وَقَعَ فَإِذَا تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْ الْحَالِفِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُحْكَمُ بِحِنْثِهِ أَمْ لَا وَصُورَتُهُ لَوْ جِئْتنِي بِالْأَمْسِ لَقَضَيْتُك حَقَّك وَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ كُنْت حَاضِرَ الشِّرْكِ مَعَ أَخِي لَفَقَأْتُ عَيْنَك وَيَتَحَصَّلُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْحِنْثُ مُطْلَقًا وَعَدَمُهُ وَالتَّفْصِيلُ إنْ كَانَ الْفِعْلُ مَمْنُوعًا حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنَّمَا كَانَ حَانِثًا فِي الْمَمْنُوعِ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى مَا لَا يَبَرُّ فِيهِ وَلِأَنِّي مِثْلُهُ كَذَا قِيلَ وَبَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نُشِيرُ إلَى مَا عَادَةُ الطَّلَبَةِ يَمُرُّونَ عَلَى أَشْكَالِهِ لِتَتِمَّ الْفَائِدَةُ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ ﵁ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَلَامِيِّ عَلَى التَّوْبَةِ وَعَرَّفَهَا فَقَالَ هِيَ النَّدَمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِأَجْلِ مَا يَجِبُ النَّدَمُ لَهُ قَالَ زَادَ الْآمِدِيُّ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ لِمِثْلِهِ إنْ أَمْكَنَهُ كَتَوْبَةِ الزَّانِي السَّلِيمِ لَا الْمَجْبُوبِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَوْبَتِهِ هَذَا الْعَزْمُ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ لَا تُتَصَوَّرُ تَوْبَتُهُ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ هُوَ الْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْخِلَافِ بِالطَّلَاقِ لَوْ كُنْت حَاضِرَ الشِّرْكِ مَعَ أَخِي لَفَقَأْت عَيْنَك إنْ اعْتَبَرْنَا الْعَزْمَ لِذَاتِهِ.
وَإِنْ اُعْتُبِرَ لِتَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ فَحُصُولُهُ فِي الْمَجْبُوبِ تَمَّ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ الْإِجْرَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَمْ يَظْهَرْ لِكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَكُنْتُ أُقَرِّرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ فَإِنَّ الشَّيْخَ ﵀ لَمَّا ذَكَرَ فِي الزَّانِي إذَا جُبَّ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَتَصِحُّ أَمْ لَا تَوْبَةَ لَهُ وَنُقِلَ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَزْمُ
стр. 194
الْمُشْتَرَطُ فِي التَّوْبَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَزْمَ الْمَذْكُورَ شَرْطٌ فِي التَّوْبَةِ وَإِذَا تَعَذَّرَ الشَّرْطُ تَعَذَّرَ الْمَشْرُوطُ وَالشَّرْطُ هُنَا مُتَعَذِّرٌ لِاسْتِحَالَةِ الزِّنَا عَادَةً مِنْ الْمَجْبُوبِ وَذَلِكَ الْمُتَعَذِّرُ هُوَ الَّذِي يَعْزِمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَلَمَّا حَقَّقَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ فَصَّلَ ﵀ وَقَالَ لَا يَخْلُو أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الْعَزْمَ إنَّمَا هُوَ مَشْرُوطٌ قَصْدًا أَوْ إنَّهُ مَشْرُوطٌ وَسِيلَةً لِتَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِتَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ حُصُولَ تَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ فِي الْمَجْبُوبِ أَشَدُّ مِنْ تَرْكِهِ فِي غَيْرِ الْمَجْبُوبِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَجْبُوبِ ذَلِكَ وَتَصِحُّ مِنْهُ التَّوْبَةُ كَمَا ذَكَرَتْهُ الْجَمَاعَةُ لِأَجْلِ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ الْعَزْمِ إنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا
وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْعَزْمَ إنَّمَا طُلِبَ فِي التَّوْبَةِ لِذَاتِهِ وَعَلَيْهِ مَضَى أَبُو هَاشِمٍ فِي الْمَجْبُوبِ فَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ مَا وَقَعَ لِلْمَشْهُورِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ قَالَ بِالْحِنْثِ فِيهَا مَعَ كَوْنِهِ قَدْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى فِعْلٍ مُعَلَّقٍ عَلَى أَمْرٍ قَدْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِهِ فِيمَا مَضَى مَعَ اسْتِحَالَةِ وُجُودِ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَالَ الْعَزْمِ مُمْكِنًا فَكَمَا لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ الْمَجْبُوبِ لِاسْتِحَالَةِ تَقْدِيرِ الْعَزْمِ فِيهِ عَلَى تَرْكِ الْمَعْدُومِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ وُجُودُ الْبِرِّ مِنْ الْحَالِفِ الْمَذْكُورِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْعَزْمِ فِيهِ الْمَطْلُوبُ لِذَاتِهِ وَلِذَا حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ أَرَادَ التَّقْسِيمَ أَنَّ الْعَزْمَ إنْ طُلِبَ لِذَاتِهِ فِي التَّوْبَةِ صَحَّ قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ فِي عَدَمِ صِحَّةِ تَوْبَةِ الْمَجْبُوبِ وَجَرَى ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيمَا ذَكَرَ وَكَانَ دَلِيلًا لَهُ وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً لِتَرْكِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ صَحَّ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إنَّ تَوْبَةَ الْمَجْبُوبِ صَحِيحَةٌ بِمَا ذَكَرَ وَكَانَ يَمُرُّ لَنَا أَنَّ الْقَائِلَ بِالْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ إنَّمَا عَلَّلَهَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى مَا لَا يَبَرُّ فِيهِ وَلَا فِي مِثْلِهِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُغَايِرَةٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ إذَا تَأَمَّلْتَهَا وَفِي ذَلِكَ بَحْثٌ لَا يَخْفَى لِأَنَّ عِلَّةَ الشَّيْخِ تُوجِبُ الْحِنْثَ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِي تَنْجِيزِهِ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْمُحَالِ.
[بَابٌ فِيمَا يُنْجَزُ فِيهِ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ]
(ط ل ق) بَابٌ فِيمَا يُنْجَزُ فِيهِ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ
بِاتِّفَاقٍ " هُوَ مَا عُلِّقَ بِأَجَلٍ يَبْلُغُهُ عَادَةً " هَذَا ظَاهِرٌ كَمَنْ كَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثِينَ
стр. 195
سَنَةً ثُمَّ عَلَّقَ الطَّلَاقَ إلَى الثَّلَاثِينَ فَإِنَّهُ يُنْجَزُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ كَمَا إذَا قَالَ مِائَةُ سَنَةً فَلَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِاتِّفَاقٍ اُنْظُرْهُ.
[بَابُ الْمُخْتَلَفِ فِي تَنْجِيزِهِ مِنْ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ]
خَلْف بَابُ الْمُخْتَلَفِ فِي تَنْجِيزِهِ مِنْ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ
قَالَ " الْمُعَلَّقُ عَلَى غَالِبِ الْوُجُودِ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى الْحَيْضِ أَوْ إذَا قَالَ لِحَامِلٍ إذَا وَضَعْت ".
[بَابُ التَّوْكِيلِ فِي الطَّلَاقِ]
(وك ل) بَابُ التَّوْكِيلِ فِي الطَّلَاقِ
قَالَ ﵀ " جَعْلُ إنْشَائِهِ بِيَدِ الْغَيْرِ بَاقِيًا مَنْعَ الزَّوْجِ مِنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ صَيَّرَ جِنْسَ الثَّلَاثِ التَّفْوِيضَ وَلَمْ يُعَرِّفْهَا وَالشَّيْخُ ﵀ صَيَّرَ الْجِنْسَ لَهَا الْجَعْلَ وَهُوَ وَالصَّوَابُ وَإِلَيْهِ رَجَعَ فِي حَدِّ الْوَكَالَةِ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهَا أَوَّلًا بِلَفْظِ النِّيَابَةِ وَالْمَصْدَرُ فِي الْجَمِيعِ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلُ الزَّوْجُ أَوْ نَائِبُهُ لِيَدْخُلَ وَكِيلُ الزَّوْجِ إذَا وَكَّلَ آخَرَ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَالْمَعْنَى وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَى الْإِنْشَاءِ يَعُودُ عَلَى الطَّلَاقِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ وَكَذَلِكَ فِي ثُبُوتِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " جَعْلُ إنْشَائِهِ " أَيْ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ وَالْجِنْسُ مُنَاسِبٌ لِلْمَحْدُودِ وَذَلِكَ يَعُمُّ التَّمْلِيكَ وَالتَّخْيِيرَ قَوْلُهُ " بَاقِيًا مَنْعَ الزَّوْجِ مِنْهُ " يُخْرِجُهُمَا لِأَنَّ لَهُ الْعَزْلَ فِي التَّوْكِيلِ وَأَخْرَجَ الرِّسَالَةَ بِقَوْلِهِ " جَعْلُ إنْشَائِهِ " لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ الْإِنْشَاءُ وَهُوَ جَلِيٌّ وَلَا يُقَالُ الَّذِي وَقَعَ بِالْإِنْشَاءِ إنَّمَا هُوَ التَّطْلِيقُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا وَهُوَ صَوَابٌ.
[بَابُ الرِّسَالَةِ]
(ر س ل) بَابُ الرِّسَالَةِ
قَالَ ﵀ " جَعْلُ إعْلَامِ الزَّوْجَةِ بِثُبُوتِهِ لِغَيْرِهِ " فَقَوْلُهُ " جَعْلُ
стр. 196
إعْلَامِ " أَخْرَجَ الْوَكَالَةَ وَالتَّمْلِيكَ وَالتَّخْيِيرَ وَقَوْلُهُ " بِثُبُوتِهِ " أَيْ بِثُبُوتِ الطَّلَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْجِنْسُ مُنَاسِبٌ.
