Полный текст (3 713 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
قَائِلٍ يَقُولُ فِيهَا نَوَايَةُ ذَهَبٍ، وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ لَيْسَ فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ شَيْءٌ إنَّمَا فِيهِ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ إنَّهَا نُحَاسٌ خَالِصٌ مَا تَحَمَّلْت مِنْ عُهْدَتِهَا شَيْئًا لَا مِنْ بَيْعِهَا بِفِضَّةٍ وَلَا بِذَهَبٍ، وَلَا تَحَمَّلْت عُهْدَةً رُدَّ عَلَيْهَا وَلَا إخْرَاجَهَا فِي زَكَاةِ عَنْ ذَهَبٍ وَلَا عَنْ فِضَّةٍ إلَى إنْ عَثَرْت عَلَى نَصٍّ رَشَّحَ مَأْخَذِي حَكَاهُ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ السُّيُورِيِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعَامُلُ بِسِكَّةٍ كَانَ عَمَلُهَا مَقْصُورًا عَلَى ظَالِمٍ.
إذَا تُمُكِّنَ مِنْ الضَّرْبِ الْقَدِيمِ، فَلَوْ تَعَذَّرَ بِكُلِّ وَجْهٍ فَتَكُونُ هَذِهِ السِّكَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ تُقِيمُ أَوْدَهُ مِنْهَا فِي مَقَامِهِ وَلَا يَحُجُّ بِهَا. انْتَهَى مَوْضِعُ الْحَاجَةِ. فَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي هَذَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا عَنْ زَكَاةِ ذَهَبِهِ أَوْ فِضَّتِهِ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ فِضَّةٍ وَلَا فِضَّةٍ عَنْ ذَهَبٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَشَّحَهُ بِمَا نَقَلْته عَنْهُ قَبْلَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَمَصْرِفُهَا ".
وَقَالَ الْبَاجِيُّ مَا نَصُّهُ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ غَيْرُهُمَا. (مُطْلَقًا) . عَبْدُ الْوَهَّابِ: قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ: " قَلَّتْ الْقِيمَةُ أَوْ كَثُرَتْ " هُوَ الصَّوَابُ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُخْرِجُ قِيمَةَ الدِّينَارِ مَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَلَا يَنْقُصُ (بِقِيمَةِ السِّكَّةِ) .
اللَّخْمِيِّ: إذَا أَخْرَجَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً أَوْ عَنْ الْفِضَّةِ ذَهَبًا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ قِيمَةَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ بِذَلِكَ الْجُزْءِ كَالشُّرَكَاءِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمَا كَانَ يَبِيعُهُ الْفَقِيرُ لَوْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ أَرْبَعُونَ دِينَارًا مَسْكُوكَةً أَخْرَجَ دِينَارًا مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ عِشْرِينَ دِينَارًا أَصْحَاحًا كَانَ بِالْخِيَارِ فَإِنْ أَحَبَّ أَخْرَجَ قِيمَةَ نِصْفِ دِينَارٍ مَسَكُوك أَوْ أَخْرَجَ دِينَارًا فَبَاعَهُ وَأَعْطَى الْمَسَاكِينَ نِصْفَ ثَمَنِهِ وَأَمْسَكَ لِنَفْسِهِ نِصْفَهُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا مِنْهَا مَسْكُوكًا أَوْ مِثْلَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا نِصْفَ دِينَارٍ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ قِيمَةَ نِصْفِهِ مَسْكُوكًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا يُخْرِجُ عَنْ رَدِيءٍ قِيمَتَهُ مِنْ نَوْعِهِ جَيِّدًا بَلْ قِيمَةُ رَدِيءِ الذَّهَبِ فِضَّةً وَقِيمَةُ رَدِيءِ الْفِضَّةِ ذَهَبًا وَإِلَّا أَخْرَجَ مِنْهُ.
(وَلَوْ فِي نَوْعٍ لَا صِيَاغَةَ فِيهِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ زَكَاةُ نُقَرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ ذَلِكَ مِنْهُ إنْ شَاءَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ إذْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي قَطْعِ النُّقَرَةِ أَوْ الْحُلِيِّ بِخِلَافِ الدَّنَانِيرِ الْقَائِمَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ كَانَ قَطْعُ الْحُلِيِّ فَسَادًا فَفِيهِ نَظَرٌ (وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ) رَاجِعْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ كَانَ مَعْنَاهُ هَذَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ
стр. 947
وَجَازَ إخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وَعَكْسُهُ بِصَرْفِ وَقْتِهِ مُطْلَقًا مَسْكُوكًا كَانَ أَوْ مَصُوغًا أَوْ غَيْرَهُمَا بِقِيمَةِ السِّكَّةِ وَفِي تَقْوِيمِ الصِّيَاغَةِ تَرَدُّدٌ، لَنَاسَبَ مَا تَقَدَّمَ لِلَّخْمِيِّ وَالسَّمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَا يَتَقَرَّرُ لِابْنِ يُونُسَ عَنْ الْقَابِسِيِّ وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ قَالَ: مَنْ لَهُ حُلِيٌّ وَزْنُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ رُبْعَ عُشْرِ قِيمَتِهِ عَلَى أَنَّهُ مَصُوغٌ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ شُرَكَاؤُهُ لَهُمْ رُبْعُ عُشْرِهِ فَيَأْخُذُونَ قِيمَةَ ذَلِكَ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ فِضَّةً وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِثْلَ وَزْنِ ذَلِكَ تِبْرًا هُوَ أَنْقَصُ فِي الْقِيمَةِ مِنْ رُبْعِ عُشْرِ قِيمَةِ الْمَسْكُوكِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ قَوْلٌ جَيِّدٌ وَلَكِنْ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: إذَا كَانَ فِي وَزْنِ الْحُلِيِّ عِشْرُونَ دِينَارًا وَهُوَ لِلتِّجَارَةِ وَقِيمَتُهُ لِصِيَاغَتِهِ ثَلَاثُونَ فَالْأَشْبَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ وَيُؤَخِّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْ بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ حَتَّى يَبِيعَهُ إنْ كَانَ لَا يُدِيرُ لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ كَعَرْضٍ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إلَّا بِالْبَيْعِ (لَا كَسْرَ مَسْكُوكٍ إلَّا لِسَبْكٍ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَوْ فِي نَوْعٍ " وَلِابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا مَا هُوَ مَثَاقِيلُ قَائِمَةٌ لَا تُقْطَعُ وَيُخْرِجُ عَنْ زَكَاتِهَا قِيمَةَ ذَلِكَ دَرَاهِمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ مَنْ قَدِمَ بَلَدًا تَجُوزُ فِيهَا الدَّرَاهِمُ النَّقْصُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ دَرَاهِمَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا قَطْعُ الدَّنَانِيرِ حُلِيًّا لِنِسَائِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ (وَوَجَبَ نِيَّتُهُمَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ مَالِهِ لَا يَحْسُبُهُ مِنْ زَكَاتِهِ إذَا نَوَى بِهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ أَوْ أَعْطَاهُ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فِي تَطَوُّعٍ وَلَا زَكَاةٍ. ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا قُلْنَا إنَّ الْمَسَاكِينَ شُرَكَاءُ بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ وَإِنَّهَا
стр. 948
تَكُونُ كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَإِنْ غَلَّبْنَا عَلَيْهَا حُكْمَ الْعِبَادَةِ افْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ، وَلَكِنْ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَيُجْزِئُهُ وَهَذَا بَيِّنٌ أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ فَإِذَا أَخَذَ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ مَعَ عِلْمِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ الْمَقْصُودِ بِالنِّيَّةِ، وَأَمَّا إنْ أَخَذَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَأَجْرَاهُ اللَّخْمِيِّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَنْ إنْسَانٍ فِي كَفَّارَةٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَفِيمَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: الْأَظْهَرُ أَنَّهَا تُجْزِئُ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ كُرْهًا لِأَنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ فِي الْمَالِ، فَإِذَا أَخَذَهَا مِنْهُ مَنْ إلَيْهِ أَخَذَهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ كَمَا تُجْزِئُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إذَا أُخِذَتْ مِنْ أَمْوَالِهِمَا، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْهُمَا النِّيَّةُ فِي تِلْكَ الْحَالِ. (وَتَفْرِقَتُهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ إلَّا لِأَعْدَمَ فَأَكْثَرُهَا لَهُ) مِنْ
стр. 949
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْعَمَلُ فِي الصَّدَقَةِ أَنْ لَا تَخْرُجَ عَنْ مَوْضِعٍ جُبِيَتْ مِنْهُ كَانَتْ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ فَضْلَةٌ فَتُجْعَلُ فِي أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ إلَيْهِمْ، وَإِنْ بَلَغَهُ عَنْ بَعْضِ الْبُلْدَانِ أَنَّ سَنَةً وَحَاجَةً نَزَلَتْ بِهِمْ فَيُنْقَلُ إلَيْهِمْ جُلُّ تِلْكَ الصَّدَقَةِ رَأَيْت ذَلِكَ صَوَابًا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُسْوَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ إذَا نَزَلَتْ الْحَاجَةُ.
وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ مَا عَلَى أَمْيَالٍ مِنْ مَحِلِّهَا كَمَحِلِّهَا. سَحْنُونَ: وَكَذَا مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. (بِأُجْرَةٍ مِنْ الْفَيْءِ وَإِلَّا بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ مِثْلُهَا) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: يُتَكَارَى عَلَى حَمْلِ الْعُشُورِ إلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ مِنْ الْفَيْءِ أَوْ يَبِيعُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ طَعَامًا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُ قِسْمَتَهُ وَلَا يُتَكَارَى عَلَيْهِ مِنْ الْفَيْءِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى ذَلِكَ اجْتِهَادٌ وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
وَالِاجْتِهَادُ فِي هَذَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَنْتَقِصُهُ مِنْ الطَّعَامِ فِي بَيْعِهِ هُنَا وَاشْتِرَائِهِ هُنَاكَ، وَإِلَى مَا يُتَكَارَى بِهِ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ يُتَكَارَى عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ بَاعَهُ وَإِلَّا أَكْرَى عَلَيْهِ مِنْ الْفَيْءِ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ: يُتَكَارَى عَلَيْهِ مِنْهُ وَالْوَجْهُ فِي هَذَا بَيِّنٌ إذْ كَمَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَنْ يُوَصِّلُهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ فَيْءٌ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الِاكْتِرَاءِ عَلَى حَمْلِهَا مِنْهَا إنْ كَانَ أَرْشَدَ مِنْ بَيْعِهَا.
(كَعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّوَايَةُ نَقْلُهَا إنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَحِلِّهَا مَصْرِفٌ لِلْأَقْرَبِ وَكَذَا إنْ فَضَلَ مِنْهَا عَلَى
стр. 950
أَهْلِ مَحِلِّهَا وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ رَاجِعْهُ فِيهِ.
(وَقُدِّمَ لِيَصِلَ عِنْدَ الْحَوْلِ) مُحَمَّدٌ: إذَا نُقِلَتْ الزَّكَاةُ وَجَبَ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا الْقَدْرَ تَمَامُ حَوْلِهَا بِوُصُولِهَا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَا يَبْعَثُ بِهَا حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُهَا (وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا أَوْ دَيْنًا أَوْ
стр. 951
عَرْضًا قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ نُقِلَتْ لِدُونِهِمْ أَوْ دُفِعَتْ بِاجْتِهَادٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا إلَّا لِلْإِمَامِ أَوْ طَاعَ بِدَفْعِهَا لِجَائِرٍ فِي صُوفِهَا أَوْ بِقِيمَةٍ لَمْ تَجُزْ) أَمَّا تَقْدِيمُ زَكَاةِ الْمُعَشَّرِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: زَكَاةُ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهُمَا لِأَنَّهَا زَكَاةٌ عَمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاشِي عَلَى نَحْوِ مَا جَازَ فِي الْعَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سُعَاةٌ.
وَأَمَّا زَكَاةُ الدَّيْنِ وَالْعَرْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةٍ عَنْ دَيْنٍ
стр. 952
قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ عَنْ عَرْضٍ قَبْلَ بَيْعِهِ وَقَدْ مَضَى حَوْلٌ فَلَا يُجْزِئُهُ، وَأَمَّا إذَا نُقِلَتْ لِدُونِهِمْ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَنَحْوِهِ فِي الْكَافِي أَنَّهَا تُجْزِئُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ سَحْنُونٍ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَضَعَ زَكَاتَهُ فِي غَيْرِ قَرْيَتِهِ إذَا كَانَ فِي قَرْيَتِهِ ضُعَفَاءُ يُرِيدُ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ زَرَعَ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ زَكَاتِهِ إلَى ضُعَفَاءَ عِنْدَهُ بِالْحَاضِرَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَاسِعٌ أَنْ يَبْعَثَ مِنْ زَكَاتِهِ إلَى الْعِرَاقِ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤْثِرَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَالزَّكَاةُ لَيْسَتْ لِمَسَاكِينَ بِأَعْيَانِهِمْ فَتُضْمَنُ إنْ دُفِعَتْ إلَى غَيْرِهِمْ. وَأَمَّا أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُجْزِئُ إنْ دُفِعَتْ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ أَعْطَاهَا لِغَنِيٍّ أَوْ لِعَبْدٍ أَوْ لِنَصْرَانِيٍّ وَهُوَ عَالِمٌ لَمْ تَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَكَانَتْ قَائِمَةً بِأَيْدِيهِمْ اُنْتُزِعَتْ مِنْهُمْ وَصُرِفَتْ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا. فَإِنْ أَكَلُوهَا غَرِمُوهَا عَلَى الْمُسْتَحْسَنِ مِنْ الْقَوْلِ لِأَنَّهُمْ صَانُوا بِهَا أَمْوَالَهُمْ، وَإِنْ هَلَكَتْ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ غَرِمُوهَا إنْ غَرِمُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَغْرَمُوا لَمْ يَغْرَمُوهَا.
وَهَلْ يَغْرَمُهَا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَكَذَا الْإِمَامُ وَمَنْ جُعِلَ لَهُ تَفْرِيقُهَا؟ اُنْظُرْهُ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ قَبْلَهُمْ فِيمَنْ أَعْطَى مِنْ زَكَاتِهِ غَنِيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ. قِيلَ: إنَّهُ قَدْ اجْتَهَدَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا عَدَمُ إجْزَاءِ الزَّكَاةِ إنْ طَاعَ لِدَفْعِهَا لِجَائِرٍ. فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجِزَ مِنْ زَكَاتِهِ عَنْ الْوَالِي مَا يُعْطَى لِلْمُحْتَاجِ؟ قَوْلَانِ وَبِالْجَوَازِ أَقُولُ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِخْرَاجِ حَقِّ مُسْلِمٍ مِنْ يَدِ غَاصِبٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ شَرْعًا. اللَّخْمِيِّ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ وَمَكَّنَهُ صَاحِبُهُ مِنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إخْفَائِهَا عَنْهُ لَمْ تُجْزِهِ وَوَجَبَ إعَادَتُهَا انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا عِبَارَةُ التُّونِسِيِّ. ابْنُ رُشْدٍ: الْأَصَحُّ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَصْبَغَ إنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْوُلَاةُ مِنْ الصَّدَقَاتِ تُجْزِئُ وَإِنْ لَمْ يَضَعُوهَا مَوْضِعَهَا لِأَنَّ دَفْعَهَا إلَيْهِمْ وَاجِبٌ لِمَا فِي مَنْعِهَا مِنْ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ الْمُؤَدِّي إلَى الْهَرْجِ وَالْفَسَادِ، فَإِذَا وَجَبَ أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِمْ وَجَبَ أَنْ تُجْزِئَ. وَانْظُرْ إذَا أَخَذَ الْوَالِي مِنْ التَّرِكَةِ ثِقَافًا هَلْ يَتَرَاجَعُ فِيهِ الْوَرَثَةُ؟ بِهَذَا جَرَتْ فُتْيَا ابْنِ لُبٍّ إلَى هَلُمَّ جَرًّا.
وَقَدْ أَشَارَ السَّيِّدُ الْبُرْزُلِيِّ إلَى تَرْشِيحِ هَذَا فِي نَوَازِلِهِ وَأَنَّهُ يَجْرِي عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ لَهُمْ قَالَ: وَعَلَى هَذَا فُتْيَا ابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ هَرَبَ فَأُجْبِرَ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ لِلْوَالِي عَنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ الْهَارِبِ فَحُكِمَ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْغَرِيمِ قَالَ: وَمِثْلُ هَذَا قَسْمُ الْغَاصِبِ، وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجِهَادِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الْأَحْسَنِ " وَانْظُرْ أَيْضًا آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ.
