Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
أَوْ سَكَتَ (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ) الزَّوْجُ (صَبِيًّا مُمَيِّزًا) اتِّفَاقًا عَلَى الْأَصَحِّ (وَالصَّبِيَّةُ كَالصَّبِيِّ) فِيمَا ذُكِرَ وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ الْإِسْلَامُ إذَا أَتَى بِهِ صَحَّ مِنْهُ الْإِبَاءُ إذَا عُرِضَ عَلَيْهِ
(وَيُنْتَظَرُ عَقْلُ) أَيْ تَمْيِيزُ (غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَلَوْ) كَانَ (مَجْنُونًا) لَا يُنْتَظَرُ لِعَدَمِ نِهَايَتِهِ بَلْ (يُعْرَضُ) الْإِسْلَامُ (عَلَى أَبَوَيْهِ) فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ تَبِعَهُ فَيَبْقَى النِّكَاحُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ نَصَبَ الْقَاضِي عَنْهُ وَصِيًّا فَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ بَاقَانِيٌّ عَنْ الْبَهْنَسِيِّ عَنْ رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ لِلزَّاهِدِيِّ.
(وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ فَتَهَوَّدَتْ أَوْ تَنَصَّرَتْ بَقِيَ نِكَاحُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي الِابْتِدَاءِ كَذَلِكَ) لِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ مَآلًا (وَالتَّفْرِيقُ) بَيْنَهُمَا (طَلَاقٌ) يُنْقِصُ الْعَدَدَ (لَوْ أَبَى لَا لَوْ أَبَتْ)
ــ
[رد المحتار]
كَمَا يَأْتِي مَتْنًا (قَوْلُهُ أَوْ سَكَتَ) غَيْرَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْعَرْضَ ثَلَاثًا احْتِيَاطًا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) وَمَا لَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي فَهِيَ زَوْجَتُهُ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ امْرَأَتُهُ الْكَافِرَةُ وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ: أَيْ كَمَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ قَائِمًا وَيَتَقَرَّرُ بِالْمَوْتِ فَتْحٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَوَارَثَا لِمَانِعِ الْكُفْرِ (قَوْلُهُ صَبِيًّا مُمَيِّزًا) أَيْ يَعْقِلُ الْأَدْيَانَ، لِأَنَّ رِدَّتَهُ مُعْتَبَرَةٌ فَكَذَا إبَاؤُهُ فَتْحٌ. قَالَ فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ: وَالْمَعْتُوهُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ. اهـ. (قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) وَقِيلَ لَا يُعْتَبَرُ إبَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ رِدَّتُهُ عِنْدَهُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَالْإِبَاءِ وَالسُّكُوتِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ) أَيْ الصَّبِيُّ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ الْفَتْحِ، وَلَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْبَالِغُ مِثْلُهُ
(قَوْلُهُ لِعَدَمِ نِهَايَتِهِ) بِخِلَافِ عَدَمِ التَّمْيِيزِ فَإِنَّ لَهُ نِهَايَةً (قَوْلُهُ بَلْ يَعْرِضُ الْإِسْلَامَ عَلَى أَبَوَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ: وَإِنَّمَا يَعْرِضُ الْإِسْلَامَ عَلَى أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ لِصَيْرُورَتِهِ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا أُقَرَّا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ أَبَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمَةِ، وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا تَبَعًا بِارْتِدَادِ أَبَوَيْهِ وَلِحَاقِهِمَا بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَلَغَ مُسْلِمًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ أَسْلَمَ عَاقِلًا فَجُنَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَارْتَدَّا وَلَحِقَا بِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا بِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ عَنْهُ زَوَالِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ بِتَقَرُّرِ رُكْنِ الْإِيمَانِ مِنْهُ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْآبَاءِ عَلَى الْأَوْلَادِ عَادَةً فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يُسْلِمَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَالِدَانِ جَعَلَ الْقَاضِي لَهُ خَصْمًا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِبَاءَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ هُنَا لِلتَّعَذُّرِ. اهـ. وَهَذَا مَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَاقَانِيِّ، وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ فَائِدَةَ نَصْبِ الْوَصِيِّ الْحُكْمُ بِالتَّفْرِيقِ بِلَا عَرْضٍ بَلْ يَسْقُطُ الْعَرْضُ لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِتَبَعِيَّةِ غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أُمٌّ فَقَطْ يَعْرِضُ الْإِسْلَامَ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَبَتْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا وِلَايَةٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَنَاطَ هُنَا التَّبَعِيَّةُ لَا الْوِلَايَةُ، فَقَوْلُ بَعْضِ الْمُحَشِّينَ إنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ لَا يَعْرِضُ عَلَى الْأُمِّ بَلْ يَنْصِبُ لَهُ وَصِيًّا غَيْرُ صَحِيحٍ، نَعَمْ لَوْ كَانَ أَبَوَيْهِ مَجْنُونَيْنِ أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَنْصِبَ عَنْهُ وَصِيًّا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَجْنُونَ كَالصَّبِيِّ فِي تَبَعِيَّتِهِ لِأَبَوَيْهِ إسْلَامًا وَكُفْرًا مَا لَمْ يُسْلِمْ قَبْلَ جُنُونِهِ
(قَوْلُهُ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ إلَخْ) بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَهُوَ مَا لَوْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً وَقْتَ إسْلَامِهِ ثُمَّ تَمَجَّسَتْ فَإِنَّهُ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِلَا عَرْضٍ عَلَيْهَا بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ. وَظَاهِرُهُ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بِلَا تَفْرِيقِ الْقَاضِي لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْمُرْتَدَّةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ طَلَاقٌ يُنْقِصُ الْعَدَدَ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّلَاقِ حَقِيقَتُهُ لَا الْفَسْخُ، فَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا طَلْقَتَيْنِ فَقَطْ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّهُ فَسْخٌ، ثُمَّ هَذَا الطَّلَاقُ بَائِنٌ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَشَارَ بِالطَّلَاقِ إلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً فَقَدْ الْتَزَمَتْ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَمِنْ حُكْمِهِ وُجُوبُ الْعِدَّةِ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً لَا تَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا فَالزَّوْجُ مُسْلِمٌ وَالْعِدَّةُ حَقُّهُ، وَحُقُوقُنَا لَا تَبْطُلُ بِدِيَانَتِهِمْ وَإِلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ فِي الْعِدَّةِ إنْ كَانَتْ هِيَ مُسْلِمَةً لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ
стр. 1472
لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ مِنْ النِّسَاءِ
(وَإِبَاءُ الْمُمَيِّزِ وَأَحَدُ أَبَوَيْ الْمَجْنُونِ طَلَاقٌ) فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ مِنْ أَغْرَبِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ يَقَعُ الطَّلَاقُ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ زَيْلَعِيٌّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ الطَّلَاقُ مِنْ الْقَاضِي وَهُوَ عَلَيْهِمَا لَا مِنْهُمَا فَلَيْسَا بِأَهْلٍ لِلْإِيقَاعِ بَلْ لِلْوُقُوعِ،
ــ
[رد المحتار]
كَافِرَةً وَأَسْلَمَ الزَّوْجُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهَا. وَلِذَا لَا مَهْرَ لَهَا إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ اهـ.
أَمَّا لَوْ أَسْلَمَتْ وَأَبَى الزَّوْجُ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَكُلُّهُ بَعْدَهُ كَمَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَشَارَ أَيْضًا إلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِالْخُلْعِ أَوْ بِالْجَبِّ أَوْ الْعُنَّةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْآتِي أَوْ هِيَ. وَظَاهِرُهُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِمَا إذَا أَسْلَمَتْ وَأَبَى هُوَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. اهـ.
أَقُولُ: مَا فِي الْفَتْحِ صَرِيحٌ فِي الْأَوَّلِ، حَيْثُ قَالَ: إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِإِبَاءِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْآبِيَةُ مَعَ أَنَّ الْفُرْقَةَ فَسْخٌ وَبِهِ يُنْتَقَضُ مَا قِيلَ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ اهـ نَعَمْ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُحِيطِ يُفِيدُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِمَا إذَا كَانَ هُوَ الْآبِي وَهُوَ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِالْخُلْعِ إلَخْ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ جَانِبِهِ فَتَكُونُ طَلَاقًا، وَمُعْتَدَّةُ الطَّلَاقِ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ هِيَ الْآبِيَةُ تَكُونُ الْفُرْقَةُ فَسْخًا وَالْفَسْخُ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي عِدَّتِهِ نَعَمْ فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي عِدَّةِ الْفَسْخِ إلَّا فِي ارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا وَتَفْرِيقِ الْقَاضِي بِإِبَاءِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْإِسْلَامِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَا يَقَعُ عَلَى الْآخَرِ طَلَاقُهُ، لَكِنْ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: إنَّ هَذَا فِي طَلَاقِ أَهْلِ الْحَرْبِ: أَيْ فِيمَا لَوْ هَاجَرَ أَحَدُهُمَا إلَيْنَا مُسْلِمًا لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
قُلْت: إنَّ هَذَا الْحَمْلَ مُمْكِنٌ فِي عِبَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ دُونَ عِبَارَةِ طَلَاقِ الْبَحْرِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ آخِرَ بَابِ الْكِنَايَاتِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ مِنْ النِّسَاءِ) بَلْ الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفُرْقَةِ شَرْعًا هُوَ الْفَسْخُ، فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهَا فِيمَا تَمْلِكُهُ
(قَوْلُهُ وَإِبَاءُ الْمُمَيِّزِ) أَيْ تَفْرِيقُ الْقَاضِي بِسَبَبِ الْإِبَاءِ، وَإِلَّا فَالْإِبَاءُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ح (قَوْلُهُ وَأَحَدِ أَبَوَيْ الْمَجْنُونِ) أَيْ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا أَحَدُهُمَا أَبًا أَوْ أُمًّا، أَمَّا لَوْ وُجِدَا فَلَا بُدَّ مِنْ إبَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ طَلَاقٌ فِي الْأَصَحِّ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْأَصَحِّ يَكُونُ فَسْخًا أَبُو السُّعُودِ
مَطْلَبٌ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَيْسَا بِأَهْلٍ لِإِيقَاعِ طَلَاقٍ بَلْ لِلْوُقُوعِ
(قَوْلُهُ فَلَيْسَا بِأَهْلٍ لِلْإِيقَاعِ) أَيْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مِنْهُمَا، بَلْ هُمَا أَهْلٌ لِلْوُقُوعِ: أَيْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمَا عِنْدَ وُجُودِ مُوجِبِهِ. وَفِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ قَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرُهُ الْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ شَرْعِيَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ عَدَمُهَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ. فَأَمَّا عِنْدَ تَحَقُّقِهَا فَمَشْرُوعٌ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَصْلًا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ. حَتَّى أَنَّ امْرَأَتَهُ لَا تَكُونُ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ، وَهَذَا وَهْمٌ عِنْدِي، فَإِنَّ الطَّلَاقَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ إذْ لَا ضَرَرَ فِي إثْبَاتِ أَصْلِ الْمِلْكِ بَلْ الضَّرَرُ فِي الْإِيقَاعِ، حَتَّى إذَا تَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَى صِحَّةِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مِنْ جِهَتِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَانَ صَحِيحًا، فَإِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ وَأَبَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ طَلَاقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَإِذَا ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَعَتْ الْبَيْنُونَةُ وَكَانَ طَلَاقًا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَإِذَا وَجَدَتْهُ مَجْبُوبًا فَخَاصَمَتْهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ طَلَاقًا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ. اهـ.
стр. 1473
كَمَا لَوْ وَرِثَ قَرِيبَهُ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ جُنِنْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَجُنَّ لَمْ يَقَعْ، بِخِلَافِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَدَخَلَهَا مَجْنُونًا وَقَعَ.
(وَلَوْ) (أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْمَجُوسِيَّيْنِ أَوْ امْرَأَةُ الْكِتَابِيِّ (ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمُلْحَقٌ بِهَا كَالْبَحْرِ الْمِلْحِ (لَمْ تَبِنْ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثًا) أَوْ تَمْضِيَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (قَبْلَ إسْلَامِ الْآخَرِ) إقَامَةً لِشَرْطِ الْفُرْقَةِ مَقَامَ السَّبَبِ، وَلَيْسَتْ بِعِدَّةٍ لِدُخُولِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَالْبَالِغِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْهُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إيقَاعُهُ مِنْهُ ابْتِدَاءً لِلضَّرَرِ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ الْمَجْنُونُ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى أَنَّهُ إيقَاعٌ مِنْ الْقَاضِي وَلِأَنَّ تَفْرِيقَ الْقَاضِي هُنَا كَتَفْرِيقِهِ بِإِبَاءِ الْبَالِغِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ طَلَاقٌ مِنْهُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، فَكَذَا فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُمَا أَيْ ابْتِدَاءً وَكَانَ وُقُوعُهُ مِنْهُمَا بِعَارِضٍ غَرِيبًا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهُ مِنْ أَغْرَبِ الْمَسَائِلِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ وَرِثَ قَرِيبَهُ) أَيْ الرَّحِمَ الْمَحْرَمَ مِنْهُ كَأَنْ وَرِثَ أَبَاهُ الْمَمْلُوكَ لِأَخِيهِ مِنْ أُمٍّ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَمْلُوكَةَ أَبِيهِ فَوَرِثَهَا مِنْهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ (قَوْلُهُ لَمْ يَقَعْ) لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى مَا يُنَافِي وُقُوعَهُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ وَهُوَ أَنْتِ طَالِقٌ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الشَّرْطِ صَالِحًا لَهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ إنْ مِتّ فَأَنْتِ طَالِقٌ، كَذَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ وَقَعَ) لَمَّا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ الْأَهْلِيَّةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ لَا وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَيْسَ الشَّرْطُ هُنَا وَهُوَ دُخُولُ الدَّارِ مُنَافِيًا لِانْعِقَادِ الْجَزَاءِ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيقِ مِنْ وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ وَقْتَهُ وَعَدَمِ مُنَافَاةِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ لِلْجَزَاءِ الْمُعَلَّقِ وَهُنَا وُجِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهُ وُجِدَتْ فِيهَا الْأَهْلِيَّةُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ وَفُقِدَ الْآخَرُ وَهُوَ عَدَمُ الْمُنَافَاةِ. هَذَا مَا ظَهَرَ لِي
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا ثَمَّةَ) هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمَجُوسِيَّيْنِ أَوْ امْرَأَةُ الْكِتَابِيِّ إلَخْ فَإِنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ هُنَا: أَطْلَقَ فِي إسْلَامِ أَحَدِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْآخَرُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَقَامَ الْآخَرُ فِيهَا أَوْ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُصِرِّ، سَوَاءٌ خَرَجَ الْمُسْلِمُ أَوْ الْآخَرُ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى لِغَائِبٍ وَلَا عَلَى غَائِبٍ، وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ. اهـ. (قَوْلُهُ كَالْبَحْرِ الْمِلْحِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا لَيْسَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَا إسْلَامٍ مُلْحَقًا بِدَارِ الْحَرْبِ كَالْبَحْرِ الْمِلْحِ لِأَنَّهُ لَا قَهْرَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ رَاكِبُهُ تَوَقَّفَتْ الْبَيْنُونَةُ عَلَى مُضِيِّ ثَلَاثِ حَيْضٍ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِتَعَذُّرِ الْعَرْضِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ. اهـ. وَهَلْ حُكْمُ الْبَحْرِ الْمِلْحِ فِي غَيْرِ هَذِهِ حُكْمُ دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَيْهِ الذِّمِّيُّ صَارَ حَرْبِيًّا وَانْتَقَضَ عَهْدُهُ، وَإِذَا خَرَجَ إلَيْهِ الْحَرْبِيُّ وَعَادَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى دَارِهِ يُنْقَضُ أَمَانُهُ وَيُعْشَرُ مَا مَعَهُ يُحَرَّرُ ط (قَوْلُهُ لَمْ تَبِنْ حَتَّى تَحِيضَ إلَخْ) أَفَادَ بِتَوَقُّفِ الْبَيْنُونَةِ عَلَى الْحَيْضِ أَنَّ الْآخَرَ لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا بَيْنُونَةَ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ تَمْضِي ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) أَيْ إنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَحَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ح عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ إقَامَةً لِشَرْطِ الْفُرْقَةِ) وَهُوَ مُضِيُّ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَقَامَ السَّبَبِ وَهُوَ الْإِبَاءُ لِأَنَّ الْإِبَاءَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْعَرْضِ، وَقَدْ عُدِمَ الْعَرْضُ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ وَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّفْرِيقِ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِ وَإِقَامَةُ الشَّرْطِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعِلَّةِ جَائِزٌ، فَإِذَا مَضَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ صَارَ مُضِيُّهَا بِمَنْزِلَةِ تَفْرِيقِ الْقَاضِي وَتَكُونُ فُرْقَةً بِطَلَاقٍ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِغَيْرِ طَلَاقٍ لِأَنَّهَا بِسَبَبِ الْإِبَاءِ حُكْمًا وَتَقْدِيرًا بَدَائِعُ. وَبَحَثَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ هُوَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ فُرْقَةً بِطَلَاقٍ، لِأَنَّ الْآبِيَ هُوَ الزَّوْجُ حُكْمًا وَالتَّفْرِيقُ بِإِبَائِهِ طَلَاقٌ عِنْدَهُمَا.
فَكَذَا مَا قَامَ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الزَّوْجَ فَهِيَ فَسْخٌ (قَوْلُهُ وَلَيْسَتْ بِعِدَّةٍ) أَيْ لَيْسَتْ
стр. 1474
(وَلَوْ) (أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ) وَلَوْ مَآلًا كَمَا مَرَّ (فَهِيَ لَهُ، وَ) الْمَرْأَةُ (تَبِينُ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ) حَقِيقَةً وَحُكْمًا (لَا) بِ (السَّبْيِ، فَلَوْ) (خَرَجَ) أَحَدُهُمَا (إلَيْنَا مُسْلِمًا) أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذَا ذِمَّةٍ فِي دَارِنَا (أَوْ أُخْرِجَ مَسْبِيًّا) وَأُدْخِلَ فِي دَارِنَا (بَانَتْ) بِتَبَايُنِ الدَّارِ، إذْ أَهْلُ الْحَرْبِ كَالْمَوْتَى، وَلَا نِكَاحَ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيِّتٍ
(وَإِنْ) (سُبِيَا) أَوْ خَرَجَا إلَيْنَا (مَعًا) ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُسْلِمَيْنِ أَوْ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ صَارَا ذِمِّيَّيْنِ (لَا) تَبِينُ لِعَدَمِ التَّبَايُنِ.
حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ مَنْكُوحَةَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَمْ تَبِنْ، وَلَوْ نَكَحَهَا ثَمَّةَ ثُمَّ خَرَجَ قَبْلَهَا بَانَتْ وَإِنْ خَرَجَتْ قَبْلَهُ لَا، وَمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُحِيطِ تَحْرِيفٌ نَهْرٌ.
ــ
[رد المحتار]
هَذِهِ الْمُدَّةُ عِدَّةً لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ، وَلَوْ كَانَتْ عِدَّةً لَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمَدْخُولِ بِهَا، وَهَلْ تَجِبُ الْعِدَّةُ بَعْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حَرْبِيَّةً فَلَا لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى الْحَرْبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةُ فَخَرَجَتْ إلَيْنَا فَتَمَّتْ الْحَيْضَ هُنَا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّ الْمُهَاجِرَةَ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا سَيَأْتِي بَدَائِعُ وَهِدَايَةٌ وَجَزَمَ الطَّحَاوِيُّ بِوُجُوبِهَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى اخْتِيَارِ قَوْلِهِمَا
(وَقَوْلُهُ وَلَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ أَوْ امْرَأَةُ الْكِتَابِيِّ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي الِابْتِدَاءِ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ فِيمَا مَرَّ يُمْكِنُ انْفِهَامُهُ مِنْ هُنَا بِأَنْ يُرَادَ بِالْكِتَابِيَّةِ الْكِتَابِيَّةُ حَالًا أَوْ مَآلًا.
(قَوْلُهُ فَهِيَ لَهُ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا ابْتِدَاءً، فَالْبَقَاءُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَسْهَلُ نَهْرٌ (قَوْلُهُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا) الْمُرَادُ بِالتَّبَايُنِ حَقِيقَةُ تَبَاعُدِهِمَا شَخْصًا، وَبِالْحُكْمِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي دَخَلَهَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْقَرَارِ وَالسُّكْنَى، حَتَّى لَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ لَمْ تَبِنْ زَوْجَتُهُ لِأَنَّهُ فِي دَارِهِ حُكْمًا إلَّا إذَا قَبْلَ الذِّمَّةِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ لَا بِالسَّبْيِ) تَنْصِيصٌ عَلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ عَكَسَ وَجَعَلَ سَبَبَ الْفُرْقَةِ السَّبْيَ لَا التَّبَايُنَ فَتَفَرَّعَ أَرْبَعُ صُوَرٍ وِفَاقِيَّتَانِ وَخِلَافِيَّتَانِ، فَقَوْلُهُ فَلَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا إلَخْ وَقَوْلُهُ وَإِنْ سُبِيَا إلَخْ خِلَافِيَّتَانِ، وَقَوْلُهُ أَوْ أُخْرِجَ مَسْبِيًّا، وَقَوْلُهُ أَوْ خَرَجَا إلَيْنَا إلَخْ وِفَاقِيَّتَانِ (قَوْلُهُ فَلَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا إلَخْ) هَذِهِ خِلَافِيَّةٌ لِوُجُودِ التَّبَايُنِ دُونَ السَّبْيِ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: ثُمَّ إنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الَّذِي خَرَجَ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا حَرْبِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا. اهـ. وَفِي الْفَتْحِ: لَوْ كَانَ الْخَارِجُ هُوَ الرَّجُلُ يَحِلُّ لَهُ عِنْدَنَا التَّزَوُّجُ بِأَرْبَعٍ فِي الْحَالِ وَبِأُخْتِ امْرَأَتِهِ الَّتِي فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ أَوْ أُخْرِجَ) هَذِهِ وِفَاقِيَّةٌ لِوُجُودِ التَّبَايُنِ وَالسَّبْيِ (قَوْلُهُ وَأُدْخِلَ فِي دَارِنَا) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ التَّبَايُنُ بِمُجَرَّدِ السَّبْيِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَازِ فِي دَارِنَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ كَالْمَوْتَى) وَلِهَذَا لَوْ الْتَحَقَ بِهِمْ الْمُرْتَدُّ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَوْتَى ط
(قَوْلُهُ وَإِنْ سُبِيَا) هَذِهِ خِلَافِيَّةٌ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا وِفَاقِيَّةٌ لِعَدَمِ السَّبْيِ فِيهَا (قَوْلُهُ أَوْ ثُمَّ أَسْلَمَا) عِبَارَةُ الْبَحْرِ أَوْ مُسْتَأْمَنَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا إلَخْ فَأَوْ هُنَا عَاطِفَةٌ لِحَالٍ مَحْذُوفَةٍ عَلَى الْحَالِ السَّابِقَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ذِمِّيَّيْنِ، وَثُمَّ عَاطِفَةٌ لَأَسْلَمَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ الْمَحْذُوفَةِ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى اشْتِرَاطِ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.
(قَوْلُهُ لَمْ تَبِنْ) لِأَنَّ الدَّارَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ حَقِيقَةً لَكِنَّهَا مُتَّحِدَةٌ حُكْمًا لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا نَكَحَهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ ثَمَّةَ ثُمَّ سُبِيَتْ، وَلَا يُمْكِنُ فَرْضُهَا فِيمَا لَوْ نَكَحَهَا هُنَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ تَبَايُنَ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ بَقَاءَ النِّكَاحِ فَيَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ بِالْأَوْلَى كَمَا قَالَهُ الرَّحْمَتِيُّ، وَلَوْ نَكَحَهَا وَهِيَ هُنَا بِأَمَانٍ صَارَتْ ذِمِّيَّةً لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَبَعٌ لِزَوْجِهَا فِي الْمُقَامِ كَمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ بَابِ الْمُسْتَأْمِنِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَكَحَهَا) أَيْ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ (قَوْلُهُ بَانَتْ) لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ط (قَوْلُهُ وَإِنْ خَرَجَتْ قَبْلَهُ لَا) أَيْ لَا تَبِينُ لِأَنَّ الزَّوْجَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا خَرَجَتْ قَبْلَهُ صَارَتْ ذِمِّيَّةً لَا تُمَكَّنُ مِنْ الْعَوْدِ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِزَوْجِهَا فِي الْمُقَامِ كَمَا عَلِمْت فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَمَا فِي الْفَتْحِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِي الْمُحِيطِ: مُسْلِمٌ تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَ بِهَا رَجُلٌ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِالتَّبَايُنِ، فَلَوْ خَرَجَتْ بِنَفْسِهَا قَبْلَ زَوْجِهَا لَمْ تَبِنْ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِالْتِزَامِهَا أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، إذْ لَا تُمَكَّنُ مِنْ الْعَوْدِ وَالزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا تَبَايُنَ.
стр. 1475
(وَمَنْ) (هَاجَرَتْ إلَيْنَا) مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً (حَائِلًا) (بَانَتْ بِلَا عِدَّةٍ) فَيَحْصُلُ تَزَوُّجُهَا، أَمَّا الْحَامِلُ فَحَتَّى تَضَعَ عَلَى الْأَظْهَرِ لَا لِلْعِدَّةِ بَلْ لِشَغْلِ الرَّحِمِ بِحَقِّ الْغَيْرِ
(وَارْتِدَادُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (فَسْخٌ) فَلَا يُنْقِصُ عَدَدًا (عَاجِلٌ)
ــ
[رد المحتار]
قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِهِ: يُرِيدُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى إذَا أَخْرَجَهَا الرَّجُلُ قَهْرًا حَتَّى مَلَكَهَا لِتَحَقُّقِ التَّبَايُنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا حِينَئِذٍ حَقِيقَةً وَحُكْمًا. إمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَإِمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا وَزَوْجُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ: وَفِي قَوْلِهِ وَأَمَّا حُكْمًا إلَخْ بَحْثٌ. اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْحُكْمِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي دَخَلَهَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْقَرَارِ، وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ إذْ لَا تُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ، ثُمَّ رَاجَعْت الْمُحِيطَ الرَّضَوِيَّ فَإِذَا الَّذِي فِيهِ مُسْلِمٌ تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً كِتَابِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَ عَنْهَا الزَّوْجُ وَحْدَهُ بَانَتْ، وَلَوْ خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الزَّوْجِ لَمْ تَبِنْ، وَعَلَّلَهُ بِمَا مَرَّ وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ صَاحِبِ الْفَتْحِ تَحْرِيفٌ وَالصَّوَابُ مَا أَسْمَعْتُك. اهـ. ح.
قُلْت: وَمَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْمُحِيطِ ذَكَرَ مِثْلَهُ فِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ فَالصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الَّتِي نَقَلَهَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهَا لَا تَبِينُ لِاخْتِلَافِ الدَّارِ حَقِيقَةً لَا حُكْمًا
(قَوْلُهُ وَمَنْ هَاجَرَتْ إلَيْنَا إلَخْ) الْمُهَاجِرَةُ التَّارِكَةُ دَارَ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى عَزْمِ عَدَمِ الْعَوْدِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَخْرُجَ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً أَوْ صَارَتْ كَذَلِكَ بَحْرٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَاخِلَةٌ فِيمَا قَبْلَهَا، لَكِنْ مَا مَرَّ فِيمَا إذَا خَرَجَ أَحَدُهُمَا مُهَاجِرًا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمُهَاجِرَةُ الْمَرْأَةَ وَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا فَتُزَوَّجُ لِلْحَالِ، إلَّا الْحَامِلَ فَتَتَرَبَّصُ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِدَّةِ بَلْ لِيَرْتَفِعَ الْمَانِعُ بِالْوَضْعِ.
وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَتْحٌ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ بِالْحَائِلِ أَيْ غَيْرِ الْحُبْلَى لَا وَجْهَ لَهُ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْكَنْزِ وَتُنْكَحُ الْمُهَاجِرَةُ الْحَائِلُ بِلَا عِدَّةٍ فَإِنَّهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْحَامِلِ كَمَا عَلِمْت لَكِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْحَامِلَ لَهَا عِدَّةٌ كَمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) مُقَابِلُهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَصِحُّ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ، لَكِنْ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَضَعَ كَالْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا وَرَجَّحَهَا الْأَقْطَعُ، لَكِنْ الْأَوْلَى ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ نَهْرٌ، وَصَحَّحَهَا الشَّارِحُونَ وَعَلَيْهَا الْأَكْثَرُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لَا لِلْعِدَّةِ) نَفْيٌ لِقَوْلِهِمَا وَلِمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ بَلْ لِشَغْلِ الرَّحِمِ بِحَقِّ الْغَيْرِ) أَفَادَ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا فَإِنَّ هَذِهِ حَمْلُهَا ثَابِتُ النَّسَبِ فَيُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْعَقْدِ احْتِيَاطًا لِئَلَّا يَقَعَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِمَنْزِلَةِ الْجَمْعِ وَطْئًا كَمَا فِي الْفَتْحِ، بِخِلَافِ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا فَإِنَّ مَاءَ الزِّنَا لَا حُرْمَةَ لَهُ وَلَيْسَ فِيهِ حَقُّ الْغَيْرِ فَلِذَا صَحَّ نِكَاحُهَا فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ فَسْخٌ) أَيْ عِنْدَ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْإِبَاءِ عَنْ الْإِسْلَامِ. وَسَوَّى مُحَمَّدٌ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَلَاقٌ وَأَبُو يُوسُفَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَسْخٌ، وَفَرَّقَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الرِّدَّةَ مُنَافِيَةٌ لِلنِّكَاحِ لِمُنَافَاتِهَا الْعِصْمَةَ، وَالطَّلَاقُ يَسْتَدْعِي قِيَامَ النِّكَاحِ فَتَعَذَّرَ جَعْلُهَا طَلَاقًا، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيَقَعُ طَلَاقُ زَوْجِ الْمُرْتَدَّةِ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِالرِّدَّةِ غَيْرُ مُتَأَبَّدَةٍ فَإِنَّهَا تَرْتَفِعُ بِالْإِسْلَامِ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ مُسْتَتْبِعًا فَائِدَتَهُ مِنْ حُرْمَتِهَا عَلَيْهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ حُرْمَةً مُغَيَّاةً بِوَطْءِ زَوْجٍ آخَرَ، بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمَحْرَمِيَّةِ فَإِنَّهَا مُتَأَبَّدَةٌ لَا غَايَةَ لَهَا فَلَا يُفِيدُ لُحُوقُ الطَّلَاقِ فَائِدَةً اهـ. قُلْت: وَهَذَا إذَا لَمْ تَلْحَقْ بِدَارِ الْحَرْبِ. فَفِي الْخَانِيَّةِ قُبَيْلَ الْكِنَايَاتِ: الْمُرْتَدُّ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَا يَقَعُ وَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَطَلَّقَهَا يَقَعُ وَالْمُرْتَدَّةُ إذَا لَحِقَتْ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ عَادَتْ مُسْلِمَةً قَبْلَ الْحَيْضِ، فَعِنْدَهُمَا يَقَعُ.
(قَوْلُهُ فَلَا يُنْقِصُ عَدَدًا) فَلَوْ ارْتَدَّ مِرَارًا وَجَدَّدَ الْإِسْلَامَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَجَدَّدَ النِّكَاحَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَحِلُّ امْرَأَتُهُ مِنْ غَيْرِ إصَابَةِ
стр. 1476
بِلَا قَضَاءٍ (فَلِلْمَوْطُوءَةِ) وَلَوْ حُكْمًا (كُلُّ مَهْرِهَا) لِتَأَكُّدِهِ بِهِ (وَلِغَيْرِهَا نِصْفُهُ) لَوْ مُسَمًّى أَوْ الْمُتْعَةُ
(لَوْ) (ارْتَدَّ) وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْعِدَّةِ (وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ سِوَى السُّكْنَى) (بِهِ يُفْتَى) (لَوْ ارْتَدَّتْ) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْهَا قَبْلَ تَأَكُّدِهِ وَلَوْ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ اسْتِحْسَانًا، وَصَرَّحُوا بِتَعْزِيرِهَا خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَعَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ زَجْرًا لَهَا بِمَهْرٍ يَسِيرٍ كَدِينَارٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلْوَالِجِيَّةٌ.
وَأَفْتَى مَشَايِخُ بَلْخٍ بِعَدَمِ الْفُرْقَةِ بِرِدَّتِهَا زَجْرًا وَتَيْسِيرًا لَا سِيَّمَا الَّتِي تَقَعُ فِي الْمُكَفِّرِ ثُمَّ تُنْكِرُ، قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْإِفْتَاءُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ الْإِفْتَاءِ بِمَا فِي النَّوَادِرِ لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَنْ تَصَفَّحَ أَحْوَالَ نِسَاءِ زَمَانِنَا وَمَا يَقَعُ مِنْهُنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الرِّدَّةِ مُكَرَّرًا فِي كُلِّ يَوْمٍ لَمْ يَتَوَقَّفْ فِي الْإِفْتَاءِ بِرِوَايَةِ النَّوَادِرِ.
ــ
[رد المحتار]
زَوْجٍ ثَانٍ بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ بِلَا قَضَاءٍ) أَيْ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَكَذَا بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى مُضِيِّ عِدَّةٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ حُكْمًا) أَرَادَ بِهِ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ ح (قَوْلُهُ كُلُّ مَهْرِهَا) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ ارْتِدَادَهُ وَارْتِدَادَهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِتَأَكُّدِهِ) أَيْ تَأَكُّدِ تَمَامِ الْمَهْرِ بِهِ: أَيْ بِالْوَطْءِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْحُكْمِيِّ (قَوْلُهُ أَوْ الْمُتْعَةُ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى
(قَوْلُهُ لَوْ ارْتَدَّ) قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ وَلِغَيْرِهَا النِّصْفُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْعِدَّةِ) أَيْ لَوْ مَدْخُولًا بِهَا إذْ غَيْرُهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا. وَأَفَادَ وُجُوبَ الْعِدَّةِ سَوَاءٌ ارْتَدَّ أَوْ ارْتَدَّتْ بِالْحَيْضِ أَوْ بِالْأَشْهُرِ لَوْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمَهْرِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ لَوْ ارْتَدَّ، وَقَوْلُهُ لَوْ ارْتَدَّتْ.
(قَوْلُهُ وَالنَّفَقَةُ) قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَهَذِهِ لَا نَفَقَةَ لَهَا لِعَدَمِ الْعِدَّةِ لَا لِكَوْنِ الرِّدَّةِ مِنْهَا، لَكِنْ الْمَدْخُولُ بِهَا كَذَلِكَ لَا نَفَقَةَ لَهَا لَوْ ارْتَدَّتْ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحُكْمُ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ كَحُكْمِ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدُّ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ ارْتَدَّتْ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (قَوْلُهُ سِوَى السُّكْنَى) فَلَا تَسْقُطُ سُكْنَى الْمَدْخُولِ بِهَا فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا حَقُّ الشَّرْعِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ وَلِذَا صَحَّ الْخُلْعُ عَلَى النَّفَقَةِ دُونَ السُّكْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا فَالْمُرْتَدَّةُ تُحْبَسُ حَتَّى تَعُودَ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَحْبُوسَةَ كَالْخَارِجَةِ بِلَا إذْنِهِ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى
(قَوْلُهُ لَوْ ارْتَدَّتْ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ وَالصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ قَبْلَ تَأَكُّدِهِ) أَيْ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ بِالْمَوْتِ أَوْ الدُّخُولِ وَلَوْ حُكْمًا (قَوْلُهُ وَرِثَهَا زَوْجُهَا اسْتِحْسَانًا) هَذَا إذَا ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَبِخِلَافِ رِدَّتِهَا فِي الصِّحَّةِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَدَّ هُوَ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ مُطْلَقًا إذَا مَاتَ أَوْ لَحِقَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْمُعْتَدَّةِ الَّتِي تَرِثُ، وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي طَلَاقِ الْمَرِيضِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ رِدَّتَهُ فِي مَعْنَى مَرَضِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ يُقْتَلُ فَيَكُونُ فَارًّا فَتَرِثُهُ مُطْلَقًا، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ فَلَمْ تَكُنْ فَارَّةً إلَّا إذَا كَانَتْ رِدَّتُهَا فِي الْمَرَضِ (قَوْلُهُ وَصَرَّحُوا بِتَعْزِيرِهَا خَمْسَةً وَسَبْعِينَ) هُوَ اخْتِيَارٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ نِهَايَةَ تَعْزِيرِ الْحُرِّ عِنْدَهُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ وَعِنْدَهُمَا تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَبِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نَأْخُذُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَعَلَى هَذَا الْمُعْتَمَدُ فِي نِهَايَةِ التَّعْزِيرِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ سَوَاءٌ كَانَ فِي تَعْزِيرِ الْمُرْتَدَّةِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ وَتُجْبَرُ) أَيْ بِالْحَبْسِ إلَى أَنْ تُسْلِمَ أَوْ تَمُوتَ (قَوْلُهُ وَعَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ) فَلِكُلِّ قَاضٍ أَنْ يُجَدِّدَهُ بِمَهْرٍ يَسِيرٍ وَلَوْ بِدِينَارٍ رَضِيَتْ أَمْ لَا وَتُمْنَعُ مِنْ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِهِ بَعْدَ إسْلَامِهَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا طَلَبَ الزَّوْجُ ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ سَكَتَ أَوْ تَرَكَهُ صَرِيحًا فَإِنَّهَا لَا تُجْبَرُ وَتُزَوَّجُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ تَرَكَ حَقَّهُ بَحْرٌ وَنَهْرٌ (قَوْلُهُ زَجْرًا لَهَا) عِبَارَةُ الْبَحْرِ حَسْمًا لِبَابِ الْمَعْصِيَةِ: وَالْحِيلَةُ لِلْخَلَاصِ مِنْهُ اهـ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْجَبْرُ عَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ مَقْصُورًا عَلَى مَا إذَا ارْتَدَّتْ لِأَجْلِ الْخَلَاصِ مِنْهُ، بَلْ قَالُوا ذَلِكَ سَدًّا لِهَذَا الْبَابِ مِنْ أَصْلِهِ سَوَاءٌ تَعَمَّدَتْ الْحِيلَةَ أَمْ لَا كَيْ لَا تَجْعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً (قَوْلُهُ قَالَ فِي النَّهْرِ إلَخْ) عِبَارَتُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِفْتَاءَ بِمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ بَلْخٍ أَوْلَى مِنْ الْإِفْتَاءِ بِمَا
стр. 1477
قُلْت: وَقَدْ بَسَطْت فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى وَالْفَتْحِ وَالْبَحْرِ: وَحَاصِلُهَا أَنَّهَا بِالرِّدَّةِ تُسْتَرَقُّ وَتَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَشْتَرِيهَا الزَّوْجُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ يَصْرِفُهَا إلَيْهِ لَوْ مَصْرِفًا. وَلَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الزَّوْجُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مَلَكَهَا وَلَهُ بَيْعُهَا مَا لَمْ تَكُنْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَتَكُونُ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ هَجَمَ عَلَى نَائِحَةٍ فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ حَتَّى سَقَطَ خِمَارُهَا، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ سَقَطَ خِمَارُهَا، فَقَالَ إنَّهَا لَا حُرْمَةَ لَهَا.
وَمِنْ هُنَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ حِينَ مَرَّ بِنِسَاءٍ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ كَاشِفَاتٍ الرُّءُوسَ وَالذِّرَاعَ فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ تَمُرُّ؟ فَقَالَ، لَا حُرْمَةَ لَهُنَّ إنَّمَا الشَّكُّ فِي إيمَانِهِنَّ كَأَنَّهُنَّ حَرْبِيَّاتٌ
(وَبَقِيَ النِّكَاحُ
ــ
[رد المحتار]
فِي النَّوَادِرِ، وَلَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ الْمَشَاقِّ فِي تَجْدِيدِهَا فَضْلًا عَنْ جَبْرِهِ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحَدُّ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مِنْ عُلَمَاءِ الْعَجَمِ اُبْتُلِيَ بِامْرَأَةٍ تَقَعُ فِيمَا يُوجِبُ الْكُفْرَ كَثِيرًا ثُمَّ تُنْكِرُ وَعَنْ التَّجْدِيدِ تَأْبَى، وَمِنْ الْقَوَاعِدِ: الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ وَاَللَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ عَسِيرٍ. اهـ.
قُلْت: الْمَشَقَّةُ فِي التَّجْدِيدِ لَا تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَئِمَّةِ بَلْخٍ أَوْلَى مِمَّا فِي النَّوَادِرِ، بَلْ أَوْلَى مِمَّا مَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّينَ لِأَنَّ مَا فِي النَّوَادِرِ هُوَ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهَا بِالرِّدَّةِ تُسْتَرَقُّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقَدْ بَسَطْت) أَيْ رِوَايَةَ النَّوَادِرِ (قَوْلُهُ وَالْفَتْحُ) فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا تُسْتَرَقُّ الْمُرْتَدَّةُ مَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تُسْتَرَقُّ اهـ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْفَتْحِ بَسَطَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ (قَوْلُهُ وَحَاصِلُهَا إلَخْ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ بَعْدَمَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ: وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَالِمًا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ يَصْرِفُهَا إلَيْهِ إنْ كَانَ مَصْرِفًا، فَلَوْ أَفْتَى مُفْتٍ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ حَسْمًا لِهَذَا الْأَمْرِ لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ.، قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهَكَذَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى، وَنَقَلَ قَوْلَهُ فَلَوْ أَفْتَى مُفْتٍ إلَخْ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ. اهـ.
قُلْت: وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا إلَخْ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَصْرِفًا لَا يَمْلِكُهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ تَكُونُ فَيْئًا قَالَ ط: ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ لِأَنَّ إسْلَامَ الرَّقِيقِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الرِّقِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الزَّوْجُ) فِيهِ اخْتِصَارٌ مُخِلٌّ. وَعِبَارَةُ الْقُنْيَةِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ قُلْت: وَفِي زَمَانِنَا بَعْدَ فِتْنَةِ التَّتَرِ الْعَامَّةِ صَارَتْ هَذِهِ الْوِلَايَةُ الَّتِي غَلَبُوا عَلَيْهَا وَأَجْرَوْا أَحْكَامَهُمْ فِيهَا كَخَوَارِزْمَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَخُرَاسَانَ وَنَحْوِهَا صَارَتْ دَارَ الْحَرْبِ فِي الظَّاهِرِ، فَلَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الزَّوْجُ بَعْدَ الرِّدَّةِ يَمْلِكُهَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهَا مِنْ الْإِمَامِ فَيُفْتَى بِحُكْمِ الرِّقِّ حَسْمًا لِكَيْدِ الْجَهَلَةِ وَمَكْرِ الْمَكَرَةِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ اهـ فَقَوْلُهُ يَمْلِكُهَا إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهَا لَا تُسْتَرَقُّ مَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِفْتَاءِ بِرِوَايَةِ النَّوَادِرِ لِمَا ذَكذذَرَهُ مِنْ صَيْرُورَةِ دَارِهِمْ دَارَ حَرْبٍ فِي زَمَانِهِمْ فَيَمْلِكُهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَلَهُ بَيْعُهَا إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْقُنْيَةِ يَمْلِكُهَا وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ مَا لَمْ تَكُنْ إلَخْ بِمَا فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ لَحِقَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ ارْتِدَادِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَتْ وَمَلَكَهَا الزَّوْجُ يَعُودُ كَوْنُهَا أُمَّ وَلَدِهِ وَأُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ تَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الْمِلْكِ. اهـ. (قَوْلُهُ بِالدِّرَّةِ) بِالْكَسْرِ: السَّوْطُ وَالْجَمْعُ دِرَرٌ مِثْلَ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ وَالذِّرَاعُ) أَلْ لِلْجِنْسِ وَالْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ الْأَذْرُعُ بِالْجَمْعِ ط (قَوْلُهُ فَقَالَ) تَأْكِيدٌ فَقَالَ الْأَوَّلُ ط وَالدَّاعِي إلَيْهِ طُولُ الْفَاصِلِ (قَوْلُهُ كَأَنَّهُنَّ حَرْبِيَّاتٌ) أَيْ فَهُنَّ فَيْءٌ مَمْلُوكَاتٌ وَالرَّأْسُ وَالذِّرَاعُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْ الرَّقِيقِ. وَوَجْهُ الْأَخْذِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ إذَا سَقَطَتْ حُرْمَةُ النَّائِحَةِ تَسْقُطُ حُرْمَةُ هَؤُلَاءِ الْكَاشِفَاتِ رُءُوسَهُنَّ فِي مَمَرِّ الْأَجَانِبِ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ حَالِهِنَّ أَنَّهُنَّ مُسْتَخِفَّاتٌ مُسْتَهِينَاتٌ وَهَذَا سَبَبٌ مُسْقِطٌ لِحُرْمَتِهِنَّ فَافْهَمْ.
стр. 1478
إنْ) (ارْتَدَّا مَعًا) بِأَنْ يَعْلَمَ السَّبْقَ فَيُجْعَلُ كَالْغَرْقَى (ثُمَّ أَسْلَمَا كَذَلِكَ) اسْتِحْسَانًا (وَفَسَدَ إنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ) وَلَا مَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَوْ الْمُتَأَخِّرُ هِيَ، وَلَوْ هُوَ فَنِصْفُهُ أَوْ مُتْعَةٌ.
(وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا) إنْ اتَّحَدَتْ الدَّارُ
ــ
[رد المحتار]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا وَصَلْنَ إلَى حَالِ الْكُفْرِ وَصِرْنَ مُرْتَدَّاتٍ فَحُكْمُهُنَّ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُنَّ لَا يُمْلَكْنَ مَا دُمْنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ مِنْ الْإِفْتَاءِ بِمَا فِي النَّوَادِرِ مِنْ جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِنَّ فَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى رِدَّةِ الزَّوْجَةِ لِلضَّرُورَةِ لَا مُطْلَقًا إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ إلَى الْإِفْتَاءِ بِالرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْحُرْمَةِ وَجَوَازِ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ جَوَازُ تَمَلُّكِهِنَّ فِي دَارِنَا لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُنَّ صِرْنَ فَيْئًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ جَوَازُ الِاسْتِيلَاءِ وَالتَّمَتُّعُ بِهِنَّ وَطْئًا وَغَيْرَهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى مَمْلُوكَةِ الْغَيْرِ وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِلَا عَقْدِ نِكَاحٍ. وَبِهَذَا ظَهَرَ غَلَطُ مَنْ يَنْسُبُ نَفْسَهُ إلَى الْعِلْمِ فِي زَمَانِنَا فِي زَعْمِهِ الْبَاطِلِ أَنَّ الزَّانِيَاتِ اللَّاتِي يَظْهَرْنَ فِي الْأَسْوَاقِ بِلَا احْتِشَامٍ يَجُوزُ وَطْؤُهُنَّ بِحُكْمِ الِاسْتِيلَاءِ فَإِنَّهُ غَلَطٌ قَبِيحٌ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا حَيْثُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِبَاحَةِ الزِّنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. [فَرْعٌ]
فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: غَابَ عَنْ امْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَأَخْبَرَهُ بِرِدَّتِهَا مُخْبِرٌ وَلَوْ مَمْلُوكًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَهُ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ، لَكِنَّ أَكْبَرَ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأَرْبَعٍ سِوَاهَا وَإِنْ أُخْبِرَتْ بِرِدَّةِ زَوْجِهَا لَهَا التَّزَوُّجُ بِآخَرَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فِي رِوَايَةِ الِاسْتِحْسَانِ. قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَهِيَ الْأَصَحُّ
(قَوْلُهُ إنْ ارْتَدَّا مَعًا) الْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يَلْحَقْ أَحَدُهُمَا بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ لَحِقَ بَانَتْ وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ تَبَايُنَ الدَّارَيْنِ سَبَبُ الْفُرْقَةِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ السَّبْقَ) أَمَّا الْمَعِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فَمُتَعَذِّرَةٌ. وَمَا فِي الْبَحْرِ هِيَ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا ارْتَدَّا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِيهِ بُعْدٌ ظَاهِرٌ، نَعَمْ ارْتِدَادُهُمَا مَعًا بِالْفِعْلِ مُمْكِنٌ، بِأَنْ حَمَلَا مُصْحَفًا وَأَلْقَيَاهُ فِي الْقَاذُورَاتِ أَوْ سَجَدَا لِلصَّنَمِ مَعًا نَهْرٌ (قَوْلُهُ كَالْغَرْقَى) فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ سَبْقَ أَحَدِهِمْ بِالْمَوْتِ يَنْزِلُونَ مَنْزِلَةَ مَنْ مَاتُوا مَعًا وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْآخَرَ فَالتَّشْبِيهُ فِي أَنَّ الْجَهْلَ بِالسَّبْقِ كَحَالَةِ الْمَعِيَّةِ ط (قَوْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ مَعًا بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ السَّبْقَ (قَوْلُهُ وَفَسَدَ إلَخْ) لِأَنَّ رِدَّةَ أَحَدِهِمَا مُنَافِيَةٌ لِلنِّكَاحِ ابْتِدَاءً فَكَذَا بَقَاءً نَهْرٌ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ثُمَّ أَسْلَمَا كَذَلِكَ، وَسَكَتَ عَنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ إنْ ارْتَدَّا مَعًا لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَارْتِدَادُ أَحَدِهِمَا فَسْخٌ عَاجِلٌ (قَوْلُهُ قَبْلَ الْآخَرِ) وَكَذَا لَوْ بَقِيَ أَحَدُهُمَا مُرْتَدًّا بِالْأَوْلَى نَهْرٌ (قَوْلُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ) أَمَّا بَعْدَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَتَقَرَّرُ بِالدُّخُولِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ وَالدُّيُونُ لَا تَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لَوْ الْمُتَأَخِّرُ هِيَ) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا بِسَبَبِ تَأَخُّرِهَا (قَوْلُهُ فَنِصْفُهُ) أَيْ عِنْدَ التَّسْمِيَةِ أَوْ مُتْعَةٌ عِنْدَ عَدَمِهَا.
[مَطْلَبُ الْوَلَدِ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا]
(قَوْلُهُ وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا) هَذَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ الْعَارِضِ، بِأَنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَأَسْلَمَ أَوْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ قَبْلَ الْعَرْضِ عَلَى الْآخَرِ، وَالتَّفْرِيقِ أَوْ بَعْدَهُ فِي مُدَّةٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي مِثْلِهَا أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ صَغِيرٌ قَبْلَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا يَصِيرُ الْوَلَدُ مُسْلِمًا. وَأَمَّا فِي الْإِسْلَامِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ كِتَابِيَّةً وَالْأَبُ مُسْلِمًا فَتْحٌ وَنَهْرٌ [تَنْبِيهٌ]
يُشْعِرُ التَّعْبِيرُ بِالْأَبَوَيْنِ إخْرَاجَ وَلَدِ الزِّنَا. وَرَأَيْت فِي فَتَاوَى الشِّهَابِ الشَّلَبِيِّ قَالَ: وَاقِعَةُ الْفُتُونِ فِي زَمَانِنَا: مُسْلِمٌ زَنَى بِنَصْرَانِيَّةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَهَلْ يَكُونُ مُسْلِمًا؟ أَجَابَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِهِ وَبَعْضُهُمْ بِإِسْلَامِهِ. وَذُكِرَ
стр. 1479
وَلَوْ حُكْمًا، بِأَنْ كَانَ الصَّغِيرُ فِي دَارِنَا وَالْأَبُ ثَمَّةَ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ (وَالْمَجُوسِيُّ، وَمِثْلُهُ) كَوَثَنِيٍّ
ــ
[رد المحتار]
أَنَّ السُّبْكِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَطَعَ نَسَبَ وَلَدِ الزِّنَا وَبِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا تَحِلُّ لَهُ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًا. وَأَفْتَى قَاضِي الْقُضَاةِ الْحَنْبَلِيُّ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا، وَتَوَقَّفْت عَنْ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ النَّسَبِ عَنْ أَبِيهِ حَتَّى لَا يَرِثَهُ فَقَدْ صَرَّحُوا عِنْدَنَا بِأَنَّ بِنْتَه مِنْ الزِّنَا لَا تَحِلُّ لَهُ، وَبِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ زَكَاتَهُ لِابْنِهِ مِنْ الزِّنَا، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا، وَإِنَّمَا أَثْبَتُوا الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ احْتِيَاطًا نَظَرًا لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُمَا. اهـ.
قُلْت: وَيَظْهَرُ لِي الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ هُمَا اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» فَإِنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ جَعَلَ اتِّفَاقَهُمَا نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْفِطْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَّفِقَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْفِطْرَةِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجُوسِيًّا وَالْآخَرُ كِتَابِيًّا فَهُوَ كِتَابِيٌّ كَمَا يَأْتِي وَهُنَا لَيْسَ لَهُ أَبَوَانِ مُتَّفِقَانِ فَيَبْقَى عَلَى الْفِطْرَةِ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ إلْحَاقَهُ بِالْمُسْلِمِ أَوْ بِالْكِتَابِيِّ أَنْفَعُ لَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّظَرَ لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ أَنْفَعُ لَهُ، وَأَيْضًا حَيْثُ نَظَرُوا لِلْجُزْئِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ احْتِيَاطًا فَلْيُنْظَرْ إلَيْهَا هُنَا احْتِيَاطًا أَيْضًا، فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ بِالدِّينِ أَوْلَى وَلِأَنَّ الْكُفْرَ أَقْبَحُ الْقَبِيحِ فَلَا يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِهِ عَلَى شَخْصٍ بِدُونِ أَمْرٍ صَرِيحٍ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي حُرْمَةِ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَا إنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ النِّسْبَةَ إلَى الزَّانِي لِمَا فِيهَا مِنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ فَلَمْ يُثْبِتْ النَّفَقَةَ وَالْإِرْثَ لِذَلِكَ، وَهَذَا لَا يَنْفِي النِّسْبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا مَرَدَّ لَهَا فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النِّسْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ. [تَتِمَّةٌ]
ذَكَرَ الْأُسْرُوشَنِيُّ فِي سَيْرِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ وَلَوْ أَبُوهُ مَيِّتًا، وَأَنَّ هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الْجَدُّ كَالْأَبِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَابِعًا لَهُ لَكَانَ تَابِعًا لِجَدِّ الْجَدِّ وَهَكَذَا، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ النَّاسُ مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ آدَمَ ﵇، وَفِيهِ أَيْضًا الصَّغِيرُ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي الدِّينِ فَإِنْ انْعَدَمَا فَلِذِي الْيَدِ فَإِنْ عُدِمَتْ فَلِلدَّارِ وَيَسْتَوِي فِيمَا قُلْنَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا أَوْ غَيْرَ عَاقِلٍ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ لَا تَنْقَطِعُ إلَّا بِالْبُلُوغِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ بِنَفْسِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ. وَذَكَرَ أَيْضًا الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الصَّغِيرِ بَيْنَ أَنْ يَعْقِلَ أَوْ لَا، وَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَشَرْحِهِ
قُلْت: وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ خَطَأُ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، فَقَدْ نَصَّ هَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا اهـ. وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَيْضًا أَنَّ التَّبَعِيَّةَ تَنْقَطِعُ بِبُلُوغِهِ عَاقِلًا. اهـ. أَيْ فَلَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا تَبْقَى التَّبَعِيَّةُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَنَّ مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلَدِ هُنَا الطِّفْلُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ خَطَأٌ كَمَا سَمِعْته مِنْ عِبَارَةِ السَّرَخْسِيِّ وَإِنْ أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ الشَّلَبِيُّ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالسِّيَرِ الْكَبِيرِ وَلِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ، وَلِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ أَيْضًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ حُكْمًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الِاتِّحَادُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَأَنْ يَكُونَ خَيْرُ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْوَلَدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَانَ حُكْمًا فَقَطْ كَمَا مَثَّلَ بِهِ الشَّارِحُ. وَاحْتَرَزَ عَنْ اخْتِلَافِهِمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِأَنْ كَانَ الْأَبُ فِي دَارِنَا وَالصَّغِيرَةُ ثَمَّةَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ. اهـ. ح. قُلْت وَمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ جَعْلِهِ حُكْمَ الْعَكْسِ كَمَا قَبْلَهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ إنَّهُ سَهْوٌ (قَوْلُهُ وَالْمَجُوسِيُّ شَرٌّ مِنْ الْكِتَابِيِّ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَرْدَفَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لِبَيَانِ أَنَّ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ لَوْ كَانَ كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا كَانَ الْوَلَدُ كِتَابِيًّا نَظَرًا لَهُ فِي الدُّنْيَا لِاقْتِرَابِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَحْكَامِ مِنْ حِلِّ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْ نُقْصَانِ الْعِقَابِ كَذَا فِي الْفَتْحِ؛ يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ
стр. 1480
وَسَائِرِ أَهْلِ الشِّرْكِ (شَرٌّ مِنْ الْكِتَابِيِّ) وَالنَّصْرَانِيُّ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِيِّ فِي الدَّارَيْنِ لِأَنَّهُ لَا ذَبِيحَةَ لَهُ بَلْ يُخْنَقُ كَمَجُوسِيٍّ وَفِي الْآخِرَةِ أَشَدُّ عَذَابًا. وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: لَوْ قَالَ النَّصْرَانِيَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ أَوْ الْمَجُوسِيَّةِ كَفَرَ لِإِثْبَاتِهِ الْخَيْرَ لِمَا قَبُحَ بِالْقَطْعِيِّ.
لَكِنْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ أَنَّ الْمَجُوسَ أَسْعَدُ حَالَةً مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ لِإِثْبَاتِ الْمَجُوسِ
ــ
[رد المحتار]
وَتَوَقَّفَ فِيهِمْ الْإِمَامُ كَمَا مَرَّ وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي حَيِّزِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى تَحَامِيًا عَمَّا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ مِنْ إطْلَاقِ الْخَيْرِ عَلَى الْكِتَابِيِّ، بَلْ الشَّرُّ ثَابِتٌ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ الْمَجُوسِيَّ شَرٌّ. اهـ.، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا الْمُرَادُ بِهِ دِينُ الْإِسْلَامِ فَقَطْ لِئَلَّا تَتَكَرَّرَ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهَا مُجَرَّدَ بَيَانِ أَنَّ الْمَجُوسِيَّ شَرٌّ مِنْ الْكِتَابِيِّ إذْ لَا دَخْلَ لَهُ فِي بَحْثِهِ، بَلْ الْمُرَادُ بَيَانُ لَازِمِهِ الْمَقْصُودِ هُنَا وَهُوَ تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ لِأَخَفِّهِمَا شَرًّا فَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ وَذَبِيحَتُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ عَنْهَا بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى بِأَنْ يُرَادَ بِالدِّينِ الْأَعَمُّ تَحَامِيًا عَنْ إطْلَاقِ الْخَيْرِيَّةِ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَسَائِرُ أَهْلِ الشِّرْكِ) مِمَّنْ لَا دِينَ لَهُ سَمَاوِيًّا (قَوْلُهُ وَالنَّصْرَانِيُّ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِيِّ) وَكَذَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخَبَّازِيَّةِ. وَنَقَلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ عَكْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ كَوْنُ الْوَلَدِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ وَنَصْرَانِيٍّ أَوْ عَكْسَهُ تَبَعًا لِلْيَهُودِيِّ لَا النَّصْرَانِيِّ اهـ أَيْ وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ نَهْرٌ.
قُلْت: بَلْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَحْرِ أَنَّهُ الْوَاقِعُ لِأَنَّهُ قَالَ إنَّ فَائِدَتَهُ خِفَّةُ الْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَكَذَا فِي الدُّنْيَا، لِمَا فِي أُضْحِيَّةِ الْوَلْوَالِجيَّةِ: يُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ الْمَجُوسِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لِأَنَّ الْمَجُوسِيَّ يَطْبُخُ الْمُنْخَنِقَةَ وَالْمَوْقُوذَةَ وَالْمُتَرَدِّيَةَ وَالنَّصْرَانِيُّ لَا ذَبِيحَةَ لَهُ وَإِنَّمَا يَأْكُلُ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ أَوْ يَخْنُقُ وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْيَهُودِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ ذَبِيحَةِ الْيَهُودِيِّ أَوْ الْمُسْلِمِ. اهـ.، فَعُلِمَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِيِّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَيْضًا. اهـ. كَلَامُ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا ذَبِيحَةَ لَهُ) أَيْ لَا يَذْبَحُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَلْ يَخْنُقُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ لِمُنَافَاتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ حِلِّ ذَبِيحَتِهِ وَلَوْ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ خ (قَوْلُهُ أَشَدُّ عَذَابًا) لِأَنَّ نِزَاعَ النَّصَارَى فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَنِزَاعَ الْيَهُودِ فِي النُّبُوَّاتِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] كَلَامُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَلِيلَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْسِيرِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ [المائدة: ٨٢] الْآيَةَ لَا يُرَدُّ لِأَنَّ الْبَحْثَ فِي قُوَّةِ الْكُفْرِ وَشِدَّتِهِ لَا فِي قُوَّةِ الْعَدَاوَةِ وَضَعْفِهَا. اهـ. بَزَّازِيَّةٌ (قَوْلُهُ كَفَرَ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْكِتَابِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجُوسِيِّ يَكْفُرُ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَقَعَتْ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ بِالْفَرْقِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ لَا خَيْرِيَّةَ لِإِحْدَى الْمِلَّتَيْنِ أَيْ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ عَلَى الْأُخْرَى فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْكِتَابِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَجُوسِيِّ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ أَحْكَامِهِمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اهـ.
قُلْت: وَهَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا حَرَّرَهُ مِنْ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ عِلَّةَ الْإِكْفَارِ هِيَ إثْبَاتُ الْخَيْرِ لِمَا قَبُحَ قَطْعًا لَا لِعَدَمِ خَيْرِيَّةِ إحْدَى الْمِلَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ هَذِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِكْفَارُ، وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ خَيْرٌ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ مِثْلُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكِتَابِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الْخَيْرِيَّةِ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ شَرًّا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ، وَأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ لَفْظَ خَيْرٍ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا كَمَا يُقَالُ فِي الْمِثْلِ: الرَّمَدُ خَيْرٌ مِنْ الْعَمَى، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ
وَلَكِنْ قَتْلُ الْحُرِّ خَيْرٌ مِنْ الْأَسْرِ
ثُمَّ رَأَيْت فِي آخِرِ الْمِصْبَاحِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ يَقُولُونَ هَذَا أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ أَقَلُّ ضَعْفًا وَلَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ. اهـ. وَهَذَا عَيْنُ مَا قُلْته، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ حِينَئِذٍ، فَالْقَوْلُ بِالْإِكْفَارِ مَبْنِيٌّ عَلَى إرَادَةِ ثُبُوتِ الْخَيْرِيَّةِ سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ أَوْ أُرِيدَ أَصْلُ الْفِعْلِ كَمَا فِي - أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ - وَالْقَوْلُ بِعَدَمِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ لَكِنْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَعِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَخْ، وَوَجْهُ
стр. 1481
خَالِقَيْنِ فَقَطْ وَهَؤُلَاءِ خَالِقًا لَا عَدَدَ لَهُ بَزَّازِيَّةٌ وَنَهْرٌ
(وَلَوْ) (تَمَجَّسَ أَبُو صَغِيرَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ تَحْتَ مُسْلِمٍ) بَانَتْ بِلَا مَهْرٍ وَلَوْ كَانَ (قَدْ مَاتَتْ الْأُمُّ نَصْرَانِيَّةً) مَثَلًا وَكَذَا عَكْسُهُ (لَمْ تَبِنْ) لِتَنَاهِي التَّبَعِيَّةِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا ذِمِّيًّا أَوْ مُسْلِمًا أَوْ مُرْتَدًّا فَلَمْ تَبْطُلْ بِكُفْرِ الْآخَرِ.
وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ ارْتَدَّا لَمْ تَبِنْ مَا لَمْ يَلْحَقَا، وَلَوْ بَلَغْت عَاقِلَةً مُسْلِمَةً ثُمَّ جُنَّتْ فَارْتَدَّا
ــ
[رد المحتار]
الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ تَعْبِيرَ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ خَيْرٌ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَبِأَنَّ الْكِتَابِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ أَسَعْدِيَّةِ الْمَجُوسِ وَخَيْرِيَّتِهِمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ كَوْنُهُمْ خَيْرًا مِنْ كَذَا مُطْلَقًا لَا كَوْنُهُمْ أَسْعَدَ حَالًا بِمَعْنَى أَقَلَّ مُكَابَرَةً وَأَدْنَى إثْبَاتًا لِلشِّرْكِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ كُفْرُ بَعْضِهِمْ أَخَفُّ مِنْ بَعْضٍ وَعَذَابُ بَعْضٍ أَدْنَى مِنْ بَعْضٍ وَأَهْوَنُ، أَوْ الْحَالُ بِمَعْنَى الْوَصْفِ كَذَا قِيلَ وَلَا يَتِمُّ. اهـ. أَيْ لَا يَتِمُّ هَذَا الْجَوَابُ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ تَأْوِيلُ هَذَا بِمَا ذُكِرَ صَحَّ تَأْوِيلُ ذَاكَ بِمِثْلِهِ، وَكَوْنُ أَسْعَدَ مُسْنَدًا إلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ فَاعِلَ مَعْنَى أَوْ كَوْنَ الْحَالِ بِمَعْنَى الْوَصْفِ لَا يُفِيدُ. قَالَ فِي النَّهْرِ: لَكِنْ مُقْتَضَى مَا مَرَّ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْقَوْلُ بِالْكُفْرِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ، وَكَأَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْفُصُولَيْنِ مَعَ تَعْلِيلِهِ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَالتَّحْرِيرُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ " الْجَوَازُ لِمَا سَمِعْت مِنْ وُقُوعِهِ فِي كَلَامِهِمْ (قَوْلُهُ خَالِقَيْنِ) هُمَا النُّورُ الْمُسَمَّى يَزْدَانُ وَالظُّلْمَةُ الْمُسَمَّاةُ أَهْرَمْنُ ح (قَوْلُهُ خَالِقًا لَا عَدَدَ لَهُ) أَيْ حَيْثُ قَالُوا إنَّ الْحَيَوَانَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ ح.
قُلْت: وَتَكْفِيرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِيهِ كَلَامٌ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبُغَاةِ
(قَوْلُهُ بَانَتْ) أَيْ تَمَجَّسَتْ الْأُمُّ أَيْضًا، وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعَ هَذَا الْإِيهَامِ، وَالْأَحْسَنُ إبْقَاءُ الْمَتْنِ عَلَى حَالِهِ. وَأَظُنُّ أَنَّ الشَّارِحَ زَادَ أَلِفًا فِي قَوْلِ الْمَتْنِ أَبُو صَغِيرَةٍ فَصَارَ أَبَوْا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فَأَسْقَطَهَا النُّسَّاخُ، فَلْتُرَاجِعْ النُّسَخُ. وَذَكَرَ ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ أَنَّ مِثْلَ الصَّغِيرَةِ مَا إذَا بَلَغَتْ مَعْتُوهَةً لِبَقَائِهَا تَابِعَةً لِلْأَبَوَيْنِ فِي الدِّينِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَعْتُوهَةِ إسْلَامٌ بِنَفْسِهَا حَقِيقَةً فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الصَّغِيرَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
(قَوْلُهُ بِلَا مَهْرٍ) أَيْ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ح (قَوْلُهُ مَثَلًا) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ مَاتَتْ: أَيْ أَنَّ الْمَوْتَ غَيْرُ قَيْدٍ، أَوْ إلَى قَوْلِهِ نَصْرَانِيَّةً أَيْ أَوْ يَهُودِيَّةً (قَوْلُهُ وَكَذَا عَكْسُهُ) بِأَنْ تَمَجَّسَتْ أُمُّهَا بَعْدَ أَنْ مَاتَ أَبُوهَا نَصْرَانِيًّا ح (قَوْلُهُ لِتَنَاهِي التَّبَعِيَّةِ) أَيْ انْتِهَاءِ تَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ لِلْأَبَوَيْنِ (قَوْلُهُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا ذِمِّيًّا إلَخْ) أَيْ إذَا مَاتَ أَحَدُ الْكِتَابِيَّيْنِ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْلِمًا ثُمَّ تَمَجَّسَ الْبَاقِي مِنْهُمَا لَا يَتْبَعُهُ الْوَلَدُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا مُرْتَدًّا، لِأَنَّ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ الْجَبْرُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِ، حَتَّى أَنَّ كَسْبَ إسْلَامِهِ يَرِثُهُ وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ الْكِتَابِيِّ وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي دَارِنَا مُسْلِمًا أَوْ مُرْتَدًّا ثُمَّ ارْتَدَّ الْآخَرُ وَلَحِقَ بِهَا ثُمَّ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ تَبِنْ وَيُصَلَّى عَلَيْهَا إذَا مَاتَتْ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ حُكْمٌ تَنَاهَى بِالْمَوْتِ مُسْلِمًا وَكَذَا بِالْمَوْتِ مُرْتَدًّا لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ قَائِمَةٌ (قَوْلُهُ فَلَمْ تَبْطُلْ) أَيْ التَّبَعِيَّةُ بِكُفْرِ الْآخَرِ. قَالَ ط: وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ يَتَمَجَّسُ الْآخَرُ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا كَافِرًا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى حَالَةٍ مِنْ الْكُفْرِ شَرٍّ مِنْ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّبَعِيَّةَ إنَّمَا تَنَاهَتْ وَانْقَطَعَتْ عَمَّنْ بَقِيَ مِنْ الْوَالِدَيْنِ بِتَمَجُّسِهِ لَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ مَنْ بَقِيَ تَبِعَتْهُ ابْنَتُهُ. اهـ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ انْقِطَاعُ التَّبَعِيَّةِ عَنْ الْبَاقِي مِنْهُمَا إذَا انْتَقَلَ إلَى حَالَةٍ دُونَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا أَوْ أَخَفَّهُمَا شَرًّا، فَالْمُرَادُ بِالتَّبَعِيَّةِ الْمُتَنَاهِيَةِ هَذِهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَمْ تَبِنْ) لِأَنَّ الْبِنْتَ مُسْلِمَةٌ تَبَعًا لَهُمَا وَتَبَعًا لِلدَّارِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَلْحَقَا) أَيْ بِالْبِنْتِ، فَإِنْ لَحِقَا بِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ بَانَتْ لِانْقِطَاعِ حُكْمِ الدَّارِ بَحْرٌ أَيْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَلِأَنَّهَا صَارَتْ مُرْتَدَّةً تَبَعًا لَهُمَا قَالَ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ تَعْقِلُ
стр. 1482
لَمْ تَبِنْ مُطْلَقًا. مُسْلِمٌ تَحْتَهُ نَصْرَانِيَّةٌ فَتَمَجَّسَا أَوْ تَنَصَّرَا بَانَتْ.
(وَلَا) يَصْلُحُ (أَنْ يُنْكِحَ مُرْتَدٌّ أَوْ مُرْتَدَّةٌ أَحَدًا) مِنْ النَّاسِ مُطْلَقًا.
(أَسْلَمَ) الْكَافِرُ (وَتَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ فَصَاعِدًا أَوْ أُخْتَانِ أَوْ أُمٌّ وَبِنْتُهَا) (بَطَلَ نِكَاحُهُنَّ إنْ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ رَتَّبَ فَالْآخَرُ) بَاطِلٌ. وَخَيَّرَهُ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ عَمَلًا بِحَدِيثِ فَيْرُوزَ.
ــ
[رد المحتار]
وَتُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا حَيْثُ لَا تَبِينُ وَإِنْ لَحِقَا بِهَا، إلَّا إذَا ارْتَدَّتْ بِنَفْسِهَا فَحِينَئِذٍ تَبِينُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. اهـ. فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ لَا تَنْقَطِعُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَقَيَّدْنَا بِلِحَاقِهِمَا بِالْبِنْتِ لِأَنَّهُ إذَا لَحِقَا وَتَرَكَاهَا فَإِنَّهَا لَا تَبِينُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا لَوْ تَمَجَّسَا أَوْ ارْتَدَّا تَأَمَّلْ فَتَدَبَّرْ. اهـ.
قُلْت: الْفَرْقُ ظَاهِرٌ: وَهُوَ أَنَّ الْبِنْتَ بِارْتِدَادِ أَبَوَيْهَا الْمُسْلِمَيْنِ تَبْقَى مُسْلِمَةً تَبَعًا لَهُمَا وَلِلدَّارِ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُسْلِمٌ حُكْمًا لِجَبْرِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَلِذَا لَمْ تَبُنْ مِنْ زَوْجِهَا مَا لَمْ يَلْحَقَا بِهَا لِلتَّبَايُنِ وَانْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْجَبْرِ، بِخِلَافِ تَمَجُّسِ أَبَوَيْهَا النَّصْرَانِيِّينَ لِأَنَّهَا تَتْبَعُهُمَا فِي التَّمَجُّسِ لِعَدَمِ جَبْرِهِمَا عَلَى الْعَوْدِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَصَارَ كَارْتِدَادِ الْمُسْلِمَيْنِ مَعَ لِحَاقِهِمَا، وَلَا يُمْكِنُ تَبَعِيَّتُهَا لِلدَّارِ مَعَ بَقَاءِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ فَلِذَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ لَمْ تَبِنْ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ لَحِقَا بِهَا أَوْ لَا لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ أَصَالَةً لَا تَبَعًا، وَكَذَلِكَ الصَّبِيَّةُ الْعَاقِلَةُ أَسْلَمَتْ ثُمَّ جُنَّتْ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَصْلًا فِي الْإِسْلَامِ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ فَتَمَجَّسَا) أَيْ الْمُسْلِمُ وَزَوْجَتُهُ النَّصْرَانِيَّةُ مَعًا، وَقَوْلُهُ أَوْ تَنَصَّرَا صَوَابُهُ أَوْ تَهَوَّدَا لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الزَّوْجَةَ نَصْرَانِيَّةٌ. قَالَ فِي النَّهْرِ: قَيَّدَ بِالرِّدَّةِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ كَانَ تَحْتَهُ نَصْرَانِيَّةٌ فَتَهَوَّدَ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفَ الشَّيْخَانِ فِيمَا لَوْ تَمَجَّسَا. قَالَ أَبُو يُوسُفَ تَقَعُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَقَعُ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يُقِرُّ عَلَى ذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ تُقِرُّ فَصَارَ كَرِدَّةِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ. وَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ بِأَنَّ الْمَجُوسِيَّةَ لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ فَأَحْدَثَهَا كَالِارْتِدَادِ اهـ أَيْ فَكَأَنَّهُمَا ارْتَدَّا مَعًا. ثُمَّ الَّذِي فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ تَأْخِيرُ تَعْلِيلِ أَبِي يُوسُفَ وَظَاهِرُهُ اعْتِمَادُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا تَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَلِذَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ مُرْتَدًّا وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ النَّكِرَةِ فِي النَّفْيِ ح
(قَوْلُهُ وَخَيَّرَهُ مُحَمَّدٌ) أَيْ خَيَّرَ مُحَمَّدٌ هَذَا الَّذِي أَسْلَمَ فِي اخْتِيَارِ الْأَرْبَعِ مُطْلَقًا أَيْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَيِّ أَرْبَعٍ كَانَتْ، وَخَيَّرَهُ أَيْضًا فِي اخْتِيَارِ أَيِّ الْأُخْتَيْنِ شَاءَ وَالْبِنْتُ أَيْ يَخْتَارُ الْبِنْتَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا الْأُمَّ أَوْ يَتْرُكُهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ غَيْلَانَ الدَّيْلَمِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرَةُ نِسْوَةٍ أَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَكَذَا فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ فَخَيَّرَهُ فَاخْتَارَ إحْدَاهُمَا» وَإِنَّمَا يَخْتَارُ الْبِنْتَ لِأَنَّ نِكَاحَهَا أَمْنَعُ فِي نِكَاحِ الْأُمِّ مِنْ نِكَاحِ الْأُمِّ لَهَا.
وَلَهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَنْكِحَةَ فَاسِدَةٌ، لَكِنْ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ، فَإِذَا أَسْلَمُوا يَجِبُ التَّعَرُّضُ وَتَخْيِيرُ غَيْلَانَ وَفَيْرُوزَ كَانَ فِي التَّزَوُّجِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ ح عَنْ الْمِنَحِ. وَقَوْلُهُ فِي التَّزَوُّجِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ: أَيْ التَّزَوُّجِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَكَرَهُ فِي نِكَاحِ الْبِنْتِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ فَإِنْ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا ثُمَّ تَزَوَّجَ الثَّانِيَةَ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الدُّخُولَ مُحَرَّمٌ سَوَاءٌ كَانَ بِالْأُمِّ أَوْ الْبِنْتِ، وَإِنْ دَخَلَ بِالثَّانِيَةِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَتْ الْأُمَّ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا اتِّفَاقًا لِأَنَّ نِكَاحَ الْبِنْتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّ وَالدُّخُولُ بِالْأُمِّ يُحَرِّمُ الْبِنْتَ وَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتَ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا لَا أَنَّ لَهُ تَزَوُّجَ الْبِنْتِ دُونَ الْأُمِّ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: نِكَاحُ الْبِنْتِ هُوَ الْجَائِزُ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَنِكَاحُ الْأُمِّ بَاطِلٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ
стр. 1483
قُلْنَا: كَانَ تَخْيِيرُهُ فِي التَّزَوُّجِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ بَلَغَتْ الْمُسْلِمَةُ الْمَنْكُوحَةُ وَلَمْ تَصِفْ الْإِسْلَامَ بَانَتْ وَلَا مَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ عِنْدَهَا وَتُقِرُّ بِذَلِكَ، وَتَمَامُهُ فِي الْكَافِي.
بَابُ الْقَسْمِ بِفَتْحِ الْقَافِ: الْقِسْمَةُ: وَبِالْكَسْرِ: النَّصِيبُ
(يَجِبُ) وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ فَرْضٌ نَهْرٌ (أَنْ يَعْدِلَ) أَيْ أَنْ لَا يَجُورَ (فِيهِ) أَيْ فِي الْقَسْمِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ بَلَغْت الْمُسْلِمَةُ) سَمَّاهَا مُسْلِمَةً بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ لَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ مِنْ الْحُكْمِ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ، وَلِذَا قِيلَ سَمَّاهَا مُحَمَّدٌ مُرْتَدَّةً، وَقَوْلُهُ بَانَتْ أَيْ مِنْ زَوْجِهَا لِأَنَّهَا لَمْ يَبْقَ لَهَا دِينُ الْأَبَوَيْنِ لِزَوَالِ التَّبَعِيَّةِ بِالْبُلُوغِ، وَلَيْسَ لَهَا دِينُ نَفْسِهَا فَكَانَتْ كَافِرَةً لَا مِلَّةَ لَهَا، كَذَا فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الْكَافِي) حَيْثُ قَالَ: مُسْلِمٌ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً نَصْرَانِيَّةً وَلَهَا أَبَوَانِ نَصْرَانِيَّانِ فَكَبِرَتْ وَهِيَ لَا تَعْقِلُ دِينًا مِنْ الْأَدْيَانِ وَلَا تَصِفُهُ وَهِيَ غَيْرُ مَعْتُوهَةٍ فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا وَكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ الْمُسْلِمَةُ إذَا بَلَغَتْ عَاقِلَةَ وَهِيَ لَا تَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَلَا تَصِفُهُ وَهِيَ غَيْرُ مَعْتُوهَةٍ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَا مَهْرَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى، وَيَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ عِنْدَهَا وَيُقَالُ لَهَا أَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنْ قَالَتْ نَعَمْ بِإِسْلَامِهَا، وَإِنْ قَالَتْ أَعْرِفُهُ وَأَقْدِرُ عَلَى وَصْفِهِ وَلَا أَصِفُهُ بَانَتْ؛ وَلَوْ قَالَتْ لَا أَقْدِرُ عَلَى وَصْفِهِ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَلَوْ عَقَلَتْ الْإِسْلَامَ وَلَمْ تَصِفْهُ لَمْ تَبُنْ، وَإِنْ وَصَفَتْ الْمَجُوسِيَّةُ بَانَتْ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ ارْتِدَادِ الصَّبِيِّ. اهـ. ط، وَقَوْلُهُ وَلَوْ عَقَلَتْ الْإِسْلَامَ أَيْ قَبْلَ الْبُلُوغِ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بَلَغَتْ، وَإِنَّمَا لَمْ تَبُنْ لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ تَبَعًا لِأَبَوَيْهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ أَدَاءِ الْإِيمَانِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَتَمَامُهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ. وَفِي سَيْرِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ أَنَّ قَوْلَهُ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ يَعْنِي صِفَةَ الْإِسْلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَتَّى يَعْلَمَ صِفَةَ الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَاسْتَوْصَفَهَا الْإِسْلَامَ فَلَمْ تَعْلَمْ لَا تَكُونُ مُؤْمِنَةً. وَصِفَةُ الْإِيمَانِ مَا ذَكَرَهُ فِي «حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى» . اهـ. وَقَدَّمْنَا فِي الْجَنَائِزِ مِثْلَهُ عَنْ الْفَتْحِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الْقَسْمِ بَيْن الزَّوْجَات]
بَابُ الْقَسْمِ
(قَوْلُهُ الْقِسْمَةُ) فِي الْمُغْرِبِ: الْقَسْمُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ قَسَمَ الْقَسَّامُ الْمَالَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ: فَرَّقَهُ بَيْنَهُمْ وَعَيَّنَ أَنْصِبَاءَهُمْ وَمِنْهُ الْقَسْمُ بَيْنَ النِّسَاءِ. اهـ. أَيْ لِأَنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ الْبَيْتُوتَةَ وَنَحْوَهَا. وَفِي الْمِصْبَاحِ: قَسَمْته قَسْمًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَالِاسْمُ الْقِسْمُ بِالْكَسْرِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحِصَّةِ وَالنَّصِيبِ فَيُقَالُ هَذَا قِسْمِي وَالْجَمْعُ أَقْسَامٌ مِثْلَ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ. وَاقْتَسَمُوا الْمَالَ بَيْنَهُمْ وَالِاسْمُ الْقِسْمَةُ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى النَّصِيبِ أَيْضًا وَجَمْعُهَا قِسَمٌ مِثْلَ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ. وَيَجِبُ الْقَسْمُ بَيْنَ النِّسَاءِ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ الْقَسْمَ هُنَا مَصْدَرٌ عَلَى أَصْلِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقِسْمَةُ أَيْ الِاقْتِسَامُ أَوْ النَّصِيبُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ فَرْضٌ) فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] أَمَرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَاحِدَةِ عِنْدَ خَوْفِ الْجَوْرِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، فَيُعْلَمُ إيجَابُ الْعَدْلِ عِنْدَ تَعَدُّدِهِنَّ كَمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ أَوْ لِلنَّدْبِ، وَيُعْلَمُ إيجَابُ الْعَدْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنَّمَا يَخَافُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَعَلَى كُلٍّ فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى إيجَابِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَيْ أَنْ لَا يَجُوزَ) أَشَارَ بِهِ إلَى التَّخَلُّصِ عَمَّا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ حُرَّتَانِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ.
وَأَجَابَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ مَعْنَى الْعَدْلِ هُنَا التَّسْوِيَةُ لَا ضِدُّ الْجَوْرِ، فَإِذَا كَانَتَا
стр. 1484
بِالتَّسْوِيَةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ (وَفِي الْمَلْبُوسِ وَالْمَأْكُولِ) وَالصُّحْبَةِ (لَا فِي الْمُجَامَعَةِ) كَالْمَحَبَّةِ بَلْ يُسْتَحَبُّ. وَيَسْقُطُ حَقُّهَا بِمَرَّةٍ وَيَجِبُ دِيَانَةً أَحْيَانًا
ــ
[رد المحتار]
حُرَّتَيْنِ أَوْ أَمَتَيْنِ فَعَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتَا حُرَّةً وَأَمَةً فَلَا يَعْدِلُ بَيْنَهُمَا: أَيْ لَا يُسَوِّي بَلْ يَعْدِلُ بِمَعْنَى لَا يَجُورُ، وَهُوَ أَنْ يَقْسِمَ لِلْحُرَّةِ ضِعْفَ الْأَمَةِ فَالْإِيهَامُ نَشَأَ مِنْ اشْتِرَاكِ اللَّفْظِ اهـ. وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِحُرَّةٍ وَلَا غَيْرِهَا نَاسَبَ أَنْ يُفَسَّرَ كَلَامُهُ بِعَدَمِ الْجَوْرِ: أَيْ عَدَمِ الْمَيْلِ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ تَسْوِيَةٍ وَضِدِّهَا، فَيَشْمَلُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْحُرَّتَيْنِ أَوْ الْأَمَتَيْنِ وَعَدَمَهَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَكَذَا فِي النَّفَقَةِ لِعَدَمِ لُزُومِ التَّسْوِيَةِ فِيهَا مُطْلَقَةً كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ بِالتَّسْوِيَةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ) الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ بِالتَّسْوِيَةِ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ كَمَا عَلِمْت بَلْ يَجِبُ عَدَمُهَا. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّسْوِيَةُ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا: أَيْ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ بِإِثْبَاتِهَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَبِنَفْيِهَا بَيْنَ الْحُرَّتَيْنِ وَبَيْنَ الْأَمَتَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِقَامَةَ فِي النَّهَارِ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ بِلَا تَقْدِيرٍ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ وَفِي الْمَلْبُوسِ وَالْمَأْكُولِ) أَيْ وَالسُّكْنَى، وَلَوْ عَبَّرَ بِالنَّفَقَةِ لَشَمِلَ الْكُلَّ. ثُمَّ إنَّ هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ، وَضَمِيرُهُ لِلْقَسْمِ الْمُرَادُ بِهِ الْبَيْتُوتَةُ فَقَطْ بِقَرِينَةِ الْعَطْفِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْعَدْلَ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى عَدَمِ الْجَوْرِ لَا بِمَعْنَى التَّسْوِيَةِ فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُ فِي النَّفَقَةِ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحُرَّتَيْنِ وَالْأَمَتَيْنِ فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ وَالسُّكْنَى وَالْبَيْتُوتَةِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَالْحَقُّ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ حَالَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ فِي النَّفَقَةِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ اعْتِبَارِ حَالِهِمَا فَلَا فَإِنَّ إحْدَاهُمَا قَدْ تَكُونُ غَنِيَّةً وَالْأُخْرَى فَقِيرَةً، فَلَا يَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا فِي النَّفَقَةِ. اهـ. وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ مِنْ جَعْلِهِ مَا فِي الْمَتْنِ مَبْنِيًّا عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهِ (قَوْلُهُ وَالصُّحْبَةُ) كَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ فِي الْبَيْتُوتَةِ لِأَنَّ الصُّحْبَةَ أَيْ الْمُعَاشَرَةَ وَالْمُؤَانَسَةَ ثَمَرَةُ الْبَيْتُوتَةِ. فَفِي الْخَانِيَّةِ: وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْأَزْوَاجِ لِلنِّسَاءِ: الْعَدْلُ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِيمَا يَمْلِكُهُ، وَالْبَيْتُوتَةُ عِنْدَهُمَا لِلصُّحْبَةِ، وَالْمُؤَانَسَةُ لَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ وَهُوَ الْحُبُّ وَالْجِمَاعُ.
(قَوْلُهُ لَا فِي الْمُجَامَعَةِ) لِأَنَّهَا تُبْتَنَى عَلَى النَّشَاطِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنْ تَرَكَهُ لِعَدَمِ الدَّاعِيَةِ وَالِانْتِشَارِ عُذِرَ، وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ لَكِنْ دَاعِيَتُهُ إلَى الضَّرَّةِ أَقْوَى فَهُوَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَتْحٌ وَكَأَنَّهُ مَذْهَبُ الْغَيْرِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُجَامَعَةِ ح. أَمَّا الْمَحَبَّةُ فَهِيَ مَيْلُ الْقَلْبِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ فِي جَمِيعِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ مِنْ الْوَطْءِ وَالْقُبْلَةِ، وَكَذَا بَيْنَ الْجَوَارِي وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لِيُحْصِنَهُنَّ عَنْ الِاشْتِهَاءِ لِلزِّنَا وَالْمَيْلِ إلَى الْفَاحِشَةِ، وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَأَفَادَ أَنَّ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ لَيْسَ وَاجِبًا (قَوْلُهُ وَيَسْقُطُ حَقُّهَا بِمَرَّةٍ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْكَ جِمَاعِهَا مُطْلَقًا لَا يَحِلُّ لَهُ، صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ جِمَاعَهَا أَحْيَانًا وَاجِبٌ دِيَانَةً، لَكِنْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ وَالْإِلْزَامِ إلَّا الْوَطْأَةُ الْأُولَى وَلَمْ يُقَدِّرُوا فِيهِ مُدَّةً.
وَيَجِبُ أَنْ لَا يَبْلُغَ بِهِ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ إلَّا بِرِضَاهَا وَطِيبِ نَفْسِهَا بِهِ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: فِي هَذَا الْكَلَامِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْجِمَاعَ بَعْدَ الْمَرَّةِ حَقُّهُ لَا حَقُّهَا اهـ. قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ حَقُّهُ وَحَقُّهَا أَيْضًا، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ دِيَانَةً. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحَيْثُ عُلِمَ أَنَّ الْوَطْءَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَسْمِ فَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ لِلزَّوْجَةِ وَفِي الْبَدَائِعِ: لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالْوَطْءِ لِأَنَّ حِلَّهُ لَهَا حَقُّهَا، كَمَا أَنَّ حِلَّهَا لَهُ حَقُّهُ، وَإِذَا طَالَبَتْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ مَرَّةً وَالزِّيَادَةُ تَجِبُ دِيَانَةً لَا فِي الْحُكْمِ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. اهـ.
стр. 1485
وَلَا يَبْلُغُ الْإِيلَاءَ إلَّا بِرِضَاهَا، وَيُؤْمَرُ الْمُتَعَبِّدُ بِصُحْبَتِهَا أَحْيَانًا، وَقَدَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ لِحُرَّةٍ وَسَبْعٍ لِأَمَةٍ. وَلَوْ تَضَرَّرَتْ مِنْ كَثْرَةِ جِمَاعِهِ لَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهَا، وَالرَّأْيُ فِي تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ لِلْقَاضِي بِمَا يَظُنُّ طَاقَتَهَا نَهْرٌ بَحْثًا
ــ
[رد المحتار]
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَيَسْقُطُ حَقُّهَا بِمَرَّةٍ فِي الْقَضَاءِ أَيْ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصِبْهَا مَرَّةً يُؤَجِّلُهُ الْقَاضِي سَنَةً ثُمَّ يَفْسَخُ الْعَقْدَ. أَمَّا لَوْ أَصَابَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ عِنِّينٍ وَقْتَ الْعَقْدِ، بَلْ يَأْمُرُهُ بِالزِّيَادَةِ أَحْيَانًا لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ إلَّا لِعُذْرٍ وَمَرَضٍ أَوْ عُنَّةٍ عَارِضَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الظِّهَارِ أَنَّ عَلَى الْقَاضِي إلْزَامَ الْمُظَاهِرِ بِالتَّكْفِيرِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ إلَى أَنْ يُكَفِّرَ أَوْ يُطَلِّقَ وَهَذَا رُبَّمَا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْمَارَّ بِأَنَّهُ تَجِبُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَا يَبْلُغُ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ) تَقَدَّمَ عَنْ الْفَتْحِ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَبْلُغَ إلَخْ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنْقُولٌ، لَكِنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ فِي مِقْدَارِ الدَّوْرِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَ لَهُ مِقْدَارَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَهَذَا بَحْثٌ مِنْهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ تَأَمَّلْ، ثُمَّ قَوْلُهُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ إيلَاءُ الْحُرَّةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا سَمِعَ فِي اللَّيْلِ امْرَأَةً تَقُولُ: فَوَاَللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ تُخْشَى عَوَاقِبُهُ لَزُحْزِحَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ فَسَأَلَ عَنْهَا فَإِذَا زَوْجُهَا فِي الْجِهَادِ، فَسَأَلَ بِنْتَه حَفْصَةَ: كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ: فَقَالَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَأَمَرَ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ أَنْ لَا يَتَخَلَّفَ الْمُتَزَوِّجُ عَنْ أَهْلِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ زِيَادَةُ مُضَارَّةٍ بِهَا لَمَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْفِرَاقَ بِالْإِيلَاءِ فِيهَا.
(قَوْلُهُ وَيُؤْمَرُ الْمُتَعَبِّدُ إلَخْ) فِي الْفَتْحِ: فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَشَاغَلَ عَنْهَا بِالْعِبَادَةِ أَوْ السَّرَارِيِّ اخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ وَبَاقِيهَا لَهُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهَا فِي الثَّلَاثِ بِتَزَوُّجِ ثَلَاثِ حَرَائِرَ، وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً فَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فِي كُلِّ سَبْعٍ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ مِقْدَارٌ لِأَنَّ الْقَسْمَ مَعْنَى نِسْبِيٌّ وَإِيجَابُهُ طَلَبُ إيجَادِهِ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْمُنْتَسِبِينَ فَلَا يُطْلَبُ قَبْلَ تَصَوُّرِهِ، بَلْ يُؤْمَرُ أَنْ يَبِيتَ مَعَهَا وَيَصْحَبَهَا أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ. اهـ.
وَنَقَلَ فِي النَّهْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ (قَوْلُهُ وَسَبْعٍ لِأَمَةٍ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ فَيَقْسِمُ لَهُنَّ سِتَّةَ أَيَّامٍ وَلَهَا يَوْمٌ (قَوْلُهُ نَهْرٌ بَحْثًا) حَيْثُ قَالَ: وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهَا، أَمَّا تَعْيِينُ الْمِقْدَارِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِأَئِمَّتِنَا، نَعَمْ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ فَقِيلَ يَقْضِي عَلَيْهِمَا بِأَرْبَعٍ فِي اللَّيْلِ وَأَرْبَعٍ فِي النَّهَارِ، وَقِيلَ بِأَرْبَعٍ فِيهِمَا. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَشْرُ مَرَّاتٍ فِيهِمَا. وَفِي دَقَائِقِ ابْنِ فَرْحُونٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ مَرَّةً.
وَعِنْدِي أَنَّ الرَّأْيَ فِيهِ لِلْقَاضِي فَيَقْضِي بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا تُطِيقُهُ اهـ. قَالَ الْحَمَوِيُّ عَقِبَهُ: وَأَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهَا الْقَاضِي عَمَّا تُطِيقُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُمَا بِيَمِينِهَا لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهَا وَهَذَا طِبْقُ الْقَوَاعِدِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَنُوطًا بِظَنِّ الْقَاضِي فَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَبَعِيدٌ. هَذَا، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ مَجْدٍ أَنَّ فِي تَأْسِيسِ النَّظَائِرِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ نَصٌّ فِي حُكْمٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا يَرْجِعُ إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَقُولُ: لَمْ أَرَ حُكْمَ مَا لَوْ تَضَرَّرَتْ مِنْ عِظَمِ آلَتِهِ بِغِلَظٍ أَوْ طُولٍ وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى اهـ. أَقُولُ: مَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ مَجْدٍ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، نَعَمْ ذُكِرَ فِي الدُّرَرِ الْمُنْتَقَى فِي بَابِ الرَّجْعَةِ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ دِيبَاجَةِ الْمُصَفَّى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا مَالَ إلَى أَقْوَالِهِ ضَرُورَةً.
стр. 1486
(بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ فَحْلٍ وَخَصِيٍّ وَعِنِّينٍ وَمَجْبُوبٍ وَمَرِيضٍ وَصَحِيحٍ) وَصَبِيٍّ دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ وَبَالِغٍ لَمْ يَدْخُلْ بَحْرٌ بَحْثًا، وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَرِيضَةٍ وَصَحِيحَةٍ (وَحَائِضٍ وَذَاتِ نِفَاسٍ
ــ
[رد المحتار]
هَذَا، وَقَدْ صَرَّحُوا عِنْدَنَا بِأَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ لَا تُسَلَّمُ إلَى الزَّوْجِ حَتَّى تُطِيقَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالسِّنِّ بَلْ يُفَوَّضُ إلَى الْقَاضِي بِالنَّظَرِ إلَيْهَا مِنْ سِمَنٍ أَوْ هُزَالٍ. وَقَدَّمْنَا عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ الْبَالِغَةَ إذَا كَانَتْ لَا تَحْتَمِلُ لَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِهَا إلَى الزَّوْجِ أَيْضًا، فَقَوْلُهُ لَا تَحْتَمِلُ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ لِضَعْفِهَا أَوْ هُزَالِهَا أَوْ لِكِبَرِ آلَتِهِ. وَفِي الْأَشْبَاهِ مِنْ أَحْكَامِ غَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ فِيمَا يُحَرِّمُ عَلَى الزَّوْجِ وَطْءَ زَوْجَتِهِ مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ قَالَ: وَفِيمَا إذَا كَانَتْ لَا تَحْتَمِلُهُ لِصِغَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ سُمْنَةٍ. اهـ.
وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ سِمَنِهِ عِظَمُ آلَتِهِ. وَحَرَّرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْوَهْبَانِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ فَمَاتَتْ أَوْ صَارَتْ مُفْضَاةً، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مُكْرَهَةً أَوْ لَا تُطِيقُ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ اتِّفَاقًا. فَعُلِمَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمَا يُؤَدِّي إلَى إضْرَارِهَا فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا تُطِيقُ مِنْهُ عَدَدًا بِنَظَرِ الْقَاضِي أَوْ إخْبَارِ النِّسَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَبِقَوْلِهَا وَكَذَا فِي غِلَظِ الْآلَةِ، وَيُؤْمَرُ فِي طُولِهَا بِإِدْخَالِ قَدْرِ مَا تُطِيقُهُ مِنْهَا أَوْ بِقَدْرِ آلَةِ الرَّجُلِ مُعْتَدِلِ الْخِلْقَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ بِلَا فَرْقٍ إلَخْ) لِأَنَّهُ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَسْمِ إنَّمَا هُوَ لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ دُونَ الْمُجَامَعَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَوْجٍ وَزَوْجٍ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ وَمَرِيضٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَ كَيْفِيَّةَ قَسْمِهِ فِي مَرَضِهِ حَيْثُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ إلَى بَيْتِ الْأُخْرَى وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا صَحَّ ذَهَبَ عِنْدَ الْأُخْرَى بِقَدْرِ مَا أَقَامَ عِنْدَ الْأُولَى مَرِيضًا. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الِاخْتِيَارُ فِي مِقْدَارِ الدَّوْرِ إلَيْهِ حَالَ صِحَّتِهِ فَفِي مَرَضِهِ أَوْلَى، فَإِذَا مَكَثَ عِنْدَ الْأُولَى مُدَّةً أَقَامَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ بِقَدْرِهَا نَهْرٌ. قُلْت: وَهَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ مُدَّةَ إقَامَتِهِ دَوْرًا حَتَّى لَا يُنَافِيَ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا شَهْرًا هَدَرَ مَا مَضَى (قَوْلُهُ وَصَبِيٍّ دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ) الَّذِي فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ بِامْرَأَتَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: لِأَنَّ وُجُوبَهُ لِحَقِّ النِّسَاءِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ تَتَوَجَّهُ عَلَى الصِّبْيَانِ عِنْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ.
وَفِي الْفَتْحِ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَيَدُورُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ بِهِ عَلَى نِسَائِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ عِنْدَنَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْثَمَ الْوَلِيُّ إذَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَدْرِ بِهِ. اهـ. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَقَيَّدَ فِي الْخَانِيَّةِ الصَّبِيَّ بِالْمُرَاهِقِ فَلَا قَسْمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمُمَيِّزُ الْمُمْكِنُ وَطْؤُهُ كَذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَبَالِغٍ لَمْ يَدْخُلْ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ دَخَلَ بِالْأُولَى ح (قَوْلُهُ بَحْرٌ بَحْثًا) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَبَالِغٍ لَمْ يَدْخُلْ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الصَّغِيرُ بِهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي كَوْنِهِ مَعَهَا. اهـ.، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَسْمَ عَلَى الْبَالِغِ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّ فِي كَوْنِهِ مَعَهَا فَائِدَةً وَلِذَا إنَّمَا قَيَّدُوا بِالدُّخُولِ فِي امْرَأَةِ الصَّبِيِّ. اهـ.
قُلْت: يَظْهَرُ لِي أَنَّ دُخُولَ الصَّبِيِّ غَيْرُ قَيْدٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الدُّخُولِ وَحُصُولَ الصُّحْبَةِ وَالِاسْتِئْنَاسِ بِهِ وَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْ فِي الْخَانِيَّةِ بِالدُّخُولِ، بَلْ قَالَ وَالْمُرَاهِقُ وَالْبَالِغُ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ، فَقَوْلُهُ فِي الْمُحِيطِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ أَيْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا السِّنَّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي كَوْنِهِ مَعَهَا إذْ لَا شَكَّ أَنَّ لَهَا فَائِدَةً فِي كَوْنِ الْمُرَاهِقِ مَعَهَا مِنْ الِاسْتِئْنَاسِ بِهِ وَالْعِشْرَةِ مَعَهُ زِيَادَةً عَلَى مَا إذَا كَانَتْ وَحْدَهَا. وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُرَاهِقِ وَالْبَالِغِ فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَهُ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَسْمُ فِي الْبَيْتُوتَةِ مَعَهَا مَا لَمْ تَرْضَ بِالْإِقَامَةِ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا لِإِصْلَاحِ شَأْنِهَا وَإِلَّا فَهُوَ ظَالِمٌ لَهَا
стр. 1487
وَمَجْنُونَةٍ لَا تُخَافُ وَرَتْقَاءَ وَقَرْنَاءَ) وَصَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَمُحْرِمَةٍ وَمُظَاهَرٍ وَمُولًى مِنْهَا وَمُقَابِلَاتِهِنَّ، وَكَذَا مُطَلَّقَةٌ رَجْعِيَّةٌ إنْ قَصَدَ رَجْعَتَهَا وَإِلَّا لَا بَحْرٌ
(وَلَوْ) (أَقَامَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ شَهْرًا فِي غَيْرِ سَفَرٍ ثُمَّ خَاصَمَتْهُ الْأُخْرَى) فِي ذَلِكَ (يُؤْمَرُ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهَدَرَ مَا مَضَى وَإِنْ أَثِمَ بِهِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ بَعْدَ الطَّلَبِ (وَإِنْ) (عَادَ إلَى الْجَوْرِ بَعْدَ نَهْيِ الْقَاضِي إيَّاهُ) (عُزِّرَ) بِغَيْرِ حَبْسٍ جَوْهَرَةٌ لِتَفْوِيتِهِ الْحَقَّ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَقُلْ إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ، لِأَنَّ خِيَارَ الدَّوْرِ إلَيَّ،
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ وَمَجْنُونَةٍ لَا تُخَافُ) بِضَمِّ التَّاءِ: أَيْ لَا يَخَافُ مِنْهَا الزَّوْجُ، بِأَنْ كَانَتْ لَا تَضْرِبُ وَلَا تُؤْذِي لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَسُكْنَاهَا، وَإِلَّا فَهِيَ فِي حُكْمِ النَّاشِزَةِ (قَوْلُهُ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا) عَبَّرَ عَنْهَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِالْمُرَاهِقَةِ. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ: بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا، فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْمِنَحِ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فَإِنَّهُ خَطَأٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمُحْرِمَةٍ) أَيْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (قَوْلُهُ وَمُظَاهَرٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَقَوْلُهُ وَمُولًى بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ مُنَوَّنَةٌ مِنْ الْإِيلَاءِ، وَقَوْلُهُ مِنْهَا تُنَازِعُهُ كُلٌّ مِنْ مُظَاهَرٍ وَمُولًى ح (قَوْلُهُ وَمُقَابِلَاتِهِنَّ) أَيْ مُقَابِلَ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَائِضٍ إلَخْ ط (قَوْلُهُ رَجْعِيَّةً) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ وَكَذَا مُطَلَّقَةٌ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً ح. [تَنْبِيهٌ]
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ الْمَنْكُوحَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَالْمَحْبُوسَةُ بِدَيْنٍ لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى وَفَائِهِ وَالنَّاشِزَةُ، وَالْمَسْطُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا قَسْمَ لَهَا فِي الْكُلِّ. وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لِمُجَرَّدِ الْإِينَاسِ وَدَفْعِ الْوَحْشَةِ، وَفِي الْمَحْبُوسَةِ تَرَدُّدٌ. وَأَمَّا النَّاشِزَةُ فَلَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي سُقُوطِهِ لَهَا لِأَنَّهَا بِخُرُوجِهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا. اهـ. وَاعْتَرَضَهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَسْمَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّسْوِيَةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى. اهـ. زَادَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ يَخَافُ مِنْ الْقَسْمِ لَهَا الْوُقُوعَ فِي الْحَرَامِ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ لِلْغَيْرِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَسُّهَا وَتَقْبِيلُهَا فَلَا يَجِبُ لَهَا.
وَكَذَا الْمَحْبُوسَةُ لِأَنَّ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ ضَرَرًا بِهِ بِدُخُولِهِ الْحَبْسَ
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ شَهْرًا) أَيْ قَبْلَ الْخُصُومَةِ أَوْ بَعْدَهَا خَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ سَفَرٍ) أَمَّا إذَا سَافَرَ بِإِحْدَاهُمَا لَيْسَ لِلْأُخْرَى أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَسْكُنَ عِنْدَهَا مِثْلَ الَّتِي سَافَرَ بِهَا ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ (قَوْلُهُ وَهَدَرَ مَا مَضَى) فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا مِثْلَ ذَلِكَ ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقَضَاءِ إذَا طَلَبَتْ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَلَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إيفَائِهِ فَتْحٌ: وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ التَّعْلِيلِ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَلِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى النَّفَقَةِ وَهِيَ تَسْقُطُ بِالْمُضِيِّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ بَعْدَ الطَّلَبِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ هَدَرَ مَا مَضَى، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْقَسْمِ عَقْدُ النِّكَاحِ وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ قَبْلَ الطَّلَبِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ بَحْثَ الْفَتْحِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الْقِسْمَةِ مِنْ الْقَاضِي يَكُونُ بَعْدَ الطَّلَبِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّهَا لَوْ طَالَبَتْهُ بِهَا ثُمَّ جَارَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَكَذَا تَعْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْقَسْمَ لَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ مَا بَعْدَ الطَّلَبِ (قَوْلُهُ بَعْدَ نَهْيِ الْقَاضِي) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ ط (قَوْلُهُ عُزِّرَ بِغَيْرِ حَبْسٍ) بَلْ يُوجِعُهُ عُقُوبَةً وَيَأْمُرُهُ بِالْعَدْلِ لِأَنَّهُ أَسَاءَ الْأَدَبَ وَارْتَكَبَ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الْجَوْرُ مِعْرَاجٌ، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ لِلْقَاضِي الْخِيَارَ فِي التَّعْزِيرِ بَيْنَ الضَّرْبِ وَالْحَبْسِ بَحْرٌ قُلْت: وَمِثْلُهُ مَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى قَرِيبِهِ (قَوْلُهُ لِتَفْوِيتِهِ الْحَقَّ) الضَّمِيرُ لِلْحَبْسِ ح وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْجَوْهَرَةِ
стр. 1488
فَحِينَئِذٍ يَقْضِي الْقَاضِي بِقَدْرِهِ نَهْرٌ بَحْثًا (وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ وَالْجَدِيدَةُ وَالْقَدِيمَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ سَوَاءٌ) لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ.
(وَلِلْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ) وَالْمُبَعَّضَةِ (نِصْفُ مَا لِلْحُرَّةِ) أَيْ مِنْ الْبَيْتُوتَةِ وَالسُّكْنَى مَعَهَا.
أَمَّا النَّفَقَةُ فَبِحَالِهِمَا.
(وَلَا قَسْمَ فِي السَّفَرِ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ (فَلَهُ السَّفَرُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَالْقُرْعَةُ أَحَبُّ) تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ. (وَلَوْ) (تَرَكَتْ قِسْمَهَا) بِالْكَسْرِ: أَيْ نَوْبَتَهَا (لِضَرَّتِهَا) (صَحَّ، وَلَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ) فِي الْمُسْتَقْبَلِ،
ــ
[رد المحتار]
لِأَنَّهُ لَا يَسْتَدْرِكُ الْحَقَّ فِيهِ بِالْحَبْسِ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ اهـ أَيْ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَسْمَ لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ يَفُوتُهَا ذَلِكَ وَكَذَلِكَ عَلَّلُوا لِعَدَمِ الْحَبْسِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى قَرِيبِهِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي الْقَاضِي بِقَدْرِهِ) أَيْ مَتَى خَاصَمَتْ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ يَسْقُطُ مَا مَضَى مَعَ أَنَّ هَذَا بَعْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالطَّلَبِ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْقَسْمَ لَا يَصِيرُ دَيْنًا، وَأَطْلَقَ الْقَدْرَ مَعَ أَنَّ فِيهِ كَلَامًا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَالْبِكْرُ إلَخْ) نَصَّ عَلَى الْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ فِيهِمَا خِلَافَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَعَلَى الْأَخِيرَةِ لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ مُسَاوَاةِ الْكِتَابِيَّةِ لِلْمُسْلِمَةِ بِسَبَبِ ارْتِفَاعِهَا عَلَيْهَا بِالْإِسْلَامِ، أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ وَالْجَدِيدَةُ وَالْقَدِيمَةُ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ كَانَتْ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ جَدِيدَتَيْنِ بِأَنْ تَزَوَّجَهُمَا مَعًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ) أَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٢٩] أَيْ فِي الْمَحَبَّةِ ﴿فَلا تَمِيلُوا﴾ [النساء: ١٢٩] فِي الْقَسْمِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَغَايَتُهُ الْقَسْمُ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ٣] وَلِإِطْلَاقِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ وَلِأَنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ نَحْوِ «لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ» فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّفْضِيلُ فِي الْبُدَاءَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ التَّسْوِيَةِ، بَلْ عَلَى اخْتِيَارِ الدَّوْرِ بِالسَّبْعِ وَالثَّلَاثِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَيْنَا
(قَوْلُهُ وَلِلْأَمَةِ إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ أَمَةٌ وَحُرَّةٌ فَلِلْأَمَةِ النِّصْفُ وَهَذَا إذَا بَوَّأَهَا السَّيِّدُ مَنْزِلًا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ وَكَأَنَّهُ لِظُهُورِهِ (قَوْلُهُ أَمَّا النَّفَقَةُ) هِيَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَاللُّبْسُ وَالْمَسْكَنُ (قَوْلُهُ فَبِحَالِهِمَا) أَيْ إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ غَنِيَّيْنِ فَالْوَاجِبُ نَفَقَةُ الْأَغْنِيَاءِ، أَوْ فَقِيرَيْنِ فَنَفَقَةُ الْفُقَرَاءِ، أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ فَالْوَسَطُ، وَهَذَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا مَرَّ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَلَا قَسْمَ فِي السَّفَرِ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا بِحَمْلِهِنَّ مَعَهُ، وَفِي إلْزَامِهِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَا يَخْفَى نَهْرٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَثِقُ بِإِحْدَاهُمَا فِي السَّفَرِ وَبِالْأُخْرَى فِي الْحَضَرِ، وَالْقَرَارِ فِي الْمَنْزِلِ لِحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ أَوْ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ أَوْ يَمْنَعُ مِنْ السَّفَرِ إحْدَاهُمَا لِكَثْرَةِ سِمَنِهَا فَتَعَيَّنَ مَنْ يَخَافُ صُحْبَتَهَا فِي السَّفَرِ لِلسَّفَرِ لِخُرُوجِ قُرْعَتِهَا إلْزَامٌ لِلضَّرَرِ الشَّدِيدِ، وَهُوَ مُنْدَفِعٌ بِالنَّافِي لِلْحَرَجِ فَتْحٌ، وَانْظُرْ مَا لَوْ سَافَرَ بِهِنَّ هَلْ يَقْسِمُ.
(قَوْلُهُ وَالْقُرْعَةُ أَحَبُّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مُسْتَحَقَّةٌ، لِمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» قُلْنَا كَانَ اسْتِحْبَابًا لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِنَّ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ الْقَسْمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ، وَهَذَا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ فَتَعْيِينُ مَنْ يَخَافُ صُحْبَتَهَا إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا لَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ بِهَا (قَوْلُهُ صَحَّ) شَمِلَ مَا لَوْ كَانَ بِشَرْطِ رِشْوَةٍ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا وَإِنْ بَطَلَ الشَّرْطُ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الْبَاقَانِيُّ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ حَقٍّ لَمْ يَجِبْ وَلِذَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا. وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مِثْلُ أَخْذِ الْعِوَضِ فِي النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ، لِأَنَّ مَنْ أَجَازَهُ بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ وَلَا عُرْفَ هُنَا فَتَدَبَّرْ نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِنْ خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى مَالٍ جَوَازُ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ بِالدَّرَاهِمِ وَأَنَّهُ أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ الدَّمِيرِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشِّيشِيُّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ.
стр. 1489
لِأَنَّهُ مَا وَجَبَ فَمَا سَقَطَ، وَلَوْ جَعَلَتْهُ لِمُعَيَّنَةٍ هَلْ لَهُ جَعْلُهُ لِغَيْرِهَا؟ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ لَا. وَفِي الْبَحْرِ بَحْثًا نَعَمْ، وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ.
(وَيُقِيمُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً) لَكِنْ إنَّمَا تَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ فِي اللَّيْلِ، حَتَّى لَوْ جَاءَ لِلْأُولَى بَعْدَ الْغُرُوبِ وَلِلثَّانِيَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَقَدْ تَرَكَ الْقَسْمَ، وَلَا يُجَامِعُهَا فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا، وَكَذَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إلَّا لِعِيَادَتِهَا وَلَوْ اشْتَدَّ: فَفِي الْجَوْهَرَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حَتَّى تُشْفَى أَوْ تَمُوتَ انْتَهَى، يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يُؤْنِسُهَا.
وَلَوْ مَرِضَ هُوَ فِي بَيْتِهِ دَعَا كُلًّا فِي نَوْبَتِهَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا وَأَرَادَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ. نَهْرٌ (وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا (وَلَا يُقِيمُ عِنْدَ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ إلَّا بِإِذْنِ الْأُخْرَى) خَاصَّةً
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: وَاضْطَرَبَ فِيهِ رَأْيُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَفْتَى الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِعَدَمِهِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَقْفِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ) أَيْ حَقَّهَا وَهُوَ الْقَسْمُ مَا وَجَبَ أَيْ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، فَمَا سَقَطَ أَيْ فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهَا ح (قَوْلُهُ وَفِي الْبَحْرِ بَحْثًا نَعَمْ) حَيْثُ قَالَ وَلَعَلَّ الْمَشَايِخَ إنَّمَا لَمْ يَعْتَبِرُوا هَذَا التَّفْصِيلَ لِأَنَّ هَذِهِ الْهِبَةَ إنَّمَا هِيَ إسْقَاطٌ عَنْهُ فَكَانَ الْحَقُّ لَهُ سَوَاءٌ وَهَبَتْ لَهُ أَوْ لِصَاحِبَتِهَا، فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ حِصَّةَ الْوَاهِبَةِ لِمَنْ شَاءَ ح (قَوْلُهُ وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ) حَيْثُ قَالَ: أَقُولُ كَوْنُ الْحَقِّ لَهُ فِيمَا إذَا وَهَبَتْ لِصَاحِبَتِهَا مَمْنُوعٌ. فَفِي الْبَدَائِعِ فِي تَوْجِيهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لَهَا فَلَهَا أَنْ تَسْتَوْفِيَ وَلَهَا أَنْ تَتْرُكَ. اهـ. ح. أَقُولُ: وَقَدْ نَقَلَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَأَقَرَّهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَفَرَّعُوا إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْوَاهِبَةِ تَلِي لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ قَسَمَ لَهَا لَيْلَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيهَا فَهَلْ لَهُ نَقْلُهَا فَيُوَالِي لَهَا لَيْلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا الَّتِي تَلِيهَا فِي النَّوْبَةِ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ اهـ فَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْمُحَقِّقُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ مَا فِي النَّهْرِ بِالْأَوْلَى
(قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْعَدْلَ الْوَاجِبَ فِي الْبَيْتُوتَةِ وَالتَّأْنِيسِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَضْبِطَ زَمَانَ النَّهَارِ، فَبِقَدْرِ مَا عَاشَرَ فِيهِ إحْدَاهُمَا يُعَاشِرُ الْأُخْرَى بَلْ ذَلِكَ فِي الْبَيْتُوتَةِ وَأَمَّا النَّهَارُ فَفِي الْجُمْلَةِ اهـ يَعْنِي لَوْ مَكَثَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ أَكْثَرَ النَّهَارِ كَفَاهُ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْهُ بِخِلَافِهِ فِي اللَّيْلِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُجَامِعُهَا فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا) أَيْ وَلَوْ نَهَارًا ط.
(قَوْلُهُ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ) هَذَا التَّقْيِيدُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ بَحْثًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَطْلَقَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ط (قَوْلُهُ وَلَوْ مَرِضَ هُوَ فِي بَيْتِهِ) هَذَا إذَا كَانَ لَهُ بَيْتٌ لَيْسَ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّحَوُّلِ إلَى بَيْتِ الْأُخْرَى يُقِيمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ عِنْدَ الْأُخْرَى بِقَدْرِ مَا أَقَامَ عِنْدَ الْأُولَى مَرِيضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَلَا يُقِيمُ عِنْدَ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ مَا لَوْ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هَلْ يَهْدُرُ الزَّائِدُ أَوْ يُقِيمُ عِنْدَ الْأُخْرَى بِقَدْرِ مَا أَقَامَ عِنْدَ الْأُولَى ثُمَّ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةً وَثَلَاثَةً أَوْ يَوْمًا وَيَوْمًا؛ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّ هَدْرَ مَا مَضَى فِيمَا إذَا أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَسْمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُنَا فِي الْإِقَامَةِ عَلَى سَبِيلِ الْقَسْمِ فَلَا يَهْدُرُ شَيْءٌ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يُقِيمُ عِنْدَ الْأُولَى كَذَلِكَ اهـ لَكِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الدَّوْرَ مُسْتَمِرًّا ثَلَاثَةً أَوْ سَبْعَةً، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ الدَّوْرِ بِالسَّبْعِ أَوْ الثَّلَاثِ تَأَمَّلْ.
وَعَنْ هَذَا نَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالسِّرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ ثَلَاثَةً أَوْ سَبْعَةً وَعِنْدَ أُخْرَى كَذَلِكَ. اهـ. وَاَلَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ يَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَعَلَ. وَرُوِيَ عَنْ الْأَشْعَثِ عَنْ الْحَكَمِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ حِينَ دَخَلَ بِهَا إنْ شِئْت سَبْعَةً لَك وَسَبْعَةً لَهُنَّ» اهـ وَمُقْتَضَى رِوَايَتِهِ الْحَدِيثَ أَنَّ لَهُ التَّسْبِيعَ، بَلْ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنْ شَاءَ ثَلَّثَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ
стр. 1490
زَادَ فِي الْخَانِيَّةِ (وَالرَّأْيُ فِي الْبُدَاءَةِ) فِي الْقَسْمِ (إلَيْهِ) وَكَذَا فِي مِقْدَارِ الدَّوْرِ هِدَايَةٌ وَتَبْيِينٌ. وَقَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ بَحْثًا بِمُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَوْ جُمُعَةٍ، وَعَمَّمَهُ فِي الْبَحْرِ، وَنَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَظَاهِرُ بَحْثِهِمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَطَّلِعَا عَلَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا عَوَّلْنَا عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فُرُوعٌ]
لَوْ كَانَ عَمَلُهُ لَيْلًا كَالْحَارِسِ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَقْسِمُ نَهَارًا وَهُوَ حَسَنٌ، وَحَقُّهُ عَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَهُ فِي كُلِّ مُبَاحٍ يَأْمُرُهَا بِهِ، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْغَزْلِ وَمِنْ أَكَلَ مَا يَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَتِهِ، بَلْ وَمِنْ الْحِنَّاءِ وَالنَّقْشِ وَإِنْ تَأَذَّى بِرَائِحَتِهِ نَهْرٌ وَتَمَامُهُ فِيمَا عَلَّقْته عَلَى الْمُلْتَقَى.
ــ
[رد المحتار]
وَإِنْ شَاءَ سَبَّعَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ زَادَ فِي الْخَانِيَّةِ) يُوهِمُ أَنَّ عِبَارَةَ الْخَانِيَّةِ صَرِيحَةٌ فِي الْحَصْرِ كَعِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي فِيهَا عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وَالرَّأْيُ فِي الْبِدَايَةِ إلَيْهِ. اهـ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ لَا لِنَفْيِ الزِّيَادَةِ بِقَرِينَةِ عِبَارَتِهِ الْمَارَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ) أَيْ قَيَّدَ كَلَامَ الْهِدَايَةِ الْمَذْكُورَ، حَيْثُ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ عَلَى صَرَاحَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَدُورَ سَنَةً سَنَةً مَا يَظُنُّ إطْلَاقَ ذَلِكَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَ لَهُ مِقْدَارَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَإِذَا كَانَ وُجُوبُهُ لِلتَّأَنُّسِ وَرَفْعِ الْوَحْشَةِ وَجَبَ أَنْ تُعْتَبَرَ الْمُدَّةُ الْقَرِيبَةُ وَأَظُنُّ أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ جُمُعَةٍ مُضَارَّةٌ إلَّا أَنْ يَرْضَيَا اهـ فَقَوْلُهُ وَأَظُنُّ إلَخْ إضْرَابٌ إبْطَالِيٌّ عَنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فَيُنَاسِبُ أَنْ تَكُونَ " أَوْ " فِي قَوْلِ الشَّارِحِ أَوْ جُمُعَةٍ بِمَعْنَى بَلْ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ
كَانُوا ثَمَانِينَ أَوْ زَادُوا ثَمَانِيَةً
ح (قَوْلُهُ وَعَمَّمَهُ فِي الْبَحْرِ) حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ لِأَنَّهُ لَا مُضَارَّةَ حَيْثُ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقَسْمِ لِأَنَّهَا مُطْمَئِنَّةٌ بِمَجِيءِ نَوْبَتِهَا (قَوْلُهُ وَنَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ) حَيْثُ قَالَ فِي نَفْيِ الْمُضَارَّةِ مُطْلَقًا نَظَرٌ لَا يَخْفَى. اهـ. قُلْت: وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاطْمِئْنَانَ بِمَجِيءِ النَّوْبَةِ مُنْتَفٍ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ كَسَنَةٍ مَثَلًا لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ الْقَسْمُ لِأَجْلِهِ وَهُوَ الِاسْتِئْنَاسُ.
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ بَحْثِهِمَا) أَيْ صَاحِبِ الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ كَمَا فِي الْمِنَحِ ح (قَوْلُهُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ) قَدْ عَلِمْت مَا يُنَافِي هَذَا التَّقْيِيدَ
(قَوْلُهُ وَهُوَ حَسَنٌ) كَذَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ فِي كُلِّ مُبَاحٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِنْدَ الْأَمْرِ بِهِ مِنْهُ يَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهَا كَأَمْرِ السُّلْطَانِ الرَّعِيَّةَ بِهِ ط (قَوْلُهُ وَمِنْ أَكْلِ مَا يَتَأَذَّى بِهِ) أَيْ بِرَائِحَتِهِ كَثُومٍ وَبَصَلٍ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَأَذَّى مِنْ رَائِحَةِ الدُّخَانِ الْمَشْهُورُ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ شُرْبِهِ (قَوْلُهُ بَلْ وَمِنْ الْحِنَّاءِ) ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بَحْثًا أَخْذًا مِمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِيمَا عَلَّقْته عَلَى الْمُلْتَقَى) وَعِبَارَتُهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ مَعْزِيًّا لِلْمُنْتَقَى: لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَةٌ وَسَرَارِيُّ أُمِرَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعٍ عِنْدَهَا، وَفِي الْبَوَاقِي عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ أُمِرَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُنَّ، وَيُقِيمُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ السَّرَارِيِّ؛ وَلَوْ لَهُ أَرْبَعَةٌ أَقَامَ عِنْدَ كُلٍّ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ السَّرَارِيِّ إلَّا وَقْفَةُ الْمَارِّ.
وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ وَعِنْدَهَا صَبِيٌّ يَعْقِلُ أَوْ أَعْمَى أَوْ ضَرَّتُهَا أَوْ أَمَتُهَا أَوْ أَمَتُهُ. اهـ. ثُمَّ قَالَ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الضَّرَائِرِ إلَّا بِالرِّضَا، وَلَوْ قَالَتْ لَا أَسْكُنُ مَعَ أَمَتِك لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْأَمَةِ يَوْمًا فَعَتَقَتْ يُقِيمُ عِنْدَ الْحُرَّةِ يَوْمًا وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ اهـ أَيْ لَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْحُرَّةِ يَوْمًا فَعَتَقَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ يَتَحَوَّلُ إلَى الْمُعْتَقَةِ، وَلَا يُكْمِلُ لِلْحُرَّةِ يَوْمَيْنِ تَنْزِيلًا لِلْحُرِّيَّةِ انْتِهَاءَ مَنْزِلَتِهَا ابْتِدَاءً كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ.
أَقُولُ: وَمَا نَقَلَهُ أَوَّلًا عَنْ الْمُنْتَقَى مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْمَرْجُوعِ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لِلْحُرَّةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ، هَكَذَا خَطَرَ لِي. ثُمَّ رَأَيْت الشُّرُنْبُلَالِيُّ صَرَّحَ بِهِ فِي رِسَالَتِهِ [تَجَدُّدِ الْمَسَرَّاتِ بِالْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ] وَقَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَمَبْنَى الرِّسَالَةِ عَلَى سُؤَالِ فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَتَانِ وَجَوَارٍ يَقْسِمُ لِلزَّوْجَتَيْنِ ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ جَوَارِيهِ مَا شَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى
стр. 1491
بَابُ الرَّضَاعِ (هُوَ) لُغَةً بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ: مَصُّ الثَّدْيِ. وَشَرْعًا (مَصٌّ مِنْ ثَدْيِ آدَمِيَّةٍ) وَلَوْ بِكْرًا أَوْ مَيِّتَةً أَوْ آيِسَةً، وَأُلْحِقَ بِالْمَصِّ الْوَجُورُ وَالسَّعُوطُ (فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ) هُوَ (حَوْلَانِ وَنِصْفٌ عِنْدَهُ وَحَوْلَانِ) فَقَطْ (عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ) فَتْحٌ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ عَنْ الْعَوْنِ، لَكِنْ فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّهُ فِي الْحَوْلَيْنِ وَنِصْفٍ، وَلَوْ بَعْدَ الْفِطَامِ
ــ
[رد المحتار]
زَوْجَتَيْهِ وَيَقْسِمُ لَهُمَا أَجَابَ بِالْجَوَازِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْهُمَامِ اللَّازِمِ أَنَّهُ إذَا بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لَيْلَةً يَبِيتُ عِنْدَ الْأُخْرَى كَذَلِكَ لَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دَائِمًا، فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ عِنْدَ الْكُلِّ بَعْضَ اللَّيَالِيِ وَانْفَرَدَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ اهـ يَعْنِي بَعْدَ تَمَامِ دَوْرِهِنَّ، وَسَوَاءٌ انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ أَوْ كَانَ مَعَ جَوَارِيهِ اهـ فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الرَّضَاعِ]
لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدَ وَهُوَ لَا يَعِيشُ غَالِبًا فِي ابْتِدَاءِ إنْشَائِهِ إلَّا بِالرَّضَاعِ وَكَانَ لَهُ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَهِيَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ بِمُدَّةٍ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِ أَحْكَامِهِ، ثُمَّ قِيلَ كِتَابُ الرَّضَاعِ لَيْسَ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا عَمِلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَنَسَبَهُ إلَيْهِ لِيُزَوِّجَهُ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمُسَمَّى بِالْكَافِي مَعَ الْتِزَامِهِ إيرَادَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ مَحْذُوفَةَ التَّعَالِيلِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَوَائِلِ مُصَنَّفَاتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ اكْتِفَاءً بِمَا أَوْرَدَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ) وَلَمْ يَذْكُرُوا الضَّمَّ مَعَ جَوَازِهِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَنْ تُرْضِعَ مَعَهُ آخَرَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ: وَفِيهِ أَنَّ فِعْلَهُ جَاءَ مِنْ بَابِ عَلِمَ فِي لُغَةِ تِهَامَةَ: وَهِيَ مَا فَوْقَ نَجْدٍ، وَمِنْ بَابِ ضَرَبَ فِي لُغَةِ نَجْدٍ؛ وَجَاءَ مِنْ بَابِ كَرَّمَ نَهْرٌ.
