Полный текст (542 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
رَآهُ وَسَلَّمَهُ وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ وَخَالَفَ فِي الْجِنْسِ (قُلْت) لَعَلَّهُ عَدَلَ عَلَى التَّحْوِيلِ إلَى الطَّرْحِ وَعَدَلَ عَنْ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى وَلَمْ يَتَحَوَّلْ وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ الْأُخْرَى مِثْلُهُ لَا هُوَ، وَقَدْ سَقَطَ عَنْ الذِّمَّةِ الْأُولَى مِثْلُ مَا ثَبَتَ فِي الثَّانِيَةِ، فَصَحَّ لِلشَّيْخِ أَنْ يَقُولَ طَرْحُ إلَخْ وَهُوَ أَخَصْرُ لَفْظًا وَأَتَمُّ مَعْنَى مِنْ حَدِّ الْقَاضِي فِي قَوْلِهِ تَحْوِيلُ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ تَبْرَأُ بِهَا الْأُولَى.
(فَإِنْ قُلْت) هَلَّا قَالَ الشَّيْخُ ﵁ اتِّبَاعُ مَدِينٍ طَالَبَهُ عَلَى مِثْلِهِ فِي ذِمَّةٍ أُخْرَى، وَقَدْ وَقَعَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ مَنْ اتَّبَعَ عَلَى مَلِيٍّ فَالِاتِّبَاعُ فِعْلُ فَاعِلٍ مِنْ الْمَدِينِ لِطَالِبِ الدَّيْنِ وَهِيَ الْحَوَالَةُ (قُلْت) يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِلَفْظِ الْحَدِيثِ.
(فَإِنْ قُلْت) لَعَلَّ الْحَوَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ اقْتَضَتْ أَنَّ الْمُحَالَ قَدْ تَرَكَ دَيْنَهُ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا أُحِيلَ بِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ ذِكْرِ الطَّرْحِ وَإِنَّ الِاتِّبَاعَ لَا يَدُلَّ عَلَى الطَّرْحِ فِي الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ، وَهَذَا يُمْكِنُ قَصْدُهُ مِمَّا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ بَعْدُ (قُلْت) عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَوْ أَتَى بِلَفْظِ الْحَدِيثِ لَكَانَ أَصْوَبَ وَبَعْدَ أَنْ أَقْرَأْت فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ وَرَأَيْت الْخِلَافَ هَلْ الْحَوَالَةُ رُخْصَةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَالْبَاجِيِّ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهَا مِنْ بَيْعِ نَقْدٍ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ بِرِضَى الْمُحَالِ ظَهَرَ لِي سُؤَالٌ عَلَى حَدِّ الشَّيْخِ بِأَنْ يُقَالَ لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَحُدَّهَا بِحَدَّيْنِ عَلَى الرَّأْيَيْنِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقُولُ بَيْعٌ إلَخْ وَالثَّانِي مَا ذَكَرَ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ " بِمِثْلِهِ فِي أُخْرَى " يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ طَرْحُ مَعْنَاهُ إزَالَةُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةٍ أُخْرَى احْتَرَزَ بِهِ مِنْ طَرْحِ الدَّيْنِ وَإِسْقَاطِهِ بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ فَإِنَّهُ لَيْسَ حَوَالَةٌ ثُمَّ أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ لَا يُرَدُّ عَلَى طَرْدِ الْحَدِّ الْمُقَاصَّةُ لِصِدْقِ الْحَدِّ فِيهَا لِأَنَّ الْمُقَاصَّةَ لَا يَصْدُقُ فِيهَا الْحَدُّ لِأَنَّ إسْقَاطَ الدَّيْنِ الْمُمَاثِلِ لِمَا فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَسْقُطْ فِي الْمُقَاصَّةِ لِمِثْلِ دَيْنٍ فِي ذِمَّةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِذِمَّةِ مَنْ هُوَ لَهُ وَوَجَدْت بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ﵏ اُنْظُرْ اللَّامَ فِي حَدِّ الْحَوَالَةِ هَلْ تَقْتَضِي الْعُمُومَ فَيَبْطُلُ عَكْسُ رَسْمِهِ بِالْحَوَالَةِ فِي بَعْضِ الدَّيْنِ وَقَالَ أَيْضًا فِي قَوْلِ الشَّيْخِ لِامْتِنَاعِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَجْرِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى قَوْلِ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ يُعَدُّ مُسَلِّفًا وَيَقْتَضِيهِ مِنْ ذِمَّتِهِ فَيَصِحُّ تَعَلُّقُ الذِّمَّةِ بِذِمَّةِ مَنْ هُوَ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِذِمَّةِ مَنْ هُوَ لَهُ أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ
стр. 317
قِيلَ يُقَالُ نَقَلَ فُلَانٌ الْمَسْأَلَةَ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي ذَلِكَ قَالَ ﵀ وَتَعَقَّبَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ أَيْضًا بِحَشْوٍ قَوْلُهُ تَبْرَأُ بِهَا الْأُولَى؛ لِعَدَمِ إفَادَتِهِ مَخْرَجًا أَوْ مَدْخَلًا وَحَدَّ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنْ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ إذْ يَكُونُ لِلِاطِّلَاعِ عَلَى أَجْزَاءِ الْحَقِيقَةِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَشْوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ حَشْوٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الطَّرْدِ وَالْجَمْعِ ثُمَّ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْبَجَائِيِّينَ أَنَّهُ تَعَقَّبَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَوْلِهِ تَحْوِيلُ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ لِذِمَّةٍ تَبْرَأُ بِهَا الْأُولَى بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ قَالَ وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ فِي التَّعْرِيفِ لُغَوِيَّةٌ وَالْمُعَرِّفُ الْعُرْفِيَّةُ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ الْأُولَى وَالْأَعَمُّ غَيْرُ الْأَخَصِّ وَاعْتَرَضَ عَلَى شَيْخِهِ ﵀ بِأَنَّهُ قَالَ ذَكَرَ الْحَقَّ عِوَضًا عَنْ الدَّيْنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَكَلَّفُ صِدْقُهُ عَلَى الْمَنَافِعِ قَالَ ﵀ يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُرَادُ مِنْهَا الْمَضْمُونَةُ وَلَا تُكَلَّفُ.
[بَابُ صِيغَة الْحَوَالَةِ]
(ص وغ) : بَابُ صِيغَةِ الْحَوَالَةِ
قَالَ ﵁ " مَا دَلَّ عَلَى تَرْكِ الْمُحَالِ دَيْنُهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ بِمِثْلِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ " قَوْلُهُ " مَا دَلَّ " عَامٌّ وَظَاهِرُهُ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ أَوْ بِغَيْرِ لَفْظٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا مِنْهُ وَالْمُرَادُ اللَّفْظُ الصَّرِيحُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَوْ مَا يَنُوبُ مَنَابَهُ وَقَوْلُهُ " تَرْكِ الْمُحَالِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ تَرْكٌ فَإِذَا قَالَ اقْبِضْ دَيْنَك مِنْ غَرِيمِي فَهُوَ وَكَالَةٌ لَا حَوَالَةٌ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْحَقِّ قَوْلُهُ " بِمِثْلِهِ " إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ الْحَوَالَةَ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ دَيْنٍ فَإِنَّهَا حَمَّالَةٌ وَمَا وَقَعَ فِي ثَانِي السَّلَمِ مِنْ إطْلَاقِ الْحَوَالَةِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مَجَازٌ وَهُوَ جَوَابُ الشَّيْخِ عَنْ الْإِيرَادِ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ اُنْظُرْهُ بَعْدُ.
(فَإِنْ قُلْت) وَهَلَّا اخْتَصَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي حَدِّ الْحَوَالَةِ وَقَالَ فِي ذِمَّةٍ أُخْرَى (قُلْت) لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَتِهَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْمُحَالَ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمُحِيلِ لِأَنَّ رِضَى كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءٌ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ بَيَانًا وَفِيهِ بَحْثٌ.
(فَإِنْ قُلْت) لَمْ لَمْ يَذْكُرْ حُلُولَ الْمُحَالِ بِهِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحَوَالَةٍ (قُلْت) الْحَدُّ لِلصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَهِيَ حَوَالَةٌ لَكِنَّهَا فَاسِدَةٌ شَرْعًا.
[بَاب فِي شُرُوطِ الْحَوَالَةِ]
:
стр. 318
بَابٌ فِي شُرُوطِ الْحَوَالَةِ قَالَ ﵀ تَوَقُّفُهَا عَلَى رِضَى الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ وَكَوْنُهَا عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ وَكَوْنُهَا بِمَا حَلَّ لَا عَلَى مَا حَلَّ وَتَمَاثَلَ صِنْفُ الدَّيْنَيْنِ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ مِنْ الشُّرُوطِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[كِتَابُ الْحَمَالَةِ]
(ح م ل) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْحَمَالَةِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الْتِزَامُ دَيْنٍ لَا يُسْقِطُهُ أَوْ طَلَبُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِمَنْ هُوَ لَهُ " ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِلْقَاضِي الضَّمَانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ لَا يَتَنَاوَلُهَا لِأَنَّ شَغْلَ ذِمَّةٍ أُخْرَى إنَّمَا هُوَ لَازِمُهَا لِأَنْفُسِهَا لِأَنَّهَا مُكْتَسِبَةٌ وَالشَّغْلُ حُكْمٌ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ يَنْشَأُ عَنْ مُكْتَسَبٍ كَالْمِلْكِ مَعَ الْبَيْعِ فَتَأَمَّلْهُ وَلَيْسَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ كَمَا أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ شَغْلُ الذِّمَّةِ هُوَ الِالْتِزَامُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ شَغْلُ الذِّمَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ الِالْتِزَامُ وَإِذَا ثَبَتَ الِالْتِزَامُ ثَبَتَ شَغْلُ الذِّمَّةِ وَهَذَا شَأْنُ الْمُرَادِفِينَ وَهَذِهِ مُغَالَطَةٌ أَوْ غَلَطٌ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا أَنْتَجَ لَهُ الْمُلَازَمَةَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِهِمَا لِجَوَازِ اخْتِلَافِ مَصْدُوقِهِمَا قَطْعًا كَالْإِنْسَانِ وَالنَّاطِقِ وَدَلِيلُ الشَّيْخِ ﵀ دَلَّ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا قَطْعًا مَعَ تَلَازُمِهِمَا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الثَّانِي فَيُقَالُ الْحَمَالَةُ فِيهَا اكْتِسَابٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ الشَّغْلِ فِيهِ اكْتِسَابٌ فَلَا شَيْءَ مِنْ الْحَمَالَةِ بِشَغْلٍ وَهُوَ الْمُدَّعَى أَمَّا الصُّغْرَى فَظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَبَيَانُ الْكُبْرَى أَنَّ الشَّغْلَ إنَّمَا حَصَلَ مِنْ سَبَبِهِ لَا أَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ كَالْمِلْكِ مَعَ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إطْلَاقُ الْحَمَالَةِ عَلَى الطَّلَبِ عُرْفًا إنَّمَا هُوَ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ يُرَدُّ بِمَنْعِهِ لِظَاهِرِ إطْلَاقَاتِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ وَالرُّوَاةِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ " الْتِزَامُ دَيْنٍ " ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهَا تَعْمِيرَ ذِمَّةِ الْمُلْتَزَمِ وَهُوَ جِنْسٌ عَامٌّ قَوْلُهُ " لَا يُسْقِطُهُ " أَخْرَجَ بِهِ الْحَوَالَةَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ قُلْت) يُرَدُّ عَلَيْهِ ﵀ أَنْ يُقَالَ إخْرَاجُ الْحَوَالَةِ فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ
стр. 319
إنَّمَا هُوَ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْإِدْخَالِ وَالْحَوَالَةُ طَرْحٌ لِدَيْنٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَالطَّرْحُ غَيْرُهُ (قُلْت) لَا يَخْلُو مِنْ بَحْثٍ وَلَا يُقَالُ إنَّ فِيهَا طَرْحَ وَالْتِزَامَ طَرْحِ الطَّرْحِ مِنْ الْمُحِيلِ وَالِالْتِزَامِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ وَلَا الْتِزَامُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ فَتَأَمَّلْهُ قَوْلُهُ " أَوْ طَلَبِ " إلَخْ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلَى الْتِزَامِ دَيْنٍ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحَمَالَةُ بِالْوَجْهِ وَالْحَمَالَةُ بِالطَّلَبِ.
(فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ يَدْخُلَانِ وَهُوَ قَدْ قَالَ ﵀ أَوْ طَلَبِ، وَقَدْ صَيَّرْت الطَّلَبَ قَسِيمًا لِلْوَجْهِ (قُلْت) حَمَالَةُ الْوَجْهِ فِيهَا الطَّلَبُ أَيْضًا وَالطَّلَبُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِّ هُوَ أَعَمُّ طَلَبٍ لَا خُصُوصُ طَلَبٍ، وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ حَمَالَةِ الْوَجْهِ وَحَمَالَةِ الطَّلَبِ فِي الْوَجْهِ إذَا لَمْ يَقَعْ تَحْضِيرُهُ فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَطْلُبُهُ بِالْمَالِ بِخِلَافِ حَمَالَةِ الطَّلَبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَالِ فِي شَيْءٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُتَحَمِّلِ لَهُ]
(ح م ل) : بَابُ الْمُتَحَمِّلِ لَهُ
قَالَ ﵀ مَنْ ثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى الْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ وَلَوْ جَهِلَ قَوْلُهُ " مَنْ ثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى الْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ " أَخْرَجَ بِالْقَيْدِ مَنْ ثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ قَوْلُهُ " وَلَوْ جَهِلَ " مَعْنَاهُ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ مَجْهُولًا وَلِذَا قَالُوا إنْ تَحَمَّلَ دِينًا عَلَى مَيِّتٍ لَزِمَ الْمُتَحَمِّلُ مَا ظَهَرَ مِنْ الدَّيْنِ وَكَوْنُهُ جَهِلَ قَدْرَ الْمُتَحَمِّلِ بِهِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الْحَمَالَةِ وَقَوْلُهُ وَلَوْ جَهِلَ غَايَةً مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ حَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ مِرَارًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الْحَمِيلِ]
(ح م ل) : بَابٌ فِي الْحَمِيلِ
قَالَ: قَالَ الْبَاجِيُّ: مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ ضَمَانُ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ وَالزَّوْجَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْت) الْحَمِيلُ قَدْ يَكُونُ فِي طَلَبِ الْغَرِيمِ فَقَطْ وَهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا ذَكَرَ مِنْ عَدَمِ الْحَجْرِ (قُلْت) يُحْمَلُ كَلَامُ الْبَاجِيِّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا تَسْقُطُ بِهِ الْحَمَالَةُ]
ُ قَالَ بِإِسْقَاطِ الْمُتَحَمِّلِ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ وَانْظُرْ مَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ اُنْظُرْ مَا يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْقَضَاءِ مِنْ تَرِكَةِ الْغَرِيمِ وَمَا لَا يُوجِبُهُ مِنْ الْحَمِيلِ.
стр. 320
[بَابُ الْمَضْمُونِ]
ض م ن) : بَابُ الْمَضْمُونِ
قَالَ ﵁ مَا يَتَأَتَّى نَيْلُهُ مِنْ الضَّامِنِ أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُهُ فَيَدْخُلُ الْوَجْهُ وَكُلُّ كُلِّيٍّ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ الْحَقِيقِيَّ كَالْمُعَيَّنِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلِذَا جَازَتْ بِعَمَلِ الْمُسَاقَاةِ لِأَنَّهُ كُلِّيٌّ حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَجْوِبَتُهَا مَعَ غَيْرِهَا وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُفْتِينَ قَوْلُهُ " مَا يَتَأَتَّى نَيْلُهُ مِنْ الضَّامِنِ " مَعْنَاهُ شَيْءٌ وَهُوَ جِنْسُ قَوْلِهِ مَا يَتَأَنَّى نَيْلُهُ مِنْ الضَّامِنِ أَخْرَجَ بِهِ الْحَدُّ وَذُو الْقِصَاصِ وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَيَخْرُجُ الْجُزْئِيَّاتُ كُلُّهَا فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ فِيهَا.
(فَإِنْ قُلْت) بِأَيِّ شَيْءٍ يَدْخُلُ الْوَجْهُ (قُلْت) يَظْهَرُ أَنَّهُ أَدْخُلهُ بِقَوْلِهِ أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ مَا إلَخْ عُطِفَ عَلَى فَكَأَنَّهُ يَقُولُ الْمَضْمُونُ شَيْئَانِ أَمَّا أَنْ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْأَخْذُ مِنْ الضَّامِنِ أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُ مَا يَتَأَتَّى أَخْذُهُ مِنْ الضَّامِنِ كَضَمَانِ الْوَجْهِ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِهِ الْغَرَامَةَ.
(فَإِنْ قُلْت) إنْ صَحَّ هَذَا فَضَمَانُ الطَّلَبِ كَيْفَ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ (قُلْت) فِيهِ نَظَرٌ وَذَكَرَ الشَّيْخُ هُنَا مَسْأَلَةً حَسَنَةً وَهِيَ مَنْ ادَّعَى دَابَّةً وَأَرَادَ وَقْفَهَا لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ أَعْطَى ضَامِنًا بِهَا وَأَخْرَجَهَا فَضَاعَتْ فِي الرَّعْيِ فَقَالَ سَحْنُونٌ يَضْمَنُ وَقَالَ أَصْبَغُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ أَوْ الْمَعْنَى وَالْأَظْهَرُ الْمَعْنَى قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا يُشْبِهُ ضَمَانَ الْمُعَيَّنِ فَانْظُرْ ذَلِكَ فِيهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ صِيغَةِ الْحَمَالَةِ]
(ص وغ) : بَابُ صِيغَةِ الْحَمَالَةِ
الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ عُرْفًا وَهُوَ جَلِيٌّ.
