Полный текст (542 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الْحُلِيَّ لِلْوَلَدِ وَقَدْ قَسَّمَهُ ابْنُ رُشْدٍ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ اُنْظُرْ ذَلِكَ وَتَأَمَّلْ لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ فِي حَدِّ الصِّيغَةِ هُنَا كَمَا قَالَ فِي صِيغَةِ الْحَبْسِ فَيَقُولُ مَا دَلَّ عَلَى التَّمْلِيكِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الصِّيغَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ وَهُوَ رُكْنُهُ الْأَوَّلُ وَزَادَ ابْنُ شَاسٍ الصِّيغَةُ مَعَ الْقَبُولِ فَصَيَّرَ الْقَبُولَ جُزْءًا مِنْ الرُّكْنِ وَلَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ ذَلِكَ اسْتَشْكَلَ كَوْنُ الْقَبُولِ رُكْنًا بِمَا وَقَعَ فِي الْعِتْقِ مِنْهَا فِي قَوْلِهَا مَنْ وَهَبَ لِعَبْدِهِ نَفْسَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَقَالَ فِيهَا إذَا قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت لَا عِتْقَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَلَوْ كَانَ رُكْنًا لَكَانَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت وَأَجَابَ بِأَنَّ هِبَةَ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِتْقٌ لَهُ لَا هِبَةٌ فَهُوَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى عِتْقٌ لَهُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ
وَالثَّانِي عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى أَمْرٍ فَاعْتُبِرَ وَاسْتَدَلَّ لِلرُّكْنِيَّةِ بِمَا فِي سَمَاعِ يَحْيَى إنْ امْتَنَعَ الْمَدِينُ مِنْ قَبُولِ الْهِبَةِ فَلَا جَبْرَ لِغُرَمَائِهِ وَقَبُولُهُمْ لَغْوٌ وَتَأَمَّلْ مَا بَيَانُ أَخْذِ الرُّكْنِيَّةِ مِنْ هَذَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الرُّكْنَ وَالشَّرْطَ اشْتَرَكَا فِي تَوَقُّفِ وُجُودِ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهِمَا فَلَا يَقَعُ الْجَبْرُ وَلَوْ كَانَ شَرْطًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الرُّكْنُ أُدْخِلَ فِي تَحَقُّقِ تَصَوُّرِ الْمَاهِيَّةِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنْهَا فَالرُّكْنُ يُحَقِّقُ تَصَوُّرَهَا وَالشَّرْطُ يُحَقِّقُ وُجُودَهَا فَلَوْ كَانَ الْقَبُولُ رُكْنًا لَجُبِرَ عَلَى حُصُولِ الشَّرْطِ لِتَحَقُّقِ تَصَوُّرِ الْمَاهِيَّةِ وَنُقِلَ عَنْ الْمُشَاوِرِ مَنْ سَكَتَ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ ثُمَّ قَامَ بَعْدَ زَمَانٍ فَلَهُ الْقَبُولُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ طَلَب الْغَلَّةَ حَلَفَ مَا سَكَتَ تَرْكًا وَأَخَذَ الْغَلَّةَ قَالَ الشَّيْخُ فَفِيهِ مَعَ الرُّكْنِيَّةِ وَالْقَبُولِ نَظَرٌ إلَّا عَلَى أَنَّ بَتَّ الْخِيَارِ مُوجَبٌ فِيهِ مِنْ يَوْمِ عَقْدِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
[بَابُ الْمَوْهُوبِ]
(وهـ ب) : بَابُ الْمَوْهُوبِ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ شَاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الدَّارُ وَالثَّوْبُ وَالْمَنَافِعُ لَا مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَزَادَ ابْنُ هَارُونَ كَالشُّفْعَةِ وَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ قَالَ وَهُوَ حَسَنٌ لِأَنَّهُمَا مَالِيَّانِ وَكَذَا الْحَبْسُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ قَالَ الشَّيْخُ وَدُخُولُ الْمَنَافِعِ فِي ذَلِكَ خِلَافُ الْعُرْفِ وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَإِنْ قُلْتَ) النَّقْلُ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى حِسِّيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ فَالْحِسِّيُّ مَا ذُكِرَ فِي الْإِجَارَةِ وَأَخْرَجَ بِهِ الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ وَالْمَعْنَوِيُّ مَا ذُكِرَ هُنَا وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَهُ مَعْنَيَانِ فَفِيهِ اشْتِرَاكٌ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْإِبْهَامَ فِي مَقَامِ الْإِفْهَامِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى قَرِينَةً تُعَيِّنُ مُرَادَهُ وَقَالَ خَلِيلٌ يُنْقَلُ وَلَمْ يَقُلْ يَقْبَلُ النَّقْلَ. .
[بَابُ الْوَاهِبِ]
(وهـ ب) :
стр. 422
بَابُ الْوَاهِبِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ لَيْسَ التَّبَرُّعُ أَعْرَفُ مِنْ الْهِبَةِ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يَعْرِفُهَا دُونَهُ وَالْأَوْلَى هُوَ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ (قُلْتُ) إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ ﵁ فِي رَسْمِ ذِكْرِ التَّبَرُّعِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ وَقَوْلُنَا لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ يُخْرِجُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ قَالَ وَتَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ إذْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيهِ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ فِي ثُلُثِهَا وَلَا تَجُوزُ هِبَةُ السَّفِيهِ وَلَا الصَّبِيِّ وَلَا الْعَبْدِ (فَإِنْ قُلْتَ) فَهَلْ يُقَالُ لِلشَّيْخِ ﵀ وَالْحَجْرُ الشَّرْعِيُّ أَيْضًا الْهِبَةُ أَشْهَرُ مِنْهُ فَكَيْفَ صَحَّ التَّعْرِيفُ بِهِ كَمَا ذَكَرَ فِي التَّبَرُّعِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ يَقُولُ إنَّ الْحَجْرَ عِنْدَ الْفَقِيهِ أَشْهَرُ وَفِيهِ نَوْعُ مُصَادَرَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الصَّدَقَةِ]
(ص د ق) : بَابٌ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ الصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ بَدَلُ وَجْهِ الْمُعْطَى هَذَا الْكَلَامُ ذَكَرَهُ ﵀ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَ الْهِبَةَ لَا لِثَوَابٍ بِقَوْلِهِ تَمْلِيكُ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ فَذَكَرَ مَا رَأَيْته فَعَلَى هَذَا يُقَالُ فِي رَسْمِ الصَّدَقَةِ تَمْلِيكُ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ الصَّدَقَةُ كَذَلِكَ إلَخْ فَقَوْلُهُ تَمْلِيكُ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ قُيُودِهِ عَدَا قَوْلِهِ " لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى " أَخْرَجَ بِذَلِكَ الْهِبَةَ لَا لِثَوَابٍ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِهِ ﵁ وَنَفَعَ بِهِ بِمَنِّهِ. بَابُ صِيغَةِ الصَّدَقَةِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ رَسْمِ صِيغَةِ الْهِبَةِ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ لَمْ يَقُلْ صِيغَةُ الْهِبَةِ بَلْ قَالَ الصِّيغَةُ وَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الرَّسْمَيْنِ فِي الْهِبَةِ لَا لِثَوَابٍ وَالصَّدَقَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
[بَابٌ فِي الْحَوْزِ فِي الْعَطِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ]
ِ الْحَوْزُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَعْرِيفِهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَّفَ الْحَوْزَ فِي الْحَبْسِ بِقَوْلِهِ رَفْعُ
стр. 423
خَاصِّيَّةِ تَصَرُّفِ الْمِلْكِ فِيهِ عَنْهُ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطَى أَوْ نَائِبِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا يَشْمَلُ الْحِسِّيَّ وَالْحُكْمِيَّ وَهَذَا أَيْضًا يَشْمَلُ الْحَوْزَ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَجَمِيعُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْزُ فَاسْتَغْنَى عَنْ رَسْمِهِ بِمَا قَدَّمَهُ فِي رَسْمِ الْحَوْزِ فِي الْحَبْسِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْحَوْزَ يَتَوَقَّفُ تَمَامُ الْهِبَةِ عَلَيْهِ إلَّا مَا رَوَى أَبُو تَمَّامٍ أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْحَبْسَ لَا يَفْتَقِرَانِ لِحَوْزٍ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ (فَإِنْ قُلْتَ) إنْ صَحَّ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمُعَرَّفَ فِي الْحَبْسِ الْحَوْزُ الْمُطْلَقُ الَّذِي يَعُمُّ الْحَوْزَ الْحِسِّيَّ وَالْحُكْمِيَّ ثُمَّ قَسَّمَهُ إلَى قِسْمَيْنِ وَعَرَّفَ كُلًّا مِنْهُمَا وَاسْتَغْنَى عَنْ تَعْرِيفِ الْمُطْلَقِ هُنَا اتِّكَالًا عَلَى مَا قَدَّمَ فِي الْحَبْسِ فَهَلَّا أَحَالَ أَيْضًا تَعْرِيفَ الْقِسْمَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَبْسِ وَقَدْ عَرَّفَهُمَا هُنَاكَ وَقَسَّمَهُمَا وَهُنَا قَالَ الْحَوْزُ حُكْمِيٌّ وَحِسِّيٌّ ثُمَّ أَعَادَ التَّعْرِيفَ فِيهِمَا وَهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى مَعْنَى مَا ذَكَرَ فِي الْحَبْسِ
(قُلْتُ) لَا شَكَّ أَنَّ الْجَارِيَ عَلَى أُسْلُوبِ الِاخْتِصَارِ أَنْ يُحِيلَ عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْحَبْسِ فِي تَعْرِيفِ أَعَمِّ الْحَوْزِ وَأَخَصِّهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ فِيهِمَا وَإِنْ أَرَادَ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ وَالْبَيَانِ فِي الْهِبَةِ فَلْيُعَرِّفْ الْحَوْزَ الْعَامَّ ثُمَّ يُعَرِّفْ كُلًّا مِنْ الْأَخَصَّيْنِ وَكَأَنَّهُ تَوَسَّطَ فِي الْهِبَةِ فَحَذَفَ تَعْرِيفَ الْأَعَمِّ وَذَكَرَ تَعْرِيفَ الْأَخَصَّيْنِ. لَا يُقَالُ إنَّمَا خَصَّهُمَا لِاخْتِلَافِ التَّعْرِيفِ فِي الْبَابَيْنِ وَحَذَفَ الْأَعَمَّ لِاتِّحَادِ الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا فَإِنَّهُ عَرَّفَ الْحَوْزَ الْحِسِّيَّ فِي الْحَبْسِ بَيَّنَهُ بِمَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ الْفِعْلِيَّ وَلَمَّا عَرَّفَ الْحُكْمِيَّ هُنَاكَ قَالَ حَوْزُ ذِي وِلَايَةٍ لِمَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَهُنَا قَالَ فِي الْحُكْمِيِّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ حَوْزُ الْوَلِيِّ إلَى آخِرِهِ وَقَالَ فِي الْفِعْلِيِّ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْمُعْطِي فِي الْعَطِيَّةِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطَى أَوْ نَائِبِهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْحَبْسِ لِأَنَّا نَقُولُ أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِيِّ فَلَا مُخَالَفَةَ إلَّا فِي اللَّفْظِ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَوْزُ الْوَلِيِّ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ يَرْفَعُ مَعْنَى إلَى مَا وَقَعَ فِي الْحَبْسِ مِنْ حَوْزِ ذِي وِلَايَةٍ لِمَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقَعْ خِلَافٌ إلَّا فِي اللَّفْظِ مَعَ قُرْبِ مَا بَيْنَ الْأَلْفَاظِ.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِيِّ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْمُعْطِي فِي الْعَطِيَّةِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطَى أَوْ نَائِبِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْحَبْسِ وَاَلَّذِي قُرِّرَ فِي الْحَبْسِ لَيْسَ هُوَ هَذَا التَّعْرِيفُ لِلْفِعْلِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ تَعْرِيفُ الْحَوْزِ الْأَعَمِّ الشَّامِلِ لَلْفِعْلِيِّ وَالْحُكْمِيِّ فَفِي كَلَامِهِ هُنَا ﵀ إشْكَالٌ لِأَنَّهُ صَيَّرَ التَّعْرِيفَ لِمَاهِيَّةِ الْأَعَمِّ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ أَخَصِّهِ هَذَا الَّذِي فَهِمْنَا عَنْهُ وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى قَصْدِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُسَهِّلُ عَلَيْنَا فَهْمَ كَلَامِهِ بِبَرَكَتِهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ هَذَا التَّقْيِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْقَصْدِ إنَّمَا هُوَ
стр. 424
تَسْهِيلُ مَا فِيهِ مِنْ رُسُومِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ لِيَحْصُلَ لَهُمْ تَمَامُ الْفَائِدَةِ مِنْ هَذَا التَّأْلِيفِ الَّذِي أَعْجَزَ كَثِيرًا مِنْ الْفُحُولِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ فِي الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مِنْ تَطَفُّلِي فِي دَعْوَى شَرْحِهِ وَبَسْطِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُصَيِّرُ ذَلِكَ لِوَجْهِهِ وَيَنْفَعُنَا بِهِ وَبِمُؤَلَّفِهِ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَيَظْهَرُ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ أَنَّ التَّعْرِيفَ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا فِيهِ مُغَايَرَةٌ لِمَا ذَكَرَ هُنَاكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ هُنَا مِنْ التَّعْرِيفِ لِلْحُكْمِيِّ فِي الْحَبْسِ هَلْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّ ظَاهِرَ رَسْمِهِ أَنَّ ذَا الْوِلَايَةِ حَوْزُهُ لَيْسَ بِفِعْلِيٍّ مُطْلَقًا وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّتِهِ فِي جَمِيعِ حَوْزِهِ وَأَنَّ السُّنَّةَ أَحْكَمَتْ لَهُ أَنَّهُ قَابِضٌ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ إنَّ الْأَبَ إذَا تَصَدَّقَ بِدَارِ سُكْنَاهُ عَلَى بَنِيهِ الصِّغَارِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْلَائِهَا فِعْلًا مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَثِقَلِهِ بَلْ وَتُشَاهَدُ الْبَيِّنَةُ الدَّارُ فَارِغَةٌ مِنْ ذَلِكَ زَادَ بَعْضُهُمْ وَيُكْرِيهَا لَهُمْ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَهَذَا ذُو وِلَايَةٍ وَهَبَ دَارًا لِوَلَدِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَوْزٍ حُكْمِيٍّ (قُلْتُ) لَا يَخْرُجُ ذَلِكَ عَنْ الْحَوْزِ الْحُكْمِيِّ وَمَا ذَكَرَ إنَّمَا هُوَ كَيْفِيَّةٌ لِلْحَوْزِ وَالْحِسِّيِّ إنَّمَا هُوَ صَرْفُ التَّمَكُّنِ لِلْمُعْطَى وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ دَارَ السُّكْنَى لَا بُدَّ مِنْ الْإِخْلَاءِ فِيهَا ثُمَّ بَاعَهَا الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ فِيهَا هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ الْحَوْزُ بِالْبَيْعِ أَمْ لَا (قُلْتُ) نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الثَّمَنَ لِلْوَلَدِ لَا لِنَفْسِهِ قَالَ وَالْبَيْعُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لِلِابْنِ قَالَ وَالْجَارِي عَلَى أَنَّ شَرْطَ الصَّدَقَةِ إخْلَاءٌ لِلدَّارِ فِي دَارِ السُّكْنَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِلْوَرَثَةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِيهِ طُولٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ الْحَوْزِ الْحُكْمِيِّ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ]
ِ حَوْزُ الْوَلِيِّ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ فَيَدْخُلُ الْكَبِيرُ السَّفِيهُ وَأَمَّا الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ فَلَا يَدْخُلُ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ لِوَلَدِهَا وَالْإِشْهَادُ بِهِبَةِ الْأَبِ يُغْنِي عَنْ الْحِيَازَةِ إلَّا فِي دَارِ السُّكْنَى وَالْحَبْسِ كَذَلِكَ وَيَدْخُلُ مُقَدَّمُ الْقَاضِي وَكُلُّ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَيَجُوزُ أَمْرُهُ عَلَى الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُورُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ وَوَصِيِّهِ وَالسُّلْطَانِ وَمُقَدَّمِهِ وَفِي الْمَذْهَبِ خِلَافٌ مَعْلُومٌ فِي عَدَمِ الْقَصْرِ عَلَى ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا وَهَبَ السَّيِّدُ لِأُمِّ وَلَدِهِ
стр. 425
أَوْ عَبْدِهِ فَقَدْ وَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْعَطَّارِ صِحَّةُ الْحَوْزِ لَهُمَا وَلَمْ يَتَعَقَّبْ ذَلِكَ الْبَاجِيُّ وَقَدْ أَخَذَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بِالْأُولَى فَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ (قُلْتُ) إذَا بَنَيْنَا عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْمُرَادُ دُخُولُهُ وَحْدَهُ ذَكَرَ الْأَعَمَّ وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ ﵀ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ وَشَرْطُ اسْتِقْرَارِهَا الْحَوْزُ إلَّا فِي صَدَقَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ قَالَ وَتَرْكُ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ ذِكْرِهِ لِاقْتِضَائِهِ الْعُمُومَ فِي كُلِّ عَطِيَّةٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مِثْلِيٍّ وَإِيهَامُ قَصْرِهِ عَلَى الصَّغِيرِ خُرُوجَ السَّفِيهِ وَعَلَى الْأَبِ دُونَ وَصِيِّهِ وَالْقَاضِي وَمُقَدَّمِهِ فَيُوقِعُ النَّاظِرَ فِي خَطَإٍ فَاحِشٍ اُنْظُرْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا صَحَّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِالْعَيْنِ وَالْمِثْلِيِّ وَدَارِ السُّكْنَى فَهَلْ يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي رَسْمِهِ لِلْحَوْزِ الْحُكْمِيِّ لِأَنَّهُ أَجْمَلَ فِيهِ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ جَوَابُهُ فِي دَارِ السُّكْنَى وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ الْحَوْزُ الْحُكْمِيُّ حَوْزُ الْوَلِيِّ فَإِنَّ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ وَحَوْزُ الْوَلِيِّ فِيهِ إجْمَالٌ لِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا لِأَنَّ فِيهِ مَا هُوَ بِالْإِشْهَادِ وَفِيهِ مَا هُوَ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْيَدِ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ حَوْزُ الْوَلِيِّ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ فِيمَا وَهَبَهُ غَيْرُ الْوَلِيِّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَحَوْزُ الْوَلِيِّ فِي هَذَا إنَّمَا هُوَ حِسِّيٌّ لَا حُكْمِيٌّ فَيَكُونُ حَدُّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَكَذَلِكَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ أَوْ النَّائِبُ عَنْ الْوَلِيِّ وَلَا يَخْلُو هَذَا الرَّسْمُ مِنْ مُسَامَحَةٍ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ تَحْقِيقِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُ بِهِ.
