Полный текст (3 713 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَذْهَبُ مِنْهَا بِالْإِجَارَةِ إذَا كَانَ ثَوْبًا مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: إذَا اُسْتُؤْجِرَ شَهْرًا يَنْقُصُهُ الرُّبُعُ فَيَكُونُ قَدْرُ الرُّبُعِ غَيْرَ مَضْمُونٍ لِأَنَّهُ مُسْتَأْجَرٌ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ مَضْمُونٌ لِأَنَّهُ مُرْتَهَنٌ.
(وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ لِمَنْ شُرِطَ بِبَيْعٍ وَعُيِّنَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ بِعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَرْهَنَك عَبْدَهُ مَيْمُونًا بِحَقِّك فَفَارَقَك قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ، وَلَك أَخْذُهُ مِنْهُ رَهْنًا مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ (وَإِلَّا فَرَهْنُ ثِقَةٍ) الْكَافِي: إنْ شَرَطَ رَهْنًا مُطْلَقًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ ثُمَّ أَبَى الْمُشْتَرِي مِنْ دَفْعِهِ، خُيِّرَ الْبَائِعُ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ بِغَيْرِ رَهْنٍ وَفِي فَسْخِهِ انْتَهَى جَمِيعُ نَقْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " يُخَيَّرُ الْبَائِعُ وَشِبْهُهُ فِي الْفَسْخِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ " هُوَ مَدْلُولُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إنْ بِعْت مِنْهُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ بِهِ رَهْنًا ثِقَةً مِنْ حَقِّك فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَك رَهْنًا فَلَكَ نَقْضُ الْبَيْعِ أَوْ تَرْكُهُ بِلَا رَهْنٍ. وَقَوْلُهُ " وَشِبْهُهُ " يُرِيدُ كَالْمُسَلِّفِ عَلَى رَهْنٍ كَذَلِكَ.
(وَالْحَوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لَا يُفْسِدُ) الْبَاجِيُّ: لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ أَفْلَسَ وَوُجِدَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِيَدِ الْأَمِينِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ، فَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَنْفَعُ ذَلِكَ حَتَّى تُعْلِمَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ حَازَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَوَابُهُ لَا يَنْفَعُهُ إلَّا مُعَايَنَةُ الْحَوْزِ. ابْنُ رُشْدٍ: يَجْرِي هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّدَقَةِ تُوجَدُ بِيَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَصَدِّقِ فَيَدَّعِي قَبْضَهَا فِي صِحَّتِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا.
(وَلَوْ شَهِدَ الْأَمِينُ) ابْنُ عَتَّابٍ: شَهَادَةُ الْأَمِينِ فِي الِارْتِضَاءِ ضَعِيفَةٌ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ جَائِزَةٌ فِي الدَّيْنِ وَالرَّهْنِ (وَهَلْ يَكْتَفِي بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَهُ) الْبَاجِيُّ: عِنْدِي لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَجَدَهُ بِيَدِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ كَانَ رَهْنًا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْحِيَازَةَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ (وَبِهِ عُمِلَ؟) ابْنُ عَاتٍ: الْعَمَلُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ بِيَدِهِ وَقَدْ حَازَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ كَانَ رَهْنًا وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْ الْحِيَازَةُ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَقْبُوضًا، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ (أَوْ التَّحْوِيزُ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْبَاجِيِّ لَا يَنْفَعُهُ إلَّا مُعَايَنَةُ الْحَوْزِ ثُمَّ قَالَ: وَعَنْهُ لَوْ ثَبَتَ إلَخْ
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: صَوَابُهُ لَا يَنْفَعُهُ إلَّا مُعَايَنَةُ الْبَيِّنَةِ الْحَوْزَ بَعْدَ الِارْتِهَانِ. قِيلَ: يُتَّهَمُ أَنْ يَقُولَ دَعْنِي أَنْتَفِعُ بِرَهْنِي وَأَشْهَدُ لَك أَنَّك قَبَضْته فَتَكُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَلِأَنَّ الْمُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ إنَّمَا يُقْبَلُ فِيمَا لَا يُسْقِطُ حَقَّ غَيْرِهِ. أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الرَّهْنِ (وَفِيهَا دَلِيلُهُمَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ.
стр. 2557
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
(وَمَضَى بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إنْ فَرَّطَ مُرْتَهِنُهُ وَإِلَّا فَتَأْوِيلَانِ) فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ بِعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَرْهَنَك عَبْدَهُ مَيْمُونًا بِحَقِّك فَلَمْ تَقْبِضْهُ حَتَّى بَاعَهُ، مَضَى الْبَيْعُ وَلَيْسَ لَك أَخْذُهُ بِرَهْنِ غَيْرِهِ لِطُولِ تَرْكِك إيَّاهُ حَتَّى بَاعَهُ كَتَسْلِيمِك لِذَلِكَ وَبَيْعُك الْأَوَّلُ غَيْرُ مُنْتَقَضٍ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ لِطُولِ تَرْكِك إيَّاهُ حَتَّى بَاعَهُ، فَأَمَّا لَوْ بَادَرَ الرَّاهِنُ فَبَاعَهُ بِقُرْبِ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ. وَهَذَا أَيْضًا إذَا دَفَعَ الْبَائِعُ السِّلْعَةَ الْمُشْتَرَاةَ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا فَبَاعَ الْمُشْتَرِي الرَّهْنَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهَاهُنَا لَا يَلْزَمُ تَسْلِيمٌ. انْتَهَى مَا يَخُصُّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ جَمِيعِ مَا نَقَلَ فِيهَا ابْنُ يُونُسَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الِاضْطِرَابَ الَّذِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ
стр. 2558
الرُّهُونِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى.
(وَبَعْدَهُ فَلَهُ رَدُّهُ إنْ بِيعَ بِأَقَلَّ أَوْ دَيْنُهُ عَرْضًا) ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بَعْدَ الْحَوْزِ وَهُوَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِيَدِ أَمِينٍ، فَإِنْ بَاعَهُ بِمِثْلِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يُعَجِّلُ لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ، وَلَا حُجَّةَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي رَدِّهِ لِأَنَّهُ مُضَارٌّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يُبَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ يُمْضِيَهُ وَيَتَعَجَّلَ الثَّمَنَ وَيَطْلُبَهُ بِمَا بَقِيَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ خِلَافَ الْمُرْتَهِنِ فَلَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ. وَقَدْ كَانَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْبَيْعَ بَعْدَ الْحَوْزِ مَرْهُونٌ لَكِنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ أَحَبُّ إلَيَّ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ (وَإِنْ أَجَازَ تَعَجَّلَ) هَذَا لَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ فِي بَيْعٍ وَسَلَمٍ ".
(وَبَقِيَ إنْ دَبَّرَهُ) ابْنُ يُونُسَ: لَمَّا كَانَ الرَّهْنُ وَثِيقَةً لِلْمُرْتَهِنِ لَمْ يَجُزْ لِلرَّاهِنِ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ مَا يُبْطِلُهُ، فَإِنْ فَعَلَ عُجِّلَ دَيْنُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا إنْ دَبَّرَهُ جَازَ وَبَقِيَ دَيْنًا عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ مُدَبَّرَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ كَاتَبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَقِيَتْ كِتَابَتُهُ رَهْنًا بِخِلَافِ مَا لَوْ دَبَّرَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ
стр. 2559
خِدْمَتَهُ لَا تَكُونُ رَهْنًا لِأَنَّهَا غَلَّةٌ.
(وَمَضَى عِتْقُ الْمُوسِرِ وَكِتَابَتُهُ وَعَجَّلَ) فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ رَهَنَ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ كَاتَبَهُ جَازَ ذَلِكَ إنْ كَانَ مَلِيًّا وَعَجَّلَ الدَّيْنَ
(وَالْمُعْسِرُ يَبْقَى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ سِوَاهُ حَتَّى الْأَجَلِ وَلْيُعَجِّلْ لَهُ حَقَّهُ فِي مَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا يَبْقَى الْعَبْدُ كَمَا هُوَ رَهْنٌ، فَإِنْ أَفَادَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْأَجَلِ مَالًا أَخَذَ مِنْهُ الدَّيْنَ وَأَنْفَذَ الْعِتْقَ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْ السَّيِّدُ شَيْئًا بِيعَ
стр. 2560
فِي الدَّيْنِ عِنْدَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ بِيعَ مِنْهُ مَا بَقِيَ بِالدَّيْنِ وَعَتَقَ الْبَاقِي (فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ وَالْبَاقِي لِلرَّاهِنِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِي بَعْضَهُ بِيعَ كُلُّهُ فَمَا فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ فَلِسَيِّدِهِ يَفْعَلُ بِهِ مَا شَاءَ.
(وَمُنِعَ الْعَبْدُ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونُ هُوَ مَعَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ارْتَهَنَ جَارِيَةً لَهَا زَوْجٌ أَوْ ابْتَاعَهَا لَمْ يُمْنَعْ زَوْجُهَا مِنْ وَطْئِهَا وَمَنْ رَهَنَ أَمَةَ عَبْدِهِ أَوْ رَهَنَهُمَا مَعًا فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَطْؤُهَا فِي الرَّهْنِ. ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا إنْ شَرَطَ أَنَّ مَالَهُ رَهْنٌ مَعَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَهُ إذَا رَهَنَهُ وَجَارِيَتَهُ كَأَنَّهُ انْتِزَاعٌ فَكَذَلِكَ إذَا رَهَنَهُ وَمَالَهُ (وَحُدَّ مُرْتَهِنٌ وَطِئَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ وَطِئَهَا الْمُرْتَهِنُ فَوَلَدَتْ مِنْهُ لَزِمَهُ الْحَدُّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ وَكَانَ مَعَ الْأُمِّ رَهْنًا وَعَلَيْهِ لِلرَّاهِنِ مَا نَقَصَهَا الْوَطْءُ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا إذَا أَكْرَهَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ طَاوَعَتْهُ وَهِيَ بِكْرٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْمُرْتَهِنُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ. ابْنُ يُونُسَ: الصَّوَابُ أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا وَإِنْ طَاوَعَتْهُ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّهَا فِي الْإِكْرَاهِ لَا تُعَدُّ زَانِيَةً، وَفِي الطَّوْعِ هِيَ زَانِيَةٌ. وَنَحْوُ هَذَا فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ مَا نَقَصَهَا (إلَّا بِإِذْنٍ وَتُقَوَّمُ بِلَا وَلَدٍ حَمَلَتْ أَمْ لَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ كَانَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ لَمْ يُحَدَّ وَلَزِمَتْهُ
стр. 2561
قِيمَتُهَا، حَمَلَتْ أَمْ لَا دُونَ قِيمَةِ الْوَلَدِ.
(وَلِلْأَمِينِ بَيْعُهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: " يَسْتَقِلُّ الْأَمِينُ بِالْبَيْعِ إذَا أُذِنَ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ بِشَرْطٍ " صَوَابٌ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَوْكِيلٍ سَالِمٍ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ الرَّاهِنِ فِيهِ مُكْرَهًا.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: إنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْعَدْلِ وَقْتَ الرَّهْنِ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْأَجَلِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ لِمَنْ عَلَى يَدِهِ الرَّهْنُ مِنْ مُرْتَهِنٍ أَوْ عَدْلٍ إنْ لَمْ آتِ إلَى أَجَلِ كَذَا فَبِعْهُ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ نَفِدَ، فَجَعَلَ شَرْطَهُ بِعَدَمِ إتْيَانِهِ مُوجِبًا لِوَقْفِ بَيْعِهِ عَلَى أَمْرِ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ غَيْبَتُهُ إلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ اهـ. نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا وَجَعَلَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ أَوْ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ إلَى أَجَلِ كَذَا، وَشَرَطَ إنْ جَاءَ الرَّاهِنُ بِالْحَقِّ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَإِلَّا فَلِمَنْ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ بَيْعُهُ، فَلَا يُبَاعُ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ وَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ فَإِنْ بِيعَ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ نَفَذَ بَيْعُهُ وَلَمْ يُرَدَّ (إنْ لَمْ يَقُلْ إنْ لَمْ آتِ إلَى أَجَلِ كَذَا) هَذَا هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورُ، وَنَقَلَهُ
стр. 2562
ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ شَاسٍ. (كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ طَاعَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِالْبَيْعِ دُونَ مُؤَامَرَةِ سُلْطَانٍ جَازَ اتِّفَاقًا، لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْهُ، وَلَوْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّهُ مُوَكَّلٌ عَلَى بَيْعِهِ دُونَ مُؤَامَرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ عِنْدَ حُلُولِهِ يَقُولُ أُؤَخِّرُك لِأَجَلِ كَذَا عَلَى رَهْنِ كَذَا وَتُوَكِّلُنِي عَلَى بَيْعِهِ دُونَ مُؤَامَرَةِ سُلْطَانٍ، فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ، وَقَالَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ وَابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَشْهَبُ وَكُرِهَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. (وَإِلَّا
стр. 2563
مَضَى فِيهِمَا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ بِيعَ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ نَفَذَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَةُ بَيْعِ الْمُرْتَهِنِ إذَا شَرَطَ عَلَى الرَّاهِنِ ذَلِكَ.
