← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21613

حاشية ابن عابدين = رد المحتار - ط الحلبي

ابن عابدين

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلزُّرَّاعِ كَأَنَّهُ لِمَوْتِ الْمَالِكِينَ شَيْئًا فَشَيْئًا بِلَا وَارِثٍ فَصَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ ــ [رد المحتار] الْأَكَرَةِ أُجْرَةً لِضَرُورَةِ عَدَمِ صِحَّةِ الْخَرَاجِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِمَا مَرَّ اهـ أَيْ لِعَدَمِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مَوْتِ أَهْلِهَا، وَصَيْرُورَتِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ. قُلْت: لَكِنْ يُمْكِنُ جَعْلُهَا مُزَارَعَةً كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الْخَيْرِيَّةِ: وَهِيَ فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ لَا إجَارَةً حَقِيقَةً، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ إنَّ الْمَأْخُوذَ بَدَلُ إجَارَةٍ. مَطْلَبٌ الْقَوْلُ لِذِي الْيَدِ أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُهُ وَإِنْ كَانَتْ خَرَاجِيَّةً ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ أَرَاضِيَ بَيْتِ الْمَالِ الْمُسَمَّاةِ بِأَرَاضِي الْمُمَلَّكَةِ وَأَرَاضِي الْحَوْزِ إذَا كَانَتْ فِي أَيْدِي زُرَّاعِهَا لَا تُنْزَعُ مِنْ أَيْدِيهِمْ مَا دَامُوا يُؤَدُّونَ مَا عَلَيْهَا، وَلَا تُورَثُ عَنْهُمْ إذَا مَاتُوا، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُمْ لَهَا وَلَكِنْ جَرَى الرَّسْمُ فِي الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ ابْنٍ انْتَقَلَتْ لِابْنِهِ مَجَّانًا، وَإِلَّا فَلِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ لَهُ بِنْتٌ أَوْ أَخٌ لِأَبٍ لَهُ أَخْذُهَا بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وَإِنْ عَطَّلَهَا مُتَصَرِّفٌ ثَلَاثَ سِنِينَ، أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَرْضِ تُنْزَعُ مِنْهُ وَتُدْفَعُ لِآخَرَ، وَلَا يَصِحُّ فَرَاغُ أَحَدِهِمْ عَنْهَا لِآخَرَ بِلَا إذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ (قَوْلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلزُّرَّاعِ إلَخْ) هَذَا مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ. قُلْت: لَكِنَّ عَدَمَ مِلْكِ الزُّرَّاعِ فِي الْأَرَاضِي الشَّامِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا إلَّا فِي نَحْوِ الْقُرَى وَالْمَزَارِعِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ الْمَعْلُومِ كَوْنِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ أَمَّا غَيْرُهَا فَنَرَاهَا يَتَوَارَثُونَهَا، وَيَبِيعُونَهَا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَفِي شُفْعَةِ الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ: سُئِلَ فِي إخْوَةٍ لَهُمْ أَرَاضٍ مَغْرُوسَةٌ، وَلِرَجُلٍ أَرْضٌ مَغْرُوسَةٌ مُجَاوِرَةٌ لَهَا، وَطَرِيقُ الْكُلِّ وَاحِدٌ بَاعَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ هَلْ لَهُمْ أَخْذُهَا بِالشُّفْعَةِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهَا خَرَاجِيَّةً؟ أَجَابَ: نَعَمْ لَهُمْ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَكَوْنُهَا خَرَاجِيَّةً لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إذْ الْخَرَاجُ لَا يُنَافِي الْمِلْكَ فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ: وَأَرْضُ الْخَرَاجِ مَمْلُوكَةٌ وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْعُشْرِ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِيقَافُهَا وَتَكُونُ مِيرَاثًا كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، فَتَثْبُتُ فِيهَا الشُّفْعَةُ، وَأَمَّا الْأَرَاضِي الَّتِي حَازَهَا السُّلْطَانُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَيَدْفَعُهَا لِلنَّاسِ مُزَارَعَةً لَا تُبَاعُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا فَإِذَا ادَّعَى وَاضِعُ الْيَدِ الَّذِي تَلَقَّاهَا شِرَاءً أَوْ إرْثًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَنَّهُ يُؤَدِّي خَرَاجَهَا، فَالْقَوْلُ لَهُ أَوْ عَلَى مَنْ يُخَاصِمُهُ فِي الْمِلْكِ الْبُرْهَانُ وَإِنْ صَحَّتْ دَعْوَاهُ عَلَيْهِ شَرْعًا، وَاسْتُوْفِيَتْ شُرُوطُ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا ذَكَرْت ذَلِكَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ فِي بَلَدِنَا حِرْصًا عَلَى نَفْعِ هَذِهِ الْأَمَةِ بِإِفَادَةِ هَذَا الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ كُلَّ حِينٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ مَا فِي الْخَيْرِيَّةِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ كَلَامٌ حَسَنٌ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَقَدْ قَالُوا إنَّ وَضْعَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ مِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمِلْكِ، وَلِذَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَفِي رِسَالَةِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ: وَأَيُّمَا قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ، أَوْ الْحَرْبِ بَادُوا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَبَقِيَتْ أَرْضُهُمْ مُعَطَّلَةً، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهَا فِي يَدِ أَحَدٍ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا يَدَّعِي فِيهَا دَعْوَى، وَأَخَذَهَا رَجُلٌ فَحَرَثَهَا وَغَرَسَ فِيهَا، وَأَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ أَوْ الْعُشْرَ، فَهِيَ لَهُ، وَهَذِهِ الْمَوَاتُ الَّتِي وُصِفَتْ لَك، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ يَدِ أَحَدٍ إلَّا بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ. اهـ. وَقَدَّمْنَاهُ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ أَرْضَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ عَنْوِيَّةٌ خَرَاجِيَّةٌ تُرِكَتْ لِأَهْلِهَا الَّذِينَ قُهِرُوا عَلَيْهَا، وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلسَّرْخَسِيِّ: فَإِنْ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَرَاضِيهِمْ، مِثْلَ أَرْضِ الشَّامِ مَدَائِنَ وَقُرَى، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ دُورِهِمْ وَأَرَاضِيهِمْ، وَلَا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ عَهْدٍ وَصُلْحٍ اهـ فَإِذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِأَهْلِهَا فَمِنْ أَيْنَ يُقَالُ إنَّهَا صَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ أَهْلَهَا كُلَّهُمْ مَاتُوا بِلَا وَارِثٍ فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لَا يَنْفِي الْمِلْكَ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا، وَقَدْ سَمِعْت التَّصْرِيحَ فِي الْمَتْنِ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ، بِأَنَّ أَرْضَ سَوَادِ الْعِرَاقِ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا يَجُوزُ بَيْعُهُمْ لَهَا، وَتَصَرُّفُهُمْ فِيهَا، وَكَذَلِكَ أَرْضُ مِصْرَ وَالشَّامِ كَمَا سَمِعْته، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِنَا ظَاهِرٌ وَكَذَا

стр. 2312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [رد المحتار] عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ: إنَّ الْوَاقِعَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ، أَنَّهَا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا لَهُمْ إمَّا وَقْفًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ عُمَرَ ﵁ وَإِمَّا مِلْكًا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مَنْ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّ مَنْ بِيَدِهِ شَيْءٌ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْهُ يَبْقَى فِي يَدِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ وَجَدْنَا فِي يَدِهِ أَوْ مِلْكِهِ مَكَانًا مِنْهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُحْيِيَ، أَوْ وَصَلَ إلَيْهِ وُصُولًا صَحِيحًا. اهـ. مَطْلَبٌ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ يَدِ أَحَدٍ إلَّا بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي فَتَاوَاهُ الْفِقْهِيَّةِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ السُّبْكِيّ: فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّا نَحْكُمُ لِذَوِي الْأَمْلَاكِ وَالْأَوْقَافِ بِبَقَاءِ أَيْدِيهِمْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّنَا كَوْنُ أَصْلِ الْأَرَاضِي مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَالِ، أَوْ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ كُلَّ أَرْضٍ نَظَرْنَا إلَيْهَا بِخُصُوصِهَا، لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهَا أَنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْفِ، وَلَا الْمِلْكِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا كَانَتْ مَوَاتًا وَأُحْيِيَتْ وَعَلَى فَرْضِ تَحَقُّقِ أَنَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّ اسْتِمْرَارَ الْيَدِ عَلَيْهَا وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ أَوْ النُّظَّارِ فِيمَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ الْأَزْمَانَ الْمُتَطَاوِلَةَ قَرَائِنُ ظَاهِرَةٌ، أَوْ قَطْعِيَّةٌ عَلَى الْيَدِ الْمُفِيدَةِ لِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِمَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ وَعَدَمِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَوْ جَوَّزْنَا الْحُكْمَ بِرَفْعِ الْمَوْجُودِ الْمُحَقَّقِ: أَيْ وَهُوَ الْيَدُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ أَصْلٍ مُسْتَصْحَبٍ، لَزِمَ تَسْلِيطُ الظَّلَمَةِ عَلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ: إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ بَانَ لَك وَاتَّضَحَ اتِّضَاحًا لَا يَبْقَى مَعَهُ رِيبَةٌ أَنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي فِي أَيْدِي النَّاسِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ الْمَجْهُولَ انْتِقَالُهَا إلَيْهِمْ تُقَرُّ فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهَا بِشَيْءٍ أَصْلًا لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ إذَا قَالُوا فِي الْكَنَائِسِ الْمَبْنِيَّةِ لِلْكُفْرِ إنَّهَا تَبْقَى، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهَا عَمَلًا بِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ الضَّعِيفِ أَيْ كَوْنُهَا كَانَتْ فِي بَرِيَّةٍ، فَاتَّصَلَتْ بِهَا عِمَارَةُ الْمِصْرِ فَأَوْلَى أَنْ يَقُولُوا بِبَقَاءِ تِلْكَ الْأَرَاضِي بِيَدِ مَنْ هِيَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، بِاحْتِمَالِ أَنَّهَا كَانَتْ مَوَاتًا فَأُحْيِيَتْ، أَوْ أَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ اهـ. مَطْلَبٌ فِيمَا وَقَعَ مِنْ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ بِيبَرْسَ مِنْ إرَادَتِهِ انْتِزَاعَ الْعَقَارَاتِ مِنْ مُلَّاكِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ وَقَدْ أَطَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ إطَالَةً حَسَنَةً رَدًّا عَلَى مَنْ أَرَادَ انْتِزَاعَ أَوْقَافِ مِصْرَ وَإِقْلِيمِهَا، وَإِدْخَالَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَصَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا قَالَ: وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ بِيبَرْسُ، فَإِنَّهُ أَرَادَ مُطَالَبَةَ ذَوِي الْعَقَارَاتِ بِمُسْتَنَدَاتٍ تَشْهَدُ لَهُمْ بِالْمِلْكِ، وَإِلَّا انْتَزَعَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ مُتَعَلِّلًا بِمَا تَعَلَّلَ بِهِ ذَلِكَ الظَّالِمُ، فَقَامَ عَلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَعْلَمَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ الْجَهْلِ وَالْعِنَادِ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ مَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَهُوَ مِلْكُهُ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، وَلَا يُكَلَّفُ إثْبَاتَهُ بِبَيِّنَةٍ وَلَا زَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُشَنِّعُ عَلَى السُّلْطَانِ، وَيَعِظُهُ إلَى أَنْ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ، فَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي اتَّفَقَتْ عُلَمَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى قَبُولِ نَقْلِهِ وَالِاعْتِرَافِ بِتَحْقِيقِهِ وَفَضْلِهِ نَقَلَ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ بِمُسْتَنَدٍ عَمَلًا بِالْيَدِ الظَّاهِرِ فِيهَا أَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ اهـ. قُلْت: فَإِذَا كَانَ مَذْهَبُ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ، أَنَّ الْأَرَاضِيَ الْمِصْرِيَّةَ وَالشَّامِيَّةَ أَصْلُهَا وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُجِيزُوا مُطَالَبَةَ أَحَدٍ يَدَّعِي شَيْئًا أَنَّهُ مَلَكَهُ بِمُسْتَنَدٍ يَشْهَدُ لَهُ بِنَاءً عَلَى احْتِمَالِ انْتِقَالِهِ إلَيْهِ، بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِنَا بِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا أُقِرُّوا عَلَيْهَا بِالْخَرَاجِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ يُقَالُ إنَّهَا صَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلزُّرَّاعِ لِاحْتِمَالِ مَوْتِ الْمَالِكِينَ لَهَا شَيْئًا فَشَيْئًا بِلَا وَارِثٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ أَوْقَافِهَا وَإِبْطَالِ الْمَوَارِيثِ فِيهَا

стр. 2313

وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْإِمَامِ، وَلَا شِرَاؤُهُ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ لِشَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ كَوَكِيلِ الْيَتِيمِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى زَادَ فِي الْبَحْرِ أَوْ رَغِبَ فِي الْعَقَارِ بِضِعْفِ قِيمَتِهِ. ــ [رد المحتار] وَتَعَدِّي الظَّلَمَةِ عَلَى أَرْبَابِ الْأَيْدِي الثَّابِتَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي الْمُدَدِ الْمُطَاوِلَةِ بِلَا مُعَارِضٍ، وَلَا مُنَازِعٍ، وَوَضْعُ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا لَا يُنَافِي مِلْكِيَّتَهَا كَمَا مَرَّ، وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِ هُنَا أَنَّ أَرْضَ سَوَادِ الْعِرَاقِ خَرَاجِيَّةٌ وَأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا وَاحْتِمَالُ مَوْتِ أَهْلِهَا بِلَا وَارِثٍ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ الْيَدِ الْمُثْبِتَةِ لِلْمِلْكِ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ، وَمِثْلُهُ لَا يُعَارِضُ الْمُحَقَّقَ الثَّابِتَ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمِلْكِيَّةِ وَالْيَدُ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَيْهَا، فَلَا تَزُولُ إلَّا بِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ بِظَاهِرِ الْيَدِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، وَقَدْ سَمِعْت نَقْلَ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ مَعَ أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَرَاضِيَ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِأَهْلِهَا بَلْ هِيَ وَقْفٌ، أَوْ مِلْكٌ لِبَيْتِ الْمَالِ فَعَلَى مَذْهَبِنَا بِالْأَوْلَى وَاحْتِمَالُ كَوْنِ أَهْلِهَا مَاتُوا بِلَا وَارِثٍ بَعِدَ الْإِمَامِ النَّوَوِيُ أَبْعَدَ الْبُعْدِ، وَهَذَا ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ بَعْدَ النَّوَوِيِّ بِمِئَاتِ مِنْ السِّنِينَ وَقَدْ سَمِعْت كَلَامَهُ. وَالْحَاصِلُ فِي الْأَرَاضِي الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ وَنَحْوِهَا: أَنَّ مَا عُلِمَ مِنْهَا كَوْنُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْفَتْحِ، وَمَا لَمْ يُعْلَمْ فَهُوَ مِلْكٌ لِأَرْبَابِهِ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ خَرَاجٌ لَا أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَاجِيٌّ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ، فَإِنَّهُ صَرِيحُ الْحَقِّ الَّذِي يُعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي ذَلِكَ لِأَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ هُنَا بَلْ تَبِعُوا الْمُحَقِّقَ الْكَمَالِ فِي ذَلِكَ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعُ وَلَعَلَّ مُرَادَ الْمُحَقِّقِ وَمَنْ تَبِعَهُ الْأَرَاضِي الَّتِي عُلِمَ كَوْنُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ وَشِرَائِهِ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى كَوْنِهَا صَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ) مُتَعَلِّقٌ بُشَرَاؤُهُ، وَهُوَ مِنْ نَصَبَهُ الْإِمَامُ قَيِّمًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا الْبَيْعُ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ، فَإِنَّ وَصِيَّ الْيَتِيمَ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ مَالَ الْيَتِيمِ، فَلِذَا قَيَّدَ الشِّرَاءَ بِكَوْنِهِ مِنْ الْوَكِيلِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ: فَإِنْ أَرَادَ السُّلْطَانُ أَنْ يَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي اهـ وَفِي التَّجْنِيسِ: إذَا أَرَادَ السُّلْطَانُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ أَمَرَ غَيْرَهُ أَوْ يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا لِنَفْسِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ هَذَا أَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ اهـ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ كَوَكِيلِ الْيَتِيمِ) أَيْ كَوَصِيِّهِ وَسَمَّاهُ وَكِيلًا مُشَاكَلَةً (قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ) أَيْ بِأَنْ احْتَاجَ بَيْتُ الْمَالِ، لَكِنْ نَازَعَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي رِسَالَتِهِ بِإِطْلَاقِ مَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ لِلْإِمَامِ مُطْلَقًا، وَبِمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ مِنْ أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَامَّةً، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَالِاعْتِيَاضُ عَنْ الْمُشْتَرَكِ الْعَامِ جَائِزٌ مِنْ الْإِمَامِ؛ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ صَحَّ بَيْعُهُ فَقَوْلُهُ شَيْئًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ يَعُمُّ الْعَقَارَ وَغَيْرَهُ لِحَاجَةٍ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ زَادَ فِي الْبَحْرِ) أَيْ زَادَ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا لِضَرُورَةِ قَوْلِهِ أَوْ رَغِبَ فِي الْعَقَارِ إلَخْ، وَعَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي التُّحْفَةِ الْمَرْضِيَّةَ بِقَوْلِهِ: أَوْ مَصْلَحَةٍ فَافْهَمْ. قُلْت: وَسَنَذْكُرُ آخِرَ الْبَابِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْأَرْضَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ، وَأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ رَقَبَتِهَا كَمَا سَنُحَقِّقُهُ، وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ شِرَاؤُهَا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ.

