Полный текст (542 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَإِلَّا فَالْيَمِينُ وَالْحَلِفُ مُتَرَادِفَانِ قِيلَ إنَّ الْحَلِفَ وَالْقَسَمَ وَالْيَمِينَ إنَّمَا يَلْزَمُ التَّرَادُفُ فِيهَا لُغَةً وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلَا لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الشَّرْعِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ الْحَلِفِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهَا فِي الشَّرْعِ فِي الْقَسَمِ وَغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْيَمِينُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْحَلِفُ لَا يُرَادُ بِهَا.
فَنَقُولُ الْيَمِينُ وَالْقَسَمُ لَيْسَا بِمُتَرَادِفَيْنِ وَأَمَّا الْيَمِينُ مَعَ الْحَلِفِ فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ شَرْعًا وَالْمُرَادُ مِنْ الْيَمِينِ وَالْحَلِفِ هُنَا الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَاتِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْيَمِينُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ السِّيَاقُ فِي الْبَابِ وَلَوْ خَصَّصَ الشَّيْخُ الْقَسَمَ بِاَللَّهِ لَكَانَ أَحْسَنَ قَوْلُهُ " الزَّوْجِ " عَرَّفَهُ الشَّيْخُ ﵀ وَلَمْ يُنَكِّرْهُ كَمَا نَكَّرَهُ فِي الظِّهَارِ وَهُوَ أَخْصَرُ وَأَتَى بِلَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَظْهَرْ سِرُّ عُدُولِهِ عَنْ تَنْكِيرِهِ قَوْلُهُ " عَلَى زِنَا زَوْجَتِهِ " لَفْظُهُ فِي الْأَحْرُفِ مِثْلُ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِحَرْفٍ إلَّا أَنَّهُ غَايَرَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَعِبَارَتُهُ ﵁ أَحْكَمُ مَعْنًى لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ هُوَ زِنَا الزَّوْجَةِ لَا أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ لِأَجْلِ الزِّنَا وَلَا أَنَّ الْحَلِفَ وَقَعَ بِالزِّنَا إنْ كَانَتْ بَاءُ الْآلَةِ فَلِذَلِكَ غَيْرُ التَّعْبِيرَ لِأَنَّهُ أَجْلَى وَأَبْيَنُ فِي التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ " أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا " أَدْخَلَ بِهِ صُوَرًا مِنْ اللِّعَانِ كَثِيرَةً إذَا نَفَى وَلَدًا أَوْ نَفَى حَمْلًا (فَإِنْ قُلْتَ) عِبَارَتُهُ مُغَايِرَةٌ لِعِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ أَنَّهُ يَظْهَرُ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ لَفْظَ نَفْيِ نَسَبٍ يَصْدُقُ فِي نَفْيِ نَسَبِ الزَّوْجَةِ عَنْ أَبِيهَا وَذَلِكَ لَيْسَ بِلِعَانٍ فَإِنْ أَصْلَحَهُ بِقَوْلِهِ نَفْيِ نَسَبِ حَمْلِهَا كَانَ أَطْوَلَ.
(فَإِنْ قُلْت) وَأَيْنَ نَفْيُ الْوَلَدِ (قُلْت) يَصْدُقُ عَلَى مَنْ نَفَى حَمْلًا أَنَّهُ نَفَى الْوَلَدَ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ قَوْلُهُ " اللَّازِمُ لَهُ " أَخْرَجَ بِهِ الْحَمْلَ غَيْرَ اللَّازِمِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا لِعَانَ فِيهِ كَمَا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ وَيَدْخُلُ إذَا وَضَعَتْهُ وَسَكَتَ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ وَيَخْرُجُ بِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ بِحُكْمِ قَاضٍ قَوْلُهُ " وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولَهَا حَدَّهَا " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا حَلَفَ وَنَكَلَتْ وَلَمْ يُوجِبْ النُّكُولُ حَدَّهَا كَمَا إذَا غُصِبَتْ فَأَنْكَرَ وَلَدَهَا وَثَبَتَ الْغَصْبُ فَلَا لِعَانَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اللِّعَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ صَيَّرَ اللِّعَانَ يَلْزَمُهُ يَمِينَانِ وَزِيَادَةُ الشَّيْخِ تُخْرِجُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَإِنَّ حَلِفَهُمَا مَعًا مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ نُكُولِهَا يُوجِبُ حَدَّهَا قَوْلُهُ " بِحُكْمِ قَاضٍ " أَخْرَجَ بِهِ لِعَانَ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ
стр. 212
مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ وَيَخْرُجُ الْمَسْكُوتُ عَلَى وَضْعِ الْوَلَدِ وَلَا يَرِدُ عَلَى الشَّيْخِ حَلِفُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ فَتَدْخُلُ صُوَرُ اخْتِلَافِ لَفْظِ الْيَمِينِ لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا يَعْنِي إذَا حَلَفَ الزَّوْجُ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ وَحَلَفَتْ الزَّوْجَةُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ بِهَا فَيَدْخُلُ فِي الْحَدِّ ذَلِكَ وَإِذَا ذَكَرَ الزَّوْجُ فِي الْخَامِسَةِ الْغَضَبَ وَعَكَسَتْ الزَّوْجَةُ فَلَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ فَتَخْرُجُ هَذِهِ الصُّورَةُ قَالَ وَيَدْخُلُ حَلِفُ مَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَدْخُلُ ذَلِكَ وَقَدْ اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَزُلْ مَا يُوجِبُ الِاعْتِرَاضَ مِنْ ذِكْرِ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ (قُلْتُ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ زَادَ مَا يُزِيلُ الِاعْتِرَاضَ وَهُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الزَّوْجِ سَوَاءً كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا أَوْ فِيهِ بَحْثٌ هَذَا مَا يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ وَتِلْمِيذُهُ ﵀ سَيِّدِي الْفَقِيهُ الْأَبِيُّ لَمَّا ذَكَرَ حَدَّهُ وَذَكَرَ سَمَاعَ يَحْيَى أَنَّهُ إذَا أَبَانَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ نَسَبَهَا لِلزِّنَا أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَقِيلَ بِعَدَمِ اللِّعَانِ أَوْرَدَ سُؤَالًا عَلَى الْحَدِّ وَهُوَ السُّؤَالُ الَّذِي وَرَدَ عَلَى حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِخُرُوجِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا زَوْجَةً ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعَ أَنَّهُ رَأَى رَدَّ شَيْخُهُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ دَاخِلَةٌ كَمَا ذَكَرَ فَانْظُرْهُ وَتَأَمَّلْهُ فَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ لَا يَقُولُ بِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَإِنَّمَا سَلَّمَهُ هُنَا تَنَزُّلًا وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمْنَا فِي الرَّجْعَةِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ.
[بَابُ شَرْطِ الزَّوْجِ الْمُلَاعِنِ]
قَالَ ﵁ " تَكْلِيفُهُ وَإِسْلَامُهُ " أَخْرَجَ بِهِ الصَّبِيَّ وَمَنْ شَابَهَهُ وَالْإِسْلَامُ أَخْرَجَ الْكَافِرَ وَيَدْخُلُ الْفَاسِقُ وَالْعَبْدُ وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِ.
[بَابُ شَرْطِ اللِّعَانِ]
قَالَ ﵀ " ثُبُوتُ الزَّوْجِيَّةِ " وَثُبُوتُهَا إمَّا بِشَهَادَةٍ أَوْ بِصَدَاقِهِمَا أَوْ بِالْإِقْرَارِ كَالطَّارِئَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ مَحَلُّ اللَّعَّانِ وَوَقْتُهُ كُلُّ ذَلِكَ جَلِيٌّ.
стр. 213
[بَابُ شَرْطِ وُجُوبِ اللِّعَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ]
قَالَ ﵀ " إسْلَامُهَا وَحُرْمَتُهَا " وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْمُلَاعِنُ جَلِيٌّ فِي كَلَامِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابٌ فِي التَّوْأَمَيْنِ]
(وأ م) : بَابٌ فِي التَّوْأَمَيْنِ
قَالَ ﵀ " مَا لَيْسَ بَيْنَ وَضْعِهِمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ " قَوْلُهُ " مَا لَيْسَ " مَعْنَاهُ أَخَوَانِ لَيْسَ بَيْنَ وَضْعِهِمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَخْرَجَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِتَوْأَمَيْنِ بَلْ هُمَا بَطْنَانِ وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ إذَا نَفَى أَحَدُهُمَا وَأَثْبَتَ الْآخَرُ أَوْ أَقَرَّ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِيَ فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ لِلثَّانِي فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَتَأَمَّلْ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْبَحْثِ فِي كَلَامِهِ ﵀ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ هُمَا أَخَوَانِ أَعْنِي التَّوْأَمَيْنِ شَقِيقَانِ (قُلْتُ) فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا شَقِيقَانِ وَنُقِلَ عَنْ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمَا لِأُمٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ]
(ب رء) بَابُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ
قَالَ عِدَّةٌ وَاسْتِبْرَاءٌ فَالْعِدَّةُ قَالَ الشَّيْخُ ﷺ الْعِدَّةُ مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِفَسْخِهِ أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ " ثُمَّ قَالَ فَتَدْخُلُ مُدَّةُ مَنْ طَلَّقَ رَابِعَةً نِكَاحَ غَيْرِهَا إنْ قِيلَ هُوَ لَهُ عِدَّةٌ وَإِنْ أُرِيدَ إخْرَاجُهُ قِيلَ مُدَّةُ مَنْعِ الْمَرْأَةِ إلَخْ ثُمَّ قَالَ وَفِي بَعْضِ مَسَائِلِ اسْتِبْرَائِهَا إطْلَاقُ لَفْظِهِ عَلَيْهَا مَجَازًا وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مُدَّةَ مَنْعِهِ لِلْفَسْخِ عِدَّةٌ وَقَوْلُهَا إنْ عُلِمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَسَادُ نِكَاحِهِ وَأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِحَالٍ فَلَا إحْدَادَ عَلَيْهَا وَلَا عِدَّةَ وَعَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ اسْتِبْرَاءً مَعْنَاهُ لَا عِدَّةَ وَفَاةٍ وَأَطْلَقَ الِاسْتِبْرَاءَ عَلَى عِدَّةِ الْفَسْخِ مَجَازًا لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ " مُدَّةُ مَنْعِ " أَتَى بِالْجِنْسِ مُدَّةِ مَنْعِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْعِدَّةِ لِأَنَّهَا زَمَانٌ يُنَاسِبُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْعِدَّةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ
стр. 214
مُسْتَقْبِلَاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ فَالْعِدَّةُ سَمَّاهَا الشَّرْعُ لِتِلْكَ الْمُدَّةِ وَنَهَى عَنْ التَّزْوِيجِ فِيهَا بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وَلِذَا قَالَ مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ مُدَّةِ الْمُحْرِمَةِ أَوْ الْمُحْرِمِ أَوْ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَقَوْلُهُ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ ثُمَّ قَالَ " لِفَسْخِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا ذَكَرْنَا وَبَعْضَ صُوَرِ الِاسْتِبْرَاءِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) أَطْلَقَ الشَّيْخُ ﵀ فِي قَوْلِهِ لِفَسْخِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ إذَا فُسِخَ فِيهِ الْعِدَّةُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ (قُلْتُ) كَذَلِكَ وَقَعَ فِي إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ شَارِحُهُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا وَمَا فُسِخَ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ فَالْعِدَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْعِدَّةِ فِي الصَّحِيحِ وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ فَثَلَاثُ حِيَضٍ وَقِيلَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَثَلَاثٌ وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ وَالرَّسْمُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا نِكَاحَ فَيَفْسَخُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ " هَذِهِ أَسْبَابُ الْعِدَّةِ وَأَخْرَجَ بِهَا بَقِيَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ وَالضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى النِّكَاحِ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵁ فَتَدْخُلُ مُدَّةُ مَنْعِ الزَّوْجِ إلَخْ أَشَارَ بِذَلِكَ لِمَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا وَهِيَ هَلْ الْعِدَّةُ مِنْ عَوَارِضِ الْمَرْأَةِ أَوْ تَعْرِضُ لِلرَّجُلِ الْعِدَّةُ شَرْعًا كَمَا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مُدَّةَ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ لِأَنَّهَا فِي الْعِصْمَةِ فَيَصْدُقُ عَلَى زَمَنِ مَنْعِ الزَّوْجِ مِنْ النِّكَاحِ عِدَّةٌ لِصِدْقِ الْحَدِّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ أُرِيدَ إخْرَاجُهُ قِيلَ مُدَّةَ مَنْعِ الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ إلَخْ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) جَرَتْ عَادَةُ الشَّيْخِ مِرَارًا فِي مِثْلِ هَذَا إذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ حَدِّهِ عَلَى رَأْيٍ وَعَلَى رَأْيٍ آخَرَ يُقَالُ مَنَعَ الزَّوْجُ إلَخْ وَذَلِكَ أَخْصَرُ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
(قُلْتُ) الْجَوَابُ بِأَنَّ الْقَوْلَ فِي مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ ذَلِكَ عِدَّةُ ضَعِيفٍ فَضَعُفَ عِنْدَهُ الْقَوْلُ فَلِذَا عَيَّنَ مَا هُنَا وَفِيهِ بَحْثٌ بِمَا ضَعُفَ بِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الرَّجْعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ مَسَائِلِ اسْتِبْرَاءِ الْمُدَوَّنَةِ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ إطْلَاقَ الْعِدَّةِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَالشَّيْخُ أَخْرَجَ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ حَدِّ الْعِدَّةِ وَأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ عِدَّةً وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَكَذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ التَّصْرِيحِ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ مُدَّةَ الْمَنْعِ لِأَجْلِ فَسْخِ النِّكَاحِ أَطْلَقَ عَلَيْهَا عِدَّةً ذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا وَقَعَ
стр. 215
فِيهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ إطْلَاقِ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَمَقْصِدُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِدَّةَ زَمَنُهَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ وَزَمَنُ الِاسْتِبْرَاءِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِدَّةٌ إلَّا مَجَازًا وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ حَيْثُ قَالَ الْعَدَدُ وَجَمْعُ ذَلِكَ وَأَدْخَلَ فِيهِ الِاسْتِبْرَاءَ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَذُوهُ مِنْ إطْلَاقَاتِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي رَسْمِ الْيَمِينِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَأَشْكَلَ عَلَيَّ الْجَوَابُ عَنْ الشَّيْخِ بِمَا ذَكَرَ هُنَا مَعَ هُنَاكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَمِمَّا يُنْظَرُ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إذَا ضُرِبَ لَهَا أَجَلُهَا وَفَرَغَ الْأَجَلُ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ وَالْمُدَّةُ عِدَّةٌ بِنَفْسِهَا فَكَيْفَ تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي حَدِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ لِمَوْتِهِ وَيَعْنِي إمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا وَيَرِدُ عَلَى حَدِّ الْعِدَّةِ أُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا فَإِنَّهَا عِدَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ اسْتِبْرَاءٌ وَقَدْ شَهَرَ الشَّيْخُ أَنَّهَا عِدَّةٌ فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ حَدِّهِ فَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ.
[بَابٌ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الْعِدَّةُ]
قَالَ ﵀ " لِخَلْوَتِهِمَا وَلَوْ بِزِيَارَةٍ تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ وَلَوْ بِإِكْرَاهٍ ".
[بَابٌ فِيمَا تَسْقُطُ بِهِ الْعِدَّةُ]
ُ ذُكِرَ ﵀
[بَابٌ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ]
قَالَ مَا مَعْنَاهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لِلْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَلَوْ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ صَغِيرَةٍ وَفِيهِ مَا يُنْظَرُ.
[بَابٌ فِي اسْتِبْرَاءِ الْحُرَّةِ فِي غَيْرِ اللِّعَانِ]
قَالَ ﵀ بِمَا بِهِ عِدَّتُهَا وَلَوْ قَضَتْ بِاسْتِبْرَاءِ اللِّعَانِ بِحَيْضَةٍ وَتَأَمَّلْهُ فَفِيهِ مَا يُتَأَمَّلُ.
[كِتَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]
(ب رء) :
стр. 216
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الِاسْتِبْرَاءِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ " مُدَّةُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِرَفْعِ عِصْمَةٍ أَوْ طَلَاقٍ قَالَ فَتَخْرُجُ الْعِدَّةُ وَيَدْخُلُ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ وَلَوْ لِلِعَانٍ وَالْمَوْرُوثَةُ لِأَنَّهُ لِلْمِلْكِ لَا لِذَاتِ الْمَوَاتِ " وَجَعَلَ الْقَرَافِيُّ جِنْسَهُ طَلَبَ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِأَنَّهُ اسْتِفْعَالٌ يُخْرِجُ اسْتِبْرَاءَ اللِّعَانِ لِأَنَّهُ يَكُونُ لَا عَنْ طَلَبٍ وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَنَّهُ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ الِاسْتِبْرَاءِ فَيَذْكُرُونَ لَهُ مَثَلًا وَجُزْئِيَّاتٍ وَلَا يُعَرِّفُونَهُ فَلِذَا عَرَّفَهُ وَبَيَّنَهُ بِمَا ذَكَرَهُ فَقَوْلُ الشَّيْخِ " مُدَّةُ " صَيَّرَ ذَلِكَ جِنْسًا لِلِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَرْعًا زَمَنُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَعَبَّرَ بِالْمُدَّةِ وَلَمْ يَقُلْ زَمَنٌ وَهُوَ أَخْصَرُ وَالْقَرَافِيُّ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ لَوْ رَاعَيْنَا اشْتِقَاقَ اللَّفْظِ فِي الشَّرْعِ لَأَبْطَلْنَا كَثِيرًا مِنْ الْحَقَائِقِ فِي رَسْمِهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُوَافِقَةٍ لِجِنْسِهَا فَصَارَ الِاسْتِبْرَاءُ لَقَبًا عَلَى الْمُدَّةِ وَلَمْ يُلَاحَظْ فِيهَا مَصْدَرٌ بِوَجْهٍ وَلَا طَلَبٍ وَأَوْرَدَ الشَّيْخُ مَا ذُكِرَ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِ تَنَزُّلًا مِنْهُ مَعَهُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْته لَخَرَجَ اسْتِبْرَاءُ اللِّعَانِ لِأَنَّهُ لَا طَلَبَ فِيهِ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ مُدَّةَ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِرَفْعِ عِصْمَةٍ وَلَا لِطَلَاقٍ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ " لَا لِرَفْعِ عِصْمَةٍ " هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْفَسْخِ وَالْمَوْتِ فَمَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ عِدَّةً (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا صَحَّ هَذَا مَا ذَكَرَ ﵀ فَلِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ فِي حَدِّ الْعِدَّةِ مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِفَسْخِهِ أَوْ لِمَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ وَهَلَّا قَالَ مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِرَفْعِ عِصْمَةٍ أَوْ طَلَاقٍ كَمَا قَالَ هُنَا وَذَلِكَ يَعُمُّ الْقِسْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَمَا قَرَّرْته.