[وَكَّلَ وَكِيلًا بِبَيْعِ رَهْنٍ وَقَضَى دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ]
(إلَّا بِعَزْلِ الْأَمِينِ) الْجَلَّابُ: مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِبَيْعِ رَهْنٍ وَقَضَى دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ مِنْ وَكَالَتِهِ إلَّا بِرِضَا مُرْتَهِنِهِ (وَلَيْسَ لَهُ إيصَاءٌ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا مَاتَ الْعَدْلُ وَبِيَدِهِ رَهْنٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِوَضْعِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ وَذَلِكَ إلَى الْمُرْتَهِنَيْنِ (وَبَاعَ الْحَاكِمُ إنْ امْتَنَعَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الرَّاهِنُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ رَفَعَهُ الْمُرْتَهِنُ إلَى السُّلْطَانِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنْ أَوْفَاهُ حَقَّهُ وَإِلَّا بَاعَ الرَّهْنَ وَأَوْفَاهُ حَقَّهُ.
стр. 2564
(وَرَجَعَ مُرْتَهِنُهُ بِنَفَقَتِهِ فِي الذِّمَّةِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ وَلَيْسَ رَهْنًا بِهِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ رَهْنٌ بِهَا) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ أَنَّ نَفَقَةَ الرَّهْنِ وَمُؤْنَتَهُ عَلَى الرَّاهِنِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِإِذْنِ رَبِّهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ الرَّاهِنُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَكُونُ مَا أَنْفَقَ فِي الرَّهْنِ إذَا أَنْفَقَ بِأَمْرِ رَبِّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ سَلَفٌ، وَلَهُ حَبْسُهُ بِمَا أَنْفَقَ وَبِمَا رَهَنَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الْغُرَمَاءُ عَلَى الرَّاهِنِ فَلَا يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ عَنْ دَيْنِهِ لِأَجْلِ نَفَقَتِهِ، أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ أَنْفِقْ عَلَى أَنَّ نَفَقَتَك فِي الرَّهْنِ أَوْ أَنْفِقْ وَالرَّهْنُ بِمَا أَنْفَقْت رَهْنٌ أَيْضًا، فَذَلِكَ سَوَاءٌ وَيَكُونُ رَهْنًا بِالنَّفَقَةِ وَلَيْسَ كَالضَّالَّةِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْغُرَمَاءِ بِهَا فِي نَفَقَتِهِ لِأَنَّ الضَّالَّةَ لَا يُقْدَرُ عَلَى صَاحِبِهَا بِخِلَافِ الرَّهْنِ لَوْ شَاءَ طَلَبَ رَاهِنَهُ بِنَفَقَتِهِ، فَإِنْ غَابَ وَقَالَ الْإِمَامُ أَنْفِقْ وَنَفَقَتُك فِي الرَّهْنِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ كَالضَّالَّةِ (وَهَلْ وَإِنْ قَالَ وَنَفَقَتُك فِي الرَّهْنِ؟ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ يُونُسَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْفِقْ عَلَى أَنَّ نَفَقَتَك فِي الرَّهْنِ، أَوْ أَنْفِقْ
стр. 2565
وَالرَّهْنُ بِمَا أَنْفَقْت رَهْنٌ أَيْضًا، وَهَذَا أَبْيَنُ. وَكَانَ ابْنُ شَبْلُونَ يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
[هَلْ يَفْتَقِرُ الرَّهْنُ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ أَمْ لَا]
(فَفِي افْتِقَارِ الرَّهْنِ لِلَفْظٍ مُصَرَّحٍ بِهِ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: هَلْ يَفْتَقِرُ الرَّهْنُ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ أَمْ لَا؟ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. فَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى آخَرَ سِلْعَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: " أَمْسِكْهَا حَتَّى أَدْفَعَ لَك حَقَّك " كَانَتْ رَهْنًا عِنْدَ أَشْهَبَ لَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَإِنْ أَنْفَقَ مُرْتَهِنٌ عَلَى كَشَجَرٍ خِيفَ عَلَيْهِ بُدِئَ بِالنَّفَقَةِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: " لَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِفَضْلَةِ الرَّهْنِ عَنْ دَيْنِهِ لِأَجْلِ نَفَقَتِهِ ". مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ارْتَهَنَ نَخْلًا بِبِئْرِهَا أَوْ زَرْعًا أَخْضَرَ بِبِئْرِهِ فَانْهَارَتْ الْبِئْرُ فَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُصْلِحَ فَأَصْلَحَهَا الْمُرْتَهِنُ لِخَوْفِ هَلَاكِ الزَّرْعِ أَوْ النَّخْلِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الرَّاهِنِ وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي الزَّرْعِ وَفِي رِقَابِ النَّخْلِ يَبْدَأُ فِيهِ بِنَفَقَتِهِ، فَمَا فَضَلَ كَانَ فِي دَيْنِهِ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ كَانَ لِرَبِّهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِنَفَقَتِهِ وَبِمِقْدَارِ دَيْنِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ كَافْتِدَائِهِ الْعَبْدَ الرَّهْنَ إذَا جَنَى.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: إذَا خَافَ الرَّاهِنُ هَلَاكَ الزَّرْعِ وَأَبَى الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ فَأَخَذَ مَالًا مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَأَنْفَقَهُ فِيهِ فَالْأَجْنَبِيُّ أَحَقُّ بِمَبْلَغِ نَفَقَتِهِ مِنْ ثَمَنِ الزَّرْعِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَمَا فَضَلَ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ،
стр. 2566
فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْهُ شَيْءٌ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِدَيْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ. ابْنُ يُونُسَ: وَذَلِكَ إذَا شَرَطَ أَنَّ نَفَقَتَهُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ.
وَانْظُرْ ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ هُنَا إذَا غَرِمَ الْمُرْتَهِنُ خَرَاجًا عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ رَهْنٌ بِيَدِهِ فَقَالَ: ذَلِكَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ الْخَرَاجِ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَرَاجُ حَقًّا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ فِي نَوَازِلِهِ إذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ وَدِيعَةً فَفَدَاهَا الْمُودِعُ عِنْدَهُ فَلَا يَغْرَمُ لَهُ صَاحِبُهَا شَيْئًا. وَانْظُرْ الِاضْطِرَارَ فِي هَذَا فِيمَنْ فَدَى مَا بِيَدِ اللُّصُوصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ. وَسُئِلَ أَبُو عِمْرَانَ عَمَّنْ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ وَقَدَّمَ صِهْرَهُ عَلَى رَبْعِهِ فَلَمْ يَفِ بِخَرَاجِ السُّلْطَانِ، فَتَدَايَنَ مَا أَدَّى فِي ذَلِكَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ قُدُومِهِ فَقَامَ أَرْبَابُ الدُّيُونِ لِبَيْعِ الرَّبْعِ فَقَالَ لَهُمْ: الْخَرَاجُ مُقَدَّمٌ.
فَقَالَ: إنْ كَانَتْ الضَّيْعَةُ لَوْ لَمْ يُؤَدِّ عَلَيْهَا خَرَاجًا وَرَجَعَ عَنْهَا لَهَلَكَتْ فَحُجَّتُهُ قَوِيَّةٌ، وَأَجَابَ التُّونِسِيُّ: هُوَ أَحَقُّ مِنْ الْغُرَمَاءِ كَمَنْ اسْتَنْقَذَ مَتَاعًا مِنْ أَيْدِي اللُّصُوصِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: مِثْلُهُ الْيَوْمَ مَا يَقَعُ مِنْ الْأَثْقَافِ عَلَى التَّرِكَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي يَرْجِعُ عَلَى التَّرِكَةِ مَنْ دَفَعَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ حُكْمُ ابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ فِي الَّذِي أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِ دَيْنٍ عَنْ الْهَارِبِ أَنَّهُ حُكْمٌ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ لِوُلَاةِ الْجَوْرِ وَيَضْمَنُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الرُّهُونِ.
وَانْظُرْ عَلَى مَنْ تَكُونُ أُجْرَةُ بَيْعِ الرَّهْنِ فِي غَيْبَةِ رَاهِنِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَى طَالِبِ الْبَيْعِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مَا أَرَى الْجُعْلَ إلَّا عَلَى الرَّاهِنِ (وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى عَدَمِ جَبْرِ الرَّاهِنِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا) ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ " إنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا أَنْفَقَ فِي إصْلَاحِ الْبِئْرِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ وَإِنَّمَا تَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَى الرَّهْنِ مُبْدَأَةً عَلَى الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ الرَّهْنُ بِهَا لَمْ يُتْبِعْهُ بِالنَّفَقَةِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ عِنْدَهُ لَا يَلْزَمُهُ إصْلَاحُ الْبِئْرِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ (وَعَلَى التَّقْيِيدِ بِالتَّطَوُّعِ عِنْدَ الْعَقْدِ) بَهْرَامَ: أَيْ تُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ تَطَوَّعَ بِالرَّهْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلِهَذَا لَمْ يُجْبَرْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُشْتَرِطًا فِي الْعَقْدِ لَجُبِرَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَأَوَّلَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ تَطَوَّعَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْبِئْرِ بَعْدَ الْبَيْعِ.
(وَضَمِنَهُ مُرْتَهِنٌ إنْ كَانَ بِيَدِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ رَهْنٍ يُغَابُ عَلَيْهِ فَضَاعَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ إلَّا بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ أَوْ بِتَعَدِّي أَجْنَبِيٍّ فَذَلِكَ مِنْ الرَّاهِنِ وَلَهُ طَلَبُ الْمُتَعَدِّي (بِكَحَرْقِهِ) الْبَاجِيُّ: وَمِثْلُ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ رَهَنَهُ رَهْنًا فِي مَرْكَبٍ فَغَرِقَ أَوْ احْتَرَقَ مَنْزِلُهُ أَوْ أَخَذَهُ اللُّصُوصُ بِمُعَايَنَةٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنْ جَاءَ بِالرَّهْنِ مُحْتَرِقًا لَمْ يُصَدَّقْ
стр. 2567
إلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ يَكُونُ مِنْ الِاحْتِرَاقِ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مِنْ احْتِرَاقِ مَنْزِلِهِ أَوْ حَانُوتِهِ فَيَأْتِي بِبَعْضِ ذَلِكَ مُحْتَرِقًا فَيُصَدَّقُ.
رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. الْبَاجِيُّ: وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ سَبَبَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ جَاءَ بِهِ مُحْرَقًا وَإِنْ عَلِمَ سَبَبَهُ كَاحْتِرَاقِ مَنْزِلِهِ أَوْ حَانُوتِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ الثَّوْبَ كَانَ فِيمَا احْتَرَقَ مِنْ حَانُوتِهِ أَوْ مَنْزِلِهِ فَلَا خِلَافَ فِي تَصْدِيقِهِ، أَتَى بِبَعْضِهِ مُحْرَقًا أَوْ لَا. ابْنُ زَرْقُونٍ: قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُعْلِمُ أَنَّ النَّارَ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ. الْبَاجِيُّ: وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا احْتَرَقَ، فَإِنْ أَتَى بِبَعْضِهِ مُحْرَقًا صُدِّقَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَانُوتِهِ الَّذِي احْتَرَقَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَادَّعَى احْتِرَاقَ جَمِيعِهِ فَظَاهِرُ.
الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ، وَعِنْدِي إنْ كَانَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِدَفْعِهِ مِنْ الرَّهْنِ فِي الْحَوَانِيتِ حَتَّى يَكُونَ مُتَعَدِّيًا يَنْقُلُهُ عَنْهُ كَأَهْلِ حَوَانِيتِ التُّجَّارِ الَّذِينَ تِلْكَ عَادَتُهُمْ لَا يَكَادُونَ يَنْقُلُونَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ حَوَانِيتِهِمْ فَأَرَى أَنْ يُصَدَّقُوا فِي احْتِرَاقِ ذَلِكَ فِيمَا عُرِفَ مِنْ احْتِرَاقِ حَانُوتِهِ، وَبِذَلِكَ أَفْتَيْتُ فِي طَرْطُوشَةَ عِنْدَ احْتِرَاقِ أَسْوَاقِهَا، وَظَنِّي أَنَّ بَعْضَ الطَّلَبَةِ أَظْهَرَ لِي رِوَايَةً عَنْ ابْنِ أَيْمَنَ بِذَلِكَ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ صَانِعٍ فِي مَصْنُوعٍ وَغَابَ ".
(وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ارْتَهَنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَشَرَطَ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ مُصَدَّقٌ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ وَضَمِنَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ ضَاعَ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي حُكْمَ أَصْلِ الْعَقْدِ (أَوْ عُلِمَ احْتِرَاقُ مَحَلِّهِ إلَّا بِبَقَاءِ بَعْضِهِ مُحْرَقًا وَأَفْتَى بِعَدَمِهِ فِي الْعِلْمِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ بِهَذَا كُلِّهِ (وَإِلَّا فَلَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ رَهْنٍ لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ رَبْعٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ رَقِيقٍ فِي الْمُرْتَهِنِ مُصَدَّقٌ فِيهِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا زَعَمَ أَنَّهُ هَلَكَ أَوْ عَطِبَ أَوْ أَبَقَ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ وَيَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ الرَّاهِنِ (وَلَوْ اشْتَرَطَ ثُبُوتَهُ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ شَرَطَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنْ
стр. 2568
يَضْمَنَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ وَيَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ (إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ عُدُولٌ فِي دَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ) أَشْهَبُ: إذَا زَعَمَ أَنَّ الدَّابَّةَ انْفَلَتَتْ مِنْهُ أَوْ الْعَبْدَ كَابَرَهُ فَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ ادَّعَى حُضُورَهُمْ غَيْرَ عُدُولٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ يُرِيدُ لَا إذَا كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ فَلَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ. وَإِنْ ادَّعَى مَوْتَهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ بِدَعْوَاهُ ذَلِكَ بِمَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ أَهْلُهُ. وَلَوْ قَالُوا مَاتَتْ دَابَّةٌ لَا نَعْلَمُ مِمَّنْ هِيَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ وَصَفُوهَا فَعَرَفُوا الصِّفَةَ أَوْ لَمْ يَصِفُوهَا قُبِلَ قَوْلُهُ إنَّهَا هِيَ وَيَحْلِفُ. ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا إذَا ضَاعَ الرَّهْنُ الَّذِي لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهَلَاكِهِ إلَّا بِقَوْلِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ فِي عَارِيَّةِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرُ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ وَالْقَرْضِ مِنْ رَسْمِ بَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَاوَى يَعْنِي فِي هَذَا السَّمَاعِ فِي دَعْوَى التَّلَفِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ بَيْنَ الَّذِي يَشْتَرِي الْعَبْدَ بِالْخِيَارِ أَوْ يَرْتَهِنُهُ، أَوْ يَشْتَرِيهِ لِرَجُلٍ فِيمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ بِأَمْرِهِ وَمَا يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِأَمْرِهِ وَهُوَ فِيهِ مُؤْتَمَنٌ كَالْمُودَعِ سَوَاءً، فَدَلَّ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي هَذَا كُلِّهِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ ذَلِكَ فِي حَاضِرَةٍ وَلَهُ جِيرَانٌ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَهَلْ السُّلْطَانُ يَسْتَخْبِرُ الْجِيرَانَ وَلَا يُكَلِّفُهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَوْلَانِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلُهُمَا. قَالَ فِي السَّمَاعِ: وَإِذَا ادَّعَى إبَاقَهُ أَوْ أَنَّهُ مَاتَ بِفَلَاةٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، مَعْنَاهُ وَيَحْلِفُ فِي الْوَجْهَيْنِ (وَحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ ادَّعَى الرَّاهِنُ تَغَيُّبَ الرَّهْنِ يَعْنِي الَّذِي يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ الْعُتْبِيُّ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الرَّاهِنُ عِلْمَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ وَثِقَ بِهِ، فَإِنْ حَلَفَ حَلَفَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: يَحْلِفُ لَقَدْ ضَاعَ وَمَا دَلَّسَ فِيهِ وَلَا يَعْلَمُ لَهُ مَوْضِعًا. وَأَنْكَرَ قَوْلَ الْعُتْبِيِّ وَقَالَ: يَمِينٌ تُوجِبُ يَمِينًا هَذَا لَا يَكُونُ
عِيَاضٌ: عَلَى قَوْلِ ابْنِ مُزَيْنٍ حَمَلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَاسْتَمَرَّ ضَمَانُهُ إنْ قُبِضَ
стр. 2569
الدَّيْنُ أَوْ وُهِبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَبَضَ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَقَبَضَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ أَوْ وَهَبَهُ لِلرَّاهِنِ ثُمَّ ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الدَّيْنِ (إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ أَوْ يَدْعُوَهُ لِأَخْذِهِ فَيَقُولَ اُتْرُكْهُ عِنْدِي) اللَّخْمِيِّ: الرَّهْنُ مَضْمُونٌ وَإِنْ قَضَى مَا رَهَنَ فَهِيَ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُمَا إلَّا أَنْ يَقُولَ لِلرَّاهِنِ اُتْرُكْهُ عِنْدَك وَدِيعَةً فَيَكُونَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ الْقَضَاءِ مَوْجُودًا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا بَيْنَ أَيْدِيهِمَا فَقَضَى مَا رَهَنَ فِيهِ ثُمَّ قَامَ الرَّاهِنُ وَتَرَكَهُ كَانَ وَدِيعَةً وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ إنْ قَالَ ضَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ وَاعْتَرَفَ رَاهِنُهُ لَمْ يُصَدَّقْ إنْ أَعْدَمَ وَإِلَّا بَقِيَ إنْ فَدَاهُ وَإِلَّا أُسْلِمَ بَعْدَ الْأَجَلِ وَدَفْعِ الدَّيْنِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْعَبْدَ جَنَى جِنَايَةً أَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا وَهُوَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ تَقُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُعْدَمًا لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا قِيلَ لَهُ أَتَفْدِيهِ أَمْ تُسَلِّمُهُ؟ فَإِنْ فَدَاهُ بَقِيَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَإِذَا حَلَّ أَدَّى الدَّيْنَ وَدَفَعَ الْعَبْدَ بِجِنَايَتِهِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا وَإِنْ فَلِسَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْجِنَايَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَثُبُوتِ الْجِنَايَةِ بِبَيِّنَةٍ (وَإِنْ ثَبَتَتْ أَوْ اعْتَرَفَا وَأَسْلَمَهُ فَإِنْ أَسْلَمَهُ مُرْتَهِنُهُ أَيْضًا فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَالِهِ) أَمَّا إذَا ثَبَتَتْ الْجِنَايَةُ وَأَسْلَمَهُ مُرْتَهِنُهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً خُيِّرَ السَّيِّدُ أَوَّلًا، فَإِنْ فَدَاهُ كَانَ عَلَى رَهْنِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ خُيِّرَ الْمُرْتَهِنُ أَيْضًا، فَإِنْ أَسْلَمَهُ كَانَ لِأَهْلِ الْجِنَايَةِ بِمَالِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَبَقِيَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ بِحَالِهِ.
وَإِنْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا فَدَاهُ بِهِ مَعَ الدِّينِ وَلَا يَكُونُ مَالُهُ رَهْنًا بِأَرْشٍ وَلَا دَيْنٍ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الدَّيْنِ أَوَّلًا، وَإِنْ أَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِيعَ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ لَا قَبْلَهُ فَفَدَى بِمَا فَدَاهُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ سَاوَتْ رَقَبَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا فَدَاهُ بِهِ لَمْ يَتْبَعْ السَّيِّدُ بِمَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَدَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَتَبِعَهُ بِدَيْنِهِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَانَ الْفَضْلُ مِنْ رَقَبَتِهِ فِي الدَّيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يُصَدَّقُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ " أَوْ اعْتَرَفَا " قَبَضَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ (وَإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِدَاؤُهُ فِي رَقَبَتِهِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَرْهَنْ بِمَالِهِ وَلَمْ يَبِعْ إلَّا فِي الْأَجَلِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ أَسْلَمَهُ السَّيِّدُ خُيِّرَ الْمُرْتَهِنُ بَيْنَ ثَلَاثٍ: بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ، أَوْ يَفْتَدِيَهُ فَيَكُونَ رَهْنًا إلَى أَجَلٍ، أَوْ يَفْتَكَّهُ بِزِيَادَةٍ وَلَوْ بِدِرْهَمٍ وَيَكُونَ لَهُ الْعَبْدُ بَتْلًا وَيَتْبَعُ السَّيِّدَ بِحَقِّهِ إلَّا
стр. 2570
ذَلِكَ الدِّرْهَمَ وَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ إذَا افْتَدَاهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي تَعَلُّقِ الْفِدَاءِ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ وَفِي بَيْعِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ وَفِي مَالِ الْعَبْدِ، هَلْ يَكُونُ مَعَهُ فِيمَا فَدَى بِهِ؟ فَإِنْ فَدَاهُ بِإِذْنِهِ كَانَ سَلَفًا فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ وَلَا يُبَاعُ قَبْلَ الْأَجَلِ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ رَهْنًا بِمَا فَدَى بِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يَكُونُ رَهْنًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ رَهْنًا وَإِنْ افْتَدَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَكُنْ سَلَفًا فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ إنْ هَلَكَ وَكَانَ مُعَلَّقًا بِعَيْنِ الْعَبْدِ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُبَاعُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: يُبَاعُ قَبْلَ الْأَجَلِ لِأَنَّ الرَّاهِنَ أَسْلَمَهُ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَلَا مَقَالَ لِلرَّاهِنِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِسْلَامِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَالِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتْبَعُهُ وَالْمَالُ لِسَيِّدِهِ.
وَقَالَ مَرَّةً يَتْبَعُهُ وَيَكُونُ رَهْنًا فِيمَا فَدَى بِهِ وَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّهُ افْتَدَى مَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَحَقَّ بِهِ فَيُبَاعُ بِمَالِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ لَا يَكُونُ رَهْنًا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ (وَإِنْ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ رَهْنًا بِهِ) عِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ أَتْبَعَهُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ وَبِالدَّيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: " اُخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ رَهْنًا بِمَا فَدَى بِهِ " فَانْظُرْهُ أَنْتَ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ.
(وَإِذَا قُضِيَ بَعْضُ الدَّيْنِ أَوْ سَقَطَ فَجَمِيعُ الرَّهْنِ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ رَهَنَ امْرَأَتَهُ رَهْنًا بِكُلِّ الْمَهْرِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُ نِصْفِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ أَجْمَعُ رَهْنٌ بِنِصْفِ الْمَهْرِ كَمَنْ قَضَى بَعْضَ الدَّيْنِ أَوْ وَهَبَ لَهُ فَكُلُّ الرَّهْنِ رَهْنٌ بِمَا بَقِيَ (كَاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ارْتَهَنَ دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ ثَوْبًا فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْحَقِّ.
(وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي نَفْيِ الرَّهْنِيَّةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ عَبْدَانِ وَادَّعَى أَنَّهُمَا رَهْنٌ وَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُك أَحَدَهُمَا وَأَوْدَعْتُكَ الْآخَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ لِأَنَّ مَنْ ادَّعَى فِي سِلْعَةٍ بِيَدِهِ أَوْ
стр. 2571
عَبْدٍ أَنَّ ذَلِكَ رَهْنٌ وَقَالَ رَبُّهُ بَلْ عَارِيَّةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ صُدِّقَ رَبُّهُ مَعَ يَمِينِهِ (وَهُوَ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ فَالرَّهْنُ كَشَاهِدٍ لِلْمُرْتَهِنِ إذَا حَازَهُ وَثِيقَةٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ وَالتَّدَاعِي لَا يَوْمَ التَّرَاهُنِ مِثْلَ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ فَأَكْثَرَ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي مَا قَالَ الرَّاهِنُ فَأَقَلَّ لَمْ يَحْلِفْ إلَّا الرَّاهِنُ وَحْدَهُ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَأَمَّا إنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ وَيُصَدَّقُ فِي قِيمَتِهِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَذَّبَهُ رَبُّهُ، وَيُصَدَّقُ أَيْضًا فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْحَقِّ إلَى مَبْلَغِ تِلْكَ الْقِيمَةِ تَكُونُ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ رَهْنٌ قَائِمٌ يَشْهَدُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إلَى مَبْلَغِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ.
(لَا الْعَكْسُ) قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ رَهَنَ رَهْنًا بِأَلْفِ دِينَارٍ فَجَاءَ لِيَقْبِضَهُ فَأَخْرَجَ الْمُرْتَهِنُ رَهْنًا يُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ لَيْسَ هَذَا رَهْنِي وَقِيمَةُ رَهْنِي أَلْفُ دِينَارٍ وَذَكَرَ صِفَةً تُسَاوِي أَلْفًا، فَالرَّاهِنُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ مَا لَا يُشْبِهُ، فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ مِقْدَارُ قِيمَةِ رَهْنِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا.
وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نَحْوَ قَوْلِ أَشْهَبَ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهِ أَقُولُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. ابْنُ يُونُسَ: كَمَا لَوْ قَالَ لَمْ تَرْهَنِّي شَيْئًا (إلَى قِيمَتِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالرَّاهِنُ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ إلَى مَبْلَغِ قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ وَيَأْخُذُهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ مَا لَمْ يُنْقِصْ عَنْهَا، فَإِنْ نَقَصَ حَلَفَا وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِقِيمَتِهِ وَقِيلَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ بِيَدِ أَمِينٍ عَلَى الْأَصَحِّ) ابْنُ يُونُسَ: اُخْتُلِفَ إنْ كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا بِيَدِ الْأَمِينِ هَلْ يَكُونُ شَاهِدًا أَمْ لَا؟ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ شَاهِدٌ كَانَ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ غَيْرِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيِّ.
(مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الرَّاهِنُ إذَا أَخَذَ رَهْنَهُ خَرَجَ
стр. 2572
مِنْ الرَّهْنِ وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ مَا يَكُونُ شَاهِدًا لَهُ عَلَى دَعْوَاهُ. اُنْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى (وَحَلَفَ مُرْتَهِنُهُ وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ وَإِنْ نَقَصَ حَلَفَا وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ) بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ (بِقِيمَتِهِ) وَانْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَلَوْ بِيَدِ أَمِينٍ ".
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَبْدَأُ الْمُرْتَهِنُ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ الرَّهْنَ شَاهِدٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ عِشْرِينَ الَّتِي ادَّعَاهَا الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ لِلْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا قَالَ الرَّاهِنُ هُوَ فِي مِائَةٍ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ فِي مِائَتَيْنِ وَالرَّهْنُ قَائِمٌ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ يَوْمَ الْحُكْمِ، فَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ لَمْ يُصَدَّقْ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا وَحَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا قَالَ فَإِنْ حَلَفَ فَإِنَّمَا يَبْدَأُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ وَيُؤَدِّي مَبْلَغَ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَيَأْخُذُهُ إنْ أَحَبَّ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي عَشَرَةً وَهِيَ الَّتِي ادَّعَاهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ كَانَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ دَعْوَاهُ لَمْ يَكُنْ الْيَمِينُ إلَّا عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ وَأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ فَهَاهُنَا يَحْلِفَانِ، يَبْدَأُ الْمُرْتَهِنُ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ الرَّهْنَ كَشَاهِدٍ لَهُ عَلَى قِيمَتِهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ الْآخَرُ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ كُلُّ مَا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ، وَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ بَرِئَ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِالرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الرَّاهِنُ قِيمَتَهُ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَا حُجَّةَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَقُولَ وَلَا أَدْفَعُهُ إلَيْك إلَّا بِحَقِّي كُلِّهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ تَالِفٍ تَوَاصَفَاهُ ثُمَّ قُوِّمَ فَإِنْ
стр. 2573
اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ تَوَاصَفَاهُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي الصِّفَةِ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ثُمَّ يَدَّعِي لِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُقَوِّمُونَ، ثُمَّ إنْ اخْتَلَفَا فِي الدَّيْنِ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ إلَى مَبْلَغِ قِيمَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ.
[هَلَكَ الرَّهْنُ وَجُهِلَتْ صِفَتُهُ]
(فَإِنْ تَجَاهَلَا فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ هَلَكَ الرَّهْنُ وَجُهِلَتْ صِفَتُهُ كَانَ بِمَا رَهَنَ فِيهِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَدْرِي هَلْ يَفْضُلُ لَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ شَيْءٌ أَمْ لَا، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَشْهَبَ (وَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ إنْ بَقِيَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَهُوَ كَالشَّاهِدِ ".
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ قُبِضَ عَشَرَةً وَيَوْمَ الْحُكْمِ عِشْرِينَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ فِي عَشَرَةٍ (وَهَلْ يَوْمَ التَّلَفِ أَوْ الْقَبْضِ أَوْ الرَّهْنِ إنْ تَلِفَ؟ أَقْوَالٌ) أَمَّا ابْنُ يُونُسَ فَإِنَّمَا قَالَ مَا نَصُّهُ: إنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ. وَسَمِعَ عِيسَى: قِيمَةُ مَا ضَاعَ مِنْ رَهْنِ حُلِيٍّ أَوْ ثِيَابٍ يَوْمَ ضَاعَ لَا يَوْمَ رُهِنَ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ بَعْدَ هَذَا قِيمَتُهُ يَوْمَ رُهِنَ. عِيسَى: وَلَيْسَ بِخِلَافٍ، رَاجِعْهُ فِيهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مَقْبُوضٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ وُزِّعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ مِائَتَانِ فَرَهَنَك بِمِائَةٍ مِنْهَا رَهْنًا ثُمَّ قَضَاك مِائَةً وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الَّتِي فِيهَا الرَّهْنُ وَقُلْتَ أَنْتَ هِيَ الَّتِي لَا رَهْنَ فِيهَا وَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ أَوْ لَمْ يَقُومُوا، فَإِنَّ الْمِائَةَ يَكُونُ نِصْفُهَا عَنْ الْمِائَةِ الرَّهْنِ وَنِصْفُهَا عَنْ الْمِائَةِ الْأُخْرَى، يُرِيدُ بَعْدَ التَّحَالُفِ إذَا ادَّعَيَا الْبَيَانَ.
(كَالْحَمَالَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ قَرْضٍ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ كَفَالَةٍ فَقَضَاهُ أَلْفًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا الْقَرْضُ وَقَالَ الْمُقْتَضِي بَلْ هِيَ الْكَفَالَةُ. ابْنُ يُونُسَ: وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا بَيَّنَا فَلْيُقْضَ بِنِصْفِهَا عَنْ الْقَرْضِ وَنِصْفِهَا عَنْ الْكَفَالَةِ، يُرِيدُ وَيَحْلِفَانِ أَنَّهُمَا بَيَّنَا. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْكَفِيلُ وَالْغَرِيمُ مُوسِرَيْنِ. ابْنُ شَاسٍ.
стр. 2574
[كِتَابُ التَّفْلِيسِ] [ أَحْكَام الْحَجَر عَلَى الْمُفْلِس]
وَلِلْحَجْرِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: الْأَوَّلُ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ.
الثَّانِي بَيْعُ مَالِهِ وَقِسْمَتُهُ.
الثَّالِثُ حَبْسُهُ إلَى ثُبُوتِ إعْسَارِهِ.
الرَّابِعُ الرُّجُوعُ إلَى عَيْنِ الْمَالِ
(لِلْغَرِيمِ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ
стр. 2575
مِنْ تَبَرُّعِهِ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ " لِلْغَرِيمِ " سَيَأْتِي لِابْنِ رُشْدٍ إتْلَافُهُ الْمَالَ قَبْلَ التَّفْلِيسِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ: أَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ الرُّوَاةِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ الَّذِي لَا وَفَاءَ عِنْدَهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا كُلُّ مَا فَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ وَلَا إقْرَارُهُ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ فَإِذَا ضَرَبَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ.
اللَّخْمِيِّ: مِنْ حَقِّ الْغُرَمَاءِ إذَا تَبَيَّنَ فَلَسُ غَرِيمِهِمْ الْحَجْرُ عَلَيْهِ وَانْتِزَاعُ مَا فِي يَدَيْهِ، ابْنُ شَاسٍ: وَمِنْ أَحْكَامِ الْحَجْرِ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ خَوْفِ الْحَجْرِ بِوُجُوهِ التَّبَرُّعِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَالْبَيْعُ بِالْمُحَابَاةِ فِي مَعْنَى التَّبَرُّعِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْغُرَمَاءِ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ: مَنْ نَحَلَ بِنْتَه ثُلُثَ مَالِهِ عِنْدَ نِكَاحِهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ثُمَّ مَاتَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ قَبْلَ النِّحْلَةِ فَالدَّيْنُ مُبْدَأٌ أَوْ لِلْمَنْحُولِ لَهَا ثُلُثُ مَا يَبْقَى.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النِّحْلَةِ فَلِلْمَنْحُولِ لَهَا ثُلُثُ الْجَمِيعِ وَالدَّيْنُ بَعْدَهَا.
وَفِي الْمُفِيدِ مَا نَصُّهُ: مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ هِبَةٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا صَدَقَةٌ، فَإِنْ تَصَدَّقَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ وَبِيَدِهِ مَالٌ لَا يَدْرِي أَيَفِي بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ أَمْ لَا فَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَهُ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ أَوْ مُطْلَقًا، وَسَيَأْتِي لِابْنِ رُشْدٍ إنْ فَرَّقَا فِي عِتْقِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ أَوْ لَا.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَصِيَّةُ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَعِتْقُهُمْ مَرْدُودٌ، وَيُرَشِّحُ هَذَا نَقْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الْحَبْسِ فِقْهًا مُسَلَّمًا أَنَّ مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرَقِ ذِمَّةٍ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ ضَمِنَهَا لِلْفُقَرَاءِ، وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ هَذَا ثُمَّ قَالَ: وَلِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَأَظُنُّهُ الصَّائِغَ وَنَقَلَ عِيَاضٌ فِي مَدَارِكِهِ أَنَّ دُرَّةً جَلِيلَةً خَرَجَتْ مِنْ دَارِ السُّلْطَانِ بِبَغْدَادَ لِبَعْضِ الْأُمَرَاءِ فَوَصَلَتْ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ فَاسْتَحْسَنَهَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ وَجَعَلَ يُقَبِّلُهَا، وَفِي الْمَجْلِسِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ فَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَيْهَا وَامْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيلِهَا.
فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: أَخْبِرْنِي لِمَ لَمْ تَفْعَلْ؟ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مُرَادَهُ فَقَالَ: هِيَ لِغَيْرِ مَالِكِهَا وَحُكْمُهَا حُكْمُ اللُّقَطَةِ يَلْزَمُ ضَمَانُهَا مُلْتَقِطَهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا إلَى مَالِكِهَا فَلَوْ أَخَذْتُهَا لَضَمِنْتهَا، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ، فَاسْتَحْسَنَهُ الْقَاضِي وَدَلَّ عَلَى فَضْلِ قَائِلِهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فُتْيَا ابْنِ إبْرَاهِيمَ لِلْأَمِيرِ بِالْكَفَّارَةِ بِالصَّوْمِ لِفَقْرِهِ بِاسْتِغْرَاقِ ذِمَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا صَدَرَتْ فُتْيَا ابْنِ رُشْدٍ فِي الْعُمَّالِ الظَّلَمَةِ أَنَّهُ يَضُمُّ مَا وَجَدَ لَهُمْ لِبَيْتِ الْمَالِ. قَالَ: وَأَمَّا مَا فَاتَ بِبَيْعٍ فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ لِفَوْتِهِ.
وَعُرِفَ عِيَاضٌ بِعَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَشْهُورِ بِالْوَرَعِ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ جُنْدِيٌّ فَرَسَهُ فَرَكِبَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ إمَّا وَرَعٌ نَقَصَ وَإِمَّا عِلْمٌ زَادَ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّهُ تَصَدَّقَ بِقَدْرِ انْتِفَاعِهِ بِهِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عُرِفَ بِهِ عِيَاضٌ أَيْضًا وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ قَالَ: ذَهَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ لِيَزُورَهُ بِالزَّهْرَاءِ قَالَ: وَكَانَ صَدِيقَهُ
стр. 2576
فَدَعَاهُ إلَى الْأَكْلِ مَعَهُ فَأَكَلَ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ إلَّا مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ، فَقِيلَ لِابْنِ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَمْسَكْتُ عَنْ طَعَامِهِ لَكَانَ جَفَاءً عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَوَّمْتُ مَا أَكَلْت وَأَجْمَعْت عَلَى الصَّدَقَةِ بِهِ وَثَوَابُ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ، وَرَأَيْت هَذَا أَفْضَلَ مِنْ الشُّهْرَةِ وَالْجَفَاءِ عَلَى الرَّجُلِ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ عَنْ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ بِالْحَرَامِ، هَلْ تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ؟ فَقَالَ: فِي ذَلِكَ خِلَافٌ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ أَنَّ الْفُقَرَاءَ لَمْ يَسْتَحِقُّوا عَيْنَ مَا بِيَدِهِ إنَّمَا اسْتَحَقُّوا قَدْرَهُ خَاصَّةً لَا عَيْنَهُ، فَإِذَا بَذَلَ لَهُ مِثْلَهُ فَلَا مَضَرَّةَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ خَيْرًا إذَا كَانَ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ مِمَّا يُخْفِيهِ وَكَانَ الَّذِي بَذَلَ لَهُ مِمَّا يُظْهِرُهُ إذْ قَدْ يُقَامُ عَلَيْهِ فَيُوجَدُ لَهُ مَا يُؤْخَذُ لَهُ انْتَهَى. وَانْظُرْ هَذَا أَيْضًا هَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَإِنَّ الْحَرَامَ إذَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ صَارَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَالًا مِنْ مَالِهِ يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهُ لَهُ. وَقَدْ بَالَغَ فِي الْإِحْيَاءِ فِي هَذَا وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: لَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَسْرِقَ مَالَ ظَالِمٍ وَلَا لَك أَنْ تُخْفِيَ وَدِيعَتَهُ وَتُفَرِّقَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِشِرَاءٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنَّ كَوْنَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ تَحْتَ يَدِهِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ " فِي ذِمَّتِهِ " مَذْهَبُنَا نَحْنُ أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا اشْتَرَى مُطْلَقًا إذَا لَمْ يُكْرِهْ الْبَائِعَ عَلَى الْبَيْعِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى ذَلِكَ الشِّقْصَ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مَغْصُوبَةً فَلَكَ أَنْتَ أَنْ تَشْفَعَ فِي ذَلِكَ الشِّقْصِ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ، وَإِذَا قَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهَا أَتْبَعَهُ بِهَا وَلَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ بِعَبْدٍ مَغْصُوبٍ فَلَا شُفْعَةَ لَك حَتَّى يَفُوتَ الْعَبْدُ وَيَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ إذَا تُوُفِّيَ هَذَا الْمُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةَ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا كَانَ حَرَامًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَفُتْ أَوْ كَانَ لَهُ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَهَكَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ عَمَّنْ هَلَكَ وَتَرَكَ مَالًا حَرَامًا فَقَالَ مَا نَصُّهُ: أَجَازَ وِرَاثَتَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبَاهُ الْقَاسِمُ وَغَيْرُهُ، وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ أَهْلَهُ فَيَرُدَّ إلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَهْلَهُ فَلَا يَقْضِي عَلَى الْوَرَثَةِ بِأَنْ يَتَصَدَّقُوا بِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُمْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ هِيَ فُتْيَا الْأَشْيَاخِ فِي أَشْخَاصِ الْمَسَائِلِ دُونَ كَلَامِهِمْ الْعَامِّ فِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ فِيمَنْ عَمِلَ لِلسَّلَاطِينِ فَظَلَمَ النَّاسَ أَوْ كَانَ قَاهِرًا غَاصِبًا أَوْ قَاطِعًا لِلسُّبُلِ أَوْ سَارِقًا أَوْ تَاجِرًا عَمِلَ بِالرِّبَا ثُمَّ مَرِضَ وَأَرَادَ التَّنَحِّيَ مِمَّا نَالَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ فِي مَرَضِهِ إنِّي نِلْت مِنْ
стр. 2577
أَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَالِي فَأَنَا أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي. قَالَ: فَأَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ الشُّورَى: إنْ أَبَى الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْفُقَرَاءِ إلَّا الثُّلُثُ خَاصَّةً، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ طَالِبًا مُعَيَّنًا وَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ فَذَلِكَ كَالدَّيْنِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ إنْ قَامَ السُّلْطَانُ عَلَى مِثْلِ هَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فُتْيَا ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ كَالطَّالِبِ الْمُعَيَّنِ إلَّا إنْ كَانَ مَا بَاعَ مَضَى. وَنَحْوُ هَذَا قَبْلَ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ تَرْجَمَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: الشُّورَى فِيمَا خَلَفَهُ ابْنُ السَّقَّاءِ قَيِّمُ دَوْلَةِ ابْنِ جَوْهَرٍ، وَأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ اسْتِطَالَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَفَاهَةٍ وَفَرَهٍ يَوْمَ وَلِيَ النَّظَرَ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ هُذَيْلٍ وَابْنُ مَالِكٍ أَنَّ جَمِيعَ مَا خَلَّفَهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: مَا تَرَكَهُ مُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ لِبَيْتِ الْمَالِ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغُرَمَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي تَرِكَتِهِ أَكْثَرُ ضَرَبَ الْغُرَمَاءُ فِيمَا يَبْقَى بَعْدَ أَخْذِ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَجِبُ لَهُ. وَمِنْ وَثَائِقِ ابْنِ سَلْمُونَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَفَادَهُ الْعُمَّالُ كَمَا «فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ مِنْ الْعَامِلِ الْهَدِيَّةَ الَّتِي قَالَ هَذَا أُهْدِيَ لِي وَقَالَ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ مَا يُهْدَى إلَيْهِ» . وَقَدْ فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَكُلُّ مَا اسْتَفَادَهُ وَالٍ مِنْ مَالٍ سِوَى رِزْقِهِ وَقَاضٍ فِي قَضَائِهِ فَلِلْإِمَامِ أَخْذُهُ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَالَهُ مَالِكٌ. وَشَاطَرَ عُمَرُ ﵁ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا مُوسَى وَغَيْرَهُمْ ﵃.