رَوَى ابْنُ نَافِعٍ: مَنْ جَحَدَ نِصْفَ مَا عِنْدَهُ وَصُدِّقَ وَأَخَذَ بِزَكَاةِ ضَعْفِهِ ظَالِمٌ لَمْ يُجْزِهِ عَمَّا جَحَدَ. الْبُرْزُلِيِّ: هَذَا مَعْنَى فُتْيَا شُيُوخِنَا إذَا أَخَذَهَا الظَّالِمُ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ فَلَا تُجْزِئُ، وَأَمَّا إنْ طَاعَ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ جَبَرَهُ الْمُصَدِّقُ عَلَى إنْ أَدَّى فِي صَدَقَتِهِ دَرَاهِمَ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَكَانَتْ عِنْدَ مَحِلِّهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَخَذَهُ بِزَكَاةِ زَرْعِهِ بَعْدَمَا يَبِسَ أَوْ بِزَكَاةِ غَنَمِهِ أَوْ مَالِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ مَحِلِّهَا أَجْزَأَهُ وَالزَّرْعُ أَبْيَنُهُ.
قَالَ عِيسَى: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الْعَامِلِ يَقِفُ عَلَى الرَّجُلِ فِي زَكَاةِ زَرْعِهِ أَوْ صَدَقَةِ مَاشِيَتِهِ فَيُقَاطِعُهُ
стр. 953
مِنْهَا بِالدَّرَاهِمِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَةً مِنْ الْعَامِلِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجْتَزِئُ بِهَا وَيُعْتَدَّ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الْعُمَّالُ يَضَعُونَ مَا يَأْخُذُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ مَوَاضِعَهَا، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْعَامِلُ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا دَفْعُ الْقِيمَةِ إلَيْهِمْ فَمَكْرُوهٌ لِوَجْهَيْنِ: لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلِئَلَّا تَكُونَ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا عَلَيْهِ فَيَكُونَ قَدْ بَخَسَ الْمَسَاكِينَ حَقَّهُمْ، وَأَمَّا شِرَاؤُهُ الصَّدَقَةَ مِنْ الْعَامِلِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ فَهُوَ أَخَفُّ فِي الْكَرَاهِيَةِ إذْ لَا يُكْرَهُ إلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةِ الرُّجُوعِ فِيهَا إلَّا إذَا اشْتَرَاهَا مِنْ الْمِسْكِينِ الَّذِي دَفَعَهَا إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا وَرَدَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، فَإِذَا أَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ.
وَأَمَّا شِرَاؤُهُ مِنْ الْعَامِلِ مِنْ صَدَقَاتِ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ جَائِزٌ إنْ كَانُوا يَضَعُونَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَهُ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَضَعُونَ ذَلِكَ مَوَاضِعَهُ فَقِيلَ: إنَّ الشِّرَاءَ مِنْهُمْ سَائِغٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَهُمْ جَائِزٌ إنَّمَا عَدَاؤُهُمْ عَلَى الْأَثْمَانِ.
قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَالِي يُغَرِّمُ الْعُمَّالَ الظَّلَمَةَ لِنَفْسِهِ فَيُلْجِئَهُمْ ذَلِكَ إلَى بَيْعِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَفِيقِهِمْ. وَالصَّحِيحُ مَا فِي هَذَا السَّمَاعِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَدَاءٍ إذْ الْوَاجِبُ أَنْ تُقَسَّمَ عَلَى الْمَسَاكِينِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلَا تُبَاعُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ نُظِرَ، وَمِثْلُ أَنْ يَحْتَاجَ الْإِمَامُ أَنْ يَنْقُلَ الزَّكَاةَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لِحَاجَةٍ نَزَلَتْ بِذَلِكَ الْبَلَدِ فَيُخَافُ أَنْ يَذْهَبَ الْكِرَاءُ بِبَعْضِهَا فَيَرَى أَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ بِالثَّمَنِ مِثْلُهُ فَيُقَسَّمُ أَوْ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ فِيهِ فَيَسُدُّ لِلْمَسَاكِينِ مَسَدَهُ، فَإِذَا بَاعَ الزَّكَاةَ يَسْتَأْثِرُ بِهَا أَوْ لِيَتَعَدَّى فِيهَا فَهُوَ كَمَنْ تَعَدَّى عَلَى سِلْعَةِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ شِرَاؤُهَا.
(لَا إنْ أُكْرِهَ) . ابْنُ رُشْدٍ: إنْ أَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ فَلَا بَأْسَ (أَوْ نُقِلَتْ لِمِثْلِهِمْ) أَمَّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ وَالْكَافِي فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ تُجْزِئَ إذَا نُقِلَتْ لِمِثْلِهِمْ (أَوْ قُدِّمَتْ فِي عَيْنٍ) فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الَّذِي يُعَجِّلُ زَكَاةَ مَالِهِ أَنَّهُ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَلَيْسَ يُعِيدُ؟ قَالَ: فَكَذَلِكَ الَّذِي يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَى
стр. 954
مَالِهِ الْحَوْلُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَا تُجْزِيهِ وَإِنْ كَانَ قَرُبَ الْحَوْلُ.
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: تُجْزِئُهُ إنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَوْ عَشَرَةٍ. وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ شَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: الشَّهْرَانِ وَنَحْوُهُمَا. ابْنُ رُشْدٍ: الْأَظْهَرُ أَنَّهَا تُجْزِيهِ إذَا أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ لِأَنَّ الْحَوْلَ تَوْسِعَةٌ فَلَيْسَ كَالصَّلَاةِ (وَمَاشِيَةٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ. الْمَوَاشِي فِي
стр. 955
تَقْدِيمِ زَكَاتِهَا مِثْلُ الْعَيْنِ فِي تَقْدِيمِ زَكَاتِهِ.