(قُلْتُ) الْجَوَابُ عَنْهُ ﵁ لَمْ يَظْهَرْ وَيَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَكَذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ سِرُّ كَوْنِهِ عَدَلَ أَنْ يَقُولَ مُدَّةُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي حَدِّ الْعِدَّةِ وَلَمْ يَقُلْ هُنَا كَمَا قَالَ فِي حَدِّ الْعِدَّةِ وَقَوْلُهُ " دَلِيلُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ " أَشَارَ إلَى أَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِأَجْلِ الِاسْتِبْرَاءِ فَعَلَى هَذَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسِرُّهُ
стр. 217
ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَيَدْخُلُ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ " يَعْنِي أَنَّ الْحُرَّةَ يَقَعُ الِاسْتِبْرَاءُ فِيهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ كَمَا إذَا زَنَتْ ثُمَّ قَالَ " وَلَوْ لِلِعَانٍ " يَعْنِي وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُدَّةُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِيَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فِي اللِّعَانِ إذَا أَرَادَهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِثَلَاثِ حِيَضٍ (فَإِنْ قُلْتَ) صُورَةُ اللِّعَانِ قَدْ تَقَدَّمَ رَدُّ الشَّيْخُ بِهَا عَلَى حَدِّ الْقَرَافِيُّ وَهُنَا قَدْ أَدْخَلَهَا فِي حَدِّهِ (قُلْتُ) صَحَّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرَافِيُّ حَقَّقَ الطَّلَبَ فِي الْمَحْدُودِ وَأَتَى بِجِنْسٍ لَا يُنَاسِبُهُ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ اسْتِبْرَاءَ اللِّعَانِ لَا يَكُونُ عَنْ طَلَبٍ بَلْ فِيهِ مُدَّةُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ حَيْضَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ وَقَدْ وَقَعَتْ فَاعْتَمَدَ الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ أَوْ غَيْرِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) اللِّعَانُ إذَا تَمَّ يَقَعُ فِيهِ الْفَسْخُ قِيلَ بِطَلَاقٍ وَقِيلَ لَا وَقِيلَ بِحُكْمٍ مِنْ الْحَاكِمِ وَنُسِبَ هَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ وَبَنَوْا عَلَيْهِ مَسَائِلَ مَعْلُومَةً وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَيُقَالُ كَيْفَ تَدْخُلُ مُدَّةُ مَا بَعْدَ اللِّعَانِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ بَلْ تَدْخُلُ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِطَلَاقٍ فَقَدْ صَدَقَ فِيهِ حَدُّ الْعِدَّةِ وَإِنْ كَانَ بِفَسْخٍ مِنْ الْحَاكِمِ فَكَذَلِكَ (قُلْتُ) الْمُدَّةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا بِالدُّخُولِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ الْمُدَّةُ الَّتِي قَبْلَ وُجُودِ فُرْقَةِ اللِّعَانِ وَهِيَ مُدَّةُ الْحَيْضَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الثَّلَاثِ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْمُلَاعِنُ كَمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا الْمُدَّةُ الَّتِي بَعْدَ الْفُرْقَةِ فَهِيَ عِدَّةٌ كَمَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ دَاخِلٌ فِي رَسْمِ الْعِدَّةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي النِّكَاحِ الثَّالِثِ إذَا أَسْلَمَتْ نَصْرَانِيَّةٌ تَحْتَ نَصْرَانِيٍّ فُسِخَ نِكَاحُهَا وَاعْتَدَّتْ فَأَطْلَقَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ عِدَّةً وَالْحَدُّ يَصْدُقُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ بِاسْتِبْرَاءٍ (قُلْتُ) رَأَيْت لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ بِنَفْسِهَا أُورِدَتْ عَلَى الشَّيْخِ ﵀ وَمَنَعَ أَنَّ ذَلِكَ عِدَّةٌ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهَا مَجَازًا وَاسْتَشْهَدَ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (فَإِنْ قُلْتَ) الْعِدَّةُ تَكُونُ بِالْأَقْرَاءِ وَالِاسْتِبْرَاءُ بِالْحِيَضِ أَمَّا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ فِي الْحُرَّةِ وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بِحَيْضَتَيْنِ (قُلْتُ) وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ فَفَسَخَ النِّكَاحَ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَمْ يَمَسَّهَا إلَّا بَعْدَ حَيْضَتَيْنِ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ قَالَ وَاسْتِبْرَاؤُهَا حَيْضَتَانِ فَقَدْ صَيَّرَ اسْتِبْرَاءَ الزَّوْجَةِ هُنَا حَيْضَتَيْنِ وَذَلِكَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حَدِّ الشَّيْخِ لِأَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَطْلَقَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءً فَهُوَ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ لَا مِنْ الْعِدَّةِ فَيَكُونُ رَسْمُ الشَّيْخِ غَيْرُ جَامِعٍ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ اسْتَشْكَلَ عِيَاضٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي إطْلَاقِ الِاسْتِبْرَاءِ فِيهَا وَقَالَ إنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ
стр. 218
وَقَدْ سَمَّاهَا عِدَّةً فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ وَقَالَ إنَّهَا كَعِدَّةِ النِّكَاحِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ حَيْضَتَانِ (قُلْتُ) لَا شَكَّ أَنَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُعَيِّنُ أَنَّهَا عِدَّةٌ فَحَدُّ الْعِدَّةِ يَصْدُقُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاسْتِبْرَاءٍ وَجَوَابُ الشَّيْخِ بِالْمَجَازِ يَبْعُدُ فِي هَذِهِ لِقُوَّةِ قَوْلِهِ كَعِدَّةِ النِّكَاحِ فَعَلَى تَسْمِيَةِ هَذَا اسْتِبْرَاءً حَقِيقَةً تَرِدُ عَلَى عَكْسِ الِاسْتِبْرَاءِ وَعَلَى مَنْعِ حَدِّ الْعِدَّةِ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا الْخِلَافَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا عِدَّةٌ وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا وَقَعَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي اللِّعَانِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ هَلْ بِحَيْضَةٍ أَوْ بِثَلَاثٍ (قُلْتُ) الْجَارِي عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْأَمَةِ يَخْرُجُ أَنَّهُ ثَلَاثُ حَيْضٍ لَكِنَّ نُصُوصَ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ بِحَيْضَةٍ وَأُجِيبَ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ قَوْلُهُ " وَالْمَوْرُوثَةُ " يَعْنِي إذَا مَاتَ رَجُلٌ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَلَا يَقْرَبُهَا الْوَارِثُ حَيْثُ يَصِحُّ وَطْؤُهُ حَتَّى يَقَعَ الِاسْتِبْرَاءُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِرَفْعِ عِصْمَةٍ بِالْمَوْتِ وَإِنَّمَا هُوَ رَفْعٌ لِلْمِلْكِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا مَاتَ نَصْرَانِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيَّةٍ حُرَّةٍ وَوَطِئَهَا مُسْلِمٌ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا (قُلْتُ) تَزْوِيجُهَا بَعْدَ الْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ يَجْرِي عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعِدَّةِ أَوْ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّ لَوَازِمَهُمَا تَخْتَلِفُ (فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ هَذِهِ الصُّورَةُ عِدَّةٌ أَوْ اسْتِبْرَاءٌ (قُلْتُ) وَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءٌ لَا عِدَّةٌ وَعَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهَا حَيْضَةً وَاحِدَةً (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ فَتَرِدُ عَلَى جَمْعِ الْحَدِّ لِأَنَّ فِيهَا رَفْعَ الْعِصْمَةِ وَفِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهَا وَارِدَةٌ عَلَى الرَّسْمِ إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فَلَا لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا رَفْعُ مِلْكٍ وَالْعِدَّةُ عِنْدَهُمْ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالْمُسْتَبْرَآتِ حَرَامٌ فِي الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَأَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْمَسْبِيَّةِ تُمْلَكُ بِشِرَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْمُوَاضَعَةِ]
(وض ع) : بَابُ الْمُوَاضَعَةِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " أَنْ يُجْعَلَ مَعَ الْأَمَةِ مُدَّةَ اسْتِبْرَائِهَا فِي حَوْزِ مَقْبُولٍ خَبَرُهُ عَنْ حَيْضَتِهَا " قَوْلُهُ ﵀ " أَنْ يُجْعَلَ " بِمَعْنَى الْجَعْلِ
стр. 219
مَعَ الْأَمَةِ وَهُوَ كَالْجِنْسِ لِلْمُوَاضَعَةِ فَهِيَ لَقَبٌ عَلَى الْجَعْلِ الْمَذْكُورِ " وَمَعَ الْأَمَةِ " أَخْرَجَ بِهِ الْحُرَّةَ إذَا وَضَعَتْ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ أَوْ أَمِينَةٍ وَقَوْلُهُ " مُدَّةَ اسْتِبْرَائِهَا " أَخْرَجَ مَا إذَا وُضِعَتْ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ لِاخْتِبَارِ عَيْبِهَا قَوْلُهُ " مَقْبُولٍ خَبَرُهُ عَنْ حَيْضَتِهَا " نَائِبٌ عَنْ فَاعِلِ أَنْ يُجْعَلَ وَكَوْنُهُ مَقْبُولَ الْخَبَرِ أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْأَمِينِ وَعَنْ حَيْضَتِهَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَبَرِ وَأَخْرَجَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ عَيْبٍ بِهَا وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ ﵀ قَبُولَ الْخَبَرِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى قَوْلٍ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَخْبَرَ مَقْبُولُ الْخَبَرِ عَنْ غَيْرِهِ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ إذَا قَالَ رَجُلٌ أَخْبَرَنِي جَارِي أَنَّهَا حَاضَتْ أَوْ زَوْجَتِي وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ إذَا أَوْدَعَ الْمُودَعُ عِنْدَ زَوْجَتِهِ وَرَدَّهُ الشَّيْخُ بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُنَا أَشَدُّ وَكَذَلِكَ أَطْلَقَ وَلَوْ كَانَ مَقْبُولُ الْخَبَرِ مُبْتَاعًا وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُونِ أَهْلٌ وَفِي الْمَذْهَبِ خِلَافٌ فِي كَرَاهِيَتِهِ وَمَنْعِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ بَلْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الشَّأْنُ كَوْنُهَا عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ فَكَيْفَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ مَقْبُولٍ خَبَرُهُ (قُلْتُ) يَدْخُلُ لِأَنَّ الْمُرَادَ النِّسْبَةُ كَقَوْلِهِ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﵀ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ فِي فَصْلِ الْإِمَامَةِ قَالَ فِيهَا اتِّبَاعُ مُصَلٍّ وَلَمْ يَقُلْ أَنْ يُتَّبَعَ مُصَلٍّ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ وَهُنَا لَمْ يُرَاعِ ذَلِكَ وَيَقُولُ جَعَلَ مَقْبُولَ خَبَرٍ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ
(قُلْتُ) مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ اتِّبَاعٌ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْوَاقِعُ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ بِخَطِّهِ وَفِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ سَيِّدِي عِيسَى الْغُبْرِينِيِّ أَنْ يُتْبَعَ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَكَانَتْ فِي كِلَا النُّسْخَتَيْنِ اتِّبَاعُ ثُمَّ أُصْلِحَتْ إلَى مَا ذَكَرْنَا فَعَلَى ذَلِكَ لَا يَرِدُ هَذَا السُّؤَالُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ النُّسْخَةُ كَذَلِكَ فَلَعَلَّهُ رَاعَى ﵀ فِي ذَلِكَ كَثْرَةَ الْبَيَانِ هُنَا فَلِذَلِكَ عَبَّرَ هُنَا بِمَا رَأَيْتَ وَفِيهِ نَظَرٌ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يَصْدُقُ حَدُّ الشَّيْخُ ﵁ فِيمَنْ اشْتَرَى أَمَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ أَمَّنَهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي فِي زَمَنِ الْمُوَاضَعَةِ (قُلْتُ) ظَاهِرُ الْحَدِّ أَنَّ ذَلِكَ صَادِقٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَقْبُولَ الْخَبَرِ وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ مَذْهَبِيٌّ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَةُ الْوَضْعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ بِالْمَنْعِ وَفِي النَّقْلِ اخْتِلَافٌ اُنْظُرْهُ وَالضَّمَانُ فِي الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْبَائِعِ فِيمَا يُحْدِثُ بِالْأَمَةِ وَالنَّقْدِ بِشَرْطٍ لَا يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ وَطْءٌ لِلْمُبْتَاعِ وَلَا تَلَذُّذٌ.
стр. 220
[بَابٌ فِي الْإِحْدَادِ]
ح د د) بَابٌ فِي الْإِحْدَادِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " تَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ قَالَ فَيَدْخُلُ تَرْكُ الْخَاتَمِ فَقَطْ لِلْمُبْتَذَلَةِ " ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ مُحْرِزٍ تَرْكُ الزِّينَةِ الْمُعْتَادَةِ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِصِحَّةِ سَلْبِ الزِّينَةِ الْمُعْتَادَةِ عَمَّنْ لَبِسَتْهُ مُبْتَذَلَةً قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَخْ ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ اخْتَصَّ بِهِ وَقَالَ شَارِحُهُ إنَّ الْفُقَهَاءَ وَشُرَّاحَ الْحَدِيثِ فَسَّرُوهُ بِذَلِكَ وَغَيْرُهُمْ وَمَا أَوْرَدَهُ مِنْ عَدَمِ طَرْدِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُبْتَذَلَةٍ وَتَرَكَتْ الزِّينَةَ الْمُعْتَادَةَ فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ يَصْدُقُ فِي حَقِّهَا الْحَدُّ وَتُوصَفُ بِذَلِكَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ الْإِحْدَادِ لِأَنَّهُ لِمَحْدُودٍ هُوَ إحْدَادُ الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَلَيْسَ فِي الْحَدِّ مَا يُخْرِجُ صُورَةَ الِاعْتِرَاضِ وَلَا يُخْرِجُ ذَلِكَ تَقْيِيدُ الْإِحْدَادِ لِأَنَّهُ الْمَحْدُودُ كَمَا أَشَارَ إلَى نَظِيرِ ذَلِكَ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الصُّورَةُ الْوَارِدَةُ كَمَا أُورِدَتْ عَلَى رَسْمِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَكَذَلِكَ تَرِدُ عَلَى رَسْمِ الشَّيْخِ وَلَيْسَ فِي حَدِّهِ مَا يُخْرِجُهَا فَتَأَمَّلْهُ.
هَذَا إنْ فُهِمَ عَلَى هَذَا وَهُوَ مَا كَانَ يَتَقَدَّمُ فِيهِ وَإِنْ قُلْت فُهِمَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَالِاعْتِرَاضُ وَارِدٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّيْخَ قَالَ تَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ أَيْ تَرْكُ الزِّينَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالصُّورَةُ الْوَارِدَةُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا تَرْكُ الزِّينَةِ الْمُطْلَقَةِ لِأَنَّ الْبَاقِيَ عَلَيْهَا هُوَ زِينَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَمَعْنَى كَلَامِ حَدِّ الشَّيْخِ ﵀ فِي قَوْلِهِ تَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ أَتَى بِالتَّرْكِ وَصَيَّرَهُ جِنْسًا وَلَمْ يَقُلْ أَنْ تَتْرُكَ كَمَا قَدَّمَ فِي الْمُوَاضَعَةِ وَقَالَ مَا هُوَ زِينَةٌ وَلَمْ يَقُلْ تَرْكُ الزِّينَةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَقْصُودٌ وَأَنَّ مَا مَوْصُولَةٌ لَا مَصْدَرِيَّةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَصْدَ إنَّمَا هُوَ تَرْكُ الشَّيْءِ الَّذِي تَتَقَرَّرُ بِهِ الزِّينَةُ مِمَّا هُوَ مَعْلُومُ التَّزَيُّنِ بِهِ وَلَمْ يَقُلْ تَرْكُ الزَّوْجَةِ الزِّينَةَ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ لِزَوْجِهَا فَتَأَمَّلْهُ وَلَوْ قَالَ تَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ لَزَوْجَةٍ مَاتَ زَوْجُهَا لَكَانَ حَسَنًا قَالُوا وَالْمَرْأَةُ إذَا عَقَلَتْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهَا وَإِلَّا فَعَلَى وَلِيِّهَا فِعْلُ ذَلِكَ بِهَا وَفِي الذِّمِّيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ خِلَافٌ قَوْلُهُ " وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ " مَعْنَاهُ تَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ وَحَدُّهُ أَيْ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ كَثَوْبِ الزِّينَةِ وَحَدُّهُ وَمَا يُتَزَيَّنُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ لِيَدْخُلَ
стр. 221
فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ عِنْدَهَا زِينَةٌ مَعَ حُلِيٍّ أَوْ خَاتَمٍ وَمَنْ كَانَ لَهَا خَاتَمٌ وَهِيَ مُبْتَذَلَةٌ وَلَا زِينَةَ لَهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا طَرْحُ الْخَاتَمِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ قَالُوا وَلَوْ كَانَ حَدِيدًا وَهُوَ صَحِيحٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ جَعَلَ لُزُومَ دَارِ السُّكْنَى إلَّا لِضَرُورَةٍ لِأَنَّهُ رَتَّبَ ذَلِكَ عَلَى الْحَدِّ وَصَيَّرَهُ نَتِيجَةً عَنْهُ وَلَيْسَ فِي الْإِحْدَادِ إلَّا تَرْكُ الزِّينَةِ الْمُعْتَادَةِ وَأَمَّا لُزُومُ الدَّارِ فَلَيْسَ مِنْهُ (قُلْتُ) يُتَأَوَّلُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْإِحْدَادِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ ﵀ ذَكَرَ الزِّينَةَ فِي الْحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا وَالزِّينَةُ يَخْتَلِفُ حَالُهَا بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ فَعُرِفَ بِأَمْرٍ مَجْهُولٍ (قُلْتُ) أَحَالَ فِي ذَلِكَ عَلَى عُرْفِ كُلِّ مَوْضِعٍ وَمَا يُعَدُّ زِينَةً عِنْدَهُمْ عُرْفًا وَلَيْسَ فِيهِ جَهَالَةٌ بَلْ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عُرْفِ كُلِّ شَخْصٍ وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي كُلُّ لَوْنٍ تَتَزَيَّنُ بِهِ النِّسَاءُ تُمْنَعُ مِنْهُ الْحَادُّ وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي زِينَةِ الْحَادِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ هُنَا كَلَامُهُ مُعْتَرَضٌ فِي قَوْلِهِ لَا تَلْبَسُ مَصْبُوغًا إلَخْ اُنْظُرْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) الزِّينَةُ هَلْ تَعُمُّ اللِّبَاسَ وَغَيْرَهُ (قُلْتُ) نَعَمْ تَعُمُّ اللِّبَاسَ وَغَيْرَهُ مِنْ دُهْنٍ وَطِيبٍ وَمُشْطٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ كَانَتْ تَطَيَّبَتْ هَلْ يَصْدُقُ فِيهَا الْحَدُّ (قُلْتُ) نَعَمْ وَنَصُّهَا كَذَلِكَ أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا زَوَالُ الطِّيبِ كَمَا يَجِبُ زَوَالُ زِينَةِ اللِّبَاسِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.
