Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
وَقَدْ كَثُرَ فِي زَمَانِنَا قَوْلُ الرَّجُلِ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى الْأَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِوُقُوعِهِ قَضَاءً وَدِيَانَةً.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ أَوْ فُلَانٍ الْقَاضِي أَوْ الْمُفْتِي دِينَ.
قَالَ: نِسَاءُ الدُّنْيَا أَوْ نِسَاءُ الْعَالَمِ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقْ امْرَأَتُهُ، بِخِلَافِ نِسَاءِ الْمَحَلَّةِ وَالدَّارِ وَالْبَيْتِ: وَفِي نِسَاءِ الْقَرْيَةِ وَالْبَلْدَةِ خِلَافُ الثَّانِي وَكَذَا الْعِتْقُ
قَالَتْ لِزَوْجِهَا: طَلِّقْنِي فَقَالَ فَعَلْتُ طَلُقَتْ، فَإِنْ قَالَتْ زِدْنِي فَقَالَ فَعَلْتُ طَلُقَتْ أُخْرَى. وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي طَلِّقْنِي طَلِّقْنِي، فَقَالَ طُلِّقْتِ فَوَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يَنْوِ الثَّلَاثَ؛ وَلَوْ عَطَفَتْ بِالْوَاوِ فَثَلَاثٌ.
ــ
[رد المحتار]
مَنْقُولٌ ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِوُقُوعِهِ قَضَاءً وَدِيَانَةً) وَلَا شُبْهَةَ فِي كَوْنِهِ رَجْعِيًّا لَا بَائِنًا لِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ كُلِّهَا عَلَى وُقُوعِ الرَّجْعِيِّ بِأَنْتِ طَالِقٌ، وَتَمَامُهُ فِي الْخَيْرِيَّةِ؛ وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى مَذْهَبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا أَفْتَى بِهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا، وَكَذَا: أَنْتِ طَالِقٌ لَا يَرُدُّكِ قَاضٍ وَلَا عَالِمٌ، أَوْ أَنْتِ تَحِلِّي لِلْخَنَازِيرِ وَتَحْرُمِي عَلَيَّ فَيَقَعُ بِالْكُلِّ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ (قَوْلُهُ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إلَخْ) وَكَذَا فِي قَوْلِ الْقُضَاةِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الْقُرْآنِ فَتَطْلُقُ قَضَاءً وَلَا تَطْلُقُ دِيَانَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ خَانِيَّةٌ: لَكِنْ فِي الْفَتْحِ أَوَّلَ الطَّلَاقَ: وَلَوْ قَالَ طَالِقٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ مَعَهُ، فَإِنْ نَوَى طَلَاقَ السُّنَّةِ وَقَعَ فِي أَوْقَاتِهَا وَإِلَّا وَقَعَ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ؛ وَلَوْ قَالَ: عَلَى الْكِتَابِ أَوْ بِهِ عَلَى قَوْلِ الْقُضَاةِ أَوْ الْفُقَهَاءِ أَوْ طَلَاقِ الْقُضَاةِ أَوْ الْفُقَهَاءِ فَإِنْ نَوَى السُّنَّةَ دِينَ، وَفِي الْقَضَاءِ يَقَعُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ قَوْلَ الْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ يَقْتَضِي الْأَمْرَيْنِ، فَإِذَا خَصَّصَ دِينَ وَلَا يُسْمَعُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ اهـ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ قَالَ نِسَاءُ الدُّنْيَا إلَخْ) فِي الْأَشْبَاهِ عَلَى عِتْقِ الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ قَالَ عَبِيدُ أَهْلِ بَغْدَادَ أَحْرَارٌ وَلَمْ يَنْوِ عَبْدَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ قَالَ كُلُّ عَبِيدِ أَهْلِ بَغْدَادَ أَوْ كُلُّ عَبْدٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي الدُّنْيَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُعْتَقُ عَبْدُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُعْتَقُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الطَّلَاقُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ وَلَوْ قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ فِي هَذِهِ السِّكَّةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ حُرٌّ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ؛ وَلَوْ قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَعَبِيدُهُ فِيهَا عَتَقُوا فِي قَوْلِهِمْ، لَا لَوْ قَالَ وَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ أَحْرَارٌ فِي قَوْلِهِمْ اهـ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْمَحَلَّةِ كَالْبَلْدَةِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى السِّكَّةِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَوَّلًا الْخِلَافَ فِي نِسَاءِ أَهْلِ بَغْدَادَ طَالِقٌ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَرِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا تَطْلُقُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ عَامٌّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا تَطْلُقُ بِلَا نِيَّةٍ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ أَنَّ فِي الْقَرْيَةِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ، مِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهَا بِالْبَيْتِ وَالسِّكَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهَا بِالْمِصْرِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْخِلَافِ فِي السِّكَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ الْوُقُوعِ فِي الْمِصْرِ وَأَهْلِ الدُّنْيَا، بِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بِهِ لَكَانَ إنْشَاءً فِي حَقِّهِ فَيَكُونُ إنْشَاءً أَيْضًا فِي حَقِّهِمْ، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى إجَازَتِهِمْ وَهِيَ مُتَعَذِّرَةٌ
(قَوْلُهُ فَقَالَ فَعَلْت) أَيْ طَلُقَتْ بِقَرِينَةِ الطَّلَبِ (قَوْلُهُ فَوَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يَنْوِ الثَّلَاثَ) أَيْ بِأَنْ نَوَى الْوَاحِدَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لِأَنَّهُ بِدُونِ الْعَطْفِ يَحْتَمِلُ تَكْرِيرَ الْأَوَّلِ وَيَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ، فَأَيَّ ذَلِكَ نَوَى الزَّوْجُ صَحَّتْ نِيَّتُهُ كَذَا فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ. وَفِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ تَقَعُ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ نِيَّةَ الزَّوْجِ ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ عَطَفَتْ بِالْوَاوِ فَثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ قَرِينَةُ التَّكْرَارِ فَيُطَابِقُهُ الْجَوَابُ وَفِي الْخَانِيَّةِ: قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا فَقَالَ فَعَلْتُ، أَوْ قَالَ طَلَّقْتُ وَقَعْنَ؛ وَلَوْ قَالَ مُجِيبًا لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَقَعُ وَاحِدَةٌ اهـ أَيْ وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ طَلِّقْنِي أَمْرٌ بِالتَّطْلِيقِ، وَقَوْلُهُ طَلَّقْتُ تَطْلِيقٌ فَصَحَّ جَوَابًا وَالْجَوَابُ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ، بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِالْمَحَلِّ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ التَّطْلِيقُ اقْتِضَاءً تَصْحِيحًا لِلْوَصْفِ، وَالثَّابِتُ اقْتِضَاءٌ ضَرُورِيٌّ فَيَثْبُتُ التَّطْلِيقُ فِي حَقِّ صِحَّةِ هَذَا الْوَصْفِ لَا فِي حَقِّ كَوْنِهِ جَوَابًا فَبَقِيَ أَنْتِ طَالِقٌ كَلَامًا مُبْتَدَأً وَأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ
стр. 1577
وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي فَأَجَازَ طَلُقَتْ اعْتِبَارًا بِالْإِنْشَاءِ، كَذَا أَبَنْتُ نَفْسِي إذَا نَوَى وَلَوْ ثَلَاثًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَفِي اخْتَرْتُ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ إلَّا جَوَابًا.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ: مَنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ عَلَيْهِ حَرَامًا فَلْيَفْعَلْ هَذَا الْأَمْرَ فَفَعَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَهُوَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِحُرْمَتِهَا، وَقِيلَ لَا، انْتَهَى.
وَسُئِلَ أَبُو اللَّيْثِ عَمَّنْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: كُلُّ مَنْ لَهُ امْرَأَةٌ مُطَلَّقَةٌ فَلْيُصَفِّقْ بِيَدِهِ فَصَفَّقُوا فَقَالَ طُلِّقْنَ، وَقِيلَ لَيْسَ هُوَ بِإِقْرَارٍ.
جَمَاعَةٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ هَذَا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ الْحَالِفُ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ لِأَنَّ كَلِمَةَ (مَنْ) لِلتَّعْمِيمِ
ــ
[رد المحتار]
الثَّلَاثَ، أَفَادَهُ فِي الذَّخِيرَةِ
(قَوْلُهُ اعْتِبَارًا بِالْإِنْشَاءِ) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَيَمْلِكُ الْإِجَازَةَ الَّتِي هِيَ أَضْعَفُ بِالْأَوْلَى شَرْحُ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِلْفَارِسِيِّ (قَوْلُهُ إذَا نَوَى) صَوَابُهُ إذَا نَوَيَا بِضَمِيرِ الْمُثَنَّى كَمَا هُوَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ قَالَ الْفَارِسِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَكَذَا لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ أَبَنْتُ نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ أَجَزْتُ لِمَا قُلْنَا، لَكِنْ بِشَرْطِ نِيَّةِ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ وَتَصِحُّ هُنَا نِيَّةُ الثَّلَاثِ.
أَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الزَّوْجِ فَلِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْنُونَةِ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا نِيَّةُ الْمَرْأَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ وَقَالُوا يَجِبُ أَنْ يَشْتَرِطَ حَتَّى يَقَعَ التَّصَرُّفُ تَطْلِيقًا عَلَى الْإِجَازَةِ، وَأَمَّا بِدُونِ نِيَّتِهَا يَقَعُ إخْبَارًا عَنْ بَيْنُونَةِ الشَّخْصِ أَوْ بَيْنُونَةِ شَيْءٍ آخَرَ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ فَلَا يَتَوَقَّفُ. وَأَمَّا صِحَّةُ نِيَّةِ الثَّلَاثِ فَلِمَا عُرِفَ مِنْ احْتِمَالِ لَفْظِ هَذِهِ الْكِنَايَةِ الثَّلَاثَ اهـ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ أَجَزْتُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ طَلَّقْت فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَلَا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ ح (قَوْلُهُ وَفِي اخْتَرْتُ لَا يَقَعُ إلَخْ) أَيْ لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ اخْتَرْتُ نَفْسِي مِنْكَ فَقَالَ الزَّوْجُ أَجَزْتُ وَنَوَى الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّ قَوْلَهَا اخْتَرْتُ لَمْ يُوضَعْ لِلطَّلَاقِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، وَلِهَذَا لَوْ أَنْشَأَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ لَهَا اخْتَرْتُكِ أَوْ اخْتَرْتُ نَفْسَكِ وَنَوَى الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ وَلَا عُرِفَ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِهِ إلَّا إذَا وَقَعَ جَوَابًا لِتَخْيِيرِ الزَّوْجِ إيَّاهَا فِي الطَّلَاقِ شَرْحُ التَّلْخِيصِ
(قَوْلُهُ مَنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ عَلَيْهِ حَرَامًا) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِرَفْعِ حَرَامٍ، وَالصَّوَابُ مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مِنْ النَّصْبِ لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ (قَوْلُهُ فَهُوَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِحُرْمَتِهَا) عِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: فَهَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ اهـ وَأَفَادَ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ أَيْ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ دِيَانَةً إذَا لَمْ يَكُنْ حَرَّمَهَا مِنْ قَبْلُ، كَمَا أَخْبَرَ بِطَلَاقِهَا كَاذِبًا.
لَا يُقَالُ: إنَّ هَذِهِ لَا تَصِحُّ لُغْزًا لِأَنَّهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِلَا لَفْظٍ أَصْلًا لَا صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَبِلَا رِدَّةٍ وَإِبَاءٍ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا إقْرَارٌ عَنْ تَحْرِيمٍ مِنْهُ سَابِقٍ طَلَاقٌ لَا إنْشَاءُ طَلَاقٍ فِي الْحَالِ بِغَيْرِ لَفْظٍ، نَعَمْ يُقَالُ هَذَا إقْرَارٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ بَلْ بِالْفِعْلِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَدْ يَكُونُ بِالْإِشَارَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَلَا فِعْلٍ كَالسُّكُوتِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَكُونُ إقْرَارًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَسُئِلَ إلَخْ) تَأْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ وَبَيَانٌ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِعْلِ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَبَيْنَ التَّحْرِيمِ الْمُفِيدِ الْبَائِنِ وَالتَّطْلِيقِ الْمُفِيدِ الرَّجْعِيِّ (قَوْلُهُ طُلِّقْنَ) أَيْ طُلِّقَ نِسَاءُ كُلٍّ مِنْ الْمُصَفِّقِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا التَّصْفِيقَ إقْرَارٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ الْحَالِفُ) سَكَتَ عَمَّا إذَا تَكَلَّمَ غَيْرُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْمُتَكَلِّمِ لَا يَسْرِي حُكْمُهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا إذَا قَالَ الْغَيْرُ وَأَنَا كَذَلِكَ مَثَلًا، وَأَمَّا الْفَرْعَانِ السَّابِقَانِ فَجُعِلَا مِنْ الْإِقْرَارِ لَا الْإِنْشَاءِ وَالتَّعْلِيقُ إنْشَاءٌ ط.
قُلْتُ: يُؤَيِّدُهُ مَا فِي أَيْمَانِ الْبَزَّازِيَّةِ جَمَاعَةٌ كَأَنْ يَصْفَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مَنْ صَفَعَ صَاحِبَهُ بَعْدَهُ فَامْرَأَتُهُ
стр. 1578
وَالْحَالِفُ لَا يُخْرِجُ نَفْسَهُ عَنْ الْيَمِينِ فَيَحْنَثُ
بَابُ الْكِنَايَاتِ (كِنَايَتُهُ) عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ) أَيْ الطَّلَاقِ (وَاحْتَمَلَهُ) وَغَيْرَهُ (فَ) الْكِنَايَاتُ (لَا تَطْلُقُ بِهَا)
ــ
[رد المحتار]
طَالِقٌ فَقَالَ وَاحِدٌ " هَلَّا " ثُمَّ صَفَعَ الْقَائِلُ صَاحِبَهُ لَا يَقَعُ، لِأَنَّ هَلَّا لَيْسَ بِيَمِينٍ اهـ وَهَلَّا كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَالْحَالِفُ لَا يُخْرِجُ نَفْسَهُ عَنْ الْيَمِينِ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ دُخُولَ الْحَالِفِ هُنَا عُمُومُ كَلَامِهِ لِقَرِينَةٍ إنْ قُلْنَا إنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ. وَفِي التَّحْرِيرِ أَنَّ دُخُولَهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْكِنَايَاتِ]
ِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ الصَّرِيحِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ لِمَا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِفْهَامِ وَالصَّرِيحُ أُدْخِلَ فِيهِ شَرَعَ فِي الْكِنَايَاتِ، وَهُوَ مَصْدَرُ كَنَّا يُكِنُّ إذَا سَتَرَ نَهْرٌ (قَوْلُهُ كِنَايَتُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ) أَيْ كِنَايَةُ الطَّلَاقِ الْمُرَادَةُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَإِلَّا فَمَعْنَاهَا عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا كَالْأُصُولِيِّينَ: مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ فِي نَفْسِهِ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَخَرَجَ بِالْأَخِيرِ مَا اسْتَرَدَّ الْمُرَادَ فِي الصَّرِيحِ بِوَاسِطَةٍ نَحْوُ غَرَابَةِ اللَّفْظِ أَوْ انْكَشَفَ الْمُرَادُ فِي الْكِنَايَةِ بِوَاسِطَةِ التَّفْسِيرِ، وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ مِنْ أَقْسَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَالْحَقِيقَةُ الَّتِي لَمْ تُهْجَرْ صَرِيحٌ وَالْمَهْجُورَةُ الَّتِي غَلَبَ مَعْنَاهَا الْمَجَازُ كِنَايَةٌ، وَالْمَجَازُ الْغَالِبُ الِاسْتِعْمَالِ صَرِيحٌ وَغَيْرُ غَالِبٍ كِنَايَةٌ. اهـ. ح (قَوْلُهُ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ إلَخْ) أَيْ بَلْ وُضِعَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ حُكْمِهِ لِأَنَّ مَا سِوَى الثَّلَاثِ الرَّجْعِيَّةِ الْآتِيَةِ لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ أَصْلًا، بَلْ هُوَ حُكْمُهُ فِي الْبَيْنُونَةِ مِنْ النِّكَاحِ؛ وَعَلَيْهِ فَفِي قَوْلِهِ وَاحْتَمَلَهُ تَسَاهُلٌ، وَالْمُرَادُ احْتَمَلَهُ مُتَعَلِّقًا لِمَعْنَاهُ، وَأَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى عَدَمِ حَصْرِهَا، لِذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى ثُمَّ أَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ كَثِيرَةٌ تَرْتَقِي إلَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ لَفْظًا عَلَى مَا فِي النَّظْمِ وَالنُّتَفِ وَزِيدَ غَيْرُهَا فَتَنَبَّهْ. اهـ. وَمِنْهَا عَدَّيْتُ عَنْهَا فَيَقَعُ بِهِ الْبَائِنُ بِالنِّيَّةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ الْحَائِكُ. قُلْت: وَمِنْهَا أَنْتِ خَالِصَةٌ الْمُسْتَعْمَلُ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى خَلِيَّةٍ وَبَرِيَّةٍ تَأَمَّلْ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: قَالَ لِآخَرَ إنْ كُنْت تَضْرِبُنِي لِأَجْلِ فُلَانَةَ الَّتِي تَزَوَّجْتُهَا فَإِنِّي تَرَكْتُهَا فَخُذْهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ.
[تَنْبِيهٌ] أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ مِنْهَا عَلَى يَمِينٍ لَا أَفْعَلُ كَذَا نَاوِيًا الطَّلَاقَ، فَتَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لِقَوْلِهِمْ الْكِنَايَةُ مَا احْتَمَلَ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَعْرِيفِ الْكِنَايَةِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِلَفْظٍ يَصِحُّ خِطَابُهَا بِهِ وَيَصْلُحُ لِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ الَّذِي أَضْمَرَهُ أَوْ لِلْأَخْيَارِ بِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ كَأَنْتِ حَرَامٌ، إذْ يَحْتَمِلُ لِأَنِّي طَلَّقْتُكِ أَوْ حَرَامُ الصُّحْبَةِ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَلْفَاظِ، وَلَيْسَ لَفْظُ الْيَمِينِ كَذَا إذَا لَا يَصِحُّ بِأَنْ يُخَاطِبَهَا بِأَنْتِ يَمِينٌ فَضْلًا عَنْ إرَادَةِ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ بِهِ أَوْ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ حَتَّى لَوْ قَالَ أَنْتِ يَمِينٌ لِأَنِّي طَلَّقْتُكِ لَا يَصِحُّ فَلَيْسَ كُلُّ مَا احْتَمَلَ الطَّلَاقَ مِنْ كِنَايَتِهِ بَلْ بِهَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ وَلَا بُدَّ مِنْ ثَالِثٍ هُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُسَبَّبًا عَنْ الطَّلَاقِ وَنَاشِئًا عَنْهُ كَالْحُرْمَةِ فِي أَنْتِ حَرَامٌ وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَدَمَ الْوُقُوعِ، بِلَا أُحِبُّكِ لَا أَشْتَهِيكِ لَا رَغْبَةَ لِي فِيكِ وَإِنْ نَوَى. وَوَجْهُهُ أَنَّ مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنْ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْغَالِبَ النَّدَمُ بَعْدَهُ فَتَنْشَأُ الْمَحَبَّةُ وَالِاشْتِهَاءُ وَالرَّغْبَةُ، بِخِلَافِ الْحُرْمَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لِأَنِّي طَلَّقْتُكِ، فَفِي لَفْظِ الْيَمِينِ بِالْأَوْلَى، لِأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْكِنَايَةَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ كَمَا يَأْتِي مَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِسُؤَالِ الطَّلَاقِ لَا غَيْرُ كَاعْتَدِّي، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا لِسُؤَالِهَا كَاخْرُجِي؛ وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَسَبًّا كَخَلِيَّةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ غَيْرُ
стр. 1579
قَضَاءً (إلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ) وَهِيَ حَالَةُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ أَوْ الْغَضَبِ،
ــ
[رد المحتار]
صَالِحٍ لِشَيْءٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا إذَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ جَوَابُهَا بِقَوْلِهِ عَلَيَّ يَمِينٌ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا لِأَنَّ الْجَوَابَ يَكُونُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إنْشَاءِ الطَّلَاقِ إجَابَةً لِسُؤَالِهَا كَاعْتَدِّي أَوْ عَلَى عَدَمِهِ رَدًّا لِطَلَبِهَا كَاخْرُجِي أَوْ سَبًّا لَهَا كَخَلِيَّةٍ، وَعَلَيَّ يَمِينٌ لَا يَدُلُّ عَلَى إنْشَاءِ الطَّلَاقِ اهـ مُلَخَّصًا مَعَ زِيَادَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الطُّورِيِّ إذَا قَالَ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَسَمِعْتُ كَثِيرًا مِنْ شَيْخِنَا أَنَّ فَتَاوَى الطُّورِيِّ كَفَتَاوَى ابْنِ نَجِيمٍ لَا يَوْثُقُ بِهَا إلَّا إذَا تَأَيَّدَتْ بِنَقْلٍ آخَرَ اهـ
وَاعْتَرَضَهُ ط بِأَنَّ عَلَيَّ يَمِينٌ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ يَكُونُ بِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى، فَحَيْثُ نَوَى الطَّلَاقَ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَفْعَلُ كَذَا؛ وَتَقَدَّمَ أَنَّ عَلَيَّ الطَّلَاقُ مِنْ التَّعْلِيقِ الْمَعْنَوِيِّ وَمَا فِي فَتَاوَى الطُّورِيِّ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالطَّلَاقِ لِلْعُرْفِ كَحَلَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيَّ حَرَامٌ. اهـ.
أَقُولُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَيَّ يَمِينٌ لَيْسَ كِنَايَةً لِمَا مَرَّ، وَلَيْسَ صَرِيحًا لِأَنَّهُ مَا لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الطَّلَاقِ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، لَكِنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ جِنْسٌ مِنْ إفْرَادِهِ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ، فَإِذَا عَيَّنَهُ بِالنِّيَّةِ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ حَلِفٌ بِالطَّلَاقِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَهُوَ لَوْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَنْوِيِّ صَارَ حَالِفًا بِهِ وَالْأَعَمُّ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْأَخَصُّ ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَخَصِّ؛ وَالْأَخَصُّ هُنَا طَلَاقٌ صَرِيحٌ فَتَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ لَا بَائِنَةٌ.
وَفِي أَيْمَانِ الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي قَالَ: لِي حَلِفٌ أَوْ قَالَ لِي حَلِفٌ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا ثُمَّ فَعَلَ طَلُقَتْ وَحَنِثَ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا وَقَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ فَصْلِ الصَّرِيحِ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ إنْ فَعَلْت كَذَا تَجْرِي كَلِمَةُ الشَّرْعِ بَيْنِي وَبَيْنَك يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْيَمِينُ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ بَيْنَهُمْ فِيهِ؛ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَيْضًا عَنْ الذَّخِيرَةِ لَوْ قَالَ لَهَا أَلِفٌ نُونٌ تَاءٌ طَاءٌ أَلِفٌ لَامٌ قَافٌ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ تَطْلُقُ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يُفْهَمُ مِنْهَا مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الصَّرِيحِ إلَّا أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ فَصَارَتْ كَالْكِنَايَةِ فِي الِافْتِقَارِ إلَى النِّيَّةِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِالْيَمِينِ الطَّلَاقَ يَصِحُّ وَيَقَعُ بِهِ رَجْعِيَّةً إذَا حَنِثَ.
وَأَمَّا أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ جَمْعُ يَمِينٍ وَالْإِضَافَةُ إلَى الْمُسْلِمِينَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقَيْنِ وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ قَضَاءً) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ دِيَانَةً بِدُونِ النِّيَّةِ، وَلَوْ وُجِدَتْ دَلَالَةُ الْحَالِ فَوُقُوعُهُ بِوَاحِدٍ مِنْ النِّيَّةِ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَاءِ فَقَطْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ) الْمُرَادُ بِهَا الْحَالَةُ الظَّاهِرَةُ الْمُفِيدَةُ لِمَقْصُودِهِ وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرَ الطَّلَاقِ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ؛ وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِ هُنَا كَالْكَنْزِ أَنَّ الْكِنَايَاتِ كُلَّهَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْقُدُورِيُّ وَالسَّرَخْسِيَّ فِي الْمَبْسُوطِ؛ وَخَالَفَهُمَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ فَقَالُوا بَعْضُهَا لَا يَقَعُ بِهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ اهـ وَأَرَادَ بِهَذَا بَعْضَ مَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ كَاخْرُجِي وَاذْهَبِي وَقُومِي؛ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ وَافَقَ الْمَشَايِخَ فِي التَّفْصِيلِ الْآتِي فَبَقِيَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى عِبَارَةِ الْكَنْزِ. وَأَجَابَ عَنْهُ فِي النَّهْرِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ بِأَنَّ صَلَاحِيَّةَ هَذِهِ الصُّوَرِ لِلرَّدِّ كَانَتْ مُعَارِضَةً لِحَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَبْقَ الرَّدُّ دَلِيلًا؛ فَكَانَتْ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ خَالِيَةً عَنْ دَلَالَةِ الْحَالِ وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ فِيهَا عَلَى النِّيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَهِيَ حَالَةُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ) أَشَارَ بِهِ إلَى مَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تَعُمُّ دَلَالَةَ الْمَقَالِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَتُفَسَّرُ الْمُذَاكَرَةُ بِسُؤَالِ الطَّلَاقِ أَوْ تَقْدِيمِ الْإِيقَاعِ كَمَا فِي اعْتَدِّي ثَلَاثًا وَقَالَ قَبْلَهُ الْمُذَاكَرَةُ أَنْ تَسْأَلَهُ هِيَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ الطَّلَاقَ (قَوْلُهُ أَوْ الْغَضَبِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ
стр. 1580
فَالْحَالَاتُ ثَلَاثٌ: رِضًا وَغَضَبٌ وَمُذَاكَرَةٌ وَالْكِنَايَاتُ ثَلَاثٌ مَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ أَوْ مَا يَصْلُحُ لِلسَّبِّ، أَوْ لَا وَلَا (فَنَحْوُ اُخْرُجِي وَاذْهَبِي وَقُومِي) تَقَنَّعِي تَخَمَّرِي اسْتَتِرِي انْتَقِلِي انْطَلِقِي اُغْرُبِي اُعْزُبِي مِنْ الْغُرْبَةِ أَوْ مِنْ الْعُزُوبَةِ (يَحْتَمِلُ رَدًّا، وَنَحْوُ خَلِيَّةٌ بَرِّيَّةٌ حَرَامٌ
ــ
[رد المحتار]
مَعْطُوفٌ عَلَى مُذَاكَرَةِ فَيَكُونُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ (قَوْلُهُ فَالْحَالَاتُ ثَلَاثٌ) لَمَّا كَانَ الْغَضَبُ يُقَابِلُهُ الرِّضَا فَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْهُ صَحَّ التَّفْرِيعُ
وَفِي الْفَتْحِ: وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّقْسِيمِ فِي الْأَحْوَالِ قِسْمَانِ: حَالَةُ الرِّضَا وَحَالَةُ الْغَضَبِ. وَأَمَّا حَالَةُ الْمُذَاكَرَةِ فَتُصَدَّقُ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ سُؤَالُهَا الطَّلَاقَ إلَّا فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا
قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مُطْلَقَةٌ عَنْ قَيْدَيْ الْغَضَبِ وَالْمُذَاكَرَةِ وَحَالَةُ الْمُذَاكَرَةِ وَحَالَةُ الْغَضَبِ اهـ.
وَفِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّ الْأَوْلَى هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى حَالَةِ الْغَضَبِ وَالْمُذَاكَرَةِ، إذْ الْكَلَامُ فِي الْأَحْوَالِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِيهَا الدَّلَالَةُ مُطْلَقًا ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الْبَدَائِعِ بَعْدَ أَنْ قَسَّمَ الْأَحْوَالَ ثَلَاثَةً قَالَ: فَفِي حَالَةِ الرِّضَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ أَوْ الْغَضَبِ، فَقَدْ قَالُوا إنَّ الْكِنَايَاتِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ إلَخْ وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْكِنَايَاتُ ثَلَاثَةٌ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهَا كُلَّهَا تَصْلُحُ لِلْجَوَابِ: أَيْ إجَابَتِهِ لَهَا فِي سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ مِنْهُ، لَكِنْ مِنْهَا قِسْمٌ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ أَيْضًا: أَيْ عَدَمَ إجَابَةِ سُؤَالِهَا، كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا لَا تَطْلُبِي الطَّلَاقَ فَإِنِّي لَا أَفْعَلُهُ وَقِسْمٌ يَحْتَمِلُ السَّبَّ وَالشَّتْمَ لَهَا دُونَ الرَّدِّ، وَقِسْمٌ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَلَا السَّبَّ بَلْ يَتَمَحَّضُ لِلْجَوَابِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْقُهُسْتَانِيِّ وَابْنِ الْكَمَالِ، وَلِذَا عَبَّرَ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ
وَفِي أَبِي السُّعُودِ عَنْ الْحَمَوِيِّ أَنَّ الِاحْتِمَالَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَصْدُقُ بِهِمَا اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مَعًا، وَمِنْ ثَمَّ لَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ كَذَا أَوْ كَذَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْعِصَامُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ مِنْ بَحْثِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ فَنَحْوُ اُخْرُجِي وَاذْهَبِي وَقُومِي) أَيْ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ لِيَنْقَطِعَ الشَّرُّ فَيَكُونُ رَدًّا أَوْ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فَيَكُونُ جَوَابًا رَحْمَتِيٌّ. وَلَوْ قَالَ فَبِيعِي الثَّوْبَ لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عُرْفًا لِأَجْلِ الْبَيْعِ فَكَانَ صَرِيحُهُ خِلَافَ الْمَنْوِيِّ، وَوَافَقَهُ زُفَرُ نَهْرٌ وَلَوْ قَالَ: اذْهَبِي فَتَزَوَّجِي بِالْفَاءِ أَوْ الْوَاوِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ (قَوْلُهُ تَقَنَّعِي تَخَمَّرِي اسْتَتِرِي) أَمْرٌ بِأَخْذِ الْقِنَاعِ أَيْ الْخِمَارِ. عَلَى الْوَجْهِ، وَمِثْلُهُ تَخَمَّرِي وَأَمْرٌ بِالِاسْتِتَارِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَيْ لِأَنَّك بِنْتٌ وَحُرِّمْتِ عَلَيَّ بِالطَّلَاقِ أَوْ لِئَلَّا يَنْظُرَ إلَيْكِ أَجْنَبِيٌّ. اهـ. فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ جَوَابٌ، وَعَلَى الثَّانِي رَدٌّ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ قَاضِي خَانْ: لَوْ قَالَ اسْتَتِرِي مِنِّي خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ كِنَايَةً اهـ وَهَلْ الْمُرَادُ عَدَمُ الْوُقُوعِ بِهِ أَصْلًا أَوْ أَنَّهُ يَقَعُ بِلَا نِيَّةٍ: وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ فَهَلْ الْوَاقِعُ بَائِنٌ أَوْ رَجْعِيٌّ وَالظَّاهِرُ الْبَائِنُ لِكَوْنِ قَوْلِهِ مِنِّي قَرِينَةً لَفْظِيَّةً عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَاكَرَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ انْتَقِلِي) مِثْلُ اُخْرُجِي وَقَدْ تَقَدَّمَ ح (قَوْلُهُ مِنْ الْغُرْبَةِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ، قَوْلُهُ أَوْ مِنْ الْعُزُوبَةِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ رَاجِعٌ لِلثَّانِي، مِنْ عَزَبَ عَنِّي فُلَانٌ يَعْزُبُ: أَيْ فَمَعْنَاهُ أَيْضًا تَبَاعَدِي ح بِزِيَادَةٍ فَفِيهِ مَا فِي اُخْرُجِي أَيْضًا مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ (قَوْلُهُ يَحْتَمِلُ رَدًّا) أَيْ وَيَصْلُحُ جَوَابًا أَيْضًا وَلَا يَصْلُحُ سَبًّا وَلَا شَتْمًا ح (قَوْلُهُ خَلِيَّةٌ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ: أَيْ خَالِيَةٍ إمَّا عَنْ النِّكَاحِ أَوْ عَنْ الْخَيْرِ ح: أَيْ فَهُوَ عَنْ الْأَوَّلِ جَوَابٌ، وَعَلَى الثَّانِي سَبٌّ وَشَتْمٌ، وَمِثْلُهُ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ بَرِيَّةٌ) بِالْهَمْزَةِ وَتَرْكِهِ، أَيْ مُنْفَصِلَةٌ إمَّا عَنْ قَيْدِ النِّكَاحِ أَوْ حُسْنِ الْخُلُقِ ح (قَوْلُهُ حَرَامٌ) مِنْ حَرُمَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ حَرَامًا امْتَنَعَ، أُرِيدَ بِهَا هُنَا الْوَصْفُ وَمَعْنَاهُ الْمَمْنُوعُ فَيُحْمَلُ مَا سَبَقَ، وَسَيَأْتِي وُقُوعُ الْبَائِنِ بِهِ بِلَا نِيَّةٍ فِي زَمَانِنَا لِلتَّعَارُفِ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ
стр. 1581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[رد المحتار]
مُحَرَّمَةٍ وَحُرْمَتَكِ، سَوَاءٌ قَالَ عَلَيَّ أَوْ لَا أَوْ حَلَالُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيَّ حَرَامٌ وَكُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ وَأَنْتِ مَعِي فِي الْحَرَامِ، وَفِي قَوْلِهِ حَرَّمْتُ نَفْسِي لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ عَلَيْكِ، وَأَوْرَدَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِلَا نِيَّةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالصَّرِيحِ فِي أَعْقَابِهِ الرَّجْعِيَّةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ إنَّمَا هُوَ إيقَاعُ الْبَائِنِ لَا الرَّجْعِيِّ حَتَّى لَوْ قَالَ لَمْ أَنْوِ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَوْ قَالَ مَرَّتَيْنِ وَنَوَى بِالْأُولَى وَاحِدَةً وَبِالثَّانِيَةِ ثَلَاثًا صَحَّتْ نِيَّتُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ ح عَنْ النَّهْرِ.