[بَاب فِي ضَابِطِ تَرَاجُعِ الْحُمَلَاءِ فِيمَا ابْتَاعُوهُ مُتَحَامِلِينَ]
َ قَالَ ﵀ رُجُوعُ كُلِّ غَارِمٍ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ بِمَا غَرِمَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ مَا ابْتَاعَهُ وَبِمَا يُوجِبُ مُسَاوَاتَهُ إيَّاهُ فِيمَا غَرِمَهُ بِالْحَمَالَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ هَذَا تَفْهَمُ بِهِ مَسْأَلَةَ الْحُمَلَاءِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ ﵀ أَنَّهُ قَالَ هِيَ مِنْ الْمُسَمَّاةِ بِالْمَسَائِلِ الطُّبُولِيَّةِ قَالَ
стр. 321
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ أَوْلَادِ الْأَعْيَانِ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْمُوَضِّحَتَيْنِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ قَالَ ﵀ وَكُنْت رَأَيْت فِيهَا تَصْنِيفًا صَغِيرًا أَوْ ذَكَرَ لِي الشَّيْخُ ابْنُ الْحُبَابِ أَنَّ أَبَا كَامِلٍ الْحُسَيْنَ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ وَبَسَطَ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى طُولٍ وَنُؤَخِّرُهُ مَعَ ضَوَابِطِهِ ذَكَرْنَاهَا مِنْ الْمَنْسِيَّاتِ وَغَيْرِهَا لِنُلْحِقَهَا بِآخِرِ هَذَا التَّقْيِيدِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[كِتَابُ الشَّرِكَةِ]
(ش ر ك) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الشَّرِكَةِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الشَّرِكَةُ الْأَعَمِّيَّةُ تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ مِلْكًا فَقَطْ وَالْأَخَصِّيَّةُ بَيْعُ مَالِكٍ كُلَّ بَعْضِهِ بِبَعْضِ كُلِّ الْآخَرِ مُوجِبٌ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْجَمِيعِ " فَيَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ شَرِكَةُ الْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ لَا شَرِكَةُ التَّجْرِ وَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْعَكْسِ، وَشَرِكَةُ الْأَبَدَانِ وَالْحَرْثِ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فِي الثَّانِيَةِ وَفِي عِوَضِهِ فِي الْأُولَى، وَقَدْ يَتَبَايَنَانِ فِي الْحُكْمِ شَرِكَةُ الشَّرِيكِ بِالْأُولَى جَائِزَةٌ وَبِالثَّانِيَةِ مَمْنُوعَةٌ وَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵁ كَمَا ذَكَرَ فِي الْبَيْعِ أَنَّ الشَّرِكَةَ تَصْدُقُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَبِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ وَحَدَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَا يَخُصُّهُ فَقَالَ فِي الْأَعَمِّيَّةِ " تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ " إلَخْ فَذَكَرَ جِنْسًا لِلشَّرِكَةِ وَهُوَ التَّقَرُّرُ وَهُوَ الثُّبُوتُ فَتَرْجِعُ إلَى مَعْنًى نِسْبِيٍّ وَقَوْلُهُ مُتَمَوَّلٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ بِمُتَمَوَّلٍ كَثُبُوتِ النَّسَبِ بَيْنَ إخْوَةٍ وَغَيْرِهِمْ قَوْلُهُ " بَيْنَ مَالِكَيْنِ " مَعْمُولٌ لِتَقَرُّرِ وَأَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْمَالِكَيْنِ، قَوْلُهُ " فَأَكْثَرَ " أَدْخَلَ بِهِ مَا إذَا كَانَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِمْ فَصَاعِدًا وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ عُصْفُورٍ وَابْنِ الصَّائِغِ قَوْلُهُ " مِلْكًا " أَخْرَجَ بِهِ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ كَمَا إذَا كَانَا يَنْتَفِعَانِ بِحَبْسِ الْمَدَارِسِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ فِيهِ تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ إلَخْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ.
(فَإِنْ قُلْت) لَا يَدْخُلُ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ حَتَّى يَخْرُجَ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَالِكَيْنِ يُخْرِجُ ذَلِكَ (قُلْت) لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِكَيْنِ مَنْ يَصِحُّ نِسْبَةُ الْمِلْكِ إلَيْهِمَا فَأَخْرَجَ بِهِ مَنْ لَا يَصِحُّ لَهُمَا مِلْكٌ فَلَا تَصِحُّ لَهُ شَرِكَةٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ بَيْنَ مِنْ يَقْبَلُ الْمِلْكَ وَقَوْلُهُ مِلْكًا أَيْ مِلْكًا بِالْفِعْلِ وَفِيهِ مَا يُتَأَمَّلُ، قَوْلُهُ " فَقَطْ " تَقَدَّمَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِرَارًا
стр. 322
وَمَعْنَاهَا انْتَهِ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِنْ الشَّرِكَةِ الْأَخَصِّيَّةِ فَإِنَّ فِيهَا زِيَادَةَ التَّصَرُّفِ وَهَذِهِ لَا زِيَادَةَ فِيهَا لِلشَّرِيكَيْنِ.
(فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ تَدْخُلُ فِي الْأَعَمِّيَّةِ وَتَصْدُقُ فِيهَا مَعَ أَنَّ الْأَخَصِّيَّةَ فِي جِنْسِهَا ذِكْرُ الْبَيْعِ وَالْبَيْعُ لَا يَصْدُقُ فِيهِ التَّقَرُّرُ وَلَا يَصِحُّ الْإِخْرَاجُ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الْإِدْخَالِ.
(قُلْت) الْجَوَابُ أَنَّ الْأَخَصِّيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَدْخُلُ بِاعْتِبَارِ صَادِقِيَّةِ الْأَعَمِّ بِاعْتِبَارِ مَقُولَتِهِمَا فَهِيَ تَسْتَلْزِمُ الْأَعَمِّيَّةَ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَتِهَا؛ لِأَنَّ تَقَرُّرَ مُتَمَوَّلٍ مِنْ لَازِمِهَا فَهُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِمَا ذَكَرَ عَنْ لَازِمِ الْأَخَصِّيَّةِ.
(فَإِنْ قُلْت) الْأَعَمُّ يَصْدُقُ حَدُّهُ عَلَى الْأَخَصِّ وَالْقَيْدُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ فَقَطْ عَلَى مَا قَدَّرْته يَقْتَضِي أَنَّهُ مُنَافٍ لِخَاصِّيَّةِ الْأَخَصِّ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ صَادِقِيَّةِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ (قُلْت) هَذَا السُّؤَالُ ظَهَرَ فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ شَرْحِ الْحَدِّ وَيُمْكِنُ جَوَابُهُ أَنَّ نَفْيَ التَّصَرُّفِ هُوَ الْخَاصَّةُ لِلْأَعَمِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّصَرُّفُ وَكَوْنُهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّصَرُّفُ هُوَ أَعَمُّ مِنْ وُجُودِ التَّصَرُّفِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْأَخَصِّ هُوَ الْخَاصِّيَّةُ لَهُ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِدْقِ حَدِّ الْأَعَمِّ عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ الْحَيَوَانُ مِنْ خَاصَّتِهِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النَّاطِقِيَّةِ وَالْإِنْسَانُ مِنْ خَاصَّتِهِ وُجُودُ النَّاطِقِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَأَمَّا حَدُّ الْأَخَصِّيَّةِ فَقَالَ فِيهِ ﵀ بَيْعُ مَالِكٍ كُلَّ إلَخْ قَوْلُهُ " بَيْعُ مَالِكٍ " جَعَلَ الْجِنْسَ هُنَا بَيْعًا فَهُوَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ الْأَخَصِّيَّةَ مِنْ الْبَيْعِ فَصَيَّرَ جِنْسَهَا بَيْعًا فَيَقْتَضِي أَنَّ فِيهَا مُعَاوَضَةً كَمَنْ لَهُ دَنَانِيرُ شَارَكَ بِهَا مَالِكٌ مِثْلُهَا فَهَذِهِ مُعَاوَضَةٌ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ فِي مُشَارَكَةِ الْفِضَّةِ وَكَذَلِكَ مُشَارَكَةُ الْعُرُوضِ الْمِثْلِيَّةِ وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَةُ وَاخْتِلَافُ الدَّنَانِيرِ مَعَ الدَّرَاهِمِ فِي الشَّرِكَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ قِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ وَحَدُّ الشَّيْخِ يَعُمُّ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ
(فَإِنْ قُلْت) إذَا صَحَّ ذَلِكَ وَإِنَّ الشَّرِكَةَ بَيْعٌ فَهَلْ الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ الْبَيْعُ الْأَعَمُّ أَوْ الْأَخَصُّ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَعَمُّ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّيْخَ قَدْ قَصَّرَ مَا يَزِيدُ بِهِ الْأَعَمُّ عَلَى الْأَخَصِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ وَهِيَ هِبَةُ الثَّوَابِ وَالصَّرْفُ وَالْمُرَاطَلَةُ وَالسَّلَمُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّرِكَةَ وَإِنْ قَصَدَ الْأَخَصَّ فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي رَسْمِهِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الصَّرْفُ وَالْمُرَاطَلَةُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ إخْرَاجُ أَحَدِ صُوَرِ الشَّرِكَةِ بِقَوْلِهِ أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَالشَّرِكَةُ قَدْ تَكُونُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِاتِّفَاقٍ وَفِي اخْتِلَافٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ (قُلْت) لَنَا أَنْ نَخْتَارَ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَعَمُّ وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يُوجِبُ الْقَصْرَ أَوْ الْحَصْرَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إنَّهَا
стр. 323
مَقْصُورَةٌ لِقَوْلِهِ فَتَخْرُجُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا يَخْلُو مِنْ بَحْثٍ وَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَإِنْ قُلْت) إنَّمَا فِي الشَّرِكَةِ وَكَالَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ لَا بَيْعَ (قُلْت) بَلْ مُعَاوَضَةٌ قَارَنَتْهَا وَكَالَةٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ فِي تَعَالِيلِهِمْ إذَا تَأَمَّلْتهَا.
(فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ إنَّ الشَّرِكَةَ بَيْعٌ فَصَيَّرَهَا نَفْسَ الْبَيْعِ الْمَخْصُوصِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدُ فِي مَسْأَلَةِ مُشَارَكَةِ الذِّمِّيِّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَسْتَشْكِلُ بِأَنَّ الشَّرِكَةَ مَلْزُومَةٌ لِلْبَيْعِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَإِذَا كَانَتْ مَلْزُومَةً لِلْبَيْعِ وَالْبَيْعُ لَازِمُهَا فَاللَّازِمُ غَيْرُ الْمَلْزُومِ (قُلْت) الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ الْمُقَيَّدُ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ وَذَلِكَ لَازِمٌ مُسَاوٍ مِنْ خَاصَّةِ الشَّرِكَةِ كَالضَّاحِكِ وَالْإِنْسَانِ وَتَأَمَّلْ سُؤَالَ الشَّيْخِ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ وَجَوَابُهُ فَكَانَ يَمْضِي لَنَا فِيهِ مُبَاحَثَةٌ قَوْلُهُ " مَالِكٍ كُلَّ بَعْضِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا بَاعَ الْكُلَّ بِكُلٍّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِكَةٍ وَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّرِكَةُ بِالصِّنْفِ وَالثُّلُثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ قَوْلُهُ " بِبَعْضِ كُلِّ الْآخِرِ " صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أَيْ الْبَعْضُ الْآخَرُ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا بَاعَ بَعْضًا بِكُلٍّ قَوْلُهُ " مُوجِبٌ " صِفَةٌ لِلْبَيْعِ وَقَوْلُهُ " صِحَّةُ تَصَرُّفِهِمَا " إلَخْ مَفْعُولٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَذَلِكَ خَاصٌّ بِشَرِكَةِ التَّجْرِ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ شَرِكَةَ غَيْرِ التَّجْرِ كَمَا إذَا خَلَطَا طَعَامًا لِأَكْلٍ فِي الرُّفْقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ التَّصَرُّفَ الْمُطْلَقَ لِلْجَمِيعِ وَضَمِيرُ تَصَرُّفِهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْمَالِكَيْنِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ فَشَرِكَةُ الْإِرْثِ تَدْخُلُ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ كَمَا ذُكِرَ وَكَذَلِكَ الْغَنِيمَةُ.
وَأَمَّا شَرِكَةُ التَّجْرِ فَتَدْخُلُ فِي الثَّانِي لِصَادِقِيَّةِ الْحَدِّ الثَّانِي عَلَيْهَا وَشَرِكَةُ الْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ يَدْخُلَانِ فِي الْحَدِّ الثَّانِي هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى الْعَكْسِ وَفِي اللَّفْظِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ، أَمَّا شَرِكَةُ الْإِرْثِ فَلَا تَدْخُلُ فِي الثَّانِي فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ فِي الرَّسْمِ مَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهَا كَمَا يُقَالُ لَا تَدْخُلُ الْمُرَاطَلَةُ وَالصَّرْفُ فِي الْبَيْعِ الْأَخَصِّ، وَأَمَّا شَرِكَةُ التَّجْرِ فَكَوْنُهَا لَا تَدْخُلُ فِي الرَّسْمِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ أَنَّهُ رَسْمٌ أَعَمُّ فَيَصْدُقُ عَلَى مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَخَصُّهُ وَلَعَلَّ هَذَا يُضَعِّفُ الْجَوَابَ عَنْ السُّؤَالِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَنَّهُ لَا يَعْنِي بِالْأَعَمِّ مَا قُدِّمَ فِيهِ وَفِيهِ مَا يُنْظَرُ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْجَوَابِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ وَالسُّؤَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا شَرِكَةُ الْأَبَدَانِ وَالْحَرْثِ فَبِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَخَصِّيَّةِ وَفِي عِوَضِهِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَعَمِّيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ شَرِكَةَ الْأَبَدَانِ وَمَا شَابَهَهَا يَصْدُقُ فِيهَا بَيْعُ مَالِكٍ إلَخْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَدْ بَاعَ بَعْضَ مَنَافِعِهِ بِبَعْضِ مَنَافِعِ غَيْرِهِ مَعَ كَمَالِ
стр. 324
التَّصَرُّفِ.
وَأَمَّا عِوَضُ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ تَحْتَ أَعَمِّهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَصَرُّفٌ ثُمَّ قَالَ، وَقَدْ يَتَبَايَنَانِ فِي الْحُكْمِ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَعَمِّيَّةَ وَالْأَخَصِّيَّةَ وَإِنْ صَدَقَ فِيهِمَا الْأَعَمُّ عَلَى أَخَصِّهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ فِيهِمَا شَرْعًا كَمَا ذَكَرَ اُنْظُرْهُ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ قَدْ أَذِنَ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا قَبِلُوهُ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِقَوْلِ مَالِكِ شَيْءٍ لِغَيْرِهِ أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مَعِي وَقَوْلُ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرِكَةٌ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَضْمَنْهُ الْآخَرُ وَهُوَ لَازِمُ الشَّرِكَةِ وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَنْفِي الْمَلْزُومَ وَعَكْسُهُ فَخُرُوجُ شَرِكَةِ الْجَبْرِ كَالْوَرَثَةِ وَشَرِكَةُ الْمُتَبَائِعَيْنِ شَيْئًا بَيْنَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا إذْ لَا إذْنَ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا وَلِذَا اخْتَلَفَ فِي تَصَرُّفِ أَحَدِهِمَا هَلْ هُوَ كَغَاصِبٍ أَمْ لَا وَمَا ذَكَرَهُ ﵁ صَائِبٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا وُجِدَ فِي حَدِّهِ الْوَكَالَةُ فَقَطْ، وَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ الشَّرِكَةَ الْأَخَصِّيَّةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى مُعَاوَضَةٍ وَوَكَالَةٍ وَلِذَا أَلْزَمَهُ مَا ذَكَرَ فِي عَدَمِ طَرْدِ حَدِّهِ وَمَا أَبْطَلَ فِيهِ الْعَكْسَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ عَمَّمَ الْحَدَّ لِلشَّرِكَةِ، وَقَدْ قُلْنَا بِأَنَّهَا أَخَصُّ وَأَعَمُّ فَإِطْلَاقُ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ يُخْرِجُ الشَّرِكَةَ الْأَعَمِّيَّةَ وَكَذَلِكَ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مِنْ شَرِكَةِ الْمُتَبَائِعَيْنِ عَبْدًا بَيْنَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَا رَتَّبَهُ الشَّيْخُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ حَسَنٌ اُنْظُرْهُ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ صِيغَة الشَّرِكَة]
(ص وغ) : بَابُ الصِّيغَةِ
قَالَ ﵀ ابْنُ شَاسٍ مَا دَلَّ عُرْفًا عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الدَّلَالَةِ فَيَكْفِي اشْتِرَاكُنَا إنْ فُهِمَ الْمَقْصُودُ عُرْفًا ابْنُ الْحَاجِبِ مَا يَدُلُّ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا وَالْأَوْلَى مَا دَلَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْءَ يَقُومُ مَقَامَ نَفْسِهِ وَالْقَائِمُ مَقَامَ الشَّيْءِ غَيْرُ نَفْسِهِ وَالثَّانِي يَقْتَضِي كَوْنَ قِسْمِ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّ مَا يَدُلُّ لَفْظًا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَدُلُّ وَضْعًا وَعُرْفًا وَمَا يَدُلُّ عُرْفًا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَدُلُّ لَفْظًا أَوْ فِعْلًا فَهُوَ كَقَوْلِك الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ أَوْ أَبْيَضُ وَمَا رَدَّ بِهِ عَلَى حَدِّ ابْنِ شَاسٍ ظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ مَا رَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَتَأَمَّلْ هَلْ يُرَدُّ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ الْحَدِّ مَا أَوْرَدَهُ ثَانِيًا أَمْ لَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 325
[بَابٌ فِي شَرِكَةِ عِنَانٍ]
شرك: بَابٌ فِي شَرِكَةِ عِنَانٍ
قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَعْلَمُ شَرِكَةَ عِنَانٍ وَلَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَعْرِفُهَا قَالَ قَالَ عِيَاضٌ ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ بِفَتْحِهَا وَلَمْ أَرْوِهِ وَمَعْنَى قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يُعْرَفْ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ بِبَلَدِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي تَفْسِيرِهَا فَقِيلَ الشَّرِيكُ الْمَخْصُوصُ وَقِيلَ الشَّرِكَةُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَقِيلَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُ أَحَدُهُمَا إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ تَفْسِيرَهُ بِخِلَافِ مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَعْنَى الْخَلْطِ فِي الشَّرِكَةِ]
(خ ل ط) : بَابُ مَعْنَى الْخَلْطِ فِي الشَّرِكَةِ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي مَعْنَاهُ خِلَافًا قِيلَ الْخَلْطُ الْحِسِّيُّ الَّذِي يُفِيدُ عَدَمَ تَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ وَقِيلَ مُجَرَّدُ اجْتِمَاعِهِمَا فِي حَوْزٍ وَاحِدٍ وَقِيلَ هَذَا أَوْ شِرَاءُ كُلٍّ بِمَالِهِ عَلَى الشَّرِكَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي مَحَلِّ الشَّرِكَةِ]
ِ قَالَ ﵀ مَحَلُّهَا مَالٌ أَوْ عَمَلٌ وَهُوَ جَلِيٌّ.
[بَابٌ فِي شُرُوطِ شَرِكَة الْأَبَدَانِ]
ِ قَالَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا شَرْطُهَا اتِّحَادُ صَنْعَتَيْهِمَا وَمَكَانَيْهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ شَرْطَهَا وَلَمْ يُعَرِّفْهَا فَتَأَمَّلْهُ وَذَكَرَ شَرْطَهَا أَنْ لَمْ تُفْتَقَرْ لِآلَةٍ تُقَارِبُهُمَا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ وَمَعْرِفَتِهِ وَوَحْدَةِ الْعَمَلِ وَانْظُرْهُ.
[بَابُ شَرِكَةِ الْوَجْهِ]
(ش ر ك) : بَابُ شَرِكَةِ الْوَجْهِ
قَالَ فَسَّرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَبِيعَ الْوَجِيهُ مَالَ الْخَامِلِ بِزِيَادَةِ رِبْحٍ لِيَكُونَ
стр. 326
لَهُ بَعْضُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى الذِّمَمِ دُونَ مَالٍ وَلَا صَنْعَةٍ عَلَى أَنَّ مَا اشْتَرَيَاهُ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِمَا وَرِبْحُهُ بَيْنَهُمَا وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ الْحَدُّ الْأَوَّلُ مُغَايِرٌ لِلثَّانِي وَالثَّانِي يَرُدُّ شَرِكَةَ الْوَجْهِ إلَى شَرِكَةِ الذِّمَمِ.