[بَابٌ فِي الْحَوْزِ الْفِعْلِيِّ فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ]
ِ لَوْ قَالَ ﵀ فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ أَوَّلًا لَكَانَ ظَاهِرًا جَامِعًا قَالَ ﵀ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْمُعْطِي فِي الْعَطِيَّةِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطَى أَوْ نَائِبِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْحَبْسِ (قُلْتُ) تَأَمَّلْ قَوْلَهُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَبْسِ وَالرَّسْمِ الَّذِي عَرَّفَ بِهِ فِي الْحَبْسِ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُهُ وَتَأَمَّلْ مَا قَدَّمْنَاهُ وَلَعَلَّنَا لَمْ نَفْهَمْ عَنْهُ قَوْلَهُ " رَفْعُ تَصَرُّفِ " الرَّفْعُ مَصْدَرٌ يُنَاسِبُ مَقُولَةَ الْحَوْزِ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةُ التَّصَرُّفِ قَوْلُهُ " الْعَطِيَّةِ " يَعُمُّ أَنْوَاعَ الْعَطِيَّةِ مِنْ حَبْسٍ وَعَارِيَّةٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَعُمْرَى قَوْلُهُ " بِصَرْفِ " يَتَعَلَّقُ بِرَفْعِ مَعْنَاهُ بِإِزَالَةِ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ وَعَلَيْهِ يَعُودُ ضَمِيرٌ مِنْهُ وَيَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ قَوْلُهُ " لِلْمُعْطَى " مُتَعَلِّقٌ بِالصَّرْفِ قَوْلُهُ " أَوْ نَائِبِهِ " عَطْفٌ عَلَى الْمُعْطَى وَالنَّائِبُ هُنَا الْوَكِيلُ أَوْ الْوَصِيُّ هَذَا مَعْنَى الْحَوْزِ الْعَقْلِيِّ الْأَعَمِّ مِنْ الْهِبَةِ وَغَيْرِهَا وَتَقَدَّمَ رَسْمُ الْحَوْزِ الْحُكْمِيِّ وَمَا فِيهِ مِنْ التَّسَامُحِ وَإِطْلَاقُهُ يَعُمُّ
стр. 426
الْعَطِيَّةَ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَلَوْ قَالَ فِي الْحُكْمِيِّ رَفَعَ تَصَرُّفَ الْمُعْطِي تَقْدِيرًا وَالْعَطِيَّةُ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لَهُ لِوِلَايَتِهِ عَلَى الْمُعْطَى لَصَحَّ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّ الرَّفْعَ فِعْلِيٌّ وَحُكْمِيٌّ وَهُوَ التَّقْدِيرِيُّ وَقَالَ فِي حَدِّ حَوْزِ الْحَبْسِ رَفْعُ خَاصِّيَّةِ تَصَرُّفِ الْمِلْكِ فِيهِ عَنْهُ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطَى أَوْ نَائِبِهِ فَهَذَا الرَّسْمُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَوْزِ الْحَبْسِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْمَحْدُودِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحَوْزَ الْمُطْلَقَ فِي الْعَطِيَّةِ يَعُمُّ الْحَبْسَ كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَطِيَّةِ تَعُمُّ الْحَبْسَ فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَالْجَارِي عَلَى رَسْمِهِ هُنَا أَنْ يَقُولَ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْوَاقِفِ فِي وَقْفِهِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ نَائِبِهِ وَهَذَا مَعْنَى الْمُخَالَفَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُكُمْ إنَّ حَوْزَ الْحَبْسِ أَخَصُّ مِنْ حَوْزِ الْعَطِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ حَوْزَ الْحَبْسِ أَخَصُّ بِتَقْيِيدِ الْحَبْسِ وَأَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِيِّ وَالْفِعْلِيِّ وَالْحَوْزُ الْفِعْلِيُّ أَخَصُّ لِلتَّقْيِيدِ بِالْفِعْلِيِّ وَأَعَمُّ مِنْ الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ (قُلْتُ) هَذَا صَحِيحٌ إنْ كَانَ الْمُرَادُ حَدَّ حَوْزِ الْحَبْسِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ حَدَّ الْحَوْزِ الْمُطْلَقِ يُنَجِّي عَنْ الْإِيرَادِ.
[بَابُ التَّحْوِيزِ]
ِ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵁ حُكْمَ التَّحْوِيزِ وَأَنَّ الْمَذْهَبَ لَغْوُهُ فِي حَوْزِ الْهِبَةِ وَلَمْ يُعَرِّفْ التَّحْوِيزَ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ التَّحْوِيزَ هُوَ تَسْلِيمُ الْعَطِيَّةِ أَوْ الرَّهْنِ مِنْ الْمُعْطِي أَوْ الرَّاهِنِ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ ﵀ مِنْ الْحُكْمِ وَأَنَّ الْمَذْهَبَ لَغْوُهُ وَقَدْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرَّهْنَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّحْوِيزُ وَلَا يَكْفِي الْحَوْزُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
[بَابُ هِبَةِ الثَّوَابِ]
ِ قَالَ ﵀ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ. مَا أَخْرَجَ بِالْقُيُودِ ظَاهِرٌ وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الِاعْتِصَارِ]
(ع ص ر) : بَابُ الِاعْتِصَارِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ ارْتِجَاعُ الْمُعْطِي عَطِيَّةَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى
стр. 427
قَوْلُهُ ارْتِجَاعٌ وَلَمْ يَقُلْ رَدٌّ وَهُوَ أَخْصَرُ بَلْ صَيَّرَ الْجِنْسَ الِارْتِجَاعَ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ مِنْ الرَّدِّ وَأَقْرَبُ إلَى الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ وَفِيهِ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْعَوْدِ فِي الْهِبَةِ قَوْلُهُ " دُونَ عِوَضٍ " أَخْرَجَ بِهِ شِرَاءَ الْهِبَةِ قَوْلُهُ " لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى " أَخْرَجَ بِهِ هِبَةَ الْمُعْطَى لِلْمُعْطِي (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يُقَالُ بِأَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ الِارْتِجَاعَ فِي الصَّدَقَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِاعْتِصَارٍ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ أَعَمُّ مِنْهَا أَوْ يُقَالُ نَلْتَزِمُ دُخُولَهَا إلَّا أَنَّ الِاعْتِصَارَ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ (قُلْتُ) يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالثَّانِي لِأَنَّ الْهِبَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الِاعْتِصَارِ وَالرَّسْمِ لِلْأَمْرِ الْأَعَمِّ مِنْ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ وَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْ الْمُعْطَى لَا إنْ كَانَ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[بَابُ صِيغَةِ الِاعْتِصَارِ]
ِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظًا أَيْ مَا دَلَّ عَلَى الِاعْتِصَارِ لَفْظًا وَأَطْلَقَ فِي الدَّلَالَةِ مُطَابَقَةً أَوْ الْتِزَامًا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ هَلْ تَنْفَعُ فِي الِاعْتِصَارِ فَعَلَيْهِ إذَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ثُمَّ بَاعَ بِاسْمِ نَفْسِهِ وَمَاتَ فَإِنَّ الثَّمَنَ لِابْنِهِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالِاعْتِصَارِ وَقِيلَ بِصِحَّتِهِ بِذَلِكَ الْبَيْعِ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ وَقَدْ وَقَعَتْ مَسْأَلَةُ إذَا وَهَبَ لِابْنِهِ هِبَةً ثُمَّ مَحَا هِبَتَهُ هَلْ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ هُوَ كَمَسْأَلَةِ الْبَيْعِ وَقَدْ وَقَعَتْ وَتَرَدَّدْنَا فِي ذَلِكَ وَظَاهِرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَفْظًا أَنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى اللَّفْظِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ فِي رَسْمِ الصِّيغَةِ فِي مَوَاضِعَ يَرْسُمُهَا بِمَا يَعُمُّ اللَّفْظِيَّ وَالْعُرْفِيَّ وَالْفِعْلِيَّ وَهُنَا لَمَّا قَيَّدَ ذَلِكَ بِاللَّفْظِيِّ دَلَّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ (فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُ هَذَا الْجِدِّ صِحَّةُ الِاعْتِصَارِ مِنْ كُلِّ مُعْطٍ مَعَ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْأَبِ بِشُرُوطِهِ وَبِمَنْ أَلْحَقَ بِهِ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ مَا يُجَابُ عَنْهُ بِهِ قَبْلُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْعِدَّةِ]
(ع د د) : بَابُ الْعِدَّةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ إخْبَارٌ عَنْ إنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعَ وَفَاءٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَوْلُهُ " إخْبَارٌ " مَصْدَرٌ مِنْ أَخْبَرَ يُخْبِرُ إخْبَارًا وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلْعِدَّةِ فَإِنَّهَا مَصْدَرُ وَعَدَ يَعُدُّ عِدَةً وَالْمَصْدَرُ الْأَصْلِيُّ وَعْدًا قَالَ تَعَالَى وَعْدَ الْحَقِّ وَالْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ الْإِعْلَامُ بِهِ وَهُوَ إيقَاعُ نِسْبَةٍ لَا وُقُوعُهَا وَهُوَ غَيْرُ الْخَبَرِ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِوُقُوعِ النِّسْبَةِ
стр. 428
وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى إيقَاعِهَا وَقَوْلُهُ " عَنْ إنْشَاءِ " أَخْرَجَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ خَبَرٍ وَمَعْنًى عَنْ إنْشَاءِ أَيْ عَنْ وُقُوعِ إنْشَاءِ وَقَوْلُهُ " الْمُخْبِرِ " أَخْرَجَ بِهِ إنْشَاءَ غَيْرِ الْمُخْبِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَعْدٍ كَمَا إذَا قَالَ يَهَبُ زَيْدٌ لَك الدَّارَ غَدًا قَوْلُهُ " مَعَ وَفَاءٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ " أَيْ بِقَيْدِ الْوَفَاءِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَفَاءً فَلَا يُقَالُ فِيهِ وَعْدٌ (فَإِنْ قُلْتَ) أَيُّ شَيْءٍ أَخْرَجَ بِهَذَا (قُلْتُ) لَعَلَّهُ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يُطْلَبُ فِي الْوَفَاءِ بِهِ كَقَوْلِهِ أُطَلِّقُك غَدًا وَمَا شَابَهَهُ فَلَيْسَ هَذَا بِوَعْدٍ شَرْعِيٍّ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسَائِلَ فِي الْخَلْعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْوَعْدِ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا إنْ أَعْطَيْتنِي أَلْفًا خَالَعْتُكِ قَالُوا إنْ فُهِمَ الِالْتِزَامُ لَزِمَ وَإِنْ فُهِمَ الْوَعْدُ فَقَوْلَانِ وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ عَلَى الْوَعْدِ الْمَوْقُوفِ عَلَى سَبَبٍ (قُلْتُ) لَعَلَّ ذَلِكَ لُغَةً لَا عُرْفًا لِأَنَّ الْعُرْفِيَّ فِي غَالِبِهِ مَا يَقَعُ إنْشَاءً عَلَى فَاعِلِهِ إذَا وَفَّى بِهِ وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْإِيقَانِ وَالْوَفَاءِ بِهَا مَطْلُوبٌ اتِّفَاقًا وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَمَا شَابَهَهُ فَلَيْسَ الْوَعْدُ فِيهِ كَذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ ﵀ قَالَ هُنَا بَعْدَ حَدِّهِ فَيَدْخُلُ الْوَعْدُ بِالْحَمَالَةِ وَغَيْرِهَا فَلِأَيِّ شَيْءٍ خَصَّصَ الْوَعْدَ بِالْحَمَالَةِ (قُلْتُ) لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْحَمَالَةُ يَقَعُ بِهِ اللَّبْسُ فَأَشَارَ إلَى بَيَانِهِ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ أَنَا حَمِيلٌ فَهِيَ حَمَالَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَازِمَةٌ وَإِذَا قَالَ أَنَا أَتَحَمَّلُ فَهَذَا وَعْدٌ فَيَدْخُلُ فِي الْحَدِّ وَالْأَوَّلُ إنْشَاءٌ لِغَلَبَتِهِ فِي ذَلِكَ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الثَّانِي لَا يَلْزَمُ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى سَبَبٍ وَوَقَعَ السَّبَبُ عَلَى أَصْلِ الْمَشْهُورِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ أَنَا أَقْضِي عَنْك دَيْنَك غَدًا فَهَذَا وَعْدٌ عَنْ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ فَكَيْفَ يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْحَدِّ (قُلْتُ) هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ قَوْلِيٌّ أَوْ فِعْلِيٌّ كَالْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرُوهُ هُنَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَا أَقْضِيك الدَّيْنَ الَّذِي لَك وَقَوْلُهُمْ أَنَا أَقْضِي عَنْك دَيْنَك وَمَا فَرَّقُوا بِهِ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ]
(ل ق ط) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ اللُّقَطَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا " اللُّقَطَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ هَذَا الَّذِي ذَكَرَ فِيهَا الْأَكْثَرُ
стр. 429
وَهَذَا فِي الْأَصْلِ مَوْضُوعٌ لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا بَلْ الْمُرَادُ الشَّيْءُ الْمُلْتَقَطُ وَحَقَّقَ بَعْضُهُمْ سُكُونَ الْقَافِ جَرْيًا عَلَى الْقِيَاسِ قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ " مَالٌ " مُنَاسِبٌ لِلْمَحْدُودِ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ غَلَبَتْ فِيهِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ اللَّقِيطُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالًا قَالَ خَلِيلٌ ﵀ مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ إلَخْ وَحَدُّ الشَّيْخِ أَبْلَغُ مِنْهُ وَأَجْمَعُ قَوْلُهُ " وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَا وُجِدَ فِي حِرْزٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلُقَطَةٍ قَوْلُهُ " مُحْتَرَمًا " حَالٌ مِنْ الْمَالِ أَخْرَجَ بِهِ مَالَ الْحَرْبِيِّ قَوْلُهُ " لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا " أَخْرَجَ بِهِ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى لُقَطَةً عُرْفًا بَلْ يُسَمَّى إبَاقًا وَسَيَأْتِي
قَوْلُهُ " وَلَا نَعَمًا " النَّعَمُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَلِبَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيهِ بَحْثٌ فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ مَا ذَكَرَ فَإِنَّهُ يُسَمَّى ضَالَّةً لَا لُقَطَةً وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ ذَلِكَ وَبَحَثَ مَعَهُ فَيَدْخُلُ فِي اللُّقَطَةِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْعَرُوضُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وُجِدَ فِي غَيْرِ حِرْزٍ وَيَدْخُلُ الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَبَحْثٌ اُنْظُرْ ذَلِكَ وَمَا وُجِدَ بِشَاطَّيْ الْبَحْرِ مِنْ رَمْيِ الْمُسْلِمِينَ لِلنَّجَاةِ وَقِيلَ إنَّهُ لِوَاجِدِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ بَعْدَ حَدِّهِ فَيَخْرُجُ الرِّكَازُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْ قُيُودِهِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِقَوْلِهِ بِغَيْرِ حِرْزٍ وَقَدْ قَسَّمُوهُ إلَى أَقْسَامٍ لِمَنْ يَكُونُ لِوَاجِدِهِ أَوْ لِأَهْلِ الْأَرْضِ أَوْ لِفَاتِحِ الْأَرْضِ وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى الْأَرْضِ هَلْ هِيَ عَنْوَةٌ أَوْ صُلْحٌ أَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَتَدْخُلُ الدَّجَاجَةُ وَحَمَامُ الدُّورِ لِصِدْقِ الْحَدِّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمٍ إلَخْ ثُمَّ قَالَ لَا السَّمَكَةُ تَقَعُ فِي سَفِينَةٍ
(فَإِنْ قُلْتَ) بِأَيِّ قَيْدٍ تَخْرُجُ (قُلْتُ) تَخْرُجُ بِقَوْلِهِ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لِأَنَّ الْبَاءَ ظَرْفِيَّةٌ كَأَنَّهُ قَالَ الْمَالُ الْمَوْجُودُ فِي غَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا وَهَذَا مَالٌ مَوْجُودٌ فِي حِرْزٍ مُحْتَرَمًا وَنَقَلَ الشَّيْخُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَاتٍ عَنْ الشَّعْبَانِيِّ ثُمَّ عَبَّرَ الشَّيْخُ بَعْدَ هَذَا بِابْنِ شَعْبَانَ وَذِكْرُ ابْنِ شَعْبَانَ هُنَا سَهْوٌ لِأَنَّهُ الشَّعْبَانِيُّ وَكَأَنَّ الشَّيْخُ اعْتَقَدَ أَنَّ ابْنَ شَعْبَانَ هُوَ الشَّعْبَانِيُّ وَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵁ هُنَا الْحِكَايَةَ الْمَشْهُورَةَ لِتَلَامِذَةِ الشَّيْخِ سَيِّدِي أَبِي الْحَسَنِ الْمُنْتَصِرِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ اخْتَارَ تَفْصِيلًا فِي السَّمَكَةِ وَإِنَّهَا إنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا مَنْ سَقَطَتْ إلَيْهِ لَنَجَتْ لِقُوَّةِ حَرَكَتِهَا وَقُرْبِ سُقُوطِهَا مِنْ الْمَاءِ فَذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَإِلَّا فَهِيَ لِرَبِّ السَّفِينَةِ وَاسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ إذَا طَرَدَ صَيْدًا وَدَخَلَ دَارًا اُنْظُرْهُ فَإِنَّهُ قِيَاسٌ صَحِيحٌ إذَا تَأَمَّلْت وَقَدْ كَانَ يَمْشِي
стр. 430
لَنَا النَّظَرُ فِيهَا إذَا وَقَعَتْ السَّمَكَةُ فِي حِجْرِ رَجُلٍ هَلْ يَخْتَصُّ بِهَا أَمْ لَا وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهَا مِنْ هَذِهِ لِأَنَّهُ أَحْرَوِيٌّ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَوْزَ الْخَاصَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَوْزِ الْعَامِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ وَكَانَ يَمْضِي لَنَا النَّظَرُ فِي هَذَا مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ وَكَانَ مِمَّا يُعْلَمُ لَهُمَا وَهُوَ بِيَدِهَا اُنْظُرْهُ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ مَسْأَلَةً اخْتَلَفَ فِيهَا ابْنُ دَحُونٍ وَابْنُ الْفَخَّارِ وَهِيَ مِنْ طَلَبَتِهِ زَوَّجَتْهُ بِكِسْوَةٍ فَقَالَ لَهَا الثَّوْبُ الَّذِي عِنْدَك لِي وَقَالَتْ هِيَ بَلْ هُوَ لِي قَالَ الشَّيْخُ الْخِلَافُ جَارٍ عَلَى كَوْنِهَا فِي حَوْزِ الزَّوْجِ أَوْ حَوْزِهَا فِي نَفْسِهَا فَتَأَمَّلْهُ وَانْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فِي اخْتِلَافِ الْأَزْوَاجِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ الضَّالَّةِ]
(ض ل ل) : بَابُ الضَّالَّةِ لَمَّا كَانَ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي اللُّقْطَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ فِي تَعْرِيفِهَا " نَعَمْ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمٍ " وَبَيَانُهُ مَا قَدَّمْنَا وَهُوَ ظَاهِرٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ أَمَّا الْإِبِلُ حَيْثُ لَا سِبَاعَ فَاخْتُلِفَ فِي رُجْحَانِ تَرْكِهَا أَوْ أَخْذِهَا وَأَمَّا إذَا خَشِيَ عَلَيْهَا السِّبَاعَ فَقِيلَ حُكْمُهَا حُكْمُ الشَّاةِ وَقِيلَ لَا وَالْبَقَرُ كَالْإِبِلِ فِي الْفَلَاةِ كَالْغَنَمِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْآبِقِ]
(أب ق) : بَابُ الْآبِقِ قَالَ ﵁ " حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمٍ " وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ (فَإِنْ قُلْت) إذَا وُجِدَ آبِقًا فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَبُّهُ هَلْ يُبَاعُ أَمْ لَا (قُلْتُ) وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُحْبَسُ سَنَةً ثُمَّ يُبَاعُ وَوَقَعَ فِي السَّمَاعِ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ لِئَلَّا يَهْلِكَ الثَّمَنُ وَتَحْصِيلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ حَسَنٌ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (فَإِنْ قُلْتَ) بَدَّلَ الشَّيْخِ ﵀ التَّعْبِيرَ هُنَا وَخَالَفَ مَا قَدَّمَ فِي الْعَطِيَّةِ لِأَنَّهُ هُنَاكَ لَمَّا ذَكَرَ حَدَّهَا وَأَدْخَلَ تَحْتَهَا مَا أَدْخَلَ مِنْ أَنْوَاعِهَا أَفْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهَا فَذَكَرَ مَعَهُ الْجِنْسَ الْعَامَّ وَمَا يُمَيِّزُهُ وَهُنَا ذَكَرَ رَسْمَ اللُّقْطَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَخُصُّ مَا خَرَجَ عَنْهَا مِنْ آبِقٍ وَضَالَّةٍ فَالْجَارِي
стр. 431
عَلَى مَا قَدَّمَ أَنْ يَقُولَ فِي جِنْسِ الْآبِقِ مَالٌ ثُمَّ يُقَيِّدُهُ كَمَا ذَكَرَ فِي الْهِبَةِ وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي الضَّالَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ مَا رَأَيْته (قُلْتُ) أَتَى بِأَقْرَبِ جِنْسٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ هُوَ أَخَصُّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ فَلِذَا لَوَّنَ مَا رَأَيْت فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَتَأَمَّلْ حَدَّهُ لِلْآبِقِ فَإِنَّهُ صَادِقٌ عَلَى اللُّقَطَةِ فَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ وَلَوْ قَالَ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ لَمْ تُرَدَّ اللُّقَطَةُ.