زَادَ فِي الْمِصْبَاحِ لُغَةً أُخْرَى مِنْ بَابِ فَتَحَ مَصْدَرُهُ رَضَاعًا وَرَضَاعَةً بِالْفَتْحِ (قَوْلُهُ مَصُّ الثَّدْيِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الثَّدْيُ لِلْمَرْأَةِ، وَيُقَالُ فِي الرَّجُلِ أَيْضًا: قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ اهـ وَهَذَا التَّعْرِيفُ قَاصِرٌ لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ يَعُمُّ الْمَصَّ وَلَوْ مِنْ بَهِيمَةٍ، فَالْأَوْلَى مَا فِي الْقَامُوسِ: هُوَ لُغَةً شُرْبُ اللَّبَنِ مِنْ الضَّرْعِ وَالثَّدْيِ ط (قَوْلُهُ آدَمِيَّةٍ) خَرَجَ بِهَا الرَّجُلُ وَالْبَهِيمَةُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ آيِسَةٍ) ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ قَالَ: وَهُوَ حَادِثَةُ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ وَأَلْحَقَ بِالْمَصِّ إلَخْ) تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلَى صَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ التَّعْرِيفُ مَنْقُوضٌ طَرْدًا، إذْ قَدْ يُوجَدُ الْمَصُّ وَلَا رَضَاعَ إنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَوْفِ وَعَكَسَا، إذْ قَدْ يُوجَدُ الرَّضَاعُ وَلَا مَصَّ كَمَا فِي الْوَجُورِ وَالسَّعُوطِ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَصِّ الْوُصُولُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الْمَنْفَذَيْنِ، وَخَصَّهُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ فَأَطْلَقَ السَّبَبَ وَأَرَادَ الْمُسَبِّبَ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْمَصَّ يَسْتَلْزِمُ الْوُصُولَ إلَى الْجَوْفِ لِمَا فِي الْقَامُوسِ: مَصَصْته شَرِبْته شُرْبًا رَقِيقًا، وَجَعَلَ الْوَجُورَ وَالسَّعُوطَ مُلْحَقَيْنِ بِالْمَصِّ ح.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: الْوَجُورُ بِفَتْحِ الْوَاوِ الدَّوَاءُ يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ، وَأَوْجَرْت الْمَرِيضَ إيجَارًا فَعَلْت بِهِ ذَلِكَ، وَوَجَرْته أَجِرُهُ مِنْ بَابِ وَعَدَ لُغَةً. وَالسَّعُوطُ: كَرَسُولِ دَوَاءٌ يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ، وَالسُّعُوطُ كَقُعُودٍ مَصْدَرٌ، وَأَسْعَطْتُهُ الدَّوَاءَ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ (قَوْلُهُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ) قَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالرَّضِيعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ لَا يُسَمَّى رَضِيعًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ نَهْرٌ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَاَلَّذِي فِي الْعِنَايَةِ أَنَّ الْكَبِيرَ لَا يُسَمَّى رَضِيعًا، ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ سَوَّى فِي التَّحْرِيمِ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ (قَوْلُهُ عَنْ الْعَوْنِ) كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا عَنْ الْعُيُونِ بِالْيَاءِ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْوَاوِ، وَهُوَ اسْمُ كِتَابٍ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي النَّهْرِ، وَفِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ أَيْضًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَبِهِ يُفْتَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ أَفْتَى بِكُلٍّ مِنْهُمَا ط
стр. 1492
مُحَرَّمٌ
وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَاسْتَدَلُّوا لِقَوْلِ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أَيْ مُدَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثُونَ غَيْرَ أَنَّ النَّقْصَ فِي الْأَوَّلِ قَامَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: لَا يَبْقَى الْوَلَدُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَمِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا، وَالْآيَةُ مُؤَوَّلَةٌ لِتَوْزِيعِهِمْ الْأَجَلَ عَلَى الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فَلَمْ تَكُنْ دَلَالَتُهَا قَطْعِيَّةً، عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُقَلِّدِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي رَسْمِ الْمُفْتَى، لَكِنْ فِي آخِرِ الْحَاوِي: فَإِنْ خَالَفَا قِيلَ يُخَيَّرُ الْمُفْتِي، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ الْخِلَافُ فِي التَّحْرِيمِ.
ــ
[رد المحتار]
(قَوْلُهُ أَيْ مُدَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثُونَ) تَقْدِيرًا لِمُضَافٍ لَيْسَ لِصِحَّةِ الْحَمْلِ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالزَّمَانِ عَنْ الْمَعْنَى صَحِيحٌ بِلَا تَقْدِيرٍ فَافْهَمْ، بَلْ لِبَيَانِ حَاصِلِ الْمَعْنَى. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَضَرَبَ لَهُمَا مُدَّةً فَكَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهَا كَالْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لِدَيْنَيْنِ عَلَى شَخْصَيْنِ، بِأَنْ قَالَ أَجَّلْت الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ وَالدَّيْنَ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ سَنَةً يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ السَّنَةَ بِكَمَالِهَا لِكُلٍّ (قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ النَّقْصَ) أَيْ عَنْ الثَّلَاثِينَ فِي الْأَوَّلِ: يَعْنِي فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ، أَيْ أَكْثَرِ مُدَّتِهِ قَامَ: أَيْ تَحَقَّقَ وَثَبَتَ (قَوْلُهُ لَا يَبْقَى الْوَلَدُ إلَخْ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ: الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِقَدْرِ فَلْكَةَ مِغْزَلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَوْ بِقَدْرِ ظِلِّ مِغْزَلٍ. وَسَنُخَرِّجُهُ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ. وَفَلْكَةُ الْمِغْزَلِ كَتَمْرَةٍ مَعْرُوفَةٌ مِصْبَاحٌ وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَلَوْ بِدَوْرِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ، وَالْغَرَضُ تَقْلِيلُ الْمُدَّةِ مُغْرِبٌ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا) لِأَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إلَيْهَا فَتْحٌ، أَيْ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ الْمَسْمُوعِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ .
(قَوْلُهُ وَالْآيَةُ مُؤَوَّلَةٌ) أَيْ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ بِمَعْنَى آخَرَ، فَلَمْ تَكُنْ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَجَازَ تَخْصِيصُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (قَوْلُهُ لِتَوْزِيعِهِمْ) أَيْ الْعُلَمَاءِ كَالصَّاحِبَيْنِ وَغَيْرِهِمَا الْأَجَلَ: أَيْ ثَلَاثُونَ شَهْرًا عَلَى الْأَقَلِّ: أَيْ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالْأَكْثَرُ: أَيْ أَكْثَرُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ وَهُوَ سَنَتَانِ، فَالثَّلَاثُونَ بَيَانٌ لِمَجْمُوعِ الْمُدَّتَيْنِ لَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ إلَخْ) تُرَقُّ فِي الْجَوَابِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا أَوْرَدَهُ فِي الْفَتْحِ عَلَى دَلِيلِ الْإِمَامِ الْمَارِّ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ لَفْظِ ثَلَاثِينَ مُسْتَعْمَلًا فِي إطْلَاقِ وَاحِدٍ فِي مَدْلُولِ ثَلَاثِينَ وَفِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ لَا يَتَجَوَّزُ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي الْآخَرِ نَصَّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَعْلَامِ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا. اهـ. وَأَجَابَ الرَّحْمَتِيُّ بِأَنَّ حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ مُبْتَدَآنِ وَثَلَاثُونَ خَبَرٌ عَنْ أَحَدِهِمَا أَيْ الثَّانِي وَحُذِفَ خَبَرُ الْآخَرِ فَأَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَالْآخَرُ فِي مَجَازِهِ فَلَا جَمْعَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ أَطْلَقَ أَشْهُرٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ اهـ. قُلْت: وَفِيهِ أَنَّ الشَّهْرَ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ، فَالْمُنَاسِبُ الْجَوَابُ بِمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ عَشَرَةَ إلَّا اثْنَيْنِ أُرِيدَ بِهِ ثَمَانِيَةٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْفَتْحِ، لَكِنْ هَذَا خَاصٌّ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ (قَوْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي رَسْمِ الْمُفْتِي) الْمُفِيدُ لِذَلِكَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَضْلِ رَسْمِ الْمُفْتَى مِنْ أَوَّلِ فَتَاوَاهُ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ لَا بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُقَلِّدِ إلَخْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ اتِّبَاعِهِ سَوَاءٌ وَافَقَهُ صَاحِبَاهُ أَوْ خَالَفَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ.
(قَوْلُهُ قِيلَ يُخَيَّرُ الْمُفْتِي) أَيْ وَقِيلَ لَا يُخَيَّرُ مُطْلَقًا كَمَا عَلِمْت، فَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ. قَالَ فِي السِّرَاجِيَّةِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُفْتِي مُجْتَهِدًا، وَمُفَادُهُ اخْتِيَارُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَيْ التَّخْيِيرَ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَخْيِيرَ الْمُجْتَهِدِ إنَّمَا هُوَ فِي النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَاوِي وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ لِأَنَّ قُوَّةَ الدَّلِيلِ لَا تَظْهَرُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَذْهَبِ تَأَمَّلْ، وَتَمَامُ تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ أُرْجُوزَتِي فِي رَسْمِ الْمُفْتِي (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ دَلِيلِهِمَا، فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ
стр. 1493
أَمَّا لُزُومُ أَجْرِ الرَّضَاعِ لِلْمُطَلَّقَةِ فَمُقَدَّرٌ بِحَوْلَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ (وَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ) فِي الْمُدَّةِ فَقَطْ وَلَوْ (بَعْدَ الْفِطَامِ وَالِاسْتِغْنَاءِ بِالطَّعَامِ عَلَى) ظَاهِرِ (الْمَذْهَبِ) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَتْحٌ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الْمُصَنَّفِ كَالْبَحْرِ: فَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّ الْفَتْوَى مَتَى اخْتَلَفَتْ رَجَحَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (وَلَمْ يُبَحْ الْإِرْضَاعُ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِأَنَّهُ جَزْءُ آدَمِيٍّ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ عَلَى الصَّحِيحِ شَرْحُ الْوَهْبَانِيَّةِ. وَفِي الْبَحْرِ: لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، أَصْلُهُ بَوْلُ الْمَأْكُولِ كَمَا مَرَّ.
(وَلِلْأَبِ إجْبَارُ أَمَتِهِ عَلَى فِطَامِ وَلَدِهَا مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ الْوَلَدَ (الْفِطَامُ) ، (كَمَا لَهُ) أَيْضًا (إجْبَارُهَا) أَيْ أَمَتِهِ (عَلَى الْإِرْضَاعِ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) يَعْنِي الْإِجْبَارَ
ــ
[رد المحتار]
لَا رَضَاعَ بَعْدَ التَّمَامِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَإِنَّ مَا هُوَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِالتَّرَاضِي وَالتَّشَاوُرِ، وَبَعْدَهُمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لِلْإِمَامِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]- بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُدَّةَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا مَرَّ، فَقَدْ رَجَعَ إلَى الْحَقِّ فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ أَنَّ الثَّلَاثِينَ لَهُمَا لِلْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَالْعَامَانِ لِلْفِصَالِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَمَّا لُزُومُ أَجْرِ الرَّضَاعِ إلَخْ) وَكَذَا وُجُوبُ الْإِرْضَاعِ عَلَى الْأُمِّ دِيَانَةً نَهْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى (قَوْلُهُ فِي الْمُدَّةِ فَقَطْ) أَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ إنْ فُطِمَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَاسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ لَمْ يَكُنْ رَضَاعًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْفَتْوَى إلَخْ) وَلِأَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى الْأَوَّلِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُبَحْ الْإِرْضَاعُ بَعْدَ مُدَّتِهِ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ بَحْرٌ، لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ اسْتَغْنَى فِي حَوْلَيْنِ حَلَّ الْإِرْضَاعُ بَعْدَهُمَا إلَى نِصْفٍ وَلَا تَأْثَمُ عِنْدَ الْعَامَّةِ خِلَافًا لِخَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ اهـ وَنَقَلَ أَيْضًا قَبْلَهُ عَنْ إجَارَةِ الْقَاعِدِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ إلَى الِاسْتِغْنَاءِ، وَمُسْتَحَبٌّ إلَى حَوْلَيْنِ، وَجَائِزٌ إلَى حَوْلَيْنِ وَنِصْفٍ اهـ.
قُلْت: قَدْ يُوَفَّقُ بِحَمْلِ الْمُدَّةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَوْلَيْنِ وَنِصْفٍ بِقَرِينَةِ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ ذَكَرَهُ بَعْدَهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْعَامَّةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي الْبَحْرِ) عِبَارَتُهُ: وَعَلَى هَذَا أَيْ الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِلتَّدَاوِي. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَأَهْلُ الطِّبِّ يُثْبِتُونَ لِلَبَنِ الْبِنْتِ أَيْ الَّذِي نَزَلَ بِسَبَبِ بِنْتٍ مُرْضِعَةٍ نَفْعًا لِوَجَعِ الْعَيْنِ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قِيلَ لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ يَجُوزُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَزُولُ بِهِ الرَّمَدُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ مُتَعَذِّرَةٌ، فَالْمُرَادُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْنَى الْمَنْعِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ لَا يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، أَصْلُهُ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَبُ أَصْلًا. اهـ. (قَوْلُهُ بِالْمُحَرَّمِ) أَيْ الْمُحَرَّمُ اسْتِعْمَالُهُ طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجَسًا ح (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ قُبَيْلَ فَصْلِ الْبِئْرِ حَيْثُ قَالَ: فَرْعٌ اُخْتُلِفَ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ كَمَا فِي إرْضَاعٍ الْبَحْرِ، لَكِنْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ ثَمَّةَ وَهُنَا عَنْ الْحَاوِي: وَقِيلَ يُرَخَّصُ إذَا عَلِمَ فِيهِ الشِّفَاءَ وَلَمْ يَعْلَمْ دَوَاءً آخَرَ كَمَا خُصَّ الْخَمْرُ لِلْعَطْشَانِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. ح
قُلْت: لَفْظُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْمِنَحِ بَعْدَ الْقَوْلِ الثَّانِي كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ كَمَا عَلِمْته، وَكَذَا رَأَيْته فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا فِي نُسْخَةِ ط تَحْرِيفٌ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَلِلْأَبِ إجْبَارُ أَمَتِهِ إلَخْ) لِأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا فِي التَّرْبِيَةِ فِي حَالِ رِقِّهَا. بَلْ الْحَقُّ لَهُ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ رَحْمَتِيٌّ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِلْمَوْلَى إجْبَارَهَا أَيْضًا وَإِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ حُرِّيَّةَ الْأَوْلَادِ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يُهْزِلُهَا وَيَشْغَلُهَا عَنْ خِدْمَتِهِ (قَوْلُهُ عَلَى الْإِرْضَاعِ) الْإِطْلَاقُ شَامِلٌ لِوَلَدِهِ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَلِوَلَدِ أَجْنَبِيٍّ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِدُونِهَا لِأَنَّ لَهُ
стр. 1494
بِنَوْعَيْهِ (مَعَ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ) وَلَوْ (قَبْلَهُمَا) لِأَنَّ حَقَّ التَّرْبِيَةِ لَهَا جَوْهَرَةٌ
(وَيَثْبُتُ بِهِ) وَلَوْ بَيْنَ الْحَرْبِيِّينَ بَزَّازِيَّةٌ (وَإِنْ قَلَّ) إنْ عُلِمَ وُصُولُهُ لِجَوْفِهِ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ لَا غَيْرُ، فَلَوْ الْتَقَمَ الْحَلَمَةَ وَلَمْ يُدْرَ أَدَخَلَ اللَّبَنُ فِي حَلْقِهِ أَمْ لَا لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ فِي الْمَانِعِ شَكًّا وَلْوَالَجِيَّةٌ.
ــ
[رد المحتار]
اسْتِخْدَامَهَا بِمَا أَرَادَ (قَوْلُهُ بِنَوْعَيْهِ) أَيْ الْإِجْبَارِ عَلَى الْفِطَامِ وَعَلَى الْإِرْضَاعِ (قَوْلُهُ مَعَ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ) أَمَّا زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ فَالْحَقُّ لِسَيِّدِهَا وَإِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ حُرِّيَّةَ الْأَوْلَادِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَبْلَهُمَا) أَيْ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، وَهَذَا التَّعْمِيمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ زِيَادَةِ " لَوْ " صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّضَاعِ: أَيْ لَيْسَ لَهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ لِذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ بِأَنْ لَمْ يَأْخُذْ ثَدْيَ غَيْرِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَلَا لِلصَّغِيرِ مَالٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَضَانَةِ وَالنَّفَقَةِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْعِ الْآخَرِ وَهُوَ عَدَمُ الْإِجْبَارِ عَلَى الْفِطَامِ فَإِنَّمَا يَصِحُّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، وَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْبِرُهَا عَلَى الْفِطَامِ، لِمَا أَنَّ الْإِرْضَاعَ بَعْدَهُمَا حَرَامٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مُدَّتَهُ الْحَوْلَانِ تَأَمَّلْ ح بِزِيَادَةٍ.
قُلْت: وَمَا اسْتَظْهَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِيهِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ بَيْنَ الْحَرْبِيِّينَ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالرَّضَاعُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارُ الْحَرْبِ سَوَاءٌ، حَتَّى إذَا رَضَعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَسْلَمُوا وَخَرَجُوا إلَى دَارِنَا تَثْبُتُ أَحْكَامُ الرَّضَاعِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. اهـ. ح (قَوْلُهُ وَإِنْ قَلَّ) أَشَارَ بِهِ إلَى نَفْيِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مُشْبِعَاتٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» وَقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّقْدِيرَ مَنْسُوخٌ صَرَّحَ بِنَسْخِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قِيلَ: لَهُ إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِالرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ، فَقَالَ قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قَضَائِهِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] فَهَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ رَدًّا لِلرِّوَايَةِ بِنَسْخِهَا أَوْ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا أَوْ لِعَدَمِ إجَازَتِهِ تَقْيِيدَ إطْلَاقِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ إنَّهُ مَرْدُودٌ بِالْكِتَابِ أَوْ مَنْسُوخٌ بِهِ. وَأَمَّا مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ فَالْمُرَادُ بِهِ نَسْخُ الْكُلِّ نَسْخًا قَرِيبًا، حَتَّى إنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا وَإِلَّا لَزِمَ ضَيَاعُ بَعْضِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقُولُهُ الرَّوَافِضُ، وَمَا قِيلَ لَيُكْرَهُ نَسْخُ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ ادِّعَاءَ بَقَاءِ حُكْمِهِ بَعْدَ نَسْخِهِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، وَتَمَامُ ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ وَغَيْرِهِمَا.
[تَنْبِيهٌ]
نَقَلَ ط عَنْ الْخَيْرِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ قَضَى الشَّافِعِيُّ بِعَدَمِ الْحُرْمَةِ بِرَضْعَةٍ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَإِذَا رُفِعَ إلَى حَنَفِيٍّ أَمْضَاهُ اهـ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَا غَيْرُ) يَأْتِي مُحْتَرَزُهُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالِاحْتِقَانُ وَالْإِقْطَارُ فِي أُذُنٍ وَجَائِفَةٍ وَآمَّةٍ (قَوْلُهُ فَلَوْ الْتَقَمَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ إنْ عَلِمَ. وَفِي الْقُنْيَةِ: امْرَأَةٌ كَانَتْ تُعْطِي ثَدْيَهَا صَبِيَّةً وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ تَقُولُ لَمْ يَكُنْ فِي ثَدْيِي لَبَنٌ حِينَ أَلْقَمْتهَا ثَدْيٍ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا جَازَ لِابْنِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَذِهِ الصَّبِيَّةِ. اهـ. ط. وَفِي الْفَتْحِ: لَوْ أَدْخَلَتْ الْحَلَمَةَ فِي فِي الصَّبِيِّ وَشَكَّتْ فِي الِارْتِضَاعِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالشَّكِّ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْوَاجِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ لَا يُرْضِعْنَ كُلَّ صَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِذَا أَرْضَعْنَ فَلْيَحْفَظْنَ ذَلِكَ وَلْيُشْهِرْنَهُ وَيَكْتُبْنَهُ احْتِيَاطًا اهـ
стр. 1495
وَلَوْ أَرْضَعَهَا أَكْثَرُ أَهْلِ قَرْيَةٍ ثُمَّ لَمْ يُدْرَ مَنْ أَرْضَعَهَا فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ تَزَوُّجَهَا، إنْ لَمْ تَظْهَرْ عَلَامَةٌ وَلَمْ يُشْهَدْ بِذَلِكَ جَازَ خَانِيَّةٌ (أُمُومِيَّةُ الْمُرْضِعَةِ لِلرَّضِيعِ، وَ) يَثْبُتُ (أُبُوَّةُ زَوْجِ مُرْضِعَةٍ) إذَا كَانَ (لَبَنُهَا مِنْهُ) (لَهُ) وَإِلَّا لَا كَمَا سَيَجِيءُ.
(فَيَحْرُمُ مِنْهُ) أَيْ بِسَبَبِهِ (مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صُورَةً وَجَمَعَهَا فِي قَوْلِهِ:
يُفَارِقُ النَّسَبُ الْإِرْضَاعَ فِي صُوَرٍ ... كَأُمِّ نَافِلَةٍ أَوْ جَدَّةِ الْوَلَدِ
ــ
[رد المحتار]
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُرْضِعَ صَبِيًّا بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا إلَّا إذَا خَافَتْ هَلَاكَهُ (قَوْلُهُ ثُمَّ لَمْ يَدْرِ) أَيْ لَمْ يَدْرِ مَنْ أَرْضَعَهَا مِنْهُمْ فَلَا بُدَّ أَنْ تُعْلِمَ الْمُرْضِعَةُ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ تَظْهَرْ عَلَامَةٌ) لَمْ أَرَ مَنْ فَسَّرَهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ تُمَثَّلَ بِتَرَدُّدِ الْمَرْأَةِ ذَاتِ اللَّبَنِ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي فِيهِ الصَّبِيَّةُ أَوْ كَوْنُهَا سَاكِنَةً فِيهِ فَإِنَّهُ أَمَارَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى الْإِرْضَاعِ ط (قَوْلُهُ وَلَمْ يُشْهَدْ بِذَلِكَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ نَائِبُ الْفَاعِلِ (قَوْلُهُ جَازَ) هَذَا مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ كَيْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ النِّكَاحِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَارِجَةٌ عَنْ قَاعِدَةِ: الْأَصْلُ فِي الْإِرْضَاعِ التَّحْرِيمُ، وَمِثْلُهَا مَا لَوْ اخْتَلَطَتْ الرَّضِيعَةُ بِنِسَاءٍ يُحْصَرْنَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِهَا لِأَنَّ سَبَبَ الْحُرْمَةِ غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ فِيهَا؛ كَذَا أَفَادَهُ فِي الْأَشْبَاهِ (قَوْلُهُ أُمُومِيَّةُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ يَثْبُتُ.
قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَالْأُمُومَةُ مَصْدَرٌ هُوَ كَوْنُ الشَّخْصِ أُمًّا. اهـ. (قَوْلُهُ وَأُبُوَّةُ زَوْجِ مُرْضِعَةٍ لَبَنُهَا مِنْهُ) الْمُرَادُ بِهِ اللَّبَنُ الَّذِي نَزَلَ مِنْهَا بِسَبَبِ وِلَادَتِهَا مِنْ رَجُلٍ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ فَلَيْسَ الزَّوْجُ قَيْدًا بَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ بَحْرٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ اللَّبَنُ مِنْ زِنًا فَفِيهِ خِلَافٌ سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ؛ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ (قَوْلُهُ لَهُ) أَيْ لِلرَّضِيعِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأُبُوَّةِ ح أَيْ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مَعْنَاهُ كَوْنُهُ أَبًا ط (قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ طَلَّقَ ذَاتَ لَبَنٍ ح
(قَوْلُهُ أَيْ بِسَبَبِهِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى بَاءِ السَّبَبِيَّةِ ط (قَوْلُهُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْحُرْمَةَ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ مُعْتَبَرَةٌ بِحُرْمَةِ النَّسَبِ، فَشَمِلَ زَوْجَةَ الِابْنِ وَالْأَبِ مِنْ الرَّضَاعِ لِأَنَّهَا حَرَامٌ بِسَبَبِ النَّسَبِ فَكَذَا بِسَبَبِ الرَّضَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ بَحْرٌ.
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ فِي الْفَتْحِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى تَحْرِيمِهَا بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِسَبَبِ الصِّهْرِيَّةِ لَا النَّسَبِ " وَمُحَرَّمَاتُ النَّسَبِ هِيَ السَّبْعُ الْمَذْكُورَةُ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ، بَلْ قَيْدُ الْأَصْلَابِ فِيهَا يُخْرِجُ حَلِيلَةَ الْأَبِ وَالِابْنِ مِنْ الرَّضَاعِ فَيُفِيدُ حِلَّهَا وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ، لَكِنْ فِيهِ تَغْيِيرٌ اقْتَضَاهُ تَرْكِيبُ الْمَتْنِ وَهُوَ زِيَادَةُ الْفَاءِ وَوَضْعُ الْمُضْمَرِ مَوْضِعَ الظَّاهِرِ، وَأَصْلُهُ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ح وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ، عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقْصِدْ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ ط (قَوْلُهُ يُفَارِقُ النَّسَبَ الْإِرْضَاعُ) بِنَصْبِ النَّسَبِ وَرَفْعِ الْإِرْضَاعِ ح وَلَعَلَّهُ إنَّمَا نُسِبَتْ إلَيْهِ الْمُفَارَقَةُ وَإِنْ كَانَ مُفَاعَلَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّهُ الْفَرْعُ وَالنَّسَبُ هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَبَرُ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْمُفَارَقَةُ غَالِبًا تَكُونُ مِنْ الْعَارِضِ ط (قَوْلُهُ فِي صُوَرٍ) أَيْ سَبْعٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الرَّضَاعِ بِالْمُضَافِ أَوْ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَوْ بِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي إيضَاحُهُ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَيْتَيْنِ سِتُّ صُوَرٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَأُمُّ أَخٍ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَأُمُّ أُخْتٍ إذْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أُخْتَ الْبِنْتِ مِثْلُ أُخْتِ الِابْنِ وَأُمَّ الْخَالَةِ مِثْلُ أُمِّ الْخَالِ، وَقِسْ عَلَيْهِ ح.
(قَوْلُهُ كَأُمٍّ نَافِلَةٍ) أَشَارَ بِالْكَافِ إلَى عَدَمِ الْحَصْرِ فِي ذَلِكَ؛ لِمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّ الْمُحَرَّمَ فِي الرَّضَاعِ وُجُودُ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمِ فِي النَّسَبِ، فَإِذَا انْتَفَى فِي شَيْءٍ مِنْ صُوَرِ الرَّضَاعِ انْتَفَتْ الْحُرْمَةُ، فَيُسْتَفَادُ أَنَّهُ لَا حَصْرَ فِيمَا ذُكِرَ اهـ فَافْهَمْ. وَالنَّافِلَةُ الزِّيَادَةُ تُطْلَقُ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الْوَلَدِ الصُّلْبِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ تَتَفَرَّعُ إلَى ثَلَاثِ صُوَرٍ، فَوَلَدُ وَلَدِك إذَا كَانَ نَسَبِيًّا وَلَهُ أُمٌّ مِنْ الرَّضَاعِ تَحِلُّ لَك، بِخِلَافِ أُمِّهِ مِنْ النَّسَبِ لِأَنَّهَا حَلِيلَةُ ابْنِك، وَإِنْ كَانَ رَضَاعِيًّا بِأَنْ رَضَعَ مِنْ زَوْجَةِ ابْنِك وَلِهَذَا الرَّضِيعُ أُمٌّ نَسَبِيَّةٌ أَوْ رَضَاعِيَّةٌ أُخْرَى تَحِلُّ لَك (قَوْلُهُ أَوْ جَدَّةُ الْوَلَدِ) صَادِقٌ بِأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ رَضَاعِيًّا بِأَنْ رَضَعَ مِنْ
стр. 1496
وَأُمِّ أُخْتٍ وَأُخْتِ ابْنٍ وَأُمِّ أَخٍ ... وَأُمِّ خَالٍ وَعَمَّةِ ابْنٍ اعْتَمِدْ
(إلَّا أُمَّ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ حُرْمَةَ مَنْ ذُكِرَ بِالْمُصَاهَرَةِ لَا بِالنَّسَبِ فَلَمْ يَكُنْ الْحَدِيثُ مَتْنًا وَلَا لَمَا اسْتَثْنَاهُ الْفُقَهَاءُ فَلَا تَخْصِيصَ بِالْعَقْلِ كَمَا قِيلَ، فَإِنَّ حُرْمَةَ أُمِّ أُخْتِهِ وَأَخِيهِ نَسَبًا لِكَوْنِهَا أُمَّهُ أَوْ مَوْطُوءَةَ أَبِيهِ
ــ
[رد المحتار]
زَوْجَتِكَ وَلَهُ جَدَّةٌ نَسَبِيَّةٌ أَوْ جَدَّةٌ أُمِّ أُمٍّ أُخْرَى أَرْضَعَتْهُ، وَبِأَنْ يَكُونَ نَسَبِيًّا لَهُ جَدَّةٌ رَضَاعِيَّةٌ، بِخِلَافِ النَّسَبِيَّةِ فَلَا تَحِلُّ لَك لِأَنَّهَا أُمُّك أَوْ أُمُّ زَوْجَتِك.
وَاحْتَرَزَ بِجَدَّةِ الْوَلَدِ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهَا حَلَالٌ مِنْ النَّسَبِ وَكَذَا مِنْ الرَّضَاعِ (قَوْلُهُ وَأُمُّ أُخْتٍ) صَادِقٌ بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ الرَّضَاعِ كَأَنْ يَكُونَ لَك أُخْتٌ مِنْ الرَّضَاعِ لَهَا أُمٌّ أُخْرَى مِنْ الرَّضَاعِ أَرْضَعَتْهَا وَحْدَهَا، وَبِأَنْ تَكُونَ الْأُخْتُ فَقَطْ مِنْ الرَّضَاعِ لَهَا أُمٌّ نَسَبِيَّةٌ، وَبِأَنْ تَكُونَ الْأُمُّ فَقَطْ مِنْ الرَّضَاعِ كَأَنْ تَكُونَ لَك أُخْتٌ نَسَبِيَّةٌ لَهَا أُمٌّ رَضَاعِيَّةٌ، بِخِلَافِ النَّسَبِيَّةِ لِأَنَّهَا إمَّا أُمُّك أَوْ حَلِيلَةُ أَبِيك (قَوْلُهُ وَأُخْتُ ابْنٍ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا رَضَاعِيٌّ أَوْ الْأَوَّلُ رَضَاعِيٌّ وَالثَّانِي نَسَبِيٌّ أَوْ الْعَكْسُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَسَبِيًّا، فَلَا تَحِلُّ أُخْتُ الِابْنِ لِأَنَّهَا إمَّا بِنْتُك أَوْ رَبِيبَتُك، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ مَا إذَا رَضَعَ وَلَدُك مِنْ أُمِّ أُمِّهِ فَإِنَّ أُمَّهُ لَا تَحْرُمُ عَلَيْك لِكَوْنِهَا أُخْتِ ابْنِك رَضَاعًا أَفَادَهُ الرَّمْلِيُّ ط وَأُخْتُ الْبِنْتِ كَأُخْتِ الِابْنِ. وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ الْحِلُّ فِي أُخْتِ ابْنِهِ وَبِنْتِهِ نَسَبًا بِأَنْ يَدَّعِيَ شَرِيكَانِ فِي أَمَةٍ وَلَدَهَا، فَإِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ مِنْ غَيْرِ الْأَمَةِ حَلَّ لِشَرِيكِهِ التَّزَوُّجُ بِهَا وَهِيَ أُخْتُ وَلَدِهِ نَسَبًا مِنْ الْأَبِ. وَأَلْغَزَ بِهَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ، وَأَجَابَ عَنْهَا شُرُنْبُلَالِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ وَأُمُّ أَخٍ) الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي أُمِّ الْأُخْتِ، وَفِيهِ مَا مَرَّ عَنْ ح (قَوْلُهُ وَأُمُّ خَالٍ) فِيهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ، أَمَّا إذَا كَانَا نَسَبِيَّيْنِ فَلَا تَحِلُّ، لِأَنَّ أُمَّ خَالِك مِنْ النَّسَبِ جَدَّتُك أَوْ مَنْكُوحَةُ جَدِّك (قَوْلُهُ وَعَمَّةُ ابْنٍ) فِيهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا رَضَاعِيًّا كَأَنْ رَضَعَ صَبِيٌّ مِنْ زَوْجَتِك وَرَضَعَ أَيْضًا مِنْ زَوْجَةِ رَجُلٍ آخَرَ لَهُ أُخْتٌ فَهَذِهِ الْأُخْتُ عَمَّةُ ابْنِك مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ الْأَوَّلُ رَضَاعِيًّا فَقَطْ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّضِيعُ ابْنَك مِنْ النَّسَبِ أَوْ الثَّانِي فَقَطْ بِأَنْ يَكُونَ ابْنُك مِنْ الرَّضَاعِ لَهُ عَمَّةٌ مِنْ النَّسَبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ النَّسَبِ فَإِنَّ الْعَمَّةَ لَا تَحِلُّ لَك لِأَنَّهَا أُخْتُك.
(قَوْلُهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْبَيْضَاوِيِّ: إنَّ اسْتِثْنَاءَ أُخْتِ ابْنِهِ وَأُمِّ أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ حُرْمَتَهُمَا فِي النَّسَبِ بِالْمُصَاهَرَةِ دُونَ النَّسَبِ اهـ فَعَدَمُ الصِّحَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا. وَفِيهِ جَوَابٌ أَيْضًا عَنْ قَوْلِهِ فِي الْغَايَةِ إنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لِلْحَدِيثِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ. وَبَيَانُ الْجَوَابِ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ: إنَّ هَذَا سَهْوٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ يُوجِبُ عُمُومَ الْحُرْمَةِ لِأَجْلِ الرَّضَاعِ حَيْثُ وُجِدَتْ الْحُرْمَةُ لِأَجْلِ النَّسَبِ وَحُرْمَةُ أُمِّ أَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ لَا لِأَجْلِ أَنَّهَا أُمُّ أَخِيهِ بَلْ لِكَوْنِهَا أُمَّهُ أَوْ مَوْطُوءَةَ أَبِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخٌ، وَكَذَا أُخْتُ ابْنِهِ مِنْ النَّسَبِ إنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَجْلِ أَنَّهَا بِنْتُهُ أَوْ بِنْتُ امْرَأَتِهِ بِدَلِيلِ حُرْمَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ الْحُرْمَةَ فِي الرَّضَاعِ أَيْضًا حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ وَلَا مَوْطُوءَةِ أَبِيهِ وَلَا بِنْتِ امْرَأَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ فَبَطَلَ دَعْوَى التَّخْصِيصِ اهـ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْحَدِيثِ لَهُ.
هَذَا، وَقَدْ اعْتَرَضَ ح قَوْلُ الشَّارِحِ تَبَعًا لِلْبَيْضَاوِيِّ إنَّ حُرْمَةَ مَنْ ذُكِرَ بِالْمُصَاهَرَةِ بِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُصَاهَرَةَ لَا تُتَصَوَّرُ فِي عَمَّةِ وَلَدِهِ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ الشَّقِيقَةُ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَكَذَا فِي بِنْتِ عَمَّةِ وَلَدِهِ لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ الشَّقِيقَةِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ. الثَّانِي أَنَّ الْمُصَاهَرَةَ فِي الصُّوَرِ السَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ. وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْآخَرِ أَوْ التَّقْدِيرَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَالْحُرْمَةُ بِالنَّسَبِ لَا بِالْمُصَاهَرَةِ.
стр. 1497
وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الرَّضَاعِ.
(وَ) قِسْ عَلَيْهِ (أُخْتَ ابْنِهِ) وَبِنْتِهِ (وَجَدَّةَ ابْنِهِ) وَبِنْتِهِ (وَأُمَّ عَمِّهِ وَعَمَّتِهِ وَأُمَّ خَالِهِ
ــ
[رد المحتار]
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَّ أَخِيك إنَّمَا تَكُونُ حُرْمَتُهَا بِالْمُصَاهَرَةِ إذَا كَانَ الْأَخُ أَخًا لِأَبٍ، فَإِنَّ أُمَّهُ حِينَئِذٍ امْرَأَةُ أَبِيك، بِخِلَافِ الْأَخِ الشَّقِيقِ أَوْ لِأُمٍّ فَإِنَّ حُرْمَةَ أُمِّهِ بِالنَّسَبِ لِأَنَّهَا أُمُّك وَحُرْمَةَ أُخْتِ ابْنِك النَّسَبِيِّ إنَّمَا تَكُونُ بِالْمُصَاهَرَةِ إنْ كَانَتْ أُخْتُ الِابْنِ لِأُمِّهِ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُك بِخِلَافِهَا شَقِيقَةٌ أَوْ لِأَبٍ فَإِنَّهَا بِنْتُك وَحُرْمَةُ جَدَّةِ ابْنِك إنَّمَا تَكُونُ بِالْمُصَاهَرَةِ إذَا كَانَتْ أُمَّ أُمِّهِ لِأَنَّهَا أُمُّ امْرَأَتِك، بِخِلَافِهَا أُمُّ أَبِيهِ لِأَنَّهَا أُمُّك، وَحُرْمَةُ أُمِّ عَمِّك إنَّمَا تَكُونُ بِالْمُصَاهَرَةِ لَوْ الْعَمُّ لِأَبٍ بِخِلَافِهِ لَوْ شَقِيقًا أَوْ لِأُمٍّ لِأَنَّهَا جَدَّتُك، وَمِثْلُ أُمِّ الْعَمِّ أُمُّ الْخَالِ، وَحُرْمَةُ بِنْتِ أُخْتِ وَلَدِك إنَّمَا تَكُونُ بِالْمُصَاهَرَةِ لَوْ كَانَتْ الْأُخْتُ لِأُمٍّ لِأَنَّهَا تَكُونُ بِنْتَ رَبِيبَتِك، بِخِلَافِهَا شَقِيقَةٌ أَوْ لِأَبٍ لِأَنَّهَا بِنْتُ بِنْتِك، وَحُرْمَةُ أُمِّ وَلَدِ وَلَدِك إنَّمَا تَكُونُ بِالْمُصَاهَرَةِ إذَا كَانَتْ أُمَّ ابْنِ ابْنِك لِأَنَّهَا حَلِيلَةُ ابْنِك، بِخِلَافِ أُمِّ بِنْتِ بِنْتِك فَإِنَّهَا بِنْتُك.
فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ التَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ حُرْمَةَ أُمِّ أُخْتِهِ إلَخْ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. اهـ. أَقُولُ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ إنَّ حُرْمَةَ مَنْ ذُكِرَ بِالْمُصَاهَرَةِ الْمُرَادُ بِمَنْ ذُكِرَ هُوَ أُمُّ أَخِيهِ وَأُخْتُهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ دُونَ بَقِيَّةِ الصُّوَرِ الْآتِيَةِ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَهُ تَعْلِيلًا آخَرَ شَامِلًا لِلْجَمِيعِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنَّ حُرْمَةَ أُمِّ أُخْتِهِ وَأَخِيهِ إلَخْ مَعَ قَوْلِهِ وَقِسْ عَلَيْهِ أُخْتَ ابْنِهِ إلَخْ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ. وَعَنْ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ إنَّ الْمُصَاهَرَةَ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ يَحْرُمُ نَظِيرُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، فَيُقَالُ: تَحْرُمُ الْأُمُّ نَسَبًا فَكَذَا تَحْرُمُ الْأُمُّ رَضَاعًا، وَتَحْرُمُ الْبِنْتُ نَسَبًا فَكَذَا تَحْرُمُ الْبِنْتُ رَضَاعًا، وَهَكَذَا إلَى آخِرِ الْمُحَرَّمَاتِ النَّسَبِيَّةِ، فَأُمُّ أَخِيك الشَّقِيقِ أَوْ لِأُمٍّ إنَّمَا تَحْرُمُ لِكَوْنِهَا أُمَّك لَا لِكَوْنِهَا أُمَّ أَخِيك وَلِذَا تَحْرُمُ عَلَيْك وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَك أَخٌ مِنْهَا، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ تَحْرُمُ أُمُّ الْأَخِ الشَّقِيقِ أَوْ لِأُمٍّ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِمْ تَحْرُمُ الْأُمُّ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أُمُّ الْأَخِ لِأَبٍ فَقَطْ وَلِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ أُمَّ الْأَخِ لِأَبٍ إنَّمَا حُرِّمَتْ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا رَتَّبَ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّسَبِ لَا عَلَى حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ. أَجَابَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَكَذَا يُقَالُ أُخْتُ الِابْنِ إذَا كَانَتْ شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ إنَّمَا تَحْرُمُ لِكَوْنِهَا بِنْتَك، وَقَدْ عُلِمَ تَحْرِيمُ الْبِنْتِ مِنْ النَّسَبِ فَيُرَادُ بِهَا الْأُخْتُ لِأُمٍّ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُك، فَلَمْ تَعْلَمْ حُرْمَتَهَا مِنْ مُحَرَّمَاتِ النَّسَبِ فَلَمْ تَكُنْ تَكْرَارًا لَكِنْ لَمَّا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ كَانَ اسْتِثْنَاؤُهَا مُنْقَطِعًا، وَهَكَذَا يُقَالُ فِي الْبَوَاقِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا رَتَّبَ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّسَبِ وَكَانَ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ مِنْ نَظَائِرِ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ قَدْ يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ عَلَى تَقْدِيرٍ وَمِنْ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى تَقْدِيرٍ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ التَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّكْرَارُ بِلَا فَائِدَةٍ، فَتَعَيَّنَ إرَادَةُ التَّقْدِيرِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ مُنْقَطِعًا دَفْعًا لِلتَّكْرَارِ وَتَنْبِيهًا عَلَى بَيَانِ مَا يَحِلُّ لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ، هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِهِمْ بِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الرَّضَاعِ) لِأَنَّ أُمَّ أُخْتِهِ وَأَخِيهِ رَضَاعًا لَيْسَتْ أُمَّهُ وَلَا مَوْطُوءَةَ أَبِيهِ (قَوْلُهُ وَقِسْ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ قِسْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَعْنَى أُخْتَ ابْنِهِ وَبِنْتَه إلَخْ بِأَنْ تَقُولَ: إنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُ ابْنِهِ وَبِنْتُهُ نَسَبًا لِكَوْنِهَا بِنْتَه أَوْ بِنْتَ امْرَأَتِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الرَّضَاعِ، وَكَذَا جَدَّةُ ابْنِهِ وَبِنْتِهِ نَسَبًا إنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا أُمَّهُ أَوْ أُمَّ امْرَأَتِهِ وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الرَّضَاعِ وَهَكَذَا الْبَوَاقِي. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُلِمَ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ حُرْمَةَ أُمِّ أُخْتِهِ إلَخْ جَازَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، لَكِنْ لِكُلِّ صُورَةٍ عِبَارَةٌ تَلِيقُ بِهَا فَلِذَا قَالَ وَقِسْ عَلَيْهِ إلَخْ وَأَنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِ رَاجِعٌ إلَيْهِ لَا إلَى أُمِّ أُخْتِهِ وَأَخِيهِ، حَتَّى يَرِدَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى
стр. 1498
وَخَالَتِهِ، وَكَذَا عَمَّةُ وَلَدِهِ وَبِنْتُ عَمَّتِهِ وَبِنْتُ أُخْتِ وَلَدِهِ وَأُمُّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ) فَهَؤُلَاءِ مِنْ الرَّضَاعِ حَلَالٌ لِلرَّجُلِ وَكَذَا أَخُو ابْنِ الْمَرْأَةِ لَهَا، فَهَذِهِ عَشْرُ صُوَرٍ تَصِلُ بِاعْتِبَارِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ إلَى عِشْرِينَ، وَبِاعْتِبَارِ مَا يَحِلُّ لَهُ أَوْ لَهَا إلَى أَرْبَعِينَ مَثَلًا يَجُوزُ تَزَوُّجُهُ بِأُمِّ أَخِيهِ وَتَزَوُّجُهَا بِأَبِي أَخِيهَا، وَكُلٌّ مِنْهَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ
ــ
[رد المحتار]
لِجَعْلِ الْبَعْضِ مَقِيسًا وَالْبَعْضِ مَقِيسًا عَلَيْهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَكَذَا عَمَّةُ وَلَدِهِ) لَمْ يَذْكُرُوا خَالَةَ وَلَدِهِ لِأَنَّهَا حَلَالٌ مِنْ النَّسَبِ أَيْضًا لِأَنَّهَا أُخْتُ زَوْجَتِهِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَبِنْتُ عَمَّتِهِ) أَيْ عَمَّةِ وَلَدِهِ وَتَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ، وَأَمَّا بِنْتُ عَمَّةِ نَفْسِهِ فَإِنَّهَا حَلَالٌ نَسَبًا وَرَضَاعًا ط.
(قَوْلُهُ وَبِنْتُ أُخْتِ وَلَدِهِ) وَتَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ لِأَنَّهَا بِنْتُ بِنْتِهِ أَوْ بِنْتُ رَبِيبَتِهِ ط (قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسْتَثْنَى فِي قَوْلِهِ إلَّا أُمَّ أُخْتِهِ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ شَيْئًا مِنْ النِّسْوَةِ الْمَذْكُورَاتِ لَا يَحْرُمُ لِلرَّجُلِ إذَا كَانَتْ مِنْ الرَّضَاعِ. اهـ. ح عَنْ الْمِنَحِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمَتْنِ وَإِلَّا فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الشَّارِحِ حَلَالٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا أَخُو ابْنِ الْمَرْأَةِ لَهَا) فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْعَاشِرَةِ نَظَرٌ، فَإِنَّهَا مِنْ مُقَابَلَاتِ التِّسْعَةِ لَا قِسْمٌ مُبَايِنٌ لِلتِّسْعَةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ) أَيْ فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ، فَتَصِيرُ مَعَ الذُّكُورَةِ أُمَّ أَخِيهِ وَأُخْتَ ابْنِهِ وَجَدَّةَ ابْنِهِ وَأُمَّ عَمِّهِ وَأُمَّ خَالِهِ وَعَمَّةَ ابْنِهِ وَبِنْتَ عَمَّةِ ابْنِهِ وَبِنْتَ أُخْتِ ابْنِهِ وَأُمَّ وَلَدِ ابْنِهِ، وَمَعَ الْأُنُوثَةِ أُمَّ أُخْتِهِ وَأُخْتَ بِنْتِهِ وَجَدَّةَ بِنْتِهِ وَأُمَّ عَمَّتِهِ وَأُمَّ خَالَتِهِ وَعَمَّةَ بِنْتِهِ وَبِنْتَ عَمَّةِ بِنْتِهِ وَبِنْتَ أُخْتِ بِنْتِهِ وَأُمَّ وَلَدِ بِنْتِهِ. اهـ. ح فَهَذِهِ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ، وَعَدَّهَا عِشْرِينَ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاشِرَةِ الْمُكَرَّرَةِ.
(قَوْلُهُ وَبِاعْتِبَارِ مَا يَحِلُّ لَهُ) أَيْ إذَا نَسَبَ الْحِلَّ لِلرَّجُلِ، بِأَنْ يُقَالَ: تَحِلُّ لَهُ أُمُّ أَخِيهِ وَأُخْتُ ابْنِهِ إلَى آخِرِ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ أَوَّلُهَا) أَيْ إذَا نَسَبَ الْحِلَّ لَهَا، بِأَنْ يُقَالَ: يَحِلُّ لَهَا أَبُو أَخِيهَا وَأَخُو ابْنِهَا وَجَدُّ ابْنِهَا وَأَبُو عَمِّهَا وَأَبُو خَالِهَا وَخَالِ وَلَدِهَا وَابْنُ خَالَةِ وَلَدِهَا وَابْنُ أُخْتِ وَلَدِهَا وَابْنُ وَلَدِ وَلَدِهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَخَالُ وَلَدِهَا وَابْنُ خَالَةِ وَلَدِهَا، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ نَقُولَ وَعَمُّ وَلَدِهَا وَابْنُ عَمَّةِ وَلَدِهَا لِأَنَّهُمَا لَا يَحْرُمَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ النَّسَبِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ أَفَادَهُ ح. وَأَفَادَ ط أَنَّهُ يُمْكِنُ تَقْرِيرُ الْمُقَامِ بِحِلٍّ آخَرَ، فَيُقَالُ فِي مُقَابَلَةِ تَزَوُّجِهِ أُمَّ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ تَزَوَّجَهَا أَخَا ابْنِهَا وَبِنْتِهَا، وَفِي أُخْتِ ابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ أَبُو أَخِيهَا أَوْ أُخْتِهَا، وَفِي جَدَّةِ ابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ جَدُّ ابْنِهَا أَوْ بِنْتِهَا، وَفِي أُمِّ عَمِّهِ ابْنُ أَخِي ابْنِهَا، وَفِي أُمِّ عَمَّتِهِ ابْنُ أَخِي بِنْتِهَا، وَفِي أُمِّ خَالِهِ ابْنُ أُخْتِ ابْنِهَا، وَفِي أُمِّ خَالَتِهِ ابْنُ أُخْتِ بِنْتِهَا وَفِي عَمَّةِ وَلَدِهِ عَمُّ وَلَدِهَا، وَفِي بِنْتِ عَمَّةِ وَلَدِهِ خَالُهَا، وَفِي مُقَابَلَةِ تَزَوُّجِهَا بِأَخِي ابْنِهَا تَزَوُّجُهُ بِأُمِّ أَخِيهِ وَهِيَ الْمُكَرَّرَةُ اهـ لَكِنْ الصَّوَابُ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ أَنْ يُقَالَ: وَفِي عَمَّةِ وَلَدِهِ أَبُو ابْنِ أَخِيهَا، وَفِي بِنْتِ عَمَّةِ وَلَدِهِ أَبُو ابْنِ خَالِهَا فَافْهَمْ. وَاَلَّذِي قَرَّرَهُ ح هُوَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ الْأَوْفَقُ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَتَزَوُّجُهَا بِأَبِي أَخِيهَا.
وَحَاصِلُهُ أَنْ تُبَدِّلَ الْمُضَافَ الْأَوَّلَ الْمُؤَنَّثَ بِمُذَكَّرٍ مُقَابِلٍ لَهُ وَتُبَدِّلَ الضَّمِيرَ الْمُذَكَّرَ بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ، فَتُبَدِّلَ الْأُمَّ بِالْأَبِ وَالْأُخْتَ بِالْأَخِ وَالْجَدَّةَ بِالْجَدِّ وَهَكَذَا وَتُذَكِّرَ الضَّمِيرَ، فَتَقُولَ فِي أُمِّ أَخِيهِ أَبُو أَخِيهَا، وَفِي أُخْتِ ابْنِهِ أَخُو ابْنِهَا وَفِي جَدَّةِ ابْنِهِ جَدَّ ابْنِهَا إلَخْ. وَحَاصِلُ التَّقْرِيرِ الثَّانِي أَنْ تَنْظُرَ إلَى كُلِّ صُورَةٍ، وَتَنْظُرَ إلَى نِسْبَةِ الْمَرْأَةِ فِيهَا إلَى الزَّوْجِ فَتُسَمِّيَهَا بِاسْمِ تِلْكَ النِّسْبَةِ؛ مَثَلًا إذَا تَزَوَّجَ أُمَّ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ تَكُونُ الْمَرْأَةُ قَدْ تَزَوَّجَتْ أَخَا ابْنِهَا أَوْ بِنْتِهَا، وَإِذَا تَزَوَّجَ أُخْتَ ابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ تَكُونُ قَدْ تَزَوَّجَتْ أَبَا أَخِيهَا أَوْ أُخْتِهَا وَهَكَذَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا تَكْرَارٌ مَحْضٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ بِالتَّعْبِيرِ فَقَطْ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَتَزَوُّجُهَا بِأَبِي أَخِيهَا) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ الْأَوْفَقُ لِمَا قَرَّرَهُ ح كَمَا عَلِمْت، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِابْنِ أَخِيهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي النَّهْرِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُقَابِلُ تَزَوُّجَهُ بِأُمِّ أَخِيهِ عَلَى التَّقْرِيرَيْنِ الْمَارَّيْنِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبَحْرِ التَّعْبِيرُ بِأَخِي ابْنِهَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَرَّرَهُ ط كَمَا مَرَّ، وَفِيهِ مَا عَلِمْت.
(قَوْلُهُ وَكُلٌّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَرْبَعِينَ ح. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: مِنْهُمَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ: أَيْ كُلٌّ مِنْ الِاعْتِبَارَيْنِ اللَّذَيْنِ بَلَغَ الْعَدَدُ فِيهِمَا أَرْبَعِينَ فَافْهَمْ
стр. 1499
الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ أَعْنِي مِنْ الرَّضَاعِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بِالْمُضَافِ كَالْأُمِّ كَأَنْ تَكُونَ لَهُ أُخْتٌ نَسَبِيَّةٌ لَهَا أُمٌّ رَضَاعِيَّةٌ، أَوْ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ كَالْأَخِ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ نَسَبِيٌّ لَهُ أُمٌّ رَضَاعِيَّةٌ، أَوْ بِهِمَا كَأَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ آخَرَ عَلَى ثَدْيِ أَجْنَبِيَّةٍ وَلِأَخِيهِ رَضَاعًا أُمٌّ أُخْرَى رَضَاعِيَّةٌ فَهِيَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ كِتَابِنَا.
(وَتَحِلُّ أُخْتُ أَخِيهِ رَضَاعًا) يَصِحُّ اتِّصَالُهُ بِالْمُضَافِ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ نَسَبِيٌّ لَهُ أُخْتٌ رَضَاعِيَّةٌ، وَبِالْمُضَافِ إلَيْهِ كَأَنْ يَكُونَ لِأَخِيهِ رَضَاعًا أُخْتٌ نَسَبًا وَبِهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَ) كَذَا (نَسَبًا) بِأَنْ يَكُونَ لِأَخِيهِ لِأَبِيهِ أُخْتٌ لِأُمٍّ، فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِهِمَا لَا بِأَحَدِهِمَا لِلُزُومِ التَّكْرَارِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(وَلَا حِلَّ بَيْنَ رَضِيعَيْ امْرَأَةٍ) لِكَوْنِهِمَا أَخَوَيْنِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّمَنُ وَالْأَبُ (وَلَا) حِلَّ (بَيْنَ الرَّضِيعَةِ وَوَلَدِ مُرْضِعَتِهَا) أَيْ الَّتِي أَرْضَعَتْهَا (وَوَلَدِ وَلَدِهَا) لِأَنَّهُ وَلَدُ الْأَخِ
(وَلَبَنُ بِكْرٍ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ) فَأَكْثَرَ (مُحَرِّمٌ)
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ) أَيْ الْمُقَدَّرُ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ إلَّا أُمَّ أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ. اهـ. ح (قَوْلُهُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا) عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْإِضَافِيَّ هُنَا كَالتَّعْرِيفِ الْجِنْسِيِّ، وَأَمَّا تَعَلُّقُهُ الصِّنَاعِيُّ فَبِاسْتِقْرَارِ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا، وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي ح عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ كَالْأَخِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَالْأُخْتِ، أَوْ يَقُولَ فِي الْأَوَّلِ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ نَسَبِيٌّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ التَّنْوِيعُ فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ ذُكُورَةً وَأُنُوثَةً ح (قَوْلُهُ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ نَسَبِيٌّ لَهُ أُمٌّ رَضَاعِيَّةٌ) تَبِعَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ النَّهْرَ. قَالَ ح: وَصَوَابُهُ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ رَضَاعِيٌّ لَهُ أُمٌّ نَسَبِيَّةٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ كِتَابِنَا) اعْلَمْ أَنَّ ابْنَ وَهْبَانَ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ أَوْصَلَهَا إلَى نَيِّفٍ وَسِتِّينَ، وَبَيَّنَهَا صَاحِبُ الْبَحْرِ وَزَادَ عَلَيْهَا حَتَّى أَوْصَلَهَا إلَى إحْدَى وَثَمَانِينَ وَقَالَ إنَّهُ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الْكِتَابِ، وَأَوْصَلَهَا فِي النَّهْرِ إلَى مِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَقَالَ إنَّهَا مِنْ خَوَاصِّ كِتَابِهِ، فَأَرَادَ الشَّارِحُ أَنْ يُوَصِّلَهَا إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ بِزِيَادَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ الصُّوَرِ لِتَكُونَ مِنْ خَوَاصِّ كِتَابِهِ كَمَا قَالَ لَكِنَّهَا مَا تَمَّتْ لَهُ أَفَادَهُ ح أَيْ بَلْ بَقِيَ الْعَدَدُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ) كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ رَضَاعِيٌّ رَضَعَ مَعَ بِنْتٍ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى (قَوْلُهُ فَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُ نَسَبًا ط (قَوْلُهُ لِلُزُومِ التَّكْرَارِ) لِأَنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِالْمُضَافِ فَقَطْ كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ فَقَطْ كَانَ الْمُضَافُ مِنْ الرَّضَاعِ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي قَوْلِهِ وَتَحِلُّ أُخْتُ أَخِيهِ رَضَاعًا ح
(قَوْلُهُ لِكَوْنِهِمَا أَخَوَيْنِ) أَيْ شَقِيقَيْنِ إنْ كَانَ اللَّبَنُ الَّذِي شَرِبَاهُ مِنْهَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ لِأُمٍّ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونَانِ لِأَبٍ كَمَا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ وَوَلَدَتَا مِنْهُ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَغِيرًا فَإِنَّ الصَّغِيرَيْنِ أَخَوَانِ لِأَبٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أُنْثَى لَا يَحِلُّ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ ح.
(قَوْلُهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّمَنُ) كَأَنْ أَرْضَعَتْ الْوَلَدَ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ بِعِشْرِينَ سَنَةً مَثَلًا وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ (قَوْلُهُ وَوَلَدِ مُرْضِعَتِهَا) أَيْ مِنْ النَّسَبِ، أَمَّا الَّذِي مِنْ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ فُهِمَ حُكْمهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا حِلَّ بَيْنَ رَضِيعَيْ امْرَأَةٍ ح وَأَطْلَقَهُ فَأَفَادَ التَّحْرِيمَ وَإِنْ لَمْ تُرْضِعْ وَلَدَهَا النَّسَبِيَّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَلَدَانِ أَجْنَبِيَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ارْتِضَاعِهِمَا مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِهَا عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ رَدَّهُ فِي النَّهْرِ، وَشَمِلَ أَيْضًا مَا لَوْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ إرْضَاعِهَا لِلرَّضِيعَةِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ بِسِنِينَ.
[فَرْعٌ]
فِي الْبَحْرِ عَنْ آخِرِ الْمَبْسُوطِ: لَوْ كَانَتْ أُمُّ الْبَنَاتِ أَرْضَعَتْ أَحَدَ الْبَنِينَ وَأُمُّ الْبَنِينَ أَرْضَعَتْ إحْدَى الْبَنَاتِ لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ الْمُرْتَضِعِ مِنْ أُمِّ الْبَنَاتِ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَكَانَ لِإِخْوَتِهِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا بَنَاتَ الْأُخْرَى إلَّا الِابْنَةَ الَّتِي أَرْضَعَتْهَا أُمُّهُمْ وَجَدُّهَا لِأَنَّهَا أُخْتُهُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ (قَوْلُهُ أَيْ الَّتِي أَرْضَعَتْهَا) تَفْسِيرٌ لِلْمُضَافِ إلَى الضَّمِيرِ
(قَوْلُهُ وَلَبَنُ بِكْرٍ) الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَمْ تُجَامَعْ قَطُّ بِنِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ وَإِنْ كَانَتْ الْعَذِرَةُ غَيْرَ بَاقِيَةٍ كَأَنْ زَالَتْ بِنَحْوٍ وَثْبَةٍ حَمَوِيٌّ وَالْحُرْمَةُ
стр. 1500
وَإِلَّا لَا جَوْهَرَةٌ (وَكَذَا) يُحَرِّمُ (لَبَنُ مَيِّتَةٍ) وَلَوْ مَحْلُوبًا، فَيَصِيرُ نَاكِحُهَا مَحْرَمًا لِلْمَيِّتَةِ فَيُيَمِّمُهَا وَيَدْفِنُهَا بِخِلَافِ وَطْئِهَا، وَفَرَّقَ بِوُجُودِ التَّغَذِّي لَا اللَّذَّةِ.
(وَمَخْلُوطٌ بِمَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ أَوْ لَبَنِ أُخْرَى أَوْ لَبَنِ شَاةٍ إذَا غَلَبَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ وَكَذَا إذَا اسْتَوَيَا) إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ جَوْهَرَةٌ، وَعَلَّقَ مُحَمَّدٌ الْحُرْمَةَ بِالْمَرْأَتَيْنِ مُطْلَقًا، قِيلَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ (لَا) يُحَرِّمُ (الْمَخْلُوطُ بِطَعَامٍ) مُطْلَقًا وَإِنْ حَسَاهُ حَسْوًا
ــ
[رد المحتار]
لَا تَتَعَدَّى إلَى زَوْجِهَا، حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَهُ التَّزَوُّجُ بِرَضِيعَتِهَا لِأَنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ مِنْهُ قُهُسْتَانِيٌّ ط؛ أَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَيْسَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالرَّضِيعَةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ الرَّبَائِبِ الَّتِي دَخَلَ بِأُمِّهَا بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ فَنَزَلَ لَهَا لَبَنٌ لَا يَحْرُمُ جَوْهَرَةٌ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ اللَّبَنَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِمَّنْ تُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِلَادَةُ فَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَبَنًا.
كَمَا لَوْ نَزَلَ لِلْبِكْرِ مَاءٌ أَصْفَرُ لَا يَثْبُتُ مِنْ إرْضَاعِهِ تَحْرِيمٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ مَحْلُوبًا) سَوَاءٌ حُلِبَ قَبْلَ مَوْتِهَا فَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ حُلِبَ بَعْدَ مَوْتِهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَيَصِيرُ نَاكِحَهَا) أَيْ نَاكِحَ الرَّضِيعَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْمَقَامِ أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ مَحْرَمًا لِلْمَيِّتَةِ) لِأَنَّهَا أُمُّ امْرَأَتِهِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَيَمَّمَهَا) أَيْ بِلَا خِرْقَةٍ إذَا مَاتَتْ بَيْنَ رِجَالٍ فَقَطْ، أَمَّا غَيْرُ الْمَحْرَمِ فَيُيَمِّمُهَا بِخِرْقَةٍ، وَقِيلَ تُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهَا أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ وَيَدْفِنُهَا) لِأَنَّ الْأَوْلَى بِالدَّفْنِ الْمَحَارِمُ ط (قَوْلُهُ بِخِلَافِ وَطْئِهَا) أَيْ الْمَيِّتَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ.
(قَوْلُهُ وَفَرَّقَ بِوُجُودِ التَّغَذِّي لَا اللَّذَّةِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اللَّبَنِ التَّغَذِّي وَالْمَوْتُ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْوَطْءِ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْمَيِّتَةِ بَحْرٌ عَنْ الْجَوْهَرَةِ، وَإِذَا انْتَفَتْ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ بِالْوَطْءِ لِكَوْنِ الْمَيِّتَةِ لَيْسَتْ مَحَلًّا لَهُ عَادَةً صَارَتْ كَالْبَهِيمَةِ بَلْ أَبْلَغُ لِأَنَّ الْمَوْتَ مُنَفِّرٌ طَبْعًا فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ قَصْدِ الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عِلَّةُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ اللَّازِمِ بِانْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ اللَّذَّةَ لَيْسَتْ هِيَ الْعِلَّةُ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَمَخْلُوطٌ) عُطِفَ عَلَى لَبَنِ مَيِّتَةٍ: أَيْ وَكَذَا يُحَرِّمُ لَبَنُ امْرَأَةٍ مَخْلُوطٌ بِمَاءٍ إلَخْ. اهـ. ح. وَمِثْلُ الْمَاءِ كُلُّ مَائِعٍ بَلْ وَالْجَامِدُ كَذَلِكَ، أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ ط.
(قَوْلُهُ إذَا غَلَبَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ) أَيْ عَلَى أَحَدِ الْمَذْكُورَاتِ، وَفَسَّرَ الْغَلَبَةَ فِي أَيْمَانِ الْخَانِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْإِجْزَاءُ. وَقَالَ هُنَا فَسَّرَهَا مُحَمَّدٌ فِي الدَّوَاءِ بِأَنْ يُغَيِّرَهُ عَنْ كَوْنِهِ لَبَنًا. وَقَالَ الثَّانِي إنْ غَيَّرَ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ لَا إنْ غَيَّرَ أَحَدَهُمَا نَهْرٌ، وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ. وَوَفَّقَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى فَقَالَ: تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ بِالْإِجْزَاءِ فِي الْجِنْسِ، وَفِي غَيْرِهِ بِتَغَيُّرِ طَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ اهـ إلَّا أَنَّهُ اعْتَبَرَ التَّغَيُّرَ فِي غَيْرِ الْجِنْسِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ وَالْمَذْكُورُ آنِفًا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا إذَا غَيَّرَ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ، نَعَمْ يُوَافِقُهُ مَا فِي الْهِنْدِيَّةِ مِنْ اعْتِبَارِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ لِأَبِي يُوسُفَ ط.