[بَابُ التَّمْلِيكِ]
(م ل ك) بَابُ التَّمْلِيكِ
قَالَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ " جَعْلُ إنْشَائِهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ يَخُصُّ فِيمَا دُونَهَا بِنِيَّةِ أَحَدِهِمَا " فَقَوْلُهُ " جَعْلُ إنْشَائِهِ " يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْكِيلُ فَأَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ " حَقًّا لِغَيْرِهِ " وَالْحَقُّ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا ثُمَّ خَرَجَ التَّخْيِيرُ بِقَوْلِهِ " رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ " قَوْلُهُ " يَخُصُّ فِيمَا دُونَهَا بِنِيَّةٍ أَحَدُهُمَا " أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَهُ مُنَاكَرَتُهَا وَيَصْدُقُ فِيمَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ وَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي التَّمْلِيكِ وَإِلَّا فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ وَالضَّمِيرُ فِي دُونِهَا يَعُودُ عَلَى الثَّلَاثِ وَضَمِيرُ أَحَدِهِمَا يَعُودُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ.
[بَابُ التَّخْيِيرِ]
(خ ي ر) بَابُ التَّخْيِيرِ
قَالَ ﵁ " جَعْلُ الزَّوْجِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا حُكْمًا أَوْ نَصًّا عَلَيْهَا حَقًّا لِغَيْرِهِ " قَوْلُهُ " نَصًّا أَوْ حُكْمًا " أَخْرَجَ بِهِ التَّمْلِيكَ وَالْحُكْمَ كَقَوْلِهِ خَيَّرْتُك وَمَا شَابَهَهُ وَالنَّصُّ مَلَّكْتُك ثَلَاثًا فَإِنْ (قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ الشَّيْخُ هُنَا جَعْلُ الزَّوْجِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَقُلْ فِي التَّمْلِيكِ كَذَلِكَ بَلْ حَذَفَ الزَّوْجَ وَأَتَى بِالْكِنَايَةِ عَنْ الطَّلَاقِ وَهَلَّا قَالَ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَقُولُ جَعْلُ إنْشَائِهِ ثَلَاثًا حُكْمًا أَوْ نَصًّا حَقًّا لِغَيْرِهِ وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ لَفْظِهِ (قُلْتُ) هَذَا غَيْرُ مُطَّرِدٍ بِتَقْدِيرِ الشَّارِعِ هَذَا الْحُكْمُ لِلْغَيْرِ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ الْجَوَابُ هُنَا فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى التَّمْلِيكِ (قُلْتُ) لَا يَرُدُّ إذَا تُؤُمِّلَ (فَإِنْ قُلْتَ) لِسَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا قَالَ لِلزَّوْجَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ خَيَّرْتُك فَلَهُ الْمُنَاكَرَةُ وَإِذَا صَحَّتْ الْمُنَاكَرَةُ فِي الْعَدَدِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صُورَةِ التَّمْلِيكِ لِأَنَّ مِنْ خَاصِّيَّتِهِ الْمُنَاكَرَةُ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى الثَّلَاثِ حُكْمًا أَوْ نَصًّا (قُلْتُ) لَعَلَّ جَوَابَهُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الصُّورَةَ مِنْ التَّخْيِيرِ أُلْحِقَتْ بِالتَّمْلِيكِ لِقَرِينَةٍ وَفِي الدَّعْوَى مَا يَصْدُقُهَا وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) يَرِدُ أَيْضًا عَلَى حَدِّ التَّمْلِيكِ إذَا قَالَ لَهَا مَلَّكْتُك طَلْقَةً فَهَذَا تَمْلِيكٌ وَلَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ رَاجِحًا
стр. 197
فِي الثَّلَاثِ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ وَيُقَالُ أَيْضًا إذَا كَانَ التَّمْلِيكُ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْعُقْدَةِ فَلَا مُنَاكَرَةَ لِلزَّوْجِ وَقَدْ قُلْتُمْ مَنْ لَازِمِهِ صِحَّةُ الْمُنَاكَرَةِ (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ الرَّسْمُ إنَّمَا هُوَ لِلتَّمْلِيكِ الْمُطْلَقِ لَا لِتَمْلِيكٍ خَاصٍّ وَهَذَا تَمْلِيكٌ فِي وَاحِدَةٍ فَتَأَمَّلْهُ فَفِيهِ بَحْثٌ وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ أَقْوَى مِنْ أَجْوِبَتِهَا.
[بَابٌ فِي صِيغَةِ التَّخْيِيرِ]
(ص وغ) بَابٌ فِي صِيغَةِ التَّخْيِيرِ
قَالَ ﵀ " صِيغَتُهُ فِيهَا اخْتَارِي نَفْسَك " وَرُوِيَ أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا أَوْ اخْتَارِي أَمْرَك ثَلَاثًا (فَإِنْ قُلْتَ) مَرَّ لَنَا إشْكَالٌ فِي فَهْمِ سِرِّ تَعْبِيرِهِ فِي صِيغَةِ التَّخْيِيرِ بِمَا رَأَيْته وَلَمْ يُعَبِّرْ بِذَلِكَ فِي صِيغَةِ التَّمْلِيكِ وَلَمْ يَمْضِ لَنَا قُوَّةُ جَوَابٍ بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي صِيغَةِ التَّمْلِيكِ]
(ص وغ) بَابٌ فِي صِيغَةِ التَّمْلِيكِ
قَالَ ﵁ " كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهَا دُونَ تَخْيِيرٍ " كَذَا وَجَدْت هَذَا الرَّسْمَ أَوْ الضَّابِطَ وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا سِرُّ تَقْيِيدِهِ بِمَا رَأَيْته مَعَ أَنَّهُ عَبَّرَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ ﵀ بِقَوْلِهِ فِي النِّكَاحِ الصِّيغَةُ مَا دَلَّ إلَى آخِرِهِ وَفِي الْعُمْرَى الصِّيغَةُ مَا دَلَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَعَبَّرَ بِمَا دَلَّ وَعَبَّرَ هُنَا بِمَا رَأَيْته مَعَ أَنَّ مَا دَلَّ أَخْصَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ ﵀ ثُمَّ إنَّهُ ﵁ أَتَى هُنَا بِلَفْظِ كُلٍّ فِي هَذَا الرَّسْمِ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَصَدَ الضَّابِطَ لَكِنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَ التَّخْيِيرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الرَّسْمَ كَذَلِكَ مَضَى فَهْمُهُ عِنْدِي وَلَوْ قَالَ لَفْظٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَدَخَلْت الْإِشَارَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ يَرِدُ عَلَى رَسْمِهِ صِيغَةُ التَّمْلِيكِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ قَصَدَ الضَّابِطَ كَذَا مَرَّ لَنَا فِي الْجَوَابِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى لِأَنَّهُ أَخْرَجَ التَّخْيِيرَ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى.
[بَابُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ فِي قَصْدِ التَّمْلِيكِ]
قَالَ ﵀ " قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ " (قُلْت) أَمَّا الْقَوْلُ فَظَاهِرٌ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ
стр. 198
وَكِنَايَةٍ وَأَمَّا الْفِعْلُ فَكَمَا إذَا نَقَلَتْ مَتَاعًا لَهَا وَارْتَحَلَتْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ الْجَوَابَ فَإِنَّهَا تُسْأَلُ فَإِنْ قَالَتْ أَرَدْتُ الطَّلَاقَ صُدِّقَتْ وَإِنْ أَرَادَتْ الْفِرَاقَ وَلَا نِيَّةَ لَهَا فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ اُنْظُرْهُ وَتَأَمَّلْ إطْلَاقَ الشَّيْخِ الْفِعْلَ فَفِيهِ مَا يُنْظَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الرَّجْعَةِ]
(ر ج ع) بَابٌ فِي الرَّجْعَةِ
تُقَالُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَصَوَّبَ الْجَوْهَرِيُّ الْفَتْحَ وَوَقَعَ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ بِالْكَسْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " رَفْعُ الزَّوْجِ أَوْ الْحَاكِمِ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ لِطَلَاقِهَا قَالَ فَتَخْرُجُ الْمُرَاجَعَةُ قَالَ وَعَلَى رَأْيٍ رَفْعُ إيجَابِ الطَّلَاقِ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا " ثُمَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ حَدَّ الرَّجْعَةَ بِقَوْلِهِ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ قَاصِرٍ عَنْ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرُ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ وَوَطْءٍ جَائِزٍ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ " قَبِلُوهُ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِتَزْوِيجِ مَنْ صَحَّ رَجْعَتُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا " فَنَقُولُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ ﵀ رَدَّ الْمُعْتَدَّةَ كَأَنَّهُ كَالْجِنْسِ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ إذَا رَدَّ مُعْتَدَّةً مَعَ كَوْنِ الطَّلَاقِ بَائِنًا وَيَشْمَلُ غَيْرَهُ وَقَوْلُهُ الْمُعْتَدَّةُ احْتَرَزَ بِهِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا مُرَاجَعَةٌ لَا رَجْعَةٌ قَوْلُهُ عَنْ طَلَاقٍ قَاصِرٍ أَيْ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ بِالطَّلَاقِ قَوْلُهُ قَاصِرٍ عَنْ الْغَايَةِ احْتَرَزَ بِهِ إذَا رَدَّهَا بَعْدَ غَايَةِ الطَّلَاقِ إمَّا بِالثَّلَاثِ فِي الْحُرِّ أَوْ بِاثْنَيْنِ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ.