[بَابُ الْمَفْقُودِ]
(ف ق د) : بَابُ الْمَفْقُودِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَيُمْكِنُ الْكَشْفُ عَنْهُ " قَوْلُهُ " مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ " أَصْلُ الْجِنْسِ الْغَائِبِ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَيَخْرُجُ بِالْمُنْقَطِعِ خَبَرُهُ الْأَسِيرُ وَيُمْكِنُ الْكَشْفُ عَنْهُ أَمَّا حَالٌّ أَوْ صِفَةٌ يَخْرُجُ بِهِ الْمَحْبُوسُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ الْكَشْفُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْمَفْقُودِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﵁ بِقَوْلِهِ فَيَخْرُجُ الْأَمِيرُ ابْنُ عَاتٍ وَالْمَحْبُوسُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ الْكَشْفُ عَنْهُ فَعَلَى هَذَا لَا تَنْكِحُ امْرَأَةُ الْأَسِيرَ إلَّا أَنْ يَصِحَّ مَوْتُهُ أَوْ تَنَصُّرُهُ طَائِعًا وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ لَهُ حَالٌ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الطَّوْعِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) أَطْلَقَ الشَّيْخُ فِي حَدِّهِ ﵀ فَظَاهِرُهُ
стр. 222
مَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسَمَّى مَفْقُودًا شَرْعًا وَلَهُ الْحُكْمُ الْخَاصُّ بِهِ فِي زَوْجَتِهِ وَمَالِهِ مَعَ أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ مَنْ فُقِدَ بِبَلْدَةٍ فِي زَمَنِ الطَّاعُونِ حَكَمُوا لَهُ بِحُكْمِ الْمَيِّتِ (قُلْتُ) مَسَائِلُ هُنَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا مِثْلُ مَفْقُودِ قِتَالِ الْعَدُوِّ وَمَفْقُودِ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ مَنْ فُقِدَ فِي جِهَةِ أَرْضِ الْحَرْبِ وَالرَّسْمُ لِمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ هَلْ يَعُمُّ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ أَوْ هُوَ خَاصٌّ بِالْحُرِّ (قُلْتُ) يَعُمُّ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِصَاصُ الْعَبْدِ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا فُقِدَ عَبْدٌ ثُمَّ عَتَقَ وَلَهُ وَلَدٌ أَحْرَارٌ هَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ (قُلْتُ) ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْحَدِّ وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا قَالَ إنْ فُقِدَ عَبْدٌ فَأُعْتِقَ وَلَهُ وَلَدٌ وُقِفَ الْمِيرَاثُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ الْعِتْقَ صَادَفَهُ حَيًّا وَلَا يُوقَفُ لَهُ إرْثُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ عَلَى أَصْلِ الرِّقِّ حَتَّى يَصِحَّ الْعِتْقُ ثُمَّ زَادَ فِيهَا زِيَادَةً أَوْجَبَتْ إشْكَالًا وَهُوَ أَنَّ الْمَالَ يُدْفَعُ بِحَمِيلٍ لِوَرَثَةِ الِابْنِ حَتَّى نَاقَضَهَا بَعْضُهُمْ بِمَنْ قُضِيَ لَهُ بِإِرْثٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ وَذَلِكَ جَوْرٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي الْحَمَّالَةِ وَأَجَابَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحِلِّهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ أَعْلَمُ سُبْحَانَهُ.
[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
(ر ض ع) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الرَّضَاعُ عُرْفًا وُصُولُ لَبَنِ آدَمِيٍّ بِمَحِلٍّ مَظِنَّةُ غِذَاءٍ " ثُمَّ قَالَ لِتَحْرِيمِهِمْ بِالسَّعُوطِ وَالْحُقْنَةِ وَلَا دَلِيلَ إلَّا مُسَمَّى الرَّضَاعِ " (قُلْتُ) ذَكَرُوا أَنَّهُ يُقَالُ الرَّضَاعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَيُقَالُ الرَّضَاعَةُ وَالرَّضَاعَةُ كَذَلِكَ وَيُقَالُ رَضِعَ رَضْعًا وَهُوَ الْقِيَاسُ وَيُقَالُ أَرْضَعَتْ إرْضَاعًا قَوْلُهُ ﵁ " عُرْفًا " مَعْنَاهُ عُرْفًا شَرْعِيًّا وَخَصَّصَ هَذَا الْمَحْدُودُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَحُدُّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الرَّضَاعَ غَلَبَ فِي الْمَعْهُودِ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ ضَمُّ الشَّفَتَيْنِ عَلَى مَحِلِّ خُرُوجِ اللَّبَنِ مِنْ ثَدْيٍ لِطَلَبِ خُرُوجِهِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ حَيْثُ حَكَمُوا بِأَنَّ الْحُقْنَةَ وَالسَّعُوطَ
стр. 223
يَقَعُ التَّحْرِيمُ بِهِمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ عُرْفًا شَرْعِيًّا صَادِقٌ عَلَيْهِمَا وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ حَيْثُ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْمُتَغَيِّرُ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَكَذَا يُقَالُ هُنَا لَعَلَّهُ مِمَّا أُلْحِقَ بِالرَّضَاعِ احْتِيَاطًا فِي الْبَابِ لَا أَنَّ الْعُرْفَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَضَاعٌ وَفِيهِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَقُولُ ﵀ لِتَحْرِيمِهِمْ وَهَذَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَقَدْ نَقَلَ الْخِلَافَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّعُوطِ.
(قُلْتُ) الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ وَصَلَ الْجَوْفَ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَالْخِلَافُ إذَا لَمْ يَصِلْ فَالتَّحْرِيمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَصَحَّ قَوْلُهُ أَوَّلًا مَعَ قَوْلِهِ آخِرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَوْرَدَ عَلَى الشَّيْخِ ﵀ بِأَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ لَا يُحَرِّمُ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَحْدُودَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَضَاعٌ وَكَوْنُهُ لَا يُحَرِّمُ أَمْرٌ آخَرُ وَرَاءَهُ فَالْمَحْدُودُ مَاهِيَّةُ الرَّضَاعِ بِمَا هُوَ لَا أَفْرَادُهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ قَوْلُهُ " وُصُولُ لَبَنِ " جِنْسٌ وَلَمْ يَقُلْ إيصَالُ لَبَنٍ لِأَنَّ الْوُصُولَ أَعَمُّ وَالْإِيصَالُ أَخَصُّ لِأَنَّ الْوُصُولَ بُلُوغُ اللَّبَنِ إلَى مَا ذَكَرَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ بِمُوصِلٍ وَصَلَهُ وَقَصَدَ وُصُولَهُ أَمْ لَا وَإِيصَالُهُ قَصَدَ فَاعِلٌ وُصُولَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِهِ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ لَبَنِ أَخْرَجَ بِهِ وُصُولَ مَاءٍ وَمَا شَابَهَهُ أَوْ غِذَاءٍ قَوْلُهُ آدَمِيٍّ أَخْرَجَ بِهِ لَبَنَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَحْدَهُ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الرَّضَاعِ الْمُعْتَبَرِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ لَا يُؤَثِّرُ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَلَوْ أَرَادَ الرَّضَاعَ الْمُؤَثِّرَ لِغَيْرِهِ وَيَدْخُلُ لَبَنُ الْمَيْتَةِ بِاتِّفَاقٍ وَكَذَلِكَ لَبَنُ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْخِلَافِ وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ لَبَنُ الْعَجُوزِ وَيَدْخُلُ فِيهِ رَضَاعُ الْكَبِيرِ وَلَبَنُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ قِيلَ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَكَرَ فِي الشُّرُوطِ آدَمِيَّةً أُنْثَى وَالشَّيْخُ قَالَ آدَمِيٌّ وَكُلٌّ مُشْكِلٌ قُلْتُ شَارِحُهُ أَجَابَ عَنْ قَوْلِهِ أُنْثَى بِأَنَّ اللَّفْظَ قَابِلٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّفْسَ وَهِيَ أَعَمُّ فَخَصَّ ذَلِكَ وَالشَّيْخُ هُنَا أَرَادَ التَّشَبُّهَ قَوْلُهُ " بِمَحِلٍّ " إلَخْ لِيُدْخِلَ بِهِ الْحُقْنَةَ وَالسَّعُوطَ وَالْكُحْلَ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِهِ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ اللَّبَنَ الْمَاءَ الْأَصْفَرَ فَإِنَّهُ لَغْوٌ وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ اللَّبَنُ الْمَخْلُوطُ وَلَبَنُ الذَّكَرِ عَلَى الْخِلَافِ وَاعْتِبَارُ مَا يَحْرُمُ بِهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَإِطْلَاقُ اللَّبَنِ يَصْدُقُ عَلَى مَصَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَهُنَا مَسَائِلُ يُنْظَرُ فِيهَا مَعَ حَدِّهِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ.
стр. 224
[بَابُ مَا يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ مِنْ الرَّضِيعِ مِنْ مُرْضِعِهِ]
قَالَ ﵀ (يَثْبُتُ أُمُومَةُ الْمُرْضِعَةِ وَأُبُوَّةُ مَنْ لَهُ اللَّبَنُ بِوَطْءٍ يَلْحَقُ وَلَدُهُ بِهِ كَالْوِلَادَةِ) قَوْلُهُ " أُمُومَةُ الْمُرْضِعَةِ " أَطْلَقَ فِي الْمُرْضِعَةِ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَرِيَّةً أَوْ بِغَيْرِ زَوْجٍ كَمَا إذَا دَرَّتْ الْبِكْرُ عَلَى صَبِيٍّ وَإِذَا تَقَرَّرَتْ الْأُمُومَةُ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ كَانَ أَخًا لِلرَّضِيعِ إمَّا شَقِيقًا أَوْ لِأُمٍّ كَانَ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا قَوْلُهُ " وَأُبُوَّةُ مَنْ لَهُ إلَخْ " أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُرْضِعَةَ إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَإِنَّهُ صَاحِبُ اللَّبَنِ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ وَطْءٌ مِنْهُ لِلزَّوْجَةِ مِنْ صِفَةِ ذَلِكَ الْوَطْءِ أَنْ يَلْحَقَ الْوَلَدُ بِالْوَاطِئِ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ وَطْءٌ إذَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ وَطْءٌ بَلْ وَقَعَ مِنْهُ عَقْدٌ كَمَا إذَا دَرَّتْ الْبِكْرُ وَرَضِعَهَا صَبِيٌّ وَكَانَ رَجُلٌ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَيْهَا ثُمَّ فَارَقَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْأُبُوَّةُ لِلزَّوْجِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ قَدْ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَصَيَّرَهَا مَحَلَّ نَظَرٍ فَانْظُرْهُ قَوْلُهُ " يَلْحَقُ وَلَدُهُ بِهِ " أَخْرَجَ وَلَدَهُ بِهِ إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ اللَّبَنَ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي حَقِّ صَاحِبِ اللَّبَنِ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ فِيهِ وَلَدٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مُدَّةُ لُحُوقِ الْوَلَدِ بِالزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ وَذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ تَزَلْ الزَّوْجَةُ فِي عِصْمَتِهِ فَلَا إشْكَالَ فِيهَا وَإِنْ فَارَقَهَا وَلَمْ تَتَزَوَّجْ فَإِنَّ اللَّبَنَ لَا يَزَالُ مَحْكُومًا بِهِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ كَخَمْسِ سِنِينَ فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ فِيهَا وَلَدٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ سَحْنُونٌ وَيَكُونُ أَشَارَ إلَى مَا يَنْقَطِعُ بِهِ اللَّبَنُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الِاحْتِرَازُ مِنْ الزِّنَا إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " كَالْوِلَادَةِ " يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْوِلَادَةَ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ يَثْبُتُ بِهَا حُكْمُ الْأُبُوَّةِ أَوْ الْأُمُومَةِ فَكَذَا فِي الرَّضَاعِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي النِّسْبَةِ الْمُلْغَاةِ فِي الرَّضَاعِ]
(ن س ب) : بَابٌ فِي النِّسْبَةِ الْمُلْغَاةِ فِي الرَّضَاعِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهَا النِّسْبَةُ الَّتِي لَمْ تُمَاثِلْ النِّسْبَةَ فِي النَّسَبِ أَوْ الْوِلَادَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النِّسْبَةَ فِي النَّسَبِ تَقَدَّمَ مَا يَجْمَعُهَا فِي ضَابِطِهَا وَهِيَ السَّبْعُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّسَبِ
стр. 225
فَالْأُمُّ كُلُّ مَنْ لَهَا عَلَيْك وِلَادَةٌ وَإِنْ عَلَتْ وَالْبِنْتُ كُلُّ مَنْ لَك عَلَيْهَا وِلَادَةٌ وَإِنْ سَفَلَتْ وَالْأُخْتُ كُلُّ مَنْ جَمَعَك وَإِيَّاهَا صُلْبٌ أَوْ بَطْنٌ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْكَ أُخْتُ أُخْتِك مِنْ أَبِيهَا إذَا كَانَتْ أُخْتًا لِأُمٍّ لَك وَلَا أُخْتُ أُخْتِكَ مِنْ أُمِّهَا إذَا كَانَتْ أُخْتًا لِأَبٍ لَك بِخِلَافِ إذَا كَانَتْ شَقِيقَةً فَإِنَّ أُخْتَهَا تَحْرُمُ عَلَيْك قَطْعًا وَأَجْرِ ذَلِكَ فِي الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ فَإِذَا رَضِعَ صَبِيٌّ امْرَأَةً فَلَا تَحْرُمُ عَلَى أَخِي الرَّضِيعِ أَوْ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ لِأَنَّ النِّسْبَةَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَهُمَا إنَّمَا أَثَّرَتْ لِأَنَّ وَلَدَهَا أَخِ الْأَخِ الرَّضِيعِ وَهَذِهِ النِّسْبَةُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا لَا تُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي النَّسَبِ لِأَنَّا قَرَّرْنَا أَنَّ أُخْتَ الْأُخْتِ فِي النَّسَبِ الْغَيْرِ الْآيِلِ إلَى ذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمًا وَإِنَّمَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ جَمْعُ الصُّلْبِ أَوْ الْبَطْنِ بَيْنَهُمَا كَمَا قَرَّرْنَا فِي رَسْمِ الْإِخْوَةِ فَلِذَا قَالَ ﵀ فِي النِّسْبَةِ الْمُلْغَاةِ كَنِسْبَةِ أَخِ الْأَخِ غَيْرِ آيِلَةٍ إلَى ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ الْمُجَرَّدَةَ لَا عِبْرَةَ بِهَا مِنْ ذَاتِهَا.
فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ صَحَّ لِلشَّيْخِ ﵀ أَنْ صَيَّرَ قِسْمَ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ لِأَنَّ النَّسَبَ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوِلَادَةِ لِقَوْلِهِمْ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ سَبْعًا مِنْ النَّسَبِ وَسِتًّا مِنْ الرَّضَاعِ وَأَدْخَلُوا فِي حُرْمَةِ النَّسَبِ الْأُمُومَةَ وَالْأُبُوَّةَ لِلْوِلَادَةِ قُلْتُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّسَبُ هُنَا الْمُرَادُ مِنْهُ نَسَبٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْقَسِيمُ لِلْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَرَّرَ مَا تَثْبُتُ بِهِ الْأُمُومَةُ فِي الرَّضَاعِ وَالْأُبُوَّةُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا اقْتَضَاهُ النَّسَبُ وَإِنَّ النِّسْبَةَ الثَّابِتَةَ فِي الرَّضَاعِ إنْ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ نِسْبَةِ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ وِلَادَةٍ أَوْ عَلَى الْوِلَادَةِ فَلَا أَثَرَ لَهَا كَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَخِ الْأَخِ فَإِنَّهَا مُلْغَاةٌ شَرْعًا لَا يَثْبُتُ بِهَا حُكْمٌ وَأَجْرِ عَلَى مِنْوَالِ ذَلِكَ فِي أَمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ وَلِذَا وَقَعَ فِي السَّمَاعِ فِي أَخَوَيْنِ وُلِدَ لِأَحَدِهِمَا جَارِيَةٌ وَلِلْآخَرِ غُلَامٌ فَأَرْضَعَ أَحَدُهُمَا أُمَّ أَبَوَيْهِمَا قَالَ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّهَا إنْ أَرْضَعَتْ الذَّكَرَ فَهُوَ عَمٌّ لِلصَّبِيَّةِ وَإِلَّا فَهِيَ عَمَّةٌ لِلصَّبِيِّ قَالَ وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَخَوَانِ شَقِيقَيْنِ أَوْ لِأُمٍّ وَأَمَّا إنْ كَانَا لِأَبٍ وَأَرْضَعَتْ أَحَدَ الصَّبِيَّيْنِ جَدَّةُ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ وَطْءِ الْجَدِّ فَلَا يَقَعُ تَحْرِيمٌ لِأَنَّ أُخْتَ الْعَمِّ وَعَمَّةُ الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالنَّسَبِ حَلَالٌ كَأُخْتِ الْأَخِ وَعَمَّةِ الْعَمِّ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
[بَابُ النِّسْبَةِ الْمُوجِبَةِ التَّحْرِيمَ فِي الرَّضَاعِ]
(ن س ب) : بَابُ النِّسْبَةِ الْمُوجِبَةِ التَّحْرِيمَ فِي الرَّضَاعِ
قَالَ ﵀ مَا مَعْنَاهُ النِّسْبَةُ الَّتِي مَاثَلَتْ النِّسْبَةَ فِي النَّسَبِ أَوْ الْوِلَادَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ
стр. 226
أَنَّ النِّسْبَةَ الَّتِي تَتَقَرَّرُ فِي الرَّضَاعِ إنْ شَابَهَتْ نِسْبَةً فِي النَّسَبِ كَنِسْبَةِ أَنَّهَا أُمّ أَوْ بِنْتٌ أَوْ أُخْتٌ أَوْ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ أَوْ بِنْتُ أَخٍ أَوْ بِنْتُ أُخْتٍ فَهَذِهِ النِّسْبَةُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيمُ بِهَا بِخِلَافِ نِسْبَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَخِ الْأَخ أَوْ أُخْتِ الْأُخْتِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُمَا فَلِذَا قَالَ بَعْدُ فَمُحَرَّمُهُمَا فِي أَحَدِهِمَا مُحَرَّمٌ يَعْنِي فَحَرَّمَ النِّسْبَةَ فِي نِسْبَةِ النَّسَبِ أَوْ نِسْبَةِ الْوِلَادَةِ مِمَّا تَقَرَّرَ فِيهِ التَّحْرِيمُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ فِي الرَّضَاعِ كَابْنَةِ الْأَخِ فِي الرَّضَاعِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ لِأَنَّهَا أَوْجَبَتْ نِسْبَةً فِي النَّسَبِ تُوجِبُ الْحُرْمَةَ لِأَنَّ بِنْتُ أَبِيهِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا إمَّا شَقِيقَةٌ أَوْ لِأَبِيهِ فَهِيَ أُخْتُهُ وَكَذَلِكَ بِنْتُ الْأَخِ لِلْأُمِّ ثُمَّ قَالَ وَمُقَابِلُهُ مُقَابِلُهُ بِمَعْنًى وَغَيْرُ الْمُحَرَّمِ فِي النَّسَبِ أَوْ الْوِلَادَةِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ فِي الرَّضَاعِ كَابْنَةِ الْعَمِّ فِيهِ وَابْنَةِ الْخَالَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَسَائِلَ تَمْثِيلًا اُنْظُرْهُ وَلَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ هَذَا الْكَلَامَ أَشَارَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَوَهُّمِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي زَعْمِهِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَأَنَّ ظَاهِرَهُ كُلُّ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ فَهُوَ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُخَصِّصُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ أَرْبَعَ صُوَرٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْعَامِّ قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا وَهْمٌ لِأَنَّ الْمُخْرِجَ مِنْ الْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ وَالصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَهُ بِوَجْهٍ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِمَا تَقِفُ عَلَيْهِ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ صَوَابٌ لِأَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ ذَكَرُوا لَهُ ضَابِطًا يَجْمَعُهُ وَلَا يَصْدُقُ ذَلِكَ عَلَى الصُّوَرِ الْمُسْتَثْنَاةِ إذَا تَأَمَّلْته وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الشَّبِيبِيُّ الْأَرْبَعَةَ الصُّوَرِ وَزَادَ صُورَتَيْنِ اُنْظُرْهُ وَانْظُرْ انْتِهَازَ الْفُرْصَةِ فَإِنْ الشَّيْخَ ابْنَ مَرْزُوقٍ سُئِلَ عَنْ كَلَامِ الشَّيْخِ وَذَكَرَ مَا يَلِيقُ بِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَفِيهِ مَا يُبْحَثُ فِيهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الْغِيلَةِ]
(غ ي ل) : بَابٌ فِي الْغِيلَةِ
ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي تَفْسِيرِهَا قَوْلَيْنِ قِيلَ هِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقِيلَ إرْضَاعُ الْحَامِلِ وَانْظُرْ مَا بُنِيَ عَلَى ذَلِكَ. .
[كِتَابُ النَّفَقَةِ]
(ن ف ق) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كِتَابُ النَّفَقَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ (مَا بِهِ قِوَامُ مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ
стр. 227
دُونَ سَرَفٍ) قَوْلُهُ " مَا بِهِ قِوَامُ مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ " أَخْرَجَ بِهِ قِوَامَ مُعْتَادِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ " مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ " مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فِي حَالِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَفَقَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَقَوْلُهُ " دُونَ سَرَفٍ " أَخْرَجَ بِهِ السَّرَفَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَفَقَةٍ شَرْعًا وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِهِ وَالْمُرَادُ هُنَا النَّفَقَةُ الَّتِي يُحْكَمُ بِهَا (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ الْمُرَادُ هُنَا بِالسَّرَفِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْحَجْرِ أَوْ غَيْرِهِ (قُلْتُ) لَا بَلْ الْمُرَادُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي النِّكَاحِ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ النَّاسِ فِي نَفَقَتِهِمْ الْمُسْتَلَذَّةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا الْقَيْدُ هَلْ هُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ (قُلْتُ) لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّ مُعْتَادَ حَالِ الْآدَمِيِّ هُوَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ قُوَّةِ أَكْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ مِنْ " غَيْرِ سَرَفٍ " قُيِّدَ لِقَوْلِهِ مَا بِهِ قِوَامٌ وَهُوَ الْمُنْفِقُ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فَتَدْخُلُ الْكِسْوَةُ أَشَارَ بِهِ إلَى خِلَافٍ مَشْهُورٍ قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ أَنَّ الْكِسْوَةَ هَلْ تَدْخُلُ فِي النَّفَقَةِ أَمْ لَا فَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي النَّفَقَةِ وَعَلَيْهِ بَنَوْا إذَا الْتَزَمَ نَفَقَةً رَجُلٌ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ كِسْوَتُهُ أَمْ لَا وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ وَرَدَّهُ ابْنُ سَهْلٍ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْوَاجِبَةِ لَا فِي الْمُتَطَوَّعِ بِهَا وَقَدْ أَحْسَنَ الشَّيْخُ ﵀ هُنَا الْبَحْثَ وَجَمْعَ النَّقْلِ وَحَاصِلُ مَا فِي النَّقْلِ أَنَّ ابْنَ زَرْبٍ ﵀ وَغَيْرَهُ مِنْ الشُّيُوخِ قَالُوا بِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا الْتَزَمَ نَفَقَةً عَلَى أَحَدٍ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت غَيْرَ الْكِسْوَةِ لَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ وَتَلْزَمُهُ الْكِسْوَةُ وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ يُصَدَّقُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا أَرَى ذَلِكَ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَقَدْ تَعَرَّفَتْ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ فِي الطَّعَامِ دُونَ الْكِسْوَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ حَاصِلُهُ أَنَّ النَّفَقَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ ثُمَّ خُصِّصَتْ عِنْدَهُ عُرْفًا فِي الطَّعَامِ فَقَطْ قَالَ الشَّيْخُ وَتَقَرَّرَ فِي مَبَادِئِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ ثُمَّ قَالَ وَفِي قَوْلِهِ النَّفَقَةُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ مُسَامَحَةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ وَفَهِمَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمَا ذُكِرَ صَحِيحٌ وَمَا مَوْقِعُ قَوْلِهِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي مَبَادِئِ الْأُصُولِ إلَخْ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ وَلَا يُرَدُّ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْعُرْفُ لَمْ يَثْبُتْ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ ثُبُوتَهُ وَالْبَحْثَ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ الْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ إلَّا إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُقَالُ تَعَارُضُ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَهُوَ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا كَمَا إذَا قَالَ لَا أَكَلْت رَأْسًا وَقَدْ أَكَلَ رَأْسَ الْحُوتِ
стр. 228
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْوَكَالَاتِ مَا عَارَضَهُ وَأُجِيبَ عَنْهُ عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَهَذَا عِنْدِي مِنْهُ وَقَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُسَامَحَةٌ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ النَّفَقَةُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَإِنَّمَا الْعُمُومُ هُنَا صَلَاحِيٌّ لَا شُمُولِيٌّ (قُلْتُ) وَلَعَلَّ ابْنَ رُشْدٍ يَرَى أَنَّهُ اسْمُ الْجِنْسِ عَامٌّ لِأَنَّهُ مُحَلَّى بِاللَّامِ أَوْ مُضَافٌ وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَاك وَتَأَمَّلْ بَحْثَ الشَّيْخِ ﵁ مَعَ ابْنِ سَهْلٍ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ ذِكْرَهُ عَنْ الْمَقْصِدِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُنَا بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.
[بَابٌ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ]
ِ يُؤْخَذُ مِنْهُ ﵀ (أَنَّهَا تَجِبُ بِدُعَاءِ الْبَالِغِ إلَى الْبِنَاءِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فِي مَرَضِ السِّيَاقِ بَعْدَ قَدْرِ التَّرَبُّصِ لِلْبِنَاءِ وَالشُّورَةِ) قَوْلُهُ " بِدُعَاءِ الزَّوْجِ " كَذَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالدَّاعِي أَمَّا الزَّوْجَةُ إذَا كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ أَبُو الْبِكْرِ إذَا كَانَتْ تَحْتَ نَظَرِ أَبِيهَا وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ ذَلِكَ الزَّوْجَةُ قَالَ عِيَاضٌ هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَخَالَفَ الْمَأْمُونِيُّ فِي ذَلِكَ اُنْظُرْهُ وَقَوْلُهُ " الْبَالِغِ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْبَالِغِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُطِيقِ الْوَطْءَ عَلَى قَوْلَيْنِ قَوْلُهُ " وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا " إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا فِي السِّيَاقِ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ بِهِ النَّفَقَةُ وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَنْظُرُ فِيهِ اُنْظُرْ عِيَاضًا فَإِذَا وَقَعَ عَقْدُ النِّكَاحِ فَلَا تَجِبُ بِهِ النَّفَقَةُ وَحْدَهُ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالِ اُنْظُرْهُ.
[بَابٌ فِي اعْتِبَارِ حَالِ النَّفَقَةِ]
ِ هِيَ عَلَى قَدْرِ عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ الْمُعْتَبَرُ حَالُهُمَا وَحَالُ بَلَدِهِمَا وَزَمَنُهُمَا وَسِعْرُهُمَا وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ عَلَى شَيْخِهِ فِي نَقْلِ حَالِ الزَّوْجِ فَقَطْ.
[بَابٌ فِيمَا تَكُونُ مِنْهُ النَّفَقَةُ]
ُ قَالَ قَالَ اللَّخْمِيُّ الْمُعْتَبَرُ الصِّنْفُ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَهُمَا بِبَلَدِهِمَا قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ ذُرَةً أَوْ تَمْرًا وَهُوَ ظَاهِرٌ اُنْظُرْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 229
[بَابٌ فِي اللِّبَاسِ]
لَبِسَ: بَابٌ فِي اللِّبَاسِ قَالَ اللَّخْمِيُّ قَمِيصٌ وَوِقَايَةٌ وَقِنَاعٌ عَلَى قَدْرِهِمَا فِي الْجَوْدَةِ وَالدَّنَاءَةِ وَيُسْرِ الزَّوْجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الْإِسْكَانِ]
(س ك ن) : بَابٌ فِي الْإِسْكَانِ قَالَ ﵀ كَالنَّفَقَةِ وَحَالِ الْمَسْكَنِ قَدْرًا وَصِفَةً وَمَكَانًا بِاعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْحَضَانَةِ]
(ح ض ن) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كِتَابُ الْحَضَانَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ وَنَفَعَ بِهِ " هِيَ مَحْصُولُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ حِفْظُ الْوَلَدِ فِي مَبِيتِهِ وَمُؤْنَةِ طَعَامِهِ وَلِبَاسِهِ وَمَضْجَعِهِ وَتَنْظِيفِ جِسْمِهِ " قَوْلُهُ ﵁ " هِيَ مَحْصُولُ " أَيْ مَعْنَاهَا مَحْصُولُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ فَصَيَّرَ الْحَضَانَةَ اسْمَ مَصْدَرٍ صَادِقَةٍ عَلَى الْحِفْظِ الْمَذْكُورِ وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يُحْفَظَ الْوَلَدُ وَبِنَاءُ الْمَصْدَرِ مِنْ الْمَفْعُولِ فِيهِ خِلَافٌ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْخِ ﵁ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يُصَرَّحُ بِالْفَاعِلِ وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا مِنْ هَذَا وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَسِيبَوَيْهِ ﵀ يَمْنَعُهُ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَعَلَيْهِ يُفْهَمُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْحِكَايَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا فِي عَطِيَّةِ الْقَوْمِ عَلَى قَدْرِ أَقْدَارِهِمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَقَصْرُ الْحِفْظِ لِلْحَاضِنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فَلَا لَهُ نَظَرٌ فِي غَيْرِ هَذَا فَإِنْ كَانَ لِلْمَحْضُونِ أَبٌ فَيَنْظُرُ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا مِنْ مَالِهِ وَتَعْلِيمِهِ الصَّنْعَةَ وَتَزْوِيجِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ خِتَانَ الْمَحْضُونِ يَكُونُ عِنْدَ أَبِيهِ وَيُرَدُّ إلَى الْأُمِّ وَالرُّقَادِ اخْتَارَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّهُ عِنْدَ الْأُمِّ.
стр. 230
[بَابٌ فِي مُسْتَحِقِّ الْحَضَانَةِ]
ِ إذَا كَانَ أَبَوَا الْوَلَدِ زَوْجَانِ هُمَا يَعْنِي أَنَّ الْأَبَوَيْنِ الْحَضَانَةُ لَهُمَا (فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ يَصِحُّ لِلْأَبِ أَنْ يَهَبَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ وَلَا مَقَالَ لِلْأُمِّ (قُلْتُ) وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لِلْأَبِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرًا وَانْظُرْ الْمُدَوَّنَةَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي وَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ فِي النِّكَاحِ حَيْثُ تَكَلَّمَ عَلَى الْكَافِلِ.
[بَابُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ مِنْ نِسَائِهَا]
قَالَ مَنْ لَهَا عَلَيْهِ أُمُومَةُ وِلَادَةٍ بِسَبَبِهَا وَلَوْ بَعُدَتْ وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ بَابٌ فِيمَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ مِنْ نِسَاءِ الْأَبِ.
قَالَ ﵀ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ أُمُومَةٌ كَمَا مَرَّ وَأَوَّلُ فَصْلٍ لِمَنْ هِيَ لَهُ عَلَيْهِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ كَمَا مَرَّ فِي نِسَاءِ الْأُمِّ فَيُقَالُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ أُمُومَةُ وِلَادَةٍ بِسَبَبِهِ وَلَوْ بَعُدَتْ فَتَدْخُلُ جَدَّةُ الْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ وَقَوْلُهُ وَأَوَّلُ فَصْلٍ لِمَنْ هِيَ لَهُ عَلَيْهِ فَتَدْخُلُ الْعَمَّةُ وَتَخْرُجُ الْأُخْتُ لِأَبٍ كَمَا ذُكِرَ وَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ فِي قَوْلِهِ وَتَلْحَقُ بِنْتُ الْأَخِ وَانْظُرْ فِيهِ تَرْتِيبَ الْقَوْمِ فِي الْحَضَانَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[كِتَابُ الْبُيُوعِ]
(ب ي ع) :
стр. 231
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْبُيُوعِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ فِي حَدِّ الْبَيْعِ الْأَعَمِّ " عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ وَلَا مُتْعَةِ لَذَّةٍ " وَأَشَارَ ﵁ إلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ شَرْعًا وَيَقَعُ بِمَعْنًى أَخَصَّ فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ الْأَعَمِّ هِبَةُ الثَّوَابِ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْبَيْعِ وَهُوَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالصَّرْفُ أَيْضًا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالْمُرَاطَلَةُ كَذَلِكَ وَالسَّلَمُ كَذَلِكَ قَوْلُهُ " عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ " أَخْرَجَ بِهِ الْإِجَارَةَ وَالْكِرَاءَ وَقَوْلُهُ " وَلَا مُتْعَةِ لَذَّةٍ " أَخْرَجَ بِهِ النِّكَاحَ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى مُتْعَةِ لَذَّةٍ وَأَتَى بِالْعَقْدِ فِي الْجِنْسِ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْعُقُودِ أَعَمَّهُ وَأَخَصَّهُ ثُمَّ قَالَ وَالْغَالِبُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ الْأَعَمِّ فَيُزَادُ مَعَ الْحَدِّ الْأَعَمِّ " ذُو مُكَايَسَةٍ أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ مُعَيَّنٌ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ " هَذَا الْحَدُّ لِلْأَخَصِّ الَّذِي غَلَبَ الِاسْتِعْمَالُ فِيهِ فِيمَا ذُكِرَ فَأَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ إلَى أَنَّ الشَّرْعَ رُبَّمَا كَانَ يَسْتَعْمِلُ اللَّفْظَ عَامًّا فِي مَوَاضِعَ وَيُخَصِّصُهُ فِي غَالِبِ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ فَيَصِحُّ الْحَدُّ لِلْأَعَمِّ لِأَنَّهُ شَرْعِيٌّ وَلِلْأَخَصِّ لِأَنَّهُ هُوَ غَالِبُهُ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَا يَأْتِي فِي حُدُودٍ صُنِعَ فِيهَا مِثْلُ هَذَا قَالَ فَتَخْرُجُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ.
