Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
وَعَلَيْهِ، وَلَوْ غَابَ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَصِغَارٌ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى النِّكَاحِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ ثُمَّ يُفْرَضُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْمُرُهَا بِالْإِنْفَاقِ أَوْ الِاسْتِدَانَةِ لِتَرْجِعَ بَحْرٌ.
(وَ) تَجِبُ (لِمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ، وَالْفُرْقَةُ بِلَا مَعْصِيَةٍ كَخِيَارِ عِتْقٍ، وَبُلُوغٍ وَتَفْرِيقٍ بِعَدَمِ كَفَاءَةِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَالْكُسْوَةِ) إنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ،
ــ
[رد المحتار]
وَوَاطِئُ مَنْ قَدْ ظَنَّهَا زَوْجَةً إذَا ... أَتَتْهُ بِلَيْلٍ حَدُّهُ صَارَ مُهْمَلَا
وَيَحْنَثُ فِي وَاَللَّهِ لَسْت مُعِيرَ ذَا ... لِزَيْدٍ إذَا أَعْطَى لِمَنْ جَاءَ مُرْسَلَا
لِمَنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ سَاغَ تَيَمُّمٌ ... وَلَكِنْ لِيَحْتَطْ بِالْإِعَادَةِ غَاسِلَا
طَهَارَةُ زِبْلٍ فِي مَحَلِّ ضَرُورَةِ ... كَمَجْرَى مِيَاهِ الشَّامِ صِينَتْ مِنْ الْبَلَا
فَهَاكَ عَرُوسًا بِالْجَمَالِ تَسَرْبَلَتْ ... وَجَاءَتْ عُقُودُ الدُّرِّ فِي جِيدِهَا حِلَى
وَصَلَّى عَلَى خَتْمِ النَّبِيِّينَ رَبُّنَا ... وَآلٍ وَأَصْحَابٍ وَمَنْ بِالتُّقَى عَلَا
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ مِنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى النِّكَاحِ) أَيْ لَا لِيَقْضِيَ بِهِ بَلْ لِيَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّسَبِ؛ إمَّا اخْتِصَارًا، أَوْ لِأَنَّهَا حَيْثُ قَامَتْ عَلَى النِّكَاحِ تَكُونُ قَائِمَةً عَلَى النَّسَبِ ضِمْنًا لِقِيَامِ الْفِرَاشِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ) إذْ لَوْ كَانَ عَالِمًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى بَيِّنَةٍ وَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلِ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَفْرِضُ لَهُمْ) أَيْ لِلزَّوْجَةِ وَالصِّغَارِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَأْمُرُهَا بِالْإِنْفَاقِ أَوْ الِاسْتِدَانَةِ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ: ثُمَّ يَأْمُرُهَا بِالِاسْتِدَانَةِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ عَطْفُ الِاسْتِدَانَةِ بِالْوَاوِ كَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَسْتَدِنْ وَمَضَتْ مُدَّةٌ تَسْقُطُ نَفَقَةُ غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ كَمَا مَرَّ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ جَعَلَ الصَّغِيرَ كَالزَّوْجَةِ فِي عَدَمِ السُّقُوطِ بِالْمُضِيِّ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ، وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
[مَطْلَبٌ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ]
ِ (قَوْلُهُ وَتَجِبُ لِمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ) كَانَ عَلَيْهِ إبْدَالُ الْمُطَلَّقَةِ بِالْمُعْتَدَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَابِعَةٌ لِلْعِدَّةِ، وَقَيَّدَ بِالرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ كَمَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ، وَعَمَّا لَوْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا فَفِي الْبَحْرِ لَوْ تَزَوَّجَتْ مُعْتَدَّةُ الْبَائِنِ وَفَرَّقَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَى الثَّانِي لِفَسَادِ نِكَاحِهِ وَلَا عَلَى الْأَوَّلِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ لِنُشُوزِهَا. وَفِي الْمُجْتَبَى: نَفَقَةُ الْعِدَّةِ كَنَفَقَةِ النِّكَاحِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَتَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ وَتَعُودُ بِالْعَوْدِ، وَأَطْلَقَ فَشَمِلَ الْحَامِلَ وَغَيْرَهَا وَالْبَائِنَ بِثَلَاثٍ أَوْ أَقَلَّ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى فَلَهَا السُّكْنَى وَمِنْ النَّفَقَةِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ وَيَأْتِي قَرِيبًا (قَوْلُهُ وَالْفُرْقَةُ بِلَا مَعْصِيَةٍ) أَيْ مِنْ قِبَلِهَا، فَلَوْ كَاتَبَ بِمَعْصِيَتِهِمَا فَلَيْسَ لَهَا سِوَى السُّكْنَى كَمَا يَأْتِي. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفُرْقَةَ إمَّا مِنْ قِبَلِهِ أَوْ مِنْ قِبَلِهَا، فَلَوْ مِنْ قِبَلِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ لَا طَلَاقًا أَوْ فَسْخًا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ قِبَلِهَا فَإِنْ كَانَتْ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَهَا السُّكْنَى فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ. اهـ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ وَتَفْرِيقٍ بِعَدَمِ كَفَاءَةٍ) وَمِثْلُهُ عَدَمُ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا فِي الْبَالِغَةِ الَّتِي زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلِلْوَلِيِّ حَقُّ الْفَسْخِ، لَكِنَّ الْمُفْتَى بِهِ الْآنَ بُطْلَانُهُ كَالصَّغِيرَةِ الَّتِي زَوَّجَهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ غَيْرَ كُفْءٍ أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا نَفَقَةَ لِعَدَمِ الْعِدَّةِ (قَوْلُهُ النَّفَقَةُ إلَخْ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ تَجِبُ (قَوْلُهُ وَالسُّكْنَى) يَلْزَمُ أَنْ تَلْزَمَ الْمَنْزِلَ الَّذِي يَسْكُنَانِ فِيهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ (قَوْلُهُ إنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ) أَشَارَ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ مُحَمَّدٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ الْكُسْوَةَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ
стр. 1892
وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ عَلَى الْمُخْتَارِ بَزَّازِيَّةٌ؛ وَلَوْ ادَّعَتْ امْتِدَادَ الطُّهْرِ فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِانْقِضَائِهَا مَا لَمْ تَدَّعِ الْحَبَلَ فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى سَنَتَيْنِ مُنْذُ طَلَّقَهَا، فَلَوْ مَضَتَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لَا حَبَلَ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهَا، وَإِنْ شَرَطَ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ بَحْرٌ، وَلَوْ صَالَحَهَا عَنْ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ إنْ بِالْأَشْهُرِ صَحَّ، وَإِنْ بِالْحَيْضِ لَا لِلْجَهَالَةِ.
(لَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ بِأَنْوَاعِهَا (لِمُعْتَدَّةِ مَوْتٍ مُطْلَقًا) وَلَوْ حَامِلًا (إلَّا إذَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَهِيَ حَامِلٌ) مِنْ مَوْلَاهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ جَوْهَرَةٌ. -
ــ
[رد المحتار]
لَا تَطُولُ غَالِبًا فَيُسْتَغْنَى عَنْهَا، حَتَّى لَوْ احْتَاجَتْ إلَيْهَا لِطُولِ الْمُدَّةِ كَمُمْتَدَّةِ الطُّهْرِ يَجِبُ.
(قَوْلُهُ وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ إلَخْ) أَيْ إذَا مَضَتْ مُدَّةُ الْعِدَّةِ وَلَمْ تَقْبِضْهَا فَلَهَا أَخْذُهَا لَوْ مَفْرُوضَةً أَيْ أَوْ مُصْطَلَحًا عَلَيْهَا، لَكِنْ لَوْ مُسْتَدَانَةً بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا كَلَامَ، وَإِلَّا فَفِيهِ خِلَافٌ اخْتَارَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ أَيْضًا، وَأَشَارَ السَّرَخْسِيُّ إلَى أَنَّهَا تَسْقُطُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ الصَّحِيحُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إصْلَاحِ الْمُتُونِ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا وَتَصِيرُ دَيْنًا، وَهُنَا لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا إذَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ لَكِنْ فِي النَّهْرِ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُتُونِ يَشْهَدُ لِمَا اخْتَارَهُ الْحَلْوَانِيُّ. قُلْت: وَظَاهِرُ الْفَتْحِ اخْتِيَارُهُ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلَهَا النَّفَقَةُ) أَيْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا فِي عَدَمِ انْقِضَائِهَا مَعَ يَمِينِهَا وَلَهَا النَّفَقَةُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِانْقِضَائِهَا) فَإِنْ حَكَمَ بِهِ، بِأَنْ أَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِهَا بِهِ بَرِئَ مِنْهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ ح (قَوْلُهُ مَا لَمْ تَدَّعِ الْحَبَلَ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَمَا لَمْ تَدَّعِ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ وَهِيَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهَا إذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي مُدَّةٍ تَحْتَمِلُهُ ثُمَّ وَلَدَتْ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، فَكَيْفَ تَجِبُ النَّفَقَةُ؟ نَعَمْ يَثْبُتُ لَوْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ أَقَلِّهِ مِنْ حِينِ الْإِقْرَارِ وَلِأَقَلَّ مِنْ أَكْثَرِهِ مِنْ حِينِ الطَّلَاقِ لِظُهُورِ كَذِبِهَا فِي الْإِقْرَارِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى سَنَتَيْنِ. وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ: وَإِنْ ادَّعَتْ حَبَلًا إلَخْ وَلَا غُبَارَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهَا) أَيْ إذَا قَالَتْ ظَنَنْت الْحَبَلَ وَلَمْ أَحِضْ وَأَنَا مُمْتَدَّةُ الطُّهْرِ وَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ ادَّعَيْت الْحَبَلَ وَأَكْثَرُهُ سَنَتَانِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ وَتَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثًا أَوْ تَبْلُغَ سِنَّ الْيَأْسِ وَتَمْضِيَ بَعْدَهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ مُنْذُ كَذَا وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا كَمَا لَا يَخْفَى.
[فَرْعٌ] فِي الْخُلَاصَةِ: عِدَّةُ الصَّغِيرَةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إلَّا إذَا كَانَتْ مُرَاهِقَةً فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ فَرَاغُ رَحِمِهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. اهـ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَهُوَ حَسَنٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَدَّمْنَاهُ فِي الْعِدَّةِ بِأَبْسَطَ مِمَّا هُنَا (قَوْلُهُ وَإِنْ شَرَطَ إلَخْ) ذُكِرَ فِي الْبَحْرِ جَوَابًا عَنْ حَادِثَةٍ فِي زَمَانِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ بِالْحَيْضِ لَا لِلْجَهَالَةِ) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمْتَدَّ الطُّهْرُ بِهَا، كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْحَامِلَ كَذَلِكَ هَذَا. وَيَرِدُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ جَهَالَةَ الْمَصَالِحِ عَنْهُ لَا تَضُرُّ، ثُمَّ رَأَيْت الْمَقْدِسِيَّ فِي بَابِ الْخُلْعِ اعْتَرَضَ كَذَلِكَ؛ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَهَالَةُ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الثَّابِتِ فِي الذِّمَّةِ إذَا صُولِحَ عَنْهُ فَإِنَّ جَهَالَتَهُ لَا تَضُرُّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ حَامِلًا) قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَقِيلَ لِلْحَامِلِ النَّفَقَةُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ ح (قَوْلُهُ مِنْ مَوْلَاهَا) لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْجَوْهَرَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا حَبِلَتْ أَمَةٌ مِنْ سَيِّدِهَا وَاعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَمْلَ مِنْهُ لَكِنَّهَا لَمْ تَلِدْ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ. اهـ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبِعَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ صَاحِبَ الْجَوْهَرَةِ وَقَالَ إنَّهَا وَارِدَةٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُتُونِ. وَاعْتَرَضَهُ الرَّحْمَتِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ أَوْ مَنْ تَابَعَهُ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الشَّاذَّةُ لَا تُعَارِضُ الْمُتُونَ الْمَوْضُوعَةَ لِنَقْلِ الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهَا؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ وَتَصِيرُ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ نَفَقَتِهَا فِي تَرِكَتِهِ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ: إذَا أُعْتِقَتْ أُمُّ الْوَلَدِ أَوْ مَاتَ عَنْهَا مَوْلَاهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا عِدَّةُ
стр. 1893
(وَتَجِبُ السُّكْنَى) فَقَطْ (لِمُعْتَدَّةِ فُرْقَةٍ بِمَعْصِيَتِهَا) إلَّا إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ فَلَا سُكْنَى لَهَا فِي هَذِهِ الْفُرْقَةِ قُهُسْتَانِيٌّ وَكِفَايَةٌ (كَرِدَّةٍ) وَتَقْبِيلِ ابْنِهِ (لَا غَيْرُ) مِنْ طَعَامٍ وَكُسْوَةٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ السُّكْنَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَسْقُطُ بِحَالٍ، وَالنَّفَقَةَ حَقُّهَا فَتَسْقُطُ بِالْفُرْقَةِ بِمَعْصِيَتِهَا (وَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِرِدَّتِهَا بَعْدَ الْبَتِّ) أَيْ إنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ وَإِلَّا فَوَاجِبَةٌ قُهُسْتَانِيٌّ (لَا بِتَمْكِينِ ابْنِهِ) لِعَدَمِ حَبْسِهَا، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تُحْبَسْ فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَّا إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَتْ وَتَابَتْ لِسُقُوطِ الْعِدَّةِ بِاللَّحَاقِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَوْتِ بَحْرٌ، وَهُوَ مُشِيرٌ إلَى أَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِلَحَاقِهَا وَإِلَّا فَتَعُودُ نَفَقَتُهَا بِعَوْدِهَا فَلْيُحْفَظْ.
ــ
[رد المحتار]
الْوَطْءِ كَعِدَّةِ الْمَنْكُوحَةِ فَاسِدًا. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا إذَا أَعْتَقَهَا وَإِنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَبْسَ لَمْ يَثْبُتْ بِسَبَبِ النِّكَاحِ بَلْ لِتَحْصِينِ الْمَاءِ فَأَشْبَهَتْ مُعْتَدَّةَ الْفَاسِدِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَكَذَا لَوْ مَاتَ عَنْهَا لَا نَفَقَةَ فِي تَرِكَتِهِ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ وَلَوْ صَغِيرًا، فَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تَشْمَلُ الْحَامِلَ وَغَيْرَهَا، وَإِذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةُ الْمَوْتِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَوْ حَامِلًا فَكَيْفَ الْأَمَةُ الَّتِي عِدَّتُهَا عِدَّةُ وَطْءٍ لَا عِدَّةُ عَقْدٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَائِهَا (قَوْلُهُ بِمَعْصِيَتِهَا) احْتِرَازٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ؛ كَتَقْبِيلِهِ بِنْتَهَا أَوْ إيلَائِهِ أَوْ رِدَّتِهِ أَوْ إبَائِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَعَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِمَعْصِيَةٍ مِنْهُ وَلَا مِنْهَا؛ كَخِيَارِ بُلُوغٍ وَنَحْوِهِ وَوَطْءِ ابْنِ الزَّوْجِ لَهَا مُكْرَهَةً فَإِنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ لَهَا بِأَنْوَاعِهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ قُهُسْتَانِيٌّ وَكِفَايَةٌ) الْأَوْلَى قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْكِفَايَةِ. وَعِبَارَتُهُ: وَهَذَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ وَإِلَّا فَوَاجِبٌ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكِفَايَةِ. اهـ ح (قَوْلُهُ كَرِدَّةٍ وَتَقْبِيلِ ابْنِهِ) أَيْ كَرِدَّتِهَا وَتَقْبِيلِهَا ابْنَهُ (قَوْلُهُ لَا غَيْرُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى السُّكْنَى (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ) أَيْ بَيْنَ السُّكْنَى وَغَيْرِهَا. وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ شَرَطَ فِي الْخُلْعِ أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى فَلَهَا السُّكْنَى لَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقُّهَا، وَالسُّكْنَى فِي بَيْتِ الْعِدَّةِ حَقُّهَا وَحَقُّ الشَّرْعِ، وَإِسْقَاطُهَا لَا يَعْمَلُ فِي حَقِّ الشَّرْعِ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ الزَّوْجُ عَدَمَ مُؤْنَةِ السُّكْنَى وَرَضِيَتْ السُّكْنَى فِي بَيْتِهَا أَوْ فِي بَيْتٍ كَانَا يَسْكُنَانِ فِيهِ بِالْكِرَاءِ صَحَّ وَلَزِمَهَا الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ حَقِّهَا (قَوْلُهُ حَقُّ اللَّهِ) أَيْ مِنْ وَجْهٍ حَيْثُ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْقَرَارَ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ وَفِيهِ حَقُّهَا مِنْ وَجْهٍ لِوُجُوبِهِ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ (قَوْلُهُ بَعْدَ الْبَتِّ) أَيْ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ بِوَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَتَقْيِيدُ الْهِدَايَةِ بِالثَّلَاثِ اتِّفَاقِيٌّ؛ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ مُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيِّ إذَا طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِالطَّلَاقِ بَلْ بِمَعْصِيَتِهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ تُحْبَسْ فَلَهَا النَّفَقَةُ) يَعْنِي إنْ بَقِيَتْ فِي بَيْتِهِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ الْمَارَّةِ وَحِينَئِذٍ يُسْتَغْنَى عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِعِبَارَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ وَيُقَالُ بَدَلُهَا: فَإِنْ عَادَتْ إلَى بَيْتِهِ عَادَتْ النَّفَقَةُ إلَّا إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهَا ثُمَّ عَادَتْ. اهـ ح
وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّدَّةِ وَالتَّمْكِينِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَوْ لَمْ تُحْبَسْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالْمُمَكِّنَةِ، وَالْمُمَكِّنَةُ إذَا لَمْ تَلْزَمْ بَيْتَ الْعِدَّةِ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَلَيْسَ لِلرِّدَّةِ أَوْ التَّمْكِينِ دَخْلٌ فِي الْإِسْقَاطِ وَعَدَمِهِ، بَلْ إنْ وُجِدَ الِاحْتِبَاسُ فِي بَيْتِ الْعِدَّةِ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا. اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَهُوَ مُشِيرٌ إلَخْ) أَيْ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ كَالْمَوْتِ. قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِلَحَاقِهَا، وَهُوَ مَحْمَلُ مَا فِي الْجَامِعِ مِنْ عَدَمِ عَوْدِ النَّفَقَةِ بَعْدَمَا لَحِقَتْ وَعَادَتْ، وَمَحْمَلُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّهَا تَعُودُ نَفَقَتُهَا بِعَوْدِهَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يُحْكَمْ بِلَحَاقِهَا تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَتَعُودُ نَفَقَتُهَا بِعَوْدِهَا) كَالنَّاشِزَةِ إذَا عَادَتْ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، بِخِلَافِ الْمُبَانَةِ بِالرِّدَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ لَا تَعُودُ نَفَقَتُهَا لِسُقُوطِ نَفَقَتِهَا بِمَعْصِيَتِهَا وَالسَّاقِطُ لَا يَعُودُ بَحْرٌ.
стр. 1894
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ بِأَنْوَاعِهَا عَلَى الْحُرِّ (لِطِفْلِهِ) يَعُمُّ الْأُنْثَى وَالْجَمْعَ (الْفَقِيرِ) الْحُرِّ، فَإِنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى مَالِكِهِ وَالْغَنِيِّ فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ؛ فَلَوْ غَائِبًا فَعَلَى الْأَبِ ثُمَّ يَرْجِعُ إنْ أَشْهَدَ لَا إنْ نَوَى إلَّا دِيَانَةً؛ فَلَوْ كَانَا فَقِيرَيْنِ فَالْأَبُ يَكْتَسِبُ أَوْ يَتَكَفَّفُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ الْقَرِيبُ
ــ
[رد المحتار]
[مَطْلَبٌ الصَّغِيرُ وَالْمُكْتَسِبُ نَفَقَةً فِي كَسْبِهِ لَا عَلَى أَبِيهِ]
ِ (قَوْلُهُ بِأَنْوَاعِهَا) مِنْ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَالسُّكْنَى، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هُنَا أُجْرَةَ الطَّبِيبِ وَثَمَنَ الْأَدْوِيَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا عَدَمَ الْوُجُوبِ لِلزَّوْجَةِ، نَعَمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ مَرِيضًا أَوْ بِهِ زَمَانَةٌ يَحْتَاجُ إلَى الْخِدْمَةِ فَعَلَى ابْنِهِ خَادِمُهُ وَكَذَلِكَ الِابْنُ (قَوْلُهُ لِطِفْلِهِ) هُوَ الْوَلَدُ حِينَ يَسْقُطُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ إلَى أَنْ يَحْتَلِمَ، وَيُقَالُ جَارِيَةٌ، طِفْلٌ، وَطِفْلَةٌ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ. وَقِيلَ أَوَّلُ مَا يُولَدُ صَبِيٌّ ثُمَّ طِفْلٌ ح عَنْ النَّهْرِ (قَوْلُهُ يَعُمُّ الْأُنْثَى وَالْجَمْعَ) أَيْ يُطْلَقُ عَلَى الْأُنْثَى كَمَا عَلِمْته، وَعَلَى الْجَمْعِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١] فَهُوَ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ كَالْجُنُبِ وَالْفُلْكِ وَالْإِمَامِ - ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]- وَلَا يُنَافِيهِ جَمْعُهُ عَلَى أَطْفَالٍ أَيْضًا كَمَا جُمِعَ إمَامٌ عَلَى أَئِمَّةٍ أَيْضًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ الْفَقِيرِ) أَيْ إنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْكَسْبِ، فَإِنْ بَلَغَهُ كَانَ لِلْأَبِ أَنْ يُؤْجِرَهُ أَوْ يَدْفَعَهُ فِي حِرْفَةٍ لِيَكْتَسِبَ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ لَوْ كَانَ ذَكَرًا، بِخِلَافِ الْأُنْثَى كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْحَضَانَةِ عَنْ الْمُؤَيِّدِيَّةِ. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: لَوْ اسْتَغْنَتْ الْأُنْثَى بِنَحْوِ خِيَاطَةٍ وَغَزْلٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهَا فِي كَسْبِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا نَقُولُ تَجِبُ عَلَى الْأَبِ مَعَ ذَلِكَ، إلَّا إذَا كَانَ لَا يَكْفِيهَا فَتَجِبُ عَلَى الْأَبِ كِفَايَتُهَا بِدَفْعِ الْقَدْرِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا. وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ بِخِلَافِ الْأُنْثَى؛ لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ إيجَارُهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ إلْزَامِهَا بِحِرْفَةٍ تَعْلَمُهَا. اهـ أَيْ الْمَمْنُوعَ إيجَارُهَا لِلْخِدْمَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ تَسْلِيمُهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَخْلُو بِهَا وَذَا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ، وَعَلَيْهِ فَلَهُ دَفْعُهَا لِامْرَأَةٍ تُعَلِّمُهَا حِرْفَةً كَتَطْرِيزٍ وَخِيَاطَةٍ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ عَلَى مَالِكِهِ) أَيْ لَا عَلَى أَبِيهِ الْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَالْغَنِيِّ فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ) يَشْمَلُ الْعَقَارَ وَالْأَرْدِيَةَ وَالثِّيَابَ، فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى النَّفَقَةِ كَانَ لِلْأَبِ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَحْرٌ وَفَتْحٌ، لَكِنْ سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَنَّ الْفَقِيرَ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَلَوْ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ عَلَى الصَّوَابِ وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلَوْ غَائِبًا) أَيْ فَلَوْ كَانَ لِلْوَلَدِ مَالٌ لَكِنَّهُ غَائِبٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ إلَى أَنْ يُحْضِرَ مَالَهُ. وَسُئِلَ الرَّمْلِيُّ عَمَّا إذَا كَانَ لَهُ غَلَّةٌ فِي وَقْفٍ: فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الْغَائِبِ.
(قَوْلُهُ إنْ أَشْهَدَ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ، وَكَالْإِشْهَادِ الْإِنْفَاقُ بِإِذْنِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ لَا إنْ نَوَى) أَيْ لَا يَرْجِعُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ بِلَا إشْهَادٍ وَلَا إذْنِ قَاضٍ: أَيْ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ نَوَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ يَكْتَسِبُ أَوْ يَتَكَفَّفُ) قَدَّمَ الْكَسْبَ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ أَوَّلًا، إذْ لَا يَجُوزُ التَّكَفُّفُ: أَيْ طَلَبُ الْكَفَافِ بِمَسْأَلَةِ النَّاسِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الِاكْتِسَابِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ تُفْرَضُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ فَيَكْتَسِبُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ عَجَزَ لِكَوْنِهِ زَمِنًا أَوْ مُقْعَدًا يَتَكَفَّفُ النَّاسَ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ كَذَا فِي نَفَقَاتِ الْخَصَّافِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَفْرِضُهَا الْقَاضِي عَلَى الْأَبِ وَيَأْمُرُ الْمَرْأَةَ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِذَا قَدَرَ طَالَبَتْهُ بِمَا اسْتَدَانَتْ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ فَرَضَهَا عَلَيْهِ ثُمَّ امْتَنَعَ مَعَ قُدْرَتِهِ. اهـ. وَقَالَ أَيْضًا: وَإِنْ امْتَنَعَ عَنْ الْكَسْبِ حُبِسَ؛ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ. ولَا يُحْبَسُ وَالِدٌ وَإِنْ عَلَا فِي دَيْنِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ إلَّا فِي النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَ الصَّغِير (قَوْلُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ؛ وَقِيلَ نَفَقَتُهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ بَحْرٌ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ: وَتُفْرَضُ عَلَى الْمُعْسِرِ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ. وَعَلَى الْمُوسِرِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ) أَيْ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ أَوْ الِاكْتِسَابُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِنْ لَمْ يَفِ كَسْبُهُ بِحَاجَتِهِمْ أَوْ لَمْ
стр. 1895
وَرَجَعَ عَلَى الْأَبِ إذَا أَيْسَرَ ذَخِيرَةٌ. وَلَوْ خَاصَمَتْهُ الْأُمُّ فِي نَفَقَتِهِمْ فَرَضَهَا الْقَاضِي وَأَمَرَهُ بِدَفْعِهَا لِلْأُمِّ مَا لَمْ تَثْبُتْ خِيَانَتُهَا فَيَدْفَعُ لَهَا صَبَاحًا وَمَسَاءً أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَصَحَّ صُلْحُهَا عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَلَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ تَدْخُلُ تَحْتَ التَّقْدِيرِ، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ طُرِحَتْ، وَلَوْ عَلَى مَا لَا يَكْفِيهِمْ زِيدَتْ بَحْرٌ؛ وَلَوْ ضَاعَتْ رَجَعَتْ بِنَفَقَتِهِمْ دُونَ حِصَّتِهَا. وَفِي الْمُنْيَةِ: أَبٌ مُعْسِرٌ وَأُمٌّ مُوسِرَةٌ تُؤْمَرُ الْأُمُّ بِالْإِنْفَاقِ وَيَكُونُ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ الْمُوسِرِ،
ــ
[رد المحتار]
يَكْتَسِبْ لِعَدَمِ تَيَسُّرِ الْكَسْبِ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ الْقَرِيبُ إلَخْ؛ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ إنْفَاقَ الْقَرِيبِ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ عَجْزِ الْأَبِ عَنْ الْكَسْبِ؛ وَيُنَافِيهِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْهُ يَتَكَفَّفُ؛ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَتَكَفَّفُ إنْ لَمْ يُوجَدْ قَرِيبٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَنْقُولَتَيْنِ آنِفًا عَنْ الْخَصَّافِ؛ لَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ أَمَرَ الزَّوْجَةَ بِالِاسْتِدَانَةِ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ مُعْسِرَةً؛ فَلَوْ مُوسِرَةً تُنْفِقُ مِنْ مَالِهَا لِتَرْجِعَ، وَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهَا أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ.
مَطْلَبٌ. الْكَلَامُ عَلَى نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ (قَوْلُهُ وَرَجَعَ عَلَى الْأَبِ إذَا أَيْسَرَ) فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَالٌ وَالْجَدُّ أَوْ الْأُمُّ أَوْ الْخَالُ أَوْ الْعَمُّ مُوسِرٌ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الصَّغِيرِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْأَبِ إذَا أَيْسَرَ، وَكَذَا يُجْبَرُ الْأَبْعَدُ إذَا غَابَ الْأَقْرَبُ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أُمٌّ مُوسِرَةٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا؛ وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ إلَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ فِي الْأَوَّلِ. اهـ فَتْحٌ. قُلْت: وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُ الْأَبَ فِي نَفَقَةِ أَوْلَادِهِ أَحَدٌ فَلَا يُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ بِمُجَرَّدِ إعْسَارِهِ لِتَجِبَ النَّفَقَةُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ بَلْ تُجْعَلُ دَيْنًا عَلَيْهِ؛ وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ تَصْحِيحَ خِلَافِهِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إصْلَاحِ الْمُتُونِ؛ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ زَمِنًا عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَإِلَّا قُضِيَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْجَدِّ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَبِ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ عَلَى الْجَدِّ فَكَذَا نَفَقَةُ الصِّغَارِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَنَا الْآنَ فِي الْأَبِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ خَاصَمَتْهُ الْأُمُّ) أَيْ بِأَنْ شَكَتْ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ أَوْ أَنَّهُ يُقَتِّرُ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ مَا لَمْ تَثْبُتْ خِيَانَتُهَا) أَيْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّهَا لَا تُنْفِقُ أَوْ تُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ وَدَعْوَى الْخِيَانَةِ عَلَى الْأَمِينِ لَا تُسْمَعُ بِلَا حُجَّةٍ فَيَسْأَلُ الْقَاضِي جِيرَانَهَا مِمَّنْ يُدَاخِلُهَا؛ فَإِنْ أَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ الْأَبُ زَجَرَهَا، وَمَنَعَهَا عَنْ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُمْ ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ فَيَدْفَعُ لَهَا إلَخْ) هَذَا نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَقِبَ مَا مَرَّ فَقَالَ: إنْ شَاءَ الْقَاضِي دَفَعَهَا إلَى ثِقَةٍ يَدْفَعُ لَهَا صَبَاحًا وَمَسَاءً وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهَا جُمْلَةً، وَإِنْ شَاءَ أَمَرَ غَيْرَهَا لِيُنْفِقَ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ وَصَحَّ صُلْحُهَا) قِيلَ فِي وَجْهِهِ إنَّ الْأَبَ هُوَ الْعَاقِدُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَقِيلَ مِنْ جَانِبِ نَفْسِهِ وَالْأُمُّ مِنْ جَانِبِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الْحَضَانَةِ وَهِيَ لِلْأُمِّ ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ تَدْخُلُ تَحْتَ التَّقْدِيرِ) تَفْسِيرٌ لِلْيَسِيرَةِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَشَرَةً، وَإِذَا نَظَرَ النَّاسَ فَبَعْضُهُمْ يُقَدِّرُ الْكِفَايَةَ بِعَشَرَةٍ وَبَعْضُهُمْ بِتِسْعَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى خَمْسَةَ عَشْرَ أَوْ عَلَى عِشْرِينَ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ حِينَئِذٍ تُطْرَحُ عَنْ الْأَبِ. قُلْت: وَتَقَدَّمَ مَتْنًا أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ثُمَّ قَالَ لَا أُطِيقُ ذَلِكَ فَهُوَ لَازِمٌ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ سِعْرُ الطَّعَامِ إلَخْ. وَالْفَرْقُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ النَّفَقَةَ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ وَالْكِفَايَةِ، وَفِي حَقِّ الزَّوْجَةِ مُعَارَضَتُهُ عَنْ الِاحْتِبَاسِ، وَلِذَا لَوْ مَضَى الْوَقْتُ وَبَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ يَقْضِي بِأُخْرَى لَهَا لَا لَهُ وَكَذَا لَوْ ضَاعَتْ (قَوْلُهُ زِيدَتْ) أَيْ إلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ ضَاعَتْ إلَخْ) الْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا (قَوْله وَهِيَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ الْمُوسِرِ) أَيْ لَوْ كَانَ مَعَ الْأُمِّ الْمُوسِرَةِ جَدٌّ مُوسِرٌ أَيْضًا تُؤْمَرُ الْأُمُّ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهَا لِتَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ، وَلَا يُؤْمَرُ الْجَدُّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الصَّغِيرِ فَالْأُمُّ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الذَّخِيرَةِ.