(فَإِنْ قُلْت) شَرِكَةُ الذِّمَمِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الشَّرِكَةِ الْمَحْدُودَةِ أَوَّلًا فَكَيْفَ يَصْدُقُ الْمَحْدُودُ الْأَخَصُّ عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِيهَا مُبَايَعَةٌ (قُلْت) لَا بُدَّ مِنْ مُسَامَحَةٍ فِي إطْلَاقِ الشَّرِكَةِ الْعُرْفِيَّةِ عَلَيْهَا وَإِنْ جَرَى الْعُرْفُ بِأَنَّهَا شَرِكَةٌ فَتُرَدُّ عَلَى الْحَدِّ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابٌ فِي شَرِكَةِ الذِّمَمِ]
(ش ر ك) : بَابٌ فِي شَرِكَةِ الذِّمَمِ
قَالَ شَرِكَةٌ بِمَا يَتَقَرَّرُ فِي ذِمَّتِهِمَا مَضْمُونًا عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ شَرِكَةٌ فِيهِ مُسَامَحَةٌ فِي الِاشْتِقَاقِ الْمُؤَدِّي إلَى الدُّورِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الشَّرِكَةُ الْمُطْلَقَةُ مَعْلُومَةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَا يُمَيِّزَ الْأَخَصَّ مِنْهَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْوَكَالَةِ]
(وك ل) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ وَلَا عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ " الْوَكَالَةُ لُغَةً تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ أَحَدُهَا الْحِفْظُ وَهُوَ يَعُمُّ هَذَا الْبَابَ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ خَصَّ ذَلِكَ شَرْعًا عَلَى حِفْظِ خَاصٍّ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ وَهُوَ نِيَابَةٌ خَاصَّةٌ فَلَا تُطْلَقُ عَلَى نِيَابَةِ الْأَمَرَةِ خِلَافًا لِابْنِ رُشْدٍ فَإِنَّهُ سَمَّاهَا وَكَالَةٌ وَكَذَلِكَ عِيَاضٌ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهَا فِي النِّيَابَةِ الْمُطْلَقَةِ، قَالَ الشَّيْخُ مَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ عَلِمَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْوَكَالَةَ عُرْفًا خَاصَّةً بِمَا ذَكَرَ قَالَ: لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عُرْفًا وَذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا فِيهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ " نِيَابَةُ " ذَكَرَهَا جِنْسٌ لِلْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُهَا وَغَيْرُهَا وَخَاصَّةُ النِّيَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ اسْتِحْقَاقُ جَاعِلِهَا فِعْلَ مَا وَقَعَتْ النِّيَابَةُ فِيهِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ بَعْدُ وَإِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ مِنْ الشَّرْعِ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ " ذِي حَقٍّ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ
стр. 327
فَإِنَّهُ لَا نِيَابَةَ لَهُ وَالنِّيَابَةُ الْمَذْكُورَةُ أَصْلُهَا اسْمُ مَصْدَرٍ لَا إنْ كَانَتْ مِنْ نَوَّبَ مُضَعَّفِ الْعَيْنِ وَلَا إنْ أُخِذَتْ مِنْ نَابَ وَالظَّاهِرُ أَخْذُهَا مِنْ نَوَّبَ لِقَوْلِهِ ذِي حَقٍّ هُوَ الْمُنَوَّبُ، وَقَدْ رَأَيْت سُؤَالًا عَلَى ذَلِكَ أُورِدَ عَلَى الشَّيْخِ ﵀ نَذْكُرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ " غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: غَيْرِ إمْرَةٍ لَكَانَ أَخَصْرَ وَلَوْ أَسْقَطَ ذَلِكَ فِي الْحَدِّ الثَّانِي وَلَوْ كَانَ ذَكَرَ لِفَائِدَةٍ لَمَا حَذَفَهُ مِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ " وَلَا عِبَادَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ إمَامَةَ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ مُتَعَلِّقٍ بِنِيَابَةٍ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ قَوْلُهُ " غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ " إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ الْوَصِيَّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِيهِ عُرْفًا وَكِيلٌ وَلِذَا فَرَّقُوا بَيْنَ فُلَانٍ وَكِيلِي وَوَصِيِّي وَهَذَا بَنَاهُ ﵀ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ مِنْ تَحْقِيقِ خُصُوصِيَّتِهَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ مَعْنَاهَا وَأَوْرَدَ لِلشَّيْخِ سُؤَالًا بِأَنَّ اللَّخْمِيَّ قَالَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ قَالَ الشَّيْخُ لَا يُقَالُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَكَالَةٌ فِي الْإِمْرَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَكَالَةٌ عَلَى فِعْلٍ لَا إمَارَةٍ فِيهِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ إنَّهُ قَالَ اعْتَرَضَ عَلَى رَسْمِ الْوَكَالَةِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ قَالَ بِالْإِجَارَةِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا (وَأَجَابَ) بِأَنَّهَا وَكَالَةٌ لِأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْوَكَالَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ بِأَجْرٍ وَبِغَيْرِ أَجْرٍ (قُلْت) هَذَا سُؤَالٌ وَجَوَابٌ فِيهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ الْمَحْدُودَةَ هِيَ الَّتِي تَرْجَمَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ وَهِيَ لَا تَصْدُقُ عَلَى الْإِجَارَةِ الَّتِي تَرْجَمَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ وَإِنْ وُجِدَتْ نِيَابَةٌ فِيهَا بِالِاسْتِلْزَامِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَقُولَةَ مُخْتَلِفَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ جِنْسُهَا عَقْدٌ وَالْوَكَالَةُ جِنْسُهَا نِيَابَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَرَأَيْت بِخَطِّ تَلَامِذَتِهِ مَا كَتَبَهُ مِمَّا أُورِدَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ ﵀ فِي حَدِّهِ لَهَا مَا مَعْنَاهُ أَوْرَدَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ، وَيُقَالُ إنَّهُ تِلْمِيذُهُ الْفَقِيهُ سَيِّدِي الْأَبِيُّ عَلَى شَيْخِهِ أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ ﵁ نِيَابَةُ إلَخْ هَذَا مَصْدَرٌ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى فَاعِلِهِ أَوْ إلَى مَفْعُولِهِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ، أَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ إضَافَتِهِ إلَى فَاعِلِهِ فَلِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تُعْقَلُ إلَّا فِي حَقِّ الْوَكِيلِ لَا فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُوَكَّلُ فَبَطَلَ أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلْفَاعِلِ، وَأَمَّا بُطْلَانُ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَفْعُولِ فُلَانٍ فِي اللَّفْظِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ لِغَيْرِهِ تَمْنَعُ الْإِضَافَةَ إلَى الْمَفْعُولِ، وَقَدْ يُضَافُ لَا إلَى الْفَاعِلِ وَلَا إلَى الْمَفْعُولِ تَقُولُ الْعَرَبُ لَهُ صَوْتٌ صَوْتُ حِمَارٍ فَصَوْت مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِغَيْرِهِمَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ وَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ فَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى وَلَيْسَ الْمَصْدَرُ فِي الْآيَةِ وَلَا فِي الْمِثَالِ مِثْلُ الْحَدِّ إذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ إنَّ النِّيَابَةَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ التَّنْوِيبِ وَالْإِضَافَةِ لِلْفَاعِلِ وَلَا إحَالَةَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵁ -
стр. 328
قَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ النِّيَابَةَ مُسَاوِيَةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ لِلْوَكَالَةِ فَالتَّعْرِيفُ لَهَا بِهَا دَوْرٌ فَلَمَّا ذَكَرَ هَذَا الِاحْتِمَالَ عَرَّفَهَا بِرَسْمٍ آخَرَ فَقَالَ هِيَ جَعْلُ ذِي أَمْرٍ غَيْرِ إمْرَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِغَيْرِ الْمُوجِبِ لُحُوقَ حُكْمِهِ جَاعِلَهُ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ قَوْلُهُ جَعَلَ الْجَعْلَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ قَوْلُهُ ذِي أَمْرٍ أَيْ صَاحِبِ أَمْرٍ وَعَدَلَ عَنْ النِّيَابَةِ لِمَا تَقَدَّمَ اُنْظُرْ لِأَيِّ شَيْءٍ عَدَلَ عَنْ حَقٍّ إلَى أَمْرٍ وَقَوْلُهُ أَمْرُ الْأَمْرِ وَالْحَقُّ يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ أَعَمُّ مِنْ الْحَقِّ، قَوْلُهُ غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ أَخْرَجَ بِهِ نِيَابَةَ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا قَوْلُهُ الْمُوجِبُ لُحُوقَ حُكْمِهِ جَاعِلَهُ صِفَةٌ لِلتَّصَرُّفِ وَجَاعِلُهُ مَفْعُولُ بِلُحُوقٍ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ إمَامَ الصَّلَاةِ قَالَ لِعَدَمِ لُحُوقِ فِعْلِ نَائِبِ الصَّلَاةِ الْجَاعِلِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ التَّصَرُّفَ الْمَجْعُولَ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ يُوجِبُ لُحُوقَ حُكْمِهِ لِلْجَاعِلِ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ الْفَاعِلُ وَإِمَامُ الصَّلَاةِ لَيْسَ فِعْلُهُ كَذَلِكَ قَالَ وَتَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ صَاحِبِهَا يُوجِبُ لُحُوقَهُ بِغَيْرِ الْجَاعِلِ.
(فَإِنْ قُلْت) هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ نَائِبٌ فِي فِعْلِهِ عَنْ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ لَا عَنْ الْمُقَدَّمِ وَالْمَعْلُومُ أَنَّهُ عَنْ الْمُقَدَّمِ وَهُوَ الْجَاعِلُ (قُلْت) هَذَا فِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَدَقَ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْمُقَدَّمِ فَهُوَ نَائِبٌ عَنْ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ أَيْضًا فَصَحَّ خُرُوجُهَا وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَصْلِ الْحَجْرِ وَأَنَّهُ نَقَلَ الْخِلَافَ إذَا قَدَّمَ الْقَاضِي رَجُلًا عَلَى أَيْتَامٍ هَلْ هُوَ وَكِيلٌ عَنْ الْقَاضِي أَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ جَبَرَ الْخَلَلَ الَّذِي تَرَكَهُ الْأَبُ وَهُوَ عَدَمُ التَّقْدِيمِ قَالَ وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْمُقَدَّمُ رُشْدَ الْمَحْجُورِ هَلْ يَدْفَعُ الْمَالَ لَهُ دُونَ مَشُورَةِ قَاضٍ قَالَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مَشُورَتِهِ فَتَأَمَّلْ هَذَا النَّقْلَ مَعَ مَا نَقَلَ غَيْرُهُ وَتَأَمَّلْ إنَّ مُقَدَّمَ الْقَاضِي قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْ الْقَاضِي فِي قَوْلٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ أَتَى بِحَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ هِيَ نِيَابَةٌ فِيمَا لَا تَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ قَالَ ﵀ هَذَا بَاطِلٌ ضَرُورَةً بِمَا ذَكَرَ خُرُوجَهُ مِنْ إمَامِ الطَّاعَةِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ هَذَا مَا ذَكَرَ وَيُبْطِلُ طَرْدَهُ أَيْضًا بِأَدَاءِ وَاجِبٍ عَنْ الْغَيْرِ لَا بِأَمْرِهِ كَقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ هَارُونَ وَيُبْطِلُهُ أَيْضًا النِّيَابَةُ فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَرَدَّهُ الشَّيْخُ ﵁ بِأَنَّا نَمْنَعُ صَادِقِيَّةِ النِّيَابَةِ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُمَا دَلَّا عَلَى أَنَّ شَرْطَ النِّيَابَةِ اسْتِحْقَاقُ جَاعِلِهَا فِعْلَ مَا وَقَعَتْ النِّيَابَةُ فِيهِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ فَإِنَّهُ حَسَنٌ إنْ صَحَّ الِاسْتِقْرَاءُ مِنْ الشَّرْعِ كَمَا ذُكِرَ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ الشَّيْخِ ذَلِكَ وَلِذَا ذَكَرَ النِّيَابَةَ فِي جِنْسِ حَدِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ
стр. 329
وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ كَلَامٍ فِي مُنَاقَضَةِ لَفْظِهِ وَبَيَانِ حُسْنِ إلْزَامِهِ وَذَلِكَ أَنَّ شَيْخَهُ ﵀ قَالَ ظَاهِرُ لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ الرُّسُومِ كَعَادَتِهِ فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذَا وَإِنَّ مَعْنَى الْوَكَالَةِ جَلِيٌّ وَهُوَ النِّيَابَةُ لَا يَحْتَاجُ إلَّا إلَى تَفْسِيرِ اللَّفْظِ فَقَطْ لَا إلَى حَدٍّ وَلَا إلَى رَسْمٍ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى مَحَلِّ الْوَكَالَةِ فَيَكُونُ قَصْدُهُ بَيَانَ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْوَكَالَةُ، وَلِذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْوَكِيلُ مَعْرُوفٌ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ عَنْهُ بَعْدَ نَقْلِهِ هَذَا الْكَلَامَ، قَوْلُهُ أَوَّلًا ظَاهِرُ لَفْظِهِ أَنَّهُ رَسْمٌ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ ثَانِيًا الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَقْرَبُ لِلْفَهْمِ مِنْ غَيْرِهِ فَجَعَلَ نَقِيضَهُ أَقْرَبَ يُنَاقِضُهُ وَقَوْلُهُ لَا يَحْتَاجُ إلَّا إلَى تَفْسِيرِ اللَّفْظِ بِاللَّفْظِ نَصَّ مِنْهُ أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لَفْظِيٌّ وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ لَا يُنْجِيهِ مِنْ التَّعَقُّبِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّعْرِيفِ اللَّفْظِيِّ اتِّحَادُ مَدْلُولِ اللَّفْظَيْنِ وَهُمَا هُنَا مُتَغَايِرَانِ لِأَنَّ مَدْلُولَ النِّيَابَةِ أَعَمُّ مِنْ مَدْلُولِ الْوَكَالَةِ لِصِدْقِ النِّيَابَةِ عَلَى مَا لَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ الْوَكَالَةُ فَإِنَّ النِّيَابَةَ تَصْدُقُ عَلَى إمَامِ الطَّاعَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَلَا تَصْدُقُ الْوَكَالَةُ عَلَى ذَلِكَ فَصَارَ كَمَنْ عَرَّفَ الْقَمْحَ بِقَوْلِهِ هُوَ الْحَبُّ الْمَأْكُولُ وَهَذَا بَحْثٌ حَسَنٌ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى.
(فَإِنْ قُلْت) هَلْ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الشَّيْخِ الْوَكَالَةُ الْمُطْلَقَةُ وَالْمُقَيَّدَةُ أَوْ لَا تَدْخُلُ إلَّا الْمُقَيَّدَةُ (قُلْت) الظَّاهِرُ دُخُولُ الْوَكَالَتَيْنِ فِي الْحَدِّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَالَ ذِي حَقٍّ لِغَيْرِهِ فِيهِ حَقٌّ فَالْحَقُّ لَا إنْ كَانَ مُطْلَقًا وَلَا إنْ كَانَ عَامًّا إلَّا مَا خَصَّصَتْهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ لِعُرْفٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(فَإِنْ قُلْت) إذَا قَالَ لِرَجُلٍ أَقِرَّ عَنِّي أَوْ اعْتَرِفْ عَنِّي بِمِائَةِ دِينَارٍ فَهَلْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَكَالَةٌ أَوْ اعْتِرَافٌ مِنْ الْآمِرِ فَإِنْ كَانَتْ وَكَالَةً فَكَيْفَ يَصِحُّ دُخُولُهَا فِي الْحَدَّيْنِ (قُلْت) هَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرَهَا الْمَازِرِيُّ ﵀ وَذَكَرَ فِيهَا وَجْهَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَاَلَّذِي حَقَّقَ الشَّيْخُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إقْرَارِهِ بِذَلِكَ أَوْ جَعْلِهِ ذَلِكَ بِيَدِ غَيْرِهِ فَانْظُرْهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمَهُ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْنِي لِرَجُلٍ وَأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ الشِّرَاءَ وَرِضَاهُ قَالَ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَبَ لِلشَّيْءِ إرَادَةٌ لَهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابٌ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْوَكَالَةُ]
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ قَالَ اللَّخْمِيُّ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ
стр. 330
وَالْجُعْلُ وَالْإِجَارَةُ وَاقْتِضَاءُ الدَّيْنِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقُ وَإِقَامَةُ الْحَدِّ وَبَعْضُ الْقُرَبِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ إلَّا أَنَّهُ أَضَافَ ذَلِكَ لِلنِّيَابَةِ لَا لِلْوَكَالَةِ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ بَعْدُ وَالِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْمُوَكَّلِ أَوْ عَلَيْهِ غَيْرُ خَاصٍّ بِهِ جَازَ فِيهِ التَّوْكِيلُ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ قَالَ وَقَوْلُنَا غَيْرُ خَاصٍّ بِهِ احْتَرَزْنَا بِهِ بِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِغَيْرِهِ فَوَكَّلَ غَيْرَهُ عَلَى أَدَائِهَا فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ؛ لِأَنَّ حَلِفَ غَيْرِهِ غَيْرُ حَلِفِهِ فَهُوَ غَيْرُ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْت) الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ ﵀ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَجُوزُ فِيهِ الْوَكَالَةُ عَرَّفَهَا بِمَا تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْوَكَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ أَخَصُّ مِنْ النِّيَابَةِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَاوَاةُ وَذَلِكَ مُنَافٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ (قُلْت) لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ مَصْدُوقِهِمَا وَلَا يَلْزَمُ التَّسَاوِي بِمَا ذَكَرَ أَنَّ النِّيَابَةَ خَاصَّةٌ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ.
(فَإِنْ قُلْت) مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ مَجْهُولٌ لِلسَّامِعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّفْسِيرُ بِهِ (قُلْت) لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَّهُ قَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ إلَخْ فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِمَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ شَرْعًا فَتَصِحُّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَكَالَةُ.
(فَإِنْ قُلْت) مَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ ﵀ وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ إلَخْ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ أَضَافَ ذَلِكَ لِلنِّيَابَةِ لَا لِلْوَكَالَةِ (قُلْت) يَظْهَرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ عَائِدَةٌ إلَى الْمِثْلِ وَإِنَّ اللَّخْمِيَّ أَضَافَهَا لِلْوَكَالَةِ وَالْمَازِرِيُّ أَضَافَهَا إلَى النِّيَابَةِ وَفِي ذَلِكَ إشْكَالٌ وَهُوَ يُنَاقِضُ مَا قَدَّمْنَاهُ الْآنَ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِنَّ اللَّخْمِيَّ لَمْ يَقْصِدْ تَفْسِيرَ مَا تَجُوزُ فِيهِ الْوَكَالَةُ بِمَا تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ كَمَا بَيَّنَّاهُ إلَّا عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَقَلَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَلَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَعْمَالِ الْأَبَدَانِ الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ إلَّا أَنَّهُ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِهِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَيَنْقُضُ قَوْلُهُ فِي أَعْمَالِ الْأَبَدَانِ الْمَحْضَةِ بِقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي الْعَاجِزِ عَنْ الرَّمْيِ لِمَرَضٍ فِي الْحَجِّ يَرْمِي عَنْهُ.
(فَإِنْ قُلْت) هَلْ تَدْخُلُ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْوَكَالَةُ فِي الْكَفَالَةِ (قُلْت) يَظْهَرُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ وَشَرَحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَتَكَفَّلْ عَنْهُ، وَقَدْ رَدَّهُ الشَّيْخُ ﵀ بِإِنَّ الْوَكَالَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيمَا يَصِحُّ لِلْمُوَكِّلِ مُبَاشَرَتُهُ وَكَفَالَةُ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ مُمْتَنِعَةً وَشَرَحَهُ ابْنُ هَارُونَ بِوَجْهٍ آخَرَ يُمْكِنُ دُخُولُ الْكَفَالَةِ فِيهِ اُنْظُرْهُ (فَإِنْ قُلْت) وَهَلْ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي الطَّلَاقِ
стр. 331
قُلْت) نَعَمْ، وَقَدْ نَصُّوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الظِّهَارُ فَقَالَ ابْنُ هَارُونَ لَا تَصِحُّ فِي الظِّهَارِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ مِنْ الْقَوْلِ قَالَ وَيَجْرِي عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَاسَ الظِّهَارَ عَلَى الطَّلَاقِ فَكَمَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي الطَّلَاقِ تَصِحُّ فِي الظِّهَارِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ إنْشَاءٌ مُجَرَّدٌ وَفَرَّقَ الشَّيْخُ ﵀ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الظِّهَارِ.