وَانْظُرْ قَضِيَّتَهُ ﵁ حِينَ شَاطَرَ بَنِيهِ فِي الرِّبْحِ الَّذِي رَبِحَاهُ فِيمَا سَلَّفَهُمَا أَبُو مُوسَى. قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَاسْتَسْهَلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الشَّكْوَى بِاَلَّذِينَ يُرْسِلُونَ الْبَهَائِمَ فِي الْكُرُومِ إلَى حَاكِمِ الْفَحْصِ فَيُلْزِمُهُمْ عَلَيْهَا شَيْئًا مَدْخُولًا عَلَيْهِ، وَكُنْت أَنَا أَسْتَحْسِنُ هَذَا وَأَحْتَجُّ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ مُسْتَغْرِقُو الذِّمَّةِ، فَكُلُّ مَا أَغْرَمَهُمْ فَسَائِغٌ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَالَ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ سَائِغٌ لِكُلِّ النَّاسِ كَالْفَيْءِ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيِّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَانْظُرْ أَيْضًا مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ هَلْ يَسُوغُ لَهُ إمْسَاكُ مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْ مَالٍ بِإِرْثٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ يَصْرِفُهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ التَّبَاعَاتِ. فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ حُكْمُ اللُّقَطَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا لَهُ أَنْ يَمْسِكَهَا كَمَا قَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ الَّذِي وُجِدَ فِي الْكِفَّةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَغْنَمِ مَالًا كَثِيرًا وَقَدْ وَقَعَ لَهُ.
وَلِابْنِ الْحَاجِّ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِمَا فِي
стр. 2578
أَمْوَالِ الْبَرْبَرِ الْمُجْتَمِعَةِ مِنْ الْغَارَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَا حُكْمُ الْوَرَثَةُ؟ فَقَالَ: حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِ كَاللُّقَطَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ بِهَا وَلَا تَجِبُ لَا سِيَّمَا إنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْأَمْوَالُ الْمَغْصُوبَةُ وَإِنَّمَا هِيَ نَسْلُهَا فَيَجُوزُ شِرَاؤُهَا لِمَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا.
وَفِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ فِي الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ زَوْجَةِ الرَّجُلِ الظَّالِمِ يَأْبَى طَلَاقَهَا، لَهَا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ وَإِثْمُهَا فِي عُنُقِهِ وَكَذَلِكَ الْمَمْلُوكُ انْتَهَى.
وَهَذَا لَا شَكَّ مَا لَمْ يَكُنْ عَيْنَ الْمَغْصُوبِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَدْ صَارَ مَالُهُ بِيَدِهِ كَالصَّنَمِ فِي كَبَّةِ الْخُيُوطِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الدَّاوُدِيُّ وَقِيلَ: هُوَ كَالْمِدْيَانِ قَبْلَ الضَّرْبِ عَلَى يَدَيْهِ يَجُوزُ تَرْكُهَا بِلَا مُحَابَاةٍ. تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِنْتَ عَمِّهِ وَقَالَ لَهَا: رُدِّي حُلِيَّك لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ: وَانْظُرْ عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ ظَفِرَ بِمَالِ مَنْ جَحَدَهُ، هَلْ لِلْفَقِيرِ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ مُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ؟ أَفْتَى شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَمْنَعُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً.
هَذَا هُوَ الَّذِي شَافَهَنِي بِهِ ثُمَّ بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ لِجَوَازِ ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ إلَى مَالِ الْغَيْرِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ فَاشْتَرَى بِهِ دَارًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَحَدًا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْتَرِيَ أَنْتَ تِلْكَ الدَّارَ أَوْ الثَّوْبَ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِالْمَالِ الْحَرَامِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ بِالدَّنَانِيرِ الْمَغْصُوبَةِ أَنَّ لَك أَنْ تَشْفَعَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَجَازَ قَبُولَ هَذَا الْمُشْتَرِي هِبَةً ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ حَبِيبٍ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَا اشْتَرَاهُ هَؤُلَاءِ الْعُمَّالُ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَهْدَوْهُ لَك طَابَ لَك أَكْلُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الْحَرَامَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَالْمُهْدِي فَهُمَا الْمَأْخُوذَانِ بِهِ وَالْمَسْئُولَانِ عَنْهُ، وَنَحْوُ هَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إذْ قَالَ: لَك الْمَهْنَأُ وَعَلَى غَيْرِك الْمَأْثَمُ. وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْدَعْته دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً فَلَيْسَ لَك فِي السِّلْعَةِ شَيْءٌ إنَّمَا تُتْبِعُهُ بِدَنَانِيرِك.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: كَرِهَ مَالِكٌ الشِّرَاءَ مِنْ لَحْمِ شَاةٍ تَلَقَّى الْجَزَّارُ شِرَاءَهَا مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ، وَالْقِيَاسُ عَلَى قَوْل مَنْ يَقُولُ هَذَا جَوَازُ الشِّرَاءِ لِأَنَّ بِذَبْحِهَا فَاتَ بَيْعُهَا الْفَاسِدُ وَوَجَبَتْ لَهُ بِقِيمَتِهَا فَالْمُشْتَرِي مِنْ لَحْمِهَا إنَّمَا اشْتَرَى لَحْمَ شَاةٍ قَدْ صَحَّ مِلْكُ بَائِعِهِ لِدُخُولِ الشَّاةِ فِي ضَمَانِهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا غَصَبَ قَمْحًا فَطَحَنَهُ ضَمِنَ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُمَكَّنُ رَبُّ الْقَمْحِ مِنْ أَخْذِ الدَّقِيقِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ إلَّا إنْ طَحَنَ الْقَمْحَ سَوِيقًا وَلَتَّ بِسَمْنٍ فَيَتَّفِقُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ لَيْسَ لِرَبِّ الْقَمْحِ أَخْذُهُ كَذَلِكَ، وَلَا أَخْذُ بَعْضِهِ عَنْ قَمْحٍ لِأَنَّهُ رِبًا.
قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي مُعَامَلَةِ الْمُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ بِالْحَرَامِ: إنَّ مُعَامَلَتَهُ فِي غَيْرِ عَيْنِ الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ تَكُونُ كَمُعَامَلَةِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَلَمْ يُفْلِسْ لَا حُكْمَ الْمُفْلِسِ فَيُعَامَلُ بِالْقِيمَةِ اهـ. وَحَكَى ابْن رُشْدٍ هَذَا أَيْضًا وَشَهَرَ مَنْعَ مُعَامَلَتِهِ قَائِلًا. لِأَنَّ الدُّيُونَ قَدْ
стр. 2579
اغْتَرَقَتْ ذِمَّتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ وَلَوْ بِبَيْعٍ، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَكُّ مِنْ الْمُغَابَنَةِ وَقَدْ تَغْلُو السِّلْعَةُ الَّتِي تُشْتَرَى مِنْهُ وَتَرْخُصُ السِّلْعَةُ الَّتِي تُبَاعُ مِنْهُ فَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ تَبَاعَتِهِ نَقْصًا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ. قَالَ: أَمَّا لَوْ اغْتَصَبَ هَذَا الْمُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةِ رَجُلًا مِثْلِيًّا فَغَابَ عَلَيْهِ لَسَاغَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُ إذْ لَمْ يُدْخِلْ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ بِمَا أَخَذَ نَقْصًا، وَكَذَلِكَ لَوْ اغْتَصَبَ مِنْهُ سِلْعَةً فَجَحَدَهَا لَسَاغَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا لِأَنَّهُ لَا يُدْخِلُ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا.
أَمَّا لَوْ جَنَى عَلَى دَابَّةٍ فَقَتَلَهَا أَوْ عَلَى ثَوْبٍ فَأَفْسَدَهُ لَسَاغَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُغْرِمَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يُدْخِلُ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا، وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَسُوغُ لِأَجِيرٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أُجْرَةً فِي خِدْمَتِهِ إيَّاهُ وَلَا لِحَجَّامٍ إجَارَةً فِي حِجَامَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا.
وَلِابْنِ رُشْدٍ: عِتْقُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَابُ الدُّيُونِ مَعْلُومِينَ أَوْ مَجْهُولِينَ، فَإِنْ كَانُوا مَعْلُومِينَ فَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمُوا بِالْعِتْقِ بِالْفَوْرِ أَوْ بَعْدَ طُولٍ.
(وَسَفَرِهِ إنْ حَلَّ بِغَيْبَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَك مَنْعُ غَرِيمِك مِنْ بَعِيدِ السَّفَرِ الَّذِي يَحِلُّ دَيْنُك قَبْلَ قُدُومِهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ قَرِيبِهِ الَّذِي يَئُوبُ فِيهِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ (وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ) اُنْظُرْ أَنْتَ مَا مَعْنَى هَذَا.