قُلْت: لَكِنَّ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ أَنْتُمَا عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى الثَّلَاثَ فِي إحْدَاهُمَا وَالْوَاحِدَةَ فِي الْأُخْرَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِيرَادِ وَالْجَوَابِ مَذْكُورٌ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا، وَمُقْتَضَى الْجَوَابِ وُقُوعُ الرَّجْعِيِّ بِهِ فِي زَمَانِنَا لِأَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ إيقَاعُ الْبَائِنِ بِهِ فَإِنَّ الْعَامِّيَّ الْجَاهِلَ الَّذِي يَحْلِفُ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ الْحَرَامُ لَا أَفْعَلُ كَذَا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ فَضْلًا عَلَى أَنْ يَكُونَ عَرَّفَهُ إيقَاعَ الْبَائِنِ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ حَنِثَ بِهَذَا الْيَمِينِ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَفْعَلُ كَذَا، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْوُقُوعَ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ إنَّمَا هُوَ لِلْعُرْفِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّعْلِيقِ، وَكَذَا عَلَيَّ الْحَرَامُ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُقُوعِ أَصْلًا كَمَا فِي طَلَاقِك عَلَيَّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، فَحَيْثُ كَانَ الْوُقُوعُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لِلْعُرْفِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ بِهِمَا الْمُتَعَارَفُ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْحَرَامُ فِي الْأَصْلِ كِنَايَةً يَقَعُ بِهَا الْبَائِنُ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ لَمْ يَبْقَ كِنَايَةً، وَلِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى النِّيَّةِ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْكِنَايَةِ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِلَا نِيَّةٍ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ عَقِبَ قَوْلِهِ فِي الْجَوَابِ الْمَارِّ إنَّ الْمُتَعَارَفَ بِهِ إيقَاعُ الْبَائِنِ لَا الرَّجْعِيُّ، حَيْثُ قَالَ مَا نَصُّهُ: بِخِلَافِ فَارِسِيَّةِ قَوْلِهِ سَرَّحْتُكِ وَهُوَ " رهاء كردم " لِأَنَّهُ صَارَ صَرِيحًا فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ نَجْمٌ الزَّاهِدِيُّ الْخُوَارِزْمِيَّ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ اهـ وَقَدْ صَرَّحَ الْبَزَّازِيُّ أَوَّلًا بِأَنَّ: حَلَالَ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ الْفَارِسِيَّةَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ قَالَ حَلَالُ " أيزدبروي " أَوْ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ لَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ لِلْعُرْفِ وَأَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْبَائِنُ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَرَّحْتُكِ فَإِنَّ سَرَّحْتُك كِنَايَةٌ لَكِنَّهُ فِي عُرْفِ الْفُرْسِ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الصَّرِيحِ فَإِذَا قَالَ " رهاكردم " أَيْ سَرَّحْتُك يَقَعُ بِهِ الرَّجْعِيُّ مَعَ أَنَّ أَصْلَهُ كِنَايَةٌ أَيْضًا، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهُ غَلَبَ فِي عُرْفِ الْفُرْسِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الصَّرِيحَ مَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا فِي الطَّلَاقِ مِنْ أَيِّ لُغَةٍ كَانَتْ، لَكِنْ لَمَّا غَلَبَ اسْتِعْمَالُ حَلَالِ اللَّهِ فِي الْبَائِنِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَقَعَ بِهِ الْبَائِنُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَقَعَ بِهِ الرَّجْعِيُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ خَالَفُوا الْمُتَقَدِّمِينَ فِي وُقُوعِ الْبَائِنِ بِالْحَرَامِ بِلَا نِيَّةٍ حَتَّى لَا يُصَدَّقَ إذَا قَالَ لَمْ أَنْوِ لِأَجْلِ الْعُرْفِ الْحَادِثِ فِي زَمَانِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَيَتَوَقَّفُ الْآنَ وُقُوعُ الْبَائِنِ بِهِ عَلَى وُجُودِ الْعُرْفِ كَمَا فِي زَمَانِهِمْ. وَأَمَّا إذَا تُعُورِفَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُجَرَّدِ الطَّلَاقِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بَائِنًا يَتَعَيَّنُ وُقُوعُ الرَّجْعِيِّ بِهِ كَمَا فِي فَارِسِيَّةِ سَرَّحْتُكِ وَمِثْلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الصَّرِيحِ مِنْ وُقُوعِ الرَّجْعِيِّ بِقَوْلِهِ " سن بوش " أَوْ " بوش " أَوَّلَ فِي لُغَةِ التُّرْكِ مَعَ أَنَّ مَعْنَاهُ الْعَرَبِيَّ أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَهُوَ كِنَايَةٌ لَكِنَّهُ غَلَبَ فِي لُغَةِ التُّرْكِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ، وَهَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْدَ مُدَّةٍ مَا عَسَى يَصْلُحُ جَوَابًا، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ حَرَامٍ مَعْنَاهُ عَدَمُ حِلِّ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْإِيلَاءِ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ، وَيَكُونُ بِالطَّلَاقِ الرَّافِعِ لِلْعَقْدِ، وَهُوَ قِسْمَانِ: بَائِنٌ وَرَجْعِيٌّ، لَكِنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ فَتَعَيَّنَ الْبَائِنُ، وَكَوْنُهُ اُلْتُحِقَ بِالصَّرِيحِ لِلْعُرْفِ
стр. 1582
بَائِنٌ) وَمُرَادِفُهَا كَبَتَّةٍ بَتْلَةٍ (يَصْلُحُ سَبًّا، وَنَحْوُ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك، أَنْتِ وَاحِدَةٌ، أَنْتِ حُرَّةٌ، اخْتَارِي أَمْرَك بِيَدِك سَرَّحْتُكِ، فَارَقْتُكِ لَا يَحْتَمِلُ السَّبَّ وَالرَّدَّ، فَفِي حَالَةِ الرِّضَا) أَيْ غَيْرِ الْغَضَبِ وَالْمُذَاكَرَةِ (تَتَوَقَّفُ الْأَقْسَامُ) الثَّلَاثَةُ تَأْثِيرًا (عَلَى نِيَّةٍ) لِلِاحْتِمَالِ وَالْقَوْلُ لَهُ
ــ
[رد المحتار]
لَا يُنَافِي وُقُوعَ الْبَائِنِ بِهِ، فَإِنَّ الصَّرِيحَ قَدْ يَقَعُ بِهِ الْبَائِنُ كَتَطْلِيقَةٍ شَدِيدَةٍ وَنَحْوِهِ: كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْكِنَايَاتِ قَدْ يَقَعُ بِهِ الرَّجْعِيُّ، مِثْلَ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا تُعُورِفَ بِهِ الطَّلَاقُ صَارَ مَعْنَاهُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، وَتَحْرِيمُهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالْبَائِنِ، هَذَا غَايَةُ مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا أَجَابَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَارَفَ بِهِ إيقَاعُ الْبَائِنِ، لِمَا عَلِمْتَ مِمَّا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ بَائِنٌ) مِنْ بَانَ الشَّيْءُ: انْفَصَلَ أَيْ مُنْفَصِلَةٌ مِنْ وَصْلَةِ النِّكَاحِ أَوْ عَنْ الْخَيْرِ ح (قَوْلُهُ كَبَتَّةٍ) مِنْ الْبَتِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ، فَيَحْتَمِلُ مَا احْتَمَلَهُ الْبَائِنُ، وَأَوْجَبَ سِيبَوَيْهِ فِيهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ إسْقَاطَهُمَا، أَوْ بَتْلَةٌ مِنْ الْبَتْلِ وَهُوَ الِانْقِطَاعُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ مَرْيَمُ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ الرِّجَالِ وَفَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ نِسَاءِ زَمَانِهَا فَضْلًا وَدِينًا وَحَسَبًا وَقِيلَ عَنْ الدُّنْيَا إلَى رَبِّهَا، وَفِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ مَا مَرَّ مِنْ النَّهْرِ (قَوْلُهُ يَصْلُحُ سَبًّا) أَيْ وَيَصْلُحُ جَوَابًا أَيْضًا وَلَا يَصْلُحُ رَدًّا ح وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ وَابْنِ الْكَمَالِ وَالْبَدَائِعِ، خِلَافًا لِمَا يَظْهَرُ مِنْ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلرَّدِّ أَيْضًا (قَوْلُهُ اعْتَدِّي) أَمْرٌ بِالِاعْتِدَادِ الَّذِي هُوَ مِنْ الْعِدَّةِ أَوْ مِنْ الْعَدِّ: أَيْ اعْتَدِّي نِعَمِي عَلَيْك بَدَائِعُ (قَوْلُهُ وَاسْتَبْرِئِي) أَمْرٌ بِتَعَرُّفِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهِيَ طَهَارَتُهَا مِنْ الْمَاءِ وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الِاعْتِدَادِ الَّذِي هُوَ مِنْ الْعِدَّةِ. وَيَحْتَمِلُ اسْتَبْرِئِي لِأُطَلِّقكِ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ أَنْتِ وَاحِدَةٌ) أَيْ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْتِ وَاحِدَةٌ عِنْدِي أَوْ فِي قَوْمِكِ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، فَإِذَا نَوَى الْأَوَّلَ فَكَأَنَّهُ قَالَهُ. مَطْلَبٌ لَا اعْتِبَارَ بِالْإِعْرَابِ هُنَا
وَلَا اعْتِبَارَ بِإِعْرَابِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْعَوَّامَ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِهِ وَالْخَوَاصُّ لَا يَلْتَزِمُونَهُ فِي مُخَاطَبَتِهِمْ بَلْ تِلْكَ صِنَاعَتُهُمْ وَالْعُرْفُ لُغَتُهُمْ، وَلِذَا تَرَى أَهْلَ الْعِلْمِ فِي مَجَارِي كَلَامِهِمْ لَا يَلْتَزِمُونَهُ، عَلَى أَنَّ الرَّفْعَ لَا يُنَافِي الْوُقُوعَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ أَنْتِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَجَعَلَهَا نَفْسَ الطَّلْقَةِ مُبَالَغَةً كَرَجُلٍ عَدْلٍ، لَكِنْ قَدْ اعْتَبَرُوا الْإِعْرَابَ فِي الْإِقْرَارِ فِيمَا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ غَيْرُ دَانِقٍ رَفْعًا وَنَصَبًا فَيُطْلَبُ الْفَرْقُ، وَكَأَنَّهُ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْبَابَيْنِ فَتَدَبَّرْهُ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ أَنْتِ حُرَّةٌ) أَيْ لِبَرَاءَتِكِ مِنْ الرِّقِّ أَوْ مِنْ رَقِّ النِّكَاحِ وَأَعْتَقْتُك مِثْلُ أَنْتِ حَرَّةٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَكَذَا كُونِي حَرَّةً أَوْ اعْتَقِي كَمَا فِي الْبَدَائِعِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ اخْتَارِي أَمْرَكِ بِيَدِكِ) كِنَايَتَانِ عَنْ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ: أَيْ اخْتَارِي نَفْسَك بِالْفِرَاقِ أَوْ فِي عَمَلٍ أَوْ أَمْرُك بِيَدِك فِي الطَّلَاقِ أَوْ فِي تَصَرُّفٍ آخَرَ.
وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ: وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَلَقَدْ وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَطَأٌ عَظِيمٌ مِنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَأَفْتَى بِهِ وَحَرَّمَ حَلَالًا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ اهـ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ عِنْدَ قَوْلِهِ خَلَا اخْتَارِي ح أَيْ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِمَا الطَّلَاقُ مَا لَمْ تُطَلِّقْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا أَيْ مَعَ نِيَّةِ الزَّوْجِ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ لَهَا أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ مِنْ غَضَبٍ أَوْ مُذَاكَرَةٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي وَيُعْلَمُ مِمَّا هُنَا (قَوْلُهُ سَرَّحْتُكِ) مِنْ السَّرَاحِ بِفَتْحِ السِّينِ: وَهُوَ الْإِرْسَالُ أَيْ أَرْسَلْتُك لِأَنِّي طَلَّقْتُكِ أَوْ لِحَاجَةٍ لِي، وَكَذَا فَارَقْتُك لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ لَا يَحْتَمِلُ السَّبَّ وَالرَّدَّ) أَيْ بَلْ مَعْنَاهُ الْجَوَابُ فَقَطْ ح أَيْ جَوَابُ طَلَبِ الطَّلَاقِ أَيْ التَّطْلِيقُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ تَأْثِيرًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ: أَيْ يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ عَلَى نِيَّةٍ ط (قَوْلُهُ لِلِاحْتِمَالِ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ
стр. 1583
بِيَمِينِهِ فِي عَدَمِ النِّيَّةِ وَيَكْفِي تَحْلِيفُهَا لَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَإِنْ أَبَى رَفَعَتْهُ لِلْحَاكِمِ فَإِنْ نَكَلَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مُجْتَبًى.
(وَفِي الْغَضَبِ) تَوَقَّفَ (الْأَوَّلَانِ) إنْ نَوَى وَقَعَ وَإِلَّا لَا (وَفِي مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ) يَتَوَقَّفُ (الْأَوَّلُ فَقَطْ) وَيَقَعُ
ــ
[رد المحتار]
مِنْ الْأَلْفَاظِ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ وَالْحَالُ لَا تَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا فَيُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ وَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ قَضَاءً بَدَائِعُ. قَالَ ط: فَإِنْ قُلْتُ: إنَّ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا يَنْبَغِي الْوُقُوعُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ قُلْتُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ جَوَابًا أَنَّهُ جَوَابٌ لِتَحْصِيلِ الطَّلَاقِ بَلْ هُوَ جَوَابٌ لِكَلَامِهَا بِغَيْرِ السُّؤَالِ، أَمَّا إذَا تَكَلَّمَتْ بِسُؤَالِ الطَّلَاقِ فَقَدْ حَصَلَتْ الْمُذَاكَرَةُ، وَفِيهَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ إلَّا الْأَوَّلُ كَمَا يَأْتِي. اهـ.
قُلْت: لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ مِنْ تَفْسِيرِهِ الْمُحْتَمَلِ لِلْجَوَابِ بِأَنَّهُ جَوَابُ طَلَبِ الطَّلَاقِ أَيْ التَّطْلِيقِ فَالْأَوَّلُ الْجَوَابُ عَنْ الْإِيرَادِ بِأَنْ يُقَالَ إنَّ نَحْوَ اعْتَدِّي يَتَمَحَّضُ لِلتَّطْلِيقِ إجَابَةً لِسُؤَالِهَا أَيْ أَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ سُؤَالُ الطَّلَاقِ تَمَحَّضَ لِلتَّطْلِيقِ وَلَا يَلْزَمُ وُجُودُ سُؤَالِ الطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الْحَالَةُ حَالَةَ رِضًا فَقَطْ أَوْ حَالَةَ غَضَبٍ فَقَطْ بِدُونِ سُؤَالِ الطَّلَاقِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ نَحْوُ اعْتَدِّي عَنْ كَوْنِهِ مُتَمَحِّضًا لِلْجَوَابِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ سُؤَالًا لَتَمَحَّضَ جَوَابًا لَهُ وَلِذَا يَقَعُ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى نِيَّةٍ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ السُّؤَالِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) فَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لَهُ سَوَاءٌ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ أَمْ لَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ط عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فَإِنْ نَكَلَ) أَيْ عِنْدَ الْقَاضِي لِأَنَّ النُّكُولَ عِنْدَ غَيْرِهِ لَا يُعْتَبَرُ ط (قَوْلُهُ تَوَقَّفَ الْأَوَّلَانِ) أَيْ مَا يَصْلُحُ رَدًّا وَجَوَابًا وَمَا يَصْلُحُ سَبًّا وَجَوَابًا وَلَا يَتَوَقَّفُ مَا يَتَعَيَّنُ لِلْجَوَابِ. بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ حَالَةَ الْغَضَبِ تَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالتَّبْعِيدِ وَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ كَمَا تَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ، وَأَلْفَاظُ الْأَوَّلِينَ يَحْتَمِلَانِ ذَلِكَ أَيْضًا فَصَارَ الْحَالُ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمَلًا لِلطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا عَنَى بِهِ غَيْرَهُ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ وَلَا يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ فَيُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ، بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الْأَخِيرِ: أَيْ مَا يَتَعَيَّنُ لِلْجَوَابِ لِأَنَّهَا وَإِنْ احْتَمَلَتْ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ أَيْضًا لَكِنَّهَا لَمَّا زَالَ عَنْهَا احْتِمَالُ الرَّدِّ وَالتَّبْعِيدِ وَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ اللَّذَيْنِ احْتَمَلَتْهُمَا حَالَ الْغَضَبِ تَعَيَّنَتْ الْحَالُ عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الطَّلَاقِ فِي كَلَامِهِ ظَاهِرًا، فَلَا يُصَدَّقُ فِي الصَّرْفِ عَنْ الظَّاهِرِ، فَلِذَا وَقَعَ بِهَا قَضَاءً بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى النِّيَّةِ كَمَا فِي صَرِيحِ الطَّلَاقِ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ وِثَاقٍ (قَوْلُهُ يَتَوَقَّفُ الْأَوَّلُ فَقَطْ) أَيْ مَا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالْجَوَابِ لِأَنَّ حَالَةَ الْمُذَاكَرَةِ تَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالتَّبْعِيدِ كَمَا تَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ دُونَ الشَّتْمِ وَأَلْفَاظُ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ، فَإِذَا نَوَى بِهَا الرَّدَّ لَا الطَّلَاقَ فَقَدْ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ بِلَا مُخَالَفَةٍ لِلظَّاهِرِ فَتَوَقَّفَ الْوُقُوعُ عَلَى النِّيَّةِ، بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الْأَخِيرَيْنِ فَإِنَّهَا وَإِنْ احْتَمَلَتْ الطَّلَاقَ لَكِنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ مَا تَحْتَمِلُهُ الْمُذَاكَرَةُ مِنْ الرَّدِّ وَالتَّبْعِيدِ، فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الطَّلَاقِ ظَاهِرًا فَلَا يُصَدَّقُ فِي الصَّرْفِ عَنْهُ فَلِذَا وَقَعَ بِهَا قَضَاءً بِلَا نِيَّةٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ فِي حَالَةِ الرِّضَا وَالْغَضَبِ وَالْمُذَاكَرَةِ، وَالثَّانِي فِي حَالَةِ الرِّضَا وَالْغَضَبِ فَقَطْ وَيَقَعُ فِي حَالَةِ الْمُذَاكَرَةِ بِلَا نِيَّةٍ، وَالثَّالِثُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فِي حَالَةِ الرِّضَا فَقَطْ، وَيَقَعُ حَالَةَ الْغَضَبِ وَالْمُذَاكَرَةِ بِلَا نِيَّةٍ وَقَدْ نَظَمْتُ ذَلِكَ بِقَوْلِي:
نَحْوُ اُخْرُجِي قُومِي اذْهَبِي رَدًّا يَصِحْ ... خَلِيَّةً بَرِيَّةً سَبًّا صَلُحْ
وَاسْتَبْرِئِي اعْتَدِّي جَوَابًا قَدْ حَتَمْ ... فَالْأَوَّلُ الْقَصْدُ لَهُ دَوْمًا لَزِمْ
وَالثَّانِي فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا انْضَبَطْ ... لَا الذِّكْرُ وَالثَّالِثُ فِي الرِّضَا فَقَطْ
وَرَسَمْتُهَا فِي شُبَّاكٍ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ:
стр. 1584
بِالْأَخِيرَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لِأَنَّ مَعَ الدَّلَالَةِ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً فِي نَفْيِ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا أَقْوَى لِكَوْنِهَا ظَاهِرَةً، وَالنِّيَّةُ بَاطِنَةٌ وَلِذَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى الدَّلَالَةِ لَا عَلَى النِّيَّةِ إلَّا أَنْ تُقَامَ عَلَى إقْرَارِهِ بِهَا عِمَادِيَّةٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فَلَوْ السُّؤَالُ بِهَلْ يَقَعُ بِقَوْلِ نَعَمْ إنْ نَوَيْت، وَلَوْ بِكَمْ يَقَعُ بِقَوْلِ وَاحِدَةٍ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ بَزَّازِيَّةٌ فَلْيُحْفَظْ.
(وَتَقَعُ رَجْعِيَّةٌ بِقَوْلِهِ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِعْرَابِ وَاحِدَةٍ فِي الْأَصَحِّ (وَ) يَقَعُ (بِبَاقِيهَا) أَيْ بَاقِي أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَا يَرِدُ وُقُوعُ الرَّجْعِيِّ بِبَعْضِ الْكِنَايَاتِ أَيْضًا نَحْوُ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ طَلَاقِكِ،
ــ
[رد المحتار]
رَدٌّ وَجَوَابٌ، سَبٌّ وَجَوَابٌ، جَوَابٌ فَقَطْ،،،،،، اُخْرُجِي اذْهَبِي، خَلِيَّةٌ بَرِيَّةٌ، اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي،،،،،،، رِضًا، تَلْزَمُ النِّيَّةُ، تَلْزَمُ النِّيَّةُ، تَلْزَمُ النِّيَّةُ،،،،،،، غَضَبٌ، تَلْزَمُ النِّيَّةُ، تَلْزَمُ النِّيَّةُ، يَقَعُ بِلَا نِيَّةٍ،،،،،،، مُذَاكَرَةٌ، تَلْزَمُ النِّيَّةُ، تَلْزَمُ النِّيَّةُ، يَقَعُ بِلَا نِيَّةٍ،،،،،،
(قَوْلُهُ لِأَنَّ مَعَ الدَّلَالَةِ) اسْمُ أَنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا) أَيْ الدَّلَالَةَ (قَوْلُهُ بَيِّنَتُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ عَلَى الدَّلَالَةِ) أَيْ الْغَضَبِ أَوْ الْمُذَاكَرَةِ (قَوْلُهُ لَا عَلَى النِّيَّةِ) أَيْ لَوْ بَرْهَنَتْ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ نَوَى لَا تُقْبَلُ (قَوْلُهُ فَلَوْ السُّؤَالُ بِهَلْ يَقَعُ) يَعْنِي إذَا قَالَ السَّائِلُ: قُلْتُ كَذَا هَلْ يَقَعُ عَلَيَّ الطَّلَاقُ: يَقُولُ الْمُفْتِي نَعَمْ إنْ نَوَيْتَ ح (قَوْلُهُ وَلَوْ بِكَمْ يَقَعُ) يَعْنِي لَوْ قَالَ السَّائِلُ: قُلْتُ كَذَا كَمْ يَقَعُ عَلَيَّ يَقُولُ لَهُ الْمُفْتِي يَقَعُ وَاحِدَةً وَلَا يَتَعَرَّضُ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ؛ يَعْنِي لَا يَقُولُ لَهُ الْمُفْتِي تَقَعُ وَاحِدَةٌ إنْ نَوَيْتَ ح
(قَوْلُهُ وَتَقَعُ رَجْعِيَّةٌ) وَإِنْ نَوَى الْبَائِنَ ح (قَوْلُهُ بِقَوْلِهِ اعْتَدِّي) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ: أَيْ طَلَّقْتُك فَاعْتَدِّي أَوْ اعْتَدِّي لِأَنِّي طَلَّقْتُك، فَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ وَتَجِبُ الْعِدَّةُ، وَفِي غَيْرِهَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ عَمَلًا بِنِيَّتِهِ وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ، كَذَا فِي التَّلْوِيحِ وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ) قَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الِاعْتِدَادِ مِنْ الْعِدَّةِ: فَيُقَالُ فِيهِ مَا قُلْنَاهُ آنِفًا فِي اعْتَدِّي (قَوْلُهُ وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ صَارَ لَفْظُ وَاحِدَةٍ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ وَالْمَصْدَرُ وَإِنْ احْتَمَلَ نِيَّةَ الثَّلَاثِ، لَكِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يَمْنَعُ إرَادَةَ الثَّلَاثِ (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) كَذَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلَا يَرِدُ إلَخْ) أَيْ إذَا عَلِمْتَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي بَاقِيهَا عَائِدٌ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ غَيْرَهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ قَدْ يَقَعُ بِهِ الرَّجْعِيُّ مِنْ كُلِّ كِنَايَةٍ كَانَ فِيهَا ذِكْرُ الطَّلَاقِ، لَكِنْ جَعَلَهَا فِي الْبَحْرِ دَاخِلَةً بِالْأَوْلَى تَحْتَ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ الْوَاقِعِ بِهَا الرَّجْعِيُّ لِأَنَّ عِلَّةَ وُقُوعِ الرَّجْعِيِّ بِهَا وُجُودُ الطَّلَاقِ مُقْتَضًى أَوْ مُضْمَرًا، فَمَا ذُكِرَ فِيهَا الطَّلَاقُ يَقَعُ بِهَا الرَّجْعِيُّ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ نَحْوُ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ طَلَاقِكِ) أَيْ يَقَعُ بِهِ الرَّجْعِيُّ إذَا نَوَى فَتْحٌ، لَكِنْ فِي الْجَوْهَرَةِ؛ وَلَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ نِكَاحِك وَقَعَ الطَّلَاقُ إذَا نَوَاهُ، وَإِنْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ طَلَاقِك لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الشَّيْءِ تَرْكٌ لَهُ. اهـ.
وَذَكَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ اخْتِلَافَ التَّصْحِيحِ فِي: بَرِئْتُ مِنْ طَلَاقِكِ، وَجَزَمَ فِي الْخَانِيَّةِ بِتَصْحِيحِ عَدَمِ الْوُقُوعِ بِهِ لَكِنْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِي الْخُلَاصَةِ: اُخْتُلِفَ فِي بَرِئْتُ مِنْ طَلَاقِكِ، وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي أَنْ يَقَعَ بَائِنًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ تَبْرِئَتِهِ مِنْهُ تَسْتَلْزِمُ عَجْزَهُ عَنْ الْإِيقَاعِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ الثَّلَاثِ أَوْ عَدَمِ الْإِيقَاعِ أَصْلًا وَبِذَلِكَ صَارَ كِنَايَةً، فَإِذَا
стр. 1585
وَخَلَّيْتُ سَبِيلَ طَلَاقِك، وَأَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَأَنْتِ أَطْلَقُ مِنْ امْرَأَةِ فُلَانٍ، وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ، وَأَنْتِ ط ال ق وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا صَرَّحُوا بِهِ (خَلَا اخْتَارِي) فَإِنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ لَا تَصِحُّ فِيهِ أَيْضًا، وَلَا تَقَعُ بِهِ وَلَا بِأَمْرَكِ بِيَدِكِ مَا لَمْ تُطَلِّقْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا كَمَا يَأْتِي (الْبَائِنُ إنْ نَوَاهَا أَوْ الثِّنْتَيْنِ) لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الطَّلَاقَ مَصْدَرٌ
ــ
[رد المحتار]
أَرَادَ الْأَوَّلَ وَقَعَ وَصُرِفَ إلَى إحْدَى الْبَيْنُونَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي دُونَ الثَّلَاثِ. اهـ. قُلْت: مُقْتَضَى هَذَا وُقُوعُ وَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ لِأَنَّ الْوُقُوعَ لَيْسَ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ بَلْ بِلَفْظِ بَرِئْتُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَخَلَّيْتُ سَبِيلَ طَلَاقِك) وَكَذَا خَلَّيْت طَلَاقَكِ أَوْ تَرَكْت طَلَاقَك، إنْ نَوَى وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا خَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ بِالتَّخْفِيفِ) أَيْ تَخْفِيفِ اللَّامِ، أَمَّا بِالتَّشْدِيدِ فَهُوَ صَرِيحٌ يَقَعُ بِهِ بِلَا نِيَّةٍ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ (قَوْلُهُ وَأَنْتِ أَطْلَقُ مِنْ امْرَأَةِ فُلَانٍ) فَإِنْ كَانَ جَوَابًا لِقَوْلِهَا إنَّ فُلَانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَقَعَ وَلَا يُدَيَّنُ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ قَائِمَةٌ مَقَامَ النِّيَّةِ؛ حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ قَائِمَةً لَمْ يَقَعْ إلَّا بِالنِّيَّةِ نَهْرٌ فِي بَابِ الصَّرِيحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ فَلَيْسَ مِنْ الصَّرِيحِ وَإِلَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى النِّيَّةِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَيْسَ صَرِيحًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ امْرَأَةَ فُلَانٍ مُطَلَّقَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَقَعُ، وَهَذَا الْقَيْدُ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ فِي الْفَتْحِ فِي أَوَّلِ بَابِ الصَّرِيحِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً أَوْ لَا. قَالَ: وَالْمَعْنَى عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً لِأَجْلِ فُلَانَةَ، يَعْنِي أَنَّ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ مِنْ امْرَأَةِ فُلَانٍ لِلتَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ وَأَنْتِ ط ل ق) قَدَّمْنَا فِي بَابِ الصَّرِيحِ عَنْ الذَّخِيرَةِ تَعْلِيلَهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يُفْهَمُ مِنْهَا مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ صَرِيحِ الْكَلَامِ إلَّا أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ، فَصَارَتْ كَالْكِنَايَةِ فِي الِافْتِقَارِ إلَى النِّيَّةِ (قَوْلُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إلَخْ) مِثْلُ: الطَّلَاقُ عَلَيْكِ، وَهَبْتُك طَلَاقَك، بِعْتُكِ طَلَاقَك، إذَا قَالَتْ اشْتَرَيْت مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ خُذِي طَلَاقَك، أَقْرَضْتُك طَلَاقَك، قَدْ شَاءَ اللَّهُ طَلَاقَك أَوْ قَضَاهُ، أَوْ شِئْت؛ فَفِي الْكُلِّ يَقَعُ بِالنِّيَّةِ رَجْعِيٌّ كَمَا فِي الْفَتْحِ: زَادَ فِي الْبَحْرِ: الطَّلَاقُ لَكِ أَوْ عَلَيْكِ، أَنْتِ طَالِ بِحَذْفِ الْآخِرِ، لَسْت لِي بِامْرَأَةٍ وَمَا أَنَا لَك بِزَوْجٍ، أَعَرْتُك طَلَاقَك، وَيَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ اهـ وَمِثْلُهُ طَلَّقَكِ اللَّهُ وَهُوَ الْحَقُّ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا تُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الصَّرِيحِ، لَكِنْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ تَصْحِيحَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي خُذِي طَلَاقَك فَهُوَ مِنْ الصَّرِيحِ وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مِنْ الصَّرِيحِ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ أَعَرْتُكِ طَلَاقَك وَوَهَبْتُهُ لَك وَشِئْتُ طَلَاقَك فَقَدَّمْنَا تَصْحِيحَ خِلَافِهِ هُنَاكَ فَافْهَمْ وَقَدَّمَ الشَّارِحُ هُنَاكَ أَنَّ أَنْتِ طَالِ إنْ بِالْكَسْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَإِلَّا تَوَقَّفَ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ ثَمَّةَ.
وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ هُنَاكَ: لَوْ قَالَ أَنْتِ بِثَلَاثٍ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ إنْ نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَفْظَهُ، وَلَوْ قَالَ لَمْ أَنْوِ لَا يُصَدَّقُ إذَا كَانَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَإِلَّا صُدِّقَ (قَوْلُهُ خَلَا اخْتَارِي) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَبِبَاقِيهَا بِالنَّظَرِ إلَى قَوْلِهِ الْآتِي وَثَلَاثٌ إنْ نَوَاهُ، وَلَوْ أَخَّرَهُ بَعْدَهُ: أَنْ يَقُولَ وَثَلَاثٌ إنْ نَوَاهُ إلَّا فِي اخْتَارِي لَكَانَ أَوْلَى ط (قَوْلُهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا لَا تَصِحُّ نِيَّةِ الثَّلَاثِ فِي الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ ط (قَوْلُهُ مَا لَمْ تُطَلِّقْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا) أَيْ مَعَ نِيَّةِ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةُ إيقَاعٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي (قَوْلُهُ الْبَائِنُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ يَقَعُ فِي قَوْلِهِ وَيَقَعُ بِبَاقِيهَا (قَوْلُهُ إنْ نَوَاهَا) أَيْ نَوَى الْوَاحِدَةَ وَلَيْسَ الضَّمِيرُ لِلْبَائِنِ، وَأَنَّثَهُ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الطَّلْقَةِ لِأَنَّ وُقُوعَ الْبَائِنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّتِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ الثِّنْتَيْنِ عَطْفٌ عَلَى الْهَاءِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْوَاحِدَةَ أَوْ الثِّنْتَيْنِ لَا تَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً حَتَّى لَوْ طَلَّقَ الْحُرَّةَ وَاحِدَةً ثُمَّ أَبَانَهَا وَنَوَى ثِنْتَيْنِ كَانَتْ وَاحِدَةً، وَلَوْ نَوَى الثَّلَاثَ وَقَعْنَ لِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ فِي حَقِّهَا بِالثَّنِيَّتَيْنِ وَبِالْوَاحِدَةِ السَّابِقَةِ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّرِيحِ أَنَّ مَا فِي الْجَوْهَرَةِ سَهْوٌ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الطَّلَاقَ مَصْدَرٌ) فِيهِ أَنَّ أَلْفَاظَ الْكِنَايَاتِ سِوَى الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ غَيْرُ مُتَضَمِّنَةٍ لِلَفْظِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ عَمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ حُكْمِهِ لِأَنَّهَا لَمْ يَرِدْ بِهَا الطَّلَاقُ أَصْلًا
стр. 1586
لَا يَحْتَمِلُ مَحْضَ الْعَدَدِ (وَثَلَاثٌ إنْ نَوَاهُ) لِلْوَاحِدَةِ الْجِنْسِيَّةِ وَلِذَا صَحَّ فِي الْأَمَةِ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ
(قَالَ اعْتَدِّي ثَلَاثًا وَنَوَى بِالْأَوَّلِ طَلَاقًا وَبِالْبَاقِي حَيْضًا صُدِّقَ) قَضَاءً لِنِيَّتِهِ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ) أَيْ بِالْبَاقِي (شَيْئًا فَثَلَاثٌ) لِدَلَالَةِ الْحَالِ بِنِيَّةِ الْأَوَّلِ؛ حَتَّى لَوْ نَوَى بِالثَّانِي فَقَطْ فَثِنْتَانِ أَوْ بِالثَّالِثِ فَوَاحِدَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ بِالْكُلِّ لَمْ يَقَعْ، وَأَقْسَامُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ذَكَرَهَا الْكَمَالُ وَيُزَادُ لَوْ نَوَى بِالْكُلِّ وَاحِدَةً
ــ
[رد المحتار]
بَلْ الْبَيْنُونَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْوَاقِعُ بِهَا رَجْعِيًّا كَالْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ وَالْأَلْفَاظِ الْمُصَرَّحِ فِيهَا بِذِكْرِهِ، فَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِالْبَيْنُونَةِ فَإِنَّهَا مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ مِنْ أَلْفَاظِ الْوِحْدَانِ لَا يُرَاعَى فِيهَا الْعَدَدُ الْمَحْضُ بَلْ التَّوْحِيدُ وَهُوَ بِالْفَرْدِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ الْجِنْسِيَّةِ وَالْمُثَنَّى بِمَعْزِلٍ عَنْهُمَا لِأَنَّهُ عَدَدٌ مَحْضٌ ثُمَّ رَأَيْتُ صَاحِبَ الْجَوْهَرَةِ عَبَّرَ بِالْبَيْنُونَةِ كَمَا قُلْنَا بَدَلَ الطَّلَاقِ
وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَصْدَرِ نَفْسَ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ حَتَّى يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ نَحْوَ سَرَّحْتُك فَارَقْتُك خَلِيَّةٌ بَرِيَّةٌ لَا مَصْدَرَ فِيهَا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلِذَا صَحَّ فِي الْأَمَةِ إلَخْ) لِأَنَّ الثِّنْتَيْنِ فِي حَقِّهَا كُلُّ الْجِنْسِ كَالثَّلَاثِ لِلْحُرَّةِ
(قَوْلُهُ قَالَ اعْتَدِّي ثَلَاثًا) أَيْ قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (قَوْلُهُ وَبِالْبَاقِي حَيْضًا) هَذَا إذَا كَانَ الْخِطَابُ مَعَ مَنْ هِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ لَا فَلَوْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَقَالَ أَرَدْتُ بِالْأَوَّلِ طَلَاقًا وَبِالْبَاقِي تَرَبُّصًا بِالْأَشْهُرِ كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِنِيَّتِهِ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ) وَهُوَ إرَادَتُهُ أَمْرَهَا بِالِاعْتِدَادِ بِالْحَيْضِ بَعْدَ الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ بِنِيَّةِ الْأَوَّلِ) أَيْ دَلَالَةِ الْحَالِ بِسَبَبِ نِيَّتِهِ الْإِيقَاعَ بِالْأَوَّلِ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ حَالَةَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى السُّؤَالِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَدَّمُوهُ مِنْ أَنَّهَا حَالَ سُؤَالِهَا أَوْ سُؤَالِ أَجْنَبِيٍّ طَلَاقُهَا بَلْ هِيَ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ مُجَرَّدِ ابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ.
(قَوْلُهُ حَتَّى) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ اعْتِبَارِ دَلَالَةِ الْحَالِ ط (قَوْلُهُ لَوْ نَوَى بِالثَّانِي فَقَطْ) أَيْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَلَمْ يَنْوِ بِغَيْرِهِ شَيْئًا فَثِنْتَانِ: أَيْ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً، وَكَذَا بِالثَّالِثِ أُخْرَى وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ بِإِيقَاعِ الثَّانِي، وَلَا يَقَعُ بِالْأَوَّلِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ وَدَلَالَةُ الْحَالِ وُجِدَتْ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ) حَاصِلُهَا أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْكُلِّ طَلَاقًا أَوْ بِالْأُولَى طَلَاقًا أَوْ حَيْضًا لَا غَيْرُ أَوْ بِالْأُولَيَيْنِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ أَوْ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَبِالْأُولَى حَيْضًا، فَفِي هَذِهِ السِّتَّةِ تَقَعُ الثَّلَاثُ أَوْ بِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ أَوْ بِالْأُخْرَيَيْنِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَيَيْنِ حَيْضًا لَا غَيْرُ أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا، وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا، أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ حَيْضًا وَبِالثَّالِثَةِ طَلَاقًا أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا وَبِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا أَوْ بِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ. فَهَذِهِ إحْدَى عَشَرَةَ تَقَعُ فِيهَا ثِنْتَانِ أَوْ بِكُلٍّ مِنْهَا حَيْضًا أَوْ بِالثَّالِثَةِ طَلَاقًا أَوْ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ أَوْ بِالْأُخْرَيَيْنِ حَيْضًا لَا غَيْرُ أَوْ بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا؛ وَفِي هَذِهِ السِّتَّةِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ وَالرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ لَا يَنْوِيَ بِكُلٍّ مِنْهَا شَيْئًا فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ بِوَاحِدَةٍ ثَبَتَتْ مُذَاكَرَةُ الطَّلَاقِ، فَإِذَا نَوَى بِمَا بَعْدَهَا الْحَيْضَ صُدِّقَ لِظُهُورِ الْأَمْرِ بِالِاعْتِدَادِ بِالْحَيْضِ عَقِبَ الطَّلَاقِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي عَدَمِ نِيَّةِ شَيْءٍ بِمَا بَعْدَهَا. وَإِذَا لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ بِشَيْءٍ صَحَّ وَكَذَا كُلُّ مَا قَبْلَ الْمَنْوِيِّ بِهَا، وَنِيَّةُ الْحَيْضِ وَاحِدَةٌ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِوَاحِدَةٍ يَنْوِي بِهَا الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ وَتَثْبُتُ حَالَةَ الْمُذَاكَرَةِ فَيَجْرِي فِيهَا الْحَكَمُ الْمَذْكُورُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَسْبُوقَةً بِوَاحِدَةٍ أُرِيدَ بِهَا الطَّلَاقُ حَيْثُ لَا تَقَعُ بِهَا الثَّانِيَةُ كَذَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْفَتْحِ ح.
قُلْتُ: وَلِنُبَيِّنْ هَذَا الْأَصْلَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الْمَارَّةِ لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ فَإِذَا نَوَى بِالْأُولَى حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِالْأُولَى الْحَيْضَ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِإِيقَاعٍ، لَمَّا نَوَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ الْحَيْضَ أَيْضًا صَحَّتْ
стр. 1587
فَوَاحِدَةٌ دِيَانَةً وَثَلَاثٌ قَضَاءً؛ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اعْتَدِّي أَوْ عَطَفَهُ بِالْوَاوِ أَوْ الْفَاءِ، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ أَوْ ثِنْتَيْنِ وَقَعَتَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَفِي الْوَاوِ ثِنْتَانِ وَفِي الْفَاءِ قِيلَ وَاحِدَةٌ وَقِيلَ ثِنْتَانِ.
(طَلَّقَهَا وَاحِدَةً) بَعْدَ الدُّخُولِ (فَجَعَلَهَا ثَلَاثًا صَحَّ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا فَجَعَلَهُ) قَبْلَ الرَّجْعَةِ (بَائِنًا) أَوْ ثَلَاثًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ فِي الْعِدَّةِ: أَلْزَمْتُ امْرَأَتِي ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ أَوْ أَلْزَمْتُهَا بِتَطْلِيقَتَيْنِ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ
ــ
[رد المحتار]
نِيَّتُهُ لِوُقُوعِ الْأُولَى قَبْلَهُمَا؛ وَإِذَا نَوَى بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ يَقَعُ ثِنْتَانِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ الْحَيْضَ بِالثَّانِيَةِ صَحِيحَةٌ لِسَبْقِهَا بِإِيقَاعِ الْأُولَى؛ وَلَمَّا لَمْ يَنْوِ بِالثَّالِثَةِ شَيْئًا وَقَعَ بِهَا أُخْرَى لِثُبُوتِ الْمُذَاكَرَةِ بِوُقُوعِ الْأُولَى وَإِذَا نَوَى بِالْكُلِّ حَيْضًا تَقَعُ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْأُولَى لِعَدَمِ سَبْقِهَا بِإِيقَاعٍ، وَصَحَّتْ نِيَّتُهُ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ الْحَيْضَ لِسَبْقِ الْإِيقَاعِ بِوَاحِدَةٍ قَبْلَهُمَا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ (قَوْلُهُ فَوَاحِدَةٌ دِيَانَةً) لِاحْتِمَالِ قَصْدِهِ التَّأْكِيدَ كَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَثَلَاثٌ قَضَاءً) لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاوِيًا بِكُلِّ لَفْظٍ ثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ فَيَتَكَامَلُ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالتَّأْكِيدُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالْقَاضِي لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ إذَا عَلِمَتْ مِنْهُ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ مُدَّعَاهُ. اهـ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ عَنَيْتُ تَطْلِيقَةً تَعْتَدُّ بِهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَالظَّاهِرُ لَا يُكَذِّبُهُ اهـ
قُلْتُ: وَمِثْلُهُ فِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ (قَوْلُهُ فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) أَيْ بِأَنْ نَوَى بِاعْتَدِّي فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْأَمْرَ بِالْعِدَّةِ بِالْحَيْضِ دُونَ الطَّلَاقِ فَيُصَدَّقُ لِظُهُورِ الْأَمْرِ فِيهِ عَقِبَ الطَّلَاقِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَقَعَتَا) وَتَكُونَانِ رَجْعِيَّتَيْنِ لِأَنَّ اعْتَدِّي لَا يَقَعُ بِهِ الْبَائِنُ كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ فَفِي الْوَاوِ ثِنْتَانِ) وَكَذَا فِي صُورَةِ عَدَمِ الْعَطْفِ أَصْلًا لِأَنَّهُ فِي الصُّورَتَيْنِ يَكُونُ أَمْرًا مُسْتَأْنَفًا وَكَلَامًا مُبْتَدَأً وَهُوَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الطَّلَاقِ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ قِيلَ وَاحِدَةٌ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ: أَيْ فَتُفِيدُ حَمْلَ الْأَمْرِ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِالْحَيْضِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ ثِنْتَانِ) مَشَى عَلَيْهِ فِي الْخَانِيَّةِ، وَوَجْهُهُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الطَّلَاقِ لِلْمُذَاكَرَةِ. قُلْت: وَالْأَوَّلُ أَوْجُهُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً إلَخْ) عِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا: طَلَّقَهَا رَجْعِيَّةً ثُمَّ قَالَ فِي الْعِدَّةِ جَعَلْتُ هَذِهِ التَّطْلِيقَةَ بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا صَحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ أَخْصَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَأَظْهَرُ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ بَعْدَهَا تَصِيرُ الْمَرْأَةُ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يُمْكِنُهُ جَعْلُ طَلَاقِهَا ثَلَاثًا أَوْ بَائِنًا، وَلِذَا قَيَّدَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ لَوْ قَبْلَهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهَا ثَلَاثًا لِكَوْنِهَا بَانَتْ قَبْلَ الْجَعْلِ لَا إلَى عِدَّةٍ وَبِقَوْلِهِ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهُ بَعْدَهَا يَبْطُلُ عَمَلُ الطَّلَاقِ فَيَتَعَذَّرُ جَعْلُهَا بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا أَيْضًا؛ وَإِذَا جَعَلَهَا بَائِنَةً فِي الْعِدَّةِ فَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ إيقَاعِ الرَّجْعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْ لَا مِنْ يَوْمِ الْجَعْلِ وَقَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ بَابِ الصَّرِيحِ عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّ مَعْنَى جَعْلِ الْوَاحِدَةِ ثَلَاثًا أَنَّهُ أَلْحَقَ بِهَا اثْنَتَيْنِ لَا أَنَّهُ جَعَلَ الْوَاحِدَةَ ثَلَاثًا.
[تَنْبِيهٌ] ذَكَرَ الطَّلَاقَ بِلَا عَدَدٍ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ مَا سَكَتَ كَمْ؟ فَقَالَ ثَلَاثًا وَقَعَ ثَلَاثٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ وَلَوْ لَمْ يُسْأَلْ وَقَالَ بَعْدَمَا سَكَتَ ثَلَاثًا إنْ كَانَ سُكُوتُهُ لِانْقِطَاعِ النَّفَسِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ لَهُ فَلَا يُعَدُّ فَاصِلًا، وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ مَا سَكَتَ كَمْ؟ فَقَالَ ثَلَاثٌ فَعِنْدَهُ ثَلَاثٌ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ عِنْدَهُ إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ جَعَلْتُهَا ثَلَاثًا تَصِيرُ ثَلَاثًا اهـ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ حُكْمُ مَا لَوْ قِيلَ لِلْمُطَلِّقِ قُلْ بِالثَّلَاثِ فَقَالَ بِالثَّلَاثِ أَنَّهُ يَقَعُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الْجَعْلَ فِيهِ أَظْهَرُ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَقَالَتْ هزار فَقَالَ هزار فَعَلَى مَا نَوَى وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ اهـ وهزار بِالْفَارِسِيَّةِ أَلْفٌ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا فَهِمْنَاهُ لِأَنَّهَا لَمْ
стр. 1588
فَهُوَ كَمَا قَالَ؛ وَلَوْ قَالَ إنْ طَلَّقْتُكِ فَهِيَ بَائِنٌ أَوْ ثَلَاثٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا يَقَعُ رَجْعِيًّا لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَسْبِقُ الْمَوْصُوفَ كَمَا مَرَّ فَتَذَكَّرْ
(الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ وَ) يَلْحَقُ (الْبَائِنُ) بِشَرْطِ الْعِدَّةِ (وَالْبَائِنُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ) الصَّرِيحُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بَائِنًا كَانَ الْوَاقِعُ بِهِ أَوْ رَجْعِيًّا فَتْحٌ،
ــ
[رد المحتار]
تَأْمُرْهُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَلْفًا وَإِنَّمَا تَعَرَّضَتْ تَعْرِيضًا مُحْتَمَلًا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ أُمِرَ بِأَنْ يُصَيِّرَهُ ثَلَاثًا فَأَجَابَ وَالْجَوَابُ يَتَضَمَّنُ مَا فِي السُّؤَالِ، كَذَا بِخَطِّ شَيْخِ مَشَايِخِنَا السَّائِحَانِيِّ
قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهَا لَهُ قُلْ بِالثَّلَاثِ أَمْرٌ بِإِلْحَاقِ الْعَدَدِ بِأَوَّلِ كَلَامِهِ فَلَا يَلْحَقُ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَ سُكُوتِهِ بِلَا طَلَبٍ، نَعَمْ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ طَلَّقَنِي بِالثَّلَاثِ فَقَالَ بِالثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي كَوْنِهِ جَعْلًا وَإِنْشَاءً لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِلطَّلَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ فَهُوَ كَمَا قَالَ) أَيْ فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي الْأَوَّلِ وَاثْنَانِ فِي الثَّانِي كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ قَدْ أَلْحَقَ بِالطَّلْقَةِ الْأُولَى طَلْقَتَيْنِ فِي الْأُولَى وَطَلْقَةً فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ قُبَيْلَ طَلَاقِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا ح، وَقَوْلُهُ فَتَذَكَّرْ أَشَارَ بِهِ إلَى الْبَحْثِ السَّابِقِ هُنَاكَ مَعَ صَاحِبِ الْبَحْرِ فِي مَسْأَلَةِ التَّعَالِيقِ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ
مَطْلَبٌ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ وَالْبَائِنَ
(قَوْلُهُ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ) كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالِ وَقَعَ الثَّانِي بَحْرٌ، فَلَا فَرْقَ فِي الصَّرِيحِ الثَّانِي بَيْنَ كَوْنِ الْوَاقِعِ بِهِ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا (قَوْلُهُ وَيَلْحَقُ الْبَائِنَ) كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ خَلَعَهَا عَلَى مَال ثُمَّ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ بَحْرٌ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا لَحِقَ الصَّرِيحُ الْبَائِنَ كَانَ بَائِنًا لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ السَّابِقَةَ عَلَيْهِ تَمْنَعُ الرَّجْعَةَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَقَالَ أَيْضًا: قَيَّدْنَا الصَّرِيحَ اللَّاحِقَ لِلْبَائِنِ بِكَوْنِهِ خَاطَبَهَا بِهِ وَأَشَارَ إلَيْهَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لَهُ طَالِقٌ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى الْمُخْتَلِعَةِ إلَخْ وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ وَيُسْتَثْنَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ (قَوْلُهُ بِشَرْطِ الْعِدَّةِ) هَذَا الشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ اللِّحَاقِ، فَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْهَا. اهـ. ح (قَوْلُهُ الصَّرِيحُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ) مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَانَ الْوَاجِبُ ذِكْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَالْبَائِنُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى أَعْنِي قَوْلَهُ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ وَالْبَائِنَ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّرِيحِ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ خُصُوصُ الرَّجْعِيِّ كَمَا تَعْرِفُهُ قَرِيبًا، يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّرِيحِ هُنَا حَقِيقَتُهُ لَا نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْهُ وَهُوَ مَا وَقَعَ بِهِ الرَّجْعِيُّ فَقَطْ بَلْ الْأَعَمُّ.
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ الرَّوَاجِعُ كَاعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ تَلْحَقُ الْبَائِنَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ لَكِنَّهَا لَمَّا وَقَعَ بِهَا الرَّجْعِيُّ كَانَتْ فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ: أَيْ فَهِيَ مُلْحَقَةٌ بِالصَّرِيحِ فِي حُكْمِ اللِّحَاقِ لِلْبَائِنِ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ فِي الْمِنَحِ: إنَّ صِحَّةَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِالْإِضْمَارِ؛ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَنْتِ وَاحِدَةٌ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً فَيَصِيرُ الْحَكَمُ لِلصَّرِيحِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِيَثْبُتَ هَذَا الْمُضْمَرُ اهـ فَأَفَادَ وَجْهَ كَوْنِهَا فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُضْمَرًا فِيهَا وَأَنَّ الْإِيقَاعَ إنَّمَا هُوَ بِهِ لَا بِهَا نَفْسِهَا لَكِنَّ ثُبُوتَهُ مُضْمَرًا تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالنِّيَّةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ. قَالَ ح: وَلَا يَرِدُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ مِنْ عَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ، وَلَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ لِكَوْنِهِ بَائِنًا لِمَا أَنَّ عَدَمَ تَوَقُّفِهِ عَلَى النِّيَّةِ أَمْرٌ عَرَضَ لَهُ لَا بِحَسَبِ أَصْلِ وَضْعِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ بَائِنًا كَانَ الْوَاقِعُ بِهِ أَوْ رَجْعِيًّا) يُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الصَّرِيحِ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الصَّرِيحَ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ رَجْعِيٌّ، وَصَرِيحٌ بَائِنٌ، وَحِينَئِذٍ
стр. 1589
فَمِنْهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَيَلْحَقُهُمَا، وَكَذَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ فَيَلْحَقُ الرَّجْعِيَّ وَيَجِبُ الْمَالُ، وَالْبَائِنَ وَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ لَا الْمَعْنَى عَلَى الْمَشْهُورِ
ــ
[رد المحتار]
فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ وَالطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ وَكَذَا مَا مَرَّ قَبْلَ فَصْلِ طَلَاقِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ الْوَاقِعِ بِهَا الْبَائِنُ، مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ أَوْ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ أَوْ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ أَوْ طَلْقَةً طَوِيلَةً أَوْ عَرِيضَةً إلَخْ فَهَذَا كُلُّهُ صَرِيحٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ، وَيَقَعُ بِهِ الْبَائِنُ وَيَلْحَقُ الصَّرِيحَ وَالْبَائِنَ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَالصَّرِيحُ يَلْحَقُ الْبَائِنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجْعِيًّا.
هَذَا، وَفِي الْمَنْصُورِيِّ شَرْحِ الْمَسْعُودِيِّ لِلرَّاسِخِ الْمُحَقِّقِ أَبِي مَنْصُورٍ السِّجِسْتَانِيِّ: الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ إذَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَالْكِنَايَةُ أَيْضًا تَلْحَقُهَا إذَا كَانَتْ فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ كَاعْتَدِّي إلَخْ. ثُمَّ قَالَ: وَالْكِنَايَاتُ وَالْبَوَائِنُ لَا تَلْحَقُهَا أَيْ الْمُخْتَلِعَةَ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا يَلْحَقُهَا الْكِنَايَاتُ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ بَاقٍ. قَالَ فِي عِقْدِ الْفَرَائِدِ: هَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ؛ وَمَعْنَى الْعَطْفِ فِي قَوْلِ الْمَنْصُورِيِّ (وَالْبَوَائِنُ) مَا أَوْقَعَ مِنْ الْبَوَائِنِ لَا بِلَفْظِ الْكِنَايَاتِ فَإِنَّهُ يَلْغُو ذِكْرَ الْبَائِنِ كَمَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ اهـ وَنَقَلَهُ فِي النَّهْرِ وَأَقَرَّهُ أَقُولُ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْوَاوَ فِي وَالْبَوَائِنُ زَائِدَةٌ مِنْ النَّاسِخِ وَأَنَّ مُرَادَ الْمَنْصُورِيِّ الْكِنَايَاتُ الْبَوَائِنُ الْمُقَابِلَةُ لِلْكِنَايَاتِ الرَّجْعِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلَهُ لِمَا عَلِمْته مِنْ أَنَّ الْبَوَائِنَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْكِنَايَةِ مِنْ الصَّرِيحِ الَّذِي يَلْحَقُ الْبَائِنَ وَإِلَّا صَارَ مُنَافِيًا لِكَلَامِ الْفَتْحِ لَا مُؤَيِّدًا لَهُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ فَمِنْهُ إلَخْ) أَيْ إذَا عَرَفْتَ أَنَّ قَوْلَهُ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ وَالْبَائِنَ الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ فِيهِ مَا ذُكِرَ ظَهَرَ أَنَّ مِنْهُ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ فَيَلْحَقُهُمَا: أَيْ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ وَالْبَائِنَ؛ فَإِذَا أَبَانَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ وَهِيَ وَاقِعَةُ حَلَبَ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الْحَقُّ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا لِمَا سَمِعْتَ مِنْ أَنَّ الصَّرِيحَ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا يَلْحَقُ الْبَائِنَ وَمِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَائِنِ الَّذِي لَا يَلْحَقُ هُوَ مَا كَانَ كِنَايَةً اهـ وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي عَقْدِ الْفَرَائِدِ، وَكَذَا صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالنَّهْرُ وَالْمِنَحُ وَالْمَقْدِسِيُّ وَالشُّرُنْبُلالي وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْخُلَاصَةِ وَأَيَّدَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ كَمَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا خِلَافًا لِمَنْ رَجَّحَ عَدَمَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَكَذَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ) أَيْ أَنَّهُ أَيْضًا مِنْ الصَّرِيحِ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ بِهِ بَائِنًا (قَوْلُهُ وَالْبَائِنَ) بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الرَّجْعِيَّ (قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ) أَيْ إذَا أَبَانَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ عَلَى مَالٍ وَقَعَ الثَّانِي أَيْضًا، وَلَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ لِأَنَّ إعْطَاءَهُ لِتَحْصِيلِ الْخَلَاصِ الْمُنَجَّزِ وَأَنَّهُ حَاصِلٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: أَيْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا تَوَقَّفَ الْخَلَاصُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ فَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَهُ بِمَالٍ فِي الْعِدَّةِ لَزِمَ الْمَالُ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ فِي الْحَالِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَالَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ أَيْ فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا بُدَّ فِي الْوُقُوعِ مِنْ قَبُولِهَا لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ تَعْلِيقُ طَلَاقِهَا بِالْقَبُولِ فَلَا يَقَعُ بِلَا وُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَيْ فِي الصَّرِيحِ هُنَا اللَّفْظُ: أَيْ كَوْنُهُ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَيْ الْوَاقِعُ بِهِ الْبَائِنَ، وَالْمُرَادُ بِاللَّفْظِ مَا يَشْمَلُ الْمُضْمَرَ كَمَا فِي الْكِنَايَاتِ الرَّجْعِيَّةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ) رَدٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي وَاقِعَةِ حَلَبَ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا مِنْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ بَائِنٌ فِي الْمَعْنَى وَالْبَائِنُ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ، وَاعْتِبَارُ الْمَعْنَى أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ اللَّفْظِ، وَجَعَلَهُ الْأَصَحَّ الْمُفْتَى بِهِ أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ.
قُلْتُ: وَفِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ عَازِيًا إلَى الْأَسْرَارِ لِنَجْمِ الدِّينِ قَالَ لَهَا: أَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ قَالَ فِي الْعِدَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِكَوْنِ الثَّلَاثِ بَيْنُونَةً غَلِيظَةً فِي الْمَعْنَى. وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ لِكَوْنِهَا فِي اللَّفْظِ صَرِيحًا. وَالْأَصَحُّ قَوْلُهُ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، ثُمَّ عَزَا إلَى شَرْحِ الْعُيُونِ مِثْلَهُ، ثُمَّ عَزَا إلَى كِتَابٍ آخَرَ. قَالَ مُحَمَّدٌ
стр. 1590
(لَا) يَلْحَقُ الْبَائِنُ (الْبَائِنُ)
ــ
[رد المحتار]
لَا يَقَعُ الثَّلَاثُ؛ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ. قَالَ: وَفِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ مِثْلُهُ اهـ وَقَدْ تَكَفَّلَ بِرَدِّهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ وَأَقَرَّهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ أَنَّ الزَّاهِدِيَّ يَنْقُلُ الرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةَ فَلَا يُتَابَعُ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ وَقَدْ وُجِدَ النَّقْلُ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا بِمَا يُخَالِفُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الدُّرَرِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ عَلَى خِلَافِهِ أَيْضًا كَمَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا، وَيَكْفِينَا قُدْوَةً مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَلِذَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ وَجَعَلَهُ الْمَشْهُورَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ خَلَعَهَا ثُمَّ قَالَ فِي عِدَّةِ الْخُلْعِ أَنْتِ طَالِقٌ فَهَذَا صَرِيحٌ لَفْظًا بَائِنٌ مَعْنًى وَهُوَ وَاقِعٌ قَطْعًا؛ فَقَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَى لُحُوقِ الصَّرِيحِ الْبَائِنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يَعْنِي الْخُلْعَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] إلَخْ وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: فَهُوَ نَصٌّ عَلَى وُقُوعِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الْخُلْعِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الدُّرَرِ عَنْ التَّلْوِيحِ
وَفِي حَوَاشِي الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ قَالَ فِي مُشْتَمِلِ الْأَحْكَامِ: وَالْبَائِنُ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ يَعْنِي الْبَائِنَ اللَّفْظِيَّ، أَمَّا الْبَائِنُ الْمَعْنَوِيُّ يَلْحَقُ اللَّفْظِيَّ مِثْلَ الثَّلَاثِ مِنْ الْمَبْسُوطِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنُ الْبَائِنَ) الْمُرَادُ بِالْبَائِنِ الَّذِي لَا يَلْحَقُ هُوَ مَا كَانَ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ ظَاهِرًا فِي إنْشَاءِ الطَّلَاقِ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ الَّذِي لَا يَلْحَقُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْبَائِنَ الْمُوقَعَ أَوَّلًا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ أَوْ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ الْمُفِيدِ لِلْبَيْنُونَةِ كَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُمْ فَالْبَائِنُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ لَا الْبَائِنَ هُوَ الصَّرِيحُ الرَّجْعِيُّ فَقَطْ دُونَ الصَّرِيحِ الْبَائِنِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ أَوَّلًا عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ الصَّرِيحَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بَائِنًا كَانَ الْوَاقِعُ بِهِ أَوْ رَجْعِيًّا خَاصٌّ بِالصَّرِيحِ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى: أَعْنِي قَوْلَهُمْ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ وَالْبَائِنَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْفَتْحِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُنَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أُمُورٌ:
مِنْهَا مَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ عَدَمَ لُحُوقِ الْبَائِنِ الْبَائِنَ بِإِمْكَانِ جَعْلِ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ؛ وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ الْبَائِنُ الْأَوَّلُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ أَوْ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ.
وَمِنْهَا مَا فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي عِدَّتِهَا أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ بَتَّةٌ أَوْ شِبْهُ ذَلِكَ وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ وَهِيَ مِنِّي بَائِنٌ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُ الثَّانِي خَبَرًا مِنْ الْأَوَّلِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّرِيحُ الْبَائِنُ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ لَهُ بِأَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ تَأَمَّلْ
وَمِنْهَا قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ: أَمَّا كَوْنُ الْبَائِنِ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْقَيْدَ الْحُكْمِيَّ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِبَقَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّرِيحِ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ الصَّرِيحُ الرَّجْعِيُّ، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ بَقَاءَ قَيْدِ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَقَاءَ الِاسْتِمْتَاعِ لَا يَكُونُ بَعْدَ الصَّرِيحِ الْبَائِنِ
وَمِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الْمَنْصُورِيِّ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا يَلْحَقُهَا الْكِنَايَاتُ، لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ بَاقٍ؛ فَتَقْيِيدُهُ بِالرَّجْعِيِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّرِيحَ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهُ الْكِنَايَاتُ؛ وَكَذَا تَعْلِيلُهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْهَا مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة قُبَيْلَ الْفَصْلِ السَّادِسِ: وَلَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ أَوْ خَلَعَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ يَصِحُّ، وَلَوْ طَلَّقَهَا بِمَالٍ ثُمَّ خَلَعَهَا فِي الْعِدَّةِ لَا يَصِحُّ. اهـ.
فَانْظُرْ كَيْف فَرَّقَ بَيْنَ الرَّجْعِيِّ وَالصَّرِيحَ الْبَائِنِ وَهُوَ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ حَيْثُ جَعَلَ الْخُلْعَ وَاقِعًا بَعْدَ الْأَوَّلِ لَا بَعْدَ
стр. 1591
إذَا أَمْكَنَ جَعْلُهُ إخْبَارًا عَنْ الْأَوَّلِ:
ــ
[رد المحتار]
الثَّانِي، فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّرِيحِ هُنَا الرَّجْعِيُّ فَقَطْ، وَبِالْبَائِنِ الْأَوَّلِ مَا يَشْمَلُ الْبَائِنَ الصَّرِيحَ.
