Полный текст (542 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قُلْتَ) كَيْفَ يَصِحُّ مَا ذَكَرْته وَقَدْ قَالَ ﷺ الشَّهَادَةُ كَالشَّمْسِ وَإِلَّا فَدَعْ وَالتَّشْبِيهُ يَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ.
(قُلْتُ) التَّشْبِيهُ يَدُلُّ عَلَى وُضُوحِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَتَمْيِيزِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ لَا عَلَى خُصُوصِيَّةِ مَا وَقَعَ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ فِي عَيْنِ الْيَقِينِ وَلَوْ فُهِمَ عَلَى ذَلِكَ لَبَطَلَتْ شَهَادَاتُ كَثِيرَةٌ كَالشَّهَادَةِ بِالْقِيمَةِ وَالشَّهَادَةِ الْعُرْفِيَّةِ كَالْأَنْمَاطِ وَغَيْرِهَا وَالْحِيَازَاتِ وَالْمِلْكِ (فَإِنْ قِيلَ) تَفْسِيرُ التَّحَمُّلِ بِعِلْمِ مَا يَشْهَدُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ وَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ إلَّا إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ حِينَ تَحَمَّلَ الْمُتَحَمِّلُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّ التَّحَمُّلَ يُتَسَامَحُ فِيهِ فَقَدْ يَشْهَدُ فِيهِ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَقَعُ الْأَدَاءُ إلَّا فِيمَا يَعْلَمُ فَكَيْفَ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا مَعَ هَذَا (قُلْتُ) مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُوَ الْأَصْلُ وَإِنَّمَا أَجَازُوهُ تَشْدِيدًا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمْ لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ بَعْدُ فِيمَا ظَهَرَ لَنَا جَارٍ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَهُوَ يُنَافِرُ مَا هُنَا فَانْظُرْهُ بَعْدُ قَوْلُهُ " بِسَبٍّ اخْتِيَارِيٍّ " قَالَ الشَّيْخُ يُخْرِجُ عَنْهُ عِلْمَهُ دُونَ اخْتِيَارٍ كَمَنْ قَرَعَ سَمْعُهُ صَوْتَ مُطْلَقٍ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَحَمُّلًا وَالْعِلْمُ جِنْسٌ وَقَوْلُهُ " مَا يَشْهَدُ بِهِ " فَصْلٌ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يَشْهَدُ بِهِ كَالْعِلْمِ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِشَهَادَةٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ يُنَاقَشُ الرَّسْمَ الْمَذْكُورُ بِمِثْلِ قَوْلِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَا شَابَهَهُ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ الْعِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ وَالْعِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ سَبَبٌ اخْتِيَارِيٌّ وَشَهِدَ بِهِ فَيَصْدُقُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ الرَّسْمُ الْمَذْكُورُ (قُلْتُ) لَا يَصِحُّ وُرُودُ مِثْلِ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ لِقَرِينَةٍ تُخْرِجُهُ وَهِيَ تَحَمُّلُ مَا يُؤَدِّيهِ عِنْدَ قَاضٍ مِنْ حُقُوقٍ لِلَّهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَقَوْلُهُ بِاخْتِيَارِهِ يَدْخُلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمُخْتَفِي وَغَيْرِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ قَبْلَ هَذَا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الشَّاهِدِ فِي وَضْعِ شَهَادَتِهِ عَلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ تَحَمُّلِهِ وَأَمَّا عِنْدَ أَدَائِهِ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَّا بِمَا عَلِمَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ هُنَا التَّحَمُّلُ عِلْمٌ إلَخْ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَحَمَّلَ بِهِ الْعِلْمُ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
(قُلْتُ) هَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيمَا جَرَى بِهِ الْعَمَلَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَوِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا هُوَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَلِذَلِكَ ذَكَرُوا أَوْجُهًا يَصِحُّ اعْتِمَادُ الشَّاهِدِ عَلَيْهَا وَأَوْجُهًا لَا يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا فَإِذَا قَالَ عُرِفَ بِهِ فُلَانٌ فَلَا
стр. 457
يَصِحُّ اعْتِمَادُ الشَّاهِدِ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَمَلُ عَلَى سُقُوطِهَا وَصَارَتْ كَالنَّقْلِ وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ وَمِمَّنْ عُرِفَ بِهِ فُلَانٌ وَكَذَا إذَا قَالَ وَعُرِفَ بِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُعَرَّفَ لَا يَصِحُّ وَأَمَّا إنْ قَالَ وَتَقَرَّرَ التَّعْرِيفُ بِهِ فَإِنَّهُ عَامِلٌ وَكَذَا إذَا قَالَ وَبِمَعْرِفَتِهِ بِالْمُوجِبِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ فِي عُرْفِهِمْ وَكَذَا إذَا قَالَ الشَّاهِدُ يُعَرِّفُهُ الْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ وَكَذَلِكَ إذَا أَسْقَطَ التَّعْرِيفَ وَالْمَعْرِفَةَ رَأْسًا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ وَرُبَّمَا كَانَ ذِكْرُ الْمَعْرِفَةِ هُجْنَةً وَكَذَا إذَا كَانَ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ وَالِاسْمِ وَالشُّهْرَةِ وَقَدْ سَأَلَ الشَّيْخُ الْأَعْدَلُ الْفَقِيهُ الْقُمَامُ شَيْخَهُ الشَّيْخَ الْإِمَامَ سَيِّدِي أَبَا الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْقَابِ فِي سُؤَالٍ طَوِيلٍ وَجَاوَبَهُ الشَّيْخُ ﵀ بِمَا الْحَاصِلُ مِنْهُ وَيُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا أَنَّهُ إذَا قَالَ وَبِمَعْرِفَتِهِ بِالْمُوجِبِ أَنَّ الْمُوجِبَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَقُولُهُ الشَّاهِدُ فِيمَنْ عُرِفَ عَيْنُهُ وَاسْمُهُ وَجُهِلَ نَسَبُهُ وَمَسْكَنُهُ وَوَقَعَ التَّعْرِيفُ بِهِ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حُضُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ عَلَى عَيْنِهِ حِينَ الْحُكْمِ قَالَ الشَّيْخُ وَإِنْ عَيَّنَ الْمُعَرَّفَ فَهُوَ نَقْلُ شَهَادَةٍ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِهَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الطُّرَرِ قَالَ وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يَقُولُ قَبُولُ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ الشَّيْخُ وَأَظُنُّ أَنِّي رَأَيْت اللَّخْمِيَّ مَثَّلَ مَا فِي الطُّرَرِ ثُمَّ أَطَالَ ﵀ فِي جَوَابِهِ فَقِفْ عَلَيْهِ فَفِيهِ فَوَائِدُ وَالتَّحَمُّلُ الْمَذْكُورُ الْمَحْدُودُ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِخِلَافِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ قَالَ مَالِكٌ ﵀ أَمَّا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ فَهُوَ فِي سَعَةٍ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَشْهَدُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ ﵀ وَمَنْ أَوْجَبَ الشَّهَادَةَ عَلَى كُلِّ مَنْ دُعِيَ إلَيْهَا وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يُسَمَّى شَاهِدًا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالشَّهَادَةِ وَلْنُشِرْ هُنَا إلَى مَا تَتِمُّ الْفَائِدَةُ بِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي بَحْثِهِ وَرَدِّهِ عَلَى شَيْخِهِ وَغَيْرِهِ بِاخْتِصَارٍ فَبَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ ذَكَرَ كَلَامَ شَيْخِهِ وَأَنَّ الْآيَةَ تُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْمَجَازِ لِأَنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْأَدَاءِ حَقِيقَةٌ وَحَمْلَهَا عَلَى التَّحَمُّلِ مَجَازٌ وَأَوْرَدَ ذَلِكَ سُؤَالًا يُرَجِّحُ بِهِ قَوْلَ مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الْأَدَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقَرَافِيُّ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ بَعْضُ الْحُذَّاقِ الْمَذْكُورِينَ وَأَنَّ الْمُشْتَقَّ إنَّمَا يُعْقَلُ فِيهِ مَا ذُكِرَ إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ فَلَا وَيَكُونُ حَقِيقَةً كَقَوْلِهِ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَهُنَا هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيمَا حَصَلَ وَفِيمَا سَيَحْصُلُ لِلشَّاهِدِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ قَوْلُهُ فَالشَّاهِدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
стр. 458
إلَخْ وَهْمٌ نَشَأَ عَنْ عَدَمِ تَحْقِيقِ فَهْمِ كَلَامِ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِبَعْضِ الْحُذَّاقِ وَهُوَ الْقَرَافِيُّ ثُمَّ ذَكَرَ ﵀ نَصَّ الْقَرَافِيُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فَهِمَ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّهُ فَهِمَ عَنْ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْمُشْتَقَّ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ يَكُونُ إطْلَاقُهُ حَقِيقَةً عَلَى الذَّاتِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِدْقِ الْمُشْتَقِّ عَلَى مُسَمَّاهُ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا حُصُولُ الْمَعْنَى بِالْفِعْلِ فِي الذَّاتِ الَّتِي أَطْلَقَ عَلَيْهَا فِي وَقْتِ الْحُكْمِ وَلَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ قَالَ وَهَذَا إنْ أَرَادَهُ الْقَرَافِيُّ فَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ مَعَهُ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْفَهْمُ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَالْجَلْدِ بِالزِّنَا بِمُجَرَّدِ تَهَيُّئِهِ بِالِاتِّصَافِ بِالسَّرِقَةِ وَالزِّنَى وَهَذَا بَاطِلٌ إجْمَاعًا.
وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرَ لِأَنَّ التَّهَيُّؤَ لِلزِّنَا حَاصِلٌ قَالَ الشَّيْخُ وَقَوْلُ الْقَرَافِيُّ وَكُلُّ مَنْ تَحَدَّثَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ يَذْكُرُهَا عُمُومًا وَهُوَ بَاطِلٌ قَالَ الشَّيْخُ كُلُّ مَنْ ذَكَرَهَا فِيمَا عَلِمْت كَالْفَخْرِ وَالسِّرَاجِ وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ مُشَارَكَةٌ فِي الْمَنْطِقِ تَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ بِإِحَاطَتِهِمْ بِتَحْقِيقِ صَادِقِيَّةِ الْعِنْوَانِ عَلَى الْمَوْضُوعِ وَأَنَّ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقُوَّةِ خِلَافًا لِلْفَارَابِيِّ فَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يُنَبِّهُوا عَلَى ذَلِكَ اتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى مَا حَقَّقُوهُ فِي صَادِقِيَّةِ الْعُنْوَانِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْأَصْلِيِّ وَقَالَ قَوْلُ الْقَرَافِيُّ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ هِيَ عِنْدِي مَجْهَلَةٌ مُضِلَّةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) هُنَا لَمْ يَقْطَعْ عَنْهُ بِكَوْنِهَا مَجْهَلَةً لِأَنَّهُ قَالَ ظَنِّي بِهِ وَفُهِمَ عَنْهُ مَا أَصْلَحَ بِهِ قَاعِدَتَهُ (قُلْتُ) لَمَّا كَانَ فِي كَلَامِهِ إبْهَامٌ فِي مَحَلِّ الْإِفْهَامِ حَتَّى اعْتَنَى بِهِ مَنْ اعْتَنَى حَسُنَ مِنْهُ مَا ذَكَرَ فِي غَيْرِ هَذَا هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ وَمَعْنَاهُ وَكَانَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا يَذْكُرُ هُنَا بَحْثًا يَطُولُ جَلْبُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ بِمَنِّهِ.
[بَابُ أَدَاءِ الشَّهَادَة]
(أد و) : بَابُ الْأَدَاءِ قَالَ ﵁ " الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ " قَوْلُهُ " إعْلَامُ الشَّاهِدِ " صَيَّرَ الْجِنْسَ مَصْدَرًا لِأَنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ مِنْ الْأَدَاءِ هُوَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ إعْلَامٌ عَامٌّ ثُمَّ خَصَّ ذَلِكَ فِي إعْلَامِ الْحَاكِمَ بِمَا عَلِمَهُ الشَّاهِدُ وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ وَالْحَاكِمُ مَفْعُولٌ وَلَمْ يَقُلْ الْقَاضِي لِأَنَّ الْحَاكِمَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَالْمَقْصِدُ مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَدَاءِ قَوْلُهُ " بِشَهَادَتِهِ " مُتَعَلِّقٌ
стр. 459
بِالْإِعْلَامِ وَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ قَوْلُهُ " بِمَا يَحْصُلُ إلَخْ " هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ تَدْبِيحٌ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ إعْرَابِهِ وَمَا تَتَعَلَّقُ الظُّرُوفُ فِي الْحَدِّ بِهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ الْمَعْنَى فِي قَصْدِهِ أَمَّا الْحَاكِمُ فَهُوَ مَفْعُولٌ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَشَهَادَتُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِعْلَامِ وَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ وَبِمَا يَحْصُلُ يَحْتَمِلُ تَعَلُّقَهُ بِالْإِعْلَامِ أَيْضًا فَتَكُونُ الْبَاءُ الثَّانِيَةُ سَبَبِيَّةٌ أَوْ لِلتَّعَدِّيَةِ وَيَكُونُ الظَّرْفُ بَدَلًا وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِشَهَادَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثُلَاثِيًّا مِنْ حَصَلَ أَوْ رُبَاعِيًّا مِنْ حَصَّلَ وَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَالضَّمِيرُ مِنْهُ يَعُودُ عَلَى الشَّاهِدِ وَبِمَا شَهِدَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى هَذَا وَتَقْدِيرُ السَّبْكِ إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ وَالْمُرَادُ بِالشَّاهِدِ الْمُتَحَمِّلُ لِلشَّهَادَةِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ أَيْ الَّتِي تَحَمَّلَهَا بِسَبَبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي تَحَمُّلِهِ وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَدَاءَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَدِّي عَالِمًا بِمَا تَحَمَّلَ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي الْأَعْلَى الْبَتَّ وَالْعِلْمُ مِنْ أَمْرٍ تَحَمَّلَهُ فَالتَّحَمُّلُ أَخَفُّ مِنْ الْأَدَاءِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَشْهَدُ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَلَا يُؤَدِّي إلَّا عَلَى مَا يَعْلَمُ هَذَا أَقْرَبُ مَا ظَهَرَ لِي فِي فَهْمِهِ وَفِيمَا رَأَيْته مِنْ النُّسَخِ فِي لَفْظِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَيُمْكِنُ فَهْمُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا بِتَكَلُّفٍ وَفِيمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ رُبَّمَا يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ فِي التَّحَمُّلِ فَرَاجِعْ التَّحَمُّلَ مَعَ هَذَا وَكَذَلِكَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ إعْلَامُ إلَخْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِعْلَامُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ وَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي لَفْظِهِ أُؤَدِّي أَوْ أَشْهَدُ وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْمَاضِي (قُلْت) كَلَامُ الْقَرَافِيُّ لَمْ يُسَلِّمْهُ الشَّيْخُ وَإِنَّ الْإِشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ كَافِيَةٌ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّوَادِرِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ عَنْ أَشْهَبَ وَلِذَا أَطْلَقَ فِي حَدِّهِ بِقَوْلِهِ " إعْلَامُ " وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ اللَّفْظِيِّ وَالْفِعْلِيِّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ إنَّمَا هُوَ لِعُرْفٍ تَقَرَّرَ لَا لِذَاتِ حَقِيقَةِ الْأَدَاءِ وَلِذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا فِي النَّقْلِ بَعْدَ هَذَا لَفْظَةُ عُرْفًا فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) الْإِعْلَامُ فِي الْحَدِّ مَا مَعْنَاهُ (قُلْتُ) مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِالشَّهَادَةِ إذَا قَالَ الشَّاهِدُ هَذِهِ شَهَادَتِي وَأَشَارَ إلَيْهَا مَكْتُوبَةً فَهُوَ أَدَاءٌ وَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَ بِهَا عَلَى صُورَةٍ أَيَّ صُورَةٍ كَانَتْ بِمُضَارِعٍ أَوْ مَاضٍ بِمَصْدَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِنَا اُنْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ فِي كِتَابِهِ.
(فَإِنْ قُلْت) قَدْ قَرَّرْت أَنَّ الْإِعْلَامَ الْمُرَادَ بِهِ الْإِخْبَارُ وَقَدْ حَقَّقَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْأَدَاءَ هُوَ إنْشَاءُ الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا لَا الْإِخْبَارُ قَالَ وَلِذَا لَا تَحْتَمِلُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا (قُلْتُ) مَعْنَى قَوْلِنَا الْأَدَاءُ الْإِخْبَارُ إنْشَاءُ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ مَا حَقَّقَهُ صَوَابٌ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ
стр. 460
مِنْ رَدِّهِ عَلَى الْقَرَافِيُّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَقَعَ لِابْنِ فَرْحُونٍ لِأَنَّهُ لَمَّا نَقَلَ كَلَامَهُ فِي قَوَاعِدِهِ قَالَ وَهَذَا جَارٍ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَا يَقُولُونَ بِهِ وَذُكِرَ عَنْ شَمْسِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيِّ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَفْظَةُ أَشْهَدُ بَلْ مَتَى قَالَ رَأَيْت كَذَا أَوْ سَمِعْت كَذَا صَحَّ قَالَ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ أَصْبَغَ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَأَنَّ الْقَاضِي إذَا قَالَ لِلشَّاهِدِ هَذِهِ شَهَادَتُك فَقَالَ الشَّاهِدُ نَعَمْ صَحَّتْ الشَّهَادَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إنْشَاءً لِلشَّهَادَةِ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ عَنْ الْمَذْهَبِ مَا يَرُدُّ بِهِ عَلَى الْقَرَافِيُّ وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ اُنْظُرْهُ.
[بَابُ النَّقْلِ]
(ن ق ل) : بَابُ النَّقْلِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " النَّقْلُ عُرْفًا إخْبَارُ الشَّاهِدِ عَنْ سَمَاعِهِ شَهَادَةَ غَيْرِهِ أَوْ سَمَاعِهِ إيَّاهُ لِقَاضٍ " " النَّقْلُ " لُغَةً مَعْلُومٌ وَقَدْ قَصَرَهُ الشَّرْعُ فِي عُرْفِهِ عَلَى بَعْضِ مَدْلُولِهِ وَعُرْفًا نُصِبَ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ كَأَحَدِ الْأَوْجُهِ فِي الدَّلِيلِ لُغَةً وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ إخْبَارُ صَيَّرَ الْجِنْسَ لِلنَّقْلِ وَالْإِخْبَارِ وَهُوَ مَصْدَرُ أَخْبَرَ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لَهُ مَعْنًى وَقَالَ فِي الْأَدَاءِ إعْلَامٌ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ أَدْخَلَ الشَّيْخُ ﵀ شَهَادَةَ النَّقْلِ تَحْتَ جِنْسِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَأَخْرَجَهَا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّقْلَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ جِنْسُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَمَقُولَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ هُنَاكَ لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنْسَ لَهُمَا هُوَ قَوْلُهُ لَقَبٌ وَالنَّقْلُ هُوَ الْإِخْبَارُ كَمَا ذَكَرَ هُنَا وَهُوَ غَيْرُ الْجِنْسِ فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَ هُنَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ فِي الْحَدِّ السَّابِقِ لِقَوْلِهِ هُنَاكَ لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ إلَخْ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ غَيْرُ اللَّقَبِ وَإِنْ حَقَّقَ مَا ذَكَرَ هُنَاكَ فَيَقُولُ هُنَا لَقَبٌ لَا إخْبَارٌ إلَخْ وَحَاصِلُ السُّؤَالِ إنْ صَحَّ إدْخَالُ شَهَادَةِ النَّقْلِ فِيمَا قَبْلَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَا يُخْرِجُهُ مِنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ.