[بَابُ اللَّقِيطِ]
(ل ق ط) : بَابُ اللَّقِيطِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " صَغِيرُ آدَمِيٍّ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَلَا رِقُّهُ " قَوْلُهُ اللَّقِيطُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَأُطْلِقَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى هُنَا وَلَيْسَ هُوَ هُنَا خَاصًّا بِالذَّكَرِ وَقَوْلُهُ " صَغِيرُ آدَمِيٍّ " جِنْسُ اللَّقِيطِ قَوْلُهُ " لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ عُلِمَ أَبَوَاهُ قَوْلُهُ وَلَا " رِقُّهُ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لِأَنَّهُ لُقَطَةٌ لَا لَقِيطٌ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ قَالَ الشَّيْخُ وَيَخْرُجُ وَلَدُ الزَّانِيَةِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ لَمْ يُعْرَفْ أَبَوَاهُ وَهَذَا قَدْ عُلِمَ أَحَدُهُمَا قَالَ الشَّيْخُ وَعَرَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ طِفْلُ ضَائِعٌ لَا كَافِلَ لَهُ وَأَبْطَلَ طَرْدَهُ بِطِفْلٍ كَذَلِكَ قَدْ عُلِمَ أَبُوهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَقِيطِهِ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ عَنْهُ وَهُوَ كَوْنُ وِرَاثَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُفْهِمُنَا عَنْهُ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرَهُ فِي حَدِّ اللَّقِيطِ فِيمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ أَنَّهُ لُقَطَةٌ يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ فِي رَسْمِهَا مِنْ زِيَادَةِ قَوْلِهِ لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا (قُلْتُ) السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى مَا رَأَيْنَا فِي النُّسَخِ بِلَفْظِ لُقَطَةٌ، وَصَوَابُهُ لُقَطٌ وَكَذَلِكَ وُجِدَ فِي مُبَيَّضَتِهِ مُصْلَحًا مَبْتُورَ التَّاءِ وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى رَسْمِهِ مَنْ وَجَدَ وَلَدًا صَغِيرًا وَلَمْ يَجِدْ لَهُ أَبًا فِي حَالِ ضَيَاعِهِ وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِ أَنَّهُ لَقِيطٌ لِصِدْقِ الرَّسْمِ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْمَنْبُوذُ يُرَدُّ عَلَى حَدِّهِ وَلَا يُسَمَّى لَقِيطًا (قُلْتُ) نُقِلَ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْمَنْبُوذُ اللَّقِيطُ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الْمَنْبُوذُ كَاللَّقِيطِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَنْبُوذَ مَنْ طُرِحَ عِنْدَمَا وُلِدَ وَشَأْنُهُ فِيمَنْ كَانَ وُلِدَ زِنًا وَاللَّقِيطُ مَا طُرِحَ فِي الشَّدَائِدِ وَالْحَرْبِ لَا عِنْدَمَا وُلِدَ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَدْخُلُ فِي رَسْمِهِ وَعَلَى الثَّانِي يُزَادُ فِيهِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْهُ وَيَخُصُّ الْمَنْبُوذَ بِرَسْمِهِ وَانْظُرْ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلِ يَا مَنْبُوذٌ قَالَ لَا يُعْلَمُ مَنْبُوذٌ إلَّا وَلَدُ الزِّنَا اُنْظُرْ مَا فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَهُوَ رَبُّ الْأَرْبَابِ.
[كِتَابُ الْقَضَاءِ]
(ق ض ي) :
стр. 432
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْقَضَاءِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ " الْقَضَاءُ لُغَةً يَصْدُقُ عَلَى الْحُكْمِ تَقُولُ قَضَى فُلَانٌ بِمَعْنَى حَكَمَ وَفَصَّلَ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْأَمْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] الْآيَةَ وَلَمَّا كَانَ مَدْلُولُهُ اللُّغَوِيُّ الْفَصْلُ أَوْ الْأَمْرُ وَكَانَ الْقَاضِي فِي عُرْفِ الشَّرْعِ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ لَهُ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ يُوجِبُ نُفُوذَ حُكْمِهِ عِلْمُنَا أَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا وَنُفُوذَ حُكْمٍ وَمَعْنًى حُكْمِيًّا يُوجِبُ النُّفُوذَ كَمَا تَعَقَّلْنَا طَهَارَةً وَتَطْهِيرًا وَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا شَرْعًا فَرَّقْنَا هُنَا بَيْنَ الْحُكْمِ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ لَكِنَّ الْمَعْنَى الْحُكْمِيَّ هُنَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ نُفُوذَ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْمَعْنَى الْحُكْمِيِّ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ جَوَّزَ الِاسْتِبَاحَةَ وَلَمَّا رَأَى الشَّيْخُ ﵁ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الشَّرْعِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ أَتَى بِقَوْلِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَرُدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ لِقُصُورِهِ عَلَى الْفَصْلِ الْفِعْلِيِّ وَالْقَضَاءُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِي لَهُ مَعْنًى أَوْجَبَ لَهُ نُفُوذَ الْفَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَاضِي عُرْفًا مَنْ كَانَ بِهِ مَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ شَرْعًا فَصَلَ أَوْ لَمْ يَفْصِلْ قَوْلُهُ " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ " تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مَعْنَى ذَلِكَ وَيَأْتِي هُنَا مِنْ الْبَحْثِ مِثْلُ بَعْضِ مَا هُنَاكَ قَوْلُهُ " تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا " صَيَّرَهَا سَبَبًا فِي نُفُوذِ الْحُكْمِ وَمَعْنَى نُفُوذِهِ إمْضَاؤُهُ وَالنُّفُوذُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنَى الْإِمْضَاءِ وَبِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ وَقَدْ كُنَّا بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِنَا الْإِمَامِ سَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عِقَابٍ ﵀ وَكَانَ يُفَسِّرُ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ بَعْضَ ظَوَاهِرِ الطَّلَبَةِ آيَةَ قَوْلِهِ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] الْآيَةَ
وَصَرَّحَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَسَمِعَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ لَهُ الْآيَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِمْضَاءُ وَالْمُهْمَلَةُ الْمُرَادُ مِنْهَا الْفَرَاغُ قَالَ تَعَالَى ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ [الكهف: ١٠٩] الْآيَةَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ نُفُوذُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَخْرَجَ بِذَلِكَ مَنْ لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ
стр. 433
لَا يَنْفَدُ حُكْمُهُ وَلَا يَجِبُ وَهَذِهِ الصِّفَةُ تُوجِبُ إيجَابًا شَرْعِيًّا إمْضَاءَ مَا حَكَمَ بِهِ الْمَوْصُوفُ بِهَا وَاحْتِرَامَهُ وَالصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ تَثْبُتُ لِلْمَوْصُوفِ بَعْدَ ثُبُوتِ تَقْدِيمِهِ لِلْحُكْمِ فَتَقْدِيمُهُ لِلْحُكْمِ وَالْفَصْلِ إذَا كَانَ أَهْلًا هُوَ الْمُوجِبُ لِحُصُولِ الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مَا هُوَ هُنَا (قُلْتُ) الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقِ إلَخْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَيُطْلَقُ عَلَى إلْزَامِ الْقَاضِي هُنَا أَمْرًا شَرْعِيًّا لِخَصْمٍ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَالْإِضَافَةُ تُعَيِّنُهُ لِقَوْلِهِ حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (فَإِنْ قُلْتَ) الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يُطْلَقُ تَارَةً لِجَزْمِ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِ إعْلَامِهِ بِهِ فَهَذَا فَتْوَى وَتَارَةً لِجَزْمِهِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ وَالْجَبْرِ عَلَيْهِ فَهَذَا حُكْمٌ فَصَارَ حُكْمُ الْقَاضِي هُوَ الْجَزْمُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ وَالْجَبْرِ وَهَذَا لَا يُفِيدُهُ مَا وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي رَسْمِ الْقَضَاءِ (قُلْتُ) قَرِينَةُ قَوْلِهِ نُفُوذَ تُعَيِّنُ الْحُكْمَ وَتُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ جَبْرًا (فَإِنْ قُلْتَ) : قَوْلُهُ نُفُوذَ حُكْمِهِ رُبَّمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَغْيِيرُ أَمْرٍ عَنْ حَالِهِ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَهُوَ حُكْمٌ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ فَقِيلَ إنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلَا حُرْمَةَ لَهُ وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْقَاضِي الْحَاكِمِ أَنْ يَرُدَّهُ وَمِثَالُ ذَلِكَ نِكَاحُ مُحْرِمٍ إذَا أَمْضَاهُ قَاضٍ ثُمَّ رَفَعَ لِغَيْرِهِ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ هَذَا تَرْكٌ لَيْسَ حُكْمًا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهُ حُكْمٌ وَلَا يَفْسَخُهُ الْقَاضِي الثَّانِي وَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْضَاؤُهُ (قُلْتُ) لَا يُرَدُّ ذَلِكَ وَالْحَدُّ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ وَالْحُكْمُ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّغْيِيرِ وَعَدَمِهِ وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ إذَا رَفَعَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ لِقَاضٍ وَقَدْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَقَالَ لَا أُجِيزُهُ وَلَمْ يَحْكُمْ بِفَسْخِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلَكِنَّهُ فَتْوَى وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخَ ذَلِكَ أَنَّهُ فَتْوَى فَلِمَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ نَقْضُهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ وَالظَّاهِرُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي نَقْضُهُ لِأَنَّ قَوْلَ الْأَوَّلِ لَا أُجِيزُهُ حِينَ رُفِعَ إلَيْهِ وَلَا أَفْسَخُهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ أَحَدُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَحُكْمُ الْمَكْرُوهِ عَدَمُ نَقْضِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقُهُ تَرْكًا فَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ فَفِيهِ نَظَرٌ وَكَلَامُ ابْنِ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِفَسْخِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ قَوْلَ الشَّيْخِ وَلَا أَفْسَخُهُ وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ بِالْمَكْرُوهِ
стр. 434
وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي رَاتِبِ إمَامٍ مَرِضَ اُنْظُرْهُ فِيهِ وَانْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ فِي حَدِّ الْحُكْمِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ وَمَا ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ كُلُّ ذَلِكَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا (فَإِنْ قُلْتَ) : قَوْلُهُ " تُوجِبُ نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ " الْحُكْمُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ إلَى الضَّمِيرِ فَيَعُمُّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الصِّفَةَ تُوجِبُ إمْضَاءَ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَقَدْ ذَكَرُوا مَا يَجِبُ نَقْضُهُ لَا إمْضَاؤُهُ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ (قُلْتُ) ذَلِكَ لِمَانِعٍ مَنَعَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ أَوْ مَعْنَاهُ. لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي حَدِّهِ الطَّهَارَةُ أَوْ يُقَالُ حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ يَمْنَعُ مِنْ إيرَادِ مَا ذَكَرَ وَهُوَ الصَّوَابُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا حَكَمَ الْقَاضِي فَالصِّفَةُ أَوْجَبَتْ لَهُ نُفُوذَ الْحُكْمِ وَلَا يَصِحُّ لَهُ رُجُوعٌ وَقَالُوا يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ بَلْ يَجِبُ رُجُوعُهُ إلَى الصَّوَابِ وَأَمَّا إلَى الْأَصْوَبِ فَفِيهِ خِلَافٌ (قُلْتُ) ذَلِكَ أَيْضًا لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْ الْإِمْضَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالشَّرْعِيُّ أَيْضًا يَمْنَعُ هَذَا كُلَّهُ قَوْلُهُ " وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ " عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَصْلُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَكَمَ بِهِ وَلَوْ كَانَ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لِيَصِيرَ التَّعْدِيلُ وَالتَّجْرِيحُ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ اُنْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَدَّرْت بِكُلِّ شَيْءٍ يُشْكِلُ ذَلِكَ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ أَخْرَجُوهَا عَنْ الْحُكْمِ كَالثُّبُوتِ وَالتَّأْجِيلَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَطَالَ فِيهِ ابْنُ فَرْحُونٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ عُمُومُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ تَتَقَرَّرُ الْغَايَةُ الْمَذْكُورَةُ (قُلْتُ) هَذَا التَّقْرِيرُ صَحِيحٌ بِكُلِّ شَيْءٍ حَكَمَ بِهِ وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمَسَائِلِ لَيْسَ بِحُكْمٍ قَوْلُهُ " لَا فِي عُمُومٍ إلَخْ " أَخْرَجَ بِهِ الْإِمَامَةَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ وَلَا تَفْرِيقُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا تَرْتِيبُ الْجُيُوشِ وَلَا قَتْلُ الْبُغَاةِ وَلَا الْإِقْطَاعَاتُ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَزَادَ الْقَرَافِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَلَا إقَامَةُ الْحُدُودِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ لِأَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْحُدُودِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ إلَّا الْحَاكِمُ قَالَ شَارِحُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ لِلْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَته ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ وَيَخْرُجُ التَّحْكِيمُ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوجِبَ فِي الصِّفَةِ عَامٌّ فِي كُلِّ حُكْمٍ حَتَّى التَّعْدِيلِ وَضِدِّهِ وَالتَّحْكِيمُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَلَمْ يُشَارِكْ مَعْنَى الْقَضَاءِ إلَّا فِي بَعْضِ صِفَتِهِ لَا خَاصِّيَّتِهِ وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الشُّرْطَةِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ الْإِمَامَ لِأَنَّ نَظَرَهُ أَوْسَعُ مِنْ نَظَرِ الْقَاضِي عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْفَرْقِ (فَإِنْ قُلْتَ) عَلَى أَيِّ شَيْءٍ عَطَفَ مَا بَعْدَ لَا (قُلْتُ) عَطَفَ عَلَى مُقَدَّرٍ مُتَعَلِّقٍ بِحُكْمٍ أَيْ فِي شَيْءٍ لَا فِي عُمُومِ
стр. 435
مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُتَعَلِّقِ نَظَرِ الْقَاضِي بَلْ مِنْ نَظَرِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَنَظَرُهُ أَعَمُّ مِنْ نَظَرِ الْقَاضِي وَلِذَا يَصِحُّ عَزْلُهُ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى مَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ وَيُقَدَّمُ كَذَلِكَ وَيَنْظُرُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْمُرُ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ أَوْ خَاصَّةٌ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ سَبَبٍ وَبِالْفِرَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِشُرُوطِهَا وَقَدْ ذَكَرُوا لَهَا بَابًا مُسْتَقِلًّا وَالْقَاضِي قَاصِرٌ عَنْ ذَلِكَ فَإِذَا حَكَمَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ نُفُوذُ حُكْمِهِ بِالْمَعْنَى الْمُتَّصِفِ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قُلْتَ) الصِّفَةُ الْمُوجِبَةُ نُفُوذَ حُكْمِهِ هَلْ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ فِيمَنْ بَعْدَهُ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ عُمُومُ الْوُجُوبِ لِثُبُوتِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ لَهُ عَزْلُ قَاضٍ لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَيَجِبُ نُفُوذُ حُكْمِهِ فِي ذَلِكَ لِمُوجِبِ حُصُولِ الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ أَمْ لَا (قُلْتُ) أَمَّا الْإِمَامُ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ نَصُّوا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَنْ هُوَ دُونَهُ فَلَا يَعْزِلُهُ وَأَمَّا الْقَاضِي إذَا كَانَ لَهُ نَظَرٌ عَلَى قُضَاتِهِ فَلَا يَعْزِلُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمُوجِبِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا حَكَمَ الْقَاضِي وَلَمْ يَشْهَدْ بِحُكْمِهِ وَوَجَدَ بِخَطِّهِ ثُمَّ عَزَلَ أَوْ مَاتَ فَظَاهِرٌ مِنْهُ أَنَّهُ يَصْدُقُ حَدُّ الشَّيْخِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ نُفُوذُ حُكْمِهِ وَالنَّصُّ خِلَافُهُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا (قُلْت) لَعَلَّهُ رَاعَى الْخِلَافَ فِيهِ وَأَنَّ خَطَّهُ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْإِشْهَادَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ ﵀ الْقَضَاءُ وِلَايَةٌ مُتَنَاوِلَةٌ لِلْحُكْمِ لَا يَنْدَرِجُ فِيهَا غَيْرُهُ وَقَالَ لَيْسَ لِلْقَاضِي فِي السِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ مَدْخَلٌ وَهَذَا كَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّيْخِ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ السِّيَاسَةَ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَدْخَلٌ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَهُ النَّظَرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ السِّيَاسَاتِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّيْخِ (قُلْتُ) رُبَّمَا يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى النَّظَرَ فِي أَخَصَّ وَهُوَ عُمُومُهَا لَا فِي مُطْلَقِ شَيْءٍ مِنْهَا فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا إنَّ الْقَاضِي مِنْ حَيْثُ هُوَ قَاضٍ إنَّمَا لَهُ إلْزَامُ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَأَمَّا نُفُوذُهُ فَلَا لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ عَلَى الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ فَإِلْزَامُ الْحُكْمِ مَوْجُودٌ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّنْفِيذِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي حَقِّ الْعَاجِزِ وَالشَّيْخُ هُنَا قَدْ قَالَ نُفُوذُ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ (قُلْتُ) لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ بِمَعْنَى إلْزَامِ نُفُوذِ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ وَهُوَ مُتَقَرِّرٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ وَقَعَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي الثُّبُوتِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ أَمْ لَا فَإِذَا أَثْبَتَ الْقَاضِي رَسْمًا
стр. 436
وَبَعَثَ بِهِ إلَى قَاضٍ وَقَالَ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدِي فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي احْتِرَامُ مَا ثَبَّتَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ بِحُكْمٍ (قُلْتُ) الَّذِي حَقَّقَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَأَمَّا مَا ثَبَّتَهُ مِنْ الرَّسْمِ وَقَبُولِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْبِنَاءُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا حَقَّقَهُ ابْنُ رُشْدٍ ﵀ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ﵁ هُنَا فِي قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ بَيْنَ الْمَازِرِيِّ وَمُنَازِعِهِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَظْهَرْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ الثُّبُوتَ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ إنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ قَبُولُهُ لِلْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ فِي السُّؤَالِ الثَّلَاثِينَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ وَشَهَرَ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ إذَا قَامَتْ الْحُجَّةُ عِنْدَ الْقَاضِي وَتَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ قَالَ فَمَنْ شَهَرَ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ يُرِيدُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رِيبَةٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِيمَا ثَبَتَ لَا يَصِحُّ أَنَّهُ حَاكِمٌ بِاتِّفَاقِ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ فَأَنْتَ تَرَى تَشْهِيرَهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرْنَا عَنْ الْجَمَاعَةِ (قُلْتُ) كَلَامُ الْقَرَافِيُّ رَدَّهُ الشَّيْخُ وَابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ وَهَذَا التَّشْهِيرُ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا الرَّدُّ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ لَا مَا كَثُرَ قَائِلُهُ وَأَمَّا إنْ قُلْنَا بِهِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ (قُلْنَا) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَعَلَى هَذَا يَقَعُ الرَّدُّ وَنُقِلَ عَنْ سِرَاجِ الدِّينِ أَنَّهُ قَالَ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا فِي قَوَاعِدِهِ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الثُّبُوتِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ وَلَمْ يُشَهِّرْ وَحَقَّقَ هُنَاكَ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا اُنْظُرْهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجَدُ بِدُونِ ثُبُوتٍ كَالْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ وَذَلِكَ فِي قِسْمِ الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يَقَعُ الثُّبُوتُ كَمَا فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا وَلَا حُكْمَ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ وَالثُّبُوتُ عِنْدَهُ قِيَامُ الْحُجَّةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَانْظُرْ مَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْمَازِرِيِّ.
وَقَسَّمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ فَهَذَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ عِنْدَهُ وَالثَّانِي مُسَمَّى اشْتَرَى هَلْ يَقْتَضِي ثُبُوتَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِلْمُشْتَرَى أَمْ لَا فَالْمَازِرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقُولُ بِعَدَمِ الِاقْتِضَاءِ وَخَصْمُ الْمَازِرِيُّ يَقُولُ بِخِلَافِهِ وَاَلَّذِي بِهِ الْعَمَلُ مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ مُقْتَضَى أَلْفَاظِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي الْقَوْلُ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ لِقَوْلِهَا فِي
стр. 437
الزَّكَاةِ الْأَوَّلُ مَنْ اشْتَرَى بِمَالٍ حَلَّ حَوْلُهُ وَلَمْ يُزَكِّهِ خَادِمًا فَمَاتَتْ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَقَالَ فِي الْجِهَادِ مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْمَغْنَمِ أُمَّ وَلَدِ رَجُلٍ أَوْ ابْتَاعَهَا مِنْ حَرْبِيٍّ فَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُعْطِيَهُ جَمِيعَ ثَمَنِهَا وَقَالَ فِي الشُّفْعَةِ مَنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدُّ كَثْرَةً اُنْظُرْهُ وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِأَنَّ كَثِيرًا مَا يَقَعُ النَّظَرُ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الزَّمَانِ وَيَتَرَدَّدُونَ فِي بَيَانِ فَهْمِ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي كُلِّ آنٍ فَلْنَذْكُرْ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ يَمُرُّ لَنَا فِي ذَلِكَ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ فَبَيَانُ الْأَخْذِ مِنْهَا عَلَى مَا فَهِمْنَا عَنْهُ ﵀ أَنَّ الزَّكَاةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنِ الْمَالِ لَا بِذِمَّةِ الْمُزَكِّي بِدَلِيلِ إذَا ضَاعَ وَلَمْ يُفَرِّطْ فَلَا غَرِمَ عَلَيْهِ فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ وَلَمْ يُزَكِّهِ فَمَنَابُ الْفُقَرَاءِ عَاوَضَ بِهِ مَعَ بَقِيَّةِ مَالِهِ وَأَطْلَقَ عَلَى فِعْلِهِ شِرَاءً وَمِنْ لَازِمِ الشِّرَاءِ أَنَّ ضَمَانَهَا يَكُونُ مِنْهُ فِي كُلِّهَا فَلِذَلِكَ جَعَلَ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ لَا يَدُلُّ شِرَاؤُهُ عَلَى مِلْكِ الْأَمَةِ لَمْ تَكُنْ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ عَيْنِ الزَّكَاةِ وَلَيْسَ عَلَى مِلْكِهِ وَغَيْرِهَا فَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ فَالْحَاصِلُ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الشِّرَاءُ لِلْأَمَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِهَا لَمَا لَزِمَتْ الزَّكَاةُ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ مَوْتِهَا وَالثَّانِي بَاطِلٌ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى مِلْكٍ فَبَعْضُهَا عِوَضٌ عَنْ الزَّكَاةِ وَقَدْ ذَهَبَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ شِرَاءَهُ عَمَرَ ذِمَّتَهُ بِحِفْظِ الزَّكَاةِ وَمِلْكُ عِوَضِهَا وَضَمَانِهَا مِنْهُ وَهَذَا فِيهِ أَبْحَاثٌ.
(الْأَوَّلُ) أَنَّا وَجَدْنَا الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يَدُلُّ عَلَى شُبْهَةِ الْمِلْكِ لَا عَلَى خُصُوصِ مِلْكٍ وَهَذَا غَايَتُهُ أَنَّهُ شُبْهَةٌ.
(وَالثَّانِي) أَنَّا نَقُولُ هُوَ نَائِبٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ فِي الْعَيْنِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ فَمُعَاوَضَتُهُ بِهِ أَوْجَبَتْ تَعَدِّيًا فَعَمَرَتْ ذِمَّتُهُ بِهِ فَإِنَّمَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ بِذَلِكَ لَا لِأَنَّ شِرَاءَهُ دَلَّ عَلَى مِلْكِهِ كَمَا ذَكَرَ فَالْقَدْحُ فِي الْمُلَازَمَةِ لَا يَخْفَى وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ مَنْ اشْتَرَى مِنْ مَغْنَمٍ فَبَيَانُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ الِاشْتِرَاءُ لَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكٍ لَأَخَذَهَا سَيِّدُهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ مِنْ يَدِ مَنْ لَا مِلْكَ لَهُ وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِنَصِّهَا وَهَذَا فِيهِ بَحْثٌ فِي الْمُلَازَمَةِ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالثَّمَنِ فِي مِثْلِ هَذِهِ النَّازِلَةِ لِقُوَّةِ شُبْهَةِ شِرَائِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلَى قَسْمِ الْإِمَامِ وَدَارُ الْحَرْبِ بِهَا شُبْهَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ يُونُسَ إلَى قَرِيبٍ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ نُعِيَ مَوْتُهُ وَقُسِمَتْ تَرِكَتُهُ اُنْظُرْ اللَّخْمِيَّ وَابْنَ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَيْسَ فِي الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ
стр. 438
الشِّرَاءَ يُوجِبُ لِلْمُشْتَرِي مِلْكَ مَا اشْتَرَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِكَلَامِهِ وَفَهْمِهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ كَامِلُ النَّظَرِ قَوِيُّ الدِّينِ وَالْفِكْرِ وَرُبَّمَا يُخَيَّلُ عَلَى النَّاظِر أَنْ يُقَالَ لَوْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ لَكَانَ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الثُّبُوتَيْنِ لِلْمِلْكِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ فِيمَا رَأَيْت أَحَدٌ بَلْ الْمِلْكُ إذَا ثَبَتَ لَا يُعَارِضُهُ شِرَاءٌ وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ غَايَتُهُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْحِيَازَةِ فَإِنْ أَثْبَتَ مِلْكَهُ لَهُ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَإِنْ سَقَطَتَا ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ لِلْحَائِزِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالْبَحْثُ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِّهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ فِي قَوْلِهِ رَفْعُ مِلْكٍ إلَخْ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مَعَ مَا هُنَا وَكَذَلِكَ فِي حَدِّهِ الْمِلْكَ وَالصَّوَابُ أَنَّ ثَمَّ أُمُورًا تُوجِبُ الْمِلْكَ وَقَدْ عَدَّدُوهَا وَثَمَّ أُمُورًا لَا تُوجِبُ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةً وَهِيَ لَا تَخْفَى وَثَمَّ أُمُورًا تُوجِبُ شُبْهَةَ الْمِلْكِ فَمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فَمَحْمَلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵁ عَنْ سَحْنُونَ فِيمَنْ حَضَرَ رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ سُوقٍ فَلَا يَشْهَدُ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا كَانَتْ لِصَاحِبِهَا مِلْكًا قَالَ وَإِنْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَشَبَهِهِ فَإِنَّهَا مِلْكٌ وَهَذَا كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ وَهُوَ الْحَقُّ وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ هَذَا وُلِدَ عِنْدَ فُلَانٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنْ تَطُولَ الْحِيَازَةُ كَمَا يَجِبُ وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ الْقَصْدِ لِكَمَالِ الْفَائِدَةِ أَدَامَ اللَّهُ عَلَيْنَا نِعْمَتَهُ الشَّامِلَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي قَوْلِهِ الْحِيَازَةُ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ لِلْحَائِزِ اتِّفَاقًا وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ كَإِرْخَاءِ السِّتْرِ وَالْعِفَاصِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَائِزِ مَعَ يَمِينِهِ وَانْظُرْ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمِلْكِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرُوا وِلَايَةُ التَّحْكِيمِ وِلَايَةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْقَضَاءِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هُنَا وَهِيَ خَاصَّةٌ بِمَوَاضِعَ وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَقَدْ ذَكَرُوا الْحَكَمَيْنِ فِي الصَّيْدِ وَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ (قُلْتُ) ذَلِكَ كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي رَسْمِهِ إذَا تَأَمَّلْته وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلَّفُونَ أَنَّ أَرْكَانَ الْقَضَاءِ سِتَّةٌ الْقَاضِي وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ وَالْمَقْضِيُّ فِيهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَكَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ (قُلْتُ) هَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ شُرُوطٌ لِلْقَضَاءِ الْمَحْدُودِ لَا أَرْكَانٌ لَهُ لِأَنَّهَا حِسِّيَّةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي غَيْرِ هَذَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
стр. 439
[بَابٌ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ]
قَالَ ﵀ فِيمَا حَصَّلَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ كَوْنُهُ حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا ذَكَرًا عَاقِلًا وَاحِدًا قَوْلُهُ " حُرًّا " أَخْرَجَ بِهِ الْعَبْدَ فَإِنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ لَهُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَكَذَلِكَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَقَدْ نُقِلَ ابْنُ زَرْقُونٍ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَجُوزُ تَوْلِيَتُهَا لِلْقَضَاءِ قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ أَظُنُّ ذَلِكَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا حَاجَةَ لِهَذَا الْقَيْدِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ بِهِ الْحَسَنُ وَقَدْ أَجَازَ وِلَايَتَهَا مُطْلَقًا قَالَ الشَّيْخُ ﵁ الْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ زَرْقُونٍ قَالَ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَدْ رَدَّ عَلَى مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الْعَدَالَةَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْهَا قَالَ يَعْنِي فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فِي شَرْطِ الْعَدَالَةِ وَالشَّهَادَةِ أَقَلُّ مَنْصِبًا مِنْ الْقَضَاءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْمَرْأَةُ يَجُوزُ فِي حَقِّهَا فِي الْقَضَاءِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الشَّهَادَةِ قَالَ فَغَيْرُ مَا هُوَ مُنَاسِبٌ لِلشَّهَادَةِ مُنَافِرٌ لِلْقَضَاءِ فَكَمَا أَنَّ النِّكَاحَ وَالْعِتْقَ لَا تُقْبَلُ فِيهِمَا شَهَادَتُهَا فَكَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِمَا قَضَاؤُهَا (فَإِنْ قُلْتَ) لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ ﵀ الْعَدَالَةَ وَأَنَّهَا شَرْطٌ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فِيمَا يُوجِبُ الْعَزْلَ وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا حَكَمَ لَا يَمْضِي حُكْمُهُ خِلَافًا لِأَصْبَغَ إذَا وَافَقَ الْحُكْمَ.
(قُلْتُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ الشَّيْخِ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ حَصَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالشَّيْخُ بَعْدَ هَذَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي قَالَ الْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ أَنْ تَكُونَ الْعَدَالَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ فَانْظُرْهُ بَعْدُ وَقَوْلُهُ حُرًّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ أَخْرَجَ الْعَبْدَ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ قَوْلُهُ " وَاحِدًا " أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْقَاضِي مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ وِلَايَتِهِ اتِّحَادُهُ وَتَعَدُّدُهُ مَانِعٌ مِنْ انْعِقَادِ الْوِلَايَةِ لَهُ هَذَا الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَالْبَاجِيُّ قَالَ الشَّيْخُ وَعَدَّهُ عِيَاضٌ مِنْ الشُّرُوطِ الثَّانِيَةِ قَالَ وَهُمْ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ مَانِعَ التَّعْدَادِ إنَّمَا هُوَ خَوْفَ تَنَاقُضِهِمَا وَلَا يُتَصَوَّرُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِمَا إلَّا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فَيَجِبُ حِينَئِذٍ إمْضَاؤُهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْمَنْعِ وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مِنْ الشُّرُوطِ الثَّانِيَةِ إلَّا هَذَا قَالَ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَنْعَ تَعَدُّدِهِمَا إنَّمَا هُوَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِاخْتِلَافِهِمَا بِالْعَيْنِ وَالتَّعْلِيلُ بِالْمَظِنَّةِ لَا يَبْطُلُ بِانْتِفَاءِ مَظْنُونِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ
стр. 440
الْأُصُولِيُّونَ قَالَ وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ جِلْدِ الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ فِي السَّفَرِ إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ﵀ أَنَّهُ يَقُولُ مَنْ اشْتَرَطَ كَوْنَ الْقَاضِي وَاحِدًا فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَهُوَ ابْنُ رُشْدٍ رَأَى أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمَظِنَّةِ لَا بِالْحِكْمَةِ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَقَّقَ الِاخْتِلَافَ بِالتَّنَاقُضِ فِي الْقَوْلِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى عَدَمِ حُصُولِ الْحُكْمِ وَذَلِكَ يُخِلُّ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْقَاضِي وَإِنْ وُجِدَ اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْمَظِنَّةَ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِهَا مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ فَلِذَلِكَ صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ انْعِقَادِ الْوِلَايَةِ وَعِيَاضٌ ﵀ رَأَى أَنَّ التَّعْلِيلَ عِنْدَهُ بِالْحِكْمَةِ فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَقُولَ إنَّ الِاتِّفَاقَ إذَا وَقَعَ يَجِبُ الْإِمْضَاءُ فِيهِ فَإِذَا وُجِدَ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمَا مَضَى الْحُكْمُ وَإِذَا فُقِدَ. فُقِدَ الْحُكْمُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا صَحَّحَ الشَّيْخُ وَجْهَ الْقَوْلَيْنِ بِمَا ذَكَرَ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمَظِنَّةِ أَصْوَبُ فَلِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ إنَّ الْأَظْهَرَ قَوْلُ عِيَاضٍ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ الْحِكْمَةَ إذَا كَانَتْ مُنْضَبِطَةً فَالتَّعْلِيلُ بِهَا يَصِحُّ وَهُوَ أَوْلَى وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّازِلَةَ الْمُعَيَّنَةَ يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهَا بِاتِّفَاقٍ وَالْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْتُمْ إلَيْهِ مِنْ جَوَازِ الِاخْتِلَافِ مَوْجُودٌ (يُجَابُ) عَنْ ذَلِكَ بِمَا أُجِيبَ بِهِ فِي صُورَةِ الْحُكْمَيْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الِانْتِقَالُ عَنْهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا بِخِلَافِ الْقَضَاءِ الْعَامِّ فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَعْدَادٌ وَظَهَرَ كَلَامُ الشَّيْخِ ﵀ إنَّ الْقَضَاءَ الْعَامَّ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ قَالَ وَلَا أَظُنُّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْجُزْئِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وَذَكَرَ قَضِيَّةَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵄.
[بَابٌ فِي الشُّرُوطِ فِي الْقَضَاءِ الَّتِي عَدَمُهَا يُوجِبُ عَزْلَ الْقَاضِي وَتَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ مَعَ فَقْدِهَا]
قَالَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا عَدْلًا قَوْلُهُ سَمِيعًا أَخْرَجَ بِهِ الْأَصَمَّ وَالْبَصِيرُ أَخْرَجَ بِهِ الْأَعْمَى وَالْمُتَكَلِّمُ أَخْرَجَ بِهِ الْأَبْكَمَ وَالْعَدْلُ أَخْرَجَ بِهِ الْفَاسِقَ فَأَمَّا غَيْرُ الْعَدْلِ فَمَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ فَهُوَ مَاضٍ تَنْعَقِدُ مَعَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي الْوِلَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْآمِدِيُّ الْخِلَافَ فِيهِ وَأَمَّا الْعِلْمُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَقِيلَ مِنْ الثَّانِي وَقِيلَ مِنْ الثَّالِثِ وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَ هُنَا مِنْ وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
стр. 441
[بَابٌ فِي الْخَطَأِ الْمُوجِبِ لِرَدِّ حُكْمِ الْعَالِمِ الْعَدْلِ]
قَالَ قَالَ اللَّخْمِيُّ مَا خَالَفَ نَصَّ آيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ قَالَ الشَّيْخُ أَوْ مَا ثَبَتَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ زَادَ الْمَازِرِيُّ أَوْ قِيَاسًا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِي صِحَّتِهِ زَادَ ابْنُ مُحْرِزٍ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ رَأْيًا فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْوًا وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلُهُ " نَصَّ آيَةٍ " هَذَا قَطْعِيٌّ قَوْلُهُ " أَوْ سُنَّةٍ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ ظَنِّيًّا وَهُوَ كَذَلِكَ وَلِذَا اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ مَا خَالَفَ الْقَطْعَ اُنْظُرْهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْحُكْمِ بِالسِّعَايَةِ فِي الْعَبْدِ وَبِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَتَوْرِيثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَرَدَّ عَلَيْهِ اُنْظُرْ كَلَامَ الشَّيْخِ قَوْلُهُ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ رَأْيًا قَالَ صُورَةُ ذَلِكَ إذَا عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ حُكْمَهُ بِكَذَا وَأَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ ثُمَّ حَكَمَ بِغَيْرِهِ قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِالْفَهْمِ وَاضِحٌ وَعَلَى نَفْيِهَا فِيهِ نَظَرٌ وَتَصَوُّرُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ يُوجِبُ إشْكَالًا لِأَنَّهُ إنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي وِلَايَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ بِنَقْضِهِ بَدَلَ إقْرَارِهِ وَتَرْكِهِ نَقْضَهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ كَرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ فَيَبْطُلُ وَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ عَزْلِهِ لَمْ يُقْبَلْ كَشَهَادَتِهِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
[بَابُ مَا يُقْضَى فِيهِ بِالصِّفَةِ فِي الشَّهَادَةِ]
(ش هـ د) : بَابُ مَا يُقْضَى فِيهِ بِالصِّفَةِ فِي الشَّهَادَةِ قَالَ الرُّبْعُ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَا عَدَاهُ مِنْ حَيَوَانٍ وَعَرُوضٍ بَابٌ فِي شَاهِدِ الزُّورِ
ذَكَرَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ هُنَا رَسْمَ شَاهِدِ الزُّورِ وَيَظْهَرُ أَنَّ ذِكْرَهُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْسَبُ قَالَ ﵀ شَاهِدُ الزُّورِ الشَّاهِدُ بِمَا لَا يَعْلَمُ عَمْدًا وَلَوْ طَابَقَ الْوَاقِعَ كَمَنْ شَهِدَ بِأَنَّ زَيْدًا قَتَلَ عَمْرًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَتْلَهُ إيَّاهُ وَقَدْ كَانَ قَتَلَهُ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ عَمْدًا وَهُوَ صَوَابٌ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَا زُورَ عِنْدَهُ وَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَى الْبَاجِيِّ اُنْظُرْهُ.