وَمِنْهَا فَرْعَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْبَحْرِ: الْأَوَّلُ مَا فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْأُوزْجَنْدِيِّ: طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ ثُمَّ قَالَ فِي عِدَّتِهَا أَنْتِ بَائِنٌ لَا يَقَعُ. اهـ. وَالثَّانِي مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْجِنْسِ السَّادِسِ مِنْ الْخُلْعِ: لَوْ طَلَّقَهَا بِمَالٍ ثُمَّ خَلَعَهَا فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَصِحَّ اهـ فَهَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ، وَبِهِ سَقَطَ مَا فِي الْبَحْرِ، وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ مِنْ اسْتِشْكَالِهِ الْفَرْعَيْنِ: بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّرِيحِ مَا يَشْمَلُ الصَّرِيحَ الْبَائِنَ. قَالَ: وَقَدْ جَعَلُوا الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ مِنْ قَبِيلِ الصَّرِيحِ، وَقَالُوا: إنَّ الْبَائِنَ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ فَيَنْبَغِي الْوُقُوعُ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ وَصِحَّةُ الْخُلْعِ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا مَخْلَصَ إلَّا بِكَوْنِ الْمُرَادِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْخُلْعِ عَدَمَ لُزُومِ الْمَالِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ صَاحِبَ الْخُلَاصَةِ صَرَّحَ فِي عَكْسِهِ وَهُوَ مَا إذَا طَلَّقَهَا بِمَالٍ بَعْدَ الْخُلْعِ أَنَّهُ يَقَعُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ.
أَقُولُ: وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْ مِثْلِهِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّرِيحِ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ الرَّجْعِيُّ فَقَطْ، بِخِلَافِ الصَّرِيحِ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعْلِيلَاتِهِمْ وَفُرُوعِهِمْ، وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ فِي الْفَرْعَيْنِ أَصْلًا، بَلْ هُمَا دَلِيلَانِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَخْلَصِ بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ الْمَخْلَصِ مَا قُلْنَاهُ؛ وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ دَعْوَاهُ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الْفَرْعِ وَعَكْسِهِ كَمَا لَا يَخْفَى فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا بِمَالٍ بَعْدَ الْخُلْعِ إنَّمَا لَا يَجِبُ الْمَالُ لِأَنَّ إعْطَاءَ الْمَالِ لِتَحْصِيلِ الْخَلَاصِ الْمُنَجَّزِ وَإِنَّهُ حَاصِلٌ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ. أَمَّا إذَا طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ قَبْلَ الْخُلْعِ فَلَا وَجْهَ لِسُقُوطِ الْمَالِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِدُونِهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْخَلَاصُ الْمُنَجَّزُ بَلْ يَتَوَقَّفُ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَقَدْ حَصَلَ بِالْمَالِ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِهِ وَلَا يَبْطُلُ بِالْخُلْعِ الْعَارِضِ بَعْدَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَطْلُوبِ بِهِ بَلْ يَبْطُلُ الْخُلْعُ نَفْسُهُ لِأَنَّ الْخَلَاصَ الْمُنَجَّزَ حَاصِلٌ قَبْلَهُ فَلَا يُفِيدُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَقَامِ، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامُ الْأَفْهَامِ، فَاغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا اخْتَصَّ بِهِ هَذَا الْكِتَابُ، بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مَا نَصُّهُ: وَأَيْضًا قَوْلُهُمْ وَالْبَائِنُ الْغَيْرُ الصَّرِيحِ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ الصَّرِيحَ الْبَائِنَ لِاحْتِمَالِ الْخَبَرِيَّةِ عَنْ الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَخْفَى، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَائِنَيْنِ فَلَا يَصِحُّ الْخَبَرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ اهـ وَهَذَا عَيْنُ مَا فَهِمْتُهُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّرِيحِ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ الرَّجْعِيُّ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْفَرْقَ إلَخْ قَدْ عَلِمْتَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَوَّلًا عَدَمَ الْفَرْقِ فَإِنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ لِذِي فَهْمٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ إذَا أَمْكَنَ إلَخْ) قَيْدٌ فِي عَدَمِ لِحَاقِ الْبَائِنِ الْبَائِنَ، وَمُحْتَرَزُهُ مَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ أَبَنْتُكِ بِأُخْرَى إلَخْ ط.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ بَائِنٌ نَاوِيًا طَلْقَةً ثَانِيَةً أَنْ تَقَعَ الثَّانِيَةُ بِنِيَّتِهِ لِأَنَّهُ بِنِيَّتِهِ لَا يَصْلُحُ خَبَرًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَبَنْتُكِ بِأُخْرَى، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْوُقُوعَ إنَّمَا هُوَ بِلَفْظٍ صَالِحٍ لَهُ وَهُوَ أُخْرَى بِخِلَافِ مُجَرَّدِ النِّيَّةِ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ اللَّفْظَ الثَّانِيَ صَالِحٌ، وَلَوْ أَبْدَلَ صَالِحًا بِمُعَيَّنٍ لَهُ لَكَانَ أَظْهَرَ ط.
أَقُولُ: وَيَدْفَعُ الْبَحْثَ مِنْ أَصْلِهِ تَعْبِيرُهُمْ بِالْإِمْكَانِ، وَبِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِهِ إنْشَاءً مَتَى أَمْكَنَ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ صَادِقٌ بِقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ عَلَى أَنَّ الْبَائِنَ لَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَقَوْلهمْ الْبَائِنُ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَائِنَ الْمَنْوِيَّ، إذْ غَيْرُ الْمَنْوِيِّ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ أَصْلًا وَلَمْ يَشْتَرِطُوا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ الْأَوَّلَ.
فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُمْ إذَا أَمْكَنَ إلَخْ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ خَبَرًا كَمَا فِي أَبَنْتُكِ بِأُخْرَى، لَا عَمَّا إذَا نَوَى بِهِ طَلَاقًا
стр. 1592
كَأَنْتِ بَائِنٌ بَائِنٌ، أَوْ أَبَنْتُكِ بِتَطْلِيقَةٍ فَلَا يَقَعُ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ فَلَا ضَرُورَةَ فِي جَعْلِهِ إنْشَاءً، بِخِلَافِ أَبَنْتُك بِأُخْرَى أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ، أَوْ قَالَ نَوَيْتُ الْبَيْنُونَةَ الْكُبْرَى لِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الْإِخْبَارِ فَيُجْعَلُ إنْشَاءً، وَلِذَا وَقَعَ الْمُعَلَّقُ كَمَا قَالَ (إلَّا إذَا كَانَ) الْبَائِنُ (مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ) أَوْ مُضَافًا (قَبْلَ) إيجَادِ (الْمُنَجَّزِ الْبَائِنِ) كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ بَائِنٌ نَاوِيًا ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ بَانَتْ بِأُخْرَى لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إخْبَارًا،
ــ
[رد المحتار]
آخَرَ فَتَدَبَّرْ. وَأَمَّا اعْتَدِّي اعْتَدِّي فَإِنَّهُ مُلْحَقٌ بِالصَّرِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا حَيْثُ أَوْقَعُوا بِهِ مُكَرَّرًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَأَنْتِ بَائِنٌ بَائِنٌ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مُكَرَّرًا، وَفِي بَعْضِهَا كَأَنْتِ بَائِنٌ بِدُونِ تَكْرَارٍ وَهُوَ الْأَصْوَبُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّمْثِيلُ لِإِيقَاعِ الْبَائِنِ عَلَى الْمُبَانَةِ وَلِأَنَّهُ كَمَا قَالَ ط لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِخْبَارَ النَّحْوِيَّ بَلْ الْإِخْبَارَ عَمَّا صَدَرَ أَوَّلًا وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنْ يَلْزَمَ كَوْنُهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ أَبَنْتُكِ بِتَطْلِيقَةٍ) عَطْفٌ عَلَى بَائِنٍ الثَّانِيَةِ أَيْ أَنْتِ بَائِنٌ أَبَنْتُكِ بِتَطْلِيقَةٍ. اهـ. ح وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ اللَّفْظَيْنِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ الْبَائِنَةِ أَوْ الْخُلْعِ أَوْ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ إذَا كَانَ عَلَى مَالٍ أَوْ مَوْصُوفًا بِمَا يُنْبِئُ عَنْ الْبَيْنُونَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ بَعْدَ كَوْنِ الثَّانِي بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ الْبَائِنَةِ كَالْخُلْعِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ كَأَنْتِ حَرَامٌ، بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ الرَّجْعِيَّةِ فَإِنَّهَا فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ فَتَلْحَقُ الْبَائِنَ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ فَلَا يَقَعُ) أَيْ وَإِنْ نَوَى، لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحَاوِي: وَلَا يَقَعُ بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى. اهـ. ط (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ) أَيْ يُجْعَلُ إخْبَارًا لِأَنَّهُ أَمْكَنَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ أَبَنْتُكِ بِأُخْرَى) : أَيْ لَوْ أَبَانَهَا أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ فِي الْعِدَّةِ أَبَنْتُك بِأُخْرَى وَقَعَ لِأَنَّ لَفْظَ أُخْرَى مَنَافٍ لِإِمْكَانِ الْإِخْبَارِ بِالثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ) لِأَنَّ وُقُوعَهُ بِأَنْتِ طَالِقٌ وَهُوَ صَرِيحٌ، وَيَلْغُو قَوْلُهُ بَائِنٌ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ: لِأَنَّ الصَّرِيحَ بَعْدَ الْبَائِنِ بَائِنٌ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الذَّخِيرَةِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِلْمُبَانَةِ أَبَنْتُك بِتَطْلِيقَةٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَلْغَيْنَا بَائِنًا يَبْقَى قَوْلُهُ طَالِقٌ وَبِهِ يَقَعُ، وَلَوْ أَلْغَيْنَا أَبَنْتُكِ يَبْقَى قَوْلُهُ بِتَطْلِيقَةٍ وَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ طَلَاقِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ مَتَى قُيِّدَ بِعَدَدٍ أَوْ وَصْفٍ أَوْ مَصْدَرٍ فَالْوُقُوعُ بِالْقَيْدِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ ثَلَاثًا أَوْ بَائِنٌ لَمْ يَقَعْ، فَهَذَا يُنَافِي مَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ مِنْ إلْغَاءِ الْوَصْفِ هُنَا، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوُقُوعِ بِهِ هُنَا لَا يَصِحُّ لِسَبْقِ الْبَيْنُونَةِ قَبْلَهُ وَلِوُقُوعِ الْبَائِنِ بِالصَّرِيحِ هُنَا وَإِنْ لَمْ يُوصَفْ، فَتَعَيَّنَ إلْغَاءُ الْوَصْفِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا. وَبَقِيَ إشْكَالٌ آخَرُ مَذْكُورٌ مَعَ جَوَابِهِ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ أَوْ قَالَ نَوَيْتُ) أَيْ بِالْبَائِنِ الثَّانِي الْبَيْنُونَةَ الْكُبْرَى أَيْ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ وَهِيَ الَّتِي لَا حِلَّ بَعْدَهَا إلَّا بِنِكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَقِيلَ لَا يَقَعُ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ صِفَةُ الْبَيْنُونَةِ فَإِذَا أَلْغَتْ النِّيَّةَ فِي أَصْلِ الْبَيْنُونَةِ لِكَوْنِهَا حَاصِلَةً لَغَتْ فِي إثْبَاتِ وَصْفِ التَّغْلِيظِ مُحِيطٌ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إلْغَاءِ نِيَّةِ الْبَيْنُونَةِ؛ وَمِثْلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْحَاوِي فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ بَيْنُونَةٍ أُخْرَى خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ كَمَا مَرَّ.
قَالَ فِي الدُّرَرِ: أَقُولُ وَهَذَا يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا ثُمَّ قَالَ فِي الْعِدَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَقَعُ الثَّلَاثُ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ إذَا ثَبَتَتْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ بِلَا ذِكْرِ الثَّلَاثِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا فِي الْمَحَلِّ فَلَأَنْ تَثْبُتَ إذَا صَرَّحَ بِالثَّلَاثِ أَوْلَى، وَتَمَامُهُ فِيهِ وَنَحْوُهُ فِي الْيَعْقُوبِيَّةِ (قَوْلُهُ لِتَعَذُّرِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ بِخِلَافِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلِذَا) أَيْ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الْإِخْبَارِ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ الْبَائِنُ مُعَلَّقًا إلَخْ) يَشْمَلُ مَا إذَا آلَى مِنْ زَوْجَتِهِ ثُمَّ أَبَانَهَا قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ مَضَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ خِلَافًا لِزُفَرَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ قَبْلَ إيجَادِ الْمُنَجَّزِ) سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ مُحْتَرَزَ الْقَبْلِيَّةَ، وَتَنْجِيزُ الثَّانِي غَيْرُ قَيْدٍ بَلْ لَوْ عَلَّقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ كَمَا يَذْكُرُهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ نَاوِيًا) لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إخْبَارًا) أَيْ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ قَبْلُ فَلَا يَصِحُّ إخْبَارًا عَنْهُ وَكَذَا الْإِضَافَةُ ح وَأَعَادَ التَّعْلِيلَ وَإِنْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ
стр. 1593
وَمِثْلُهُ الْمُضَافُ كَأَنْتِ بَائِنٌ غَدًا ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ جَاءَ الْغَدُ يَقَعُ أُخْرَى.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَهْبَانِيَّةِ: أَنْتِ بَائِنٌ كِنَايَةٌ مُعَلَّقًا كَانَ أَوْ مُنَجَّزًا فَيُغْتَفَرُ لِلنِّيَّةِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ بَائِنٌ، ثُمَّ قَالَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَأَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ دَخَلَتْ وَبَانَتْ ثُمَّ كَلَّمَتْ يَقَعُ أُخْرَى ذَخِيرَةٌ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ كَذَلِكَ لِأَمْرٍ آخَرَ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا بَانَتْ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَ الثَّانِيَ عَلَى الْأَشْبَهِ فَلْيُحْفَظْ، قَيَّدَ بِالْقَبْلِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ أَبَانَهَا أَوَّلًا ثُمَّ أَضَافَ الْبَائِنَ أَوْ عَلَّقَهُ لَمْ يَصِحَّ كَتَنْجِيزِهِ بَدَائِعُ. وَيُسْتَثْنَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ: كُلُّ امْرَأَةٍ لَهُ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمُخْتَلِعَةِ، وَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَته كَذَا لَمْ يَقَع عَلَى مُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ،
ــ
[رد المحتار]
سَابِقًا وَلِذَا وَقَعَ الْمُعَلَّقُ لِطُولِ الْفَصْلِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ الْمُضَافُ) الْأَوْلَى وَمِثَالُ الْمُضَافِ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْحُكْمِ فُهِمَتْ مِنْ قَوْلِهِ سَابِقًا أَوْ مُضَافًا ط (قَوْلُهُ وَفِي الْبَحْرِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهَذَا النَّقْلِ الِاسْتِدْلَال عَلَى قَوْلِهِ نَاوِيًا ح (قَوْلُهُ فَيَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ) أَيْ أَوْ الْمُذَاكَرَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت) بَيَانٌ لِمَا إذَا كَانَا مُعَلَّقَيْنِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ ثُمَّ دَخَلَتْ وَبَانَتْ) أَشَارَ بِالْعَطْفِ بِثُمَّ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ التَّعْلِيقِ الثَّانِي قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِ الْأَوَّلِ: لِأَنَّهَا لَوْ دَخَلَتْ وَبَانَتْ ثُمَّ قَالَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَكَلَّمَتْهُ لَا يَقَعُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا وُجِدَ شَرْطُهُ قَبْلَ تَعْلِيقِ الثَّانِي صَارَ مُنَجَّزًا.
وَالْمُعَلَّقُ لَا يَلْحَقُ إلَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ قَبْلَ إيجَادِ الْمُنَجَّزِ كَمَا عَلِمْتَهُ مِنْ كَلَامِ الْمَتْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ ثَانِيًا فَأَنْتِ بَائِنٌ صَادِقٌ بِثُبُوتِ الْبَيْنُونَةِ أَوَّلًا فَيَصْلُحُ كَوْنُ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ، وَبِهِ سَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ كَلَامَهُ شَامِلٌ لِكَوْنِ التَّعْلِيقِ الثَّانِي بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَوْ قَبْلَهُ، وَكَذَا سَقَطَ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ إنْ تَعَذَّرَ جَعْلُهُ إخْبَارًا عَنْ الْأَوَّلِ مَوْجُودٌ فِي الْمُعَلَّقِ وَالْمُضَافِ سَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ أَوْ الْإِضَافَةُ قَبْلَ التَّنْجِيزِ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْفَرْقِ وَإِنْ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ قَبْلَ إيجَادِ الْمُنَجَّزِ اهـ. إذَا لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بَعْدَ إيجَادِ الْمُنَجَّزِ يَصْلُحُ كَوْنُ الْمُعَلَّقِ فِيهِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ الثَّانِيَةُ خَبَرًا عَنْ الْمُنَجَّزِ الثَّابِتِ أَوَّلًا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَالْوَجْهُ مَا قَالُوهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ ثُمَّ كَلَّمَتْ) فَلَوْ عَكَسَتْ أَيْ بِأَنْ كَلَّمَتْهُ أَوَّلًا ثُمَّ دَخَلَتْ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَكَمَ كَذَلِكَ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ تَعْلِيقَيْهِ لَا يَصْلُحُ إخْبَارًا عَنْ الْآخَرِ لِعَدَمِ كَوْنِهَا طَالِقًا عِنْدَ كُلٍّ مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ اهـ ح (قَوْلُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الذَّخِيرَةِ إلَّا فِي لَفْظِ الْبَائِنِ وَالْحَرَامِ وَفِي إفَادَةِ أَنَّهُ يَقَعُ بِأَيِّهِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا بَحَثَهُ الْمُحَشِّي أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ فَعَلَ الثَّانِيَ) أَرَادَ بِالثَّانِي الْآخَرَ لَا التَّرْتِيبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَحَدَهُمَا ح (قَوْلُهُ قَيَّدَ بِالْقَبْلِيَّةِ) أَيْ بِقَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ قَبْلَ الْمُنَجَّزِ الْبَائِنِ (قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ الْمُنَجَّزِ كَمَا قُلْنَا (قَوْلُهُ وَيُسْتَثْنَى إلَخْ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِمْ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الْبَائِنَ؛ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ لَفْظِ الْمَرْأَةِ مُعْتَدَّةَ الْبَائِنِ؛ حَتَّى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْمَرْأَةِ وَقَعَ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِي الْمَنْصُورِيِّ شَرْحِ الْمَسْعُودِيِّ: الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ إذَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ. اهـ. ح.
مَطْلَبٌ الْمُخْتَلِعَةُ وَالْمُبَانَةُ لَيْسَتْ امْرَأَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ عَدَمَ الْوُقُوعِ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ امْرَأَةً لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ تُسَمَّى مُخْتَلِعَةً وَمُبَانَةً، وَإِنْ كَانَ أَثَرُ النِّكَاحِ وَهُوَ الْعِدَّةُ بَاقِيًا مَعْنًى لَحِقَهَا الصَّرِيحُ إذَا أَضَافَهُ إلَيْهَا بِخِطَابٍ أَوْ إشَارَةٍ، وَكَذَا لَوْ نَوَاهَا بِالطَّلَاقِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي كَافِي الْحَاكِمِ، وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي لَا تَدْخُلُ الْمُبَانَةُ بِالْخُلْعِ وَالْإِيلَاءِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهَا: أَيْ فَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ صَارَتْ فِي حُكْمِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَلَا تُسَمَّى امْرَأَتَهُ؛ وَلِذَا قَالَ فِي حَاوِي الزَّاهِدِيِّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ إنَّ كُنْتِ امْرَأَةً لِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ الْأَوَّلُ بَائِنًا لَا يَقَعُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا يَقَعُ الثَّانِي اهـ لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا فِي تَعْلِيقِ الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَةٌ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَطَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَخَرَجَتْ
стр. 1594
وَيَضْبِطُ الْكُلَّ مَا قِيلَ:
كُلًّا أَجِزْ لَا بَائِنًا مَعْ مِثْلِهِ ... إلَّا إذَا عَلَّقْتَهُ مِنْ قَبْلِهِ
إلَّا بِكُلِّ امْرَأَةٍ وَقَدْ خَلَعْ ... وَالْحَقُّ الصَّرِيحُ بَعْدُ لَمْ يَقَعْ
(كُلُّ فُرْقَةٍ هِيَ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) كَإِسْلَامٍ
ــ
[رد المحتار]
يَحْنَثُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ قَبَّلْتُ امْرَأَتِي فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَبَّلَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ اهـ أَيْ لِتَعْيِينِ ذَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا لَا بِقَيْدِ كَوْنِهَا امْرَأَةً لَهُ، فَإِذَا كَانَ لَفْظُ الْمَرْأَةِ شَامِلًا لَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَفِي حَالِ بَقَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْأَوْلَى.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُعَلَّقِ حَالَةُ التَّعْلِيقِ لَا حَالَةُ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَهِيَ فِي حَالَةِ التَّعْلِيقِ كَانَتْ امْرَأَةً لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِذَا وَقَعَ الْبَائِنُ الْمُعَنَّقُ قَبْلَ وُجُودِ الْبَائِنِ الْمُنَجَّزِ كَمَا مَرَّ وَسَنَذْكُرُ تَحْقِيقَ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّعْلِيقِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ (قَوْلُهُ وَيَضْبِطُ الْكُلَّ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا، فَالْمُرَادُ بِالْكُلِّ صُوَرُ اللِّحَاقِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهَا ط (قَوْلُهُ مَا قِيلَ) الْبَيْتُ الْأَوَّلُ لِوَالِدِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَبْدِ الْبَرِّ شَارِحِ النَّظْمِ الْوَهْبَانِيِّ كَمَا فِي الْمِنَحِ، وَالْبَيْتُ الثَّانِي لِصَاحِبِ النَّهْرِ ح (قَوْلُهُ كُلًّا أَجِزْ) أَيْ أَجِزْ كُلًّا مِنْ وُقُوعِ الصَّرِيحِ وَالْبَائِنِ بَعْدَ الصَّرِيحِ وَالْبَائِنِ ح وَلَا يَخْفَى مَا فِي قَوْلِهِ كُلًّا مِنْ الْإِبْهَامِ نَهْرٌ قُلْت: وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الشَّرْحِ لُحُوقًا بَدَلَ كُلًّا وَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَهُ الْوَزْنُ (قَوْلُهُ لَا بَائِنًا) عَطْفٌ عَلَى كُلًّا وَمَعْ بِسُكُونِ الْعَيْنِ لِلْوَزْنِ بِمَعْنَى بَعْدَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] نَعْتٌ لِقَوْلِهِ بَائِنًا: أَيْ لَا تُجِزْ بَائِنًا كَائِنًا بَعْدَ مِثْلِهِ، وَهَذَا الْعَطْفُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ كُلًّا أَجِزْ إلَّا بَائِنًا بَعْدَ مِثْلِهِ، وَقَوْلُهُ إلَّا إذَا عَلَّقْتَهُ مِنْ قَبْلِهِ، اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْعَطْفِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ: أَيْ لَا تُجِزْ بَائِنًا بَعْدَ بَائِنٍ إلَّا إذَا عَلَّقْتَ الْبَائِنَ الْوَاقِعَ بَعْدَ الْمِثْلِ قَبْلَ الْمِثْلِ، فَضَمِيرُ عَلَّقْتَهُ لِلْبَائِنِ الْأَوَّلِ، وَضَمِيرُ قَبْلِهِ لِلْمِثْلِ الَّذِي هُوَ الْبَائِنُ الثَّانِي. اهـ. ح وَالتَّعْبِيرُ بِالْمِثْلِ مُشْعِرٌ بِإِخْرَاجِ الْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى، وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْبَيْتِ مِنْ التَّعْقِيدِ، وَالْأَوْضَحُ مَا قِيلَ:
صَرِيحُ طَلَاقِ الْمَرْءِ يَلْحَقُ مِثْلَهُ ... وَيَلْحَقُ أَيْضًا بَائِنًا كَانَ قَبْلَهُ
كَذَا عَكْسُهُ لَا بَائِنٌ بَعْدَ بَائِنٍ ... سِوَى بَائِنٍ قَدْ كَانَ عُلِّقَ قَبْلَهُ
(قَوْلُهُ إلَّا بِكُلِّ امْرَأَةٍ) اسْتِثْنَاءٌ ثَانٍ مِنْ قَوْلِهِ كُلًّا أَجِزْ فَإِنَّهُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَائِنِ بَعْدَ الْبَائِنِ مِنْهُ بَقِيَ الْبَائِنُ بَعْدَ الصَّرِيحِ وَالصَّرِيحُ بَعْدَ الصَّرِيحِ وَالصَّرِيحُ بَعْدَ الْبَائِنِ، فَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْأَخِيرِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَكَانَ لَهُ مُخْتَلِعَةٌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ لَحِقَ بَائِنًا وَلَمْ يَقَعْ لِمَا قَدَّمْنَا وَبَاءُ بِكُلٍّ بِمَعْنَى فِي، وَكُلٌّ بِالضَّمِّ عَلَى الْحِكَايَةِ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَقَدْ خَلَعَ، لِلْحَالِ، وَأَلْحَقَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلَى خَلَعَ، وَبَعْدُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِقَطْعِهِ عَنْ الْإِضَافَةِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهَا وَهُوَ ظَرْفٌ لِلْحَقِّ: أَيْ وَالْحَقُّ الصَّرِيحُ بَعْدَ الْخُلْعِ ح
(قَوْلُهُ كُلُّ فُرْقَةٍ إلَخْ) أَفَادَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَالصَّرِيحُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ إلَخْ إنَّمَا هُوَ فِي الطَّلَاقِ لَا الْفَسْخِ.
هَذَا، وَيَرِدُ عَلَى الْكُلِّيَّةِ الْأُولَى إبَاءُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْإِسْلَامِ وَارْتِدَادُ أَحَدِهِمَا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ الْفُرْقَةُ كَاللِّعَانِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ (قَوْلُهُ كَإِسْلَامٍ) أَيْ إسْلَامِ الزَّوْجِ لَوْ امْرَأَتُهُ مَجُوسِيَّةٌ أَبَتْ الْإِسْلَامَ أَوْ إسْلَامِ زَوْجَةِ حَرْبِيٍّ هَاجَرَتْ إلَيْنَا دُونَهُ كَذَا بِخَطِّ السَّائِحَانِيِّ.
وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَوَّلَ كِتَابِ الطَّلَاقِ: إذَا سُبِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا وَكَذَا لَوْ هَاجَرَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ خَرَجَا مُسْتَأْمَنَيْنِ فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا فَهِيَ امْرَأَتُهُ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بِلَا طَلَاقٍ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ، ثُمَّ قَالَ: إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِإِبَاءِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ وَإِنْ
стр. 1595
وَرِدَّةٍ مَعَ لِحَاقٍ وَخِيَارِ بُلُوغٍ وَعِتْقٍ (لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي عِدَّتِهَا) مُطْلَقًا (وَكُلُّ فُرْقَةٍ هِيَ طَلَاقٌ يَقَعُ) الطَّلَاقُ (فِي عِدَّتِهَا) عَلَى مَا بَيَّنَّا
[فُرُوعٌ] إنَّمَا يَلْحَقُ الطَّلَاقُ لِمُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ،
ــ
[رد المحتار]
كَانَتْ هِيَ الْآبِيَةُ أَيْ وَإِنْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً. قَالَ: وَبِهِ يَنْتَقِضُ مَا قِيلَ: إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ. اهـ.
قُلْتُ: وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ: إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَا يَقَعُ عَلَى الْآخَرِ طَلَاقُهُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، لَكِنْ ذَكَرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَنَّ مَوْضُوعَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي طَلَاقِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
قُلْت: وَعَلَيْهِ، فَكَانَ لَفْظُ أَسْلَمَ مُحَرَّفٌ عَنْ سَبْيٍ تَأَمَّلْ، وَمَسْأَلَةُ الْإِبَاءِ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهَا فَسْخٌ وَلَحِقَ فِيهَا الطَّلَاقُ (قَوْلُهُ وَرِدَّةٍ مَعَ لِحَاقٍ) أَيْ إذَا ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَا يَقَعُ، وَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا فَطَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ، وَالْمُرْتَدَّةُ إذَا لَحِقَتْ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ عَادَتْ مُسْلِمَةً قَبْلَ الْحَيْضِ، فَعِنْدَهُ لَا يَقَعُ، وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ خَانِيَّةٌ؛ وَقَيَّدَ بِاللِّحَاقِ إذْ بِدُونِهِ يَقَعُ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ غَيْرُ مُتَأَبِّدَةٍ فَإِنَّهَا تَرْتَفِعُ بِالْإِسْلَامِ فَتْحٌ وَمَرَّ تَمَامُهُ فِي بَابِ نِكَاحِ الْكَافِرِ
وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَلْحَقْ وَطَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ لَا لَوْ خَالَعَهَا لِأَنَّهَا بِالِارْتِدَادِ بَانَتْ وَالْمُبَانَةُ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ لَا الْخُلْعُ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفُرْقَةَ بِالرِّدَّةِ فَسْخٌ وَلَوْ بِدُونِ لِحَاقٍ، فَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَخِيَارُ بُلُوغٍ وَعِتْقٍ) وَكَذَا الْفُرْقَةُ بِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ كَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ لِأَنَّهَا حُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ فَلَا يُفِيدُ الطَّلَاقُ فَائِدَتَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَوَّلَ الطَّلَاقِ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْفُرْقَةِ بِاللِّعَانِ لِأَنَّهُ حُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ أَيْضًا.
قُلْت: وَمِثْلُهُ الْفُرْقَةُ بِالرَّضَاعِ، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِعَدَمِ اللِّحَاقِ فِي الْفَسْخِ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَنُقْصَانِ الْمَهْرِ. وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا عَدَمَ اللِّحَاقِ فِي مِلْكِهَا زَوْجَهَا وَقَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ تَبِيعَهُ أَوْ تُعْتِقَهُ، لَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ عَنْ مِلْكِهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ لِأَنَّهُ مَا دَامَ عَبْدًا لَهَا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لَهَا وَلَا سُكْنَى فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَتْهُ أَوْ أَعْتَقَتْهُ فَيَقَعُ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً ح وَيُفِيدُهُ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَكُلُّ فُرْقَةٍ هِيَ طَلَاقٌ) كَالْفُرْقَةِ فِي الْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَهْرِ نَظْمًا بَيَانُ الْفَرْقِ، وَبَيَانُ مَا يَكُونُ مِنْهَا فَسْخًا، وَمَا يَكُونُ طَلَاقًا، وَمَا يَتَوَقَّفُ مِنْهَا عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَمَا لَا يَتَوَقَّفُ، وَصَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ مُعْتَدَّةَ اللِّعَانِ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ مَعَ أَنَّ الْفُرْقَةَ بِاللِّعَانِ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ، لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ بِأَنَّهَا حُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ يُرْجِعُ مَا قَالَهُ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي بَابِهِ أَنَّهَا حُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ مَا دَامَا أَهْلًا لِلِّعَانِ، فَإِذَا خَرَجَا عَنْ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ أَوْ أَحَدِهِمَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَكَذَا لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ، وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ إلَخْ ح
(قَوْلُهُ إنَّمَا يَلْحَقُ الطَّلَاقُ لِمُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي أَوَّلِ طَلَاقِ الْفَتْحُ بِأَنَّهُ غَيْرُ حَاصِرٍ لِأَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الطَّلَاقِ وَالْوَطْءِ كَمَا لَوْ عَرَضَ الْفَسْخَ بِخِيَارٍ بَعْدَ مُجَرَّدِ الْخَلْوَةِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْخَلْوَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْوَطْءِ ثُمَّ يَقْتَضِي أَنَّ عِدَّةَ الْفَسْخِ لَا يَقَعُ فِيهَا طَلَاقٌ مَعَ أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَأَبَتْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ الْفُرْقَةَ فِيهَا فَسْخٌ، وَبِمَا إذَا ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُهُ مَعَ أَنَّ الْفُرْقَةَ بِرِدَّتِهِ فَسْخٌ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَكَذَا بِرِدَّتِهَا إجْمَاعًا اهـ وَهَذَا النَّقْضُ وَارِدٌ أَيْضًا عَلَى عِبَارَةِ الْمَتْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَلْحَقُ فِي عِدَّةِ فُرْقَةٍ عَنْ طَلَاقٍ أَوْ إبَاءٍ أَوْ رِدَّةٍ بِدُونِ لِحَاقٍ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَنَظَمْتُ ذَلِكَ بِقَوْلِي:
وَيَلْحَقُ الطَّلَاقَ فُرْقَةَ الطَّلَاقِ ... أَوْ الْإِبَا أَوْ رِدَّةٍ بِلَا لِحَاقِ
стр. 1596
أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ لِلْوَطْءِ فَلَا يَلْحَقُهَا خُلَاصَةٌ.