стр. 2314

عَلَى قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُفْتَى بِهِ. قُلْت: وَسَيَجِيءُ فِي بَابِ الْوَصِيِّ جَوَازُ بَيْعِ عَقَارِ الصَّبِيِّ فِي سَبْعِ مَسَائِلَ، وَأَفْتَى مُفْتِي دِمَشْقَ فَضْلُ اللَّهِ الرُّومِيُّ بِأَنَّ غَالِبَ أَرَاضِينَا سُلْطَانِيَّةٌ لِانْقِرَاضِ مُلَّاكِهَا، فَآلَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَتَكُونُ فِي يَدِ زُرَّاعِهَا كَالْعَارِيَّةِ اهـ وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ: لَوْ أَرَادَ السُّلْطَانُ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِبَيْعِهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ لِنَفْسِهِ انْتَهَى، وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ الْحَالَ فِي الشِّرَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَالْأَصْلُ الصِّحَّةُ وَبِهِ عُرِفَ صِحَّةُ وَقْفِ الْمُشْتَرَاةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِينَ صَحِيحَةٌ ــ [رد المحتار] قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ) أَيْ فِي وَصِيِّ الْيَتِيمِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُ الْعَقَارِ إلَّا فِي الْمَسَائِلِ السَّبْعِ الْآتِيَةِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ وَعِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ لَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَصَاحِبُ الْمَجْمَعِ وَكَثِيرٌ كَمَا فِي التُّحْفَةِ الْمَرْضِيَّةَ. (قَوْلُهُ فِي سَبْعِ مَسَائِلَ) وَنَصُّهُ وَجَازَ بَيْعُهُ عَقَارَ صَغِيرٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، لَا مِنْ نَفْسِهِ بِضِعْفِ قِيمَتِهِ أَوْ لِنَفَقَةِ الصَّغِيرِ، أَوْ دَيْنِ الْمَيِّتِ أَوْ وَصِيَّةٍ مُرْسَلَةٍ لَا إنْفَاذَ لَهَا إلَّا مِنْهُ أَوْ تَكُونُ غَلَّتُهُ لَا تَزِيدُ عَلَى مُؤْنَتِهِ أَوْ خَوْفِ خَرَابِهِ أَوْ نُقْصَانِهِ، أَوْ كَوْنُهُ فِي يَدِ مُتَغَلِّبٍ. اهـ. ح (قَوْلُهُ فَضْلُ اللَّهِ الرُّومِيُّ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ الرَّضِيُّ وَلَعَلَّهُ تَحْرِيفٌ (قَوْلُهُ بِأَنَّ غَالِبَ أَرَاضِينَا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَرَاضِي الشَّامِيَّةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَرَاضِيَ الرُّومِيَّةَ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى مِنْ قَوْلِهِ: وَكَذَا الشَّامِيَّةُ حَيْثُ جَعَلَهَا مِثْلَ الْمِصْرِيَّةِ، وَكَأَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ الْمَارِّ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ (قَوْلُهُ كَالْعَارِيَّةِ) وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا عَدَمُ تَصَرُّفِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. اهـ. ح فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَيْدِيهِمْ بِالْأُجْرَةِ بِقَدْرِ الْخَرَاجِ وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ أَنَّ مَنْ أَقْطَعَهُ السُّلْطَانُ أَرْضًا فَلَهُ إجَارَتُهَا (قَوْلُهُ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ) يَعْنِي مِنْ الْمُشْتَرِي كَمَا قَدَّمْنَا التَّصْرِيحَ بِهِ فِي عِبَارَةِ التَّجْنِيسِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الضَّرُورَةُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ الْحَالُ فِي الشِّرَاءِ إلَخْ) أَيْ لَمْ يُعْرَفُ أَنَّهُ شِرَاءٌ صَحِيحٌ، وُجِدَ فِيهِ الْمُسَوِّغُ الشَّرْعِيُّ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ (قَوْلُهُ فَالْأَصْلُ الصِّحَّةُ) حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَمَالِ (قَوْلُهُ وَبِهِ عُرِفَ إلَخْ) هَذَا كُلُّهُ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ النَّهْر، وَأَصْلُهُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ. مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ الْأَرَاضِي الَّتِي لِبَيْتِ الْمَالِ وَمُرَاعَاةِ شُرُوطِ الْوَاقِفِ حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا مِمَّا صَارَ لِبَيْتِ الْمَالِ فَقَدْ مَلَكَهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَالَ الشِّرَاءِ حَمْلًا لَهُ عَلَى الصِّحَّةِ وَلَا خَرَاجَ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا لَمَّا مَاتَ مُلَّاكُهَا بِلَا وَرَثَةٍ عَادَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ وَسَقَطَ خَرَاجُهَا لِعَدَمِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِذَا بَاعَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُشْتَرِي خَرَاجُهَا لِقَبْضِ الْإِمَامِ ثَمَنَهَا وَهُوَ بَدَلُ عَيْنِهَا وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا عُشْرَ عَلَيْهَا أَيْضًا وَقَدَّمْنَا مَا فِي ذَلِكَ وَحَيْثُ مَلَكَهَا بِالشِّرَاءِ صَحَّ وَقْفُهُ لَهَا وَتُرَاعَى شُرُوطُ وَقْفِهِ قَالَ فِي التُّحْفَةِ الْمَرْضِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ سُلْطَانًا أَوْ أَمِيرًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُرَاعَى شُرُوطُهُ إنْ كَانَ سُلْطَانًا أَوْ أَمِيرًا وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ رِيعَهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ فِي بَيْتِ الْمَالِ، مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لِلْوَظَائِفِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وَصَلَتْ إلَى الْوَاقِفِ بِإِقْطَاعِ السُّلْطَانِ إيَّاهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ لَا يُخَالِفُ مَا قُلْنَا لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعْرَفُ شِرَاءُ الْوَاقِفِ لَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بَلْ وَصَلَتْ إلَيْهِ بِإِقْطَاعِ السُّلْطَانِ لَهَا: أَيْ بِأَنْ جَعَلَ لَهُ خَرَاجَهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَمْ يَصِحَّ وَقْفُهُ لَهَا، وَلَا تَلْزَمُ شُرُوطُهُ، بِخِلَافِ مَا إذْ مَلَكَهَا ثُمَّ وَقَفَهَا كَمَا قُلْنَا. مَطْلَبٌ أَوْقَافُ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ لَا يُرَاعَى شَرْطُهَا قُلْت: لَكِنْ بَقِيَ مَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ شِرَاؤُهُ لَهَا وَلَا عَدَمُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ وَقْفِهَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وَقْفِهِ لَهَا أَنَّهُ مَلَكَهَا وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ قُبَيْلَ قَاعِدَةِ: إذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ مَا نَصُّهُ:

стр. 2315

وَأَنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهَا (وَمَوَاتٌ أَحْيَاهُ ذِمِّيٌّ بِإِذْنِ الْإِمَامِ) أَوْ رَضَخَ لَهُ كَمَا مَرَّ (خَرَاجِيٌّ وَلَوْ أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ اُعْتُبِرَ قُرْبُهُ) مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمُهُ ــ [رد المحتار] وَقَدْ أَفْتَى عَلَّامَةُ الْوُجُودِ الْمَوْلَى أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي السَّلْطَنَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ بِأَنَّ أَوْقَافَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ لَا يُرَاعَى شَرْطُهَا: لِأَنَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ تَرْجِعُ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَجُوزُ الْإِحْدَاثُ إذَا كَانَ الْمُقَرَّرُ فِي الْوَظِيفَةِ أَوْ الْمُرَتَّبُ مِنْ مَصَارِيفِ بَيْتِ الْمَالِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْلَى أَبَا السُّعُودِ أَدْرَى بِحَالِ أَوْقَافِ الْمُلُوكِ وَمِثْلُهُ مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الْوَقْفِ عَنْ الْمُحِبِّيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ السُّلْطَانَ يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَةُ الشَّرْطِ إذَا كَانَ غَالِبُ جِهَاتِ الْوَقْفِ قُرًى وَمَزَارِعَ لِأَنَّ أَصْلَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ اهـ يَعْنِي إذَا كَانَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِلْكَ الْوَاقِفِ لَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ إرْصَادًا لَا وَقْفًا حَقِيقَةً: أَيْ أَنَّ ذَلِكَ السُّلْطَانَ الَّذِي وَقَفَهُ أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعَيَّنَهُ لِمُسْتَحِقِّيهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالطَّلَبَةِ، وَنَحْوِهِمْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى وُصُولِهِمْ إلَى بَعْضِ حَقِّهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. مَطْلَبٌ عَلَى مَا وَقَعَ لِلسُّلْطَانِ بَرْقُوقَ مِنْ إرَادَتِهِ نَقْضَ أَوْقَافِ بَيْتِ الْمَالِ وَلِذَا لَمَّا أَرَادَ السُّلْطَانُ نِظَامُ الْمَمْلَكَةِ بَرْقُوقُ فِي عَامِ نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ أَنْ يَنْقُضَ هَذِهِ الْأَوْقَافَ لِكَوْنِهَا. أُخِذَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعَقَدَ لِذَلِكَ مَجْلِسًا حَافِلًا حَضَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ وَالْبُرْهَانُ بْنُ جَمَاعَةِ وَشَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ شَارِحُ الْهِدَايَةِ فَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: مَا وُقِفَ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالطَّلَبَةِ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِيهِ لِأَنَّ لَهُمْ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا وُقِفَ عَلَى فَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ يُنْقَضُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَاضِرُونَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي النَّقْلِ الْمَسْتُورِ فِي جَوَازِ قَبْضِ مَعْلُومِ الْوَظَائِفِ بِلَا حُضُورٍ. ثُمَّ رَأَيْت نَحْوَهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، فَفِي هَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّ أَوْقَافَ السَّلَاطِينِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إرْصَادَاتٌ، لَا أَوْقَافَ حَقِيقَةً، وَأَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَى مَصَارِيفِ بَيْتِ الْمَالِ لَا يُنْقَضُ، بِخِلَافِ مَا وَقَفَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ عُتَقَائِهِ مَثَلًا، وَأَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ إرْصَادًا لَا يَلْزَمُ مُرَاعَاةُ شُرُوطِهَا لِعَدَمِ كَوْنِهَا وَقْفًا صَحِيحًا، فَإِنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ مِلْكُ الْوَاقِفِ، وَالسُّلْطَانُ بِدُونِ الشِّرَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَمْلِكُهُ. وَقَدْ عَلِمْت مُوَافَقَةَ الْعَلَّامَةِ الْأَكْمَلِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْمَبْسُوطِ، وَعَنْ الْمَوْلَى أَبِي السُّعُودِ وَلِمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الْوَقْفِ عَنْ النَّهْرِ: مِنْ أَنَّ وَقْفَ الْإِقْطَاعَاتِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَتْ أَرْضًا مَوَاتًا، أَوْ مِلْكًا لِلْإِمَامِ فَأَقْطَعَهَا رَجُلًا، وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي التُّحْفَةِ الْمَرْضِيَّةِ عَنْ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ مِنْ أَنَّ وَقْفَ السُّلْطَانِ لِأَرْضِ بَيْتِ الْمَالِ صَحِيحٌ. قُلْت: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَازِمٌ لَا يُغَيَّرُ إذَا كَانَ عَلَى مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَمَا نَقَلَ الطَّرَسُوسِيُّ عَنْ قَاضِي خَانْ مِنْ أَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ وَقَفَ أَرْضًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ: لِأَنَّهُ إذَا أَبَّدَهُ عَلَى مَصْرِفِهِ الشَّرْعِيِّ، فَقَدْ مَنَعَ مَنْ يَصْرِفُهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْجَوْرِ فِي غَيْرِ مَصْرِفِهِ اهـ فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ تَأْبِيدُ صَرْفِهِ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا السُّلْطَانُ مَا هُوَ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، وَهُوَ مَعْنَى الْإِرْصَادِ السَّابِقِ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ ط عَنْ الْمِنَحِ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَنَّهُ إذَا قَاتَلَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ يَرْضَخُ لَهُ ط (قَوْلُهُ خَرَاجِيٌّ) لِأَنَّهُ ابْتِدَاءً وُضِعَ عَلَى الْكَافِرِ وَهُوَ أَلْيَقُ بِهِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ اُعْتُبِرَ قُرْبُهُ) أَيْ قُرْبُ مَا أَحْيَاهُ إنْ كَانَ إلَى أَرْضِ الْخَرَاجِ أَقْرَبَ كَانَتْ خَرَاجِيَّةً، وَإِنْ كَانَ إلَى الْعُشْرِ أَقْرَبَ فَعُشْرِيَّةٌ نَهْرٌ. وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا فَعُشْرِيَّةٌ مُرَاعَاةً لِجَانِبِ الْمُسْلِمِ، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ الْمَاءَ فَإِنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَخَرَاجِيَّةٌ وَإِلَّا فَعُشْرِيَّةٌ بَحْرٌ وَبِالْأَوَّلِ يُفْتِي دُرٌّ مُنْتَقًى (قَوْلُهُ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمُهُ) اسْتِئْنَافٌ قُصِدَ بِهِ التَّعْلِيلُ ط كَفِنَاءِ الدَّارِ لِصَاحِبِهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ وَلِذَا لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ

стр. 2316

(وَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الْعُشْرِيَّةُ وَالْخَرَاجِيَّةُ (إنْ سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ إلَّا أَرْضَ كَافِرٍ تُسْقَى بِمَاءِ الْعُشْرِ) إذْ الْكَافِرُ لَا يُبْدَأُ بِالْعُشْرِ (وَإِنْ سَقَى بِمَاءِ الْخَرَاجِ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ) لِأَنَّ النَّمَاءَ بِالْمَاءِ (وَهُوَ) أَيْ الْخَرَاجُ (نَوْعَانِ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ ــ [رد المحتار] مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إلَخْ) تَبِعَ فِي هَذَا صَاحِبَ الدُّرَرِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهَا، مِنْ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَاءِ فِيمَا لَوْ جَعَلَ الْمُسْلِمُ دَارِهِ بُسْتَانًا قَالَ فِي الْكَافِي: لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ تَدُورُ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ تُسْقَى بِمَاءِ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تُسْقَى بِأَنْهَارِ الْأَعَاجِمِ فَخَرَاجِيَّةٌ وَلَوْ بِهَذَا مَرَّةً وَبِهَذَا مَرَّةً فَالْعُشْرُ أَحَقُّ بِالْمُسْلِمِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَى أَنَّهُ عَشْرِيٌّ كَأَرْضِ الْعَرَبِ وَنَحْوِهَا أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَرَاجِيٌّ كَأَرْضِ السَّوَادِ وَنَحْوِهَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَاءِ وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ كَلَامٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً إنْ أَقَرَّ الْكُفَّارَ عَلَيْهَا لَا يُوَظَّفُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْخَرَاجُ وَلَوْ سُقِيَتْ بِمَاءِ الْمَطَرِ، وَإِنْ قُسِمَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُوَظَّفُ إلَّا الْعُشْرُ وَإِنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ الْأَنْهُرِ. وَكُلُّ أَرْضٍ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً بَلْ أَحْيَاهَا مُسْلِمٌ، إنْ كَانَ يَصِلُ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَخَرَاجِيَّةٌ، أَوْ مَاءُ عَيْنٍ وَنَحْوُهُ فَعُشْرِيَّةٌ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْمَاءَ يُعْتَبَرُ فِيمَا لَوْ أَحْيَا مُسْلِمٌ أَرْضًا أَوْ جَعَلَ دَارِهِ بُسْتَانًا، بِخِلَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَى أَنَّهُ عَشْرِيٌّ أَوْ خَرَاجِيٌّ، وَقَدَّمْنَا عَلَى الدُّرِّ الْمُنْتَقَى أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إنَّهُ يَعْتَبِرُ الْقُرْبَ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا كَالْكَنْزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى، فَأَفَادَ تَرْجِيحَهُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ ح: وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْحَمَوِيِّ عَلَى الْكَنْزِ عَنْ شَرْحِ قراحصاري، وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ وَاعْتِبَارُ الْمَاءِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ قَوْلُهُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إلَخْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: وَمَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ يُعْتَبَرُ بِقُرْبِهِ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْحَيِّزَ ثَمَّةَ وَهُنَا اعْتَبَرَ الْمَاءَ وَعَلِمْت أَنَّ ذَاكَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ اهـ (قَوْلُهُ بِمَاءِ الْعُشْرِ) هُوَ مَاءُ السَّمَاءِ وَالْبِئْرِ وَالْعَيْنِ وَالْبَحْرِ الَّذِي لَا يَدْخُلُ تَحْتَ وِلَايَةِ أَحَدٍ وَمَاءُ الْخَرَاجِ هُوَ مَاءُ أَنْهَارٍ حَفَرَتْهَا الْأَعَاجِمُ، وَكَذَا سَيْحُونُ وَجَيْحُونُ وَدِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ يَدُ الْكَفَرَةِ ثُمَّ حَوَيْنَاهُ قَهْرًا وَمَا سِوَاهُ عَشْرِيٌّ وَتَمَامُهُ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الْعُشْرِ. . مَطْلَبٌ فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ (قَوْلُهُ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يُوضَعُ ابْتِدَاءً عَلَى الْكَافِرِ كَالْمُوَظَّفِ، فَإِذَا فَتَحَ بَلْدَةً وَمَنَّ عَلَى أَهْلِهَا بِأَرْضِهَا لَهُ أَنْ يَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا مُقَاسَمَةً أَوْ مُوَظَّفًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَسَمَهَا بَيْنَ الْجَيْشِ، فَإِنَّهُ يَضَعُ الْعُشْرَ. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ كَالْمُوَظَّفِ مَصْرِفًا وَكَالْعُشْرِ مَا أَخَذَ إلَّا فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الرِّطَابِ وَالزَّرْعِ وَالْكَرْمِ وَالنَّخْلِ الْمُتَّصِلِ وَغَيْرِهِ فَيَقْسِمُ الْجَمِيعَ عَلَى حَسَبِ مَا تُطِيقُ الْأَرْضُ مِنْ النِّصْفِ، أَوْ الثُّلُثِ، أَوْ الرُّبْعِ، أَوْ الْخُمُسِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ كَالْعُشْرِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْخَارِجِ، وَلِذَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ فِي السَّنَةِ وَإِنَّمَا يُفَارِقُهُ فِي الْمَصْرِفِ فَكُلُّ شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ، وَتَجْرِي الْأَحْكَامُ الَّتِي قُرِّرَتْ فِي الْعُشْرِ وِفَاقًا وَخِلَافًا؛ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت مَا يُزْرَعُ فِي بِلَادِنَا وَمَا يُغْرَسُ فَإِذَا غَرَسَ رَجُلٌ فِي أَرْضِهِ زَيْتُونًا أَوْ كَرْمًا أَوْ أَشْجَارًا يَقْسِمُ الْخَارِجَ كَالزَّرْعِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُطْعِمَ بِخِلَافِ مَا إذَا غَرَسَ فِي الْمُوَظَّفِ، وَلَوْ أَخَذَهَا مُقَاطَعَةً عَلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ بِالتَّرَاضِي يَنْبَغِي الْجَوَازُ وَكَذَا لَوْ وَقَعَ عَلَى عِدَادِ الْأَشْجَارِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ مُفَوَّضٌ لِرَأْيِ الْإِمَامِ، وَكُلٌّ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ يُفْعَلُ فِي بِلَادِنَا.