" فَذُو مُكَايَسَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ هِبَةَ الثَّوَابِ وَ " أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْمُرَاطَلَةَ وَالصَّرْفَ وَقَوْلُهُ " مُعَيَّنٌ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ " أَخْرَجَ بِهِ السَّلَمَ وَغَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ نَائِبٌ عَنْ فَاعِلِ مُعَيَّنٍ وَفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِمُعَيَّنِ وَهُوَ صِفَةٌ لِعَقْدِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ غَيْرَ الْعَيْنِ فِي ذَلِكَ الْعَقْدِ مُعَيَّنٌ لَيْسَ فِي ذِمَّةٍ وَلِذَلِكَ خَرَجَ بِهِ السَّلَمُ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَيْنِ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ لَا أَنَّهُ مُعَيَّنٌ فَمُعَيَّنٌ إلَخْ صِفَةٌ لِلْعَقْدِ فَالْعَقْدُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِيهِ أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرَ عَيْنٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا شَخْصِيًّا لَا كُلِّيًّا فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْعِوَضَيْنِ يَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَيْنٍ وَكَذَا إذَا بَاعَ عَبْدًا بِعَيْنٍ أَوْ دَارًا بِعَيْنٍ لِأَنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ غَيْرُ عَيْنٍ وَيَبْقَى الْعَيْنُ أَعَمَّ مِنْ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْعَيْنُ أَخَصُّ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ
стр. 232
أَعَمُّ فَهَلَّا قَالَ مُعَيَّنٌ غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِيهِ (قُلْتُ) الْعَيْنُ خَاصٌّ بِالْمَضْرُوبِ فَلِذَا كَانَ أَخَصَّ وَعَيْنُ الْأَخَصِّ لِمَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ وَدَفْع عِوَضٍ إلَخْ فَلِذَلِكَ أَتَى بِالْأَخَصِّ وَلَمْ يَأْتِ بِالْأَعَمِّ (فَإِنْ قُلْتَ) فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فُلُوسًا فَهَلْ يَصْدُقُ الرَّسْمُ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ فِيهِ (قُلْتُ) يَأْتِي الْخِلَافُ فِيهَا هَلْ تَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ تَحْتَ الْعِوَضِ أَوْ النَّقْدِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّسْمَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّهُ أَدْخَلَهَا فِي الصَّرْفِ فَتَأَمَّلْ فِي ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فِي الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَهُ (قُلْتُ) يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الَّذِي غَلَبَ فِيهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي لَفْظِ الْبَيْعِ وَلَا يَتَبَادَرُ غَيْرُهُ هُوَ الْأَخَصُّ لِأَنَّ الْمُتَرْجَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ حَدُّهُ وَالْأَعَمُّ هُوَ مَا أُطْلِقَ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الْحَقَائِقِ وَلَمْ يَغْلِبْ فِيهِ شَرْعًا وَلَا يَتَبَادَرُ بِالْإِطْلَاقِ إلَى ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ إلَّا بِقَرِينَةٍ (فَإِنْ قُلْتَ) يُقَالُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَعَمَّ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ لَا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَرَسْمُهُ إنَّمَا هُوَ لِلْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ (قُلْتُ) لَنَا أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ لَيْسَ فِيهَا غَلَبَةٌ وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ غَالِبٌ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ أَخْرَجَ النِّكَاحَ مِنْ الْحَدِّ الْأَعَمِّ فَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ تَرْجَمَةِ الْفُقَهَاءِ بِالنِّكَاحِ وَلَمْ يُطْلِقُوا الْبَيْعَ فَكَذَلِكَ السَّلَمُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ إطْلَاقِ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ إلَّا أَنَّهُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْبُيُوعِ حُكْمًا فَكَذَا قِيلَ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ وَمَا شَابَهَهَا (قُلْتُ) هَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ لَيْسَتْ حَقِيقَةً فِيهِ وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ لِأَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَمَا احْتَاجَ إلَى إخْرَاجِهِ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَقَوْلُ الشَّيْخِ الْبَيْعِ الْأَعَمِّ الْأَعَمِّ صِفَةٌ لِلْبَيْعِ وَالْبَيْعِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ حَدُّ الْبَيْعِ الْأَعَمِّ عَقْدٌ إلَخْ وَحَدُّ الْبَيْعِ الْأَعَمِّ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ الْعَقْدُ إلَخْ مِثْلَ قَوْلِك حَدُّ الْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَبَيْنَ قَوْلِنَا حَدُّ الْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ فَيَتَعَيَّنُ حَذْفُ الْمُضَافِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ ثُمَّ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ قَالَ وَدَفْعُ عِوَضٍ فِي مَعْلُومِ قَدْرٍ غَيْرُ مَسْكُوكٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَجْلِ سَلَمٍ لَا بَيْعٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) بَعْدَ أَنْ شَرَحْت حَدَّهُ ﵁ فَمَا مَوْقِعُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ ﵀ (قُلْتُ) مَوْقِعُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ الْبَيْعَ وَذَكَرَ خَاصَّتَهُ وَمَيَّزَهُ عَنْ السَّلَمِ بِقَوْلِهِ مُعَيَّنٌ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ عَلِمَ أَنَّ السَّلَمَ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَإِذَا كَانَ غَيْرُ الْعَيْنِ مُعَيَّنًا فِي الْعُقْدَةِ شَمِلَ إذَا أَعْطَى جُبَّةً فِي دِرْهَمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَوْ جُبَّةً فِي بُرْنُسٍ فَعَلِمْنَا مِنْ هَذَا إذَا بَاعَ جُبَّةً بِدِينَارٍ مُعَيَّنٍ نَقْدًا أَنَّ
стр. 233
ذَلِكَ بَيْعُ نَقْدٍ وَإِذَا بَاعَ جُبَّةً بِدِينَارٍ فِي ذِمَّةٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّ ذَلِكَ بَيْعُ أَجَلٍ وَإِذَا بَاعَ دِينَارًا نَقْدًا بِثَوْبٍ فِي ذِمَّةٍ إلَى أَجَلٍ كَانَ سَلَمًا وَإِذَا بَاعَ ثَوْبًا بِثَوْبٍ نَقْدًا كَانَ بَيْعًا فَحَدُّ الْبَيْعِ صَادِقٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالسَّلَمُ صَادِقٌ عَلَى الثَّالِثِ وَالصُّورَةُ الرَّابِعَةُ بَيْعٌ أَيْضًا لِصِدْقِ الْحَدِّ عَلَيْهَا (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَى الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ (قُلْتُ) صِدْقُهُ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ مُعَيَّنٌ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ إذَا كَانَ فِيهِ غَيْرُ عَيْنٍ كَانَ مُعَيَّنًا فَكَأَنَّهُ قَالَ غَيْرُ الْعَيْنِ فِي هَذَا الْعَقْدِ مُشَخَّصٌ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ثَوْبٌ مُعَيَّنٌ بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَيْنٍ وَإِذَا فَهِمْت هَذَا عَلِمْت مَوْقِعَ كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ إذَا دُفِعَ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ فِي مَعْلُومِ قَدْرٍ غَيْرِ مَسْكُوكٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَجَلٍ هَلْ هُوَ بَيْعُ أَجَلٍ أَوْ سَلَمٍ وَصُورَتُهُ إذَا دَفَعَ بُرْنُسًا مَثَلًا فِي عَشْرَةِ أَقْفِزَةٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ فِي عَبْدٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ فِي عُرُوضٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ فِي وَزْنِ حُلِيٍّ أَوْ تِبْرٍ إلَى شَهْرٍ فَهَذَا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي جَوَابِهِ يُقَالُ فِيهِ سَلَمٌ سَوَاءٌ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ عُرُوضًا لَا بَيْعُ أَجَلٍ لِأَنَّ حَدَّ الْبَيْعِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَيْنِ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَهَذَا هُوَ مَا وَعَدَ بِهِ أَنَّهُ يَأْتِي فِي سِرِّ قَوْلِهِ مُعَيَّنٌ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا أَعْطَى بُرْنُسًا فِي عَبْدٍ وَدِينَارًا فِي الذِّمَّةِ إلَى شَهْرٍ فَهَلْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ مِنْ السَّلَمِ (قُلْتُ) وَقَعَ نَظِيرُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَذَكَرُوا أَنَّ فِيهَا بَيْعًا وَسَلَمًا وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْبَحْثُ فِي كَلَامِهِ ﵁ فِي صِدْقِ حَدِّهِ فِي هَذِهِ وَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّ فِيهِ مَا يُتَأَمَّلُ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا هَذِهِ الصُّورَةَ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ أَجَازُوهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَذَكَرُوا مَسَائِلَ لَا تَجُوزُ حَيْثُ يَكُونُ فِيهَا رُخْصَةٌ وَعَزِيمَةٌ وَالسَّلَمُ قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ رُخْصَةٌ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ الْقَرَافِيُّ فِي ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَدِلَّ ﵀ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ لَمْ يَنْفَسِخْ بَيْعُهُ وَلَوْ بِيعَ مُعَيَّنًا انْفَسَخَ بَيْعُهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ هَذَا الْكَلَامُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ بَيَانِ مَا يُفْهَمُ بِهِ مُرَادُهُ ﵁ فَنَقُولُ لَا شَكَّ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْمَذْهَبِيَّةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ بَيْعِ مَا كَانَ مُعَيَّنًا وَبَيْنَ بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ وَلَوَازِمُ ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ وَاخْتِلَاقُ اللَّوَازِمِ يُؤْذِنُ بِاخْتِلَافِ الْمَلْزُومَاتِ فَمِنْ لَوَازِمِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ أَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ يَدِهِ يَرْجِعُ فِي عِوَضِهِ إنْ لَمْ يَفُتْ وَفِي قِيمَتِهِ إنْ فَاتَ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ بِذَلِكَ وَأَمَّا مَا بِيعَ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ إذَا أَتَى بِهِ الْمَدِينُ وَاسْتُحِقَّ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِالْمِثْلِ حَتَّى تَبْرَأَ الذِّمَّةُ بِهِ فَإِذَا عَرَفْنَا ذَلِكَ فَكَأَنَّ الشَّيْخَ يَقُولُ مَا ثَبَتَ فِي
стр. 234
الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ بِعِوَضٍ لَا يُسَمَّى بَيْعًا إلَى أَجَلٍ بَلْ يُسَمَّى سَلَمًا لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُحِقَّ لَمَا وَقَعَ فِيهِ فَسْخٌ لِلْعُقْدَةِ وَذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَوْ كَانَ بَيْعًا مُعَيَّنًا لَوَقَعَ الْفَسْخُ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ ظَاهِرٌ بِمَا قَرَّرْنَاهُ هَذَا لَفْظُ كَلَامِهِ ﵁ وَمَوْقِعُهُ لَا يُقَالُ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ ادَّعَى دَعْوَى مُرَكَّبَةً وَهِيَ أَنَّ الْعِوَضَ فِي الذِّمَّةِ سَلَمٌ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِأَجَلٍ وَاسْتِدْلَالُهُ إنَّمَا أَنْتَجَ أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بِدَلِيلِ عَدَمِ فَسْخِهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ وَذَلِكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ وَبَيْنَ السَّلَمِ فَأَيُّ دَلِيلٍ يُعَيِّنُ الْعُقْدَةَ الْمَذْكُورَةَ أَنَّهَا سَلَمٌ لَا بَيْعَةُ أَجَلٍ لِأَنَّا نَقُولُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ ﵁ وَفَتَحَ عَلَى لُبِّنَا مِنْ بَرَكَتِهِ بِمَنِّهِ إذَا تَأَمَّلْتَ حَدَّهُ لِلْبَيْعِ وَبَيَانَ قَصْدِهِ وَظَهَرَ لَك فَرْقَهُ عَلِمْتَ. اسْتِدْلَالَهُ عَلَى قَصْدِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ وَمَا لَخَصَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيْعِ الْأَخَصِّ هُنَا ﵀ وَكَلَامُهُ عَلَى كُلِّ قِسْمٍ مَعَ مُقَابِلِهِ وَغَيْرِ مُقَابِلِهِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّرْتِيبِ الْعَجِيبِ وَالتَّحْصِيلِ الْقَرِيبِ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ جَلِيٌّ لِأَنَّ الْأَقْسَامَ الْمَذْكُورَةَ عَشْرَةٌ وَيَتَرَكَّبُ مِنْ كُلٍّ بِالنَّظَرِ مَعَ غَيْرِهِ نَحْوَ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ صُورَةً خَمْسَةٌ مِنْهَا مُتَبَايِنَةٌ وَالْبَاقِي فِيهَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ مِثْلَ بَيْعِ الْمُؤَجَّلِ وَبَيْعِ الْحَاضِرِ فَإِذَا بَاعَ سِلْعَةً حَاضِرَةً بِدِينَارٍ إلَى شَهْرٍ فَيَصْدُقُ فِيهَا الْبَيْعَانِ وَإِذَا بَاعَ عَبْدًا غَائِبًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ صَدَقَ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ وَإِذَا بَاعَ سِلْعَةً بِدِينَارٍ نَقْدًا صَدَقَ الثَّانِي وَحْدَهُ وَبَاقِيهَا جَلِيٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الْبَيْعِ مَعْلُومَةٌ حَتَّى لِلصِّبْيَانِ قَالَ الشَّيْخُ الْمَعْلُومُ ضَرُورَةُ وُجُودِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عِلْمُ حَقِيقَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَنْظِيرُهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ دَفْعُ عِوَضٍ فِي مُعَوَّضٍ قَالَ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفَاسِدُ قَالَ وَخَصَّصَ بَعْضُهُمْ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ بِصَحِيحِهَا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَمَعْرِفَتُهُ تَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ الْفَاسِدِ أَوْ أَكْثَرِهِ فَقَالَ نَقْلُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ بَلْ شُبْهَةَ الْمِلْكِ قَالَ وَذِكْرُ لَفْظِ الْعِوَضِ فِيهِ خَلَلٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْبَيْعِ أَوْ مَا هُوَ مَلْزُومٌ لَهُ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ لِلَّخْمِيِّ لِأَنَّهُ قَالَ الْبَيْعُ التَّعَاقُدُ وَالثَّانِي لِلْمَازِرِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ قَالَ وَقَصْر ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ التَّعَقُّبَ عَلَيْهِمَا بِمَا ذُكِرَ يُرَدُّ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ فَكَيْفَ يَقْصُرُ الِاعْتِرَاضَ بِمَا ذَكَرَهُ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الشَّيْخِ قَالَ وَالثَّانِي لَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْ الْبَيْعِ لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ
стр. 235
لَازِمٌ لِلْبَيْعِ أَعَمُّ مِنْهُ يَعْنِي وَاللَّازِمُ إذَا كَانَ أَعَمَّ لَا يَصِحُّ التَّعْرِيفُ بِهِ فَإِنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مَانِعٍ فَإِنْ نُقِلَ الْمِلْكُ يَعُمُّ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ وَإِنَّمَا كَانَ أَعَمَّ لِأَنَّهُ يَعُمُّ السَّلَمَ وَهِبَةَ الثَّوَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَنْقُلُ الْمِلْكَ هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ ﵀ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إلَخْ اُنْظُرْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ وَلَا شَكَّ فِيمَا رَدَّ بِهِ وَفِيهِ التَّرْكِيبُ فَإِنَّ الْمِلْكَ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ حَقِيقَةٍ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ فِي تَفْسِيرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُنَا بِهِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَلْنَذْكُرْ هُنَا مَا رَأَيْته لِتِلْمِيذِهِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَيْخِنَا وَشَيْخِ شُيُوخِنَا سَيِّدِي أَبِي الْقَاسِم - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ فَبَعْدَ مَا ذَكَرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاعْتِرَاضِ.
قَالَ وَهَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتُ وَالْأَجْوِبَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ طَلَبُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وَخَاصَّتِهِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ قَالَ وَحَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ وَالْمَطْلُوبُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ عَمَّا يُشَارِكُهَا فِي بَعْضِ حَقَائِقهَا حَتَّى يَخْرُجَ عَنْهَا مَا يُسْرِعُ إلَى النَّفْسِ دُخُولُهُ لَا غَيْرِهِ مِثْلَ قَوْلِنَا مَا الْإِنْسَانُ فَيُقَالُ مُنْتَصِبُ الْقَامَةِ فَيَحْصُلُ التَّمْيِيزُ عَنْ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُسْرِعُ إلَى النَّفْسِ دُخُولُهَا لَا غَيْرِهَا لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَائِطُ وَالْعَمُودُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ هُنَا لَمْ يَقَعْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَنْطِقِيِّينَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ وَإِنَّ قَصْدَهُمْ مَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ بِهِ وَلَوْ بِأَدْنَى خَاصِّيَّةٍ قَالَ ثُمَّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ يَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِمْ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ قَصَرُوا ذَاتِيَّاتِ الْحَقِيقَةِ أَوْ خَاصِّيَّتَهَا وَهُمْ لَا يَقْصِدُونَ ذَلِكَ قَالَ وَكَذَا وَقَعَ لِابْنِ الْبِنَا قَالَ وَمَنْ عَرَفَ الْبَيْعَ بِمَا عَرَفَهُ بِهِ إنَّمَا قَصْدُهُ مَعْرِفَتُهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ لَا تَحْصِيلِ الذَّاتِيَّاتِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِرَاضُهُمْ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ.
[بَابُ الصِّيغَةِ فِي الْبَيْعِ]
ِ قَالَ ﵀ " مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَلَوْ مُعَاطَاةً " مَعْنَاهُ الْأَمْرُ الدَّالُ عَلَى الْبَيْعِ فَيَدْخُلُ فِيهِ اللَّفْظُ وَالْإِشَارَةُ وَالْقَرَائِنُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُنَاوَلَةُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " وَلَوْ مُعَاطَاةً " تَقْدِيرُهُ الشَّيْءُ الدَّالُ عَلَى الْبَيْعِ بِأَيِّ دَلَالَةٍ وَلَوْ كَانَ بِمُعَاطَاةٍ وَمُعَاطَاةً نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ وَحَذْفُهُ بَعْدَ لَوْ كَثِيرٌ مُشْتَهِرٌ وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا فُهِمَ عَنْ الْأَخْرَسِ عُمِلَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ وَقَالَ الْبَاجِيُّ كُلُّ إشَارَةٍ فُهِمَ مِنْهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ بِهَا الْبَيْعُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ
стр. 236
مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ الصِّيغَةُ وَيَعْنِي بِذَلِكَ رُكْنَهُ الْحِسِّيَّ الَّذِي لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ وَلَهُ أَرْكَانٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحْدُودَ رُكْنُهُ مَا ذَكَرَهُ وَكَيْفَ صَحَّ لَهُ ذَلِكَ هُنَا وَصَحَّ اعْتِرَاضُهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الطَّلَاقِ حَيْثُ عُدَّ مِنْ أَرْكَانِهِ أَهْلٌ وَمَحِلٌّ فَقَالَ إنَّمَا ذَلِكَ شَرْطٌ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَهَلْ يُقَالُ لَهُ هَذَا كَذَلِكَ (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنًى لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَهْلُ رُكْنًا مِنْهُ بِخِلَافِ الْعَقْدِ الْحِسِّيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمَرْسُومَةَ لَيْسَتْ الْحِسِّيَّةَ الْخَارِجِيَّةَ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى وَلَهُ أَيْ وَلِلْبَيْعِ الْحِسِّيِّ أَرْكَانٌ لَا لِلْبَيْعِ الْمَحْدُودِ فَتَأَمَّلْهُ وَظَاهِرُهُ أَيُّ صِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ كَانَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ أَوْ بِلَفْظِ الْإِنْشَاءِ تَصِحُّ صِيغَةً لِلْبَيْعِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إذَا قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك بِكَذَا فَإِنْ وَقَعَ الْجَوَابُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَجَبَ الْبَيْعُ وَلَزِمَ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ خُذْهَا بِكَذَا أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْنِيهَا بِكَذَا فَقِيلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَقِيلَ كَالْمُسَاوَمَةِ فَيَدْخُلُ الْخِلَافُ وَرَجَّحَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَوَجَّهَهُ الشَّيْخُ هُنَا بِأَنَّ بِعْنِي أَمْرًا بِمَا يُصَيِّرُ الْآمِرَ مُبْتَاعًا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِدْعَائِهِ حُصُولَ الْمَطْلُوبِ أَوْ إرَادَتِهِ عُرْفًا وَكِلَاهُمَا يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى الْتِزَامِ الْمُسْتَدْعِي أَوْ الْمُرَادِ وَرَأَيْت مَنْقُولًا عَنْ الشَّيْخِ هُنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْآمِرَ تَلْزَمُهُ الْإِرَادَةُ وَعِنْدَنَا لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَقَعَ اللُّزُومُ هُنَا لِأَجْلِ الْعُرْفِ فِي الْبَيْعِ.