(أَوْ كُلَّ مَا بِيَدِهِ) نَقَلَ بَهْرَامَ عَنْ السُّيُورِيِّ أَنَّهُ إذَا قَضَى جَمِيعَ مَا بِيَدِهِ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ أَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي رَدِّهِ. وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: رَهْنُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ جَائِزٌ مَا لَمْ يُفْلِسْ وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ، سَوَاءٌ قَامَ بَقِيَّةُ غُرَمَائِهِ بِأَثَرِ ذَلِكَ أَوْ تَأَخَّرَ قِيَامُهُمْ إذَا كَانَ يَبِيعُ وَيَتَأَخَّرُ النَّاسُ بِبَيْعِهِ، وَقَضَاؤُهُ وَرَهْنُهُ جَائِزٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ فَطِنَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ بِاسْتِغْرَاقِهِ وَبَادَرَ الْغُرَمَاءَ فَهُوَ أَحَقُّ مَا لَمْ يَكُنْ الْغُرَمَاءُ قَدْ تَشَاوَرُوا كُلُّهُمْ عَلَى تَفْلِيسِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ أَحَقُّ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَشَاوَرُوا وَبِهِ أَقُولُ (كَإِقْرَارِهِ لِمُتَّهَمٍ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: إقْرَارُهُ قَبْلَ الْحَجِّ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ جَائِزٌ، وَلِغَيْرِهِ كَالْأَبِ وَالزَّوْجِ وَالْأَخِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَأَنْ لَا يَجُوزَ أَحْسَنُ (وَالْأَصَحُّ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ:
стр. 2580
إقْرَارُهُ مَا دَامَ قَائِمَ الْوَجْهِ مُنْبَسِطَ الْيَدِ فِي مَالِهِ جَائِزٌ إلَّا إذَا قَرُبَ تَفْلِيسُهُ وَخَافَ قِيَامَ الْغُرَمَاءِ فَأَقَرَّ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَإِنِّي أُبْطِلُ إقْرَارَهُ وَأَرَاهُ تَوْلِيجًا، وَأَمَّا إقْرَارُهُ لِلْأَجْنَبِيِّينَ فَجَائِزٌ. (لَا بَعْضِهِ وَرَهْنِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ عِتْقٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا هِبَةٌ، وَأَمَّا رَهْنُهُ وَقَضَاؤُهُ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يُفْلِسْ اهـ. اُنْظُرْ مَا عَنَى بِقَوْلِهِ " بَعْضٍ ".
(وَفِي كِتَابَتِهِ قَوْلَانِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي
стр. 2581
الْكِتَابَةِ فَقِيلَ هِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِتْقِ فَتُرَدُّ، وَقِيلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْعِ فَتُمْضَى ثُمَّ ذَكَرَ مُخْتَارًا لِنَفْسِهِ (وَلَهُ التَّزَوُّجُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا دَامَ قَائِمَ الْوَجْهِ فَإِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَمْ يُفْلِسْ (وَفِي تَزَوُّجِهِ أَرْبَعًا وَتَطَوُّعِهِ فِي الْحَجِّ تَرَدُّدٌ) مُقْتَضَى مَا يَتَقَرَّرُ أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي حَجَّةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إتْلَافُهُ الْمَالَ قَبْلَ التَّفْلِيسِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ كَالْكِسْرَةِ يُعْطِيهَا السَّائِلَ، وَالضَّحِيَّةِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْعِيدَيْنِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ مِنْ الْكِرَاءِ فِي الْحَجِّ التَّطَوُّعِ. وَانْظُرْ هَلْ لَهُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ أَمْ لَا؟ ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ، وَتَدَبَّرْ ذَلِكَ؟ اهـ مِنْ ابْنِ رُشْدٍ.
(وَفُلِّسَ حَضَرَ) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ إذَا طَلَبَ الْغُرَمَاءُ الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْجُرُ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَامَ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِالْمِدْيَانِ فَلَهُ تَفْلِيسُهُ كَقِيَامِ الْجَمَاعَةِ وَيَبِيعُ الْإِمَامُ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَالِهِ فَيُوَزِّعُهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ وَيَحْبِسُهُ فِيمَا بَقِيَ إنْ تَبَيَّنَ
стр. 2582
لَدَدَهُ وَاتُّهِمَ. وَلِابْنِ مُحْرِزٍ: إنْ قَامَ بِهِ مَنْ حَلَّ دَيْنُهُ وَمَنْ لَمْ يَحِلَّ لَمْ يُفْلِسْ إلَّا أَنْ يَغْتَرِقَ مَا حَلَّ بِيَدِهِ وَلَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ إلَّا يَسِيرٌ لَا يُرْجَى فِي حَرَكَتِهِ لَهُ أَدَاءُ حُقُوقِ الْآخَرِينَ.
(أَوْ غَابَ إنْ لَمْ يُعْلَمْ مَلَاؤُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ قَامَ بِدَيْنٍ عَلَى غَائِبٍ وَلَعَلَّهُ كَثِيرُ الْمُدَايَنَةِ لِغَيْرِ مَنْ حَضَرَ فَأَرَى أَنْ تُبَاعَ عَرُوضُهُ لِمَنْ حَضَرَ وَيَقْضِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْغَائِبِ يَقُومُ بِهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ وَلَيْسَ فِيمَا حَضَرَ مِنْ مَالِهِ وَفَاءٌ. فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا كَالْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ فَلْيَكْتُبْ فِيهِ لِيُكْشَفَ مَلَاؤُهُ مِنْ عَدَمِهِ، وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ لَا يُعْرَفُ فِيهَا مَلَاؤُهُ مِنْ عَدَمِهِ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ فَهُوَ كَالْمُفْلِسِ وَيَحِلُّ الْمُؤَجَّلُ مِنْ دَيْنِهِ. وَمَنْ بَاعَ مِنْهُ سِلْعَةً فَوَجَدَهَا فَلَهُ أَخْذُهَا، وَأَمَّا إنْ عُرِفَ فِيهَا مَلَاؤُهُ فَلَا يُفْلِسُ وَيَقْضِي مَنْ حَلَّ دَيْنُهُ وَيَبْقَى الْمُؤَجَّلُ وَلَا يَأْخُذُ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ.
(بِطَلَبِهِ وَإِنْ أَبَى غَيْرُهُ) مِنْ
стр. 2583
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَرَادَ وَاحِدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ تَفْلِيسَ الْغَرِيمِ وَحَبْسَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَدَعُهُ يَسْعَى حُبِسَ لِمَنْ أَرَادَ حَبْسَهُ إنْ تَبَيَّنَ لَدَدُهُ (وَدَيْنًا حَلَّ زَادَ عَلَى مَالِهِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِ مَنْ قَامَ بِهِ وَدَيْنُهُ حَالٌّ كَانَ لَهُ أَنْ يُفَلِّسَهُ إنْ ادَّعَى الْغَرِيمُ فَقْرَهُ (أَوْ بَقِيَ مَا لَا يَفِي بِالْمُؤَجَّلِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ مُحْرِزٍ: لَا يُفَلَّسُ إلَّا أَنْ يَغْتَرِقَ مَا حَلَّ بِيَدِهِ وَلَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ إلَّا يَسِيرٌ لَا يُرْجَى فِي حَرَكَتِهِ أَدَاءُ حُقُوقِ الْآخَرِينَ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا (فَيُمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا بَعْدَ التَّفْلِيسِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا أَخْذٌ وَلَا إعْطَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِقَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ (لَا فِي ذِمَّتِهِ)
стр. 2584
ابْنُ الْحَاجِبِ: تَصَرُّفُهُ شَارِطًا أَنْ يَقْضِيَ مِنْ غَيْرِ مَا حَجَرَ عَلَيْهِ فِيهِ صَحِيحٌ (كَخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ وَقِصَاصِهِ وَعَفْوِهِ) ابْنُ شَاسٍ: تَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ فِي غَيْرِ الْمَالِ كَطَلَاقِهِ وَخُلْعِهِ وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَعَفْوِهِ وَاسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ وَنَفْيِهِ بِلِعَانٍ وَقَبُولِ الْوَصِيَّةِ.
(وَعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ وَتَبِعَهَا مَالُهَا إنْ قَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يُجْبِرُوا الْمُفْلِسَ عَلَى انْتِزَاعِ مَالِ أُمِّ وَلَدِهِ أَوْ مُدَبَّرِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي عِتْقِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أُمَّ وَلَدِهِ فَأَمْضَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ مَسْأَلَةَ إعْتَاقِ أُمِّ الْوَلَدِ مَنْصُوصَةً فِي الْمُفْلِسِ نَفْسِهِ اهـ. وَانْظُرْ إذَا أَعْتَقَ الْمَحْجُورُ أُمَّ وَلَدِهِ وَقُلْنَا بِإِمْضَاءِ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَتْبَعُهَا مَالُهَا، وَرَوَى مُحَمَّدٌ يَتْبَعُهَا.
(وَحَلَّ بِهِ وَبِالْمَوْتِ مَا أُجِّلَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ حُلُولُ دَيْنِ الْمُؤَجِّلِ الْمُفْلِسِ بِتَفْلِيسِهِ كَالْمَوْتِ مُطْلَقًا. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: مَا كَانَ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَيِّتٍ مِنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ إلَى أَجَلِهِ وَلِغُرَمَائِهِ تَأْخِيرُهُ إلَى أَجَلِهِ
стр. 2585
أَوْ بَيْعُهُ الْآنَ (وَلَوْ دَيْنَ كِرَاءٍ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: وَأَخَذَ الْمُكْرِي دَابَّتَهُ وَأَرْضَهُ وَأَخَّرَ النَّقْلَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْكِرَاءَ يَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ وَيَحِلُّ كِرَاءُ مَا مَضَى إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَيُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ.
(أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ مَلِيًّا) ابْنُ يُونُسَ: فِي تَفْلِيسِ الْغَائِبِ كَلَامٌ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَمِنْهُ مَا نَصُّهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَدِمَ بِمَالٍ فَأَرَادَ الَّذِينَ لَمْ يَخْلُ دَيْنُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بَقِيَّةَ دُيُونِهِمْ حَالَّةً وَآجَالُهَا لَمْ تَحِلَّ وَحِصَاصُهُمْ إنَّمَا كَانَتْ لِلضَّرُورَةِ فَالْأَشْبَهُ أَنْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَشْهَبَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ حَالًّا وَكَأَنَّهُ حُكْمٌ قَدْ مَضَى بِحُلُولِ الدَّيْنِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ فَلَّسَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ إلَى أَجَلٍ فَتَحَاصَّ الْغُرَمَاءُ فِي مَالِهِ فَوَقَعَ لِكُلِّ رَجُلٍ نِصْفُ حَقِّهِ، ثُمَّ وَرِثَ مَالًا أَنَّ الَّذِينَ لَمْ تَحِلَّ دُيُونُهُمْ يَأْخُذُونَهَا حَالَّةً، وَإِنْ كَانَتْ آجَالُهُمْ لَمْ تَنْقَضْ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَضَى بِحُلُولِ الدَّيْنِ، وَالْأَشْبَهُ فِي هَذَا أَنْ تَبْقَى بَقِيَّةٌ مَا لَمْ يَحِلَّ مِنْ دُيُونِهِمْ إلَى أَجَلِهِ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ حَلَّتْ دُيُونُهُمْ إنَّمَا هُوَ خَلَاءُ ذِمَّتِهِ.
(وَإِنْ نَكَلَ الْمُفَلِّسُ حَلَفَ كُلٌّ كَهُوَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ وَلَوْ نَكَلَ غَيْرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) .
стр. 2586
اللَّخْمِيِّ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ نَكَلَ الْمُفَلِّسُ مِنْ الْحَلِفِ مَعَ شَاهِدٍ لَهُ بِدَيْنٍ قَبْلَ الضَّرْبِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِغُرَمَائِهِ الْحَلِفُ مَعَهُ، فَإِنْ ضَرَبَ عَلَى يَدَيْهِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ شَاهِدَيْهِ وَيَسْتَحِقُّونَ، وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ حَقٌّ وَيَحْلِفُ عَلَى جَمِيعِ الْحَقِّ وَلَيْسَ عَلَى مَا يَنُوبُهُ، وَمَنْ نَكَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحَاصَّ مَنْ حَلَفَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ حَلَفَ كَانَ لَهُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَهُ جَمِيعُ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَانَ لِمَنْ حَلَفَ بِقَدْرِ حَقِّهِ (وَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِالْمَجْلِسِ وَقُرْبُهُ) الْمُتَيْطِيُّ: إقْرَارُهُ عِنْدَ الْقَاضِي إنَّمَا يُثْبِتُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ قُرْبِهِ. رَوَاهُ مُحَمَّدٌ. وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ لَغْوٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ لِأَنَّهُ بِتَمَامِ إقْرَارِهِ حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ. اللَّخْمِيِّ: الصَّوَابُ إنْ بَادَرَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ دُيُونِهِمْ فَيَثْبُتُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا قَوْلُ مَنْ رَفَعَهُ لِلْحَاكِمِ بَطَلَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ لِأَنَّ أَكْثَرَ بَيْعِهِمْ دُونَ بَيِّنَةٍ. وَإِنْ قَالَ بَعْدَ أَنْ كَشَفَ عَنْ دُيُونِهِ أُنْسِيت كَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ بِالْقُرْبِ وَقَدْ قَبِلُوا قَوْلَ عَامِلِ الْقِرَاضِ قُرْبَ تَسْلِيمِ مَالِهِ: أُنْسِيتُ النَّفَقَةَ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا اسْتَصْوَبَهُ اللَّخْمِيِّ هُوَ نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ (إنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِإِقْرَارِهِ لَا بِبَيِّنَةٍ وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ عَنْ قُرْبٍ ثُمَّ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ خَلِيلٍ فَانْظُرْهُ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ قَبْلَ التَّفْلِيسِ يُرِيدُ أَوْ وَقْتَ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِمَالٍ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ مَنْ دَايَنَهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ
стр. 2587
أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ فَلَا يَدْخُلُ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ وَيَتَحَاصُّ فِي هَذَا الْمَالِ أَهْلُ دَيْنِهِ دُونَ الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ أَفَادَ مَالًا بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ هَذَا الْمُقَرُّ لَهُ حِينَ التَّفْلِيسِ، وَمَنْ بَقِيَ أَيْ مِنْ الْأَوَّلِينَ شَيْءٌ لِأَنَّ التُّهْمَةَ إنَّمَا كَانَتْ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ (وَقُبِلَ تَعْيِينُهُ لِلْقِرَاضِ وَلِلْوَدِيعَةِ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ قَالَ هَذَا قِرَاضُ فُلَانٍ أَوْ وَدِيعَتُهُ لَقَبِلْت قَوْلَهُ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إذَا تَقَدَّمَ إقْرَارُهُ قَبْلَ التَّفْلِيسِ أَنَّ بِيَدِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ قِرَاضًا أَوْ وَدِيعَةً.