(قُلْتُ) الْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ نَقُولَ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ حَدِّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ هُوَ شَهَادَةُ النَّقْلِ لَا النَّقْلُ فِي قَوْلِهِ فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْلُ مَخْفُوضٌ عُطِفَ عَلَى الْبَتِّ فَشَهَادَةُ النَّقْلِ غَيْرُ النَّقْلِ لِأَنَّ شَهَادَةَ النَّقْلِ لَقَبٌ وَالنَّقْلُ إعْلَامٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ قَوْلُهُ " إخْبَارُ الشَّاهِدِ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ
стр. 461
لَيْسَ بِشَاهِدٍ إذَا أَخْبَرَ بِسَمَاعٍ لَا عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ وَأَطْلَقَ الشَّاهِدَ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَ السَّمَاعَ قَوْلُهُ " عَنْ سَمَاعِهِ شَهَادَةَ " مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ الَّذِي سَمِعَهُ يَذْكُرُ شَهَادَةَ عِنْدَهُ وَعَنْ سَمَاعِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِخْبَارِ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الشَّاهِدِ وَشَهَادَةُ غَيْرِهِ مَفْعُولٌ لِسَمَاعِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) النَّقْلُ إنَّمَا هُوَ إخْبَارُ الشَّاهِدِ عَنْ سَمَاعِهِ الْإِشْهَادَ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِ لَا سَمَاعِهِ شَهَادَةَ غَيْرِهِ (قُلْتُ) لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْإِسْمَاعِ وَالسَّمَاعِ وَيَدْخُلُ فِيهِ إذَا سَمِعَ شَهَادَةَ غَيْرِهِ يَشْهَدُ بِهَا غَيْرُهُ وَلَمْ يَشْهَدْ سَامِعُهَا وَاخْتُلِفَ فِي إعْمَالِهَا وَصِحَّةُ نَقْلِهَا وَشَهَرَ ابْنُ رُشْدٍ صِحَّةَ النَّقْلِ فِيهَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا سَمِعَ رَجُلًا وَاسْتَوْعَبَ كَلَامَهُ وَتَخَفَّى وَلَعَلَّهُ مَضَى فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ قَوْلُهُ " أَوْ سَمَاعِهِ إيَّاهُ " عَطْفٌ عَلَى السَّمَاعِ وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ يَعُودُ عَلَى الشَّاهِدِ وَإِيَّاهُ عَائِدٌ عَلَى الْإِخْبَارِ وَذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِيُدْخِلَ نَقْلَ النَّقْلِ وَفِي نُسْخَةٍ إيَّاهَا وَعَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ ضَمِيرُ سَمَاعِهِ يَعُودُ عَلَى غَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ " شَهَادَةَ غَيْرِهِ " وَضَمِيرُ إيَّاهَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَدْخَلَ بِهَا أَيْضًا نَقْلَ النَّقْلِ.
وَقَوْلُهُ " الشَّاهِدِ " مَعْنَاهُ مَنْ نُسِبَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ لِيَصْدُقَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَتَدْخُلُ فِيهِ عُمُومُ الشَّهَادَةِ لِكَيْ يَدْخُلُ نَقْلُ النِّسَاءِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ لِقَاضٍ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْإِخْبَارِ (فَإِنْ قُلْتَ) فَكَيْفَ دَخَلَتْ اللَّامُ وَإِنَّمَا تَقُولُ أَخْبَرْت الْقَاضِي (قُلْتُ) اللَّامُ تَقْوِيَةٌ لِعَامِلِهَا وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُ الشَّيْخِ فَيَخْرُجُ إخْبَارُ غَيْرِ الْقَاضِي يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ الشَّاهِدُ عَنْ سَمَاعِ شَهَادَةِ غَيْرِهِ رَجُلًا غَيْرَ قَاضٍ فَلَيْسَ بِنَقْلٍ عُرْفِيٍّ وَتَأَمَّلْ لِأَيِّ شَيْءٍ عَبَّرَ هُنَا بِقَوْلِهِ " لِقَاضٍ " وَلَمْ يَقُلْ الْحَاكِمُ كَمَا قَدَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا (فَإِنْ قُلْتَ) مَا فَائِدَةُ قَوْلِ الشَّيْخِ ثَانِيًا أَوْ سَمَاعِهِ إيَّاهُ وَالْأَوَّلُ يَكْفِي عَنْهُ (قُلْتُ) لَا يَكْفِي عَنْهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ سَمَاعِهِ شَهَادَةَ غَيْرِهِ أَمَّا أَنَّهُ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ قَاضٍ أَوْ سَمِعَهُ يَذْكُرُهَا لِغَيْرِهِ وَالثَّانِيَةُ أَدْخَلَ بِهَا نَقْلَ النَّقْلِ (فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِقَاضٍ مَعْمُولًا لِسَمَاعِهِ إيَّاهُ وَاللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ.
(قُلْتُ) لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إذَا تُؤُمِّلَ ثُمَّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَدْخُلُ نَقْلُ النَّقْلِ مَعْنَاهُ إذَا نَقَلَ شَاهِدٌ شَهَادَةَ شَاهِدٍ ثُمَّ نَقَلَ ثَانٍ عَنْ النَّاقِلِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلُ مَثَلًا يَقُولُ اُنْقُلْ شَهَادَتِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي وَيَقُولُ الثَّانِي اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ فَيَصْدُقُ فِي إخْبَارِ الثَّانِي
стр. 462
إخْبَارُ الشَّاهِدِ عَنْ سَمَاعِهِ إخْبَارُ الشَّاهِدِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا تَعَدَّدَ النَّقْلُ فَالْوَسَائِطُ أَطْلَقَ عَلَيْهَا نَقْلًا فِي قَوْلِهِ نَقْلُ النَّقْلِ وَلَيْسَ فِي الْوَسَائِطِ إخْبَارٌ لِقَاضٍ فَالْحَدُّ غَيْرُ صَحِيحٍ (قُلْتُ) إطْلَاقُ النَّقْلِ عَلَى الْوَسَائِطِ لُغَةً وَالْمُعْتَبَرُ شَرْعًا هُوَ الطَّرَفُ الْأَخِيرُ الَّذِي وَقَعَ لِلْقَاضِي قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَيَخْرُجُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ لِغَيْرِ قَاضٍ يَعْنِي إذَا أَخْبَرَ الشَّاهِدُ الثَّانِي غَيْرَ الْقَاضِي فَلَا يُقَالُ فِيهِ نَقْلٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقٍ لِقَاضٍ بِالْإِخْبَارِ وَلَمَّا كَانَ نَقْلُ النَّقْلِ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ بَلْ مَأْخُوذًا مِنْ ظَوَاهِرَ اسْتَدَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَقَالَ النَّقْلُ عَنْ الْأَصْلِ شَيْءٌ وَكُلُّ شَيْءٍ يَجُوزُ النَّقْلُ فِيهِ فَالنَّقْلُ يَجُوزُ النَّقْلُ فِيهِ وَهُوَ الْمُدَّعَى دُخُولُهُ فِي تَعْرِيفِهِ الصُّغْرَى ضَرُورِيَّةٌ وَالْكُبْرَى مَنْصُوصَةٌ بِنَصِّهَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) الْكُبْرَى يَقْدَحُ فِي عُمُومِهَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ فَإِنَّ فِيهَا نِزَاعًا وَقَدْ أَجَازَهَا مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ فَالْكُبْرَى غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى عُمُومِهَا فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا (قُلْتُ) الشَّيْخُ ﵀ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا مَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ قَالَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ جَوَازُهَا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِ عُمُومِهَا عَلَى الْأَمْرَيْنِ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ النَّقْلِ وَعَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ وَمَالِكٌ مُخَالِفٌ لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَرَادٌّ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى التَّعْدِيلِ فِيهَا تَفْصِيلٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ أَوْ قَبْلَهَا وَتَأَمَّلْ مَا فِي ذَلِكَ.
[بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]
(ر ج ع) : بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ هُوَ انْتِقَالُ الشَّاهِدِ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ بِأَمْرٍ إلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ دُونَ نَقِيضِهِ قَوْلُهُ " انْتِقَالُ " مَصْدَرُ انْتَقَلَ وَالِانْتِقَالُ أَصْلُهُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ الْخُرُوجُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الْمَعَانِي مِثْلُ الرُّجُوعِ عَنْ قَوْلٍ أَوْ رَأْيٍ وَمِنْهُ رُجُوعُ الشَّاهِدِ وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ وَتَجَوُّزٌ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ مَيْلُ الشَّاهِدِ (قُلْتُ) الِانْتِقَالُ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الرُّجُوعِ مِنْ الْمَيْلِ لِأَنَّ الْمَيْلَ يَدُلُّ عَلَى قُرْبِهِ مِنْ عَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَخْصَرَ مِنْ الِانْتِقَالِ لَكِنَّهُ لَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ " الشَّاهِدِ " أَخْرَجَ غَيْرَ الشَّاهِدِ قَوْلُهُ " بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ " أَخْرَجَ بِهِ انْتِقَالَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى رُجُوعًا قَالَ الشَّيْخُ وَذَلِكَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَلَفْظُهُ أَنَّهُ يُسَمَّى رُجُوعًا فَعَلَيْهِ يُحْذَفُ
стр. 463
بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ عَلَى رَأْيٍ وَعَلَى رَأْيٍ وَهُوَ أَخْصَرُ كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ (قُلْتُ) لَمْ يَنْضَبِطْ ذَلِكَ لَهُ فِي رُسُومِهِ فِيمَا رَأَيْته قَوْلُهُ " بِأَمْرٍ " يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَةِ قَوْلُهُ إلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِانْتِقَالُ وَضَمِيرُ قَوْلِهِ بِهِ يَعُودُ عَلَى الْأَمْرِ أَيْ إلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِالْأَمْرِ وَإِذَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْأَمْرِ دَخَلَهُ الشَّكُّ فِيهِ أَوْ الْوَهْمُ وَلِذَا قَالَ ﵀ فَيَدْخُلُ انْتِقَالُ الشَّاهِدِ إلَى شَكٍّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ أَوْ لَيْسَ بِحَاكِمٍ يَعْنِي أَنَّ الْحَدَّ يَدْخُلُ فِيهِ الِانْتِقَالُ إلَى الشَّكِّ سَوَاءٌ قُلْنَا بِأَنَّ الشَّاكَّ لَيْسَ بِحَاكِمٍ أَوْ حَاكِمٍ وَأَشَارَ إلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الشَّاكِّ مِنْ كَلَامِ الْمَحْصُولِ وَالْقَرَافِيِّ اُنْظُرْ مُخْتَصَرَهُ الْأُصُولِيَّ ﵀ فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهِ قَوْلُهُ " دُونَ نَقِيضِهِ " الضَّمِيرُ فِي نَقِيضِهِ الْمُضَافُ إلَيْهِ يَعُودُ عَلَى الْأَمْرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ دُونَ الْجَزْمِ بِنَقِيضِهِ وَمَعْنَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الرَّسْمِ أَنَّ الرُّجُوعَ شَرْطُهُ الِانْتِقَالُ إلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِمَا شَهِدَ بِهِ لَا الِانْتِقَالُ إلَى الْجَزْمِ بِنَقِيضِ مَا شَهِدَ بِهِ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالثَّانِي لَكَانَ التَّعْرِيفُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ بِصُورَةِ الشَّكِّ إذَا عَرَضَ لَهُ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا فَائِدَةُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَأَيُّ شَيْءٍ قَصَدَ بِهَا (قُلْتُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَقَّقَ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الرُّجُوعِ إنَّمَا هُوَ مَا ذَكَرَ لَا الِانْتِقَالُ إلَى النَّقِيضِ كَمَا قَرَّرْنَا وَيَخْرُجُ بِهِ مَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ لَا لِأَنَّهَا أَخْصَرُ مِنْ دُونَ (قُلْتُ) لَا يَصِحُّ ذَلِكَ صِنَاعَةً لِأَجْلِ حَذْفِ الْخَافِضِ لِلنَّقِيضِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخْرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ انْتِقَالَ الشَّاهِدِ إلَى نَقِيضِ مَا شَهِدَ بِهِ وَجَزَمَهُ بِهِ وَهَذَا رُجُوعٌ يُوجِبُ تَجْرِيحَهُ وَرَدَّ شَهَادَتِهِ مُطْلَقًا وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَقْضِيَةِ إذَا اسْتَقَالَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَادَّعَى وَهْمًا بِشُبْهَةٍ أُقِيلَ وَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ شَهَادَتَهُ وَإِنْ اعْتَرَفَ بِكَذِبِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الرُّجُوعَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا إنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ بَلْ رُجُوعٌ مُبْطِلٌ لِلشَّهَادَةِ فَلَا يَصِحُّ إخْرَاجُهُ لِأَنَّ تَعْرِيفَهُ لِمُطْلَقِ رُجُوعٍ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى مَا ذَكَرْته وَقَدْ قَسَّمُوا الرُّجُوعَ إلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثٍ وَقَسَّمُوهُ إلَى عَمْدٍ وَغَيْرِهِ (قُلْتُ) الْوَجْهُ الْأَوَّلُ هُوَ أَظْهَرُ فِي قَصْدِهِ فِيمَا يَظْهَرُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا أَدَّى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَا ذَكَرَ عِنْدَ غَيْرِ قَاضٍ أَوْ عِنْدَ نَفْسِهِ يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ مَعَ أَنَّ مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ قَالَا لَا يَتَقَرَّرُ رُجُوعٌ إلَّا عِنْدَ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ (قُلْتُ) قَدْ قَالَ سَحْنُونٌ بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَدَّى عِنْدَهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ زَرْبٍ وَلَنَا أَنْ
стр. 464
نَخْتَارَ أَنَّ الرَّسْمَ لِمُطْلَقِ رُجُوعٍ بَعْدَ الْأَدَاءِ الْعَامِلِ مِنْهُ وَغَيْرِ الْعَامِلِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا ثَبَتَ الرُّجُوعُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِدَيْنٍ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ ضَمَانُ الشَّاهِدَيْنِ فَهَلْ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهِ (قُلْتُ) نَقَلَ سَحْنُونٌ أَنَّ أَصْحَابَهُ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ الْغَرَامَةَ تَقَعُ مُطْلَقًا وَمِنْهُمَا مَنْ قَالَ لَا تَقَعُ الْغَرَامَةُ إلَّا إذَا قَالُوا زَوَّرْنَا وَأَمَّا إنْ قَالُوا وُهِمْنَا فَلَا، فَانْظُرْ ذَلِكَ وَأَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ هُنَا إلَى فَائِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْخَطَأُ وَالْعَمْدُ سَوَاءٌ مَعْنَاهُ فِي الْعَمَلِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ وَأَمَّا الْمَأْذُونُ فِيهِ فَلَا تَقَعُ التَّسْوِيَةُ كَالرَّاعِي يَضْرِبُ الشَّاةَ ضَرْبَ مِثْلِهَا وَكَذَا يُقَالُ فِي الشَّاهِدِ إنَّهُ مَطْلُوبٌ بِالشَّهَادَةِ اُنْظُرْهُ.
[بَابُ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ]
: بَابُ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ اشْتِمَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَا يُنَافِي الْأُخْرَى التَّعَارُضُ فِي اللُّغَةِ مَعْلُومٌ وَهُوَ التَّدَافُعُ وَالتَّمَانُعُ وَالتَّنَافُرُ كُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ.
وَالْبَيِّنَتَانِ هُمَا الشَّهَادَتَانِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ وَالْبَيِّنَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يُعَبِّرْ بِتَعَارُضِ الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُنْدَرِجُ نَصًّا تَحْتَ كِتَابِ الشَّهَادَةِ (قُلْتُ) إنَّمَا عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ وَأَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ الْحَدِيثَ فَلَمَّا وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِالْبَيِّنَةِ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ فِي الْقَاعِدَةِ رَاعَى الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِمَا وَقَعَ فِيهِ التَّعَارُضُ وَلِذَا عَبَّرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ قَدَّمْت وَقَرَّرْت أَنَّ عَادَةَ الشَّيْخِ ﵀ إذَا كَانَ لَفْظًا مُضَافًا يُرَاعِي الْمَعْنَى اللَّقَبِيَّ وَالْمَعْنَى الْإِضَافِيَّ إنْ وَقَعَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنًى لَقَبِيٍّ عَرَّفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَهُنَا لَمْ يُعَيِّنْ لَقَبًا وَلَا إضَافَةً (قُلْتُ) الْمَعْنَى الْإِضَافِيُّ هُنَا شَرْعًا يَتَقَرَّرُ عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ فَنَاسَبَ تَفْسِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ اشْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا يُنَافِي الْأُخْرَى وَفِيهِ بَحْثٌ قَوْلُهُ " اشْتِمَالُ كُلٍّ " مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ اجْتَمَعَ فِيهَا مَا دَلَّتْ بِهِ عَلَى مُنَافَاةِ الْأُخْرَى إمَّا صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَيْنَبَ فِي وَقْتِ كَذَا فِي سَاعَةِ كَذَا وَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَ فَاطِمَةَ فِي وَقْتَ كَذَا فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ
стр. 465
فَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ كَذَّبَ صَاحِبَهُ فِي شَهَادَتِهِ فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُحْكَمُ بِالْأَعْدَلِ فَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا وَقِيلَ يُقْضَى بِهِمَا وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَجَبَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ وَشَهِدَتْ لِلْآخَرِ بَيِّنَةٌ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ ثَوْبَانِ آخَرَانِ غَيْرَ الثَّوْبِ الْمَذْكُورِ وَثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَخْذُ الثَّلَاثَةِ الْأَثْوَابِ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمِلْكِ]
(م ل ك) : بَابُ الْمِلْكِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " " اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ بِكُلِّ أَمْرٍ جَائِزٍ فِعْلًا أَوْ حُكْمًا لَا بِنِيَابَةٍ " ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ قَبْلَ هَذَا وَهُنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ يَعْسُرُ إدْرَاكُ الْمِلْكِ أَوْ يَتَعَذَّرُ فَلِذَا عَرَّفَهُ الشَّيْخُ هُنَا رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ قَوْلُهُ " اسْتِحْقَاقُ " الْمِلْكُ الْحَقِيقِيُّ إنَّمَا هُوَ لِمَالِكِ الْمُلُوكِ الْخَالِقِ لِلذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ فَلَا مَالِكَ حَقِيقَةً إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ مَالِكٌ لِلشَّيْءِ أَيْ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ وَلَمَّا عَسِرَ مَعْنَاهُ قَالَ بَعْضُهُمْ يَتَعَذَّرُ إدْرَاكُهُ قَوْلُهُ اسْتِحْقَاقُ اسْتِفْعَالٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ طَلَبَ تَحَقُّقِ الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْإِذْنِ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ أَدَلُّ عَلَى ثُبُوتِ التَّصَرُّفِ وَلِأَنَّ الطَّلَبَ لَا يَسْتَدْعِي حُصُولَ الْمَطْلُوبِ وَالْمَقْصِدُ اللَّازِمُ الْمُسَاوِي لِلْمِلْكِ وَهُوَ الْجِنْسُ الْمُقَيَّدُ وَهُوَ عَرْضِيٌّ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ لِأَنَّ الْمِلْكَ مِنْ مَقُولَةِ الْعَرَضِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْمِلْكُ الشَّرْعِيُّ أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ فَهُوَ مَعْنَى شَرْعِيٌّ وَصِفَةٌ فَهَلَّا قَالَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ كَمَا قَالَ فِي الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا اسْتِحْقَاقَ التَّصَرُّفِ أَوْ جَوَازَ التَّصَرُّفِ.