[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ]
(ش هـ د) :
стр. 442
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ عَنْ شَيْخِهِ ﵀ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِتَعْرِيفِهَا لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّيْخِ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ تَقَدَّمَ لَهُ نَظِيرُهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ﵁ بِأَنَّ الْمَعْلُومَ وُجُودُ مِثْلِ ذَلِكَ لَا تَصَوُّرُهُ وَهُنَا رَدَّ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ عَنْ الْقَرَافِيُّ مِنْ كَوْنِهِ سَأَلَ الْفُضَلَاءَ سِنِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الشَّهَادَةِ قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا فِيهِ مُنَافَاةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا حَاجَةَ لِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ أَتَى الشَّيْخُ ﵀ بِكَلَامِ الْقَرَافِيُّ وَحَاصِلُهُ مَعْنًى أَنَّهُ قَالَ أَقَمْت ثَمَانِي سِنِينَ أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَأَسْأَلُ الْفُضَلَاءَ عَنْهُ فَيَقُولُونَ الشَّهَادَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ فَأَقُولُ لَهُمْ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فَرَّعَ تَصَوُّرَهَا فَلَوْ عُرِّفَتْ بِأَحْكَامِهَا لَزِمَ الدَّوْرُ ثُمَّ قَالَ وَلَمْ أَزَلْ فِي شِدَّةِ قَلَقٍ حَتَّى طَالَعْت شَرْحَ الْبُرْهَانِ لِلْمَازِرِيِّ فَوَجَدْته قَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ وَمَيَّزَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ هُمَا خَبَرَانِ غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ كَقَوْلِهِ «﵇ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي الْخَلْقِ بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ هَذَا دِينَارٌ فَإِنَّهُ إلْزَامٌ مُعَيَّنٌ لَا يَتَعَدَّاهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ وَالثَّانِي هُوَ الشَّهَادَةُ ثُمَّ أَوْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ سُؤَالًا قَالَ مَا قَرَّرْته مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ حَقِيقَتُهَا التَّعَلُّقُ بِجُزْئِيٍّ وَالرِّوَايَةَ حَقِيقَتُهَا التَّعَلُّقُ بِكُلِّيٍّ مَنْقُوضٌ فَقَدْ تَتَعَلَّقُ الشَّهَادَةُ بِكُلِّيٍّ لَا يَطَّرِدُ وَلَا يَنْعَكِسُ.
أَمَّا الشَّهَادَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اجْتِمَاعِ شِبْهِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ تَقَعُ فِي الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ كَالشَّهَادَةِ بِالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَكَوْنِ الْأَرْضِ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا وَالرِّوَايَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ كَالْإِخْبَارِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ أَوْ الْمَاءِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْعُمُومَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْعَرْضِ وَالْمَقْصُودِ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ الْجُزْئِيُّ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ بِالْوَقْفِ إنَّمَا هُوَ الْمَوْقِفُ لِيُنْزَعَ مِنْ يَدِهِ الْمَالُ وَكَوْنُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لَا يُقْدَحُ وَأَمَّا الْأَرْضُ الْعَنْوَةُ فَلَمْ أَرَ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا فِيهَا وَأَمْكَنَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمَعْنَى إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ مِنْ
стр. 443
حَيْثُ إنَّهُ صِفَةٌ كُلِّيَّةٌ لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ وَلِذَا كَانَ كُلُّ مَاءٍ مُمَاثِلٍ لَهُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي حُكِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ مُمَاثِلًا لَهُ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ هَذَا مَعْنَاهُ بِاخْتِصَارٍ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِ بَلَدِنَا يَتَعَقَّبُ قَوْلَ الْقَرَافِيُّ أَقَمْت مُدَّةً إلَخْ قَالَ وَالْفَرْقُ مَذْكُورٌ فِي أَيْسَرِ الْكُتُبِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ مُبْتَدِئِي الطَّلَبَةِ وَهُوَ التَّنْبِيهُ لِابْنِ بَشِيرٍ ثُمَّ أَتَى بِكَلَامِهِ قَالَ وَكَذَلِكَ كَانَ يَتَعَقَّبُ عَلَيْهِ حِكَايَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ وَاسْمِ الْجِنْسِ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْجُزُولِيَّةِ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ﵀ هُنَا وَذَكَرَ فِي أَصْلِهِ زِيَادَاتٍ (قُلْتُ) وَلِلشَّيْخِ الْإِمَامِ سَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْن مَرْزُوقٍ ﵀ تَعَقُّبٌ عَلَى الْمُتَعَقِّبِ عَلَى الْقَرَافِيُّ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ أَلْحَقْته بِآخِرِ الشَّهَادَاتِ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ بَعْدُ وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي عَلَمِ الْجِنْسِ وَاسْمِ الْجِنْسِ فَأَمَّا الْأَحْكَامُ اللَّفْظِيَّةُ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي جَمِيعِ لَوَازِمِ الْعِلْمِيَّةِ مِثْلُ أَسَدٍ وَأُسَامَةَ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَأَمَّا عَلَمُ الْجِنْسِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ كَالنَّكِرَةِ وَلَا فَرْقَ وَلَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الْحُذَّاقُ لِأَنَّ التَّفَارِيقَ اللَّفْظِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ فِي الْمَعْنَى وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَالْقَائِلُ اخْتَلَفَ فِي كَيْفِيَّتِهِ فَقِيلَ إنَّ الْوَضْعَ فِي النَّكِرَةِ إنَّمَا هُوَ لِفَرْدٍ لَهُ أَمْثَالٌ وَالْوَضْعُ فِي أُسَامَةَ لِمَعْنَى الْمَاهِيَّةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَعْدَادُهَا فَالْأَوَّلُ وُضِعَ فِيهِ لِلْأَسَدِ وَلِمَا يُمَاثِلُهُ مِنْ أَفْرَادِهِ وَالثَّانِي مَوْضُوعٌ لِمَعْنَى الْأَسَدِيَّةِ.
وَقِيلَ إنَّ الْوَضْعَ فِي الْجَمِيعِ لِلْمَاهِيَّةِ إنْ أُخِذَتْ مُطْلَقَةً فَذَلِكَ مَعْنَى النَّكِرَةِ وَإِنْ أُخِذَتْ مُقَيَّدَةً بِشَرْطِ اسْتِحْضَارِهَا فِي الذِّهْنِ فَذَلِكَ مَعْنَى عَلَمِ الْجِنْسِ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْبَحْثَ وَالْجَمْعُ فِي تَقْيِيدٍ لَنَا فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ وَمَا ارْتَضَاهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ الْخَبَرُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَمْرٍ جُزْئِيٍّ وَالرِّوَايَةَ الْخَبَرُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَمْرٍ كُلِّيٍّ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْجُزْئِيِّ كَثِيرًا فَرَسْمُهُ غَيْرُ جَامِعٍ كَحَدِيثِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السَّوِيقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ» وَحَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ الَّذِي فِيهِ حَدِيثُ الدَّجَّالِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ قَالَ وَلِذَا تَجِدُهُمْ يَقُولُونَ اُخْتُلِفَ فِي الْقَضَايَا الْعَيْنِيَّةِ هَلْ تَعُمُّ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ آيَةُ أَبِي لَهَبٍ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ صَحَّ لِلشَّيْخِ ﵀ أَنْ يُورِدَ مِثْلَ مَا ذَكَرَ نَقْضًا عَلَى الْعَكْسِ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ الْجَوَابَ عَنْ سُؤَالٍ قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ جَوَابُهُ الْمُتَقَدِّمُ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ فِي الْإِخْبَارِ هُنَا الذَّاتُ الْمَخْصُوصَةُ
стр. 444
فَإِنْ قُلْتَ) مَا مَوْقِعُ كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ فِي قَوْلِهِ وَلِذَا تَجِدُهُمْ إلَخْ (قُلْتُ) ذَكَرَهُ دَلِيلًا لِقُوَّةِ النَّقْضِ عَلَى الْعَكْسِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا الْقَضَايَا الْعَيْنِيَّةُ فِي الْإِخْبَارِ فَجَعَلُوا مُتَعَلِّقَ الْخَبَرِ قَدْ يَكُونُ مُعَيَّنًا وَسَلَّمُوا ذَلِكَ وَكَانَ يَمْشِي لَنَا فِي الْمَجَالِسِ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُمْ الْقَضَايَا الْعَيْنِيَّةُ هَلْ تَعُمُّ وَكَيْفَ يَقْبَلُ التَّعَيُّنُ الْعُمُومَ وَهُوَ مُنَافٍ لَهُ فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِذَلِكَ بَلْ التَّعْيِينُ يَقْتَضِي الْخُصُوصَ لَا الْعُمُومَ وَوَقَعَ الْجَوَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُسَامَحَةٍ وَمَعْنَاهُ مَثَلًا فِي مِثْلِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ فِي الْحَجِّ وَقَصَّ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مُلَبِّيًا فَهَلْ يُقَالُ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ أَوْ إنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ كُلُّ مَنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ يُشَارِكُهُ فِي حُكْمِهِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵀ حَقَّقَ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْخَبَرِ.
قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّ الشَّهَادَةَ " قَوْلٌ هُوَ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعُهُ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَاهُ إنْ عُدِّلَ قَائِلُهُ مَعَ تَعَدُّدِهِ أَوْ حَلِفِ طَالِبِهِ " قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ " قَوْلٌ " الْقَوْلُ فِي اللُّغَةِ مَعْلُومٌ مَا فِيهِ وَأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْكَلَامِ وَالْكَلِمَةِ وَالْكَلِمِ وَالْخَبَرُ أَخَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْخَبَرِ وَأَخَصُّ مِنْ الْقَوْلِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْ الْجِنْسَ الْأَقْرَبَ وَهُوَ الْخَبَرُ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الشَّهَادَةِ مِنْ الْقَوْلِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ» أَدَّى إلَى أَنَّ الْقَوْلَ شَرْعًا غَلَبَ فِي الْخَبَرِ فِي الشَّهَادَةِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَهُوَ قَوْلٌ لَا خَبَرٌ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّفْسِ وَلَا يُقَالُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَصِيرَ الْخَبَرُ جِنْسًا لِلشَّهَادَةِ وَالْخَبَرِ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ جِنْسًا لِنَفْسِهِ لِأَنَّا نَقُولُ الْخَبَرُ مُشْتَرَكٌ فَالْجِنْسُ هُوَ الْخَبَرُ الْمُقَابِلُ لِلْإِنْشَاءِ وَهُوَ يَعُمُّ الشَّهَادَةَ وَمَا يُقَابِلُهَا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْخَبَرِ فَالْخَبَرُ لَهُ مَعْنَيَانِ أَعَمُّ وَأَخَصُّ وَهُوَ جَلِيٌّ قَوْلُهُ " هُوَ بِحَيْثُ " جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ صِفَةٌ لِلْقَوْلِ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ وَأَتَى بِالْحَيْثِيَّةِ لِيُدْخِلَ فِيهِ الشَّهَادَةَ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالشَّهَادَةَ غَيْرَ التَّامَّةِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّةَ لَا تُوجِبُ حُصُولَ مَدْلُولِ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ بِالْفِعْلِ حَسْبَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَعْرِيفِ الدَّلَالَةِ أَشَارَ إلَى قَوْلِهِمْ لَفْظٌ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ دَلَّ وَلَمْ يَقُولُوا لَفْظٌ دَالٌّ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمَنْطِقِيِّ وَغَيْرِهِ فَقَالَ فِي الدَّلَالَةِ كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ دَلَّ
стр. 445
وَتَأَمَّلْ بَحْثَهُ مَعَ الْكَاتِبِيِّ وَقَوْلُهُ وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ كَالْمَادِّيَّةِ وَالْفَهْمَ كَالْغَايَةِ فَالشَّهَادَةُ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَهَا حَيْثِيَّةٌ يَكُونُ مَعَهَا مَا ذَكَرَ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَدَاءُ فِعْلًا قَوْلُهُ وَغَيْرُ التَّامَّةِ لِيَدْخُلَ بِهِ الشَّهَادَةُ الَّتِي لَمْ تُؤَدَّ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَمْنَعُهَا وَيَأْتِي حَدُّ الْأَدَاءِ وَالتَّحَمُّلِ وَالْأَوَّلُ يَرْجِعُ إلَى إعْلَامِ الشَّاهِدِ الْقَاضِي بِمَا عَلِمَهُ وَالثَّانِي الْعِلْمُ بِمَا يَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِهِ قَوْلُهُ " يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ " يُخْرِجُ بِهِ الرَّاوِيَةَ وَالْخَبَرَ الْقَسِيمَ لِلشَّهَادَةِ وَلَمْ يَقُلْ الْقَاضِي لِأَنَّ الْحَاكِمَ أَعَمُّ مِنْ الْقَاضِي لِوُجُودِهِ فِي التَّحْكِيمِ وَالْأَمِيرِ وَشِبْهِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ " إنْ عُدِّلَ قَائِلُهُ " شَرْطٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَخْرَجَ بِهَا مَجْهُولَ الْحَالِ قَوْلُهُ " مَعَ تَعَدُّدِهِ " أَخْرَجَ بِهِ إخْبَارَ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَاضِيًا آخَرَ فَإِنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَاهُ لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعَدُّدٌ أَوْ حَلِفٌ (فَإِنْ قُلْتَ) إخْبَارُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَاضِيًا آخَرَ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَاهُ هَلْ هُوَ كَنَقْلِ شَهَادَةٍ عَنْ شَهَادَةٍ أَوْ كَالْقَضِيَّةِ الْمُنَفَّذَةِ وَيَكُونُ الثُّبُوتُ حُكْمًا يَمْنَعُ الْقَاضِي الْآخَرَ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي ثُبُوتِ الْبَيِّنَةِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ فَيَخْرُجُ إخْبَارُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَاضِيًا آخَرَ بِمَا كَتَبَ إلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ فَالتَّعْدَادُ أَوْ الْحَلِفُ كَيْفَ يَصِحُّ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى النَّقْلِ فِي الشَّهَادَةِ فَلَا يُخْرِجُهُ بَلْ يَجِبُ دُخُولُهُ كَأَنْوَاعِ النَّقْلِ فِيهَا وَإِذَا كَانَ كَالْقَضِيَّةِ الْمُنَفَّذَةِ فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ فَكَيْفَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْجِنْسِ ثُمَّ يَخْرُجُ (قُلْتُ) الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ وَإِنْ قَالَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُشَبَّهُ بِنَقْلِ الشَّهَادَةِ لَا يُسَمَّى إخْبَارُ الْقَاضِي نَقْلًا وَإِنَّمَا يُقَالُ إخْبَارُ الْقَاضِي بِالثُّبُوتِ حُكْمُهُ حُكْمٌ بِنَقْلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْقَاضِي الْمَنْقُولَ إلَيْهِ ذَلِكَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي صِحَّةِ الثُّبُوتِ الْمُعَلَّمِ بِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّقْلِ فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَلَازِمُ النَّقْلِ التَّعْدَادُ فِي النَّقْلِ (قُلْتُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ الْأَصْلُ ذَلِكَ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَنْصِبُ الْقَضَاءِ لَهُ حُرْمَةٌ فَاكْتَفَى بِوَاحِدٍ وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ كَالْقَضِيَّةِ مِنْ الْقَاضِي فَلَا يَمْنَعُ دُخُولَ ذَلِكَ تَحْتَ جِنْسِ الْقَوْلِ لِأَنَّ الْحُكْمَ قِيلَ فِيهِ إنَّهُ قَوْلٌ مِنْ قَاضٍ يَصْحَبُهُ خَبَرٌ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي ثَبَتَ كَذَا مُخَاطِبًا بِهِ لِقَاضٍ آخَرَ هَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْضِيِّ بِهِ أَمْ لَا قَالَ الْحَقُّ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ حُكْمٌ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ
стр. 446
بِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ وَانْظُرْهُ وَانْظُرْ بَحْثَهُ مَعَ شَيْخِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا سِرُّ كَوْنِهِ قَالَ قَوْلٌ يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى الْقَاضِي (قُلْتُ) الْحَاكِمُ أَعَمُّ مِنْ الْقَاضِي لِأَنَّ الْمُحَكِّمَ لَا يُقَالُ فِيهِ قَاضٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَالشَّهَادَةُ مُوجِبُهَا ثَابِتٌ عِنْدَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) : قَوْلُهُ إنْ عُدِّلَ قَائِلُهُ هَلْ مَعْنَاهُ إنْ نُسِبَ التَّعْدِيلُ إلَيْهِ أَوْ عَلِمَ حَاكِمُهُ بِعَدَالَتِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَكَيْفَ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَمَنْ عُلِمَ عَدَالَتُهُ فَكَيْفَ يُقَالُ فِيهِ عَدْلٌ عِنْدَهُ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عُدِّلَ قَائِلُهُ نُسِبَ إلَى الْعَدَالَةِ وَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ التَّعْدِيلَ نُسِبَ إلَى الْقَائِلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ نَفْسِهِ وَهَذِهِ الْحَيْثِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ شَأْنُهَا أَنْ تُوجِبَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَاهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الشَّهَادَةَ إلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَئُولُ إلَى مَالٍ وَهُوَ مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْعُيُوبِ فِي النِّسَاءِ وَالْوِلَادَةِ وَقَالُوا إنَّ الْمَرْأَتَيْنِ كَافِيَتَانِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فَهَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَدِّ (قُلْتُ) ذَلِكَ شَهَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ مَعَ تَعَدُّدِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْقَاضِي إذَا ابْتَدَأَ بِالسُّؤَالِ فَهِيَ شَهَادَةٌ عَامَّةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعْدَادٌ حَتَّى مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ (قُلْتُ) ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْخَبَرِ وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْك.