стр. 1896
وَفِيهَا: لَا نَفَقَةَ عَلَى الْحُرِّ لِأَوْلَادِهِ مِنْ الْأَمَةِ وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِأَوْلَادِهِ وَلَوْ مِنْ حُرَّةٍ، وَعَلَى الْكَافِرِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ الْمُسْلِمِ وَسَيَجِيءُ بَحْرٌ.
(وَكَذَا) تَجِبُ (لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ) كَأُنْثَى مُطْلَقًا وَزَمِنٍ وَمَنْ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِالتَّكَسُّبِ وَطَالِبِ عِلْمٍ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالْعَيْنِيِّ. وَأَفْتَى أَبُو حَامِدٍ بِعَدَمِهَا لِطَلَبَةِ زَمَانِنَا كَمَا بَسَطَهُ فِي الْقُنْيَةِ، وَلِذَا قَيَّدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِذِي رُشْدٍ (لَا يُشَارِكُهُ) أَيْ الْأَبُ
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْأَبُ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأُمِّ وَالْجَدِّ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمَا أَثْلَاثًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى الْجَدِّ وَحْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا فَهِيَ عَلَى الْأَبِ وَتَسْتَدِينُهَا الْأُمُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ مِنْ الْجَدِّ، هَذَا عَلَى ظَاهِرِ الْمُتُونِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا يَأْتِي تَصْحِيحُهُ مِنْ أَنَّ الْمُعْسِرَ يُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا تُجْعَلُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ لِأَوْلَادِهِ مِنْ الْأَمَةِ) بَلْ نَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الزَّوْجُ حُرِّيَّتَهُمْ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمَةِ غَيْرُ الْمُكَاتَبَةِ، أَمَّا هِيَ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهَا لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهَا فِي الْكِتَابَةِ ط وَتَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ (قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ حُرَّةٍ) بَلْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لِمَوْلَاهُ فَنَفَقَةُ الْجَمِيعِ عَلَيْهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى مَوْلَى الْأُمِّ كَمَا عَلِمْت. وَنَفَقَةُ الْعَبْدِ عَلَى مَوْلَاهُ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْكَافِرِ إلَخْ) فِي الْجَوْهَرَةِ: ذِمِّيٌّ تَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَلَهَا مِنْهُ وَلَدٌ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ تَبَعًا لَهَا وَنَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ الْكَافِرِ، وَكَذَا الصَّبِيُّ إذَا ارْتَدَّ فَارْتِدَادُهُ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ. اهـ (قَوْلُهُ وَسَيَجِيءُ) يَأْتِي ذَلِكَ فِي عُمُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا نَفَقَةَ مَعَ الِاخْتِلَافِ دِينًا إلَّا لِلزَّوْجَةِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ الذِّمِّيِّينَ.
(قَوْلُهُ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ إلَخْ) فَإِذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لَهُ النَّفَقَةَ عَلَى أَبِيهِ أَجَابَهُ وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ وَلَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ ذَخِيرَةٌ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ لَهُ الْأَبُ: أَنَا أُطْعِمُك وَلَا أَدْفَعُ إلَيْك لَا يُجَابُ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي نَفَقَةِ كُلِّ مَحْرَمٍ بَحْرٌ (قَوْلُهُ كَأُنْثَى مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا زَمَانَةٌ تَمْنَعُهَا عَنْ الْكَسْبِ فَمُجَرَّدُ الْأُنُوثَةِ عَجْزٌ إلَّا إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ مَا دَامَتْ زَوْجَةً وَهَلْ إذَا نَشَزَتْ عَنْ طَاعَتِهِ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ عَلَى أَبِيهَا مَحَلُّ تَرَدُّدٍ فَتَأَمَّلْ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُؤْجِرَهَا فِي عَمَلٍ أَوْ خِدْمَةٍ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا كَسْبٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَزَمِنٍ) أَيْ مَنْ بِهِ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا مِنْ بِهِ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ الْكَسْبِ كَعَمًى وَشَلَلٍ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى اكْتِسَابِ مَا لَا يَكْفِيهِ فَعَلَى أَبِيهِ تَكْمِيلُ الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ وَمَنْ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِالتَّكَسُّبِ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ. وَاعْتَرَضَهُ الرَّحْمَتِيُّ بِأَنَّ الْكَسْبَ لِمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ فَرْضٌ فَكَيْفَ يَكُونُ عَارًا، الْأَوْلَى مَا فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ إذَا كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْكِرَامِ وَلَا يَسْتَأْجِرُهُ النَّاسُ فَهُوَ عَاجِزٌ. اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ.
(قَوْلُهُ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْقُنْيَةِ) حَاصِلُهُ أَنَّ السَّلَفَ قَالُوا بِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَى الْأَبِ، لَكِنْ أَفْتَى أَبُو حَامِدٍ بِعَدَمِهِ لِفَسَادِ أَحْوَالِ أَكْثَرِهِمْ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِهِمْ نَادِرٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلَا يُفْرَدُ بِالْحُكْمِ دَفْعًا لِحَرَجِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُصْلِحِ وَالْمُفْسِدِ. قَالَ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ: لَكِنْ بَعْدَ الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ يَعْنِي فِتْنَةَ التَّتَارِ الَّتِي ذَهَبَ بِهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ نَرَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْفِقْهِ وَالْأَدَبِ اللَّذَيْنِ هُمَا قَوَاعِدُ الدِّينِ وَأُصُولُ كَلَامِ الْعَرَبِ يَمْنَعُهُمْ الِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ عَنْ التَّحْصِيلِ وَيُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ الْعِلْمِ وَالتَّعْطِيلِ، فَكَانَ الْمُخْتَارُ الْآنَ قَوْلُ السَّلَفِ، وَهَفَوَاتُ الْبَعْضِ لَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ كَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ. اهـ مُلَخَّصًا، وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ ح: وَأَقُولُ الْحَقُّ الَّذِي تَقْبَلُهُ الطِّبَاعُ الْمُسْتَقِيمَةُ وَلَا تَنْفِرُ مِنْهُ الْأَذْوَاقُ السَّلِيمَةُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا لِذِي الرُّشْدِ لَا غَيْرِهِ، وَلَا حَرَجَ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُصْلِحِ وَالْمُفْسِدِ لِظُهُورِ مَسَالِكِ الِاسْتِقَامَةِ وَتَمْيِيزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ (قَوْلُهُ وَلِذَا إلَخْ) أَيْ لِكَوْنِهَا لَا تَجِبُ لِطَلَبَةِ زَمَانِنَا الْغَالِبِ عَلَيْهِمْ الْفَسَادُ (قَوْلُهُ لَا يُشَارِكُهُ) جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ
стр. 1897
وَلَوْ فَقِيرًا (أَحَدٌ فِي ذَلِكَ كَنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَعُرْسِهِ) بِهِ يُفْتَى مَا لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا فَيَلْحَقُ بِالْمَيِّتِ، فَتَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ بِلَا رُجُوعٍ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ إلَّا لِأُمٍّ مُوسِرَةٍ بَحْرٌ. قَالَ: وَعَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إصْلَاحِ الْمُتُونِ جَوْهَرَةٌ.
ــ
[رد المحتار]
مِنْ الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي تَجِبُ لِطِفْلِهِ الْفَقِيرِ إلَخْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ فَقِيرًا) هَذَا مُجَارَاةٌ لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْأَبَ تَبَعًا لِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي نَفَقَةِ طِفْلِهِ وَوَلَدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ (قَوْلُهُ كَنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَعُرْسِهِ) أَيْ كَمَا لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَلَا فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ (قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْفُرُوعِ، وَمُقَابِلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ أَثْلَاثًا يَعْنِي الْكَبِيرَ، أَمَّا الصَّغِيرُ فَعَلَى أَبِيهِ خَاصَّةً بِلَا خِلَافٍ: قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ لِلْأَبِ فِي الصَّغِيرِ وِلَايَةٌ وَمُؤْنَةٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ فَاخْتَصَّ بِلُزُومِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْكَبِيرُ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ فَتُشَارِكُهُ الْأُمُّ. اهـ. ط وَصَرَّحَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ بِأَنَّ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَبِأَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى فَلِذَا تَبِعَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا إلَخْ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْأَبِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ كَانَ لِلْفَقِيرِ أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَجَدٌّ مُوسِرٌ يُؤْمَرُ الْجَدُّ بِالْإِنْفَاقِ صِيَانَةً لِوَلَدِ الْوَلَدِ وَيَكُونُ دَيْنًا عَلَى وَالِدِهِمْ هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ، فَلَمْ يَجْعَلْ النَّفَقَةَ عَلَى الْجَدِّ حَالَ عُسْرَةِ الْأَبِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ. وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأَبَ الْفَقِيرَ يَلْحَقُ بِالْمَيِّتِ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ عَلَى الْجَدِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ زَمِنًا يُقْضَى بِهَا عَلَى الْجَدِّ بِلَا رُجُوعٍ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَبِ حِينَئِذٍ عَلَى الْجَدِّ فَكَذَا نَفَقَةَ الصِّغَارِ. اهـ. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا: وَلَوْ لَهُمْ أُمٌّ مُوسِرَةٌ أُمِرَتْ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ دَيْنًا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَبِ إذَا أَيْسَرَ وَهِيَ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ إلَخْ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْأَبِ الْمُعْسِرِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَنْفَقَتْ الْأُمُّ الْمُوسِرَةُ، وَإِلَّا فَالْأَبُ كَالْمَيِّتِ وَالْوُجُوبُ عَلَى غَيْرِهِ لَوْ كَانَ مَيِّتًا وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ إصْلَاحِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ أَيْ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ: إنَّ الْأَبَ لَا يُشَارِكُهُ فِي نَفَقَةِ وَلَدِهِ أَحَدٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَأَمَرَ الْقَاضِي غَيْرَهُ بِالْإِنْفَاقِ يَرْجِعُ سَوَاءٌ كَانَ أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ غَيْرَهُمَا، إذْ لَوْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ لَحَصَلَتْ الْمُشَارَكَةُ وَأَجَابَ الْمَقْدِسِيَّ بِحَمْلِ مَا فِي الْمُتُونِ عَلَى حَالَةِ الْيَسَارِ، لَكِنْ قَالَ الرَّمْلِيُّ: لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ اخْتَارَهَا أَهْلُ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهَا. اهـ. قُلْت: وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُنْفِقِ أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ غَيْرَهُمَا فِي ثُبُوتِ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَبِ، مَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ زَمِنًا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ اتِّفَاقًا وَقَدَّمْنَا عَنْ جَوَامِعِ الْفِقْهِ مَا يُؤَيِّدُ مَا فِي الْمُتُونِ، وَمِثْلُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّ نَفَقَةَ الصِّغَارِ وَالْإِنَاثِ الْمُعْسِرَاتِ عَلَى الْأَبِ لَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَا تَسْقُطُ بِفَقْرِهِ. اهـ وَكَذَا مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ لَهُمْ جَدٌّ مُوسِرٌ لَمْ تُفْرَضْ عَلَيْهِ بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا لِيَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْجَدِّ عِنْدَ وُجُودِ الْأَبِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْجَدِّ نَفَقَةُ ابْنِهِ الْمَذْكُورِ فَنَفَقَةُ أَوْلَادِهِ أَوْلَى، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْأَبُ زَمِنًا قُضِيَ بِنَفَقَتِهِمْ وَنَفَقَةِ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ. اهـ عَلَى أَنَّ مَا صَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ يَرِدُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ رُجُوعَ الْأُمِّ مَعَ أَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى أَوْلَادِهَا مِنْ الْجَدِّ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ، فَكَيْفَ يَرْجِعُ الْأَقْرَبُ دُونَ الْأَبْعَدِ؟ . وَمَسْأَلَةُ رُجُوعِ الْأُمِّ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ تُثْبِتُ رُجُوعَ غَيْرِهَا بِالْأَوْلَى، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ.
[تَنْبِيهٌ] فِي الْبَحْرِ: الْفَقِيرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ غَيْرِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالزَّوْجَةِ. اهـ وَشَمِلَ الْفُرُوعُ الْوَلَدَ الْكَبِيرَ الْعَاجِزَ وَالْأُنْثَى، وَتَقَدَّمَ آنِفًا فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ جَوْهَرَةٌ) كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ
стр. 1898
فُرُوعٌ] لَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِ وَالِدَيْهِ فَالْأُمُّ أَحَقُّ، وَلَوْ لَهُ أَبٌ وَطِفْلٌ فَالطِّفْلُ أَحَقُّ بِهِ، وَقِيلَ يَقْسِمُهَا فِيهِمَا.
وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ بَلْ وَتَزْوِيجُهُ أَوْ تَسَرِّيهِ، وَلَوْ لَهُ زَوْجَاتٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَاحِدَةٌ يَدْفَعُهَا لِلْأَبِ لِيُوَزِّعَهَا عَلَيْهِنَّ. وَفِي الْمُخْتَارِ وَالْمُلْتَقَى: وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ إنْ كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا أَوْ زَمِنًا. وَفِي وَاقِعَاتِ الْمُفْتِينَ لِقَدْرِي أَفَنْدِي: وَيُجْبَرُ الْأَبُ -
ــ
[رد المحتار]
لَمْ يَنْقُلْهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ وَلَا هُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا. وَفِي نُسْخَةِ الرَّحْمَتِيِّ: وَفِي الْجَوْهَرَةِ فُرُوعٌ إلَخْ وَهِيَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ إلَى قَوْلِهِ. وَفِي الْمُخْتَارِ ذَكَرَهَا فِي الْجَوْهَرَةِ فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرًا مُقَدَّمًا وَفُرُوعٌ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا (قَوْلُهُ فَالْأُمُّ أَحَقُّ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَبُ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الِابْنِ فِي صِغَرِهِ دُونَ الْأُمِّ، وَقِيلَ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمَا جَوْهَرَةٌ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ «عَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ أُمُّك، قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّك. قُلْت، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبَاك، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ» أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَقْسِمُهَا فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
[مَطْلَبٌ فِي نَفَقَةِ زَوْجَةِ الْأَبِ]
ِ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ) أَيْ فِي رِوَايَةٍ. وَفِي أُخْرَى إنْ كَانَ الْأَبُ مَرِيضًا أَوْ بِهِ زَمَانَةٌ يَحْتَاجُ لِلْخِدْمَةِ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ، فَإِنَّ الِابْنَ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ يُجْبَرُ الْأَبُ عَلَى نَفَقَةِ خَادِمِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ وُجُوبِ نَفَقَةِ امْرَأَةِ الْأَبِ أَوْ جَارِيَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِالْأَبِ عِلَّةٌ، وَأَنَّ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا عَنْ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ: وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ فِي نَفَقَةِ الْخَادِمِ وَأَنَّهُ إذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمَا لِخَادِمٍ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ كَمَا وَجَبَتْ نَفَقَةُ الْمَخْدُومِ فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ نَفَقَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَاغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ كَثِيرُ الْوُقُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ
قُلْت: بَقِيَ مَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ أُمَّ الِابْنِ فَهَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الِابْنِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ مُحْتَاجًا إلَيْهَا لِقَوْلِهِمْ لَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ؛ وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً وَالْأَبُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا لِيَرْجِعَ عَلَى أَبِيهِ أَوْ تُنْفِقُ هِيَ لِتَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ، وَهَذَا أَقْرَبُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بَلْ وَتَزْوِيجُهُ أَوْ تَسَرِّيهِ) ذَكَرَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ أَيْضًا عَنْ الْجَوْهَرَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ وَعَزَوْنَاهُ إلَى الزَّيْلَعِيِّ وَالدُّرَرِ وَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا هُنَا (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَاحِدَةٌ) بِالْإِضَافَةِ، فَلَوْ مُوسِرَاتٍ فَالْوَسَطُ، أَوْ مُعْسِرَاتٍ فَالدُّونُ، وَلَوْ مُخْتَلِفَاتٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَدْفَعُ نِصْفَ نَفَقَةِ الْوَسَطِ وَنِصْفَ الدُّونِ أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ لِيُوَزِّعَهَا عَلَيْهِنَّ) وَلَهُنَّ رَفْعُ أَمْرِهِنَّ لِلْقَاضِي لِيَأْمُرَهُنَّ بِاسْتِدَانَةِ الْبَاقِي مِنْ كِفَايَتِهِنَّ لِتَكُونَ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ. وَتَجِبُ الْإِدَانَةُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُخْتَارِ وَالْمُلْتَقَى إلَخْ) هَذَا خِلَافُ نَصِّ الْمَذْهَبِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ زَمِنًا) أَيْ أَوْ كَبِيرًا زَمِنًا (قَوْلُهُ لِقَدْرِي أَفَنْدِي) هُوَ مِنْ مُتَأَخِّرِي عُلَمَاءِ الرُّومِ، اسْمُهُ عَبْدُ الْقَادِرِ (قَوْلُهُ وَيُجْبَرُ الْأَبُ إلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ
стр. 1899
عَلَى نَفَقَةِ امْرَأَةِ ابْنِهِ الْغَائِبِ وَوَلَدِهَا، وَكَذَا الْأُمُّ عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ لِتَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْأَبِ، وَكَذَا الِابْنُ عَلَى نَفَقَةِ الْأُمِّ لِيَرْجِعَ عَلَى زَوْجِ أُمِّهِ، وَكَذَا الْأَخُ عَلَى نَفَقَةِ أَوْلَادِ أَخِيهِ لِيَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْأَبِ، وَكَذَا الْأَبْعَدُ إذَا غَابَ الْأَقْرَبُ انْتَهَى. .
وَفِي الْفُصُولَيْنِ مِنْ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ: أَجْنَبِيٌّ أَنْفَقَ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ فَقَالَ: أَنْفَقْت بِأَمْرِ الْمُوصِي وَأَقَرَّ بِهِ الْوَصِيُّ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِ الْوَصِيِّ بَعْدَمَا أَنْفَقَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ لَوْ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ صَغِيرًا. اهـ وَفِيهِ قَالَ أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ عَلَى
ــ
[رد المحتار]
وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِزَوْجَةِ الِابْنِ وَلَوْ صَغِيرًا فَقِيرًا، فَلَوْ كَانَ كَبِيرًا غَائِبًا بِالْأَوْلَى إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا بِمَعْنَى أَنَّ الْأَبَ يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِيَرْجِعَ بِهَا عَلَى الِابْنِ إذَا حَضَرَ، لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ زَوْجَةَ الْغَائِبِ يَفْرِضُ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا وَيَأْمُرُهَا بِالِاسْتِدَانَةِ وَأَنَّهُ تَجِبُ الْإِدَانَةُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا (قَوْلُهُ وَكَذَا الْأُمُّ إلَخْ) أَيْ إذَا غَابَ الْأَبُ وَلَمْ يَتْرُكْ نَفَقَةً تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ مَالِهَا إنْ كَانَ لَهَا مَالٌ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَقَدَّمَ الشَّارِحُ عَنْ الْبَحْرِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّهَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى النِّكَاحِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي عَالِمًا بِهِ ثُمَّ يَفْرِضُ لَهُمْ وَيَأْمُرُهَا بِالْإِنْفَاقِ وَالِاسْتِدَانَةِ لِتَرْجِعَ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَتْرُكْ مَالًا عِنْدَهُ أَوْ عَلَى مَنْ يُقِرُّ بِهِ وَبِالزَّوْجِيَّةِ وَالْوِلَادِ، وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَفْرِضُ لَهَا فِي ذَلِكَ الْمَالَ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ مَالًا فِي بَيْتِهِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ وَكَذَا الِابْنُ) أَيْ الْمُوسِرُ إذَا غَابَ زَوْجُ أُمِّهِ الْفَقِيرَةِ، هَذَا ظَاهِرُ السِّيَاقِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْغَيْبَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا وَهُوَ مُعْسِرٌ، لَكِنَّ هَذِهِ تَقَدَّمَتْ قُبَيْلَ قَوْلِهِ قَضَى بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ، وَهَذَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا غَيْرَ أَبِيهِ، فَلَوْ كَانَ أَبَاهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ؟ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ وَكَذَا الْأَخُ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَوْلَادِ أُمٌّ مُوسِرَةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأُمَّ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى أَوْلَادِهَا (قَوْلُهُ وَكَذَا الْأَبْعَدُ إذَا غَابَ الْأَقْرَبُ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، فَيَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ الْغَائِبُ ابْنًا أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوْ أَخًا وَالْحَاضِرُ الْمُوسِرُ خَالٌ أَوْ عَمٌّ أَوْ جَدٌّ، وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا هُنَا وَكَذَا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ الْغَيْبَةَ كَالْإِعْسَارِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبْعَدِ وَرُجُوعِهِ عَلَى الْأَقْرَبِ بَعْدَ حُضُورِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَبِ خَاصًّا بِالْأُمِّ خِلَافًا لِقَوْلِهِ الْمَارِّ إلَّا لِأُمٍّ مُوسِرَةٍ.
(قَوْلُهُ أَجْنَبِيٌّ أَنْفَقَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قُبَيْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَدَبِ الْقَاضِي: ادَّعَى وَصِيٌّ أَوْ قَيِّمٌ أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إذْ يَدَّعِي دَيْنًا لِنَفْسِهِ عَلَى الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ فَلَا يَصِحُّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَلَوْ ادَّعَى الْإِنْفَاقَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَالْيَتِيمِ نَفَقَةَ الْمِثْلِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ صُدِّقَ. اهـ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَوْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ وَمَالِ الْوَصِيِّ، لَكِنَّ فِيهِ إثْبَاتَ دَيْنٍ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْيَتِيمِ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِ الْوَصِيِّ، وَلَمْ أَرَ صَرِيحًا صِحَّتَهُ، نَعَمْ فِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا: أَوْ أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَمْ يُشْهِدْ، فَلَوْ كَانَ الْمُنْفِقُ أَبًا لَمْ يَرْجِعْ وَفِي الْوَصِيِّ اخْتِلَافٌ. اهـ. وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْمَهْرِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى ضَمَانِ الْوَلِيِّ الْمَهْرَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِشْهَادِ اسْتِحْسَانٌ، وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْأَبِ إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الْأَبَ يُنْفِقُ تَبَرُّعًا وَمَرَّ تَمَامُ الْكَلَامِ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا آخِرَ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
مَطْلَبٌ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْإِنْفَاقِ وَنَحْوِهِ هَلْ يَرْجِعُ (قَوْلُهُ وَفِيهِ إلَخْ) أَقُولُ: فِي الْخَانِيَّةِ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا أَمَرَ صَيْرَفِيًّا فِي الْمُصَارَفَةِ أَنْ يُعْطِيَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ قَضَاءً عَنْهُ أَوْ لَمْ يَقُلْ قَضَاءً عَنْهُ فَفَعَلَ يُرْجَعُ عَلَى الْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَيْرَفِيًّا لَا يُرْجَعُ إلَّا أَنْ يَقُولَ عَنِّي، وَلَوْ أَمَرَهُ بِشِرَائِهِ أَوْ بِدَفْعِ الْفِدَاءِ يُرْجَعُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى أَنْ تَرْجِعَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْفِقْ
стр. 1900
عِيَالِي أَوْ عَلَى أَوْلَادِي فَفَعَلَ، قِيلَ يَرْجِعُ بِلَا شَرْطِهِ، وَقِيلَ لَا. وَلَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ رَجَعَ بِلَا شَرْطِهِ، وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ مُطَالَبًا بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ كَجِنَايَةٍ وَمُؤَنٍ مَالِيَّةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَسِيرَ وَمَنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ لِيُصَادِرَهُ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ خَلِّصْنِي فَدَفَعَ الْمَأْمُورُ مَالًا فَخَلَّصَهُ، قِيلَ يَرْجِعُ، وَقِيلَ لَا فِي الصَّحِيحِ بِهِ يُفْتَى.
(وَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ إرْضَاعُهُ) قَضَاءً بَلْ دِيَانَةً (إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ) فَتُجْبَرُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَضَانَةِ، وَكَذَا الظِّئْرُ تُجْبَرُ عَلَى إبْقَاءِ الْإِجَارَةِ بَزَّازِيَّةٌ (وَيَسْتَأْجِرُ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ لَهَا وَالنَّفَقَةَ عَلَيْهِ؛ وَلَا يَلْزَمُ الظِّئْرَ الْمُكْثُ
ــ
[رد المحتار]
مِنْ مَالِكَ عَلَى عِيَالِي أَوْ فِي بِنَاءِ دَارِي يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ اقْضِ دَيْنِي يَرْجِعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قَضَى نَائِبَةَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الرُّجُوعَ هُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. قُلْت: وَالْمُرَادُ بِالصَّيْرَفِيِّ مَنْ يَسْتَدِينُ مِنْهُ التُّجَّارُ وَيَقْبِضُ لَهُمْ فَيَرْجِعُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ لِلْعُرْفِ بِأَنَّ مَا يُؤْمَرُ بِإِعْطَائِهِ هُوَ دَيْنٌ عَلَى الْآمِرِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الصَّيْرَفِيِّ فَلَا يَرْجِعُ بِقَوْلِهِ أَعْطِ فُلَانًا كَذَا إلَّا بِشَرْطِ الرُّجُوعِ (قَوْلُهُ كَجِنَايَةٍ) الَّذِي فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ جِبَايَةٍ بِالْبَاءِ بَعْدَ الْجِيمِ لَا بِالنُّونِ، وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَجْبِيهِ السُّلْطَانُ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ قُبَيْلَ كَفَالَةِ الرَّجُلَيْنِ أَنَّهُ تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالنَّوَائِبِ وَلَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، كَجِبَايَاتِ زَمَانِنَا فَإِنَّهَا فِي الْمُطَالَبَةِ كَالدُّيُونِ بَلْ فَوْقَهَا (قَوْلُهُ وَمُؤَنٍ مَالِيَّةٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لِشُمُولِهِ مِثْلَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، لَكِنَّ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَيْضًا الْأَمْرَ بِإِنْفَاقٍ وَأَدَاءِ خَرَاجٍ وَصَدَقَاتٍ وَاجِبَةٍ لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِلَا شَرْطٍ إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ. اهـ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ عَطْفُ مُرَادِفٍ لِئَلَّا يَشْمَلَ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ (قَوْلُهُ لِيُصَادِرَهُ) أَيْ لِيَأْخُذَ مِنْهُ مَالَهُ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا فِي الصَّحِيحِ) سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ تَصْحِيحَ الْأَوَّلِ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخَانِيَّةِ مِنْ تَصْحِيحِ الرُّجُوعِ بِلَا شَرْطٍ فِي النَّائِبَةِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّائِبَةَ تَشْمَلُ مَسْأَلَةَ الْأَسِيرِ وَالْمُصَادَرَةِ وَقَاضِي خَانْ مِنْ أَجَلِّ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَى تَصْحِيحِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْبُيُوعِ.
[مَطْلَبٌ فِي إرْضَاعِ الصَّغِيرِ]
ِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ) أَيْ الَّتِي فِي نِكَاحِ الْأَبِ أَوْ الْمُطَلَّقَةِ ط (قَوْلُهُ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ أَوْ كَانَ الْوَلَدُ لَا يَأْخُذُ ثَدْيَ غَيْرِهَا، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خَانِيَّةٌ وَمُجْتَبًى، وَهُوَ الْأَصْوَبُ فَتْحٌ. وَظَاهِرُ الْكَنْزِ أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِتَغَذِّيهِ بِالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ: إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ فِي الْهِدَايَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. وَفِيهِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَلَا لِلْوَلَدِ مَالٌ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى إرْضَاعِهِ عِنْدَ الْكُلِّ. اهـ قَالَ: فَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ قُدْرَةِ الْأَبِ بِالْمَالِ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْخَصَّافِ وَزَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَتُجْعَلُ الْأُجْرَةُ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ. اهـ. قُلْت: وَمِثْلُهُ فِي الْمَجْمَعِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إجْبَارِهَا وَلُزُومِ الْأُجْرَةِ لَهَا خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي الْحَضَانَةِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ، وَمَرَّ تَمَامُهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ وَكَذَا الظِّئْرُ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ الْعُيُونِ عَنْ مُحَمَّدٍ: فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ ظِئْرَ الصَّبِيِّ شَهْرًا فَلَمَّا انْقَضَى الشَّهْرُ أَبَتْ أَنْ تُرْضِعَهُ، وَالصَّبِيُّ لَا يَقْبَلَ ثَدْيَ غَيْرِهَا، قَالَ: أُجْبِرُهَا أَنْ تُرْضِعَ.
اهـ فَالْمُرَادُ بِإِبْقَاءِ الْإِجَارَةِ اسْتِدَامَةُ حُكْمِهَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّتِهَا؛ كَمَا لَوْ مَضَتْ إجَارَةُ السَّفِينَةِ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إجَارَةٌ مُبْتَدَأَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهَا مَا إذَا تَعَيَّنَتْ لِإِرْضَاعِهِ قَبْلَ اسْتِئْجَارِهَا فَتُجْبَرُ عَلَيْهَا وَإِنْ أَمْكَنَ تَغَذِّيهِ بِالدُّهْنِ مَثَلًا، فَإِنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِضَعْفِهِ وَمَوْتِهِ، وَبِهَذَا رَجَّحُوا إجْبَارَ الْأُمِّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ عِنْدَهَا) أَيْ عِنْدَ الْأُمِّ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ فِي حُكْمِ الْأُمِّ ط (قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُ الظِّئْرَ الْمُكْثُ إلَخْ) أَيْ بَلْ لَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ
стр. 1901
عِنْدَ الْأُمِّ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْعَقْدِ (لَا) يَسْتَأْجِرُ الْأَبُ (أُمَّهُ لَوْ مَنْكُوحَةً) وَلَوْ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ خِلَافًا لِلذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى (أَوْ مُعْتَدَّةَ رَجْعِيٍّ) وَجَازَ فِي الْبَائِنِ فِي الْأَصَحِّ جَوْهَرَةٌ، كَاسْتِئْجَارِ مَنْكُوحَتِهِ لِوَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا (وَهِيَ أَحَقُّ) بِإِرْضَاعِ -
ــ
[رد المحتار]
ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهَا فِيمَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا مِنْ الزَّمَانِ أَوْ تَقُولَ أَخْرِجُوهُ فَتُرْضِعَهُ عِنْدَ فِنَاءِ الدَّارِ ثُمَّ تُدْخِلَ الصَّبِيَّ إلَى أُمِّهِ، أَوْ تَحْمِلَ الصَّبِيَّ مَعَهَا إلَى الْبَيْتِ نَهْرٌ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الظِّئْرَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهَا الْمُكْثُ عِنْدَ الْأُمِّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأُمَّ لَوْ طَلَبَتْ الْمُكْثَ عِنْدَهَا لَا يَلْزَمُ الظِّئْرَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقَّ الْأُمِّ، فَعَلَى الْأَبِ إحْضَارُ مُرْضِعَةٍ تُرْضِعُهُ وَهُوَ عِنْدَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الظِّئْرَ قَدْ تَغَيَّبَ عِنْدَ حَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى الرَّضَاعِ وَلَا يُمْكِنُ الْأُمَّ إحْضَارُهَا، وَقَدْ لَا تَرْضَى بِإِخْرَاجِ وَلَدِهَا إلَى فِنَاءِ الدَّارِ (قَوْلُهُ لَا يَسْتَأْجِرُ الْأَبُ أُمَّهُ إلَخْ) عَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْإِرْضَاعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا دِيَانَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]- فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْفَتْحِ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَعَ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْآيَةِ يَشْمَلُ مَا قَبْلَ الْعِدَّةِ وَمَا بَعْدَهَا ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَهُ عَلَيْهَا مُقَيَّدًا بِإِيجَابِ رِزْقِهَا عَلَى الْأَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]- فَفِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعِدَّةِ هُوَ قَائِمٌ بِرِزْقِهَا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُمَا فَيَقُومُ الْأَجْرُ مَقَامَهُ. اهـ قُلْت: وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ فِعْلَ الْإِرْضَاعِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا وَمُؤْنَتَهُ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ، فَفِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعِدَّةِ هُوَ قَائِمٌ بِتِلْكَ الْمُؤْنَةِ لَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَهَا وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْأُمِّ إرْضَاعُهُ - ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]- فَإِنَّ إلْزَامَهَا بِإِرْضَاعِهِ مَجَّانًا مَعَ عَجْزِهَا وَانْقِطَاعِ نَفَقَتِهَا عَنْ الْأَبِ مُضَارَّةٌ لَهَا، فَسَاغَ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى إرْضَاعِهِ قَضَاءً، وَامْتِنَاعُهَا عَنْ إرْضَاعِهِ مَعَ وُفُورِ شَفَقَتِهَا عَلَيْهِ دَلِيلُ حَاجَتِهَا وَلَا يَسْتَغْنِي الْأَبُ عَنْ إرْضَاعِهِ عِنْدَ غَيْرِهَا، فَكَوْنُهُ عِنْدَ أُمِّهِ بِالْأُجْرَةِ أَنْفَعَ لَهُ وَلَهَا إلَّا أَنْ تُوجَدَ مُتَبَرِّعَةٌ فَتَكُونَ أَوْلَى دَفْعًا لِلْمُضَارَّةِ عَنْ الْأَبِ أَيْضًا (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى) أَيْ لِصَاحِبَيْهِمَا حَيْثُ قَالَا: يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الْوَاجِبَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ وَهُمَا نَفَقَةُ النِّكَاحِ وَالْإِرْضَاعِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي عَدَمُ الْجَوَازِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْكُوحَتَهُ لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعَ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّفَقَةِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ صَلَحَ مَانِعًا لَمَا جَازَ هُنَا فَتَدَبَّرْهُ. اهـ ح.