(قُلْتُ) لَعَلَّهُ لَاحَظَ فِي الْمِلْكِ مَعْنَى الْإِضَافَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَلِذَا لَمْ يُصَيِّرْ ذَلِكَ مِثْلَ الطَّهَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلِذَا فَسَّرَهُ بِمَا يُنَاسِبُ الْإِضَافَةَ فَاسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ كَوْنُ الشَّخْصِ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ تَصَرَّفَ فِعْلًا أَمْ لَا وَهُوَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ قَوْلُهُ " التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ " أَخْرَجَ بِهِ اسْتِحْقَاقَ غَيْرِ التَّصَرُّفِ كَاسْتِحْقَاقِ الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقَعُ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَقَدْ وُجِدَ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِهِ اسْتِحْقَاقُ مَا نَذْكُرُهُ قَالَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ إنَّمَا هُوَ ثَمَرَةُ الْمِلْكِ لَا نَفْسُهُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ اسْتَحَقَّ فُلَانٌ
стр. 466
التَّصَرُّفَ لِأَجْلِ الْمِلْكِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ فَالْمِلْكُ غَيْرُ الِاسْتِحْقَاقِ (قُلْتُ) وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى مَنْ حَدَّ الدَّلَالَةَ بِالْفَهْمِ قِيلَ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّلَالَةَ غَيْرُ الْفَهْمِ لِصِحَّةِ قَوْلِنَا فَهِمْت الْمَعْنَى لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ هُنَا وَيَقُولَ إذَا قُلْنَا إنَّ الْمِلْكَ هُوَ الِاسْتِحْقَاقُ فَنَمْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُقَالُ عِلَّةُ اسْتِحْقَاقِ التَّصَرُّفِ هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ كَالشِّرَاءِ مِنْ مَالِكٍ أَوْ إقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ عَلَى أَصْلِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَمَا فِيهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ غَيْرُ التَّصَرُّفِ فَالْمِلْكُ عِنْدَ الشَّيْخِ ﵀ هُوَ الِاسْتِحْقَاقُ الَّذِي هُوَ كَوْنُ الشَّخْصِ لَهُ أَهْلِيَّةٌ فِي كَمَالِ التَّصَرُّفِ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ إنَّ الشَّاهِدَ إذَا شَهِدَ بِالْمِلْكِ يَشْهَدُ بِطُولِ الْحِيَازَةِ وَالْحَائِزُ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْمَالِكُ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ لَهُ فَالْمِلْكُ الْمَشْهُودُ بِهِ لَيْسَ هُوَ الِاسْتِحْقَاقُ الْمَذْكُورُ وَإِنَّمَا هُوَ طُولُ الْحِيَازَةِ مَعَ التَّصَرُّفِ (قُلْتُ) هَذَا صَحِيحٌ وَلَا بُدَّ مِنْ مُسَامَحَةٍ فِي كَلَامِهِمْ وَيَتَأَوَّلُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ أَخْرَجَ بِهِ اسْتِحْقَاقَ غَيْرِ التَّصَرُّفِ كَاسْتِحْقَاقِ الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقَعُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَوْلُهُ " بِكُلِّ أَمْرٍ " أَخْرَجَ بِهِ الِاسْتِحْقَاقَ بِبَعْضِ الْأُمُورِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ كَمَنْ اسْتَحَقَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَنَافِعِ فِي الشَّيْءِ فَلَا مِلْكَ لَهُ فِي الشَّيْءِ قَوْلُهُ " جَائِزٍ " أَخْرَجَ بِهِ التَّصَرُّفَ بِغَيْرِ الْأَمْرِ الْجَائِزِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمِلْكِ لِأَنَّ إتْلَافَ الْمَالِ وَإِضَاعَتَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ بِالْمِلْكِ.
قَوْلُهُ بِكُلِّ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَرُّفِ قَوْلُهُ " فِعْلًا " حَالٌ مِنْ التَّصَرُّفِ قَوْلُهُ أَوْ حُكْمًا كَذَلِكَ وَأَدْخَلَ فِي الْأَوَّلِ الْفِعْلِيَّ وَالثَّانِي الْحُكْمِيَّ وَلِذَا قَالَ فَيَدْخُلُ مِلْكُ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ حُكْمِيٌّ لَا فِعْلِيٌّ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ حُكْمًا قَوْلُهُ " لَا بِنِيَابَةٍ " أَخْرَجَ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُقَدَّمِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ حُكْمًا (قُلْتُ) مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ قَدَّرَ تَصَرُّفَهُ بِكُلِّ وُجُوهِ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ لَمَا مَنَعَهُ مَانِعٌ كَمَنْ تَصَرَّفَ فِعْلًا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِثُبُوتِ مِلْكِ الصَّبِيِّ أَوْ السَّفِيهِ كَيْفَ يَصِحُّ وَالشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ أَنْ تَطُولَ الْحِيَازَةُ وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْمَالِكُ وَلَا مُنَازِعَ لَهُ قَالُوا وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْحِيَازَةُ فَلَا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْمِلْكِ (قُلْت) يَشْهَدُونَ بِأَنَّ الدَّارَ فِي حَوْزِ السَّفِيهِ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ مَعَ إمْكَانِ تَصَرُّفِهِ فِعْلًا وَلَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ بَعْدُ
стр. 467
وَحُصُولُ الْعِلْمِ بِالْمِلْكِ لِلشَّاهِدِ نَظَرِيٌّ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ يَعْنِي أَنَّهُ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِطُولِ حِيَازَةٍ مَعَ التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ أَوْ يَشْهَدُوا بِالْغَنِيمَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَلَامٌ يُنَاسِبُهُ تَأَمَّلْهُ مَعَ مَا هُنَا وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هُنَا ﵀ فِي أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ لَا بُدَّ أَنَّ الشَّاهِدَ يَزِيدُ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْخُرُوجَ عَلَى الْمِلْكِ وَمَا وَجَّهَ بِهِ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ بِمُتَعَلِّقِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ وَخَالَفَ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ بِالْعَدَمِ وَالْعَدَالَةِ وَكَانَ يَمْضِي لَنَا فِيهِ تَأَمُّلٌ اُنْظُرْهُ وَنَقَلَ الشَّيْخُ ﵀ هُنَا عَنْ سَحْنُونَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ سُوقٍ فَلَا يَشْهَدُ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ وَهَذَا جَارٍ عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْحِيَازَةِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَلِذَا قَالُوا لَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ مِلْكٌ لَهُ وَأَقَامَ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ لِذِي الْمِلْكِ وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ فِي الْأَقْضِيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَمَا أَقَامَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ اشْتِرَاءً يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فَرَاجِعْهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسَائِلِ الْإِحْيَاءِ إنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا بِخُطَّةٍ أَوْ شِرَاءٍ فَالشِّرَاءُ ظَاهِرُهُ يَقَعُ الْمِلْكُ بِهِ (قُلْت) الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّا لَا نَقُولُ بِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكٍ مُطْلَقًا لِأَنَّ هَذِهِ الْكُلِّيَّةَ لَا يَصِحُّ صِدْقُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ بَلْ إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُشْتَرَى مِنْهُ لَهُ مِلْكٌ فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَلِذَا قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ اشْتَرَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ يُشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ سُوقٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُهَا مَنْ لَا يَمْلِكُهَا وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ بِخُطَّةٍ بِإِقْطَاعٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ شِرَاءٍ مِنْ الْإِمَامِ فِيمَا ثَبَتَ مِلْكُهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَمَا أَصَّلْنَاهُ عَنْ سَحْنُونَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ الدَّعْوَى]
(د ع و) : بَابُ الدَّعْوَى الْمُرَادُ بِالدَّعْوَى هِيَ الْعُرْفِيَّةُ فِي اسْتِعْمَالِ أَصْحَابِ الْأَحْكَامِ مِمَّا يَنْطِقُ بِهِ الْمُدَّعِي لِأَنَّ الدَّعْوَى قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُسْلِمَةٍ لَكِنَّهَا بِحَيْثُ إذَا سُلِّمَتْ أَوْجَبَتْ حَقًّا قَالَ الشَّيْخُ " الدَّعْوَى قَوْلٌ هُوَ بِحَيْثُ لَوْ سُلِّمَ أَوْجَبَ لِقَائِلِهِ حَقًّا ".
стр. 468
قَوْلُهُ " قَوْلٌ " أَتَى بِالْقَوْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَبَرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ هُوَ الْغَالِبُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَحْكَامِ لِقَوْلِهِمْ تَقْيِيدُ مَقَالَةٍ وَقَوْلِ الْمُدَّعِي وَالْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِ فَنَاسَبَ ذَلِكَ هُنَا قَوْلُهُ " هُوَ بِحَيْثُ " الْحَيْثِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهَا مِثْلُ مَا قَدَّمَهُ فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنَّ الْقَوْلَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ فِي حَالَةِ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَفَادَ أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ الدَّعْوَى مَعَ اتِّصَافِهِ بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إذَا أَوْجَبَ حَقًّا لِقَائِلِهِ أَنْ لَا يُسَمَّى دَعْوَى لِأَنَّهُ إذَا أَوْجَبَ حَقًّا لِقَائِلِهِ فَقَدْ ثَبَتَتْ صِحَّتُهُ بِتَمَامِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الِاعْتِرَافِ بِهِ فَإِذَا قَالَ لِي عَلَيْك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتٍ كَمَا يَجِبُ فَهُوَ دَعْوَى لِاتِّصَافِ الْقَوْلِ بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِذَا سُلِّمَ ذَلِكَ فَلَا يُسَمَّى دَعْوَى وَيُسَمَّى حَقًّا ثَابِتًا وَهَذَا مُوَافِقٌ مَعْنًى لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَرْبَابُ الْمَعْقُولِ فِي الْخَبَرِ وَأَنَّ لَهُ حَالَاتٍ يَتَّصِفُ بِهَا فَيُقَالُ فِيهِ نَتِيجَةٌ بَعْدَ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِ وَيُقَالُ فِيهِ دَعْوَى قَبْلَ ذَلِكَ وَتَأَمَّلْ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ الْبَحْثِ فِي رَسْمِ الدَّلَالَةِ فِي قَوْلِهِمْ هِيَ كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ دَلَّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ " لَوْ سُلِّمَ " مَعْنَاهُ لَوْ قُدِّرَ تَسْلِيمُ الْقَوْلِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالشَّرْطُ وَالْجَوَابُ صِفَةٌ لِلْقَوْلِ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يُوجِبُ حَقًّا لِقَائِلِهِ فَلَا يُسَمَّى دَعْوَى شَرْعِيَّةً وَلَا يَلْزَمُ الْخَصْمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّعْوَى الْعُرْفِيَّةَ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إلْزَامُ الْجَوَابِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَجِبْ حُكْمٌ عَلَيْهِ وَلِقَائِلِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْحَقِّ.
وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ أَنْتَ زَانٍ وَمَا شَابَهَهُ فَإِنَّهُ لَوْ سُلِّمَ لَا يُوجِبُ لَهُ حَقًّا هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ وَيُنْظَرُ هَذَا فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ هَلْ يُسَمَّى دَعْوَى أَمْ لَا (فَإِنْ قُلْتَ) بَلْ يُوجِبُ حَقًّا لَهُ وَهُوَ إسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْهُ (قُلْتُ) الْمُرَادُ بِالْحَقِّ مَا يَطْلُبُهُ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْحَقُّ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ وَتَأَمَّلْ هَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا سَلَّمَ ذَلِكَ الْقَوْلَ غَيْرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَلْ تَصْدُقُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ أَوْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُنَازِعِ وَهُوَ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ " لِقَائِلِهِ " أَخْرَجَ بِذَلِكَ إذَا أَوْجَبَ الْقَوْلُ حَقًّا عَلَى قَائِلِهِ إذَا سَلَّمَهُ الْمَقُولُ لَهُ كَمَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ لَهُ عِنْدِي دِينَارٌ فَهَذَا قَوْلٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ أَوْجَبَ حَقًّا عَلَى قَائِلِهِ وَذَلِكَ مِنْ الْإِقْرَارِ فَأَخْرَجَ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الرَّسْمِ بِقَوْلِهِ لِقَائِلِهِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ رَجُلٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَهَذَا قَوْلٌ لَوْ سَلَّمَهُ السَّامِعُ مِنْ رَجُلٍ كَمَا إذَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ بِهِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ حَقًّا
стр. 469
لِقَائِلِهِ وَهُوَ عِصْمَةُ دَمِهِ وَمَالِهِ فَيَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ دَعْوَى وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الدَّعْوَى الْعُرْفِيَّةِ بِوَجْهٍ (قُلْتُ) قَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ نَظِيرِ هَذَا السُّؤَالِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ مَا يَطْلُبُهُ الْمُدَّعِي مِنْ مُنَازَعَةٍ وَنَقُولُ إنَّ عِصْمَةَ دَمِهِ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا بِالتَّسْلِيمِ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّخْصِيصِ فِي الدَّعْوَى الْمَحْدُودَةِ فِي الْحَدِّ بِالسِّيَاقِ وَأَنَّ الْمُرَادَ الدَّعْوَى الَّتِي يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ عَنْهَا وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قَسَّمُوا الدَّعْوَى إلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِي بِسَبَبِهَا شَيْءٌ وَمِنْهَا مَا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيَلْزَمُ بِهِ الْأَدَبُ وَالْأَوَّلُ إذَا كَذَّبَهُ الْعُرْفُ وَكَذَلِكَ مَا أَبْطَلَ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ كَدَعْوَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَنَّ الشُّهُودَ كَذَبُوا وَيَطْلُبُ يَمِينَهُمْ وَأَنَّ الْقَاضِي جَارَ عَلَيْهِ فَيُحَلِّفُهُ وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ الْأَدَبُ كَالدَّعْوَى عَلَى أَهْلِ الصَّلَاحِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
[بَابُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ]
(د ع و) : بَابُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَالَ ﵀ " الْمُدَّعِي مَنْ عَرِيَتْ دَعْوَاهُ مِنْ مُرَجِّحٍ غَيْرِ شَهَادَةٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ اقْتَرَنَتْ دَعْوَاهُ بِهِ " قَوْلُهُ " مَنْ عَرِيَتْ دَعْوَاهُ " مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهَا مَا يَشْهَدُ لَهَا عُرْفًا وَهُوَ الْمُرَجِّحُ لَهَا كَمَا إذَا قَالَ فِي ذِمَّتِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَهَذِهِ دَعْوَى لَا شَاهِدَ لَهَا عُرْفًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوْلُهُ " غَيْرِ شَهَادَةٍ " صِفَةٌ لِلْمُرَجِّحِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَجِّحَ إذَا كَانَ شَهَادَةً لَا يَخْرُجُ الْمُدَّعِي عَنْ مَعْنَاهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وَلَوْلَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي عَدَمِ الْعَكْسِ قَوْلُهُ " وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَخْ " مَعْنَاهُ الَّذِي اقْتَرَنَتْ دَعْوَاهُ بِمُرَجِّحٍ غَيْرِ شَهَادَةِ هَذَا مَعْنَاهُ لِأَنَّ الضَّمِيرَ مِنْ قَوْلِهِ بِهِ يَعُودُ عَلَى الْمُرَجِّحِ الْمَذْكُورِ بِصِفَتِهِ كَمَنْ ادَّعَى رَدَّ وَدِيعَةٍ كَانَتْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ لِأَنَّ الْعُرْفَ صَحَّحَ قَوْلَهُ فِي رَدِّهَا وَدَعْوَاهُ ذَلِكَ لَمْ يُخَالِفْ بِهِ أَصْلًا (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ رَجُلٌ لِي فِي ذِمَّةِ فُلَانٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُدَّعٍ لِأَنَّ قَوْلُهُ قَدْ تَجَرَّدَ عَنْ الْمُرَجِّحِ لَهُ فَيَصْدُقُ رَسْمُهُ عَلَيْهِ وَأَمَّا فُلَانٌ فَإِنَّهُ إذَا أَنْكَرَ
стр. 470
هَذِهِ الدَّعْوَى كَيْفَ يَصْدُقُ الرَّسْمُ عَلَيْهِ.
(قُلْتُ) قَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مُرَجِّحٌ فَصَحَّ صِدْقُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَعَهُ ذَلِكَ وَهُوَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِشَهَادَةٍ تَشْهَدُ لِلْمَطْلُوبِ كَمَا إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنْ يُقَالَ ضَمِيرُ بِهِ يَعُودُ عَلَى الْمُرَجِّحِ لَا بِصِفَتِهِ فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ وَمَسَائِلُ الدَّعْوَى وَالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَيْهَا يَنْبَنِي حُكْمُ الْقَضَاءِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ ثُمَّ قَالَ ﵀ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ يَبْطُلُ عَكْسُهُ بِالْمُدَّعِي وَمَعَهُ بَيِّنَةٌ قَالَ وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ (فَإِنْ قُلْتَ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الشَّهَادَةَ إذَا ثَبَتَتْ لَا يُقَالُ فِي الْقَائِمِ بِهَا مُدَّعٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَجَرَّدْ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ وَمَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ مِنْ الْحَدِيثِ لَا يُرَدُّ كَمَا قُلْنَاهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَمَّاهُ مُدَّعٍ قَبْلَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ وَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ إلَّا لَوْ سَمَّاهُ مُدَّعِيًا مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَلَنَا أَنْ نَقُولَ تَسْمِيَتُهُ مُدَّعِيًا بَعْدَ الْقِيَامِ بِهَا مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ (قُلْتُ) هَذَا مِمَّا يُمْكِنُ الْبَحْثُ بِهِ وَيَنْفَصِلُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِهِ عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي مُقَدِّمَاتِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ الْمُدَّعِي مَنْ قَالَ قَدْ كَانَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ وَمَنْ عَرَّفَهُمَا لَمْ يَلْتَبِسْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا تَجَرَّدَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِي فِي قَوْلِهِ قَدْ كَانَ مِنْ سَبَبٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى تَصْدِيقِ دَعْوَاهُ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَائِلِ لَمْ يَكُنْ بُدِّي عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ كَمَنْ حَازَ شَيْئًا عَلَى غَيْرِهِ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ فِي وَجْهٍ يَدَّعِي الشِّرَاءَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ يَقُولُ قَدْ كَانَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ ﵀ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِي مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى وَفْقِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ فَهَلْ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَوْ إلَى كَلَامِ الشَّيْخِ فِي رَسْمِهِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى كَلَامِ الشَّيْخِ وَرَسْمُهُ أَخْصَرُ مِنْهُ وَأَمْنَعُ لِزِيَادَةِ قَوْلِهِ غَيْرِ شَهَادَةٍ وَلَوْ قَالَ لَا بِشَهَادَةٍ لَكَانَ أَخْصَرَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ أَعْلَمُ.