(فَإِنْ قُلْتَ) : قَوْلُهُ إنْ عُدِّلَ قَائِلُهُ كَيْفَ يَصِحُّ مَعَ الْقَوْلِ بِشَهَادَةِ الصَّبِيَّانِ فِي الْجِرَاحِ (قُلْتُ) ذَلِكَ رُخْصَةٌ وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا عُرِّضَ فِيهَا لِمَانِعٍ أَوْ رُخْصَةٍ لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرْت مَا فِي رَسْمِ الشَّيْخِ ﵁ فِي الشَّهَادَةِ وَجَدْت كَلَامًا لِلشَّيْخِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ سَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّهَادَةِ وَذَكَرَ حَدَّهَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ ﵁ قَالَ وَحَدُّ الشَّيْخِ الَّذِي صَوَّبَهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِدُخُولِ الْخَبَرِ الْمُوجِبِ سَمَاعُهُ حُكْمًا عَلَى الْحَاكِمِ فِيهِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ الْعَدَدَ كَالْجُبَّائِيِّ قَالَ وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِيهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ (قُلْتُ) هَذَا بَعِيدٌ إيرَادُهُ إذَا تُؤُمِّلَ رَسْمُهُ إنَّمَا هُوَ لِلْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَالِكِيَّةُ قَالَ ﵀ وَجَدَهُ أَيْضًا غَيْرَ مُنْعَكِسٍ لِخُرُوجِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ بِهِ وَضْعُ الْقِيمَةِ وَالذَّهَابِ لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَدُّدٌ وَلَا يَمِينٌ (قُلْتُ) مَضَى لَنَا أَنَّ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَى مَا شَهِدَ بِهِ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ لَطْخًا وَكَذَلِكَ الْبَحْثُ فِيمَا ذَكَرَ بَعْدَهُ مِنْ الشَّاهِدِ
стр. 447
فِي الطَّلَاقِ وَالرَّضَاعِ وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ بِالطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ يَمِينَ الزَّوْجِ بِلَا تَعَدُّدٍ وَلَا يَمِينُ طَالِبٍ وَكَذَلِكَ فِي الرَّضَاعِ قَالَ وَيَخْرُجُ عِنْدَنَا مَا لَا يُقْبَلُ مِنْ الشَّهَادَاتِ لِفِسْقٍ لِقَوْلِهِ إنْ عُدِّلَ قَائِلُهُ فَإِنَّهَا تُسَمَّى شَهَادَاتٌ شَرْعًا إذْ لَيْسَ مَعْنَى الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحُ عَلَى الْمُخْتَارِ وَمَعَ هَذَا فَلَا يُوجِبُ سَمَاعُهَا حُكْمًا عَلَى الْحَاكِمِ قَالَ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِغَيْرِ التَّامَّةِ (قُلْتُ) : قَوْلُهُ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِغَيْرِ التَّامَّةِ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ مِنْهُ وَمِنْ لَفْظِهِ فَتَأَمَّلْ لَفْظَ الشَّيْخِ مَعَ هَذَا يَظْهَرُ لَك مَا ذَكَرْنَاهُ وَدَعْوَى الشَّيْخِ أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَصِحُّ أَمَّا بِاعْتِبَارِ الْحَاكِمِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْمَانِعِ مِنْ قَبُولِهَا فَظَاهِرٌ أَنَّهَا عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ وَقَبْلَ اطِّلَاعِهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهَا غَيْرَ تَامَّةٍ وَلَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا فِي غَيْرِ التَّامَّةِ وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ حُكْمِهَا الشَّرْعِيِّ فِي نَفْسِهِ فَأَظْهَرُ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ حُكْمًا مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا هِيَ لِلظَّاهِرِ لَا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(قُلْت) وَيَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْخَ ﵁ كَلَامُهُ أَوْجَهُ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّةَ اعْتِبَارُهَا مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّعْدِيلِ يُوجِبُ إذَا قَالَ الْعِدَّةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا لَا بِالنَّظَرِ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا يُقَالُ فِي الدَّلَالَةِ كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ دَلَّ وَإِنْ مَنَعَ مِنْ الدَّلَالَةِ مَانِعٌ عَارِضٌ لَا يُرَدُّ النَّقْضُ بِهِ وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا اسْتَحْضَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَكَرَ مَعْنَاهُ قَالَ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ ﵀ وَالشَّهَادَةُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْحُقُوقِ الَّتِي لَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ حُكْمًا بِمُقْتَضَاهَا فَتَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاكِمَ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ (قُلْتُ) وَفِي هَذَا أَيْضًا نَظَرٌ لَا يَخْفَى لِأَنَّ إيجَابَ الْعَمَلِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى شَرْطٍ وَانْتِفَاءِ مَانِعٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُ إذَا أَسْقَطَ طَلَبَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي مَا ذَكَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدٍ بِمَا ذَكَرْنَا وَإِلَّا فَوُرُودُ هَذِهِ الصُّورَةِ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهَا فَتَأَمَّلْهُ قَالَ وَتَخْرُجُ الشَّهَادَةُ بِالْخَطِّ وَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْإِيمَاءِ كَالْأَخْرَسِ قَالَ ﵀ وَفِيهِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا يَطُولُ تَتَبُّعُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَطَّ وَالْإِيمَاءَ لَا يَدْخُلَانِ فَلَوْ زَادَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَصَحَّ.
(فَإِنْ قُلْت) الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوق لَمْ يَعْتَرِضْ قَوْلَهُ قَوْلٌ فِي كَوْنِهِ صَيَّرَ الْجِنْسَ لِلشِّهَادِ قَوْلًا وَلَمْ يَقُلْ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ أَقْرَبُ جِنْسًا مِنْ الْقَوْلِ كَمَا قَدَّمْنَا مَعَ أَنَّ عِيَاضًا قَالَ الشَّهَادَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْبَيَانِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يُبَيِّنُ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ وَقِيلَ تَرْجِعُ إلَى الْعَلَمِ الْحُكْمِيِّ وَقَدْ ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ قَاطِعٌ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ
стр. 448
الْجَوَابُ عَنْ الشَّيْخِ ﵀ فِي سِرِّ كَوْنِهِ عَبَّرَ بِالْقَوْلِ وَلَعَلَّ الشَّيْخَ بَعْدَهُ رَأَى ذَلِكَ وَاسْتَحْسَنَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ عَرَّفَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ التِّلْمِسَانِيُّ ابْنُ مَرْزُوقٍ الشَّهَادَةَ بِقَوْلِهِ الشَّهَادَةُ بَيَانُ مُسْتَنَدِ عِلْمٍ أَوْ غَالِبِ ظَنٍّ بِلَفْظٍ أَوْ قَائِمٍ مَقَامَهُ عَنْ ثُبُوتِ حَقٍّ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ سُقُوطِهِ أَوْ آيِلٍ إلَيْهِمَا قَالَ فَقَوْلُنَا بَيَانُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْبَيَانَ بِالْخَبَرِ وَغَيْرِ الْخَبَرِ وَالْبَيَانَ الْفِعْلِيَّ وَالْقَوْلِيَّ وَقَوْلُنَا مُسْتَنَدِ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ أَخْرَجَ بِهِ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَقَوْلُنَا أَوْ قَائِمٍ مَقَامَهُ أَدْخَلَ بِهِ خَطَّ الشَّاهِدِ وَشَهَادَةَ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهِمَا شَهَادَةً قَالَ وَقَوْلِي عَنْ ثُبُوتِ مُتَعَلِّقِ بَيَانٍ أَخْرَجْت بِهِ الْأَخْبَارَ الْمُسْتَكْمَلَةَ بِالْأَوْصَافِ الْمُتَقَدِّمَةِ إلَّا أَنَّهَا لَا تَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى شَهَادَةً قَالَ وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْإِنْشَاءُ لِأَنَّ قَوْلَنَا ثُبُوتُ حَقٍّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ نِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ وَالْإِنْشَاءُ لَا خَارِجَ لَهُ وَقَوْلُنَا عَلَى مُعَيَّنٍ أَخْرَجْت بِهِ بَعْضَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِثُبُوتِ حَقٍّ أَوْ بِسُقُوطِهِ وَلَيْسَتْ حِكَايَةً بِشَهَادَةٍ لِأَنَّ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﵇ مِنْ الْأَحْكَامِ يَعُمُّ الْمُكَلَّفِينَ وَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُعَيِّنًا لِقَوْلِهِ حُكْمِيٌّ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِيٌّ عَلَى الْجَمَاعَةِ إلَّا لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ قَالَ وَالْآيِلُ إلَيْهِ كَتَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ بِهِ وَسُقُوطُهُ كَالشَّهَادَةِ بِأَدَائِهِ وَالْآيِلُ إلَيْهِ كَتَجْرِيحِ الشَّهَادَةِ وَحَصَلَ مِنْ هَذَا الرَّسْمِ أَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ خَاصٌّ فَكُلُّ شَهَادَةٍ خَبَرٌ وَلَا عَكْسَ فَأَنْتَ تَرَى مَا ذَكَرَهُ ﵀ وَهِيَ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَيَانٌ وَالْقَوْلَ الْخَبَرُ غَيْرُ الْبَيَانِ لِأَنَّ الْبَيَانَ يَقَعُ بِالْخَبَرِ وَمَا وَقَعَ بِالشَّيْءِ غَيْرُ الشَّيْءِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَيْضًا ﵀ الْخَبَرُ هُوَ الْجِنْسُ فِي حَدٍّ آخَرَ فَقَالَ عَلَى قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ يُقَالُ فِي رَسْمِهَا خَبَرٌ إلَخْ وَعِنْدِي أَنَّ الشَّيْخَ سَيِّدِي الْفَقِيهَ ابْنَ عَرَفَةَ إنَّمَا خَصَّ الْجِنْسَ بِالْقَوْلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِذَلِكَ إطْلَاقًا وَفَسَّرَ شَهَادَةَ الزُّورِ بِقَوْلِ الزُّورِ فَعُوِّلَ عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ فِيهَا شَرْعًا الْقَوْلُ الْخَبَرِيُّ لَا الْبَيَانُ كَمَا ذَكَرَا أَيْضًا لِيَدْخُلَ التَّحَمُّلُ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَتَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمًا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خَاصَّةً اتَّحَدَ أَوْ تَعَدَّدَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ.
(تَنْبِيهٌ) وَقَعَ هُنَا لِلشَّيْخِ سَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ ﵀ بَحْثٌ مَعَ شَيْخِهِ الْإِمَامِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ فِي رَدِّهِ عَلَى الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنِ الْخَبَرِ وَالشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ وَأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالْجَزُولِيَّةِ
стр. 449
وَابْنُ بَشِيرٍ وَهُمَا مُتَدَاوَلَانِ قَالَ ﵀ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْإِحَاطَةُ عَلَى الْبَشَرِ مُتَعَذِّرَةٌ وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا وَقَعَ إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ إلَى فَرْقٍ مِنْ غَيْرِ بَسْطٍ وَالْمَطْلُوبُ بَسْطُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَتَدَبَّرَهُ (قُلْت) لَا يَخْفَى ضَعْفُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ يُحَصِّلُ الْفَرْقَ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ وَالْإِحَاطَةُ إلَخْ فِيهِ بَحْثٌ قَالَ ﵀ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَالْمَازِرِيِّ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِالشَّهَادَةِ مِنْ الرِّوَايَةِ مَا يَتَضَمَّنُ حُكْمَهَا فَهُمَا صِنْفَانِ مِنْ نَوْعِ الْخَبَرِ الْمُتَضَمَّنِ حُكْمًا وَمَا الْخَبَرُ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ لِمُطْلَقِ الْخَبَرِ فَهُوَ قَسِيمٌ لَهُمَا فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَا يُرَدُّ النَّقْضُ بِنَحْوِ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وَخَبَرِ ذِي السَّوِيقَتَيْنِ وَخَبَرِ الدَّجَّالِ وَإِنَّمَا يُورِدُ ذَلِكَ مَنْ تَوَهَّمَ اشْتِبَاهَ الشَّهَادَةِ بِمُطْلَقِ الْخَبَرِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ مُقَيَّدٌ وَالْمُقَيَّدُ لَا يَلْتَبِسُ بِالْمُطْلَقِ بَلْ بِمُقَيَّدٍ مِثْلِهِ هَذَا اخْتِصَارُ بَحْثِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَتَأَمَّلْهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْفَائِدَةِ وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ مَا لَا يَخْفَى لِأَنَّ الشَّيْخَ ﵁ نَقَضَ عَلَى الرَّسْمِ لِلْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ الْخَبَرُ الْمُتَعَلِّقُ بِكُلِّيٍّ فَلَا شَكَّ فِي النَّقْضِ بِمَا ذَكَرَهُ بِالْآيَةِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ عَدَمَ الِانْعِكَاسِ فَقَوْلُ الشَّيْخِ الرَّادُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ إلَخْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْعِنَايَةِ فِي الرَّسْمِ وَهَذَا مَا يَظْهَرُ فِي هَذَا الرَّسْمِ وَمَا وَجَدْته فِيهِ لِلْمَشَايِخِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَهُوَ الْهَادِي إلَيْهِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.
[بَابٌ فِي شُرُوطِ الشَّهَادَةِ فِي الْأَدَاءِ]
ِ قَالَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فِي عُمُومِهَا وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَدَالَةُ فَالْإِسْلَامُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْمُبْتَدِعِ وَالْعَقْلُ كَذَلِكَ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَرَدَّ عَلَيْهِ وَالْبُلُوغُ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ وَانْظُرْ بَاقِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي عُمُومِهَا.
[بَابُ الْعَدَالَةِ]
(ع د ل) : بَابُ الْعَدَالَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ بَعْدَ أَنْ أَشَارَ إلَى كَلَامِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفُقَهَاءِ وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَيْهَا قَالَ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ وَالْخَبَرِ وَلِذَا عَرَّفَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابَيْهِ الْأَوْلَى
стр. 450
صِفَةٌ مَظِنَّةٌ لِمَنْعِ مَوْصُوفِهَا الْبِدْعَةَ وَمَا يَشِينُهُ عُرْفًا وَمَعْصِيَةً غَيْرَ قَلِيلِ الصَّغَائِرِ " قَوْلُهُ " صِفَةٌ " أَطْلَقَ الشَّيْخُ ﵁ عَلَى الْعَدَالَةِ صِفَةً وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الْآمِدِيُّ هَيْئَةً رَاسِخَةً وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا ابْنُ الْحَاجِبِ مُحَافَظَةً وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ قَرِيبَةٌ مِنْ عِبَارَةِ الْفِهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ مَعْنًى وَالصِّفَةُ الْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ ثُمَّ وَصَفَهَا بِالْمَظِنَّةِ أَيْ ذَاتِ مَظِنَّةٍ أَيْ أَنَّهَا جَامِعَةٌ ضَابِطَةٌ لِمَعْنَى الْحِكْمَةِ كَمَا يُقَالُ التَّعْلِيلُ بِالْمَظِنَّةِ أَشْمَلُ مِنْ الْحِكْمَةِ وَيُقَالُ السَّفَرُ عِلَّةٌ فِي الْقَصْرِ وَهُوَ أَجْمَعُ مِنْ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ الْمَشَقَّةُ فَالصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا تَشْتَمِلُ فِي غَالِبِهَا عَلَى مَنْعِ مَوْصُوفِهَا مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْبِدْعَةُ مَعْلُومَةٌ شَرْعًا وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُحْدَثُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ كُلُّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ لَا يُقَالُ إنَّ الْبِدْعَةَ مُقَسَّمَةٌ إلَى أَقْسَامِ الشَّرْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدٍ فِي الرَّسْمِ لِأَنَّا نَقُولُ أَشَارَ إلَى مَا فِي الْحَدِيثِ وَهِيَ الْبِدْعَةُ الَّتِي تُؤَدِّي إلَى النَّارِ.
وَقَوْلُهُ " لِمَنْعِ " مُتَعَلِّقٍ بِالْمَظِنَّةِ وَالْبِدْعَةُ مَفْعُولَةٌ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ وَقَوْلُهُ " وَمَا يَشِينُهُ " الشَّيْنُ هُوَ الْعَيْبُ قَوْلُهُ " عُرْفًا " أَشَارَ بِهِ إلَى السَّلَامَةِ مِنْ تَرْكِ الْمُرُوءَةِ كَأَكْلٍ فِي السُّوقِ أَوْ مَشْيٍ بِالْحَفَا مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْمُرُوءَةُ مَجْهُولَةٌ لِسَامِعِهَا (قُلْتُ) عُرْفُهَا بَعْدُ بِقَرِيبٍ قَوْلُهُ عُرْفًا عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ وَأَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يَشِينُهُ فِي عُرْفِهِ وَالْعُرْفُ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْبِقَاعِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْحَالِ وَالزَّمَانِ فَإِنَّ مَنْ مَشَى مِنْ أَهْلِ الصُّوفِيَّةِ حَافِيًا لَا قَدْحَ فِيهِ وَمَنْ مَشَى مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ أَوْ غَيْرِهَا كَذَلِكَ قُدِحَ قَوْلُهُ " وَمَعْصِيَةً " الْمَعْصِيَةُ تَعُمُّ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ قَوْلُهُ " غَيْرَ قَلِيلِ " أَخْرَجَ بِهِ الْقَلِيلَ مِنْ الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ ضَارٍّ فِي الْعَدَالَةِ وَغَيْرَ قَلِيلٍ نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعْصِيَةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) الْبِدْعَةُ تَكُونُ فِي الْعَقِيدَةِ وَفِي غَيْرِهَا وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحَرُورِيُّ وَغَيْرُهُ كَالْقَدَرِيِّ (قُلْتُ) نَعَمْ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا اقْتَصَرَ عَلَى مَنْعِ الْمَعْصِيَةِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْبِدْعَةِ وَمَا مَنَعَ الْأَعَمَّ مَعَ الْأَخَصِّ وَالْمَعْصِيَةُ أَعَمُّ مِنْ الْكُفْرِ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً فَإِذَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ وَمَوْضِعُ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِطْنَابِ وَالْحُدُودِ وَالرُّسُومِ يَجْتَنِبُ فِيهَا الْإِطْنَابَ وَالْإِكْثَارَ وَيَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى الِاخْتِصَارِ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ ﵁ هُنَا فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَطْوَلُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي فِقْهَيْهِ إلَخْ.
(قُلْت)
стр. 451
لَمَّا كَانَتْ الْبِدْعَةُ كَثُرَ النِّزَاعُ فِيهَا وَتَعَصَّبْ أَهْلُهَا حَسُنَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنْ مَذْهَبِهِمْ وَذَلِكَ الشَّيْخُ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأَصْلِيِّ قَبِلَ كَلَامَ الْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِمْ هَيْئَةً رَاسِخَةً تُحْمَلُ عَلَى التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ حَدٌّ مُخْتَصَرٌ حَسَنٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْبِدْعِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ التَّقْوَى مَعَهُ حَسُنَ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَضِدِّ عَقِيدَتِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ صَحَّ لِلْآمِدِيِّ أَنْ يَقُولَ هَيْئَةً رَاسِخَةً تُحْمَلُ عَلَى التَّقْوَى فَإِنْ أَرَادَ حُصُولَ التَّقْوَى فَيَلْزَمُ أَنَّ الْعَدَالَةَ مَوْجُودَةٌ وَلَا تَقْوَى إنْ لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً وَإِنْ كَانَتْ فَيَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ (قُلْتُ) هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى أَيْ دَوَامُهَا مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا صَحَّحْت كَلَامَ الْآمِدِيِّ ﵀ فَالشَّيْخُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَوَامِرَ وَالتَّقْوَى تَعُمُّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ (قُلْتُ) أَتَى بِمَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ مَعْصِيَةٌ وَفِعْلَ الْمَنْهِيِّ مَعْصِيَةٌ فَوَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِي حُصُولِ الْمَعْصِيَةِ بِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ لَمْ يَقُلْ صِفَةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا إلَخْ كَعَادَتِهِ.