قَوْلُهُ ابْتِدَاءً قَرَّرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِوَجْهَيْنِ اُنْظُرْهُ قَوْلُهُ غَيْرُ خُلْعٍ أَخْرَجَ بِهِ طَلَاقَ الْخُلْعِ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بَعْدَهُ مُرَاجَعَةٌ لَا رَجْعَةٌ وَكَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِ
стр. 199
إلَخْ اُنْظُرْ شَارِحَهُ وَمَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَفِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهَا بَحْثٌ لَا يَخْفَى فَلْنَرْجِعْ إلَى اعْتِرَاضِ الشَّيْخِ ﵀ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ اخْتَصَّ بِهِ بَعْدَ أَنْ قَبِلَهُ شُرَّاحُهُ قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ إلَخْ مَعْنَاهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ فِيهَا الْحَدُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِرَجْعَةٍ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَقُولُ الشَّيْخُ قَبِلُوهُ وَقَدْ اسْتَحْضَرَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِثْلَ هَذَا الرَّدِّ وَأَخْرَجَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ الْمُعْتَدَّةُ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعْتَدَّةٍ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ مَضَى عَلَى أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ إطْلَاقُهُ عَلَى مَا مَضَى حَقِيقَةٌ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ مَا يَنُصُّ عَلَيْهِ فِي اللِّعَانِ وَوَجَدَ بِخَطِّ الشَّيْخِ ﵀ هُنَا فِي رَدِّهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مُبَيَّضَتِهِ كَلَامٌ يُتَأَمَّلُ فِيهِ وَلَفْظُهُ فَإِنْ قِيلَ هِيَ بَعْدَ الْعِدَّةِ غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ مُنِعَ لِأَنَّ الْمُشْتَقَّ مِنْ مَعْنًى لَا يَصْدُقُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ حُصُولِهِ لَا قَبْلَ تَمَامِهِ كَالْقَاتِلِ وَلِقَوْلِهَا إنْ قَالَتْ الْمُعْتَدَّةُ قَدْ دَخَلْت فِي دَمِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ قَالَتْ كُنْت كَاذِبَةً انْتَهَى وَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْزَامَاتٌ شَنِيعَةٌ وَأَمَّا حَدُّ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ فَالْمَحْدُودُ هُوَ الْمَصْدَرُ وَلِذَا أَتَى بِالرَّفْعِ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَالرَّفْعُ جِنْسٌ وَذِكْرُ الزَّوْجِ أَخْرَجَ بِهِ رَفْعَ غَيْرِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ ﵀ مَا يَقَعُ بِهِ رَفْعُ الْحُرْمَةِ وَهُوَ مَا تَقَعُ بِهِ الرَّجْعَةُ وَالْمَرْفُوعُ بِهِ نِيَّةٌ وَلَفْظٌ وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فَإِنْ قَالَ مَتَى طَلَّقْتُك فَقَدْ ارْتَجَعْتُك فَهَلْ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِذَلِكَ قَالَ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ لَا تَصِحُّ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتهَا فَقَدْ طَلَّقْتهَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَازِمٌ فَمَا الْفَرْقُ (قُلْتُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الطَّلَاقُ حَقٌّ عَلَى الرَّجُلِ وَالرَّجْعَةُ حَقٌّ لَهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ وَاَلَّذِي لَهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " أَوْ الْحَاكِمُ " أَشَارَ بِهِ إلَى إدْخَالِ مَا إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ وَامْتَنَعَ مِنْ الرَّجْعَةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالرَّجْعَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالرَّجْعَةِ (قُلْتُ) كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِرَفْعِ الْحُرْمَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ تَرْتَفِعُ بِرَجْعَةِ الْحَاكِمِ فَيَصِحُّ وَطْءُ الزَّوْجِ
стр. 200
بِهَا وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
(قُلْتُ) بَلْ الْأَصَحُّ جَوَازُ الْوَطْءِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ قَوْلُهُ " حُرْمَةُ الْمُتْعَةِ " هَذَا هُوَ الْمَرْفُوعُ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ رَفْعِ الْحِلِّيَّةِ قَوْلُهُ " بِطَلَاقِهَا " مُتَعَلِّقٌ بِالْحُرْمَةِ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ رَفْعِ الزَّوْجِ الْحُرْمَةَ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ كَمَا إذَا رَفَعَ حُرْمَةَ الظِّهَارِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا وَقَعَ الظِّهَارُ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَلَا فَلَا يَدْخُلُ الظِّهَارُ فِي الْحَدِّ فَكَيْفَ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا لَا دُخُولَ لَهُ (قُلْتُ) بَلْ تَحْرُمُ الْمُتْعَةُ كَالْقُبْلَةِ وَمَا شَابَهَهَا وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ " فَتَخْرُجُ الْمُرَاجَعَةُ " إنَّمَا خَرَجَتْ لِأَنَّهَا مُفَاعِلَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالرَّجْعَةُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ فَخَرَجَتْ مِنْ قَوْلِهِ " رَفْعُ الزَّوْجِ " وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ " وَعَلَى رَأْيٍ " إلَخْ هَذَا أَشَارَ بِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ بَشِيرٍ وَأَشَارَ إلَى هَذَا آخِرَ الرَّجْعَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي رَسْمِ الطَّلَاقِ وَهُوَ أَنَّ عِيَاضًا يَقُولُ إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ حَتَّى يَرْتَجِعَ وَابْنُ بَشِيرٍ يَقُولُ إنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ وَتَقَدَّمَ إشْكَالُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ هُنَا وَلَمْ يَزِدْهَا فِي الطَّلَاقِ وَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ عِيَاضٍ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلِهِ لَا يَرَى شَعْرَهَا وَلَا يَتَلَذَّذُ بِهَا (فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِ الشَّيْخِ ﵀ قَالَ فِي الطَّلَاقِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ الرَّفْعَ إلَخْ وَلَمْ يَقُلْ هُنَا فِي الرَّجْعَةِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ إبَاحَةَ الْمُتْعَةِ إلَخْ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى ﵀ أَنَّ الرَّجْعَةَ عُرْفًا الْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَذَلِكَ الْمَصْدَرُ يَسْتَلْزِمُ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ الزَّوْجُ كَالتَّطْهِيرِ مَعَ الطَّهَارَةِ وَالطَّلَاقُ الْمُرَادُ مِنْهُ عُرْفًا الْمَعْنَى أَوْ الصِّفَةُ وَإِنْ كَانَ مُرَادًا بِهِ التَّطْلِيقُ أَيْضًا وَالتَّطْلِيقُ غَيْرُ الصِّفَةِ فَيَصِحُّ مُرَاعَاةُ الصِّفَةِ وَيَصِحُّ مُرَاعَاةُ الْفِعْلِ فَرَاعَى مَا غَلَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَحْقِيقِ الِاسْتِعْمَالِ وَغَلَبَتِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَهُوَ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الْمُرَاجَعَةِ]
(ر ج ع) بَابٌ فِي الْمُرَاجَعَةِ
لَمْ أَرَ الشَّيْخَ حَدَّهَا وَيُمْكِنُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا تَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّ النِّكَاحِ لِأَنَّ النِّكَاحَ إمَّا بِمُرَاجَعَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا فَيُقَالُ فِيهَا نِكَاحٌ مِنْ زَوْجٍ فِي زَوْجَةٍ أَبَانَهَا بِغَيْرِ الثَّلَاثِ.