[بَابُ النُّكُولِ]
(ن ك ل) :
стр. 471
بَابُ النُّكُولِ قَالَ ﵀ امْتِنَاعُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ يَمِينٌ مِنْهَا قَوْلُهُ " امْتِنَاعُ إلَخْ " أَدْخَلَ نُكُولَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ امْتِنَاعُ قَالُوا يَتَقَرَّرُ بِالتَّصْرِيحِ مِثْلُ قَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ أَوْ يَتَمَادَى عَلَى عَدَمِ الْيَمِينِ وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهَا يَعُودُ عَلَى الْيَمِينِ وَالْجِنْسُ مُنَاسِبٌ لِلنُّكُولِ لِأَنَّ النُّكُولَ مَصْدَرٌ وَيَدْخُلُ نُكُولُ أَحَدِهِمَا وَنُكُولُهُمَا (فَإِنْ قُلْتَ) النُّكُولُ هَلْ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْحَلِفِ مُطْلَقًا أَوْ إذَا وَقَعَ امْتِنَاعٌ فَهُوَ نُكُولٌ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ إذَا تَمَّ نُكُولُهُ ثُمَّ أَرَادَ الْحَلِفَ هَلْ يُمْكِنُ (قُلْتُ) ظَاهِرُ حَدِّهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَكَذَلِكَ النَّقْلُ عَنْ مَالِكٍ وَوَقَعَ لِابْنِ نَافِعٍ مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ رُجُوعِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْخُلْطَةِ]
(خ ل ط) : بَابُ الْخُلْطَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ " الْخُلْطَةُ حَالَةٌ تُرْفَعُ بَعْدَ تَوَجُّهِ الدَّعْوَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " قَوْلُ الشَّيْخِ " حَالَةٌ إلَخْ " (فَإِنْ قُلْتَ) هَلَّا قَالَ صِفَةٌ تُوجِبُ تَوَجُّهَ دَعْوَى الْمُدَّعِي لِأَنَّ الْخُلْطَةَ إذَا رُفِعَتْ بَعْدَ تَوَجُّهِ الدَّعْوَى فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَرُبَتْ تَوَجُّهَ الدَّعْوَى فِي حَقِّ الْمُدَّعِي فَلِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَهُوَ أَخْصَرُ (قُلْتُ) حَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُ تَضَمَّنَ سُؤَالَيْنِ لِأَيِّ شَيْءٍ عَبَّرَ بِالْحَالَةِ فِي الْجِنْسِ وَلَمْ يَقُلْ صِفَةٌ كَعَادَتِهِ فَيَقُولُ صِفَةٌ تُوجِبُ رَفْعَ إلَخْ وَلِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ تُوجِبُ تَوَجُّهَ الدَّعْوَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَاهُ وَقَرَّرْنَاهُ وَلَعَلَّ الْجَوَابَ عَنْهُ ﵀ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى كَلَامَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِنَقْلِ الْمَازِرِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْخُلْطَةُ أَنْ يُبَايِعَ إنْسَانٌ إنْسَانًا بِالدَّيْنِ مَرَّةً أَوْ بِالنَّقْدِ مِرَارًا وَنَقَلَ عَنْ الْبَغْدَادِيِّينَ إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ كَوْنُ الدَّعْوَى تُشْبِهُ وَنَقَلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ بَعْضِهِمْ هِيَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى تُشْبِهُ أَنْ يَدَّعِيَ بِهَا عَلَى مِثْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَنْ يُشْبِهَ أَنْ يُعَامِلَ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مِثْلِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ قَالَ وَهَذَانِ الْحَدَّانِ مُتَقَارِبَانِ أَحَدُهُمَا رَاعَى الشَّبَهَ فِي جِنْسِ الْمُدَّعَى فِيهِ وَالْآخَرُ
стр. 472
رَاعَاهُ فِي جِنْسِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعَى فِيهِ وَالتَّحْقِيقُ اعْتِبَارُ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فِي النَّوَازِلِ فَلَمَّا رَأَى الشَّيْخُ ﵀ هَذَا الِاضْطِرَابَ رَأَى أَنَّ ضَبْطَ ذَلِكَ بِحَالِ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى رَفْعٍ بَعْدَ تَوَجُّهِ الدَّعْوَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ ثَبَتَ مِنْ حَالِ الْمُدَّعِي وَحَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُعَامِلْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِوَجْهٍ فَتِلْكَ الْحَالَةُ تَرْفَعُ تَوَجُّهَ دَعْوَى الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لَازِمُ الدَّعْوَى وَإِذَا سَلَّمْنَا ذَلِكَ عَلِمْنَا سِرَّ كَوْنِهِ قَالَ تَرْفَعُ وَلَمْ يَقُلْ تُوجِبُ وَعَلِمْنَا سِرَّ كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ صِفَةٌ لِأَنَّ هَذِهِ أَحْوَالٌ إنَّمَا هِيَ قَرَائِنُ عَادِيَةٌ لَا صِفَاتٌ وَذَكَرَ الشَّيْخُ رَسْمَهَا وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ عَدَمَ اعْتِبَارِهَا قَالَ وَعَمِلَ قُضَاتُنَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَرْحَمُهُ بِمَنِّهِ.
[بَابُ الْعَمْدِ فِي الْقَتْلِ]
(ع م د) : بَابُ الْعَمْدِ فِي الْقَتْلِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ الْقَتْلُ الْعَمْدُ مَا قُصِدَ بِهِ إتْلَافُ النَّفْسِ بِآلَةٍ تَقْتُلُ غَالِبًا وَلَوْ بِمُثْقَلٍ أَوْ بِإِصَابَةِ الْمَقْتَلِ كَعَصْرِ الْأُنْثَيَيْنِ وَشِدَّةِ الضَّغْطِ وَالْخَنْقِ زَادَ ابْنُ الْقَصَّارِ أَوْ يُطْبِقُ عَلَيْهِ بَيْتًا وَيَمْنَعُهُ الْغِذَاءَ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا قَوْلُهُ " بِإِصَابَةِ الْمَقْتَلِ " بِسُكُونِ الْقَافِ كَذَا فِي مُبَيَّضَتِهِ قَوْلُهُ " مَا قُصِدَ بِهِ إتْلَافُ النَّفْسِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْإِتْلَافُ فِي النَّفْسِ بِآلَةٍ لَا تَقْتُلُ غَالِبًا وَظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ قَصْدِ الْقَتْلِ فِي الْعَمْدِ وَفَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْعَمْدَ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقْصِدَ الضَّارِبُ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ قَالَ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَصْدِ الْقَتْلِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ هُنَا ﵀ ذَكَرَ الْكَلَامَ عَنْ التَّلْقِينِ وَذَكَرَ قَبْلَهُ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ وَأَنَّهُ الْعَمْدُ إلَى الضَّرْبِ وَهُنَا ذَكَرَ عَنْ التَّلْقِينِ مَا يُخَالِفُهُ وَلَمْ يَقُلْ طَرِيقَتَيْنِ فِي تَعْرِيفِ الْعَمْدِ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَأَى الْكَلَامَ قَابِلًا لِلْجَمِيعِ وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا مَا رَأَيْته وَهُوَ بَعِيدٌ قَوْلُهُ " وَلَوْ بِمُثْقَلٍ " تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُحَدِّدَ وَالْمُثْقِلَ شَيْئَانِ وَبَاقِيهِ ظَاهِرٌ وَيَعْنِي بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ رَجُلٍ بِلَطْمَةٍ أَوْ بُنْدُقَةٍ إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْقَوَدَ إذَا وَقَعَ مِنْهُ مَوْتٌ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَهَلْ قَوْلُهَا مُخَالِفٌ لِهَذَا أَمْ لَا (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ التَّلْقِينِ وَالشَّيْخِ ﵁ ذَكَرَ نَصَّهَا بَعْدَهُ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى الْمُخَالَفَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الضَّرْبَةُ بِلَطْمَةٍ قَوِيَّةٍ فِي مَكَان يَقْتُلُ غَالِبًا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَضْرُوبُ ضَعِيفًا وَالضَّارِبُ قَوِيًّا
стр. 473
وَيَقَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَذَكَرَ بَعْدُ فِي سَبَبِ الْقَتْلِ أَنَّ مَنْ طَرَحَ حَيَّةً تَعَرَّفَ أَنَّهَا قَاتِلَةٌ أَنَّ الطَّارِحَ يُقْتَلُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ قَالَ الشَّيْخُ (قُلْتُ) مُقْتَضَى قَوْلِهَا إنْ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ لَطْمَةٍ مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ عَدِمَ شَرْطَ مَعْرِفَةِ أَنَّهَا قَاتِلَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ فَتَأَمَّلْ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الْقَتْلِ]
(ق ت ل) : بَابٌ فِي الْقَتْلِ الْقَتْلُ زُهُوقُ نَفْسِهِ بِفِعْلِهِ نَاجِزًا أَوْ عَقِبَ غَمْرَتِهِ الْقَتْلُ الْمَحْدُودُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْقِصَاصَ بِشَرْطِ مَا ذَكَرَ قَوْلُهُ " زُهُوقُ نَفْسِهِ " الضَّمِيرُ عَائِدٌ لِلْمَقْتُولِ (فَإِنْ قُلْت) النَّفْسُ بِسُكُونِ الْفَاءِ مَعْلُومٌ وَالنَّفَسُ بِفَتْحِهَا كَذَلِكَ فَهَلْ الْمُرَادُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي (قُلْتُ) الْأَوَّلُ وَهُوَ خُرُوجُ رُوحِ الْمَقْتُولِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِزُهُوقِهَا لَكِنَّ خُرُوجَهَا عَلَى قِسْمَيْنِ إمَّا لِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ آدَمِيٍّ وَإِمَّا بِفِعْلٍ مِنْ قَاتِلٍ وَهُوَ الْقَتْلُ وَلِذَا قَالَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِزُهُوقِهَا وَقَوْلُهُ نَاجِزًا أَشَارَ إلَى حَالَتَيْ خُرُوجِ رُوحِهِ وَكُلٌّ فِيهِمَا الْقِصَاصُ وَقَوْلُهُ أَوْ عَقِبَ غَمْرَتِهِ أَيْ زُهُوقِ نَفْسِهِ عَقِبَ غَمْرَتِهِ بِسَبَبِ الْفِعْلِ فَهَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِلْقَوَدِ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ قَبْلُ وَلَوْ قَالَ إزْهَاقُ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَنْسَبَ فِي الْمَقُولَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابٌ فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ مِنْ الْقَاتِلِ]
ِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ ﵀ مَحْضُ عَمْدِ قَتْلٍ لِلْمُسْلِمِ الْمُكَافِئِ أَوْ الرَّاجِحِ عَلَيْهِ عُدْوَانًا إنْ كَانَ الْقَاتِلُ بَالِغًا عَاقِلًا قَوْلُهُ " مَحْضُ عَمْدِ " يَعْنِي مَا تَمَحَّضَ لِلْعَمْدِ وَتَعَيَّنَ لَهُ أَخْرَجَ الْخَطَأَ وَالْأَدَبَ فِيمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَدَبُ وَكَذَلِكَ الْمُتَصَارِعَانِ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ كَذَا وَقَعَ فِيهَا عَلَى أَنَّ اللَّعِبَ فِيهِ خِلَافٌ قِيلَ فِيهِ الْخَطَأُ وَقِيلَ فِيهِ الْقَوَدُ وَقِيلَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَأَمَّا مَنْ طَرَحَ رَجُلًا فِي نَهْرٍ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَفِيهَا فِيهِ الْقَوَدُ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَانْظُرْ هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَعْلَمَ الطَّارِحُ أَنَّ الْمَطْرُوحَ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ أَمْ لَا اُنْظُرْهُ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ عُدْوَانًا الْقَتْلَ الْجَائِزَ كَالْقِصَاصِ قَوْلُهُ " إذَا كَانَ الْقَاتِلُ بَالِغًا " أَخْرَجَ الصَّبِيَّ وَ " عَاقِلًا " أَخْرَجَ الْمَجْنُونَ وَمَنْ شَابَهَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْعَاقِلِ سَكْرَانًا مِنْ
стр. 474
خَمْرٍ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا قَتَلَ فِي حَالِ سُكْرِهِ (قُلْتُ) ظَاهِرُهُ كَمَا ذَكَرَ السَّائِلُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُهُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ أَخْرَجَ بِهِ إذَا قَتَلَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ وَالْقَاتِلُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ حُرًّا أَوْ عَبْدًا قَوْلُهُ الْمُكَافِئِ يَعْنِي الْمُوَافِقَ فِي الْمَنْزِلَةِ كَمَا إذَا قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ جَرَحَهُ وَالرَّاجِحُ كَمَا إذَا قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرٌ مُسْلِمًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْقَوَدِ]
ِ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ التَّسَبُّبُ بِفِعْلِ مَا قَصَدَ بِهِ قَتْلَ مُعَيَّنٍ مَاتَ عَنْهُ قَوْلُهُ بِفِعْلِ فَيَدْخُلُ فِيهِ أَيَّ فِعْلٍ كَانَ إمَّا بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ بِتَقْدِيمِ طَعَامٍ مَسْمُومٍ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِيهَا وَالسُّمُّ الْمَذْكُورُ سَوَاءٌ أَطْعَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ دَسَّ فِي طَعَامٍ وَمَا وَقَعَ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀ فِي إكْمَالِهِ فِي حَدِيثِ الْيَهُودِيَّةِ خِلَافُ نَصِّهَا لِأَنَّهُ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السُّمَّ إذَا كَانَ فِي طَعَامٍ لَا يَقْتُلُ بِهِ مَنْ فَعَلَهُ وَقَدْ رَأَيْت بِخَطِّ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ ﵀ عَلَى ظَهْرِ مُدَوَّنَتِهِ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِنَصِّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَذَلِكَ مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ مُسَافِرًا عَالِمًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مَنْعُهُ وَأَنَّهُ يَمُوتُ إنْ لَمْ يَسْقِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَوَقَعَ فِيهَا مَا يَشْهَدُ لَهُ وَخَرَجَتْ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ اُنْظُرْهَا (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا أَمْسَكَ رَجُلٌ رَجُلًا لِمَنْ أَرَادَ قَتْلَهُ قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ قُتِلَا مَعًا هَلْ يَدْخُلُ هَذَا فِي التَّسَبُّبِ (قُلْتُ) نَعَمْ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ظُلْمًا وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاعْتِرَاضَ الشَّيْخِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالُوا هُنَا إذَا اجْتَمَعَ الْمُتَسَبِّبُونَ وَالْمُبَاشِرُونَ قُتِلُوا مَعًا وَأَصْلُهَا مَسْأَلَةُ الْمُوَطَّإِ الْمَذْكُورَةُ وَقَالُوا بَعْدُ الْمُبَاشِرُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَدَفَعَهُ آخَرُ وَانْظُرْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الشَّهَادَةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ وَانْظُرْ بَيِّنَةَ الزُّورِ وَمَا قِيلَ فِيهَا فِي الرُّجُوعِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَتَأَمَّلْ مَا قَيَّدَ بِهِ الشَّيْخُ ذَلِكَ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ بَلْ إنْ حَصَلَ التَّمَالِي مِنْ مُتَسَبِّبٍ وَمُبَاشِرٍ قُتِلَ الْجَمِيعُ بِخِلَافِ إذَا لَمْ يَقَعْ التَّمَالِي فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ الْمُبَاشِرُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا وَاجَرَّ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ الْمُبَاشِرُ لِلْقَتْلِ فَالْقَوَدُ عَلَيْهِ وَالْأَدَبُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ فِيهِ السَّبَبُ الْأَوَّلُ لِلْقَوَدِ (قُلْتُ) لَا نُسَلِّمُ صَادِقِيَّتَهُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 475
[بَابٌ فِي التَّسَبُّبِ الْمُوجِبِ لِلدِّيَةِ فِي الْمَالِ]
يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ التَّسَبُّبُ بِعَمَلٍ قُصِدَ بِهِ قَتْلُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ إنْ قُتِلَ بِهِ الْمَقْصُودُ.
[بَابٌ فِي التَّسَبُّبِ الْمُوجِبِ لِلدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ]
يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ فِعْلٌ قُصِدَ بِهِ قَتْلُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ قَتَلَ بِهِ غَيْرَهُ وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ قُصِدَ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَحَفْرِ بِئْرٍ لِسَارِقٍ فَإِنْ مَاتَ بِهِ الْمَقْصُودُ وَهُوَ السَّارِقُ كَانَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ غَيْرُ السَّارِقِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَتَأَمَّلْ الْمُدَوَّنَةَ وَكَلَامَ أَبِي إبْرَاهِيمَ عَلَيْهَا كَيْفَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُوجِبِ لِحُكْمِ الْخَطَإِ]
ِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ فِعْلٌ قُصِدَ بِهِ حِفْظُ الْمَالِ بِمَحَلٍّ مَحْجُورٍ عَنْهُ هَذَا إنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَطَإِ فَيُفْصَلُ فِيهِ فَمَا بَلَغَ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِلَّا فَفِي مَالِ الْجَانِي وَلَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ هَذِهِ الْأَسْبَابَ ذَكَرَ مَسَائِلَ فِقْهِيَّةً فِيهَا حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَذَكَرَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَسْأَلَةَ وَضْعِ السَّيْفِ بِالطَّرِيقِ لِقَتْلِ رَجُلٍ وَمَاتَ قَالَ يُقْتَلُ بِهِ قَالَ وَإِنْ عَطِبَ بِهِ غَيْرُهُ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ وَانْظُرْ حَفْرَ الْبِئْرِ وَكَذَلِكَ رَشُّ الْفِنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُفَرَّعَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ وَتَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ ذِكْرِ تَسَبُّبِهِ وَفِيهِ مَا يُتَأَمَّلُ.