стр. 2317

بَعْضَ الْخَارِجِ كَالْخُمُسِ وَنَحْوِهِ، وَخَرَاجُ وَظِيفَةٍ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ كَمَا وَضَعَ عُمَرُ ﵁ عَلَى السَّوَادِ لِكُلِّ جَرِيبٍ) هُوَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ بِذِرَاعِ كِسْرَى سَبْعُ قَبَضَاتٍ، وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ عُرْفُهُمْ، وَعُرْفُ مِصْرَ التَّقْدِيرُ بِالْفَدَّانِ فَتْحٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُعَوَّلُ بَحْرٌ (يَبْلُغُهُ الْمَاءُ صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ وَدِرْهَمًا) عُطِفَ عَلَى صَاعٍ مِنْ أَجْوَدِ النُّقُودِ زَيْلَعِيٌّ (وَلِجَرِيبِ الرُّطَبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلِجَرِيبِ الْكَرَمِ أَوْ النَّخْلِ مُتَّصِلَةٌ) ــ [رد المحتار] فَبَعْضُ الْأَرْضِ تُقَسَّمُ ثِمَارُ أَشْجَارِهَا، وَيَأْخُذُ مَأْذُونُ السُّلْطَانِ مِنْهَا ثُلُثًا أَوْ رُبْعًا وَنَحْوَهُ، وَبَعْضُهَا يَقْطَعُ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةً، وَبَعْضُهَا يَعُدُّ أَشْجَارَهَا، وَيَأْخُذُ عَلَى كُلِّ شَجَرَةٍ قَدْرًا مُعَيَّنًا، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الطَّاقَةِ وَالتَّرَاضِي عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَرَاضِي بِلَادِنَا خَرَاجِيَّةٌ، وَخَرَاجُهَا مُقَاسَمَةٌ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَتَقْدِيرُهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ اهـ. وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ: قُلْت: لَكِنْ مَرَّ أَنَّ الْمَأْخُوذَ الْآنَ مِنْ أَرَاضِي مِصْرَ وَالشَّامِ أُجْرَةٌ لَا عُشْرٌ وَلَا خَرَاجٌ وَالْمُرَادُ الْأَرَاضِي الَّتِي صَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ لَا الْمَمْلُوكَةِ أَوْ الْمَوْقُوفَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنَّ هَذِهِ الْأُجْرَةَ بَدَلُ الْخَرَاجِ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي (قَوْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ) بَيَانٌ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ أَيْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ بِمُجَرَّدِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ لَا بِعَيْنِ الْخَارِجِ حَتَّى لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَعَطَّلَهَا وَجَبَ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ كَمَا وَضَعَ إلَخْ) تَمْثِيلٌ لِخَرَاجِ الْوَظِيفَةِ (قَوْلُهُ عَلَى السَّوَادِ) أَيْ قُرَى الْعِرَاقِ (قَوْلُهُ بِذِرَاعِ كِسْرَى) احْتَرَزَ عَنْ ذِرَاعِ الْعَامَّةِ وَهُوَ سِتُّ قَبَضَاتٍ فَتْحٌ وَالْقَبْضَةُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ (قَوْلُهُ بِالْفَدَّانِ) بِالتَّثْقِيلِ آلَةُ الْحَرْثِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الثَّوْرَيْنِ يَحْرُثُ عَلَيْهِمَا فِي قِرَانٍ وَجَمْعُهُ فَدَادِينَ، وَقَدْ يُخَفَّفُ فَيُجْمَعُ عَلَى أَفْدِنَةٍ وَفِدْنٍ مِصْبَاحٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَرْضُ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الشَّامِ نَوْعَانِ رُومَانِيٌّ وَخَطَّاطِيٌّ وَمِسَاحَةُ كُلٍّ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ الْفَلَّاحِينَ. (قَوْلُهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُعَوَّلُ بَحْرٌ) وَأَصْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ إنَّ الثَّانِيَ يَقْضِي أَنَّ الْجَرِيبَ يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَتَّحِدَ الْوَاجِبُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَقَادِيرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُرْفُ بَلَدٍ فِيهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَعُرْفُ أُخْرَى فِيهِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا (قَوْلُهُ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ) صِفَةٌ لِجَرِيبٍ، قَيَّدَ بِهِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ إنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى أَرْضِهِ أَوْ انْقَطَعَ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَاءُ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ، فَصَارَ كَقَوْلِ الْكَنْزِ جَرِيبٌ صَلَحَ لِلزِّرَاعَةِ (قَوْلُهُ صَاعًا) مَفْعُولُ وَضَعَ وَهُوَ الْقَفِيزُ الْهَاشِمِيُّ الَّذِي وَرَدَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ، وَهُوَ صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُنْسَبُ إلَى الْحَجَّاجِ فَيُقَالُ صَاعٌ حَجَّاجِيٌّ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ أَخْرَجَهُ بَعْدَمَا فُقِدَ كَمَا فِي ط عَنْ الشَّلَبِيِّ (قَوْلُهُ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ) أَيْ فَهُوَ مُخَيَّرُ فِي إعْطَاءِ الصَّاعِ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ الْبُرِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِمَّا يُزْرَعُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْكَافِي شُرُنْبُلَالِيَّةٌ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، وَبَقِيَ مَا إذَا عَطَّلَهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ يُخَيِّرُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَدِرْهَمًا) هُوَ وَزْنُ سَبْعَةٍ كَمَا فِي الزَّكَاةِ بَحْرٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا جَوْهَرَةٌ. (قَوْلُهُ الرَّطْبَةُ) بِالْفَتْحِ وَالْجَمْعُ الرِّطَابِ: وَهِيَ الْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَالْبِطِّيخُ وَالْبَاذِنْجَانُ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ وَالْبُقُولُ غَيْرُ الرِّطَابِ مِثْلُ الْكُرَّاثِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ مُتَّصِلَةً) يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ الْأَشْجَارِ الَّتِي لِلْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَزْرَعَ بَيْنَهَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، فَلَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي جَوَانِبِ الْأَرْضِ وَوَسَطُهَا مَزْرُوعٌ فَلَا شَيْءَ فِيهَا كَمَا لَا شَيْءَ فِي غَرْسِ أَشْجَارٍ غَيْرِ مُثْمِرَةٍ بَحْرٌ ط وَقَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ فِيهَا أَيْ فِي الْأَشْجَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ بَلْ يَجِبُ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَهِيَ بُسْتَانٌ فَيَجِبُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ عَلَى مَا يَأْتِي أَوْ الْمُرَادُ لَا شَيْءَ فِيهَا مُقَدَّرٌ تَأَمَّلْ، وَقَوْلُهُ كَمَا لَا شَيْءَ فِي غَرْسٍ إلَخْ هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَغْلَ أَرْضِهِ بِهَا فَلَوْ اسْتَنْمَا أَرْضَهُ بِقَوَائِمِ الْخِلَافِ وَمَا أَشْبَهَهُ أَوْ الْقَصَبِ

стр. 2318

قَيَّدَ فِيهِمَا (ضِعْفَهَا وَلِمَا سِوَاهُ) مِمَّا لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ (كَزَعْفَرَانٍ وَبُسْتَانٍ) هُوَ كُلُّ أَرْضٍ يُحَوِّطَهَا حَائِطٌ وَفِيهَا أَشْجَارٌ مُتَفَرِّقَةٌ يُمْكِنُ الزَّرْعُ تَحْتَهَا فَلَوْ مُلْتَفَّةً أَيْ مُتَّصِلَةً لَا يُمْكِنُ زِرَاعَةُ أَرْضِهَا فَهُوَ كَرْمٌ [مَطْلَبٌ فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ] (طَاقَتُهُ وَ) غَايَةُ الطَّاقَةِ (نِصْفُ الْخَارِجِ) لِأَنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الْإِنْصَافِ (فَلَا يَزِدْ عَلَيْهِ) فِي إخْرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ وَلَا فِي الْمُوَظِّفِ عَلَى مِقْدَارِ مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ــ [رد المحتار] أَوْ الْحَشِيشِ كَانَ فِيهِ الْعُشْرُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ ضِعْفَهَا) أَيْ ضِعْفَ الْخَمْسَةِ وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَثْمَارِ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُثْمِرْ بَعْدُ فَفِيهَا خَرَاجُ الزَّرْعِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ دُرٌّ مُنْتَقَى (قَوْلُهُ وَلِمَا سِوَاهُ) أَيْ سِوَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ الْمُوَظَّفِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ) قَصَدَ بِهِ إصْلَاحَ الْمَتْنِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ وَالْبُسْتَانَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْعَطْفِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ يُحَوِّطُهَا) أَيْ يَرْعَاهَا وَيَحْفَظُهَا، أَوْ هُوَ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ دَارَ عَلَيْهَا حَائِطٌ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: حَاطُّهُ يُحَوِّطُهُ حَوْطًا رَعَاهُ وَحَوَّطَ حَوْلَهُ تَحْوِيطًا أَدَارَ عَلَيْهِ نَحْوَ التُّرَابِ حَتَّى جَعَلَهُ مُحِيطًا بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَلَوْ مُلْتَفَّةً إلَخْ) فِي الْمِصْبَاحِ الْتَفَّ النَّبَاتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ اخْتَلَطَ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبُسْتَانِ وَالْكَرْمِ، هُوَ أَنَّ مَا كَانَتْ أَشْجَارُهُ مُلْتَفَّةً فَهُوَ كَرْمٌ، وَمَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَهُوَ بُسْتَانٌ، وَقَدْ عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَمِثْلُهُ فِي كَافِي النَّسَفِيِّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْكَرَمَ لَا تَخْتَصُّ بِشَجَرِ الْعِنَبِ، مَعَ أَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مِنْ عَطْفِ النَّحْلِ عَلَى الْكَرْمِ يُفِيدُ أَنَّهُ غَيْرُهُ. وَفِي الِاخْتِيَارِ: وَالْجَرِيبُ الَّذِي فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ مُلْتَفَّةٌ لَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ: يُوضَعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْبُسْتَانِ تَقْدِيرٌ فَكَانَ مُفَوَّضًا إلَى أَمْرِ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُزَادُ عَلَى الْكَرْمِ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ بِمَعْنَى الْكَرْمِ فَالْوَارِدُ فِي الْكَرْمِ وَارِدٌ فِيهِ دَلَالَةً وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَشْجَارٌ مُتَفَرِّقَةٌ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْأَرْضِ اهـ وَمُفَادُ هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْكَرْمَ مُخْتَصٌّ بِالْعِنَبِ وَالْبُسْتَانُ غَيْرُهُ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ أَوَّلًا وَثَانِيًا، وَهَذَا أَوْفَقُ بِمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَمُفَادُهُ أَيْضًا أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الْبُسْتَانِ إذَا كَانَتْ أَشْجَارُهُ مُلْتَفَّةً، وَأَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الْمُلْتَقَى، وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ مِثْلَ مَا فِي الِاخْتِيَارِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا جَرِيبُ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ النَّخْلُ مُلْتَفًّا جَعَلْت عَلَيْهِ الْخَرَاجَ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَغَايَةُ الطَّاقَةِ نِصْفُ الْخَارِجِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْهُ فَافْهَمْ. مَطْلَبٌ لَا يُحَوَّلُ خَرَاجُ الْمُوَظِّفِ إلَى خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ وَبِالْعَكْسِ (قَوْلُهُ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ) تَرَكَ مَا لَمْ يُوَظَّفْ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ وَلَا فِي الْمُوَظَّفِ إلَخْ أَفَادَهُ ط. قُلْت: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَالتَّنْصِيفُ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَضْعُ النِّصْفِ أَوْ الرُّبْعِ أَوْ الْخُمُسِ فَيَصِيرُ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ لِأَنَّهُ جَزْءٌ مِنْ الْخَارِجِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُوَظَّفِ، فَقَوْلُهُ فِي خَرَاجِ مُقَاسَمَةٍ أَرَادَ بِهِ هَذَا النَّوْعَ، وَقَوْلُهُ وَلَا فِي الْمُوَظَّفِ إلَخْ أَرَادَ بِهِ النَّوْعَ الْأَوَّلَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَا فِي الْمُوَظَّفِ عَلَى مِقْدَارِ مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ) وَكَذَا إذَا فُتِحَتْ بَلْدَةٌ بَعْدَ عُمَرَ فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَضَعَ عَلَى مَا يُزْرَعُ حِنْطَةً دِرْهَمَيْنِ وَقَفِيزًا وَهِيَ تُطِيقُهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَزِدْ لَمَّا أُخْبِرَ بِزِيَادَةِ الطَّاقَةِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْكَافِي. قَالَ ط: وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي حُرْمَةِ مَا أَحْدَثَهُ الظَّلَمَةُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُوَظَّفِ، وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ الْأَرَاضِيَ آلَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ وَصَارَتْ

стр. 2319

وَإِنْ أَطَاقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ كَافِيٌّ (وَيُنْقِصُ مِمَّا وُظِّفَ) عَلَيْهَا (إنْ لَمْ تُطِقْ) بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْخَارِجُ ضِعْفَ الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ فَيُنْقَصُ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ وُجُوبًا وَجَوَازًا عِنْدَ الْإِطَاقَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى النِّصْفِ وَلَا يُنْقَصُ عَنْ الْخُمُسِ ــ [رد المحتار] مُسْتَأْجَرَةً. اهـ. أَيْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ يَدْفَعُهَا لِلزُّرَّاعِ بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ: إمَّا بِإِقَامَتِهِمْ مَقَامَ الْمُلَّاكِ فِي الزِّرَاعَةِ، وَإِعْطَاءِ الْخَرَاجِ، وَإِمَّا بِإِجَارَتِهَا لَهُمْ بِقَدْرِ الْخَرَاجِ، فَقَوْلُهُ: بِقَدْرِ الْخَرَاجِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ. قُلْت: لَكِنَّ الْمَأْخُوذَ الْآنَ مِنْ الْأَرَاضِي الشَّامِيَّةِ الَّتِي آلَتْ إلَى بَيْتِ الْمَالِ بِمُوجِبِ الْبَرَاءَةِ وَالدَّفَاتِرِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَكَذَا مِنْ الْأَوْقَافِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَإِنَّ مِنْهَا مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ نِصْفُ الْخَارِجِ، وَمِنْهَا الرُّبْعُ، وَمِنْهَا الْعُشْرُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَيُؤْخَذُ بِقَدْرِهِ إذَا صَارَ بَدَلَ أُجْرَةٍ، وَلَعَلَّ مَا مَرَّ مِنْ التَّوْظِيفِ كَانَ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ فَقَطْ، وَالْمَوْضُوعُ عَلَى الْأَرَاضِي الشَّامِيَّةِ كَانَ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ فَبَقِيَ الْمَأْخُوذُ قَدْرُهُ وَقَدَّمْنَا التَّصْرِيحَ عَنْ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ بِأَنَّهُ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَطَاقَتْ) تَعْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ إلَخْ، فَيَشْمَلُ مَا لَمْ يُوَظَّفْ كَمَا صَرَّحَ فِي قَوْلِهِ: وَغَايَةُ الطَّاقَةِ نِصْفُ الْخَارِجِ، وَيَشْمَلُ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَكَذَا الْمُوَظَّفُ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا فِي الْبَحْرِ أَوْ مِنْ إمَامٍ بَعْدَهُ كَمَا مَرَّ فَافْهَمْ. مَطْلَبٌ لَا يَلْزَمُ جَمِيعُ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ إذَا لَمْ تُطِقْ لِكَثْرَةِ الْمَظَالِمِ (قَوْلُهُ وَجَوَازًا عِنْدَ الْإِطَاقَةِ) اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: وَيُنْقَصُ مِمَّا وُظِّفَ إنْ لَمْ تُطِقْ يُفْهَمُ مِنْهُ إنَّهَا إنْ أَطَاقَتْ لَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الدِّرَايَةِ مِنْ جَوَازِ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْإِطَاقَةِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِطَاقَةِ وَبِجَوَازِهِ عِنْدَ الْإِطَاقَةِ لَكَانَ حَسَنًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الدِّرَايَةِ فَتَدَبَّرْهُ. اهـ. وَحِينَئِذٍ فَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إنْ لَمْ تُطِقْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّنْقِيصُ عِنْدَ الْإِطَاقَةِ فَلَا يُنَافِي جَوَازَهُ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ وُجُوبًا قَيْدٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُنْقَصُ مِمَّا وُظِّفَ لَا لِقَوْلِهِ فِي الشَّرْحِ فَيُنْقَصُ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ وَقَوْلُهُ: وَجَوَازًا عُطِفَ عَلَى وُجُوبًا فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَيُنْقَصُ وُجُوبًا مِمَّا وُظِّفَ إنْ لَمْ تُطِقْ، وَجَوَازًا إنْ أَطَاقَتْ، وَهَذَا كَلَامٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَبِهِ سَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْعَطْفِ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ الْكَرْمِ مَثَلًا لَوْ بَلَغَ أَلْفَ دِرْهَمٍ جَازَ أَخْذُ خَمْسِمِائَةٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ الْخَارِجُ ضِعْفَ الْمُوَظَّفِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنْقِصَ عَنْ الْمُوَظَّفِ. اهـ. وَوَجْهُ السُّقُوطِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُرَادُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ وُجُوبًا قَيْدًا لِقَوْلِهِ فَيُنْقَصُ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ فَيَصِيرُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَجَوَازُ أَنَّهُ يُنْقَصُ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ جَوَازًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَا مُوجِبَ لِهَذَا الْحِلِّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى النِّصْفِ إلَخْ) هَذَا فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ لِانْفِهَامِهِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالنِّصْفِ وَالْخُمُسِ فَإِنَّ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ لَيْسَ فِيهِ جَزْءٌ مُعَيَّنٌ تَأَمَّلْ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَسَكَتَ عَنْ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ، وَهُوَ إذَا مَنَّ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ بِأَرَاضِيِهِمْ وَرَأَى أَنْ يَضَعَ عَلَيْهِمْ جُزْءًا مِنْ الْخَارِجِ كَنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعُشْرِ وَمِنْ حُكْمِهِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ الْخُمُسِ قَالَهُ الْحَدَّادِيُّ اهـ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ: وَيَنْبَغِي مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النِّصْفِ غَيْرُ جَائِزَةٍ كَمَا مَرَّ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّ عَدَمَ التَّنْقِيصِ عَنْ الْخُمُسِ غَيْرُ مَنْقُولٍ فَذَكَرَهُ الْحَدَّادِيُّ بَحْثًا، لَكِنْ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ تُطِيقُ، فَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الرِّيعِ كَثِيرَةَ الْمُؤَنِ يُنْقِصُ، إذْ يَجِبُ أَنْ يَتَفَاوَتَ الْوَاجِبُ لِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ كَمَا فِي أَرْضِ الْعُشْرِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْكَافِي: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ الْخَرَاجَ الْمُوَظَّفَ إلَى خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ. أَقُولُ: وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ تَعْلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضَ الْعَهْدِ وَهُوَ حَرَامٌ. اهـ. قُلْت: صَرَّحَ بِالْعَكْسِ الْقُهُسْتَانِيُّ وَقَدَّمْنَا عَلَى الرَّمْلِيِّ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْأَرَاضِي الشَّامِيَّةِ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ، وَكَتَبْنَا أَنَّ مَا صَارَ مِنْهَا لِبَيْتِ الْمَالِ تُؤْخَذُ أُجْرَتُهُ بِقَدْرِ الْخَرَاجِ وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ خَرَاجًا، فَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ

стр. 2320

حَدَّادِيٌّ، وَفِيهِ لَوْ غَرَسَ بِأَرْضِ الْخَرَاجِ كَرْمًا أَوْ شَجَرًا فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يُطْعِمَ وَكَذَا لَوْ قَلَعَ الْكَرْمَ. وَزَرَعَ الْحَبَّ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْكَرْمِ، وَإِذَا أَطْعَمَ فَعَلَيْهِ قَدْرُ مَا يُطِيقُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا يُنْقِصُ عَمَّا كَانَ وَكُلُّ مَا يُمْكِنُ الزَّرْعُ تَحْتَ شَجَرِهِ فَبُسْتَانٌ، وَمَا لَا يُمْكِنُ فَكَرْمٌ، وَأَمَّا الْأَشْجَارُ الَّتِي عَلَى الْمُسَنَّاةِ فَلَا شَيْءَ فِيهَا انْتَهَى: وَفِي زَكَاةِ الْخَانِيَّةِ قَوْمٌ شَرَوْا ضَيْعَةً فِيهَا كَرْمٌ وَأَرْضٌ فَشَرَى أَحَدُهُمَا الْكَرَمَ وَالْآخَرُ الْأَرَاضِيَ وَأَرَادُوا قَسْمَ الْخَرَاجِ، فَلَوْ مَعْلُومًا فَكَمَا كَانَ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَإِلَّا كَأَنْ كَانَ جُمْلَةً - ــ [رد المحتار] تُعْتَبَرُ فِيهِ الطَّاقَةُ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ التَّيْمَارِ وَالزَّعَامَاتِ مِنْ مُطَالَبَةِ أَهْلِ الْقُرَى بِجَمِيعِ مَا عَيَّنَهُ لَهُمْ السُّلْطَانُ عَلَى الْقُرَى كَالْقَسْمِ مِنْ النِّصْفِ وَنَحْوِهِ ظُلْمٌ مَحْضٌ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعَيَّنَ فِي الدَّفَاتِرِ السُّلْطَانِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الزُّرَّاعِ، سِوَى ذَلِكَ الْقَسْمِ الْمُعَيَّنِ وَالْفَاضِلُ عَنْهُ يَبْقَى لِلزُّرَّاعِ، وَالْوَاقِعُ فِي زَمَانِنَا خِلَافُهُ فَإِنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْآنَ ظُلْمًا مِمَّا يُسَمَّى بِالذَّخَائِرِ وَغَيْرِهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ رُبَّمَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْخَارِجِ مِنْ بَعْضِ الْأَرَاضِي، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا وَقَدْ شَاهَدْنَا مِرَارًا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَنْزِلُ عَنْ أَرْضِهِ لِغَيْرِهِ بِلَا شَيْءٍ لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهَا مِنْ الظُّلْمِ، وَحِينَئِذٍ فَمُطَالَبَتُهُ بِالْقَسْمِ ظُلْمٌ عَلَى ظُلْمٍ وَالظُّلْمُ يَجِبُ إعْدَامُهُ فَلَا يَجُوزُ مُسَاعَدَةُ أَهْلِ التَّيْمَارِ عَلَى ظُلْمِهِمْ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا تُطِيقُهُ الْأَرَاضِي، كَمَا أَفْتَى بِهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ. وَنَقَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ مِنْ سِيرَةِ الْأَكَاسِرَةِ إذَا أَصَابَ زَرْعَ بَعْضِ الرَّعِيَّةِ آفَةٌ عَوَّضُوا لَهُ مَا أَنْفَقَهُ فِي الزِّرَاعَةِ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ وَقَالُوا التَّاجِرُ شَرِيكٌ فِي الْخُسْرَانِ كَمَا هُوَ شَرِيكٌ فِي الرِّبْحِ، فَإِذَا لَمْ يُعْطِهِ الْإِمَامُ شَيْئًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ لَا يُغَرِّمَهُ الْخَرَاجَ (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَرْضِ) كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَالَ ط: وَالْأَوْلَى خَرَاجُ الزَّرْعِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى فِي بَابِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَيْ فَيَدْفَعُ صَاعًا وَدِرْهَمًا (قَوْلُهُ إلَى أَنْ يُطْعِمَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَطْعَمْت الشَّجَرَةَ بِالْأَلِفِ أَدْرَكَ ثَمَرُهَا (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْكَرْمِ) أَيْ دَائِمًا لِأَنَّهُ صَارَ إلَى الْأَدْنَى مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَعْلَى، قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ قَالُوا: مَنْ انْتَقَلَ إلَى أَخَسِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَعْلَى كَمَنْ لَهُ أَرْضُ الزَّعْفَرَانِ فَتَرَكَهُ وَزَرَعَ الْحُبُوبَ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الزَّعْفَرَانِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ كَرْمٌ فَقَطَعَ وَزَرَعَ الْحُبُوبَ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْكَرْمِ وَهَذَا شَيْءٌ يُعْلَمُ، وَلَا يُفْتَى بِهِ كَيْ لَا يَطْمَعَ الظَّلَمَةُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ كَذَا فِي الْكَافِي ح قَالَ فِي الْفَتْحِ: إذْ يَدَّعِي كُلُّ ظَالِمٍ أَنَّ أَرْضَهُ كَانَتْ تَصْلُحُ لِزِرَاعَةِ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ وَعِلَاجُهُ صَعْبٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِذَا أُطْعِمَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إلَى أَنْ يُطْعِمَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ أَنْبَتَ أَرْضُهُ كَرْمًا فَعَلَيْهِ خَرَاجُهَا إلَى أَنْ يُطْعِمَ، فَإِذَا أُطْعِمَ، فَإِنْ كَانَ ضِعْفَ وَظِيفَةِ الْكَرْمِ فَفِيهِ وَظِيفَةُ الْكَرْمِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَنِصْفُهُ إلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قَفِيزٍ وَدِرْهَمٍ، فَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ. اهـ. وَالْقَفِيزُ صَاعٌ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لِلزِّرَاعَةِ، فَلَوْ لِلرَّطْبَةِ فَالظَّاهِرُ لُزُومُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ وَلَا يَنْقُصُ عَمَّا كَانَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَكُلُّ مَا يُمْكِنُ إلَخْ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ح (قَوْلُهُ عَلَى الْمُسَنَّاةِ) قَالَ فِي جَامِعِ اللُّغَةِ: الْمُسَنَّاةُ الْعَرِمُ، وَهُوَ مَا يُبْنَى لِلسَّيْلِ لِيَرُدَّ الْمَاءَ. اهـ. ح. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهَا مَا يُبْنَى حَوْلَ الْأَرْضِ لِيَرُدَّ السَّيْلَ عَنْهَا، وَتُسَمَّى حَافَّتَا النَّهْرِ مُسَنَّاةٌ أَيْضًا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا كَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ الزَّرْعِ فَلَا يُسَمَّى شَاغِلًا لِلْأَرْضِ فَيَكُونَ تَابِعًا لَهَا (قَوْلُهُ قَوْمٌ) أَرَادَ بِاسْمِ الْجَمْعِ الِاثْنَيْنِ مَجَازًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أَحَدُهُمَا وَوَاوُ الْجَمْعِ فِي شَرَوْا بِاعْتِبَارِ صُورَةِ اسْمِ الْجَمْعِ ح (قَوْلُهُ وَفِيهَا كَرْمٌ) أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ بِقَرِينَةِ الْجَمْعِ فِيمَا يَأْتِي ح (قَوْلُهُ فَشَرَى) عُطِفَ عَلَى شَرَوْا عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ ح (قَوْلُهُ فَلَوْ مَعْلُومًا) أَيْ عَلِمَ حِصَّةَ الْكُرُومِ وَحِصَّةَ الْأَرَاضِي مِنْ الْخَرَاجِ الْمَأْخُوذِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا كَأَنْ كَانَ جُمْلَةً) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِأَنْ كَانَ جُمْلَةً أَيْ بِأَنْ كَانَ خَرَاجَ الضَّيْعَةِ يُؤْخَذُ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِحِصَّةِ الْكُرُومِ وَحِصَّةِ الْأَرَاضِي

стр. 2321

فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ الْكُرُومُ إلَّا كُرُومًا قُسِمَ بِقَدْرِ الْحِصَصِ قَرْيَةٌ خَرَاجُهُمْ مُتَفَاوِتٌ، فَطَلَبُوا التَّسْوِيَةَ إنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ ابْتِدَاءً تُرِكَ عَلَى مَا كَانَ (وَلَا خَرَاجَ إنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى أَرْضِهِ أَوْ انْقَطَعَ) الْمَاءُ (أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ كَغَرَقٍ وَحَرْقٍ وَشِدَّةِ بَرْدٍ) إلَّا إذَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ مَا يُمْكِنُ الزَّرْعُ فِيهِ ثَانِيًا (أَمَّا إذَا كَانَتْ الْآفَةُ غَيْرَ سَمَاوِيَّةٍ) وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا (كَأَكْلِ قِرَدَةٍ وَسِبَاعٍ وَنَحْوِهِمَا) كَأَنْعَامٍ وَفَأْرٍ وَدُودَةِ بَحْرٍ (أَوْ هَلَكَ) الْخَارِجُ (بَعْدَ الْحَصَادِ لَا) يَسْقُطُ وَقَبْلَهُ يَسْقُطُ وَلَوْ هَلَكَ بَعْضُهُ إنْ فَضَلَ عَمَّا أَنْفَقَ شَيْءٌ ــ [رد المحتار] قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ تُعْرَفُ إلَخْ) يَعْنِي لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ أَنَّ الْكُرُومَ كَانَتْ أَرَاضِيَ، وَلَا أَنَّ الْأَرَاضِيَ كَانَتْ كُرُومًا ح (قَوْلُهُ قُسِمَ بِقَدْرِ الْحِصَصِ) أَيْ يُنْظَرُ إلَى خَرَاجِ الْكُرُومِ وَالْأَرَاضِي، فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ يَقْسِمُ جُمْلَةَ خَرَاجِ الضَّيْعَةِ عَلَيْهَا عَلَى قَدْرِ حِصَصِهَا ح عَنْ الْخَانِيَّةِ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى خَرَاجِهِمَا خَرَاجَ وَظِيفَةٍ بِأَنْ يَنْظُرَ كَمْ جَرِيبًا فِيهِمَا فَإِذَا بَلَغَ خَرَاجُ الْكُرُومِ مِائَةَ دِرْهَمٍ مَثَلًا وَخَرَاجُ الْأَرَاضِي مِائَتَيْنِ يَقْسِمُ جُمْلَةَ خَرَاجِ الضَّيْعَةِ عَلَيْهِمَا ثَلَاثَةً ثُلُثُهُ عَلَى الْكُرُومِ وَثُلُثَاهُ عَلَى الْأَرَاضِي (قَوْلُهُ قَرْيَةٌ) الْمُرَادُ أَهْلُهَا؛ فَلِذَا قَالَ خَرَاجُهُمْ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ خَرَاجَ أَرَاضِيهِمْ كَانَ عَلَى التَّسَاوِي أَمْ لَا تُرِكَ كَمَا كَانَ. [تَنْبِيهٌ] فِي الْخَيْرِيَّةِ سُئِلَ فِي مَسْجِدِ قَرْيَةٍ لَهُ أَرْضٌ لَمْ يُعْرَفْ عَلَيْهَا خَرَاجٌ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَيُرِيدُ السَّبَاهِي الْمُتَكَلِّمُ عَلَى الْقَرْيَةِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا. أَجَابَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْقَدِيمُ يَبْقَى عَلَى قِدَمِهِ، وَحَمْلُ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاحِ وَاجِبٌ. (قَوْلُهُ وَلَا خَرَاجَ إلَخْ) أَيْ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ وَكَذَا خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ وَالْعُشْرُ بِالْأَوْلَى لِتَعَلُّقِ الْوَاجِبِ بِعَيْنِ الْخَارِجِ فِيهِمَا وَمِثْلُ الزَّرْعِ الرَّطْبَةُ وَالْكَرْمُ وَنَحْوُهُمَا خَيْرِيَّةٌ (قَوْلُهُ مَا يُمْكِنُ الزَّرْعُ فِيهِ ثَانِيًا) قَالَ فِي الْكُبْرَى وَالْفَتْوَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَيُمْكِنُ احْتِرَازٌ عَنْهَا) خَرَجَ مَا لَا يُمْكِنُ كَالْجَرَادِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ كَأَنْعَامٍ) وَكَقِرَدَةٍ وَسِبَاعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَفَأْرٍ وَدُودَةٍ) عِبَارَةُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الدُّودَةَ وَالْفَأْرَةَ إذَا أَكَلَا الزَّرْعَ لَا يَسْقُطُ الْخَرَاجُ. اهـ. قُلْت: لَا شَكَّ أَنَّهُمَا مِثْلُ الْجَرَادِ فِي عَدَمِ إمْكَانِ الدَّفْعِ، وَفِي النَّهْرِ لَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي كَوْنِ الدُّودَةِ آفَةً سَمَاوِيَّةً، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَأَقُولُ إنْ كَانَ كَثِيرًا غَالِبًا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِحِيلَةٍ يَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ بِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ لَا يَسْقُطُ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِلصَّوَابِ (قَوْلُهُ أَوْ هَلَكَ الْخَارِجُ بَعْدَ الْحَصَادِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ قَبْلَهُ يَسْقُطُ الْخَرَاجُ لَكِنْ يُخَالِفُهُ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِيمَا لَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَإِنَّ الزَّرْعَ اسْمٌ لِلْقَائِمِ فِي أَرْضِهِ، فَحَيْثُ وَجَبَ الْخَرَاجُ بِهَلَاكِهِ بِآفَةٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ قَبْلَ الْحَصَادِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْهَلَاكُ هُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ بِمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَتَنْدَفِعُ الْمُخَالَفَةُ. وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْعُشْرِ مِنْ الزَّكَاةِ الِاخْتِلَافَ فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ. فَعِنْدَهُ يَجِبُ عِنْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ وَالْأَمْنِ عَلَيْهَا مِنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْحَصَادَ إذَا بَلَغَتْ حَدًّا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَعِنْدَ الثَّانِي عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْحَصَادِ، وَعِنْدَ الثَّالِثِ إذَا حُصِدَتْ وَصَارَتْ فِي الْجَرِينِ، فَلَوْ أَكَلَ مِنْهَا بَعْدَ بُلُوغِ الْحَصَادِ قَبْلَ أَنْ تُحْصَدَ ضَمِنَ عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ بَعْدَمَا صَارَتْ فِي الْجَرِينِ لَا يَضْمَنُ إجْمَاعًا وَمَرَّ تَمَامُهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ وَقَبْلَهُ يَسْقُطُ) أَيْ إلَّا إذَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الزِّرَاعَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَلَفَ ط. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَلَوْ هَلَكَ الْخَارِجُ فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ قَبْلَ الْحَصَادِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْخَارِجِ حَقِيقَةً، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّرِيكِ شَرِكَةَ الْمِلْكِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَيَكْثُرُ وُقُوعُهُ فِي بِلَادِنَا وَفِي الْخَانِيَّةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي سُقُوطِهِ فِي حِصَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ بَعْدَ الْحَصَادِ وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِ فِي حِصَّةِ الْأَكَّارِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْأَرْضَ فِي حِصَّتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ إنْ فَضَلَ عَمَّا أَنْفَقَ) يَنْبَغِي

стр. 2322

أُخِذَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا بَيَّنَّا مُصَنَّفٌ سِرَاجٌ وَتَمَامُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ مَعْزِيًّا لِلْبَحْرِ. قَالَ وَكَذَا حُكْمُ الْإِجَارَةِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ (فَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا وَكَانَ خَرَاجُهَا مُوَظَّفًا أَوْ أَسْلَمَ) صَاحِبُهَا (أَوْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ) مِنْ ذِمِّيٍّ (أَرْضُ خَرَاجٍ) يَجِبُ الْخَرَاجُ (وَلَوْ مَنَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ الزِّرَاعَةِ أَوْ كَانَ الْخَارِجُ) خَرَاجَ (مُقَاسَمَةٍ لَا) يَجِبُ شَيْءٌ سِرَاجٌ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَأْخُوذَ ــ [رد المحتار] أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّرْعِ مَا يَأْخُذُهُ الْأَعْرَابُ وَحُكَّامُ السِّيَاسَةِ ظُلْمًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ أُخِذَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا بَيَّنَّا) أَيْ إنْ بَقِيَ ضِعْفُ الْخَرَاجِ كَدِرْهَمَيْنِ وَصَاعَيْنِ، يَجِبُ الْخَرَاجُ، وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ مِقْدَارِ الْخَرَاجِ يَجِبُ نِصْفُهُ وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ، وَتَمَامُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ فَبِهَا أَفَادَهُ ح. (قَوْلُهُ مُصَنَّفٌ سِرَاجٌ) عَلَى حَذْفِ الْعَاطِفِ أَوْ عَلَى مَعْنَى مُصَنَّفٍ عَنْ السِّرَاجِ (قَوْلُهُ وَكَذَا حُكْمُ الْإِجَارَةِ) أَيْ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَغَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ، وَأَمَّا لَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَإِنَّمَا يُسْقِطُ أُجْرَةَ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ بَعْدَ الْهَلَاكِ لَا مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ بِإِزَاءِ الْمَنْفَعَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَجِبُ أَجْرُ مَا اسْتَوْفِي لَا غَيْرَهُ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْخَرَاجِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ. قُلْت: لَكِنْ فِي إجَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْمُحِيطِ: الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إذَا بَقِيَ بَعْدَ هَلَاكِ الزَّرْعِ مُدَّةً لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ وَلَا يَجِبُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ زِرَاعَتِهِ مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ وَكَذَا لَوْ مَنَعَهُ غَاصِبٌ. اهـ. وَالْخَرَاجُ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْت. (قَوْلُهُ فَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا) أَيْ عَطَّلَ الْأَرْضَ الصَّالِحَةَ لِلزِّرَاعَةِ دُرٌّ مُنْتَقًى. قُلْت: فِي الْخَانِيَّةِ: لَهُ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ أَرْضٌ سَبِخَةٌ لَا تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ أَوْ لَا يَصِلُهَا الْمَاءُ، إنْ أَمْكَنَهُ إصْلَاحُهَا وَلَمْ يُصْلِحْ فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ إلَّا فَلَا. اهـ. وَمِنْ التَّعْطِيلِ مِنْ وَجْهٍ مَا لَوْ زَرَعَ الْأَخَسَّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَعْلَى كَمَا مَرَّ. قُلْت: وَيُسْتَثْنَى مِنْ التَّعْطِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِسْعَافِ فِي فَصْلِ أَحْكَامِ الْمَقَابِرِ وَالرُّبَطِ لَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً أَوْ خَانًا لِلْغَلَّةِ أَوْ مَسْكَنًا سَقَطَ الْخَرَاجُ عَنْهُ، وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ. مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ عَجَزَ الْمَالِكُ عَنْ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ وَبَقِيَ مَا لَوْ عَجَزَ مَالِكُهَا عَنْ الزِّرَاعَةِ لِعَدَمِ قُوَّتِهِ وَأَسْبَابِهِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً لِيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ وَيُمْسِكَ الْبَاقِيَ لِلْمَالِكِ، وَإِنْ شَاءَ آجَرَهَا وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ شَاءَ زَرَعَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ بَاعَهَا وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ ثَمَنِهَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ صَرْفِ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالضَّرَرِ الْخَاصِّ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَدْفَعُ لِلْعَاجِزِ كِفَايَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَرْضًا لِيَعْمَلَ فِيهَا زَيْلَعِيٌّ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ عَادَتْ قُدْرَةُ مَالِكِهَا رَدَّهَا الْإِمَامُ عَلَيْهِ إلَّا فِي الْبَيْعِ. (قَوْلُهُ يَجِبُ الْخَرَاجُ) أَمَّا فِي التَّعْطِيلِ فَلِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ، وَأَمَّا فِيمَا بَعْدَهُ فَلِأَنَّ الْخَرَاجَ فِيهِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَأَمْكَنَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ اشْتَرَوْا أَرَاضِيَ الْخَرَاجِ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَلِأَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْخَارِجِ مِثْلَ الْعُشْرِ فَإِذَا لَمْ يَزْرَعْ مَعَ الْقُدْرَةِ لَمْ يُوجَدْ الْخَارِجُ بِخِلَافِ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ التَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ. مَطْلَبٌ لَوْ رَحَلَ الْفَلَّاحُ مِنْ قَرْيَةٍ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْعَوْدِ (قَوْلُهُ وَقَدْ عَلِمْت إلَخْ) حَاصِلُهُ دَفْعُ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا يَجِبُ الْخَرَاجُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الزِّرَاعَةَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ رَحَلَ مِنْ الْقَرْيَةِ يُجْبَرُ عَلَى الزِّرَاعَةِ وَالْعَوْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ أَمَّا أَوَّلًا فَلِمَا عَلِمْت مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْإِمَامَ

стр. 2323

مِنْ أَرَاضِي مِصْرَ أُجْرَةٌ لَا خَرَاجٌ فَمَا يُفْعَلُ الْآنَ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ الْفَلَاحِ وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ وَيُسَمَّى ذَلِكَ فِلَاحَةً وَإِجْبَارُهُ عَلَى السُّكْنَى فِي بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَعْمُرُ دَارِهِ وَيَزْرَعُ الْأَرْضَ حَرَامٌ بِلَا شُبْهَةٍ نَهْرٌ وَنَحْوُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ مَعْزِيًّا لِلْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِصْرَ الْآنَ لَيْسَتْ خَرَاجِيَّةً بَلْ بِالْأُجْرَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ لَمْ يَزْرَعْ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَأْجِرًا، وَلَا جَبْرَ عَلَيْهِ بِتَسْيِيبِهَا، فَمَا يَفْعَلُهُ الظَّلَمَةُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ حَرَامٌ خُصُوصًا إذَا أَرَادَ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ، وَقَالُوا لَوْ زَرَعَ الْأَخَسَّ قَادِرًا عَلَى الْأَعْلَى كَزَعْفَرَانٍ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَعْلَى وَهَذَا يُعْلَمُ وَلَا يُفْتَى بِهِ كَيْ لَا يَتَجَرَّأَ الظَّلَمَةُ. (بَاعَ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً إنْ بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ الزِّرَاعَةِ فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَإِلَّا فَعَلَى الْبَائِعِ) عِنَايَةٌ. (وَلَا يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ) لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَلَا يَتَكَرَّرُ الْخَرَاجُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ فِي سَنَةٍ لَوْ مُوَظَّفًا وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ (تَكَرَّرَ) لِتَعَلُّقِهِ بِالْخَارِجِ حَقِيقَةً (كَالْعُشْرِ) فَإِنَّهُ ــ [رد المحتار] يَدْفَعُهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً أَوْ بِالْأُجْرَةِ أَوْ يَبِيعُهَا وَلَمْ يَقُولُوا بِإِجْبَارِ صَاحِبِهَا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَرَاضِيَ الشَّامِيَّةَ خَرَاجُهَا مُقَاسَمَةً لَا وَظِيفَةً فَلَا يَجِبُ بِالتَّعْطِيلِ أَصْلًا، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهَا لَمَّا صَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ صَارَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا أُجْرَةً بِقَدْرِ الْخَرَاجِ، وَالْأُجْرَةُ لَا تَلْزَمُ هُنَا بِدُونِ الْتِزَامٍ، إمَّا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْ بِالزِّرَاعَةِ. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ أَقُولُ: رَأَيْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَفْتَى بِأَنَّهُ إذَا رَحَلَ الْفَلَّاحُ مِنْ قَرْيَتِهِ وَلَزِمَ خَرَابُ الْقَرْيَةِ بِرَحِيلِهِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْعَوْدِ وَرُبَّمَا اغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ الْجَهَلَةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا رَحَلَ لَا عَنْ ظُلْمٍ وَجَوْرٍ وَلَا عَنْ ضَرُورَةٍ بَلْ تَعَنُّتًا وَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِإِعَادَتِهِ لِلْمَصْلَحَةِ وَهِيَ صِيَانَةُ الْقَرْيَةِ عَنْ الْخَرَابِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الْعَوْدِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الظَّلَمَةُ الْآنَ مِنْ الْإِلْزَامِ بِالرَّدِّ إلَى الْقَرْيَةِ مَعَ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ وَالْجَوْرِ الْمُفْرِطِ فَلَا يَقُولُ بِهِ مُسْلِمٌ، وَقَدْ جَعَلَ الْحِصْنِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً أَقَامَ بِهَا الطَّامَّةَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ فَارْجِعْ إلَيْهَا إنْ شِئْت (قَوْلُهُ كَيْ لَا يَتَجَرَّأُ الظَّلَمَةُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَرُدَّ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ الْكِتْمَانُ وَأَنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوا كَانَ فِي مَوْضِعِهِ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا أُجِيبَ بِأَنَّا لَوْ أَفْتَيْنَا بِذَلِكَ لَادَّعَى كُلُّ ظَالِمٍ فِي أَرْضٍ لَيْسَ شَأْنُهَا ذَلِكَ أَنَّهَا قَبْلَ هَذَا كَانَتْ تُزْرَعُ الزَّعْفَرَانَ فَيَأْخُذَ خَرَاجَ ذَلِكَ، وَهُوَ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ. اهـ. (قَوْلُهُ بَاعَ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً إلَخْ) هَذَا إذَا كَانَتْ فَارِغَةً لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ مَا يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ زِرَاعَتِهِ، فَقِيلَ: الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ، وَقِيلَ أَيُّ زَرْعٍ كَانَ وَفِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ إدْرَاكُ الرِّيعِ بِكَمَالِهِ أَوَّلًا. وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى تَقْدِيرِهِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَهَذَا مِنْهُ اعْتِبَارٌ لِزَرْعِ الدُّخْنِ وَإِدْرَاكِ الرِّيعِ فَإِنَّ رِيعَ الدُّخْنِ يُدْرَكُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مَزْرُوعَةً فَبَاعَهَا مَعَ الزَّرْعِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَالْخَرَاجُ عَلَى الْمُشْتَرِي مُطْلَقًا، وَإِنْ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَانْعِقَادِ حَبِّهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَهَا فَارِغَةً، وَلَوْ كَانَ لَهَا رِيعَانِ خَرِيفِيٌّ وَرَبِيعِيٌّ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا لِلْبَائِعِ وَالْآخَرَ لِلْمُشْتَرِي فَالْخَرَاجُ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَيْدِي وَلَمْ تَمْكُثْ فِي مِلْكِ أَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَلَا خَرَاجَ عَلَى أَحَدٍ. اهـ. مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ عِنَايَةٌ) لَمْ أَجِدْهُ فِيهَا وَإِنَّمَا عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْبِنَايَةِ وَهِيَ شَرْحُ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ (قَوْلُهُ وَلَا يُؤْخَذُ الْعُشْرُ إلَخْ) أَيْ لَوْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ خَرَاجُهَا مُوَظَّفٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عُشْرُ الْخَارِجِ وَكَذَا لَوْ كَانَ خَرَاجُهَا مُقَاسَمَةً مِنْ النِّصْفِ وَنَحْوِهِ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ عُشْرِيَّةً لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا خَرَاجٌ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِلَّا لَنُقِلَ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَلَا يَتَكَرَّرُ الْخَرَاجُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: فَالْخَرَاجُ لَهُ شِدَّةٌ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالتَّمَكُّنِ، وَلَهُ خِفَّةٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَكَرُّرِهِ فِي السَّنَةِ وَلَوْ زَرَعَ فِيهَا مِرَارًا وَالْعُشْرُ لَهُ شِدَّةٌ وَهُوَ تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ خُرُوجِ الْخَارِجِ وَخِفَّةٌ بِتَعَلُّقِهِ بِعَيْنِ الْخَارِجِ فَإِذَا عَطَّلَهَا لَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ. اهـ. قُلْت: وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْخَرَاجَ يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَبِالتَّدَاخُلِ كَالْجِزْيَةِ وَقِيلَ لَا كَالْعُشْرِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ

стр. 2324

يَتَكَرَّرُ. (تَرَكَ السُّلْطَانِ) أَوْ نَائِبُهُ (الْخَرَاجَ لِرَبِّ الْأَرْضِ) أَوْ وَهَبَهُ لَهُ وَلَوْ بِشَفَاعَةٍ (جَازَ) عِنْدَ الثَّانِي وَحَلَّ لَهُ لَوْ مَصْرِفًا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ بِهِ يُفْتَى، وَمَا فِي الْحَاوِي مِنْ تَرْجِيحِ حِلِّهِ لِغَيْرِ الْمَصْرِفِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ (وَلَوْ تَرَكَ الْعُشْرَ لَا) يَجُوزُ إجْمَاعًا وَيُخْرِجُهُ بِنَفْسِهِ لِلْفُقَرَاءِ سِرَاجٌ، خِلَافًا لِمَا فِي قَاعِدَةِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ مِنْ الْأَشْبَاهِ مَعْزِيًّا لِلْبَزَّازِيَّةِ فَتَنَبَّهْ وَفِي النَّهْرِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الثَّانِي حُكْمُ الْإِقْطَاعَاتِ مِنْ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ إذْ حَاصِلُهَا: أَنَّ الرَّقَبَةَ لِبَيْتِ الْمَالِ - ــ [رد المحتار] فِي الْفَصْلِ الْآتِي. (قَوْلُهُ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ) بِأَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ (قَوْلُهُ عِنْدَ الثَّانِي) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ بَحْرٌ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ مَصْرِفًا لِلْخَرَاجِ (قَوْلُهُ وَحَلَّ لَهُ لَوْ مَصْرِفًا) أَعَادَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: جَازَ أَيْ جَازَ مَا فَعَلَهُ السُّلْطَانُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حِلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَفِي الْقُنْيَةِ وَيُعْذَرُ فِي صَرْفِهِ إلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَ مَصْرِفًا كَالْمُفْتِي، وَالْمُجَاهِدِ وَالْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَالذَّاكِرِ وَالْوَاعِظِ عَنْ عِلْمٍ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ، وَكَذَا إذَا تَرَكَ عُمَّالُ السُّلْطَانِ الْخَرَاجَ لِأَحَدٍ بِدُونِ عِلْمِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ) أَيْ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الْعَامَّةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ نَهْرٌ (قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْعُشْرَ مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ زَكَاةُ الْخَارِجِ، وَلَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مَصْرِفًا لِزَكَاةِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ زَكَاةً وَلِذَا يُوضَعُ عَلَى أَرْضِ الْكَافِرِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ مَعْزِيًّا لِلْبَزَّازِيَّةِ) وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ السُّلْطَانُ إذَا تَرَكَ الْعُشْرَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ جَازَ، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ لَهُ فَقِيرًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى السُّلْطَانِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْخَرَاجِ لِبَيْتِ مَالِ الصَّدَقَةِ. اهـ. قُلْت: وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْغَنِيُّ مِنْ مُسْتَحَقِّي الْخَرَاجِ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ تَأَمَّلْ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْعَشْرِ عَنْ الذَّخِيرَةِ مِثْلَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى: ثُمَّ رَأَيْت فِي الْبُرْجَنْدِيِّ فِي بَيَانِ مَصْرِفِ الْجِزْيَةِ، وَكَذَا لَوْ جَعَلَ الْعُشُورَ لِلْمُقَاتِلَةِ جَازَ لِأَنَّهُ مَالٌ حَصَلَ بِقُوَّتِهِمْ اهـ فَلْيُحْفَظْ وَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ اهـ: أَيْ بِحَمْلِ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ عَلَى غَيْرِ الْمُقَاتِلَةِ وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ عَلَيْهِمْ. قُلْت: لَكِنْ قَوْلُهُ لَوْ جَعَلَ الْعُشُورَ لِلْمُقَاتِلَةِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي جَعْلِ عُشُورِ أَرَاضِيهِمْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي النَّهْرِ) مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ وَفِي الْأَشْبَاهِ مِنْ كَلَامِ النَّهْرِ (قَوْلُهُ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الثَّانِي) أَيْ بِجَوَازِ تَرْكِ الْخَرَاجِ وَهِبَتِهِ لِمَنْ هُوَ مَصْرِفٌ لَهُ. مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْإِقْطَاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ حُكْمُ الْإِقْطَاعَاتِ إلَخْ) قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ كُلَّ مَوَاتٍ وَكُلَّ مَا لَيْسَ فِيهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ، وَيَعْمَلَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَعَمُّ نَفْعًا وَقَالَ أَيْضًا: وَكُلُّ أَرْضٍ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، وَلَا عَلَيْهَا أَثَرُ عِمَارَةٍ فَأَقْطَعهَا رَجُلًا فَعَمَرَهَا، فَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ أَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ وَإِنْ كَانَتْ عُشْرِيَّةً فَفِيهَا الْعُشْرُ، وَقَالَ فِي ذِكْرِ الْقَطَائِعِ إنَّ عُمَرَ اصْطَفَى أَمْوَالَ كِسْرَى، وَأَهْلَ كِسْرَى، وَكُلَّ مَنْ فَرَّ عَنْ أَرْضِهِ أَوْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَكُلَّ مَفِيضِ مَاءٍ أَوْ أَجَمَةٍ فَكَانَ عُمَرُ يَقْطَعُ مَنْ هَذَا لِمَنْ أُقْطِعَ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ بَيْتِ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ، وَلَا فِي يَدِ وَارِثٍ فَلِلْإِمَامِ الْعَادِلِ أَنْ يُجِيزَ مِنْهُ وَيُعْطِيَ مَنْ كَانَ لَهُ عَنَاءٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَضَعُ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ، وَلَا يُحَابِي بِهِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَرْضُ، فَهَذَا سَبِيلُ الْقَطَائِعِ عِنْدِي فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَإِنَّمَا صَارَتْ الْقَطَائِعُ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ. اهـ. قُلْت: وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَطَائِعَ قَدْ تَكُونُ مِنْ الْمَوَاتِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ هُوَ مِنْ مَصَارِفِهِ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْأَرْضِ، وَلِذَا قَالَ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ أَيْضًا: وَكُلُّ مَنْ أَقْطَعَهُ

стр. 2325

وَالْخَرَاجَ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا وَقْفُهُ. نَعَمْ لَهُ إجَارَتُهُ تَخْرِيجًا عَلَى إجَارَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَمِنْ الْحَوَادِثِ، لَوْ أَقْطَعهَا السُّلْطَانُ لَهُ وَلِأَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ، عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَخِيهِ ثُمَّ مَاتَ السُّلْطَانُ، وَانْتَقَلَ مَنْ أَقْطَعَ لَهُ فِي زَمَنِ سُلْطَانٍ آخَرَ، هَلْ يَكُونُ لِأَوْلَادِهِ؟ لَمْ أَرَهُ وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ إلْغَاءُ التَّعْلِيقِ ــ [رد المحتار] الْوُلَاةُ الْمَهْدِيُّونَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ وَأَرْضُ الْعَرَبِ وَالْجِبَالِ مِنْ الْأَصْنَافِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْهَا، فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَارِثٌ أَوْ مُشْتَرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَرْضُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيزَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ لَهُ عَنَاءٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَنْ يَقْوَى بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِاَلَّذِي يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحُ لِأَمْرِهِمْ وَكَذَلِكَ الْأَرْضُونَ يَقْطَعُ الْإِمَامُ مِنْهَا مَنْ أَحَبَّ مِنْ الْأَصْنَافِ. اهـ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ الْأَرْضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ لِرَقَبَتِهَا كَمَا يُعْطِي الْمَالَ، حَيْثُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْمَالِ فِي الدَّفْعِ لِلْمُسْتَحِقِّ فَاغْتَنِمْ هَذِهِ الْفَائِدَةَ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَا وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ فِي الْكُتُبِ أَنَّ الْإِقْطَاعَ تَمْلِيكُ الْخَرَاجِ مَعَ بَقَاءِ رَقَبَةِ الْأَرْضِ لِبَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ كَانَتْ رَقَبَتُهَا بِبَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ رَقَبَتُهَا لِلْمُقْطَعِ لَهُ كَمَا قُلْنَا فَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ وَغَيْرِهِ. مَطْلَبٌ فِي إجَارَةِ الْجُنْدِيِّ مَا أَقْطَعَهُ لَهُ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ نَعَمْ لَهُ إجَارَتُهُ إلَخْ) قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي رِسَالَتِهِ فِي الْإِقْطَاعَاتِ وَصَرَّحَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي فَتْوَى رُفِعَتْ لَهُ بِأَنَّ لِلْجُنْدِيِّ أَنْ يُؤَجِّرَ مَا أَقْطَعَهُ لَهُ الْإِمَامُ، وَلَا أَثَرَ لِجَوَازِ إخْرَاجِ الْإِمَامِ لَهُ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ كَمَا لَا أَثَرَ لِجَوَازِ مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، وَلَا لِكَوْنِهِ مِلْكَ مَنْفَعَةٍ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ صُولِحَ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً، كَانَ لِلْمُصَالَحِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ النَّاطِقَةِ بِإِيجَارِ مَا مَلَكَهُ مِنْ الْمَنَافِعِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ فَهُوَ نَظِيرُ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَنْفَعَةَ الْإِقْطَاعِ بِمُقَابَلَةِ اسْتِعْدَادِهِ لِمَا أُعِدَّ لَهُ وَإِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ أَوْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْأَرْضَ عَنْ الْمُقْطَعِ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ كَمَا لَوْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِي النَّظَائِرِ الَّتِي خُرِّجَ عَلَيْهَا إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ، وَهِيَ إجَارَةُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِجَارَةُ الْعَبْدِ الَّذِي صُولِحَ عَلَى خِدْمَتِهِ مُدَّةً وَإِجَارَةُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْغَلَّةُ وَإِجَارَةُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَإِجَارَةُ أُمِّ الْوَلَدِ. [تَنْبِيهٌ] الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْإِجَارَةِ إجَارَةُ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ، لَكِنْ إذَا كَانَ لِلْأَرْضِ زُرَّاعٌ، وَاضِعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهَا وَلَهُمْ فِيهَا حَرْثٌ، وَكِيسٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُسَمَّى كِرْدَارًا وَيُؤَدُّونَ مَا عَلَيْهَا لَا تَصِحُّ إجَارَتُهَا لِغَيْرِهِمْ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زُرَّاعٌ مَخْصُوصُونَ، بَلْ يَتَوَارَدُهَا أُنَاسٌ بَعْدَ آخَرِينَ وَيَدْفَعُونَ مَا عَلَيْهَا مِنْ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ، فَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِمَنْ أَرَادَ لَكِنَّ الْوَاقِعَ فِي زَمَانِنَا الْمُسْتَأْجِرُ يَسْتَأْجِرُهَا لِأَجْلِ أَخْذِ خَرَاجِهَا لَا لِلزِّرَاعَةِ وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْتِزَامًا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ، وَكَذَا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَانْتَقَلَ مِنْ أُقْطِعَ لَهُ فِي زَمَنِ سُلْطَانٍ آخَرَ) كَذَا فِي عِبَارَةِ النَّهْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: انْتَقَلَ بِمَعْنَى مَاتَ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ هَلْ يَكُونُ لِأَوْلَادِهِ) أَيْ هَلْ تَصِيرُ الْأَرْضُ لِأَوْلَادِ الْمُقْطَعِ لَهُ عَمَلًا بِقَوْلِ السُّلْطَانِ، وَلِأَوْلَادِهِ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى إنْ مَاتَ عَنْ أَوْلَادٍ فَلِأَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَهُوَ تَعْلِيقُ مَعْنًى. مَطْلَبٌ فِي بُطْلَانِ التَّعْلِيقِ بِمَوْتِ الْمُعَلِّقِ (قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ إلَخْ) حَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِأَوْلَادِهِ لِبُطْلَانِ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ بِمَوْتِ السُّلْطَانِ الْمُعَلِّقِ.