قُلْت: غَايَةُ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ يُفِيدُ عَدَمَ تَسْلِيمِ التَّعْلِيلِ الْمَارِّ، وَأَنَّ اجْتِمَاعَ الْوَاجِبَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ لَا يَنْفِي جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُثْبِتُ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْت أَنَّ إرْضَاعَ الْوَلَدِ وَاجِبٌ عَلَى أُمِّهِ مَا دَامَ الْأَبُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ مَعَ وُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، وَفِي أَخْذِهَا الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ أَخْذٌ لِلْأُجْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ عَلَيْهَا مَعَ اسْتِغْنَائِهَا، بِخِلَافِ أَخْذِهَا عَلَى وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ إرْضَاعَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا، فَهُوَ كَأَخْذِهَا الْأُجْرَةَ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدٍ لِغَيْرِ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَعَلَى إرْضَاعِ غَيْرِهِ، وَلِذَا عَلَّلَ الثَّانِيَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا. وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَعْزِيَّا لِلْمَنْصُورِيَّةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ أَيْ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ وَأَنَّ فِي كَلَامِ الْهَدِيَّةِ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ، إذْ مِنْ عَادَتِهِ تَأْخِيرُ وَجْهِ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ، وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْقُدُورِيِّ الْمُعْتَدَّةَ. وَفِي النَّهْرِ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَهِيَ الْأَوْلَى. اهـ
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى الْمِنَحِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ كَاسْتِئْجَارِ مَنْكُوحَتِهِ إلَخْ) أَيْ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ إرْضَاعَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَهِيَ أَحَقُّ) أَيْ إذَا طَلَبَتْ الْأُجْرَةَ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْعِدَّةِ
стр. 1902
وَلَدِهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ (إذَا لَمْ تَطْلُبْ زِيَادَةً عَلَى مَا تَأْخُذُهُ الْأَجْنَبِيَّةُ) وَلَوْ دُونَ أَجْرِ الْمِثْلِ، بَلْ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُتَبَرِّعَةُ أَحَقُّ مِنْهَا زَيْلَعِيٌّ أَيْ فِي الْإِرْضَاعِ؛ أَمَّا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ فَلِلْأُمِّ كَمَا مَرَّ وَلِلرَّضِيعِ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ، وَلِلْأُمِّ أُجْرَةُ الْإِرْضَاعِ بِلَا عَقْدِ إجَارَةٍ، وَحُكْمُ الصُّلْحِ كَالِاسْتِئْجَارِ. وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ وَوَجَبَتْ النَّفَقَةُ لَا تَسْقُطُ بِمَوْتِ الزَّوْجِ
ــ
[رد المحتار]
وَإِلَّا فَهِيَ أَحَقُّ قَبْلَ الْعِدَّةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَلَوْ دُونَ أَجْرِ الْمِثْلِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَأْخُذُهُ الْأَجْنَبِيَّةُ دُونَ أَجْرِ الْمِثْلِ وَطَلَبَتْ الْأُمُّ أَجْرَ الْمِثْلِ فَالْأَجْنَبِيَّةُ أَوْلَى ط (قَوْلُهُ أَحَقُّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأُمِّ حَيْثُ طَلَبَتْ شَيْئًا، وَلَمْ يُقَيِّدُوا هُنَا بِكَوْنِ الْأَبِ مُعْسِرًا كَمَا فِي الْحَضَانَةِ ط (قَوْلُهُ أَمَّا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ الْحَضَانَةَ تَبْقَى لِلْأُمِّ فَتُرْضِعُهُ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُتَبَرِّعَةُ بِالْإِرْضَاعِ عِنْدَ الْأُمِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ، وَنَحْوِهِ مَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ، وَأَنَّ لِلْأُمِّ أَخْذَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ عَلَى الْحَضَانَةِ وَلَا تَكُونُ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُتَبَرِّعَةُ بِهَا أَوْلَى، نَعَمْ لَوْ تَبَرَّعَتْ الْعَمَّةُ بِحَضَانَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمْنَعَ الْأُمَّ عَنْهُ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْأُمِّ إمَّا أَنْ تُمْسِكِي الْوَلَدَ بِلَا أَجْرٍ وَإِمَّا أَنْ تَدْفَعِيهِ إلَيْهَا كَمَا مَرَّ فِي الْحَضَانَةِ، وَبِهِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَضَانَةِ وَالْإِرْضَاعِ هُنَا، وَهُوَ أَنَّ انْتِقَالَ الْإِرْضَاعِ إلَى غَيْرِ الْأُمِّ لَا يَتَقَيَّدُ بِطَلَبِ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ وَلَا بِإِعْسَارِ الْأَبِ وَلَا بِكَوْنِ الْمُتَبَرِّعَةِ عَمَّةً أَوْ نَحْوَهَا مِنْ الْأَقَارِبِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي الْحَضَانَةِ.
(قَوْلُهُ وَلِلرَّضِيعِ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ) فَبِذَلِكَ صَارَ عَلَى الْأَبِ ثَلَاثُ نَفَقَاتٍ: أُجْرَةُ الرَّضَاعِ، وَأُجْرَةُ الْحَضَانَةِ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ مِنْ صَابُونٍ وَدُهْنٍ وَفُرُشٍ وَغِطَاءٍ. وَفِي الْمُجْتَبَى: وَإِذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ فَمُؤْنَةُ الرَّضَاعِ وَنَفَقَتُهُ بَعْدَ الْفِطَامِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ بَحْرٌ، وَسَكَتَ عَنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي تَحْضُنُهُ فِيهِ، وَاَلَّذِي فِي مُعِينِ الْمُفْتِي الْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى الْأَبِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ حَمَوِيٌّ عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ ط، وَفِيهِ كَلَامٌ قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَضَانَةِ (قَوْلُهُ وَلِلْأُمِّ أُجْرَةُ الْإِرْضَاعِ بِلَا عَقْدِ إجَارَةٍ) بَلْ تَسْتَحِقُّهُ بِالْإِرْضَاعِ فِي الْمُدَّةِ مُطْلَقًا كَذَا فِي الْبَحْرِ أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. وَرَدَّهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي [الرَّمْزِ شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ] بِأَنَّ الظَّاهِرَ اشْتِرَاطُ الْعَقْدِ، وَمَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ. اهـ فَافْهَمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ حُسَامِ الدِّينِ عَلَى أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ: فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَطَلَبَتْ أَجْرَ الرَّضَاعِ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَنْظُرُ الْقَاضِي بِكَمْ يَجِدُ امْرَأَةً غَيْرَهَا فَيَأْمُرُ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهَا ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] إلَخْ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ الْأُجْرَةِ حَوْلَانِ عِنْدَ الْكُلِّ حَتَّى لَا تُسْتَحَقَّ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إجْمَاعًا وَتُسْتَحَقُّ فِيهِمَا إجْمَاعًا. وَفِيهِ: لَوْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْحَوْلَيْنِ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ بَعْدَهُمَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ إلَّا عِنْدَ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ (قَوْلُهُ وَحُكْمُ الصُّلْحِ كَالِاسْتِئْجَارِ) يَعْنِي لَوْ صَالَحَتْ زَوْجَهَا عَنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ عَلَى شَيْءٍ إنْ كَانَ الصُّلْحُ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ بِوَاحِدَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ جَازَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ح عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ) أَيْ كَمَا إذَا كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ، وَوَجَبَتْ النَّفَقَةُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ مُرَادِفٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفَقَةُ الْمُرْضِعِ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي تَأْخُذُهَا مِنْ الزَّوْجِ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ، يَعْنِي أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ الْأُمُّ مِنْ الْأَبِ لِتُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِهَا بِمُقَابَلَةِ إرْضَاعِ الْوَلَدِ هُوَ أُجْرَةٌ لَا نَفَقَةٌ، فَإِذَا مَاتَ الْأَبُ لَا تَسْقُطُ هَذِهِ الْأُجْرَةُ بِمَوْتِهِ بَلْ تَجِبُ لَهَا فِي تَرِكَتِهِ وَتُشَارِكُ غُرَمَاءَهُ، فَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ أَصْحَابِ دُيُونِهِ؛ وَلَوْ كَانَ نَفَقَةً لَسَقَطَتْ كَمَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ مَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَدَانَةً بِأَمْرِ الْقَاضِي، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي حَلِّ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَأَصْلُهَا لِصَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ فِي الْبَحْرِ بِلَفْظِهَا.
стр. 1903
بَلْ تَكُونُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ لَا نَفَقَةٌ.
(وَ) تَجِبُ (عَلَى مُوسِرٍ) وَلَوْ صَغِيرًا (يَسَارَ الْفِطْرَةِ) عَلَى الْأَرْجَحِ وَرَجَّحَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْكَمَالُ إنْفَاقَ فَاضِلِ كَسْبِهِ.
ــ
[رد المحتار]
[مَطْلَبٌ فِي نَفَقَةِ الْأُصُولِ]
ِ (قَوْلُهُ وَتَجِبُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي نَفَقَةِ الْأُصُولِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ نَفَقَةِ الْفُرُوعِ (قَوْلُهُ وَلَوْ صَغِيرًا) ؛ لِأَنَّهُ كَالْكَبِيرِ فِيمَا يَجِبُ فِي مَالِهِ مِنْ حَقِّ عَبْدٍ، فَيُطَالِبُ بِهِ وَلِيَّهُ كَمَا يُطَالِبُ بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ (قَوْلُهُ يَسَارُ الْفِطْرَةِ عَلَى الْأَرْجَحِ) أَيْ بِأَنْ يَمْلِكَ مَا يَحْرُمُ بِهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَهُوَ نِصَابٌ وَلَوْ غَيْرَ تَامٍّ فَاضِلٍ عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي الْهِدَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى، وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ الْأَرْجَحُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ نِصَابُ الزَّكَاةِ وَبِهِ يُفْتَى وَاخْتَارَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَ الزَّيْلَعِيُّ) عِبَارَتَهُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِمَا يَفْضُلُ عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ شَهْرًا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغَلَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِرَفِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِمَا يَفْضُلُ عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ كُلَّ يَوْمٍ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ الْقُدْرَةُ دُونَ النِّصَابِ، وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَيَصْرِفُهَا إلَى أَقَارِبِهِ، وَهَذَا أَوْجَهُ. وَقَالُوا: الْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ. اهـ وَاَلَّذِي فِي الْفَتْحِ أَنَّ هَذَا تَوْفِيقٌ بَيْنَ رِوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ: الْأُولَى - اعْتِبَارُ فَاضِلِ نَفَقَةِ شَهْرٍ. وَالثَّانِيَةُ - فَاضِلُ كَسْبِهِ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ كَسْبُهُ دِرْهَمًا وَيَكْفِيهِ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ وَجَبَ عَلَيْهِ دَانَقَانِ لِلْقَرِيبِ. قَالَ: وَمَالَ السَّرَخْسِيُّ إلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْكَسْبِ. وَقَالَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَرْفَقُ. ثُمَّ قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ كَلَامٍ: وَإِنْ كَانَ كَسُوبًا يُعْتَبَرُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى. اهـ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ وَصَاحِبَ التُّحْفَةِ رَجَّحَا قَوْلَ مُحَمَّدٍ مُطْلَقًا وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْكَمَالُ رَجَّحَا قَوْلَهُ لَوْ كَسُوبًا، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ. وَفِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا أَنَّهُ الْأَرْفَقُ. قُلْت: وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي حَدِّ الْيَسَارِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مَرْوِيَّةٌ كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ، وَأَنَّ الثَّالِثَ تَحْتَهُ قَوْلَانِ، وَعَلَى تَوْفِيقِ الْفَتْحِ هِيَ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الثَّالِثَ لَيْسَ تَقْيِيدًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ آخَرُ فَافْهَمْ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ أَفْتَى بِهِ أَيْ بِالثَّالِثِ الْمَذْكُورِ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَوَّلِينَ وَالْأَرْجَحُ الثَّانِي. اهـ قُلْت: مَرَّ فِي رَسْمِ الْمُفْتِي أَنَّ الْأَصَحَّ التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، فَحَيْثُ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْأَوْجَهُ أَيْ الْأَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ التَّوْجِيهُ وَالِاسْتِدْلَالُ كَانَ هُوَ الْأَرْجَحُ، وَإِنْ صَرَّحَ بِالْفَتْوَى عَلَى غَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: قَالُوا الْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ بِصِيغَةِ قَالُوا لِلتَّبَرِّي، وَكَذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى أَيْ عَلَى الثَّالِثِ.
مَطْلَبٌ، صَاحِبُ الْفَتْحِ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْكَمَالُ صَاحِبُ الْفَتْحِ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ بَلْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي نِكَاحِ الرَّقِيقِ، وَقَدْ نَقَلَ كَلَامَهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ، وَكَذَا صَاحِبُ النَّهْرِ وَالْمَقْدِسِيُّ وَالشُّرُنْبُلالي وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ. وَيَكْفِي أَيْضًا مَيْلُ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ إلَيْهِ، وَقَوْلُ التُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ إنَّهُ الْأَرْفَقُ، فَحَيْثُ كَانَ هُوَ الْأَوْجَهُ وَالْأَرْفَقُ، وَاعْتَمَدَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَجَبَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْيَسَارِ فِي نَفَقَةِ الْأُصُولِ صُرِّحَ بِهِ فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَالدُّرَرِ وَالنُّقَايَةِ وَالْفَتْحِ وَالْمُلْتَقَى وَالْمَوَاهِبِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ أَيْضًا: وَلَا يُجْبَرُ الْمُعْسِرُ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ إلَّا عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ. اهـ وَمِثْلُهُ فِي الِاخْتِيَارِ، وَنَحْوُهُ فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَا يَجِبُ عَلَى الِابْنِ الْفَقِيرِ نَفَقَةُ وَالِدِهِ الْفَقِيرِ حُكْمًا إلَّا إنْ كَانَ وَالِدُهُ زَمِنًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَلِلِابْنِ عِيَالٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّهُ إلَى عِيَالِهِ وَيُنْفِقَ عَلَى الْكُلِّ. وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ
стр. 1904
وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْمُخْتَارُ أَنَّ الْكَسُوبَ يُدْخِلُ أَبَوَيْهِ فِي نَفَقَتِهِ. وَفِي الْمُبْتَغَى: لِلْفَقِيرِ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ ابْنِهِ الْمُوسِرِ مَا يَكْفِيهِ إنْ أَبَى وَلَا قَاضِي ثَمَّةَ وَإِلَّا أَثِمَ (النَّفَقَةَ لِأُصُولِهِ)
ــ
[رد المحتار]
ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا،؛ لِأَنَّ طَعَامَ الْأَرْبَعَةِ إذَا فُرِّقَ عَلَى الْخَمْسَةِ لَا يَضُرُّهُمْ ضَرَرًا فَاحِشًا، بِخِلَافِ إدْخَالِ الْوَاحِدِ فِي طَعَامِ الْوَاحِدِ لِتَفَاحُشِ الضَّرَرِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: إنْ رَأَى الْقَاضِي أَنَّهُ يَفْضُلُ مِنْ قُوتِهِ شَيْءٌ أَجْبَرَهُ عَلَى النَّفَقَةِ مِنْ الْفَاضِلِ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ فَلَا شَيْءَ فِي الْحُكْمِ، لَكِنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُؤْمَرُ دِيَانَةً بِالْإِنْفَاقِ إنْ كَانَ الِابْنُ وَحْدَهُ؛ وَلَوْ لَهُ عِيَالٌ أُجْبِرَ عَلَى ضَمِّ أَبِيهِ مَعَهُمْ كَيْ لَا يَضِيعَ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا عَلَى حِدَةٍ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي نَفَقَةِ الْأُصُولِ الْيَسَارُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَارِّ فِي تَفْسِيرِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْأَصْلُ زَمِنًا لَا كَسْبَ لَهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ سِوَى قُدْرَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْكَسْبِ. فَإِنْ كَانَ لِكَسْبِهِ فَضْلٌ أُجْبِرَ عَلَى إنْفَاقِ الْفَاضِلِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ وَحْدَهُ أُمِرَ دِيَانَةً بِضَمِّ الْأَصْلِ إلَيْهِ، وَلَوْ لَهُ عِيَالٌ يُجْبَرُ فِي الْحُكْمِ عَلَى ضَمِّهِ إلَيْهِمْ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأُمَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ الزَّمِنِ؛ لِأَنَّ الْأُنُوثَةَ بِمُجَرَّدِهَا عَجْزٌ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ، لَكِنْ صَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَفَقَةِ الْأُصُولِ يَسَارُ الْوَلَدِ بَلْ قُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ، وَعَزَاهُ فِي الْمُجْتَبَى إلَى الْخَصَّافِ: وَقَدْ أَكْثَرْنَا لَك مِنْ النَّقْلِ بِخِلَافِهِ لِتَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْأَبُ زَمِنًا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْكَسْبِ وَإِلَّا اُشْتُرِطَ يَسَارُ الْوَلَدِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَارِّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَعَلَى مَا إذَا كَانَ لِلْوَلَدِ عِيَالٌ، فَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ فَلَا يُدْخِلُ أَبَاهُ فِي نَفَقَتِهِ بَلْ يُؤْمَرُ بِهِ دِيَانَةً، وَالْأُمُّ كَالْأَبِ الزَّمِنِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَعْلُومٌ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فَافْهَمْ. وَعِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ هَكَذَا: وَفِي الْأَقْضِيَةِ الْفَقْرُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: فَقِيرٌ لَا مَالَ لَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُدْخِلُ الْأَبَوَيْنِ فِي نَفَقَتِهِ. الثَّانِي - فَقِيرٌ لَا مَالَ لَهُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ غَيْرِهِ. الثَّالِثُ - أَنْ يَفْضُلَ كَسْبُهُ عَنْ قُوتِهِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الْبِنْتِ الْكَبِيرَةِ وَالْأَبَوَيْنِ وَالْأَجْدَادِ، وَفِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ كَالْعَمِّ يُشْتَرَطُ النِّصَابُ إلَخْ. قُلْت: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ الْخَصَّافِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْيَسَارِ فِي نَفَقَةِ الْأُصُولِ، بَلْ قُدْرَةُ الْكَسْبِ كَافِيَةٌ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ وَفِي الْمُبْتَغَى إلَخْ) سَيَأْتِي قَرِيبًا لَوْ أَنْفَقَ الْأَبَوَانِ مَا عِنْدَهُمَا لِلْغَائِبِ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ لَا يَضْمَنَانِ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، حَتَّى لَوْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ أَخْذُهُ وَلِذَا فُرِضَتْ فِي مَالِ الْغَائِبِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ، وَنَحْوُهُ فِي الْمِنَحِ وَالزَّيْلَعِيِّ.
وَفِي زَكَاةِ الْجَوْهَرَةِ: الدَّائِنُ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ لَهُ أَخْذُهُ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضًا. وَفِي الْفَتْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُحَلِّفُهَا بِاَللَّهِ مَا أَعْطَاهَا النَّفَقَةَ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ الْقَضَاءُ بِالدَّفْعِ كَانَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ مِنْ مَالِهِ شَرْعًا. اهـ فَقَوْلُ الْمُبْتَغَى وَلَا قَاضِيَ ثَمَّةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ النَّفَقَةِ كَالْعُرُوضِ. أَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فَهِيَ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ فَلَا حَاجَةَ فِيهَا إلَى الْقَاضِي، وَتَمَامُهُ فِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَتِيِّ. وَقَدْ أَطَالَ وَأَطَابَ.
(قَوْلُهُ النَّفَقَةَ) أَشَارَ إلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا وَجَبَ لِلْمَرْأَةِ وَجَبَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَكُسْوَةٍ وَسُكْنَى حَتَّى الْخَادِمِ بَحْرٌ، وَقَدَّمْنَا فِي الْفُرُوعِ الْكَلَامَ عَلَى خَادِمِ الْأَبِ وَزَوْجَتِهِ (قَوْلُهُ لِأُصُولِهِ) إلَّا الْأُمَّ الْمُتَزَوِّجَةَ فَإِنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الزَّوْجِ كَالْبِنْتِ الْمُرَاهِقَةِ إذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا. وَقَدَّمْنَا أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّ الِابْنَ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُقْرِضَهَا ثُمَّ يَرْجِعَ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ الْمُعْسِرَ كَالْمَيِّتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ بَحْرٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُمَّ إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا لَا عَلَى ابْنِهَا. وَهَذَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ أَبِيهِ كَمَا
стр. 1905
وَلَوْ أَبَ أُمِّهِ ذَخِيرَةٌ (الْفُقَرَاءِ) وَلَوْ قَادِرِينَ عَلَى الْكَسْبِ وَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الْيَسَارِ وَالْبَيِّنَةُ لِمُدَّعِيهِ (بِالسَّوِيَّةِ) بَيْنَ الِابْنِ وَالْبِنْتِ، وَقِيلَ كَالْإِرْثِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. (وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُرْبُ وَالْجُزْئِيَّةُ) فَلَوْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ أَوْ بِنْتُ بِنْتٍ وَأَخٌ
ــ
[رد المحتار]
صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَبَاهُ تَجِبُ نَفَقَتُهُ وَنَفَقَتُهَا عَلَى الِابْنِ، لَكِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ مُعْسِرَةً أَيْضًا؛ أَمَّا لَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى ابْنِهَا بَلْ عَلَى زَوْجِهَا، وَهَلْ يُؤْمَرُ الِابْنُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِيَرْجِعَ عَلَى أَبِيهِ؟ لَمْ أَرَهُ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْأَبُ مُحْتَاجًا إلَيْهَا فَقَدْ مَرَّ أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ حِينَئِذٍ عَلَى ابْنِهِ وَهَذَا يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَبَ أُمِّهِ) شَمِلَ التَّعْمِيمُ الْجَدَّةَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ، وَكَذَا الْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَعِبَارَةُ الْكَنْزِ: وَلِأَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ (قَوْلُهُ الْفُقَرَاءِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْمُوسِرِ إلَّا الزَّوْجَةَ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَادِرَيْنِ عَلَى الْكَسْبِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، فَالْمُعْتَبَرُ فِي إيجَابِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ مُجَرَّدُ الْفَقْرِ، قِيلَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فَتْحٌ، ثُمَّ أَيَّدَهُ بِكَلَامِ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ، وَقَالَ وَهَذَا جَوَابُ الرِّوَايَةِ. اهـ وَالْجَدُّ كَالْأَبِ بَدَائِعُ، فَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الِابْنِ وَالْأَبِ كَسُوبًا يَجِبُ أَنْ يَكْتَسِبَ الِابْنُ وَيُنْفِقَ عَلَى الْأَبِ بَحْرٌ عَنْ الْفَتْحِ: أَيْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ فَاضِلِ كَسْبِهِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ إلَخْ) أَيْ لَوْ ادَّعَى الْوَلَدُ غِنَى الْأَبِ وَأَنْكَرَهُ الْأَبُ فَالْقَوْلُ لَهُ وَالْبَيِّنَةُ لِلِابْنِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ الِابْنِ وَالْبِنْتِ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ هِدَايَةٌ، وَبِهِ يُفْتَى خُلَاصَةٌ، وَهُوَ الْحَقُّ فَتْحٌ؛ وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْفَقِيرِ ابْنَانِ أَحَدُهُمَا فَائِقٌ فِي الْغِنَى وَالْآخَرُ يَمْلِكُ نِصَابًا فَهِيَ عَلَيْهِمَا سَوِيَّةً خَانِيَّةٌ، وَعَزَاهُ فِي الذَّخِيرَةِ إلَى مَبْسُوطِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ قَالَ مَشَايِخُنَا: هَذَا لَوْ تَفَاوَتَا فِي الْيَسَارِ تَفَاوُتًا يَسِيرًا، فَلَوْ فَاحِشًا يَجِبُ التَّفَاوُتُ فِيهَا بَحْرٌ.
قُلْت: بَقِيَ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَسُوبًا فَقَطْ، وَقُلْنَا بِمَا رَجَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْكَمَالُ مِنْ إعْطَاءِ فَاضِلِ كَسْبِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ هُنَا أَيْضًا أَمْ تَلْزَمُ الِابْنَ الْغَنِيَّ فَقَطْ تَأَمَّلْ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: قَضَى بِهَا عَلَيْهِمَا فَأَبَى أَحَدُهُمَا أَنْ يُعْطِيَ لِلْأَبِ مَا عَلَيْهِ يُؤْمَرُ الْآخَرُ بِالْكُلِّ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى أَخِيهِ بِحِصَّتِهِ. اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ الْأَخْذُ مِنْهُ لِغَيْبَتِهِ أَوْ عُتُوِّهِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُؤْمَرُ الْآخَرُ بِمُجَرَّدِ الْإِبَاءِ كَمَا أَفَادَهُ الْمَقْدِسِيَّ. (قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُرْبُ وَالْجُزْئِيَّةُ لَا الْإِرْثُ) أَيْ الْأَصْلُ فِي نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ الْقُرْبُ بَعْدَ الْجُزْئِيَّةِ دُونَ الْمِيرَاثِ كَذَا فِي الْفَتْحِ: أَيْ تُعْتَبَرُ أَوَّلًا الْجُزْئِيَّةُ: أَيْ جِهَةُ الْوِلَادِ أُصُولًا أَوْ فُرُوعًا، وَتُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الرَّحِمِ، ثُمَّ يُقَدَّمُ فِيهَا الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْإِرْثِ، فَلَوْ لَهُ أَخٌ شَقِيقٌ وَبِنْتُ بِنْتٍ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا فَقَطْ لِلْجُزْئِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الْأَخُ، وَلَوْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ فَعَلَى الْبِنْتِ لِقُرْبِهَا فِي الْجُزْئِيَّةِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الْإِرْثِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. قُلْت: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: لَوْ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ لِأَبٍ فَعَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا اعْتِبَارًا لِلْإِرْثِ مَعَ أَنَّ الْأُمَّ أَقْرَبُ فِي الْجُزْئِيَّةِ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ لَوْ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ لِأَبٍ وَأَخٌ شَقِيقٌ فَعَلَى الْجَدِّ عِنْدَ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّ الْأُمَّ أَقْرَبُ أَيْضًا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ.
مَطْلَبٌ ضَابِطٌ فِي حَصْرِ أَحْكَامِ نَفَقَةِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ هَذَا الْبَابِ، مِمَّا تَحَيَّرَ فِيهَا أُولُو الْأَلْبَابِ، لِمَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا مِنْ الِاضْطِرَابِ، وَكَثِيرًا مَا رَأَيْت مَنْ ضَلَّ فِيهَا عَنْ الصَّوَابِ، حَيْثُ لَمْ يَذْكُرُوا لَهَا ضَابِطًا نَافِعًا وَلَا أَصْلًا جَامِعًا، حَتَّى وَفَّقَنِي اللَّهُ تَعَالَى إلَى جَمْعِ رِسَالَةٍ فِيهَا سَمَّيْتهَا [تَحْرِيرُ النُّقُولِ فِي نَفَقَاتِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ] أَعَانَنِي فِيهَا الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ،
стр. 1906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[رد المحتار]
وَلَمْ يَحُمْ أَحَدٌ قَبْلِي عَلَيْهِ، بِاخْتِرَاعِ ضَابِطٍ كُلِّيٍّ مَبْنِيٍّ عَلَى تَقْسِيمٍ عَقْلِيٍّ، مَأْخُوذٍ مِنْ كَلَامِهِمْ تَصْرِيحًا أَوْ تَلْوِيحًا، جَامِعٍ لِفُرُوعِهِمْ جَمْعًا صَحِيحًا، بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ عَنْهُ شَاذَّةٌ، وَلَا يُغَادِرُ مِنْهَا فَاذَّةً. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودُ مِنْ قَرَابَةِ الْوِلَادِ شَخْصًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ. وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ؛ وَهُوَ أَنَّهُ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ. وَالثَّانِي لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونُوا فُرُوعًا فَقَطْ أَوْ فُرُوعًا وَحَوَاشِيَ، أَوْ فُرُوعًا وَأُصُولًا؛ أَوْ فُرُوعًا وَأُصُولًا وَحَوَاشِيَ، أَوْ أُصُولًا فَقَطْ أَوْ أُصُولًا وَحَوَاشِي، فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ.