[بَابُ الْخَطَأِ فِي الدِّمَاءِ]
ِ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ ﵁ عَلَى قَتْلِ الْعَمْدِ وَعَلَى فِعْلِ الْعَمْدِ وَسَبَبِ الْعَمْدِ هُنَا قَالَ وَالْخَطَأُ سَيَأْتِي فِي دِيَاتِهَا وَهُوَ هَذَا قَالَ ﵀ هُوَ مَا مُسَبَّبُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِفَاعِلِهِ ظُلْمًا قَالَ ﵀ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ حُكْمٌ يَخُصُّهُ فَيَنْبَغِي تَعْرِيفُهُ فَذَكَرَ مَا رَأَيْت قَوْلُهُ " مَا مُسَبَّبُهُ " أَيْ الْفِعْلِ الَّذِي مُسَبَّبُهُ وَهُوَ الْقَتْلُ أَوْ الْجَرْحُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِفَاعِلِهِ مِثَالُهُ إذَا رَمَى طَائِرًا بِسَهْمٍ فَأَصَابَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ جَرَحَهُ فَقَتْلُ الرَّجُلِ قَتْلُ خَطَإٍ لِأَنَّ الْمُسَبَّبَ وَهُوَ الْقَتْلُ غَيْرُ
стр. 476
مَقْصُودٍ لِفَاعِلِ سَبَبِهِ بَلْ قَصْدُهُ لِطَائِرٍ فَأَصَابَ قَتْلَ رَجُلٍ وَغَيْرُ مَقْصُودٍ خَبَرٌ عَنْ مُسَبَّبِهِ وَمَا نَكِرَةٌ مَوْصُولَةٌ قَوْلُهُ " ظُلْمًا " حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْمَقْصُودِ أَوْ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ تَمْيِيزٌ مِنْ نِسْبَةِ الْمَقْصُودِ إلَى ضَمِيرِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسَبَّبَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلْفَاعِلِ فِي حَالَةِ كَوْنِ الْمُسَبَّبِ ظُلْمًا قَالَ الشَّيْخُ فَيَخْرُجُ شِبْهُ الْعَمْدِ يَعْنِي كَقَذْفِ الْأَبِ وَلَوْ بِحَدِيدَةٍ فَمَاتَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ شِبْهُ الْعَمْدِ لَا دِيَةُ الْخَطَأِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَقْصُودٌ ظُلْمًا بِالْإِطْلَاقِ فَإِنَّ الْأَبَ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ وَلَدِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ رَمْيُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ مَظِنَّةَ قَتْلِهِ فَلَوْ لَمْ يَزِدْ قَوْلُهُ ظُلْمًا لَكَانَ حَدُّهُ غَيْرَ مُطَّرِدٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ ﵁ وَإِنْ بِقَوْلِهِ ظُلْمًا خَرَجَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ شِبْهِ الْعَمْدِ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْخَطَإِ فَيُقَالُ عَلَيْهِ إنْ صَحَّ ذَلِكَ يَكُونُ ظُلْمًا حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ إلَى الْفَاعِلِ فَإِنْ خَرَجَ مَا ذَكَرَ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْهُ مَا ذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ خَطَأٌ إذَا قَصَدَ عَيْنَ إنْسَانٍ ظُلْمًا فَمَاتَ إنْسَانٌ مِنْ ضَرْبِهِ وَلَا يَصِحُّ إدْخَالُهُ فِي الْخَطَأِ بِغَيْرِ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ الصُّوَرِ فَتَأَمَّلْهُ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَقْصُودٌ غَيْرُهُ ظُلْمًا بِالْإِطْلَاقِ وَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ الْإِطْلَاقِ فِي كَلَامِهِ أَيْضًا وَبَعْدَ أَنْ شَرَحْت هَذَا الرَّسْمَ الْمَذْكُورَ كَمَا رَأَيْته مِنْ نُسْخَةٍ مِنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ بِخَطٍّ نُقِلَ لِي عَنْ مُبَيَّضَتِهِ مَا حَصَلَ لِي الْعِلْمُ بِأَنَّ الرَّسْمَ الْمَذْكُورَ فِيهَا غَيْرُ هَذَا وَنَصُّهُ مَا مُسَبَّبُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِفَاعِلِهِ بِاعْتِبَارِ صِنْفِهِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ فَيَخْرُجُ قَتْلُ حُرٍّ مُحْتَرَمٍ إلَخْ وَلَمْ يَذْكُرْ شِبْهَ الْعَمْدِ كَمَا ذَكَرَ فِي غَيْرِهَا فَلْنُشِرْ لِمَا فِيهِ بَعْدُ ثُمَّ قَالَ ﵁ وَقَتْلُ حُرٍّ مُحْتَرَمٍ كَذَبَ قَصْدُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فُلَانَ بْنِ فُلَانٍ.
وَقِيلَ حُرٌّ مُسْلِمٌ بِفِعْلٍ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ حُرٌّ غَيْرُهُ عُدْوَانًا لِأَنَّهُ عَمْدٌ وَلِذَا اقْتَصُّوا مِمَّنْ قَتَلَ خَارِجَةَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِإِثْبَاتِ قَوْلِهِ أَرَدْت عَمْرًا أَوْ أَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ ﵀ يُحَقِّقُ بِهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ شَخْصًا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَإِذَا بِهِ غَيْرُهُ فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَمْدِ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ حَدِّ الْخَطَأِ وَكَذَلِكَ إذَا قُتِلَ حُرٌّ مُحَرَّمَ الدَّمِ بِفِعْلٍ قَصَدَ حُرَّ غَيْرِهِ عُدْوَانًا فَإِنَّهُ عَمْدًا أَيْضًا وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْحَدِّ بِالْقَيْدِ قَالَ وَلِذَا اقْتَصُّوا مِمَّنْ قَتَلَ خَارِجَةَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِإِثْبَاتِ قَوْلِهِ أَرَدْت عَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ ثُمَّ قَالَ ﵀ وَإِنْ قَصَدَ بِفِعْلِهِ قَتْلَ غَيْرِ آدَمِيٍّ فَمَاتَ بِهِ آدَمِيٌّ قَالَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا خَطَأٌ وَأُخْرَى إذَا قَصَدَ إتْلَافَ غَيْرِ حَيَوَانٍ ظُلْمًا وَالْأَحْرَوِيَّةُ ظَاهِرَةٌ وَهَذَانِ دَاخِلَانِ فِي رَسْمِ الْخَطَأِ وَيَدْخُلُ فِي الْخَطَأِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ فِعْلًا
стр. 477
أَصْلًا أَحْرَى وَأَوْلَى وَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَ فِعْلًا مُبَاحًا وَنَشَأَ عَنْهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ وَغَيْرُ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ كَلَامًا يَحْتَاجُ إلَى فَهْمٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا فِيهِ فَهْمٌ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْمُبْتَدَأِ فِي كَلَامِهِ خَبَرٌ وَنَظَرْت الْمُبَيَّضَةَ وَوَجَدَتْ فِيهَا مِثْلَ هَذَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُسَهِّلُ فَهْمَهُ فَلْنَرْجِعْ إلَى شَرْحِ مَا فِي الْمُبَيَّضَةِ وَالِاهْتِمَامُ بِهِ أَوْجَبَ قَوْلَهُ مَا مُسَبَّبُهُ إلَى قَوْلِهِ لِفَاعِلِهِ مِثْلُ مَا قَدَّمْنَا قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ صِنْفِهِ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْفِعْلِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَطَأَ هُوَ مَا كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ مُسَبَّبًا غَيْرَ مَقْصُودٍ لِفَاعِلِ الْفِعْلِ بِاعْتِبَارِ صِنْفِ الْفِعْلِ فَالْفِعْلُ إذَا كَانَ فِيهِ قَصْدُ قَتْلِ آدَمِيٍّ فَصَادَفَ غَيْرُهُ مُسَبَّبُهُ مَقْصُودٌ بِاعْتِبَارِ قَتْلِ صِنْفِ الْآدَمِيِّ فَهُوَ عَمْدٌ لَا خَطَأٌ بِخِلَافِ إذَا قَصَدَ قَتْلَ طَائِرٍ فَمَاتَ رَجُلٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِاعْتِبَارِ صِنْفِ الْفِعْلِ.
وَلَمَّا كَانَ شِبْهُ الْعَمْدِ يُقْصَدُ إخْرَاجُهُ وَلَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ زَادَ ذَلِكَ وَهُوَ صِفَةٌ لِلْفِعْلِ فَخَرَجَ ذَلِكَ لَكِنْ أَشْكَلَ كَلَامُهُ لِمَا قَالَ فِيهِ الظَّاهِرُ خَطَأٌ فَتَأَمَّلْهُ لِأَنَّهُ مِنْ مَوَاقِفِ الْعَقْلِ وَهُنَا مَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَتَأَمَّلْ قَالَ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ قِيلَ لِلشَّيْخِ ﵀ الرَّسْمُ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ بَعْضِ صُوَرِ الْعَمْدِ فِيهِ وَهُوَ إذَا ضَرَبَهُ بِلَطْمَةٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا يُقْتَصُّ مِنْ الضَّارِبِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى اللَّطْمَةِ هُوَ السَّبَبُ لَا الضَّرْبُ سَبَبٌ فَتَأَمَّلْ هَذَا وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِيمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا التَّلَفُ]
قَالَ ﵀ السَّبَبُ الْعَرِيُّ عَنْ قَصْدِ التَّلَفِ إنْ كَانَ عَدَاءً فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَنْ نَاوَلَ صَبِيًّا سِلَاحًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسْكِهِ فَمَاتَ الصَّبِيُّ وَكَذَا إنْ نَاوَلَهُ حَجَرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ وَكَذَا مَا هَلَكَ مِنْ سَائِقٍ أَوْ رَاكِبٍ وَقَائِدٍ وَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَصْلَ وَمَا ذَكَرَ فِيهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ عَدَاءً إذَا لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ فِيهِ عَدَاءً كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ فِي جَانِبِ حَائِطِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ مَأْذُونٍ وَكَذَلِكَ مَنْ أَرْسَلَ نَارًا فِي أَرْضِهِ مَعَ أَمْنٍ مِنْهَا وَتَأَمَّلْ مَا فِي ذَلِكَ.
стр. 478
[بَابٌ فِيمَا يَتَقَرَّرُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ الْخَطَإِ]
قَالَ ﵀ مَا مَعْنَاهُ الْخَطَأُ عَلَى الْحُرِّ الَّذِي لَا شُبْهَةَ عَمْدٍ فِيهِ هُوَ الثُّلُثُ قَوْلُهُ " الْخَطَأُ عَلَى الْحُرِّ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا وَقَعَ فِي عَبْدٍ قَوْلُهُ " لَا شُبْهَةَ فِيهِ عَمْدًا " أَخْرَجَ بِهِ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ وَضَعِيفَةٌ فَمَا قَوِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ عَمْدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي كَالْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِالزُّورِ فِي قَتْلٍ وَمَا ضَعُفَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَيْضًا كَمَنْ أَرْسَلَ نَارًا فِي غَيْرِ أَمْنِ فَمَاتَ مِنْهَا حُرٌّ وَمَا تَوَسَّطَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ فَقِيلَ عَلَى الْجَانِي وَقِيلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَالطَّبِيبِ الْمُخْطِئِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْقَطْعِ]
(ق ط ع) : بَابُ الْقَطْعِ هُوَ إبَانَةُ بَعْضِ الْجِسْمِ.
[بَابٌ فِي الْكَسْرِ]
(ك س ر) : بَابٌ فِي الْكَسْرِ هُوَ إزَالَةُ اتِّصَالِ عَظْمٍ لَمْ يُبْنَ.
[بَابٌ فِي الْجَرْحِ]
(ج ر ح) : بَابٌ فِي الْجَرْحِ هُوَ تَأْثِيرُ الْجِنَايَةِ فِي الْجِسْمِ.
[بَابٌ فِي إتْلَافِ مَنْفَعَةٍ مِنْ الْجِسْمِ]
هُوَ تَأْثِيرُ الْجِنَايَةِ فِي غَيْرِ الْجِسْمِ هَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ ﵀ فِي تَقْسِيمِ مُتَعَلِّقِ الْجِنَايَةِ اُنْظُرْهُ وَالْمَقْصِدُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ إلَّا فِي جِنَايَةِ أَدْنَى عَلَى أَعْلَى كَمَا إذَا قَطَعَ عَبْدٌ يَدَ حُرٍّ فَالْمَشْهُورُ لَا قِصَاصَ وَتَلْزَمُ الدِّيَةُ اُنْظُرْهُ وَفِيهِ مَسَائِلُ بَابٌ فِي أَسْمَاءِ الْجِرَاحِ وَتَفْسِيرِهَا
هَذِهِ الْأَلْقَابُ ظَاهِرَةٌ فِيهَا وَأَصْلُهَا مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ ﵀ فَلَا نُطِيلُ بِهَا.
стр. 479
[بَابٌ فِي الْأَحَقِّ بِالدَّمِ]
قَالَ ﵀ ابْنُ رُشْدٍ إنَّهُ ذُو تَعْصِيبِ بُنُوَّةٍ أَقْرَبُهُ يَحْجُبُ أَبْعَدَهُ ثُمَّ ذُو الْأُبُوَّةِ أَقْرَبُهُ يَحْجُبُ أَبْعَدَهُ وَوَلَدُ الْأَقْرَبِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ فِي الْأَبِ دَنِيَّةٌ وَالْأَعْمَامُ فِي غَيْرِهِ يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبِيهِ كَالْأَحَقِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الْحَدَّ كَالْأُخُوَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[كِتَابُ الدِّيَاتِ]
(ود ي) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّه عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الدِّيَاتِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " الدِّيَةُ مَالٌ يَجِبُ بِقَتْلِ آدَمِيٍّ حُرٍّ عَنْ دَمِهِ أَوْ بِجُرْحِهِ مُقَدَّرًا شَرْعًا لَا بِاجْتِهَادٍ " قَوْلُهُ " مَالٌ " حُبِسَ لِلدِّيَةِ مُوَافِقٌ لَهَا فِي مَقُولَتِهَا قَوْلُهُ " يَجِبُ بِقَتْلِ آدَمِيٍّ " أَخْرَجَ بِهِ مَالًا وَجَبَ بِغَيْرِ قَتْلٍ بَلْ بِاسْتِهْلَاكٍ أَوْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ " آدَمِيٍّ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ قَتْلِ الْآدَمِيِّ بَلْ بِقَتْلِ حَيَوَانٍ غَيْرِ عَاقِلٍ وَفِيهِ الْقِيمَةُ قَوْلُهُ " حُرٍّ " أَخْرَجَ بِهِ قَتْلَ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ فِيهِ قِيمَةٌ لَا دِيَةٌ قَوْلُهُ " عَنْ دَمِهِ " يُخْرِجُ بِهِ مَا يَجِبُ مِنْ دَيْنٍ يُعَجِّلُ بِقَتْلِ مَدِينِهِ قَلَّ أَجَلُهُ فَلَوْلَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَنَقَضَ طَرْدُهُ بِهَا قِيلَ عَلَيْهِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الْقَيْدِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ يَجِبُ بِالْقَتْلِ يَمْنَعُ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي وَجَبَ بِالْمَوْتِ تَعْجِيلُ الدَّيْنِ لَا وُجُوبُ الدَّيْنِ قَوْلُهُ " أَوْ بِجُرْحِهِ " عَطْفٌ عَلَى قَتْلِ لِيُدْخِل دِيَةَ الْعَيْنِ وَالْيَدِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ دِيَةِ الْأَعْضَاءِ قَوْلُهُ " مُقَدَّرًا شَرْعًا إلَخْ " أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ مُقَدَّرًا شَرْعًا مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّرْعُ مِمَّا اصْطَلَحَا بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ أَوْ بِجُرْحِهِ يُقَالُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ بِبَعْضِ الْمَنَافِعِ كَمَا إذَا لَطَمَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ فَإِنَّهُ لَا جُرْحَ فِيهِ وَفِيهِ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ فَلَوْ قَالَ بِجُرْحٍ أَوْ ذَهَابُ مَنْفَعَةٍ لَصَحَّ (قُلْتُ) هَذَا يُظْهِرُ قَوْلَهُ " لَا بِاجْتِهَادٍ " أَخْرَجَ الْحُكُومَةَ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ الشَّرْعِيَّ يَكُونُ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَبَعْدَ أَنْ شَرَحْنَا الْحَدَّ الْمَذْكُورَ مِنْ نُسَخٍ كَثِيرَةٍ وَتَحَقَّقْت أَنَّ ذَلِكَ مِثْلُهُ فِي الْمُبَيَّضَةِ وَجَدْنَا فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى زِيَادَاتٍ عَلَى الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ قَالَ يَجِبُ بِقَتْلِ نَفْسٍ آدَمِيٍّ حُرٍّ أَوْ مِثْلِهَا حُكْمًا
стр. 480
أَوْ جُزْئِهِ أَوْ بِجُرْحِهِ مُقَدَّرًا شَرْعًا فَزَادَ نَفْسٌ وَزَادَ أَوْ مِثْلُهَا حُكْمًا وَزَادَ أَوْ جُزْؤُهُ وَالْجُزْءُ عَطْفٌ عَلَى النَّفْسِ وَفِيهِ تَجَوُّزٌ ظَاهِرٌ وَيَدْخُلُ فِيهِ قَطْعُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ مِنْ الْأَعْضَاءِ وَأَوْرَدْنَا عَلَيْهِ الْمَنَافِعَ وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا جُزْءٌ أَوْ كَالْجُزْءِ وَمُنِعَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ أَوْ مِثْلُهَا يَدْخُلُ فِيهِ الْقُوَّةُ أَيْ مِثْلُ النَّفْسِ حُكْمًا لَا أَنَّهَا نَفْسٌ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ فِي حَدِّ الْغُرَّةِ بِأَنَّهَا دِيَةٌ وَلَا تَدْخُلُ فِي حَدِّ الْمُبَيَّضَةِ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَدُخُولُ إذْهَابِ الْمَنَافِعِ فِي الْحَدَّيْنِ فِيهِ نَظَرٌ وَكَذَا مَنْ سُقِيَ سُمًّا فَاسْوَدَّ أَوْ السِّنُّ إذَا جَرَى لَهَا ذَلِكَ وَقَوْلُهُ لَا بِاجْتِهَادٍ عَطْفٌ عَلَى الشَّرْعِ وَيَكُونُ شَرْعًا نُصِبَ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ وَأَصْلُهُ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ لَا بِالِاجْتِهَادِ (فَإِنْ قُلْتَ) هَذَا الْقَيْدُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِوَفَاءِ قَوْلِهِ مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ بِذَلِكَ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ رَفَعَ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْحُكُومَةَ مِنْ أَصْلِ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ وَإِذْنِهِ (فَإِنْ قُلْت) رَسْمُ الشَّيْخِ لِلدِّيَةِ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضَ الشُّيُوخِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْلِ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مَالٌ إلَخْ فَالْحَدُّ صَادِقٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدِيَةٍ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْقَاتِلِ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ لَا الرَّقَبَةُ وَتَحْرِيرُهَا لَيْسَ بِمَالٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] فَأَوْجَبَ عِتْقَهَا (فَإِنْ قُلْتَ) عِتْقُهَا إنَّمَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ مِلْكِهِ لَهَا فَقَدْ صَدَقَ الْمِلْكُ عَلَى مَالٍ تَقَرَّرَ الْمِلْكُ فِيهِ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (قُلْنَا) لَمَّا قَالَ مَالٌ يَجِبُ فِي قَتْلٍ اقْتَضَى أَنَّ الْمَالَ وَجَبَ لِذَاتِهِ وَالْكَفَّارَةَ لَمْ يَجِبْ فِيهَا الْمَالُ قَصْدًا وَإِنَّمَا وَجَبَ الْعِتْقُ فِي مِلْكٍ فَالْفَرْقُ قَائِمٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابٌ فِي الدِّيَةِ الْمُخَمَّسَةِ]
(ود ي) : بَابٌ فِي الدِّيَةِ الْمُخَمَّسَةِ فِي الْبَدْوِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مُخَمَّسَةً بِنْتَ مَخَاضٍ وَبِنْتَ لَبُونٍ وَابْنَ لَبُونٍ وَحَقَّةً.
[بَابٌ فِي دِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ]
(ود ي) : بَابٌ فِي دِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَالْفِضَّةُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
[بَابٌ فِي الْمُرَبَّعَةِ فِي الْإِبِلِ]
ِ فِي الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ مُبْهَمَةً مَا ذَكَرَ فِي الدِّيَةِ بِطَرْحِ ابْنَةِ لَبُونٍ هَذَا مَعْنَى مَا أَخَذَ مِنْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
стр. 481
[بَابٌ فِي الْمُرَبَّعَةِ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ]
ِ أَلْفُ دِينَارٍ.
[بَابٌ فِي الْمُثَلَّثَةِ فِي أَهْلِ الْإِبِلِ]
ِ دِيَةُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ الْمُغَلَّظَةُ عَلَيْهِمْ حَقَّةٌ وَجَذَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ خَلِيفَةً.