(فَإِنْ ضَاعَ الْمُقَدَّمُ فَعَنْ الْبَاقِي) اُنْظُرْ أَنْتَ مَا مَعْنَى هَذَا وَهَلْ نَقَصَ هُنَا شَيْءٌ فَإِنَّمَا هَذَا الْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ أَدَاءٌ فِي وَقْتٍ لَمْ يَجُزْ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ بَعْدَ
стр. 956
الْحَوْلِ بِيَوْمٍ وَشَبَهِهِ فَتَلِفَتْ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ فَتَلِفَتْ فَإِنَّهُ يَضُمُّهَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ أَخْرَجَهَا فِيهِ لَأَجْزَأَتْهُ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ فَإِنَّهَا تُجْزِيهِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِأَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُزَكِّي مَا بَقِيَ لَا مَا تَلِفَ انْتَهَى. ثُمَّ أَطْلَعَنِي نَاسِخُ هَذَا الشَّرْحِ عَلَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ قَالَ مَا نَصُّهُ: ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى أَنَّهُ مَتَى هَلَكَتْ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ أَنَّهُ يُزَكِّي مَا بَقِيَ إنْ كَانَتْ فِيهِ زَكَاةٌ. كَذَا يَأْتِي عِنْدِي عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ. إنَّمَا تُجْزِئُهُ إذَا أَخْرَجَهَا كَالرُّخْصَةِ وَالتَّوْسِعَةِ، وَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ وَلَمْ تَصِلْ إلَى أَهْلِهَا وَلَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا فَإِنَّ الضَّمَانَ فِيهَا سَاقِطٌ وَيُؤَدِّي زَكَاةَ مَا بَقِيَ عِنْدَ حَوْلِهِ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا النَّقْلِ كُنْت أَقْتَصِرُ لَوْ كُنْت اطَّلَعْت عَلَيْهِ وَهُوَ فِي التَّنْبِيهَاتِ (وَإِنْ تَلِفَ جُزْءُ نِصَابٍ وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ سَقَطَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى بِمَالٍ حَالَ حَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُزَكِّيَ خَادِمًا فَمَاتَ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَّ حَوْلُ الْمَالِ بِيَدِهِ فَفَرَّطَ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ حَتَّى ضَاعَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ زَكَاتَهُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ حَتَّى ضَاعَ كُلُّهُ أَوْ بَقِيَ مِنْهُ تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: الْقِيَاسُ
стр. 957
قَوْلُ ابْنِ الْجَهْمِ أَنَّهُ يُزَكِّي التِّسْعَةَ عَشَرَ. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ زَكَاتَهُ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَظُّهُمْ فِيهِ، وَلَمَّا ضَاعَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَقَدْ ضَاعَ قَبْلَ إمْكَانِ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَهُوَ كَضَيَاعِهِ قَبْلَ حَوْلِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِيمَا بَقِيَ
(كَعَزْلِهَا فَضَاعَتْ) مَالِكٌ: لَوْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ حِينَ وَجَبَتْ لِيَبْعَثَ بِهَا لِمَنْ يُفَرِّقُهَا فَسُرِقَتْ أَوْ بَعَثَ بِهَا فَسَقَطَتْ لَأَجْزَأَتْهُ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْمَالَ لَوْ هَلَكَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَإِمْكَانِ الْأَدَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَهَلَاكُ الزَّكَاةِ بَعْدَ إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فِي وُصُولِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ كَتَلَفِهَا مَعَ جُمْلَةِ الْمَالِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إنْ أَخْرَجَهَا قُرْبَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَيَّامٍ فَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ إنْ وَجَدَهَا بَعْدَ أَنْ تَلِفَ مَالُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُنَفِّذْهَا مِنْ زَكَاتِهِ وَلَا شَيْءَ لِأَهْلِ الدَّيْنِ فِيهَا. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ضَيَاعُهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ إذَا وُجِدَتْ (لَا إنْ ضَاعَ أَصْلُهَا) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ فَسُرِقَ مِنْهُ الْمَالُ وَبَقِيَتْ الزَّكَاةُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُخْرِجَهَا وَلَا يَحْبِسَهَا. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ وَإِنْ سُرِقَ مِنْهُ الْمَالُ بِالْقُرْبِ فِي مَوْضِعِ الَّذِي لَوْ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ الزَّكَاةَ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ الزَّكَاةِ. وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى إخْرَاجَ الزَّكَاةِ عِنْدَ مَحِلِّهَا قِسْمَةً صَحِيحَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الْمَالِ مِنْهُ دُونَهُمْ كَمَا يَكُونُ ضَمَانُ الزَّكَاةِ الْمُخَرَّجَةِ مِنْهُمْ دُونَهُ إلَّا أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ إخْرَاجِهَا فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا بِالتَّعَدِّي مِنْهُ فِي حَبْسِهَا، وَأَمَّا لَوْ سُرِقَ مِنْهُ الْمَالُ عَلَى بُعْدٍ مِنْ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ لَمْ يَشْكُلْ أَنَّ عَلَيْهِ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ. (وَضَمِنَ إنْ أَخَّرَهَا عَنْ الْحَوْلِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ حَالَ الْحَوْلُ فَفَرَّطَ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ حَتَّى ضَاعَ ضَمِنَ الزَّكَاةَ.
(أَوْ أَدْخَلَ عُشْرَهُ مُفَرِّطًا لَا مُحَصَّنًا وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَصَدَ زَرْعَهُ وَجَذَّ ثَمَرَهُ فِيهِ مَا تَجِبُ الزَّكَاةُ وَلَمْ يُدْخِلْهُ بَيْتَهُ حَتَّى ضَاعَ الْقَمْحُ مِنْ الْأَنْدَرِ وَالتَّمْرُ مِنْ الْجَرِينِ فَلَا يَضْمَنُ زَكَاتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَزَلَ عُشْرَ ذَلِكَ فِي أَنْدَرِهِ لِيُفَرِّقَهُ فَضَاعَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ عِنْدَ مَحِلِّهَا لِيُفَرِّقَهَا فَضَاعَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ بَيْتَهُ قَبْلَ قُدُومِ الْمُصَدِّقِ فَضَاعَ ضَمِنَ. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ ضَيَّعَ أَوْ فَرَّطَ حَتَّى تَلِفَ فَهُوَ ضَامِنٌ بِاتِّفَاقٍ، سَوَاءٌ أَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ أَوْ لَمْ يُدْخِلْهُ ضَاعَ جَمِيعُهُ أَوْ عُشْرُهُ.
وَقَالَ التُّونِسِيُّ: إنْ خَشِيَ عَلَى عُشْرِهِ فِي الْأَنْدَرِ فَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ عَلَى بَابِ الْحِرْزِ لَهُ فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ عَلَى أَيِّ الْوَجْهَيْنِ أَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ، فَمَرَّةً ضَمَّنَهُ
стр. 958
وَلَمْ يُصَدِّقْهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى النَّظَرِ وَأَنَّهُ أَرَادَ حِرْزَهُ بِإِدْخَالِهِ مَنْزِلَهُ، وَمَرَّةً صَدَّقَهُ بِأَنَّ فِعْلَهُ إنَّمَا كَانَ عَلَى النَّظَرِ فَأَسْقَطَ عَنْهُ الضَّمَانَ. هَذَا الَّذِي أَعْتَقِدُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ فِي الْكِتَابِ مُشْكِلَةٌ حَضَرْت الْمُنَاظَرَةَ فِيهَا عِنْدَ شَيْخِنَا أَبِي جَعْفَرٍ فَتَنَازَعْنَا فِيهَا نِزَاعًا شَدِيدًا وَكَثُرَ الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ. (وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا تُبْدَأُ إنْ أَوْصَى بِهَا ".
(وَكَرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ وَأَدَبٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ أَقَرَّ بِفَرْضِ الزَّكَاةِ وَمَنَعَهَا فَإِنَّهُ يُضْرَبُ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ كَرْهًا إلَّا أَنْ يَمْنَعَ فِي جَمَاعَةٍ وَيَدْفَعَ بِقُوَّةٍ فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُمْ (وَدُفِعَتْ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ وَإِنْ عَيْنًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقَدْ تَجِبُ ".
(وَإِنْ غَرَّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةٍ فَجِنَايَةٌ عَلَى الْأَرْجَحِ) إنْ غَرَّ عَبْدٌ فَقَالَ إنِّي حُرٌّ فَأُعْطِيَ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ. هَلْ يَكُونُ فِي رَقَبَتِهِ كَالْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، أَوْ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّ هَذَا مُتَطَوِّعٌ بِالدَّفْعِ؟ ابْنُ يُونُسَ: الصَّوَابُ أَنَّهَا جِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَطَوَّعْ لَهُ إلَّا لَمَّا أَعْلَمَهُ أَنَّهُ حُرٌّ وَغَرَّهُ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ.
(وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ) . اللَّخْمِيِّ: عَلَى مَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ أَنْ يُزَكِّيَ مَا مَعَهُ وَلَا يُؤَخِّرْهُ إلَى بَلَدِهِ.
(وَمَا غَابَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَة) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي زَكَاةِ مَا خَلَفَهُ الْمُسَافِرُ فِي بَلَدِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُزَكِّيهِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ وَلَا قُوتَ مَعَهُ فَلْيُؤَخِّرْ إلَّا أَنْ يَجِدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ فَيَسْتَلِفُ يُرِيدُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَيَتَسَلَّفُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ حَتَّى يُقَسِّمَ فِي بِلَادِهِ وَهُوَ أَبْيَنُ أَنْ يَكُونَ فُقَرَاءُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْمَالُ أَحَقَّ بِزَكَاتِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الزَّكَاةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ فَلَيْسَ يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ انْتَهَى.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَّ عَلَيْهِ حَوْلٌ بِغَيْرِ بَلَدِهِ زَكَّى عَمَّا مَعَهُ وَعَمَّا خَلَفَ بِبَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ خَلَفَ مَالَهُ كُلَّهُ بِبَلَدِهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْحَاجَةَ وَلَا يَجِدَ مُسَلِّفًا فَلْيُؤَخِّرْ إلَى بَلَدِهِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ
стр. 959
فَلْيُخْرِجْ زَكَاتَهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَدْ كَانَ يَقُولُ يُقَسِّمُ فِي بَلَدِهِ. اللَّخْمِيِّ: وَعَلَى مَنْ أَرَادَ سَفَرًا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ عِنْدَ حَوْلِهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَّا بَعْدَ الْحَوْلِ.