وَبَقِيَ قِسْمٌ سَابِعٌ تَتِمَّةُ الْأَقْسَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَهُوَ الْحَوَاشِي فَقَطْ نَذْكُرُهُ تَتْمِيمًا لِلْأَقْسَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرَابَةِ الْوِلَادَةِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْفُرُوعُ فَقَطْ: وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْقُرْبُ وَالْجُزْئِيَّةُ: أَيْ الْقُرْبُ بَعْدَ الْجُزْئِيَّةِ دُونَ الْمِيرَاثِ كَمَا عَلِمْت، فَفِي وَلَدَيْنِ لِمُسْلِمٍ فَقِيرٍ وَلَوْ أَحَدُهُمَا نَصْرَانِيًّا أَوْ أُنْثَى تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِمَا سَوِيَّةً ذَخِيرَةٌ لِلتَّسَاوِي فِي الْقُرْبِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِرْثِ، وَفِي ابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ عَلَى الِابْنِ فَقَطْ لِقُرْبِهِ بَدَائِعُ، وَكَذَا تَجِبُ فِي بِنْتٍ وَابْنِ ابْنٍ عَلَى الْبِنْتِ فَقَطْ لِقُرْبِهَا ذَخِيرَةٌ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِابْنِ ابْنٍ عَلَى بِنْتِ بِنْتٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِثُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْبِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَلِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْإِرْثِ فِي الْفُرُوعِ، وَإِلَّا لَوَجَبَتْ أَثْلَاثًا فِي ابْنٍ وَبِنْتٍ وَلَمَا لَزِمَ الِابْنَ النَّصْرَانِيَّ مَعَ الِابْنِ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ؛ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الرَّمْلِيِّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ: إنَّهَا عَلَى ابْنِ الِابْنِ لِرُجْحَانِهِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْفُرُوعُ مَعَ الْحَوَاشِي. وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَيْضًا الْقُرْبُ وَالْجُزْئِيَّةُ دُونَ الْإِرْثِ، فَفِي بِنْتٍ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ عَلَى الْبِنْتِ فَقَطْ وَإِنْ وَرِثَتَا بَدَائِعُ وَذَخِيرَةٌ وَتَسْقُطُ الْأُخْتُ لِتَقْدِيمِ الْجُزْئِيَّةِ. وَفِي ابْنٍ نَصْرَانِيٍّ وَأَخٍ مُسْلِمٍ عَلَى الِابْنِ فَقَطْ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الْأَخُ ذَخِيرَةٌ: أَيْ لِاخْتِصَاصِ الِابْنِ بِالْقُرْبِ وَالْجُزْئِيَّةِ. وَفِي وَلَدِ بِنْتٍ وَأَخٍ شَقِيقٍ عَلَى وَلَدِ الْبِنْتِ وَإِنْ لَمْ يَرِثْ ذَخِيرَةٌ: أَيْ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْجُزْئِيَّةِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ لِإِدْلَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَاسِطَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَوَاشِي هُنَا مَنْ لَيْسَ مِنْ عَمُودِ النَّسَبِ: أَيْ لَيْسَ أَصْلًا وَلَا فَرْعًا: فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ لَهُ بِنْتٌ وَمَوْلَى عَتَاقَةٍ فَعَلَى الْبِنْتِ فَقَطْ وَإِنْ وَرِثَا أَيْ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْجُزْئِيَّةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْفُرُوعُ مَعَ الْأُصُولِ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَقْرَبُ جُزْئِيَّةً: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ اُعْتُبِرَ التَّرْجِيحُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ اُعْتُبِرَ الْإِرْثُ، فَفِي أَبٍ وَابْنٍ تَجِبُ عَلَى الِابْنِ لِتَرَجُّحِهِ بِ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» ذَخِيرَةٌ وَبَدَائِعُ، أَيْ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي قُرْبِ الْجُزْئِيَّةِ، وَمِثْلُهُ أُمٌّ وَابْنٌ لِقَوْلِ الْمُتُونِ وَلَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: لِأَنَّ لَهُمَا تَأْوِيلًا فِي مَالِ الْوَلَدِ بِالنَّصِّ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِمَا. اهـ فَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالْأَبِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ بَلْ الْأُمُّ كَذَلِكَ. وَفِي جَدٍّ وَابْنِ ابْنٍ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ أَسْدَاسًا لِلتَّسَاوِي فِي الْقُرْبِ، وَكَذَا فِي الْإِرْثِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بَدَائِعُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَهُ أَبٌ وَابْنُ ابْنٍ أَوْ بِنْتُ بِنْتٍ فَعَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ فِي الْجُزْئِيَّةِ فَانْتَفَى التَّسَاوِي وَوُجِدَ الْقُرْبُ الْمُرَجِّحُ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَصْلِ الْمَارِّ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَالْبَدَائِعِ؛ وَكَذَا تَحْتَ قَوْلِ الْمُتُونِ لَا يُشَارِكُ الْأَبَ فِي نَفَقَةِ وَلَدِهِ أَحَدٌ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْفُرُوعُ مَعَ الْأُصُولِ وَالْحَوَاشِي، وَحُكْمُهُ كَالثَّالِثِ. لِمَا عَلِمْت مِنْ سُقُوطِ الْحَوَاشِي بِالْفُرُوعِ لِتَرَجُّحِهِمْ بِالْقُرْبِ وَالْجُزْئِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سِوَى الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ بِعَيْنِهِ. الْقِسْمُ الْخَامِسُ: الْأُصُولُ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَبٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ فَقَطْ لِقَوْلِ الْمُتُونِ لَا يُشَارِكُ الْأَبَ فِي نَفَقَةِ
стр. 1907
النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ أَوْ بِنْتِهَا؛ لِأَنَّهُ (لَا) يُعْتَبَرُ (الْإِرْثُ) إلَّا إذَا اسْتَوَيَا كَجَدٍّ وَابْنِ ابْنٍ فَكَإِرْثِهِمَا إلَّا لِمُرَجِّحٍ -
ــ
[رد المحتار]
وَلَدِهِ أَحَدٌ، وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ وَارِثًا وَبَعْضُهُمْ غَيْرَ وَارِثٍ أَوْ كُلُّهُمْ وَارِثِينَ؛ فَفِي الْأَوَّلِ يُعْتَبَرُ الْأَقْرَبُ جُزْئِيَّةً، لِمَا فِي الْقُنْيَةِ: لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ لِأُمٍّ فَعَلَى الْأُمِّ أَيْ لِقُرْبِهَا؛ وَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ أُمَّ الْأَبِ كَأَبِي الْأُمِّ. وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ: إذَا اجْتَمَعَ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ فَعَلَى الْأَقْرَبِ وَلَوْ لَمْ يُدْلِ بِهِ الْآخَرُ. اهـ فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْقُرْبِ فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ تَرَجُّحُ الْوَارِثِ، بَلْ هُوَ صَرِيحُ قَوْلِ الْبَدَائِعِ فِي قَرَابَةِ الْوِلَادَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّرْجِيحُ اُعْتُبِرَ الْإِرْثُ. اهـ وَعَلَيْهِ فَفِي جَدٍّ لِأُمٍّ وَجَدٍّ لِأَبٍ تَجِبُ عَلَى الْجَدِّ لِأَبٍ فَقَطْ اعْتِبَارًا لِلْإِرْثِ، وَفِي الثَّانِي أَعْنِي لَوْ كَانَ كُلُّ الْأُصُولِ وَارِثِينَ فَكَالْإِرْثِ. فَفِي أُمٍّ وَجَدٍّ لِأَبٍ تَجِبُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خَانِيَّةٌ وَغَيْرُهَا. الْقِسْمُ السَّادِسُ: الْأُصُولُ مَعَ الْحَوَاشِي، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ غَيْرَ وَارِثٍ اُعْتُبِرَ الْأُصُولُ وَحْدَهُمْ تَرْجِيحًا لِلْجُزْئِيَّةِ وَلَا مُشَارَكَةَ فِي الْإِرْثِ حَتَّى يُعْتَبَرَ فَيُقَدَّمَ الْأَصْلُ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْوَارِثُ أَوْ كَانَ الْوَارِثُ الصِّنْفَ الْآخَرَ، مِثَالُ الْأَوَّلِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ لَهُ جَدٌّ لِأَبٍ وَأَخٌ شَقِيقٌ فَعَلَى الْجَدِّ. اهـ
وَمِثَالُ الثَّانِي مَا فِي الْقُنْيَةِ: لَوْ لَهُ جَدٌّ لِأُمٍّ وَعَمٌّ فَعَلَى الْجَدِّ. اهـ. أَيْ لِتَرَجُّحِهِ فِي الْمِثَالَيْنِ بِالْجُزْئِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَارِثُ فِي الْأَوَّلِ، وَالْوَارِثُ هُوَ الْعَمُّ فِي الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ أَعْنِي الْأُصُولَ وَالْحَوَاشِيَ وَارِثًا اُعْتُبِرَ الْإِرْثُ. فَفِي أُمٍّ وَأَخٍ عَصَبِيٍّ أَوْ ابْنِ أَخٍ كَذَلِكَ أَوْ عَمٍّ كَذَلِكَ، عَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ وَعَلَى الْعَصَبَةِ الثُّلُثَانِ بَدَائِعُ. ثُمَّ إذَا تَعَدَّدَ الْأُصُولُ فِي هَذَا الْقِسْمِ بِنَوْعَيْهِ نَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَنَعْتَبِرُ فِيهِمْ مَا اُعْتُبِرَ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ. مَثَلًا: لَوْ وُجِدَ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ الْمَارِّ عَنْ الْخَانِيَّةِ: جَدٌّ لِأُمٍّ مَعَ الْجَدِّ لِأَبٍ نُقَدِّمُ عَلَيْهِ الْجَدَّ لِأَبٍ لِتَرَجُّحِهِ بِالْإِرْثِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْجُزْئِيَّةِ. وَلَوْ وُجِدَ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي الْمَارِّ عَنْ الْقُنْيَةِ أُمٌّ مَعَ الْجَدِّ لِأُمٍّ نُقَدِّمُهَا عَلَيْهِ لِتَرَجُّحِهَا بِالْإِرْثِ وَبِالْقُرْبِ، وَبِهَذَا يَسْقُطُ الْإِشْكَالُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ عَنْ الْقُنْيَةِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي الْأَمْثِلَةِ الْأَخِيرَةِ مَعَ الْأُمِّ جَدٌّ لِأُمٍّ نُقَدِّمُهَا عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ وُجِدَ مَعَهَا جَدٌّ لِأَبٍ بِأَنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ أُمٌّ وَجَدٌّ لِأَبٍ وَأَخٌ عَصَبِيٌّ أَوْ ابْنُ أَخٍ أَوْ عَمٍّ كَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ وَحْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَدَّ يَحْجُبُ الْأَخَ وَابْنَهُ وَالْعَمَّ لِتَنْزِيلِهِ حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ الْأَبِ، وَحَيْثُ تَحَقَّقَ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ الْأَبِ صَارَ كَمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ مَوْجُودًا حَقِيقَةً، وَإِذَا كَانَ الْأَبُ مَوْجُودًا حَقِيقَةً لَا تُشَارِكُهُ الْأُمُّ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ فَكَذَا إذَا كَانَ مَوْجُودًا حُكْمًا فَتَجِبُ عَلَى الْجَدِّ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لِلْفَقِيرِ أُمٌّ وَجَدٌّ لِأَبٍ فَقَطْ فَإِنَّ الْجَدَّ لَمْ يُنَزَّلْ مَنْزِلَةَ الْأَبِ فَلِذَا وَجَبَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا مَرَّ. الْقِسْمُ السَّابِعُ: الْحَوَاشِي فَقَطْ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِرْثُ بَعْدَ كَوْنِهِ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَتَقْدِيرُهُ وَاضِحٌ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ جَمِيعُ الْمَوْجُودِينَ مُوسِرِينَ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مُعْسِرٌ، فَتَارَةً يُنَزَّلُ الْمُعْسِرُ مَنْزِلَةَ الْمَيِّتِ وَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى غَيْرِهِ، وَتَارَةً يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْحَيِّ وَتَجِبُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ بِقَدْرِ حِصَصِهِمْ مِنْ الْإِرْثِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ أَيْضًا، فَهَذَا خُلَاصَةُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الرِّسَالَةُ النَّافِيَةُ لِلْجَهَالَةِ، فَعُضَّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، وَكُنْ لَهُ أَرْغَبُ آخِذٍ، وَإِنْ أَرَدْت الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ فَارْجِعْ إلَيْهَا وَعَوِّلْ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا فَرِيدَةٌ فِي بَابِهَا، نَافِعَةٌ لِطُلَّابِهَا، وَهِيَ مِنْ مَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَلْفُ حَمْدٍ يَتَوَالَى.
(قَوْلُهُ النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ أَوْ بِنْتِهَا) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، فَفِي الْأَوَّلِ النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ وَحْدَهَا لِلْقُرْبِ، وَفِي الثَّانِي عَلَى بِنْتِهَا لِلْجُزْئِيَّةِ وَمِثْلُهُ ابْنٌ نَصْرَانِيٌّ وَأَخٌ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الْأَخُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْإِرْثُ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ أَوْ وَالْجُزْئِيَّةِ، فَفِي هَذَا الْمِثَالِ يَجِبُ لِلْفَقِيرِ عَلَى جَدِّهِ سُدُسُ النَّفَقَةِ وَعَلَى ابْنِ ابْنِهِ بَاقِيهَا فَإِنَّ هَذَا الْفَقِيرَ لَوْ مَاتَ يَرِثَانِ مِنْهُ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ إلَّا لِمُرَجِّحٍ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ: أَيْ عِنْدَ التَّسَاوِي يُعْتَبَرُ الْإِرْثُ إلَّا إذَا تَرَجَّحَ أَحَدُ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، فَعَلَى مَنْ مَعَهُ رُجْحَانٌ فَتَجِبُ عَلَى ابْنِهِ دُونَ أَبِيهِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْبِ.
стр. 1908
كَوَالِدٍ وَوَلَدٍ (فَعَلَى وَلَدِهِ لِتَرَجُّحِهِ، ب «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» ) وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَهُ أُمٌّ وَأَبُو أَبٍ فَكَإِرْثِهِمَا. وَفِي الْقُنْيَةِ: لَهُ أُمٌّ وَأَبُو أُمٍّ فَعَلَى الْأُمِّ، وَلَوْ لَهُ عَمٌّ وَأَبُو أُمٍّ فَعَلَى أَبِي الْأُمِّ. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْبَحْرِ بِقَوْلِهِمْ: لَهُ أُمٌّ وَعَمٌّ فَكَإِرْثِهِمَا. قَالَ: وَلَوْ لَهُ أُمٌّ وَعَمٌّ وَأَبُو أُمٍّ هَلْ تَلْزَمُ الْأُمُّ فَقَطْ أَمْ كَالْإِرْثِ؟ احْتِمَالُهُ.
ــ
[رد المحتار]
وَيَرِدُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ فَإِنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ وَالْجُزْئِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْمُرَجِّحِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ لَهُ ابْنٌ نَصْرَانِيٌّ وَابْنٌ مُسْلِمٌ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمَ تَرَجَّحَ بِكَوْنِهِ هُوَ الْوَارِثُ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِمْ: وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُرْبُ وَالْجُزْئِيَّةُ لَا الْإِرْثُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ فُرُوعًا فَقَطْ أَوْ فُرُوعًا وَحَوَاشِيَ وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي مِنْ الْأَقْسَامِ السَّبْعَةِ الْمَارَّةِ. أَمَّا بَقِيَّةُ الْأَقْسَامِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْإِرْثُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَارِّ فِيهَا. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ إلَخْ الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ نَفَقَةِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْبَحْرِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْوَبُ إرْجَاعَهُ إلَى نَفَقَةِ الْأُصُولِ فَقَطْ أَيْ نَفَقَةِ الْأُصُولِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفُرُوعِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِ الْإِرْثِ عَلَى إطْلَاقِهِ خَاصٌّ بِهِمْ، لَكِنَّ الشَّارِحَ تَابَعَ صَاحِبَ الْفَتْحِ فِي إرْجَاعِهِ الضَّمِيرَ إلَى النَّوْعَيْنِ، فَلِذَا أَوْرَدَ مَسَائِلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُهَا مِنْ نَفَقَةِ الْأُصُولِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفُرُوعِ وَبَعْضُهَا مِنْ عَكْسِهِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ لِتَرَجُّحِهِ بِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك» ) أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْأَبَ يَرِثُ السُّدُسَ مِنْ وَلَدِهِ مَعَ وُجُودِ وَلَدِ الْوَالِدِ، فَلَوْ كَانَ الْكُلُّ مِلْكَهُ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ مَعَهُ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَيَنْبَغِي فِي جَدٍّ وَابْنِ ابْنٍ وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَى ابْنِ الِابْنِ لِهَذَا الْمُرَجِّحِ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهُ مُطَّرِدًا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مَعَ الْفُرُوعِ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ مَسَائِلَ: مِنْهَا أَنَّ الْجَدَّ إذَا ادَّعَى وَلَدِ أَمَةِ ابْنِ ابْنِهِ عِنْدَ فَقْدِ الِابْنِ صَحَّتْ دَعْوَاهُ وَيَتَمَلَّكُهَا بِالْقِيمَةِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْأَبِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَتَأَمَّلْ. اهـ. (قَوْلُهُ فَكَإِرْثِهِمَا) أَيْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَارِثٌ فَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا مَرَّ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ (قَوْلُهُ فَعَلَى الْأُمِّ) أَيْ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْ أَبِيهَا حَيْثُ كَانَ أَحَدُهُمَا وَارِثًا وَالْآخَرُ غَيْرَ وَارِثٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ فَعَلَى أَبِي الْأُمِّ) ؛ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّةَ تُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْإِرْثِ (قَوْلُهُ وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) أَصْلُ الْإِشْكَالِ لِصَاحِبِ الْقُنْيَةِ. وَجْهُهُ أَنَّ وُجُوبَهَا فِي أُمٍّ وَعَمٍّ كَإِرْثِهَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ، فَيَقْتَضِي جَعْلَ الْعَمِّ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا جُعِلَ أَبُو الْأُمِّ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْعَمِّ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَيْضًا عَلَى الْأُمِّ لِمُسَاوَاتِهَا لِلْعَمِّ، فَيُشْكِلُ جَعْلُ النَّفَقَةِ عَلَى الْأُمِّ فِي مَسْأَلَةِ أُمٍّ وَأَبِي أُمٍّ، بَلْ الظَّاهِرُ جَعْلُهَا عَلَى أَبِي الْأُمِّ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا، وَجَعْلُهَا عَلَى الْأُمِّ يَقْتَضِي تَقَدُّمَهَا عَلَى أَبِيهَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَقَدُّمُهَا عَلَى الْعَمِّ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تَكُونُ عَلَيْهِمَا كَإِرْثِهِمَا أَفَادَهُ ط.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَةَ مُتَنَاقِضَةٌ. وَأَقُولُ: لَا تَنَاقُضَ فِيهَا أَصْلًا، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي نَفَقَةِ الْأُصُولِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفُرُوعِ، أَمَّا فِي غَيْرِهَا مِنْ نَفَقَةِ الْفُرُوعِ وَذَوِي الرَّحِمِ فَلَهُ اعْتِبَارٌ فِيهَا عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ فِي الضَّابِطِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا ذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ تَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى أَبِيهَا لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ فِي الْجُزْئِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْإِرْثِ، وَبِذَلِكَ أَجَابَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ. وَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ تَقْدِيمِ أَبِي الْأُمِّ عَلَى الْعَمِّ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْجُزْئِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْإِرْثِ أَيْضًا. وَمَا ذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ كَوْنِهَا عَلَى قَدْرِ الْإِرْثِ لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْإِرْثِ، لِمَا قُلْنَا مِنْ اعْتِبَارِ الْمِيرَاثِ فِي غَيْرِ نَفَقَةِ الْأُصُولِ؛ فَحَيْثُ وُجِدَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي الْإِرْثِ اُعْتُبِرَ قَدْرُ الْمِيرَاثِ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ جِهَةَ التَّقْدِيمِ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ أَوْ الْمُشَارَكَةِ فِيهَا مُخْتَلِفَةٌ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ فَلَا تَنَاقُضَ فِيهَا أَصْلًا فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ قَالَ إلَخْ) أَيْ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَقَدْ نَقَلَهُ أَيْضًا عَنْ الْقُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا وَيَتَفَرَّعُ
стр. 1909
(وَ) تَجِبُ أَيْضًا (لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ صَغِيرٍ أَوْ أُنْثَى) مُطْلَقًا (وَلَوْ) كَانَتْ الْأُنْثَى (بَالِغَةً) صَحِيحَةً (أَوْ) كَانَ الذَّكَرُ (بَالِغًا) لَكِنْ (عَاجِزًا) عَنْ الْكَسْبِ (بِنَحْوِ زَمَانَةٍ)
ــ
[رد المحتار]
مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَرْعٌ أَشْكَلَ الْجَوَابُ فِيهِ. وَهُوَ مَا إذَا كَانَ لَهُ أُمٌّ وَعَمٌّ وَأَبُو أُمٍّ مُوسِرُونَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ عَلَى الْأُمِّ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ أَبَا الْأُمِّ لَمَّا كَانَ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ وَالْأُمَّ أَوْلَى مِنْ أَبِيهَا كَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ، لَكِنْ يُتْرَكُ جَوَابُ الْكِتَابِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْأُمِّ وَالْعَمِّ أَثْلَاثًا. اهـ
قُلْت: وَوَجْهُهُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا نَصَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْأُمِّ وَالْعَمِّ كَإِرْثِهِمَا أَيْ أَثْلَاثًا عُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْإِرْثُ هُنَا، فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ أَبُو الْأُمِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُشْكِلَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَبِهِ أَجَابَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا فَقَالَ: إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ فُرُوعِهِمْ أَنَّ الْأَقْرَبِيَّةَ إنَّمَا تُقَدَّمُ إذَا لَمْ يَكُونُوا وَارِثِينَ كُلُّهُمْ، فَأَمَّا إذَا كَانُوا كَذَلِكَ فَلَا كَالْأُمِّ وَالْعَمِّ وَالْجَدِّ لِقَوْلِهِمْ بِقَدْرِ الْإِرْثِ. اهـ وَبِذَلِكَ أَجَابَ أَيْضًا شَيْخُ مَشَايِخِنَا السَّائِحَانِيُّ وَفَقِيهُ عَصْرِهِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا مُنْلَا عَلِيٍّ التُّرْكُمَانِيِّ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الضَّابِطِ فِي قِسْمِ اجْتِمَاعِ الْأُصُولِ مَعَ الْحَوَاشِي، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى سُقُوطِ الْإِشْكَالِ هُنَاكَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَتَجِبُ أَيْضًا إلَخْ) شُرُوعٌ فِي نَفَقَةِ قَرَابَةِ غَيْرِ الْوِلَادِ، وُجُوبُهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا، حَتَّى لَوْ ظَفِرَ أَحَدُهُمْ بِجِنْسِ حَقِّهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَالْأَبَوَيْنِ فَإِنَّ لَهُمْ الْأَخْذَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بَلْ الْوُجُوبُ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]- وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ الْمَحْرَمِ فِيهَا اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ بِخِلَافِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْوِلَادِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْخِلَافِيَّاتِ يُعْمَلُ فِيهَا بِدُونِ الْقَضَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا قَوِيَ قَوْلُ الْمُخَالِفِ رُوعِيَ خِلَافُهُ وَاسْتُعِينَ بِالْحُكْمِ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ، فَقَدْ يَجِبُ الشَّيْءُ وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَدَيْنٍ عَلَى مُعْسِرٍ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ لَجَازَ أَخْذُ الْقَرِيبِ بِمَا ظَفِرَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ اللُّزُومِ لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ بِالِاخْتِلَافِ فِي بَابِ الْحُرْمَةِ فَنُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ خُصُوصًا فِي الْأَمْوَالِ، وَبِالْقَضَاءِ تَرْتَفِعُ الشُّبْهَةُ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ وَبَسْطُ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ وَفِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ.
مَطْلَبٌ فِي نَفَقَةِ قَرَابَةٍ غَيْرِ الْوِلَادِ مِنْ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ (قَوْلُهُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ) خَرَجَ بِالْأَوَّلِ الْأَخُ رَضَاعًا، وَبِالثَّانِي ابْنُ الْعَمِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَحْرَمِيَّةِ بِجِهَةِ الْقَرَابَةِ. فَخَرَجَ ابْنُ الْعَمِّ إذَا كَانَ أَخًا مِنْ الرَّضَاعِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَأَطْلَقَ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ فَشَمِلَ الصَّغِيرَ الْغَنِيَّ وَالصَّغِيرَةَ الْغَنِيَّةَ فَيُؤْمَرُ الْوَصِيُّ بِدَفْعِ نَفَقَةِ قَرِيبِهِمَا الْمَحْرَمِ بِشَرْطِهِ كَذَا فِي أَنْفَعْ الْوَسَائِلِ بَحْرٌ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلِكُلِّ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأُصُولِهِ أَيْ أُصُولِ الْمُوسِرِ، فَأَفَادَ اشْتِرَاطَ الْيَسَارِ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ هُنَا أَيْضًا، إذْ لَا تَجِبُ عَلَى فَقِيرٍ إلَّا لِلزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ كَمَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ. وَفِي تَفْسِيرِ الْيَسَارِ الْخِلَافُ الْمَارُّ.
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) قَيْدٌ لِلْأُنْثَى: أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ بَالِغَةً أَوْ صَغِيرَةً صَحِيحَةً أَوْ زَمِنَةً كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ إلَخْ، وَالْمُرَادُ بِالصَّحِيحَةِ، الْقَادِرَةُ عَلَى الْكَسْبِ، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ مُكْتَسِبَةً بِالْفِعْلِ كَالْقَابِلَةِ وَالْمُغَسِّلَةِ لَا نَفَقَةَ لَهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ أَوْ كَانَ الذَّكَرُ بَالِغًا) لَا يَصِحُّ دُخُولُهُ تَحْتَ الْمُبَالَغَةِ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ صَغِيرٍ، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ أَوْ بَالِغٍ عَاجِزٍ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى صَغِيرٍ (قَوْلُهُ لَكِنْ عَاجِزًا) الْأَوْلَى إسْقَاطُ لَكِنْ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِهَا يُشْتَرَطُ لَهُ تَقَدُّمُ نَفْيٍ أَوْ نَهْيٍ ط
стр. 1910
كَعَمًى وَعَتَهٍ وَفَلْجٍ، زَادَ فِي الْمُلْتَقَى وَالْمُخْتَارِ: أَوْ لَا يَحْسُنُ الْكَسْبُ لِحِرْفَةٍ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْبُيُوتَاتِ أَوْ طَالِبَ عِلْمٍ (فَقِيرًا) حَالٌ مِنْ الْمَجْمُوعِ بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَلَوْ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ
ــ
[رد المحتار]
قَوْله كَعَمًى إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّمَانَةِ الْعَاهَةُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَفِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى أَنَّ الزَّمَانَةَ تَكُونُ فِي سِتَّةٍ: الْعَمَى وَفَقْدِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ جَانِبٍ وَالْخَرَسِ وَالْفَلْجِ. اهـ.
فَإِنْ قُلْت: إنَّ مَنْ ذُكِرَ قَدْ يَكْتَسِبُ، فَالْأَعْمَى يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ بِالدُّولَابِ، وَمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ عَلَى دَوْسِ الْعِنَبِ بِرِجْلَيْهِ أَوْ الْحِرَاسَةِ، وَكَذَا الْأَخْرَسُ. قُلْنَا: إنْ اكْتَسَبَ بِذَلِكَ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْإِنْفَاقِ فَلَا وُجُوبَ وَإِلَّا فَلَا يُكَلَّفُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ تَمْنَعُ عَنْ الْكَسْبِ عَادَةً فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ (قَوْلُهُ وَعَتَهٍ) بِالتَّحْرِيكِ: نُقْصَانُ الْعَقْلِ (قَوْلُهُ لِحِرْفَةٍ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْحَاءِ وَالْفَاءِ. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْحِرْفَةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ الِاحْتِرَافِ، الِاكْتِسَابُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ هُنَا فَالصَّوَابُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ لِخَرْقِهِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ وَآخِرُهُ ضَمِيرُ الْغَيْبَةِ وَهُوَ عَدَمُ مَعْرِفَةِ عَمَلِ الْيَدِ. خَرُقَ خَرْقًا مِنْ بَابِ قَرُبَ فَهُوَ أَخْرَقُ مِصْبَاحٌ. وَفِي الِاخْتِيَارِ:؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْكَبِيرَةِ الْعَجْزُ عَنْ الْكَسْبِ حَقِيقَةً كَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَنَحْوِهِمَا، أَوْ مَعْنًى كَمَنْ بِهِ خَرَقٌ وَنَحْوُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْبُيُوتَاتِ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الشَّرَفِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الْبُيُوتَاتُ جَمْعُ بَيْتٍ، وَيَخْتَصُّ بِالْأَشْرَافِ.
وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ: وَكَذَا إذَا كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْكِرَامِ لَا يَجِدُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ وَعِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ: أَوْ يَكُونُ مِنْ أَعْيَانِ النَّاسِ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِالتَّكَسُّبِ. وَاعْتَرَضَهُ الرَّحْمَتِيُّ بِأَنَّ كَسْبَ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ، وَبِأَنَّ عَلِيًّا سَيِّدَ الْعَرَبِ كَانَ يُؤْجِرُ نَفْسَهُ لِلْيَهُودِ كُلُّ دَلْوٍ يَنْزِعُهُ مِنْ الْبِئْرِ بِتَمْرَةٍ وَالصِّدِّيقُ بَعْدَ أَنْ بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ حَمَلَ أَثْوَابًا وَقَصَدَ السُّوقَ فَرَدُّوهُ وَفُرَضَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ وَأَهْلَهُ وَقَالَ سَأَتَّجِرُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِهِمْ حَتَّى أُعَوِّضَهُمْ عَمَّا أَنْفَقْت عَلَى نَفْسِي وَعِيَالِي. اهـ وَأَيُّ فَضْلٍ لِبُيُوتٍ تَحْمِلُ أَهْلَهَا أَنْ تَكُونَ كَلًّا عَلَى النَّاسِ. اهـ مُلَخَّصًا.
قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَارًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ بَلْ يَعُدُّونَهُ فَخْرًا، بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَلْ مَنْ دُونَهُ فِي زَمَانِنَا لَوْ فَعَلَ كَذَلِكَ لَسَقَطَ مِنْ أَعْيُنِ رَعِيَّتِهِ فَضْلًا عَنْ أَعْدَائِهِ. وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّارِعُ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ فَسْخَ النِّكَاحِ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْهُ، فَحَيْثُ كَانَ الْكَسْبُ عَارًا لَهُ كَمَا لَوْ كَانَ ابْنًا أَوْ أَخًا لِلْأَمِيرِ أَوْ لِقَاضِي الْقُضَاةِ مَثَلًا تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ بِشُرُوطِهَا (قَوْلُهُ أَوْ طَالِبَ عِلْمٍ) أَيْ إذَا كَانَ بِهِ رُشْدٌ وَمَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ حَالٌ مِنْ الْمَجْمُوعِ) أَيْ مِنْ صَغِيرٍ وَأُنْثَى وَبَالِغٍ. قَالَ ط: وَالْأَوْلَى جَعْلُهُ حَالًا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِعُمُومِهِ الْكُلَّ، وَفِي نُسْخَةٍ فُقَرَاءَ (قَوْلُهُ بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ) كَذَا فَسَّرَهُ فِي الْبَدَائِعِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَمْلِكَ نِصَابًا نَامِيًا أَوْ غَيْرَ نَامٍ زَائِدًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ النَّفَقَةِ، إذْ لَوْ كَانَ يَمْلِكُ دُونَ نِصَابٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نُقُودٍ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، وَلَا تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّلَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَمَا دَامَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ كِفَايَتُهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَلَوْ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ) أَيْ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِمَا، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِيهَا: لَوْ كَانَ يَكْفِيهِ بَعْضُ الْمَنْزِلِ أُمِرَ بِبَيْعِ بَعْضِهِ وَإِنْفَاقِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ نَفِيسَةٌ يُؤْمَرُ بِشِرَاءِ الْأَدْنَى وَإِنْفَاقِ الْفَضْلِ. اهـ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَمَتَاعِ الْبَيْتِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِثْلُ الْمَنْزِلِ وَالدَّابَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَهَلْ مِثْلُهُ جِهَازُ الْمَرْأَةِ؟ قَدَّمْنَا فِي الزَّكَاةِ خِلَافًا فِي أَنَّهَا هَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّدَقَةُ بِسَبَبِهِ فَرَاجِعْهُ وَهَلْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ هُنَا؟ مُقْتَضَى مَا فِي الْبَدَائِعِ نَعَمْ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَكُلُّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ غَيْرِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَأْكَلُ وَالْمَلْبَسُ وَالْمَسْكَنُ وَالرَّضَاعُ إنْ كَانَ رَضِيعًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِلْكِفَايَةِ، وَالْكِفَايَةُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ يَفْرِضُ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْكِفَايَةِ. اهـ. وَاحْتِيَاجُهُ إلَى خِدْمَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ بِهِ
стр. 1911
عَلَى الصَّوَابِ بَدَائِعُ (بِقَدْرِ الْإِرْثِ) - ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]- (وَ) لِذَا (يُجِيرُ عَلَيْهِ) . ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِرْثِ بِقَوْلِهِ (فَنَفَقَةٌ مَنْ) أَيْ فَقِيرٍ (لَهُ أَخَوَاتٌ مُتَفَرِّقَاتٌ) مُوسِرَاتٌ (عَلَيْهِنَّ أَخْمَاسًا) وَلَوْ إخْوَةً مُتَفَرِّقِينَ فَسُدُسُهَا عَلَى الْأَخِ لِأُمٍّ وَالْبَاقِي عَلَى الشَّقِيقِ (كَإِرْثِهِ) وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ أَوْ مَعَهُمْ ابْنٌ مُعْسِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ لِيَصِيرُوا وَرَثَةً، وَلَوْ كَانَ مَكَانَهُ بِنْتٌ فَنَفَقَةُ الْأَبِ عَلَى الْأَشِقَّاءِ فَقَطْ لِإِرْثِهِمْ مَعَهَا، وَعِنْدَ التَّعَدُّدِ يُعْتَبَرُ
ــ
[رد المحتار]
عِلَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي خَادِمِ الْأَبِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ لَا يَتَعَاطَى خِدْمَةَ نَفْسِهِ بِيَدِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ بِقَدْرِ الْإِرْثِ) أَيْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْمَحْرَمِ الْفَقِيرِ عَلَى مَنْ يَرِثُونَهُ إذَا مَاتَ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ (قَوْلُهُ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَيْ مِثْلُ الرِّزْقِ وَالْكُسْوَةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ فَأَنَاطَ اللَّهُ تَعَالَى النَّفَقَةَ بِاسْمِ الْوَارِثِ فَوَجَبَ التَّقْدِيرُ بِالْإِرْثِ ط (قَوْلُهُ وَلِذَا) أَيْ لِلْآيَةِ الشَّرِيفَةِ حَيْثُ عَبَّرَ فِيهَا بِعَلَى الْمُفِيدَةِ لِلْإِلْزَامِ ط. وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَلِذَا، وَقَوْلِهِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: يُنْظَرُ مَا الْمُرَادُ بِالْجَبْرِ هُنَا، هَلْ هُوَ الْحَبْسُ أَوْ غَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْقَضَاءِ حَبْسَهُ لِنَفَقَةِ الْوِلَادَةِ، وَمُفَادُهُ عَدَمُ الْحَبْسِ لِغَيْرِهِمْ. قُلْت: وَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرُ هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا حُبِسَ الْأَبُ فَغَيْرُهُ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُحْبَسُ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ سِوَى النَّفَقَةِ، عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ يُحْبَسُ لِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ، وَأَمَّا مَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ يُضْرَبُ وَلَا يُحْبَسُ فَهُوَ خَطَأٌ فِي النَّقْلِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَلِمَمْلُوكِهِ.
(قَوْلُهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا أُطْعِمُك وَلَا أَدْفَعُ شَيْئًا لَا يُجَابُ بَلْ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ (قَوْلُهُ أَيِّ فَقِيرٍ) مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِالْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ إنْ كَانَ ذَكَرًا بَالِغًا وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ أُنْثَى، فَمُجَرَّدُ الْفَقْرِ كَافٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ لَهُ أَخَوَاتٌ مُتَفَرِّقَاتٌ) أَيْ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُخْتٌ لِأُمٍّ (قَوْلُهُ أَخْمَاسًا) ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ عَلَى الشَّقِيقَةِ وَخُمُسٌ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ، وَخُمُسٌ عَلَى الْأُخْتِ لِأُمٍّ؛ لِأَنَّهُنَّ لَوْ وَرِثْنَهُ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ: ثَلَاثَةٌ لِلْأُولَى وَسَهْمٌ لِلثَّانِيَةِ وَسَهْمٌ لِلثَّالِثَةِ وَسَهْمٌ يُرَدُّ عَلَيْهِنَّ، فَتَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ رَدِّيَّةً مِنْ خَمْسَةٍ. اهـ ح وَكَذَلِكَ تَبْقَى النَّفَقَةُ أَخْمَاسًا عِنْدَ عَدَمِ الرَّدِّ بِأَنْ كَانَ مَعَهُنَّ ابْنُ عَمٍّ، إذْ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْرَمٍ، فَلَوْ كَانَ بَدَلُهُ عَمٌّ عَصَبِيٌّ تَصِيرُ أَسْدَاسًا (قَوْلُهُ وَلَوْ إخْوَةً مُتَفَرِّقِينَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَرَثَةُ إخْوَةً مُتَفَرِّقِينَ (قَوْلُهُ فَسُدُسُهَا) أَيْ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَخِ لِأُمٍّ وَالْبَاقِي عَلَى الشَّقِيقِ لِسُقُوطِ الْأَخِ لِأَبٍ بِالشَّقِيقِ فِي الْإِرْثِ ح (قَوْلُهُ كَإِرْثِهِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ أَيْ كَإِرْثِهِمْ إيَّاهُ (قَوْلُهُ وَكَذَا) أَيْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ أَيْ مَعَ الْأَخَوَاتِ أَوْ مَعَهُمْ أَيْ مَعَ الْإِخْوَةِ (قَوْلُهُ ابْنٌ مُعْسِرٌ) أَيْ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ عَاجِزٌ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا أُمِرَ بِالْكَسْبِ لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى أَبِيهِ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ الَّتِي رَجَّحَهَا الزَّيْلَعِيُّ وَالْكَمَالُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ نَفَقَةَ ذَلِكَ الِابْنِ عَلَى عَمَّتِهِ الشَّقِيقَةِ فِي الْأُولَى وَعَمِّهِ الشَّقِيقِ فِي الثَّانِيَةِ،؛ لِأَنَّ الْأَبَ الْمُعْسِرَ كَالْمَيِّتِ فَيَكُونُ إرْثُ الِابْنِ لِعَمِّهِ أَوْ عَمَّتِهِ الْمَذْكُورَيْنِ فَقَطْ فَكَذَا نَفَقَتُهُ (قَوْلُهُ لِيَصِيرُوا وَرَثَةً) أَيْ وَيُقْضَى عَلَيْهِمْ بِالنَّفَقَةِ، وَمَا لَمْ يُجْعَلْ الِابْنُ كَالْمَعْدُومِ لَا تَصِيرُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَرَثَةً فَيَتَعَذَّرُ إيجَابُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ ط (قَوْلُهُ فَنَفَقَةُ الْأَبِ عَلَى الْأَشِقَّاءِ) أَيْ عَلَى الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَعَلَى الْأَخِ الشَّقِيقِ فِي الثَّانِيَةِ فَأَطْلَقَ الْجَمْعَ عَلَى مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ، وَقَوْلُهُ لِإِرْثِهِمْ أَيْ الْأَشِقَّاءِ مَعَهَا: أَيْ مَعَ الْبِنْتِ فَلَا تُجْعَلُ الْبِنْتُ كَالْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْرِزُ كُلَّ الْمِيرَاثِ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ مَنْ يُحْرِزُ كُلَّ الْمِيرَاثِ لِيَنْظُرَ إلَى مَنْ يَرِثُ بَعْدَهُ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ. فَفِي مَسْأَلَةِ الِابْنِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ الْإِخْوَةِ أَوْ الْأَخَوَاتِ، وَهُنَا عَلَى الْأَشِقَّاءِ فَقَطْ لِسُقُوطِ الْإِخْوَةِ أَوْ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ التَّعَدُّدِ) أَيْ تَعَدُّدِ الْمُعْسِرِينَ وَالْمُوسِرِينَ، وَالْأَوْلَى وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا الْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي قَرَابَةِ مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ يُنْظَرُ إلَى الْمُعْسِرِ، فَإِنْ
стр. 1912
الْمُعْسِرُونَ أَحْيَاءً، فِيمَا يَلْزَمُ الْمُعْسِرِينَ ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ الْكُلُّ، كَذِي أُمٍّ وَأَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، وَالْأُمُّ وَالشَّقِيقَةُ مُوسِرَتَانِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَرْبَاعًا. (وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ (أَهْلِيَّةُ الْإِرْثِ لَا حَقِيقَتُهُ) إذْ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَنَفَقَةُ مَنْ لَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمٍّ عَلَى الْخَالِ؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمٌ؛ وَلَوْ اسْتَوَيَا فِي الْمَحْرَمِيَّةِ كَعَمٍّ وَخَالٍ رُجِّحَ الْوَارِثُ لِلْحَالِ مَا لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا فَيُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ. وَفِي الْقُنْيَةِ: يُجْبَرُ الْأَبْعَدُ إذَا غَابَ الْأَقْرَبُ. وَفِي السِّرَاجِ: مُعْسِرٌ لَهُ زَوْجَةٌ وَلِزَوْجَتِهِ أَخٌ مُوسِرٌ أُجْبِرَ أَخُوهَا عَلَى نَفَقَتِهَا وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَيْسَرَ. اهـ. وَفِيهِ النَّفَقَةُ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَنْ رَحِمُهُ كَامِلٌ، وَلِذَا قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: قَوْلُهُمْ وَابْنُ الْعَمِّ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، وَالْكَلَامُ فِي ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَافْهَمْ. -
ــ
[رد المحتار]
كَانَ يُحْرِزُ كُلَّ الْمِيرَاثِ يُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى وَرَثَةِ مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ فَتُجْعَلُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْمُعْسِرُ لَا يُحْرِزُ كُلَّ الْمِيرَاثِ تُقْسَمْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يَرِثُ مَعَهُ فَيَعْتَبِرُ الْمُعْسِرُ لِإِظْهَارِ قَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِينَ ثُمَّ يَجْعَلُ كُلَّ النَّفَقَةِ عَلَى الْمُوسِرِينَ عَلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ. اهـ (قَوْلُهُ كَذِي أُمٍّ) أَيْ كَصَغِيرٍ فَقِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ زَمِنٍ فَقِيرٍ لَهُ أُمٌّ إلَخْ (قَوْلُهُ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَرْبَاعًا) ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ فِي الْإِرْثِ لِلشَّقِيقَةِ وَالسُّدُسَ لِلْأُمِّ وَالسُّدُسَ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَالسُّدُسَ لِلْأُخْتِ لِأُمٍّ، فَكَانَ نَصِيبُ الشَّقِيقَةِ وَالْأُمِّ أَرْبَعَةً فَرُبْعُ النَّفَقَةِ عَلَى الْأُمِّ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا عَلَى الشَّقِيقَةِ.
اهـ ح وَلَوْ جُعِلَ الْمُعْسِرُ كَالْمَعْدُومِ أَصْلًا كَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْأُمِّ وَالشَّقِيقَةِ أَخْمَاسًا: ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ عَلَى الشَّقِيقَةِ وَالْخُمُسَانِ عَلَى الْأُمِّ اعْتِبَارًا بِالْمِيرَاثِ خَانِيَّةٌ. وَفِيهَا: وَلَوْ كَانَ لِلصَّغِيرِ أُمٌّ مُعْسِرَةٌ وَلِأُمِّهِ أَخَوَاتٌ مُتَفَرِّقَاتٌ مُوسِرَاتٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْخَالَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ تُحْرِزُ كُلَّ الْمِيرَاثِ فَتُجْعَلُ كَالْمَعْدُومَةِ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأُمِّ، فَعَلَى أَخَوَاتِهَا أَخْمَاسًا عَلَى الشَّقِيقَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ، وَعَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ خُمُسٌ، وَعَلَى الْأُخْتِ لِأُمٍّ خُمُسٌ. اهـ وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي رِسَالَتِنَا [تَحْرِيرِ النُّقُولِ] (قَوْلُهُ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَارِثِ فِي الْآيَةِ غَيْرُ مُرَادَةٍ فَإِنَّهُ مَنْ قَامَ بِهِ الْإِرْثُ بِالْفِعْلِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ وَلَا نَفَقَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَانَ الْمُرَادُ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ مِيرَاثٌ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ اسْتَوَيَا فِي الْمَحْرَمِيَّةِ إلَخْ) أَيْ وَفِي أَهْلِيَّةِ الْإِرْثِ ذَخِيرَةٌ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ أَهْلِيَّةُ الْمِيرَاثِ لَا إحْرَازُهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُحْرِزُ لِلْمِيرَاثِ غَيْرَ مَحْرَمٍ وَمَعَهُ مَحْرَمٌ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ مَحْرَمِيَّةُ كُلِّهِمْ وَبَعْضُهُمْ لَا يُحْرِزُ الْمِيرَاثَ فِي الْحَالِ كَالْخَالِ وَالْعَمِّ إذَا اجْتَمَعَا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ إحْرَازُ الْمِيرَاثِ فِي الْحَالِ وَتَجِبُ عَلَى الْعَمِّ. وَإِذَا اتَّفَقُوا فِي الْمَحْرَمِيَّةِ وَالْإِرْثِ فِي الْحَالِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ فَقِيرًا جُعِلَ كَالْمَعْدُومِ وَوَجَبَتْ عَلَى الْبَاقِينَ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ. اهـ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ لَهُ عَمٌّ وَعَمَّةٌ وَخَالَةٌ مُوسِرُونَ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْعَمِّ، فَلَوْ الْعَمُّ مُعْسِرًا فَعَلَى الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ أَثْلَاثًا كَإِرْثِهِمَا (قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ (قَوْلُهُ وَفِي السِّرَاجِ إلَخْ) مُكَرَّرٌ أَيْضًا مَعَ مَا قَدَّمَهُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ قَضَى بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ، وَأَمَّا مَا قَدَّمَهُ قُبَيْلَ الْفُرُوعِ مِنْ أَنَّ الرُّجُوعَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْأُمِّ فَقَطْ عَلَى الْأَبِ دُونَ غَيْرِهَا فَلَا يُرَدُّ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ كَمَا حَرَّرْنَاهُ هُنَاكَ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الرُّجُوعَ هُنَا عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَى الْأَبِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ عَلَى مَنْ رَحِمُهُ كَامِلٌ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مَحْرَمًا أَيْضًا.
(قَوْلُهُ وَلِذَا) أَيْ لِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ رَحِمًا مَحْرَمًا وَهُوَ الرَّحِمُ الْكَامِلُ (قَوْلُهُ قَوْلُهُمْ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ خَالٍ وَابْنِ عَمٍّ (قَوْلُهُ فِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) عِبَارَةُ الْقُهُسْتَانِيِّ: فِيهِ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِكَلَامِ الْقَوْمِ. اهـ فَبَيَّنَ الشَّارِحُ الْمُخَالَفَةَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ إلَخْ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِكَلَامِهِمْ أَصْلًا بَلْ هُوَ مُقَرِّرٌ لَهُ وَمُؤَكِّدٌ؛ فَإِنَّ مَسْأَلَةَ خَالٍ وَابْنِ عَمٍّ مَذْكُورَةٌ فِي مُتُونِ الْمَذْهَبِ وَشُرُوحِهِ فَصَرَّحُوا بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ فِيهَا عَلَى الْخَالِ لِكَوْنِ رَحِمِهِ كَامِلًا، كَمَا اشْتَرَطُوا وَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ
стр. 1913
(وَلَا نَفَقَةَ) بِوَاجِبَةٍ (مَعَ الِاخْتِلَافِ دِينًا إلَّا لِلزَّوْجَةِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ) عَلَوْا أَوْ سَفَلُوا (الذِّمِّيِّينَ) لَا الْحَرْبِيِّينَ وَلَوْ مُسْتَأْمِنِينَ لِانْقِطَاعِ الْإِرْثِ (يَبِيعُ الْأَبُ) ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ (لَا الْأُمُّ) وَلَا بَقِيَّةُ أَقَارِبِهِ وَلَا الْقَاضِي إجْمَاعًا (عَرْضَ ابْنِهِ) الْكَبِيرِ الْغَائِبِ لَا الْحَاضِرِ إجْمَاعًا (لَا عَقَارَهُ) فَيَبِيعُ عَقَارَ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ اتِّفَاقًا لِلنَّفَقَةِ لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ وَأَطْفَالِهِ كَمَا فِي النَّهْرِ بَحْثًا.
ــ
[رد المحتار]
لِابْنِ الْعَمِّ لِكَوْنِ رَحِمِهِ نَاقِصًا وَنَبَّهُوا بِهَذَا الْمِثَالِ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَهْلِيَّةُ الْإِرْثِ لَا الْإِرْثُ حَقِيقَةً كَمَا مَرَّ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ الْمُخَالَفَةُ لِكَلَامِهِمْ؟ وَأَوْهَى مِنْ هَذَا مَا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى التَّمْثِيلُ بِخَالٍ وَعَمٍّ لِأَبٍ فَإِنَّهُ خَطَأٌ مَحْضٌ كَمَا لَا يَخْفَى إنْ أَرَادَ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْخَالِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا عَلَى الْعَمِّ فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الْخَالِ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِيَّةِ الْإِرْثِ مِثَالٌ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ مَعَ الِاخْتِلَافِ دِينًا) أَيْ كَالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا الْإِنْفَاقُ عَلَى الْآخَرِ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ نَفَقَةَ السُّنِّيِّ عَلَى الْمُوسِرِ الشِّيعِيِّ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي التَّكْمِيلِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَالْمُرَادُ الشِّيعِيُّ الْمُفَضِّلُ. بِخِلَافِ السَّابِّ الْقَاذِفِ فَإِنَّهُ مُرْتَدٌّ يُقْتَلُ إنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ تَسَاهُلًا فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ مَدَارَ نَفَقَةِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ عَلَى أَهْلِيَّةِ الْإِرْثِ، وَلَا تَوَارُثَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَمُرْتَدٍّ، نَعَمْ لَوْ كَانَ يَجْحَدُ ذَلِكَ وَلَا بَيِّنَةَ يُعَامَلُ بِالظَّاهِرِ وَإِنْ اشْتَهَرَ حَالُهُ بِخِلَافِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ إلَّا لِلزَّوْجَةِ إلَخْ) لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ وَهُوَ لَا يَتَعَلَّقُ بِاِتِّخَاذِ الْمِلَّةِ وَنَفَقَةُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ لِلْجُزْئِيَّةِ وَجُزْءُ الْمَرْءِ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ فَكَمَا لَا تَمْتَنِعُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ لَا تَمْتَنِعُ نَفَقَةُ جُزْئِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا حَرْبِيِّينَ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمِنِينَ؛ لِأَنَّنَا نُهِينَا عَنْ الْبِرِّ فِي حَقِّ مَنْ يُقَاتِلُنَا فِي الدِّينِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ لِانْقِطَاعِ الْإِرْثِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَا نَفَقَةَ مَعَ الِاخْتِلَافِ دِينًا وَلِقَوْلِهِ لَا الْحَرْبِيِّينَ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِيهِمْ عَدَمُ التَّوَارُثِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كَافِي الْحَاكِمِ، فَقَدْ أَخَّرَ التَّعْلِيلَ لِيَكُونَ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ) فِيهِ نَظَرٌ. وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ الْحِفْظِ فِي مَالِ الْغَائِبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ ذَلِكَ فَالْأَبُ أَوْلَى لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ. اهـ
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِذَا جَازَ بَيْعُهُ صَارَ الْحَاصِلُ عِنْدَهُ الثَّمَنَ وَهُوَ جِنْسُ حَقِّهِ فَيَأْخُذُهُ، بِخِلَافِ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ مُحْصَنٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ بِالْبَيْعِ. اهـ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنْقُولَ مِمَّا يُخْشَى هَلَاكُهُ فَلِلْأَبِ بَيْعُهُ حِفْظًا لَهُ وَبَعْدَ بَيْعِهِ يَصِيرُ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حِفْظًا إذَا لَمْ يُنْفِقْ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْبَيْعِ حِفْظًا فَلَا يُنَافِي تَعَلُّقَ حَقِّهِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ فَافْهَمْ، نَعَمْ اسْتَشْكَلَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَيْعُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ وَلَهُ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْهُ لِأَجْلِ دِينٍ آخَرَ: قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَجَابَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَالْقَضَاءَ فِيهَا إعَانَةٌ لَا قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ. اهـ تَأَمَّلْ. ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَ هُنَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ. وَعِنْدَهُمَا وَهُوَ الْقِيَاسُ أَنَّ الْمَنْقُولَ كَالْعَقَارِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْأَبِ بِالْبُلُوغِ، وَهَلْ الْجَدُّ كَالْأَبِ؟ لَمْ أَرَهُ (قَوْلُهُ لَا الْأُمَّ) ذَكَرَ فِي الْأَقْضِيَةِ جَوَازَ بَيْعِ الْأَبَوَيْنِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا رِوَايَةٌ فِي أَنَّ الْأُمَّ كَالْأَبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا، أَمَّا بَيْعُهَا بِنَفْسِهَا فَبَعِيدٌ لِعَدَمِ وِلَايَةِ الْحِفْظِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ، فَأَفَادَ تَرْجِيحَ الثَّانِي. وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ الظَّاهِرُ، وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الدِّرَايَةِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْأُمَّ لَا تَبِيعُ (قَوْلُهُ وَلَا بَقِيَّةَ أَقَارِبِهِ) وَكَذَا ابْنَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (قَوْلُهُ فَيَبِيعُ عَقَارَ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا عَقَارَهُ الرَّاجِعِ إلَى الِابْنِ الْكَبِيرِ، وَزَادَ الْمَجْنُونَ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّغِيرِ (قَوْلُهُ وَلِزَوْجَتِهِ وَأَطْفَالِهِ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ
стр. 1914
بِقَدْرِ حَاجَتِهِ لَا فَوْقَهَا (وَلَا فِي دَيْنٍ لَهُ سِوَاهَا) لِمُخَالَفَةِ دَيْنِ النَّفَقَةِ لِسَائِرِ الدُّيُونِ (ضَمِنَ) قَضَاءً لَا دِيَانَةً (مُودَعُ الِابْنِ) كَمَدْيُونِهِ (لَوْ أَنْفَقَ الْوَدِيعَةَ عَلَى أَبَوَيْهِ) وَزَوْجَتِهِ وَأَطْفَالِهِ (بِغَيْرِ أَمْرِ) مَالِكٍ (أَوْ قَاضٍ) إنْ كَانَ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ اسْتِحْسَانًا كَمَا لَا رُجُوعَ، وَكَمَا لَوْ انْحَصَرَ إرْثُهُ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ عَيْنُ حَقِّهِ. .
(وَ) الْأَبَوَانِ (لَوْ أَنْفَقَا مَا عِنْدَهُمَا) لِغَائِبٍ (مِنْ مَالِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ) أَيْ جِنْسِ النَّفَقَةِ (لَا)
ــ
[رد المحتار]
لِلْأَبِ كَضَمِيرٍ لَهُ. وَعِبَارَةُ النَّهْرِ، وَلَمْ يَقُلْ لِنَفَقَتِهِ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى الْأُمِّ أَيْضًا مِنْ الثَّمَنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ كَذَلِكَ. اهـ. وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ زَوْجَةُ الْغَائِبِ وَأَوْلَادُهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأُمِّ أُمُّهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِي قَوْلِهِ لِلنَّفَقَةِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ زِيَادَةٍ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ فِيهَا، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. وَعَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى غَايَةِ الْبَيَانِ. قُلْت: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِبَحْثِ النَّهْرِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى أُمِّ الْغَائِبِ أَيْضًا كَمَا عَلِمْتُهُ.
(قَوْلُهُ وَلَا فِي دَيْنٍ لَهُ) أَيْ لِلْأَبِ عَلَى الِابْنِ الْغَائِبِ (قَوْلُهُ لِمُخَالَفَةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى مَا مَرَّ مِنْ إشْكَالِ الزَّيْلَعِيِّ وَجَوَابُهُ (قَوْلُهُ لَا دِيَانَةً) فَلَوْ مَاتَ الْغَائِبُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ غَيْرَ الْإِصْلَاحِ بَحْرٌ عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ كَمَدْيُونِهِ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا أَنْفَقَ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِمَّا عَلَيْهِ يَضْمَنُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ قَضَاءً وَيَبْرَأُ دِيَانَةً رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَزَوْجَتِهِ وَأَطْفَالِهِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ ذِكْرَ الْأَبَوَيْنِ غَيْرُ قَيْدٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ. وَفِي النَّهْرِ: إنَّمَا خَصَّ الْأَبَوَيْنِ لِيَعُمَّ الزَّوْجَةَ وَالْأَوْلَادَ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ إنْ كَانَ) أَيْ إنْ وُجِدَ ثَمَّ قَاضٍ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ الْقَضَاءَ بِالرِّشْوَةِ، وَلَمْ يَطْلُبْ رِشْوَةً عَلَى الْإِذْنِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْعَدَمِ رَحْمَتِيٌّ.
(قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا الْإِصْلَاحَ ذَخِيرَةٌ. وَفِيهَا: وَكَذَا قَالُوا فِي مُسَافِرَيْنِ أُغْمِيَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ مَاتَ فَأَنْفَقَ الْآخَرُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَفِي عَبْدٍ مَأْذُونٍ مَاتَ مَوْلَاهُ فَأَنْفَقَ فِي الطَّرِيقِ، وَفِي مَسْجِدٍ بِلَا مُتَوَلٍّ لَهُ أَوْقَافٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهَا بَعْضُ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مَاتَ تِلْمِيذٌ لَهُ فَبَاعَ كُتُبَهُ وَأَنْفَقَ فِي تَجْهِيزِهِ، فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ، فَتَلَا مُحَمَّدٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]- فَمَا كَانَ عَلَى قِيَاسِ هَذَا لَا يَضْمَنُ دِيَانَةً اسْتِحْسَانًا، أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَيَضْمَنُ، وَكَذَا لَوْ عَرَفَ الْوَصِيُّ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ فَقَضَاهُ لَا يَأْثَمُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا دَيْنٌ لِآخَرَ لَمْ يَقْضِهِ فَقَضَاهُ الْمُودِعُ، وَمِثْلُهُ الْمَدْيُونُ لَوْ مَاتَ دَائِنُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِآخَرَ مِثْلُهُ لَمْ يَقْضِهِ فَقَضَاهُ الْمَدْيُونُ، وَكَذَا الْوَارِثُ الْكَبِيرُ لَوْ أَنْفَقَ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَا وَصِيَّ لَهُ فَهُوَ مُحْسِنٌ دِيَانَةً مُتَطَوِّعٌ حُكْمًا. اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْبَحْرِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ طَعَامًا لَا يُنْفِقُ سَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ يَمْلِكُ شِرَاءَ الطَّعَامِ لَوْ فِي حِجْرِهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ لَا يَمْلِكْ إلَّا إنْ كَانَ وَصِيًّا (قَوْلُهُ كَمَا لَا رُجُوعَ) أَيْ لِلْمُودَعِ عَلَى الْأَبِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ إذَا ضَمِنَهُ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ مَلَكَ الْمَدْفُوعَ بِالضَّمَانِ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا بِمِلْكِ نَفْسِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا. وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ لَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إبْرَاءٌ مِنْهُ وَلِأَنَّهَا كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ. اهـ
(قَوْلُهُ وَكَمَا لَوْ انْحَصَرَ إرْثُهُ إلَخْ) فَإِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَبِي الْغَائِبِ مَثَلًا بِلَا أَمْرٍ ثُمَّ مَاتَ الْغَائِبُ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ الْأَبِ فَلَا رُجُوعَ لِلْأَبِ عَلَى الْمُودِعِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ عَيْنُ حَقِّهِ، وَهَذَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا وَشَبَّهَهُ بِمَا لَوْ أَطْعَمَ الْمَغْصُوبَ لِلْمَالِكِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ.
(قَوْلُهُ لِغَائِبٍ) أَيْ هُوَ وَلَدُهُمَا (قَوْلُهُ أَيْ جِنْسِ النَّفَقَةِ) الْأَنْسَبُ لِتَذَكُّرِ الضَّمِيرِ قَوْلُ الْمِنَحِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمَا أَيْ النَّفَقَةِ (قَوْلُهُ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْوِلَادِ وَالزَّوْجِيَّةِ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْأَبَوَيْنِ فِي الْمَتْنِ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الزَّوْجَةُ
стр. 1915
لَا يَضْمَنَانِ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْوِلَادِ وَالزَّوْجِيَّةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ؛ حَتَّى لَوْ ظَفَرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَلِذَا فُرِضَتْ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ. وَلَوْ قَالَ الِابْنُ أَنْفَقْته وَأَنْتَ مُوسِرٌ وَكَذَّبَهُ الْأَبُ حَكَمَ الْحَاكِمُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ، وَلَوْ بَرْهَنَا فَبَيِّنَةُ الِابْنِ خُلَاصَةٌ.
(قَضَى بِنَفَقَةِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ) زَادَ الزَّيْلَعِيُّ وَالصَّغِيرُ (وَمَضَتْ مُدَّةٌ) أَيْ شَهْرٌ فَأَكْثَرُ (سَقَطَتْ) لِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ فِيمَا مَضَى، وَأَمَّا مَا دُونَ شَهْرٍ
ــ
[رد المحتار]
وَبَقِيَّةُ الْأَوْلَادِ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ ح (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ ظَفِرَ) أَيْ أَحَدُ هَؤُلَاءِ (قَوْلُهُ فَلَهُ أَخْذُهُ) أَيْ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضًا بَحْرٌ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِإِبَاءِ الِابْنِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّةَ قَاضٍ كَمَا سَلَفَ ط (قَوْلُهُ حُكِّمَ الْحَاكِمُ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا حُكِّمَ الْحَالُ: أَيْ حَالٌ لِأَبٍ يَوْمَ الْخُصُومَةِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالْقَوْلُ لَهُ اسْتِحْسَانًا فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِلِابْنِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ بَرْهَنَا فَبَيِّنَةُ الِابْنِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا خَانِيَّةٌ أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِعْسَارُ، وَالْيَسَارُ عَارِضٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ مَعَ الْبَيِّنَةِ لَا يُنْظَرُ إلَى تَحْكِيمِ الْحَالِ وَإِلَّا فَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ مُعْسِرًا يَوْمَ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لِلْأَبِ، وَلِذَا كَانَ الْقَوْلُ لَهُ فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ الْمُعْتَبَرَةُ بَيِّنَةُ الِابْنِ لِإِثْبَاتِهَا خِلَافَ الظَّاهِرِ، أَمَّا لَوْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ بَيِّنَةُ الْأَبِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُعْسِرًا يَوْمَ الْإِنْفَاقِ، كَمَا لَوْ بَرْهَنَ وَحْدَهُ تَأَمَّلْ. قُلْت: وَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ لِمُنْكِرِ الْيَسَارِ وَالْبَيِّنَةَ لِمُدَّعِيهِ فَلَعَلَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحَالِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ غَيْرِ الزَّوْجَةِ) يَشْمَلُ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ وَالْمَحَارِمَ وَالْمَمَالِيكَ (قَوْلُهُ زَادَ الزَّيْلَعِيُّ وَالصَّغِيرِ) يَعْنِي اسْتَثْنَاهُ أَيْضًا فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ الْمُقْتَضَى بِهَا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ كَالزَّوْجَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَقَارِبِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ نَقَلَهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ عَنْ الْحَاوِي فِي الْفَتَاوَى، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَتَبِعَهُمْ الشَّارِحُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَكَافِي الْحَاكِمِ.
مَطْلَبٌ فِي مَوَاضِعَ لَا يَضْمَنُ فِيهَا الْمُنْفِقُ إذَا قَصَدَ الْإِصْلَاحَ وَفِي الْهِدَايَةِ: وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي لِلْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ بِالنَّفَقَةِ فَمَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ تَجِبُ كِفَايَةً لِلْحَاجَةِ حَتَّى لَا تَجِبَ مَعَ الْيَسَارِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إذَا قَضَى بِهَا الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِهَا فَلَا تَسْقُطُ بِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ فِيمَا مَضَى. اهـ وَقَرَّرَ كَلَامَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الذَّخِيرَةِ، عَلَى أَنَّهُ فِي الذَّخِيرَةِ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ وَعَزَاهُ إلَى الْكِتَابِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا قَالَ أَيْ فِي الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ إنْ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ فَغَابَ الْأَبُ وَتَرَكَهُمْ بِلَا نَفَقَةٍ فَاسْتَدَانَتْ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَأَنْفَقَتْ عَلَيْهِمْ تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَدِنْ بَعْدَ الْفَرْضِ وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ لَمْ تَرْجِعْ عَلَى الْأَبِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا سَأَلُوا وَأُعْطُوا صَارَ مِلْكًا لَهُمْ فَوَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ نَفَقَةِ الْأَبِ، وَاسْتِحْقَاقُ هَذِهِ النَّفَقَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ. فَإِنْ كَانُوا أُعْطُوا مِقْدَارَ نِصْفِ الْكِفَايَةِ سَقَطَ نِصْفُ الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَبِ، وَتَصِحُّ الِاسْتِدَانَةُ فِي النِّصْفِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ خَاصَّةً، بَلْ فِي نَفَقَةِ جَمِيعِ الْمَحَارِمِ إذَا أَكَلُوا مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ لَا رُجُوعَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ بَلْ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ. اهـ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ قَاضِي خَانْ جَازِمًا بِهِ، وَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: إنَّ مَا فِيهِ أَقْوَالٌ اقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ أَوْ قَوْلَيْنِ، وَقَدَّمْتُ مَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَافْتَتَحْتُ بِمَا هُوَ الْأَشْهَرُ. وَقَدْ رَاجَعَ الرَّحْمَتِيُّ نُسْخَةً مِنْ الذَّخِيرَةِ مُحَرَّفَةً حَتَّى اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَا مَرَّ بِمَسْأَلَةِ الْمَوْتِ الْآتِيَةِ وَحَكَمَ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِالْوَهْمِ، وَقَالَ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْحَاوِي أَنَّ نَفَقَةَ الصَّغِيرِ لَا تَسْقُطُ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ، وَأَطَالَ بِمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا وَالصَّوَابُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا مَا دُونَ شَهْرٍ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ أَيْ شَهْرٌ فَأَكْثَرُ.