وَفِي الْقُنْيَةِ: زَوَّجَ امْرَأَتَهُ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ثُمَّ رَقَّمَ، إنْ نَوَى طَلُقْتِ اذْهَبِي وَتَزَوَّجِي تَقَعُ وَاحِدَةٌ بِلَا نِيَّةٍ اذْهَبِي إلَى جَهَنَّمَ يَقَعُ إنْ نَوَى خُلَاصَةٌ، وَكَذَا اذْهَبِي عَنِّي وَأَفْلِحِي وَفَسَخْتُ النِّكَاحَ، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيِّتَةِ أَوْ كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ حَرَامٌ كَالْمَاءِ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالسُّرْعَةِ، وَلَا يَقَعُ بِأَرْبَعَةِ طُرُقٍ عَلَيْكِ مَفْتُوحَةٍ وَإِنْ نَوَى مَا لَمْ يَقُلْ خُذِي أَيَّ طَرِيقٍ شِئْتِ.
بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ لَمَّا ذَكَرَ مَا يُوقِعُهُ بِنَفْسِهِ بِنَوْعَيْهِ ذَكَرَ مَا يُوقِعُهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ. وَأَنْوَاعُهُ ثَلَاثَةٌ:
ــ
[رد المحتار]
وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْمَقْدِسِيَّ:
فِي عِدَّةٍ عَنْ الطَّلَاقِ يَلْحَقُ ... أَوْ رِدَّةٍ أَوْ بِالْإِبَاءِ يَفْرُقُ
(قَوْلُهُ أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ لِلْوَطْءِ فَلَا يَلْحَقُهَا) مِثَالُهُ لَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا أَوْ خَالَعَهَا ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ حَيْضَتَيْنِ مِنْ عِدَّتِهَا مَثَلًا وَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ فَلَزِمَهَا عِدَّةٌ ثَانِيَةٌ وَتَدَاخَلَتَا، فَإِذَا حَاضَتْ الثَّالِثَةَ فَهِيَ مِنْهُمَا وَلَزِمَهَا حَيْضَتَانِ أَيْضًا لِإِكْمَالِ الثَّانِيَةِ؛ فَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ لَا يَقَعُ لِأَنَّهَا عِدَّةُ وَطْءٍ لَا طَلَاقٍ أَفَادَهُ فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ رَقَّمَ) أَيْ رَمَّزَ عَازِيًا إلَى كِتَابٍ آخَرَ لِأَنَّ عَادَتَهُ ذِكْرُ حُرُوفٍ اُصْطُلِحَ عَلَيْهَا يُرْمَزُ بِهَا إلَى أَسْمَاءِ الْكُتُبِ (قَوْلُهُ إنْ نَوَى طَلُقَتْ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ قَوْلَهُ زَوَّجْتُكَ امْرَأَتِي فَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ إنْ صَحَّ تَزْوِيجُهَا مِنْك، أَوْ تَقْدِيرِ لِأَنَّهَا طَالِقٌ مِنِّي، فَإِذَا نَوَى الطَّلَاقَ تَعَيَّنَ الثَّانِي فَتَطْلُقُ.
(قَوْلُهُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ بِلَا نِيَّةٍ) لِأَنَّ تَزَوَّجِي قَرِينَةٌ، فَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ بَزَّازِيَّةٌ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ: وَلَوْ قَالَ اذْهَبِي فَتَزَوَّجِي وَقَالَ لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ أَمْكَنَكِ اهـ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ هُنَا بَحْرٌ، عَلَى أَنْ تَزَوَّجِي كِنَايَةٌ مِثْلَ اذْهَبِي فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فَمِنْ أَيْنَ صَارَ قَرِينَةً عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ بِاذْهَبِي مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَهُ وَالْقَرِينَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَتَقَدَّمَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي اعْتَدِّي ثَلَاثًا فَالْأَوْجَهُ مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ اذْهَبِي وَتَزَوَّجِي لَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَإِنْ نَوَى فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ (قَوْلُهُ وَأَفْلِحِي) فِي الْبَدَائِعِ قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ لَهَا: أَفْلِحِي يُرِيدُ الطَّلَاقَ يَقَعُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى اذْهَبِي تَقُولُ الْعَرَبُ أَفْلَحَ بِخَيْرٍ أَيْ ذَهَبَ بِخَيْرٍ، وَيَحْتَمِلُ اظْفَرِي بِمُرَادِك يُقَالُ أَفْلَحَ الرَّجُلُ إذَا ظَفَرَ بِمُرَادِهِ؛ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ) أَيْ يَقَعُ إنْ نَوَى، فَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ بِمَا هُوَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَمَتَاعِ فُلَانٍ فَلَا يَقَعُ، وَإِنْ نَوَى أَفَادَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْ لِأَنَّ مَتَاعَ فُلَانٍ لَيْسَ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ وَجَعْلُهُ كَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ تَوَقُّفِ الْوُقُوعِ بِهِ عَلَى النِّيَّةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالسُّرْعَةِ) الْأَوْلَى فِي السُّرْعَةِ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ حَرَامٌ سَرِيعًا كَسُرْعَةِ الْمَاءِ فِي جَرْيِهِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ أَنْتِ حَرَامٌ مُلْحَقٌ بِالصَّرِيحِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، فَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ الْمُفْتَى بِهِ ط. قُلْت: وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَقُلْ خُذِي أَيَّ طَرِيقٍ شِئْتِ) أَيْ فَإِنْ نَوَى يَقَعُ ثَلَاثٌ فِي رِوَايَةِ أَسَدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَقَالَ ابْنُ سَلَّامٍ: أَخَافُ أَنْ يَقَعَ ثَلَاثٌ لِمَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ مُرَادَ النَّاسِ بِمِثْلِهِ اُسْلُكِي الطَّرِيقَ الْأَرْبَعَ وَإِلَّا فَاللَّفْظُ إنَّمَا يُعْطِي الْأَمْرَ بِسُلُوكِ أَحَدِهَا وَالْأَوْجَهُ أَنْ تَقَعَ وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتْحٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ]
ِ أَيْ تَفْوِيضُهُ لِلزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا صَرِيحًا كَانَ التَّفْوِيضُ أَوْ كِنَايَةً، يُقَالُ: فَوَّضَ لَهُ الْأَمْرَ: أَيْ رَدَّهُ إلَيْهِ حَمَوِيٌّ، فَالْكِنَايَةُ قَوْلُهُ اخْتَارِي أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ طَلِّقِي نَفْسَك أَبُو السُّعُودِ (قَوْلُهُ بِنَوْعَيْهِ) أَيْ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ ح (قَوْلُهُ وَأَنْوَاعُهُ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى مَا يُوقِعُهُ الْغَيْرُ لَا لِلتَّفْوِيضِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَقْسِيمُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى
стр. 1597
تَفْوِيضٌ، وَتَوْكِيلٌ، وَرِسَالَةٌ وَأَلْفَاظُ التَّفْوِيضِ ثَلَاثَةٌ: تَخْيِيرٌ وَأَمْرٌ بِيَدٍ، وَمَشِيئَةٌ.
(قَالَ لَهَا اخْتَارِي أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِك يَنْوِي) تَفْوِيضَ (الطَّلَاقِ) لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ فَلَا يَعْمَلَانِ بِلَا نِيَّةٍ (أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا بِهِ) مُشَافَهَةً أَوْ إخْبَارًا (وَإِنْ طَالَ) يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ يُوَقِّتْهُ وَيَمْضِي الْوَقْتُ
ــ
[رد المحتار]
غَيْرِهِ أَبُو السُّعُودِ (قَوْلُهُ تَفْوِيضٌ وَتَوْكِيلٌ) الْمُرَادُ بِالتَّفْوِيضِ تَمْلِيكُ الطَّلَاقِ كَمَا يَأْتِي.
وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ جَعَلَ مَنَاطَ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ مَرَّةً بِأَنَّ الْمَالِكَ يَعْمَلُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَمَرَّةً بِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِهِ، وَمَرَّةً بِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ نَفْسِهِ بِخِلَافِهِ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّأْيِ وَالْمَشِيئَةِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالرَّأْيِ عَمَلٌ بِمَا يَرَاهُ أَصْوَبَ بِلَا اعْتِبَارِ كَوْنِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْعَمَلُ بِمَشِيئَتِهِ أَيْ بِاخْتِيَارِهِ ابْتِدَاءً بِلَا اعْتِبَارِ مُطَابَقَةِ أَمْرِ الْآمِرِ وَلَا اعْتِبَارِ مَعْنَى الْأَصْوَبِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَمَا بَحَثَ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَنَّ الْفَرْقَ الثَّالِثَ أَصْوَبُ (قَوْلُ وَرِسَالَةٌ) كَأَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ: اذْهَبْ إلَى فُلَانَةَ وَقُلْ لَهَا إنَّ زَوْجَكِ يَقُولُ لَك اخْتَارِي، فَهُوَ نَاقِلٌ لِكَلَامِ الْمُرْسِلِ لَا مُنْشِئٌ لِكَلَامِهِ بِخِلَافِ الْمَالِكِ وَالْوَكِيلِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الرَّسُولَ مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ ثَلَاثَةٌ) أَيْ بِالِاسْتِقْرَاءِ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا بِالِاخْتِيَارِ لِثُبُوتِهِ بِصَرِيحِ الْأَخْبَارِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ فَصْلًا عَلَى حِدَةٍ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ يَفْصِلُ بِهِ عَمَّا قَبْلَهُ بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ، فَاكْتَفَى فِيهِ بِالْبَابِ نَهْرٌ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّفْوِيضَ أَعَمُّ فَنَاسَبَ أَنْ يُتَرْجِمَ لَهُ بِالْبَابِ، وَالثَّلَاثَةُ أَنْوَاعُهُ فَنَاسَبَ أَنْ يُتَرْجِمَ لِكُلٍّ مِنْهَا بِفَصْلٍ لَكِنْ لَمْ يُتَرْجِمْ بِهِ لِلتَّخْيِيرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ كَلَامٌ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْمُصَنِّفِ لِلثَّانِي بِالْبَابِ غَيْرُ مُنَاسِبَةٍ (قَوْلُهُ قَالَ لَهَا اخْتَارِي) أَشَارَ بِعَدَمِ ذِكْرِ قَبُولِهَا إلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ يَتِمُّ بِالْمُمَلِّكِ وَحْدَهُ فَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ لَمْ يَصِحَّ، وَقَيَّدَ بِاقْتِصَارِهِ عَلَى التَّخْيِيرِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي الطَّلَاقَ فَقَالَتْ اخْتَرْتُ الطَّلَاقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ بِالطَّلَاقِ كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِالرَّجْعِيِّ وَتَرْكِهِ ط عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِك) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِذِكْرِ أَحْكَامِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ فِي فَصْلٍ مُسْتَقِلٍّ يَأْتِي ط (قَوْلُهُ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ) دَلَّ عَلَى هَذَا الْمُضَافِ عَقْدُ الْبَابِ لَهُ كَمَا فِي النَّهْرِ ح (قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا كِنَايَةٌ) أَيْ مِنْ كِنَايَاتِ التَّفْوِيضِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ فَلَا يَعْمَلَانِ بِلَا نِيَّةٍ) أَيْ قَضَاءً وَدِيَانَةً فِي حَالَةِ الرِّضَا، أَمَّا فِي حَالَةِ الْغَضَبِ أَوْ الْمُذَاكَرَةِ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً فِي أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُمَا مِمَّا تَمَحَّضَ لِلْجَوَابِ كَمَا مَرَّ وَلَا يَسَعُهَا الْمُقَامُ مَعَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ مُسْتَقْبَلٍ لِأَنَّهَا كَالْقَاضِي، أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ النَّفْسَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي كَلَامِهَا فَقَطْ كَمَا يَأْتِي تَحْرِيرُهُ، فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَوْ طَلِّقِي نَفْسَكِ) هَذَا تَفْوِيضٌ بِالصَّرِيحِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَالْوَاقِعُ بِهِ رَجْعِيٌّ؛ وَتَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ فَصْلِ الْمَشِيئَةِ (قَوْلُهُ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا) أَفَادَ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمَجْلِسِهِ، فَلَوْ خَيَّرَهَا ثُمَّ قَامَ هُوَ لَمْ يَبْطُلْ، بِخِلَافِ قِيَامِهَا بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ ط (قَوْلُهُ مُشَافَهَةً) أَيْ فِي الْحَاضِرَةِ أَوْ إخْبَارًا فِي الْغَائِبَةِ مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِيَّةِ مِنْ عِلْمِهَا (قَوْلُهُ مَا لَمْ يُوَقِّتْهُ إلَخْ) فَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا الْيَوْمَ اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ عِلْمِهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَلَوْ مَضَى الْيَوْمُ ثُمَّ عَلِمَتْ خَرَجَ الْأَمْرُ عَنْ يَدِهَا، وَكَذَا كُلُّ وَقْتٍ قَيَّدَ التَّفْوِيضَ بِهِ وَهِيَ غَائِبَةٌ وَلَمْ تَعْلَمْ حَتَّى انْقَضَى بَطَلَ خِيَارُهَا فَتْحٌ وَبَحْرٌ وَسَيَأْتِي فُرُوعٌ فِي التَّوْقِيتِ آخِرَ الْبَابِ وَأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْمُوَقَّتُ بِالْإِعْرَاضِ.
(قَوْلُهُ وَيَمْضِي الْوَقْتُ) مَعْطُوفٌ عَلَى يُوَقِّتُهُ الْمَجْزُومِ، وَإِثْبَاتُ الْيَاءِ فِيهِ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ أَوْ عَلَى لُغَةٍ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ الَّتِي يُجَابُ بِهَا عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] فِي قِرَاءَةِ رَفْعِ يَصْبِرُ؛ فَالْمَعْنَى لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ طَالَ مُدَّةُ عَدَمِ تَوْقِيتِهِ، وَمَضَى الْوَقْتُ بِأَنْ لَمْ يُوَقِّتْهُ أَوْ وَقَّتَهُ وَلَمْ يَمْضِ، فَإِنْ وَقَّتَهُ وَمَضَى سَقَطَ الْخِيَارُ، وَأَمَّا جَعْلُهُ مَرْفُوعًا فَالْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ فَهُوَ فَاسِدٌ صِنَاعَةً وَمَعْنًى؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ
стр. 1598
قَبْلَ عِلْمِهَا (مَا لَمْ تَقُمْ) لِتَبَدُّلِ مَجْلِسِهَا حَقِيقَةً (أَوْ) حُكْمًا بِأَنْ (تَعْمَلَ مَا يَقْطَعُهُ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولٍ فِي الْمَجْلِسِ لَا تَوْكِيلٍ، فَلَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ، حَتَّى لَوْ خَيَّرَهَا ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا فَطَلُقَتْ لَمْ يَحْنَثْ فِي الْأَصَحِّ (لَا) تَطْلُقُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْمَجْلِسِ (إلَّا إذَا زَادَ) فِي قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَكِ
ــ
[رد المحتار]
جُمْلَةَ الْحَالِ الَّتِي فِعْلُهَا مُضَارِعٌ مُثْبَتٌ لَا تَقْتَرِنُ بِالْوَاوِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِصَيْرُورَةِ الْمَعْنَى مُدَّةً لَمْ يُوَقِّتْ فِي حَالِ مُضِيِّ الْوَقْتِ وَإِذَا لَمْ يُوَقِّتْ كَيْفَ يَمْضِي الْوَقْتُ فَافْهَمْ، نَعَمْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَبِمُضِيِّ الْوَقْتِ بِالْفَاءِ وَالْبَاءِ الْجَارَّةِ لِلْمَصْدَرِ وَالْمَعْنَى فَإِنْ وَقَّتَ فَيَنْتَهِي الْمَجْلِسُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ قَبْلَ عِلْمِهَا) لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا بَلْ هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَخْفَى لِيُعْلَمَ مُقَابِلُهُ بِالْأَوْلَى كَمَا هُوَ عَادَةُ الشَّارِحِ فِي مَوَاضِعَ لَا تُحْصَى فَافْهَمْ (قَوْلُهُ مَا لَمْ تَقُمْ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ لَهُ عَاطِفًا يَعْطِفُهُ عَلَى قَوْلِهِ مَا لَمْ يُوَقِّتْهُ، وَلَوْ قَالَ مَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَفْوَدَ، لِيَصِحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ أَوْ حُكْمًا عَلَى حَقِيقَةٍ وَلِأَنَّهُ يُغْنِيهِ عَنْ قَوْلِهِ أَوْ تَعْمَلُ مَا يَقْطَعُهُ، وَلِأَنَّ بُطْلَانَهُ بِكُلِّ قِيَامٍ مُطْلَقًا قَوْلُ الْبَعْضِ وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ قَامَتْ لِتَدْعُوَ الشُّهُودَ كَمَا يَأْتِي، وَلَوْ أَقَامَهَا أَوْ جَامَعَهَا بَطَلَ كَمَا يَأْتِي لِتَمَكُّنِهَا مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا فَعَدَمُ ذَلِكَ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ (قَوْلُهُ لِتَبَدُّلِ مَجْلِسِهَا حَقِيقَةً) أَفَادَ أَنَّ الْقِيَامَ يَخْتَلِفُ بِهِ الْمَجْلِسُ حَقِيقَةً وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ الْمَجْلِسَ وَإِنْ لَمْ يَتَبَدَّلْ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ إلَّا أَنَّ الْخِيَارَ يُبْطِلُهُ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ.
وَفِي التَّبْيِينِ: الْمَجْلِسُ يَتَبَدَّلُ تَارَةً حَقِيقَةً بِالتَّحَوُّلِ إلَى مَكَان آخَرَ، وَتَارَةً حُكْمًا بِالْأَخْذِ فِي عَمَلٍ آخَرَ. اهـ. ط.
قُلْت: وَكَأَنَّ الشَّارِحَ حَمَلَ الْقِيَامَ عَلَى التَّحَوُّلِ فَإِنَّهُ يُقَالُ قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ إذَا تَحَوَّلَ عَنْهُ لَا مُجَرَّدَ الْقِيَامِ عَنْ قُعُودٍ، لِمَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ بُطْلَانَهُ بِكُلِّ قِيَامٍ مُطْلَقًا خِلَافُ الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ خَيَّرَهَا فَلَبِسَتْ ثَوْبًا أَوْ شَرِبَتْ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا لِأَنَّ اللُّبْسَ قَدْ يَكُونُ لِتَدْعُوَ شُهُودًا، وَالْعَطَشُ قَدْ يَكُونُ شَدِيدًا يَمْنَعُ مِنْ التَّأَمُّلِ، وَدَخَلَ فِي الْعَمَلِ الْكَلَامُ الْأَجْنَبِيُّ، وَهَذَا فِي التَّخْيِيرِ الْمُطْلَقِ، أَمَّا الْمُوَقَّتُ بِشَهْرٍ مَثَلًا فَلَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا كَمَا مَرَّ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ فِيمَا يَكُونُ إعْرَاضًا وَمَا لَا يَكُونُ (قَوْلُهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا فِي الْمَجْلِسِ) أَرَادَ بِالْقَبُولِ الْجَوَابَ، وَالضَّمِيرُ فِي يَتَوَقَّفُ عَائِدٌ عَلَى التَّطْلِيقِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ لَا عَلَى التَّمْلِيكِ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّمْلِيكَ يَتِمُّ بِالْمُمَلِّكِ وَحْدَهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ لِكَوْنِهَا تَطْلُقُ بَعْدَ التَّفْوِيضِ وَهُوَ بَعْدَ تَمَامِ التَّمْلِيكِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّمْلِيكَ لَا يَتَوَقَّفُ تَمَامُهُ عَلَى الْقَبُولِ وَلَا عَلَى الْجَوَابِ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْجَوَابَ: أَيْ التَّطْلِيقَ بَعْدَ تَمَامِهِ وَإِنَّمَا الْمُتَوَقِّفُ عَلَى الْجَوَابِ هُوَ صِحَّةُ التَّطْلِيقِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِ لَيْسَ تَوْكِيلًا، فَإِنَّ الْوِكَالَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ فَلَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَصَحَّ عَزْلُهَا قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا، قِيلَ هُوَ وِكَالَةٌ يَمْلِكُ عَزْلَهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ اهـ لَكِنْ إذَا كَانَ تَمْلِيكًا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ الرُّجُوعِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ قَالَ لِانْتِقَاضِهِ بِالْهِبَةِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ وَيَصِحُّ الرُّجُوعُ. اهـ.
وَعَلَّلَ لَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْيَمِينِ، إذْ هُوَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا نَفْسَهَا وَاعْتَرَضَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ هَذَا يَجْرِي فِي سَائِرِ الْوِكَالَاتِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى إذَا بِعْته فَقَدْ أَجَزْته مَعَ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهَا صَحِيحٌ وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ هِيَ كَوْنُهُ تَمْلِيكًا يَتِمُّ بِالْمُمَلِّكِ وَحْدَهُ بِلَا قَبُولٍ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ خَيَّرَهَا إلَخْ) تَفْرِيعٌ ثَانٍ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِ تَوْكِيلًا بَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ فَإِنَّ عِلَّةَ الْحِنْثِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَوْنُهَا نَائِبَةً عَنْهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الزِّيَادَاتِ لِصَاحِبِ الْمُحِيطِ أَيْ لِكَوْنِهَا صَارَتْ مَالِكَةً، وَعَلَيْهِ فَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِطَلَاقِهَا يَحْنَثُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِ مَا يَحْنَثُ فِيهِ بِفِعْلِ
стр. 1599
وَأَخَوَاتِهِ (مَتَى شِئْتِ أَوْ مَتَى مَا شِئْت أَوْ إذَا شِئْت أَوْ إذَا مَا شِئْت) فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ (وَلَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ) لِمَا مَرَّ.
(وَ) أَمَّا فِي (طَلِّقِي ضَرَّتَكِ أَوْ) قَوْلُهُ لِأَجْنَبِيٍّ (طَلِّقْ امْرَأَتِي) فَ (يَصِحُّ رُجُوعُهُ) مِنْهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ مَحْضٌ، وَفِي طَلِّقِي نَفْسَك وَضَرَّتَك كَانَ تَمْلِيكًا فِي حَقِّهَا تَوْكِيلًا فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا جَوْهَرَةٌ (إلَّا إذَا عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ) فَيَصِيرُ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي خَمْسَةِ أَحْكَامٍ: فَفِي التَّمْلِيكِ لَا يَرْجِعُ وَلَا يَعْزِلُ وَلَا يَبْطُلُ بِجُنُونِ الزَّوْجِ وَيَتَقَيَّدُ بِمَجْلِسٍ لَا بِعَقْلٍ، فَيَصِحُّ تَفْوِيضُهُ لِمَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ بَحْرٌ، نَعَمْ لَوْ جُنَّ بَعْدَ التَّفْوِيضِ لَمْ يَقَعْ فَهُنَا تُسُومِحَ ابْتِدَاءً لَا بَقَاءً عَكْسَ الْقَاعِدَةِ فَلْيُحْفَظْ
ــ
[رد المحتار]
مَأْمُورِهِ (قَوْلُهُ وَأَخَوَاتِهِ) الْأَوْلَى وَأُخْتَيْهِ، وَهُمَا: اخْتَارِي؛ وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا إلَى قَوْلِهِ وَجُلُوسُ الْقَائِمَةِ سَيَذْكُرُهُ أَيْضًا فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ (قَوْلُهُ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ) أَمَّا فِي مَتَى وَمَتَى مَا فَلِأَنَّهُمَا لِعُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتِ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَأَمَّا فِي إذَا وَإِذَا مَا فَإِنَّهُمَا وَمَتَى سَوَاءٌ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَيُسْتَعْمَلَانِ لِلشَّرْطِ كَمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلظَّرْفِ لَكِنَّ الْأَمْرَ صَارَ بِيَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ ح عَنْ الْمِنَحِ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ تَوْكِيلًا بَلْ لَوْ صَرَّحَ بِتَوْكِيلِهَا لِطَلَاقِهَا يَكُونُ تَمْلِيكًا تَوْكِيلًا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْفُصُولَيْنِ
(قَوْلُهُ أَوْ قَوْلُهُ لِأَجْنَبِيٍّ طَلِّقْ امْرَأَتِي) قَيَّدَ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِكَ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَصَحِّ بَحْرٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ وَلَوْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَالْأَمْرِ بِالتَّطْلِيقِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ هُنَاكَ (قَوْلُهُ فَيَصِحُّ رُجُوعُهُ) زَادَ الشَّارِحُ الْفَاءَ لِتَكُونَ فِي جَوَابِ أَمَّا الَّتِي زَادَهَا قَبْلُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ مَحْضٌ) أَيْ بِخِلَافِ طَلِّقِي نَفْسَكِ لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ كَانَ تَمْلِيكًا فِي حَقِّهَا) لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ فِيهِ لِنَفْسِهَا وَقَوْلُهُ تَوْكِيلًا فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ فِيهِ لِغَيْرِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ وَلَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِ طَلِّقِي وَاحِدَةً وَهُوَ الْأَمْرُ بِالتَّطْلِيقِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْحَكَمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ بِاخْتِلَافِ مُتَعَلَّقِهِ كَمَا قَالَ الْآخَرُ طَلِّقْ امْرَأَتِي وَامْرَأَتَكَ فَإِنَّهُ وَكِيلٌ وَأَصِيلٌ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَيَصِيرُ تَمْلِيكًا) فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ، وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَالْوَكِيلُ مَطْلُوبٌ مِنْهُ الْفِعْلُ شَاءَ أَوْ لَمْ يَشَأْ ط عَنْ الْمِنَحِ (قَوْلُهُ لَا تَوْكِيلًا) أَيْ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَكَالَةِ بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ لَا يَرْجِعُ وَلَا يَعْزِلُ) لَا يَلْزَمُ عَدَمُ مِلْكِ الرُّجُوعِ عَدَمَ مِلْكِ الْعَزْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِكَ ثُمَّ قَالَ عَزَلْتُكَ وَجَعَلْتُهُ بِيَدِهَا لَا يَصِحُّ عَزْلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ التَّفْوِيضِ بِالْكُلِّيَّةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِجُنُونِ الزَّوْجِ) نَظَرًا إلَى أَنَّهُ تَعْلِيقٌ ط (قَوْلُهُ لَا بِعَقْلٍ) هُوَ الْخَامِسُ ط (قَوْلُهُ فَيَصِحُّ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْخَامِسِ.
وَبَيَانُهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ صَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ أَوْ مَجْنُونٍ فَذَلِكَ إلَيْهِ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ فِي ضِمْنِهِ تَعْلِيقٌ، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بِاعْتِبَارِ التَّمْلِيكِ يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، فَصَحَّحْنَاهُ بِاعْتِبَارِ التَّعْلِيقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ قَالَ لَكِ الْمَجْنُونُ أَنْتِ طَالِقٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. اهـ. ط
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَمِنْ هَذَا اسْتَخْرَجْنَا جَوَابَ مَسْأَلَةٍ صَارَتْ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى. صُورَتُهَا: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الصَّغِيرَةِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا صَحَّ لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ: إنْ طَلَّقْتِ نَفْسَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ (قَوْلُهُ وَصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ) بِشَرْطِ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَيَصِحُّ أَنْ يُوقِعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّعْبِيرِ الْعَقْلُ ط عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ) أَيْ فِي الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ، لَكِنْ فِي الْأَخِيرَةِ بَحْثٌ سَأَذْكُرُهُ فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ (قَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ جُنَّ) أَيْ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ ط (قَوْلُهُ فَهُنَا تُسُومِحَ إلَخْ) نَظِيرُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ فَصْلِ الْمَشِيئَةِ: لَوْ جُنَّ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ جُنُونًا
стр. 1600
(وَجُلُوسُ الْقَائِمَةِ وَاتِّكَاءُ الْقَاعِدَةِ وَقُعُودُ الْمُتَّكِئَةِ وَدُعَاءُ الْأَبِ) أَوْ غَيْرِهِ (لِلْمَشُورَةِ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ الْمُشَاوَرَةُ (وَ) دُعَاءُ (شُهُودٍ لِلْإِشْهَادِ) عَلَى اخْتِيَارِهَا الطَّلَاقَ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يَدْعُوهُمْ، سَوَاءٌ تَحَوَّلَتْ عَنْ مَكَانِهَا أَوْ لَا فِي الْأَصَحِّ خُلَاصَةٌ (وَإِيقَافُ دَابَّةٍ هِيَ رَاكِبَتُهَا لَا يَقْطَعُ) الْمَجْلِسَ، وَلَوْ أَقَامَهَا أَوْ جَامَعَهَا مُكْرَهَةً بَطَلَ لِتَمَكُّنِهَا مِنْ الِاخْتِيَارِ (وَالْفُلْكُ لَهَا كَالْبَيْتِ وَسَيْرُ دَابَّتِهَا كَسَيْرِهَا) حَتَّى لَا يَتَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ بِجَرْيِ الْفُلْكِ، وَيَتَبَدَّلُ بِسَيْرِ الدَّابَّةِ لِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ تُجِيبَ مَعَ سُكُوتِهِ أَوْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ يَقُودُهُمَا الْجَمَّالُ فَإِنَّهُ كَالسَّفِينَةِ.