[فَصْلٌ فِي زَكَاةُ الْفِطْرِ]
فَصْلٌ
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ السَّادِسُ زَكَاةُ الْفِطْرِ (يَجِبُ بِالسُّنَّةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حُكْمِ زَكَاةِ الْفِطْرِ طُرُقٌ الْبَاجِيُّ وَاللَّخْمِيُّ وَاجِبَةٌ. أَبُو عُمَرَ: قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ سُنَّةٌ ضَعِيفٌ. وَقَوْلُ الشَّيْخِ سُنَّةٌ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَمْرِيضٌ لَا شَيْءٌ (صَاعٌ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَكِيلَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ كُلِّ مَا يُؤَدَّى مِنْهُ. الْقَبَّابُ: وَهَذَا الصَّاعُ هُوَ كَيْلُ مَدِينَةِ فَاسَ فِي وَقْتِنَا. بَعْضُ شُيُوخِ غَرْنَاطَةَ: هُوَ مُدٌّ مَمْسُوحٌ مِنْ أَمْدَادِ غَرْنَاطَةَ أَوْ يَغْرِفُ الْإِنْسَانُ أَرْبَعَ حَفَنَاتٍ بِكِلْتَا يَدَيْهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: مُدُّ النَّبِيِّ ﷺ حَفْنَةٌ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا مِنْ رَجُلٍ وَسَطٍ، وَالصَّاعُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ كَذَلِكَ بِكَفِّ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ (أَوْ جُزْؤُهُ) سَنَدٌ: مَنْ
стр. 960
قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الزَّكَاةِ أَخْرَجَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (عَنْهُ) التَّلْقِينُ: زَكَاةُ الْفِطْرِ تَلْزَمُ الرَّجُلَ عَنْ نَفْسِهِ.
(فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ) . اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ أَنَّهُ يُؤَدِّيهَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ قُوتِ يَوْمِهِ أَخْرَجَهَا يُرِيدُ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يُخْرِجُهَا إذَا كَانَ لَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ إفْسَادِ مَعَاشِهِ أَوْ جُوعِهِ أَوْ جُوعِ عِيَالِهِ. مِنْ الْمُنْتَقَى مَا نَصُّهُ: إنْ كَانَ عِنْدَ الْفَقِيرِ مَا يُخْرِجُ مِنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ دُونَ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُ لَزِمَهُ إخْرَاجُهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصَابُ مَالٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ. وَانْظُرْ الْمُفْلِسَ أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ وَلِأَهْلِهِ وَلِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ الْأَيَّامَ.
قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ
стр. 961
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَدْفَعَ فِي الْفِطْرَةِ ثَمَنًا. وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي وُجُوبِهَا بِمِلْكِهَا زَائِدَةً عَلَى وَاجِبِ قُوتِ يَوْمِهِ أَوْ بِعَدَمِ إجْحَافِهَا بِهِ أَوْ بِمِلْكِهِ قُوتَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا رَابِعُهَا بِغِنَائِهِ الْمَانِعِ أَخْذَهَا.
(وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ مُحْتَاجًا وَوَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ فَلْيَتَسَلَّفْ.
стр. 962
ابْنُ رُشْدٍ: التَّسَلُّفُ مُسْتَحَبٌّ.
(وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ الْفَجْرِ خِلَافٌ) رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. اللَّخْمِيِّ: عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَجِبُ عَلَى مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَتَسْقُطُ عَمَّنْ تَوَالَدَ أَوْ أَسْلَمَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَتَكُونُ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي، وَفِي الطَّلَاقِ عَلَى الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ، وَفِي الْعِتْقِ عَلَى السَّيِّدِ دُونَ الْعَبْدِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا إلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ. اللَّخْمِيِّ: عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ حَيًّا أَوْ بَاعَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ طَلَّقَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ تَوَالَدَ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلُ، وَتَسْقُطُ عَمَّنْ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَاعَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ تَوَالَدَ أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَكُونُ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ.
(مِنْ أَغْلِبْ
стр. 963
الْقُوتِ) . ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ غَالِبِ عَيْشِ الْبَلَدِ مِنْ تِسْعَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ: الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالْأُرْزُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ. فَإِنْ كَانَ عَيْشُهُ وَعَيْشُ عِيَالِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنْ غَيْرِ الصِّنْفِ الَّذِي هُوَ غَالِبُ عَيْشِ الْبَلَدِ أَخْرَجَ مِنْ الَّذِي هُوَ غَالِبُ عَيْشِ الْبَلَدِ كَانَ الصِّنْفُ الَّذِي خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ أَدْنَى أَوْ أَرْفَعَ إلَّا أَنْ يَعْجَزَ عَنْ إخْرَاجِ أَفْضَلَ مَا يَتَقَوَّتُ فَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ. وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ (مِنْ مُعَشَّرٍ أَوْ أَقِطٍ غَيْرَ عَلَسٍ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ حَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْمُخْرَجَ فِي تِسْعَةٍ وَحَصَرَهُ خَلِيلٌ فِي كُلِّ مُعَشَّرٍ إلَّا الْعَلَسَ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ كُلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّهُ يُخْرِجُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تُجْزِئُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُخْرِجَ فِيهَا تِينًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَقُولُ إنَّهُ لَا يُجْزِيهِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْقُطْنِيَّةُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَيْشَ قَوْمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَدُّوا مِنْ ذَلِكَ وَيُجْزِئُهُمْ (إلَّا أَنْ يُقْتَاتَ غَيْرُهُ) اُنْظُرْ أَنْتَ عَلَى مَا يَتَنَزَّلُ هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَقُتِيَتْ غَيْرُهَا كَالْقَطَانِيِّ وَالسَّوِيقِ وَالتِّينِ وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ فَالْمَشْهُورُ تُجْزِئُ، وَفِي الدَّقِيقِ بِرَيْعِهِ قَوْلَانِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِئُ أَنْ يُخْرِجَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ دَقِيقًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّمَا كَرِهَ إخْرَاجَ الدَّقِيقِ مِنْ أَجْلِ
стр. 964
الرَّيْعِ فَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَزِيدُ عَلَى كَيْلِ الطَّعَامِ أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَى خُبْزًا انْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. اللَّخْمِيِّ وَابْنُ يُونُسَ وَالْبَاجِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ فِي قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّهُ لَيْسَ بِخِلَافِ الْمُدَوَّنَةِ وَعَزَاهُ فِي النُّكَتِ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ.
(وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ بِقَرَابَةٍ) التَّلْقِينُ: زَكَاةُ الْفِطْرِ تَلْزَمُ الرَّجُلَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَلَدٍ صَغِيرٍ لَا مَالَ لَهُ أَوْ كَبِيرٍ زَمِنٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُؤَدِّيهَا الرَّجُلُ عَنْ كُلِّ مَنْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُؤَدِّيهَا عَنْ عَبْدِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِ النَّصَارَى وَمَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ لِحَاجَتِهِمَا أَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُمَا. اللَّخْمِيِّ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حُرًّا بِطَعَامِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُهَا عَنْهُ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ هَذَا فَقَدْ تَضَمَّنَ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ لِلنَّفَقَةِ وَمَنْ لَزِمَتْهُ شَرْعًا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا بِنَصٍّ كَالزَّوْجَةِ تَفْتَدِي بِنَفَقَةِ بَنِيهَا إلَى سُقُوطِ ذَلِكَ عَنْ الْأَبِ شَرْعًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تُخْرِجَ عَنْهُمْ زَكَاةَ
стр. 965
فِطْرٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ نَفَقَةَ الْمُخْدِمِ عَلَى الَّذِي أَخْدَمَ وَزَكَاةَ فِطْرِهِ عَلَى مَنْ لَهُ مَرْجِعُ الرَّقَبَةِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الرَّجُلِ فِي أَجِيرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَالْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ لَا تَلْزَمُ إلَّا مَنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ فِي الشَّرْعِيَّةِ لَا مِنْ طَرِيقِ التَّطَوُّعِ وَلَا الْمُعَاوَضَةِ وَنَحْوِ هَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ. (أَوْ زَوْجِيَّةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَدَاؤُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ امْرَأَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ مَلِيئَةً، وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ أَيْنَ يُخْرِجُهَا؟ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهَا؟ قَالَ فِي التَّفْرِيعِ: إنَّهَا تُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهَا وَتُعْطِيهَا زَوْجَهَا الْفَقِيرَ. ابْنُ يُونُسَ: لَوْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً لَزِمَهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا وَأَدَاءُ الْفِطْرِ عَنْهَا بِخِلَافِ لَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا وَهِيَ حَامِلٌ فَلَا يُزَكِّي عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ لِأَبٍ وَخَادِمِهَا) . ابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُؤَدِّيهَا عَنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ الْفَقِيرِ وَخَادِمِهَا. اللَّخْمِيِّ: وَيُؤَدِّيهَا عَنْ خَادِمَيْ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ إنْ كَانَا لَا غِنَى لَهُمَا عَنْهُمَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَيُؤَدِّيهَا عَنْ خَادِمٍ وَاحِدَةٍ مِنْ خُدَّامِ امْرَأَتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا.