(فَإِنْ قُلْت) مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ مِنْ ضَابِطِ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَالِاسْتِقْرَاءُ إلَخْ هَلْ يَرْجِعُ إلَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَوْ يُخَالِفُهُ (قُلْت) يَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَعْنًى وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ طَرْدًا وَعَكْسًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]
(ق ر ر) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
الْإِقْرَارُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الِاعْتِرَافُ وَيُقَالُ قَرَّرَهُ فَأَقَرَّ إذَا حَمَلَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ وَحَقِيقَتِهِ الْعُرْفِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ لَمْ يُعَرِّفُوهُ وَكَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ بَدِيهِيٌّ وَمَنْ أَنْصَفَ لَمْ يَدْعُ بَدَاهَتَهُ لِأَنَّ مُقْتَضَى حَالِ مُدَّعِيهَا أَنَّهُ " قَوْلٌ يُوجِبُ حَقًّا عَلَى قَائِلِهِ " وَلَا شَكَّ فِيمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵁ وَإِنَّ تَصَوُّرَ مَاهِيَّتِه الْعُرْفِيَّةِ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِهِ يَتَرَدَّدُ فِيهَا هَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ أَمْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ فِي الصَّلَاةِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآنَ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَقِرَّ عَنِّي بِمِائَةٍ هَلْ هُوَ إقْرَارٌ أَوْ وَكَالَةٌ فَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ ضَرُورِيَّ التَّصَوُّرِ لَمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي تَصَوُّرِ فَرْدٍ مِنْ مَصْدُوقَاتِهِ وَمَا أَثْمَرَهُ حَالُهُ مُدَّعِي الضَّرُورَةِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ إنَّمَا أَوْجَبَ لَهُ تَصَوُّرُ أَمْرٍ عَامٍّ وَالنِّزَاعُ فِي مُسَمَّاهُ الْعُرْفِيُّ الْخَاصُّ بِهِ عُرْفًا، ثُمَّ قَالَ ﵁ وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ فَيُعَرَّفُ بِأَنَّهُ " خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ بِلَفْظِهِ أَوْ لَفْظِ نَائِبِهِ " قَوْلُهُ " خَبَرٌ " جِنْسٌ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنْشَاءُ لِأَنَّهُ قَسِيمُهُ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ يَقَعُ بِهِ مَدْلُولُهُ وَالْخَبَرُ يَتْبَعُ مَدْلُولَهُ قَالَ الشَّيْخُ وَتَخْرُجُ الْإِنْشَاءَاتُ كَبِعْت وَاشْتَرَيْت وَنَطَقَ الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَشَارَ إلَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَخْبَارًا فَلَا تَدْخُلُ فِي الْحَدِّ وَفِي جِنْسِهِ، ثُمَّ قَالَ وَلَازِمُهُمَا أَيْ نَطَقَ بِمَا يَسْتَلْزِمُ الْتِزَامَ الشَّهَادَتَيْنِ (قُلْت) ، أَمَّا خُرُوجُ
стр. 332
الْإِنْشَاءَاتِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا النُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ إنْشَاءٌ وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا كَمَا قِيلَ فِي اللَّهُ أَكْبَرُ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ الْإِخْبَارُ عَنْهَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ إقْرَارٌ فَتَأَمَّلْهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ " يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ " أَخْرَجَ بِهِ الرِّوَايَةَ وَالشَّهَادَةَ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ فَذَلِكَ خَبَرٌ أَوْجَبَ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى مُخْبِرِهِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَإِنَّهُ خَبَرٌ أَوْجَبَ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ وَإِذَا قَالَ فِي ذِمَّتِي دِينَارٌ فَهُوَ خَبَرٌ أَوْجَبَ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى الْمُخْبِرِ وَحْدَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَطْ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِرَارًا، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵀ رُبَّمَا أَوْهَمَ عِنْدَ سَائِلٍ مَا يُورَدُ عَلَى حَدِّهِ بِإِخْبَارِ الْقَائِلِ زَيْدٌ زَانٍ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ إلَى آخِرِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إقْرَارًا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْحَدُّ بِصَادِقٍ عَلَيْهِ لِقَوْلِنَا حُكْمَ صِدْقِهِ وَهَذَا أَوْجَبَ حُكْمًا عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حُكْمُ مَا اقْتَضَاهُ الصِّدْقُ؛ لِأَنَّ مَا اقْتَضَاهُ الصِّدْقُ جَلْدُ مِائَةٍ عَلَى غَيْرِهِ وَالْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذَا ثَمَانُونَ إنْ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا هَذَا كَانَ يَمُرُّ فِي فَهْمِهِ وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ نَظَرٌ. .
[بَابُ الْمُقِرِّ]
(ق ر ر) : بَابُ الْمُقِرِّ
الشَّيْخُ ﵀ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ رَسْمًا وَلَا ضَابِطًا كَعَادَتِهِ وَكَذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِصُعُوبَةِ ضَبْطِهِ فِي رَسْمٍ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ الْعَامَّ مَعَ الصِّبَا يُلْغِيهِ مُطْلَقًا وَمَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَكَانَ سَفِيهًا بَالِغًا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي الْبَدَنِ وَحَجْرُ الْمُفْلِسِ يُبْطِلُهُ فِي مُتَعَلِّقِ حَجْرِهِ فَقَطْ وَحَجْرُ الرِّقِّ يُلْغِيهِ فِي الْمَالِ لَا الْبَدَنِ وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ يَجُوزُ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَأَنْتَ تَرَى كَثْرَةَ الشُّرُوطِ وَاخْتِلَافَ مَحَالِّهَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْمُقِرِّ لَهُ]
(ق ر ر) : بَابُ الْمُقِرِّ لَهُ
قَالَ قَالَ الْمَازِرِيُّ مَنْ يَصِحُّ مِلْكُهُ لَا مَنْ يَمْتَنِعُ كَالْحَجْرِ قَالَ الشَّيْخُ فَيَصِحُّ لِلْعَبْدِ لِصِحَّةِ مِلْكِهِ قَوْلُهُ " مَنْ يَصِحُّ مِلْكُهُ " لَا شَكَّ أَنَّ الْعَبْدَ يَصِحُّ مِلْكُهُ فَلَوْ اعْتَرَفَ لِدَابَّةٍ فَلَيْسَ بِمُقِرٍّ لَهَا شَرْعًا وَلَوْ اعْتَرَفَ بِحَمْلٍ صَحَّ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ الْمِلْكِ وَقَوْلُ الشَّيْخُ لَا مَنْ
стр. 333
يَمْتَنِعُ هَذَا الْكَلَامُ لَمْ تَظْهَرْ ثَمَرَةُ زِيَادَتِهِ وَلَا قُوَّةِ مَعْنَاهُ قَالُوا الْمُقِرُّ بِالْحَمْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ بَيَّنَ مَا يَصِحَّ عَمِلَ عَلَيْهِ وَإِنْ بَيَّنَ مَا لَا يَصِحُّ بَطَلَ وَإِنْ تَعَذَّرَ تَفْسِيرُهُ فَفِيهِ كَلَامٌ يَطُولُ جَلَبَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ صِيغَةِ مَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِ]
(ص وغ) : بَابُ صِيغَةِ مَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ مَا دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ دَعْوَى الْمُقِرِّ لَهُ مِنْ لَفْظِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ إشَارَته بِدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ تَأَمَّلْ هُنَا مَسَائِلَ وَانْظُرْ هَذَا الرَّسْمَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ صِيغَةِ مَا قُدِّمَ مِنْ الْحُدُودِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الصِّيغَةَ أَعَمُّ مِنْ اللَّفْظِ أَوْ الْفِعْلِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[كِتَابُ الِاسْتِلْحَاقِ]
(ل ح ق) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الِاسْتِلْحَاقِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " ادِّعَاءُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَبٌ لِغَيْرِهِ " قَوْلُهُ " ادِّعَاءُ الْمُدَّعِي " جِنْسٌ يَشْمَلُ ادِّعَاءَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْجَدِّ وَالْأُمِّ قَوْلُهُ " أَنَّهُ أَبٌ " أَخْرَجَ بِهِ مِنْ ذَكَرَ فَإِنْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْأَبِ قَالَ الشَّيْخُ وَيَخْرُجُ قَوْلُهُ هَذَا أَبِي وَهَذَا أَبُو فُلَانٍ وَيَخْرُجُ عَنْهُ أَيْضًا قَوْلُ الرَّجُلِ لِوَلَدِهِ هَذَا وَلَدِي لِأَنَّهُ لَيْسَ بِادِّعَاءٍ؛ لِأَنَّ الِادِّعَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا جُهِلَتْ الدَّعْوَى فِيهِ.
(فَإِنْ قُلْت) لَوْ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ ادِّعَاءُ شَخْصٌ أَنَّ إنْسَانًا وَلَدَهُ لَصَحَّ وَكَانَ أَخَصْرُ فَلِأَيِّ شَيْءٍ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ (قُلْت) لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمُدَّعِي لَهُ مَدْخَلٌ وَفِيهِ جِنْسٌ وَأَخْرَاجٌ بِخَاصِّيَّةٍ فَفِيهِ رَسْمٌ تَامٌّ.
(فَإِنْ قُلْت) حَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يُخْرِجُ بِهِ كَثِيرًا مِنْ صُوَرٍ مَذْكُورَةٍ فِي الِاسْتِلْحَاقِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الِاسْتِلْحَاقِ (قُلْت) لَيْسَتْ مِنْ الِاسْتِلْحَاقِ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ فِيهِ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ وَرَسْمُهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْت) إذَا خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ
стр. 334
اسْتِلْحَاقًا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّهُمْ أَوْ مَلَكَهَا (قُلْت) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِلْحَاقٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا.
(فَإِنْ قُلْت) الِاسْتِلْحَاقُ اسْتِفْعَالُ وَاصِلِهِ طَلَبَ لُحُوقِ شَيْءٍ وَالِادِّعَاءُ إخْبَارٌ بِقَوْلٍ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَالْأَخْبَارُ غَيْرُ الطَّلَبِ (قُلْت) الِاسْتِلْحَاقُ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ كَمَا ذَكَرَ وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ غَلَبَ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فَلِذَلِكَ عَرَّفَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ وَذَكَرَ فِيهِ الْجِنْسَ الْمُنَاسِبَ لِمَعْنَاهُ فِي الْعُرْفِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُنَا لِلْفَهْمِ عَنْهُ بِمَنِّهِ.
[بَابُ مُبْطِلِ الِاسْتِلْحَاقِ]
: بَابُ مُبْطِلِ الِاسْتِلْحَاقِ قَالَ ﵀ مَانِعُ الْعَقْلِ أَوْ الْعَادَةِ أَوْ الشَّرْعِ، أَمَّا مَانِعُ الْعَقْلِ فَكَمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَلْحَقُ صَغِيرًا وَاسْتَلْحَقَ أَكْبَرَ مِنْهُ وَمَانِعُ الْعَادَةِ كَمَا إذَا عَلِمَ مِنْ حَالِهِ إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَ الْوَلَدِ لِبُعْدِهَا وَالشَّرْعُ كَمَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ اشْتَهَرَ بِنَسَبِهِ لِغَيْرِهِ وَتَأَمَّلْ مَا فَسَّرَ بِهِ الشَّيْخُ الْأَوَّلَ وَمِثْلُ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَإِنْ قُلْت) بَقِيَ عَلَى الشَّيْخِ ﵀ مَانِعٌ آخَرُ وَهُوَ تَكْذِيبُ الْمُسْتَلْحَقِ لِمَنْ اسْتَلْحَقَهُ (قُلْت) ذَكَرَ فِي ذَلِكَ طُرُقًا فِي الْمَذْهَبِ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ]
(ود ع) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْوَدِيعَةِ
الْوَدِيعَةُ لُغَةً بِمَعْنَى الْأَمَانَةِ وَهُمَا مُتَرَادِفَانِ كَذَا قِيلَ وَتُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحِفْظِ وَذَلِكَ يَعُمُّ حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ الْآدَمِيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ﴾ [النساء: ٥٨] وَوَقَعَ لِلْمُقْرِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ كَلَامٌ لَا يَحِلُّ كُتُبُهُ وَلَا نَقَلَهُ نَبَّهْت عَلَيْهِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَيُقَالُ أَوْدَعَ فُلَانٌ فُلَانًا عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ صَيَّرَهُ نَائِبًا عَنْهُ فِي حِفْظِ مَالِهِ وَعَلَى مَعْنَى ذَلِكَ يُفْهَمُ مَعْنَى مَا وَرَدَ أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَك وَأَمَانَتَك مَعْنَاهُ أَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ
стр. 335
الْحِفْظَ لَك، وَأَمَّا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فَهِيَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَعَلَى الِاسْمِ كَمَا قَدَّمَ الشَّيْخُ ذَلِكَ مِرَارًا.
(فَإِنْ قُلْت) إذَا تَقَرَّرَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إنَّهَا تَرِدُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ فَهَلَّا قَالَ حَدُّهَا مَصْدَرًا وَحَدُّهَا اسْمًا (قُلْت) قَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى مَعْنَى ذَلِكَ لَا إلَى لَفْظِهِ كَمَا يُرَدُّ عَلَيْك مِنْ كَلَامِهِ.
(فَإِنْ قُلْت) قَدْ قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ لَهَا مَعْنًى عَامٌّ وَلَهَا مَعْنًى خَاصٌّ وَإِنَّ مَعْنَاهَا الْخَاصُّ مَا يَخُصُّ مَحَلُّهَا هُنَا وَمَعْنَاهَا الْعَامُ يَصْدُقُ عَلَى مَسَائِلَ مِنْ النِّيَابَةِ فِي حِفْظِ الْوَلَدِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْأَمَةِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِهَا فَهَلَّا قَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا، أَمَّا حَدُّهَا الْعَامُّ، وَأَمَّا حَدُّهَا الْخَاصُّ كَمَا فَعَلَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْحَقَائِقِ (قُلْت) الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ لَا الْعُرْفِيِّ الشَّرْعِيِّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَخُصَّ الْعَامَّ بِرَسْمٍ (قُلْت) وَهَذَا وَاضِحٌ فِي حِفْظِ الْوَلَدِ فَلَا يَصِحُّ فِي حِفْظِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي الرَّسْمِ وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ أَدْخَلَهَا وَذَكَرَ كَلَامًا فِيهِ بَحْثٌ إذَا تَأَمَّلْته لِأَنَّ الْمَقْصِدَ الْعُرْفِيَّ الْوَدِيعَةِ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ فَتَأَمَّلْهُ قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ بِمَعْنَى الْإِيدَاعِ يَعْنِي الْوَدِيعَةَ فَالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ قَالَ نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِ مِلْكٍ يُنْقَلُ قَوْلُهُ " نَقْلُ " مُنَاسِبٌ لِلْمَحْدُودِ وَهُوَ جِنْسٌ لَهُ قَوْلُهُ مُجَرَّدُ حِفْظٍ وَلَمْ يَقُلْ حِفْظُ لِيُخْرِجَ مَا فِيهِ نَقْلُ الْحِفْظِ مَعَ التَّصَرُّفِ كَالْوَكَالَةِ، وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا مُجَرَّدُ الْحِفْظِ فَقَطْ وَيَخْرُجُ الْإِيصَاءُ.
(فَإِنْ قُلْت) عَادَتُهُ إذَا قَصَدَ الْخُصُوصِيَّةَ فِي مَعْنَى أَنْ يَذْكُرَ لَفْظَةَ فَقَطْ وَهُوَ أَخَصْرُ مِنْ مُجَرَّدُ فَلَوْ قَالَ نَقْلُ حِفْظِ مِلْكٍ فَقَطْ يُنْقَلُ لَصَحَّ وَكَانَ أَخَصْرَ مِنْ مُجَرَّدٍ (قُلْت) لَوْ قَالَ نَقْلُ حِفْظِ مِلْكٍ فَقَطْ رُبَّمَا أَوْهَمَ رُجُوعَهُ إلَى الْمِلْكِ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْحِفْظِ فَلِذَا ذَكَرَ لَفْظَةَ مُجَرَّدُ لِتَعْيِينِهَا وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ مِلْكِ إذَا أَوْدَعَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ لِحِفْظِهِ فَأَنَّهُ لَيْسَ وَدِيعَةً وَقَوْلُهُ " يُنْقَلُ " صِفَةٌ لِلْمِلْكِ وَأَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يُنْقَلُ مِنْ الْأُصُولِ كَالرُّبْعِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَيَدْخُلُ فِي الْحَدِّ إيدَاعُ الْوَثَائِقِ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ، قَالَ وَيَخْرُجُ حِفْظُ الْإِيصَاءِ
وَالْوَكَالَةُ لِأَنَّهُمَا لَا زَيْدَ مِنْهُ، يَعْنِي لِأَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ الْمُخْرِجَةَ فِيهَا أَزْيَدُ مِنْ الْحِفْظِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ إنَّ خَاصَّتَهَا مُجَرَّدُ الْحِفْظِ قَالَ وَحِفْظُ الرُّبْعِ يَعْنِي أَنَّهُ خَارِجٌ كَمَا خَرَجَ مَا قَبْلَهُ لَكِنَّ مَخْرَجَهُ قَوْلُهُ يُنْقَلُ وَالرُّبْعُ لَا يُنْقَلُ فِيهِ وَيُخْرِجُ الْأَوَّلَ مَا ذَكَرْنَا وَلِذَا كَرَّرَ الشَّيْخُ الْحِفْظَ مَعَ الرُّبْعِ فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ وَبِمَعْنَى لَفْظِهَا، أَيْ الْوَدِيعَةُ حَدُّهَا بِمَعْنَى لَفْظِهَا الِاسْمِيِّ لَا مَعْنَى لَفْظِ الْإِيدَاعِ أَشَارَ إلَى مَعْنَاهَا الِاسْمِيِّ وَهُوَ الْمَعْلُومُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ
стр. 336
الْمُسْتَعْمَلُ مُتَمَلِّكٌ نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِهِ يُنْتَقَلُ قَوْلُهُ " مُتَمَلِّكٌ " اسْمٌ مِنْ الْأَسْمَاءِ جِنْسٌ مُنَاسِبٌ لِلْمَحْدُودِ عُرْفًا وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُودَعُ.
(فَإِنْ قُلْت) هَلَّا قَالَ مِلْكٌ وَهُوَ أَخَصْرُ (قُلْت) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَنَّ الْمَعْنَى النِّسْبِيَّ وَالِاسْمِيَّ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ بَيَانُ مَعْنَى مَا عُيِّنَ لِذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ (فَإِنْ قُلْت) إنْ صَحَّ مَا قَرَّرْته فَهَلَّا قَالَ مَمْلُوكٌ وَهُوَ أَخَصْرُ مِنْ مُتَمَلِّكٍ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْته (قُلْت) هَذَا رُبَّمَا يُقَالُ وَارِدٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَمْلُوكَ أَخَصُّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْمُتَمَلِّكِ وَالْقَصْدُ مَا يَعُمُّ مَا ثَبَتَ مِلْكُهُ أَوْ تَمَلُّكُهُ بِوَضْعِ الْيَدِ الْجَائِزَةِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ التَّأَمُّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ قَوْلُهُ " نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِهِ يُنْتَقَلُ " تَقَدَّمَ مَا يَخْرُجُ بِهَذِهِ الْقُيُودِ فِي الْحَدِّ الْمَصْدَرِيِّ.