стр. 2326

بِمَوْتِ الْمُعَلِّقِ فَتَدَبَّرْهُ، وَلَوْ أَقْطَعَهُ السُّلْطَانُ أَرْضًا مَوَاتًا أَوْ مَلَكَهَا السُّلْطَانَ، ثُمَّ أَقْطَعَهَا لَهُ جَازَ وَقْفُهُ لَهَا وَالْأَرْصَادُ مِنْ السُّلْطَانِ لَيْسَ بِإِيقَافٍ أَلْبَتَّةَ وَفِي الْأَشْبَاهِ قُبَيْلَ الْقَوْلِ فِي الدَّيْنِ أَفْتَى الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ بِصِحَّةِ إجَارَةِ الْمُقْطَعِ وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَهُ مَتَى شَاءَ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ بِغَيْرِ الْمَوَاتِ، أَمَّا الْمَوَاتُ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إخْرَاجُهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهُ بِالْإِحْيَاءِ فَلْيُحْفَظْ فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ التَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ التَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيقِ الْقَضَاءِ، وَالْإِمَارَةِ بِجَامِعِ الْوِلَايَةِ، فَلَوْ مَاتَ الْمُعَلِّقُ بَطَلَ التَّقْرِيرُ، فَإِذَا قَالَ الْقَاضِي إنْ مَاتَ فُلَانٌ أَوْ شَغَرَتْ وَظِيفَةُ كَذَا فَقَدْ قَرَّرْتُك فِيهَا صَحَّ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ تَفَقُّهًا وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ. اهـ. أَقُولُ: قَدَّمَ الشَّارِحُ فِي فَصْلِ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ فِي التَّنْفِيلِ أَنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ قِتَالٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، مَا لَمْ يَرْجِعُوا وَإِنْ مَاتَ الْوَالِي أَوْ عُزِلَ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ الثَّانِي، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يَبْطُلُ لِمَوْتِ الْمُعَلِّقِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» فِيهِ تَعْلِيقُ اسْتِحْقَاقِ السَّلْبِ عَلَى الْقَتْلِ لَكِنْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ خِلَافَهُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَبْطُلُ التَّنْفِيلُ بِعَزْلِ الْأَمِيرِ وَكَذَا بِمَوْتِهِ إذَا نُصِّبَ غَيْرُهُ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْعَسْكَرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَقْطَعَهُ السُّلْطَانُ أَرْضًا مَوَاتًا) أَيْ مِنْ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ كَانَ الْمُقْطَعُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَيَمْلِكُ رَقَبَتَهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْمُرَادُ بِإِقْطَاعِهِ أَنَّهُ لَهُ بِإِحْيَائِهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ اشْتِرَاطِ إذْنِهِ بِصِحَّةِ الْإِحْيَاءِ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِكَوْنِ الْمُحْيِي مُسْتَحِقًّا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بَلْ لَوْ كَانَ ذِمِّيًّا مَلَكَ مَا أَحْيَاهُ (قَوْلُهُ أَوْ مَلَكَهَا السُّلْطَانُ) أَيْ بِإِحْيَاءٍ أَوْ شِرَاءٍ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ ثُمَّ أَقْطَعَهَا لَهُ) يَعْنِي وَهَبَهَا لَهُ (قَوْلُهُ جَازَ وَقْفُهُ لَهَا) وَكَذَا بَيْعُهُ وَنَحْوُهُ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا حَقِيقَةً (قَوْلُهُ وَالْإِرْصَادُ إلَخْ) الرَّصَدُ الطَّرِيقُ وَرَصَدَتْهُ رَصْدًا مِنْ بَابِ قَتَلَ: قَعَدْت لَهُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَقَعَدَ فُلَانٌ بِالْمَرْصَدِ كَجَعْفَرٍ وَبِالْمِرْصَادِ بِالْكَسْرِ، وَبِالْمُرْتَصِدِ أَيْضًا أَيْ بِطَرِيقِ الِارْتِقَابِ وَالِانْتِظَارِ، وَرَبُّك لَك بِالْمِرْصَادِ: أَيْ مُرَاقِبُك، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ فِعَالِك، وَلَا تَفُوتُهُ مِصْبَاحٌ وَمِنْهُ سُمِّيَ إرْصَادُ السُّلْطَانِ بَعْضَ الْقُرَى، وَالْمَزَارِعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ، وَنَحْوِهَا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَالْقُرَّاءِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَنَحْوِهِمْ، كَأَنَّ مَا أَرْصَدَهُ قَائِمٌ عَلَى طَرِيقِ حَاجَاتِهِمْ يُرَاقِبُهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا حَقِيقَةً لِعَدَمِ مِلْكِ السُّلْطَانِ لَهُ، بَلْ هُوَ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى بَعْضِ مُسْتَحَقِّيهِ فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيُبَدِّلَهُ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا (قَوْلُهُ بِصِحَّةِ إجَارَةِ الْمُقْطَعِ) تَقَدَّمَ آنِفًا وَذَكَرْنَا عِبَارَةَ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ] هَذَا هُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَرَاجِ، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِقُوَّتِهِ لِوُجُوبِهِ، وَإِنْ أَسْلَمُوا بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ إذْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِزْيَةِ إلَّا مُقَيَّدًا: أَيْ فَيُقَالُ خَرَاجُ الرَّأْسِ، وَهَذَا أَمَارَةُ الْمَجَازِ، وَبُنِيَتْ عَلَى فِعْلَةٍ دَلَالَةً عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي هِيَ الْإِذْلَالُ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ نَهْرٌ. وَتُسَمَّى جَالِيَةٌ مِنْ جَلَوْت عَنْ الْبَلَدِ جَلَاءً بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ خَرَجْت وَأَجْلَيْت مِثْلَهُ، وَالْجَالِيَةُ الْجَمَاعَةُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ جَلَاهُمْ عُمَرُ ﵁ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ: الْجَالِيَةُ ثُمَّ نُقِلَتْ الْجَالِيَةُ إلَى الْجِزْيَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ جِزْيَةٍ تُؤْخَذُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا أُجْلِيَ عَنْ وَطَنِهِ

стр. 2327

هِيَ لُغَةً الْجَزَاءُ، لِأَنَّهَا جَزَتْ عَنْ الْقَتْلِ وَالْجَمْعُ جِزَى كَلِحْيَةٍ وَلِحَى، وَهِيَ نَوْعَانِ (الْمَوْضُوعُ مِنْ الْجِزْيَةِ بِصُلْحٍ لَا) يُقَدَّرُ وَلَا (يُغَيَّرُ) تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ (وَمَا وُضِعَ بَعْدَمَا قُهِرُوا وَأُقِرُّوا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ يُقَدَّرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى فَقِيرٍ مُعْتَمِلٍ) يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ النَّقْدَيْنِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ يَنَابِيعُ، وَتَكْفِي صِحَّتُهُ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ هِدَايَةٌ (اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا) فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٌ (وَعَلَى وَسَطِ الْحَالِ ضِعْفُهُ) فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَانِ (وَعَلَى الْمُكْثِرِ ضِعْفُهُ) فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وَهَذَا لِلتَّسْهِيلِ لَا لِبَيَانِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ بِنَايَةٌ (وَمَنْ مَلَك عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا غَنِيٌّ وَمَنْ مَلَك مِائَتَيْ ــ [رد المحتار] فَقِيلَ اُسْتُعْمِلَ فُلَانٌ عَلَى الْجَالِيَةِ، وَالْجَمْعُ الْجَوَالِي مِصْبَاحٌ، فَإِطْلَاقُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ مَجَازٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا جَزَتْ عَنْ الْقَتْلِ) أَيْ قَضَتْ وَكَفَتْ عَنْهُ فَإِذَا قَبِلَهَا سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ بَحْرٌ، أَوْ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً وَهِيَ وَالْجَزَاءُ وَاحِدٌ وَهُوَ يُقَالُ عَلَى ثَوَابِ الطَّاعَةِ وَعُقُوبَةِ الْمَعْصِيَةِ. (قَوْلُهُ وَالْجَمْعُ جِزَى) وَفِي لُغَةٍ جِزْيَاتٌ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ لَا يُقَدَّرُ وَلَا يُغَيَّرُ) أَيْ لَا يَكُونُ لَهُ تَقْدِيرٌ مِنْ الشَّارِعِ، بَلْ كُلُّ مَا يَقَعُ الصُّلْحُ عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ وَلَا يُغَيَّرُ بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ دُرَرٌ وَذَلِكَ كَمَا صَالَحَ ﵊ أَهْلُ نَجْرَانَ، وَهُمْ قَوْمٌ نَصَارَى بِقُرْبِ الْيَمَنِ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي الْعَامِ وَصَالَحَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمَالِ الْوَاجِبِ، فَلَزِمَ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي الزَّكَاةِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَمَا وُضِعَ بَعْدَمَا قُهِرُوا إلَخْ) هَذَا الْوَضْعُ وَالتَّقْدِيرُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ رِضَاهُمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ عَلَى فَقِيرٍ مُعْتَمِلٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ الْآتِي: وَفَقِيرٌ غَيْرُ مُعْتَمِلٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبِنَايَةِ وَغَيْرِهَا: لَا يَلْزَمُ الزَّمِنُ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ مُفْرِطًا فِي الْيَسَارِ وَكَذَا لَوْ مَرِضَ نِصْفَ السَّنَةِ، كَمَا فِي شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ، فَلَوْ حَذَفَ الْفَقِيرَ لَكَانَ أَوْلَى بَحْرٌ. أَيْ لَوْ حَذَفَهُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي فِيمَنْ لَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَفَقِيرٌ غَيْرُ مُعْتَمِلٍ بِأَنْ يَقُولَ وَغَيْرُ مُعْتَمِلٍ لِيَشْمَلَ الْفَقِيرَ وَغَيْرَهُ، لَا مِنْ قَوْلِهِ هُنَا عَلَى فَقِيرٍ مُعْتَمِلٍ كَمَا فَهِمَهُ فِي النَّهْرِ، فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَمُعْتَمِلٍ لَمَا أَفَادَ اشْتِرَاطَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ كَيْفَ وَقَدْ قَابَلَهُ بِهِ. اهـ. قُلْت: الِاعْتِمَالُ الِاضْطِرَابُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ الِاكْتِسَابُ، وَالْمُرَادُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْمَلْ مَعَ قُدْرَتِهِ وَجَبَتْ كَمَنْ عَطَّلَ الْأَرْضَ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَقَالَ قَيَّدَ بِالِاعْتِمَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَصَاعِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ اهـ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمُعْتَمِلِ هُنَا وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ الْآتِي لَا تُوضَعُ عَلَى زَمِنٍ وَأَعْمَى وَفَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الْقَيْدِ هُنَا، وَأَنَّ عَطْفَ الْفَقِيرِ وَالْأَعْمَى عَلَى الزَّمِنِ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّمِنِ الْعَاجِزُ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَأَغْنَاهُ لِشُمُولِهِ الْفَقِيرَ وَغَيْرَهُ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ غَيْرَ الْمُعْتَمِلِ أَعَمُّ، لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ سَالِمَ الْآلَاتِ صَحِيحَ الْبَدَنِ، لَكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ لِخَرِقِهِ وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ حِرْفَةً يَكْتَسِبُ مِنْهَا، وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْعَمَلِ شَرْطًا فِي الْفَقِيرِ فَقَطْ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ غَيْرَ الْفَقِيرِ تُوضَعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَحِيحًا غَيْرَ زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَمِلًا بِهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَيَتَعَيَّنُ تَفْسِيرُ غَيْرِ الْمُعْتَمِلِ بِمَا ذَكَرْنَا لِيَنْدَفِعَ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى عِبَارَاتِ الْمُتُونِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مَا يُؤَيِّدُهُ حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الَّذِي يَعِيشُ بِكَسْبِ يَدِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَلَوْ فَضَلَ عَلَى قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا وَإِلَى أَنَّ غَيْرَهُ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى الْكَسْبِ لِلنَّفَقَةِ فِي الْحَالِ. (قَوْلُهُ وَهَذَا لِلتَّسْهِيلِ إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٌ وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ: دِرْهَمَانِ وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ: أَرْبَعَةٌ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ إنَّهَا تَجِبُ فِي أَوَّلِهِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهَا جَزَاءُ الْقَتْلِ وَبِعَقْدِ الذِّمَّةِ يَسْقُطُ الْأَصْلُ، فَوَجَبَ خُلْفُهُ فِي الْحَالِ إلَّا أَنَّهُ يُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الْكُلِّ عِنْدَهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ تَخْفِيفًا، وَبِأَدَاءِ قِسْطِ شَهْرَيْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ آخِرُهُمَا، وَقِسْطِ شَهْرٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي آخِرِهِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.

стр. 2328

دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا مُتَوَسِّطٌ وَمَنْ مَلَك مَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ أَوْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَقِيرٌ) قَالَهُ الْكَرْخِيُّ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ بَحْرٌ وَاعْتَبَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُرْفَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ تَتَارْخَانِيَّةٌ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي آخِرِ السَّنَةِ ــ [رد المحتار] وَالْحَاصِلُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي أَوَّلِ الْعَامِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا كَالصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْأَدَاءُ فِي آخِرِهِ أَوْ فِي آخِرِ كُلِّ شَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرٍ لِلتَّسْهِيلِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَاعْتَبَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُرْفَ) حَيْثُ قَالَ يُنْظَرُ إلَى عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ فِي ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنْ الْمُكْثِرِينَ، وَفِي الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ لَا يُعَدُّ مُكْثِرًا وَذَكَرَهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) صَحَّحَهُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَيْضًا قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى: وَالصَّحِيحُ فِي مَعْرِفَةِ هَؤُلَاءِ عُرْفُهُمْ، كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ، وَذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ، وَاعْتَرَفَ فِي الْمِنَحِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ بِأَنَّهُ أَيْ التَّحْدِيدَ لَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَيْ اعْتِبَارَ الْعُرْفِ أَقْرَبُ لِرَأْيِ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ وَأَقَرَّهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ: وَيَنْبَغِي تَفْوِيضُهُ لِلْإِمَامِ أَيْ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْإِمَامِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إنَّهُ الْأَصَحُّ فَتَبَصَّرْ. اهـ. يَعْنِي إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا نَصٌّ لَا تَثْبُتُ بِالرَّأْيِ، بَلْ تُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى كَمَا قَالَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ وَفِي غُسْلِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي آخِرِ السَّنَةِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا فِي أَوَّلِهَا لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ. اهـ. وَرَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا وُجُودَهَا فِي آخِرِهَا لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَوْ كَانَ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ غَنِيًّا أُخِذَ مِنْهُ جِزْيَةُ الْأَغْنِيَاءِ، أَوْ فَقِيرًا أُخِذَتْ مِنْهُ جِزْيَةُ الْفُقَرَاءِ وَلَوْ اُعْتُبِرَ الْأَوَّلُ لَوَجَبَ إذَا كَانَ فِي أَوَّلِهَا غَنِيًّا فَقِيرًا فِي أَكْثَرِهَا أَنْ يَجِبَ جِزْيَةُ الْأَغْنِيَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ نَعَمْ الْأَكْثَرُ كَالْكُلِّ اهـ وَاعْتَرَضَهُ مُحَشِّي مِسْكِينٍ، بِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ هُوَ وَارِدٌ أَيْضًا عَلَى اعْتِبَارِ الْآخَرِ لِاقْتِضَائِهِ وُجُوبَ جِزْيَةِ الْأَغْنِيَاءِ إذَا كَانَ غَنِيًّا فِي آخِرِهَا فَقِيرًا فِي أَكْثَرِهَا. اهـ. قُلْت: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ الْوَصْفَ الْمَوْجُودَ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي أَوَّلِهَا أَوْ آخِرِهَا، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ اعْتَبَرَ آخِرَهَا أَرَادَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْوَصْفُ مَوْجُودًا فِي أَكْثَرِهَا، وَعَلَى هَذَا فَلَا اعْتِبَارَ لِخُصُوصِ الْأَوَّلِ أَوْ الْآخِرِ لَكِنْ سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَعَدَمِهَا وَقْتُ الْوَضْعِ، بِخِلَافِ الْفَقِيرِ إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْوَضْعِ حَيْثُ تُوضَعُ عَلَيْهِ. وَحَاصِلُهُ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اعْتِبَارِ أَكْثَرِ السَّنَةِ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَقْتَ الْوَضْعِ وُضِعَتْ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُكَلَّفًا وَإِلَّا لَمْ تُوضَعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَارَ أَهْلًا بَعْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي وَمَنْ كَانَ أَهْلًا وَقْتَ الْوَضْعِ لَكِنْ قَامَ بِهِ عُذْرٌ لَمْ تُوضَعْ عَلَيْهِ إلَّا إذَا زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَهُ كَالْفَقِيرِ إذَا أَيْسَرَ وَالْمَرِيضِ إذَا صَحَّ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى مِنْ السَّنَةِ أَكْثَرُهَا وَعَلَى هَذَا فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُ السَّنَةِ لِتَعْرِفَ الْأَهْلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَبَعْدَ تَحَقُّقِ الْأَهْلِيَّةِ لَا يُعْتَبَرُ أَوَّلُهَا فِي حَقِّ تَغَيُّرِ الْأَوْصَافِ، بَلْ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُهَا فِيهِ كَمَا إذَا كَانَ مَرِيضًا فِي أَوَّلِهَا، فَإِنْ صَحَّ بَعْدَهُ فِي أَكْثَرِهَا وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا غَيْرَ مُعْتَمِلٍ، ثُمَّ صَارَ فَقِيرًا مُعْتَمِلًا أَوْ مُتَوَسِّطًا أَوْ غَنِيًّا فِي أَكْثَرِهَا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الْفَقِيرَ لَوْ أَيْسَرَ فِي آخِرِ السَّنَةِ أُخِذَتْ مِنْهُ. اهـ. أَيْ إذَا أَيْسَرَ أَكْثَرَهَا، وَعَلَى هَذَا عَكْسُهُ بِأَنْ كَانَ غَنِيًّا فِي أَوَّلِهَا فَقِيرًا فِي آخِرِهَا اُعْتُبِرَ مَا وُجِدَ فِي أَكْثَرِهَا، لَكِنْ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي كُلِّ شَهْرٍ قِسْطٌ يُؤْخَذُ مِمَّنْ كَانَ غَنِيًّا فِي أَوَّلِهَا شَهْرَيْنِ مَثَلًا قِسْطُ شَهْرَيْنِ دُونَ الْبَاقِي لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ يَسْقُطُ الْبَاقِي فِي جِزْيَةِ السَّنَةِ إذَا صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا أَوْ فَقِيرًا أَوْ مَرِيضًا نِصْفَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ. اهـ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّ مَا نَقَصَ عَنْ نِصْفِ سَنَةٍ لَا يُجْعَلُ عُذْرًا وَلِذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّمَا يُوَظَّفُ عَلَى الْمُعْتَمِلِ إذَا كَانَ صَحِيحًا فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ وَإِلَّا فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ مَرَضٍ فَلَا يُجْعَلُ الْقَلِيلُ مِنْهُ عُذْرًا وَهُوَ مَا نَقَصَ عَنْ نِصْفِ الْعَامِ. اهـ. هَذَا مَا ظَهَرَ لِي