(قُلْتُ) جَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ الْمَظِنَّةِ وَإِرَادَتَهَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِيجَابِ لِمَا ذَكَرَ إيجَابًا شَرْعِيًّا لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَةِ الْعِصْمَةِ لَا مِنْ صِفَةِ الْحِفْظِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي تَحْقِيقِ الْحِفْظِ وَالْعِصْمَةِ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ فَصَغَائِرُ الْخِسَّةِ تَدْخُلُ فِيمَا يَشِينُ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ فِي حَدِّهِ فَيُقَالُ الصَّغِيرَةُ قَدْ تَكُونُ خَسِيسَةً فَكَيْفَ يَصِحُّ إطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحَدِّ وَذَلِكَ يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ فَأَجَابَ بِأَنَّ قَلِيلَ الصَّغَائِرِ قَدْ يَكُونُ فِيهِ خِسَّةٌ كَتَقْبِيلِ الْمَرْأَةِ فِي سُوقٍ فَهَذَا عَظِيمٌ وَيُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ فِيمَا يَشِينُ فَإِنَّهُ مِمَّا يَشِينُ عُرْفًا قَوْلُهُ وَنَادِرُ الْكَذِبِ فِي غَيْرِ عَظِيمِ مَفْسَدَةٍ عَفْوٌ مُنْدَرِجٌ فِي قَلِيلِ الصَّغَائِرِ وَاسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّ فِيهَا كَذَّابٌ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدُ أَيْضًا ثُمَّ أَتَى بِلَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ ﵀ وَاعْتَرَضَهُ فِي قَوْلِهِ الْعَدَالَةُ الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ فَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ حَدَّهُ أَخْصَرُ وَبِأَنَّ فِيهِ حَشْوًا وَهُوَ الدِّينِيَّةُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ دِينِيَّةٌ وَغَيْرُهَا كَالتَّوَقِّي مَثَلًا وَلَا تَصِحُّ الْعَدَالَةُ شَرْعًا إلَّا مَعَ الْمُحَافَظَةِ الدِّينِيَّةِ وَفِيهِ إجْمَالٌ فِي تَوَقِّي الصَّغَائِرِ لِاحْتِمَالِ جَمِيعِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ الْكَذِبَ فِيهِ حَشْوٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْكَبَائِرِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ الصَّغَائِرِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الصَّغَائِرِ
стр. 452
قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ وَارِدٌ عَلَيْهِ أَيْضًا (فَإِنْ قُلْتَ) ذِكْرُ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ مَا يَعْنِي بِهِ (قُلْتُ) التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ.
(قُلْتُ) فِيهِ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ الْكَبَائِرُ وَلَا يَصِحُّ جَوَابُ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِمَا أَجَابَ بِهِ عَنْ سُؤَالِهِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّ فِيهِ بَحْثًا وَلَوْلَا الطُّولُ لَأَشَرْت إلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا الْمُرَادُ مِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ (قُلْتُ) فَسَّرَهَا شَارِحُهُ بِالنَّصَفَةِ مِنْ نَفْسِهِ وَلِنَفْسِهِ وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ بَحْثٍ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ وَتَأَمَّلَ.
ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵁ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ رَاجِعٌ إلَى الْعَدَالَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ الْبِدْعَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَدَالَةِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ ﵀ كَلَامَهُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَدُّ الضَّمِيرِ إلَى الْعَدَالَةِ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى الدَّوْرِ وَقَرَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ فَإِنْ فَهْمَ مَعِيَّةِ الشَّيْءِ لَا تُعْلَمُ إلَّا بَعْدَ فَهْمِ مَا نُسِبَتْ إلَيْهِ لِأَنَّ مَنْ أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِزَيْدٍ مَعَ عَقِيلَتِهِ لَا يُفْهَمُ إلَّا مَنْ يَفْهَمُ مُسَمَّى الْعَقِيلَةِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الشَّرِيفَةُ أَوْ الْمُخَدَّرَةُ يَعْنِي فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَحْدُودِ وَالْمَحْدُودِ عَلَى الْحَدِّ وَذَلِكَ دَوْرٌ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ صَحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْعَدَالَةِ لَأَدَّى إلَى الدَّوْرِ وَمُحَالٌ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ بِمَا ذَكَرَ وَقَدْ قَدَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَذَكَرَ هُنَا قَضِيَّةً بَحَثَ الشَّيْخُ الْعَالِمُ ابْنُ الْآبَارِ فَانْظُرْهُ ثُمَّ اعْتَرَضَ قَوْلَ شَيْخِهِ أَيْضًا إنَّ السَّلَامَةَ مِنْ الْبِدْعَةِ زَائِدَةٌ عَلَى الْعَدَالَةِ قَالَ الشَّيْخُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمَعْرِفَةُ لَا يَصِحُّ التَّعْرِيفُ بِهِ لَهَا قَالَ وَهَذَا مَرْدُودٌ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى صِحَّةِ التَّعْرِيفِ بِالْخَاصَّةِ ثُمَّ رَدَّ رَدًّا شَافِيًا جَلِيًّا وَوَجَّهَ الضَّمِيرَ بِعَوْدِهِ عَوْدًا مَرَضِيًّا عَلَى الْمُحَافَظَةِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِفَهْمِهِ وَتَأَمَّلْ مَا عَقَّبَ بِهِ الشَّيْخُ ﵀ هُنَا كَلَامَهُ فِي قَوْلِهِ وَلِذَا تَعَقَّبَ عَلَى الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ إلَخْ وَمَا بَيَانُ تِلْكَ الْعِلَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِمَا قَبْلَهَا وَقَدْ تَذَاكَرْنَا فِيهِ وَلَوْلَا الطُّولُ لَذَكَرْته وَكَانَ يَمُرُّ لَنَا فِي الْجَوَابِ عَلَى إيرَادِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ تَقَاسَمَ الرُّومُ أَنَّ قَوْلَهُ لِإِنَالَةِ مَقَاسِمِهِمْ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْقَسَمِ وَجَوَابِهِ وَأَنَّ الْجَوَابَ مُقَدَّرٌ بَعْدَ الِاعْتِرَاضِ وَأَنَّ أَصْلَهُ مَا تَرْجِعُ إلَّا إلَخْ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُنَا وَيُقِيلُ عَثْرَتَنَا وَيَسْتُرُ عَوْرَتَنَا وَيُحْسِنُ نِيَّتَنَا بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.
[بَابٌ فِي الْمُرُوءَةِ]
(م رء) :
стр. 453
بَابٌ فِي الْمُرُوءَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ وَالْمُرُوءَةُ هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرْكُهُ مِنْ مُبَاحٍ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا كَتَرْكِ الِانْتِعَالِ فِي بَلَدٍ يُسْتَقْبَحُ فِيهِ مَشْيُ مِثْلِهِ حَافِيًا وَعَلَى تَرْكِ مَا فِعْلُهُ مِنْ مُبَاحٍ يُوجِبُ ذَمَّهُ عُرْفًا كَالْأَكْلِ عِنْدَنَا فِي السُّوقِ أَوْ فِي حَانُوتِ الطَّبَّاخِ لِغَيْرِ الْغَرِيبِ وَنَقَلَ قَبْلَهُ مِنْ كَلَامِ الزَّاهِي الْمُرُوءَةُ مَا سَمَحَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَالَ وَهُوَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] فَالْعَدْلُ الْحَقُّ وَالْإِحْسَانُ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ قَوْلُ الشَّيْخِ " هِيَ الْمُحَافَظَةُ " (فَإِنْ قُلْتَ) صَيَّرَ الشَّيْخُ ﵁ الْجِنْسَ لِلْمُرُوءَةِ الْمُحَافِظَةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْعَدَالَةِ وَلَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ ﵀ صِفَةٌ مَظِنَّةٌ تُحْمَلُ عَلَى فِعْلِ إلَخْ فَمَا سِرُّ ذَلِكَ وَهَلَّا قَالَ فِي الْجَمْعِ صِفَةٌ أَوْ قَالَ الْمُحَافَظَةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ (قُلْتُ) لَمَّا كَانَتْ الْمُرُوءَةُ مَأْخُوذَةً فِي حَدِّ الْعَدَالَةِ لِأَنَّهَا صِفَةٌ تُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَفِعْلِ الْمُرُوءَةِ كَانَتْ فِعْلًا مِنْ الْأَفْعَالِ وَهُوَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فِعْلِ مَا يَشِينُ تَرْكُهُ فَنَاسَبَ الْإِتْيَانَ بِالْمُحَافَظَةِ فِي جِنْسِ الْمُرُوءَةِ وَبَقِيَّةُ حَدِّهِ ظَاهِرٌ فِي إخْرَاجِهِ وَإِدْخَالِهِ وَهُوَ أَجْمَعُ وَأَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الزَّاهِيِّ وَكَلَامُ الزَّاهِيِّ فِيهِ إشْكَالٌ فَتَأَمَّلْهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا سَمَحَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ فَهَذَا غَايَةُ مَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَأْمُورَاتُ الْمُتَطَوَّعُ بِفِعْلِهَا أَوْ بِتَرْكِهَا ثُمَّ قَوْلُهُ وَهُوَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ إلَخْ وَقَدْ فَسَّرَ الْعَدْلَ وَالْإِحْسَانَ بِمَا فَسَّرَهُ بِهِ فَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى قِيلَ وَإِنَّمَا كَانَ تَرْكُ الْمُرُوءَةِ جُرْحَةً لِأَنَّ تَرْكَهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُحَافَظَةِ الدِّينِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَانِعِ الشَّهَادَة]
(م ن ع) : بَابُ الْمَانِعِ قَالَ ﵀ الْمَانِعُ مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِهِ رَفَعَ مَا ثَبَتَ مُقْتَضَى ثُبُوتِهِ الْمُرَادُ هُنَا مَانِعُ الشَّهَادَةِ فِيمَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُهَا وَيَصِحُّ حَدُّهُ لِلْمَانِعِ مِنْ الْحُكْمِ مُطْلَقًا قَوْلُهُ مَا قَامَ الشَّيْءُ الَّذِي قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِهِ رَفَعَ الشَّيْءَ الَّذِي ثَبَتَ مُقْتَضَى ثُبُوتِ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَمَا يُقَالُ الدَّيْنُ ثَبَتَ أَنَّهُ مَانِعٌ لِشَيْءٍ اقْتَضَى النِّصَابُ ثُبُوتَهُ وَهُوَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ وَفِي غَيْرِهَا وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ شَرْعِيٍّ قَادِحٍ فِي أَعْمَالِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَقَعُ التَّجْرِيحُ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يُعَرِّفْ الشَّيْخُ التَّجْرِيحَ وَالتَّعْدِيلَ
стр. 454
قُلْتُ) لَعَلَّهُ حَذَفَهُ لِظُهُورِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَوْ قِيلَ فِي التَّعْدِيلِ إثْبَاتُ مَا يُوجِبُ الْعَمَلَ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ وَالتَّجْرِيحُ إثْبَاتُ مَا يَبْطُلُ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِ لَصَحَّ ذَلِكَ وَبَعْدَ أَنْ قَيَّدْت ذَلِكَ وَجَدْت مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَدُّ التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي التَّعْدِيلِ]
(ع د ل) : بَابٌ فِي التَّعْدِيلِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ عَنْ نَوَازِلِ سَحْنُونَ تَعْدِيلُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي هُوَ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالرِّضَى جَائِزُ الشَّهَادَةِ (قُلْتُ) فَهَذَا صَحَّ التَّعْرِيفُ بِهِ لِلتَّعْدِيلِ وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا عَرَّفْت بِهِ قَبْلُ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْكَامِلُ قَالَ سَحْنُونٌ لَوْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ فَقَطْ لَصَحَّ وَكَانَ تَعْدِيلًا (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْقَطْعِ (قُلْتُ) لَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَطْعُ بِذَلِكَ لَا يَصِحُّ وَلَوْ قَالَ أَرَاهُ عَدْلًا صَحَّ وَلَهُمْ عِبَارَاتٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ التَّعْدِيلُ أَنْ يَقُولَ عَدْلُ رَضِيٌّ وَانْظُرْ مَا هُنَا مِنْ الْخِلَافِ مَعَ مَا يَقَعُ فِي زَمَنِنَا مِنْ التَّسَاهُلِ فِي التَّزْكِيَةِ فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
[بَابٌ فِي التَّجْرِيحِ]
(ج ر ح) : بَابٌ فِي التَّجْرِيحِ الْجَارِي عَلَى مَا قَدَّمْنَا أَنْ يَكُونَ رَسْمُ التَّجْرِيحِ قَوْلَ الشَّاهِدِ هُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلَا رَضِيٍّ لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي التَّجْرِيحِ الْمُجْمَلِ اُنْظُرْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ]
شَهَادَةٌ: بَابُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ قَالَ ﵀ " لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ فِيهِ بِاسْتِنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ " قَوْلُهُ " لَقَبٌ " عَبَّرَ الشَّيْخُ ﵀ بِاللَّقَبِ فِي الرَّسْمِ هُنَا أَيْضًا لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ لَمَّا كَانَتْ مُرَكَّبَةً وَلَهَا مَعْنًى إضَافِيٌّ وَمَعْنًى لَقَبِيٌّ فَأَتَى بِقَوْلِهِ لَقَبٌ فِي رَسْمِهَا إشَارَةً إلَى تَرْكِيبِهَا وَإِنَّمَا لَمْ يُعَرِّفْ الْمَعْنَى الْإِضَافِيَّ لِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى مَعْنَى لُغَوِيٍّ وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى عُرْفِيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ شَرْعًا كَمَا فِي الْمَعْنَى اللَّقَبِيِّ مِثْلُ مَا قَدَّمْنَا فِي بُيُوعِ الْآجَالِ وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَنْ السُّؤَالِ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ يَتَعَرَّضُ ﵀ لِلْحَدِّ
стр. 455
اللَّقَبِيِّ وَالْإِضَافِيِّ وَمَوَاضِعَ يَقْتَصِرُ عَلَى اللَّقَبِيِّ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اللَّقَبِيِّ وَأَصْلِهِ وَإِعْرَابِهِ وَكَأَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مَوْضُوعٌ عَلَى مَعْنَى إلَخْ قَوْلُهُ " لِمَا يُصَرِّحُ " أَيْ قَوْلٌ يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ فِيهِ بِاسْتِنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ فَاللَّقَبُ صَادِقٌ عَلَى لَفْظِ الشَّاهِدِ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَاسْمٌ لَهُ قَوْلُهُ " مِنْ غَيْرِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا صَرَّحَ فِيهِ الشَّاهِدُ بِعِلْمِهِ وَمِثَالُهُ قَوْلُ الشُّهُودِ سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًّا مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ قَوْلُهُ " مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ " لِيَخْرُجَ النَّقْلُ عَنْ الْمُعَيَّنِ وَلِذَا قَالَ ﵀ فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْلِ فَعَلِمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ الْمُطْلَقَةَ قَدْ حَدَّهَا بِقَوْلِهِ قَوْلٌ هُوَ بِحَيْثُ يُوجِبُ إلَخْ وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى بَتٍّ وَنَقْلٍ وَسَمَاعٍ ثُمَّ إنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ لَهَا شُرُوطٌ وَالْحَدَّ لِلصَّحِيحِ فِيهَا وَالْفَاسِدِ أَيْ الشَّهَادَةُ الْمَعْمُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى الشَّيْخِ بِذِكْرِ الشَّاهِدِ فِي حَدِّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَّفَ رَسْمَ الشَّهَادَةِ الْمُطْلَقَةِ فَعَرَّفَ مِنْهَا الشَّاهِدَ وَذَكَرَ السَّمَاعَ فِي الرَّسْمِ فِيهِ خَلَلٌ وَلَا مُسَامَحَةَ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا عَرَّفَ الشَّهَادَةَ الْمُطْلَقَةَ فَهَلَّا عَرَّفَ كُلًّا مِنْ أَصْنَافِهَا مِنْ بَتٍّ وَنَقْلٍ وَسَمَاعٍ فَيَذْكُرُ الْجِنْسَ وَهُوَ الْقَوْلُ وَيَذْكُرُ خَاصَّةً مِنْ الْأَصْنَافِ (قُلْتُ) هَذَا الْجَارِي عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي مَوَاضِعَ وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ حَقُّهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا وَهِيَ شَهَادَةٌ وَانْظُرْ مَا ذَكَرْنَا فِي النَّقْلِ مَعَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ تَحَمُّل الشَّهَادَة]
(ح م ل) : بَابُ التَّحَمُّلِ قَالَ ﵀ " التَّحَمُّلُ عُرْفًا عِلْمُ مَا يَشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ قَوْلُهُ " التَّحَمُّلُ " فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الِالْتِزَامِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَ مَا عَلِمَهُ وَفِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَعْنَاهُ عِلْمُ مَا يَشْهَدُ بِهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا لِأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا يَشْهَدُ بِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ بَلْ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبِرِّ إنْ قَامَ الْغَيْرُ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَوْ قَالَ تَحْصِيلُ عِلْمِ مَا يَشْهَدُ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ التَّحْصِيلَ يُنَاسِبُ التَّحَمُّلَ وَالتَّعْبِيرُ بِالْعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ شَكٍّ أَوْ وَهْمٍ وَقَدْ يَكُونُ عِلْمًا قَطْعِيًّا وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ غَلَبَةُ ظَنٍّ وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلَ فَعَلَى هَذَا التَّعْبِيرِ هُنَا بِالْعِلْمِ الْمُرَادُ بِهِ الِاعْتِقَادُ وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِقَرَائِنَ وَقَدْ يَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَذَلِكَ (فَإِنْ
стр. 456
قُلْتَ) كَيْفَ يَصِحُّ مَا ذَكَرْته وَقَدْ قَالَ ﷺ الشَّهَادَةُ كَالشَّمْسِ وَإِلَّا فَدَعْ وَالتَّشْبِيهُ يَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ.