(فَإِنْ قُلْت) أَعْرَابُ يَنْتَقِلُ يَظْهَرُ أَنَّهُ جُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ حَالَةُ كَوْنِهِ مُتَنَقِّلًا أَوْ صَفُّهُ لِيَخْرُجَ بِهِ الرُّبْعُ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَهَلَّا قَالَ مَنْقُولٌ وَهُوَ أَخَصْرُ وَالْأَصْلُ الْإِفْرَادُ (قُلْت) لَعَلَّ جَوَابَهُ أَنَّ هَذَا أَصْرَحُ فِي الْبَيَانِ.
(فَإِنْ قُلْت) وَهَلَّا اخْتَصَرَ وَقَالَ أَمَّا حَدُّهُ اسْمًا وَمَصْدَرًا كَعَادَتِهِ وَقَوْلُهُ بِمَعْنَى لَفْظِهَا فِيهِ طُولٌ فِي الْجَوَابِ (قُلْت) يَأْتِي مَا يُنَاسِبُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُفَهِّمُنَا عَنْهُ.
(فَإِنْ قُلْت) الشَّيْخُ ﵁ كَيْفَ صَحَّ أَنْ يَقُولَ فِي رَسْمِ الْوَدِيعَةِ بِمَعْنَى الْإِيدَاعِ فَخَرَجَ حِفْظُ الْإِيصَاءِ وَالْوَكَالَةِ لِأَنَّهُمَا لَا زَيْدَ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَقَعُ الْإِخْرَاجُ بَعْدَ صِحَّةِ إدْخَالِ الْمَخْرَجِ، وَقَدْ قَدَّمَ أَنَّ حَدَّ الْوَكَالَةِ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ إلَخْ فَقَدْ ذَكَرَ فِي جِنْسِهَا النِّيَابَةَ فَيُقَالُ دَائِمًا، أَمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ النَّقْلِ أَوْ يُقَالُ بِصِحَّةِ الدُّخُولِ وَإِنَّ النِّيَابَةَ أَخَصْرُ فَتَخْرُجُ بِمُجَرَّدِ الْحِفْظِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ الْإِخْرَاجُ الْمَذْكُورُ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا دُخُولَ لَهَا فِي النَّقْلِ لِعَدَمِ صَادِقِيَّتِهِ عَلَيْهَا وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَيُقَالُ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الشَّيْخِ فِي مُرَاعَاةِ شِدَّةِ اخْتِصَارِهِ أَنْ يَقُولَ فِي الْوَكَالَةِ نَقْلُ ذِي حَقٍّ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ أَخَصْرُ وَيُؤَدِّي مَعْنَى النِّيَابَةِ عَلَى تَسْلِيمِ مَا ذَكَرَ (قُلْت) الظَّاهِرُ أَنَّ النَّقْلَ أَعَمُّ وَإِنَّ النِّيَابَةَ دَاخِلَةٌ تَحْتَهُ وَإِنَّمَا خَصَّ حَدَّ الْوَكَالَةِ بِمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ الْجِنْسُ الْقَرِيبُ وَعِنْدِي لَوْ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ الْإِيدَاعُ هُوَ تَنْوِيبٌ فِي مُجَرَّدِ حِفْظِ مِلْكٍ يُنْقَلُ لَكَانَ أَقْرَبُ إلَى مَعْنَى الْإِيدَاعِ وَيَصِحُّ الْإِخْرَاجُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ كَانَ النَّقْلُ أَقَلَّ أَحْرُفًا لَكِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الْحَدِّ أَوْ الرَّسْمِ أَوْجَبُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الِاخْتِصَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ ﵁.
(فَإِنْ قُلْت) لِأَيِّ
стр. 337
شَيْءٍ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ مِلْكٌ يُنْقَلُ فِي الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَقَالَ فِي الْمَعْنَى الِاسْمِيِّ يُنْتَقَلُ عَلَى مَا رَأَيْته فِي النُّسْخَةِ وَالْجَارِي عَلَى عَادَتِهِ يُنْقَلُ فِيهِمَا (قُلْت) هَذَا عَرَضٌ لَنَا فِي أَقْرَاءِ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذِكْرِ رَسْمِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ قُوَّةُ جَوَابٍ.
(فَإِنْ قُلْت) يَظْهَرُ سُؤَالٌ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ فِي الْمَعْنَى الِاسْمِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَهُ قَالَ وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ فَنَقُولُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَتَعَرَّضُ لِرَسْمِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ لَمْ يُطْلِقْهُ عَلَيْهِ عُرْفًا كَمَا قَالَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي خُطْبَتِهِ أَنَّهُ إنَّمَا تَعَرَّضَ لِلْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مُخْتَصَرِهِ (قُلْت) وَقَعَ الْجَوَابُ عَنْهُ ﵀ أَنَّ الْوَدِيعَةَ بِمَعْنَى الْإِيدَاعِ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا قَصْدًا وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِالْعَرَضِ لِيَتِمَّ لَهُ رَدُّهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي كَوْنِهِ عَرَّفَهَا بِقَوْلِهِ اسْتِنَابَةٌ إلَخْ كَمَا نَذْكُرُهُ وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا ذَكَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ اسْتَعْمَلُوا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بَعْدَ حَدِّهِمْ الْوَدِيعَةَ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً وَمَنْدُوبَةً وَمُحَرَّمَةً وَمُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى الِاسْمِيُّ قَطْعًا لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ وَإِنْ وُجِدَ فَهُوَ لِقَرِينَةٍ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْت) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ ﵀ كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ حَدَّهَا اسْمًا كَذَا وَوَقَعَ لَهُ مِثْلُ هَذَا فِي الْعَارِيَّةِ اُنْظُرْهَا وَمَصْدَرًا كَذَا وَهُوَ أَخَصْرُ.
(قُلْت) تَقَدَّمَ لِي هَذَا السُّؤَالُ فِي الْقَدِيمِ وَوَقَعَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَصْلُهَا فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٌ وَلَيْسَتْ مَصْدَرًا وَلَا اسْمَ مَصْدَرٍ وَلَكِنْ إذَا أُرِيدَ بِهَا قَصْدُ الْمَصْدَرِ كَانَ رَسْمُهَا كَذَا وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيُّ كَانَ رَسْمُهَا كَذَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ إذَا كَانَ اللَّفْظُ مَصْدَرًا أَوْ اسْمَ مَصْدَرٍ وَوَقَعَ الْإِقْنَاعُ بِهَذَا الْجَوَابِ، ثُمَّ وَجَدْنَا مَا يَرُدُّهُ مِنْ عَادَةِ الشَّيْخِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِّ الْعَارِيَّةِ اسْمًا وَمَصْدَرًا وَلَفْظُهَا لَيْسَ مَصْدَرًا وَلَا اسْمَ مَصْدَرٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَإِنْ قُلْت) إذَا أَوْدَعَ مُسْلِمٌ خِنْزِيرًا أَوْ خَمْرًا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهِ بِوَجْهٍ (قُلْت) نَعَمْ نَقُولُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ وَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَدِيعَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ الرَّسْمَ لِلصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ حَيْثُ جَرَى الْعُرْفُ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْوَدِيعَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَازِمَ الْوَدِيعَةِ وُقُوعُ الْحِفْظِ فِي الْمُودِعِ وَهَذَا لَا حُرْمَةَ لَهُ فَلَا حِفْظَ لَهُ وَلَا يُقَالُ بِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِأَنَّ الْغَاصِبَ إذَا غَصَبَ شَيْئًا، ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ هُنَا حَرَامٌ فَقَدْ أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ فِي الْخَمْرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْخَمْرُ
стр. 338
لَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ بِوَجْهٍ وَالْمَغْصُوبُ قَابِلٌ لِلْمِلْكِ بَلْ مَمْلُوكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
(فَإِنْ قِيلَ) الْوَصِيُّ يُودِعُ وَالْوَكِيلُ كَذَلِكَ وَالْمُودِعُ يُودِعُ وَلَا مِلْكَ (قُلْنَا) لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِّ أَنَّ الْمِلْكَ لِلنَّاقِلِ بَلْ النَّاقِلُ نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِيهِ الْمِلْكُ شَرْعًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَهَذَا بَعْضُ مَا يَلِيقُ مِنْ كَلَامِهِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ ﵁ وَمَا ذَكَرَ هُنَا بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّقْلَ أَصْلُهُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَإِطْلَاقُهُ فِي الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ مَجَازٌ وَهُوَ مُجْتَنَبٌ فِي الرُّسُومِ وَالْحُدُودِ ضَعِيفٌ وَجَوَابُهُ لَا يَخْفَى، وَقَدْ وَقَعَ لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا يَقْرَبُ مِنْهُ وَأَجَابَ بِمَا تَقِفُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ اُنْظُرْ حَدَّ الْوَكَالَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مَعَ مَا هُنَا فَإِنَّهُ يُنَاسِبُهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵀ أَتَى بِحَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَالْغَزَالِيِّ ﵏ فِي قَوْلِهِمْ اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَاعْتَرَضَهُ وَرَجَّحَ حَدَّهُ الْأَوَّلَ عَلَى حَدِّهِمْ مَعَ اخْتِصَارِهِ وَمُسَاوَاةِ حُرُوفِهِ قَالَ: لِأَنَّهُ بَاطِلٌ فِي عَكْسِهِ بِمَا أَدْخَلَهُ فِي حَدِّهِ مِمَّا عَدَّهُ وَأَبْطَلَ طَرْدَهُ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّهِ قَالَ ﵀ وَالْمُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْمَعْنَى الِاسْمِيُّ وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الرَّسْمَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَصْدُقُ عَلَى الِاسْمِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُسَاوَاةَ الْحُرُوفِ لِلْحُرُوفِ تَمْتِينًا فِي الرَّدِّ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ جَامِعًا مَانِعًا صَادِقًا عَلَى مَقُولَةِ الْمَحْدُودِ، وَقَدْ سَاوَاهُ لَفْظٌ آخَرُ فِي عِدَّتِهِ مَعَ كَوْنِهِ لَا مُطَّرِدًا وَلَا مُنْعَكِسًا وَلَا حَافِظًا لِمَقُولَةٍ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ النَّقْدِ فِيهِ وَقَوْلُهُ مَا دَخَلَ فِي إبْطَالِ الْعَكْسِ هُوَ الْوَثَائِقُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا وَمَا خَرَجَ هُوَ الْإِيصَاءُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
قَالَ صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي هِبَةِ الْمُدَوَّنَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحَوْزِ فِي الْأَرْضِ الْغَائِبَةِ قَالَ فَبِهَا إذَا قُلْت فِي الْأَرْضِ قَبَضْت وَقَبِلْت لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَوْزًا كَالْإِشْهَادِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْحَوْزِ.
قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِك أَرْضٌ أَوْ دَارٌ أَوْ رَقِيقٌ بِكِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَذَلِكَ بِبَلَدٍ آخَرَ فَإِنَّ قَوْلَك قَبَضْت حَوْزٌ فَإِنْ لَمْ تَقُلْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ كَانَ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ قَالَ صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِك أَرْضٌ يَنْقُضُ حَدُّ ابْنِ عَرَفَةَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْوَدِيعَةَ رَادًّا عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَشَارَ لِمَا قُلْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ وَدَعْوَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ فِي ذَلِكَ بَعِيدَةٌ، ثُمَّ أَتَى بِنَصِّ حَدِّ الشَّيْخِ وَرَدَّهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمَّا كَانَ فِي كَلَامِهِ بَعْضُ نَقْضٍ فِي الْأَفْهَامِ كَمَّلَهُ صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ فَقَالَ وَجْهُ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ عَلَى الشَّيْخِ
стр. 339
ابْنِ عَرَفَةَ بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهَا أَوْ وَدِيعَةٌ رُجُوعُ الْوَدِيعَةِ إلَى الْأَرْضِ فَقَدْ صَدَقَ أَنَّ الْأَرْضَ تَكُونُ وَدِيعَةً فَصَحَّ أَنَّ الرُّبْعَ شَرْعًا يَصِحُّ إيدَاعُهُ فَبَطَلَ اشْتِرَاطُهُ فِي الْحَدِّ أَنَّ الْمُودَعَ مِمَّا يُنْقَلُ وَبَطَلَ رَدُّهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.
قَالَ وَقَوْلُهُ وَدَعْوَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ إلَخْ هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا ذَكَرْت بَلْ الْوَدِيعَةُ تَرْجِعُ إلَى الرَّقِيقِ وَالْعَارِيَّةُ تَرْجِعُ إلَى الدَّارِ وَالْكِرَاءُ إلَى الْأَرْضِ لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا، فَقَالَ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُسَلَّمًا لَكِنَّهُ بَعِيدٌ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ وَلَا دَلِيلَ يَصْرِفُهُ عَنْهُ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ الشَّيْخَانِ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الرَّدِّ عَلَى الشَّيْخِ إنْسَانٌ عَيَّنَ صُدُورَ الزَّمَانِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ فِي تَعْرِيفِهِ لِهَذِهِ الْحَقَائِقِ إنَّمَا يُعَرِّفُ مِنْهَا مَا كَانَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً أَوْ تَمَالَتْ عَلَى إطْلَاقِهِ أُمَّهَاتِ الْكُتُبِ، وَقَدْ قَالُوا أَوْدَعْت الثَّوْبَ وَالدَّابَّةَ وَالْمَالَ وَلَمْ يَقُولُوا أَوْدَعْت الدَّارَ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ قَوْلُ الْقَائِلِ وَلَمْ يَقُولُوا شَهَادَةً عَلَى النَّفْيِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ إطْلَاقِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي إطْلَاقِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ ثُبُوتُ الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يُوجَدْ وَهَذَا كَافٍ فِي اسْتِدْلَالِهِ فَإِذَا سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَرَدُّهُمَا بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي إطْلَاقِ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا لَا يُنْقَلُ لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ وَتَأْوِيلُهُ بِمَا ذَكَرْنَا يُعَيِّنُ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الظَّاهِرَ مَا ذُكِرَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا صَحَّ الِاسْتِقْرَاءُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ ذَلِكَ لَا يُعَيِّنُ مَا ذُكِرَ لِلْوَدِيعَةِ فَالْحَمْلُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ الْأَغْلَبُ هُوَ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ ذَلِكَ مَرَّةً لَا يُوجِبُ الْحَقِيقَةَ الْعُرْفِيَّةَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُوجِبُهَا كَثْرَةُ الْإِطْلَاقَاتِ فَصَحَّ مِنْ هَذَا رَسْمُ الشَّيْخِ ﵀ وَرَدِّهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ طَرْدًا وَعَكْسًا وَتَأَوُّلُ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَلَامَهُ ﵀ كِتَابُ الْوَدِيعَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ فِي مَسَائِلِهَا مَا لَا يُنْقَلُ وَذَلِكَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَذَلِكَ كُلُّهُ جَلِيٌّ.
[بَابُ الْمُودِعِ]
(ود ع) : بَابُ الْمُودِعِ بِكَسْرِ الدَّالِ
قَالَ ﵀ مَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْوَدِيعَةِ بِمِلْكٍ أَوْ تَفْوِيضٍ أَوْ وِلَايَةٍ فَيَدْخُلُ الْقَاضِي فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْغَائِبِ وَالْمَسْجُونِ قَوْلُهُ " مَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ " هَذَا جِنْسٌ قَوْلُهُ " بِمِلْكٍ " إلَخْ جَمَعَ بِذَلِكَ أَقْسَامَ الْمُوَدِّعِينَ فَيَدْخُلُ الْمَالِكُ أَوْ نَائِبُهُ وَالْوَصِيُّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 340
[بَابُ الْمُودَعِ]
ودع: بَابُ الْمُودَعِ
بِالْفَتْحِ مِنْ يُظَنُّ حِفْظُهُ قَوْلُهُ مَنْ يُظَنُّ حِفْظُهُ أَخْرَجَ بِذَلِكَ مَنْ لَا يُحْفَظُ إذَا ظُنَّ فِيهِ ذَلِكَ كَصَبِيٍّ صَغِيرٍ لَا يَعْقِلُ وَمَجْنُونٍ.
[بَابُ شُرُوطِ الْوَدِيعَةِ]
ِ بِاعْتِبَارِ فِعْلِهَا وَقَبُولِهَا قَالَ ﵀ حَالَةُ الْفَاعِلِ وَظَنُّ صَوْنِهَا مِنْ الْقَابِلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَدِيعَةُ مِنْ الصَّبِيِّ الْخَائِفِ عَلَيْهَا وَمِنْ الْعَبْدِ وَيَجُوزُ أَنْ يُودَعَا مَا خِيفَ تَلَفُهُ بِيَدِ مُودِعِهِ، وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ فَيَجُوزُ مِنْ الصَّبِيِّ الْخَائِفِ عَلَيْهَا أَنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَتَجُوزُ فِيمَنْ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ التَّلَفُ كَأَوْلَادِ الْمُحْتَرَمِينَ.
[بَابُ مُوجِبِ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ]
قَالَ تَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ عَادِيٍّ أَوْ جَحْدِهَا فَمَا فَوْقَهُمَا قَوْلُهُ " تَصَرُّفُهُ " أَيْ تَصَرُّفُ الْمُودَعِ بِفَتْحِ الدَّالِ قَوْلُهُ " بِغَيْرِ إذْنٍ " أَخْرَجَ التَّصَرُّفَ مَعَ الْإِذْنِ وَالْعَادِي غَيْرُ الْقَوْلِيِّ فَيَدْخُلُ الْقَوْلِيُّ.
(فَإِنْ قُلْت) إذَا أَوْدَعَهَا لِضَرُورَةِ سَفَرٍ أَوْ عَوْرَةٍ مَنْزِلِهِ صَحَّ لَهُ ذَلِكَ وَأَيْنَ الْإِذْنُ (قُلْت) الْإِذْنُ هُنَا عَادِيٌّ أَوْ شَرْعِيٌّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَلِنَذْكُرَ هُنَا مَسْأَلَةً وَقَعَتْ لِتَمَامِ الْفَائِدَةِ لِمَا هُنَا مِنْ مُوجِبِ الضَّمَانَ وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهَا هُنَا لِئَلَّا يُوهَمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا صَوَّبْنَا مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ فِي النَّازِلَةِ، وَنَذْكُرُ مَا لَخَّصْته فِيهَا بَعْدَ تَصَوُّرِهَا وَتَأْمُلْهَا وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا أُعْطَى بِضَاعَةً أَمَانَةً يَتَّجِرُ بِهَا فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَأْذُونِ فِيهَا عَادَةً فَذَهَبَ الْمَبْعُوثُ مَعَهُ بِالْمَالِ إلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ قَدِمَ وَادَّعَى أَنَّهُ أَوْدَعَهُ بِبَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَاسْتَظْهَرَ بِإِشْهَادٍ فِي ذَلِكَ وَإِنَّ الْعَدُوَّ دَمَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَخَذَ الْبَلْدَةَ الْمَذْكُورَةَ وَاسْتَوْلَى عَلَى مَا فِيهَا وَإِنَّهُ أَخَذَ مَا وَجَدَ بِالْبَلْدَةِ مِنْ الْمَتَاعِ وَغَيْرِهِ فَادَّعَى رَبُّ الْبِضَاعَةِ أَنَّ الرَّجُلَ تَعَدَّى فِي مَسِيرِهِ إلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ بِالْمَتَاعِ مِنْ بَلَدِ فَاسَ إلَيْهَا وَطَرِيقُهَا مَخُوفٌ وَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ بِوُصُولِ الْمَتَاعِ إلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ الْمَأْمُونَةِ وَأَثْبَتَ أَنَّ الطَّرِيقَ مَخُوفٌ فَوَقَعَ الْكَلَامُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الزَّمَانِ وَتَرَدَّدُوا فِي
стр. 341
النَّازِلَةِ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ بِضَمَانِ الْمُبْضَعِ مَعَهُ إذَا أَثْبَتَ مَا ذَكَرَ، وَقَالَ آخَرُونَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَ لِي وَانْتَصَرْت لَهُ بِمَسَائِلَ مَذْهَبِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ شَبِيهَةٌ بِالنَّازِلَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا أَثْبَتَ الْعُذْرَ؛ لِلْإِيدَاعِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إشْهَادٌ عَلَى الْإِيدَاعِ كَمَا صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ.
" الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى " الشَّاهِدَةُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيمَنْ نَهَى رَجُلًا عَنْ الْخُرُوجِ بِالْمَالِ مِنْ مِصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى إفْرِيقِيَّةَ عَيْنًا، ثُمَّ رَجَعَ بِهِ عَيْنًا قَبْلَ التَّجْرِبَةِ بِمِصْرَ فَخَسِرَ أَوْ ضَاعَ قَالَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَجْهُ الشَّبَهِ بِقِيَاسٍ تَمْثِيلِيٍّ فَيُقَالُ مَالٌ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ تَعَدَّى فِي الْخُرُوجِ، ثُمَّ عَادَ سَلِيمًا إلَى مَوْضِعٍ مَأْذُونٍ فِيهِ فَهَلَكَ فَلَا يَقَعُ الضَّمَانُ فِيهِ أَصْلُهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقَالُ بِإِبْدَاءِ فَارَقَ بِالْإِذْنِ الْجُزْئِيِّ فِي صُورَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْإِذْنِ الْكُلِّيِّ فِي الصُّورَةِ الْوَاقِعَةِ وَالْإِذْنُ الْجُزْئِيُّ أَقْوَى مِنْ الْكُلِّيِّ لِأَنَّا نَقُولُ الْعِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ الَّتِي ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى مِصْرَ هَذِهِ الْعِلَّةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَاعَى فِيهَا الْإِذْنُ الْعَامُّ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ شَيْءٍ إلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْإِذْنَ الْخَاصَّ وَهُوَ التَّجْرُ فِي بَلَدِ مِصْرَ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ قُلْنَا بِمَا يُنَاسِبُ بَسَاطَةَ الْعِلَّةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي قُلْنَا بِمَا يُنَاسِبُ تَرْكِيبَهَا وَبَسَاطَتَهَا أَوْلَى.
" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ " مَنْ أَنْفَقَ وَدِيعَةً، ثُمَّ رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا فَقَدْ قَالَ فِيهَا لَا ضَمَانَ فِيهَا بَعْدَ ضَيَاعِهَا وَهِيَ أَحْرَوِيَّةٌ فِي النَّازِلَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا ضَمَانَ مَعَ رَدِّ الْمِثْلِ فَأَحْرَى مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقِرَاضِ اُنْظُرْهُ وَالِاسْتِدْلَالُ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ عَلِمَ مَا فِي النَّازِلَةِ مِنْ الْخِلَافِ.
" الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ " مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ ﵀ قَالَ مَنْ اسْتَوْدَعَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا، ثُمَّ أَقَرَّ الْمُودِعُ بِرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ، ثُمَّ هَلَكَ ذَلِكَ فَقَالَ رَبُّهُ هَلَكَ بِيَدِك قَبْلَ رَدِّهِ وَقَالَ الْمُودِعُ إنَّمَا هَلَكَ بَعْدَ الرَّدِّ قَالَ صَدَقَ الْمُودِعُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ رَدَّهُ قَالَ وَهَذَا إذَا أَقَرَّ وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بَيِّنَةٌ بِالرَّدِّ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ تَسَلُّفِهَا وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ الْإِجْرَاءِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا قَرَّرْنَا أَنَّ تَسَلُّفَ الْوَدِيعَةِ أَقْوَى لِتَلَفِ الْعَيْنِ وَالْعَيْنُ هُنَا قَائِمَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَتَقَدَّمَ بَحْثٌ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي غَيْرِ هَذَا حَذَفْنَاهُ لِطُولِهِ.
" الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ " الشَّاهِدَةُ لِلنَّازِلَةِ مَا ذَكَرَهُ
стр. 342
الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالنَّصُّ فِيهِ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَبَرِئَ إنْ رَجَعَتْ سَالِمَةً قَالَ شَارِحُهُ مَا مَعْنَاهُ فَإِنْ سَافَرَ الْوَدِيعَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ سَالِمَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ ضَاعَتْ فَهَذِهِ قَوِيَّةُ الشَّبَهِ وَأَقْوَى مِمَّا ذَكَرْنَا فِي الشَّبَهِ.
" الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ " إذَا أَوْدَعَ وَدِيعَةً، ثُمَّ تَعَدَّى الْمُودِعَ وَأَوْدَعَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى يَدِهِ فَهَلَكَتْ فَقَالُوا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهَذِهِ قَرِيبَةٌ مِنْ الرَّابِعَةِ فِي قُوَّةِ الشَّبَهِ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَمِنْ غَيْرِهَا وَتُقَوِّي الْقِيَاسَ الدَّالَّ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَمَنْ قَالَ بِالضَّمَانِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ اسْتَدَلَّ عَلَى قَوْلِهِ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ اكْتَرَى دَابَّةً وَبَلَغَ الْغَايَةَ، ثُمَّ زَادَ زِيَادَةً عَلَى الْمَسَافَةِ أَوْ حَبَسَهَا أَيَّامًا، ثُمَّ رَجَعَتْ بِحَالِهَا فَقَالَ لِرَبِّهَا الْكِرَاءُ وَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي أَوْ الْكِرَاءِ فِيمَا حَبَسَهَا فِيهِ قَالَ فَكَمَا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ بِالضَّمَانِ وَلَوْ رَجَعَتْ سَالِمَةً فَكَذَلِكَ فِي النَّازِلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْجَامِعِ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فَظَهَرَ لِي فِي رَدِّ هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ قُلْت: إنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ الْمُعَارِضِ لِقِيَاسِ عَدَمِ الضَّمَانِ يَتَرَجَّحُ الْقِيَاسُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى أَصْلٍ قَوِيٍّ فِي الشَّبَهِ مِنْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْبِضَاعَةَ وَالْوَدِيعَةَ وَالْقِرَاضَ كُلٌّ مِنْهَا قَرِيبٌ فِي الشَّبَهِ وَأَقَرَّ جِنْسًا مِنْ الْأَكْرِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأَكْرِيَةَ فِيهَا الْمُعَاوَضَةُ وَلَا عِوَضَ فِي الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ وَبَابُ الْأَكْرِيَةِ أَبْعَدُ فِي الشَّبَهِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي عَدَمِ الضَّمَانِ فَثَمَّ خُصُوصِيَّاتٌ اخْتَصَّ بِهَا مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ قَالَ: لِأَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إلَى الْمَأْمَنِ بَعْدَ التَّعَدِّي فِيهَا وَفِي مَسْأَلَةِ الْكِرَاءِ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ، أَمَّا لِأَنَّهُ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا أَوْ أَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّى فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْهَلَاكُ مِنْ غَيْرِ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَبْقَى عَلَى حَالٍ وَكِلَا الْعِلَّتَيْنِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُمَا فِي النَّازِلَةِ الْمَذْكُورَةِ.
ثُمَّ إنَّ مَسْأَلَةَ الْكِرَاءِ قَدْ ضَعَّفَهَا سَحْنُونٌ وَنَاقَضَهَا بِمَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ الَّتِي اكْتَرَاهَا وَحَمَلَ عَلَيْهَا وَزْنًا مَعْلُومًا، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهَا مَا تُعْطِبُ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ نَزَعَ الزِّيَادَةَ، ثُمَّ مَاتَتْ قَالَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ مِمَّا يُقَوِّي مَا اخْتَرْنَاهُ أَنَّ سَحْنُونًا ﵀ قَاسَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى قَوْلِهِ بِمَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ إذَا رَدَّهَا بَعْدَ تَسْلُفْهَا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قِيَاسِنَا الْأَوَّلِ وَتَأَمَّلْ هُنَا مَعَ مُنَاقَضَةِ سَحْنُونَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بَقِيَ أَنْ يُقَالَ تَنْظِيرُ سَحْنُونَ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْوَدِيعَةِ يُضَعِّفُ مَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْقِيَاسِ فِي الْكِرَاءِ الَّذِي قِيسَتْ عَلَيْهِ
стр. 343
الْوَدِيعَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا وَمَسْأَلَةُ الْغَصْبِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ الشَّبَهِ فِيهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(فَإِنْ قِيلَ) كَلَامُ الشَّيْخِ هُنَا فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَوْضِعِ الضَّمَانِ يَشْهَدُ لِمَنْ خَالَفَ (قُلْت) لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِ لَفْظٍ بِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ نَظِيرِ النَّازِلَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]
(ع ر ي) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
قَالَ ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ الْعَارِيَّةَ بِالتَّشْدِيدِ مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارِ قَالَ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٍ قَالَ يُقَالُ هُمْ يَتَعَوَّرُونَ الْعَوَارِيَّ بَيْنَهُمْ وَقِيلَ مُسْتَعَارًا بِمَعْنَى مُتَعَاوَرٌ أَيْ مُتَدَاوَلٌ وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي الصِّحَاحِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهَا مِنْ الْعَارِ وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ فَلَيْسَ هُوَ الْوَجْهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ التَّعَاوُرِ الَّذِي هُوَ التَّدَاوُلُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنْكَارَ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ بِأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارِ قَالَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ يَتَعَيَّرُونَ لِأَنَّ عَيْنَهُ يَاءٌ قَالَ الشَّيْخُ ﵁، وَقَدْ نَقَلَ عَنْ ابْنِ سِيدَهْ أَنَّهُ قَالَ إنَّهَا مِنْ الْعَارِ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَرَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ السَّيِّدِ، ثُمَّ نَقَلَ مَا يَشْهَدُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ كَلَامِ الْمُحْكَمِ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ يَتَعَوَّرُونَ الْعَوَارِيَّ وَحَيْثُ نَقَلَ إنَّمَا هُوَ مِنْ تَعَاقُبِ الْوَاوِ إلَى الْيَاءِ قَالَ الشَّيْخُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُعَاقَبَةِ (قُلْت) يَظْهَرُ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ إنَّمَا رَدَّ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ حَيْثُ قَالَ إنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْعَارِ، ثُمَّ قَالَ يَتَعَوَّرُونَ فَذَكَرَ مَا يَشْهَدُ لِلْوَاوِ لَا لِلْيَاءِ وَهَذَا كَافٍ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَوْ صَحَّ أَنَّهَا مِنْ الْعَارِ لَقُلْت يَتَعَيَّرُونَ وَنَقَلْت ذَلِكَ لُغَةٌ وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِقَصْرِ نَقْلِك عَلَى مَا ذَكَرْت لَكِنْ تَأَمَّلْت لَفْظَ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَوَجَدْته لَيْسَ مَعْنَاهُ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ مَا فَهِمَ الشَّيْخُ عَنْهُ مِنْ إنْكَارِ مَادَّةِ الْيَاءِ فَصَحَّ اعْتِرَاضُهُ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْت) الْعَارِيَّةُ مَا وَزْنُهَا وَالْيَاءُ الْمُشَدَّدَةُ فِيهَا مَا أَصْلُهَا وَالْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ مَا هِيَ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَرِيَّةِ (قُلْت) ، أَمَّا وَزْنُهَا فَذَكَرَ الشَّيْخُ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ فِعْلِيَّةً وَإِنَّهَا مِنْ التِّعْوَارِ فَأَصْلُهَا عَوَرِيَّةٌ تَحَرَّكَ حَرْفُ الْعِلَّةِ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهُ فَقُلِبَتْ الْفَاءُ وَالْيَاءُ عَلَى هَذَا لِلنَّسَبِ وَالتَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ كَمَا يُقَالُ هَاشِمِيَّةٌ وَيَاءُ النَّسَبِ إنَّمَا
стр. 344
تُنَافِي تَاءَ التَّأْنِيثِ قَبْلَ دُخُولِ يَاءِ النَّسَبِ فَتُحْذَفُ التَّاءُ لِأَجْلِهَا وَيَصِحُّ إدْخَالُ التَّاءِ بَعْدَ الْيَاءِ لِأَنَّ الْمَنْسُوبَ يَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ، وَأَمَّا الْعَرِيَّةُ فَهِيَ فَعَيْلَةٌ كَنَطِيحَةٍ وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ فَقِيلَ يُقَالُ عَرَوْتُهُ إذَا طَلَبْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵀ لَمَّا ذَكَرَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَتَى بِالْعُرْفِيِّ، ثُمَّ حَدَّهَا مَصْدَرًا وَاسْمًا كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ إذَا كَانَ لِلْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ مَعْنَيَانِ فَالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ " تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ " فَقَوْلُهُ " تَمْلِيكُ " مُنَاسِبٌ لِمَقُولَةِ الْمَحْدُودِ وَهُوَ جِنْسٌ وَمُنَاسِبٌ لِمَا وَقَعَ لَهُ فِي حَدِّ الْعَطِيَّةِ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَأَدْخَلَ فِيهِ الْعَارِيَّةَ وَالْحَبْسَ لَكِنَّهُ قَالَ فِي الْحَبْسِ إعْطَاءٌ.
(فَإِنْ قُلْت) التَّمْلِيكُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ الشَّرْعِيُّ قَدْ حَدَّهُ الشَّيْخُ بَعْدُ فِي الدَّعْوَى وَهُوَ إحَالَةٌ عَلَى التَّعْرِيفِ بِمَجْهُولٍ (قُلْت) لَعَلَّهُ رَآهُ ظَاهِرًا وَفِيهِ نَظَرٌ قَوْلُهُ " مَنْفَعَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ تَمْلِيكَ الذَّوَاتِ مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ الْحَقِيقِيَّ فِي الذَّوَاتِ لَيْسَ إلَّا لِخَالِقِهَا وَلَكِنَّ الْقَصْدَ كَمَالُ التَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ وَقَوْلُهُ الْمَنْفَعَةُ يُخْرِجُ بِهِ تَمْلِيكَ الِانْتِفَاعِ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ فِيهَا مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الِانْتِفَاعِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُعِيرَ لِمِثْلِهِ بِخِلَافِ الِانْتِفَاعِ قَوْلُهُ " مُوَقِّتَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ الْمُطْلَقَةِ كَمَا إذَا مَلَكَ الْعَبْدُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ وَوَهَبَهَا إيَّاهُ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِعَارِيَّةٍ وَلَا يَدْخُلُ الْحَبْسُ فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْحَبْسَ فِيهِ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ لَا الْمَنْفَعَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ذَلِكَ فِيهِ بِالْإِطْلَاقِ قَوْلُهُ " لَا بِعِوَضٍ " يَخْرُجُ بِهِ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ وَالْعَارِيَّةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
(فَإِنْ قُلْت) قَوْلُهُ مُوَقِّتَةٌ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّوْقِيتِ فَإِذَا قَالَ أَعَرْتُك هَذَا الثَّوْبَ أَوْ الدَّارَ وَلَمْ يُوَقِّتْ أَجَلًا فَلَيْسَ بِعَارِيَّةٍ مَعَ أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَارِيَّةً نَعَمْ اخْتَلَفُوا إذَا قَامَ الْمُعِيرُ وَأَرَادَ أَخْذَهَا عَلَى أَقْوَالٍ (قُلْت) يَعْنِي بِالتَّوْقِيتِ، أَمَّا لَفْظًا أَوْ عَادَةً قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فَتَدْخُلُ الْعُمْرَى وَالْإِخْدَامُ وَهَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ وَيَظْهَرُ لِي خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَقَبٌ عَلَى مَا بَوَّبُوا لَهُ فِي مَسَائِلِ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَلَمْ يُطْلِقُوا عَلَى الْعُمْرَى لَفْظَ الْعَارِيَّةِ عُرْفًا وَإِنَّمَا أَطْلَقُوا عَلَيْهَا عُمْرَةً فَدَلَّ عُرْفًا عَلَى أَنَّهَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا عَارِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ فِي عُرْفِهِمْ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَعْنًى أَعَمَّ مِمَّا وَقَعَ لَهُمْ وَوَقَفْت عَلَى قَرِيبٍ مِنْ هَذَا لِلشَّيْخِ خَلِيلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَعَلَى هَذَا حَقُّهُ ﵀ أَنْ يَقُولَ لَهَا مَعْنَى أَعَمُّ وَمَعْنَى أَخَصُّ فَتَأَمَّلْهُ
стр. 345
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا الْحَبْسُ فَيَعْنِي أَنَّ الْحَبْسَ لَا يَدْخُلُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ مُؤَقَّتَةٍ وَالْحَبْسُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ وَيُعِينُهُ رَدُّهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي عَكْسِ الْحَدِّ، وَأَمَّا حَدُّهُ اسْمًا فَقَالَ فِيهِ " مَالُ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِكَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ " قَوْلُهُ " مَالُ " مُنَاسِبٌ لِمَقُولَةِ الْمَحْدُودِ وَبَيَانُ الْقُيُودِ ظَاهِرٌ مِمَّا قَدَّمْنَا فِي الْحَدِّ الْمَصْدَرِيِّ.
(فَإِنْ قُلْت) لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الثَّانِي وَفِي الْأَوَّلِ لَا بِعِوَضٍ وَهَلَّا قَالَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الْحَدَّيْنِ وَذَلِكَ أَخَصْرُ فِي الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَكُونُ لَا عَاطِفَةً فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ (قُلْت) يُحْتَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُقَالَ الثَّانِي أَخَصْرُ فِي اللَّفْظِ لَا فِي التَّقْدِيرِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ غَيْرُ مُرَاعًى فِي عَدِّ حُرُوفِ الِاخْتِصَارِ وَفِيهِ نَظَرٌ جَرَى فِي الْإِعْرَابِ أَنْ لَا عَاطِفَةٌ وَهَلْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهَا (قُلْت) يَصِحُّ الْعَطْفُ بِهَا بَعْدَ الْإِثْبَاتِ كَقَوْلِنَا قَامَ زَيْدٌ لَا عَمْرٌو، قَالُوا وَيَصِحُّ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا أَوْ مُقَدَّرًا كَقَوْلِهِمْ أَعْطَيْتُك لَا لِتَظْلِمَ أَيْ لِتَعْدِلَ لَا لِتَظْلِمَ وَهُنَا يُقَالُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ بِتَرْكِ عِوَضٍ لَا بِعِوَضٍ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ أَنَّهُ نَقْضُ طَرْدِ الْحَدِّ الْأَوَّلِ وَالْحَدِّ الثَّانِي وَبَيَانُ مَا ذَكَرَهُ لَوْ فُرِضَ رَجُلٌ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً، ثُمَّ تَوَفَّى وَتَرَكَ وَارِثًا فَإِنَّهُ حَصَلَ لَهُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ لِلْوَارِثِ فِي طَرَفِ الْمَصْدَرِ وَفِي طَرَفِ الِاسْمِ يَصْدُقُ مَالٌ إلَخْ وَذَلِكَ كُلُّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَارِيَّةِ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ مَانِعٍ هَذَا مَعْنَى مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ وَنَقْضُ طَرْدِهِمَا بِإِرْثِ مِلْكِ مَنْفَعَةِ وَارِثِهِمَا مِمَّنْ حَصَلَا لَهُ بِعِوَضٍ لِحُصُولِهِمَا لِلْوَارِثِ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْهُ وَبَسْطُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الشَّيْخُ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ عُمُومَ نَفْيِ الْعِوَضِ يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنْ الْحَدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا عِوَضَ فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ رَأْسًا مِنْ أَصْلِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ فِيهَا عِوَضٌ مِنْ الْمَالِكِ الْمَوْرُوثِ فَلَا يَصْدُقُ فِيهَا النَّفْيُ الْمُطْلَقُ وَتَقَدَّمَ لَنَا فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْفَهْمِ أَنْ يُقَالَ حَافَظَ عَلَى طَرْدِهِ فَأَخَلَّ بِعَكْسِهِ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا أَعَارَ لَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ مُعِيرٌ بِنُصُوصِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا.
وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ خُرُوجُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الْعَارِيَّةِ لِمَا حُوفِظَ فِيهِ عَلَى الطَّرْدِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الَّذِي وَقَعَ النَّقْضُ بِهِ إنَّ الْوَارِثَ الَّذِي وَرِثَ الْحَقَّ الَّذِي كَانَ لِمَوْرُوثِهِ وَهِيَ مَنْفَعَةٌ بِعِوَضٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِلَا
стр. 346
عِوَضٍ وَهَذَا لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي جَوَابِ الشَّيْخِ وَتَأَمَّلْ جَوَابَ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَسْئِلَتِهِ إذَا مَاتَ الْمُكْرِي وَفِيهِ مَا يُنْظَرُ مَعَ هَذَا وَتَأَمَّلْ مَنْ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُعِيرَ وَمَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ فَلْيُتَأَمَّلْ مَعَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلْفَهْمِ عَنْهُ وَتَقَدَّمَ لَنَا سُؤَالٌ عَلَيْهِ ﵀ فِي كَوْنِهِ ذَكَرَ الْإِنْشَاءَ فِي حَدِّ الْعُمْرَى فَقَالَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ حَيَاةِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضِ إنْشَاءٍ وَلَمْ يَزِدْ هَذَا الْقَيْدَ هُنَا وَقَيْدُ الْإِنْشَاءِ أَخْرَجَ بِهِ الْحُكْمَ بِاسْتِحْقَاقِ الْعُمْرَى فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ هُنَا إنْ صَحَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ هُنَاكَ وَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ قَوِيٌّ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، ثُمَّ أَشَارَ ﵀ إلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ قَالَ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِالْحَبْسِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَبْسَ مِنْ حَدَّيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَقَّتَةٌ وَيَأْتِي لَهُ بَعْدُ ﵀ أَنَّهُ قَالَ الْحَبْسُ فِي سُكْنَى الْمَدَارِسِ وَشَبَهِهِ لَيْسَ فِيهِ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ الِانْتِفَاعُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيُّ فَالْحَبْسُ عَلَى هَذَا يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ وَبِأَحَدِ قِسْمَيْهِ يُرَدُّ الِاعْتِرَاضُ قَالَ وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمَصْدَرَ وَالْعُرْفُ إنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُهُ اسْمًا وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُعَارُ هَذَا كَلَامُهُ ﵁ وَنَفَعَ بِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعُرْفَ فِي إطْلَاقِ الْعَارِيَّةِ إنَّمَا هُوَ الِاسْمُ وَتَقَدَّمَ لَنَا أَنَّهُ يَحُدُّ الْمَصْدَرُ وَالِاسْمُ إذَا كَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِيهِمَا وَهُوَ الصَّوَابُ وَإِنْ صَحَّ الْعُرْفُ عِنْدَهُ ﵀ فَلَا يُحَدُّ إلَّا الِاسْمِيُّ فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ يُقَالُ إذَا سَلَّمَ مَا ذَكَرَ ﵀ وَأَنَّهُ إنَّمَا يَصْدُقُ عُرْفًا عَلَى الِاسْمِيِّ فَيُقَالُ فِي حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْ صُوَرِ الْمَحْدُودِ بَلْ حَدُّ حَقِيقَةٍ بِغَيْرِ مَعْنَاهَا فَقَوْلُهُ لَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَيَكُونُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَلَعَلَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَيْنِ مَوْجُودَانِ عُرْفًا لَكِنَّ الْغَالِبَ الِاسْمِيَّةُ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ التَّكَلُّفِ فِي الْجَوَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُعِيرِ]
(ع ور) : بَابُ الْمُعِيرِ
قَالَ ﵁ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ لَا لِعَيْنِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجْعَلُ مَمْلُوكَ مَنْ مَلَكَهَا لِعَيْنِهِ إنَّمَا هُوَ الِانْتِفَاعُ لَا الْمَنْفَعَةُ قَوْلُهُ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ هُوَ أَعَمُّ مِنْ مَالِكِ الذَّاتِ مَعَ مَنْفَعَتِهَا أَوْ مَالِكٍ لِلْمَنْفَعَةِ وَحْدَهَا قَوْلُهُ لَا لِعَيْنِهِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ لِأَجْلِ عَيْنِ الْمَالِكِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْعَارِيَّةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلُهُ وَبَعْضُهُمْ إلَخْ أَشَارَ إلَى أَنَّ التَّقَيُّدَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ قَوْلِ
стр. 347
الْبَعْضِ وَبَنَى الشَّيْخُ عَلَى هَذَا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعِيرَ الْمُسْتَعِيرُ أَمْ لَا وَأَخَذَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُعِيرُ وَأَنَّهُ أَحْرَوِيٌّ مِنْ الْإِجَارَةِ وَأَنْكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَا أَيَّدَهُ بِهِ مِنْ الْوَصَايَا مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ. وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَ أَوَّلًا (فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ صَحَّ لِلشَّيْخِ الِاسْتِدْلَال عَلَى مَنْعِ أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ (قُلْت) قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ﵀ بِأَنَّهُ إذَا كَرِهَ فِي الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُعِيرَ فَكَيْفَ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ فِي تَسَلُّطِهِ فِي الْمَنْفَعَةِ أَضْعَفُ.
(فَإِنْ قُلْت) مَا يَعْنِي بِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ لِلْعَيْنِ (قُلْت) يَعْنِي لَعَيْنِ الْمَالِكِ أَيْ مَلَكَهُ لِذَاتِ عَيْنِهِ رِفْقًا بِهِ وَمَسْأَلَةُ الْوَصَايَا الْمَذْكُورَةِ تَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ فِي حَقِّ الْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ فَتَلَخُّصُ الْقَوْلَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَ هُنَا عَنْ بَعْضِهِمْ مَعَ مَا ذَكَرَهُ فِي تَعْرِيفِ الْمُسْتَحَقِّ لِمَنْ عَلَيْهِ حَبْسٌ وَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْمُسْتَعِيرِ]
(ع ور) : بَابُ الْمُسْتَعِيرِ
قَالَ ﵀ قَابَلَ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعِيرُ كَافِرٌ عَبْدًا مُسْلِمًا وَلَا وَلَدُ وَالِدِهِ وَاعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ رَسْمُهُ حَيْثُ قَالَ الْمُسْتَعِيرُ أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ قَالَ ﵀ رَسْمُهُ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ وَالْوَالِدَ أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَدَّ عَلَى شَيْخِهِ الْجَوَابَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ اُنْظُرْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُنَا بِهِ وَيَرْحَمُهُ بِفَضْلِهِ.
[بَابُ الْمُسْتَعَارِ]
(ع ور) : بَابُ الْمُسْتَعَارِ
قَالَ ﵀ الْمُسْتَعَارُ مَا صَحَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ بَاقِيَةُ ذَاتِهِ قَوْلُهُ بَاقِيَةُ ذَاتِهِ أَخْرَجَ بِهِ الْقَرْضَ فَلَا يَجُوزُ فِي الطَّعَامِ وَالذَّهَبِ وَلِلَّخْمِيِّ اخْتِيَارٌ حَسَنٌ اُنْظُرْهُ فَصَحَّ مِنْ حَدِّ الشَّيْخِ ﵀ أَنَّ الْمُسْتَعَارَ هُوَ الذَّاتُ لَا الْمَنْفَعَةُ قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ مُقْتَضَى عُرْفِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ لِمَنْ تَأَمَّلْ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ رَدَّ بِهِ عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْمُسْتَعَارَ هُوَ الْمَنْفَعَةُ قَالَ الشَّيْخُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ عَارِيَّةٍ مُمْكِنُ كَوْنِهِ مُؤَدَّاةً وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ مُمْكِنٌ كَوْنُهُ مُؤَدَّاةً فَلَا شَيْءَ مِنْ الْعَارِيَّةِ بِمَنْفَعَةِ الصُّغْرَى دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ فِي أَبِي دَاوُد فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ «أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ
стр. 348
مُؤَدَّاةٌ فَقَالَ بَلْ مُؤَدَّاةٌ» وَالْكُبْرَى وَاضِحَةٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَنْفَعَةِ لَا تُرَدُّ وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهَا عَادَةً وَلَا عَقْلًا فَالنَّتِيجَةُ صَادِقَةٌ وَتَنْعَكِسُ كَنَفْسِهَا فَصَحَّ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الثَّانِي مُقَدِّمَتَاهُ صَحِيحَتَانِ الْأُولَى سَمْعِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ عَقْلِيَّةٌ.
(فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ فِيهَا مَا هُوَ مَضْمُونٌ وَفِيهَا مَا هُوَ مُؤَدَّاةٌ فَإِنَّمَا تَصْدُقُ الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةً جُزْئِيَّةً وَالصُّغْرَى كُلِّيَّةً هُنَا (قُلْت) الصُّغْرَى إنَّمَا هِيَ كُلُّ عَارِيَّةٍ مُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ مُؤَدَّاةً وَالْحَدِيثُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ إذَا تَأَمَّلْته وَلَا بُدَّ مِنْ فَهْمِهِ عَلَى ذَلِكَ وَمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَقْسِيمِ الْعَارِيَّةِ الْمُقَسَّمُ فِيهِ الْعَارِيَّةُ اللُّغَوِيَّةُ الْجَوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَطْلَقَهَا عَلَى مَا يَعُمُّ الْقَرْضَ وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَادْفَعْ لَهُمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا قَالَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ فَقَالَ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ» أَيْ لَيْسَ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمَ الْقَرْضِ يُرَدُّ مِثْلُهُ بِرَدِّ عَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي صِيغَة الْعَارِيَّةِ]
(ص وغ) : بَابٌ فِي الصِّيغَةِ
قَالَ ﵀ قَالَ ابْنُ شَاسٍ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَاهَا أَيْ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى الْعَارِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ (قُلْت) بِحَسَبِ اللَّفْظِ أَوْ الْقَرِينَةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى إعْمَالِ دَلَالَةِ الْقَرِينَةِ وَارْتَضَى الشَّيْخُ عِبَارَةَ ابْنِ شَاسٍ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا قَدَّمَ فِي صِيغَةٍ غَيْرِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُخْدِمِ]
(خ د م) : بَابُ الْمُخْدِمِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ الْمُخْدِمُ ذُو رِقٍّ وَهَبَ مَالِكٌ خِدْمَتَهُ إيَّاهَا لِغَيْرِهِ.
(فَإِنْ قُلْت) ذِكْرُ الْمُخْدِمِ هُنَا مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَّةَ تَشْمَلُهُ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى مَنْفَعَةٍ فِي حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِطْرَادٌ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَوْهُوبَةِ (قُلْت) يَظْهَرُ مِنْ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ وَالشَّيْخُ ﵀ صَرَّحَ بِأَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَارِيَّةِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ قَبْلَ هَذَا، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى مَا قُلْنَا عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ.
(فَإِنْ قُلْت) إذَا كَانَ الْإِخْدَامُ دَاخِلًا تَحْتَهَا وَيَكُونُ صِنْفًا مِنْهَا فَكَيْفَ يُمَيَّزُ عَنْ بَقِيَّةِ أَصْنَافِهَا (قُلْت) يُقَالُ تَمْلِيكِ مَنْفَعَةِ مُؤَقَّتَةٍ لَا لِغَرَضٍ فِي رِقٍّ وَهَذَا فِي الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَيُقَالُ
стр. 349
فِي الِاسْمِيِّ رِقُّ ذِي مَنْفَعَةٍ إلَخْ.
(فَإِنْ قُلْت) هَلَّا مَيَّزَ ﵀ خَاصِّيَّةَ الْمُخْدَمِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا كَمَا فَعَلَ فِي الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ (قُلْت) لَعَلَّهُ رَأَى ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ الَّذِي تَقَدَّمَ كَمَا بَيَّنَّا فِي الرَّسْمِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَقَوْلُهُ ذُو رِقٍّ يَشْمَلُ الرِّقَّ الْقِنُّ وَالْمُدَبَّرُ وَالْجُزْءُ مِنْ الْعَبْدِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ وَأُمَّ الْوَلَدِ فَلَا خِدْمَةَ فِيهِمَا وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا ﵀ إذَا أَعْمَرَ ذُو جَنَّةٍ وَلَدَهُ مُدَّةً، ثُمَّ هِيَ لَهُ مِلْكٌ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْمَرُ وَالْمُعْمَرُ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ تَكُنْ مِيرَاثًا وَذَكَرَ فِيهَا قَوْلَيْنِ، وَقَدْ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا اُنْظُرْ الشَّيْخَ فَإِنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَهَا هُنَا وَذَكَرَ مَا يُنَاسِبُ الْإِخْدَامَ، وَقَدْ وَقَعَتْ وَأَجَبْت فِيهَا بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ الْخِدْمَةَ فِي حَدِّ الْمُخْدِمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخِدْمَةَ عِنْدَهُ أَشْهَرُ مِنْ الْمَحْدُودِ وَتَأَمَّلْ هَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ مِلْكِ الْخِدْمَةِ بِالْإِخْدَامِ هَلْ يَخْدِمُ غَيْرَهُ أَمْ لَا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ حَدِّهِ وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ الْعَارِيَّةِ فَتَأَمَّلْ مَا فِيهِ.
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
(غ ص ب) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
الْغَصْبِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الْغَصْبُ أَخْذُ مَالٍ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا لِخَوْفِ قِتَالٍ " الْغَصْبُ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الْمَالِ ظُلْمًا وَهُوَ فِي الشَّرْعِ أَخَصُّ مِنْهُ لُغَةً وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَخْذُ جِنْسٍ مُنَاسِبٍ لِمَقُولَةِ الْمَحْدُودِ وَقَوْلُهُ مَالٍ أَخْرَجَ غَيْرَ " الْمَالِ " فِي أَخْذِ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ وَإِنْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ غَصْبًا فَلَيْسَ مَقْصُودًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ اصْطِلَاحًا وَإِنَّمَا ذَلِكَ لُغَةً قَوْلُهُ " غَيْرِ مَنْفَعَةٍ " أَخْرَجَ التَّعَدِّيَ قَوْلُهُ " ظُلْمًا " أَخْرَجَ أَخْذَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِغَيْرِ بَاطِلٍ وَيَخْرُجُ أَيْضًا مِنْهُ إذَا ظَفِرَ الْمَغْصُوبُ بِمَالِهِ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَأَخَذَهُ قَهْرًا وَكَذَا إذَا أَخَذَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ وَكَذَا إذَا انْتَزَعَ الْمَالَ مِنْ يَدِ عَبْدِهِ أَوْ عَجَزَ مُكَاتَبُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ " قَهْرًا " أَخْرَجَ بِهِ السَّرِقَةَ وَالنُّهْبَةَ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ مِنْ الْخِيَانَةِ قَوْلُهُ " لَا لِخَوْفِ قِتَالٍ " أَخْرَجَ الْحِرَابَةَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْغِيلَةَ بِقَوْلِهِ قَهْرًا قَالَ إذْ لَا قَهْرَ فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَوْتِ مَالِكِهِ وَمَا ذَكَرَ حَسَنٌ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدَّ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ أَخْذُ الْمَالِ عُدْوَانًا قَهْرًا مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ
стр. 350
قَالَ فَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِأَخْذِ الْمَنَافِعِ كَذَلِكَ كَسُكْنَى رَبْعٍ وَحَرْثِهِ وَلَيْسَ غَصْبًا بَلْ تَعَدِّيًا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَتَعَقَّبَ بِتَرْكِيبِهِ يَعْنِي أَنَّ فِي حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ التَّرْكِيبَ فِي الْحَدِّ وَهُوَ مُجْتَنَبٌ عِنْدَ الْقَوْمِ، ثُمَّ فَسَّرَ الشَّيْخُ التَّرْكِيبَ بِأَنَّهُ وَقْفُ مَعْرِفَةِ الْمَحْدُودِ عَلَى مَعْرِفَةٍ حَقِيقَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ أَعَمَّ مِنْهُ وَلَا أَخَصَّ مِنْ أَعَمِّهِ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي ذِكْرِ الْحِرَابَةِ فِي ذِكْرِ الْغَصْبِ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ الْمُقْتَرِحِ فِي التَّرْكِيبِ مَعَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِأَنَّ هَذَا الرَّسْمَ فِيهِ ذِكْرُ سُلُوبٍ وَهِيَ لَا تُمَيَّزُ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ كَلَامُهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْعَدَمَ الْإِضَافِيَّ يُعِيدُ نَفْيَ مَا كَانَ يَحْتَمِلُ الثُّبُوتَ إفَادَةً ظَاهِرَةً، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا هُوَ جَلِيٌّ قَالَ ﵀ وَلِذَلِكَ صَحَّ وُرُودُهُ فِي النُّعُوتِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وَالْخَاصَّةُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْجَعْلِيَّةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ يَصِحُّ كَوْنُهَا عَدَمِيَّةً قَالَ وَلِذَا لَمْ يَتَعَقَّبْ الْأَشْيَاخُ حَدَّ الْقَاضِي الْقِيَاسُ فِي قَوْلِهِ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا فَاشْتَمَلَ رَسْمُهُ عَلَى قَيْدَيْنِ عَدَمِيَّيْنِ مَعَ كَثْرَةِ إيرَادِ الْأَسْئِلَةِ عَلَيْهِ.