(وَالْمُخْتَارُ قَبُولُ قَوْلِ الصَّانِعِ بِلَا بَيِّنَةٍ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي الصَّانِعِ يُفْلِسُ فَيُقِرُّ فِيمَا بِيَدَيْهِ أَنَّ هَذَا لِفُلَانٍ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْسَنُ لِأَنَّ الصُّنَّاعَ مُنْتَصِبُونَ لِمِثْلِ هَذَا وَلَيْسَتْ الْعَادَةُ الْإِشْهَادَ عِنْدَ الدَّفْعِ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ قَوْلِهِمْ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا قَبِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَ الصَّانِعِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ أَمْتِعَةُ النَّاسِ فَلَا يُتَّهَمُ أَنْ يَصْرِفَهُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى وَاحِدٍ. اُنْظُرْ رَسْمَ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ.
(وَحَجَرَ أَيْضًا إنْ تَجَدَّدَ مَالٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ " الْمَالُ الْمُتَجَدِّدُ يَحْتَاجُ إلَى حَجْرَتَيْنِ " وَاضِحٌ فِيمَا عُلِمَ تَجَدُّدُهُ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: إنْ زَادَتْ الْمُدَّةُ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِ عَدَمِ آخَرَ إلَّا أَنْ يَطْرَأَ لَهُ مَالٌ فَلِغَرِيمِهِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلِّ مُدَّةٍ (وَانْفَكَّ وَلَوْ بِلَا حُكْمٍ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ لَمْ يَبْقَ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ الْغُرَمَاءُ انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ وَلَا يَحْتَاجُ لِفَكِّ الْقَاضِي. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَايَنَ النَّاسَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ ثُمَّ فَلَّسَ ثَانِيَةً فَمَنْ دَايَنَهُ أَخِيرًا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِينَ، فَظَاهِرُ قَوْلِهِ " دَايَنَ النَّاسَ " ارْتِفَاعُ الْحَجْرِ عَنْهُ دُونَ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَكَذَا قَوْلُهَا: لَيْسَ لِلْمُفْلِسِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي الْمَالِ الَّذِي فَلَّسَ فِيهِ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيمَا أَفَادَ بَعْدَ ذَلِكَ (وَلَوْ مَكَّنَهُمْ الْغَرِيمُ فَبَاعُوا وَاقْتَسَمُوا ثُمَّ دَايَنَ غَيْرَهُمْ فَلَا دُخُولَ لِلْأَوَّلِينَ كَتَفْلِيسِ حَاكِمٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " لَوْ مَكَّنَهُمْ
стр. 2588
الْغَرِيمُ مِنْ مَالِهِ فَاقْتَسَمُوهُ ثُمَّ تَدَايَنَ فَلَيْسَ لِلْأَوَّلِينَ دُخُولُهُ فِيمَا بِيَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فَضْلُ رِبْحٍ كَتَفْلِيسِ السُّلْطَانِ " هُوَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعُ أَصْبَغَ (إلَّا كَإِرْثٍ وَصِلَةٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ: إذَا فَلَّسَ ثَانِيَةً كَانَ الْمُقَرُّ لَهُمْ آخِرًا أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ شَيْءٌ عَنْ دَيْنِهِمْ لِأَنَّ مَا بِيَدِهِ هُوَ مِنْ الْمُعَامَلَةِ الثَّانِيَةِ إذَا كَانَ قَدْ عُومِلَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ وَبَاعَ وَاشْتَرَى لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الَّذِي أَفَادَهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ إنَّمَا أَفَادَهُ بِإِرْثٍ أَوْ صِلَةٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَدْخُلُونَ فِيهِ.
(وَبِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الْحُكْمُ الثَّانِي بَيْعُ مَالِهِ وَقِسْمَتُهُ وَيَبِيعُ الْحَاكِمُ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ (بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: يَسْتَأْنِي فِي بَيْعِ رَبْعِ الْمُفْلِسِ يَتَسَوَّقُ بِهِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ يَتَسَوَّقُ بِهَا يَسِيرًا وَالْحَيَوَانُ أَسْرَعُ بَيْعًا.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمِنْ شَأْنِ بَيْعِ السُّلْطَانِ عِنْدَنَا أَنْ يَبِيعَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: يَبِيعُ بِالْخِيَارِ لَعَلَّ زَائِدًا يَأْتِيهِ (وَلَوْ كُتُبًا) مُحَمَّدٌ.
قَالَ مَالِكٌ: يُبَاعُ عَلَيْهِ سَرِيرُهُ وَمُصْحَفُهُ وَلَا تُبَاعُ الْكُتُبُ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ وَالْوَارِثُ وَغَيْرُهُ فِيهَا سَوَاءٌ مِمَّنْ هُوَ لَهَا أَهْلٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ سَحْنُونَ. أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يُجِيزُ بَيْعَهَا. بِيعَتْ كُتُبُ ابْنِ وَهْبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَأَصْحَابُهُ حِينَئِذٍ مُتَوَافِرُونَ فَمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ (وَثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ إنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَبِيعُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ عُرُوضَهُ كُلَّهَا وَدَارَهُ وَخَادِمَهُ وَسَرْجَهُ وَسِلَاحَهُ وَخَاتَمَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ثِيَابِ جَسَدِهِ، وَيَبِيعُ عَلَيْهِ ثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُمَا قِيمَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا تِلْكَ الْقِيمَةُ فَلَا.
[بَيْعُ آلَةِ الصَّانِعِ إذَا فَلَّسَ]
(وَفِي بَيْعِ آلَةِ الصَّانِعِ تَرَدُّدٌ) قَالَ أَبُو حَفْصٍ: الصَّانِعُ إذَا فَلَّسَ تُرِكَ لَهُ آلَةُ الْبِنَاءِ إنْ كَانَ بَنَّاءً وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصُّنَّاعِ تُتْرَكُ لَهُمْ الْآلَةُ لِأَنَّهُمْ بِهَا يَتَمَعَّشُونَ لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا فِي الزَّكَاةِ فِي مُقَابَلَةِ دُيُونِهِمْ إذَا لَمْ يُفْلِسُوا. الْبُرْزُلِيِّ: حَكَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِبَيْعِهَا فَذَكَرْت لَهُ فُتْيَا أَبِي حَفْصٍ فَقَالَ: إنَّمَا بِعْتهَا لِأَنَّهُ يَنْتَصِبُ بِهَا لِلنَّاسِ يَغُرُّهُمْ بِذِمَّتِهِ فَأَقْطَعُ عَنْهُمْ مَادَّتَهُ حَتَّى يَكُونَ أَجِيرًا تَابِعًا.
(وَأُوجِرَ رَقِيقُهُ بِخِلَافِ مُسْتَوْلَدَتِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ أَنْ يُؤَاجِرُوا أُمَّ
стр. 2589
وَلَدِهِ، وَلَهُمْ أَنْ يُؤَاجِرُوا مُدَبَّرَهُ وَيَبِيعُوا كِتَابَةَ مُكَاتَبِهِ. اللَّخْمِيِّ: وَتُبَاعُ خِدْمَةُ مُعْتَقَةٍ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ طَالَتْ، وَإِنْ فَلَّسَ الْمُخْدَمُ بِيعَ مَا قَرُبَ وَمَا اكْتَرَى وَنَفَذَ بِيعَ لَهُ (وَلَا يُلْزَمُ بِتَكَسُّبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْحُرَّ إذَا فَلَّسَ لَا يُؤَاجِرُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُسْتَعْمَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] اللَّخْمِيِّ: هَذَا إنْ كَانَ تَاجِرًا وَإِنْ كَانَ صَانِعًا يُدَايَنُ لِيَقْضِيَ مِنْ عَمَلِهِ، فَإِنْ عَطِلَ أُجْبِرَ عَلَى الْعَمَلِ فَإِنْ أَبَى اُسْتُؤْجِرَ فِي صَنْعَتِهِ (وَتَسَلُّفٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِدَنَانِيرَ يُؤَدِّيهَا فِي دَيْنِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَدَّلَ وَسَلَّفَ أَوْ مَعُونَةً إلَى أَجَلٍ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ (وَاسْتِشْفَاعٍ وَعَفْوٍ لِلدِّيَةِ وَانْتِزَاعِ مَالِ رَقِيقِهِ أَوْ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِغُرَمَاء الْمُفْلِسِ أَنْ يُجْبِرُوهُ عَلَى اعْتِصَارِ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ أَوْ نَحَلَهُ وَلَا عَلَى شُفْعَةٍ لَهُ فِيهَا فَضْلٌ، وَكَذَلِكَ شُفْعَةُ الْمَيِّتِ وَالْوَرَثَةُ أَوْلَى مِنْهُمْ. وَانْظُرْ الْخِيَارَ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ " وَلِغَرِيمٍ وَلَا كَلَامَ لِوَارِثٍ " ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تُؤَاجَرُ مُسْتَوْلَدَتُهُ بِخِلَافِ مُدَبَّرَتِهِ وَلَا يُنْزَعُ مَالُهُمَا. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " كَسَلَفٍ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ " كَعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ " (وَعُجِّلَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ وَاسْتُؤْنِيَ بِعَقَارِهِ كَالشَّهْرَيْنِ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ".
(وَقُسِمَ بِنِسْبَةِ الدُّيُونِ) ابْنُ شَاسٍ: الْحُكْمُ الثَّانِي بَيْعُ مَالِهِ وَقَسْمُهُ عَلَى نِسْبَةِ الدُّيُونِ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا مِنْ الْعَيْنِ وَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِيهِ قُوِّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةُ دَيْنِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَهُ حِينَ الْفَلَسِ أَوْ الْمَوْتِ، وَقُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحِصَصِ وَاشْتَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ الْمُحَاصَّةِ سِلْعَتَهُ أَوْ مَا بَلَغَ مِنْهَا، وَلَا يُدْفَعُ لِأَحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الطَّعَامِ ثَمَنٌ، وَكَذَلِكَ أَرْبَابُ الْعُرُوضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ عَرْضًا فِي عَرْضَيْنِ (بِلَا بَيِّنَةِ حَصْرِهِمْ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يُكَلَّفُ الْغُرَمَاءُ حُجَّةً عَلَى أَنْ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ وَيَكُونُ الْمُعَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَظَهَرَ (وَاسْتُؤْنِيَ بِهِ إنْ عُرِفَ بِالدَّيْنِ فِي الْمَوْتِ فَقَطْ) ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ حَدِيثِ عُمَرَ تَعْجِيلُ قَسْمِ مَالِ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ إشْهَارِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنَّا نَقْسِمُ مَالَهُ بِالْغَدَاةِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ فَلْيَأْتِنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْتَأْنَى بِقَسْمِ مَالِ الْمَيِّتِ الْمَعْرُوفِ
стр. 2590
بِالدَّيْنِ لِاجْتِمَاعِ بَقِيَّةِ غُرَمَائِهِ (وَقُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ وَاشْتَرَى لَهُ بِمَا خَصَّهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْرِفَةُ وَجْهِ التَّحَاصِّ أَنْ يُصْرَفَ مَالُ الْغَرِيمِ مِنْ جِنْسِ دُيُونِ الْغُرَمَاءِ إنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ دَرَاهِمَ أَوْ طَعَامًا إنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ طَعَامًا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ مُخْتَلِفَةً دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ أَوْ دَرَاهِمَ وَطَعَامًا أَوْ عُرُوضًا وَدَنَانِيرَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ صُرِفَ مَالُ الْغَرِيمِ عَيْنًا، إمَّا دَنَانِيرَ وَإِمَّا دَرَاهِمَ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ وَيُبَاعُ مَالُهُ مِنْ الدُّيُونِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ الْغُرَمَاءُ عَلَى تَرْكِهَا حَتَّى تُقْبَضَ عِنْد حُلُولِهَا، ثُمَّ يُحَصِّلُ جُمْلَةَ دُيُونِهِمْ إنْ كَانَتْ صِفَةً وَاحِدَةً، أَوْ قِيمَتَهَا إنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، حَلَّتْ أَمْ لَمْ تَحِلَّ لِأَنَّ التَّفْلِيسَ مَعْنًى يُفْسِدُ الذِّمَّةَ وَيَقْتَضِي حُلُولَ الدَّيْنِ كَالْمَوْتِ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ
وَقَالَ سَحْنُونَ: إنَّ الْعَرْضَ الْمُؤَجَّلَ يُقَوَّمُ يَوْمَ التَّفْلِيسِ عَلَى أَنْ يُقْبَضَ إلَى أَجَلِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ الْمَالَ لَوْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ لَعَجَّلَ لَهُ حَقَّهُ أَجْمَعَ وَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ. وَيَنْظُرُ مَا يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ جَمِيعُ مَالِ الْمُفْلِسِ فَإِنْ كَانَ النِّصْفُ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ نِصْفُ دَيْنِهِ وَأُتْبِعَ الْغَرِيمُ
стр. 2591
بِالنِّصْفِ الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ الرُّبُعَ كَانَ الرُّبُعَ وَأُتْبِعَ الْغَرِيمُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دَيْنِهِ بِمَنْ كَانَ دَيْنُهُ مِنْهُمْ مِنْ صِنْفِ مَالِ الْغَرِيمِ دَفَعَ إلَيْهِ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنُهُ مِنْ صِنْفِ مَالِ الْغَرِيمِ اُبْتِيعَ لَهُ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ صِنْفِ عَرْضِهِ إنْ كَانَ دَيْنُهُ عَرْضًا، أَوْ صِنْفِ طَعَامِهِ إنْ كَانَ دَيْنُهُ طَعَامًا، فَإِنْ غَلَا السِّعْرُ أَوْ رَخُصَ فَلَا تَرَاجُعَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَإِنَّمَا التَّحَاسُبُ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرِيمِ يَتْبَعُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ (وَمَضَى إنْ رَخُصَ أَوْ غَلَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرِيمِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ بِجَمِيعِ مَا بَقِيَ لَهُ (وَهَلْ يُشْتَرَى فِي شَرْطٍ جَيِّدٍ أَدْنَاهُ أَوْ وَسَطَهُ قَوْلَانِ) الْبَاجِيُّ: يُعْتَبَرُ فِيمَا يُشْتَرَى لَهُ الصِّفَاتُ الَّتِي اشْتَرَطَهَا، فَإِنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ جَيِّدٌ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُشْتَرَى لَهُ أَدْنَى مَا تَقَعُ تِلْكَ الصِّفَةُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ أَوْسَطَ تِلْكَ الصِّفَةِ (وَجَازَ الثَّمَنُ إلَّا لِمَانِعٍ كَالِاقْتِضَاءِ) ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنُهُ مِنْ صِنْفِ مَالِ الْغَرِيمِ اُبْتِيعَ لَهُ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ صِنْفِ دَيْنِهِ وَلَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ دَنَانِيرَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَا يَشْتَرِي لَهُ بِهَا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِي لَهُ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إنْ كَانَ الَّذِي صَارَ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ أَقَلَّ مِمَّا يَنُوبُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ سَوَاءٌ دَخَلَهُ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَهُ الطَّعَامُ مِنْ قَرْضٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِكُلِّ حَالٍ لَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَهُ عَرْضٌ مِنْ سَلَمٍ لَمْ يَجُزْ وَقَدْ قِيلَ إنَّ التَّفْلِيسَ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ يَعْنِي فَيَجُوزُ فِي التَّفْلِيسِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الِاقْتِضَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَاصِلُ أَنَّ فِي هَذَا رِوَايَتَيْنِ.