ــ
[رد المحتار]
يَعْقِلُ فِيهِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ ثُمَّ بَاعَ لَا يَنْعَقِدُ بَيْعُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَ مَجْنُونًا بِهَذِهِ الصُّفَّةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ كَانَ التَّوْكِيلُ بِبَيْعٍ تَكُونُ الْعُهْدَةُ فِيهِ عَلَى الْوَكِيلِ وَبَعْدَمَا جُنَّ تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يَنْفُذُ، وَفِي الثَّانِي إنَّمَا وَكَّلَ بِبَيْعِ عُهْدَتِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ لَا عُهْدَةَ أَصْلًا، لَكِنَّ الزَّوْجَ حِينَ التَّفْوِيضِ لَمْ يُعَلِّقْ إلَّا عَلَى كَلَامِ عَاقِلٍ، فَإِذَا طَلَّقَ وَهُوَ مَجْنُونٌ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَوَّضَ إلَى مَجْنُونٍ ابْتِدَاءً وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ أَصْلًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَفِي التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ كَمَا مَرَّ وَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَعْتُوهِ وَمِنْ فَرْعَيْ التَّفْوِيضِ وَالتَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ ظَهَرَ أَنَّهُ تُسُومِحَ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَمْ يُتَسَامَحُ فِي الْبَقَاءِ. وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَتَسَامَحُ فِي الْبَقَاءِ مَا لَا يَتَسَامَحُ فِي الِابْتِدَاءِ اهـ مَا فِي الْبَحْرِ مُلَخَّصًا
قُلْت: وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَبَّرَ عَنْهَا فِي الْأَشْبَاهِ: بِقَوْلِهِ: الرَّابِعَةُ يُغْتَفَرُ فِي التَّوَابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهَا فُرُوعًا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى عَكْسِهَا فَرْعَيْنِ غَيْرَ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ فَتَصِيرُ فُرُوعُ الْعَكْسِ أَرْبَعَةً بِزِيَادَةِ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ (قَوْلُهُ وَجُلُوسُ الْقَائِمَةِ) فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: وَلَوْ مَشَتْ فِي الْبَيْتِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ لَمْ يَبْطُلْ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يُخَيِّرَهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ فَمَشَتْ مِنْ جَانِبٍ، إلَى آخَرَ، أَمَّا لَوْ خَيَّرَهَا وَهِيَ قَاعِدَةٌ فِي الْبَيْتِ فَقَامَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا بِمُجَرَّدِ قِيَامِهَا لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ اهـ
قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْبَعْضِ وَأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْقِيَامِ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَاتِّكَاءُ الْقَاعِدَةِ) أَمَّا لَوْ اضْطَجَعَتْ، فَقِيلَ لَا يَبْطُلُ وَقِيلَ إنْ هَيَّأَتْ الْوِسَادَةَ كَمَا يُفْعَلُ لِلنَّوْمِ بَطَلَ بَحْرٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ لِلْمَشُورَةِ) فَلَوْ دَعَتْهُ لِغَيْرِهَا بَطَلَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ الْأَجْنَبِيَّ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ (قَوْلُهُ بِفَتْحٍ وَضَمٍّ) أَيْ فَتْحِ الْمِيمِ. وَضَمِّ الشِّينِ. وَكَذَا بِسُكُونِ الشِّينِ مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يَدْعُوهُمْ) صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا أَحَدٌ أَصْلًا أَوْ عِنْدَهُ وَلَا يَدْعُوهُمْ، فَلَوْ عِنْدَهَا مَنْ يَدْعُوهُمْ فَدَعَتْ بِنَفْسِهَا بَطَلَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَجْرِي فِي دُعَاءِ الْأَبِ لِلْمَشُورَةِ ط (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ إنْ تَحَوَّلَتْ بَطَلَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إمَّا تَبَدُّلُ الْمَجْلِسِ أَوْ الْإِعْرَاضُ وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الْإِعْرَاضِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ لِتَمَكُّنِهَا مِنْ الِاخْتِيَارِ) أَيْ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا، فَعَدَمُ ذَلِكَ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَالْفُلْكُ) أَيْ السَّفِينَةُ (قَوْلُهُ حَتَّى لَا يَتَبَدَّلَ إلَخْ) لِأَنَّ سَيْرَهَا غَيْرُ مُضَافٍ إلَى رَاكِبِهَا بَلْ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الرِّيحِ وَدَفْعِ الْمَاءِ. فَلَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِسَيْرِهَا بَلْ بِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تُجِيبَ مَعَ سُكُوتِهِ) لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الْجَوَابُ بِأَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَتَبَدَّلُ حُكْمًا لِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِيَصِيرَ الْجَوَابُ مُتَّصِلًا بِالْخِطَابِ وَقَدْ وُجِدَ إذَا كَانَ بِلَا فَصْلٍ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَفَسَّرَ الْإِسْرَاعَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنْ يَسْبِقَ جَوَابُهَا خُطْوَتَهَا نَهْرٌ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْفَتْحِ فَلَا يَتَبَدَّلُ حُكْمًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هَذَا السَّبْقُ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّبَدُّلُ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ كَالسَّفِينَةِ) يَعْنِي بِجَامِعِ أَنَّ السَّيْرَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ مُضَافٍ إلَى رَاكِبٍ وَقِيَاسُ هَذَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى دَابَّةٍ وَثَمَّةَ مَنْ يَقُودُهَا أَنْ لَا يَبْطُلَ بِسَيْرِهَا نَهْرٌ وَأَقَرَّهُ الرَّمْلِيُّ
قُلْت: قَدْ يُقَالُ إنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ فَإِنَّهُمَا لَوْ كَانَا فِي مَحْمِلٍ يَقُودُهُمَا آخَرُ يُنْسَبُ السَّيْرُ إلَى الْقَائِدِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ
стр. 1601
(وَفِي اخْتَارِي نَفْسَكِ لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ) لِعَدَمِ تَنَوُّعِ الِاخْتِيَارِ؛ بِخِلَافِ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَمْرُك بِيَدِك (بَلْ تَبِينُ) بِوَاحِدَةٍ (إنْ قَالَتْ اخْتَرْتُ) نَفْسِي (أَوْ) أَنَا (أَخْتَارُ نَفْسِي) اسْتِحْسَانًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَنَا طَالِقٌ أَوْ أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي لَمْ يَقَعْ لِأَنَّهُ وَعْدٌ جَوْهَرَةٌ،
ــ
[رد المحتار]
رَاكِبِ الْمَحْمَلِ مِنْ تَسْيِيرِ الدَّابَّةِ بِخِلَافِ رَاكِبِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّسْيِيرُ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ وَإِنْ قَادَهُ غَيْرُهُ تَأَمَّلْ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ وَيَنْبَغِي أَنَّ الدَّابَّةَ لَوْ جَمَحَتْ وَعَجَزَتْ عَنْ رَدِّهَا أَنْ تَكُونَ كَالسَّفِينَةِ لِأَنَّ فِعْلَهَا حِينَئِذٍ لَا يُنْسَبُ إلَى الرَّاكِبِ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ.
[تَتِمَّةٌ] لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا فِيمَا لَوْ نَامَتْ قَاعِدَةً أَوْ كَانَتْ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ أَوْ الْوِتْرَ فَأَتَمَّتْهَا، أَوْ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ فِي الْأَصَحِّ أَوْ ضَمَّتْ إلَى النَّافِلَةِ رَكْعَةً أُخْرَى، أَوْ لَبِسَتْ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ، أَوْ أَكَلَتْ قَلِيلًا، أَوْ شَرِبَتْ، أَوْ قَرَأَتْ قَلِيلًا، أَوْ سَبَّحَتْ أَوْ قَالَتْ لِمَ لَا تُطَلِّقْنِي بِلِسَانِكَ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: لِأَنَّ الْمُبَدِّلَ لِلْمَجْلِسِ مَا يَكُونُ قَطْعًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَإِفَاضَةً فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ بَلْ الْكُلُّ يَتَعَلَّقُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الطَّلَاقُ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ تَنَوُّعِ الِاخْتِيَارِ) لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا إنَّمَا يُفِيدُ الْخُلُوصَ وَالصَّفَاءَ، وَالْبَيْنُونَةُ تَثْبُتُ بِهِ مُقْتَضًى وَلَا عُمُومَ لَهُ نَهْرٌ أَيْ مَعْنَى اخْتَرْتُ نَفْسِي اصْطَفَيْتُهَا مِنْ مِلْكِ أَحَدٍ لَهَا وَذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ فَصَارَتْ الْبَيْنُونَةُ مُقْتَضًى وَهُوَ مَا يُقَدَّرُ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الْكَلَامِ؛ فَإِنَّ اصْطِفَاءَهَا نَفْسَهَا مَعَ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا يُمْكِنُ فَيُقَدَّرُ لِأَنِّي أَبَنْتُ نَفْسِي؛ وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ الصُّغْرَى إذْ بِهَا تَسْتَخْلِصُ نَفْسَهَا وَتَصْطَفِيهَا مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْكُبْرَى لِعَدَمِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهَا رَحْمَتِيٌّ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ أَنْتِ بَائِنٌ) لِأَنَّهُ مَلْفُوظٌ بِهِ لَا مَانِعَ مِنْ عُمُومِهِ؛ فَإِذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَى الْأَدْنَى وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ الصُّغْرَى وَلَوْ نَوَى الْكُبْرَى صَحَّ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ؛ وَكَذَا قَوْلُهُ أَمْرُكِ بِيَدِكِ؛ وَلَا يَصِحُّ إيقَاعُ الرَّجْعِيِّ بِهِ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ فَالْوَاقِعُ بِهَا الْبَائِنُ وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْبَيْنُونَتَيْنِ فَيَنْصَرِفُ إلَى الصُّغْرَى؛ وَإِنْ نَوَى الْكُبْرَى فَأَوْقَعَتْهَا بِلَفْظِهَا أَوْ بِنِيَّتِهَا صَحَّ لِمَا قُلْنَا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ (قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ أَوْ أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي: أَيْ لَوْ ذَكَرَتْ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ سَوَاءٌ ذَكَرَتْ (أَنَا) أَوْ لَا، فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ وَعْدٌ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُ «عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ، وَاعْتَبَرَهُ ﷺ جَوَابًا لِأَنَّ الْمُضَارِعَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ مَجَازٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْمَذَاهِبِ، وَقِيلَ بِالْقَلْبِ، وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الِاشْتِرَاكِ يَرْجِعُ هُنَا إرَادَةُ الْحَالِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ إخْبَارًا عَنْ أَمْرٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ فَيُصَحِّحُ الْإِخْبَارَ بِاللِّسَانِ عَمَّا هُوَ قَائِمٌ بِمَحَلٍّ آخَرَ حَالَ الْإِخْبَارِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهَا أُطَلِّقُ نَفْسِي لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ إخْبَارًا عَنْ طَلَاقٍ قَائِمٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقُومُ بِاللِّسَانِ، فَلَوْ جَازَ لَقَامَ بِهِ الْأَمْرَانِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُحَالٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِيقَاعَ لَا يَكُونُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ تُعُورِفَ جَازَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَقَعَ بِهِ هُنَا لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ لَا إخْبَارٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا. قَالَ فِي النَّهْرِ وَقَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمِعْرَاجِ بِمَا إذَا لَمْ يَنْوِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ، فَإِنْ نَوَاهُ وَقَعَ اهـ وَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ: لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ هِيَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ أُطَلِّقُ نَفْسِي تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَنَا طَالِقٌ) لَيْسَ هَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَلَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْفَتْحِ بَلْ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي نَقْلًا عَنْ الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ، وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ أَيْضًا هُنَاكَ أَنَّهُ يَقَعُ بِقَوْلِهَا أَنَا طَالِقٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُوصَفُ بِالطَّلَاقِ دُونَ الرَّجُلِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الْجَوْهَرَةِ: وَإِنْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ أَنَا أُطَلِّقُ لَمْ يَقَعْ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. اهـ. نَعَمْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنَّ شِئْتِ فَقَالَتْ أَنَا طَالِقٌ لَا يَقَعُ شَيْءٌ اهـ لَكِنَّ عَدَمَ الْوُقُوعِ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الثَّلَاثَ عَلَى مَشِيئَتِهَا الثَّلَاثَ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الثَّلَاثِ بِلَفْظِ طَالِقٍ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي
стр. 1602
مَا لَمْ يُتَعَارَفْ أَوْ تَنْوِ الْإِنْشَاءَ فَتْحٌ (وَذِكْرُ النَّفْسِ أَوْ الِاخْتِيَارَةِ فِي أَحَدِ كَلَامَيْهِمَا شَرْطُ) صِحَّةِ الْوُقُوعِ بِالْإِجْمَاعِ (وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُهَا مُتَّصِلًا، فَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا فَإِنْ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ) لِأَنَّهَا تَمْلِكُ فِيهِ الْإِنْشَاءَ (وَإِلَّا لَا) إلَّا أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى اخْتِيَارِ النَّفْسِ فَيَصِحُّ وَإِنْ خَلَا كَلَامُهُمَا عَنْ ذِكْرِ النَّفْسِ دُرَرٌ وَالتَّاجِيَّةُ وَأَقَرَّهُ الْبَهْنَسِيُّ وَالْبَاقَانِيُّ، لَكِنْ رَدَّهُ الْكَمَالُ وَنَقَلَهُ الْأَكْمَلُ بِقِيلَ، وَالْحَقُّ ضَعْفُهُ نَهْرٌ.
(فَلَوْ قَالَ اخْتَارِي اخْتِيَارَةً أَوْ طَلْقَةً) أَوْ أُمَّك (وَقَعَ لَوْ قَالَتْ اخْتَرْتُ) فَإِنَّ ذِكْرَ الِاخْتِيَارَةِ كَذِكْرِ النَّفْسِ إذْ التَّاءُ فِيهِ لِلْوَحْدَةِ، وَكَذَا ذِكْرُ التَّطْلِيقَةِ وَتَكْرَارُ لَفْظِ اخْتَارِي وَقَوْلُهَا اخْتَرْت أَبِي أَوْ أُمِّي أَوْ أَهْلِي أَوْ الْأَزْوَاجَ يَقُومُ
ــ
[رد المحتار]
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لَا يَقَعُ إلَّا أَنْ تَقُولَ أَنَا طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ لَفْظَ أَنَا طَالِقٌ يَصْلُحُ جَوَابًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَقَعْ هُنَا لِمَا قُلْنَا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ أَوْ تَنْوِ) مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَعْلُومِ فَاعِلُهُ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الْيَاءِ عَطْفًا عَلَى يُتَعَارَفُ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ ح ثُمَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ عِبَارَةِ الْفَتْحِ بَلْ مِنْ زِيَادَةِ الشَّارِحِ أَخْذًا مِمَّا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ النَّهْرِ عَنْ الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ أَوْ الِاخْتِيَارَةِ) مَصْدَرُ اخْتَارِي وَأَفَادَ أَنَّ ذِكْرَ النَّفْسِ لَيْسَ شَرْطًا بِخُصُوصِهِ بَلْ هِيَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ فِي أَحَدِ كَلَامَيْهِمَا) وَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ فِي كَلَامَيْهِمَا فَبِالْأَوْلَى، وَإِذَا دَخَلَتْ عَنْ كَلَامَيْهِمَا لَمْ يَقَعْ بَحْرٌ (قَوْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ) لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ عُرِفَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعُهُمْ فِي اللَّفْظَةِ الْمُفَسَّرَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ط عَنْ إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ فِيهِ الْإِنْشَاءَ) أَيْ فَتَمْلِكُ تَفْسِيرَهُ أَيْضًا ط. قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَتْ فِي الْمَجْلِسِ عَنَيْتُ نَفْسِي يَقَعُ لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ فِيهِ تَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَتَصَادَقَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَالتَّاجِيَّةُ) نِسْبَةٌ إلَى تَاجِ الشَّرِيعَةِ (قَوْلُهُ لَكِنْ رَدَّهُ الْكَمَالُ) حَيْثُ قَالَ الْإِيقَاعُ بِالِاخْتِيَارِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ، وَلَوْلَا هَذَا لَأَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ بِتَفْسِيرِ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ دُونَ الْمَقَالِيَّةِ بَعْدَ أَنْ نَوَى الزَّوْجُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَتَصَادَقَا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بَطَلَ، وَإِلَّا لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مَعَ لَفْظٍ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَصْلًا كَاسْقِنِي. اهـ. (قَوْلُهُ وَنَقَلَهُ الْأَكْمَلُ) أَيْ فِي الْعِنَايَةِ ط
(قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ ذِكْرُ النَّفْسِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي تَفْسِيرِ الِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ إذْ التَّاءُ فِيهِ لِلْوَحْدَةِ) أَيْ وَاخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ مَرَّةً، بِأَنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْتُ نَفْسِي تَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى كَاخْتَارِي نَفْسَكِ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَقَالَتْ اخْتَرْتُ وَقَعْنَ، فَلَمَّا قَيَّدَ بِالْوَحْدَةِ ظَهَرَ أَنَّهُ أَرَادَ تَخْيِيرَهَا فِي الطَّلَاقِ فَكَانَ مُفَسَّرًا وَلَا يَرِدُ أَنَّ هَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا كَوْنُ الِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ يَتَنَوَّعُ كَالْبَيْنُونَةِ إلَى غَلِيظَةٍ وَخَفِيفَةٍ حَتَّى يُصَابَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ لَفْظٍ آخَرَ، أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا ذِكْرُ التَّطْلِيقَةِ) وَتَقَعُ بَائِنَةً إنْ فِي كَلَامِهَا، بِأَنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ بِخِلَافِهَا فِي كَلَامِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ بِالصَّرِيحِ، وَتَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَتَكْرَارُ لَفْظِ اخْتَارِي) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي حَجّ الطَّلَاقُ هُوَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فَكَانَ مُتَعَيَّنًا ط عَنْ الْإِيضَاحِ لَكِنْ فِي كَوْنِ التَّكْرَارِ مُفَسَّرًا كَالنَّفْسِ كَلَامٌ يَأْتِي قَرِيبًا (قَوْلُهُ وَقَوْلُهَا اخْتَرْتُ أَبِي إلَخْ) لِأَنَّ الْكَوْنَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يَكُونُ لِلْبَيْنُونَةِ وَعَدَمِ الْوَصْلَةِ مَعَ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ اخْتَرْتُ قَوْمِي أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَا يَقَعُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهَا أَبٌ أَوْ أُمٌّ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ وَكَانَ لَهَا أَخٌ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ عِنْدَهُ عَادَةً، كَذَا فِي الْفَتْحِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَمْ أَرَ مَا لَوْ قَالَتْ اخْتَرْتُ أَبِي أَوْ أُمِّي وَقَدْ مَاتَا وَلَا أَخ لَهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ لِقِيَامِ ذَلِكَ مَقَامَ اخْتَرْت نَفْسِي. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُفَسَّرَ ثَمَانِيَةُ أَلْفَاظٍ: النَّفْسُ، وَالِاخْتِيَارُ وَالتَّطْلِيقَةُ، وَالتَّكْرَارُ، وَأَبِي، وَأُمِّي، وَأَهْلِي، وَالْأَزْوَاجُ وَيُزَادُ تَاسِعٌ وَهُوَ الْعَدَدُ فِي كَلَامِهِ؛ فَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي ثَلَاثًا فَقَالَتْ اخْتَرْتُ يَقَعُ ثَلَاثٌ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ إرَادَةِ اخْتِيَارِ
стр. 1603
مَقَامَ ذِكْرِ النَّفْسِ وَالشَّرْطِ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ أَحَدِهِمَا كَمَا مَثَّلْنَا، فَلَمْ يَخْتَصَّ اخْتِيَارُهُ بِكَلَامِ الزَّوْجِ كَمَا ظَنَّ، وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْتُ نَفْسِي وَزَوْجِي أَوْ نَفْسِي لَا بَلْ زَوْجِي وَقَعَ، وَمَا فِي الِاخْتِيَارِ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ سَهْوٌ، نَعَمْ لَوْ عَكَسَتْ لَمْ يَقَعْ اعْتِبَارٌ لِلْمُقَدَّمِ وَبَطَلَ أَمْرُهَا كَمَا لَوْ عَطَفَتْ بِأَوْ، أَوْ أَرْشَاهَا لِتَخْتَارَهُ فَاخْتَارَتْهُ أَوْ قَالَتْ أَلْحَقْتُ نَفْسِي بِأَهْلِي.
(وَلَوْ كَرَّرَهَا) أَيْ لَفْظَةَ اخْتَارِي (ثَلَاثًا) بِعَطْفٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَقَالَتْ) اخْتَرْتُ أَوْ (اخْتَرْت اخْتِيَارَةً أَوْ اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ يَقَعُ بِلَا نِيَّةٍ)
ــ
[رد المحتار]
الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَعَدَّدُ وَقَوْلُهَا اخْتَرْت يَنْصَرِفُ إلَيْهِ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَالشَّرْطِ إلَخْ) إنَّمَا اكْتَفَى بِذَكَرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي كَلَامِهِ تَضَمَّنَ جَوَابُهَا إعَادَتَهَا كَأَنَّهَا قَالَتْ فَعَلْت ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي كَلَامِهَا فَقَدْ وُجِدَ مَا يَخْتَصُّ بِالْبَيْنُونَةِ فِي اللَّفْظِ الْعَامِلِ فِي الْإِيقَاعِ.
فَإِذَا وُجِدَتْ نِيَّةُ الزَّوْجِ تَمَّتْ عِلَّةُ الْبَيْنُونَةِ فَتَثْبُتُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ النَّفْسَ وَنَحْوَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ لَا يُفَسِّرُ الْمُبْهَمَ وَلِلْإِجْمَاعِ الْمَارِّ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَخْتَصَّ إلَخْ) أَخَذَهُ مِنْ الْقُهُسْتَانِيِّ ح، وَكَيْفَ يَخْتَصُّ مَعَ مُخَالِفَتِهِ لِقَوْلِ الْمُتُونِ: وَذِكْرُ النَّفْسِ أَوْ الِاخْتِيَارَةِ فِي أَحَدِ كَلَامَيْهِمَا شَرْطٌ (قَوْلُهُ وَمَا فِي الِاخْتِيَارِ) هُوَ شَرْحُ الْمُخْتَارِ لِمُؤَلِّفِهِ (قَوْلُهُ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْإِضْرَابِ (قَوْلُهُ سَهْوٌ) لِمُخَالِفَتِهِ لِمَا هُوَ الْمَنْقُولُ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لَوْ عَكَسَتْ) بِأَنْ قَالَتْ اخْتَرْتُ زَوْجِي لَا بَلْ نَفْسِي أَوْ قَالَتْ زَوْجِي وَنَفْسِي بَحْرٌ (قَوْلُهُ اعْتِبَارًا لِلْمُقَدَّمِ) لِعَدَمِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَبَطَلَ أَمْرُهَا) عَطْفٌ عَلَى لَمْ يَقَعْ ح: أَيْ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا فِي مَسْأَلَتَيْ الْعَكْسِ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ عَطَفَتْ بِأَوْ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا لِأَنَّ (أَوْ) لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ فَلَمْ يُعْلَمْ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا وَلَا زَوْجَهَا عَلَى التَّعْيِينِ، فَكَانَ اشْتِغَالًا بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَكَانَ إعْرَاضًا. اهـ. ح (قَوْلُهُ أَوْ أَرْشَاهَا إلَخْ) أَيْ جَعَلَ لَهَا مَالًا لِتَخْتَارَهُ فَاخْتَارَتْهُ لَا يَقَعُ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ لِأَنَّهُ رِشْوَةٌ إذْ هُوَ اعْتِيَاضٌ عَنْ تَرْكِ حَقِّ تَمَلُّكِ نَفْسِهَا فَهُوَ كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ تَرْكِ حَقِّ الشُّفْعَةِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ أَوْ قَالَتْ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ أَلْحَقْتُ نَفْسِي بِأَهْلِي لَمْ يَقَعْ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ، فَهُوَ كَقَوْلِهَا أَنَا بَائِنٌ اهـ ح وَهَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي وَسَنَذْكُرُ جَوَابَهُ ثَمَّةَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَكُلُّ لَفْظٍ يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ إلَخْ
(قَوْلُهُ بِعَطْفٍ) أَيْ بِوَاوٍ أَوْ فَاءٍ أَوْ ثُمَّ وَفِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ لِلْفَارِسِيِّ أَنَّهُ فِي الْعَطْفِ بِثُمَّ لَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ تَكَلُّمِ الزَّوْجِ بِالثَّانِيَةِ وَهِيَ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا بَانَتْ بِالْأُولَى وَلَمْ يَقَعْ بِغَيْرِهَا شَيْءٌ بَحْرٌ (قَوْلُهُ بِلَا نِيَّةٍ) كَذَا فِي الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ وَالصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَالْعَتَّابِيِّ، وَوَجْهُهُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ دَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ، وَكَذَا قَالَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالتَّعَدُّدُ: أَيْ التَّكْرَارُ خَاصٌّ بِالطَّلَاقِ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِ النَّفْسِ وَالنِّيَّةِ لَكِنْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: إنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ. اهـ. وَذَهَبَ إلَيْهِ قَاضِي خَانْ وَأَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ.
وَرَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَمْرِ بِالِاخْتِيَارِ لَا يُصَيِّرُهُ ظَاهِرًا فِي الطَّلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ اخْتَارِي فِي الْمَالِ أَوْ اخْتَارِي فِي الْمَسْكَنِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالِاخْتِلَافُ فِي الْوُقُوعِ قَضَاءً بِلَا نِيَّةٍ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا بِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ رِوَايَةً وَدِرَايَةً اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ دُونَ النَّفْسِ. اهـ. أَقُولُ: فَاَلَّذِي مَالَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ وَالْمَقْدِسِيُّ هُوَ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُ الْبَحْرِ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ دُونَ النَّفْسِ فِيهِ نَظَرٌ،
стр. 1604
مِنْ الزَّوْجِ لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ (ثَلَاثًا) وَقَالَا: يَقَعُ فِي اخْتَرْت الْأُولَى إلَى آخِرِهِ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ بَحْرٌ وَأَقَرَّهُ الشَّيْخُ عَلِيُّ الْمَقْدِسِيَّ وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَبِهِ نَأْخُذُ انْتَهَى، فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ قَوْلَهُمَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ وَبِهِ نَأْخُذُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُعْلَمِ بِهَا عَلَى الْإِفْتَاءِ، كَذَا بِخَطِّ الشَّرَفِ الْغَزِّيِّ مُحَشِّي الْأَشْبَاهِ. (وَلَوْ قَالَتْ) فِي جَوَابِ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ (طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ) أَوْ اخْتَرْت الطَّلْقَةَ الْأُولَى (بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ فِي الْأَصَحِّ)
ــ
[رد المحتار]
لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى " التَّكْرَارُ دَلِيلُ إرَادَةِ الطَّلَاقِ " يَقُولُ: لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ النَّفْسِ أَيْضًا بِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ التَّلْخِيصِ الْمَارَّةِ وَصَرِيحُ مَا مَرَّ أَيْضًا مِنْ عَدِّ التَّكْرَارِ مِنْ الْمُفَسِّرَاتِ التِّسْعَةِ.
وَمَنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لَمْ يَجْعَلْ التَّكْرَارَ دَلِيلًا عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْفَتْحِ الْمَارِّ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ لِقَاضِي خَانْ، فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ التَّكْرَارُ دَلِيلًا عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ بَقِيَ لَفْظُ الِاخْتِيَارِ بِلَا مُفَسِّرٍ وَتَقَدَّمَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، فَلَزِمَ مِنْ الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ اشْتِرَاطُ ذِكْرِ النَّفْسِ، وَلَا يَحْصُلُ التَّفْسِيرُ بِالنِّيَّةِ لِمَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: وَالْإِيقَاعُ بِالِاخْتِيَارِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ؛ وَلَوْلَا هَذَا لَأَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ بِتَفْسِيرِ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ دُونَ الْمَقَالِيَّةِ إنْ نَوَى الزَّوْجُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهِ وَتَصَادَقَا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ بَاطِلٌ اهـ نَعَمْ حَيْثُ كَانَ الِاخْتِلَافُ الْمَارُّ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُقُوعِ قَضَاءً يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ ذِكْرَ الزَّوْجِ النَّفْسَ مَعَ التَّكْرَارِ لَا يُشْتَرَطُ مَعَهُ النِّيَّةُ اتِّفَاقًا، لِمَا عَلِمْتَهُ مِنْ أَنَّ مَنَاطَ الِاخْتِلَافِ هُوَ أَنَّ التَّكْرَارَ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ أَوْ لَا، فَإِذَا وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ النَّفْسِ تَعَيَّنَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ، فَلَا يَبْقَى مَحَلٌّ لِلْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ قَضَاءً، لِأَنَّ ذِكْرَ النَّفْسِ يُكَذِّبُهُ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ كَمَا مَرَّ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ مِنْ أَنَّ الدَّلَالَةَ أَقْوَى مِنْ النِّيَّةِ لِكَوْنِهَا ظَاهِرَةً وَالنِّيَّةُ بَاطِنَةٌ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْخِلَافِ الْمَارِّ فِي أَنَّهُ هَلْ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي صُورَةِ التَّكْرَارِ أَوْ لَا تُشْتَرَطُ، مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَذْكُرْ النَّفْسَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ فَتَدَبَّرْهُ فَإِنَّهُ مُفْرَدٌ، وَمِنْ هُنَا ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ قَوْلِهِ هُنَا بِلَا نِيَّةٍ وَقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ يَنْوِي الطَّلَاقَ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ تُذْكَرْ النَّفْسُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْمُفَسِّرَاتِ فِي كَلَامِ الزَّوْجِ وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي كَلَامِ الْمَرْأَةِ فَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِتَتِمَّ عِلَّةُ الْبَيْنُونَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ سَابِقًا عَنْ الْفَتْحِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْغَضَبَ أَوْ الْمُذَاكَرَةَ يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ فِي الْقَضَاءِ.
أَمَّا إذَا ذُكِرَتْ النَّفْسُ وَنَحْوُهَا فِي كَلَامِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ فِي الْقَضَاءِ لِوُجُودِ مَا يَخْتَصُّ بِالْبَيْنُونَةِ، وَهَلْ التَّكْرَارُ فِي كَلَامِهِ مُفَسِّرٌ كَالنَّفْسِ فَيُغْنِي عَنْ النِّيَّةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي سَمِعْتَهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُذْكَرْ النَّفْسُ أَوْ نَحْوُهَا لَا فِي كَلَامِهِ وَلَا فِي كَلَامِهَا لَا يَقَعُ أَصْلًا وَإِنْ نَوَى كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ ثَلَاثًا) يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ذِكْرُهَا قَبْلَ قَوْلِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمِنَحِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِإِفَادَتِهِ أَنَّ الثَّلَاثَ لَا تُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ أَيْضًا ط (قَوْلُهُ فِي اخْتَرْتُ الْأُولَى) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ فِي قَوْلِهَا اخْتَرْت أَوْ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً يَقَعُ ثَلَاثٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا اخْتَرْت مَرَّةً أَوْ بِمَرَّةٍ أَوْ دُفْعَةً أَوْ بِدُفْعَةٍ أَوْ بِوَاحِدَةٍ أَوْ اخْتِيَارَةً وَاحِدَةً تَقَعُ الثَّلَاثُ فِي قَوْلِهِمْ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةِ، فَالْمُرَادُ أَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت الْأُولَى، أَوْ قَالَتْ اخْتَرْت الْوُسْطَى أَوْ قَالَتْ الْأَخِيرَةَ، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُ الْمُرَادِ أَنَّهَا ذَكَرَتْ الثَّلَاثَةَ مَعَ الْعَطْفِ بِأَوْ (قَوْلُهُ وَأَقَرَّهُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ) فِيهِ أَنَّ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِ الْكَنْزِ إنَّمَا حَكَى الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَ قَوْلِهِمَا وَأَعْقَبَهُ بِتَوْجِيهِ قَوْلِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ فَقَدْ أَفَادَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ مَشَى عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ وَأَخَّرَ دَلِيلَهُ فِي الْهِدَايَةِ فَكَانَ هُوَ الْمُرَجَّحَ عِنْدَهُ عَلَى عَادَتِهِ، وَأَطَالَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ فِي تَوْجِيهِهِ وَدَفَعَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدَ لِأَصْحَابِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ، فَلَا يُعَارِضُهُ اعْتِمَادُ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ (قَوْلُهُ فِي جَوَابِ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ) أَيْ الْمُكَرَّرِ ثَلَاثًا كَمَا فِي النَّهْرِ. وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ: فِي جَوَابِ قَوْلِهِ اخْتَارِي (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) الْأَنْسَبُ إبْدَالُهُ بِقَوْلِهِ
стр. 1605
لِتَفْوِيضِهِ بِالْبَائِنِ فَلَا تَمْلِكُ غَيْرَهُ (أَمْرُكِ بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ رَجْعِيَّةً) لِتَفْوِيضِهِ إلَيْهَا بِالصَّرِيحِ، وَالْمُفِيدُ لِلْبَيْنُونَةِ إذَا قُرِنَ بِالصَّرِيحِ صَارَ رَجْعِيًّا كَعَكْسِهِ قَيَّدَ بِفِي وَمِثْلُهَا الْبَاءُ بِخِلَافِ لَتُطَلِّقِي نَفْسَك أَوْ حَتَّى تُطَلِّقِي فَهِيَ بَائِنَةٌ كَمَا لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا لَوْ لَمْ تَصِلْ نَفَقَتِي إلَيْكِ فَطَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْت فَلَمْ تَصِلْ فَطَلَّقَتْ كَانَ بَائِنًا لِأَنَّ لَفْظَةَ الطَّلَاقِ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
[فُرُوعٌ] قَالَ الرَّجُلُ خَيِّرْ امْرَأَتِي فَلَمْ تَخْتَرْ مَا لَمْ يُخَيِّرْهَا، بِخِلَافِ أَخْبَرْهَا بِالْخِيَارِ لِإِقْرَارِهِ بِهِ. قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت وَاخْتَارِي فَقَالَتْ شِئْتُ وَاخْتَرْتُ وَقَعَ ثِنْتَانِ.
قَالَ اخْتَارِي الْيَوْمَ وَغَدًا اتَّحَدَ، وَلَوْ وَاخْتَارِي غَدًا تَعَدَّدَ.
ــ
[رد المحتار]
هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَبَعْضِ نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ أَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ جَزَمَ الشَّارِحُونَ بِأَنَّهُ غَلَطٌ.
وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ رِوَايَةٌ رَدَّهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ لِتَفْوِيضِهِ بِالْبَائِنِ) لِأَنَّ لَفْظَ التَّخْيِيرِ كِنَايَةٌ فَيَقَعُ بِهِ الْبَائِنُ (قَوْلُهُ فَلَا تَمْلِكُ غَيْرَهُ) لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِإِيقَاعِهَا بَلْ لِتَفْوِيضِ الزَّوْجِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهَا بِالْبَائِنِ أَوْ الرَّجْعِيِّ فَعَكَسَتْ وَقَعَ مَا أَمَرَ بِهِ الزَّوْجُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) أَشَارَ إلَى أَنَّ اخْتَرْت كَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِلِاخْتِيَارِ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ كَمَا يَأْتِي أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ وَالْمُفِيدُ لِلْبَيْنُونَةِ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَمْرُك بِيَدِك وَاخْتَارِي يُفِيدُ الْبَيْنُونَةَ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا. قَالَ السَّائِحَانِيُّ: وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ لِزَوْجَتِهِ رُوحِي طَالِقَةً رَجْعِيٌّ.
(قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ) يَعْنِي أَنَّ الصَّرِيحَ إذَا قُرِنَ بِالْكِنَايَةِ كَانَ بَائِنًا نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَيَّدَ: أَيْ إنَّمَا قَيَّدَ بِفِي بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَمِثْلُهَا الْبَاءُ اعْتِرَاضٌ ح (قَوْلُهُ فَهِيَ بَائِنَةٌ) لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا بِلَفْظِ الْبَائِنِ، وَذِكْرُ الصَّرِيحِ عِلَّةٌ أَوْ غَايَةٌ لَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُفَوَّضُ، بِخِلَافِ فِي لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ مَظْرُوفًا فِي التَّطْلِيقَةِ وَالْبَاءُ هُنَا بِمَعْنَى " فِي " رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا) أَيْ بِأَنْ قَالَ أَمْرُكِ بِيَدِك لَوْ لَمْ إلَخْ فَقَوْلُهُ لَوْ لَمْ تَصِلْ شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ أَمْرُك بِيَدِك دَلِيلُ جَوَابِهِ وَقَوْلُهُ فَطَلِّقِي تَفْسِيرٌ لِكَوْنِ أَمْرِهَا بِيَدِهَا ح (قَوْلُهُ لِأَنَّ لَفْظَةَ الطَّلَاقِ) عِلَّةٌ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ ط (قَوْلُهُ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ: أَيْ لَمْ تَكُنْ مَعْمُولًا لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِنَفْسِ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ ح (قَوْلُهُ فَلَمْ تَخْتَرْ) يَعْنِي لَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْبَحْرِ، وَحَيْثُ ارْتَكَبَ الشَّارِحُ هَذَا التَّرْكِيبَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذِفَ الْفَاءَ كَمَا لَا يَخْفَى ح. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَلَا خِيَارَ لَهَا مَا لَمْ يُخَيِّرْهَا (قَوْلُهُ بِخِلَافِ أَخْبَرَهَا بِالْخِيَارِ) أَيْ فَقَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهَا سَمِعْت فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَقَعَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِخْبَارِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَكَانَ هَذَا إقْرَارًا مِنْ الزَّوْجِ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَقَعَ ثِنْتَانِ) إحْدَاهُمَا بِالْمَشِيئَةِ وَأُخْرَى بِالْخِيَارِ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا طَلَاقَيْنِ أَحَدُهُمَا صَرِيحٌ وَالْآخَرُ كِنَايَةٌ فَالْكِنَايَةُ حَالَ ذِكْرِ الصَّرِيحِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ بَحْرٌ (قَوْلُهُ اتَّحَدَ) حَتَّى إذَا رَدَّتْ فِي الْيَوْمِ بَطَلَ أَصْلًا هِنْدِيَّةٌ وَمِثْلُهُ إذَا قَالَ اخْتَارِي فِي الْيَوْمِ وَغَدٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ ط (قَوْلُهُ وَلَوْ وَاخْتَارِي غَدًا) بِأَنْ قَالَ اخْتَارِي الْيَوْمَ وَاخْتَارِي غَدًا، فَهُمَا خِيَارَانِ بِقَرِينَةِ إعَادَةِ ذِكْرِ الِاخْتِيَارِ ط وَسَيَأْتِي مَا يَتَّحِدُ وَمَا يَتَعَدَّدُ فِي الْبَابِ الثَّانِي (قَوْلُهُ قَالَ اخْتَارِي فِي الْيَوْمِ إلَخْ) لِمَا ذَكَرَهُ مُعَرَّفًا انْصَرَفَ إلَى الْمَعْهُودِ وَهُوَ الْحَاضِرُ وَلَمْ يُمْكِنْ تَخْيِيرُهَا فِي الْمَاضِي مِنْهُ فَكَانَتْ مُخَيَّرَةً إلَى انْقِضَائِهِ، وَذَلِكَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ وَبِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي الشَّهْرِ وَبِتَمَامِ ذِي الْحِجَّةِ فِي السَّنَةِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْيَوْمَ أَوْ الشَّهْرَ أَوْ السَّنَةَ، وَأَمَّا لَوْ نَكَّرَهُ انْصَرَفَ إلَى كَامِلِهِ وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ التَّخْيِيرِ فَيَنْتَهِي بِمِثْلِهِ مِنْ الْغَدِ، فَيَدْخُلُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ اللَّيْلِ ضَرُورَةً مَعَ أَنَّ اللَّيْلَ لَا يَتْبَعُ الْيَوْمَ الْمُفْرَدَ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ ذَلِكَ رَحْمَتِيٌّ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَوْهَرَةِ.
وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي عَنْ الذَّخِيرَةِ: لَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً فَلَهَا الْأَمْرُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ
стр. 1606
قَالَ اخْتَارِي الْيَوْمَ أَوْ أَمْرُك بِيَدِك هَذَا الشَّهْرَ خُيِّرَتْ فِي بَقِيَّتِهِمَا، وَإِنْ قَالَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا فَمِنْ سَاعَةِ تَكَلَّمَ إلَى مِثْلِهَا مِنْ الْغَدِ وَإِلَى تَمَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَوْ جَعَلَهُ لَهَا رَأْسَ الشَّهْرِ خُيِّرَتْ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَيَوْمِهَا، وَلَا يَبْطُلُ الْمُؤَقَّتُ بِالْإِعْرَاضِ بَلْ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ عَلِمَتْ أَوْ لَا.
بَابُ الْأَمْرِ بِالْيَدِ هُوَ كَالِاخْتِيَارِ إلَّا فِي نِيَّةِ الثَّلَاثِ لَا غَيْرُ (إذَا قَالَ لَهَا) وَلَوْ صَغِيرَةً لِأَنَّهُ كَالتَّعْلِيقِ بَزَّازِيَّةٌ (أَمْرُك بِيَدِك) أَوْ بِشِمَالِك أَوْ أَنْفِك أَوْ لِسَانِك (يَنْوِي ثَلَاثًا) أَيْ تَفْوِيضَهَا (فَقَالَتْ) فِي مَجْلِسِهَا (اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ) أَوْ قَبِلْت نَفْسِي، أَوْ اخْتَرْت أَمْرِي، أَوْ أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ مِنِّي بَائِنٌ، أَوْ أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْ طَالِقٌ
ــ
[رد المحتار]
إلَى اسْتِكْمَالِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْمِلُ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ يُكْمِلُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي مَعَ دُخُولِ اللَّيْلِ وَعَدَمِهِ، لَكِنْ صَرَّحُوا فِي الْأَيْمَانِ فِي: لَا أُكَلِّمُهُ يَوْمًا، بِتَكْمِيلِهِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي مَعَ دُخُولِ اللَّيْلِ كَمَا مَرَّ عَنْ الرَّحْمَتِيِّ (قَوْلُهُ وَإِلَى تَمَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا) لِأَنَّ التَّفْوِيضَ حَصَلَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْأَهِلَّةِ فِيهِ فَيُعْتَبَرُ بِالْأَيَّامِ بِالْإِجْمَاعِ ذَخِيرَةٌ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حِينَ أَهَلَّ الْهِلَالُ يُعْتَبَرُ بِالْهِلَالِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَيَوْمِهَا) لِأَنَّ الرَّأْسَ الْأَوَّلَ، وَتَحْتَ الشَّهْرِ نَوْعَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَأَوَّلُ اللَّيَالِيِ اللَّيْلَةُ الْأُولَى، وَأَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ ط (قَوْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ الْمُؤَقَّتُ) أَيْ الْخِيَارُ الْمُؤَقَّتُ بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ بِالْإِعْرَاضِ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ بَلْ يَمْضِي الْوَقْتُ الْمُعَيَّنُ عَلِمَتْ بِالتَّخْيِيرِ أَوْ لَا، أَمَّا الْخِيَارُ الْمُطْلَقُ فَيَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ ط وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَمْرِ بِالْيَدِ]
الْأَمْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْحَالِ وَالْيَدُ بِمَعْنَى التَّصَرُّفِ بَحْرٌ عَنْ الْمِصْبَاحِ، فَالْمَعْنَى بَابُ بَيَانِ حَالَ طَلَاقِ الْمَرْأَةِ الَّذِي جَعَلَهُ زَوْجُهَا فِي تَصَرُّفِهَا ط وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُنَاسِبَ التَّرْجَمَةُ هُنَا بِالْفَصْلِ بَدَلَ الْبَابِ (قَوْلُهُ هُوَ كَالِاخْتِيَارِ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، وَذِكْرِ النَّفْسِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَعَدَمِ مِلْكِ الزَّوْجِ الرُّجُوعَ، وَتَقَيُّدِهِ بِمَجْلِسِ التَّفْوِيضِ أَوْ مَجْلِسِ عِلْمِهَا إذَا كَانَتْ غَائِبَةً أَوْ بِالْمُدَّةِ إذَا كَانَ مُؤَقَّتًا (قَوْلُهُ إلَّا فِي نِيَّةِ الثَّلَاثِ) فَإِنَّهَا تَصِحُّ هُنَا لَا فِي التَّخْيِيرِ لِأَنَّ الْأَمْرَ جِنْسٌ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ وَالْعُمُومَ، فَأَيَّهُمَا نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ. وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذِكْرِ النَّفْسِ هُنَا مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ صَغِيرَةً) هَذِهِ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي الْبَابِ الْمَارِّ عَنْ الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ كَالتَّعْلِيقِ) أَيْ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَمْلِيكًا لَكِنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي التَّخْيِيرِ (قَوْلُهُ أَمْرُكِ بِيَدِك) مِثْلُهُ الْمُعَلَّقُ، كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَمْرُك بِيَدِك، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا كَإِنْ وَضَعَتْ الْقَدَمَ فِيهَا طَلُقَتْ وَإِنْ بَعْدَ مَا مَشَتْ خُطْوَتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّهَا طَلُقَتْ بَعْدَمَا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ.
وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ: وَإِنْ مَشَتْ خُطْوَةً بَطَلَ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ رِجْلُهَا فَوْقَ الْعَتَبَةِ وَالْأُخْرَى دَخَلَتْ بِهَا، وَمَا سَبَقَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ خَارِجَ الْعَتَبَةِ فَبِأَوَّلِ خُطْوَةٍ لَمْ تَتَعَدَّ أَوَّلَ الدُّخُولِ، وَبِالثَّانِيَةِ تَتَعَدَّى وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا مَقْدِسِيٌّ (قَوْلُهُ أَوْ بِشِمَالِكِ إلَخْ) وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: أَمْرُك فِي عَيْنَيْك وَأَمْثَالُهُ يُسْأَلُ عَنْ النِّيَّةِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ يَنْوِي ثَلَاثَةً) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّفْوِيضِ دِيَانَةً أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ قَضَاءً كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَسَيَأْتِي مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ ثَلَاثَةً (قَوْلُهُ أَيْ تَفْوِيضَهَا) أَيْ تَفْوِيضَ الثَّلَاثِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كِنَايَةٌ عَنْ التَّفْوِيضِ لَا عَنْ الْإِيقَاعِ، حَتَّى لَوْ نَوَى بِهَا الْإِيقَاعَ لَمْ يَقَعْ لِأَنَّ لَفْظَهَا لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ، أَمَّا هُوَ فَيَحْتَمِلُ الْإِيقَاعَ لِأَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا وَكَأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ كِنَايَةً عَنْهُ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ فِي مَجْلِسِهَا) اُسْتُفِيدَ هَذَا الْقَيْدُ مِنْ الْفَاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ نَهْرٌ،
стр. 1607
(وَقَعْنَ) وَكَذَا لَوْ قَالَ أَبُوهَا قَبِلْتُهَا خُلَاصَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِالصَّغِيرَةِ (وَأَعَرْتُكِ طَلَاقَكِ) وَأَمْرُك بِيَدِ اللَّهِ وَيَدِك وَأَمْرِي بِيَدِك عَلَى الْمُخْتَارِ خُلَاصَةٌ (كَأَمْرُك بِيَدِك) وَذِكْرُ اسْمِهِ تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ثَلَاثًا فَوَاحِدَةٌ؛ وَلَوْ طَلَّقَتْ ثَلَاثًا فَقَالَ نَوَيْتُ وَاحِدَةً وَلَا دَلَالَةَ حَلَفَ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى الدَّلَالَةِ كَمَا مَرَّ (وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ وَعِلْمُهَا) وَذِكْرُ النَّفْسِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا (شَرْطٌ، فَلَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا وَلَمْ تَعْلَمْ) بِذَلِكَ (وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَمْ تَطْلُقْ) لِعَدَمِ شَرْطٍ خَانِيَّةٌ.
(وَكُلُّ لَفْظٍ يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ مِنْهُ يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ مِنْهَا وَمَا لَا) يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ مِنْهُ (فَلَا) يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ مِنْهَا، فَلَوْ قَالَتْ: أَنَا طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْت نَفْسِي وَقَعَ، بِخِلَافِ طَلَّقْتُكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُوصَفُ بِالطَّلَاقِ دُونَ الرَّجُلِ اخْتِيَارٌ (إلَّا لَفْظَ الِاخْتِيَارِ خَاصَّةً)
ــ
[رد المحتار]
وَهَذَا قَيْدٌ فِي التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقِ عَنْ الْوَقْتِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَقَعْنَ) أَيْ الثَّلَاثُ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ وَالْوَاحِدَةُ صِفَةٌ لِلِاخْتِيَارِ فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْتُ نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِذَلِكَ تَقَعُ الثَّلَاثُ نَهْرٌ. أَمَّا طَلِّقِي نَفْسَكِ فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ.
وَعِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ عَنْ الْمُنْتَقَى: لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ أَبِيهَا فَقَالَ أَبُوهَا قَبِلْتُهَا طَلُقَتْ، وَكَذَا لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَقَالَتْ قَبِلْتُ نَفْسِي طَلُقَتْ اهـ وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صِغَرِهَا لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ بِيَدِ أَجْنَبِيٍّ وَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً، وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَقَبِلَ أَبُوهَا حَتَّى يَتَأَتَّى مَا بَحَثَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِصَاحِبِ النَّهْرِ رَحْمَتِيٌّ.
قُلْت: عَلَى أَنَّهُ إذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا يَكُونُ فِي مَعْنَى التَّعْلِيقِ عَلَى اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا، فَلَا يَصِحُّ مِنْ أَبِيهَا وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَكَذَا لَوْ جَعَلَهُ بِيَدِ أَبِيهَا لَا يَصِحُّ مِنْهَا وَلَوْ كَبِيرَةً لِعَدَمِ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَذِكْرُ اسْمِهِ تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ) أَيْ فَتَنْفَرِدُ الْمُخَاطَبَةُ بِالْأَمْرِ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ثَلَاثًا) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ يَنْوِي ثَلَاثًا، وَهُوَ صَادِقٌ بِأَنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فِي الْحُرَّةِ فَإِنَّهَا تَقَعُ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّفْوِيضِ إلَيْهَا دِيَانَةً أَوْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَيْهِ قَضَاءً بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَا دَلَالَةَ) أَمَّا إذَا وُجِدَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى الثَّلَاثِ كَمُذَاكَرَتِهَا أَوْ الْإِشَارَةِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ فَيُعْمَلُ بِهَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ النَّهْرِ كَمَا إذَا كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ أَوْ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نِيَّةِ الثَّلَاثِ ط (قَوْلُهُ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى الدَّلَالَةِ) أَيْ عَلَى الْغَضَبِ أَوْ الْمُذَاكَرَةِ مَثَلًا، وَلَا تُقْبَلُ عَلَى النِّيَّةِ إلَّا أَنْ تُقَامَ عَلَى إقْرَارِهِ بِهَا كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْكِنَايَاتِ ح (قَوْلُهُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا) كَالِاخْتِيَارَةِ وَاخْتَرْتُ أَمْرِي ط وَكَاخْتَرْتُ أَبِي أَوْ أُمِّي أَوْ أَهْلِي أَوْ الْأَزْوَاجَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي التَّخْيِيرِ فَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ التَّكْرَارَ هُنَا مِثْلُهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ فَلَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: وَعِلْمُهَا وَتَرَكَ الْآخَرِينَ لِظُهُورِهِمَا فَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ لَا يَقَعُ، وَهَذَا إذَا أَطْلَقَ، أَمَّا إذَا وَقَّتَهُ كَأَمْرُكِ بِيَدِك يَوْمًا فَلَهَا الْخِيَارُ مَا دَامَ الْوَقْتُ، وَلَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فَقَالَتْ اخْتَرْتُ وَلَمْ تَقُلْ نَفْسِي وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا لَمْ يَقَعْ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ لَمْ تَطْلُقْ) كَالْوَكِيلِ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوِكَالَةِ حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ لِأَنَّهُ خِلَافَةٌ كَالْوِكَالَةِ بَزَّازِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَكُلُّ لَفْظٍ إلَخْ) نَقَلَ هَذَا الْأَصْلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَوْضَحَهُ.
وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي فِي بَيَانِهِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ بِمَادَّتِهِ وَهَيْئَتِهِ وَلَا بِتَغْيِيرِ الضَّمَائِرِ وَالْهَيْئَاتِ كَمَا قِيلَ: بَلْ الْمُرَادُ أَنْ تُسْنِدَ اللَّفْظَ إلَى مَا لَوْ أَسْنَدَهُ إلَيْهِ الزَّوْجُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَبِهَذَا يَكُونُ مَا يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ مِنْهُ يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ مِنْهَا، فَقَوْلُهَا: أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ أَنْتَ مِنِّي بَائِنٌ أَوْ أَنَا مِنْكَ بَائِنٌ يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهَا أَسْنَدَتْ الْحُرْمَةَ وَالْبَيْنُونَةَ فِي الْأَوَّلَيْنِ إلَى الزَّوْجِ وَهُوَ لَوْ أَسْنَدَهُمَا إلَيْهَا يَقَعُ بِأَنْ قَالَ: أَنَا عَلَيْكِ حَرَامٌ أَوْ أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ، وَفِي الثَّالِثِ أَسْنَدَتْ الْبَيْنُونَةَ إلَى
стр. 1608
فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَيَصْلُحُ جَوَابًا مِنْهَا بَدَائِعُ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ بِقَبُولِهَا وَقَبُولِ أَبِيهَا كَمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ، وَفِي قَوْلِهَا فِي جَوَابِهِ (طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ) لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَفْوِيضُ الزَّوْجِ لَا إيقَاعُهَا.
(وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي) قَوْلِهِ (أَمْرُكِ بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ) لِأَنَّهُمَا تَمْلِيكَانِ (فَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَكَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ)
ــ
[رد المحتار]
نَفْسِهَا وَهُوَ لَوْ أَسْنَدَهَا إلَى نَفْسِهَا يَقَعُ بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ مِنِّي بَائِنٌ، وَكَذَا قَوْلُهَا أَنَا طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْت نَفْسِي أَسْنَدَتْ الطَّلَاقَ إلَى نَفْسِهَا فَيَصِحُّ جَوَابًا لِأَنَّهُ لَوْ أَسْنَدَ الطَّلَاقَ إلَيْهَا يَقَعُ، بِخِلَافِ قَوْلِهَا طَلَّقْتُكَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهَا أَنْتَ مِنِّي طَالِقٌ لِأَنَّهَا أَسْنَدَتْ الطَّلَاقَ إلَيْهِ، وَهُوَ لَوْ أَسْنَدَهُ إلَى نَفْسِهِ لَمْ يَقَعْ؛ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لِلْإِيقَاعِ مِنْهُ لَمْ يَصْلُحْ لِلْجَوَابِ مِنْهَا فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الضَّابِطِ، وَبِهِ سَقَطَ مَا قِيلَ إنَّهُ مَنْقُوضٌ بِهَذَا الْأَخِيرِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا طَلَّقْتُك يَقَعُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَغْيِيرُ الضَّمَائِرِ وَالْهَيْئَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كُلُّ مَا صَلَحَ لِلْإِيقَاعِ مِنْ الزَّوْجِ: مَا يَصْلُحُ لَهُ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى نِيَّةٍ بَعْدَ طَلَبِهَا مِنْهُ الطَّلَاقَ لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الزَّوْجِ طَلَاقٌ إذَا سَأَلَتْهُ فَأَجَابَهَا بِهِ، فَإِذَا أَوْقَعَتْ مِثْلَهُ عَلَى نَفْسِهَا بَعْدَمَا صَارَ الطَّلَاقُ بِيَدِهَا تَطْلُقُ، فَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي فَقَالَ أَنْتِ حَرَامٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ تَطْلُقُ، فَلَوْ قَالَتْهُ بَعْدَمَا صَارَ الطَّلَاقُ بِيَدِهَا تَطْلُقُ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي فَقَالَ الْحَقِي بِأَهْلِك وَقَالَ لَمْ أَنْوِ طَلَاقًا صُدِّقَ، فَلَوْ قَالَتْهُ بَعْدَمَا صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بِأَنْ قَالَتْ أَلْحَقْتُ نَفْسِي بِأَهْلِي لَا تَطْلُقُ أَيْضًا اهـ أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُ الرَّدَّ فَتُوقَفُ عَلَى النِّيَّةِ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَالْمُذَاكَرَةِ، فَلَا تَتَعَيَّنُ لِلْإِيقَاعِ بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، بِخِلَافِ حَرَامٍ وَبَائِنٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِلَا نِيَّةٍ فِي حَالِ الْمُذَاكَرَةِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ اسْتِشْكَالِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ أَلْحَقْتُ نَفْسِي وَأَنَا بَائِنٌ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى بِهِ الْإِيقَاعَ لَمْ يَقَعْ لِأَنَّهُ كِنَايَةُ تَفْوِيضٍ لَا إيقَاعٍ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا مَرَّ، وَمِثْلُهُ: أَمْرُكِ بِيَدِك، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَثْنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا مِنْهَا، بِأَنْ تَقُولَ أَمْرِي بِيَدِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الضَّابِطِ صِحَّتُهُ أَيْ صِحَّةُ الْجَوَابِ مِنْهَا بِقَوْلِهَا قَبِلْتُ أَوْ قَوْلِ أَبِيهَا ذَلِكَ إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْقَبُولَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ مِنْهُ، وَهَذَا الْإِيرَادُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهَا قَبِلْتُ عِبَارَةٌ عَنْ اخْتَرْت نَفْسِي فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى (قَوْلُهُ لِمَا تَقَرَّرَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ بَانَتْ، يَعْنِي وَإِنْ أَجَابَتْ بِالصَّرِيحِ الْوَاقِعِ بِهِ الرَّجْعِيُّ، لَكِنْ يَقَعُ بَائِنًا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَفْوِيضُ الزَّوْجِ، وَتَفْوِيضُهُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْبَائِنِ لِأَنَّهَا بِهِ تَمْلِكُ أَمْرَهَا لَا بِالرَّجْعِيِّ.
وَأَمَّا عِلَّةُ وُقُوعِ الْوَاحِدَةِ دُونَ الثَّلَاثِ فَهِيَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ فِي كَلَامِهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ هُوَ طَلْقَةٌ إذْ خُصُوصُ الْعَامِلِ اللَّفْظِيِّ قَرِينَةُ خُصُوصِ الْمُقَدَّرِ، وَبِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ طَلَّقْتُ نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ وَاخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ، وَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّهُ يَنْبَغِي وُقُوعُ الْوَحْدَةِ فِي الثَّانِي أَيْضًا، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ) أَرَادَ بِاللَّيْلِ الْجِنْسَ فَيَشْمَلُ اللَّيْلَتَيْنِ، وَكَذَا لَا يَدْخُلُ الْيَوْمُ الْفَاصِلُ وَسَكَتَ عَنْهُ لِظُهُورِهِ ح. وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلَانِ وَغَدٌ فِيهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا تَمْلِيكَانِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: لِأَنَّ عَطْفَ زَمَنٍ عَلَى زَمَنٍ مُمَاثِلٍ مَفْصُولٍ بَيْنَهُمَا بِزَمَنٍ مُمَاثِلٍ لَهُمَا ظَاهِرٌ فِي قَصْدِ تَقْيِيدِ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ بِالْأَوَّلِ وَتَقْيِيدِ أَمْرٍ آخَرَ بِالثَّانِي، فَيَصِيرُ لَفْظُ (الْيَوْمَ) مُفْرَدًا غَيْرَ مَجْمُوعٍ إلَى مَا بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ صَارَ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ: أَيْ أَمْرُكِ بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك بَعْدَ غَدٍ، وَلَوْ أَفْرَدَ الْيَوْمَ لَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فَكَذَا إذَا عَطَفَ جُمْلَةً أُخْرَى. اهـ. ح (قَوْلُهُ فَكَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ) الَّذِي شَرَحَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَكَانَ بِالْوَاوِ وَهِيَ
стр. 1609
وَلَوْ طَلَّقَتْ لَيْلًا لَمْ يَصِحَّ وَلَا تُطَلِّقُ إلَّا مَرَّةً (وَيَدْخُلُ) اللَّيْلُ (فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ وَغَدًا، وَإِنْ رَدَّتْهُ فِي يَوْمِهَا لَمْ يَبْقَ فِي الْغَدِ) لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ وَاحِدٌ.
(وَلَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك غَدًا فَهُمَا أَمْرَانِ) خَانِيَّةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا؛ وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ كَمَا لَا يَخْفَى.
[تَنْبِيهٌ] ظَاهِرُ مَا مَرَّ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهَا، لَكِنْ فِي الْعِمَادِيَّةِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ قَبْلَ قَبُولِهِ لَا بَعْدَهُ
ــ
[رد المحتار]
الْأَوْلَى ط. قُلْت: وَهِيَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ وَلَوْ طَلَّقَتْ) مُضَعَّفٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَعْلُومِ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، يَعْنِي وَلَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَيْلًا: أَيْ فِي إحْدَى اللَّيْلَتَيْنِ لَا يَصِحُّ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ ح (قَوْلُهُ وَلَا تُطَلِّقُ إلَّا مَرَّةً) أَرَادَ بِهَذَا دَفْعَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ اقْتِضَاءِ كَوْنِهِمَا تَمْلِيكَيْنِ جَوَازَ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً. اهـ. ح. أَقُولُ: هَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ بِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ كَوْنَهُمَا تَمْلِيكَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا الْيَوْمَ بَعْدَ غَدٍ.
فِي الْمِنَحِ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لِانْفِصَالِ وَقْتِهِمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَقْتَيْنِ عَلَى حِدَةٍ فَبِرَدِّ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ. اهـ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ أَنَّهَا لَا تُطَلِّقُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إلَّا مَرَّةً.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ. وَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي الْوَقْتِ مَرَّةً لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي الْوَقْتَ لَا التَّكْرَارَ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَحْثِ الْمُؤَقَّتِ كَالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ تَمْلِيكَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرَّةً فَقَطْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ الْبَدَائِعِ أَيْضًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَإِنْ رَدَّتْهُ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيَدْخُلُ اللَّيْلُ لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا لَيْلًا. وَالثَّانِي لَوْ رَدَّتْ الْأَمْرَ الْيَوْمَ لَمْ تَمْلِكْهُ فِي الْغَدِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ أَحْسَنُ مِنْهُ بِالْفَاءِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْغَدِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا غَدًا لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْإِيقَاعِ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِيَوْمٍ آخَرَ وَكَانَ جَمْعًا بِحَرْفِ الْجَمْعِ فِي التَّمْلِيكِ الْوَاحِدِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ أَمْرُكِ بِيَدِك يَوْمَيْنِ، وَفِيهِ تَدْخُلُ اللَّيْلَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ اسْتِعْمَالًا لُغَوِيًّا وَعُرْفِيًّا بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَهُمَا أَمْرَانِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: حَتَّى لَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا الْيَوْمَ أَوْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا غَدًا، لِأَنَّهُ لَمَّا كَرَّرَ اللَّفْظَ فَقَدْ تَعَدَّدَ التَّفْوِيضُ فَرَدُّ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ رَدًّا لِلْآخَرِ، وَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَطَلَّقَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْغَدِ فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فَلَهَا ذَلِكَ، وَتُطَلِّقُ أُخْرَى لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ التَّفْوِيضَيْنِ طَلَاقًا؛ فَالْإِيقَاعُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ الْإِيقَاعَ بِالْآخَرِ اهـ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ أَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا) أَيْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْخَانِيَّةِ خِلَافًا فِي كَوْنِهِمَا أَمْرَيْنِ، فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ تَخْصِيصِ أَبِي يُوسُفَ بِرِوَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ مَخْرَجُ الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ) لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهَا الْأَمْرَ فِي يَوْمٍ مُفْرَدٍ وَالثَّابِتُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ أَمْرٌ آخَرُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ ظَاهِرُ مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا قَالَ ظَاهِرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِرَدِّ الْأَمْرِ اخْتِيَارُهَا زَوْجَهَا لَا قَوْلُهَا رَدَدْتُهُ، وَسَتَسْمَعُ التَّفْصِيلَ فِيهِ ح (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي الْعِمَادِيَّةِ إلَخْ) فِيهِ اخْتِصَارٌ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ، وَوَفَّقَ فِي الْعِمَادِيَّةِ إلَخْ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ رَدِّهَا مُنَاقِضٌ لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ يَدِ أَجْنَبِيٍّ ثُمَّ رَدَّتْ
стр. 1610
كَالْإِبْرَاءِ، وَأَنَّهُ فِي الْمُتَّحِدِ لَا يَبْقَى فِي الْغَدِ، لَكِنْ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: أَمْرُكِ بِيَدِك إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ فَقَالَتْ اخْتَرْت زَوْجِي بَطَلَ خِيَارُهَا فِي الْيَوْمِ، وَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فِي الْغَدِ عِنْدَ الْإِمَامِ. وَوَجْهُهُ فِي الدِّرَايَةِ بِأَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ الْوَقْتَ اُعْتُبِرَ تَعْلِيقًا وَإِلَّا فَتَمْلِيكًا.
ــ
[رد المحتار]
الْأَمْرَ أَوْ رَدَّهُ الْأَجْنَبِيُّ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ شَيْءٍ لَازِمٍ فَيَقَعُ لَازِمًا، وَالْمَسْأَلَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. اهـ.
قَالَ الْعِمَادِيُّ فِي فُصُولِهِ: وَالتَّوْفِيقُ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالْيَدِ عِنْدَ التَّفْوِيضِ لَا بَعْدَ قَبُولِهِ نَظِيرُهُ الْإِقْرَارُ، فَإِنَّ مَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِشَيْءٍ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ثُمَّ رَدَّ إقْرَارَهُ لَا يَصِحُّ الرَّدُّ اهـ وَمَشَى عَلَى هَذَا التَّوْفِيقِ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الْفَتْحِ تَوْفِيقًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ فَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ هُوَ اخْتِيَارُهَا زَوْجَهَا الْيَوْمَ، وَحَقِيقَتُهُ انْتِهَاءُ مِلْكِهَا، وَالْمُرَادُ بِمَا فِي الذَّخِيرَةِ أَنْ تَقُولَ رَدَدْتُ اهـ وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُ الْهِدَايَةِ لِأَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا الْيَوْمَ لَا يَبْقَى لَهَا الْخِيَارُ فِي غَدٍ فَكَذَا إذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا بِرَدِّ الْأَمْرِ. وَوَفَّقَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ، فَيَصِحُّ رَدُّهُ قَبْلَ قَبُولِهِ نَظَرًا إلَى التَّمْلِيكِ، وَلَا يَصِحُّ نَظَرًا إلَى التَّعْلِيقِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَرِوَايَةُ صِحَّةِ الرَّدِّ نَظَرًا لِلتَّمْلِيكِ وَفَسَادِهِ نَظَرًا لِلتَّعْلِيقِ اهـ. وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْبَحْرِ، وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ فِي الْهِدَايَةِ نَقَلَ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْإِيقَاعِ، وَقَالَ: فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا تَكَلَّفَهُ ابْنُ الْهُمَامِ وَالشَّارِحُونَ. وَأَوْرَدَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْعِمَادِيُّ وَالشَّارِحُونَ أَنَّ قَوْلَهَا بَعْدَ الْقَبُولِ رَدَدْتُ إعْرَاضٌ مُبْطِلٌ لِخِيَارِهَا وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْإِيرَادِ الْمَقْدِسِيَّ فَقَالَ: وَهَذَا حَيْثُ أَبْطَلُوهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ وَالرَّدِّ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَمْ يُبْطِلُوهُ بِصَرِيحِ الرَّدِّ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُؤَقَّتِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَا لَمْ يَمْضِ الْوَقْتُ، بِخِلَافِ الْمُطْلَقِ عَنْ الْوَقْتِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ قَبْلَ قَبُولِهِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ: أَيْ قَبُولِ الْمَرْأَةِ التَّفْوِيضَ (قَوْلُهُ كَالْإِبْرَاءِ) أَيْ عَنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ، وَيَرْتَدُّ بِالرَّدِّ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَالتَّمْلِيكِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَأَنَّهُ فِي الْمُتَّحِدِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهَا أَيْ وَظَاهِرُ مَا مَرَّ أَيْضًا أَنَّهُ فِي الْمُتَّحِدِ، مِثْلَ أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ وَغَدًا لَا يَبْقَى الْغَدُ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مَنْصُوصٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صَرِيحًا، وَقَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا يَبْقَى فِي الْغَدِ (قَوْلُهُ إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ) أَيْ الشَّهْرِ الْآتِي (قَوْلُهُ بَطَلَ خِيَارُهَا فِي الْيَوْمِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ وَالْغَدِ الْمَجْلِسُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة لَا خُصُوصُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (قَوْلُهُ وَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فِي الْغَدِ) أَيْ فَقَدْ بَقِيَ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْمُتَّحِدِ ح (قَوْلُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ) وَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ. وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ الْخِلَافَ عَلَى الْعَكْسِ: أَيْ أَنَّهُ يَخْرُجُ الْأَمْرُ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ الْوَقْتَ) أَيْ كَأَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ وَغَدًا أَوْ إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ اُعْتُبِرَ تَعْلِيقًا أَيْ وَالتَّعْلِيقُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَإِلَّا: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْوَقْتَ كَأَمْرُكِ بِيَدِك يُعْتَبَرُ تَمْلِيكًا أَيْ وَالتَّمْلِيكُ يَرْتَدُّ قَبْلَ قَبُولِهِ كَمَا مَرَّ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ أَنَّ الْقَبُولَ هُنَا بِمَعْنَى اخْتِيَارِهَا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ نَفْسَهَا أَوْ زَوْجَهَا، فَإِذَا قَالَتْ اخْتَرْت زَوْجِي وُجِدَ الْقَبُولُ فَلَا تَمْلِكُ الرَّدَّ بَعْدَهُ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ اعْتِبَارِ التَّعْلِيقِ وَالتَّمْلِيكِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
الثَّانِي مَا أَوْرَدَهُ ح مِنْ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ لَا يَدْفَعُ التَّنَاقُضَ بَيْنَ مَا فِي الْمَتْنِ وَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَبْقَى الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي الْغَدِ إذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا الْيَوْمَ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ وَغَدًا مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. وَأَجَابَ ط بِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِحِ ثُبُوتُ التَّنَاقُضِ لَا دَفْعُهُ.