[بَابُ صِيغَةِ الرَّجْعَةِ]
نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ " رَاجَعْتُهَا وَارْتَجَعْتُهَا ابْنُ شَاسٍ وَرَجَعْتُهَا وَرَدَدْتُهَا إلَى النِّكَاحِ وَلَفْظُ الْإِمْسَاكِ وَكُلُّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الِارْتِجَاعَ إذَا نَوَاهُ بِهِ " هَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَسَمَ مَا يَقَعُ الِارْتِجَاعُ بِهِ إلَى قِسْمَيْنِ صَرِيحًا وَمُحْتَمِلًا بِنِيَّةٍ وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ مَا دَلَّ عَلَى
стр. 201
الِارْتِجَاعِ صَرِيحًا أَوْ مُحْتَمِلًا بِنِيَّةٍ كَمَا ذَكَرَ فِي التَّمْلِيكِ ثُمَّ يَذْكُرُ الْأَمْثِلَةَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ رَاجَعْتُك ثُمَّ قَالَ كُنْت لَاعِبًا فَهِيَ رَجْعَةٌ فَظَاهِرُهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ (قُلْتُ) لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي ادِّعَائِهِ عَدَمَ النِّيَّةِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَوْلُ دُونَ نِيَّةٍ لَا تَصِحُّ بِهِ رَجْعَةٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالظَّاهِرِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ طَلَاقِ الْمُسْتَفْتِي دُونَ نِيَّةٍ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَنَّ اللَّفْظَ الصَّرِيحَ لَا يَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْإِيلَاءِ]
(ء ل و) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْإِيلَاءِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " حَلِفُ زَوْجٍ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ يُوجِبُ خِيَارَهَا فِي طَلَاقِهِ " ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ رَسْمَهُ فِي قَوْلِهِ الْحَلِفُ بِيَمِينٍ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمُرْضِعِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَلْزَمُ الْحِنْثَ فِيهَا حُكْمًا فَلْنُشِرْ إلَى بَيَانِهِ لِيَظْهَرَ رَدُّهُ عَلَيْهِ فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ حَلِفُ الْإِيلَاءِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْيَمِينُ مُطْلَقًا وَقِيلَ هُوَ الِامْتِنَاعُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي امْتِنَاعٍ خَاصٍّ وَكَأَنَّ الشَّيْخَ ابْنَ الْحَاجِبِ فَهِمَ أَنَّ الْإِيلَاءَ اللُّغَوِيَّ اُسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِ مَدْلُولِهِ شَرْعًا بِنَقْلٍ أَوْ تَخْصِيصٍ وَذِكْرُ الْيَمِينِ ثَانِيًا اعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً قَوْلُهُ يَتَضَمَّنُ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّضْمِينَ اللُّغَوِيَّ الَّذِي يَعُمُّ الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثَ وَزَادَ غَيْرَ الْمُرْضِعَةِ لِيُخْرِجَ بِهِ صُورَةَ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ ضَرَرًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا حَلَفَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ فَمَا دُونَهَا قَوْلُهُ يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْمًا أَخْرَجَ بِهِ إنْ وَطَأْتُكِ فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى السُّوقِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ شَرْعًا وَلِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا كَلَامٌ حَسَنٌ رَتَّبَهُ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ اُنْظُرْهُ وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَنْ الْمَقْصِدِ لَذَكَرْنَا مَا يَلِيقُ بِهِ فَإِذَا عَرَّفْنَا كَلَامَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
فَقَوْلُ الشَّيْخِ هُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَبِلُوهُ إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقُولُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ قَبْلَهُ
стр. 202
صُورَةُ الْمُدَوَّنَةِ دَائِمًا إمَّا أَنْ تَكُونَ وَارِدَةً عَلَى طَرْدِهِ أَوْ وَارِدَةً عَلَى عَكْسِهِ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ فِيهَا إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك فِي هَذِهِ الدَّارِ سَنَةً فَلَيْسَ بِمُولٍ وَيُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ لِوَطْئِهَا إنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ وَإِنْ قَالَ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ أَوْ فِي هَذَا الْمِصْرِ فَهُوَ مُولٍ وَبَيَانُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا يَخْلُو أَنْ تَرِدَ عَلَى الطَّرْدِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ أَنْ نَقُولَ لِأَيِّ شَيْءٍ قُلْتُمْ إنَّهُ غَيْرُ مُولٍ فِي صُورَةِ الدَّارِ فَإِنْ عَلَّلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ فِيهِ رَسْمُ الْإِيلَاءِ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُدَّةَ الْمَعْلُومَةَ يَسْتَدْعِي بَقَاءَ تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ الْبِقَاعِ وَغَيْرِهَا وَالْحَلِفُ فِي الدَّارِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ تَرْكِ الْوَطْءِ فِيهَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ تَرْكِ وَطْءٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حُصُولُ تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ فَلَا يَقَعُ النَّقْضُ عَلَى طَرْدِ الْحَدِّ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَصْدُقُ فِي الدَّارِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَيَرِدُ عَلَى الْحَدِّ إبْطَالُ عَكْسِهِ بِصُورَةِ الْبَلْدَةِ أَوْ الْمِصْرِ لِأَنَّهَا مِنْ صُورَةِ الْإِيلَاءِ كَمَا نَصَّ فِيهَا وَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهَا بِعَيْنِ مَا ذَكَرْتُمْ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَسْتَدْعِي تَرْكَ الْوَطْءِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ تَرْكٌ لِأَخَصَّ.
وَإِنْ قُلْتُمْ بِأَنَّ وَطْأَهَا فِي الدَّارِ لَيْسَ بِأَخَصَّ مِنْ مُطْلَقِ الْوَطْءِ بَلْ مُسَاوٍ لَهُ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ غَيْرَ وَارِدَةٍ عَلَى عَكْسِ الْحَدِّ وَالْأُولَى تَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ إلَى أَنَّ صُوَرَ الْإِيلَاءِ فِيهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْإِيلَاءِ وَفِيهِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهِيَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا وَطِئَ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ غَيْرُ مُولٍ وَقَالَ أَصْبَغُ إنَّهُ مُولٍ فَحَدُّ ابْنُ الْحَاجِبِ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ لَا عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ وَحَدُّ الشَّيْخِ يَجْرِي عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ فِي الْحَدِّ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَلَا يَكُونُ حَدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ وَحْدَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا الشَّيْخَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الْحَدَّ خَاصًّا بِالْمَشْهُورِ وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ فِي الرُّسُومِ أَنَّ الْحَدَّ لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَيَبْقَى كَوْنُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِلنَّظَرِ قَالَ وَهُوَ الْحَقُّ اُنْظُرْهُ ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى حَدِّ الشَّيْخِ قَوْلُهُ " حَلِفُ " جِنْسٌ مِثْلُ جِنْسِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَوْلُهُ " زَوْجٍ " أَتَى بِهِ مُنْكَرًا وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَوْلُهُ " عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجِهِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا حَلَفَ عَلَى غَيْرِ تَرْكِ الْوَطْءِ قَوْلُهُ " يُوجِبُ خِيَارَهَا فِي طَلَاقِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا بِمَا هُوَ مِثْلُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَقَلَّ فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا فِي ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ -
стр. 203
حَلِفٌ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَطْءِ فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَلْتَقِي مَعَهَا سَنَةً لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ (قُلْتُ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الْتِزَامًا وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ بَعْدُ وَدَلَالَةُ الِالْتِزَامِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ كَدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَغْتَسِلَ مِنْ جَنَابَةٍ سَنَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ الْإِيلَاءِ وَمَا يُقَالُ إنَّ دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ مَهْجُورَةٌ فِي الْحُدُودِ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ أَوْ اصْطِلَاحٌ وَهُنَا لِلشَّيْخِ بَحْثٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ وَلِشَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَحْثٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهَا لَا اغْتَسَلْت مِنْ جَنَابَةٍ هَلْ هُوَ كِنَايَةٌ أَمْ لَا (فَإِنْ قُلْتَ) مَا زَادَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي آخِرِهِ فِي قَوْلِهِ يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْمًا لَا بُدَّ مِنْهُ وَكَيْفَ يُوَفِّي بِهِ كَلَامُ الشَّيْخِ هُنَا مَعَ حَذْفِهِ (قُلْتُ) قَوْلُهُ " يُوجِبُ " إلَخْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْتِزَامًا لِأَنَّ مَا لَا يُوجِبُ عَلَى زَوْجِهَا حُكْمًا لَا يُوجِبُ لَهَا خِيَارًا فِي نَفْسِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا حَلَفَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيتَ عِنْدَهَا أَبَدًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِالْإِضْرَارِ وَلَا إيلَاءَ عَلَيْهِ بِحَالٍ فَظَاهِرُ هَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الِالْتِزَامَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ وَأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُطَابَقَةِ (قُلْتُ) لَيْسَ فِيهِ مَا يُنَاقِضُهُ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْوَطْءِ وَإِنَّمَا حَلَفَ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْوَطْءِ بِلَيْلٍ فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى وَقَوْلُهُ " يُوجِبُ خِيَارَهَا " صِفَةٌ لِحَلِفِ الزَّوْجِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ أَوْجَبَ خِيَارَهَا وَالْمُوجِبُ لِلْخِيَارِ إنَّمَا هُوَ تَلَوُّمُ الْقَاضِي لَهُ فِي الْوَطْءِ فَإِذَا امْتَنَعَ خُيِّرَتْ (قُلْتُ) لَمَّا كَانَ التَّلَوُّمُ مُسَبَّبًا عَنْ الْحَلِفِ صَحَّ أَنَّ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبٌ فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا» وَهَذَا إطْلَاقٌ شَرْعِيٌّ وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي شَهْرٍ (قُلْتُ) إنَّمَا ذَلِكَ لُغَةً وَالشَّرْعُ قَرَّرَ فِي الْآيَةِ الْعُرْفِيَّ وَقَدْ قَدَّمْنَا إشْكَالَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْعُرْفِيِّ وَفِي اسْتِدْلَالِ الْفُقَهَاءِ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْإِيلَاءِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ شَرْطِ الْمُوَلِّي]
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ " كَوْنُهُ زَوْجًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا مُمْكِنًا وَطْؤُهُ " وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 204
[بَابُ التَّلَوُّمِ لِلْمَرْأَةِ فِي الْإِيلَاءِ]
ذَكَرَ الشَّيْخُ رَضِيَ عَنْهُ فِي نُسْخَةٍ تُمَكَّن الزَّوْجَةُ مِنْ وَقْفِ زَوْجِهَا الْمُوَلِّي لِتَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ إيلَائِهِ أَوْ ضَرْبِهَا لَفَيْئَتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ مَعْنَى الرَّسْمِ ظَاهِرٌ إذَا عُرِفَ وَجْهُ الْإِيلَاءِ وَصَرِيحُهُ وَزَمَنُ التَّلَوُّمِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
[بَابُ فَيْئَةِ الْمُوَلِّي]
اُنْظُرْ مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[كِتَابُ الظِّهَارِ]