[بَابٌ فِي الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ فِي أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ]
(ود ي) : بَابٌ فِي الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ فِي أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ
وَيُؤْخَذُ رَسْمُهَا مِنْ نَصِّهَا أَنْ نَقُولَ هِيَ الدِّيَةُ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى دِيَةِ الْخَطَأِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جُزْؤُهَا الْمُسَمَّى لِلْخَارِجِ مِنْ تَسْمِيَةِ فَضْلِ قِيمَةِ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةً عَلَى قِيمَةِ الْإِبِلِ فِي الْخَطَإِ هَذَا الْكَلَامُ مَعْنَاهُ أَنَّ الدِّيَةَ تَكُونُ مُخَمَّسَةً مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَاثْنَا عَشَر أَلْفًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَتَكُونُ مُثَلَّثَةً وَهِيَ الْمُغَلَّظَةُ فِي أَصْلِ الْإِبِلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا أَهْلُ الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ فَإِنَّهَا تُغَلَّظُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الرَّسْمِ فَتُحْفَظُ دِيَةُ الْخَطَإِ فِي الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْإِبِلِ فِي الْمُغَلَّظَةِ يَعْنِي فِي الْمُخَمَّسَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الْفَاضِلِ بَيْنَهُمَا وَيُنْسَبُ مِنْ قِيمَةِ الْخَطَإِ فَبِقَدْرِ تِلْكَ النِّسْبَةِ يُحْمَلُ عَلَى دِيَةِ الْوَرِقِ أَوْ الذَّهَبِ وَيَكُونُ هُوَ الْوَاجِبَ وَهُوَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الدِّيَةِ وَمِنْ الْجُزْءِ الْمُسَمَّى مِنْهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[بَابُ الْغُرَّةِ]
(غ ر ر) : بَابُ الْغُرَّةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ الْغُرَّةُ دِيَةُ الْجَنِينِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ حُكْمًا يُلْقَى غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ الْغُرَّةُ فِي اللُّغَةِ مَعْلُومَةٌ وَفِي الشَّرْعِ مَا رَسَمَهَا بِهِ قَوْلُهُ " دِيَةٌ " أَتَى بِنَجَسِ الدِّيَةِ لِأَنَّهَا مِنْ الدِّيَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّ الدِّيَةِ صَادِقٌ مِمَّا ذَكَرَ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ وَبِذَلِكَ يَكُونُ حَدُّ الدِّيَةِ صَادِقًا عَلَيْهَا وَلِذَا حَسُنَ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي بَابِ الدِّيَةِ قَوْلُهُ " الْجَنِينُ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْجَنِينِ وَالْجَنِينُ مَعْلُومٌ شَرْعًا قَالَ ﵀ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا عُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ وَإِنْ كَانَ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ مُصَوَّرًا قَالَ الشَّيْخُ ﵁ ظَاهِرُهُ أَنَّ الدَّمَ الْمُجْتَمَعَ لَغْوٌ وَوَقَعَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّهُ حَمْلٌ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخ هُنَا ﵀ -
стр. 482
اسْتَطْرَدَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْجَنِينِ وَذَكَرَ تَعَقُّبَ شَيْخِهِ وَأَجَابَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ اتَّبَعَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ وَأَيِّدْهُ بِقَوْلِ عِيَاضٍ مَنْ اتَّبَعَ غَيْرَهُ فِي أَمْرِ تَعَقُّبٍ فَهُوَ بِمَنْجَاةٍ مِنْهُ وَالتَّعَقُّبُ خَاصٌّ بِالْأَوَّلِ (قُلْت) إذَا صُحِّحَ ﵀ هَذَا وَاعْتَرَضَ بِهِ فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ اعْتِرَاضُهُ فِي كَثِيرٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَيَقُولُ قَبِلُوهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ هُنَا وَحَاصِلُهُ إنْ صُحِّحَ مَا هُنَاكَ بَطَلَ جَوَابُهُ هُنَا بِمَا ذَكَرَ فَتَأَمَّلْهُ ثُمَّ إنَّ كَلَامَ عِيَاضٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي مَدَارِكِهِ وَأَنَّ الْبَرَادِعِيَّ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ اعْتِرَاضَاتِهِ لِأَنَّ الْبَرَادِعِيَّ سَبَقَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فَالِاعْتِرَاض عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَهَذَا كَلَامٌ وَجَدَتْهُ بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِذَةِ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ﵀ هَذَا كَلَامٌ غَيْرُ بَيِّنٍ لِأَنَّ الْبَرَادِعِيَّ رَضِيَ بِهِ وَمَنْ رَضِيَ بِقَوْلٍ قَالَ بِهِ لِأَنَّ التَّصْوِيبَ وَالتَّخَطِّيَةَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ قَوْلُهُ " الْمُسْلِمِ " أَخْرَجَ بِهِ الْكَافِرَ قَوْلُهُ " الْحُرِّ " أَخْرَجَ بِهِ الْعَبْدَ قَوْلُهُ " حُكْمًا " قَيْدٌ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ لِيَدْخُلَ فِيهِ جَنِينُ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ زَوْجِهَا الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُكْمًا وَيَدْخُلَ فِيهِ جَنِينٌ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهَا لِأَنَّهُ حُرٌّ حُكْمًا قَوْلُهُ " يُلْقَى غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا لَمْ يُلْقَ وَإِذَا أُلْقِيَ مُسْتَهِلًّا صَارِخًا قَوْلُهُ " بِفِعْلِ آدَمِيٍّ " أَخْرَجَ إذَا كَانَ بِفِعْلِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مُبَاشِرًا وَغَيْرَ مُبَاشِرٍ (قُلْتُ) أَمَّا الْمُبَاشِرُ فَهُوَ كَذَلِكَ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ (فَإِنْ قُلْتَ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ أَنَّهُ إذَا اسْتَهَلَّ فَلَيْسَ بِغُرَّةٍ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَكِنْ هَلْ يَكُونُ فِيهِ الدِّيَةُ مُطْلَقًا أَوْ تَصْدُرُ فِيهِ قِصَاصٌ (قُلْتُ) أَمَّا إنْ كَانَ الضَّرْبُ خَطَأً فَالدِّيَةُ وَهَلْ بِقَسَامَةٍ أَمْ لَا فِيهِ تَفْصِيلٌ وَأَمَّا إنْ كَانَ الضَّرْبُ عَمْدًا عَلَى الْبَطْنِ فَفِيهِ الْقَوْدُ بِقَسَامَةٍ وَقِيلَ الدِّيَةُ وَأَمَّا لَوْ ضَرَبَ غَيْرَ الْبَطْنِ فَفِيهِ الدِّيَةُ (فَإِنْ قُلْتَ) الْجَنِينُ إذَا أُلْقِيَ مَيِّتًا قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ فَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ الْغُرَّةِ فِيهِ وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا فَلَا تَجِبُ الْغُرَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْحَدُّ صَادِقٌ عَلَيْهَا (قُلْتُ) لَعَلَّ الرَّسْمَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَشْهُورِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا انْفَصَلَ بَعْضُهُ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَظَاهِرُ حَدِّهِ بِقَيْدِهِ أَنَّهُ لَا تَكُونُ فِيهِ غُرَّةٌ إذَا لَمْ يَنْفَصِلْ كُلُّهُ وَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ الرَّسْمَ أَعَمُّ مِنْ الْمَشْهُورِ وَغَيْرِهِ (قُلْت) الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ أَنْكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرٍ الرِّوَايَاتِ وَنَصُّ الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ لَا غُرَّةَ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا ضَرَبَ امْرَأَةً فَأَلْقَتْ جَنِينَيْنِ
стр. 483
فَإِنْ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ غُرَّةٌ (قُلْتُ) الْحَدُّ صَادِقٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْجَنِينِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ لَهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ اُنْظُرْهُ هُنَاكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْلِ]
(ك ف ر) : بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْلِ تَجِبُ فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ خَطَأً قَوْلُهُ " الْحُرِّ " أَخْرَجَ الْعَبْدَ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ اسْتِحْبَابُهَا (فَإِنْ قُلْتَ) الْجَنِينُ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ الْكَفَّارَةُ إذَا ضَرَبَهَا وَأَلْقَتْ جَنِينًا (قُلْت) قَالَ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قَتْلِ الْحُرِّ خَطَأً وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الْجَنِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ " الْمُسْلِمِ " أَخْرَجَ الْكَافِرَ قَوْلُهُ " خَطَأً " أَخْرَجَ الْعَمْدَ (فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُهُ تَجِبُ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَفِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ (قُلْتُ) الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْآيَةُ تُخْرِجُ قَاتِلَ نَفْسِهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ لِامْتِنَاعِ تَصَوُّرِ هَذَا الْجُزْءِ مِنْ الْكَفَّارَةِ فِيهِ وَإِذَا بَطَلَ الْجُزْءُ بَطَلَ الْكُلُّ (قُلْتُ) هَذَا صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الْآيَةِ وَالرَّسْمُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُخْرِجُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ " خَطَأً " أَخْرَجَ الْعَمْدَ وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ الْكَفَّارَةَ (قُلْتُ) ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ بِخِلَافِ نَصِّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْلِ]
(ك ف ر) : بَابٌ فِي الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْلِ الْكَفَّارَةُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الْآيَةَ وَشَرْطُهَا كَالظِّهَارِ فَانْظُرْ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ الْقَسَامَةِ]
(ق س م) : بَابُ الْقَسَامَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ وَتَقَعُ بِهِ الْقَسَامَةُ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ جُزْأَهَا عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ قَوْلُهُ ﵀ " حَلَفَ " مَعْلُومٌ شَرْعًا وَلُغَةً وَهُوَ جِنْسٌ لِلْقَسَامَةِ وَقَدْ فَسَّرَهَا الشَّارِعُ بِذَلِكَ لَا يُقَالُ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْحَلِفِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِلْمَحْلُوفِ بِهِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ قَوْلُهُ " خَمْسِينَ يَمِينًا " أَمَّا الْعَمْدُ وَالْقِصَاصُ فَلَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ يَحْلِفُ وَاحِدٌ خَمْسًا وَعِشْرِينَ تُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ
стр. 484
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يُقْتَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الدَّمُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ وَخَارِجُ الْمَذْهَبِ فِيهِ خِلَافٌ قَوْلُهُ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا إمَّا مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَتُوَزَّعُ الْخَمْسُونَ عَلَى ذَلِكَ.
(فَإِنْ قِيلَ) إذَا كَانَ الْوُلَاةُ أَزْيَدَ مِنْ خَمْسِينَ كَالسِّتِّينَ وَلِيًّا فَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا يَجْتَزِئُ بِخَمْسِينَ مِنْهُمْ فَهَذِهِ قَسَامَةٌ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ يَمِينًا (قُلْت) قَالُوا أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصَحِّ وَمَا بِهِ الْعَمَلُ قَوْلُهُ " أَوْ جُزْأَهَا " مَعْنَاهُ أَوْ حَلَفَ جُزْءَ خَمْسِينَ يَمِينًا لِيَدْخُلَ بِهِ حَلِفُ وَرَثَةِ الدَّمِ فِي دِيَةِ الْخَطَإِ فَإِنَّهَا عَلَى قَدْرِ الْمَوَارِيثِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَتْرُكْ الْمَيِّتُ إلَّا بِنْتًا بِغَيْرِ عَصَبَةٍ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا عَاصِبٌ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا فَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ الْحَلِفُ بِجُزْءِ خَمْسِينَ لَا بِالْخَمْسِينَ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الصُّوَرِ إذَا قُسِمَتْ الْخَمْسُونَ عَلَى الْوَرَثَةِ لَا إنْ كَانَتْ بِأَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَإِنْ وَجَبَ التَّكْمِيلُ فِي الْكَسْرِ فَيُشْكِلُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْحَلِفَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ فَتَأَمَّلْهُ قَوْلُهُ " عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا لِتُهْمَةِ دَمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَسَامَةٍ فَيَخْرُجُ بِهِ حَلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَتْ الْأَوْلِيَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَسَامَةٍ وَكَذَا تَخْرُجُ مَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ إذَا قَتَلَ رَجُلٌ وَهَرَبَ وَاتُّبِعَ أَوْ دَخَلَ فِي دَارٍ وَوُجِدَتْ جَمَاعَةٌ قَالُوا يَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ يَمِينًا وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ.
(فَإِنْ قُلْتَ) مَا قَرَرْت بِهِ كَلَامَهُ ﵀ أَنَّ الْقَسَامَةَ عُرْفًا إنَّمَا هِيَ الْحَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ اقْتَضَى أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي فَقَطْ وَقَدْ وَقَعَ لَهُمْ لَمَّا تَكَلَّمُوا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَسَمَّوْهُ قَسَامَةً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (قُلْت) ذَلِكَ وَإِنْ صَحَّ فَإِنَّهُ مُتَأَوِّلٌ عَلَى التَّجَوُّزِ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا تَرَكَ بِنْتًا وَحَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ حَظَّهَا ثُمَّ رَجَعَتْ وَرَدَّتْ ثُمَّ طَرَأَتْ أُخْتٌ لَهَا قَالُوا تَحْلِفُ الثَّانِيَةَ بِقَدْرِ حَظِّهَا فَقَطْ لِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِالْخَمْسِينَ يَمِينًا قَبْلَهَا فَيُقَالُ هَذِهِ قَسَامَةٌ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ وَهُوَ قَدْ حَصَرَهَا فِي الْخَمْسِينَ وَجُزْئِهَا فَالْحَدُّ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ (قُلْتُ) لَا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْوَاجِبَ فِي الْقَسَامَةِ حَلَفَ خَمْسِينَ أَوْ جُزْأَهَا وَالزَّائِدُ هُنَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ أَوْ جُزْأَهَا.
(فَإِنْ قُلْت) الشَّيْخُ ﵀ لَمْ يَذْكُرْ فِي رَسْمِهِ شَرْطَ حَالِفِ الْقَسَامَةِ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ الْقَسَامَةُ أَنْ يَحْلِفَ
стр. 485
الْوَارِثُونَ الْمُكَلَّفُونَ فِي الْخَطَإِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى خَمْسِينَ مُتَوَالِيَةً عَلَى الْبَتِّ وَلَوْ كَانَ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا فَاشْتُرِطَ التَّكْلِيفُ وَاشْتُرِطَ الْوِرَاثَةُ مِنْ الْحَالِفِ (قُلْتُ) ابْنُ الْحَاجِبِ ﵀ ذَكَرَ أَوَّلًا الْقَسَامَةَ فِي الْخَطَإِ ثُمَّ ذَكَرَ الْقَسَامَةَ فِي الْعَمْدِ وَالشَّيْخُ هُنَا ﵀ أَتَى بِمَا يَعُمُّ الْأَمْرَيْنِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى شَرْطِ مَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَعُمُّ صَحِيحَهَا وَفَاسِدَهَا أَوْ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ وَإِثْبَاتُ الدَّمِ إنَّمَا يَكُونُ بِحَلِفِ الْمُكَلَّفِ شَرْعًا فَإِذَا حَلَفَ مَنْ لَا مَيْزَ لَهُ فَلَيْسَ بِقَسَامَةٍ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ رَسْمَهُ لَمَّا كَانَ صَحِيحًا وَفَاسِدًا فَتَأَمَّلْهُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لَمْ يَقُلْ حَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ وَذَلِكَ شَرْطٌ فِي الْقَسَامَةِ فَإِنْ حَلَفَ الْأَجَانِبُ لَا يُسَمَّى قَسَامَةً شَرْعِيَّةً (قُلْت) يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ الرَّجُلَيْنِ فِي الْعَمْدِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ سَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ اعْتَرَضَ هَذَا الرَّسْمَ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهِ مَا يُبْحَثُ بِهِ مَعَهُ ﵀ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ.
[بَابٌ فِي سَبَبِ الْقَسَامَةِ]
(س ب ب) : بَابٌ فِي سَبَبِ الْقَسَامَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُبُوتُ مَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِإِضَافَةِ قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ لِآدَمِيٍّ (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ ﵀ ذَكَرَ الْقَسَامَةَ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ وَعَرَّفَهُ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَكَسَ (قُلْتُ) هَذَا صَحِيحٌ وَقَدْ اعْتَرَضَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كَوْنِهِ قَدَّمَ تَعْرِيفَ سَبَبِ الْقَسَامَةِ عَلَى الْقَسَامَةِ قَالَ وَالتَّرْتِيبُ يَأْبَاهُ فَلَعَلَّ الشَّيْخَ رَأَى صَوَابَ الِاعْتِرَاضِ فَذَكَرَ مَا رَأَيْت (فَإِنْ قِيلَ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا سَبَبٌ وَالْقَسَامَةَ مُسَبِّبَةٌ وَالسَّبَبُ مُتَقَدِّمٌ طَبْعًا فَالْوَاجِبُ تَقْدِيمُهُ وَضْعًا كَمَا صَنَعَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَكَيْفَ يَقُولُ وَالتَّرْتِيبُ يَأْبَاهُ بَلْ التَّرْتِيبُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَمَا وَجْهُ قَوْلِ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (قُلْنَا) وَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَصَوُّرُ الْقَسَامَةِ سَابِقًا عَلَى تَصَوُّرِ سَبَبِهَا وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ لَهُ أَثَرٌ فِي وُجُودِهَا خَارِجًا كَانَ الْوَاجِبُ تَقْدِيمَ تَصَوُّرِ الْقَسَامَةِ قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ " ثُبُوتُ مَا هُوَ مَظِنَّةٌ " مَعْنَاهُ وُجُودُ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ لِإِضَافَةِ قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَإِنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ الثَّابِتَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى نِسْبَةِ قَتْلِ حُرٍّ مُسْلِمٍ لِآدَمِيٍّ وَذَلِكَ يَكُونُ بِدَلِيلٍ مِنْ مَوَاضِعِ اللَّوْثِ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَأَخْرَجَ بِهِ الدَّلِيلَ الْقَوِيَّ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْقَتْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْقَتْلَ مِنْ غَيْرِ
стр. 486
قَسَامَةٍ إذَا مَاتَ فَوْرًا وَقَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ وَلِآدَمِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِإِضَافَةِ قَوْلِهِ " قَتْلُ حُرٍّ مُسْلِمٍ " أَخْرَجَ بِهِ قَتْلَ الْعَبْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ سَبَبًا فِي الْقَسَامَةِ وَكَذَلِكَ قَتْلُ الْكَافِرِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ سَبَبًا فِيهَا أَيْضًا قَوْلُهُ " لِآدَمِيٍّ " أَطْلَقَ فِي الْآدَمِيِّ وَأَخْرَجَ بِهِ الْإِضَافَةَ إلَى حَيَوَانٍ لَا يَعْقِلُ وَلِآدَمِيٍّ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ مُكَلَّفًا وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ الْقَتْلُ الْأَطْرَافَ وَالْجِرَاحَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ قَسَامَةٌ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ ثُبُوتُ مَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِإِضَافَةِ الْقَتْلِ لِآدَمِيٍّ إنْ عَمَّ ذَلِكَ جَمِيعَ الْحَالَاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْأَسْبَابِ مِنْ مَحَلِّ اللَّوْثِ فَفِيهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَشْهُورٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُمُومٌ يَقَعُ فِيهِ إبْهَامٌ فِي مَقَامِ الْإِفْهَامِ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ الْعُمُومُ وَالرَّسْمُ لِمَا يَعُمُّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفَ فِيهِ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُهُ قَتْلُ حُرٍّ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ لَيْسَ فِيهِ قَسَامَةٌ (قُلْت) كَذَلِكَ قَالَ الْبَاجِيُّ عَنْ الْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ وَقِيلَ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَسَامَةٍ وَقَدْ حَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الذِّمِّيُّ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فِيهِ أَيْضًا أَقْوَالٌ وَعَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّ وُلَاتَهُ يَقْسِمُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ يُخْرِجُ عَنْهُ قَسَامَةَ مَنْ ثَبَتَ ضَرْبُهُ بِبَيِّنَةٍ وَتَرَاخَى مَوْتُهُ بِذَلِكَ يَعْنِي فَإِنَّ فِيهِ الْقَسَامَةَ وَلَا يَصْدُقُ عَنْهُ رَسْمُهُ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَتْلٌ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ وَلِذَا عَدَلَ الشَّيْخُ عَنْ ذِكْرِ الْقَتْلِ فِي رَسْمِهِ إلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الثُّبُوتِ إلَخْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي اللَّوْثِ]
(ل وث) : بَابٌ فِي اللَّوْثِ قَالَ ﵀ سُمِعَ الْقَرِينَانِ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ قَوْلُهُ " هُوَ الْأَمْرُ " ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ أَنَّهُ ارْتَضَى هَذَا التَّعْرِيفَ وَالْأَمْرُ جِنْسُ اللَّوْثِ وَأَطْلَقَهُ عَلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ الدَّالِهِ عَلَى الْقَتْلِ قَوْلُهُ " الَّذِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ " أَخْرَجَ بِهِ الْبَيِّنَةَ وَالْإِقْرَارَ فَإِنَّهُمَا أَمْرَانِ قَوِيَّانِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ لَوْثَانِ هَلْ ذَلِكَ لَوْثٌ أَقْوَى مِنْ اللَّوْثِ (قُلْتُ) يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا لَيْسَا بِأَمْرٍ قَوِيٍّ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ بُعْدُ الرِّوَايَاتِ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ تَعَدُّدَ اللَّوْثِ لَوْثٌ لَا شَهَادَةٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرَ بَعْدُ أَنَّ اللَّوْثَ اللَّطْخُ الْبَيِّنُ مِثْلُ اللَّفِيفِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ فَهَلْ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْقَرِينَيْنِ فِي قَوْلِهِمَا
стр. 487
الَّذِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ لِأَنَّ اللَّطْخَ الْبَيِّنَ أَيْ الْوَاضِحِ فِي كَوْنِهِ لَطْخًا (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ فِيهَا إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ بِمَحَلَّةِ قَوْمٍ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ وَيَصْدُقُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ قَوِيٍّ فَيَكُونُ الرَّسْمُ غَيْرَ مُطَّرِدٍ.