(أَوْ رِقٍّ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: يُؤَدِّيهَا عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ سُرِّيَّةَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ عَبْدِهِ فَلَا يُخْرِجُ عَنْهُمَا لَا السَّيِّدُ وَلَا الْعَبْدُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ (وَلَوْ مُكَاتَبًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: نَفَقَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى السَّيِّدِ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
(وَآبِقًا رُجِيَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤَدِّيهَا عَنْ عَبْدِهِ الْآبِقِ إبَاقَ إيَاسٍ فَأَمَّا مَنْ يَرْتَجِيهِ لِقُرْبِهِ فَهِيَ عَلَيْهِ عَنْهُ (وَمَبِيعًا بِمُوَاضَعَةٍ أَوْ خِيَارٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ أَوْ الْمُبْتَاعَ بِالْخِيَارِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ بَاعَ أَمَةً عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَغَشِيَهُمْ الْفِطْرُ قَبْلَ زَوَالِ أَيَّامِ الْخِيَارِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَنَفَقَتُهُمْ وَزَكَاةُ فِطْرِهِمْ عَلَى الْبَائِعِ، وَسَوَاءٌ رَدَّ الْعَبْدَ مُبْتَاعُهُ بِالْخِيَارِ أَمْ لَا.
(وَمُخْدَمًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ لِرَجُلٍ وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ إنْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ كَمَنْ أَخْدَمَ عَبْدَهُ رَجُلًا أَمَدًا فَصَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى سَيِّدِهِ الَّذِي أَخْدَمَهُ (إلَّا لِحُرِّيَّةٍ فَعَلَى مُخْدَمِهِ) رَوَى الْبَاجِيُّ: الْمُخْدِمُ يَرْجِعُ لِحُرِّيَّةٍ زَكَاةُ فِطْرِهِ عَلَى ذِي خِدْمَتِهِ.
(وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ لَهُ نِصْفُ عَبْدٍ وَبَاقِيهِ حُرٌّ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي لَهُ النِّصْفُ نِصْفَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ حِصَّتِهِ وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُؤَدِّيَ النِّصْفَ الْآخَرَ عَمَّا عَتَقَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلِأَنَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ غَالِبَةٌ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ مَنْعِ شَهَادَتِهِ وَمِيرَاثِهِ وَنُقْصَانِ طَلَاقِهِ وَحْدَهُ وَسُقُوطِ الْحَجِّ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ سَاقِطَةٌ عَنْهُ، وَيُؤَدِّي السَّيِّدُ بِقَدْرِ مَا مَلَكَهُ فِيهِ كَمَا يَلْزَمُهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدٍ فَيُؤَدِّي عَنْ حِصَّتِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْ حِصَّتِهِ شَيْئًا.
(وَالْمُشْتَرَى فَاسِدًا عَلَى مُشْتَرِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا بَيْعًا فَاسِدًا فَجَاءَ الْفِطْرُ وَهُوَ عِنْدَهُ
стр. 966
فَنَفَقَتُهُ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدَّهُ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنْهُ حَتَّى يَرُدَّهُ.
(وَنُدِبَ إخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الأعلى: ١٤] إلَى ﴿فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] أَيْ مَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ
стр. 967
الْفِطْرِ ثُمَّ غَدَا ذَاكِرًا لِلَّهِ إلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى.
(وَمِنْ قُوتِهِ الْأَحْسَنِ) مِنْ كِتَابِ الْأَبْهَرِيِّ: إذَا كَانَ رَجُلٌ يَخُصُّ نَفْسَهُ بِقُوتٍ أَجْوَدَ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْغَالِبِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ يَأْكُلُ دُونَ الْقُوتِ الْغَالِبِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ الْغَالِبَ إذَا أَمْكَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَخْرَجَ مِمَّا يَأْكُلُ.
(وَغَرْبَلَةُ الْقَمْحِ إلَّا الْغَلِثَ) الْغَلْثُ الْخَلْطُ غَلَثْت الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ غَرْبَلَةُ الْقَمْحِ بِوَاجِبٍ.
(وَدَفْعُهَا لِزَوَالِ فَقْرٍ أَوْ رِقٍّ يَوْمَهُ) أَمَّا مَنْ زَالَ فَقْرُهُ يَوْمَ الْفِطْرِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ
стр. 968
الْفِطْرِ أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ أُعْطِيَ الْفَقِيرُ مِنْهَا مَا فِيهِ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَلْيُخْرِجْ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ. الْجَلَّابُ: الْإِخْرَاجُ مُسْتَحَبٌّ. وَابْنُ حَبِيبٍ: إنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا فِي غَدٍ يَوْمِ الْفِطْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ قَدْ زَالَ وَأَمَّا مَنْ زَالَ رِقُّهُ أَمَّا الْقِنُّ فَقَدْ كَانَ أَخْرَجَ عَنْهُ سَيِّدُهُ الْمُعْتِقُ وَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ.
(وَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَدْفَعُ زَكَاةً إلَى الْإِمَامِ إنْ كَانَ لَا يَعْدِلُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا لَمْ يَسَعْ أَحَدًا أَنْ يُفَرِّقَ شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ وَلْيَدْفَعْهَا إلَيْهِ فَيُفَرِّقَهَا الْإِمَامُ فِي مَوَاضِعِهَا. (وَعَدَمُ زِيَادَةٍ) قِيلَ لِمَالِكٍ: يُؤَدِّي بِالْمُدِّ الْأَكْبَرِ؟ قَالَ: لَا بِمُدِّهِ ﵇، فَإِنْ أَرَادَ خَيْرًا فَعَلَى حِدَةٍ الْقَرَافِيُّ: سَدُّ الذَّرِيعَةِ تَغْيِيرُ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ.
(وَإِخْرَاجُ الْمُسَافِرِ وَجَازَ إخْرَاجُ أَهْلِهِ عَنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُؤَدِّيهَا الْمُسَافِرُ حَيْثُ هُوَ وَإِنْ أَدَّاهَا عَنْهُ أَهْلُهُ أَجْزَأَ.
(وَدَفْعُ صَاعٍ لِمَسَاكِينَ وَآصُعَ لِوَاحِدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ زَكَاةَ
стр. 969
الْفِطْرِ عَنْهُ وَعَنْ عِيَالِهِ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ مَا أَخْرَجَ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: لَوْ أَعْطَى زَكَاةَ نَفْسِهِ وَحْدَهُ مَسَاكِينَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ (وَمِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ إلَّا لِشُحٍّ) ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنْ اقْتَاتَ نَوْعًا أَدْنَى مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ لِشُحٍّ لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ. وَإِنْ كَانَ لِفَقْرٍ لَا لِشُحٍّ فَالظَّاهِرُ إجْزَاءُ قُوتِهِ عَنْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ إنْ كَانَ الصِّنْفُ الَّذِي خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ أَدْنَى فَلَا يُخْرِجُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَعْجِزَ.
(وَإِخْرَاجُهُ قَبْلَهُ
стр. 970
بِكَالْيَوْمَيْنِ وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إلَّا لِمُفَرِّقٍ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَجْزَأَهُ. الْبَاجِيُّ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَقَالَهُ سَحْنُونَ: ابْنُ يُونُسَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا أَرَادَ بِإِخْرَاجِهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِمَنْ يَلِي الصَّدَقَةَ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ يُجْزِئُهُ لَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
(وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ حَتَّى مَضَى لِذَلِكَ أَعْوَامٌ ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا لِمَاضِي السِّنِينَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَخَّرَهَا الْوَاحِدُ سِنِينَ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا لِمَاضِي السِّنِينَ.
(وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْطَى مِنْهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَلَا الْعَبِيدُ وَلَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُعْطَى زَكَاةَ الْفِطْرِ مَنْ يَمْلِكُ
стр. 971
نِصَابًا. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ مَصْرِفِهَا فَقِيرَ الزَّكَاةِ أَوْ عَادِمَ قُوتِ يَوْمِهِ نَقْلُ اللَّخْمِيِّ وَقَوْلُ أَبِي مَصْعَبٍ.
стр. 972
[كِتَابُ الصِّيَامِ] [ بَاب فِي أَحْكَام الصِّيَام]
ابْنُ شَاسٍ: يُنْظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ. أَمَّا الصَّوْمُ فَالنَّظَرُ فِي سَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ
стр. 973
وَسُنِّيَّتِهِ. وَأَمَّا الْفِطْرُ فَالنَّظَرُ فِي مُبِيحَاتِهِ وَمُوجِبَاتِهِ. (وَيَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ) ابْنُ يُونُسَ: لِلْعِلْمِ
стр. 974
بِدُخُولِ رَمَضَانَ ثَلَاثُ طُرُقٍ وَهِيَ: الرُّؤْيَةُ وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يُوصَلْ إلَى ذَلِكَ فَإِكْمَالُ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
(أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: يَثْبُتُ رَمَضَانُ وَغَيْرُهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ فِي مِصْرٍ صَغِيرٍ مُطْلَقًا وَكَبِيرٍ فِي غَيْمٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَامُ وَلَا يُفْطَرُ وَلَا يُقَامُ الْمَوْسِمُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُكَاتَبِينَ، وَلَا شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَوْ كَانَ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا صُمْت وَلَا أَفْطَرْت بِشَهَادَتِهِ. اللَّخْمِيِّ: مَنَعَ مَالِكٌ أَنْ يُصَامَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ إذَا أَخْبَرَ عَنْ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ لَا عَلَى وَجْهِ
стр. 975
الْوُجُوبِ وَلَا عَلَى النَّدْبِ وَلَا عَلَى الْإِبَاحَةِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَوْ كَانَ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَثْبُتُ فِي الْبَدَنِ فَلَا يُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَاحِدٌ أَصْلُهُ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ لَغْوُ رُؤْيَةِ الْعَدْلِ لِغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. ابْنُ حَارِثٍ: اتِّفَاقًا وَتَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ قَبُولُهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مُيَسَّرٍ وَالشَّيْخِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يُرَدُّ بِالْمَشَقَّةِ انْتَهَى. فَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ مُيَسَّرٍ وَالشَّيْخِ مُوَافِقٌ لِلْمَشْهُورِ. وَاَلَّذِي قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا كَانَ النَّاسُ مَعَ إمَامٍ يُضَيِّعُ أَمْرَ الْهِلَالِ فَلَا يَدَعُوا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
فَمَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِرُؤْيَةِ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ صَامَ عَلَيْهِ وَأَفْطَرَ وَحَمَلَ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ. اللَّخْمِيِّ: أَجَازَ فِي هَذَا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ إذَا أَخْبَرَ عَنْ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَأَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ بِصِدْقِ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثِقَةً عِنْدَهُ. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ عَلَى الصَّوْمِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ عِنْدَ تَضْيِيعِ الْإِمَامِ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِمَامِ إلَّا مَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَهُ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . فَأَبَاحَ الْأَكْلَ بِقَوْلِ بِلَالٍ وَأَلْزَمَ الْإِمْسَاكَ بِقَوْلِ ابْنِ مَكْتُومٍ وَحْدِهِ، وَالْأَوَّلُ يُخْبِرُ عَنْ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي يُخْبِرُ عَمَّا يُخْبِرُ بِهِ غَيْرُهُ. وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُفْطَرَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ إذَا أَخْبَرَ عَنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُؤَذِّنُ فِي هَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِأَنَّ النَّاسَ أَقَامُوهُ لِذَلِكَ فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ. قِيلَ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَجُوزَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْهِلَالِ إذَا أَقَامُوا وَاحِدًا لِالْتِمَاسِهِ لَهُمْ فَيَعْمَلُونَ عَلَى مَا يُخْبِرُهُمْ بِهِ مِنْ هِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالٍ.
رَاجِعْ اللَّخْمِيَّ وَقَدْ حَصَلَ بِهَذَا أَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِالصِّيَامِ إذَا رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ بِنَفْسِهِ كَذَلِكَ هُوَ مُخَاطَبٌ بِهِ إذَا أَخْبَرَهُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ أَنَّهُمَا قَدْ رَأَيَاهُ، وَهَذِهِ أَيْضًا هِيَ عِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ. فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ وَاحِدٌ فَلَا يَعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ إمَامٌ يَتَفَقَّدُ أَمْرَ الْهِلَالِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِشَهَادَتِهِ، وَهَذِهِ أَيْضًا هِيَ عِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ قَائِلًا: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا تَعَذَّرَتْ لِتَضْيِيعِ
стр. 976
الْإِمَامِ رَجَعَ إلَى إثْبَاتِهِ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ، وَكَمَا جَازَ قَبُولُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ بِالْفَجْرِ فِي طُلُوعٍ لِتَعَذُّرِ الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ إذْ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُ الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْهِلَالِ دُونَ الْفَجْرِ أَنَّ الصِّيَامَ يَصِحُّ إيقَاعُ النِّيَّةِ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الصَّوْمِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِاسْتِهْلَالِ الْهِلَالِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا زَوَالُ الشَّمْسِ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَا غُرُوبُ الشَّمْسِ لِلْفِطْرِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يُوقِنَ بِزَوَالِ الشَّمْسِ أَوْ بِغُرُوبِهَا. وَجْهٌ رَابِعٌ مِمَّا يُخَاطَبُ بِهِ الْإِنْسَانُ بِالصِّيَامِ إذَا أَخْبَرَهُ الْإِمَامُ أَنْ قَدْ ثَبَتَ رُؤْيَتُهُ عِنْدَهُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ عَنْ الْإِمَامِ بِذَلِكَ أَوْ عَنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ رُؤْيَةً عَامَّةً. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَلِكَ إنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّ أَهْلَ بَلَدِ كَذَا صَامُوا يَوْمَ كَذَا بِرُؤْيَةٍ عَامَّةٍ أَوْ بِثُبُوتِ رُؤْيَتِهِ عِنْدَ قَاضِيهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَضَاءُ الْيَوْمِ.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: الْعَدْلُ إذَا أَخْبَرَ أَنَّ الْهِلَالَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْإِمَامِ إنْ كَانُوا قَدْ بَعَثُوهُ لَزِمَهُمْ الْعَمَلُ عَلَى خَبَرِهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُرْسِلُوهُ إلَى بَلَدٍ مُسْتَكْشِفًا فَيُخْبِرَهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ فِيهِ، أَوْ يُخْبِرَهُمْ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ نَقْلِ الْأَخْبَارِ لَا مِنْ بَابِ نَقْلِ الشَّهَادَةِ وَكَذَلِكَ نَقْلُ الرَّجُلِ إلَى أَهْلِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا مَعْنَى عِنْدِي لِقَوْلِ أَبِي عِمْرَانَ: " وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ دُونَ أَنْ يَبْعَثُوهُ أَوْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ " وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ عِنْدِي إذَا بَعَثَ الْإِمَامُ رَجُلًا إلَى أَهْلِ بَلَدٍ لِيُخْبِرَهُ إنْ كَانُوا رَأَوْا الْهِلَالَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَلِيَأْمُرْ الْإِمَامُ النَّاسَ بِالصِّيَامِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ الصِّيَامُ وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ حَتَّى يَشْهَدَ بِذَلِكَ عِنْدَهُ آخَرُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ هَلْ يَلْزَمُ هَذَا الْمُخْبِرَ أَنْ يُخْبِرَ كُلَّ النَّاسِ إذْ الْإِمَامُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ بِخَبَرِهِ فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ.
(وَلَوْ بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ) اللَّخْمِيِّ: يَصِحُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فِي الْغَيْمِ وَإِنْ عَظُمَ الْمِصْرُ وَفِي الصَّحْوِ فِي الْمِصْرِ الصَّغِيرِ. وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ الصَّحْوُ وَالْمِصْرُ كَبِيرًا، وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْجَوَازُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
(فَإِنْ لَمْ يُرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كُذِّبَا) قَالَ مَالِكٌ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا فِي هِلَالِ شَعْبَانَ فَعُدَّ لِذَلِكَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ لَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ إحْدَى
стр. 977
وَثَلَاثِينَ وَالسَّمَاءُ صَاحِيَةٌ قَالَ مَالِكٌ: هَذَانِ شَاهِدَا سَوْءٍ.