[بَابٌ فِي الْمَغْصُوبِ]
(غ ص ب) : بَابٌ فِي الْمَغْصُوبِ الَّذِي لَيْسَ لِرَبِّهِ غَيْرُهُ
قَالَ ﵀ الْمَغْصُوبُ الْبَاقِي بِحَالِهِ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ فِي سُوقِهِ وَلَمْ يَطُلْ زَمَانُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ التَّعَدِّي]
(ع د و) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ التَّعَدِّي
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ التَّعَدِّي قَالَ الْمَازِرِيُّ هُوَ غَيْرُ الْغَصْبِ وَأَحْسَنُ مَا مَيَّزَ بِهِ عَنْهُ أَنَّ التَّعَدِّيَ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِ الرَّقَبَةِ أَوْ إتْلَافِهِ أَوْ بَعْضِهِ دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِهِ وَبَعْدَ أَنْ قِيدَتْ هَذَا مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ رَأَيْت تَرْجَمَةَ التَّعَدِّي فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ قَالَ فِيهِ " التَّصَرُّفُ فِي الشَّيْءِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِهِ " قَوْلُهُ " التَّعَدِّي الِانْتِفَاعُ " صَيَّرَ الْجِنْسَ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِ
стр. 351
الْغَيْرِ وَقَبِلَ الشَّيْخُ مِنْهُ ذَلِكَ وَالْجَارِي عَلَى حَدِّ الْغَصْبِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْهُ التَّعَدِّيَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ مَنْفَعَةِ أَنَّ مُخْتَارَ الشَّيْخِ قَوْلُهُ: مَنْفَعَةِ مِلْكِ ظُلْمًا قَهْرًا لَا بِخَوْفِ قِتَالِ لَا لِقَصْدِ تَمَلُّكِ الرَّقَبَةِ، ثُمَّ يُضِيفُ بَاقِي الْحَدِّ وَهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ نَقَلَ عَنْ الْمَازِرِيِّ هَذَا الْكَلَامَ مَا ذَكَرَهُ إلَّا لِلْفَرْقِ بَيْنَ التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ وَاعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَهُ رَسْمًا لِلتَّعَدِّي فَلِذَا شَرَحْته، ثُمَّ وَقَفْت عَلَى مَا ذَكَرْته عَنْ الشَّيْخِ أَوَّلًا فَإِنْ قِيلَ أَخْذُ مَنْفَعَةِ مِلْكِ الْغَيْرِ هُوَ الِانْتِفَاعُ أَوْ يَسْتَلْزِمُ الِانْتِفَاعُ قُلْنَا بَلْ الْأَخْذُ سَبَبُ الِانْتِفَاعِ قَوْلُهُ " بِمِلْكِ الْغَيْرِ " أَخْرَجَ بِهِ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِهِ قَوْلُهُ " بِغَيْرِ حَقٍّ " أَخْرَجَ بِهِ الْإِجَارَةَ وَالْعَارِيَّةَ وَغَيْرَهُمَا قَوْلُهُ " دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِهِ " أَخْرَجَ بِهِ الْغَصْبَ قَوْلُهُ " أَوْ إتْلَافُهُ " هَذَا قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ التَّعَدِّي وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمِلْكِ وَهُوَ عُطِفَ عَلَى الِانْتِفَاعِ قَوْلُهُ " أَوْ بَعْضُهُ " لِيَدْخُلَ فِيهِ إهْلَاكُ بَعْضِ الشَّيْءِ وَقَوْلُهُ دُونَ قَصْدِ التَّمَلُّكِ يَخْرُجُ بِهِ الْغَصْبُ أَيْضًا وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ الرَّسْمِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ الشَّيْخِ فِي آخِرِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي قَوْلِهِ التَّصَرُّفُ إلَخْ هَلْ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِي رَسْمِهِ أَمْ لَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵁ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا أَجْمَلَ فِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي قِسْمٍ لِاسْتِهْلَاكٍ فِي مَسَائِلِ التَّعَدِّي فَقَالَ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ دُونَ حَقٍّ فِيهِ خَطَؤُهُ كَعَمْدِهِ أَوْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا إذْنِ قَاضٍ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لِفَقْدِهِمَا قَالَ فَيَدْخُلُ تَعَدِّي الْمُقَارِضِ وَسَائِرِ الْأُجَرَاءِ وَالْأَجَانِبِ فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ هَذَا مَعَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ وَقَفْت عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ رَسْمِهِ لِلتَّعَدِّي بَعْدُ فَهُوَ أَخَصْرُ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَلِذَا ذَكَرَ مَا رَأَيْته فَقَوْلُهُ التَّصَرُّفُ مُغَايِرٌ لِلِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ كَأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ التَّصَرُّفِ وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَدَّمْنَا أَخَذَ إلَخْ قَوْلُهُ " فِي الشَّيْءِ " يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَالٍ قَوْلُهُ " بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ " أَخْرَجَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَبٌّ كَالطُّرُقَاتِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ وَأَخْرَجَ بِبَاقِي رَسْمِهِ الْغَصْبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ فَإِذَا كَانَ رَبُّهُ صَبِيًّا وَأَذِنَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ تَعَدِّيًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُعْتَبَرُ الْإِذْنُ الشَّرْعِيُّ وَإِذْنُ الْمَحْجُورِ لَيْسَ بِإِذْنٍ.
[بَابُ الْفَسَاد الْيَسِير وَالْكَثِير فِي التَّعَدِّي]
(ف س د) : بَابُ الْفَسَادِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرُ فِي التَّعَدِّي
قَالَ الْيَسِيرُ مَا لَمْ يُبْطِلْ الْمَقْصُودَ وَالْكَثِيرُ مَا أَبْطَلَهُ وَلَوْ قَلَّ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي قَدْ أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ وَمُعْظَمُ التَّفَارِيقِ فِيهَا إشْكَالٌ وَعَلَيْهَا يَنْبَنِي رَسْمُ
стр. 352
كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يَخُصُّهُ.
(فَإِنْ قُلْت) قَدْ حَقَّقَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ ﵀ الْفَرْقَ بَيْنِ التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي خَاصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ فِي التَّعَدِّي الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِ الرَّقَبَةِ وَإِنْ قَصَدَ التَّمَلُّكَ لِلرَّقَبَةِ فَهُوَ غَصْبٌ فَنَقُولُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ لِلْفُقَهَاءِ قَوْلُهُمْ إذَا غَصَبَ السُّكْنَى لِدَارٍ فَانْهَدَمَتْ الدَّارُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ فِي قِيمَةِ السُّكْنَى فَقَطْ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُمْ سَمَّوْا ذَلِكَ غَصْبًا وَهُوَ فِي الْمَنْفَعَةِ (قُلْت) سَمُّوهُ غَصْبًا لُغَوِيًّا لَا شَرْعِيًّا وَكَثِيرًا مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ النَّقْلَ فِي ضَمَانِ الدَّارِ اخْتَلَفَ عَلَى نَقْلِ ابْنِ شَاسٍ عَنْ الْمَذْهَبِ وَانْظُرْ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَحْثِ وَتَحْقِيقِ النَّقْلِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ مُنَاقَضَةِ مَسْأَلَةِ الدَّارِ بِمَنْ تَعَدَّى عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْكِرَاءِ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِلرَّقَبَةِ وَانْظُرْ كَلَامَ الشَّيْخِ ﵀ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي بَابِ التَّعَدِّي، وَقَدْ بَحَثَ مَعَ شَيْخِهِ وَمَعَ ابْنِ الْحَاجِبِ رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
[كِتَابُ الِاسْتِحْقَاقِ]
(ح ق ق) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الِاسْتِحْقَاقِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ مِنْ تَرَاجِمِ كُتُبِهَا الِاسْتِحْقَاقُ، ثُمَّ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ " رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ " الِاسْتِحْقَاقُ فِي اللُّغَةِ مَعْلُومٌ وَهُوَ إضَافَةُ الشَّيْءِ لِمَنْ يَصْلُحُ بِهِ وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ وَفِي عُرْفِ الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ﵁ وَهُوَ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَعَبَّرَ بِالرَّفْعِ وَهُوَ الْإِزَالَةُ كَمَا قِيلَ فِي النُّسَخِ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهُنَا رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ وَالْمِلْكُ الْمَذْكُورُ عَرَّفَهُ الشَّيْخُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ بِكُلِّ أَمْرٍ جَائِزٍ فِعْلًا أَوْ حُكْمًا إلَى آخِرِ حَدِّهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَعْسُرُ حَدُّهُ.
(فَإِنْ قُلْت) فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيُقَالُ فِي هَذَا الْحَدِّ التَّرْكِيبُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ قَبْلُ فِي حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حَدِّ الْغَصْبِ وَلَا يُجَابُ بِمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ عَنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ
стр. 353
بِأَنَّهُ قَدْ عَرَّفَ الْحِرَابَةَ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا هَذَا لَا يَنْفَعُ إلَّا لَوْ وَقَعَ التَّعْرِيفُ فِيهِ قَبْلُ فَكَذَا يُقَالُ هُنَا (قُلْت) وَلَعَلَّ الْجَوَابَ عَنْهُ ﵀ أَنَّ هَذَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ خَاصَّةً التَّرْكِيبُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَبَحْثٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ بِثُبُوتِ مِلْكِ رَفْعِ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ قَوْلُهُ " قَبْلَهُ " أَخْرَجَ بِهِ رَفْعَ الْمِلْكِ بِمِلْكٍ بَعْدَهُ قَوْلُهُ " أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ " يَعْنِي بِثُبُوتِ حُرِّيَّةٍ قَبْلَهُ وَأَشَارَ بِهِ إلَى دُخُولِ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْحُرِّيَّةِ قَوْلُهُ " بِغَيْرِ عِوَضٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَا وُجِدَ فِي الْمَغَانِمِ بَعْدَ بَيْعِهِ أَوْ أَهَلَّ لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِالثَّمَنِ فَلَوْلَا زِيَادَةُ هَذَا الْقَيْدِ لَكَانَ الْحَدُّ غَيْرَ مُطَّرِدٍ، ثُمَّ قَالَ فَيَخْرُجُ الْعِتْقُ يَعْنِي بَتَّ الْعِتْقَ لِأَنَّهُ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ لَكِنْ لَا بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ فَخَرَجَ بِذَلِكَ كَمَا أَخْرَجْنَا مَا شَابَهَهُ وَانْظُرْ حَدَّ الْعِتْقِ مَعَ مَا هُنَا فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ رَفْعُ مِلْكٍ حَقِيقِيٍّ لَا بِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ عَنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ يُفْهَمُ بِهِ دُخُولُ الْعِتْقِ.
(فَإِنْ قُلْت) رَسْمُ الشَّيْخِ ﵀ رُبَّمَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ إذَا اُسْتُحِقَّ مِلْكٌ بِحَبْسٍ كَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا، ثُمَّ أَثْبَتَ الْحَبْسَ كَمَا يَجِبُ فَإِنَّ الْمِلْكَ يُرْفَعُ بِالْحَبْسِ كَمَا قُلْتُمْ فِي الْعِتْقِ فَكَمَا أَدْخَلَ الْعِتْقَ حَقُّهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحَبْسَ (قُلْت) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْحَبْسَ إذَا ثَبَتَ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ إمَّا لِلْمُحْبِسِ أَوْ لِلْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَتَأَمَّلْ إذَا اسْتَحَقَّ حُرٌّ بِمِلْكٍ كَيْفَ تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي كَلَامِهِ قَالَ وَمُطْلَقُ رَفْعِ مِلْكٍ بِمِلْكٍ بَعْدُ يَعْنِي أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ بِقَوْلِهِ فَإِذَا ثَبَتَ بَعْدَهُ بَيْعٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ مَا يُنْقَلُ مِلْكًا فَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْت) قَوْلُ الشَّيْخِ ﵁ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِالِاسْتِحْقَاقِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مِلْكُ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ قَائِلٌ فِي مَذْهَبِنَا بَلْ إذَا قَامَ قَائِمٌ عَلَى حَائِزٍ وَثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْقَائِمِ سُئِلَ الْحَائِزُ بِأَيِّ وَجْهٍ حَازَهُ فَإِنْ عَجَزَ وَسَلِمَ الطَّعْنُ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ حَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِرَفْعِ يَدِهِ بِالْمِلْكِ لِلْقَائِمِ فَحَقُّ الشَّيْخِ ﵁ أَنْ يَقُولَ رَفْعُ حَوْزِ شَيْءٍ لَا رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ (قُلْت) لَعَلَّ الْحَائِزَ اسْتَنَدَ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ لِشِرَاءٍ أَوْ مَا يَشْهَدُ لِمِلْكِهِ (قُلْت) وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ فَعُقُودُ الْأَشْرِيَةِ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِنَا (فَإِنْ قُلْت) قَدْ أَقَامَ الشَّيْخُ ﵀ إفَادَةَ الْمِلْكِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بِالِاشْتِرَاءِ مِنْ مَسَائِلَ ثَلَاثٍ وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ (قُلْت) فِيهَا بَحْثٌ وَالْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ أَشَارَ إلَيْهَا فِي الْأَقْضِيَةِ وَفِيهَا بَحْثٌ
стр. 354
فَرَاجِعْهُ.
(فَإِنْ قُلْت) وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ شَهِدَ بِمَوْتِهِ وَبِيعَتْ تَرِكَتُهُ، ثُمَّ قَدِمَ حَيًّا فَإِنْ ذَكَرَ الشُّهُودَ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَا بِيعَ بِالثَّمَنِ فَيُقَالُ هَذِهِ صُورَةٌ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَفِيهَا الْعِوَضُ وَحْدُ الِاسْتِحْقَاقِ يَصْدُقُ فِيهَا فَفِيهِ عَدَمُ عَكْسٍ بِزِيَادَةٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ حُوفِظَ فِيهَا عَلَى الطَّرْدِ فَأُخِلَّ بِالْعَكْسِ (قُلْت) هَذَا السُّؤَالُ كَانَ يَظْهَرُ لِي عَلَيْهِ، ثُمَّ تَأَمَّلْت كَلَامَهُ ﵀ بِنِيَّتِهِ الصَّالِحَةِ فَوَجَدْته لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُمْ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مَا أَطْلَقُوا عَلَى صُورَةِ النَّقْضِ اسْتِحْقَاقًا وَلَا يَتِمُّ النَّقْضُ إلَّا بِهِ، غَايَتُهُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ فِيهَا لَا تَنْطَبِقُ عَلَى تَرْجَمَتِهَا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَمَّا وَجَّهُوا مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ فِي كَوْنِهِ يَأْخُذُ عَيْنَ شَيْئِهِ بِالثَّمَنِ قَالُوا: لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ أَصْلِهِ مَا وَقَعَ فِي الْمَغَانِمِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخُ ذَلِكَ بِالْقَيْدِ وَالْفَرْعُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي بِنِيَّتِهِ ﵁ وَنَفَعَ بِهِ وَوَقَفْت لِبَعْضِ تَلَامِذَتِهِ ﵀ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدَّهُ ﵀ أَوْرَدَ عَلَى الشَّيْخِ فِي حَيَاتِهِ عَلَى رَسْمِهِ الزَّوْجَةَ الْمَنْعِيَّ لَهَا زَوْجُهَا إذَا تَزَوَّجَتْ وَقَدِمَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ وَلَوْ وَلَدَتْ فَيَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنَّهُ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ إلَخْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ مَلَكَ الْعِصْمَةَ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ مَانِعٍ وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلُ كَوْنُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَظَاهِرُ هَذَا النَّقْلِ أَنَّ الشَّيْخَ سَلَّمَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطْلِقُوا عَلَيْهَا ذَلِكَ عُرْفًا وَالْحَدُّ لِلْعُرْفِيِّ لَا لِلُّغَوِيِّ الثَّانِي أَنَّ الشَّيْخَ ﵁ قَالَ بِأَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ وَالرُّسُومَ يَجِبُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّلْبِ وَالْعُدُولِ وَالسَّلْبُ هُنَا الَّذِي هُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ الْمُرَادُ مِنْهُ الْعُدُولُ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْقَابِلِيَّةِ لِلْعِوَضِ وَقَضِيَّةُ الْمَنْعِيِّ لَهَا زَوْجُهَا لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ قَالَ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا.
(فَإِنْ قُلْت) يَرُدُّ عَلَى الْحَدِّ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ إذَا وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ يَدِ غَاصِبٍ، ثُمَّ وَقَعَ الْحُكْمُ بِالرَّفْعِ الْمَذْكُورِ فَكَيْفَ يَصْدُقُ فِيهِ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ وَالشَّيْءُ إنَّمَا هُوَ غَصْبٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ وَلِذَا إذَا أَخَذَ وَرَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ (قُلْت) لَا بُدَّ مِنْ مُسَامَحَةٍ فِي لَفْظِ الْمِلْكِ إذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ.
(فَإِنْ قُلْت) قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِلْكِ شَيْءٍ قِيلَ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّيْءَ عَرَضٌ عَامٌّ فَلَوْ أَتَى الشَّيْخُ ﵀ بِأَقْرَبِ جِنْسٍ لَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَصْوَبَ فَيَقُولُ رَفْعُ مِلْكِ مَالٍ (قُلْت) لَوْ قَالَ ذَلِكَ
стр. 355
لَكَانَ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ ﵁ وَرَأَيْت عَنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ إذَا جَعَلَ زَوْجٌ لِزَوْجَتِهِ أَمْرَ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا وَمَلَّكَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَطَلُقَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ إنْ مَلَّكَهَا قَدْ رَفَعَتْهُ بِمَا مَلَكَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ وَلَمَّا ذَكَرْت هَذَا بِالْمَجْلِسِ تَرَدَّدَ فِيهِ الطَّلَبَةُ لِلنُّبَلَاءِ عِنْدِي فِي صِحَّةِ وُرُودِهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ نَمْنَعُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَلَكَتْ أَمْرًا ثَبَتَ لَهَا مِلْكٌ فِيهِ بَلْ أَثْبَتَتْ إمَّا وَكَالَةً مِنْ الزَّوْجِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَوْ أَثْبَتَتْ مَا يُوجِبُ الطَّلَاقَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُورِدُ عَلَى الْحَدِّ بِوَجْهٍ، وَقَدْ رَأَيْت تَقْيِيدًا عَنْ الشَّيْخِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ تَصَوَّرَ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقَاقِ بِدُونِ شَهَادَةٍ بِالْغَصْبِ مُشْكِلٌ قَالَ: لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَعْلُومَةِ قَالَ، ثُمَّ إنَّ وُجُودَ الْمُسْتَحَقِّ بِيَدِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ مَعَ الشَّهَادَةِ لِلْمُسْتَحِقِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا غَصَبَهُ فَيَلْزَمُ فِي الْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدِهِ مَا يَلْزَمُ الْغَاصِبُ مِنْ رَدِّ الْغَلَّةِ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ الْغَالِبُ أَنْ لَا يَحُوزَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا إلَّا بِأَحَدِ الْوُجُوهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ خُرُوجِ الْمِلْكِ عَنْهُ فَرُوعِيَ الْغَالِبُ وَتُرِكَ الْأَصْلُ لِلْمَصْلَحَةِ فَتَأَمَّلْ هَذَا كَذَا وَجَدْته عِنْدِي وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُنَا بِهِ وَبِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ.
[كِتَاب الشُّفْعَةِ]
(ش ف ع) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الشُّفْعَةُ اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ أَخَذَ مَبِيعَ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ " الشُّفْعَةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ الشَّفْعِ كَذَا قِيلَ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَخْذًا وَضَمًّا لِحِصَّةٍ أُخْرَى شَفَعَتْهُ، وَأَمَّا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فَهُوَ أَخَصُّ وَوُضِعَتْ لَمَّا وَقَعَ الْحَدُّ لَهُ فَقَوْلُ الشَّيْخِ اسْتِحْقَاقٌ صَيَّرَهُ جِنْسًا لِلشُّفْعَةِ وَالِاسْتِحْقَاقُ الْمَعْهُودُ وَهُوَ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ وَلَا يَصِحُّ هُنَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْأَخْذِ بَلْ الْمُرَادُ بِالِاسْتِحْقَاقِ اللُّغَوِيُّ أَيْ طَلَبُ الشَّرِيكِ بِحَقِّ أَخْذِ مَبِيعِ شَرِيكِهِ وَطَلَبُهُ أَعَمُّ مِنْ أَخْذِهِ فَمَاهِيَّةُ الشُّفْعَةِ إنَّمَا هِيَ طَلَبُ الشَّرِيكِ بِحَقِّ أَخْذِ مَبِيعِ شَرِيكِهِ وَهِيَ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَعَدَمِهِ وَلِذَا عَبَّرَ بِالِاسْتِحْقَاقِ لِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ
следующие страницы →