стр. 1916
وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالصَّغِيرِ فَتَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ (إلَّا أَنْ يَسْتَدِينَ) غَيْرُ الزَّوْجَةِ (بِأَمْرِ قَاضٍ) فَلَوْ لَمْ يَسْتَدِنْ بِالْفِعْلِ فَلَا رُجُوعَ، بَلْ فِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَكَلَ أَطْفَالُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ فَلَا رُجُوعَ لِأُمِّهِمْ؛ وَلَوْ أُعْطُوا شَيْئًا وَاسْتَدَانَتْ شَيْئًا أَوْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا رَجَعَتْ بِمَا زَادَتْ خَانِيَّةٌ
ــ
[رد المحتار]
وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ قَصِيرَةٌ وَأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ، فَلَوْ سَقَطَتْ الْمُدَّةُ الْقَصِيرَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كُلُّ مَا مَضَى سَقْطٌ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِيفَاءُ شَيْءٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالصَّغِيرِ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ غَيْرُ الزَّوْجَةِ وَالصَّغِيرِ، أَمَّا الصَّغِيرُ فَفِيهِ مَا عَلِمْت، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَإِنَّمَا تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا لَمْ تُشْرَعْ لِحَاجَتِهَا كَالْأَقَارِبِ بَلْ لِاحْتِبَاسِهَا، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، نَعَمْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ إنْ كَانَتْ شَهْرًا فَأَكْثَرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالنَّفَقَةُ لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِالْقَضَاءِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ بَعْدَ الْقَضَاءِ فِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ.
(قَوْلُهُ غَيْرُ الزَّوْجَةِ) أَمَّا هِيَ فَتَرْجِعُ بِمَا فُرِضَ لَهَا وَلَوْ أَكَلَتْ مِنْ مَالِ نَفْسِهَا أَوْ مِنْ مَسْأَلَةٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَاسْتِدَانَتُهَا بَعْدَ الْفَرْضِ غَيْرُ شَرْطٍ، نَعَمْ اسْتِدَانَتُهَا لِلصَّغِيرِ شَرْطٌ كَمَا عَلِمْته مِمَّا مَرَّ وَيَأْتِي (قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يَسْتَدِنْ) أَفَادَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ لَا يَكْفِي، وَمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ فَهُوَ غَلَطٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي [أَنْفَعْ الْوَسَائِلِ] (قَوْلُهُ بَلْ فِي الذَّخِيرَةِ) هَذَا مَحَلُّ التَّفْرِيعِ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَفِي الذَّخِيرَةِ إلَخْ، وَهَذَا أَيْضًا فِيمَا إذَا فَرَضَ الْقَاضِي لَهُمْ النَّفَقَةَ وَأَمَرَ الْأُمَّ بِالِاسْتِدَانَةِ كَمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَالصَّغِيرِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ آنِفًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا) هَذَا مِنْ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ كَمَا تَعْرِفُهُ، وَمَا قَبْلَهُ مَذْكُورٌ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ رَجَعَتْ بِمَا زَادَتْ: أَيْ بِمَا اسْتَدَانَتْهُ أَوْ أَنْفَقَتْهُ مِنْ مَالِهَا لِتَكْمِيلِ نَفَقَتِهَا. وَأَفَادَ أَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْ مَالِهَا عَلَى الْأَوْلَادِ قَائِمٌ مَقَامَ الِاسْتِدَانَةِ فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فَلَوْ لَمْ تَسْتَدِنْ بِالْفِعْلِ فَلَا رُجُوعَ، لَكِنْ هَذَا فَهْمٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ نَفَقَةً وَلِأُمِّهِمْ مَالٌ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ ثُمَّ تَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ. اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ الِاسْتِدَانَةَ وَلَا الْإِذْنَ بِهَا، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهَا وَبَيْنَ مَا إذَا أَكَلُوا مِنْ الْمَسْأَلَةِ. اهـ. قُلْت: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ مَسَائِلَ أَمْرُ الْأَبْعَدِ بِالْإِنْفَاقِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْأَقْرَبِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ فِي الْفُرُوعِ عَنْ وَاقِعَاتِ الْمُفْتِينَ لِقَدْرِي أَفَنْدِي، فَفِيهَا يَأْمُرُ الْقَاضِي الْأَبْعَدَ لِيَرْجِعَ عَلَى الْأَقْرَبِ كَالْأُمِّ لِيَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ فَهُوَ أَمْرٌ بِالْإِدَانَةِ، وَيُحْبَسُ الْمُمْتَنِعُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ كَمَا قَدَّمَهُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَالِاخْتِيَارِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَضَى بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ، فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ مُوسِرَةً تُؤْمَرُ بِالْإِدَانَةِ مِنْ مَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً تُؤْمَرُ بِالِاسْتِدَانَةِ، فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إذَا أَكَلَ الْأَوْلَادُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُمْ عَنْ أَبِيهِمْ لِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ فَلَا تَرْجِعُ الْأُمُّ بِشَيْءٍ فِي الصُّورَتَيْنِ. وَأَمَّا إذَا أُمِرَتْ بِالِاسْتِدَانَةِ وَلَمْ تَسْتَدِنْ بَلْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا فَلَا رُجُوعَ لَهَا أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا أَكَلُوا مِنْ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَهَا بِهِ الْقَاضِي الْقَائِمُ مَقَامَ الْغَائِبِ، وَلِذَا صَرَّحُوا بِاشْتِرَاطِ الِاسْتِدَانَةِ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يَكْفِ مُجَرَّدُ الْأَمْرِ بِهَا، خِلَافًا لِمَنْ غَلِطَ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَنْفَعْ الْوَسَائِلِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ إنْفَاقَهَا لَا يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِدَانَةِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ لَا تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ وَكَذَا فِي نَفَقَةِ الْمَحَارِمِ. اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ، وَأَشَارَ إلَى بَعْضِهِ الْمَقْدِسِيَّ وَالْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فَافْهَمْ، نَعَمْ لَوْ أُمِرَتْ بِالْإِنْفَاقِ وَهِيَ مُوسِرَةٌ فَاسْتَدَانَتْ وَأَنْفَقَتْ مِنْهُ تَرْجِعُ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَدَانَ دَيْنٌ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ دَيْنًا عَلَى
стр. 1917
(وَيُنْفِقُ مِنْهَا) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ لِلْمَبْسُوطِ، لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِإِنْفَاقِهِ بِمَا اسْتَدَانَهُ حَتَّى لَوْ اسْتَدَانَ وَأَنْفَقَ مِنْ غَيْرِهِ وَوَفَّى مِمَّا اسْتَدَانَهُ لَمْ تَسْقُطْ أَيْضًا. اهـ. (فَلَوْ مَاتَ الْأَبُ) أَوْ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ (بَعْدَهَا) أَيْ الِاسْتِدَانَةِ الْمَذْكُورَةِ (فَهِيَ) أَيْ النَّفَقَةُ (دَيْنٌ) ثَابِتٌ (فِي تَرِكَتِهِ فِي الصَّحِيحِ) بَحْرٌ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ تَصْحِيحَ مَا يُخَالِفُهُ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْخُلَاصَةِ قَائِلًا: وَلَوْ لَمْ تَرْجِعْ حَتَّى مَاتَ لَمْ تَأْخُذْهَا مِنْ تَرِكَتِهِ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ مُلَخَّصًا، فَتَأَمَّلْ.
وَفِي الْبَدَائِعِ: الْمُمْتَنِعُ مِنْ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ الْمَحْرَمِ يُضْرَبُ وَلَا يُحْبَسُ لِفَوَاتِهَا بِمُضِيِّ الزَّمَنِ فَيَسْتَدْرِكُ بِالضَّرْبِ، -
ــ
[رد المحتار]
الْأَبِ إلَّا بِالْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، فَإِذَا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهَا صَارَ مِنْ مَالِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ أَوْ مِنْ مَالٍ آخَرَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُمِرَتْ بِالِاسْتِدَانَةِ وَأَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ مُتَبَرِّعَةً، فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ (قَوْلُهُ وَيُنْفِقَ مِنْهَا) الْأَوْلَى مِنْهُ: أَيْ مِمَّا اسْتَدَانَهُ (قَوْلُهُ لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ إلَخْ) قَدْ يُجَابُ عَنْ الْبَحْرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَيُنْفِقَ مِمَّا اسْتَدَانَهُ تَحْقِيقُ الِاسْتِدَانَةِ، فَهُوَ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا لَمْ يَسْتَدِنْ وَأَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: فَلَوْ أَنْفَقَ بَعْدَ الْإِذْنِ بِالِاسْتِدَانَةِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ صَدَقَةٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ وَسَقَطَ التَّنْظِيرُ، أَفَادَهُ ط. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِنْفَاقَ مِمَّا اسْتَدَانَهُ غَيْرُ شَرْطٍ، لَكِنْ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: لَوْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ نَفَقَةً لِغِنَاهُ بِهِ أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَهُوَ اسْتِدَانَةٌ وَيَصْدُقُ أَنَّهُ أَنْفَقَ مِمَّا اسْتَدَانَهُ. لَكِنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ مُولَعٌ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَى أَخِيهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. اهـ. قُلْت: لَكِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ قَبْلَ الِاسْتِدَانَةِ، أَمَّا بَعْدَ أَنْ اسْتَدَانَ وَصَارَ مَا اسْتَدَانَهُ دَيْنًا عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَهَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ قَرِيبِهِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ كِفَايَةً لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِمَا صَارَ مَعَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِمَّا اسْتَدَانَهُ حَتَّى يُنْفِقَ مَا مَعَهُ، وَلِذَا لَوْ دَفَعَ لَهُ الْقَرِيبُ نَفَقَةَ شَهْرٍ قَضَى الشَّهْرَ وَبَقِيَ مَعَهُ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِأُخْرَى مَا لَمْ يُنْفِقْ مَا بَقِيَ، أَمْ لَا تَسْقُطُ لِكَوْنِ مَا اسْتَدَانَهُ صَارَ مِلْكَهُ، وَلِذَا لَوْ عَجَّلَ لَهُ نَفَقَةَ مُدَّةٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ لَا يُسْتَرَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَنَظِيرُهُ مَا مَرَّ فِي مَوْتِ الزَّوْجَةِ أَوْ طَلَاقِهَا، فَمَا اسْتَدَانَهُ فِي حُكْمِ الْمُعَجَّلِ فِيمَا يَظْهَرُ، فَحَيْثُ مَلَكَهُ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ أَوْ مِنْ الصَّدَقَةِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِدَانَةُ ثَانِيًا مَا لَمْ يَفْرُغْ جَمِيعُ مَا مَعَهُ لِتَتَحَقَّقَ الْحَاجَةُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا اسْتَدَانَ بِأَمْرِ قَاضٍ صَارَ مِلْكَهُ؛ وَلِذَا لَوْ مَاتَ الْقَرِيبُ بَعْدَهَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ أَوْ مِمَّا مَلَكَهُ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ بِصَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ) أَيْ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ فَالْأَبُ غَيْرُ قَيْدٍ (قَوْلُهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي تَرِكَتِهِ) فَلِلْأُمِّ أَنْ تَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ فَتَأَمَّلْ) أَيْ عِنْدَ الْفَتْوَى مَا هُوَ الْأَوْلَى مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْمُصَحَّحَيْنِ. قُلْت: لَكِنْ نُقِلَ الثَّانِي فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْخَصَّافِ الْأَوَّلَ عَنْ الْأَصْلِ. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ تَصْحِيحَ الْخَصَّافِ لَا يُصَادِمُ تَصْحِيحَ الْأَصْلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالنِّسَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ. اهـ أَيْ عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ.
وَفِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ: وَلَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ الْمُسْتَدَانَةُ بِإِذْنٍ لَمْ تَسْقُطْ فِي الصَّحِيحِ فَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَإِنْ صَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافَهُ. اهـ. وَوَفَّقَ ط بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِمَا لَا يَظْهَرُ، وَعَزَا مَا فِي الْمَتْنِ إلَى الْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ وَالْإِيضَاحِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ الْوَاقِعِ، فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الْمَوْتِ مِمَّا زَادَهَا الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُتُونِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) تَبِعَ فِي النَّقْلِ عَنْهَا صَاحِبَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْبَدَائِعِ عَكْسُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ وَيُحْبَسُ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ كَالزَّوْجَاتِ، أَمَّا غَيْرُ الْأَبِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا الْأَبُ فَلِأَنَّ فِي النَّفَقَةِ ضَرُورَةَ
стр. 1918
وَقَيَّدَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا بِمَا فَوْقَ الشَّهْرِ لِعَدَمِ سُقُوطِ مَا دُونَهُ كَمَا مَرَّ، وَلَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِالِاسْتِدَانَةِ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
(وَ) تَجِبُ النَّفَقَةُ بِأَنْوَاعِهَا (لِمَمْلُوكِهِ) مَنْفَعَةً، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ رَقَبَةً كَمُوصًى بِخِدْمَتِهِ. وَفِي الْقُنْيَةِ: نَفَقَةُ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَائِعِ مَا دَامَ فِي يَدِهِ، هُوَ الصَّحِيحُ. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ رَقَبَةً وَلَا مَنْفَعَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَ الْمُشْتَرِيَ
ــ
[رد المحتار]
دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ الْوَلَدِ وَلِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، فَلَوْ لَمْ يُحْبَسْ سَقَطَ حَقُّ الْوَلَدِ رَأْسًا فَكَانَ فِي حَبْسِهِ دَفْعُ الْهَلَاكِ وَاسْتِدْرَاكُ الْحَقِّ عَنْ الْفَوَاتِ؛ لِأَنَّ حَبْسَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْأَدَاءِ، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي سَائِرِ دُيُونِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ الْقَسْمِ يُضْرَبُ وَلَا يُحْبَسُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ هَذَا الْحَقِّ بِالْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَيُسْتَدْرَكُ بِالضَّرْبِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ.
اهـ مُلَخَّصًا. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ حُكْمُ الْمُمْتَنِعِ عَنْ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الذَّخِيرَةِ لَا يُحْبَسُ وَالِدٌ وَإِنْ عَلَا فِي دَيْنِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ إلَّا فِي النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَ الصَّغِيرِ وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْحَبْسِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ. وَفِي الْكَنْزِ: لَا يُحْبَسُ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ إلَّا إذَا أَبَى عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِثْلَهُ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَدِينَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْإِنْفَاقِ بِالِاسْتِدَانَةِ فَحُبِسَ لِيُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ أَوْ لِيَسْتَدِينَ فَافْهَمْ. وَقَوْلُ الْبَدَائِعِ: فَلَوْ لَمْ يُحْبَسْ سَقَطَ حَقُّ الْوَلَدِ رَأْسًا أَيْ كُلُّهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا حُبِسَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ فَقَطْ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَيْسَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ: لَوْ كَانَ فِي حُكْمِهَا لَكَانَ يُمْكِنُ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ فَلَا يَسْقُطُ مِنْهَا شَيْءٌ كَسَائِرِ دُيُونِ الصَّغِيرِ.
(قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ) أَيْ قَيَّدَ عَدَمَ الْحَبْسِ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى النَّقْلِ الْخَطَأِ، أَمَّا عَلَى الصَّوَابِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ فَلَا تَقْيِيدَ ثُمَّ قَوْلُهُ بِمَا فَوْقَ الشَّهْرِ حَقُّهُ كَمَا فِي ط أَنْ يُقَالَ بِالشَّهْرِ فَمَا فَوْقَهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَسْقُطُ هُوَ الْقَلِيلُ وَهُوَ مَا دُونَ شَهْرٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ الْأَمْرُ إلَخْ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة: امْرَأَةٌ لَهَا ابْنٌ صَغِيرٌ لَا مَالَ لَهُ وَلَا لِلْمَرْأَةِ فَاسْتَدَانَتْ وَأَنْفَقَتْ عَلَى الصَّغِيرِ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَبَلَغَ لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. اهـ أَيْ أَمَرَهَا الْقَاضِي بِأَنْ تَسْتَدِينَ وَتَرْجِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. قَالَ فِي الْمِنَحِ: فَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَمْرَ بِالِاسْتِدَانَةِ إلَّا إذَا كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ النَّفَقَةُ) أَيْ عَلَى الْمَوْلَى وَلَوْ فَقِيرًا قُهُسْتَانِيٌّ.
[مَطْلَبٌ فِي نَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ]
ِ (قَوْلُهُ لِمَمْلُوكِهِ) أَيْ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَإِدَامِهِ، وَكَذَا الْكُسْوَةُ وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إنْ تَنَعَّمَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ مِثْلَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَلَوْ قَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ شُحًّا أَوْ رِيَاضَةً لَزِمَهُ الْغَالِبُ فِي الْأَصَحِّ، وَيُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ عَبِيدِهِ وَجَوَارِيهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَزِيدُ جَارِيَةَ الِاسْتِمْتَاعِ فِي الْكُسْوَةِ لِلْعُرْفِ، وَعَلَيْهِ شِرَاءُ مَاءِ الطَّهَارَةِ لَهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْلِسَهُ لِيَأْكُلَ مَعَهُ ط مُلَخَّصًا عَنْ الْهِنْدِيَّةِ (قَوْلُهُ مَنْفَعَةً) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ، وَخَرَجَ بِهِ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَإِنَّهُمَا كَالْقِنِّ وَلَوْ لَهُ كَبِيرًا ذَكَرًا صَحِيحًا وَلَوْ لَهُ أَبٌ حَاضِرٌ وَلَوْ أَمَةً مُتَزَوِّجَةً مَا لَمْ يُبَوِّئْهَا مَنْزِلَ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ كَمُوصًى بِخِدْمَتِهِ) إلَّا إذَا مَرِضَ مَرَضًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ أَوْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخِدْمَةِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ حَتَّى يَصِحَّ وَيَبْلُغَ الْخِدْمَةَ نَهْرٌ (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) وَقِيلَ يَرْفَعُ الْبَائِعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ فَيَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعِهِ أَوْ إجَارَتِهِ قُنْيَةٌ، وَفِيهَا أَنَّ نَفَقَةَ الْمَبِيعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ فِي الْعَبْدِ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ عَلَى الْبَائِعِ، وَقِيلَ يَسْتَدِينُ فَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ الْمِلْكُ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَ الْمُشْتَرِيَ) .
تَتِمَّةُ عِبَارَةِ الْبَحْرِ هَكَذَا وَتَكُونُ تَابِعَةً لِلْمِلْكِ كَالْمَرْهُونِ كَمَا بَحَثَهُ
стр. 1919
(فَإِنْ امْتَنَعَ فَهِيَ فِي كَسْبِهِ) إنْ قَدَرَ بِأَنْ كَانَ صَحِيحًا، وَلَوْ غَيْرَ عَارِفٍ بِصِنَاعَةٍ فَيُؤْجِرُ نَفْسَهُ كَمُعِينِ الْبِنَاءِ بَحْرٌ (وَإِلَّا) كَكَوْنِهِ زَمِنًا أَوْ جَارِيَةً (لَا) يُؤْجَرُ مِثْلُهَا (أَمَرَهُ الْقَاضِي بِبَيْعِهِ) وَقَالَا يَبِيعُهُ الْقَاضِي وَبِهِ يُفْتَى (إنْ مَحَلًّا لَهُ) وَإِلَّا كَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ أُلْزِمَ بِالْإِنْفَاقِ لَا غَيْرُ. (عَبْدٌ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ أَكَلَ) أَوْ أَخَذَ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ (قَدْرَ كِفَايَتِهِ بِلَا رِضَاهُ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ) أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ (وَإِلَّا لَا) يَأْكُلُ، كَمَا لَوْ قَتَّرَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ بَلْ يَكْتَسِبُ إنْ قَدَرَ مُجْتَبًى. وَفِيهِ: تَنَازَعَا فِي عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ فِي أَيْدِيهِمَا يُجْبَرَانِ عَلَى نَفَقَتِهِ.
(نَفَقَةَ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ، فَإِنْ طَلَبَ) الْغَاصِبُ (مِنْ الْقَاضِي الْأَمْرَ بِالنَّفَقَةِ أَوْ الْبَيْعِ لَا يُجِيبُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ (وَ) لَكِنْ (إنْ خَافَ) الْقَاضِي (عَلَى الْعَبْدِ الضَّيَاعَ بَاعَهُ الْقَاضِي لَا الْغَاصِبُ وَأَمْسَكَ) الْقَاضِي (ثَمَنَهُ لِمَالِكِهِ وَطَلَبَ الْمُودِعُ) أَوْ آخِذُ الْآبِقِ أَوْ أَحَدُ شَرِيكَيْ عَبْدٍ غَابَ أَحَدُهُمَا (مِنْ الْقَاضِي الْأَمْرَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى عَبْدِ الْوَدِيعَةِ)
ــ
[رد المحتار]
بَعْضُهُمْ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ أَيْضًا. اهـ وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَبِيعَ بَاقٍ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ وَاجِبٌ تَسْلِيمُهُ كَالْمَغْصُوبِ نَفَقَتُهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ رَقَبَةً وَلَا مَنْفَعَةً وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِفَرْضِ الْعَوْدِ إلَى مِلْكِهِ إذَا هَلَكَ وَلِذَا يَسْقُطُ ثَمَنُهُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ كَمُعِينِ الْبِنَاءِ) هُوَ مَنْ يَعْجِنُ لَهُ الطِّينَ وَيُنَاوِلُهُ مَا يَبْنِي بِهِ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِلصَّحِيحِ غَيْرِ الْعَارِفِ بِصِنَاعَةٍ (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ (قَوْلُهُ أَوْ جَارِيَةً لَا يُؤْجَرُ مِثْلُهَا) بِأَنْ كَانَتْ حَسْنَاءَ يَخْشَى عَلَيْهَا الْفِتْنَةَ وَالْحَالُ أَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ الْكَسْبِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ قَادِرَةً عَلَيْهِ وَمَعْرُوفَةً بِذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ خَبَّازَةً أَوْ غَسَّالَةً تُؤْمَرُ بِهِ أَيْضًا هَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ هِنْدِيَّةٌ. قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: فَعُلِمَ أَنَّ الْأُنُوثَةَ هُنَا لَيْسَتْ أَمَارَةَ الْعَجْزِ بِخِلَافِهَا فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ. اهـ وَتَمَامُهُ فِي ط. وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ الرَّمْلِيِّ أَنَّ الْبِنْتَ لَوْ كَانَ لَهَا كَسْبٌ لَا تَلْزَمُ نَفَقَتُهَا الْأَبَ (قَوْلُهُ أَمَرَهُ الْقَاضِي) وَإِنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى. قُلْت: فَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ غَائِبًا هَلْ يَبِيعُهُ الْقَاضِي؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ كَمَا يَأْتِي فِي الْعَبْدِ الْوَدِيعَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَفْرِضُ لَهُ الْقَاضِي فِي مَالِ سَيِّدِهِ الْغَائِبِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَقَرَابَةِ الْوِلَادِ (قَوْلُهُ وَقَالَا يَبِيعُهُ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّهُمَا يَرَيَانِ جَوَازَ الْبَيْعِ عَلَى الْحُرِّ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ وَسَيَأْتِي فِي الْحَجْرِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ لَا يَرَى ذَلِكَ وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ نَهْرٌ (قَوْلُهُ أُلْزِمَ بِالْإِنْفَاقِ) فَإِنْ غَابَ وَلَا مَالَ لَهُ حَاضِرٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُهُ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَى سَيِّدِهِ إحْيَاءً لِمُهْجَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَ نَفَقَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَالْمُعْتَقِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ أَوْ أَخَذَ) أَيْ ثَوْبًا يَكْتَسِي بِهِ أَمْ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَتَّرَ) أَيْ ضَيَّقَ (قَوْلُهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ (قَوْلُهُ يُجْبَرَانِ عَلَى نَفَقَتِهِ) وَكَذَا وَلَدُ أَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ ادَّعَاهُ الشَّرِيكَانِ، وَعَلَيْهِ إذَا كَبُرَ نَفَقَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ، وَلَوْ أَثْبَتَ أَحَدُهُمَا الْحَقَّ لَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الْآخَرُ لِتَبَرُّعِهِ حَيْثُ تَعَرَّضَ لِمَالِ غَيْرِهِ أَوْ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ رَحْمَتِيٌّ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ أَوْ هَلَكَ يَضْمَنُ لِلْمَالِكِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَالرَّدُّ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا فَمَا بَقِيَ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِمَا يُنْفِقُهُ (قَوْلُهُ وَلَكِنْ إنْ خَافَ إلَخْ) بِأَنْ خَافَ هَرَبَهُ بِالْعَبْدِ أَوْ نَحْوَهُ (قَوْلُهُ أَوْ آخِذُ الْآبِقِ) مَا كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَحْثٌ لِصَاحِبِ النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ وَنَقَلُوا فِي آخِذِ الْآبِقِ إذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى الْإِنْفَاقَ أَصْلَحَ، أَمَرَهُ وَإِنْ خَافَ أَنْ تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ، أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ فَيُقَالُ: إنَّ أَمْرَهُ بِالْإِجَارَةِ أَصْلَحُ فَلَمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ. اهـ فَالْمَنْقُولُ فِي حُكْمِهِ مُخَالِفٌ لِلْمُودَعِ وَالْمُشْتَرَكِ عَلَى أَنَّ الرَّمْلِيَّ وَغَيْرَهُ أَجَابَ بِأَنَّ الْآبِقَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْإِبَاقُ ثَانِيًا فَالْغَالِبُ انْتِفَاءُ أَصْلَحِيَّةِ إجَارَتِهِ لِلْغَيْرِ فَلِذَا سَكَتُوا عَنْهُ ثُمَّ بَحَثَ الرَّمْلِيُّ أَنَّ الْحُكْمَ دَائِرٌ مَعَ الْأَصْلَحِيَّةِ حَتَّى فِي الْمُودَعِ لَوْ كَانَ الْأَصْلَحُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ أَمَرَهُ بِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا تَأَمَّلْ. اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَكَذَلِكَ أَيْ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ إذَا وَجَدَ دَابَّةً ضَالَّةً فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ (قَوْلُهُ أَوْ أَحَدُ شَرِيكَيْ عَبْدٍ إلَخْ) أَيْ فَيَرْفَعُ الشَّرِيكُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي
стр. 1920
وَنَحْوِهَا (لَا يُجِيبُهُ) لِئَلَّا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ (بَلْ يُؤْجِرُهُ وَيُنْفِقُ مِنْهُ أَوْ يَبِيعُهُ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ لِمَوْلَاهُ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْآجِرِ وَالرَّاهِنِ وَالْمُسْتَعِيرِ. وَأَمَّا كُسْوَتُهُ فَعَلَى الْمُعِيرِ، وَتَسْقُطُ بِعِتْقِهِ وَلَوْ زَمِنًا، وَتَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ خُلَاصَةٌ. (دَابَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْإِنْفَاقِ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي) لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ شَرِيكُهُ جَوْهَرَةٌ. وَفِيهَا (وَيُؤْمَرُ) إمَّا بِالْبَيْعِ وَإِمَّا (بِالْإِنْفَاقِ عَلَى بَهَائِمِهِ دِيَانَةً لَا قَضَاءً عَلَى) ظَاهِرِ (الْمَذْهَبِ) لِلنَّهْيِ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ. وَعَنْ الثَّانِي يُجْبَرُ وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَمَالُ، وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. وَلَا يُجْبَرُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ وَإِنْ كَرِهَ تَضْيِيعَ الْمَالِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شِرْكٌ كَمَا مَرَّ. قُلْت: وَفِي الْجَوْهَرَةِ: وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا فَامْتَنَعَ أَحَدُهُمَا أَنْفَقَ الثَّانِي وَرَجَعَ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ: أَنْفَقَ الشَّرِيكُ عَلَى الْعَبْدِ فِي غَيْبَةِ شَرِيكِهِ بِلَا إذْنِ الشَّرِيكِ أَوْ الْقَاضِي
ــ
[رد المحتار]
وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَالْقَاضِي بِالْخِيَارِ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهِ، فَإِنْ قَبِلَهَا فَالْحُكْمُ مَا ذَكَرَ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَيَأْتِي مَا إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْإِنْفَاقِ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهَا) وَهُوَ الْآبِقُ وَالْمُشْتَرَكُ (قَوْلُهُ لَا يُجِيبُهُ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ رَأَى الْإِنْفَاقَ أَصْلَحَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي اللَّقِيطِ وَاللُّقَطَةِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْأَصْلَحِيَّةِ (قَوْلُهُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْآجِرِ وَالرَّاهِنِ) أَيْ نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمَأْجُورِ وَالْمَرْهُونِ عَلَى مَالِكِهِ وَالْمُسْتَعَارِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ،؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي مَنْفَعَتَهُ بِلَا عِوَضٍ، فَهُوَ مَحْبُوسٌ فِي مَنْفَعَتِهِ وَقَدْ مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّ كُلَّ مَحْبُوسٍ لِمَنْفَعَةِ غَيْرِهِ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَا النَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُودَعِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُودِعَ بِكَسْرِ الدَّالِ اسْمُ فَاعِلٍ وَإِلَّا خَالَفَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاضِي يُؤْجِرُهُ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ أَوْ يَبِيعُهُ (قَوْلُهُ وَأَمَّا كُسْوَتُهُ فَعَلَى الْمُعِيرِ) لَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ نَفَقَتِهِ وَكُسْوَتِهِ أَنَّ الطَّعَامَ يَسْتَهْلِكُهُ الْعَبْدُ فِي حَالِ احْتِبَاسِهِ فِي مَنْفَعَةِ الْمُسْتَعِيرِ فَلَا يَمْلِكُهُ الْمَوْلَى، أَمَّا الْكُسْوَةُ فَتَبْقَى فَلَوْ لَزِمَتْهُ كُسْوَتُهُ صَارَتْ مِلْكًا لِمَوْلَى الْعَبْدِ وَالْعَارِيَّةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ. فَفِي إيجَابِ الْكُسْوَةِ عَلَيْهِ إيجَابُ الْعِوَضِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَتَسْقُطُ بِعِتْقِهِ) أَيْ إذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ سَقَطَتْ عَنْهُ نَفَقَتُهُ (قَوْلُهُ وَتَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ) أَيْ إذَا كَانَ عَاجِزًا وَلَيْسَ لَهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (قَوْلُهُ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي) أَيْ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَهَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْآبِي إمَّا أَنْ تَبِيعَ نَصِيبَك مِنْ الدَّابَّةِ أَوْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا رِعَايَةً لِجَانِبِ الشَّرِيكِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ جَوْهَرَةٌ) لَمْ يَذْكُرْ فِي الْجَوْهَرَةِ مَسْأَلَةَ الدَّابَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَا بَعْدَهَا، فَالْمُنَاسِبُ عَزْوُ ذَلِكَ لِلْفَتْحِ أَوْ الْبَحْرِ كَمَا ذَكَرْنَا (قَوْلُهُ وَيُؤْمَرُ إلَخْ) الْمَالِكُ الَّذِي لَا شَرِيكَ مَعَهُ فَهُنَا لَا يُجْبَرُ قَضَاءً. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ شَرِيكٌ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ رِعَايَةً لِحَقِّ الشَّرِيكِ كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ لَا قَضَاءً) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ وَالْكَمَالُ) قَالَ: وَالْحَقُّ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنْ يُتَصَوَّرَ فِيهِ دَعْوَى حِسْبَةٍ فَيُجْبَرُ الْقَاضِي عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَلَا بِدَعَ فِيهِ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ (قَوْلُهُ وَلَا يُجْبَرُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ) أَيْ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالزَّرْعِ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ) أَيْ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ حَيْثُ لَمْ تُمْكِنْ الْقِسْمَةُ كَكَرْيِ نَهْرٍ وَمَرَمَّةِ قَنَاةٍ وَبِئْرٍ وَدُولَابٍ وَسَفِينَةٍ مَعِيبَةٍ وَحَائِطٍ إلَّا إنْ كَانَ يُمْكِنُ قَسْمُهُ مِنْ أَسَاسِهِ وَيَبْنِي كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَصِيبِهِ السُّتْرَةَ. وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الشَّرِكَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ نَظِيرُ مَا مَرَّ آنِفًا فِي الدَّابَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنْ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ شَرِيكُهُ (قَوْلُهُ أَنْفَقَ الثَّانِي وَرَجَعَ عَلَيْهِ) هَذَا خِلَافُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ عَبْدِ الْوَدِيعَةِ. وَأَجَابَ ح بِأَنَّ هَذَا مُتَعَنِّتٌ فِي الِامْتِنَاعِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مَعْذُورٌ بِغَيْبَتِهِ. اهـ. قُلْت: لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْقَاضِي أَوْ الشَّرِيكِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ بَعْدَهُ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: قَالَ أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لِي شَيْءٌ أُنْفِقُهُ وَأَنْفَقَ الْآخَرُ عَلَى حِصَّتِهِ يَبِيعُ الْحَاكِمُ حِصَّةَ الْآبِي مِمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ اسْتَدَانَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَنْفَقَ
стр. 1921
فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وَكَذَا النَّخِيلُ وَالزَّرْعُ الْوَدِيعَةُ وَاللُّقَطَةُ وَالدَّارُ الْمُشْتَرَكَةُ إذَا اسْتَرَمَّتْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كِتَابُ الْعِتْقِ مُيِّزَتْ الْإِسْقَاطَاتُ بِأَسْمَاءٍ اخْتِصَارًا، فَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْ الْقِصَاصِ عَفْوٌ، وَعَمَّا فِي الذِّمَّةِ إبْرَاءٌ، وَعَنْ الْبُضْعِ طَلَاقٌ، وَعَنْ الرِّقِّ عِتْقٌ. وَعَنَوْنَ بِهِ لَا بِالْإِعْتَاقِ لِيَعُمَّ نَحْوَ اسْتِيلَادٍ وَمِلْكِ قَرِيبٍ. (هُوَ) لُغَةً: الْخُرُوجُ عَنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَمَصْدَرُهُ عِتْقٌ وَعَتَاقٌ. وَشَرْعًا (عِبَارَةٌ عَنْ إسْقَاطِ الْمَوْلَى
ــ
[رد المحتار]
مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ قَالَ الشَّرِيكُ أُنْفِقُ عَلَى حِصَّتِهِ أَيْضًا وَيَكُونُ ذَا دَيْنًا عَلَى الْمَوْلَى فَعَلَ، لَكِنْ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ دَيْنًا عَلَى الْعَبْدِ بَلْ عَلَى الْمَوْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ الْوَدِيعَةِ وَاللُّقَطَةِ) أَيْ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ شَاءَ الْقَاضِي قَبِلَهُ وَأَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ إنْ كَانَ أَصْلَحَ وَإِلَّا أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ مِنْ أُجْرَتِهَا أَوْ مِنْ مَالِ الْمَأْمُورِ أَيُّهُمَا كَانَ أَصْلَحَ يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ إذَا اسْتَرَمَّتْ) أَيْ احْتَاجَتْ لِلْإِصْلَاحِ كَأَنَّهَا تَطْلُبُهُ. وَفِي الْمِصْبَاحِ: رَمَّمْت الْحَائِطَ وَغَيْرَهُ رَمًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ أَصْلَحْتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْعِتْقِ]
(قَوْلُهُ مُيِّزَتْ الْإِسْقَاطَاتُ إلَخْ) جَمْعُ إسْقَاطٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ لِإِسْقَاطِ حَقٍّ لِلْعَبْدِ عَلَى آخَرَ، وَأَشَارَ إلَى وَجْهِ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْعِتْقِ عَقِبَ الطَّلَاقِ وَهُوَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إسْقَاطُ الْحَقِّ، وَقَدَّمَ الطَّلَاقَ لِمُنَاسَبَةِ النِّكَاحِ (قَوْلُهُ اخْتِصَارًا) ؛ لِأَنَّ أَعْتَقَ أَخْصَرُ مِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ عَنْ مَمْلُوكِهِ، وَكَذَا الْبَاقِي (قَوْلُهُ وَعَنْ الرِّقِّ عَتَقَ) الْمُنَاسِبُ إعْتَاقٌ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَائِمٌ بِالْعَبْدِ، وَالْإِعْتَاقُ وَهُوَ الْإِسْقَاطُ فِعْلُ الْمَوْلَى، أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ أَعْتَقْته فَهُوَ مُعْتَقٌ لَا بِنَفْسِهِ فَلَا يُقَالُ عَتَقَهُ وَلَا أَعْتَقَ هُوَ بِالْأَلِفِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ بَلْ الثُّلَاثِيُّ لَازِمٌ وَالرُّبَاعِيُّ مُتَعَدٍّ، وَلَا يَجُوزُ عَبْدٌ مَعْتُوقٌ؛ لِأَنَّ مَجِيءَ مَفْعُولٍ مِنْ أَفْعَلْت شَاذٌّ مَسْمُوعٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَتِيقٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَجَمْعُهُ عُتَقَاءُ، وَأَمَةٌ عَتِيقٌ أَيْضًا وَرُبَّمَا قِيلَ عَتِيقَةٌ وَجَمْعُهُ عَتَائِقُ. اهـ. لَكِنْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ يُقَالُ الْعِتْقُ بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْفِقْهِيِّ تَجَوُّزًا بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ، كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكَ. اهـ
(قَوْلُهُ وَعَنْوَنَ بِهِ إلَخْ) أَيْ جَعَلَهُ عُنْوَانًا بِضَمِّ الْعَيْنِ وَقَدْ تُكْسَرُ: مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الشَّيْءِ مِصْبَاحٌ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْعِتْقَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِمَنْ كَانَ رَقِيقًا وَالْإِعْتَاقُ إيقَاعُ الْعِتْقِ مِنْ الْمَوْلَى، وَلَيْسَ فِي الِاسْتِيلَادِ وَمِلْكِ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ بَلْ عِتْقٌ فَلِذَا عَنْوَنَ بِهِ لَا بِالْإِعْتَاقِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الِاسْتِيلَادَ وَالشِّرَاءَ فِعْلُ الْمَوْلَى. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِمَوْتِ سَيِّدِ الْمُسْتَوْلَدَةِ. وَفِي الشِّرَاءِ: هُوَ أَثَرُ الْمِلْكِ لَا فِعْلٌ مِنْهُ (قَوْلُهُ لُغَةً الْخُرُوجُ عَنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَرَدَّ بِهِ قَوْلَهُمْ إنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْقُوَّةُ. وَفِي الشَّرْعِ الْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا رَدَّهُ نَقَلَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَعَلَيْهِ جَرَى كَثِيرٌ، فَبَعْدَ كَوْنِ النَّاقِلِ ثِقَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَى رَدٍّ. قُلْت: وَحَقَّقَ فِي الْفَتْحِ هَذَا الْمَقَامَ بِمَا يُشْفِي الْمَرَامَ (قَوْلُهُ وَمَصْدَرُهُ عَتْقٌ وَعَتَاقٌ) وَكَذَا عَتَاقَةٌ بِفَتْحِ الْأَوَّلِ فِيهِنَّ، وَالْعِتْقُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْهُ مِصْبَاحٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الْأَوَّلَ بِالْكَسْرِ وَالثَّانِي بِالْفَتْحِ لَمْ أَجِدْهُ فِيهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَشَرْعًا عِبَارَةٌ عَنْ إسْقَاطٍ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ عَنْ سُقُوطٍ،؛ لِأَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ الْعِتْقُ، وَالْإِسْقَاطُ مَعْنَى الْإِعْتَاقِ كَمَا عَلِمْت إلَّا أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْعِتْقَ عَلَى الْإِعْتَاقِ تَجَوُّزًا كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ مَا اسْتَوْفَى رُكْنَهُ وَشُرُوطَهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَمِلْكِ الْقَرِيبِ بِشِرَاءٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ فِيهِ إسْقَاطًا مَعْنًى وَإِلَّا كَانَ التَّعْرِيفُ قَاصِرًا فَافْهَمْ. وَعَرَّفَهُ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْمَمْلُوكِ، وَهِيَ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَهْلِيَّتِهِ لِلْوِلَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ، وَرَفْعِ تَصَرُّفِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ.