(أَوْ مُسْتَفِيضَةً) مِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: قَدْ يَأْتِي مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَا يَشْتَهِرُ حَتَّى لَا يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى الشَّهَادَةِ وَالتَّعْدِيلِ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْقَرْيَةُ كَبِيرَةً فَيَرَاهُ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ فِيهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَلْزَمُ النَّاسَ الصَّوْمُ مِنْ بَابِ
стр. 978
اسْتِفَاضَةِ الْأَخْبَارِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ.
(وَعَمَّ إنْ نُقِلَ بِهِمَا عَنْهُمَا لَا بِمُنْفَرِدٍ إلَّا كَأَهْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ
стр. 979
بِأَمْرِهِ) قَدْ لَخَّصْت مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنِ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنِ عَرَفَةَ مَا أَتَحَمَّلُ عُهْدَتَهُ إنْ أَفْتَيْت فَانْظُرْ أَنْتَ هَلْ يَتَنَزَّلُ كَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَظْهِرْ عَلَيْهِ؟
(وَعَلَى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ رَفْعُ رُؤْيَتِهِ وَالْمُخْتَارُ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ
стр. 980
وَحْدَهُ فَلْيُعْلِمْ الْإِمَامَ لَعَلَّ غَيْرَهُ رَآهُ مَعَهُ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُ رَدَّ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُ وَلَزِمَهُ الصَّوْمُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ أَفْطَرَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَأَوِّلًا انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ. وَذَكَرَ اللَّخْمِيِّ قَوْلَ أَشْهَبَ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَعْزُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إذَا كَانَ فَاسِقًا أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ رَفْعُهُ. اللَّخْمِيِّ: الْقَوْلُ الْآخَرُ أَبْيَنُ لِأَنَّهُ قَدْ يَجْتَمِعُ مِنْهُمْ مَا يَقَعُ بِقَوْلِهِمْ الْعِلْمُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى ظُهُورِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَقِفُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ خَوْفَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى انْفِرَادِهِ انْتَهَى وَهَذَا كَمَا نَصُّوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ بِرَأْسِهِ لَا يُسْقِطُهُ عَدَمُ تَأْثِيرِ الْمُنْكِرِ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ إنْكَارَ الْقَلْبِ فَرْضٌ وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ.
(لَا بِمُنَجِّمٍ) ابْنُ يُونُسَ: لَا يُنْظَرُ فِي الْهِلَالِ إلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى
стр. 981
الرُّؤْيَةِ أَوْ الشَّهَادَةِ أَوْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوَّالٍ وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ إلَّا بِمُبِيحٍ) قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ فَلَا يُفْطِرُ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَلْيَنْوِ الْفِطْرَ بِقَلْبِهِ وَيَكُفَّ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْأَكْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ شَيْءٌ لَكِنْ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ التَّغْرِيرِ بِنَفْسِهِ فِي هَتْكِ عِرْضِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ فِي سَفَرٍ فِي
стр. 982
مَفَازٍ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ. اللَّخْمِيِّ: لَا يُمْنَعُ بِسَفَرٍ مُطْلَقًا.
(وَفِي تَلْفِيقِ شَاهِدِ أَوَّلِهِ لِآخَرَ آخِرَهُ، وَلُزُومِهِ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ بِشَاهِدٍ تَرَدُّدٌ) أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَقَالَ يَحْيَى: لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ وَآخَرُ عَلَى شَوَّالٍ لَمْ يُفْطَرْ بِشَهَادَتِهِمَا. انْتَهَى نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ. وَأَمَّا ابْنُ رُشْدٍ فَنَقَلَ هَذَا ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى ذَلِكَ إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ أَنَّهُ رَآهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ عَلَى هِلَالِ شَعْبَانَ إذْ لَيْسَ فِي شَهَادَةِ الثَّانِي تَصْدِيقٌ لِلشَّاهِدِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا لَوْ رَآهُ الشَّاهِدُ الثَّانِي بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ لَوَجَبَ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّ الشَّاهِدَ الثَّانِيَ يُصَدِّقُ الشَّاهِدَ الْأَوَّلَ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَصْدُقَ الشَّاهِدُ الثَّانِي إلَّا وَالْأَوَّلُ صَادِقٌ فِي شَهَادَتِهِ، يُرِيدُ فَيُصَامُ لِتَمَامٍ مِنْ رُؤْيَتِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَيْسَ هَذَا بِبَيِّنٍ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَنَّهُمَا جَمِيعًا يَتَخَرَّجَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مُتَّفِقَانِ عَلَى إيجَابِ الصِّيَامِ لِتَمَامٍ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ إذْ قَدْ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي شَهَادَتِهِمَا وَاتَّفَقَا فِيمَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا تَجُوزَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ شَهِدَ الْأَوَّلُ
стр. 983
أَنَّهُ رَآهُ لَيْلَةَ الْأَحَدِ وَكَانَ الْغَيْمُ، فَإِنْ شَهِدَ الثَّانِي أَنَّهُ رَأَى هِلَالَ الشَّهْرِ بَعْدَهُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لُفِّقَتْ، وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ رَأَى لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لَمْ تُلَفَّقْ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا رَابِعُ الْأَقْوَالِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ لُزُومِ الصِّيَامِ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ بِشَاهِدٍ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ عَنْ سَنَدٍ: لَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِالصَّوْمِ بِالْوَاحِدِ لَمْ يُخَالَفْ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ فَتْوَى لَا حُكْمٌ. وَلَوْ كَانَ إمَامٌ يَرَى الْحِسَابَ فَأَثْبَتَ بِهِ الْهِلَالَ لَمْ يُتَّبَعْ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ.
(وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا لِلْقَابِلَةِ) ابْنُ يُونُسَ: إذَا رَأَى الْهِلَالَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ أَوْ مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ لِغَدِهِ رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ، ابْنُ بَشِيرٍ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ (وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ وَإِلَّا كَفَّرَ إنْ انْتَهَكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ
стр. 984
مَالِكٌ: إنْ أَصْبَحَ يَنْوِي الْفِطْرَ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ عَلِمَ أَوَّلَ النَّهَارِ أَوْ آخِرَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ بَعْدَمَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيَكُفَّ عَنْ الْأَكْلِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، ثُمَّ إنْ أَكَلَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ إلَّا أَنْ يَأْكُلَهُ مُنْتَهِكًا لِحُرْمَتِهِ عَالِمًا بِمَا عَلَى مُتَعَمِّدِ الْفِطْرِ فِيهِ فَلْيُكَفِّرْ.
(وَإِنْ غَيَّمَتْ وَلَمْ يُرَ فَصَبِيحَتُهُ يَوْمَ الشَّكِّ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا الْتَمَسَ النَّاسُ الْهِلَالَ وَلَمْ يَرَوْهُ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ فَلَا شَكَّ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُتَغَيِّمَةً فَالشَّكُّ حَاصِلٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيَّتَ الْإِمْسَاكُ لِيَسْتَبْرِئَ مَا يَأْتِي بِهِ النَّهَارُ مِنْ أَخْبَارِ السِّفَارِ، فَإِنْ ثَبَتَ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ عُوِّلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ثَبَتَ إثْبَاتُهَا اُسْتُدِيمَ الْإِمْسَاكُ.
(وَصِيمَ عَادَةً وَتَطَوُّعًا
стр. 985
وَقَضَاءً وَلِنَذْرٍ صَادَفَ لَا احْتِيَاطًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَامَ الْيَوْمَ الَّذِي مِنْ آخِرِ شَعْبَانَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ يُرِيدُ احْتِيَاطًا وَيَجُوزُ تَطَوُّعًا.
قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: وَمَنْ صَامَهُ حَوْطَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلْيُفْطِرْ مَتَى أَفَاقَ لِذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُصَامُ تَطَوُّعًا قَوْلُهُ ﷺ : «إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ فَلْيَصُمْهُ» . وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ صَامَهُ حَوْطَةً أَوْ تَطَوُّعًا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلْيَقْضِهِ انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: يَصُومُ يَوْمَ الشَّكِّ مَنْ نَذَرَهُ أَوْ مَنْ اسْتَدَامَ
следующие страницы →