(قُلْت) مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ تَأَوَّلَهَا ابْنُ يُونُسَ وَقَيَّدَهَا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَجُلٌ مُلَطَّخٌ وَبِيَدِهِ آلَةٌ وَفِيهَا وَفِي نَظِيرِهَا خِلَافٌ وَالتَّعْرِيفُ لِلْمَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَانْظُرْ فِيهَا كَلَامَ ابْنِ سَهْلٍ وَمَا نُقِلَ مِنْ الْعَمَلِ وَكَلَامَ خَلِيلٍ وَعِيَاضٍ وَكَلَامَ الشَّيْخِ بَعْدُ وَمَا وَقَعَ لِابْنِ يُونُسَ (فَإِنْ قُلْتَ) اللَّوْثُ الْمَعْرُوفُ هُوَ لَوْثٌ مُقَيَّدٌ وَهُوَ لَوْثُ الْقَتْلِ وَحَدُّهُ أَعَمُّ فَيَلْزَمُ عَدَمُ طَرْدِهِ (قُلْت) لِلْمَانِعِ أَنْ يَمْنَعَ أَنَّ الْمَحْدُودَ اللَّوْثُ الْمُقَيَّدُ بَلْ الظَّاهِرُ إطْلَاقُهُ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ الْأَعَمُّ عُلِمَ اللَّوْثُ الْمُقَيَّدُ لِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ الْإِنْسَانُ عَلِمْنَا مَاهِيَّةَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ مَا دَلَّ عَلَى قَتْلِ الْقَاتِلِ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ مَا لَمْ يَكُنْ بِإِقْرَارٍ أَوْ كَمَالِ بَيِّنَةٍ فِيهِ أَوْ فِي نَفْيِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّوْثِ لَوْثٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ (قُلْت) هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ اللَّوْثَ الشَّرْعِيَّ صَارَ لَقَبًا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالسِّيَاقُ يُقَيِّدُ مَا ذَكَرَ وَإِنْ وَقَعَ فِي السَّرِقَةِ وَمَا شَابَهَهَا إطْلَاقُ اللَّطْخِ وَاللَّوْثِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ لَا مُطْلَقٌ (فَإِنْ قُلْتَ) زِيَادَاتُ قَوْدِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الشَّيْخُ ﵀ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي رَسْمِهِ (قُلْت) أَمَّا قَوْلُهُ قَتْلٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَإِنَّ صَوَابَهُ التَّقْيِيدُ لِيَكُونَ الرَّسْمُ مُطَّرِدًا وَقَوْلُهُ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ هَذَا قَرِيبٌ مِمَّا قَدَّمْنَا فِي قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَجَمَعْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسْمِ الْقَرِينَيْنِ قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ بِإِقْرَارٍ أَوْ كَمَالِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَزِدْهُ الشَّيْخُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي رَسْمِهِ لِأَنَّهُ قَالَ الْأَمْرُ الَّذِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ الدَّالُ عَلَى الْقَتْلِ دَلَالَةً لَيْسَتْ قَوِيَّةً فَلَا تَدْخُلُ الشَّهَادَةُ وَالْإِقْرَارُ لِأَنَّهُمَا قَوِيَّانِ قَوْلُهُ فِيهِ أَوْ فِي نَفْيِهِ هَذَا قَدْ اعْتَرَضَهُ وَرَأَى أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَانْظُرْهُ وَتَرْتِيبُ الشَّيْخُ حَسَنٍ فَإِنَّهُ قَدْ عَرَّفَ اللَّوْثَ بَعْدَ سَبَبِ الْقَسَامَةِ لِأَنَّ سَبَبَ الْقَسَامَةِ مُرَكَّبٌ مِنْ أُمُورٍ أَحَدُهَا اللَّوْثُ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى الْمَظِنَّةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ بِفَضْلِهِ وَمِنْهُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]
(ج ن ي) :
стр. 488
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّه عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ قَالَ غَيْرُ الشَّيْخِ الْبَغْيُ وَالرِّدَّةُ وَالزِّنَا وَالْقَذْفُ وَالسَّرِقَةُ وَالْحِرَابَةُ وَالشُّرْبُ وَقَالَ الشَّيْخُ ﵁ الْجِنَايَاتُ مِنْهَا الْبَغْيُ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّتَهَا (قُلْتُ) الْجِنَايَاتُ جَمْعُ جِنَايَةٍ وَصَحَّ الْجَمْعُ فِي الْمَصْدَرِ لِأَنَّ مُفْرَدَهُ بِالتَّاءِ فَيَصِحُّ جَمْعُهُ وَالْأَوْلَى أَنَّ جَمْعَهُ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ لِأَنَّ التَّاءَ الَّتِي فِي الْجِنَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا الْمَصْدَرُ فَتَعْرِيفُهَا بَاقٍ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ ﵀ تَعْرِيفُ الْجِنَايَةِ الْعَامَّةِ الْمُشْتَرِكَةِ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْسَامِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَعْرِيفِهَا " فِعْلٌ هُوَ بِحَيْثُ يُوجِبُ عُقُوبَةَ فَاعِلِهِ بِحَدٍّ أَوْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ نَفْيٍ " (فَإِنْ قُلْتَ) " قَدْ تَرْجَمَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِكِتَابِ الْجِنَايَاتِ وَنَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ ﵀ أَنَّهُ عَرَّفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إتْلَافُ ذِي رِقٍّ دَمًا أَوْ مَالًا غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ. فَخَصَّصَ ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ وَتَرْجَمْتُهُ هُنَا وَتَرْجَمَةُ غَيْرِهِ هِيَ أَعَمُّ مِمَّا عَرَّفَ بِهِ (قُلْتُ) تَرْجَمَةُ الْمُدَوَّنَةِ لَقَبٌ عَلَى جِنَايَاتِ الْعَبِيدِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا ذَلِكَ بَلْ الْجِنَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبَاتِ وَهِيَ مُغَايِرَةٌ لِجِنَايَةِ الْعَبِيدِ فَلِذَلِكَ عَرَّفَهَا بِمَا يَخُصُّهَا (فَإِنْ قُلْت) هَلَّا عَرَّفَ الْأَعَمَّ مِنْ الْجِنَايَةِ وَالْأَخَصَّ مِنْهَا (قُلْت) الْغَالِبُ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ حَقِيقَتَيْنِ شَرْعِيَّتَيْنِ كَالْبَيْعِ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ وَهَذَانِ حَقِيقَتَانِ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةَ لِلْعُقُوبَةِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ هُنَا وَالْمُتَرْجَمُ عَلَيْهَا فِيهَا جِنَايَاتُ الْعَبِيدِ وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهَا لِأَنَّهُ لَقَبٌ عَلَيْهَا فَيَجْتَمِعَانِ فِي الْعَبْدِ إذَا حَارَبَ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ وَتَخْتَصُّ جِنَايَةُ الْعَبِيدِ بِخَطَإِ الْعَبِيدِ وَلَا يَخْفَى مَا تَخْتَصُّ بِهِ الْأُخْرَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابُ الْبَغْيِ]
(ب غ ي) : بَابُ الْبَغْيِ قَالَ ﵀ " الْبَغْيُ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ وَلَوْ تَأَوُّلًا " قَوْلُهُ " الِامْتِنَاعُ " الْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ هُوَ
стр. 489
الْعِدَا أَوْ طَلَبُهُ قَالَ فَبَغَى عَلَيْهِ وَفِي الشَّرْعِ صَيَّرَ الشَّيْخُ ﵀ الْجِنْسَ الِامْتِنَاعَ مِنْ الطَّاعَةِ قَوْلُهُ " مِنْ طَاعَةِ " كَالِامْتِنَاعِ مِنْ امْتِثَالِ أَمْرٍ مِنْ إمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ " مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ " أَيْ انْعَقَدَتْ شَرْعًا فَخَرَجَ بِهِ مَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ إمَامَةٌ وَعَمَّمَ فِي انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ بِأَيِّ شَيْءٍ تَنْعَقِدُ بِهِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ رَجُلٍ وَفِيهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ وَالصَّحِيحُ صِحَّةُ انْعِقَادِ ذَلِكَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ انْعِقَادُ الْإِمَامَةِ لِرَجُلَيْنِ مُتَبَاعِدَيْ الْأَصْقَاعِ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ " فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ إذَا أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنَّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ طَاعَتِهِ غَيْرَ بَاغٍ وَفِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إمَّا حَالٌّ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِالِامْتِنَاعِ قَوْلُهُ " بِمُغَالَبَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ طَاعَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَبَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى بَغْيًا قَوْلُهُ " وَلَوْ تَأَوُّلًا " وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ الِامْتِنَاعِ بِمُغَالَبَةٍ فِي كُلِّ حَالَةٍ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ أَوْ بِتَأْوِيلٍ لِيَدْخُلَ فِيهِ بُغَاةُ الشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَالْحَرُورِيَّةِ ثُمَّ قَالَ ﵀ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مُغَالَبَةً مُتَعَقِّبٌ بِاخْتِصَاصِهِ بِمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَأَمَّا مَنْ امْتَنَعَ مِنْ طَاعَتِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي حَدِّهِ مَعَ أَنَّهُ بَاغٍ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ وَأَجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْخُرُوجِ عَدَمُ التَّأَسِّي لِقَوْلِهِ إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ (قُلْتُ) وَهَذَا فِيهِ تَسَامُحٌ فِي التَّعْرِيفِ لَا يَخْفَى قَالَ وَتَعَقَّبَ بِإِطْلَاقِ الطَّاعَةِ ظَاهِرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا يُسَمَّى فِي الْمَعْصِيَةِ بَغْيًا هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى طَرْدِهِ وَالْأَوَّلُ عَلَى عَكْسُهُ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ إذَا أَمَرَ بِالْمَعْصِيَةِ فَهُوَ غَيْرُ إمَامٍ (قُلْت) وَفِي هَذَا بَحْثٌ لَا يَخْفَى فَإِنَّ مَعْصِيَتَهُ لَا تُوجِبُ عَزْلَ الْإِمَامَةِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ عَزْلَهَا رَدَّتْهُ عَلَى أَصْلِنَا وَيَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ فِي حَدِّهِ عَنْ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْإِمَامَةَ مَعَ الْمَعْصِيَةِ وَحَقُّ الشَّيْخِ أَنْ يَزِيدَ أَوْ نَائِبَ الْإِمَامِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ ثَبَتَ بَغْيُهُ الْمَذْكُورُ جَازَ قِتَالُهُ وَقَتْلُهُ وَهُنَا مَسَائِلُ يُحْتَاجُ إلَيْهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَلَا مَعْبُودَ سِوَاهُ.
[بَابُ الرِّدَّةِ]
(ر د د) : بَابُ الرِّدَّةِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نُرَدَّ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ تَزِيغَ قُلُوبُنَا رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتنَا بِحُرْمَةِ نَبِيِّنَا ﷺ قَالَ ﵀ وَتَقَعُ بِهِ " الرِّدَّةُ كُفْرٌ بَعْدَ إسْلَامٍ تَقَرَّرَ " قَوْلُهُ " كُفْرٌ " سُمِّيَتْ كُفْرًا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا»
стр. 490
وَهُوَ جِنْسٌ لِلرِّدَّةِ وَيُقَالُ الْكُفْرُ أَصْلِيٌّ وَطَارِئٌ قَوْلُهُ " بَعْدَ إسْلَامٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْكُفْرَ الْأَصْلِيَّ قَوْلُهُ " تَقَرَّرَ " مَعْنَاهُ ثَبَتَ وَحَصَلَ شَرْعًا وَتَقَرَّرَ الْإِسْلَامُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ الْتِزَامِ أَحْكَامِهِمَا فَإِنَّ أَقَرَّ بِهِمَا وَلَمْ يَلْتَزِمْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُتْرَكُ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ تَقَرَّرَ لِيَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ قَوْلٍ تَقَرَّرَ فِيهِ الْإِسْلَامُ عِنْدَ قَائِلِهِ.
[بَابٌ فِيمَا تَظْهَرُ بِهِ الرِّدَّةُ]
(ظ هـ ر) : بَابٌ فِيمَا تَظْهَرُ بِهِ الرِّدَّةُ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ ابْنُ شَاسٍ ظُهُورُ الرِّدَّةِ إمَّا بِتَصْرِيحٍ بِالْكُفْرِ أَوْ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ بَعْدَ نَقْلِهِ لَهُ قَوْلُهُ " بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ " كَإِنْكَارِ غَيْرِ حَدِيثِ الْإِسْلَامِ وُجُوبُ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً قَوْلُهُ " أَوْ فِعْلٍ يَقْتَضِيهِ " كَلُبْسِ الزُّنَّارِ وَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي طَرِيقِ النَّجَاسَةِ أَوْ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْت) لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ فِي الْأَوَّلِ يَقْتَضِيهِ وَفِي الثَّانِي يَتَضَمَّنُهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاسْتِلْزَامِ (قُلْتُ) لَمْ يَظْهَرْ قُوَّةُ تَفْرِيقٍ فِي ذَلِكَ (قُلْتُ) وَقَوْلُهُ أَوْ إلْقَاءِ الْمُصْحَفِ كَأَنْ يَمُرَّ لَنَا أَنَّهُ وَكَذَلِكَ إذَا رَآهُ مُلْقَى وَتَرَكَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى زَوَالِهِ لِأَنَّ دَوَامَهُ كَإِنْشَائِهِ وَهُوَ صَوَابٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَقَدْ ذُكِرَ لِي عَنْ الشَّيْخَيْنِ الْعَالَمَيْنِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ وَالشَّيْخِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ الزِّعْبَرِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي وَلِيمَةٍ وَسُئِلَا عَنْ رَجُلٍ رَأَى مُصْحَفًا فِي نَجَاسَةٍ وَكَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فَوْرًا أَخْذُهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَيَمُّمِهِ فَقَالَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ انْتَبَهَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ احْتَلَمَ فَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ فَوْرًا الْخُرُوجُ وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ فَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْآخَرُ بِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَشَدُّ فَيَجِبُ فَوْرًا إخْلَاصُهُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ اخْتِيَارًا كَانَ رِدَّةً بِخِلَافِ بَقَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ رِدَّةً وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَرْحَمُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.
[بَابُ الزِّنْدِيقِ]
(ز ن د ق) : بَابُ الزِّنْدِيقِ قَالَ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيَسْتُرُ الْكُفْرَ قَوْلُهُ " مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيَسْتُرُ الْكُفْرَ " هَذَا هُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي صَدَّقَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُصَدِّقْ بِقَلْبِهِ إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الشَّيْخِ ﵁ أَجْمَعُ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ هَيْئَةً.
[بَابُ السِّحْرِ]
(س ح ر) :
стр. 491
بَابُ السِّحْرِ قَالَ ﵀ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبٍ مُعْتَادٍ كَوْنُهُ عَنْهُ قَوْلُهُ " أَمْرٌ خَارِقٌ " أَمْرٌ أَعَمُّ وَالْخَارِقُ أَخَصُّ فَيَكُونُ كَالْفَصْلِ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ بِخَارِقٍ وَالْخَارِقُ لِلْعَادَةِ أَعَمُّ مِنْ الْكَرَامَةِ وَالْمُعْجِزَةُ وَالسِّحْرُ وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّهُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ قَوْلُهُ " مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبٍ مُعْتَادٍ كَوْنُهُ عَنْهُ " مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبٍ مُعْتَادٍ كَوْنُ ذَلِكَ الْمُسَبَّبِ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ فَأَخْرَجَ بِهِ الْكَرَامَةَ وَالْمُعْجِزَةَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ السِّحْرَ هُنَا لِأَنَّ حُكْمَ السَّاحِرِ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ فِي قَتْلِهِ اُنْظُرْ كَلَامَ الشَّيْخِ فِي أَصْلَيْهِ وَكَلَامَ الْقَرَافِيُّ.