(ظ هـ ر) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الظِّهَارِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " تَشْبِيهُ زَوْجٍ زَوْجَهُ أَوْ ذِي أَمَةٍ حَلَّ وَطْؤُهُ إيَّاهَا بِمَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ فِي تَمَتُّعِهِ بِهِمَا وَالْجُزْءُ كَالْكُلِّ وَالْمُعَلَّقُ كَالْحَاصِلِ " ثُمَّ قَالَ " وَأَصْوَبُ مِنْهُ تَشْبِيهُ ذِي حِلِّ مُتْعَةٍ حَاصِلَةٍ أَوْ مُقَدَّرَةٍ بِآدَمِيَّةٍ إيَّاهَا أَوْ جُزْؤُهَا بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ بِمَنْ حُرِّمَ أَبَدًا أَوْ جُزْئِهِ فِي الْحُرْمَةِ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَشْبِيهُ مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمَنْ يَحْرُمُ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَفُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَهِيَ الْبَتَاتُ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّهُ وَلَيْسَ بِظِهَارٍ لِنَصِّهَا قَالَ وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ إذَا شَبَّهَ جُزْءَ زَوْجَتِهِ بِأُمِّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَبِّهْ الزَّوْجَةَ كُلَّهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَهَذَا إيرَادٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لَمَّا شَرَحَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الرَّسْمَ وَذَكَرَ بَعْضَ اعْتِرَاضَاتٍ وَأَجَابَ عَنْهَا قَالَ وَقَدْ تَرَكْت اعْتِرَاضَاتٍ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِمَّا ذَكَرْنَا وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ قَوِيٌّ مِنْ الشَّيْخِ ﵀ فَكَيْفَ يَقُولُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا رَأَيْت (قُلْتَ) لَيْسَ هَذَا مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الَّتِي رَآهَا بَلْ مِمَّا ظَهَرَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَاحِبِ الْفَهْمِ السَّلِيمِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
стр. 205
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى رَسْمِ الشَّيْخِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ قَوْلُهُ فِي جِنْسِهِ " تَشْبِيهٌ " التَّشْبِيهُ مَصْدَرٌ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى عَامٍّ وَهُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُشَارَكَةِ أَمْرٍ لِأَمْرٍ فِي مَعْنًى وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَرْبَعَةَ أُمُورٍ مُشَبَّهٌ وَمُشَبَّهٌ بِهِ وَوَجْهٌ وَأَدَاةٌ وَهَذَا يَشْمَلُ الِاسْتِعَارَةَ وَغَيْرَهَا وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى أَخَصَّ عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتِعَارَةً وَلَا تَجْرِيدًا وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْأَخَصُّ وَلَمْ يَقُلْ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّطْلِيقِ وَالطَّلَاقِ وَيَحْتَاجُ لِجَوَابِهِ وَالتَّشْبِيهُ الْمَذْكُورُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ الْوَانُّوغِيِّ أَنَّهُ قَالَ إعْرَابُ هَذَا الرَّسْمِ يَصْعُبُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرَّسْمِ الثَّانِي وَيَظْهَرُ لَك مِمَّا نَذْكُرُهُ مَعَ كُلِّ جُمْلَةٍ فِي تَقْرِيرِهَا وَقَوْلُهُ " زَوْجٌ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الزَّوْجِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الظِّهَارَ شَرْعًا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ الْخَاصِّ بِهِ فَإِذَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ فَهُوَ مِنْ الْكِنَايَاتِ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّشْبِيهُ الْأَخَصُّ الْمَذْكُورُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ أُمِّي (قُلْتُ) قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا لَيْسَ بِظِهَارٍ وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَقَدْ وَقَعَ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ ظِهَارٌ (قُلْتُ) هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْأَدَاةُ وَلِذَا أَرْبَابُ الْبَيَانِ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِك زَيْدٌ أَسَدٌ هَلْ هُوَ تَشْبِيهٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ فَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ مَا ذَكَرْته فَالْمُرَادُ بِالتَّشْبِيهِ الْأَعَمُّ فَتَدْخُلُ الِاسْتِعَارَةُ (قُلْتُ) يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا فَعَلَى هَذَا فِي لَفْظِ التَّشْبِيهِ إجْمَالٌ وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ تَشْبِيهُ زَوْجٍ زَوْجَهُ أَخْرَجَ بِهِ تَشْبِيهَ زَوْجٍ غَيْرَ زَوْجِهِ قَوْلُهُ " أَوْ ذِي أَمَةٍ " مَعْطُوفٌ عَلَى الزَّوْجِ أَشَارَ بِهِ لِإِدْخَالِ الْأَمَةِ فِي الظِّهَارِ وَاشْتَرَطَ فِي الْأَمَةِ أَنْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا مَلَكَ بَعْضَهَا وَتَخْرُجُ بِهِ الْمُعْتَقَةُ إلَى أَجَلٍ وَتَدْخُلُ فِيهِ الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَإِنَّ الظِّهَارَ يَصِحُّ فِيهِمَا كَالْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ قَوْلُهُ " إيَّاهَا " مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ وَطْؤُهُ قَوْلُهُ " بِمَحْرَمٍ مِنْهُ " يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْبِيهِ أَيْ التَّشْبِيهِ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لَا فِي غَيْرِهِ وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّشْبِيهُ الْمُطْلَقُ وَالظَّهْرُ وَغَيْرُهُ كِنَايَةٌ وَصَرِيحًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي قَوْلُهُ " أَوْ بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا شَبَّهَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ ظَهْرٍ فَلَا طَلَاقَ وَأَدْخَلَ بِهِ مَا إذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَهُوَ ظِهَارٌ قَوْلُهُ " فِي تَمَتُّعِهِ بِهِمَا " هَذَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا قَصَدَ التَّشْبِيهَ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ
стр. 206
أَوْ فِي قَبَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ وَالْجُزْءُ كَالْكُلِّ وَالْمُعَلَّقُ كَالْحَاصِلِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ أَوْ إنَّهُ مِمَّا أَلْحَقَهُ بِالْحَدِّ كَمَا قَصَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُلْحَقٌ بِالْمَحْدُودِ كَمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْمُتَغَيِّرُ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ قَصَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ لِيَكُونَ حَدُّهُ مُنْعَكِسًا وَلِذَا اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ فِي عَدَمِ عَكْسِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ مَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ فَهَلَّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِعَدَمِ الْعَكْسِ فِي الْمُعَلَّقِ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنْ لَا فَرْقَ وَلِذَا كَانَ تَتْمِيمًا لِحَدِّهِ فَتَكُونُ الْجُمْلَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ حَالَيْنِ مِنْ الْمَفْعُولِ مِنْ بَابِ جَاءَ زَيْدٌ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَهَذَا تَحَمُّلٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ وَمَا أَوْرَدَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ الْجُزْءِ وَارِدٌ عَلَيْهِ أَوَّلًا (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ هَلْ هُوَ ظِهَارٌ مِنْ الْكِنَايَاتِ أَوْ طَلَاقٌ أَوْ لَيْسَ ظِهَارًا وَلَا طَلَاقًا (قُلْتُ) فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ حَيْثُ تَكَلَّمُوا عَلَى صَرِيحِ الظِّهَارِ وَكِنَايَتِهِ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ طَلَاقٌ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ لِيُخْرِجَ بِهِ هَذِهِ الصُّورَةَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرْته وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَالْحَدُّ عِنْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ قَدَّمْت الْآنَ فِي الْإِيلَاءِ مَا رَجَحَ بِهِ حَدُّهُ عَلَى حَدِّ ابْنُ الْحَاجِبِ (قُلْتُ) هَذَا وَقَعَ لِلشَّيْخِ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِي حُدُودِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَانْظُرْ مَا لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا فِي أَوَّلِ الظِّهَارِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُنَاسِبُ مَا قُلْنَاهُ وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ وَأَصْوَبُ مِنْهُ يَعْنِي أَصْوَبُ مِنْ حَدِّهِ الْأَوَّلِ وَعَبَّرَ بِالْأَصْوَبِ لَا بِالصَّوَابِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَوَابٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَصَحُّ الْحُدُودِ قِيلَ وَلَوْ قَالَ وَصَحِيحُ الْحُدُودِ لَكَانَ صَوَابًا وَقِيلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصَحَّ فِي الْفَرْعِيَّاتِ يُقَالُ فِيهِ أَصَحُّ وَمُقَابِلُهُ صَحِيحٌ وَفِي غَيْرِهَا يُقَابِلُهُ الْفَاسِدُ وَلِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَحْثٌ فِي ذَلِكَ إذَا قُلْنَا إنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ اُنْظُرْ السَّلَمَ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِّ الثَّانِي تَشْبِيهٌ إلَخْ التَّشْبِيهُ مِثْلُ التَّشْبِيهِ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ذِي حِلٍّ مُتْعَةً هُوَ أَخْصَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ شَيْئَانِ كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ قَوْلُهُ حَاصِلَةٌ أَوْ مُقَدَّرَةٌ يَدْخُلُ فِيهِ الظِّهَارُ الْمُعَلَّقُ وَالْحَاصِلُ وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ بِآدَمِيَّةٍ يَتَعَلَّقُ بِمُتْعَةٍ أَخْرَجَ بِهِ إذَا شَبَّهَ الْمُتْعَةَ بِغَيْرِ آدَمِيَّةٍ قَوْلُهُ إيَّاهَا يَظْهَرُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ
стр. 207
بِتَشْبِيهٍ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ الْمُضَافِ إلَى الْمُتْعَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِمَا ذُكِرَ وَعَطَفَ الْجُزْءَ عَلَى ذَلِكَ لِيُدْخِلَ بِهِ تَشْبِيهَ الْبَعْضِ كَمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ وَكُلُّهَا وَهَذَا أَخْصَرُ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ " بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ " هَذَا الْمُشَبَّهُ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَا وَهُوَ كِنَايَةُ الظِّهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ أَوْ بِمَنْ حَرُمَ أَبَدًا وَهَذَا أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ بِمَحْرَمٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ أَفْرَادًا مِنْ الْمَحْرَمِ فَيَدْخُلُ فِيهِ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي الْعِدَّةِ وَدَخَلَ بِهَا فِيهَا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ أَبَدًا فَإِنْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ كَانَ ذَلِكَ ظِهَارًا عَلَى حَدِّهِ هَذَا وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ هَذَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَعْلُومَةِ بِتَحْرِيمِ الْأَبَدِ قَوْلُهُ أَوْ جُزْئِهِ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ كُلًّا وَجُزْءًا كَمَا قَدَّمَ فِي الْمُشَبَّهِ وَهَذَا صَرِيحٌ وَلِذَا يَكُونُ تَشْبِيهَ كُلٍّ بِكُلٍّ وَجُزْءٍ بِجُزْءٍ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مَنْ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ قَوْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ هَذَا هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ وَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَهُوَ أَخْصَرُ مِمَّا ذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِ تَمَتُّعُهُ بِهِمَا وَظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ كَوْنُ الرَّسْمِ الثَّانِي أَصْوَبَ مِنْ الْأَوَّلِ اخْتِصَارًا وَجَمْعًا.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ أَصْوَبُ بِمَعْنَى أَحْسَنَ لِأَجْلِ اخْتِصَارِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْحَدَّ الْأَوَّلَ لَا يُخِلُّ بِطَرْدٍ وَلَا عَكْسٍ وَقَدْ زَادَ فِي الثَّانِي مَا لَيْسَ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِ بِمَنْ حُرِّمَ أَبَدًا وَقُلْتُمْ ذَكَرَهُ لِيُدْخِلَ بِهِ مَا قَدَّمْنَا فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ صَحَّ أَنْ يُقَالَ الْحَدُّ الْأَوَّلُ غَيْرُ جَامِعٍ فَلَا يَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ حَسَنٌ لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْحُسْنِ وَالصَّوَابِ إلَّا مَا كَانَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ نَقْضٌ لَا طَرْدًا وَلَا عَكْسًا (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الْأَصْوَبَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَدُّ الصَّحِيحُ لَا الْأَكْمَلُ لِأَنَّ الصَّوَابَ مُقَابِلُهُ الْخَطَأُ وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَصَحُّ الْحُدُودِ وَمَا قَدَّمْنَا مِمَّا يُوهِمُ أَنَّ الْأَصْوَبَ وَالْأَصَحَّ مُتَغَايِرَانِ فِيهِ بَحْثٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ شَرْطِ الْمَظَاهِرِ]
قَالَ ﵀ " إسْلَامُهُ " وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[بَابُ صَرِيحِ الظِّهَارِ]
قَالَ ﵀ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ " مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ
стр. 208
كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ عَمَّتِي " قَوْلُهُ مَا فِيهِ ظَهْرٌ أَيْ الصِّيغَةُ الَّتِي فِيهَا ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ ذَكَرَ " مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ " وَلَمْ يَقُلْ ذَاتُ مَحْرَمٍ (قُلْتُ) لِأَنَّهُ صَوَّبَ فِي الْحَدِّ الثَّانِي مَا قَدَّمَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ وَأَجْمَعُ وَاقْتَضَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الظَّهْرِ مَعَ الْمَحْرَمِ.
[بَابُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الظِّهَارِ]
(ك ن ي) بَابُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الظِّهَارِ
قَالَ ﵀ " مَا سَقَطَ فِيهِ أَحَدُهُمَا كَأُمِّي أَوْ ظَهْرِ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ " وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الصَّرِيحِ.
[بَابُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ فِي الظِّهَارِ]
(ك ن ي) بَابُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ فِي الظِّهَارِ
قَالَ كَاسْقِنِي الْمَاءَ مُرَادٌ بِهِ الظِّهَارُ هَذَا لَفْظُهُ ﵀ أَوَّلًا (فَإِنْ قُلْتَ) الْجَارِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّسْمَيْنِ أَنْ يَقُولَ الْخَفِيَّةُ مَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا (قُلْتُ) الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَحَذَفَهُ اخْتِصَارًا وَقَالَ بَعْدُ وَكِنَايَتُهُ الْخَفِيَّةُ مَا مَعْنَى لَفْظِهِ إلَخْ اُنْظُرْهُ مَعَ هَذَا (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ صَرِيحَ الظِّهَارِ مَا يُذْكَرُ فِيهِ الظَّهْرُ فِي ذَاتٍ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهَا وَعِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا ذُكِرَ فِيهِ ذَاتُ مَحْرَمٍ وَلَمْ يُذْكَرْ الظَّهْرُ وَالرَّسْمُ الْمَذْكُورُ لَا يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنْهُمَا (قُلْتُ) لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ صِدْقِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ قَالَ مَا يُذْكَرُ فِيهِ الظَّهْرُ فِي ذَاتِ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهَا فَقَوْلُهُ غَيْرِهَا يَعُمُّ الْمُحَرَّمَةَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وَإِنْ عَمَّ فِيهَا فَتَدْخُلُ الْأَجْنَبِيَّةُ فَإِذَا ذَكَرَ الظَّهْرَ مَعَهَا كَانَ صَرِيحًا عَلَى النَّقْلِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّسْمِ فَتَأَمَّلْهُ وَأَمَّا عَدَمُ صِدْقِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَأَجْلَى مِنْ ذَلِكَ وَتَأَمَّلْ النَّقْلَ مَعَ الرَّسْمِ وَحَقُّ الشَّيْخِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ طَرِيقَةَ ابْنِ رُشْدٍ مُخَالِفَةٌ لِكَلَامِ ابْنِ شَاسٍ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا الْحَاجَةُ إلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ (قُلْتُ) الْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ لَفْظِهِ فِي إرَادَتِهِ الطَّلَاقَ دُونَ الظِّهَارِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَالصَّرِيحُ لَا يَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ وَيَصِحُّ فِي الْكِنَايَاتِ وَالْكِنَايَةُ يَصْدُقُ فِيهَا مُطْلَقًا وَالصَّرِيحُ إذَا أَتَى مُسْتَفْتِيًا صَدَقَ وَإِنْ حَضَرَتْهُ الْبَيِّنَةُ بِهِ يَصْدُقُ وَيُؤْخَذُ بِالطَّلَاقِ لِإِقْرَارِهِ بِهِ وَبِالظِّهَارِ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ.
стр. 209
[بَابُ الْعَوْدَةِ]
عود: بَابُ الْعَوْدَةِ
قَالَ ﵀ فِي الْمُوَطَّإِ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِمْسَاكِ مَعًا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْوَطْءِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَتَأَمَّلْ مَا بُنِيَ عَلَى ذَلِكَ.
[بَابُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ]
مَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَتَأَمَّلْ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ هُنَا عَنْ إشْكَالِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا فَظَاهَرَ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بَلْ الْعِتْقُ فِيهَا وَاعْتُرِضَتْ بِأَنَّ عِتْقَهَا مَشْرُوطٌ بِالْعَزْمِ عَلَى وَطْئِهَا وَوَطْؤُهَا مَلْزُومٌ لِمُلْكِهَا وَمِلْكُهَا مُنَاقِضٌ لِعِتْقِهَا فَيَلْزَمُ مُنَاقَضَةُ الشَّرْطِ لِلْمَشْرُوطِ فَتَأَمَّلْ جَوَابَهُ ﵀ فَإِنَّهُ حَسَنٌ وَمَنْ بَحَثَ فِيهِ لَا عَمَلَ عَلَى قَوْلِهِ إذَا فَهِمَ وَلَوْلَا الطُّولُ لَبَيَّنَّاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ اللِّعَانِ]
(ل ع ن) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ اللِّعَانِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " حَلِفُ الزَّوْجِ عَلَى زِنَا زَوْجَتِهِ أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا اللَّازِمِ لَهُ وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولَهَا حَدَّهَا بِحُكْمِ قَاضٍ " ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ مَا رَدَّ بِهِ حَدَّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَحَدُّهُ يَمِينُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ بِزِنًا أَوْ نَفْيِ نَسَبٍ وَيَمِينُ الزَّوْجَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَرَدِّهِ مِنْ أَوْجُهٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ بِحَلِفِهِمَا مَرَّةً وَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ بِلِعَانِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَى زَوْجَتِهِ لِعَانٌ وَبِلِعَانِ مَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ وَأَبْطَلَ أَيْضًا طَرْدَهُ بِلِعَانِ مَنْ نَكَلَتْ زَوْجَتُهُ عَنْ تَمَامِ حَلِفِهَا وَأَبْطَلَ عَكْسَهُ بِلِعَانِ مَنْ نَفَى مَا وَلَدَتْهُ امْرَأَتُهُ فِي غِيبَتِهِ وَقَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهَا هَذَا
стр. 210
خُلَاصَةُ مَعْنَى كَلَامِهِ وَلَكِنْ مِنْ تَمَامِ الْفَائِدَةِ أَنْ نَذْكُرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخِ ﵀ قَوْلُهُ يَمِينُ الزَّوْجِ أَيْ حَلِفُ الزَّوْجِ قَوْلُهُ عَلَى زَوْجِهِ أَخْرَجَ بِهِ الْحَلِفَ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجَةِ قَوْلُهُ بِزِنًى أَوْ نَفْيِ نَسَبٍ أَخْرَجَ بِهِ الْحُقُوقَ الْمَالِيَّةَ وَقَوْلُهُ وَيَمِينُ الزَّوْجَةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَحْدُودَ مُرَكَّبٌ مِنْ مَجْمُوعِ الْحَلِفَيْنِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ بِحَلِفِهِمَا مَرَّةً وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلِعَانٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الثَّانِي أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ بِلِعَانِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَى زَوْجَتِهِ لِعَانٌ أَشَارَ ﵀ إلَى أَنَّ اللِّعَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الزَّوْجِ وَحْدَهُ وَلَا يَكُونُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَذَكَرُوا مِنْهُ مَسَائِلَ مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلِ الْغَيْرِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهَا إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ وَطِئَتْ غَصْبًا وَعُلِمَ الْغَصْبُ فَإِنَّ الزَّوْجَ وَحْدَهُ يَلْتَعِنُ وَهُوَ وَارِدٌ قَالَ وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ أَيْضًا بِلِعَانِ مَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ لِأَنَّهُ لِعَانٌ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا زَوْجَةٌ حَقِيقَةً.
وَأَجَابَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ بِأَنَّ الْوَصْفَ هُنَا لَيْسَ بِمَحْكُومٍ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلَّقُ الْحُكْمِ وَجَوَابُهُ هُوَ جَوَابُ الْقَرَافِيُّ وَمَا بَيَّنَ بِهِ قَاعِدَتَهُ فِي ذَلِكَ وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَأَلْزَمَهُ فِي ذَلِكَ إلْزَامَاتٍ جَارِيَةً عَلَى قَوَاعِدِ الْمَنْطِقِ وَغَيْرِهِ وَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْفِقْهِيِّ وَالْأَصْلِيِّ وَرَدَّ الشَّيْخُ الْإِمَامُ هُنَا كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِمَا يَخُصُّ هَذَا الْمَحِلَّ تَنَزُّلًا عَلَى صِحَّةِ الْقَاعِدَةِ بِأَنَّهُ إنْ حَافَظَ عَلَى عَكْسِ الْحَدِّ بِجَوَابِهِ فَقَدْ أَخَلَّ بِطَرْدِهِ فِي صُورَةِ مَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَوَطِئَهَا ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهَا وَنَفَاهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِهِ وَتَحْلِفُ هِيَ عَلَى تَكْذِيبِهِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ لَيْسَتْ بِلِعَانٍ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ فَإِنْ حَقَّقَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ إطْلَاقِ الزَّوْجَةِ حَقِيقَةً لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ لِلْحُكْمِ فَيَكُونُ حَدُّهُ غَيْرَ مُطَّرِدٍ بِهَذِهِ الصُّورَةِ قَالَ الشَّيْخُ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ أَيْضًا بِلِعَانِ مَنْ نَكَلَتْ زَوْجَتُهُ عَنْ تَمَامِ حَلِفِهَا أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا حَلَفَ أَرْبَعًا ثُمَّ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى تَكْذِيبِهِ مَرَّةً ثُمَّ نَكَلَتْ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ اللِّعَانِ لِصَادِقِيَّةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ قَالَ وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ عَكْسُهُ أَيْضًا بِلِعَانِ مَنْ نَفَى مَا وَلَدَتْهُ امْرَأَتُهُ فِي غِيبَتِهِ وَقَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهَا لِأَنَّهُ لِعَانٌ وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ إلَّا حَلِفٌ وَاحِدٌ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ تَصَرُّفِهِ وَتَمَامِ عِنَايَتِهِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ فَلْنَرْجِعْ إلَى حَدِّ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَفَعَ بِهِ قَوْلُهُ " حَلِفُ " عَدَلَ عَنْ لَفْظِ جِنْسِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ
стр. 211
وَإِلَّا فَالْيَمِينُ وَالْحَلِفُ مُتَرَادِفَانِ قِيلَ إنَّ الْحَلِفَ وَالْقَسَمَ وَالْيَمِينَ إنَّمَا يَلْزَمُ التَّرَادُفُ فِيهَا لُغَةً وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلَا لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الشَّرْعِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ الْحَلِفِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهَا فِي الشَّرْعِ فِي الْقَسَمِ وَغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْيَمِينُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْحَلِفُ لَا يُرَادُ بِهَا.
فَنَقُولُ الْيَمِينُ وَالْقَسَمُ لَيْسَا بِمُتَرَادِفَيْنِ وَأَمَّا الْيَمِينُ مَعَ الْحَلِفِ فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ شَرْعًا وَالْمُرَادُ مِنْ الْيَمِينِ وَالْحَلِفِ هُنَا الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَاتِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْيَمِينُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ السِّيَاقُ فِي الْبَابِ وَلَوْ خَصَّصَ الشَّيْخُ الْقَسَمَ بِاَللَّهِ لَكَانَ أَحْسَنَ قَوْلُهُ " الزَّوْجِ " عَرَّفَهُ الشَّيْخُ ﵀ وَلَمْ يُنَكِّرْهُ كَمَا نَكَّرَهُ فِي الظِّهَارِ وَهُوَ أَخْصَرُ وَأَتَى بِلَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَظْهَرْ سِرُّ عُدُولِهِ عَنْ تَنْكِيرِهِ قَوْلُهُ " عَلَى زِنَا زَوْجَتِهِ " لَفْظُهُ فِي الْأَحْرُفِ مِثْلُ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِحَرْفٍ إلَّا أَنَّهُ غَايَرَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَعِبَارَتُهُ ﵁ أَحْكَمُ مَعْنًى لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ هُوَ زِنَا الزَّوْجَةِ لَا أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ لِأَجْلِ الزِّنَا وَلَا أَنَّ الْحَلِفَ وَقَعَ بِالزِّنَا إنْ كَانَتْ بَاءُ الْآلَةِ فَلِذَلِكَ غَيْرُ التَّعْبِيرَ لِأَنَّهُ أَجْلَى وَأَبْيَنُ فِي التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ " أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا " أَدْخَلَ بِهِ صُوَرًا مِنْ اللِّعَانِ كَثِيرَةً إذَا نَفَى وَلَدًا أَوْ نَفَى حَمْلًا (فَإِنْ قُلْتَ) عِبَارَتُهُ مُغَايِرَةٌ لِعِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ أَنَّهُ يَظْهَرُ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ لَفْظَ نَفْيِ نَسَبٍ يَصْدُقُ فِي نَفْيِ نَسَبِ الزَّوْجَةِ عَنْ أَبِيهَا وَذَلِكَ لَيْسَ بِلِعَانٍ فَإِنْ أَصْلَحَهُ بِقَوْلِهِ نَفْيِ نَسَبِ حَمْلِهَا كَانَ أَطْوَلَ.
(فَإِنْ قُلْت) وَأَيْنَ نَفْيُ الْوَلَدِ (قُلْت) يَصْدُقُ عَلَى مَنْ نَفَى حَمْلًا أَنَّهُ نَفَى الْوَلَدَ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ قَوْلُهُ " اللَّازِمُ لَهُ " أَخْرَجَ بِهِ الْحَمْلَ غَيْرَ اللَّازِمِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا لِعَانَ فِيهِ كَمَا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ وَيَدْخُلُ إذَا وَضَعَتْهُ وَسَكَتَ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ وَيَخْرُجُ بِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ بِحُكْمِ قَاضٍ قَوْلُهُ " وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولَهَا حَدَّهَا " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا حَلَفَ وَنَكَلَتْ وَلَمْ يُوجِبْ النُّكُولُ حَدَّهَا كَمَا إذَا غُصِبَتْ فَأَنْكَرَ وَلَدَهَا وَثَبَتَ الْغَصْبُ فَلَا لِعَانَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اللِّعَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ صَيَّرَ اللِّعَانَ يَلْزَمُهُ يَمِينَانِ وَزِيَادَةُ الشَّيْخِ تُخْرِجُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَإِنَّ حَلِفَهُمَا مَعًا مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ نُكُولِهَا يُوجِبُ حَدَّهَا قَوْلُهُ " بِحُكْمِ قَاضٍ " أَخْرَجَ بِهِ لِعَانَ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ
стр. 212
مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ وَيَخْرُجُ الْمَسْكُوتُ عَلَى وَضْعِ الْوَلَدِ وَلَا يَرِدُ عَلَى الشَّيْخِ حَلِفُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ فَتَدْخُلُ صُوَرُ اخْتِلَافِ لَفْظِ الْيَمِينِ لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا يَعْنِي إذَا حَلَفَ الزَّوْجُ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ وَحَلَفَتْ الزَّوْجَةُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ بِهَا فَيَدْخُلُ فِي الْحَدِّ ذَلِكَ وَإِذَا ذَكَرَ الزَّوْجُ فِي الْخَامِسَةِ الْغَضَبَ وَعَكَسَتْ الزَّوْجَةُ فَلَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ فَتَخْرُجُ هَذِهِ الصُّورَةُ قَالَ وَيَدْخُلُ حَلِفُ مَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَدْخُلُ ذَلِكَ وَقَدْ اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَزُلْ مَا يُوجِبُ الِاعْتِرَاضَ مِنْ ذِكْرِ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ (قُلْتُ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ زَادَ مَا يُزِيلُ الِاعْتِرَاضَ وَهُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الزَّوْجِ سَوَاءً كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا أَوْ فِيهِ بَحْثٌ هَذَا مَا يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ وَتِلْمِيذُهُ ﵀ سَيِّدِي الْفَقِيهُ الْأَبِيُّ لَمَّا ذَكَرَ حَدَّهُ وَذَكَرَ سَمَاعَ يَحْيَى أَنَّهُ إذَا أَبَانَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ نَسَبَهَا لِلزِّنَا أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَقِيلَ بِعَدَمِ اللِّعَانِ أَوْرَدَ سُؤَالًا عَلَى الْحَدِّ وَهُوَ السُّؤَالُ الَّذِي وَرَدَ عَلَى حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِخُرُوجِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا زَوْجَةً ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعَ أَنَّهُ رَأَى رَدَّ شَيْخُهُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ دَاخِلَةٌ كَمَا ذَكَرَ فَانْظُرْهُ وَتَأَمَّلْهُ فَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ لَا يَقُولُ بِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَإِنَّمَا سَلَّمَهُ هُنَا تَنَزُّلًا وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمْنَا فِي الرَّجْعَةِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ.