(وَحَاصَّتْ الزَّوْجَ بِمَا أَنْفَقَتْ وَبِصَدَاقِهَا كَالْمَوْتِ لَا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ) ابْنُ عَرَفَةَ فِي ثَانِي نِكَاحِهَا: تَضْرِبُ الْمَرْأَةُ مَعَ غُرَمَاءِ زَوْجِهَا بِمَا أَنْفَقَتْهُ فِي سَيْرِهِ عَلَى
стр. 2592
نَفْسِهَا لَا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَفِي ثَانِي زَكَاتِهَا تُحَاصِصُ الْمَرْأَةُ بِمَهْرِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ خِلَافًا لِلْجَلَّابِ.
(وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رَجَعَ بِالْحِصَّةِ) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إذَا ظَهَرَ غَرِيمٌ رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَخُصُّهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا فَلَّسَ رَجُلٌ أَوْ مَاتَ فَاقْتَسَمَ غُرَمَاؤُهُ ثُمَّ طَرَأَ غَرِيمٌ لَهُ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَنُوبُهُ فِي الْمُحَاصَّةِ أَنْ لَوْ حَضَرَ وَيُتْبَعُ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِي مَلَائِهِ وَعَدَمِهِ، وَلَا يَأْخُذُ مَلِيًّا أَوْ حَاضِرًا عَمَّنْ مَاتَ أَوْ أُعْدِمَ وَلْيَتْبَعْ ذِمَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ غَابَ أَحَدُهُمْ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ وَبِيَدِ الْمُفْلِسِ مِائَةٌ فَاقْتَسَمَهَا الْحَاضِرَانِ فَإِنَّ الْقَادِمَ يَتْبَعُ ذِمَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ بِسَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثًا. ابْنُ شَاسٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا لَرَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ يَقْتَضِيهِ الْحِسَابُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى. اُنْظُرْ أَنْتَ قَوْلَهُ " وَإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ " الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ هُوَ ظُهُورُ دَيْنٍ. وَانْظُرْ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ طَرَأَ عِبَارَةُ خَلِيلٍ وَإِنْ ظَهَرَ.
وَفِي نَوَازِلِ عِيسَى. وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا قُسِمَتْ تَرِكَةُ مَيِّتٍ وَلِإِنْسَانٍ دَيْنٌ عَلَى تِلْكَ التَّرِكَةِ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ حَتَّى قُسِمَتْ الْمَنْصُوصُ أَيْضًا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّ حُضُورَهُ وَسُكُوتَهُ يُبْطِلُ دَعْوَاهُ ذَلِكَ الدَّيْنَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ خَوْفٍ أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ عَقْدًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا كَانَ تَرَكَهُ لِلْقِيَامِ إلَّا لِمَا يَذْكُرُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ (كَوَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ) رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُهُ وَقَوْلُ أَصْبَغَ إنْ طَرَأَ لِوَارِثٍ عَلَى الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُمْ كَالْغَرِيمِ يَطْرَأُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مَلِيًّا عَنْ مُعْدِمٍ بِخِلَافِ الْغَرِيمِ يَطْرَأُ عَلَى وَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُمْ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَلِيءَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ مَا صَارَ إلَيْهِ إلَى مَبْلَغِ حَقِّهِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ يَبْدَأُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مَعَهُ شَيْءٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ هُوَ دَيْنَهُ فَهُوَ بِخِلَافِ وَارِثٍ يَطْرَأُ عَلَى وَرَثَةٍ أَوْ غَرِيمٍ يَطْرَأُ عَلَى غُرَمَاءَ.
(وَإِنْ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وَأَقْبَضَ رَجَعَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ وَفِيهَا الْبُدَاءَةُ بِالْغَرِيمِ وَهَلْ خِلَافٌ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُسْتَأْنَى بِقَسْمِ مَالِ الْمَيِّتِ الْمَعْرُوفِ بِالدَّيْنِ لِاجْتِمَاعِ بَقِيَّةِ غُرَمَائِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ.
قَالَ
стр. 2593
فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا. فَإِنْ قَضَى الْوَصِيُّ أَوْ الْوَرَثَةُ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ يَعْنِي جَمِيعَ مَا خَلَفَهُ الْمَيِّتُ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مَوْصُوفًا بِالدَّيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَى وَارِثٍ وَلَا عَلَى وَصِيٍّ وَيَرْجِعُ الْغُرَمَاءُ الْقَادِمُونَ عَلَى الَّذِينَ اقْتَضَوْا بِمَا كَانَ يَنُوبُهُمْ فِي الْمُحَاصَّةِ مِنْ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ قَدْ عَلِمَ بِالدَّيْنِ أَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مَوْصُوفًا بِالدَّيْنِ رَجَعَ الْغُرَمَاءُ الْقَادِمُونَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَوْ الْوَصِيِّ بِحِصَصِهِمْ وَيَرْجِعُ الْوَرَثَةُ أَوْ الْوَصِيُّ بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ اقْتَضَوْا أَوَّلًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَابٍ آخَرَ: إنَّ لِلْغُرَمَاءِ الْقَادِمِينَ إنْ وَجَدُوا الْغُرَمَاءَ مُعْدِمِينَ رَجَعُوا عَلَى الْوَرَثَةِ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْوَرَثَةِ وَالْوَصِيِّ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ. وَقِيلَ: إنَّهُ اخْتِلَافُ قَوْلٍ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ انْتَهَى. فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْفِقْهُ الَّذِي اخْتَصَرَ خَلِيلٌ، فَقَوْلُهُ " وَأَخَذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ " مُقْحَمٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ إذْ لَيْسَ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْعُ طُرُوُّ غَرِيمٍ عَلَى وَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَلِيءُ عَنْ الْمُعْدِمِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ وَمَا لَمْ يَزِدْ عَلَى حَقِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا الْفَرْعِ. اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَظَهَرَ دَيْنٌ " مَا الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلِيءِ وَالْمُعْدِمِ أَدْرَكَنِي وَهْمٌ فَقُلْت مَا قُلْت إذْ بَيَّنَ قَوْلُهُ " وَأَخَذَ مَلِيءٌ " أَنَّهُ يَعْنِي فِي رُجُوعِ الْغَرِيمِ عَلَى الْوَرَثَةِ.
(فَإِنْ تَلِفَ نَصِيبُ غَائِبٍ عُزِلَ فَمِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِلَ لِمَنْ غَابَ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ حِصَّتَهُ، ثُمَّ إنْ هَلَكَ مَا عُزِلَ كَانَ مِمَّنْ عُزِلَ لَهُ. وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّهُ مِنْ الْغَرِيمِ (كَعَيْنٍ وُقِفَ لِغُرَمَائِهِ لَا عَرْضٍ وَهَلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِكَدَيْنِهِ؟ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ. وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ: إذَا أَوْقَفَ الْإِمَامُ مَالَ مُفْلِسٍ لِيَقْضِيَهُ غُرَمَاءَهُ فَهَلَكَ فِي الْإِيقَافِ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعُرُوضَ وَشِبْهَهَا مِنْ الْمُفْلِسِ وَالْعَيْنَ مِنْ الْغُرَمَاءِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَرْضَ لَمَّا كَانَ لِلْمُفْلِسِ نَمَاؤُهُ كَانَ عَلَيْهِ تَوَاهُ، وَأَنَّ الْعَيْنَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَمَاءٌ كَانَ مِنْ الْغُرَمَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ:
стр. 2594
وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمَازِرِيُّ وَالْبَاجِيُّ هَذَا بِشَيْءٍ، وَعَزَا عَبْدُ الْحَقِّ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " أَنَّ الْعَرْضَ مِنْ الْمَدِينِ " أَنَّ دَيْنَ الْغُرَمَاءِ لَيْسَ مُمَاثِلًا لَهُ وَلَوْ كَانَ مُمَاثِلًا لَهُ لَكَانَ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ مَا يُحْتَاجُ لِبَيْعِهِ هُوَ مِنْ الْمَدِينِ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ يُبَاعُ وَمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ فَهُوَ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
стр. 2595
(وَتُرِكَ لَهُ قُوتُهُ وَالنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لِظَنِّ يَسْرَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ الْأَيَّامَ.
قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ. قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: هُوَ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ الصَّغِيرُ انْتَهَى. نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: التَّحْقِيقُ فِي قَدْرِ مَا يُتْرَكُ لِعَيْشِهِ اعْتِبَارُ حَالِ الْمُفْلِسِ فِي كَسْبِهِ، فَيُتْرَكُ لَهُ قَدْرُ مَا يُرَى أَنْ يُبَلِّغَهُ لِتَحْصِيلِ مَعِيشَتِهِ، فَإِنْ كَانَ صَانِعًا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ خِدْمَتِهِ لَمْ يُتْرَكْ لَهُ شَيْءٌ. وَمِنْ الْأَشْيَاخِ مَنْ قَالَ: يُتْرَكُ لَهُ نَفَقَةُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ خَوْفَ مَرَضِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَيْسَ هَذَا بِبَيِّنٍ لِأَنَّ الْمَرَضَ نَادِرٌ وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُفْلِسَ يَدَّخِرُ وَيَكْتُمُ (وَكِسْوَتُهُمْ) ابْنُ حَبِيبٍ: يُتْرَكُ لَهُ كِسْوَةٌ لَهُ وَلِأَهْلِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَشَكَّ مَالِكٌ فِي كِسْوَةِ زَوْجَتِهِ. ابْنُ يُونُسَ: إنْ كَانَ قَدْ كَسَاهَا إيَّاهَا قَبْلَ التَّفْلِيسِ وَلَيْسَ فِيهَا فَضْلٌ فَلَا تُنْزَعُ عَنْهَا.
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: الْأَشْبَهُ أَنْ تُتْرَكَ لِزَوْجَتِهِ كِسْوَتُهَا لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ إنَّمَا عَامَلُوهُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَكِسْوَتِهَا فَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ ذَلِكَ لَهَا (كُلٌّ دَسْتًا مُعْتَادًا) قَالَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ: لَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ إلَّا مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ
следующие страницы →