[بَابُ الزِّنَا]
(ز ن ي) : بَابُ الزِّنَا قَالَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ " الزِّنَا الشَّامِلُ لِلِّوَاطِ مَغِيبُ حَشَفَةِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجِ آخَرَ دُونَ شُبْهَةِ حِلِّهِ عَمْدًا " (فَإِنْ قُلْتَ) الشَّيْخُ ﵀ لَمْ يَقُلْ الزِّنَا الْأَعَمُّ وَيَحُدُّهُ بِحَدٍّ يَخُصُّهُ كَمَا سَيَأْتِي لَهُ فِي الْقَذْفِ وَتَقَدَّمَتْ أَمْثَالُهُ وَهُنَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فَمَا سِنُّ كَوْنِهِ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِّ الْأَعَمِّ (قُلْت) الْأَعَمِّيَّةُ فِي الزِّنَا هُنَا تَتَقَرَّرُ بِوَجْهَيْنِ أَعَمِّيَّةٌ بِاعْتِبَارِ دُخُولِ اللِّوَاطِ وَعَدَمِهِ وَأَعَمِّيَّةٌ فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ حَدٌّ وَمَا يَكُونُ فِيهِ وَالثَّانِيَةُ الَّذِي ذَكَرُوا فِي الْقَذْفِ وَخَصَّهَا بِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ سِرُّ الِاخْتِصَاصِ قَوْلُهُ " مَغِيبٌ " اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى غَيْبَةِ الْحَشَفَةِ وَقَوْلُهُ " حَشَفَةٍ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْحَشَفَةِ أَوْ بَعْضَ الْحَشَفَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ شَرْعًا ذَلِكَ وَتَأَمَّلْ إذَا كَانَ رَجُلٌ مَقْطُوعَ الْحَشَفَةِ وَقَدْ غَابَ مِنْ ذَكَرِهِ مِقْدَارُ الْحَشَفَةِ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَ فِي الْغُسْلِ فِي الطَّهَارَةِ قَوْلُهُ " آدَمِيٍّ " أَخْرَجَ بِهِ حَشَفَةَ غَيْرِهِ إذَا عَبِثَتْ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ قَوْلُهُ " فِي فَرْجٍ " أَخْرَجَ بِهِ مَغِيبَهَا فِي غَيْرِ فَرْجٍ وَأُدْخِلَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا لِأَنَّهُ يَعُمُّ اللِّوَاطَ كَمَا ذَكَرَ قَوْلُهُ " آخَرَ " عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ أَيْ فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ آخَرَ أَخْرَجَ بِهِ مَغِيبَهَا فِي غَيْرِ فَرْجِ الْآدَمِيِّ قَوْلُهُ دُونَ شُبْهَةٍ أَخْرَجَ بِهِ إذَا كَانَ لِشُبْهَةٍ فِي الْحِلِّيَّةِ إمَّا بِاعْتِقَادِ حِلِّيَّةٍ أَوْ بِجَهْلٍ وَتَخْرُجُ الْأَمَةُ الْمُحَلَّلَةُ
стр. 492
وَوَطْءُ الْأَبِ أَمَةَ ابْنِهِ لَا زَوْجَةَ ابْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ زِنًا لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ شُبْهَةٌ فِي مَالِهِ لِلْحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَلَا شُبْهَةَ فِي زَوْجَتِهِ قَوْلُهُ " عَمْدًا " أَخْرَجَ بِهِ الْغَلَطَ أَوْ النِّسْيَانَ أَوْ الْجَهْلَ.
(فَإِنْ قُلْت) إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَمَا حَرُمَ بِالسَّنَةِ وَوَطْءُ الْوَطْءِ الْمَذْكُورُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا عَلَى قَوْلِهَا لِأَنَّ لَازِمَ الزِّنَا نَفْيٌ عَنْهُ لِنَفْيِ الْحَدِّ عَنْهُ وَإِنَّمَا فِيهِ الْعُقُوبَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِّ النِّكَاحِ مَا يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالزِّنَا وَحَدُّهُ يَصْدُقُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ فِيهِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ (قُلْتُ) نَمْنَعُ كَوْنَهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ بَلْ شُبْهَةُ الْخِلَافِ هَلْ هُوَ زَانٍ أَوْ لَا وَقَدْ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ الْخِلَافَ (فَإِنْ قُلْتَ) تَقَدَّمَ فِي حَدِّ النِّكَاحِ أَنَّ مِنْ صِفَتِهِ فِي رَسْمِهِ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَاقِدُ عَالِمًا حُرْمَتَهَا إنْ حُرِّمَتْ بِالْكِتَابِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ حُرِّمَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ لَيْسَتْ بِزِنًا عَلَى قَاعِدَةِ الْمَشْهُورِ وَزِنًا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَهَلْ مَا نُسِبَ إلَيْهَا مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَ فِي النِّكَاحِ أَوْ مُخَالِفٌ (قُلْتُ) بَلْ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلْقَيْدِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِّ النِّكَاحِ وَتَقَدَّمَ مُعَارَضَةُ الْمُعْتَدَّةِ بِالْخَامِسَةِ عَلَى قَوْلِهَا.
(فَإِنْ قُلْت) الشَّيْخُ فِي الطَّهَارَةِ فِي حَدِّ مُوجِبِ الْغُسْلِ قَيَّدَ الْمَغِيبَ مِنْ الْحَشَفَةِ بِغَيْرِ خُنْثَى فَهَلْ يَلْزَمُ هُنَا ذَلِكَ أَوْ لَا يَلْزَمُ (قُلْتُ) لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ قُوَّةُ جَوَابٍ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ هُوَ أَنْ يَطَأَ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ مُتَعَمِّدًا فَيَتَنَاوَلُ اللِّوَاطَ قَالَ ﵀ أَوْرَدْت عَلَيْهِ أَسْئِلَةً وَاهِيَةً لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا وَأَشَارَ إلَى مَا أَطَالَ فِيهِ شَيْخُهُ هَذَا رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَذَكَرَ الْأَشْبَهَ فِي الِاعْتِرَاضِ وَهُوَ خُرُوجُ زِنَا الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ لَا وَاطِئَةٌ وَأَجَابَ شَيْخُهُ بِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُمْكِنُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ غَايَةَ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّلَازُمِ التَّلَازُمُ فِي الْوُجُودِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ التَّلَازُمَ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ فِي التَّعْرِيفِ وَهَذَا حَقٌّ وَكَلَامُ صِدْقٍ ثُمَّ إنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ زَادَ بَعْدَ حَدِّهِ فَيَدْخُلُ اللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي دُبُرِهَا وَفِي كَوْنِهِ زِنًا أَوْ لِوَاطًا قَوْلَانِ فَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ عَانَدَ بَيْنَ اللِّوَاطِ وَالزِّنَا وَتَقَدَّمَ لَهُ دُخُولُ اللِّوَاطِ تَحْتَ الزِّنَا فَيَكُونُ اللِّوَاطُ قِسْمًا مِنْ الزِّنَا وَقَسِيمًا لَهُ هَذَا خُلْفٌ وَبَيَانُ إيرَادِ مَا ذَكَرَ وَاضِحٌ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنْ قَالَ إنَّمَا يُرَدُّ فِي مَانِعِيَّةِ الْجَمْعِ وَالْخُلُوِّ.
قَالَ الشَّيْخُ هَذَا الْكَلَامُ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يَلِيقُ بِمِثْلِهِ لِوُضُوحِ امْتِنَاعِهِ فِي مَانِعَةِ الْجَمْعِ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الشَّيْءِ وَالْأَخَصِّ مِنْ نَقِيضِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ جُزْئِهَا
стр. 493
أَخَصَّ مِنْ الْآخَرِ فَيُؤَدِّي إلَى جَوَازِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى بَسْطِ لَفْظِهِ وَتَقْرِيرُ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَوْضِعُ الرَّدِّ عَلَيْهِ لَا شَكَّ أَنَّ الْعِنَادَ الْعَقْلِيَّ انْحَصَرَ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ فِي الْعِنَادِ الْحَقِيقِيِّ كَقَوْلِهِ: الْجِسْمُ إمَّا مُتَحَرِّكٌ أَوْ سَاكِنٌ وَعِنَادُ مَانِعَةِ الْجَمْعِ كَقَوْلِنَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ أَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ وَعِنَادُ مَانِعَةِ الْخُلُوِّ كَقَوْلِنَا إمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّيْءُ حَيَوَانًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا إنْسَانًا فَالْأُولَى تَرَكَّبَتْ مِنْ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ مِثْلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْجِسْمُ مُتَحَرِّكًا أَوْ غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ أَوْ مُسَاوٍ لِنَقِيضِهِ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ فَمِنْ لَازِمِهَا أَنْ لَا يَقَعَ جَمْعٌ وَلَا رَفْعٌ بَيْنَ أَجْزَائِهَا وَالثَّانِيَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الشَّيْءِ وَالْأَخَصِّ فَمِنْ نَقِيضِهِ كَالْمِثَالِ الثَّانِي فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَخَصُّ مِنْ نَقِيضِ الْآخَرِ وَالثَّالِثَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الشَّيْءِ وَالْأَعَمِّ مِنْ نَقِيضِهِ كَالْمِثَالِ الثَّالِثِ وَمِنْ لَازِمِ الثَّانِيَةِ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ وَجَوَازُ الِارْتِفَاعِ وَمِنْ لَازِمِ الثَّالِثَةِ عَدَمُ الِارْتِفَاعِ وَجَوَازُ الِاجْتِمَاعِ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ مَعَ الْإِنْسَانِ كُلُّ وَاحِدٍ أَعَمُّ مِنْ نَقِيضِ الْآخَرِ فَلَا حَيَوَانَ أَعَمُّ مِنْ لَا إنْسَانٍ لِأَنَّ نَفْيَ الْأَعَمِّ أَعَمُّ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ وَحَيَوَانٌ أَعَمُّ مِنْ إنْسَانٍ وَصَحَّ أَنَّهُمَا لَا يَرْتَفِعَانِ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي الْفَرَسِ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ جُمْلَةً فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ زِنًا أَوْ لِوَاطًا كَقَوْلِنَا إمَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ الْوَاطِئِ زِنًا أَوْ لِوَاطًا يَقُولُ شَارِحُهُ لَهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْته لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قِسْمُ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ وَهُوَ مُحَالٌ عَقْلًا لِاجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُنَافِيَهُ هَذَا خُلْفٌ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ قِسْمَهُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْهُ فَيَجْتَمِعُ مَعَهُ ضَرُورَةُ اجْتِمَاعِ الْأَخَصِّ مَعَ أَعَمِّهِ وَمِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ قَسِيمَهُ أَنْ يُنَافِيَهُ وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ فِي الْأَوْلَى أَنَّ الْمُؤَلِّفَ صَيَّرَ الزِّنَا أَعَمَّ مِنْ اللِّوَاطِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِّهِ فَيَدْخُلُ اللِّوَاطُ وَذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ قِسْمَهُ وَالزِّنَا أَعَمُّ مِنْهُ وَهُوَ أَخَصُّهُ وَكَوْنُهُ ﵀ قَالَ هَلْ هَذِهِ الصُّورَةُ مَعْنَاهَا زِنًا أَوْ لِوَاطًا يُوجِبُ الْعِنَادَ وَالتَّنَافِي وَهَذَا يُنَافِي كَوْنَ اللِّوَاطِ قِسْمًا مِنْ الزِّنَا فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْقَوْمِ وَظَهَرَ السُّؤَالُ عَلَى لَفْظِهِ كَمَا يَجِبُ فَاعْتَذَرَ عَنْهُ الشَّيْخُ شَارِحُهُ بِقَوْلِهِ لَكِنَّ هَذَا السُّؤَالَ إنَّمَا يَرِدُ فِي مَانِعَةِ الْجَمْعِ وَالْخُلُوِّ فَلَمَّا تَأَمَّلْت هَذَا الْكَلَامَ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلِاعْتِذَارِ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ وَلَعَلَّهُ فِيهِ بَتْرٌ وَيَكُونُ أَصْلُهُ وَهَذَا السُّؤَالُ إنَّمَا يَرِدُ فِي مَانِعَةِ الْجَمْعِ وَالْحَقِيقَةُ لَا فِي مَانِعَةِ الْخُلُوِّ وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِهِ فَيُقَالُ الْعِنَادُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَقَعُ كَوْنُ أَحَدِ الْأَجْزَاءِ فِي الْقَضِيَّةِ قِسْمًا إذَا كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ ضَرُورَةُ إحَالَةِ النَّقِيضِ أَوْ
стр. 494
مُسَاوِيهِ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ نَقِيضِهِ.
وَكَذَلِكَ مَانِعَةُ الْجَمْعِ لِلْإِحَالَةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَأَمَّا مَانِعَةُ الْخُلُوِّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ فِي كُلٍّ مِنْ أَجْزَائِهَا الِاجْتِمَاعُ فَلَا إحَالَةَ فِي الْقِسْمِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ الْآخَرِ هَذَا إنْ صَحَّ كَذَلِكَ فَهُوَ أَقْرَبُ فِي مَعْنَى جَوَابِهِ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَكَوْنُ الشَّيْخِ صَحَّحَ لَفْظَهُ وَقَالَ إنَّهُ لَا يَلِيقُ بِمِثْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نُسْخَتَهُ كَذَلِكَ صَحَّتْ لَكِنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا كَلَامٌ لَا يَلْتَئِمُ بِهِ جَوَابٌ بِوَجْهٍ وَلَا يَجْرِي عَلَى مَعْقُولٍ فِي فَهْمِهِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ لِوُضُوحِ امْتِنَاعِهِ فِي مَانِعَةِ الْجَمْعِ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الشَّيْءِ وَالْأَخَصِّ مِنْ نَقِيضِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ جُزْأَيْهَا أَخَصَّ مِنْ الْآخَرِ فَيُؤَدِّي إلَى جَوَازِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى الطَّرِيقِ الْعِلْمِيِّ أَنْ نَقُولَ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَ شَيْخُهُ ﵀ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِ أَنَّ قِسْمَ الشَّيْءِ إنَّمَا يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ قَسِيمًا لَهُ فِي الْحَقِيقِيَّةِ فَقَطْ لَزِمَ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي مَانِعَةِ الْجَمْعِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِمَا نُقَرِّرُهُ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ مَا عَدَا الْحَقِيقِيَّةَ مَنْعُ خُلُوٍّ وَمَنْعُ جَمْعٍ فَلَا يَصِحُّ فِي مَانِعَةِ الْجَمْعِ وَإِلَّا اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى أَنَّ مَانِعَةَ الْجَمْعِ تَرَكَّبَتْ أَجْزَاؤُهَا مِنْ الشَّيْءِ وَالْأَخَصِّ مِنْ نَقِيضِهِ قَطْعًا وَلَازِمُ ذَلِكَ عَقْلًا عَدَمُ اجْتِمَاعِهِمَا قَطْعًا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْجُزْأَيْنِ قَسِيمًا لِلْآخَرِ فَلَوْ فَرَضْنَاهُ قِسْمًا مِنْ الْآخَرِ مَعَ مَا قُرِّرَ كَانَ أَخَصَّ مِنْ الْآخَرِ وَالْأَخَصُّ يَسْتَلْزِمُ الْأَعَمَّ فَإِذَا قُلْنَا إمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا مُتَحَرِّكًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا وَقُلْنَا بِجَوَازِ مَا أَلْزَمْنَاهُ لَهُ لَزِمَ فِي الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ اجْتَمَعَ فِيهِ مُتَحَرِّكٌ لَا مُتَحَرِّكٌ وَهَذَا مُحَالٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَقَامُوا الْبُرْهَانَ عَلَى أَنَّ مَانِعَةَ الْجَمْعِ يَصِحُّ تَرْكِيبُهَا مِنْ أَكْثَرَ مِنْ جُزْأَيْنِ بِخِلَافِ مَانِعَةِ الْخُلُوِّ وَيَمْتَنِعُ فِي الْحَقِيقِيَّةِ أَنْ تَتَرَكَّبَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ جُزْأَيْنِ كَمَا قُرِّرَ ذَلِكَ فِي مَحِلِّهِ مُفَرَّعًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ خَاصِّيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثِ.
وَلَا يُقَالُ إنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ فَرْدًا أَوْ زَوْجَ الزَّوْجِ أَوْ زَوْجَ الْفَرْدِ أَوْ زَوْجَ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ وَهَذَا التَّرْكِيبُ صَحِيحٌ عَقْلًا وَهِيَ حَقِيقِيَّةٌ فَقَدْ تَرَكَّبَتْ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْئَيْنِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ الْمُسَاوِيَ لِلنَّقِيضِ قَضِيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ فَالْحَقِيقَةُ تَرَكَّبَتْ مِنْ حَمْلِيَّةٍ وَقَضِيَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ فَتُسَمَّى الْقَضِيَّةُ ذَاتَ أَجْزَاءٍ فَيَظُنُّونَ أَنَّ الْحَقِيقِيَّةَ تَرَكَّبَتْ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَنَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقَعَ الْبَحْثُ مِنْ بَعْضِ الطَّلَبَةِ فِي ذَلِكَ وَغَلِطَ فِيهِ وَقَدْ بَيَّنَ الْأَثِيرُ وَغَيْرُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ وُجِدَتْ مَنْقُولَانِ عَنْ الشَّيْخِ ﵀ أَنَّهُ قَرَّرَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا حَسَنًا قَالَ مَعْنَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ
стр. 495
إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ فَرْدًا أَوْ زَوْجًا ثُمَّ قُلْنَا الزَّوْجُ إمَّا أَنْ يَكُونَ كَذَا أَوْ كَذَا فَقَسَمْنَاهُ إلَى أَقْسَامٍ فَقَدْ تَرَكَّبَتْ الشَّرْطِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ مِنْ حَمْلِيَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي شَرْطِ إيجَابِ الزِّنَا الْحَدَّ]
(ش ر ط) : بَابٌ فِي شَرْطِ إيجَابِ الزِّنَا الْحَدَّ قَالَ تَكْلِيفُ الزَّانِي إجْمَاعًا وَإِسْلَامُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ قَوْلُهُ " تَكْلِيفُ الزَّانِي " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَلَمَّا نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِجْمَاعَ اعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهَا إذَا شَارَفَ الْبُلُوغَ قَالَ مَالِكٌ مُدَّةً يُحَدُّ قَالَ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ يَتَقَرَّرُ بِالْإِنْبَاتِ قَوْلُهُ " وَالْإِسْلَامُ " هَذَا لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ يُحَدُّ (فَإِنْ قُلْتَ) لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ غَيْرَ هَذَا مِنْ الشُّرُوطِ وَهُوَ الطَّوْعُ فَإِنَّ الْمُكْرَهَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ (قُلْتُ) لَا شَكَّ أَنَّهُ أَسْقَطَ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ وَلَا يُجَابُ بِأَنَّ شَرْطَ الطَّوْعِ فِيهِ خِلَافٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْإِسْلَامَ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الْخِلَافَ وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ شَرْطُ مُوجَبِهِ الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ قَالَ شَارِحُهُ يَنْبَغِي ضَبْطُهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الزِّنَا.
[بَابٌ فِي شَرْطِ الْإِحْصَانِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ]
(ش ر ط) : بَابٌ فِي شَرْطِ الْإِحْصَانِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ قَالَ ﵀ مَا مَعْنَاهُ الْوَطْءُ الْمُبَاحُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ لَا خِيَارَ فِيهِ مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ قَوْلُهُ " الْوَطْءُ الْمُبَاحُ " أَخْرَجَ بِهِ الْحَرَامَ مِنْ الْوَطْءِ مُطْلَقًا وَفِي بَعْضِهِ خِلَافٌ وَالرَّسْمُ لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " بِنِكَاحٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْوَطْءَ بِالْمِلْكِ قَوْلُهُ " صَحِيحٌ " أَخْرَجَ بِهِ الْوَطْءَ الْفَاسِدَ فِي النِّكَاحِ قَوْلُهُ لَا خِيَارَ فِيهِ أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ اللَّازِمِ قَوْلُهُ " بَالِغٍ " أَخْرَجَ بِهِ الصَّبِيَّ قَوْلُهُ " مُسْلِمٍ " أَخْرَجَ بِهِ الْكَافِرَ وَقَوْلُهُ " حُرٍّ " أَخْرَجَ بِهِ الْعَبْدَ وَأَكْثَرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ إذَا اخْتَلَّتْ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِيهِ اُنْظُرْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ ﵀ الْعَقْلَ وَلَا الطَّوْعَ فَظَاهِرُهُ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ أَنَّ الرَّجْمَ ثَابِتٌ وَأَنَّ الْإِحْصَانَ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقٍ بِمَا ذَكَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ (قُلْتُ) يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَيَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ عَنْهُ وَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ مَعَ مَا اشْتَرَطَ الْأَشْيَاخُ فِي بَابِ النِّكَاحِ فِيمَا يَجْمَعُ شُرُوطَ الْإِحْصَانِ فِي قَوْلِهِمْ
شُرُوطُ الْإِحْصَانِ سِتٌّ أَتَتْ ... فَخُذْهَا عَنْ النَّصِّ مُسْتَفْهِمَا
следующие страницы →