(قُلْتُ) التَّشْبِيهُ يَدُلُّ عَلَى وُضُوحِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَتَمْيِيزِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ لَا عَلَى خُصُوصِيَّةِ مَا وَقَعَ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ فِي عَيْنِ الْيَقِينِ وَلَوْ فُهِمَ عَلَى ذَلِكَ لَبَطَلَتْ شَهَادَاتُ كَثِيرَةٌ كَالشَّهَادَةِ بِالْقِيمَةِ وَالشَّهَادَةِ الْعُرْفِيَّةِ كَالْأَنْمَاطِ وَغَيْرِهَا وَالْحِيَازَاتِ وَالْمِلْكِ (فَإِنْ قِيلَ) تَفْسِيرُ التَّحَمُّلِ بِعِلْمِ مَا يَشْهَدُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ وَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ إلَّا إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ حِينَ تَحَمَّلَ الْمُتَحَمِّلُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّ التَّحَمُّلَ يُتَسَامَحُ فِيهِ فَقَدْ يَشْهَدُ فِيهِ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَقَعُ الْأَدَاءُ إلَّا فِيمَا يَعْلَمُ فَكَيْفَ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا مَعَ هَذَا (قُلْتُ) مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُوَ الْأَصْلُ وَإِنَّمَا أَجَازُوهُ تَشْدِيدًا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمْ لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ بَعْدُ فِيمَا ظَهَرَ لَنَا جَارٍ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَهُوَ يُنَافِرُ مَا هُنَا فَانْظُرْهُ بَعْدُ قَوْلُهُ " بِسَبٍّ اخْتِيَارِيٍّ " قَالَ الشَّيْخُ يُخْرِجُ عَنْهُ عِلْمَهُ دُونَ اخْتِيَارٍ كَمَنْ قَرَعَ سَمْعُهُ صَوْتَ مُطْلَقٍ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَحَمُّلًا وَالْعِلْمُ جِنْسٌ وَقَوْلُهُ " مَا يَشْهَدُ بِهِ " فَصْلٌ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يَشْهَدُ بِهِ كَالْعِلْمِ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِشَهَادَةٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يُنَاقَشُ الرَّسْمَ الْمَذْكُورُ بِمِثْلِ قَوْلِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَا شَابَهَهُ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ الْعِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ وَالْعِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ سَبَبٌ اخْتِيَارِيٌّ وَشَهِدَ بِهِ فَيَصْدُقُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ الرَّسْمُ الْمَذْكُورُ (قُلْتُ) لَا يَصِحُّ وُرُودُ مِثْلِ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ لِقَرِينَةٍ تُخْرِجُهُ وَهِيَ تَحَمُّلُ مَا يُؤَدِّيهِ عِنْدَ قَاضٍ مِنْ حُقُوقٍ لِلَّهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَقَوْلُهُ بِاخْتِيَارِهِ يَدْخُلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمُخْتَفِي وَغَيْرِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ قَبْلَ هَذَا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الشَّاهِدِ فِي وَضْعِ شَهَادَتِهِ عَلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ تَحَمُّلِهِ وَأَمَّا عِنْدَ أَدَائِهِ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَّا بِمَا عَلِمَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ هُنَا التَّحَمُّلُ عِلْمٌ إلَخْ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَحَمَّلَ بِهِ الْعِلْمُ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
(قُلْتُ) هَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيمَا جَرَى بِهِ الْعَمَلَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَوِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا هُوَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَلِذَلِكَ ذَكَرُوا أَوْجُهًا يَصِحُّ اعْتِمَادُ الشَّاهِدِ عَلَيْهَا وَأَوْجُهًا لَا يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا فَإِذَا قَالَ عُرِفَ بِهِ فُلَانٌ فَلَا
стр. 457
يَصِحُّ اعْتِمَادُ الشَّاهِدِ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَمَلُ عَلَى سُقُوطِهَا وَصَارَتْ كَالنَّقْلِ وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ وَمِمَّنْ عُرِفَ بِهِ فُلَانٌ وَكَذَا إذَا قَالَ وَعُرِفَ بِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُعَرَّفَ لَا يَصِحُّ وَأَمَّا إنْ قَالَ وَتَقَرَّرَ التَّعْرِيفُ بِهِ فَإِنَّهُ عَامِلٌ وَكَذَا إذَا قَالَ وَبِمَعْرِفَتِهِ بِالْمُوجِبِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ فِي عُرْفِهِمْ وَكَذَا إذَا قَالَ الشَّاهِدُ يُعَرِّفُهُ الْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ وَكَذَلِكَ إذَا أَسْقَطَ التَّعْرِيفَ وَالْمَعْرِفَةَ رَأْسًا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ وَرُبَّمَا كَانَ ذِكْرُ الْمَعْرِفَةِ هُجْنَةً وَكَذَا إذَا كَانَ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ وَالِاسْمِ وَالشُّهْرَةِ وَقَدْ سَأَلَ الشَّيْخُ الْأَعْدَلُ الْفَقِيهُ الْقُمَامُ شَيْخَهُ الشَّيْخَ الْإِمَامَ سَيِّدِي أَبَا الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْقَابِ فِي سُؤَالٍ طَوِيلٍ وَجَاوَبَهُ الشَّيْخُ ﵀ بِمَا الْحَاصِلُ مِنْهُ وَيُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا أَنَّهُ إذَا قَالَ وَبِمَعْرِفَتِهِ بِالْمُوجِبِ أَنَّ الْمُوجِبَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَقُولُهُ الشَّاهِدُ فِيمَنْ عُرِفَ عَيْنُهُ وَاسْمُهُ وَجُهِلَ نَسَبُهُ وَمَسْكَنُهُ وَوَقَعَ التَّعْرِيفُ بِهِ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حُضُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ عَلَى عَيْنِهِ حِينَ الْحُكْمِ قَالَ الشَّيْخُ وَإِنْ عَيَّنَ الْمُعَرَّفَ فَهُوَ نَقْلُ شَهَادَةٍ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِهَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الطُّرَرِ قَالَ وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يَقُولُ قَبُولُ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ الشَّيْخُ وَأَظُنُّ أَنِّي رَأَيْت اللَّخْمِيَّ مَثَّلَ مَا فِي الطُّرَرِ ثُمَّ أَطَالَ ﵀ فِي جَوَابِهِ فَقِفْ عَلَيْهِ فَفِيهِ فَوَائِدُ وَالتَّحَمُّلُ الْمَذْكُورُ الْمَحْدُودُ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِخِلَافِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ قَالَ مَالِكٌ ﵀ أَمَّا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ فَهُوَ فِي سَعَةٍ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَشْهَدُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ ﵀ وَمَنْ أَوْجَبَ الشَّهَادَةَ عَلَى كُلِّ مَنْ دُعِيَ إلَيْهَا وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يُسَمَّى شَاهِدًا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالشَّهَادَةِ وَلْنُشِرْ هُنَا إلَى مَا تَتِمُّ الْفَائِدَةُ بِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي بَحْثِهِ وَرَدِّهِ عَلَى شَيْخِهِ وَغَيْرِهِ بِاخْتِصَارٍ فَبَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ ذَكَرَ كَلَامَ شَيْخِهِ وَأَنَّ الْآيَةَ تُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْمَجَازِ لِأَنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْأَدَاءِ حَقِيقَةٌ وَحَمْلَهَا عَلَى التَّحَمُّلِ مَجَازٌ وَأَوْرَدَ ذَلِكَ سُؤَالًا يُرَجِّحُ بِهِ قَوْلَ مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الْأَدَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقَرَافِيُّ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ بَعْضُ الْحُذَّاقِ الْمَذْكُورِينَ وَأَنَّ الْمُشْتَقَّ إنَّمَا يُعْقَلُ فِيهِ مَا ذُكِرَ إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ فَلَا وَيَكُونُ حَقِيقَةً كَقَوْلِهِ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَهُنَا هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيمَا حَصَلَ وَفِيمَا سَيَحْصُلُ لِلشَّاهِدِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ قَوْلُهُ فَالشَّاهِدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
стр. 458
إلَخْ وَهْمٌ نَشَأَ عَنْ عَدَمِ تَحْقِيقِ فَهْمِ كَلَامِ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِبَعْضِ الْحُذَّاقِ وَهُوَ الْقَرَافِيُّ ثُمَّ ذَكَرَ ﵀ نَصَّ الْقَرَافِيُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فَهِمَ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّهُ فَهِمَ عَنْ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْمُشْتَقَّ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ يَكُونُ إطْلَاقُهُ حَقِيقَةً عَلَى الذَّاتِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِدْقِ الْمُشْتَقِّ عَلَى مُسَمَّاهُ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا حُصُولُ الْمَعْنَى بِالْفِعْلِ فِي الذَّاتِ الَّتِي أَطْلَقَ عَلَيْهَا فِي وَقْتِ الْحُكْمِ وَلَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ قَالَ وَهَذَا إنْ أَرَادَهُ الْقَرَافِيُّ فَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ مَعَهُ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْفَهْمُ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَالْجَلْدِ بِالزِّنَا بِمُجَرَّدِ تَهَيُّئِهِ بِالِاتِّصَافِ بِالسَّرِقَةِ وَالزِّنَى وَهَذَا بَاطِلٌ إجْمَاعًا.
وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرَ لِأَنَّ التَّهَيُّؤَ لِلزِّنَا حَاصِلٌ قَالَ الشَّيْخُ وَقَوْلُ الْقَرَافِيُّ وَكُلُّ مَنْ تَحَدَّثَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ يَذْكُرُهَا عُمُومًا وَهُوَ بَاطِلٌ قَالَ الشَّيْخُ كُلُّ مَنْ ذَكَرَهَا فِيمَا عَلِمْت كَالْفَخْرِ وَالسِّرَاجِ وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ مُشَارَكَةٌ فِي الْمَنْطِقِ تَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ بِإِحَاطَتِهِمْ بِتَحْقِيقِ صَادِقِيَّةِ الْعِنْوَانِ عَلَى الْمَوْضُوعِ وَأَنَّ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقُوَّةِ خِلَافًا لِلْفَارَابِيِّ فَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يُنَبِّهُوا عَلَى ذَلِكَ اتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى مَا حَقَّقُوهُ فِي صَادِقِيَّةِ الْعُنْوَانِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْأَصْلِيِّ وَقَالَ قَوْلُ الْقَرَافِيُّ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ هِيَ عِنْدِي مَجْهَلَةٌ مُضِلَّةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) هُنَا لَمْ يَقْطَعْ عَنْهُ بِكَوْنِهَا مَجْهَلَةً لِأَنَّهُ قَالَ ظَنِّي بِهِ وَفُهِمَ عَنْهُ مَا أَصْلَحَ بِهِ قَاعِدَتَهُ (قُلْتُ) لَمَّا كَانَ فِي كَلَامِهِ إبْهَامٌ فِي مَحَلِّ الْإِفْهَامِ حَتَّى اعْتَنَى بِهِ مَنْ اعْتَنَى حَسُنَ مِنْهُ مَا ذَكَرَ فِي غَيْرِ هَذَا هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ وَمَعْنَاهُ وَكَانَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا يَذْكُرُ هُنَا بَحْثًا يَطُولُ جَلْبُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ بِمَنِّهِ.
[بَابُ أَدَاءِ الشَّهَادَة]
(أد و) : بَابُ الْأَدَاءِ قَالَ ﵁ " الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ " قَوْلُهُ " إعْلَامُ الشَّاهِدِ " صَيَّرَ الْجِنْسَ مَصْدَرًا لِأَنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ مِنْ الْأَدَاءِ هُوَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ إعْلَامٌ عَامٌّ ثُمَّ خَصَّ ذَلِكَ فِي إعْلَامِ الْحَاكِمَ بِمَا عَلِمَهُ الشَّاهِدُ وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ وَالْحَاكِمُ مَفْعُولٌ وَلَمْ يَقُلْ الْقَاضِي لِأَنَّ الْحَاكِمَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَالْمَقْصِدُ مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَدَاءِ قَوْلُهُ " بِشَهَادَتِهِ " مُتَعَلِّقٌ
стр. 459
بِالْإِعْلَامِ وَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ قَوْلُهُ " بِمَا يَحْصُلُ إلَخْ " هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ تَدْبِيحٌ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ إعْرَابِهِ وَمَا تَتَعَلَّقُ الظُّرُوفُ فِي الْحَدِّ بِهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ الْمَعْنَى فِي قَصْدِهِ أَمَّا الْحَاكِمُ فَهُوَ مَفْعُولٌ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَشَهَادَتُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِعْلَامِ وَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ وَبِمَا يَحْصُلُ يَحْتَمِلُ تَعَلُّقَهُ بِالْإِعْلَامِ أَيْضًا فَتَكُونُ الْبَاءُ الثَّانِيَةُ سَبَبِيَّةٌ أَوْ لِلتَّعَدِّيَةِ وَيَكُونُ الظَّرْفُ بَدَلًا وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِشَهَادَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثُلَاثِيًّا مِنْ حَصَلَ أَوْ رُبَاعِيًّا مِنْ حَصَّلَ وَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَالضَّمِيرُ مِنْهُ يَعُودُ عَلَى الشَّاهِدِ وَبِمَا شَهِدَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى هَذَا وَتَقْدِيرُ السَّبْكِ إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ وَالْمُرَادُ بِالشَّاهِدِ الْمُتَحَمِّلُ لِلشَّهَادَةِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ أَيْ الَّتِي تَحَمَّلَهَا بِسَبَبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي تَحَمُّلِهِ وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَدَاءَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَدِّي عَالِمًا بِمَا تَحَمَّلَ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي الْأَعْلَى الْبَتَّ وَالْعِلْمُ مِنْ أَمْرٍ تَحَمَّلَهُ فَالتَّحَمُّلُ أَخَفُّ مِنْ الْأَدَاءِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَشْهَدُ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَلَا يُؤَدِّي إلَّا عَلَى مَا يَعْلَمُ هَذَا أَقْرَبُ مَا ظَهَرَ لِي فِي فَهْمِهِ وَفِيمَا رَأَيْته مِنْ النُّسَخِ فِي لَفْظِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَيُمْكِنُ فَهْمُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا بِتَكَلُّفٍ وَفِيمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ رُبَّمَا يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ فِي التَّحَمُّلِ فَرَاجِعْ التَّحَمُّلَ مَعَ هَذَا وَكَذَلِكَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ إعْلَامُ إلَخْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِعْلَامُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ وَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي لَفْظِهِ أُؤَدِّي أَوْ أَشْهَدُ وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْمَاضِي (قُلْت) كَلَامُ الْقَرَافِيُّ لَمْ يُسَلِّمْهُ الشَّيْخُ وَإِنَّ الْإِشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ كَافِيَةٌ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّوَادِرِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ عَنْ أَشْهَبَ وَلِذَا أَطْلَقَ فِي حَدِّهِ بِقَوْلِهِ " إعْلَامُ " وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ اللَّفْظِيِّ وَالْفِعْلِيِّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ إنَّمَا هُوَ لِعُرْفٍ تَقَرَّرَ لَا لِذَاتِ حَقِيقَةِ الْأَدَاءِ وَلِذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا فِي النَّقْلِ بَعْدَ هَذَا لَفْظَةُ عُرْفًا فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) الْإِعْلَامُ فِي الْحَدِّ مَا مَعْنَاهُ (قُلْتُ) مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِالشَّهَادَةِ إذَا قَالَ الشَّاهِدُ هَذِهِ شَهَادَتِي وَأَشَارَ إلَيْهَا مَكْتُوبَةً فَهُوَ أَدَاءٌ وَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَ بِهَا عَلَى صُورَةٍ أَيَّ صُورَةٍ كَانَتْ بِمُضَارِعٍ أَوْ مَاضٍ بِمَصْدَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِنَا اُنْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ فِي كِتَابِهِ.
(فَإِنْ قُلْت) قَدْ قَرَّرْت أَنَّ الْإِعْلَامَ الْمُرَادَ بِهِ الْإِخْبَارُ وَقَدْ حَقَّقَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْأَدَاءَ هُوَ إنْشَاءُ الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا لَا الْإِخْبَارُ قَالَ وَلِذَا لَا تَحْتَمِلُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا (قُلْتُ) مَعْنَى قَوْلِنَا الْأَدَاءُ الْإِخْبَارُ إنْشَاءُ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ مَا حَقَّقَهُ صَوَابٌ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ
стр. 460
مِنْ رَدِّهِ عَلَى الْقَرَافِيُّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَقَعَ لِابْنِ فَرْحُونٍ لِأَنَّهُ لَمَّا نَقَلَ كَلَامَهُ فِي قَوَاعِدِهِ قَالَ وَهَذَا جَارٍ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَا يَقُولُونَ بِهِ وَذُكِرَ عَنْ شَمْسِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيِّ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَفْظَةُ أَشْهَدُ بَلْ مَتَى قَالَ رَأَيْت كَذَا أَوْ سَمِعْت كَذَا صَحَّ قَالَ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ أَصْبَغَ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَأَنَّ الْقَاضِي إذَا قَالَ لِلشَّاهِدِ هَذِهِ شَهَادَتُك فَقَالَ الشَّاهِدُ نَعَمْ صَحَّتْ الشَّهَادَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إنْشَاءً لِلشَّهَادَةِ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ عَنْ الْمَذْهَبِ مَا يَرُدُّ بِهِ عَلَى الْقَرَافِيُّ وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ اُنْظُرْهُ.
[بَابُ النَّقْلِ]
(ن ق ل) : بَابُ النَّقْلِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " النَّقْلُ عُرْفًا إخْبَارُ الشَّاهِدِ عَنْ سَمَاعِهِ شَهَادَةَ غَيْرِهِ أَوْ سَمَاعِهِ إيَّاهُ لِقَاضٍ " " النَّقْلُ " لُغَةً مَعْلُومٌ وَقَدْ قَصَرَهُ الشَّرْعُ فِي عُرْفِهِ عَلَى بَعْضِ مَدْلُولِهِ وَعُرْفًا نُصِبَ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ كَأَحَدِ الْأَوْجُهِ فِي الدَّلِيلِ لُغَةً وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ إخْبَارُ صَيَّرَ الْجِنْسَ لِلنَّقْلِ وَالْإِخْبَارِ وَهُوَ مَصْدَرُ أَخْبَرَ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لَهُ مَعْنًى وَقَالَ فِي الْأَدَاءِ إعْلَامٌ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ أَدْخَلَ الشَّيْخُ ﵀ شَهَادَةَ النَّقْلِ تَحْتَ جِنْسِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَأَخْرَجَهَا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّقْلَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ جِنْسُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَمَقُولَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ هُنَاكَ لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنْسَ لَهُمَا هُوَ قَوْلُهُ لَقَبٌ وَالنَّقْلُ هُوَ الْإِخْبَارُ كَمَا ذَكَرَ هُنَا وَهُوَ غَيْرُ الْجِنْسِ فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَ هُنَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ فِي الْحَدِّ السَّابِقِ لِقَوْلِهِ هُنَاكَ لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ إلَخْ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ غَيْرُ اللَّقَبِ وَإِنْ حَقَّقَ مَا ذَكَرَ هُنَاكَ فَيَقُولُ هُنَا لَقَبٌ لَا إخْبَارٌ إلَخْ وَحَاصِلُ السُّؤَالِ إنْ صَحَّ إدْخَالُ شَهَادَةِ النَّقْلِ فِيمَا قَبْلَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَا يُخْرِجُهُ مِنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ.
(قُلْتُ) الْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ نَقُولَ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ حَدِّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ هُوَ شَهَادَةُ النَّقْلِ لَا النَّقْلُ فِي قَوْلِهِ فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْلُ مَخْفُوضٌ عُطِفَ عَلَى الْبَتِّ فَشَهَادَةُ النَّقْلِ غَيْرُ النَّقْلِ لِأَنَّ شَهَادَةَ النَّقْلِ لَقَبٌ وَالنَّقْلُ إعْلَامٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ قَوْلُهُ " إخْبَارُ الشَّاهِدِ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ
следующие страницы →