(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا اسْتَوَيَا) أَيْ لَبَنُ الْمَرْأَةِ وَأَحَدُ الْمَذْكُورَاتِ ح (قَوْلُهُ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ) عِلَّةٌ لِاسْتِوَاءِ لَبَنِ الْمَرْأَتَيْنِ، وَأَفَادَ بِهِ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ مِنْهُمَا. وَأَمَّا عِلَّةُ اسْتِوَاءِ لَبَنِ الْمَرْأَةِ مَعَ الْبَاقِي فَهِيَ أَنَّ لَبَنَهَا غَيْرُ مَغْلُوبٍ فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَعَلَّقَ مُحَمَّدٌ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَبَنُ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ غَالِبًا تَعَلَّقَ التَّحْرِيمُ بِهِ فَقَطْ، وَلَوْ اسْتَوَيَا تَعَلَّقَ بِهِمَا (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ تَسَاوَيَا أَوْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَغْلِبُ الْجِنْسَ ح (قَوْلُهُ قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ فِي الْغَايَةِ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَحْوَطُ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ: قِيلَ إنَّهُ الْأَصَحُّ. اهـ. وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ، وَإِلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لِتَأْخِيرِهِ دَلِيلَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ: إنْ كَانَ غَالِبًا يَحْرُمُ، وَالْخِلَافُ مُقَيَّدٌ بِاَلَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، فَإِذَا طُبِخَ فَلَا تَحْرِيمَ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا، وَبِمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ ثَخِينًا، أَمَّا إذَا كَانَ رَقِيقًا يُشْرَبُ اُعْتُبِرَتْ الْغَلِيَّةُ اتِّفَاقًا، قِيلَ وَبِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ اللَّبَنُ مُتَقَاطِرًا عِنْدَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ، أَمَّا مَعَهُ فَيَحْرُمُ اتِّفَاقًا وَالْأَصَحُّ عَدَمُ اعْتِبَارِ التَّقَاطُرِ عَلَى قَوْلِهِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ حَسَاهُ حَسْوًا) فِي الْقَامُوسِ: حَسَا زَيْدٌ الْمَرَقَ شَرِبَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بَحْرٌ، وَمَا أَفَادَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَإِنْ حَسَاهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا
стр. 1501
وَكَذَا لَوْ جَبَّنَهُ لِأَنَّ اسْمَ الرَّضَاعِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ بَحْرٌ
(وَ) لَا (الِاحْتِقَانُ وَالْإِقْطَارُ فِي أُذُنٍ) وَإِحْلِيلٍ (وَجَائِفَةٍ وَآمَّةٍ، وَ) لَا (لَبَنُ رَجُلٍ) وَمُشْكِلٍ إلَّا إذَا قَالَ: النِّسَاءُ إنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى غَزَارَتِهِ إلَّا لِلْمَرْأَةِ وَإِلَّا لَا جَوْهَرَةٌ (وَ) لَا لَبَنُ (شَاةٍ) وَغَيْرِهَا لِعَدَمِ الْكَرَامَةِ.
(وَلَوْ) (أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ) وَلَوْ مُبَانَةً
ــ
[رد المحتار]
عَنْ النَّهْرِ، وَكَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ الطَّعَامَ لَوْ كَانَ رَقِيقًا يُشْرَبُ اعْتَبَرْنَا غَلَبَةَ اللَّبَنِ إنْ غَلَبَ وَأَثْبَتْنَا الْحُرْمَةَ، وَكَذَا مَا فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ حَسَاهُ حَسْوًا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَكَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُسْتَصْفَى وَقَالَ إنَّ وَضْعَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَكْلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ أَيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ مُحَرَّمٌ، نَعَمْ نَقَلَ ح عَنْ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِلَيْهِ مَالَ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا مَرَّ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. اهـ.
قُلْت: وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْهَا هُوَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهَا آنِفًا وَلَيْسَ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ عَنْ السَّرَخْسِيِّ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّرَخْسِيِّ لَيْسَ فِي الْحَسْوِ بَلْ فِي غَيْرِهِ. فَفِي الذَّخِيرَةِ: قِيلَ إنَّمَا لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ لَا يَتَقَاطَرُ اللَّبَنُ عِنْدَ حَمْلِ اللُّقْمَةِ، فَلَوْ يَتَقَاطَرُ تَثْبُتُ، وَقِيلَ: لَا تَثْبُتُ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّمَا لَا تَثْبُتُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا أَكَلَ لُقْمَةً لُقْمَةً، فَلَوْ حَسَاهُ حَسْوًا تَثْبُتُ. اهـ. فَمَا قَالَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ التَّقَاطُرِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ، وَصَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ أَيْضًا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ رَقِيقًا يُشْرَبُ حَسْوًا، وَهَذَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ كَمَا سَمِعْته، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَ خِلَافَهُ؛ وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ مِنْ تَقَاطُرِ اللَّبَنِ عِنْدَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ رَقِيقًا يُشْرَبُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ التَّقَاطُرُ مِنْ اللَّبَنِ وَحْدَهُ بَلْ يَكُونُ مِنْهُمَا مَعًا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ كَوْنُ الطَّعَامِ ثَخِينًا لَا يُشْرَبُ، وَلَفْظُ اللُّقْمَةِ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ أَيْضًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ جَبَّنَهُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ جَعَلَ اللَّبَنَ مَخِيضًا أَوْ رَائِبًا أَوْ شِيرَازًا أَوْ جُبْنًا أَوْ أَقِطًا أَوْ مَصْلًا فَتَنَاوَلَهُ الصَّبِيُّ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ لِأَنَّ اسْمَ الرَّضَاعِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَا يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَلَا يَنْشِزُ الْعَظْمَ وَلَا يَكْتَفِي بِهِ الصَّبِيُّ فِي الِاغْتِذَاءِ فَلَا يَحْرُمُ. اهـ. ح. وَفِي الْقَامُوسِ: اللَّبَنُ الْمَخِيضُ مَا أُخِذَ زَبَدُهُ. وَالشِّيرَازِيُّ: اللَّبَنُ الرَّائِبُ الْمُسْتَخْرَجُ مَاؤُهُ. وَالْأَقِطُ مُثَلَّثٌ وَيُحَرَّكُ: شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْمِخْيَطِ الْغَنَمِيِّ. وَالْمَصْلُ: اللَّبَنُ يُوضَعُ فِي وِعَاءٍ خُوصٍ أَوْ خَزَفٍ لِيَقْطُرَ مَاؤُهُ. اهـ. ط.
(قَوْلُهُ وَلَا الِاحْتِقَانُ) فِي الْمِصْبَاحِ: حَقَنْت الْمَرِيضَ إذَا أَوْصَلْت الدَّوَاءَ إلَى بَاطِنِهِ مِنْ مَخْرَجِهِ بِالْمِحْقَنَةِ وَاحْتَقَنَ هُوَ وَالِاسْمُ الْحُقْنَةُ مِثْلُ الْغَرْفَةِ مِنْ الِاغْتِرَافِ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى مَا يُتَدَاوَى بِهِ وَالْجَمْعُ حُقَنٌ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٌ. اهـ. بَحْرٌ. وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ وَلَا الْحَقْنُ أَيْ حَقْنُ الصَّبِيِّ بِاللَّبَنِ إذْ الِاحْتِقَانُ مِنْ احْتَقَنَ، وَهُوَ فِعْلٌ قَاصِرٌ وَالصَّبِيُّ لَا يَحْتَقِنُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَحْقِنُهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَخْذُهُ مِنْ احْتُقِنَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ لَا يُبْنَى مِنْ الْقَاصِرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْسِيرِ الِاحْتِقَانِ فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ بِعَمَلِ الْحُقْنَةِ تَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ الصَّرِيحِ كَالصَّبِيِّ. فِي عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ: حَيْثُ قَالَ إذَا احْتَقَنَ الصَّبِيُّ خِلَافًا لِمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ، وَتَنْظِيرُ النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَالْإِقْطَارُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ الِاقْتِطَارُ مِنْ الِافْتِعَالِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحْرِيفٌ (قَوْلُهُ وَجَائِفَةٍ) الْجِرَاحَةُ فِي الْجَوْفِ. وَالْآمَّةُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ: الْجِرَاحَةُ فِي الرَّأْسِ تَصِلُ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ (قَوْلُهُ وَمُشْكِلٍ) أَيْ خُنْثَى مُشْكِلٌ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا قَالَ إلَخْ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَّضِحُ أَنَّهُ امْرَأَةٌ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْخُنْثَى فَيَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِلَّا لَا) تَكْرَارَ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ إطْلَاقِ قَوْلِهِ وَمُشْكِلٍ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ الْكَرَامَةِ) لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِالرَّضَاعِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ لِلْجُزْئِيَّةِ فَلَمْ تُعْتَبَرْ الشَّاةُ أُمَّ الصَّبِيِّ وَإِلَّا لَكَانَ الْكَبْشُ أَبَاهُ وَالْأُخْتِيَّةُ فَرْعُ الْأُمِّيَّةِ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ) أَطْلَقَهَا فَشَمِلَ الْمَدْخُولَةَ
стр. 1502
(ضَرَّتَهَا) الصَّغِيرَةَ وَكَذَا لَوْ أَوْجَرَهُ رَجُلٌ فِي فِيهَا (حُرِّمَتَا) أَبَدًا إنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ أَوْ اللَّبَنُ مِنْهُ
ــ
[رد المحتار]
وَغَيْرَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ لَبَنُهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَقَعَ الْإِرْضَاعُ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ فِي عِدَّةِ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ بَيْنُونَةٍ صُغْرَى أَوْ كُبْرَى، فَقَوْلُهُ وَلَوْ مُبَانَةً يُفْهَمُ مِنْهُ حُكْمُ الرَّجْعِيَّةِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِهَا لَيْسَ احْتِرَازِيًّا لِأَنَّ أُخْتَ الْكَبِيرَةِ وَأُمَّهَا بِنْتُهَا نَسَبًا وَرَضَاعًا إنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ مِثْلَهَا لِلُزُومِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ أُخْتِهَا فِي الْأَوَّلِ وَبَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الثَّانِي وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ بِنْتِهَا فِي الثَّالِثِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَطُّ وَلَا الْمُرْضِعَةِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ فِي الثَّالِثِ فَإِنَّ الْمُرْضِعَةَ لَا تَحِلُّ لَهُ لِكَوْنِهَا أُمَّ امْرَأَتِهِ وَلَا الْكَبِيرَةَ لِكَوْنِهَا أُمَّ أُمِّ امْرَأَتِهِ، وَتَحِلُّ الصَّغِيرَةُ لِكَوْنِهَا ابْنَةَ ابْنَةِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ ط (قَوْلُهُ ضَرَّتَهَا الصَّغِيرَةَ) أَيْ الَّتِي فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قِيَامُ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ وَقْتَ إرْضَاعِهَا بَلْ وُجُودُهُ فِيمَا مَضَى كَافٍ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً فَطَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ مَنْكُوحَةٍ كَانَتْ لَهُ فَتَحْرُمُ بِنِكَاحِ الْبِنْتِ اهـ بَحْرٌ.
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ حُرِّمَتْ الصَّغِيرَةُ أَيْضًا، لَا لِأَنَّهُ صَارَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا بَلْ لِأَنَّ الدُّخُولَ بِالْأُمَّهَاتِ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ، وَالْعَقْدُ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ، وَالرَّضَاعُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ كَالسَّابِقِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ بِعَبْدِهِ الصَّغِيرِ فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ السَّيِّدِ حُرِّمَتْ عَلَى زَوْجِهَا وَعَلَى مَوْلَاهَا لِأَنَّ الْعَبْدَ صَارَ ابْنًا لِلْمَوْلَى فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَوْطُوءَةَ أَبِيهِ وَعَلَى الْمَوْلَى لِأَنَّهَا امْرَأَةُ ابْنِهِ. اهـ. نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَوْجَرَهُ) أَيْ لَبَنَ الْكَبِيرَةِ رَجُلٌ فِي فِيهَا أَيْ الصَّغِيرَةِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِرْضَاعِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى وُصُولِ لَبَنِ الْكَبِيرَةِ إلَى جَوْفِ الصَّغِيرَةِ، فَتَبِينُ كِلَاهُمَا مِنْهُ، وَلِكُلٍّ نِصْفُ الصَّدَاقِ عَلَى الزَّوْجِ، وَيَغْرَمُ الرَّجُلُ لِلزَّوْجِ نِصْفَ مَهْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إنْ تَعَمَّدَ الْفَسَادَ بِأَنْ أَرْضَعَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، بِأَنْ كَانَتْ شَبْعَى وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْفَسَادَ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ إنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ) سَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ وَقَعَ الْإِرْضَاعُ فِي النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَلَوْ بَائِنًا وَلَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ، أَمَّا إذَا كَانَ اللَّبَنُ مِنْهُ وَوَقَعَ الْإِرْضَاعُ فِي النِّكَاحِ أَوْ عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ أَوْ الْبَائِنِ أَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ حُرِّمَتَا أَبَدًا وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ أَمَّا حُرْمَةُ الصَّغِيرَةِ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَه وَبِنْتَ مَدْخُولَتِهِ رَضَاعًا، وَأَمَّا حُرْمَةُ الْكَبِيرَةِ فَلِأَنَّهَا أُمُّ بِنْتِهِ وَأُمُّ مَعْقُودَتِهِ رَضَاعًا. وَإِذَا كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَيْرِهِ حُرِّمَتَا أَيْضًا وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الْأُولَيَيْنِ، أَمَّا حُرْمَةُ الصَّغِيرَةِ فَلِأَنَّهَا بِنْتُ مَدْخُولَتِهِ رَضَاعًا، وَأَمَّا حُرْمَةُ الْكَبِيرَةِ فَلِأَنَّهَا أُمُّ مَعْقُودَتِهِ رَضَاعًا أَفَادَهُ ح. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْفَسِخُ، لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَرْتَفِعُ بِحُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ بَلْ يَفْسُدُ، حَتَّى لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ لَا يُحَدُّ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ. اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَسَادُ فِي الرَّضَاعِ الطَّارِئِ عَلَى النِّكَاحِ أَيْ كَمَا هُنَا؛ أَمَّا لَوْ تَزَوَّجَهَا فَشَهِدَا أَنَّهَا أُخْتُهُ ارْتَفَعَ النِّكَاحُ، حَتَّى لَوْ وَطِئَهَا يُحَدُّ وَلَهَا التَّزَوُّجُ بَعْدَ الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ مُتَارَكَةٍ. اهـ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ اللَّبَنُ مِنْهُ) هَذَا يَقْتَضِي إمْكَانَ انْفِرَادِ كَوْنِ اللَّبَنِ مِنْهُ عَنْ كَوْنِهَا مَدْخُولَةً، وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ اللَّبَنِ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ مَدْخُولَةً. وَفِي نُسْخَةٍ وَاللَّبَنُ مِنْهُ بِالْوَاوِ، وَهِيَ فَاسِدَةٌ أَيْضًا لِأَنَّهَا تَقْتَضِي عَدَمَ حُرْمَتِهَا إذَا كَانَتْ مَدْخُولَةً وَاللَّبَنُ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَالصَّوَابُ إسْقَاطُهَا. اهـ. ح.
قُلْت: وَالشَّارِحُ مُتَابِعٌ لِلْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمَقْدِسِيِّ. وَأَجَابَ عَنْهُ ط بِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ حُبْلَى مِنْ زِنَاهُ بِهَا فَنَزَلَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْهَا بِهِ فَقَدْ حُرِّمَتَا وَاللَّبَنُ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ تَحْقِيقِ الدُّخُولِ اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْحَبَلَ مِنْ الزِّنَا دُخُولٌ بِهَا، وَحَمْلُ الدُّخُولِ الْمَذْكُورِ عَلَى الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ اللَّاحِقِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الدُّخُولِ فِي الزِّنَا السَّابِقِ. وَأَجَابَ السَّائِحَانِيُّ بِالْحَمْلِ عَلَى مَا إذَا طَلَّقَ ذَاتَ لَبَنِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَبَقِيَ لَبَنُهَا فَأَرْضَعَتْ بِهِ ضَرَّتَهَا وَفِيهِ مَا عَلِمْت.
стр. 1503
وَإِلَّا جَازَ تَزَوُّجُ الصَّغِيرَةِ ثَانِيًا (وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ تُوطَأْ) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْهَا (وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُهُ) لِعَدَمِ الدُّخُولِ (وَرَجَعَ) الزَّوْجُ (بِهِ عَلَى الْكَبِيرَةِ) وَكَذَا عَلَى الْمُوجِرِ (إنْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ) بِأَنْ تَكُونَ عَاقِلَةً طَائِعَةً مُتَيَقِّظَةً عَالِمَةً بِالنِّكَاحِ وَبِإِفْسَادِ الْإِرْضَاعِ وَلَمْ تَقْصِدْ دَفْعَ جُوعٍ أَوْ هَلَاكٍ (وَإِلَّا لَا) لِأَنَّ التَّسَبُّبَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدِّي، وَالْقَوْلُ لَهَا إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا تَعَمُّدُ الْفَسَادِ مِعْرَاجٌ.
(طَلَّقَ ذَاتَ لَبَنٍ فَاعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ) بِآخَرَ (فَحَبِلَتْ وَأَرْضَعَتْ) (فَحُكْمُهُ مِنْ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ مِنْهُ بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَيَكُونُ رَبِيبًا لِلثَّانِي (حَتَّى تَلِدَ) فَيَكُونَ اللَّبَنُ مِنْ الثَّانِي، وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ كَالْحَلَالِ، قِيلَ: وَكَذَا الزِّنَا وَالْأَوْجَهُ لَا فَتْحٌ.
ــ
[رد المحتار]
وَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ عَلَى تَقْدِيرِ قَوْلِنَا وَاللَّبَنُ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَقَوْلُهُ أَوْ اللَّبَنُ مِنْهُ عَطْفٌ عَلَى هَذَا الْمُقَدَّرِ وَهُوَ الْقَرِينَةُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِتَحْصُلَ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ؛ وَلَوْ قَالَ وَاللَّبَنُ مِنْهُ أَوَّلًا لَكَانَ أَوْضَحَ وَأَوْلَى (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولَةً وَلَبَنُهَا حِينَئِذٍ مِنْ غَيْرِهِ قَطْعًا، وَهَذَا شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ الْإِرْضَاعُ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا لِكَوْنِهِ جَامِعًا بَيْنَ الْبِنْتِ وَأُمِّهَا رَضَاعًا. وَلَهُ أَنْ يُعِيدَ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ لِعَدَمِ الدُّخُولِ بِالْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبِنْتِ، وَحُرِّمَتْ الْأُمُّ أَبَدًا فِي الصُّورَتَيْنِ لِلْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ قَاصِرٌ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى. اهـ. ح.
(قَوْلُهُ إنْ لَمْ تُوطَأْ) فَلَوْ وُطِئَتْ لَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ مُطْلَقًا، لَكِنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ إذَا جَاءَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا وَإِلَّا فَلَهَا النَّفَقَةُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْهَا) فَصَارَ كَرِدَّتِهَا، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً فَارْتَضَعَتْهَا الصَّغِيرَةُ أَوْ أَخَذَ شَخْصٌ لَبَنَهَا فَأَوْجَرَ بِهِ الصَّغِيرَةَ أَوْ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ مَجْنُونَةً كَانَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لِانْتِفَاءِ إضَافَةِ الْفُرْقَةِ إلَيْهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ الدُّخُولِ) تَعْلِيلٌ لِتَنْصِيفِ الْمَهْرِ، وَأَمَّا عِلَّةُ أَصْلِ اسْتِحْقَاقِهَا لَهُ فَهِيَ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ لَا مِنْ جِهَتِهَا، وَالِارْتِضَاعُ وَإِنْ كَانَ فِعْلُهَا وَبِهِ وَقَعَ الْفَسَادُ لَكِنْ لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا لِعَدَمِ خِطَابِهَا بِالْأَحْكَامِ كَمَا لَوْ قَتَلَتْ مُوَرِّثَهَا وَلِأَنَّهَا مَجْبُورَةٌ طَبْعًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مَهْرُهَا بِارْتِدَادِ أَبَوَيْهَا وَلِحَاقِهَا بِهِمَا مَعَ أَنَّهَا لَا فِعْلَ مِنْهَا أَصْلًا لِأَنَّ الرِّدَّةَ مَحْظُورَةٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا، وَإِضَافَةُ الْحُرْمَةِ إلَى رِدَّتِهَا التَّابِعَةِ أَبَوَيْهَا وَالِارْتِضَاعُ لَا حَاظِرَ فَيَسْتَحِقُّ النَّظَرَ فَتَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ الدُّخُولِ) إذْ لَا يَتَأَتَّى فِي الرَّضِيعَةِ (قَوْلُهُ وَكَذَا عَلَى الْمُوجِرِ) أَيْ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهِ بِمَا لَزِمَ الزَّوْجَ وَهُوَ نِصْفُ صَدَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ بَحْرٌ، وَقَدَّمْنَا عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ أَيْضًا تَعَمُّدُ الْفَسَادِ (قَوْلُهُ إنْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ) قَيْدٌ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهَا، أَمَّا سُقُوطُ مَهْرِهَا قَبْلَ الْوَطْءِ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ تَعَمُّدُ الْفَسَادِ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ (قَوْلُهُ بِأَنْ تَكُونَ عَاقِلَةً) فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْمَجْنُونَةِ وَالْمُكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةِ. وَفِيهِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَاقِلَةً مُتَيَقِّظَةً، أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَلَمْ تَقْصِدْ إلَخْ) فَلَوْ أَرْضَعَتْهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا جَائِعَةٌ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا شَبْعَانَةٌ لَا تَكُونُ مُتَعَمِّدَةً بَحْرٌ (قَوْلُهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي التَّضْمِينِ بِهِ التَّعَدِّي كَحَافِرِ الْبِئْرِ، إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ لَا يَضْمَنُ وَإِلَّا ضَمِنَ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ لَهَا) أَيْ فِي أَنَّهَا لَمْ تَتَعَمَّدْ مَعَ يَمِينِهَا بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ طَلَّقَ ذَاتَ لَبَنٍ) أَيْ مِنْهُ، بِأَنْ وَلَدَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُ قَطُّ وَنَزَلَ لَهَا لَبَنٌ وَأَرْضَعَتْ وَلَدًا لَا يَكُونُ الزَّوْجُ أَبًا لِلْوَلَدِ لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ مِنْهُ، وَإِذَا انْتَفَتْ انْتَفَتْ النِّسْبَةُ فَكَانَ كَلَبَنِ الْبِكْرِ، وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتْ لِلزَّوْجِ فَنَزَلَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ ثُمَّ جَفَّ لَبَنُهَا ثُمَّ دَرَّ فَأَرْضَعَتْهُ صَبِيَّةً فَإِنَّ لِابْنِ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ التَّزَوُّجَ بِهَذِهِ الصَّبِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا كَانَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأَوْلَادِ هَذَا الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَيَكُونُ رَبِيبًا لِلثَّانِي) فَيَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِبَنَاتِ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ كَالْحَلَالِ) صُورَتُهُ: وُطِئَتْ امْرَأَةٌ بِشُبْهَةٍ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ أَرْضَعَتْ صَبِيًّا كَانَ ابْنًا لِلْوَاطِئِ. بِشُبْهَةٍ لَا لِلزَّوْجِ، وَمِثْلُهُ صُورَةُ الزِّنَا. اهـ. ح (قَوْلُهُ فَتْحٌ) وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَلَبَنُ الزِّنَا كَالْحَلَالِ، فَإِذَا أَرْضَعَتْ بِهِ بِنْتًا حُرِّمَتْ عَلَى الزَّانِي وَآبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ وَإِنْ سَفَلُوا
стр. 1504
(قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (هَذِهِ رَضِيعَتِي ثُمَّ رَجَعَ) عَنْ قَوْلِهِ (صُدِّقَ) لِأَنَّ الرَّضَاعَ مِمَّا يَخْفَى فَلَا يُمْنَعُ التَّنَاقُضُ فِيهِ (وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، بِأَنْ قَالَ) بَعْدَهُ (هُوَ حَقٌّ كَمَا قُلْت وَنَحْوَهُ) هَكَذَا فَسَّرَ الثَّبَاتَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا
ــ
[رد المحتار]
وَفِي التَّجْنِيسِ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ: وَلِعَمِّ الزَّانِي التَّزَوُّجُ بِهَا كَالْمَوْلُودَةِ مِنْ الزَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهَا مِنْ الزَّانِي، وَالتَّحْرِيمُ عَلَى آبَاءِ الزَّانِي وَأَوْلَادِهِ لِلْجُزْئِيَّةِ وَلَا جُزْئِيَّةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَمِّ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الزِّنَا فَكَذَا فِي الْمُرْضِعَةِ بِلَبَنِ الزِّنَا: قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَكَذَا لَوْ لَمْ تَحْبَلْ مِنْ الزِّنَا وَأَرْضَعَتْ لَا بِلَبَنِ الزِّنَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي كَمَا تَحْرُمُ بِنْتُهَا عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الْوَبَرِيُّ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ خَاصَّةً مَا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ، فَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ مِنْ الْأَبِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَصَاحِبُ الْيَنَابِيعِ، وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ الزِّنَا لِلْبَعْضِيَّةِ وَذَلِكَ فِي الْمَوْلُودِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ دُونَ اللَّبَنِ، إذْ لَيْسَ اللَّبَنُ كَائِنًا مِنْ مَنِيِّهِ لِأَنَّهُ فَرْعُ التَّغَذِّي. وَهُوَ لَا يَقَعُ إلَّا بِمَا يَدْخُلُ مِنْ أَعْلَى الْمَعِدَةِ لَا مِنْ أَسْفَلِ الْبَدَنِ كَالْحُقْنَةِ فَلَا إنْبَاتَ فَلَا حُرْمَةَ، بِخِلَافِ ثَابِتِ النَّسَبِ لِأَنَّ النَّصَّ أَثْبَتَ الْحُرْمَةَ مِنْهُ؛ وَإِذَا تَرَجَّحَ عَدَمُ حُرْمَةِ الرَّضِيعَةِ بِلَبَنِ الزَّانِي عَلَى الزَّانِي فَعَدَمُهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ اللَّبَنُ مِنْهُ أَوْلَى، خِلَافًا لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْمَسْطُورَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ إذْ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بِنْتِ الْمُرْضِعَةِ بِلَبَنِ غَيْرِ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى. اهـ. كَلَامُ الْفَتْحِ مُلَخَّصًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي حُرْمَةِ الرَّضِيعَةِ بِلَبَنِ الزِّنَا عَلَى الزَّانِي وَكَذَا عَلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ رِوَايَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ أَيْضًا، وَأَنَّ الْأَوْجَهَ رِوَايَةُ عَدَمِ الْحُرْمَةِ، وَأَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّهَا لَوْ رَضَعَتْ لَا بِلَبَنِ الزَّانِي تَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي. مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْمَسْطُورَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الرَّضِيعَةَ بِلَبَنِ غَيْرِ الزَّوْجِ لَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ طَلَّقَ ذَاتَ لَبَنٍ إلَخْ. وَكَلَامُ الْخُلَاصَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا بِالْأَوْلَى، وَمَا فِي الْفَتَاوَى إذَا خَالَفَ مَا فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ الشُّرُوحِ لَا يُقْبَلُ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الْفَتْحِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي فَهْمِهِ خَبْطٌ كَثِيرٌ مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ أُصُولُ الزَّانِي وَفُرُوعُهُ وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلزَّانِي اتِّفَاقًا. اهـ. وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ لَبَنَ الزَّانِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ وَظَاهِرُ الْمِعْرَاجِ وَالْخَانِيَّةِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ ثُبُوتُهُ. اهـ.
قُلْت: وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْ الدِّرَايَةِ إذَا وَافَقَتْهَا رِوَايَةٌ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَجْهَ مَعَ رِوَايَةِ عَدَمِ التَّحْرِيمِ.
(قَوْلُهُ قَالَ لِزَوْجَتِهِ) التَّقْيِيدُ بِالزَّوْجَةِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيَّةٍ قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا كَذَلِكَ (قَوْلُهُ هَكَذَا فَسَّرَ الثَّبَاتَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا) أَتَى بِذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ جَعَلَ تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ ثَبَاتًا أَيْضًا مِثْلَ قَوْلِهِ هُوَ حَقٌّ وَنَحْوُهُ، وَجَزَمَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ صَارَتْ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى فِي زَمَنِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْبَرِّ بْنِ الشِّحْنَةِ، خَالَفَهُ فِي بَعْضِ مُعَاصِرِيهِ وَعَقَدَ لَهَا مَجَالِسَ عَدِيدَةً بِأَمْرِ السُّلْطَانِ قَايِتْبَايْ وَكَتَبَ خُطُوطَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ، وَسَرَدَ فِيهِ نُصُوصَ أَئِمَّتِنَا.
ثُمَّ قَالَ: ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الْإِقْرَارِ الْمَانِعِ عَنْ الرُّجُوعِ هُوَ أَنْ يَقُولَ مَا قُلْته حَقٌّ أَوْ مَا أَقْرَرْت بِهِ ثَابِتٌ وَأَمَّا تَكْرَارُ الْإِقْرَارِ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا اهـ وَقَدْ لَوَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ الْمِنَحِ آخِرَ الْكِتَابِ إلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَأَنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا الشَّافِعِيِّ فَأَجَابَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ. اهـ. قُلْت: وَرَأَيْتهَا فِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فَقَالَ بَعْدَ عَرْضِ النُّقُولِ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا مَا صُورَتُهُ: صَرِيحُ هَذِهِ النُّقُولِ وَمَنْطُوقُهَا مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَمَعَ النَّظَرِ إلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ مِنْ الْجَمْعِ
стр. 1505
(فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ) (أَقَرَّتْ) الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ (ثُمَّ أَكَذَبَتْ نَفْسَهَا وَقَالَتْ: أَخْطَأْت وَتَزَوَّجَهَا) (جَازَ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَهَا) وَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا، قَالُوا: وَبِهِ يُفْتَى فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ بَزَّازِيَّةٌ. وَمُفَادُهُ أَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالثَّلَاثِ مِنْ رَجُلٍ
ــ
[رد المحتار]
بَيْنَ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْ النَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِهِمْ شَاهِدٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ وَالْإِصْرَارِ وَاحِدٌ بِأَنَّ الْمُقِرَّ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ وَنَحْوِهَا إنْ ثَبَتَ عَلَى إقْرَارِهِ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ وَإِلَّا قِيلَ، وَبِأَنَّ الثَّبَاتَ عَلَيْهِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَوْلِ بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، أَوْ يَقُولَ هُوَ حَقٌّ، أَوْ كَمَا قُلْت أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ؛ كَقَوْلِهِ هُوَ صِدْقٌ أَوْ صَوَابٌ أَوْ صَحِيحٌ أَوْ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدِي، إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُ صِدْقٌ آكَدُ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ كَمَا قُلْت فَكَلَامُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ هُوَ حَقٌّ وَكَمَا قُلْت كَمَا فَعَلَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْكِيدِ، وَكَلَامُ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَلَوْ بِطَرِيقِ الْحَصْرِ مُؤَوَّلٌ بِتَقْدِيرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» وَلَيْسَ فِي مَنْطُوقِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ التَّكْرَارَ يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ هُوَ حَقٌّ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ حَتَّى يَمْتَنِعَ الرُّجُوعُ بَعْدَهُ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ: وَلَكِنْ الثَّابِتُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالْمُجَدِّدِ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ اهـ.
قُلْت: لَكِنْ مُرَادُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ كَالْمُجَدِّدِ إلَخْ أَيْ مَعَ الثَّبَاتِ لِأَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ أَنَّ الْإِقْرَارَ قَبْلَ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بَعْدَهُ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ هَكَذَا: وَلَكِنْ الثَّابِتُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالْمُجَدِّدِ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَإِقْرَارُهُ بِالْحُرْمَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحِيحٌ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ حَتَّى تَزَوَّجَهَا. ثُمَّ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْعَقْدِ: وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى هَذَا النُّطْقِ وَقَالَ هُوَ حَقٌّ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا. اهـ. وَفِي الْبَدَائِعِ: أَمَّا الْإِقْرَارُ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ وَيَثْبُتَ عَلَى ذَلِكَ وَيُصِرَّ عَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهَذَا قَبْلَ النِّكَاحِ وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَدَامَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. اهـ. قُلْت: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّضَاعَ لَمَّا كَانَ مِمَّا يَخْفَى لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْنَعْ التَّنَاقُضَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ غَيْرُهُ تَبَيَّنَ لَهُ كَذِبُهُ فَرَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ أَقَرَّ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ أَوْ قَالَ هُوَ حَقٌّ أَوْ نَحْوُهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ وَأَنَّهُ جَازِمٌ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ وَلَوْ جَحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ شَرْطَ الْفُرْقَةِ وَهُوَ الثَّبَاتُ قَدْ وُجِدَ فَلَا يَنْفَعُهُ الْجُحُودُ بَعْدَهُ ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ صَحَّ النِّكَاحُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا) أَيْ لَمْ يَجْعَلْهَا الشَّارِعُ لَهَا فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهَا بِهَا ط.
(قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ) أَيْ سَوَاءٌ أَقَرَّتْ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ أَصَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْ لَا، بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّ إصْرَارَهُ مُثْبِتٌ لِلْحُرْمَةِ كَمَا عَلِمْت، وَيُفْهَمُ مِمَّا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ إصْرَارَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ مَانِعٌ مِنْ تَزَوُّجِهَا بِهِ، وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ يُؤَيِّدُ عَدَمَهُ (قَوْلُهُ بَزَّازِيَّةٌ) ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ آخِرَ كِتَابِ الطَّلَاقِ حَيْثُ قَالَ: قُلْت لِرَجُلٍ: أَنَّهُ أَبِي رَضَاعًا وَأَصَرَّتْ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ يُنْكِرُهُ، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ أَكَذَبَتْهُ فِيهِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى قَوْلِهَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا، حَتَّى لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَبِهِ يُفْتَى. اهـ.
(قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ إلَخْ) هَذَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الصُّغْرَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ بِلَفْظِ:
стр. 1506
حَلَّ لَهَا تَزَوُّجُهُ (أَوْ) (أَقَرَّا بِذَلِكَ جَمِيعًا ثُمَّ أَكْذَبَا أَنْفُسَهُمَا وَقَالَا) جَمِيعًا (أَخْطَأْنَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) جَازَ
(وَكَذَا) الْإِقْرَارُ (فِي النَّسَبِ لَيْسَ يَلْزَمُهُ إلَّا مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ) فَلَوْ قَالَ: هَذِهِ أُخْتِي أَوْ أُمِّي وَلَيْسَ نَسَبُهَا مَعْرُوفًا ثُمَّ قَالَ: وَهِمْتُ صُدِّقَ، وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا (وَ) الرَّضَاعُ (حُجَّتُهُ حُجَّةُ الْمَالِ) وَهِيَ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَعِدْلَتَانٍ، لَكِنْ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي
ــ
[رد المحتار]
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ حَلَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ آخِرَ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ قَالَتْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا ثُمَّ أَرَادَتْ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا مِنْهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ أَصَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْ أَكَذَبَتْ نَفْسَهَا، وَنَصَّ فِي الرَّضَاعِ عَلَى أَنَّهَا إذَا قَالَتْ هَذَا ابْنِي رَضَاعًا وَأَصَرَّتْ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا. قَالُوا وَبِهِ يُفْتَى فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ اهـ كَلَامُ الْبَزَّازِيَّةِ، فَقَوْلُهُ وَنَصَّ إلَخْ يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّ لَهَا التَّزَوُّجَ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ كَمَا فَعَلَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِيلَاءِ حَيْثُ ذَكَرَ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيَّةِ هَذِهِ وَأَسْقَطَ قَوْلَهُ وَنَصَّ فِي الرَّضَاعِ إلَخْ (قَوْلُهُ حَلَّ لَهَا تَزَوُّجُهُ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي حَقِّهَا مِمَّا يَخْفَى لِاسْتِقْلَالِ الرَّجُلِ بِهِ فَصَحَّ رُجُوعُهَا نَهْرٌ أَيْ حَلَّ فِي الْحُكْمِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا إذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِالثَّلَاثِ ح (قَوْلُهُ أَوْ أَقَرَّا بِذَلِكَ) أَيْ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ أَيْ وَلَمْ يُصِرَّ الرَّجُلُ عَلَى إقْرَارِهِ فَإِنَّهُ إذَا أَصَرَّ لَا يَنْفَعُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ بَعْدَهُ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَكَانَتْ تَصْلُحُ أُمًّا لَهُ أَوْ بِنْتًا لَهُ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِظُهُورِ السَّبَبِ بِإِقْرَارِهِ مَعَ إصْرَارِهِ. وَإِنْ كَانَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ أَوْ لَا تَصْلُحُ أُمًّا لَهُ أَوْ بِنْتًا لَهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ بِيَقِينٍ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ حُجَّتُهُ إلَخْ) أَيْ دَلِيلُ إثْبَاتِهِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِنْكَارِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ مَعَ الْإِصْرَارِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَهِيَ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ إلَخْ) أَيْ مِنْ الرِّجَالِ. وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ امْرَأَةً كَانَ أَوْ رَجُلًا قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكَافِي وَالنِّهَايَةِ تَبَعًا، لِمَا فِي رَضَاعِ الْخَانِيَّةِ: لَوْ شَهِدَتْ بِهِ امْرَأَةٌ قَبْلَ النِّكَاحِ فَهُوَ فِي سِعَةٍ مِنْ تَكْذِيبِهَا، لَكِنْ فِي مُحَرَّمَاتِ الْخَانِيَّةِ إنْ كَانَ قِيلَهُ وَالْمُخْبِرُ عَدْلٌ ثِقَةٌ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ، وَإِنْ بَعْدَهُ وَهُمَا كَبِيرَانِ فَالْأَحْوَطُ التَّنَزُّهُ وَبِهِ جَزَمَ الْبَزَّازِيُّ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْأَوَّلِ وَقَعَ فِي الْجَوَازِ، وَفِي الثَّانِي فِي الْبُطْلَانِ وَالدَّفْعُ أَسْهَلَ مِنْ الدَّفْعِ. وَيُوَفَّقُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَعْلَمْ عَدَالَةَ الْمُخْبِرِ أَوْ عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا، لَكِنْ نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْمُغْنِي وَكَرَاهِيَةُ الْهِدَايَةِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الرَّضَاعِ الطَّارِئِ بِأَنْ كَانَ تَحْتَهُ مُتَغَيِّرَةٌ فَشَهِدَتْ وَاحِدَةٌ بِأَنَّ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ أَرْضَعَتْهَا بَعْدَ الْعَقْدِ. قُلْت: وَيُشِيرُ إلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ الْخَانِيَّةِ وَهُمَا كَبِيرَانِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ ظَاهِرَ الْمُتُونِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ مُطْلَقًا، فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ. قُلْت: وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ كَافِي الْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ جَمَعَ كُتُبَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ اللَّحْمِ، فَرَاجِعْهُ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ.
[تَنْبِيهٌ]
فِي الْهِنْدِيَّةِ: تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَتْ امْرَأَةٌ أَرْضَعْتُكُمَا فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إنْ صَدَّقَاهَا فَسَدَ النِّكَاحُ وَلَا مَهْرَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ، وَإِنْ كَذَّبَاهَا وَهِيَ عَدْلَةٌ فَالتَّنَزُّهُ الْمُفَارَقَةُ وَالْأَفْضَلُ لَهُ إعْطَاءُ نِصْفِ الْمَهْرِ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَالْأَفْضَلُ لَهَا أَنْ لَا تَأْخُذَ شَيْئًا، وَلَوْ دَخَلَ فَالْأَفْضَلُ كَمَالُهُ وَالنَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَالْأَفْضَلُ لَهَا أَخْذُ الْأَقَلِّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى لَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى وَيَسَعُهُ الْمَقَامُ مَعَهَا، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ غَيْرُ عُدُولٍ أَوْ امْرَأَتَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ، وَإِنْ صَدَّقَهَا الرَّجُلُ وَكَذَّبَتْهَا فَسَدَ النِّكَاحُ وَالْمَهْرُ بِحَالِهِ وَإِنْ بِالْعَكْسِ لَا يَفْسُدُ وَلَهَا أَنْ تُحَلِّفَهُ وَيُفَرَّقَ إذَا نَكَلَ اهـ (قَوْلُهُ وَعَدْلَتَيْنِ) أَيْ وَلَوْ إحْدَاهُمَا
стр. 1507
لِتَضَمُّنِهَا حَقَّ الْعَبْدِ (وَهَلْ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى دَعْوَى الْمَرْأَةِ؛ الظَّاهِرُ لَا) لِتَضَمُّنِهَا حُرْمَةَ الْفَرْجِ وَهِيَ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى (كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِطَلَاقِهَا) . وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهَا عَدْلَانِ عَلَى الرَّضَاعِ بَيْنَهُمَا أَوْ طَلَاقِهَا ثَلَاثًا وَهُوَ يَجْحَدُ ثُمَّ مَاتَا أَوْ غَابَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَسَعُهَا الْمُقَامُ مَعَهُ وَلَا قَتْلُهُ بِهِ يُفْتَى، وَلَا التَّزَوُّجُ بِآخَرَ. وَقِيلَ لَهَا التَّزَوُّجُ دِيَانَةً شَرْحٌ وَهْبَانِيَّةٌ.
[فُرُوعٌ] :
قَضَى الْقَاضِي بِالتَّفْرِيقِ بِرَضَاعٍ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ لَمْ يَنْفُذْ. مَصَّ رَجُلٌ ثَدْيَ زَوْجَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ. تَزَوَّجَ صَغِيرَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْ كُلًّا امْرَأَةٌ وَلَبَنُهُمَا مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَضْمَنَا وَإِنْ تَعَمَّدَتَا الْفَسَادَ لِعُرُوضِهِ بِالْأُخْتِيَّةِ قَبَّلَ الِابْنُ زَوْجَةَ أَبِيهِ وَقَالَ: تَعَمَّدْت الْفَسَادَ غَرِمَ الْمَهْرَ.
ــ
[رد المحتار]
الْمُرْضِعَةُ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ شَهَادَتِهَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ كَشَهَادَةِ الْقَاسِمِ وَالْوَزَّانِ وَالْكَيَّالِ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ حَيْثُ كَانَ حَاضِرًا بَحْرٌ.
قُلْت: وَمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ النُّتَفِ مِنْ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَتْ وَحْدَهَا احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ أَوْهَمَ نَظْمُ الْوَهْبَانِيَّةِ خِلَافَ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِتَضَمُّنِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ حَقَّ الْعَبْدِ أَيْ إبْطَالَ حَقِّهِ وَهُوَ حِلُّ التَّمَتُّعِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ أَيْ إنْ لَمْ تُوجَدْ الْمُتَارَكَةُ لِمَا فِي النَّهْرِ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا كَمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي اللِّعَانِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَرْتَفِعُ بِحُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ بَلْ يَفْسُدُ، حَتَّى لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ أَوْ لَمْ يَشْتَبِهْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْفَاسِدِ لَا بُدَّ مِنْ تَفْرِيقِ الْقَاضِي أَوْ الْمُتَارَكَةِ بِالْقَوْلِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَفِي غَيْرِهَا يُكْتَفَى بِالْمُفَارَقَةِ بِالْأَبْدَانِ كَمَا مَرَّ. اهـ.
(قَوْلُهُ الظَّاهِرُ لَا) كَذَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْبَحْرِ مُسْتَنِدًا لِمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِثْلُهَا الشَّهَادَةُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةَ عَشْرَ الَّتِي تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهَا حِسْبَةً بِلَا دَعْوَى، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي قَضَاءِ الْأَشْبَاهِ فَتُزَادُ هَذِهِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ ثُمَّ مَاتَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (قَوْلُهُ لَا يَسَعُهَا الْمُقَامُ مَعَهُ) لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَوْ قَامَتْ عِنْدَ الْقَاضِي يَثْبُتُ الرَّضَاعُ فَكَذَا إذَا أَقَامَتْ عِنْدَهَا خَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَهَا التَّزَوُّجُ دِيَانَةً) أَشَارَ إلَى ضَعْفِهِ، لِمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الْقُنْيَةِ عَنْ الْعَلَاءِ التَّرْجُمَانِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ. اهـ. وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ فِي آخِرِ بَابِ الرَّجْعَةِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ قَضَى الْقَاضِي) أَيْ الْمُجْتَهِدُ أَوْ الْمُقَلِّدُ كَمَالِكِيٍّ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَنْفُذْ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُسَوَّغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ وَهِيَ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ مَذْكُورَةٌ فِي قَضَاءِ الْأَشْبَاهِ (قَوْلُهُ مَصَّ رَجُلٌ) قَيَّدَ بِهِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَبَنُهُمَا مِنْ رَجُلٍ) أَيْ وَاحِدٍ، وَقَيَّدَ بِهِ لِيُتَصَوَّرَ التَّحْرِيمُ بَيْنَ الصَّغِيرَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ لِأَبٍ رَضَاعًا أَمَّا لَوْ كَانَ لَبَنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ رَجُلٍ لَمْ تَحْرُمْ الصَّغِيرَتَانِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ غَيْرُ الزَّوْجِ، إذْ لَوْ كَانَ لَبَنُهُمَا مِنْ الزَّوْجِ فَفِي الْفَتْحِ أَنَّ الصَّوَابَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لِأَنَّ كُلًّا أَفْسَدَتْ، لِصَيْرُورَةِ كُلِّ صَغِيرَةٍ بِنْتًا لَهُ، خِلَافًا لِمَنْ حَرَّفَ الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ لَبَنُهُمَا مِنْهُ بَدَلَ قَوْلِهِ مِنْ رَجُلٍ اهـ (قَوْلُهُ لَمْ يَضْمَنَا إلَخْ) بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ ضَرَّتَهَا مُتَعَمِّدَةً الْفَسَادَ حَيْثُ ضَمِنَتْ لِأَنَّ فِعْلَ الْكَبِيرَةِ هُنَاكَ مُسْتَقِلٌّ بِالْإِفْسَادِ فَيُضَافُ الْإِفْسَادُ إلَيْهَا، أَمَّا هُنَا فَفِعْلُ كُلٍّ مِنْ الْكَبِيرَتَيْنِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِهَا فَلَا يُضَافُ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْفَسَادَ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ الْحُرْمَةِ هُنَاكَ لِأَنَّهُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَهُوَ يَقُومُ بِالْكَبِيرَةِ فَتْحٌ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ غَرِمَ الْمَهْرَ) أَيْ يَجِبُ الْمَهْرُ عَلَى الْأَبِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الِابْنِ وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْهِنْدِيَّةِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَقَيَّدَهَا بِمَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُكْرَهَةً وَصَدَّقَ الزَّوْجُ أَنَّ التَّقْبِيلَ بِشَهْوَةٍ لِتَقَعَ الْفُرْقَةُ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لَهُ. اهـ. وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً فَلَا مَهْرَ لَهَا لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا ثُمَّ يَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ
стр. 1508
وَلَوْ وَطِئَهَا وَقَالَ ذَلِكَ لَا لِلُزُومِ الْحَدِّ فَلَمْ يَلْزَمْ الْمَهْرُ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ (هُوَ) لُغَةً رَفْعُ الْقَيْدِ لَكِنْ جَعَلُوهُ فِي الْمَرْأَةِ طَلَاقًا وَفِي غَيْرِهَا إطْلَاقًا، فَلِذَا كَانَ أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِالسُّكُونِ كِنَايَةً وَشَرْعًا (رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ
ــ
[رد المحتار]
الرَّحْمَتِيُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَهْرِ نِصْفُهُ، أَمَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا غُرْمَ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالدُّخُولِ وَالْأَبُ قَدْ اسْتَوْفَاهُ؛ كَمَا قَالُوا فِي رُجُوعِ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ غَرِمَا نِصْفَ الْمَهْرِ وَإِنْ بَعْدَهُ فَلَا غُرْمَ أَصْلًا (قَوْلُهُ وَقَالَ ذَلِكَ) أَيْ تَعَمَّدْت الْفَسَادَ (قَوْلُهُ لَا) أَيْ لَا يَغْرَمُ مَا لَزِمَ الْأَبَ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ بَزَّازِيَّةٌ وَتَعْبِيرُهُ بِالنِّصْفِ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ الرَّحْمَتِيُّ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَلْزَمْ الْمَهْرَ) لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ حَدٍّ وَمَهْرٍ بَزَّازِيَّةٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى مَا عَلَّمَ
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
ِ لَمَّا ذَكَرَ النِّكَاحَ وَأَحْكَامَهُ اللَّازِمَةَ وَالْمُتَأَخِّرَةَ عَنْهُ شَرَعَ فِيمَا بِهِ يَرْتَفِعُ، وَقَدَّمَ الرَّضَاعَ لِأَنَّهُ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً بِخِلَافِ الطَّلَاقِ تَقْدِيمًا لِلْأَشَدِّ عَلَى الْأَخَفِّ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لَكِنْ جَعَلُوهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ قَالُوا: إنَّهُ اسْتَعْمَلَ فِي النِّكَاحِ بِالتَّطْلِيقِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْإِطْلَاقِ، حَتَّى كَانَ الْأَوَّلُ صَرِيحًا وَالثَّانِي كِنَايَةَ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى النِّيَّةِ فِي طَلَّقْتُك وَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ بِالتَّشْدِيدِ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فِي أَطْلَقْتُك وَمُطْلَقَةٌ بِالتَّخْفِيفِ. اهـ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ فِي الْعُرْفِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فِي اللَّفْظَيْنِ لَا يَخْتَلِفُ فِي اللُّغَةِ وَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ كَمَا يُقَالُ: حَصَانٌ وَحِصَانٌ فَإِنَّهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَرْأَةِ وَبِكَسْرِهَا فِي الْفَرَسِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعُرْفِ عُرْفَ اللُّغَةِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ قَيْدِ النِّكَاحِ، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي اللُّغَةِ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَشَرْعًا رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ) اعْتَرَضَهُمْ فِي الْبَحْرِ بِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ قَالُوا رُكْنُهُ اللَّفْظُ الْمَخْصُوصُ الدَّالُّ. عَلَى رَفْعِ الْقَيْدِ فَيَنْبَغِي تَعْرِيفُهُ بِهِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ رُكْنُهُ، فَعَلَى هَذَا هُوَ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى رَفْعِ قَيْدِ النِّكَاحِ. الثَّانِي أَنَّ الْقَيْدَ صَيْرُورَتُهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، فَكَانَ هَذَا التَّعْرِيفُ مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَا الشَّرْعِيِّ الثَّالِثُ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ وَلَوْ مَآلًا. اهـ. أَقُولُ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الطَّلَاقَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّطْلِيقُ كَالسَّلَامِ وَالسَّرَاحِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسْرِيحِ، أَوْ مَصْدَرٌ طَلُقَتْ بِضَمِّ اللَّامِ أَوْ فَتْحِهَا طَلَاقًا كَالْفَسَادِ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لُغَةً رَفْعُ الْوَثَاقِ مُطْلَقًا أَيْ حِسِّيًّا كَوَثَاقِ الْبَعِيرِ وَالْأَسِيرِ، وَمَعْنَوِيًّا كَمَا هُنَا وَأَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَةَ الطَّلَاقِ الشَّرْعِيِّ هُوَ الْحَدَثُ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْمَصْدَرِ لَا نَفْسُ اللَّفْظِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَمْرًا مَعْنَوِيًّا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِلَفْظِهِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ قِيلَ: إنَّ رُكْنَهُ اللَّفْظُ فَلَيْسَ اللَّفْظُ حَقِيقَتَهُ بَلْ دَالٌّ عَلَيْهِ فَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْفَتْحِ إنَّهُ رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ، وَعَنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَيْدِ الْعَقْدُ، وَلِذَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: هُوَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لِحَلِّ عُقْدَةِ النِّكَاحِ، فَقَدْ فَسَّرَهُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ كَمَا قُلْنَا أَوَّلًا، وَعَبَّرَ عَنْ رَفْعِ الْقَيْدِ بِحَلِّ الْعُقْدَةِ أَيْ بِفَكِّ رَابِطَةِ النِّكَاحِ اسْتِعَارَةً، وَالْمُرَادُ بِرَفْعِ الْعَقْدِ رَفْعُ أَحْكَامِهِ لِأَنَّ الْعُقُودَ كَلِمَاتٌ لَا تَبْقَى بَعْدَ التَّكَلُّمِ بِهَا كَمَا حَقَّقَهُ
стр. 1509
فِي الْحَالِ) بِالْبَائِنِ (أَوْ الْمَآلِ) بِالرَّجْعِيِّ (بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ) هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الطَّلَاقِ، فَخَرَجَ الْفُسُوخُ كَخِيَارِ، عِتْقٍ وَبُلُوغٍ وَرِدَّةٍ فَإِنَّهُ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ عِبَارَةَ الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى مَنْقُوضَةٌ طَرْدًا وَعَكْسًا بَحْرٌ (وَإِيقَاعُهُ مُبَاحٌ) عِنْدَ الْعَامَّةِ لِإِطْلَاقِ الْآيَاتِ أَكْمَلَ (وَقِيلَ) قَائِلُهُ الْكَمَالُ (الْأَصَحُّ حَظْرُهُ) (أَيْ مَنْعُهُ) (إلَّا لِحَاجَةٍ) كَرِيبَةٍ وَكِبْرٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ،
ــ
[رد المحتار]
فِي التَّلْوِيحِ فِي بَحْثِ الْعِلَلِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ النِّكَاحِ فَالطَّلَاقُ، وَقَالَ قَبْلَهُ: لِلنِّكَاحِ الصَّحِيحِ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ وَبَعْضُهَا مِنْ التَّوَابِعِ؛ فَالْأَوَّلُ حِلُّ الْوَطْءِ إلَّا لِعَارِضٍ. وَالثَّانِي حِلُّ النَّظَرِ وَمِلْكُ الْمُتْعَةِ وَمِلْكُ الْحَبْسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. اهـ. وَأَمَّا مَا أُورِدَ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ مِنْ آثَارِ الْعَقْدِ الْعِدَّةَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَلِذَا لَمْ يُفَسِّرُوهُ بِرَفْعِ الْعَقْدِ، فَفِيهِ أَنَّ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهَا، وَكَوْنُهَا مِنْ آثَارِهِ لَا يُنَافِي وُجُودَهَا بَعْدَ رَفْعِ أَحْكَامِهِ كَمَا أَنَّ نَفْسَ الطَّلَاقِ مِنْ آثَارِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحْكَامِهِ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُقُودَ عِلَلٌ لِأَحْكَامِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَالُوا أَيْضًا: إنَّ الْخَارِجَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْحُكْمِ إنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِيهِ فَهُوَ الْعِلَّةُ، وَإِنْ كَانَ مُفْضِيًا إلَيْهِ بِلَا تَأْثِيرٍ فَهُوَ السَّبَبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا فِيهِ وَلَا مُفْضِيًا إلَيْهِ؛ فَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ وُجُودُ الْحُكْمِ فَهُوَ الشَّرْطُ، وَإِلَّا فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ فَهُوَ الْعَلَامَةُ وَتَمَامُهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَلَا شُبْهَةَ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عِلَّةٌ لِحَلِّ الْوَطْءِ وَنَحْوِهِ لَا لِرَفْعِ الْحِلِّ بَلْ رَفْعُ الْحِلِّ عِلَّتُهُ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ وَضْعٌ لَهُ، نَعَمْ النِّكَاحُ شَرْطُهُ كَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ الْوَاجِبَةِ لِأَجْلِهِ فَقَدْ صَرَّحُوا فِي بَابِ الْعِدَّةِ أَنَّ شَرْطَهَا رَفْعُ النِّكَاحِ أَوْ شُبْهَتِهِ، فَالنِّكَاحُ شَرْطٌ لِانْعِقَادِ الطَّلَاقِ شَرْطًا لِلْعِدَّةِ فَصَحَّ كَوْنُهَا مِنْ آثَارِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فِي الْحَالِ بِالْبَائِنِ) مُتَعَلِّقَانِ بِرَفْعِ (قَوْلُهُ أَوْ الْمَآلِ) أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ انْضِمَامِ طَلْقَتَيْنِ إلَى الْأُولَى وَعَلَيْهِ فَلَوْ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَمَا رَاجَعَهَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَبَيَّنَ عَدَمَ وُقُوعِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى؛ حَتَّى لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُوقِعْ عَلَيْهَا طَلَاقًا قَطُّ لَا يَحْنَثُ بَحْرٌ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ تَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ، فَقَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ بِدُونِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مُحَالٌ مَقْدِسِيٌّ فَالصَّوَابُ فِي تَعْرِيفِهِ الشَّامِلِ لِنَوْعَيْهِ مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، مِنْ أَنَّهُ إزَالَةُ النِّكَاحِ أَوْ نُقْصَانُ حِلِّهِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ. قُلْت: وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: أَمَّا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ فَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لَهُ نُقْصَانُ الْعَدَدِ، فَأَمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ وَحِلُّ الْوَطْءِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ أَصْلِيٍّ لَهُ لَازِمٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ لِلْحَالِ بَلْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَهَذَا عِنْدَنَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ زَوَالُ حِلِّ الْوَطْءِ مِنْ أَحْكَامِهِ الْأَصْلِيَّةِ لَهُ حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْمُرَاجَعَةِ (قَوْلُهُ هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الطَّلَاقِ) أَيْ عَلَى مَادَّةِ ط ل ق صَرِيحًا، مِثْلُ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كِنَايَةً كَمُطْلَقَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَكَأَنْتِ طَ لِ قُ وَغَيْرِهِمَا كَقَوْلِ الْقَاضِي فَرَّقْت بَيْنَهُمَا عِنْدَ إبَاءِ الزَّوْجِ الْإِسْلَامَ وَالْعُنَّةِ وَاللِّعَانِ وَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ الْمُفِيدَةِ لِلرَّجْعَةِ وَالْبَيْنُونَةِ وَلَفْظِ الْخُلْعِ فَتْحٌ، لَكِنَّ قَوْلَهُ وَغَيْرَهُمَا أَيْ غَيْرَ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي فَرَّقْت، وَالْكِنَايَاتِ وَلَفْظَ الْخُلْعِ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَى مَادَّةِ ط ل ق وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْمُنَاسِبُ عَطْفُهُ عَلَى مَا اشْتَمَلَ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَا وَثَنَّاهُ نَظَرًا لِلْمَعْنَى لِأَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ (قَوْلُهُ فَخَرَجَ الْفُسُوخُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: فَخَرَجَ تَفْرِيقُ الْقَاضِي فِي إبَائِهَا، وَرِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ، وَعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَنُقْصَانِ الْمَهْرِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ طَلَاقًا. اهـ. وَقَدْ مَرَّ نَظْمٌ فِي بَابِ الْوَلِيِّ، مَا هُوَ طَلَاقٌ وَمَا هُوَ فَسْخٌ وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُشْتَرَطُ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَبِهَذَا) أَيْ بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ أَوْ الْمَآلِ وَقَوْلُهُ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ (قَوْلُهُ عِبَارَةَ الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى) هِيَ رَفْعُ الْقَيْدِ الثَّابِتِ شَرْعًا بِالنِّكَاحِ (قَوْلُهُ مَنْقُوضَةٌ طَرْدًا وَعَكْسًا) أَيْ إنَّهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ لِدُخُولِ الْفُسُوخِ فِيهَا وَغَيْرُ جَامِعَةٍ لِخُرُوجِ الرَّجْعِيِّ (قَوْلُهُ كَرِيبَةٍ) هِيَ الظَّنُّ وَالشَّكُّ: أَيْ ظَنُّ الْفَاحِشَةِ (قَوْلُهُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]-
стр. 1510
وَقَوْلُهُمْ الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّارِعَ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فَأَبَاحَهُ،
ــ
[رد المحتار]
«وَلِأَنَّهُ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ لَا لِرِيبَةٍ وَلَا كِبْرٍ» ، وَكَذَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ اسْتَكْثَرَ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» ، فَالْمُرَادُ بِالْحَلَالِ مَا لَيْسَ فِعْلُهُ بِلَازِمٍ الشَّامِلُ لِلْمُبَاحِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَكْرُوهِ كَمَا قَالَهُ الشُّمُنِّيُّ بَحْرٌ مُلَخَّصًا قُلْت: لَكِنْ حَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ كَوْنَهُ مَبْغُوضًا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَلَالًا، فَإِنَّ الْحَلَالَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ وَهُوَ مَبْغُوضٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُرِيدَ بِالْحَلَالِ مَا لَا يَتَرَجَّحُ تَرْكُهُ عَلَى فِعْلِهِ؛ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مُؤَبِّدٌ لِلْقَوْلِ الثَّانِي، وَيَأْتِي بَعْدَهُ تَأْيِيدُهُ أَيْضًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمْ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فِي الْفَتْحِ: إنَّ قَوْلَهُمْ بِإِبَاحَتِهِ وَإِبْطَالِهِمْ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا يُبَاحُ إلَّا لِكِبَرٍ أَوْ رِيبَةٍ «بِأَنَّهُ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ» وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنَافٌ لِقَوْلِهِمْ الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْرَانِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ وَالْإِبَاحَةُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْخَلَاصِ، وَلِحَدِيثِ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ شَرْعًا، وَإِنَّمَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْحَظْرُ وَتُرِكَ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ فَصَارَ الْحِلُّ هُوَ الْمَشْرُوعُ؛ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: الْأَصْلُ فِي النِّكَاحِ الْحَظْرُ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُلِ، فَهَلْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَحْظُورٌ؟ فَالْحَقُّ إبَاحَتُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ طَلَبًا لِلْخَلَاصِ مِنْهَا لِلْأَدِلَّةِ الْمَارَّةِ. اهـ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ مِنْ الْفَرْقِ فَإِنَّ الْحَظْرَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي النِّكَاحِ قَدْ زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ حَظْرٌ أَصْلًا إلَّا لِعَارِضٍ خَارِجِيٍّ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إزَالَةُ الرِّقِّ، وَأَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي الْحَظْرَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ؛ وَهُوَ مَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّكَاحِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَصَالِحُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَمَحْظُورٌ مِنْ جِهَتَيْنِ وَأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا لِاخْتِلَافِ الْحَيْثِيَّةِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، فَكَوْنُ الْأَصْلِ فِيهِ الْحَظْرُ لَمْ يَزُلْ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ هُوَ بَاقٍ إلَى الْآنَ؛ بِخِلَافِ الْحَظْرِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ انْتِفَاعًا بِجُزْءِ الْآدَمِيِّ الْمُحْتَرَمِ وَاطِّلَاعًا عَلَى الْعَوْرَاتِ قَدْ زَالَ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّوَالُدِ وَبَقَاءِ الْعَالَمِ. وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْحَظْرُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ إلَّا لِعَارِضٍ يُبِيحُهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْخَلَاصِ، فَإِذَا كَانَ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَاجَةٌ إلَى الْخَلَاصِ بَلْ يَكُونُ حُمْقًا وَسَفَاهَةَ رَأْيٍ وَمُجَرَّدَ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ وَإِخْلَاصِ الْإِيذَاءِ بِهَا وَبِأَهْلِهَا وَأَوْلَادِهَا، وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ سَبَبَهُ الْحَاجَةُ إلَى الْخَلَاصِ عِنْدَ تَبَايُنِ الْأَخْلَاقِ وَعُرُوضِ الْبَغْضَاءِ الْمُوجِبَةِ عَدَمَ إقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَيْسَتْ الْحَاجَةُ مُخْتَصَّةً بِالْكِبْرِ وَالرِّيبَةِ كَمَا قِيلَ، بَلْ هِيَ أَعَمُّ كَمَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ، فَحَيْثُ تَجَرَّدَ عَنْ الْحَاجَةِ الْمُبِيحَةِ لَهُ شَرْعًا يَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ مِنْ الْحَظْرِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤] أَيْ لَا تَطْلُبُوا الْفِرَاقَ، وَعَلَيْهِ حَدِيثُ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُحْمَلُ لَفْظُ الْمُبَاحِ عَلَى مَا أُبِيحَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَعْنِي أَوْقَاتِ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ الْمُبِيحَةِ اهـ وَإِذَا وُجِدَتْ الْحَاجَةُ الْمَذْكُورَةُ أُبِيحَ وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْهُ ﷺ وَمِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ صَوْنًا لَهُمْ عَنْ الْعَبَثِ وَالْإِيذَاءِ بِلَا سَبَبٍ، فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ إنَّ الْحَقَّ إبَاحَتُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ طَلَبًا لِلْخَلَاصِ مِنْهَا، إنْ أَرَادَ بِالْخَلَاصِ مِنْهَا الْخَلَاصَ بِلَا سَبَبٍ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ إبَاحَتَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْخَلَاصِ، فَلَمْ يُبِيحُوهُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا عِنْدَ مُجَرَّدِ إرَادَةِ الْخَلَاصِ وَإِنْ أَرَادَ الْخَلَاصَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا إنَّ مَا صَحَّحَهُ فِي الْفَتْحِ اخْتِيَارٌ لِلْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَلَيْسَ الْمَذْهَبُ عَنْ عُلَمَائِنَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الضَّعِيفَ هُوَ عَدَمُ إبَاحَتِهِ إلَّا لِكِبَرٍ أَوْ رِيبَةٍ. وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْفَتْحِ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ الْحَاجَةَ.
следующие страницы →