стр. 1611
بَقِيَ لَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا هَلْ يَبْطُلُ أَمْرُهَا إنْ كَانَ التَّفْوِيضُ مُنَجَّزًا، نَعَمْ وَإِنْ مُعَلَّقًا كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَمْرُك بِيَدِك أَوْ مُؤَقَّتًا لَا عِمَادِيَّةٌ؛ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُعَلَّقَ كَالْمُنَجَّزِ.
[فُرُوعٌ] نَكَحَهَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا صَحَّ؛ وَلَوْ ادَّعَتْ جَعْلَهُ أَمْرَهَا بِيَدِهَا لَمْ تُسْمَعْ إلَّا إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِحُكْمِ الْأَمْرِ ثُمَّ ادَّعَتْهُ فَتُسْمَعُ.
قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي فِي الْمَجْلِسِ بِلَا تَبَدُّلٍ وَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ لَهَا.
ــ
[رد المحتار]
أَقُولُ: وَالْجَوَابُ عَنْ التَّنَاقُضِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ أَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْهِدَايَةِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: وَلَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا فَهُوَ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْوَلْوَالَجِيُّ أَيْضًا فَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْيَوْمِ وَغَدًا: لَوْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي الْيَوْمِ يَبْقَى فِي الْغَدِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يَبْقَى، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا مَرَّ مِنْ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّهْرِ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَبْقَى فِي الْغَدِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ بَقِيَ لَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا إلَخْ) قَيَّدَ بِالْبَائِنِ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا بَقِيَ أَمْرُهَا قَوْلًا وَاحِدًا ح وَأَرَادَ الشَّارِحُ الْجَوَابَ عَنْ مُنَاقَضَةٍ أُخْرَى بَيْنَ كَلَامِهِمْ فَإِنَّ الْعِمَادِيَّ ذَكَرَ فِي فُصُولِهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَمْرُكِ بِيَدِك ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا خَرَجَ مِنْ يَدِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَخْرُجُ، ثُمَّ وَفَّقَ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّفْوِيضِ الْمُنَجَّزِ وَالثَّانِي عَلَى الْمُعَلَّقِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَأَصْلُهُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ إلَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى تَوْفِيقِ الْعِمَادِيِّ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَمْرُك بِيَدِك ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا يَبْقَى الْأَمْرُ فِي يَدِهَا ثُمَّ رَقَّمَ، لَا يَبْقَى فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُعَلَّقَ يُخَرَّجُ كَالْمُنَجَّزِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَالْحَقُّ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ، وَأَنْ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ بُطْلَانُهُ بِالْإِبَانَةِ لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فِي الْعِدَّةِ لَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُهَا وَالتَّخْيِيرُ بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ. وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الطَّلَاقِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا مَرَّ مِنْ التَّوْفِيقِ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ. قَالَ السَّرَخْسِيُّ: قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا بَطَلَ الْخِيَارُ، وَكَذَا الْأَمْرُ بِالْيَدِ، وَلَوْ رَجْعِيًّا لَا يَبْطُلُ، أَصْلُهُ أَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ، فَلَوْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا لَا يَعُودُ الْأَمْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَمْرُ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ. وَفِي الْإِمْلَاءِ: لَوْ قَالَ اخْتَارِي إذَا شِئْتِ أَوْ أَمْرُك بِيَدِك إذَا شِئْت ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَطْلُقُ بَائِنًا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا. قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ قَوْلُهُ ضَعِيفٌ اهـ فَظَهَرَ بِهَذَا قُوَّةُ مَا وَفَّقَ بِهِ فِي الْفُصُولِ.
فَإِنْ قُلْت: نَفْسُ الِاخْتِيَارِ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فَرْقٌ، قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ الصَّرِيحِ وَمَا فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ عِنْدَهُ نَوْعُ تَحْقِيقٍ. وَلِبَعْضِهِمْ هُنَا كَلَامٌ يُغْنِي النَّظَرُ إلَيْهِ عَنْ التَّكَلُّمِ عَلَيْهِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَعْضِ صَاحِبَ الْبَحْرِ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ وَتَقْيِيدَهُ الْبُطْلَانَ بِمَا إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فِي الْعِدَّةِ لَا بَعْدَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ يَرُدُّهُ صَرِيحُ كَلَامِ السَّرَخْسِيِّ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ صَحَّ) مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا ابْتَدَأَتْ الْمَرْأَةُ فَقَالَتْ زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْك عَلَى أَنَّ أَمْرِي بِيَدِي أُطَلِّقُ نَفْسِي كُلَّمَا أُرِيدُ أَوْ عَلَى أَنِّي طَالِقٌ فَقَالَ الزَّوْجُ قَبِلْت، أَمَّا لَوْ بَدَأَ الزَّوْجُ لَا تَطْلُقُ وَلَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِيَدِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ لَمْ تُسْمَعْ) أَيْ لِعَدَمِ حُصُولِ ثَمَرَتِهِ ط (قَوْلُهُ بِحُكْمِ الْأَمْرِ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ ثَمَرَتُهُ وَأَثَرُهُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الْأَمْرِ مِلْكُهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا (قَوْلُهُ ثُمَّ ادَّعَتْهُ) أَيْ ادَّعَتْ الْجَعْلَ الْمَذْكُورَ أَوْ الطَّلَاقَ (قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ لَهَا) لِأَنَّهُ وُجِدَ
стр. 1612
جَعَلَ أَمَرَهَا بِيَدِهَا إنْ ضَرَبَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ، فَضَرَبَهَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى الشَّرْطِ الْمَنْفِيِّ كَمَا سَيَجِيءُ. طَلَبَ أَوْلِيَاؤُهَا طَلَاقَهَا فَقَالَ الزَّوْجُ لِأَبِيهَا مَا تُرِيدُ مِنِّي، افْعَلْ مَا تُرِيدُ وَخَرَجَ فَطَلَّقَهَا أَبُوهَا لَمْ تَطْلُقْ إنْ لَمْ يُرِدْ الزَّوْجُ التَّفْوِيضَ فَالْقَوْلُ لَهُ فِيهِ خُلَاصَةٌ. لَا يَدْخُلُ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ مَا لَمْ يَقُلْ إنْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ فِي نِكَاحِي. جَعَلَ أَمَرَهَا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَطَلَّقَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعْ.
ــ
[رد المحتار]
سَبَبُهُ بِإِقْرَارِهِ وَهُوَ التَّخْيِيرُ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الِاشْتِغَالِ بِشَيْءٍ آخَرَ بَحْرٌ وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِالتَّخْيِيرِ وَالطَّلَاقِ صَارَ بِإِنْكَارِهِ مُدَّعِيًا بُطْلَانَ السَّبَبِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِقِنِّهِ جَعَلْت أَمْرَك بِيَدِكَ فِي الْعِتْقِ أَمْسِ فَلَمْ تُعْتِقْ نَفْسَك وَقَالَ الْقِنُّ فَعَلْتُ لَا يُصَدَّقُ إذْ الْمَوْلَى لَمْ يُقِرَّ بِعِتْقِهِ لِأَنَّ جَعْلَ الْأَمْرِ بِيَدِهِ لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ مَا لَمْ يُعْتِقْ الْقِنُّ نَفْسَهُ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِهِ وَادَّعَى إبْطَالَهُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْبَحْرِ جَوَابًا عَمَّا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَدَمُ الْفَرْقِ
قَوْلُهُ ثُمَّ اخْتَلَفَا) أَيْ قَالَ ضَرَبْتُهَا بِجِنَايَةٍ وَقَالَتْ بِدُونِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ لَهُ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ صَيْرُورَةَ الْأَمْرِ بِيَدِهَا وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْجِنَايَةَ، وَلَوْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ وَإِنْ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ لِكَوْنِهَا عَلَى الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ كَانَ نَفْيًا نَهْرٌ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ (قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ فِي بَابِ التَّعْلِيقِ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا إذَا بَرْهَنَتْ (قَوْلُهُ مَا تُرِيدُ مِنِّي) اسْتِفْهَامٌ، وَقَوْلُهُ افْعَلْ مَا تُرِيدُ أَمْرٌ (قَوْلُهُ لَمْ تَطْلُقْ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لَكِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ تَفْوِيضًا لِاحْتِمَالِ التَّهَكُّمِ أَيْ افْعَلْ إنْ قَدَرْتَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَا يَدْخُلُ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك امْرَأَةً فَأَمْرُهَا بِيَدِك فَدَخَلَتْ امْرَأَةٌ فِي نِكَاحِهِ بِنِكَاحِ الْفُضُولِيِّ وَأَجَازَ بِالْفِعْلِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَهَا، وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ فِي نِكَاحِي فَلَهَا ذَلِكَ؛ وَكَذَا فِي التَّوْكِيلِ بِذَلِكَ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ بِعَقْدِ الْفُضُولِيِّ مَعَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ بِالْقَوْلِ لَمْ يُصَدَّقْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَلْ صُدِّقَ أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي نِكَاحِهِ، وَمِثْلُ دَخَلَتْ قَوْلُهُ تَحِلُّ لِي لَكِنْ سَيَذْكُرُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ عَدَمَ الْحِنْثِ مُطْلَقًا، حَيْثُ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ تَدْخُلُ فِي نِكَاحِي أَوْ تَصِيرُ حَلَالًا لِي فَكَذَا فَأَجَازَ نِكَاحَ فُضُولِيِّ بِالْفِعْلِ لَا يَحْنَثُ، وَمِثْلُهُ إنْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً بِنَفْسِي أَوْ بِوَكِيلِي أَوْ بِفُضُولِيٍّ أَوْ دَخَلَتْ فِي نِكَاحِي بِوَجْهٍ مَا تَكُنْ زَوْجَتُهُ طَالِقًا لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ بِفُضُولِيٍّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِنَفْسِي وَعَامِلُهُ تَزَوَّجْت وَهُوَ خَاصٌّ بِالْقَوْلِ، وَإِنَّمَا يَنْسَدُّ بَابُ الْفُضُولِيِّ لَوْ زَادَ أَوْ أَجَزْتُ نِكَاحَ فُضُولِيٍّ وَلَوْ بِالْفِعْلِ، وَلَا مَخْلَصَ لَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلَاقَ الْمُتَزَوِّجَةِ فَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى شَافِعِيٍّ لِيَفْسَخَ الْيَمِينَ الْمُضَافَةَ اهـ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ أَوْ طَلَاقَ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا، فَفِي الثَّانِيَةِ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى شَافِعِيٍّ، وَعُلِمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْحِنْثِ فِي: أَوْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ فِي نِكَاحِي أَنَّ دُخُولَهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّزْوِيجِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُهَا، وَبِتَزْوِيجِ الْفُضُولِيِّ لَا يَصِيرُ مُتَزَوِّجًا، بِخِلَافِ: كُلُّ عَبْدٍ دَخَلَ فِي مِلْكِي فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِعَقْدِ الْفُضُولِيِّ، فَإِنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ لَا يَخْتَصُّ بِالشِّرَاءِ بَلْ لَهُ أَسْبَابٌ سِوَاهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْقَوْلَيْنِ فِي فَتَاوَاهُ وَرَجَّحَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْحِنْثِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَيْمَانِ (قَوْلُهُ لَمْ يَقَعْ) لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْهُمَا وَهُوَ فِي مَعْنَى التَّعْلِيقِ عَلَى فِعْلِهِمَا فَلَمْ يُوجَدْ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1613
فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ (قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَلَمْ يَنْوِ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً) أَوْ ثِنْتَيْنِ فِي الْحُرَّةِ (فَطَلَّقَتْ وَقَعَتْ رَجْعِيَّةً، وَإِنْ طَلَّقَتْ ثَلَاثًا وَنَوَاهُ وَقَعْنَ) قَيَّدَ بِخِطَابِهَا: لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ طَلِّقِي أَيَّ نِسَائِي شِئْتِ لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ عُمُومِ خِطَابِهِ (وَبِقَوْلِهَا) فِي جَوَابِهِ
ــ
[رد المحتار]
[فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ]
ِ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّفْوِيضِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ صَرِيحًا بَلْ مَا يَشْمَلُ الضِّمْنِيَّ فَقَدْ قَالَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ: وَإِذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَكِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَشِيئَةً فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَشِيئَةِ، وَلَهَا ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَشِيئَتِهَا، وَتَطْلِيقُهَا مَشِيئَةٌ، وَلِذَا قَالَ فِي الْكَافِي: لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً إنْ شِئْتِ فَقَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً فَهِيَ طَالِقٌ، وَقَدْ شَاءَتْ حَيْثُ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا. اهـ.
وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلتَّرْجَمَةِ الِابْتِدَاءُ بِمَسْأَلَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا أَجَابَ عَنْهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ، مِنْ أَنَّ ذِكْرَ مَا فِيهِ الْمَشِيئَةُ مُنَزَّلٌ مِمَّا لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْمُفْرَدِ يَعْنِي وَالْمُفْرَدُ يَسْبِقُ الْمُرَكَّبَ فَكَذَا مَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ اهـ وَإِنْ أَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ، نَعَمْ يَصْلُحُ هَذَا لِلْجَوَابِ عَمَّا قَدْ يُقَالُ لِمَ ذَكَرَ مَسَائِلَ الْمَشِيئَةِ ضِمْنًا قَبْلَ مَسَائِلِ الْمَشِيئَةِ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَقْصُودًا مِنْ هَذَا الْبَابِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً) لَوْ حَذَفَ هَذَا الْعِلْمَ بِالْأَوْلَى نَهْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ ثِنْتَيْنِ فِي الْحُرَّةِ) لِأَنَّهُمَا فِي حَقِّهَا عَدَدٌ مَحْضٌ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَتَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ فِي حَقِّهَا لِأَنَّهُمَا فَرْدٌ اعْتِبَارِيٌّ كَالثَّلَاثِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ (قَوْلُهُ فَطَلَّقَتْ) أَيْ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكُلٌّ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَصْلًا أَوْ مَعَ نِيَّةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الثِّنْتَيْنِ فِي الْحُرَّةِ فَهُمْ تِسْعَةٌ، وَالْوَاقِعُ فِيهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
أَمَّا فِي الْأَمَةِ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ أَفَادَهُ ح لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تُطَلِّقَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَكُلٌّ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَوْ مَعَ نِيَّةِ الْوَاحِدَةِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ أَوْ ثَلَاثًا جَارٍ عَلَى قَوْلِهِمَا بِوُقُوعِ وَاحِدَةٍ رَجْعِيَّةٍ أَمَّا عِنْدَ. الْإِمَامِ فَإِنَّهَا إذَا طَلَّقَتْ ثَلَاثًا وَنَوَى وَاحِدَةً أَوْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّ مُوجِبَ طَلِّقِي هُوَ الْفَرْدُ الْحَقِيقِيُّ فَيَثْبُتُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَالْفَرْدُ الِاعْتِبَارِيُّ أَعْنِي الثَّلَاثَ مُحْتَمَلَةٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنِيَّتِهِ فَإِتْيَانُهَا بِالثَّلَاثِ حِينَئِذٍ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ مَا فُوِّضَ إلَيْهَا فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا نَوَى ثِنْتَيْنِ فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا لَا يَقَعُ عِنْدَهُ شَيْءٌ أَيْضًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَنَوَاهُ) أَيْ الثَّلَاثَ، وَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ، أَوْ لِأَنَّهَا فَرْدٌ اعْتِبَارِيٌّ وَقَيَّدَ بِهِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ أَصْلًا أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ عِنْدَهُ كَمَا عَلِمْتَ (قَوْلُهُ وَقَعْنَ) أَيْ الثَّلَاثُ سَوَاءٌ أَوْقَعَتْهَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ مُتَفَرِّقًا، وَإِنَّمَا صَحَّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي نَفْسَكِ مَعْنَاهُ افْعَلِي التَّطْلِيقَ؛ فَهُوَ مَذْكُورٌ لُغَةً لِأَنَّهُ جَزْءُ مَعْنَى اللَّفْظِ فَصَحَّ نِيَّةُ الْعُمُومِ، غَيْرَ أَنَّ الْعُمُومَ فِي حَقِّ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَفِي حَقِّ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ فَتْحٌ، وَقَوْلُهُ أَوْ مُتَفَرِّقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى الثَّلَاثَ فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ وَقَعَ، وَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ الْوَاحِدَةِ فِي طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً وَيَأْتِي تَمَامُهُ (قَوْلُهُ قَيَّدَ بِخِطَابِهَا) أَيْ بِقَوْلِهِ نَفْسَك فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَبِقَوْلِهَا فِي جَوَابِهِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك قَالَتْ فِي جَوَابِهِ أَبَنْتُ نَفْسِي طَلُقَتْ رَجْعِيَّةً، وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي لَمْ تَطْلُقْ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمُفَوَّضَ الطَّلَاقُ وَالْإِبَانَةُ مِنْ أَلْفَاظِهِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي إيقَاعِهِ كِنَايَةً، فَقَدْ أَجَابَ بِمَا فَوَّضَ إلَيْهَا، بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ أَبَنْتُ نَفْسِي تُوقَفُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا يَلْحَقُهُ إجَازَةٌ وَإِنَّمَا صَارَ كِنَايَةً بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فِيمَا إذَا جَعَلَ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ، غَيْرَ أَنَّهَا زَادَتْ وَصْفَ تَعْجِيلِ الْبَيْنُونَةِ فِيهِ فَيَلْغُو الْوَصْفُ وَيَثْبُتُ الْأَصْلُ اهـ وَقَوْلُهُ
стр. 1614
(أَبَنْتُ نَفْسِي طَلُقَتْ) رَجْعِيَّةً إنْ أَجَازَهُ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ (لَا بِاخْتَرْتُ) نَفْسِي وَإِنْ أَجَازَهُ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ (وَلَا يَمْلِكُ) الزَّوْجُ (الرُّجُوعَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ التَّفْوِيضِ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّعْلِيقِ (وَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ) لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ (إلَّا إذَا زَادَ مَتَى شِئْتِ) وَنَحْوَهُ مِمَّا يُفِيدُ عُمُومَ الْوَقْتِ فَتَطْلُقُ مُطْلَقًا، وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ ذَلِكَ أَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي ضَرَّتَكِ (لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْمَجْلِسِ)
ــ
[رد المحتار]
وَلِهَذَا إلَخْ اسْتِدْلَالٌ عَلَى إثْبَاتِ الْفَرْقِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِإِثْبَاتِهِ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ مَا لَوْ ابْتَدَأَتْ وَقَالَتْ أَبَنْت نَفْسِي بِدُونِ قَوْلِهِ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَقَعَ إنْ أَجَازَهُ أَيْ مَعَ النِّيَّةِ مِنْهُ وَكَذَا مِنْهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ قُبَيْلَ الْكِنَايَاتِ عَنْ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ وَشَرْحِهِ وَلَوْ ابْتَدَأَتْ وَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي لَا يَقَعُ وَإِنْ أَجَازَهُ مَعَ النِّيَّةِ لِأَنَّ اخْتَرْتُ لَمْ يُوضَعْ كِنَايَةً إلَّا فِي جَوَابِ التَّخْيِيرِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَرْتُكِ نَاوِيًا الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ. بِخِلَافِ لَفْظِ الْإِبَانَةِ، وَقَوْلُهُ غَيْرُ أَنَّهَا إلَخْ بَيَانٌ لِوُقُوعِ الرَّجْعِيِّ فِي مَسْأَلَتِنَا وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الشَّارِحِ مَسْأَلَةُ الِابْتِدَاءِ بِمَسْأَلَةِ الْجَوَابِ فَالصَّوَابُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ إنْ أَجَازَ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ وَإِنْ أَجَازَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا ابْتَدَأَتْ بِقَوْلِهَا أَبَنْتُ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ قُبَيْلَ الْكِنَايَاتِ، وَكَلَامُنَا الْآنَ فِيمَا إذَا قَالَتْ ذَلِكَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَكِ وَذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ أَصْلًا وَلَا عَلَى نِيَّتِهَا الطَّلَاقَ، خِلَافًا لِمَا فِي النَّهْرِ عَنْ التَّلْخِيصِ، لِأَنَّ مَا فِي التَّلْخِيصِ مِنْ اشْتِرَاطِ نِيَّتِهَا إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الِابْتِدَاءِ لَا فِي مَسْأَلَةِ الْجَوَابِ لِأَنَّ قَوْلَهَا أَبَنْتُ نَفْسِي فِي جَوَابِ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى النِّيَّةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَاقِعَ هُنَا رَجْعِيٌّ وَفِي مَسْأَلَةِ الِابْتِدَاءِ بَائِنٌ، وَرَأَيْتُ ط نَبَّهَ عَلَى بَعْضِ مَا قُلْنَا وَكَذَا الرَّحْمَتِيُّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ طَلَّقْت وَأَمَّا عِلَّةُ كَوْنِهَا رَجْعِيَّةً فَتَقَدَّمَتْ (قَوْلُهُ وَلَا كِنَايَةٍ) أَيْ لَيْسَ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ بَلْ هُوَ كِنَايَةُ تَفْوِيضٍ: وَإِنَّمَا عُرِفَ جَوَابًا بِلَفْظِ اخْتَارِي بِالْإِجْمَاعِ وَأَلْحَقَ الْأَمْرَ بِالْيَدِ، بِخِلَافِ طَلِّقِي فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الِاخْتِيَارُ جَوَابًا.
قَالَ فِي الْبَحْرِ وَأَفَادَ بِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْجَوَابِ أَنَّ الْأَمْرَ يَخْرُجُ مِنْ يَدِهَا لِاشْتِغَالِهَا بِمَا لَا يَعْنِيهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَدَلَّ اقْتِصَارُهُ عَلَى نَفْيِ الِاخْتِيَارِ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ مِنْ الزَّوْجِ يَصْلُحُ جَوَابًا لِطَلِّقِي نَفْسَكِ كَجَوَابِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثِ) أَيْ بِالتَّخْيِيرِ وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالْمَشِيئَةِ (قَوْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْلِيقِ) أَوْ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا يَتِمُّ بِالْمُمَلِّكِ وَحْدَهُ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبُولِ كَمَا عَلَّلَ فِي الْفَتْحِ وَقَدَّمْنَاهُ فِي التَّفْوِيضِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ) أَيْ وَإِنْ صَرَّحَ بِلَفْظِ الْوِكَالَةِ كَمَا إذَا قَالَ وَكَّلْتُكِ فِي طَلَاقِك كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ: أَيْ لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا وَالْوَكِيلُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ. ثُمَّ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَعْلِيقِ التَّطْلِيقِ أَوْ الطَّلَاقِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ أَيْ تَقْيِيدِهِ بِالْمَجْلِسِ لِمَا فِي الْمُحِيطِ: إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَكِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَشِيئَةً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَشِيئَةِ إلَّا فِي خَصْلَةٍ، وَهِيَ أَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ صَحِيحَةٌ فِي طَلِّقِي دُونَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَشَأْ فِي الْمَجْلِسِ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَنَحْوَهُ إلَخْ) كَإِذَا شِئْتِ أَوْ إذَا مَا شِئْت أَوْ حِينَ شِئْت فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِعُمُومِ الْأَوْقَاتِ، فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتِ، وَكُلَّمَا كَمَتَى مَعَ إفَادَةِ التَّكْرَارِ إلَى الثَّلَاثِ، بِخِلَافِ إنْ وَكَيْفَ وَحَيْثُ وَكَمْ وَأَيْنَ وَأَيْنَمَا فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ، وَالْإِرَادَةُ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ كَالْمَشِيئَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ أَفْعَالِهَا كَالْأَكْلِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ نَهْرٌ فِي الْجَمِيعِ بَحْرٌ فَتَأَمَّلْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ الْمَشِيئَةَ سَوَاءٌ أَتَى بِلَفْظٍ يُوجِبُ الْعُمُومَ أَوْ لَا إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِلَا قَصْدٍ غَلَطًا لَا يَقَعُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْهَا حَيْثُ يَقَعُ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدَّمْنَا مَا يُوجِبُ حَمْلَ مَا أَطْلَقَ مِنْ كَلَامِهِمْ مِنْ الْوُقُوعِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ غَلَطًا عَلَى الْوُقُوعِ قَضَاءً لَا دِيَانَةً نَهْرٌ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ ذَلِكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ
стр. 1615
لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَّا إذَا زَادَ وَكُلَّمَا عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلٌ (إلَّا إذَا زَادَ إنْ شِئْتَ) فَيَتَقَيَّدُ بِهِ (وَلَا يَرْجِعُ) لِصَيْرُورَتِهِ تَمْلِيكًا فِي الْخَانِيَّةِ.
طَلَّقَهَا إنْ شَاءَتْ لَمْ يَصِرْ وَكِيلًا مَا لَمْ تَشَأْ، فَإِنْ شَاءَتْ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا طَلَّقَهَا فِي مَجْلِسِهِ لَا غَيْرُ وَالْوُكَلَاءُ عَنْهُ غَافِلُونَ.
(قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا) أَوْ اثْنَتَيْنِ (وَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً وَقَعَتْ) لِأَنَّهَا بَعْضُ مَا فَوَّضَهُ،
ــ
[رد المحتار]
إلَى الْأَمْرِ بِالتَّطْلِيقِ: أَيْ قَالَ لَهُ طَلِّقْ امْرَأَتِي، قَيَّدَ بِهِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِكَ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا جَعَلْت إلَيْك طَلَاقًا فَطَلِّقْهَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا بَحْرٌ، وَأَرَادَ بِالرَّجُلِ الْعَاقِلَ احْتِرَازًا عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ التَّوْكِيلِ مِنْ عَقْلِ الْوَكِيلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الْوِكَالَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ فِي ضِمْنِهِ تَعْلِيقٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ قَالَ لَكِ الْمَجْنُونُ أَنْتِ طَالِقٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ التَّمْلِيكُ التَّوْكِيلَ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ التَّفْوِيضِ، لَكِنْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: التَّوْكِيلُ بِالطَّلَاقِ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ (وَكِيلٍ، وَلِذَا يَقَعُ مِنْهُ حَالَ سُكْرِهِ اهـ) إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا لَا يُنَافِي اشْتِرَاطَ الْعَقْلِ لِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ ابْتِدَاءً، لَكِنَّ مُقْتَضَى التَّعْلِيقِ بِلَفْظِ الْوَكِيلِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ عَقْلِهِ لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ بِالتَّطْلِيقِ، وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ فِي ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا زَادَ وَكُلَّمَا عَزَلْتُكَ) إلَخْ أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ وَيَصِيرُ لَازِمًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا نَهْرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ عَزْلُهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الرُّجُوعِ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَمْلِكُ عَزْلَهُ، وَفِي طَرِيقَتِهِ أَقْوَالٌ. قَالَ السَّرَخْسِيُّ: يَقُولُ عَزَلْتُكَ عَنْ جَمِيعِ الْوِكَالَاتِ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْمُعَلَّقِ وَالْمُنَجَّزِ، وَقِيلَ يَقُولُ عَزَلْتُكَ كَمَا وَكَّلْتُكَ، وَقِيلَ يَقُولُ رَجَعْتُ عَنْ الْوِكَالَاتِ الْمُعَلَّقَةِ وَعَزَلْتُكَ عَنْ الْوِكَالَةِ الْمُطْلَقَةِ (قَوْلُهُ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ إلَخْ) لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ هِدَايَةٌ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ شِئْتَ لَا يَقَعُ لِأَنَّ الزَّوْجَ أَمَرَهُ بِتَطْلِيقِهَا إنْ شَاءَ وَلَمْ يُوجَدْ التَّطْلِيقُ بِقَوْلِهِ شِئْت، وَلَوْ قَالَ هِيَ طَالِقٌ إنْ شِئْتَ فَقَالَ شِئْتُ وَقَعَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ مَشِيئَتُهُ، وَلَوْ قَالَ طَلِّقْهَا فَقَالَ فَعَلْتُ وَقَعَ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ قَوْلِهِ طَلَّقْت بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ.
وَفِيهِ عَنْ كَافِي الْحَاكِمِ: لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فَطَلَّقَهَا الْوَكِيلُ ثَلَاثًا إنْ نَوَى الزَّوْجُ الثَّلَاثَ وَقَعْنَ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عِنْدَهُ وَقَالَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ (قَوْلُهُ طَلَّقَهَا فِي مَجْلِسِهِ لَا غَيْرُ) فَلَوْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ بَطَلَ التَّوْكِيلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوِكَالَةِ بِالطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى مَا فَوَّضَ إلَيْهَا مِنْ الْمَشِيئَةِ وَمَشِيئَتُهَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ فَكَذَا الْوِكَالَةُ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا فَإِنَّهُ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى، فَإِنَّ الْوُكَلَاءَ يُؤَخِّرُونَ الْإِيقَاعَ عَنْ مَشِيئَتِهَا وَلَا يَدْرُونَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْمَجْلِسِ نَهْرٌ وَهَذَا مِمَّا يُلْغَزُ بِهِ فَيُقَالُ وِكَالَةٌ تَقَيَّدَتْ بِمَجْلِسِ الْوَكِيلِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً) قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ وَلَوْ قَالَ: وَطَلَّقَتْ أَقَلَّ وَقَعَ مَا أَوْقَعَتْهُ، لَكَانَ أَوْلَى وَأَشَارَ إلَى أَنَّهَا لَوْ طَلَّقَتْ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَقَعُ بِالْأَوْلَى وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً أَوْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقَعَتْ) أَيْ رَجْعِيَّةً لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا) أَيْ الْوَاحِدَةَ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: لِأَنَّهَا لَمَّا مَلَكَتْ إيقَاعَ الثَّلَاثِ كَانَ لَهَا أَنْ تُوقِعَ مِنْهَا مَا شَاءَتْ كَالزَّوْجِ نَفْسِهِ اهـ
قَالَ الرَّمْلِيُّ: مُقْتَضَاهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَنَوَى ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ ثِنْتَيْنِ تَقَعُ ثِنْتَانِ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ أَيْضًا إيقَاعَ الثَّلَاثِ فَكَانَ لَهَا أَنْ تُوقِعَ مِنْهَا مَا شَاءَتْ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ فِيهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إيقَاعِهَا
следующие страницы →