[بَابُ شَرْطِ الزَّوْجِ الْمُلَاعِنِ]
قَالَ ﵁ " تَكْلِيفُهُ وَإِسْلَامُهُ " أَخْرَجَ بِهِ الصَّبِيَّ وَمَنْ شَابَهَهُ وَالْإِسْلَامُ أَخْرَجَ الْكَافِرَ وَيَدْخُلُ الْفَاسِقُ وَالْعَبْدُ وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِ.
[بَابُ شَرْطِ اللِّعَانِ]
قَالَ ﵀ " ثُبُوتُ الزَّوْجِيَّةِ " وَثُبُوتُهَا إمَّا بِشَهَادَةٍ أَوْ بِصَدَاقِهِمَا أَوْ بِالْإِقْرَارِ كَالطَّارِئَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ مَحَلُّ اللَّعَّانِ وَوَقْتُهُ كُلُّ ذَلِكَ جَلِيٌّ.
стр. 213
[بَابُ شَرْطِ وُجُوبِ اللِّعَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ]
قَالَ ﵀ " إسْلَامُهَا وَحُرْمَتُهَا " وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْمُلَاعِنُ جَلِيٌّ فِي كَلَامِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابٌ فِي التَّوْأَمَيْنِ]
(وأ م) : بَابٌ فِي التَّوْأَمَيْنِ
قَالَ ﵀ " مَا لَيْسَ بَيْنَ وَضْعِهِمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ " قَوْلُهُ " مَا لَيْسَ " مَعْنَاهُ أَخَوَانِ لَيْسَ بَيْنَ وَضْعِهِمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَخْرَجَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِتَوْأَمَيْنِ بَلْ هُمَا بَطْنَانِ وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ إذَا نَفَى أَحَدُهُمَا وَأَثْبَتَ الْآخَرُ أَوْ أَقَرَّ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِيَ فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ لِلثَّانِي فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَتَأَمَّلْ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْبَحْثِ فِي كَلَامِهِ ﵀ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ هُمَا أَخَوَانِ أَعْنِي التَّوْأَمَيْنِ شَقِيقَانِ (قُلْتُ) فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا شَقِيقَانِ وَنُقِلَ عَنْ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمَا لِأُمٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ]
(ب رء) بَابُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ
قَالَ عِدَّةٌ وَاسْتِبْرَاءٌ فَالْعِدَّةُ قَالَ الشَّيْخُ ﷺ الْعِدَّةُ مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِفَسْخِهِ أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ " ثُمَّ قَالَ فَتَدْخُلُ مُدَّةُ مَنْ طَلَّقَ رَابِعَةً نِكَاحَ غَيْرِهَا إنْ قِيلَ هُوَ لَهُ عِدَّةٌ وَإِنْ أُرِيدَ إخْرَاجُهُ قِيلَ مُدَّةُ مَنْعِ الْمَرْأَةِ إلَخْ ثُمَّ قَالَ وَفِي بَعْضِ مَسَائِلِ اسْتِبْرَائِهَا إطْلَاقُ لَفْظِهِ عَلَيْهَا مَجَازًا وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مُدَّةَ مَنْعِهِ لِلْفَسْخِ عِدَّةٌ وَقَوْلُهَا إنْ عُلِمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَسَادُ نِكَاحِهِ وَأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِحَالٍ فَلَا إحْدَادَ عَلَيْهَا وَلَا عِدَّةَ وَعَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ اسْتِبْرَاءً مَعْنَاهُ لَا عِدَّةَ وَفَاةٍ وَأَطْلَقَ الِاسْتِبْرَاءَ عَلَى عِدَّةِ الْفَسْخِ مَجَازًا لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ " مُدَّةُ مَنْعِ " أَتَى بِالْجِنْسِ مُدَّةِ مَنْعِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْعِدَّةِ لِأَنَّهَا زَمَانٌ يُنَاسِبُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْعِدَّةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ
стр. 214
مُسْتَقْبِلَاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ فَالْعِدَّةُ سَمَّاهَا الشَّرْعُ لِتِلْكَ الْمُدَّةِ وَنَهَى عَنْ التَّزْوِيجِ فِيهَا بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وَلِذَا قَالَ مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ مُدَّةِ الْمُحْرِمَةِ أَوْ الْمُحْرِمِ أَوْ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَقَوْلُهُ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ ثُمَّ قَالَ " لِفَسْخِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا ذَكَرْنَا وَبَعْضَ صُوَرِ الِاسْتِبْرَاءِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) أَطْلَقَ الشَّيْخُ ﵀ فِي قَوْلِهِ لِفَسْخِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ إذَا فُسِخَ فِيهِ الْعِدَّةُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ (قُلْتُ) كَذَلِكَ وَقَعَ فِي إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ شَارِحُهُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا وَمَا فُسِخَ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ فَالْعِدَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْعِدَّةِ فِي الصَّحِيحِ وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ فَثَلَاثُ حِيَضٍ وَقِيلَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَثَلَاثٌ وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ وَالرَّسْمُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا نِكَاحَ فَيَفْسَخُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ " هَذِهِ أَسْبَابُ الْعِدَّةِ وَأَخْرَجَ بِهَا بَقِيَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ وَالضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى النِّكَاحِ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵁ فَتَدْخُلُ مُدَّةُ مَنْعِ الزَّوْجِ إلَخْ أَشَارَ بِذَلِكَ لِمَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا وَهِيَ هَلْ الْعِدَّةُ مِنْ عَوَارِضِ الْمَرْأَةِ أَوْ تَعْرِضُ لِلرَّجُلِ الْعِدَّةُ شَرْعًا كَمَا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مُدَّةَ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ لِأَنَّهَا فِي الْعِصْمَةِ فَيَصْدُقُ عَلَى زَمَنِ مَنْعِ الزَّوْجِ مِنْ النِّكَاحِ عِدَّةٌ لِصِدْقِ الْحَدِّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ أُرِيدَ إخْرَاجُهُ قِيلَ مُدَّةَ مَنْعِ الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ إلَخْ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) جَرَتْ عَادَةُ الشَّيْخِ مِرَارًا فِي مِثْلِ هَذَا إذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ حَدِّهِ عَلَى رَأْيٍ وَعَلَى رَأْيٍ آخَرَ يُقَالُ مَنَعَ الزَّوْجُ إلَخْ وَذَلِكَ أَخْصَرُ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
(قُلْتُ) الْجَوَابُ بِأَنَّ الْقَوْلَ فِي مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ ذَلِكَ عِدَّةُ ضَعِيفٍ فَضَعُفَ عِنْدَهُ الْقَوْلُ فَلِذَا عَيَّنَ مَا هُنَا وَفِيهِ بَحْثٌ بِمَا ضَعُفَ بِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الرَّجْعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ مَسَائِلِ اسْتِبْرَاءِ الْمُدَوَّنَةِ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ إطْلَاقَ الْعِدَّةِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَالشَّيْخُ أَخْرَجَ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ حَدِّ الْعِدَّةِ وَأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ عِدَّةً وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَكَذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ التَّصْرِيحِ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ مُدَّةَ الْمَنْعِ لِأَجْلِ فَسْخِ النِّكَاحِ أَطْلَقَ عَلَيْهَا عِدَّةً ذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا وَقَعَ
стр. 215
فِيهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ إطْلَاقِ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَمَقْصِدُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِدَّةَ زَمَنُهَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ وَزَمَنُ الِاسْتِبْرَاءِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِدَّةٌ إلَّا مَجَازًا وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ حَيْثُ قَالَ الْعَدَدُ وَجَمْعُ ذَلِكَ وَأَدْخَلَ فِيهِ الِاسْتِبْرَاءَ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَذُوهُ مِنْ إطْلَاقَاتِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي رَسْمِ الْيَمِينِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَأَشْكَلَ عَلَيَّ الْجَوَابُ عَنْ الشَّيْخِ بِمَا ذَكَرَ هُنَا مَعَ هُنَاكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَمِمَّا يُنْظَرُ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إذَا ضُرِبَ لَهَا أَجَلُهَا وَفَرَغَ الْأَجَلُ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ وَالْمُدَّةُ عِدَّةٌ بِنَفْسِهَا فَكَيْفَ تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي حَدِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ لِمَوْتِهِ وَيَعْنِي إمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا وَيَرِدُ عَلَى حَدِّ الْعِدَّةِ أُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا فَإِنَّهَا عِدَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ اسْتِبْرَاءٌ وَقَدْ شَهَرَ الشَّيْخُ أَنَّهَا عِدَّةٌ فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ حَدِّهِ فَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ.
[بَابٌ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الْعِدَّةُ]
قَالَ ﵀ " لِخَلْوَتِهِمَا وَلَوْ بِزِيَارَةٍ تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ وَلَوْ بِإِكْرَاهٍ ".
[بَابٌ فِيمَا تَسْقُطُ بِهِ الْعِدَّةُ]
ُ ذُكِرَ ﵀
[بَابٌ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ]
قَالَ مَا مَعْنَاهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لِلْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَلَوْ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ صَغِيرَةٍ وَفِيهِ مَا يُنْظَرُ.
[بَابٌ فِي اسْتِبْرَاءِ الْحُرَّةِ فِي غَيْرِ اللِّعَانِ]
قَالَ ﵀ بِمَا بِهِ عِدَّتُهَا وَلَوْ قَضَتْ بِاسْتِبْرَاءِ اللِّعَانِ بِحَيْضَةٍ وَتَأَمَّلْهُ فَفِيهِ مَا يُتَأَمَّلُ.
[كِتَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]
(ب رء) :
следующие страницы →