стр. 1922
حَقَّهُ عَنْ مَمْلُوكِهِ بِوَجْهٍ) مَخْصُوصٍ (يَصِيرُ بِهِ الْمَمْلُوكُ) أَيْ بِالْإِسْقَاطِ الْمَذْكُورِ (مِنْ الْأَحْرَارِ) وَرُكْنُهُ: اللَّفْظُ الدَّالُ عَلَيْهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، كَمِلْكِ قَرِيبٍ وَدُخُولِ حَرْبِيٍّ اشْتَرَى مُسْلِمًا دَارَ الْحَرْبِ. وَصِفَتُهُ وَاجِبٌ لِكَفَّارَةٍ، وَمُبَاحٌ بِلَا نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ حَتَّى صَحَّ مِنْ الْكَافِرِ. وَمَنْدُوبٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى لِحَدِيثِ عِتْقِ الْأَعْضَاءِ، وَهَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَدْبِيرٍ وَشِرَاءِ قَرِيبٍ؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ، وَمَكْرُوهٌ لِفُلَانٍ، وَحَرَامٌ بَلْ كُفْرٌ لِلشَّيْطَانِ.
ــ
[رد المحتار]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي عِتْقِ الْبَعْضِ أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا، وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْإِعْتَاقُ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ. فَعِنْدَهُ زَوَالُ الْمِلْكِ وَيَتْبَعُهُ زَوَالُ الرِّقِّ، لَكِنْ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْكُلِّ. وَعِنْدَهُمَا زَوَالُ الرِّقِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْرِيفَيْنِ يَأْتِي عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَوَّلِ إسْقَاطُ الْمِلْكِ أَوْ إسْقَاطُ الرِّقِّ، وَبِالثَّانِي إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الْمُسْتَتْبِعَةِ لِزَوَالِ الْمِلْكِ أَوْ زَوَالِ الرِّقِّ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ يَصِيرُ بِهِ الْمَمْلُوكُ مِنْ الْأَحْرَارِ) خَرَجَ بِهِ التَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَأَدَاءُ النُّجُومِ فَإِنَّ فِيهِمَا إسْقَاطُ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، لَكِنْ لَمْ يَصِرْ الْعَبْدُ بِهِمَا مِنْ الْأَحْرَارِ ط، (قَوْلُهُ وَرُكْنُهُ اللَّفْظُ الدَّالُ عَلَيْهِ) سَوَاءٌ كَانَ إقْرَارًا بِالْحُرِّيَّةِ أَوْ ادِّعَاءِ النَّسَبِ أَوْ لَفْظًا إنْشَائِيًّا وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى الْعِتْقِ سَوَاءٌ نَشَأَ عَنْ إعْتَاقٍ أَمْ لَا، لِيَصِحَّ قَوْلُهُ وَمِلْكِ قَرِيبٍ ط (قَوْلُهُ وَدُخُولِ حَرْبِيٍّ إلَخْ) صُورَتُهُ: اشْتَرَى حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ عَبْدًا مُسْلِمًا فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ عَتَقَ عِنْدَ مَوْلَانَا الْإِمَامِ ﵁ وَقَالَ صَاحِبَاهُ لَا يَعْتِقُ ط وَإِنَّمَا عَتَقَ إقَامَةً لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ مَقَامَ الْإِعْتَاقِ، وَهَذِهِ إحْدَى مَسَائِلَ تِسْعٍ يَعْتِقُ الْعَبْدُ فِيهَا بِلَا إعْتَاقٍ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ حُكْمِيٌّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ قُبَيْلَ بَابِ الْمُسْتَأْمَنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ وَاجِبٌ لِكَفَّارَةٍ) أَيْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ وَظِهَارٍ وَإِفْطَارٍ وَيَمِينٍ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ أَوْ الِافْتِرَاضِ قَوْلَانِ ط (قَوْلُهُ بِلَا نِيَّةٍ) أَيْ نِيَّةِ قُرْبَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ ط (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ) أَيْ وَضْعًا وَيَصِيرُ عِبَادَةً أَوْ مَعْصِيَةً بِالنِّيَّةِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ عِتْقِ الْأَعْضَاءِ) هُوَ مَا رَوَاهُ السِّتَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ» وَفِي لَفْظٍ «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكُهُ مِنْ النَّارِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد «وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ إلَّا كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ يُجْزِئُ مَكَانَ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ» وَهَذَا دَلِيلُ مَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ اسْتِحْبَابِ عِتْقِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ عِتْقَهُ بِعِتْقِ الْمَرْأَتَيْنِ، بِخِلَافِ عِتْقِهِ رَجُلًا كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَهَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ) أَيْ الْمَنْدُوبُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ مَعَ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى مَادَّةِ الْعِتْقِ، وَالْبَحْثُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ ط (قَوْلُهُ الظَّاهِرُ نَعَمْ) ؛ لِأَنَّ بِالتَّدْبِيرِ إعْتَاقًا مَآلًا وَبِشِرَاءِ الْقَرِيبِ إعْتَاقًا وَصِلَةً، وَفِي الْحَدِيثِ «لَنْ يُجْزِئَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ رَقِيقًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» أَيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ شِرَائِهِ عِتْقُهُ إذْ هُوَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَكْرُوهٌ لِفُلَانٍ) صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُبَاحِ، وَكَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِعْتَاقِ لِآدَمِيٍّ وَبَيْنَ الْإِعْتَاقِ لِلشَّيْطَانِ، وَعَلَّلَ حُرْمَةَ الْإِعْتَاقِ لِلشَّيْطَانِ بِأَنَّهُ قَصَدَ تَعْظِيمَهُ. اهـ أَيْ بِخِلَافِ قَصْدِ تَعْظِيمِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَحَرَامٌ بَلْ كُفْرٌ لِلشَّيْطَانِ) وَكَذَا لِلصَّنَمِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ كُفْرٌ هُوَ مَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ الْجَوْهَرَةِ أَنَّ تَعْظِيمَهُمَا دَلِيلُ الْكُفْرِ الْبَاطِنِ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَلَوْ هَزَلًا فَيُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ التَّقَرُّبَ وَالْعِبَادَةَ وَإِلَّا فَهُوَ كُفْرٌ بِلَا شُبْهَةٍ سَوَاءٌ كَانَ لِفُلَانٍ أَوْ لِلشَّيْطَانِ. وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مِنْ الْإِعْتَاقِ الْمُحَرَّمِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ يَذْهَبُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَوْ يَرْتَدُّ
стр. 1923
(وَيَصِحُّ مِنْ حُرٍّ مُكَلَّفٍ) وَلَوْ سَكْرَانَ أَوْ مُكْرَهًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ لَا يَعْلَمُ بِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ كَقَوْلِ الْغَاصِبِ لِلْمَالِكِ أَوْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي أَعْتِقْ عَبْدِي هَذَا وَأَشَارَ إلَى الْمَبِيعِ عَتَقَ، لَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَعْتُوهٍ وَمَدْهُوشٍ وَمُبَرْسَمٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَمَجْنُونٍ وَنَائِمٍ كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُمْ؛ وَلَوْ أَسْنَدَهُ لِحَالَةٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ قَالَ وَأَنَا حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لَهُ (فِي مِلْكِهِ) وَلَوْ رَقَبَةً كَمُكَاتَبٍ، وَخَرَجَ عِتْقُ الْحَمْلِ إذَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ (وَلَوْ لِأَقَلَّ صَحَّ وَلَوْ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ)
ــ
[رد المحتار]
أَوْ يَخَافُ مِنْهُ السَّرِقَةَ وَقَطْعَ الطَّرِيقِ، وَيَنْفُذُ عِتْقُهُ مَعَ تَحْرِيمِهِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ. قَالَ: وَفِي عِتْقِ الْعَبْدِ الذِّمِّيِّ مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا أَجْرٌ لِتَحْصِيلِ الْجِزْيَةِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. .
[فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ لِلْعِتْقِ كِتَابًا وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ شُهُودًا] ١
[فَرْعٌ] فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ لِلْعِتْقِ كِتَابًا، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ شُهُودًا تَوْثِيقًا وَصِيَانَةً عَنْ التَّجَاحُدِ وَالتَّنَازُعِ فِيهِ كَمَا فِي الْمُدَايَنَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ التِّجَارَاتِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهَا، فَالْكِتَابَةُ فِيهَا تُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَلَا كَذَلِكَ الْعِتْقُ.
(قَوْلُهُ وَيَصِحُّ مِنْ حُرٍّ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ عَبْدٍ وَلَوْ مُكَاتَبًا لِمَنْعِهِ عَنْ التَّبَرُّعَاتِ أَوْ مَأْذُونًا لِذَلِكَ وَلِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ ذِكْرِ الْمِلْكِ (قَوْلُهُ مُكَلَّفٍ) أَيْ عَاقِلٍ بَالِغٍ، وَمُحْتَرَزُهُ قَوْلُهُ لَا مِنْ صَبِيٍّ إلَخْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ وَلَوْ مُرْتَدًّا. أَمَّا إعْتَاقُ الْمُرْتَدِّ فَمَوْقُوفٌ عِنْدَهُ نَافِذٌ عِنْدَهُمَا، وَلَا قَبُولَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ إلَّا فِي الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ بَحْرٌ، وَلَا النُّطْقَ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ الْمُسْتَبِينَةِ وَالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ بَدَائِعُ أَيْ مِنْ الْأَخْرَسِ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَكْرَانَ أَوْ مُكْرَهًا إلَخْ) سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ التَّصْرِيحُ بِهَذَيْنِ، لَكِنْ ذَكَرَهُمَا تَتْمِيمًا لِلتَّعْمِيمِ فَإِنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ صَاحِيًا أَوْ طَائِعًا أَوْ عَامِدًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ؛ لِأَنَّ السَّكْرَانَ بِمَحْظُورٍ غَيْرُ مَعْذُورٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ الصَّاحِي فِي الْأَحْكَامِ.
وَالْمُكْرَهُ اخْتَارَ أَيْسَرَ الْأَمْرَيْنِ فَكَانَ قَاصِدًا لَهُ وَإِنَّ عَدَمَ الرِّضَا وَمَا صَحَّ مَعَ الْهَزْلِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى الرِّضَا وَلِذَا صَحَّ مِنْ الْمُخْطِئِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَأَشَارَ إلَى الْمَبِيعِ) فِيهِ اكْتِفَاءٌ وَالْأَصْلُ أَوْ إلَى الْمَغْصُوبِ (قَوْلُهُ عَتَقَ) أَيْ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَالِكُ أَعْتَقْتُهُ، وَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ وَبِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ مِنْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ شَيْءٌ سَائِحَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَعْتُوهٍ إلَخْ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الطَّلَاقِ بَيَانُ مَعَانِيهَا فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَمَجْنُونٍ) أَيْ فِي حَالِ جُنُونِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَأَعْتَقَ فِي حَالَ إفَاقَتِهِ يَصِحُّ (قَوْلُهُ أَوْ قَالَ وَأَنَا حَرْبِيٌّ إلَخْ) كَوْنُهُ حَرْبِيًّا غَيْرَ قَيْدٍ بَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْعَبْدِ حَرْبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِالتَّخْلِيَةِ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ كَمَا يَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ) أَيْ عُلِمَ مِنْهُ وُقُوعُ الْعَتَهِ وَنَحْوِهِ، وَكَوْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَأَمَّا الصِّبَا وَالنَّوْمُ فَمَعْلُومَانِ قَطْعًا، لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ تَصْدِيقِهِ فِيهِمَا بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ مِلْكَهُ لَهُ بَعْدَ صِبَاهُ وَبَعْدَ إفَاقَتِهِ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ لَهُ) وَهَلْ يَحْلِفُ إذَا طَلَبَ الْعَبْدُ تَحْلِيفَهُ يُحَرَّرُ ط. قُلْت: كُلُّ مَنْ إذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ رَجَاءَ نُكُولِهِ إلَّا فِي اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ تَأْتِي قُبَيْلَ الْبُيُوعِ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا (قَوْلُهُ فِي مِلْكِهِ) خَرَجَ إعْتَاقُ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ، وَلَا يَرِدُ عِتْقُ الْفُضُولِيِّ الْمُجَازُ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ إذَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِهِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِإِضَافَةٍ إلَيْهِ) أَيْ بِإِضَافَةِ الْعِتْقِ إلَى الْمِلْكِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ وُجُودُ الْمِلْكِ وَقْتَ وُقُوعِ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ مُنْجَزًا اُشْتُرِطَ وُجُودُ الْمِلْكِ وَقْتَ التَّنْجِيزِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُقُوعِ وَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِالْمِلْكِ أَوْ سَبَبِهِ اُشْتُرِطَ تَحَقُّقُ ذَلِكَ فَيَنْزِلُ الْجَزَاءُ وَقْتَ الْمِلْكِ.
стр. 1924
كَإِنْ مَلَكْتُك، أَوْ إلَى سَبَبِهِ كَإِنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، بِخِلَافِ إنْ مَاتَ مُوَرِّثِي فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ.
وَمِنْ لَطَائِفِ التَّعْلِيقِ قَوْلُهُ لِأَمَتِهِ: إنْ مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَبَاعَهَا لِأَبِيهِ ثُمَّ نَكَحَهَا فَقَالَ إنْ مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَمَاتَ الْأَبُ لَمْ تَطْلُقْ وَلَمْ تَعْتِقْ ظَهِيرِيَّةٌ، وَكَأَنَّهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ مُقَارِنًا لَهُمَا بِالْمَوْتِ فَتَأَمَّلْ. (بِصَرِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ) سَوَاءٌ وَصَفَهُ بِهِ (كَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ) عِتْقٌ أَوْ (عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ أَوْ مُحَرَّرٌ) وَلَوْ ذَكَرَ الْخَبَرَ فَقَطْ -
ــ
[رد المحتار]
وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ بِالْمِلْكِ أَوْ بِسَبَبِهِ كَالشِّرَاءِ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ الْمِلْكِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ، وَإِنْ عَلَّقَ بِغَيْرِهِمَا كَدُخُولِ الدَّارِ اُشْتُرِطَ وُجُودُ الْمِلْكِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ وَوَقْتَ نُزُولِ الْجَزَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمِلْكِ فِيمَا بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ بِخِلَافِ إلَخْ) مُحْتَرَزُ الْإِضَافَةِ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الْمُوَرِّثِ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْمُوَرِّثِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَإِنْ بَقِيَ فَقَدْ يُوجَدُ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ كَقَتْلٍ وَرِدَّةٍ، نَعَمْ إذَا قَالَ إنْ وَرِثْتُك فَهُوَ مِثْلُ إنْ اشْتَرَيْتُك وَهَذَا إذَا كَانَ الْخِطَابُ لِعَبْدِ الْمُوَرِّثِ، أَمَّا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ مَاتَ مُوَرِّثِي فَأَنْتَ حُرٌّ فَهُوَ مِثْلُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ) أَيْ لَيْسَ سَبَبًا مُسَاوِيًا بَلْ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ كَمَا قُلْنَا، فَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ فِي أَوَّلِ بَابِ التَّعْلِيقِ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَجْتَمِعُ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ لَمْ تَطْلُقْ وَكَذَا كُلُّ جَارِيَةٍ أَطَؤُهَا فَهِيَ حُرَّةٌ فَاشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا لَمْ تَعْتِقْ أَيْ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي فِرَاشٍ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ عَنْ نِكَاحٍ كَمَا أَنَّ وَطْءَ الْجَارِيَةِ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ عَنْ مِلْكٍ فَلَمْ تُوجَدْ الْإِضَافَةُ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ (قَوْلُهُ فَمَاتَ الْأَبُ) أَيْ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا غَيْرَهُ أَوْ تَرَكَ بِالْأَوْلَى ط (قَوْلُهُ وَكَأَنَّهُ إلَخْ) التَّوْجِيهُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ.
وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْعِتْقَ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ وَحِينَ الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَلَا تَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عَقِبَهُ. وَالْمُعَلَّقُ بِشَيْءٍ وَهُوَ الْعِتْقُ هُنَا يَقَعُ بَعْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ الْمَوْتُ فَصَارَ كُلٌّ مِنْ الْمِلْكِ وَالْعِتْقِ حَاصِلًا عَقِبَ الْمَوْتِ فِي آنٍ وَاحِدٍ وَشَرْطُ الْعِتْقِ وُقُوعُهُ عَلَى مَمْلُوكٍ وَهِيَ لَمْ تَصِرْ مَمْلُوكَةً إلَّا مَعَ وُجُودِ الْعِتْقِ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ قَبْلَهُ فَلَمْ يَقَعْ وَكَذَا الطَّلَاقُ مُعَلَّقٌ عَلَى الْمَوْتِ فَحَقُّهُ أَنْ يُوجَدَ عَقِبَهُ لَكِنْ وُجِدَ الْمِلْكُ عَقِبَ الْمَوْتِ أَيْضًا وَانْفَسَخَ بِهِ النِّكَاحُ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي وَقْتِ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ كَمَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك فَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ ثَبَتَ الْمِلْكُ مُقَارِنًا لَهُمَا وَلَا بُدَّ مِنْ سَبْقِهِ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَقَعَا وَلَمْ يُوجَدْ فَلِذَا لَمْ تَطْلُقْ وَلَمْ تَعْتِقْ فَلَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَوْ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا مَلَكَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا لِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلْقَتَيْنِ الْمُعَلَّقَتَيْنِ أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ (قَوْلُهُ بِالْمَوْتِ) مُتَعَلِّقٌ بِثَبَتَ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ح (قَوْلُهُ فَتَأَمَّلْ) أَشَارَ بِهِ إلَى دِقَّةِ تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ ح.
(قَوْلُهُ بِصَرِيحِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَصِحَّ. وَصَرِيحُهُ كَمَا فِي الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِ: مَا وُضِعَ لَهُ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الشَّرْعُ وَالْعُرْفُ وَاللُّغَةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي ذَلِكَ فَكَانَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً عَلَى وَفْقِ اللُّغَةِ فِيهَا، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ بِلَا نِيَّةٍ) أَيْ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى نِيَّتِهِ، فَيَقَعُ بِهِ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَكَذَا لَوْ نَوَى غَيْرَهُ فِي الْقَضَاءِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَقَعُ، كَمَا لَوْ قَالَ نَوَيْت بِالْمَوْلَى النَّاصِرَ، وَإِنْ نَوَى الْهَزْلَ وَقَعَ قَضَاءً وَدِيَانَةً كَمَا يَقْتَضِيه كَلَامُ مُحَمَّدٍ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ أَرَدْت بِهِ اللَّعِبَ يَعْتِقُ قَضَاءً وَدِيَانَةً (قَوْلُهُ كَأَنْتَ حُرٌّ) أَيْ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا لِكُلٍّ مِنْ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ كَمَا يَذْكُرُهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ.
مَطْلَبٌ الْفُقَهَاءُ لَا يَعْتَبِرُونَ الْإِعْرَابَ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَفِي حُرُوفِ الْمَعَانِي مِنْ الْكَشْفِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يَعْتَبِرُونَ الْإِعْرَابَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: زَنَيْتِ بِكَسْرِ التَّاءِ أَوْ لِامْرَأَةٍ بِفَتْحِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ (قَوْلُهُ أَوْ عَتِقٌ) يُحْتَمَلُ قِرَاءَتُهُ بِكَسْرِ التَّاءِ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ فَيُنَاسِبُ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ السُّكُونُ مَصْدَرًا فَإِنَّهُ مِنْ الصَّرِيحِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَتْحِ خِلَافًا لِمَا فِي جَوَامِعِ
стр. 1925
كَانَ كِنَايَةً (أَوْ) أَخْبَرَ نَحْوَ (حَرَّرْتُك أَوْ أَعْتَقْتُك أَوْ أَعْتَقَك اللَّهُ) فِي الْأَصَحِّ ظَهِيرِيَّةٌ (أَوْ هَذَا مَوْلَايَ أَوْ) نَادَى نَحْوَ (يَا مَوْلَايَ) أَوْ يَا مَوْلَاتٍ، بِخِلَافِ أَنَا عَبْدُك فِي الْأَصَحِّ (أَوْ يَا حُرُّ أَوْ يَا عَتِيقُ) . وَلَوْ قَالَ أَرَدْت الْكَذِبَ أَوْ حُرِّيَّتَهُ مِنْ الْعَمَلِ دُيِّنَ (إلَّا إذَا سَمَّاهُ بِهِ) وَأَشْهَدَ وَقْتَ تَسْمِيَتِهِ خَانِيَةً، فَلَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُرِدْ الْإِنْشَاءَ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ (ثُمَّ) بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ بِالْحُرِّ (إذَا نَادَاهُ)
ــ
[رد المحتار]
الْفِقْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ فِي أَنْتَ عَتْقٌ أَوْ إعْتَاقٌ، فَفِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ كَانَ كِنَايَةً) فَيُتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ حُرٌّ فَقِيلَ لَهُ لِمَنْ عَنَيْت، فَقَالَ عَبْدِي عَتَقَ عَبْدُهُ بَحْرٌ.
قُلْت: لَكِنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ لَيْسَتْ نِيَّةَ مَعْنَى الْعِتْقِ بَلْ نِيَّةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ الْمَحْذُوفَ لَمَّا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ عَبْدِي وَأَنْ يَكُونَ عَبْدَ فُلَانٍ مَثَلًا تَوَقَّفَ إعْتَاقُ عَبْدِهِ عَلَى قَصْدِهِ إيَّاهُ لَا عَلَى قَصْدِهِ مَعْنَى التَّحْرِيرِ الشَّرْعِيِّ، وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ كِنَايَةٌ نَظَرٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ أَخْبَرَ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَصَفَهُ بِهِ: أَيْ أَتَى بِصِيغَةِ الْخَبَرِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْإِنْشَاءِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّرِيحِ وَهُوَ مَا وُضِعَ لَهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَعْتَقَكَ اللَّهُ؛ لِأَنِّي أَعْتَقْتُك، وَعَنْ هَذَا أَفْتَى قَارِئُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ فِي أَبْرَأَكَ اللَّهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ وَلَا سِيَّمَا وَالْعُرْفُ يُسَاعِدُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْخُلْعِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا قِيلَ: إنَّهُ إنَّمَا يَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ كَمَا حَكَاهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ أَوْ هَذَا مَوْلَايَ) فَإِنَّهُ مُلْحَقٌ بِالصَّرِيحِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَأْتِي لِمَعَانٍ أَوْصَلَهَا ابْنُ الْأَثِيرِ إلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ كَالنَّاصِرِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ وَالْمُعْتَقِ بِالْفَتْحِ إلَّا أَنَّ إضَافَتَهُ لِلْعَبْدِ تُعَيِّنُ الْأَخِيرَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَأَيَّدَهُ الْأَتْقَانِيُّ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْبَحْرِ. وَفِيهِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ قَالَ أَنْتِ مَوْلَى فُلَانٍ عَتَقَ قَضَاءً كَأَنْتَ عَتِيقُ فُلَانٍ بِخِلَافِ أَعْتَقَك فُلَانٌ (قَوْلُهُ أَوْ نَادَى) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَصَفَهُ ط؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى فَإِذَا نَادَاهُ بِوَصْفٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ كَانَ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ الْوَصْفِ دُرَرٌ (قَوْلُهُ نَحْوُ يَا مَوْلَايَ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِيَا سَيِّدِي أَوْ يَا سَيِّدَ أَوْ يَا مَالِكِي، إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ بَحْرٌ أَيْ وَحَقِيقَتُهُ كَذِبٌ، بِخِلَافِ يَا مَوْلَايَ. وَفِي النَّهْرِ: وَقِيلَ يَعْتِقُ وَالْأَصَحُّ لَا، مَا لَمْ يَنْوِ (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ.
حُكِيَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ جَاءَتْ جَارِيَتُهُ بِسِرَاجٍ فَوَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهَا مَا أَصْنَعُ بِالسِّرَاجِ فَوَجْهُكِ أَضْوَأُ مِنْ السِّرَاجِ يَا مَنْ أَنَا عَبْدُكِ، قَالَ: هَذِهِ كَلِمَةُ لُطْفٍ لَا تَعْتِقُ بِهَا، هَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْعِتْقَ، فَإِنْ نَوَى عَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ خَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ دُيِّنَ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى، أَمَّا الْقَاضِي فَلَا يُصَدِّقُهُ، وَكَذَا لَوْ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ كَمَا يَذْكُرُهُ قَرِيبًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَادَ الْهَزْلَ أَوْ اللَّعِبَ فَإِنَّهُ لَا يُدَيَّنُ أَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ قَصَدَ التَّلَفُّظَ بِمَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْعِتْقِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَعْنًى آخَرَ فَتَعَيَّنَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، أَمَّا هُنَا فَقَدْ أَرَادَ بِهِ مَعْنًى آخَرَ يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ، فَصَحَّ قَصْدُهُ دِيَانَةً لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلِذَا لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُنْتَقَى: لَهُ عِنْدَ حِلِّ دَمِهِ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ لَهُ أَعْتَقْتُك ثُمَّ قَالَ نَوَيْت بِهِ الْعِتْقَ عَنْ الدَّمِ عَتَقَ قَضَاءً وَلَزِمَهُ الْعَفْوُ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَفْوُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْقِصَاصِ كَانَ كَمَا قَالَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ قِصَاصٌ فَقَالَ أَعْتَقْتُك فَهُوَ عَفْوٌ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا (قَوْلُهُ إلَّا إذَا سَمَّاهُ) ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ الْإِعْلَامُ بِاسْمِ عَلِمَهُ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَأَشْهَدَ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ سَمَّاهُ بِذَلِكَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِهِ عِنْدَ النَّاسِ، فَلَوْ مَعْرُوفًا بِهِ لَا يَعْتِقُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ) رَدَّ عَلَى مَا فِي التَّنْقِيحِ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ سَمَّى الْمَرْأَةَ بِطَالِقٍ حَيْثُ يَقَعُ إذَا نَادَاهَا؛ لِأَنَّهُ عُهِدَ التَّسْمِيَةُ بِحُرٍّ كَالْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، بِخِلَافِ طَالِقٍ فَإِنَّهُ لَمْ تُعْهَدْ التَّسْمِيَةُ بِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْهُودًا وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَشْهَدَ وَقْتَ
стр. 1926
بِمُرَادِفِهِ (بِالْعَجَمِيَّةِ) كَيَا أَزَادَ (أَوْ عَكَسَ) بِأَنْ سَمَّاهُ بِأَزَادَ وَنَادَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ بِيَا حُرُّ (عَتَقَ) لِعَدَمِ الْعَلَمِيَّةِ (وَكَذَا رَأْسُك) حُرٌّ (وَوَجْهُك) حُرٌّ (وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْبَدَنِ) كَمَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ كَثُلُثِهِ عَتَقَ ذَلِكَ الْقَدْرُ لِتَجَزِّيهِ عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا سَيَجِيءُ. وَمِنْ الصَّرِيحِ قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ وَلِأَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ خَانِيَّةٌ، وَمِنْهُ وَهَبْتُك أَوْ بِعْتُك نَفْسَك فَيَعْتِقُ مُطْلَقًا، وَلَوْ زَادَ بِكَذَا تَوَقَّفَ عَلَى الْقَبُولِ فَتْحٌ، وَمِنْهُ الْمَصْدَرُ نَحْوَ الْعَتَاقُ عَلَيْك وَعِتْقُك عَلَيَّ فَيَعْتِقُ بِلَا نِيَّةٍ، وَلَوْ زَادَ وَاجِبٌ لَمْ يَعْتِقْ لِجَوَازِ وُجُوبِهِ لِكَفَّارَةٍ ظَهِيرِيَّةٍ. وَفِي الْبَدَائِعِ: قِيلَ لَهُ أَعْتَقْت عَبْدَك؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ لَمْ يَعْتِقْ،
ــ
[رد المحتار]
التَّسْمِيَةِ فِيهِمَا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْفَرْقِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي التَّنْقِيحِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ أَوْ الشُّهْرَةِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ بِمُرَادِفِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ) أَيْ بِلَفْظِهِ الْأَعْجَمِيِّ، وَلَيْسَ احْتِرَازًا عَنْ مُرَادِفِهِ الْعَرَبِيِّ كَيَا عَتِيقُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ.
(قَوْلُهُ كَيَا أَزَادْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا أَلْفٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ح (قَوْلُهُ لِعَدَمِ الْعَلَمِيَّةِ) ؛ لِأَنَّ الْعَلَمِيَّةَ بِصِيغَةِ حُرٍّ أَوْ أَزَادْ لَا بِالْمَعْنَى فَيُعْتَبَرُ إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ لَا طَلَبًا لِإِقْبَالِ الذَّاتِ (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُمَا) مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْبَدَنِ كَالْفَرْجِ لِلْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، بِخِلَافِ الذَّكَرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خَانِيَّةٌ، وَكَذَا رَقَبَتُك أَوْ بَدَنُك أَوْ بَدَنُك، كَبَدَنِ حُرٍّ (قَوْلُهُ كَثُلُثِهِ) وَلَوْ قَالَ سَهْمٌ مِنْك حُرٌّ عَتَقَ سُدُسٌ، وَلَوْ قَالَ جُزْءٌ أَوْ شَيْءٌ يَعْتِقُ مِنْهُ مَا شَاءَ الْمَوْلَى فِي قَوْلِهِ بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ لِتَجَزِّيهِ عِنْدَ الْإِمَامِ) أَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ اتِّفَاقًا فَذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ، فَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا سَهْوٌ بَحْرٌ وَلَعَلَّهُ بَنَى التَّسْوِيَةَ عَلَى قَوْلِهِمَا (قَوْلُهُ وَمِنْ الصَّرِيحِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يَعْتَبِرُونَ الْإِعْرَابَ كَمَا مَرَّ آنِفًا (قَوْلُهُ وَمِنْهُ وَهَبْتُك أَوْ بِعْتُك نَفْسَك) زَادَ فِي الْخَانِيَّةِ تَصَدَّقْت بِنَفْسِك عَلَيْك، فَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مُلْحَقَةٌ بِالصَّرِيحِ، وَقِيلَ إنَّهَا كِنَايَةٌ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الصَّرِيحَ يَخُصُّ الْوَضْعِيَّ. وَالْحَقُّ أَنَّهَا صَرَائِحُ حَقِيقَةٌ كَمَا قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخُصُّ الْوَضْعِيَّ وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَيَعْتِقُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ قَبِلَ، أَوْ لَا، نَوَى، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ مِنْ الْوَاهِبِ وَالْبَائِعِ إزَالَةُ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى الْقَبُولِ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمَا، وَهُنَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مَمْلُوكًا لِنَفْسِهِ فَبَقِيَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ إزَالَةُ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقِيقِ لَا إلَى أَحَدٍ، وَهَذَا مَعْنَى الْإِعْتَاقِ بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ تَوَقَّفَ عَلَى الْقَبُولِ) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ (قَوْلُهُ لِجَوَازِ وُجُوبِهِ لِكَفَّارَةٍ ظَهِيرِيَّةٍ) تَمَامُ عِبَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ هَكَذَا: بِخِلَافِ طَلَاقُكِ عَلَيَّ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الطَّلَاقِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ حُكْمُهُ، وَحُكْمُهُ وُقُوعُهُ، أَمَّا الْعِتْقُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا. اهـ أَيْ فَإِذَا صَرَّحَ بِالْوُجُوبِ فِي الْعِتْقِ وَلَمْ يَنْوِ الْعِتْقَ صُدِّقَ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ. وَاعْتَرَضَ الرَّحْمَتِيُّ بِأَنَّ عَلَى تُفِيدُ اللُّزُومَ فَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْوُجُوبِ. اهـ. قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّ الْوُجُوبَ أَوْ اللُّزُومَ عَامِلٌ خَاصٌّ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لَفْظُ عَلَى بِدُونِ قَرِينَةٍ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرَارِ الْعَامِّ وَالْحُصُولِ فَيَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ تَأَمَّلْ.
وَاعْتَرَضَ الرَّمْلِيُّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الطَّلَاقِ غَيْرُ وَاجِبٍ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهِ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ (قَوْلُهُ لَمْ يَعْتِقْ) فِي النَّهْرِ عَنْ الْمُحِيطِ يَعْتِقُ وَكَأَنَّهُ تَحْرِيفٌ، فَقَدْ رَأَيْت فِي الذَّخِيرَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ لِصَاحِبِ الْمُحِيطِ مِثْلَ مَا هُنَا، وَفَرَّقَ، بَيْنَ الْعِتْقِ وَالنَّسَبِ حَيْثُ يُثْبِتُ أَنَّ الْعِتْقَ يَفْتَقِرُ إلَى الْعِبَارَةِ وَلَا تَقُومُ الْإِشَارَةُ مَقَامَ الْعِبَارَةِ حَالَةَ الْقُدْرَةِ، وَالنَّسَبُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْعِبَارَةِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مَتْنًا مَا نَصُّهُ: وَالْإِيمَاءُ بِالرَّأْسِ مِنْ النَّاطِقِ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ بِمَالٍ وَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَنِكَاحٍ وَإِجَارَةٍ وَهِبَةٍ، بِخِلَافِ إفْتَاءٍ وَنَسَبٍ وَإِسْلَامٍ وَكُفْرٍ إلَخْ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ: وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ وَهُوَ مَرِيضٌ: أَنَا حُرٌّ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ أَيْ نَعَمْ لَا يَعْتِقُ. اهـ. وَأَمَّا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ
стр. 1927
وَلَوْ زَادَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ عَتَقَ قَضَاءً، وَلَوْ قَالَ يَا سَالِمُ فَأَجَابَهُ غَانِمٌ فَقَالَ أَنْتِ حُرٌّ وَلَا نِيَّةَ لَهُ عَتَقَ الْمُجِيبُ، وَلَوْ قَالَ عَنَيْت سَالِمًا عَتَقَا قَضَاءً. وَفِي الْجَوْهَرَةِ قَالَ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ قُلْ لِعَبْدِك أَنْتِ حُرٌّ فَقَالَ لَهُ. عَتَقَ قَضَاءً، وَلَوْ قَالَ رَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ بِالْإِضَافَةِ لَا يَعْتِقُ وَبِالتَّنْوِينِ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ لَا تَشْبِيهٌ.
(وَبِكِنَايَتِهِ إنْ نَوَى) لِلِاحْتِمَالِ (كَلَا مِلْكَ لِي عَلَيْك وَلَا سَبِيلَ أَوْ لَا رِقَّ، أَوْ خَرَجْت مِنْ مِلْكِي وَخَلَّيْت سَبِيلَك وَ) كَقَوْلِهِ (لِأَمَتِهِ قَدْ أَطْلَقْتُك) وَأَنْتَ أَعْتَقَ أَوْ لِزَوْجَتِهِ أَطْلَقُ مِنْ فُلَانَةَ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ تَعْتِقُ وَتَطْلُقُ إنْ نَوَى كَتَهَجِّيهِمَا. وَفِي الْخُلَاصَةِ:
ــ
[رد المحتار]
الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَخْرَسِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ وَلَوْ زَادَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ أَرَدْت الْكَذِبَ أَوْ حُرِّيَّتَهُ مِنْ الْعَمَلِ دُيِّنَ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَلَوْ قَالَ أَنْتِ حُرٌّ مِنْ عَمَلِ كَذَا أَوْ أَنْتِ حُرٌّ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ عَتَقَ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَعْمَالِ لَا يَتَجَزَّأُ فَكَانَ إعْتَاقًا عَنْ الْأَعْمَالِ وَفِي الْأَزْمَانِ جَمِيعًا، وَنِيَّةُ الْبَعْضِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي (قَوْلُهُ عَتَقَ الْمُجِيبُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِالْإِعْتَاقِ (قَوْلُهُ عَتَقَا قَضَاءً) أَمَّا دِيَانَةً فَاَلَّذِي نَادَاهُ فَقَطْ، وَلَوْ قَالَ يَا سَالِمُ أَنْتَ حُرٌّ فَإِذَا عَبْدٌ آخَرُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ عَتَقَ سَالِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مُخَاطَبَةَ هُنَا إلَّا لَهُ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ عَتَقَ قَضَاءً) أَيْ لَا دِيَانَةً لِعَدَمِ الْقَصْدِ ط (قَوْلُهُ لَا يَعْتِقُ) ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ: مِثْلُ رَأْسِ حُرٍّ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ السِّرَاجِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ) أَيْ لِلرَّأْسِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَالرَّأْسُ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ ط.
[مَطْلَبٌ فِي كِنَايَاتِ الْإِعْتَاقِ]
ِ (قَوْلُهُ وَبِكِنَايَتِهِ إنْ نَوَى) قَالَ الْحَمَوِيُّ: ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْكِنَايَةِ النِّيَّةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ لِيَزُولَ مَا فِيهَا مِنْ الِاشْتِبَاهِ. اهـ ط (قَوْلُهُ لِلِاحْتِمَالِ) ؛ لِأَنَّ نَفْي الْمِلْكِ وَمَا بَعْدَهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ بِالْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ بِالْعِتْقِ، وَنَفْيُ السَّبِيلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ الْعُقُوبَةِ وَاللَّوْمِ لِكَمَالِ الرِّضَا وَأَنْ يَكُونَ لِلْعِتْقِ فَيَئُولُ إلَى مَعْنَى لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك إذْ هُوَ الطَّرِيقُ إلَى نَفَاذِ التَّصَرُّفِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ قَدْ أَطْلَقْتُك) بِهَمْزٍ فِي أَوَّلِهِ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ رَفْعُ الْقَيْدِ، بِخِلَافِهِ بِدُونِ هَمْزٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ فَلَا يَقَعُ بِهِ أَصْلًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَأَنْتَ أَعْتَقُ) فِيهِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَالتَّقْدِيرُ وَأَنْتَ أَعْتَقُ مِنْ فُلَانَةَ وَهِيَ مُعْتَقَةٌ ح.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا كَانَ أَعْتَقُ وَأَطْلَقُ كِنَايَةً لِاحْتِمَالِهِ أَقْدَمُ فِي مِلْكِي وَأَطْلَقُ يَدًا فَيُقَالُ إنَّ مِثْلَهُ عَتِيقٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ فِي عَتِيقٍ إرَادَةُ التَّحْرِيرِ، بِخِلَافِ أَعْتَقُ وَأَطْلَقُ لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ لِلتَّفَاضُلِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ كَتَهَجِّيهَا) أَيْ تَهَجِّي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَلْفٌ نُونٌ تَاءٌ حَاءٌ رَاءٌ هَاءٌ أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَلْفٌ نُونٌ تَاءٌ طَاءٌ أَلْفٌ لَامٌ قَافٌ إنَّهُ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ وَتَعْتِقُ الْأَمَةُ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يُفْهَمُ مِنْهَا مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ صَرِيحِ الْكَلَامِ إلَّا أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ فَصَارَ كَالْكِنَايَةِ فِي الِافْتِقَارِ إلَى نِيَّةٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ) عِبَارَتُهَا: لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَا يَعْتِقُ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ، فَإِنْ مَاتَ لَا يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ، فَإِنْ قَالَ الْمَمْلُوكُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَا مَمْلُوكٌ لَهُ فَصَدَّقَهُ كَانَ مَمْلُوكًا ظَاهِرًا وَكَذَا لَوْ قَالَ لَيْسَ هَذَا بِعَبْدِي لَا يَعْتِقُ. اهـ. قُلْت: وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى ثُمَّ ذَكَرَ الثَّانِيَةَ بِعِبَارَةٍ فَارِسِيَّةٍ، ثُمَّ قَالَ فِي جَوَابِهَا يَعْتِقُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1928
قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَا يَعْتِقُ بَلْ يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ حَتَّى يُقِرَّ بِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ وَيُصَدِّقُهُ فَيَمْلِكُهُ وَكَذَا لَيْسَ هَذَا بِعَبْدِي لَا يَعْتِقُ وَقَاسَ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك لَكِنْ نَازَعَهُ فِي النَّهْرِ.
(وَ) يَصِحُّ أَيْضًا (بِهَذَا ابْنِي) أَوْ بِنْتِي (لِلْأَصْغَرِ) سِنًّا مِنْ الْمَالِكِ (وَالْأَكْبَرِ وَ) كَذَا (هَذَا أَبِي) أَوْ جَدِّي (أَوْ) هَذِهِ (أُمِّي وَإِنْ لَمْ) يَصْلُحُوا لِذَلِكَ وَلَمْ (يَنْوِ الْعِتْقَ) ؛ لِأَنَّهَا صَرَائِحُ لَا كِنَايَةٌ وَلِذَا جَاءَ بِالْبَاءِ وَأَخَّرَهَا لِتَفْصِيلِهَا، فَإِنْ صَلَحُوا وَجَهِلَ نَسَبَهُمْ فِي مَوْلِدِهِمْ
ــ
[رد المحتار]
أَقَرَّ بِالْعِتْقِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِدُونِ النِّيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ لَيْسَتْ بِامْرَأَتِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ أَنْ لَا يَكُونَ عَبْدًا لَهُ أَنْ يَكُونَ حُرًّا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى. اهـ وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كِنَايَةٌ، فَإِنْ نَوَى عَتَقَ فِيهِمَا وَإِلَّا فَلَا، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ لِنَفَاذِ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُرًّا ظَاهِرًا مُعْتَقًا، فَتَكُونُ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ الْأَحْرَارِ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَدَّعِيَهُ وَيُثْبِتَ فَيَكُونُ مِلْكًا لَهُ. اهـ (قَوْلُهُ وَقَاسَ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ جَعَلَهُ فِي حُكْمِ مَسْأَلَةِ الْخُلَاصَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الْعِتْقَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ لِإِقْرَارِهِ بِعَدَمِ الْمِلْكِ (قَوْلُهُ نَازَعَهُ فِي النَّهْرِ) حَيْثُ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْ مَسْأَلَةَ الْخُلَاصَةِ مُغَايِرَةٌ لِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: أَيْ قَوْلُهُ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك، وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إنَّمَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مِلْكًا لِغَيْرِهِ. وَمَسْأَلَةُ الْخُلَاصَةِ مَوْضُوعُهَا إقْرَارُهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ أَصْلًا إمَّا لِعِتْقِهِ لَهُ أَوْ لِحُرِّيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَتَنَبَّهْ لِهَذَا فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. اهـ.
قَالَ ح قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَإِنَّ الْفَرْقَ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي النَّهْرِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، فَإِنَّهُ إذَا نَفَى مِلْكَهُ عَنْهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَدَّعِيهِ سَاوَى مَنْ قِيلَ لَهُ: أَنْتَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَا تَسْوِيَةُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَيْسَ هَذَا بِعَبْدِي تَأَمَّلْ. اهـ. قُلْت: وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَمَسْأَلَتَيْ الْخُلَاصَةِ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ النِّيَّةِ، وَقَدْ نَصَّ فِي مَسْأَلَتَيْ الْخُلَاصَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتِقْ أَيْ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ أَيْ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَبْدُهُ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَيْضًا فَيَنْبَغِي مَنْعُ دَعْوَاهُ فِيهَا أَيْضًا، وَلَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بَيْنَ نَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ أَوْ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ، بَلْ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِنْتِي) أَيْ أَوْ هَذِهِ بِنْتِي، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَوْ هَذَا بِنْتِي لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ كِنَايَةٌ وَكَلَامُهُ الْآنَ فِي الصَّرِيحِ؛ وَلَوْ قَالَ أَوْ هَذِهِ بِنْتِي لَكَانَ أَوْلَى ح، وَقَوْلُهُ إنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحُوا لِذَلِكَ) أَيْ لِلْأُبُوَّةِ وَالْجُدُودَةِ وَالْأُمُومَةِ (قَوْلُهُ وَلِذَا جَاءَ بِالْبَاءِ إلَخْ) أَيْ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبِهَذَا ابْنِي بِإِعَادَةِ الْبَاءِ الْجَارَّةِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَبِكِنَايَتِهِ مُقَابِلٌ لَهُ، وَلَوْ حَذَفَ الْبَاءَ لَأَوْهَمَ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى أَمْثِلَةِ الْكِنَايَةِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الصَّرِيحِ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ وَذَكَرَهُ بَعْدَ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُفَادِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ صَلَحُوا إلَخْ (قَوْلُهُ فَإِنْ صَلَحُوا) حَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا ابْنِي عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَصْلُحَ ابْنًا لَهُ بِأَنْ كَانَ مِثْلُهُ يُولَدُ لَهُ أَوْ لَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَجْهُولَ النَّسَبِ أَوْ لَا، فَإِنْ صَلُحَ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَتَقَ وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ لَكِنْ يَعْتِقُ عِنْدَنَا، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ وَلَدًا لَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَعِنْدَهُمَا لَا يَعْتِقُ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي فَإِنْ صَلُحَ أَبًا لَهُ أَوْ أُمًّا وَلَيْسَ لِلْقَائِلِ أَبٌ أَوْ أُمٌّ مَعْرُوفٌ ثَبَتَ النَّسَبُ وَالْعِتْقُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ صَلُحَ وَلَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَعْتِقُ عِنْدَنَا، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَلَكِنْ يَعْتِقُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا، وَلَوْ قَالَ لِصَغِيرٍ هَذَا جَدِّي فَقِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِصِفَةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فِي مَوْلِدِهِمْ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: مَجْهُولُ النَّسَبِ الَّذِي يُذْكَرُ فِي الْكُتُبِ هُوَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا. اهـ وَمُخْتَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ شُرَّاحِ
стр. 1929
وَلَيْسَ لِلْقَائِلِ أَبٌ مَعْرُوفٌ - ثَبَتَ النَّسَبُ أَيْضًا مَا لَمْ يَقُلْ ابْنِي مِنْ الزِّنَا فَيَعْتِقُ فَقَطْ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ فِيمَا سِوَى دَعْوَى الْبُنُوَّةِ؟ قَوْلَانِ، وَلَا تَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ. وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذِهِ بِنْتِي أَوْ لِأَمَتِهِ هَذَا ابْنِي افْتَقَرَ لِلنِّيَّةِ وَفِي هَذَا خَالِي أَوْ عَمِّي عَتَقَ وَأَخِي لَا، مَا لَمْ يَنْوِ مِنْ النَّسَبِ (لَا) يَعْتِقُ (بِيَا ابْنِي وَيَا أَخُو) وَيَا أُخْتِي وَيَا أَبِي -
ــ
[رد المحتار]
الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فِي مَوْلِدِهِ وَمَسْقَطِ رَأْسِهِ وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لِلْقَائِلِ أَبٌ مَعْرُوفٌ) أَرَادَ بِالْأَبِ الْأَصْلَ فَيَشْمَلُ الْجَدَّ وَالْأُمَّ. قَالَ ط: وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ وَجُهِلَ نَسَبُهُمْ (قَوْلُهُ فَيَعْتِقُ فَقَطْ) أَيْ بِلَا ثُبُوتِ نَسَبٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ، وَالزِّنَا يَنْفِي النِّسْبَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا الْجُزْئِيَّةَ (قَوْلُهُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ) أَيْ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ تَصْدِيقُ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ، فَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَ السَّيِّدِ عَلَى مَمْلُوكِهِ يَصِحُّ بِلَا تَصْدِيقٍ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ فِيمَا سِوَى دَعْوَى الْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ زَيْلَعِيٌّ. قُلْت: وَمَشَى فِي كَافِي الْحَاكِمِ عَلَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ: وَصُدِّقَا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الِابْنِ (قَوْلُهُ وَلَا تَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: ثُمَّ إذَا قَالَ هَذَا ابْنِي هَلْ تَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ؟ فَقِيلَ لَا سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ مَجْهُولَ النَّسَبِ أَوْ مَعْرُوفَهُ، وَقِيلَ تَصِيرُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ إنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ حَتَّى لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَهُ حَتَّى ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَهَذَا أَعْدَلُ. اهـ
وَبِهِ عُلِمَ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ الْإِطْلَاقِ فِي مَحَلِّ التَّفْصِيلِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ افْتَقَرَ لِلنِّيَّةِ) فِيهِ نَظَرٌ. فَفِي الْمُجْتَبَى: قَالَ لِغُلَامِهِ هَذِهِ بِنْتِي أَوْ لِجَارِيَتِهِ هَذَا ابْنِي يَعْتِقُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ لَا يَعْتِقُ عِنْدَ الْكُلِّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ. وَقَالَ فِي النَّهْرِ: قَالَ فِي الْمُجْتَبَى: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ يَعْنِي إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ لِأَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ صَرِيحٌ وَفِي بَعْضِهَا كِنَايَةٌ. اهـ فَقَوْلُهُ: يَعْنِي إلَّا بِالنِّيَّةِ إلَخْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْمُجْتَبَى كَمَا عَلِمْت، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لَا يَدُلُّ لَهُ لِجَوَازِ كَوْنِ التَّأْنِيثِ فِي قَوْلِهِ لِلْعَبْدِ أَنْتِ حُرَّةٌ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ ذَاتًا أَوْ جُثَّةً أَوْ نَسَمَةً، وَالتَّذْكِيرُ فِي قَوْلِهِ لِلْأَمَةِ أَنْتَ حُرٌّ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا شَخْصًا أَوْ خَلْقًا بِخِلَافِ إطْلَاقِ الْبِنْتِ عَلَى الِابْنِ وَعَكْسِهِ، لِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حَيْثُ قَالَ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَجَازٌ عَنْ عِتْقٍ فِي الذَّكَرِ وَالثَّانِي عَنْهُ فِي الْأُنْثَى، فَانْتَفَى حَقِيقَتُهُ لِانْتِفَاءِ مَحَلٍّ يَنْزِلُ فِيهِ، وَلَا يُتَجَوَّزُ فِي لَفْظِ الِابْنِ فِي الْبِنْتِ وَعَكْسِهِ اتِّفَاقًا. ثُمَّ قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ بَيَانٌ لِتَعَذُّرِ عِتْقِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَتْ الْإِشَارَةُ وَالتَّسْمِيَةُ وَالْمُسَمَّى مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ تَعَلَّقَ بِالْمُشَارِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى، وَالْمُشَارُ إلَيْهِ هُنَا مَعَ الْمُسَمَّى جِنْسَانِ؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِي الْإِنْسَانِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى: أَعْنِي مُسَمَّى بِنْتٍ، وَهُوَ مَعْدُومٌ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ ذَكَرٌ. اهـ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَوْنُ الْكَلَامِ لَغْوًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَا.
وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِلْعَبْدِ هَذَا بِنْتِي أَوْ هَذِهِ بِنْتِي بِتَذْكِيرِ اسْمِ الْإِشَارَةِ أَوْ تَأْنِيثِهِ؛ لِأَنَّ اللَّغْوَ جَاءَ مِنْ إطْلَاقِ الْبِنْتِ عَلَى الِابْنِ حَيْثُ لَا يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَمِنْ كَوْنِهِ خِلَافَ جِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ كَمَا لَوْ بَاعَ فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَا: أَنَّهُ فِي مَتْنِ الْمُنْتَقَى عَبَّرَ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنَتِي (قَوْله عَتَقَ) أَيْ بِلَا خِلَافٍ فَتْحٌ، وَيَنْبَغِي تَوَقُّفُهُ عَلَى النِّيَّةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَأَخِي لَا) أَيْ وَفِي قَوْلِهِ هَذَا أَخِي لَا يَعْتِقُ بِدُونِ نِيَّةٍ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفَرَّقَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْأُخُوَّةَ تَحْتَمِلُ الْإِكْرَامَ وَالنَّسَبَ، بِخِلَافِ الْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ لِلْإِكْرَامِ عَادَةً وَهَذَا كُلُّهُ إذَا اقْتَصَرَ؛ فَلَوْ قَالَ أَخُو مِنْ أَبِي أَوْ مِنْ أُمِّي أَوْ مِنْ النَّسَبِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ يَكُونُ مِنْ الْكِنَايَاتِ فَيَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ لَا يَعْتِقُ بِيَا ابْنِي وَيَا أَخِي) أَيْ بِدُونِ نِيَّةٍ كَمَا يَأْتِي. قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى:
стр. 1930
(وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك وَلَا بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ) صَرِيحِهِ وَكِنَايَتِهِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ نَوَى) قُيِّدَ لِلْأَخِيرَةِ لِتَوَقُّفِهِ فِي النِّدَاءِ عَلَى النِّيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْكَمَالِ، وَكَذَا نَفَى السُّلْطَانُ كَمَا رَجَّحَهُ الْكَمَالُ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ.
(وَ) كَذَا (أَنْتِ مِثْلُ الْحُرِّ) يَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ وَغَيْرُهُ (إلَّا فِي قَوْلِهِ) أَطْلَقْتُك وَلَوْ لِعَبْدِهِ فَتْحٌ (أَمْرُك بِيَدِك أَوْ اخْتَارِي فَإِنَّهُ عِتْقٌ مَعَ النِّيَّةِ) فَإِنَّهُ مِنْ كِنَايَاتِ الْعِتْقِ أَيْضًا، وَلَا بِدْعَ بَدَائِعَ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ، وَكَذَا اخْتَرْ الْعِتْقَ أَوْ أَمْرُ عِتْقِكَ بِيَدِك وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ كَالطَّلَاقِ، وَلَا عِتْقَ بِنَحْوِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ
ــ
[رد المحتار]
وَعَنْهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنِّدَاءِ اسْتِحْضَارُ الْمُنَادَى، فَإِنْ كَانَ بِوَصْفٍ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ نَحْوُ يَا حُرٌّ كَانَ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْوَصْفِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَالْبُنُوَّةِ كَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ، إذْ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ النَّسَبُ تَصْدِيقًا لَهُ فَيَعْتِقُ. اهـ. وَلَوْ قَالَ يَا أَخِي مِنْ أُمِّي أَوْ أَبِي أَوْ مِنْ النَّسَبِ عَتَقَ كَمَا مَرَّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكَ) ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْحُجَّةِ وَالْيَدِ وَنَفْيُ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَسْتَدْعِي نَفْيَ الْمِلْكِ كَالْمُكَاتَبِ يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى فِيهِ الْمِلْكُ دُونَ الْيَدِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ) وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِأَلْفَاظِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ تَسْتَلْزِمُ إزَالَةَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بِلَا عَكْسٍ دُرَرٌ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي أَوَّلِ الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ قَيْدٌ لِلْأَخِيرَةِ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ نَوَى رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ أَلْفَاظُ الطَّلَاقِ، أَمَّا الْأُولَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ النِّدَاءِ وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ نَفْيِ السُّلْطَانِ فَيَتَوَقَّفُ وُقُوعُ الْعِتْقِ فِيهِمَا عَلَى النِّيَّةِ فَهُمَا مِنْ كِنَايَاتِهِ. (قَوْلُهُ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْكَمَالِ) أَيْ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ، وَكَذَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْهَا عَنْ التُّحْفَةِ وَقَالَ: فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ أَيْضًا. قُلْت: بَلْ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ بَحْثِ الْفَتْحِ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْعِتْقُ بِلَا نِيَّةٍ إذَا كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ (قَوْلُهُ كَمَا رَجَّحَهُ الْكَمَالُ) وَنَقَلَهُ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، إذْ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَا سَبِيلَ. وَعَنْ الْإِمَامِ الْكَرْخِيِّ: فَنِيَ عُمْرِي وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ تَقْرِيرِ عَدَمِ الْفَرْقِ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ كَوْنُهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ (قَوْلُهُ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ) وَكَذَا فِي النَّهْرِ والشُّرُنبُلالِيَّة وَالْمَقْدِسِيِّ.
(قَوْلُهُ يَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ) الْأَوْلَى لَا يَعْتِقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ وَغَيْرُهُ) أَيْ ذَكَرَ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ لِلْعِتْقِ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَغَايَةِ الْبَيَانِ، وَعَزَاهُ فِي النَّهْرِ إلَى الْعِنَايَةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ إلَّا فِي قَوْلِهِ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَبِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، وَزَادَ قَوْلَهُ أَطْلَقْتُك مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ لِتَكْمِيلِ مَا اسْتَثْنَى، وَلَكِنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ، وَالِاخْتِيَارُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ كِنَايَاتِ التَّفْوِيضِ لَا كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ أَوْ اخْتَارِي) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ إلَى الْبَدَائِعِ. قُلْت: وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ فَفِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَمَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ يَصِيرُ الْعِتْقُ بِيَدِهَا حَتَّى لَوْ أَعْتَقَتْ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي يَنْوِي الْعِتْقَ لَا يَصِيرُ الْعِتْقُ فِي يَدِهَا، فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ اخْتَارِي فِي الْعِتْقِ وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الطَّلَاقِ. اهـ كَلَامُ الذَّخِيرَةِ، وَكَذَا صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ، وَإِنْ نَوَاهُ. اهـ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي كَافِي الْحَاكِمِ بِلَا حِكَايَةِ خِلَافٍ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ وَالْكَافِي هُوَ نَصُّ الْمَذْهَبِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فَاغْتَنِمْهُ.
(قَوْلُهُ وَلَا بِدَعُ) أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ أَمْرًا مُنْفَرِدًا خَارِجًا عَنْ نَظَائِرِهِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَهُوَ مِنْ كِنَايَاتِ الْعِتْقِ أَيْضًا: أَيْ كَمَا أَنَّهُ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الْعِتْقَ وَغَيْرَهُ كَانَ مِنْ كِنَايَاتِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَيَتَوَقَّفُ) أَيْ الْعِتْقُ فِي أَمْرُك بِيَدِك وَاخْتَارِي، بِخِلَافِ أَطْلَقْتُك فَإِنَّهُ لَا تَمْلِيكَ فِيهِ حَتَّى يَتَوَقَّفَ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلنِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ حَيْثُ ذَكَرَ لَفْظَ الْعِتْقِ ح (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ) تَعْلِيلٌ لِلتَّشْبِيهِ: أَيْ وَكَذَا اخْتَرْ الْعِتْقَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ
следующие страницы →