(قُلْتُ) وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَا يَفْهَمُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَأَجَبْته بِهَذَا ثُمَّ رَأَيْته لَهُ ﵀ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ وَعَلِمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ قَطْعًا كَمَا هُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ عَنْهُ وَأَهْلُ الْحَقِّ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْإِرَادَةَ وَالْأَمْرَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَقْلِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ حَقٌّ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَتَأَمَّلْ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَارِقَةِ وَهُوَ الْقَرَافِيُّ وَكَانَ يَمْضِي فِيهِ بَحْثٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْعَاقِدِ الَّذِي يَلْزَمُ عَقْدَهُ]
ُ قَالَ ﵀ " الْجَائِزُ الْأَمْرِ الطَّائِعُ " قَوْلُهُ " الْجَائِزُ " أَخْرَجَ بِهِ الْمَضْرُوبَ عَلَى يَدَيْهِ وَالطَّائِعُ أَخْرَجَ بِهِ الْمُكْرَهَ وَمَا فُرِّعَ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ.
[بَابُ شَرْطِ الْمَبِيعِ]
ِ قَالَ ﵀ تَقَرُّرُ مِلْكِ مُبْتَاعِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ وَجَبَ عِتْقُهُ إذْ بِهِ
стр. 237
يَجِبُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ مَعْنَى ذَلِكَ شَرْطُ الْمَبِيعِ فِيمَا يَصِحُّ الِانْعِقَادُ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُصْحَفِ أَوْ الْمُسْلِمِ مِنْ كَافِرٍ لِأَنَّ مُبْتَاعَهُ لَا يُقَرَّرُ لَهُ مِلْكٌ عَلَى الْمَبِيعِ وَلِذَا إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ بِيعَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَرَّرُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ أَوْ مَعْنَاهُ شَرْطُ الْمَبِيعِ فِي جَوَازِ الْقُدُومِ عَلَى الْبَيْعِ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلَ (فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا الشَّرْطُ لِأَيِّ شَيْءٍ أَفْرَدَ بَيَانَهُ ﵀ عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهَلَّا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ مَعَ الْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ (قُلْتُ) فِيهِ مَا يَحْتَاجُ لِتَأَمُّلٍ وَتَأَمَّلْ اعْتِرَاضَ الشَّيْخِ عَلَى ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ لِلْكَافِرِ مُشْتَرِي الْمُسْلِمِ عِتْقُهُ قَالَ الشَّيْخُ قَبِلُوهُ وَلَا أَعْرِفُهُ نَصًّا وَتَأَمَّلْ النَّظَرَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا وَقَالَ فِي مَوْضِعِ النَّظَرِ الثَّانِي قَالُوا وَلَهُ الْعِتْقُ فَانْظُرْ ذَلِكَ وَتَأَمَّلْهُ.
[بَابُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ]
(ع ق د) : بَابُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ " يُطْلَبُ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ مَمْلُوكٌ لِبَائِعِهِ أَوْ لِمَنْ نَابَ عَنْهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهِ وَلَا غَرَرَ " قَوْلُهُ " يُطْلَبُ أَنَّهُ طَاهِرٌ " وَجَدْت مُقَيَّدًا عَنْ الشَّيْخِ ﵀ قِيلَ لَهُ لِأَيِّ شَيْءٍ عَدَلْت عَنْ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ طَاهِرٌ وَقُلْت يُطْلَبُ قَالَ يَشْمَلُ هَذَا الضَّابِطُ جَمِيعَ الصُّوَرِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ لِأَنَّ الْأَقْوَالَ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ تُطْلَبُ هَذِهِ الْقُيُودُ ابْتِدَاءً فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (قُلْتُ) طَاهِرٌ أَخْرَجَ بِهِ النَّجِسَ لَا الْمُتَنَجِّسَ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَلَحْمِهِ وَالْعَذِرَةُ عَلَى الْخِلَافِ وَالزِّبْلُ عَلَى مَا فِيهِ وَالْكَلْبُ عَلَى الْخِلَافِ وَيَخْرُجُ مَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ يَعْنِي حَالًا وَمَآلًا أَمَّا الْحَالُ فَقَطْ فَلَا، اُنْظُرْ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ مِنْ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ وَمَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَيَخْرُجُ بَيْعُ الْآبِقِ وَمَا شَابَهَهُ وَالشَّارِدِ وَيَخْرُجُ بَيْعُ الْغَاصِبِ وَالْمُعْتَدِي وَيَدْخُلُ بِبَيْعِ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُقَدَّمِ وَيَخْرُجُ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ وَهُنَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ تَجْرِي عَلَى مَا ذُكِرَ مُفَرَّعَةً عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَاخْتِلَافًا وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ خُرُوجِ الْعَذِرَةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِيهَا.
وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ بَيْعِهَا وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إجَازَةِ بَيْعِ الزِّبْلِ جَوَازَ بَيْعِهَا فَإِنَّهُ يَقُولُ إذَا أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْعَ الزِّبْلِ مَعَ وُجُودِ نَجَاسَتِهِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ جَوَازُ بَيْعِ الْعَذِرَةِ لِمُسَاوَاتِهِمَا فِي الْحُكْمِ قَالَ الشَّيْخُ وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ
стр. 238
بِتَعَقُّبِ تَخْرِيج اللَّخْمِيِّ بِالْفَرْقِ لِلْخِلَافِ فِي نَجَاسَةِ الزِّبْلِ دُونَ الْعَذِرَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ فَارِقًا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمَذْكُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَهُوَ إبْدَاءُ خُصُوصِيَّةٍ فِي الْأَصْلِ هِيَ شَرْطٌ فَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ هُنَا (قُلْتُ) يُقَالُ ذَلِكَ لِأَنَّ الزِّبْلَ لَمَّا تَقَرَّرَ فِيهِ وُجُودُ الْخِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ وَعَدَمِ نَجَاسَتِهِ فَعِلَّةُ جَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْأَصْلِ لَهَا خُصُوصِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ هِيَ شَرْطٌ فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِهِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْفَرْقُ هُوَ رَاجِعٌ إلَى أَحَدِ الْمُعَارَضَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ وَإِلَيْهِمَا مَعًا عَلَى قَوْلٍ فَتَأَمَّلْ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ وَهَلْ ذَلِكَ مُعَارَضَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ هُمَا مُعَارَضَتَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ رَدُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِقَوْلِهِ لَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا فَارَقَا مَا صَحَّ تَخْرِيجُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ فِي الزِّبْلِ لِمَالِكٍ مِنْ مَنْعِهِ فِي الْعَذِرَةِ وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يُقَالَ لَوْ صَحَّ اعْتِبَارُ الْفَارِقِ الْمَذْكُورِ فِي الزِّبْلِ وَأَنَّهُ لَا تَلْحَقُ الْعَذِرَةُ بِهِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْخِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ لَمَا صَحَّ لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَقِيسَ مَنْعَ بَيْعِ الزِّبْلِ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْعَذِرَةِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِمَا وَقَعَ لَهُ فِي كَلَامِ مَالِكٍ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ لِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ فِي الزِّبْلِ لَوْ اُعْتُبِرَتْ عِنْدَهُ فَارِقًا لَكَانَ فَرْقًا مَانِعًا مِنْ مُسَاوَاةِ نَجَاسَةِ الزِّبْلِ لِنَجَاسَةِ الْعَذِرَةِ فَنَجَاسَةُ الزِّبْلِ أَخَفُّ وَنَجَاسَةُ الْعَذِرَةِ أَثْقَلُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ بَيْعِ الْعَذِرَةِ مَنْعُ بَيْعِ الزِّبْلِ فِي تَخْرِيجِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَلَمَّا خَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ ﵀ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ دَلَّ عَلَى إبْطَالِ الْفَارِقِ وَإِلْغَائِهِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ وَالْفَرْقُ بِهِ ثُمَّ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ رَدَّ عَلَى ابْنِ بَشِيرٍ بِقَوْلِهِ هُوَ بِنَاءً عَلَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَتَرْكُ مُرَاعَاتِهِ لَا يُوجِبُ تَخْطِئَةً قَالَ لَا يَتِمُّ هَذَا رَدًّا عَلَى ابْنِ بَشِيرٍ إلَّا بِأَنْ يَزِيدَ ابْنَ الْقَاسِمِ إلْغَاءَ مَانِعِيَّةِ النَّجَاسَةِ فِي الزِّبْلِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتِهَا مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِدَلِيلِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ فَسَاوَتْ حِينَئِذٍ الْعَذِرَةُ الزِّبْلَ فَإِنْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ قَصْدُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ بَشِيرٍ فَلَا يَتِمُّ الرَّدُّ عَلَيْهِ لِجَوَازِ اعْتِبَارِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا الْمَعْنَى فَارِقًا عَلَى الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ وَلَا جَوَابَ عَنْهُ إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ الْآنَ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ هُنَا وَرَاجِعْ مَا ذَكَرْنَا فِي مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ هَلْ تَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَمْ لَا وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَذَكَرْنَا هَذَا
стр. 239
الْبَحْثَ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ مِنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ النَّظَرُ فِيهِ وَالتَّوَقُّفُ فِي فَهْمِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلَامَ شَيْخِهِ وَمَا بَيَّنَهُ بِهِ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُلْهِمُ الْجَمِيعَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ بِمَنِّهِ.
[بَيْعِ الْجُزَافِ]
(ب ي ع) : بَابُ بَيْعِ الْجُزَافِ قَالَ (بَيْعُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ دُونَهُ) قَوْلُهُ " بَيْعُ " هَذَا جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُ الْبُيُوعِ قَوْلُهُ " مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ قَوْلُهُ " دُونَهُ " يَعْنِي دُونَ الْعِلْمِ بِقَدْرِهِ أَخْرَجَ بِذَلِكَ مَا عُلِمَ قَدْرُهُ مِنْ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ بَيْعُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ فَمَا كَانَ مُمْكِنًا صَارَ فِيهِ فِعْلًا لِأَنَّ مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ صَارَ مَعْلُومًا (فَإِنْ قُلْتَ) كَثِيرُ الْحِيتَانِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَشَقَّةَ فِي عِلْمِهِ بِالْعَدِّ يَصْدُقُ فِيهِ الْحَدُّ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ الْجُزَافُ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ عَرَفَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ فَيُقَالُ فِيهِ جُزَافٌ فَاسِدٌ وَلَا يُقَالُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى جُزَافًا وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ كَلَامُ الْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ فِي الْجَوَاهِرِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ حَتَّى الطَّيْرِ فِي الْأَقْفَاصِ اُنْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَكَلَامَ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ وَانْظُرْ مَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي حَمَامِ الْبُرُوجِ وَمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
[بَابٌ فِي شَرْطِ الْجُزَافِ]
(ج ز ف) : بَابٌ فِي شَرْطِ الْجُزَافِ قَالَ ﵀ جَهْلُ الْعَاقِدَيْنِ قَدْرَ كَيْلِ الْمَبِيعِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدَدِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[بَابُ شَرْطِ لُزُومِ بَيْعِ الْغَائِبِ]
(ب ي ع) : بَابُ شَرْطِ لُزُومِ بَيْعِ الْغَائِبِ قَالَ ﵀ وَصْفُهُ بِمَا تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ فِيهِ يَعْنِي لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَوْصَافٍ تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ فِيهَا فِي الْمَبِيعِ وَبَيَانُهَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهِ قَالَ ﵀ لِأَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ مَقِيسٌ عَلَى السَّلَمِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي السَّلَمِ ذَلِكَ وَيَعْنِي بِذَلِكَ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ أَجَازَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ قِيَاسًا عَلَى السَّلَمِ ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ ﵀ وَصَاحِبِ التَّلْقِينِ فِي قَوْلِهِمَا وَصِفَةُ مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَاصِرٌ لِأَنَّ شَرْطَهُ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ.
стр. 240
[بَابُ مَا يَحْرُمُ بِهِ فَضْلُ الْقَدْرِ وَالنِّسَاءِ]
ق د ر) : بَابُ مَا يَحْرُمُ بِهِ فَضْلُ الْقَدْرِ وَالنِّسَاءِ قَالَ مَا مَعْنَاهُ عِوَضَا مُتَّحِدَيْ جِنْسِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ رِبَوِيّ الطَّعَامِ قَوْلُهُ عِوَضَا مُتَّحِدَيْ أَخْرَجَ بِهِ اخْتِلَافَ جِنْسِ مَا ذُكِرَ بِمِثْلِ الدَّنَانِيرِ فِيمَا بَيْنَهَا وَالدَّرَاهِمِ فِيمَا بَيْنَهَا فَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ وَلَا تَأْخِيرٌ وَكَذَلِكَ " رِبَوِيُّ الطَّعَامِ " وَفِيهِ إحَالَةٌ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ تَفْسِيرِ الرِّبَوِيِّ وَقَالَ جِنْسُ الذَّهَبِ وَلَمْ يَقُلْ الْعَيْنِ لِيَعُمَّ أَصْنَافَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَوْ ذَكَرَهُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَلَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَاعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِكَوْنِهِ أَطْلَقَ الْفَضْلَ فَأَلْزَمَهُ امْتِنَاعَ فَضْلِ الصِّفَةِ وَكَذَلِكَ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي ذِكْرِ النُّقُودِ وَهُوَ جَلِيٌّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا يَحْرُمُ فِيهِ النِّسَاءُ]
(ن سء) : بَابُ مَا يَحْرُمُ فِيهِ النِّسَاءُ فَقَطْ قَالَ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ " عِوَضًا مُخْتَلِفَيْ جِنْسِهِ أَوْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ " مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ وَهُوَ التَّأْخِيرُ مَحَلُّ مَنْعِهِ الْعِوَضَانِ مِنْ الطَّعَامِ اللَّذَانِ اخْتَلَفَ جِنْسُهُمَا فَالْقَمْحُ مَعَ الْفُولِ مَحَلٌّ لِتَحْرِيمِ النِّسَاءِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَحَلًّا لِمَنْعِ التَّفَاضُلِ بِالْقَدْرِ وَلِذَا قَالَ النِّسَاءُ فَقَطْ وَكَذَلِكَ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْعِوَضَانِ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ فِي جِنْسِهِ يَعُودُ عَلَى الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ لَا عَلَى الرِّبَوِيِّ كَذَا قَيَّدَ عَنْ الشَّيْخِ ﵀ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَزِدْ فِي الْمُمْتَنِعِ الْفُلُوسَ مَعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَعَ أَنَّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ الْعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الصَّرْفِ]
(ص ر ف) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الصَّرْفِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ " الصَّرْفُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِفُلُوسٍ " قَوْلُهُ ﵀ " بَيْعُ " جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ
стр. 241
وَقَوْلُهُ " الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ " يَخْرُجُ بِهِ الْبَيْعُ الْأَخَصُّ لِأَنَّ مِنْ خَاصَّتِهِ كَوْنُ أَحَدِ عِوَضَيْهِ غَيْرَ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ قَوْلُهُ " أَوْ أَحَدِهِمَا بِفُلُوسٍ " أَشَارَ إلَى أَنَّ الْفُلُوسَ حُكْمُهَا حُكْمُ النَّقْدِ لَا حُكْمُ الْعَرْضِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ مُسْتَدِلًّا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْفُلُوسِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ مِنْ بَابِ الصَّرْفِ أَنَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِفُلُوسٍ فَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ صَرْفًا وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ الْإِطْلَاقُ يَكُونُ مَجَازًا وَيَكُونُ حَقِيقَةً فَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ أَصْلُهُ الْحَقِيقَةُ وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ.
وَهَذَا قَدْ قَدَّمْنَا إشْكَالَهُ بِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ فَالْمَجَازُ مُقَدَّمٌ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ اسْتَدَلَّ بِهَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَتَقَدَّمَ لَنَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ بَحْثُ الشَّيْخُ بِمِثْلِ هَذَا وَأَنَّ الْمَجَازَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَصَيَّرَ مَا وَقَعَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْإِطْلَاقَاتِ مَجَازًا فَتَأَمَّلْهُ وَهُوَ لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ لَا يُقَالُ كَيْفَ جَعَلَ الشَّيْخُ ﵀ الْبَيْعَ جِنْسًا لِلصَّرْفِ وَالْمُتَبَادَرُ فِي الْبَيْعِ مَا تَقَدَّمَ حَدُّهُ أَوْ رَسْمُهُ وَقَدْ زَادَ فِيهِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الصَّرْفُ عَنْهُ وَإِذَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ جِنْسًا لَهُ فَهَذَا فِيهِ تَدَافُعٌ لِأَنَّا نَقُولُ الشَّيْخُ ﵀ ذَكَرَ لِلْبَيْعِ حَدَّيْنِ حَدَّ الْأَعَمِّ وَحَدَّ الْأَخَصِّ فَاَلَّذِي صَيَّرَهُ جِنْسًا أَعَمَّهُ لَا أَخَصَّهُ وَصَحَّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجِنْسَ قَدْ حَدَّهُ قَبْلُ فَلِذَا عَرَّفَ بِهِ بَعْدُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا صَحَّ زِيَادَةٌ مَا أَدْخَلَ بِهِ الْفُلُوسَ فَهَلَّا أَتَى بِمَا يَعُمُّ الْفُلُوسَ وَغَيْرَهَا وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْفُلُوسِ يَقُومُ مَقَامَهُ حَتَّى الْجُلُودِ وَمَا شَابَهَهَا (قُلْتُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْفُلُوسِ الْكِنَايَةُ عَنْ الَّذِي نَابَ عَنْ النَّقْدَيْنِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفُلُوسَ حُكْمُهَا حُكْمُ النَّقْدِ وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَوَاضِعَ لَكِنْ قِيلَ الْغَالِبُ فِيهَا الْكَرَاهَةُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ بَيْعُ ذَهَبٍ مُنْكَرًا وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْمُعَرَّفِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ السُّؤَالَ وَارِدٌ وَيَتَأَكَّدُ لِأَنَّهُ نَكَّرَ الْفُلُوسَ وَلَا فَرْقَ وَلَعَلَّهُ تَبَرَّكَ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ مُعَرَّفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) قِيلَ أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى الشَّيْخِ ﵁ أَنَّ رَسْمَهُ فِيهِ حَشْوٌ لِأَنَّ أَخْصَرَ مِنْ حَدِّهِ أَنْ يُقَالَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِفُلُوسٍ فَأَجَابَ الشَّيْخُ ﵁ بِأَنَّ هَذَا أَبْيَنُ فَهَلْ هَذَا السُّؤَالُ صَحِيحٌ وَجَوَابُهُ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟
(قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ السُّؤَالَ غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَالُ أَخْصَرَ مِنْ كَذَا فِي لَفْظَيْنِ إذَا كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا وَالْأَخْصَرُ يُؤَدِّي ذَلِكَ وَهُنَا لَوْ قَالَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِفُلُوسٍ فَإِنَّمَا
стр. 242
يَصْدُقُ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِأَحَدِهِمَا وَأَمَّا بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفُلُوسِ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِاللَّازِمِ وَدَلَالَةُ الِالْتِزَامِ فِي الرُّسُومِ فِيهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي جَوَابِهِ ذَلِكَ وَلِأَنَّك سَلَّمْت أَنَّ الدَّلَالَةَ حَاصِلَةٌ إلَّا أَنَّهَا خَفِيَّةٌ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ هَذَا أَبْيَنُ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِأَحَدِهِمَا (قُلْتُ) يَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ وَالصَّوَابُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ السُّؤَالَ غَيْرُ وَارِدٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى حَدِّ الشَّيْخِ أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّ مِنْ الصَّرْفِ بَيْعُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِفُلُوسٍ وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي حَدِّهِ لِقَوْلِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ مَجْمُوعِهِمَا فَهَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ بَيْعُ الْعَيْنِ بِعَيْنِ غَيْرِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِفُلُوسٍ (قُلْتُ) لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَكَانَ حَدُّهُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ لِخُرُوجِ بَيْعِ حُلِيِّ الذَّهَبِ بِفِضَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَفِي حَدِّهِ تَسَامُحٌ بِذِكْرٍ أَوْ جَوَابِهِ تَقَدَّمَ مِرَارًا (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ الْمُنَاجَزَةَ فِي هَذَا الرَّسْمِ قِيلَ فِيهَا أَنَّهَا رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ وَكُلَّمَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصَّةِ فِي الرَّسْمِ أَوْ الرُّكْنِ فِي الْحَدِّ هَذَا لَا يُرَدُّ بِوَجْهٍ لِأَنَّ الْحَدَّ أَوْ الرَّسْمَ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الْخَوَاصِّ لِجَوَازِ التَّعْرِيفِ بِبَعْضِهَا وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ ﵀ مَالَ إلَى رُكْنِيَّةِ التَّنَاجُزِ قَالَ لِتَوَقُّفِ مَاهِيَّةِ الصَّرْفِ عَلَيْهِ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ صَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ شَرْطٌ وَقَالَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَلَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ هَذَا الْكَلَامَ بَعْدُ وَجَدْت طُرَّةً مِنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ قَالَ قِيلَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ رُكْنًا لَذَكَرَهُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ قَالَ وَهَذَا وَهْمٌ مِمَّنْ أَوْرَدَهُ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ هُنَا بِالرَّسْمِ لَا بِالْحَدِّ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا الْخِلَافُ هُوَ هَلْ التَّنَاجُزُ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ هَلْ تَنْبَنِي عَلَيْهِ ثَمَرَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَمْ لَا ثَمَرَةَ لَهُ فِي بَابِ الصَّرْفِ (قُلْتُ) قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ يَجْرِي عَلَى الشَّرْطِيَّةِ أَنَّ الصَّرَّافَ إذَا وَزَنَ الدِّينَارَ فَضَاعَ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ لِعَدَمِ انْبِرَامِ الْعَقْدِ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ هَكَذَا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ وَقَبِلَهُ وَالشَّيْخُ ﵀ لَهُ بَحْثٌ فِي ذَلِكَ يُخْرِجُنَا عَنْ الْمَقْصَدِ لَكِنْ نُشِيرُ إلَى بَحْثٍ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي مُخْتَصَرِهِ وَوَقَفْت عَلَيْهِ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا قَيَّدَهُ عَنْهُ وَأَنَّهُ جَرَى فِي مَجْلِسِهِ قِيلَ لَهُ ﵀ الشَّرْطُ تَصَوُّرُهُ مُنْفَكًّا عَنْ الْمَشْرُوطِ أَيْ مَوْجُودٌ دُونَ الْمَشْرُوطِ وَالتَّنَاجُزُ دُونَ الصَّرْفِ لَا يُوجَدُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا قَالَ فَأَجَابَ الشَّيْخُ ﵀ بِأَنَّ
стр. 243
التَّنَاجُزَ قَوْلُكُمْ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الصَّرْفِ بَلْ يُوجَدُ وَلَا يُوجَدُ الصَّرْفُ الصَّحِيحُ وَمِثْلُهُ الصَّرْفُ عَلَى خِيَارٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَصْرِفُ مِنْك هَذَا الدِّينَارَ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ بَيْنَنَا وَنَتَنَاجَزُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ مَعَ أَنَّ الشَّرْطَ مَوْجُودٌ وَالْمَشْرُوطُ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَهُوَ الصَّرْفُ الصَّحِيحُ قَالَ قِيلَ لِلشَّيْخِ ﵀ أَلَيْسَ التَّنَاجُزُ مِثْلَ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فَيَكُونُ لَهُ مَاهِيَّةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْحَيَاةُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَأَجَابَ ﵀ فِي مَجْلِسِهِ بِأَنْ قَالَ لَيْسَ كُلُّ الْمَشْرُوطَاتِ كَذَلِكَ بَلْ مِنْهَا مَا يَكُونُ حِسِّيًّا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ حُكْمِيًّا وَلَمَّا ذَكَرَ هَذَا قَالَ اُنْظُرُوا فِي هَذَا الْجَوَابِ هَلْ فِيهِ مُغَالَطَةٌ أَوْ غَلَطٌ فَلْنُشِرْ إلَى بَسْطِ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ وَجَوَابِهِ فَحَاصِلُ بَحْثِ قَائِلِهِ أَوْ مُورِدِهِ أَنْ يَقُولَ لَوْ كَانَ التَّنَاجُزُ فِي الصَّرْفِ شَرْطًا لَصَحَّ وُجُودُهُ بِدُونِ مَشْرُوطِهِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ، بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرْطِ تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ تَعَقُّلًا كَوُجُودِ الْحَيَاةِ مَعَ الْعِلْمِ وَالْوُضُوءِ مَعَ الصَّلَاةِ وَالتَّنَاجُزُ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ وَلَا تَعَقُّلُهُ خَارِجًا عَنْ الصَّرْفِ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا بِمَا قَرَّرْنَاهُ وَأَجَابَ الشَّيْخُ ﵁ بِمَنْعِ التَّالِي وَحَقَّقَ تِلْكَ الصُّورَةَ بِالتَّنَاجُزِ فِي خِيَارِ الصَّرْفِ بَلْ الصَّرْفُ الصَّحِيحُ لَمْ يُوجَدْ وَوُجِدَ التَّنَاجُزُ وَهَذَا كَمَا يُتَعَقَّلُ مَنْ صَلَّى بِطَهَارَةٍ ثُمَّ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِغَيْرِ الْحَدَثِ فَالصَّلَاةُ الصَّحِيحَةُ لَمْ تُوجَدْ وَوُجِدَ شَرْطُهَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا صَحَّ الْجَوَابُ بِمَا قَرَّرْته فَكَيْفَ يَقُولُ الشَّيْخُ ﵀ فَانْظُرُوا فِي هَذَا الْجَوَابِ هَلْ هُوَ مُغَالَطَةٌ أَوْ غَلَطٌ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ مُغَالَطَةٌ وَلَا غَلَطٌ بَلْ جَارٍ عَلَى الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ.
(قُلْتُ) لَعَلَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَابِ ثَانِيًا عَنْ سُؤَالِهِ الثَّانِي لَا أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بَعْدَ تَقَرُّرِ السُّؤَالِ الثَّانِي مَا مَوْقِعُهُ وَكَيْفَ تَقْرِيرُهُ وَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِتَمَامِ الْفَائِدَةِ مِنْ كَلَامِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.
[بَابٌ فِي شَرْطِ الرَّدِّ فِي الدِّرْهَمِ]
ِ قَالَ ﵀ فَشَرْطُ الرَّدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ " كَوْنُهُ فِي دِرْهَمِ كُلِّ الثَّمَنِ وَسِكَّةِ الْمَرْدُودِ وَعَدَمِ زِيَادَتِهِ عَلَى النِّصْفِ وَعَدَمِ
стр. 244
حُضُورِهِ لِلْمُبْتَاعِ وَتَأَخُّرِهِ عَنْ الْبَيْعِ وَمُنَاجَزَتِهِ وَالْمَبِيعُ كَالصَّرْفِ " مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ جَرَى فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَغَيْرِ الْمَشْهُورِ لَا يَشْتَرِطُهَا كُلَّهَا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ كَانَ الرَّدُّ جَائِزًا بِاتِّفَاقٍ لِأَنَّ الشَّاذَّ يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُ الرَّدُّ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَقَوْلُهُ " فِي دِرْهَمِ كُلِّ الثَّمَنِ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ الرَّدِّ فِي الْجُمْلَةِ وَأَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ الْمَرْدُودُ فِيهِ لَا كُلِّ الثَّمَنِ قَوْلُهُ " وَسِكَّةِ الْمَرْدُودِ " عَطْفٌ عَلَى الدِّرْهَمِ وَأَخْرَجَ بِهِ كَوْنَهُ غَيْرَ مَسْكُوكٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ اتِّحَادَ السِّكَّةِ وَقَوْلُهُ " وَعَدَمِ " عَطْفٌ عَلَى الدِّرْهَمِ وَالضَّمَائِرُ الْمُضَافَةُ بَعْضُهَا عَائِدٌ عَلَى الرَّدِّ وَبَعْضُهَا عَلَى الْمَرْدُودِ قَوْلُهُ " وَعَدَمِ حُضُورِهِ " الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمَرْدُودِ وَضَمِيرُ تَأَخُّرِهِ يَعُودُ عَلَى الرَّدِّ قَوْلُهُ " وَالْمَبِيعُ كَالصَّرْفِ " الَّذِي كَانَ يَمْضِي لَنَا فِي فَهْمِهِ أَنَّ الْمَبِيعَ عَطْفٌ عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَهُوَ مَخْفُوضٌ وَأَشَارَ بِهِ إلَى الشَّرْطِ لِعَاشِرِ وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ الْوَاقِعُ فِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّرْفِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ لَا مِنْ بَدَلٍ فِيهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَ يَمْضِي لَنَا أَنَّ الشَّيْخَ يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِ عَشَرَةُ شُرُوطٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ الدِّرْهَمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرَّدِّ فِي الذَّهَبِ مُطْلَقًا وَيَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ فِيهِ مَسْكُوكًا وَاتِّحَادُ السِّكَّةِ مِنْ شَرْطِهِ سِكَّةُ الْمَرْدُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُرَاطَلَةِ]
(ر ط ل) : بَابُ الْمُرَاطَلَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الْمُرَاطَلَةُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِهِ وَزْنًا أَوْ فِضَّةً كَذَلِكَ " (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ إدْخَالُ هَذَا الْبَابِ تَحْتَ الْكِتَابِ مِنْ الصَّرْفِ وَهُوَ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْمُرَاطَلَةِ (قُلْتُ) هَذَا السُّؤَالُ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَرْجِمْ عَلَى الصَّرْفِ وَإِيرَادُهُ عَلَى الشَّيْخِ ﵀ هُنَا أَقْوَى فِي السُّؤَالِ لِلتَّرْجَمَةِ وَالتَّرْجَمَةُ عِنْدَهُمْ كَالْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مُلْحَقَةٌ بِالصَّرْفِ وَقَعَتْ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَكَذَا الِاقْتِضَاءُ وَالْمُبَادَلَةُ أَدْخَلُوهَا فِي كِتَابِ الصَّرْفِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " بَيْعُ ذَهَبٍ " جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّرْفُ كَمَا تَقَدَّمَ
стр. 245
قَوْلُهُ " بِهِ " يَخْرُجُ بِهِ الصَّرْفُ قَوْلُهُ " وَزْنًا " أَخْرَجَ بِهِ الْمُبَادَلَةَ لِأَنَّهَا عَدَدٌ لَا وَزْنٌ قَوْلُهُ " أَوْ فِضَّةً كَذَلِكَ " مَعْنَاهُ أَوْ بَيْعُ فِضَّةٍ بِهَا وَزْنًا فَاخْتَصَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فَتَخْرُجُ الْفُلُوسُ يَعْنِي أَنَّ الْفُلُوسَ إذَا بِيعَ مِنْهَا فَلْسٌ بِفَلْسٍ وَزْنًا فَلَا يُسَمَّى مُرَاطَلَةً وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا يُعَارِضُهُ مَا قَدَّمَهُ ﵀ فِي حَدِّ الصَّرْفِ فَإِنَّهُ أَدْخَلَهَا فِي الصَّرْفِ وَذَلِكَ يَدُلُّ أَنَّهَا مِنْ النُّقُودِ فَيَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ فِي النُّقُودِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الرِّبَا وَالتَّفَاضُلِ الثَّمَنِيَّةُ لَا غَلَبَتُهَا فَكَيْفَ الْجَمْعُ.
(قُلْتُ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الشَّيْخِ ﵀ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَدْخَلَهَا فِي الصَّرْفِ لِأَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَطْلَقَ عَلَى بَيْعِهَا بِالْعَيْنِ صَرْفًا فَسَمَّاهُ صَرْفًا فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَتِهَا فِي الْحَدِّ لِجَمْعِهِ وَهُنَا لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهَا مُرَاطَلَةً وَلَكِنْ ذَكَرَ فِيهَا لَازِمَ ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى الْخِلَافِ فِيهَا (فَإِنْ قُلْنَا) حُكْمُهَا حُكْمُ النُّقُودِ فَيُزَادُ فِي الرَّسْمِ مَا يَدْخُلُهَا وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا ذَكَرَ أَوَّلًا وَتَخْرُجُ مِنْ الْحَدِّ وَلِذَا قَالَ بَعْدُ وَتَدْخُلُ بِزِيَادَةٍ أَوْ فَلْسٍ بِمِثْلِهِ عَدَدًا لَا وَزْنًا وَذَكَرَ مَا يَشْهَدُ لَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَأَنَّ بَيْعَ الْفُلُوسِ تُطْلَبُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ عَدَدًا (فَإِنْ قُلْتَ) عَادَةُ الشَّيْخِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ حَدًّا أَوْ رَسْمًا ثُمَّ يَقُولُ عَلَى رَأْيٍ وَعَلَى رَأْيٍ بِزِيَادَةٍ إلَخْ وَقَدْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِرَارًا كَمَا قَدَّمْنَا وَهُوَ أَخْصَرُ وَهُنَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قَالَ كَمَا رَأَيْته وَالْجَارِي عَلَى عَادَتِهِ أَنْ يَقُولَ بَيْعُ ذَهَبٍ بِهِ وَزْنًا أَوْ فِضَّةً كَذَلِكَ عَلَى رَأْيٍ وَعَلَى رَأْيٍ بِزِيَادَةٍ أَوْ فَلْسٍ بِمِثْلِهِ عَدَدًا لَا وَزْنًا (قُلْتُ) لَعَلَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ عِنْدَهُ فِي التَّعْبِيرِ لَا أَنَّهُ يَقْصِدُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا فَائِدَةُ زِيَادَةِ قَوْلِهِ لَا وَزْنًا وَذِكْرُ الْعَدَدِيَّةِ كَافٍ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمُرَاطَلَةِ بَيْعُ الذَّهَبِ بِمِثْلِهِ وَزْنًا لَا عَدَدًا.
(فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ خَصَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِالْمُرَاطَلَةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي الصَّرْفِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِفَلْسٍ عَدَدًا (قُلْتُ) لَمَّا ذُكِرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفُلُوسِ أَوْ الْفِضَّةِ بِهِ وَسَمَّاهُ صَرْفًا فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ﵀ فِي الْحَدِّ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ بَيْعُ الذَّهَبِ بِهِ وَزْنًا مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْوَزْنِيَّةَ لَا تُحَقِّقُ الْمُمَاثَلَةَ وَالْمَطْلُوبُ فِي الْمُرَاطَلَةِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْوَزْنِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا (قُلْتُ) قَوْلُهُ وَزْنًا تَمْيِيزٌ لِلْمُبْهَمِ وَلَمَّا ذَكَرَ بَيْعَ الذَّهَبِ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فَلَا بُدَّ أَنْ
стр. 246
تَكُونُ الْمُعَاوَضَةُ بِالذَّهَبِ الْمُمَاثِلِ وَالْمِثْلِيَّةُ الْمُبْهَمَةُ فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ وَزْنًا فَكَأَنَّهُ قَالَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِذَهَبٍ مُمَاثِلٍ لَهُ وَزْنًا فَاخْتَصَرَ ذَلِكَ لِلْإِيجَازِ فِي الْحَدِّ (فَإِنْ قُلْتَ) وَلِأَيِّ شَيْءٍ صَرَّحَ بِالْمِثْلِ فِي الْفُلُوسِ وَلَمْ يَقُلْ أَوْ فَلْسٌ بِهِ عَدَدًا (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَلَمْ يَظْهَرْ سِرُّ تَعْرِيفِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الصَّرْفِ وَالتَّنْكِيرِ هُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ بَيْعُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهِ وَزْنًا يُرَدُّ بِقُصُورِهِ عَلَى الْعَيْنِ دُونَ أَصْلِ الْعَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الرَّدِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا مِنْهُ فَلِذَلِكَ عَدَلَ الشَّيْخُ عَنْ الْعَيْنِ إلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّ الْعَيْنَ خَاصٌّ بِالْمَضْرُوبِ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْمُرَاطَلَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا كَمَا إذَا بَاعَ ذَهَبًا وَازِنًا بِفِضَّةٍ وَازِنَةٍ وَكَانَ الشَّيْخُ قَبِلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ وَجَرَتْ عَادَتُهُ أَنَّ مَا سَبَقَ بِهِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ لَا يَعْتَرِضُ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ بَحْثٌ لَهُ وَإِنَّمَا يَذْكُرُ مَا غَفَلَ عَنْهُ غَيْرُهُ فَهَلْ هَذَا الِاعْتِرَاضُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
(قُلْتُ) يَظْهَرُ إيرَادُهُ وَيُتَلَمَّحُ لَهُ جَوَابٌ فِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِبَيْعِ الْعَيْنِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ وَمَصْدُوقُهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ مَضْرُوبَيْنِ فَلَا بُدَّ فِي الْمَصْدُوقِ مِنْ مِثْلِيَّةٍ فِي صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ وَبَيَانُ النَّظَرِ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُبَادَلَةِ]
(ب د ل) : بَابُ الْمُبَادَلَةِ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵁ الْمُبَادَلَةَ وَعَزَا رَسْمَهَا لِابْنِ بَشِيرٍ لِأَنَّهُ رَضِيَ رَسْمَهُ لَهَا بِمَا ذُكِرَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ مَخَافَةَ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِهِ وَهَذَا مِنْ حُسْنِ فِعْلِهِ وَتَحْسِينِ نِيَّتِهِ ﵁ وَنَفَعَ بِهِ فَقَالَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ " بَيْعُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهِ عَدَدًا " فَقَوْلُهُ " بَيْعُ الْعَيْنِ " جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّرْفُ وَالْمُرَاطَلَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ " بِمِثْلِهِ " أَخْرَجَ بِهِ الصَّرْفَ قَوْلُهُ " عَدَدًا " أَخْرَجَ بِهِ الْمُرَاطَلَةَ وَذَلِكَ إذَا أَعْطَى دِينَارًا عَدَدًا بِدِينَارٍ وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَنْقَصَ فَهَذِهِ مُبَادَلَةٌ شَرْعًا لَا مُرَاطَلَةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ عَبَّرَ هُنَا بِالْعَيْنِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِسِرِّ مَا تَقَدَّمَ (قُلْتُ) إنَّمَا عَبَّرَ هُنَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ هُنَالِكَ لِأَنَّهُ حَافِظٌ فِي ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْعَيْنِ لِتَدْخُلَ فِي الصَّرْفِ وَهُنَا لَا تَقَعُ الْمُبَادَلَةُ فِي أَصْلِ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَقَعُ فِي الْمَضْرُوبِ مِنْ الْعَيْنِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا
стр. 247
فِي الْفُلُوسِ فَحُسْنُ التَّعْبِيرِ هُنَا بِالْعَيْنِ وَفِي غَيْرِ الْمُبَادَلَةِ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْعَيْنِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ بَيْعُ الْعَيْنِ بِهِ وَصَرَّحَ بِالْمِثْلِ (قُلْتُ) هُنَا يَجِبُ التَّصْرِيحُ بِالْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بِهِ لَصَدَقَ عَلَى بَيْعِ دِينَارٍ عَدَدًا بِدِرْهَمٍ عَدَدًا فَنَاسَبَ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ عَدَدًا (فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ لَمْ يَزِدْ هُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ عَدَدًا لَا وَزْنًا كَمَا زَادَهُ قَبْلُ فِي الْمُرَاطَلَةِ فِي الْفُلُوسِ فَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الْعَدَدِ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ جَرْيًا عَلَى مَا يَتَعَيَّنُ رَعْيُهُ عِنْدَهُ ﵀ مِنْ عَامِّ الِاخْتِصَارِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا هُنَا (قُلْتُ) تَقَدَّمَ مَا فِي هَذَا فَرَاجِعْهُ ثَمَّةَ وَلَمْ يَظْهَرْ قُوَّةُ جَوَابٍ فِي الْفَهْمِ عَنْ مُرَادِهِ وَسِرِّ تَخْصِيصِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ بَدَلُ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ نَاقِصَةٍ بِوَازِنَةٍ فَقَدْ أَطْلَقَ الذَّهَبَ وَلَمْ يَقُلْ الْعَيْنَ.
(قُلْتُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ كَالثَّلَاثَةِ إلَى السِّتَّةِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْوَاقِعُ فِيهَا فِي الْمَضْرُوبِ غَايَةُ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا أَطْلَقَتْ الْأَعَمَّ عَلَى الْأَخَصِّ (فَإِنْ قُلْتَ) حَدُّ الشَّيْخِ أَعَمُّ مِنْ الْمُبَادَلَةِ الصَّحِيحَةِ أَوْ الْفَاسِدَةِ (قُلْتُ) هُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ لَهَا شُرُوطًا فِي الْجَوَازِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُثِيبُهُ وَيَرْضَى عَنْهُ.
[بَابٌ فِي الِاقْتِضَاءِ]
(ق ض ي) : بَابٌ فِي الِاقْتِضَاءِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الِاقْتِضَاءُ عُرْفًا قَبْضُ مَا فِي ذِمَّةِ غَيْرِ الْقَابِضِ " قَوْلُ الشَّيْخُ ﵀ " عُرْفًا " تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي نَصْبِ ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الدَّلِيلُ لُغَةً أَيْ حَدُّ الدَّلِيلِ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا خَصَّصَ الشَّيْخُ ﵀ الِاقْتِضَاءَ بِالْعُرْفِ مَعَ أَنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّهُ إنَّمَا يَحُدُّ الْحَقَائِقَ الْعُرْفِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ يَخْتَلِفُ وَمَقْصِدُهُ أَخَصُّ عَرَّفَ فِي الشَّرْعِ قَوْلَهُ " قَبْضُ " إشَارَةً إلَى أَنَّهُ حِسِّيٌّ وَحُكْمِيٌّ وَلِذَلِكَ أَخْرَجَ الْمُقَاصَّةَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ الْقَابِضِ وَأَخْرَجَ بِالذِّمَّةِ الْمُعَيَّنَ إذَا قَبَضَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) ذِكْرُ الذِّمَّةِ فِي الرَّسْمِ فِيهِ إبْهَامٌ لِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي تَفْسِيرِهَا (قُلْتُ) رَسَمَهَا الشَّيْخُ ﵀ فِي السَّلَمِ وَسَتَأْتِي.
(فَإِنْ قُلْتَ) رَسْمُهُ ﵀ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ وَقَبَضَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ فِيهِ الِاقْتِضَاءُ شَرْعًا وَالرَّسْمُ صَادِقٌ عَلَيْهِ (قُلْتُ) لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الرَّسْمِ عَلَيْهِ لِأَنَّ قَبْضَ مَا فِي الذِّمَّةِ
стр. 248
يَسْتَدْعِي بَرَاءَتهَا وَقَبْضُ الْمُتَعَدِّي لَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَلَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ رَسْمَ الِاقْتِضَاءِ عُرْفًا أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ قَبْضِ الْكِتَابَةِ وَقَدْ سَمَّاهَا اقْتِضَاءً فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَخْرُجُ أَيْضًا قَبْضُ مَنَافِعِ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّهُمْ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا اقْتِضَاءَ مَنَافِعَ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَصْدُقُ عَلَى هَذَيْنِ لِأَنَّ فِي الْحَدِّ قَبْضُ مَا فِي الذِّمَّةِ وَهَذَانِ لَيْسَا فِي ذِمَّةٍ قَالَ ﵀ فَيُقَالُ قَبْضُ مَا وَجَبَ مَنْفَعَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ ذِمَّةِ قَابِضِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ ﵀ أَنَّهُ حَدَّ الْبَيْعَ الْأَعَمَّ عُرْفًا وَالْبَيْعَ الْأَخَصَّ وَخَصَّصَ كُلًّا بِرَسْمِهِ وَالْجَارِي عَلَى ذَلِكَ هُنَا أَنْ يَقُولَ كَذَلِكَ فَيَحُدُّ الِاقْتِضَاءَ بِحَدٍّ أَعَمَّ وَيَحُدُّهُ بِحَدٍّ أَخَصَّ وَالْمَقْصِدُ بِمَسَائِلِ الصَّرْفِ إنَّمَا هُوَ أَخَصُّهُ لَا أَعَمُّهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ فِي الْبَيْعِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرِكَةِ (قُلْتُ) هَذَا سُؤَالٌ ظَاهِرٌ وَلَعَلَّ الشَّيْخَ ﵁ قَصَدَ ذَلِكَ وَيَكُونُ حَدُّهُ الْأَخَصُّ هُوَ الْأَوَّلُ وَحَدُّهُ الْأَعَمُّ هُوَ الثَّانِي إلَّا أَنْ يُقَالَ لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ لَمَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُنَا بِهِ وَبِعِلْمِهِ وَيَمُنُّ عَلَيْنَا بِمَا مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) اسْتِدْلَالُ الشَّيْخِ ﵁ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الِاقْتِضَاءَ يُطْلَقُ عَلَى اقْتِضَاءِ الْمَنَافِعِ فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَطْلَقَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَيَّدًا لَا مُطْلَقًا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْمَجَازِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ الِاقْتِضَاءَ مُطْلَقًا لَا يَتَبَادَرُ فِي الذِّهْنِ مَا ذُكِرَ (قُلْتُ) وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا الْبَحْثُ بِهِ فِي نَظِيرِ اسْتِدْلَالِهِ وَيَظْهَرُ وُرُودُهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ يُقَالُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْكِتَابَةِ (قُلْتُ) الْبَحْثُ يُمْكِنُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ لَفْظُ الِاقْتِضَاءِ عُرْفًا وَلَفْظُ الْقَضَاءِ وَقَدْ وَقَعَ أَصْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إذَا قَضَى سَمْحًا إذَا اقْتَضَى» وَالْقَضَاءُ مِنْ فِعْلِ الْمَدِينِ وَالِاقْتِضَاءُ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَمَا سِرُّ كَوْنِ الشَّيْخِ ﵁ تَعَرَّضَ لِحَقِيقَةِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ تَرَدُّدُهُ فِيهِمَا فِي كِتَابِ الصَّرْفِ وَغَيْرِهِ (قُلْتُ) لَمْ يَظْهَرْ سِرُّ تَخْصِيصِهِ وَلَعَلَّهُ لِغَلَبَةِ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الِاقْتِضَاءِ وَانْظُرْهُ مَعَ مَا وَقَعَ لَهُمْ فِي كِتَابِ السَّلَمِ وَحَدُّ الْقَضَاءِ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَدِّهِ هُنَا فَيُقَالُ فِيهِ دَفْعُ مَا وَجَبَ مَنْفَعَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ ذِمَّةِ قَابِضِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا بَاعَ ثَوْبًا بِدِينَارٍ ثُمَّ دَفَعَ عَنْ الدِّينَارِ دَرَاهِمَ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الثَّوْبَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ لَهُ وَسَمَّوْا ذَلِكَ اقْتِضَاءً فَكَيْفَ
стр. 249
يَدْخُلُ فِي رَسْمِهِ (قُلْتُ) دُخُولُهُ ظَاهِرٌ فِي حَدِّهِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ فِيهِ قَبْضُ مَا وَجَبَ إلَخْ وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الشَّيْخُ ﵀ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ وَاقْتِضَاءُ مَا لَزِمَ عَنْ اسْتِحْقَاقِ عِوَضٍ أُخِذَ عَنْ أَحَدِ عِوَضَيْ الصَّرْفِ مُتَعَلِّقٌ بِعِوَضٍ عِوَضُهُ دُونَهُ وَمُتَعَلِّقٌ خَبَرٌ عَنْ اقْتِضَاءُ وَمَعْنَاهُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ الْوَاقِعَةُ فِي السُّؤَالِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ الطَّعَامِ]
(ط ع م) : بَابُ الطَّعَامِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الطَّعَامُ مَا غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِأَكْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ شُرْبِهِ " قَالَ ﵀ فَيَدْخُلُ الْمِلْحُ وَالْفِلْفِلُ وَنَحْوُهُمَا فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ ذِكْرِ الْإِصْلَاحِ قَالَ وَيَدْخُلُ اللَّبَنُ يَعْنِي لِأَجْلِ قَوْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَا غَلَبَ اتِّخَاذُهُ مِمَّا لَمْ يَغْلِبْ اتِّخَاذُهُ لِلْأَكْلِ وَإِنْ أُكِلَ فَلَا يَكُونُ طَعَامًا وَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّ الشَّيْخِ الْمَاءُ فَإِنَّهُ مَا غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِلشُّرْبِ بِخِلَافِ اللَّبَنِ فَإِنَّهُ غَالِبٌ لِلشُّرْبِ وَالْمَاءُ غَلَبَ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ وَقَعَ لِابْنِ نَافِعٍ مَا يُخَالِفُهُ قَالَ الشَّيْخُ وَيَخْرُجُ الزَّعْفَرَانُ قَالَ لِأَنَّهُ وَإِنْ اُتُّخِذَ لِلْإِصْلَاحِ فَلَمْ يَغْلِبْ لَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يُرَدُّ عَلَى الشَّيْخِ زَيْتُ الزَّيْتُونِ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَيَكُونُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْلِبْ لِلشُّرْبِ وَلَا لِلطَّعَامِ بَلْ الْغَالِبُ فِيهِ الْوَقِيدُ وَالصَّنْعَةُ وَالْأَكْلُ مَوْجُودٌ وَلَمْ يَغْلِبْ فِيهِ كَمَا قِيلَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ إصْلَاحٌ فَلَمْ يَغْلِبْ فِيهِ
(قُلْتُ) يَظْهَرُ إيرَادُهُ وَلَعَلَّ جَوَابَهُ أَنَّهُ رَاعَى أَصْلَ اتِّخَاذِهِ وَمَا عَدَاهُ عَارِضٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ ذَكَرَ حَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ مَا يُعَدُّ طَعَامًا لَا دَوَاءً وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِمَا اُتُّخِذَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ إنْ أَرَادَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ خَرَجَ الْمِلْحُ لِاِتِّخَاذِهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَالدَّبْغِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ الزَّعْفَرَانُ ثُمَّ أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ الْأَوْلَى تَفْسِيرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِمَا يُقْصَدُ لِطَعْمِهِ قَالَ وَيَبْطُلُ بِمَا تَقَدَّمَ (قُلْتُ) وَسَلَمُ الشَّيْخُ ذُكِرَ الطَّعَامُ فِي حَدِّهِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَاك مِمَّا قَدَّمْنَاهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَيَّدَ الشَّيْخُ فِي حَدِّ الطَّعَامِ غَلَبَةَ الِاتِّخَاذِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ كُلِّيَّةً فِي الزَّرِيعَةِ وَقَاعِدَةٌ حَاصِلُهَا أَنَّ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مَا يُؤْكَلُ فَهُوَ طَعَامٌ وَعَكْسُهُ عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَهُمْ بَحْثًا (قُلْتُ) اُنْظُرْ ابْنَ رُشْدٍ فَإِنَّهُ قَيَّدَ الْمُدَوَّنَةَ بِمَا يُصَحِّحُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 250
[بَابٌ فِي شَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ]
ِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " اتِّحَادُ الْعِوَضَيْنِ فِي دَرَجَةِ الطِّيبِ " أَشَارَ ﵀ إلَى أَنَّ الْعِوَضَيْنِ اللَّذَيْنِ تَجِبُ فِيهِمَا الْمُمَاثَلَةُ مِنْ الطَّعَامِ وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّحِدَ الْعِوَضَانِ فِي دَرَجَةِ الطِّيبِ وَإِلَّا فَلَا تُوجَدُ الْمُمَاثَلَةُ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ الْعِوَضَانِ فِي دَرَجَةِ الطِّيبِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِمَا التَّمَاثُلُ وَلِذَا قَالَ فِيهَا لَا يَجُوزُ فَرِيكُ الْحِنْطَةِ بِيَابِسِهَا وَلَا السَّمْنُ بِالزُّبْدِ مُتَمَاثِلًا وَلَا مُتَفَاضِلًا وَهُنَا مَسَائِلُ لِلَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ وَبَحْثٌ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَانْظُرْ كَلَامَهُ.
[بَابُ الِاقْتِنَاءِ فِي الْحَيَوَانِ]
(ق ن و) : بَابُ الِاقْتِنَاءِ فِي الْحَيَوَانِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالْبَاجِيُّ " الِاتِّخَاذُ لِلْوِلَادَةِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَغَيْرِهَا وَالْفَحْلَةِ وَالشَّعْرِ فِي التَّيْسِ " وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ الْمُزَابَنَةِ]
(ز ب ن) : بَابُ الْمُزَابَنَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ قَالَ الْمَازِرِيُّ " الْمُزَابَنَةُ عِنْدَنَا بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ أَوْ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِيهِمَا " قَالَ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلُوهُ قَالَ وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْمُزَابَنَةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ لِمُطَابَقَتِهِ لِلْحَدِّ وَأَصْلُهَا لُغَةً الْمُدَافَعَةُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ وَيَغْبِنُهُ وَالشَّيْخُ ﵁ صَيَّرَ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي صِنْفَيْنِ كَمَا مَضَى عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ كَكَوْنِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ جُزَافًا وَقَدْ تَكُونُ فِي صِنْفَيْنِ فِي الْأَجَلِ كَصُوفٍ فِي ثَوْبٍ مِنْ صُوفٍ مُؤَخَّرٍ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ فِيمَا يَجُوزُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجُوزُ اُنْظُرْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا لَمْ يَرْتَضِ الشَّيْخُ هَذَا الْحَدَّ وَكَانَ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ لَهَا حَدًّا (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ حَدَّهَا عِنْدَهُ بِزِيَادَةِ مَا يَجْمَعُ
следующие страницы →