стр. 2329

فَتْحٌ لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ نَهْرٌ (وَتُوضَعُ عَلَى كِتَابِيٍّ) يَدْخُلُ فِي الْيَهُودِ السَّامِرَةُ لِأَنَّهُمْ يَدِينُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى ﵊، وَفِي النَّصَارَى الْفِرِنْجُ وَالْأَرْمَنُ وَأَمَّا الصَّابِئَةُ فَفِي الْخَانِيَّةِ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا (وَمَجُوسِيٍّ) وَلَوْ عَرَبِيًّا لِوَضْعِهِ ﵊ عَلَى مَجُوسِ هَجَرَ (وَوَثَنِيٍّ عَجَمِيٍّ) لِجَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ فَجَازَ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ (لَا) عَلَى وَثَنِيٍّ (عَرَبِيٍّ) لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ فِي حَقِّهِ أَظْهَرُ فَلَمْ يُعْذَرْ (وَمُرْتَدٍّ) فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ وَلَوْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ ــ [رد المحتار] فِي تَحَيُّرِ هَذَا الْمَحَلِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ وَتُوضَعُ عَلَى كِتَابِيٍّ) أَيْ وَلَوْ عَرَبِيًّا فَتْحٌ وَالْكِتَابِيُّ مَنْ يَعْتَقِدُ دِينًا سَمَاوِيًّا أَيْ مُنَزَّلًا بِكِتَابٍ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (قَوْلُهُ السَّامِرَةُ) فَاعِلُ يَدْخُلُ وَهُمْ فِرْقَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَتُخَالِفُ الْيَهُودَ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، وَمِنْهُمْ السَّامِرِيُّ الَّذِي وَضَعَ الْعِجْلَ وَعَبَدَهُ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ وَالْأَرْمَنُ) نِسْبَةٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ إلَى إرْمِينْيَةَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ بَيْنهمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ النُّونِ وَهِيَ نَاحِيَةٌ بِالرُّومِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ النَّصَارَى أَوْ مِنْ الْيَهُودِ فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، فَلَيْسُوا مِنْ الْكِتَابِيِّينَ بَلَى كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ. قَالَ ح أَقُولُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إنَّ الصَّائِبَةَ مِنْ الْعَرَبِ إذْ لَوْ كَانُوا مِنْ الْعَجَمِ لَمَا تَأَتَّى الْخِلَافُ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْعَجَمِيَّ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ وَلَوْ مُشْرِكًا. اهـ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ السَّائِحَانِيُّ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَهُمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا مِنْ الْعَجَمِ لِأَنَّهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَجُوسِيٍّ) مَنْ يَعْبُدُ النَّارَ فَتْحٌ (قَوْلُهُ عَلَى مَجُوسِ هَجَرَ) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ فِي الْفَتْحِ بَلْدَةٌ فِي الْبَحْرَيْنِ اهـ وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَقَدْ أُطْلِقَتْ عَلَى نَاحِيَةِ بِلَادِ الْبَحْرَيْنِ وَعَلَى جَمِيعِ الْإِقْلِيمِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ. اهـ. وَفِيهِ أَيْضًا الْبَحْرَانِ عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَعُمَانَ وَهُوَ مِنْ بِلَادِ نَجْدٍ (قَوْلُهُ وَوَثَنِيٍّ عَجَمِيٍّ) الْوَثَنُ مَا كَانَ مَنْقُوشًا فِي حَائِطٍ وَلَا شَخْصَ لَهُ وَالصَّنَمُ مَا كَانَ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالصَّلِيبُ مَا لَا نَقْشَ لَهُ وَلَا صُورَةَ وَلَكِنَّهُ يُعْبَدُ مِنَحٌ عَلَى السِّرَاجِ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ لَكِنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ الْوَثَنَ مَا لَهُ جُثَّةٌ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوْهَرٍ يُنْحَتُ، وَالْجَمْعُ أَوْثَانٌ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَنْصِبُهَا وَتَعْبُدُهَا اهـ وَفِي الْمِصْبَاحِ الْوَثَنُ الصَّنَمُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. وَالْعَجَمِيُّ خِلَافُ الْعَرَبِيِّ (قَوْلُهُ لِجَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ إلَخْ) وَإِنَّمَا لَمْ تُضْرَبْ الْجِزْيَةُ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، مَعَ جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا أَتْبَاعًا لِأُصُولِهِمْ فِي الْكُفْرِ، فَكَانُوا أَتْبَاعًا فِي حُكْمِهِمْ فَكَانَتْ الْجِزْيَةُ عَنْ الرَّجُلِ وَأَتْبَاعِهِ فِي الْمَعْنَى، إنْ كَانَ لَهُ أَتْبَاعٌ، وَإِلَّا فَهِيَ عَنْهُ خَاصَّةٌ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ فِي حَقِّهِ أَظْهَرُ) لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَكَانَ كُفْرُهُمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ الْعَجَمِ فَتْحٌ وَأَوْرَدَ فِي النَّهْرِ: أَنَّ هَذَا يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ كِتَابِيًّا اهـ: أَيْ فَيُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا تُوضَعُ عَلَيْهِ. قُلْت: وَالْجَوَابُ أَنَّهُ وَإِنْ شَمِلَهُ لَكِنْ خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩]- اهـ ثُمَّ رَأَيْته فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ (قَوْلُهُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْعَرَبِيِّ الْوَثَنِيِّ وَالْمُرْتَدِّ إلَّا الْإِسْلَامُ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمَا قُتِلَا بِالسَّيْفِ وَفِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ أَنَّ نِسْبَةَ الْقَبُولِ إلَى السَّيْفِ مُسَامَحَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ ظَهْرنَا عَلَيْهِمْ فَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ وَصِبْيَانَهُمْ لَمَّا ارْتَدُّوا وَقَسَّمَهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ هِدَايَةٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ: إلَّا أَنَّ ذَرَارِيَّ الْمُرْتَدِّينَ وَنِسَاءَهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ بِخِلَافِ ذَرَارِيِّ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَا يُجْبَرُونَ اهـ: أَيْ وَكَذَا نِسَاؤُهُمْ وَالْفَرْقُ أَنَّ ذَرَارِيَّ الْمُرْتَدِّينَ تَبَعٌ لَهُمْ فَيُجْبَرُونَ مِثْلَهُمْ وَكَذَا نِسَاؤُهُمْ لِسَبْقِ الْإِسْلَامِ مِنْهُنَّ.

стр. 2330

(وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ) وَمُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَابْنِ أُمِّ وَلَدٍ (وَزَمِنٍ) مِنْ زَمِنَ يَزْمَنُ زَمَانَةً نَقَصَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ أَوْ تَعَطَّلَ قُوَاهُ فَدَخَلَ الْمَفْلُوجُ وَالشَّيْخُ الْعَاجِزُ (وَأَعْمَى وَفَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ وَرَاهِبٍ لَا يُخَالِطُ) لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَالْجِزْيَةُ لِإِسْقَاطِهِ وَجَزَمَ الْحَدَّادِيُّ بِوُجُوبِهَا وَنَقَلَ ابْنُ كَمَالٍ أَنَّهُ الْقِيَاسُ وَمُفَادُهُ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ بِخِلَافِهِ فَتَأَمَّلْ (وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْأَهْلِيَّةِ) لِلْجِزْيَةِ (وَعَدَمِهَا وَقْتُ الْوَضْعِ) فَمَنْ أَفَاقَ أَوْ عَتَقَ أَوْ بَلَغَ أَوْ بَرِئَ بَعْدَ وَضْعِ الْإِمَامِ لَمْ تُوضَعْ عَلَيْهِ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ الزِّنْدِيقُ إذَا أُخِذَ قَبْلَ التَّوْبَةِ يُقْتَلُ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْفَتْحِ قَالُوا لَوْ جَاءَ زِنْدِيقٌ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ زِنْدِيقٌ وَتَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، فَإِنْ أُخِذَ ثُمَّ تَابَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيُقْتَلُ لِأَنَّهُمْ بَاطِنِيَّةٌ يَعْتَقِدُونَ فِي الْبَاطِنِ خِلَافَ ذَلِكَ فَيُقْتَلُ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ، وَفِي الْقُهُسْتَانِيُّ وَلَا تُوضَعُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ، وَلَا يُسْتَرَقُّ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَكِنْ يُبَاحُ قَتْلُهُ إذَا أَظْهَرَ بِدْعَتَهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْإِبَاحِيَّةِ وَالشِّيعَةِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالزَّنَادِقَةِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ تَابَ الْمُبْتَدِعُ قَبْلَ الْأَخْذِ وَالْإِظْهَارِ، تُقْبَلُ وَإِنْ تَابَ بَعْدَهُمَا لَا تُقْبَلُ كَمَا هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي التَّمْهِيدِ السَّالِمِيِّ اهـ قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى: وَاعْتَمَدَ الْأَخِيرَ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ (قَوْلُهُ وَصَبِيٍّ) وَلَا مَجْنُونٍ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَامْرَأَةٍ) إلَّا نِسَاءَ بَنِي تَغْلِبَ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ رِجَالِهِمْ لِوُجُوبِهِ بِالصُّلْحِ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَابْنِ أُمِّ وَلَدٍ) صُورَتُهُ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً لَهَا وَلَدٌ قَدْ مَلَكَهُ مَعَهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ. [تَنْبِيهٌ] : قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى سَقَطَ مِنْ نُسَخِ الْهِدَايَةِ لَفْظُ ابْنٍ وَتَبِعَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ، بَلْ زَادَ وَأَمَةٍ وَلَا يَنْبَغِي فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ الْأَحْرَارِ، فَكَيْفَ بِأُمِّ الْوَلَدِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ ابْنُ أُمِّ الْوَلَدِ (قَوْلُهُ وَفَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إلَخْ) الْأَصْلُ أَنَّ الْجِزْيَةَ لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ فَمَنْ لَا يَجِبُ قَتْلُهُ لَا تُوضَعُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ إلَّا إذَا أَعَانُوا بِرَأْيٍ أَوْ مَالٍ فَتَجِبُ الْجِزْيَةُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ دُرٌّ مُنْتَقًى وَقُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَجَزَمَ الْحَدَّادِيُّ بِوُجُوبِهَا) أَيْ إذَا قَدَرَ عَلَى الْعَمَلِ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى الرُّهْبَانِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ، هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ أَمَّا إذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ فَعَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ فِيهِمْ مَوْجُودَةٌ، وَهُمْ الَّذِينَ ضَيَّعُوهَا فَصَارَ كَتَعْطِيلِ أَرْضِ الْخَرَاجِ. اهـ. وَبِهِ جَزَمَ فِي الِاخْتِيَارِ أَيْضًا كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَجَعَلَهُ فِي الْخَانِيَّةِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَيُؤْخَذُ مِنْ الرُّهْبَانِ وَالْقِسِّيسِينَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ اهـ (قَوْلُهُ وَنَقَلَ ابْنُ كَمَالٍ أَنَّهُ الْقِيَاسُ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَا عَلَى رَاهِبٍ لَا يُخَالِطُ فَأَمَّا الرُّهْبَانُ، وَأَصْحَابُ الصَّوَامِعِ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِوَضْعِ الْجِزْيَةِ إذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عُمَرَ قُلْت لِمُحَمَّدٍ فَمَا قَوْلُك؟ قَالَ الْقِيَاسُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كَذَا فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِلْأَقْطَعِ. اهـ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ هَذَا فِي الْمُخَالِطِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ تُفِيدُ اخْتِيَارَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا تُفِيدُ أَنَّ مُقَابِلَهُ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَوَجْهُ كَوْنِهِ هُوَ الْقِيَاسُ أَنَّا لَوْ ظَهَرْنَا عَلَى دَارِ الْحَرْبِ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ الرَّاهِبَ الْمُخَالِطَ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُخَالِطِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ مَنْ لَا يُقْتَلُ لَا تُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِ وَهَذَا الْقِيَاسُ، هُوَ مَفْهُومُ مَا جَرَى عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَمَا مَرَّ عَنْ الْخَانِيَّةِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ لَمْ تُوضَعْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ أَوَّلُ السَّنَةِ عِنْدَ وَضْعِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُجَدِّدُ الْوَضْعَ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِهِمْ بِبُلُوغِ الصَّبِيِّ وَعِتْقِ الْعَبْدِ، وَغَيْرِهِمَا فَإِذَا احْتَلَمَ وَعَتَقَ الْعَبْدُ بَعْدَ

стр. 2331

(بِخِلَافِ الْفَقِيرِ إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْوَضْعِ حَيْثُ تُوضَعُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ سُقُوطَهَا لِعَجْزِهِ وَقَدْ زَالَ اخْتِيَارٌ (وَهِيَ) أَيْ الْجِزْيَةُ لَيْسَتْ رِضًا مِنَّا بِكُفْرِهِمْ كَمَا طَعَنَ الْمَلَاحِدَةُ بَلْ إنَّمَا هِيَ (عُقُوبَةٌ) لَهُمْ عَلَى إقَامَتِهِمْ (عَلَى الْكُفْرِ) فَإِذَا جَازَ إمْهَالُهُمْ لِلِاسْتِدْعَاءِ إلَى الْإِيمَانِ بِدُونِهَا فَهِيَ أَوْلَى، وَقَالَ تَعَالَى - ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]- وَأَخَذَهَا ﵊ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَتَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ) وَلَوْ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، وَيَسْقُطُ الْمُعَجَّلُ لِسَنَةٍ لَا لِسَنَتَيْنِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ سَنَةٌ خُلَاصَةٌ (وَالْمَوْتُ وَالتَّكْرَارُ) لِلتَّدَاخُلِ كَمَا سَيَجِيءُ (وَ) بِ (الْعَمَى وَالزَّمَانَةِ وَصَيْرُورَتِهِ) - ــ [رد المحتار] الْوَضْعِ فَقَدْ مَضَى وَقْتُ الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَكُونَا أَهْلًا لِلْوُجُوبِ وَالْوَالِجِيَّةُ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ) أَيْ غَيْرِ الْمُعْتَمِلِ إذَا أَيْسَرَ بِالْعَمَلِ فَإِنَّهَا تُوضَعُ عَلَيْهِ ط (قَوْلُهُ لِأَنَّ سُقُوطَهَا لِعَجْزِهِ) لِأَنَّ الْفَقِيرَ أَهْلٌ لِوَضْعِ الْجِزْيَةِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ: أَيْ لِكَوْنِهِ حُرًّا مُكَلَّفًا لَكِنَّهُ مَعْذُورٌ بِالْفَقْرِ فَإِذَا زَالَ أُخِذَتْ مِنْهُ لَكِنْ إنْ بَقِيَ مِنْ الْحَوْلِ أَكْثَرُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا تَحْرِيرَهُ. (قَوْلُهُ كَمَا طَعَنَ الْمَلَاحِدَةُ) أَيْ الطَّاعِنُونَ فِي الدِّينِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ لَحَدَ الرَّجُلُ فِي الدِّينِ لَحْدًا وَأَلْحَدَ إلْحَادًا طَعَنَ (قَوْلُهُ إنَّمَا هِيَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ) وَلِأَنَّهَا دَعْوَةٌ إلَى الْإِسْلَامِ بِأَحْسَنِ الْجِهَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَسْكُنَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَرَى مَحَاسِنَ الْإِسْلَامِ، فَيُسْلِمَ مَعَ دَفْعِ شَرِّهِ فِي الْحَالِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَإِذَا جَازَ إمْهَالُهُمْ) أَيْ تَأْخِيرُهُمْ بِلَا جِزْيَةٍ لِلِاسْتِدْعَاءِ إلَى الْإِيمَانِ أَيْ لِأَجْلِ دُعَائِهِمْ إلَيْهِ بِمُحَارَبَتِهِمْ وَقِتَالِهِمْ بِدُونِهَا فَهِيَ أَوْلَى أَيْ فَإِمْهَالُهُمْ لِلِاسْتِدْعَاءِ إلَى الْإِيمَانِ بِالْجِزْيَةِ أَوْلَى لِأَنَّ مُخَالَطَتَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَرُؤْيَتَهُمْ حُسْنَ سِيرَتِهِمْ تَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ كَمَا عَلِمْت، فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِلَا قِتَالٍ فَيَكُونُ أَوْلَى، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ كَلَامِهِ وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ وَاحِدٍ بِلَا جِزْيَةٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا قَرَرْنَاهُ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَقَالَ تَعَالَى إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَى سَوْقِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ هُنَا لِأَنَّ الْمُلْحِدَ مُعْتَرِضٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ أَصْلِهِ (قَوْلُهُ وَنَصَارَى نَجْرَانَ) بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ هَمْدَانَ مِنْ الْيَمَنِ مِصْبَاحٌ، وَفِي الْفَتْحِ: رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ» . (قَوْلُهُ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى كَوْنِهَا عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ) يَجِبُ أَنْ تُحْمَلُ الْبَعْدِيَّةُ عَلَى الْمُقَارِنَةِ لِلتَّمَامِ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ التَّمَامِ بِمُدَّةٍ فَالسُّقُوطُ بِالتَّكْرَارِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا بِالْإِسْلَامِ. اهـ. ح. قُلْت: لَكِنْ تَحَقَّقَ التَّكْرَارُ بِدُخُولِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِيهِ خِلَافٌ كَمَا تَعْرِفُهُ (قَوْلُهُ وَيَسْقُطُ الْمُعَجَّلُ) عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ يَسْقُطُ رَدُّهُ، فَالسُّقُوطُ هُنَا عَنْ الْإِمَامِ لَا عَنْهُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ سَنَةٌ) أَيْ لَوْ عَجَّلَ لِسَنَتَيْنِ لِأَنَّهُ أَدَّى خَرَاجَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَمَّا لَوْ عَجَّلَ لِسَنَةٍ فِي أَوَّلِهَا فَقَدْ أَدَّى خَرَاجَهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجِزْيَةِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ وَالْمَوْتِ) أَيْ وَلَوْ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَالتَّكْرَارِ) أَيْ بِدُخُولِ السَّنَةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّهَا فِي الْأَصَحِّ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا وَسُقُوطُهَا بِالتَّكْرَارِ قَوْلُ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَسْقُطُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَبِالْعَمَى وَالزَّمَانَةِ إلَخْ) أَيْ لَوْ حَدَثَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُؤْخَذْ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ أَيْ لَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَقْسَاطِ الْأَشْهُرِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَمْ يَدْفَعُ شَيْئًا لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ تَقْيِيدَ سُقُوطِ الْبَاقِي بِمَا إذَا دَامَتْ هَذِهِ الْأَعْذَارُ نِصْفَ سَنَةٍ فَأَكْثَرَ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَوَّلَ الْفَصْلِ عَنْ الْهِدَايَةِ فَافْهَمْ: هَذَا وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَصَابَتْهُ

стр. 2332

فَقِيرًا أَوْ (مُقْعَدًا أَوْ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ) ثُمَّ بَيَّنَ التَّكْرَارَ فَقَالَ (وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَوْلَانِ تَدَاخَلَتْ وَالْأَصَحُّ سُقُوطُ جِزْيَةِ السَّنَةِ الْأُولَى بِدُخُولِ) السَّنَةِ (الثَّانِيَةِ) زَيْلَعِيٌّ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ بِعَكْسِ خَرَاجِ الْأَرْضِ (وَيَسْقُطُ الْخَرَاجُ بِ) الْمَوْتِ فِي الْأَصَحِّ حَاوِيٌّ وَبِ (التَّدَاخُلِ) كَالْجِزْيَةِ (وَقِيلَ لَا) يَسْقُطُ كَالْعُشْرِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْخَرَاجَ عُقُوبَةٌ بِخِلَافِ الْعُشْرِ بَحْرٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَعَزَاهُ فِي الْخَانِيَّةِ لِصَاحِبِ الْمُذْهَبِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهَا لَا يَحِلُّ أَكْلُ الْغَلَّةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ (وَلَا تُقْبَلُ مِنْ الذِّمِّيِّ لَوْ بَعَثَهَا عَلَى يَدِ نَائِبِهِ) فِي الْأَصَحِّ (بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِنَفْسِهِ فَيُعْطِيَهَا قَائِمًا وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ) هِدَايَةٌ وَيَقُولُ: - ــ [رد المحتار] زَمَانَةٌ وَهُوَ مُوسِرٌ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ قَالَ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُشْتَرَطُ لِلْأَخْذِ أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ شَرْطُهَا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ اهـ مُلَخَّصًا. قُلْت: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عَلَى رِوَايَةِ الْمُنْتَقَى يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْأَهْلِيَّةِ فِي أَوَّلِهِ فَقَطْ فَلَا يَضُرُّ زَوَالُهَا بَعْدَهُ وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ يُشْتَرَطُ عَدَمُ زَوَالِهَا، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَدَمُ الزَّوَالِ أَصْلًا بَلْ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ الْعُذْرُ نِصْفَ سَنَةٍ فَأَكْثَرَ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَقِيرًا وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ إلَخْ) وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ الثَّانِيَةِ لِيَتَحَقَّقَ الِاجْتِمَاعُ (قَوْلُهُ بِعَكْسِ خَرَاجِ الْأَرْضِ) فَإِنَّ وُجُوبَهُ بِآخِرِ الْحَوْلِ لِأَنَّ بِهِ يَتَحَقَّقُ الِانْتِفَاعُ. (قَوْلُهُ وَيَسْقُطُ الْخَرَاجُ) أَيْ خَرَاجُ الْأَرْضِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُلْتَقَى (قَوْلُهُ بَحْرٌ) أَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَعَزَاهُ فِي الْخَانِيَّةِ) حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ اجْتَمَعَ الْخَرَاجُ فَلَمْ يُؤَدَّ سِنِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُؤْخَذُ بِخَرَاجِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِخَرَاجِ السَّنَةِ الْأُولَى، وَيَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ كَمَا قَالَ فِي الْجِزْيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَسْقُطُ الْخَرَاجُ بِالْإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ، وَهَذَا إذَا عَجَزَ عَنْ الزِّرَاعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ يُؤْخَذُ بِالْخَرَاجِ عِنْدَ الْكُلِّ. اهـ. قُلْت: وَقَدْ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ هَذَا الْقَيْدَ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ الزِّرَاعَةِ أَيْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى، وَعَلَى هَذَا فَلَا مَحَلَّ لِذِكْرِ الْخَرَاجِ هُنَا لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ لَا يُقَالُ إنَّهُ سَقَطَ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ لَفْظِيٌّ بِحَمْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا عَجَزَ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يَعْجِزْ إذْ لَا يَتَأَتَّى الْوُجُوبُ مَعَ الْعَجْزِ كَمَا مَرَّ فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَلِذَا قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ يُؤْخَذُ بِالْخَرَاجِ عِنْدَ الْكُلِّ، وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَإِنَّ الْخِلَافَ مَحْكِيٌّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْخِلَافُ مَعَ الْعَجْزِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَعَلَيْهِ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ هَذَا الْقَيْدِ، وَلِذَا ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْعُشْرِ بِدُونِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا الْقَوْلَ الثَّانِيَ، فَاقْتَضَى كَلَامُهُ اعْتِمَادَ قَوْلِ الْإِمَامِ: إنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِخَرَاجِ السَّنَةِ الْأُولَى لَكِنْ فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُحِيطِ ذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ اهـ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُلْتَقَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ صَاحِبِ الْمُذْهَبِ، وَالْمُصَرَّحُ بِتَصْحِيحِهِ عَدَمُ السُّقُوطِ، فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِذَا جَزَمَ بِهِ فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى وَذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِزْيَةِ بِأَنَّ الْخَرَاجَ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ مُؤْنَةٌ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَلِذَا لَوْ شَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً، لَزِمَهُ خَرَاجُهَا، فَجَازَ أَنْ لَا يَتَدَاخَلَ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهَا عُقُوبَةٌ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً وَالْعُقُوبَاتُ تَتَدَاخَلُ اهـ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَفِيهَا إلَخْ) أَيْ فِي الْخَانِيَّةِ، وَمَحَلُّ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْبَابُ السَّابِقُ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي بَابِ الْعُشْرِ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ مِنْ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّ قَبُولَهَا مِنْ النَّائِبِ يُفَوِّتُ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ الْإِزَالَةِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ قَالَ تَعَالَى - ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]- فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ) وَتَكُونُ يَدُ الْمُؤَدِّي أَسْفَلَ وَيَدُ الْقَابِضِ أَعْلَى هِنْدِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَيَقُولُ إلَخْ) هَذَا فِي الْهِدَايَةِ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ كَمَا فَعَلَهُ الشَّارِحُ

стр. 2333

أَعْطِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَيَصْفَعُهُ فِي عُنُقِهِ لَا يَا كَافِرُ، وَيَأْثَمُ الْقَائِلُ إنْ أَذَاهُ بِهِ قُنْيَةٌ (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُحْدِثَ بِيعَةً، وَلَا كَنِيسَةً وَلَا صَوْمَعَةً، وَلَا بَيْتَ نَارٍ، وَلَا مَقْبَرَةً) وَلَا صَنَمًا حَاوِيٌّ (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) وَلَوْ قَرْيَةً فِي الْمُخْتَارِ فَتْحٌ ــ [رد المحتار] بَلْ قَالَ وَفِي رِوَايَةٍ يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ وَيَهُزُّهُ هَزًّا وَيَقُولُ أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ اهـ وَمُفَادُهُ عَدَمُ اعْتِمَادِهَا وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالتَّلْبِيبُ بِالْفَتْحِ مَا عَلَى مَوْضِعِ اللَّبَبِ مِنْ الثِّيَابِ، وَاللَّبَبُ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ (قَوْلُهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ) كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَاَلَّذِي فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ يَا ذِمِّيُّ (قَوْلُهُ وَيَصْفَعُهُ فِي عُنُقِهِ) الصَّفْعُ أَنْ يَبْسُطَ الرَّجُلُ كَفَّهُ فَيَضْرِبَ بِهَا قَفَا الْإِنْسَانِ أَوْ بَدَنَهُ، فَإِذَا قَبَضَ كَفَّهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ فَلَيْسَ بِصَفْعٍ بَلْ يُقَالُ ضَرَبَهُ بِجَمْعٍ مِصْبَاحٌ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الصَّفْعِ نَقَلَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَنَقَلَهُ أَيْضًا فِي النَّهْرِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَقَدْ حَكَاهُ بَعْضُهُمْ بِقِيلَ (قَوْلُهُ لَا يَا كَافِرُ) مُفَادُهُ الْمَنْعُ مِنْ قَوْلِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بَلْ وَمِنْ الْأَخْذِ بِالتَّلْبِيبِ وَالْهَزِّ وَالصَّفْعِ إذْ لَا شَكَّ بِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ وَلِهَذَا رَدَّ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي السُّنَّةِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (قَوْلُهُ وَيَأْثَمُ الْقَائِلُ إنْ أَذَاهُ بِهِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِارْتِكَابِ الْإِثْمِ بَحْرٌ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ، لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ. قُلْت: وَلَعَلَّ وَجْهَ مَا مَرَّ فِي يَا فَاسِقُ مِنْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ أَفَادَهُ الشَّارِحُ فِي التَّعْزِيرِ ط. قُلْت: لَكِنْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ هُنَاكَ فَافْهَمْ. مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَفَاعِلُهُ الْكَافِرُ وَمَفْعُولُهُ بِيعَةً كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الشَّارِحِ، وَلَا صَنَمًا. وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَا يُحْدِثُوا أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ. اهـ. ح وَمِنْ الْإِحْدَاثِ نَقْلُهَا إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ ط (قَوْلُهُ بِيعَةً) بِالْكَسْرِ مَعْبَدُ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، كَذَلِكَ الْكَنِيسَةُ إلَّا أَنَّهُ غَلَّبَ الْبِيعَةَ عَلَى مَعْبَدِ النَّصَارَى، وَالْكَنِيسَةَ عَلَى الْيَهُودِ قُهُسْتَانِيٌّ. وَفِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ: وَأَهْلُ مِصْرَ يُطْلِقُونَ الْكَنِيسَةَ عَلَى مُتَعَبِّدِهِمَا وَيَخُصَّانِ اسْمَ الدَّيْرِ بِمَعْبَدِ النَّصَارَى. قُلْت: وَكَذَا أَهْلُ الشَّامِ دُرٌّ مُنْتَقًى وَالصَّوْمَعَةُ بَيْتٌ يُبْنَى بِرَأْسٍ طَوِيلٍ لِيُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالِانْقِطَاعِ عَنْ النَّاسِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَا مَقْبَرَةً) عَزَاهُ الْمُصَنِّفُ إلَى الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُخَالِفُهُ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى ثُمَّ قَالَ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَمِنْ ثَمَّ عَوَّلْنَا عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ. مَطْلَبٌ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ فِي الْقُرَى وَمَنْ أَفْتَى بِالْجَوَازِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَرْيَةً فِي الْمُخْتَارِ) نُقِلَ تَصْحِيحُهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ شَرْحِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ فِي الْإِجَارَاتِ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ إلَى أَنْ قَالَ: فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْإِفْتَاءُ بِالْإِحْدَاثِ فِي الْقُرَى لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ زِمَامِنَا بَعْدَمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّصْحِيحِ وَالِاخْتِيَارِ لِلْفَتْوَى وَأَخْذِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى فَتْوَى مَنْ أَفْتَى بِمَا يُخَالِفُ هَذَا، وَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا الْأَخْذُ بِفَتْوَاهُ، وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَيُمْنَعُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ مُجَرَّدُ إتْبَاعِ هَوَى النَّفْسِ وَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ التَّرْجِيحِ، لَوْ كَانَ الْكَلَامُ مُطْلَقًا فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِ النَّقْلِ بِالتَّرْجِيحِ وَالْفَتْوَى فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. مَطْلَبٌ تُهْدَمُ الْكَنَائِسُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ سُكْنَاهَا قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، أَمَّا هِيَ فَيُمْنَعُونَ مِنْ قُرَاهَا أَيْضًا لِخَبَرِ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» . اهـ.

стр. 2334

[مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ] (وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ) أَيْ لَا مَا هَدَمَهُ الْإِمَامُ، بَلْ مَا انْهَدَمَ أَشْبَاهُ فِي آخِرِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ ــ [رد المحتار] قُلْت: الْكَلَامُ فِي الْإِحْدَاثِ مَعَ أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ لَا تُقَرُّ فِيهَا كَنِيسَةٌ وَلَوْ قَدِيمَةً فَضْلًا عَنْ إحْدَاثِهَا لِأَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ السُّكْنَى بِهَا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا يَأْتِي وَقَدْ بَسَطَهُ فِي الْفَتْحِ وَشَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَتَقَدَّمَ تَحْدِيدُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ أَوَّلَ الْبَابِ الْمَارِّ. مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ أَنَّ الْأَمْصَارَ ثَلَاثَةٌ وَبَيَانُ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِيهَا [تَنْبِيهٌ] فِي الْفَتْحِ: قِيلَ الْأَمْصَارُ ثَلَاثَةٌ مَا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ، كَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ وَوَاسِطٍ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ إحْدَاثُ ذَلِكَ إجْمَاعًا وَمَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَا فَتَحُوهُ صُلْحًا فَإِنْ وَقَعَ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ جَازَ الْإِحْدَاثُ وَإِلَّا فَلَا إلَّا إذَا شَرَطُوا الْإِحْدَاثَ اهـ مُلَخَّصًا وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثُوا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَقَعْ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ أَوْ عَلَى الْإِحْدَاثِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. قُلْت: لَكِنْ إذَا صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ فَلَهُمْ الْإِحْدَاثُ إلَّا إذَا صَارَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدُ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ الْإِحْدَاثِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَوْ تَحَوَّلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا فَلَهُمْ الْإِحْدَاثُ أَيْضًا، فَلَوْ رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ لَمْ يَهْدِمُوا مَا أُحْدِثَ قَبْلَ عَوْدِهِمْ كَمَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً فَهُوَ كَذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ أَيْضًا بَلْ هُوَ فِيمَا قُسِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ أَوْ صَارَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ بِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَى أَرْضِهِمْ وَجَعَلَهُمْ ذِمَّةً لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ كَنِيسَةٍ لِأَنَّ الْمَنْعَ مُخْتَصٌّ بِأَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمَعُ وَالْحُدُودِ، فَلَوْ صَارَتْ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ مُنِعُوا مِنْ الْإِحْدَاثِ، وَلَا تُتْرَكُ لَهُمْ الْكَنَائِسُ الْقَدِيمَةُ أَيْضًا كَمَا لَوْ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَكِنْ لَا تُهْدَمُ، بَلْ يَجْعَلُهَا مَسَاكِنَ لَهُمْ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهَا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ لَهُمْ الْقَدِيمَةَ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْإِحْدَاثِ بَعْدَمَا صَارَتْ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ اهـ مُلَخَّصًا. مَطْلَبٌ لَوْ اخْتَلَفْنَا مَعَهُمْ فِي أَنَّهَا صُلْحِيَّةٌ أَوْ عَنْوِيَّةٌ فَإِنْ وُجِدَ أَثَرٌ وَإِلَّا تُرِكَتْ بِأَيْدِيهِمْ [تَتِمَّةٌ] لَوْ كَانَتْ لَهُمْ كَنِيسَةٌ فِي مِصْرٍ فَادْعُوَا أَنَا صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَرْضِهِمْ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَرَادَ مَنْعَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَجَهِلَ الْحَالَ لِطُولِ الْعَهْدِ سَأَلَ الْإِمَامُ الْفُقَهَاءَ، وَأَصْحَابَ الْأَخْبَارِ فَإِنْ وَجَدَ أَثَرًا عَمِلَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَوْ اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ جَعَلَهَا أَرْضَ صُلْحٍ، وَجَعَلَ الْقَوْلَ فِيهَا لِأَهْلِهَا، لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْأَصْلِ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ السِّيَرِ. (قَوْلُهُ وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ) هَذَا فِي الْقَدِيمَةِ الَّتِي صَالَحْنَاهُمْ عَلَى إبْقَائِهَا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ لَا تَبْقَى دَائِمًا وَلَمَّا أَقَرَّهُمْ الْإِمَامُ فَقَدْ عَهِدَ إلَيْهِمْ الْإِعَادَةَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ نَقْلِهَا لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ فِي الْحَقِيقَةِ. اهـ. مَطْلَبٌ إذَا هُدِمَتْ الْكَنِيسَةُ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا تَجُوزُ إعَادَتُهَا (قَوْلُهُ أَشْبَاهٌ) حَيْثُ قَالَ فِي فَائِدَةٍ نَقَلَ السُّبْكِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ إذَا هُدِمَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إعَادَتُهَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي حُسْنِ الْمُحَاضَرَةِ. قُلْت: يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّهَا إذَا قُفِلَتْ، لَا تُفْتَحُ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَصْرِنَا بِالْقَاهِرَةِ فِي كَنِيسَةٍ بِحَارَةِ زُوَيْلَةَ قَفَلَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسَ قَاضِي الْقُضَاةِ، فَلَمْ تُفْتَحْ إلَى الْآنَ حَتَّى وَرَدَ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ بِفَتْحِهَا فَلَمْ يَتَجَاسَرْ حَاكِمٌ عَلَى فَتْحِهَا، وَلَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ قَوْلَ أَصْحَابِنَا يُعَادُ الْمُنْهَدِمُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هَدَمَهُ الْإِمَامُ لَا فِيمَا تَهَدَّمَ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ.

стр. 2335

(مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى الْبِنَاءِ الْأَوَّلِ) وَلَا يَعْدِلُ ــ [رد المحتار] قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَوَاشِي الْبَحْرِ أَقُولُ: كَلَامُ السُّبْكِيّ عَامٌّ فِيمَا هَدَمَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِي كَلَامِ الْأَشْبَاهِ يَخُصُّ الْأَوَّلَ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ الْعُمُومُ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ فِي إعَادَتِهَا بَعْدَ هَدْمِ الْمُسْلِمِينَ اسْتِحْفَافًا بِهِمْ، وَبِالْإِسْلَامِ وَإِخْمَادًا لَهُمْ وَكَسْرًا لِشَوْكَتِهِمْ، وَنَصْرًا لِلْكُفْرِ وَأَهْلِهِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَى الْإِمَامِ فَيَلْزَمُ فَاعِلَهُ التَّعْزِيرُ كَمَا إذَا أَدْخَلَ الْحَرْبِيَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ يَصِحُّ أَمَانُهُ وَيُعَزَّرُ لِافْتِيَاتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا هَدَمُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهَا تُعَادُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ كَلَامِ السُّبْكِيّ. اهـ. مَطْلَبٌ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إعَادَةِ الْمُنْهَدِمِ أَنَّهُ جَائِزٌ نَأْمُرُهُمْ بِهِ بَلْ الْمُرَادُ نَتْرُكُهُمْ وَمَا يَدِينُونَ [تَنْبِيهٌ] ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَةٍ فِي أَحْكَامِ الْكَنَائِسِ عَنْ الْإِمَامِ السُّبْكِيّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا نَمْنَعُهُمْ مِنْ التَّرْمِيمِ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَائِزٌ نَأْمُرُهُمْ بِهِ بَلْ بِمَعْنَى نَتْرُكُهُمْ وَمَا يَدِينُونَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي الَّتِي يُقَرُّونَ عَلَيْهَا كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ وَلَا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، فَلَا يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُمْ افْعَلُوا ذَلِكَ وَلَا أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُمْ فِيهِ، وَلَا يَخْفَى ظُهُورُهُ وَمُوَافَقَتُهُ لِقَوَاعِدِنَا. مَطْلَبٌ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّحَابَةِ صُلْحٌ مَعَ الْيَهُودِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ السِّرَاجِ الْبُلْقِينِيِّ فِي كَنِيسَةٍ لِلْيَهُودِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عِنْدَ فَتْحِ النَّوَاحِي لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ صُلْحٌ مَعَ الْيَهُودِ أَصْلًا. اهـ. قُلْت: وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْبِلَادَ كَانَتْ بِيَدِ النَّصَارَى، وَلَمْ تَزَلْ الْيَهُودُ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ؛ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الرَّحْمَتِيِّ كَتَبَ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي خُطْبَةِ الْإِمَامِ بِجَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَهْدَهُمْ فِي وَقْعَةِ التَّتَارِ وَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَكَنَائِسُهُمْ الْآنَ مَوْضُوعَةٌ بِغَيْرِ حَقٍّ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ: حَادِثَةُ الْفَتْوَى فِي أَخْذِ النَّصَارَى كَنِيسَةً مَهْجُورَةً لِلْيَهُودِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا حُكْمُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى الْوَاقِعَةِ فِي عَامِ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ وَالْأَلْفِ قَرِيبًا مِنْ كِتَابَتِي لِهَذَا الْمَحَلِّ، وَهِيَ أَنَّ كَنِيسَةً لِفِرْقَةٍ مِنْ الْيَهُودِ تُسَمَّى الْيَهُودَ الْقَرَّايِينَ مَهْجُورَةٌ مِنْ قَدِيمٍ لِفَقْدِ هَذِهِ الْفِرْقَةِ وَانْقِطَاعِهِمْ فِي دِمَشْقَ، فَحَضَرَ يَهُودِيٌّ غَرِيبٌ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ إلَى دِمَشْقَ، فَدَفَعَ لَهُ النَّصَارَى دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي بِنَائِهَا، وَأَنْ يَجْعَلُوهَا مَعْبَدًا لَهُمْ، وَصَدَّقَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لِقُوَّةِ شَوْكَةِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ الْكَنِيسَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي دَاخِلِ حَارَةٍ لِلْيَهُودِ مُشْتَمِلَةً عَلَى دُورٍ عَدِيدَةٍ وَأَنَّ مُرَادَ النَّصَارَى شِرَاءُ الْحَارَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِدْخَالُهَا لِلْكَنِيسَةِ، وَطَلَبُوا فَتْوَى عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْإِذْنِ، وَعَلَى كَوْنِهَا صَارَتْ مَعْبَدًا لِلنَّصَارَى، فَامْتَنَعْت مِنْ الْكِتَابَةِ. مَطْلَبٌ فِيمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَهَوِّرِينَ فِي زَمَانِنَا وَقُلْت: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَتَبَ لَهُمْ بَعْضُ الْمُتَهَوِّرِينَ طَمَعًا فِي عَرَضِ الدُّنْيَا أَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ جَائِزٌ، فَقَوِيَتْ بِذَلِكَ شَوْكَتُهُمْ، وَعَرَضُوا ذَلِكَ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ لِيَأْذَنَ لَهُمْ بِذَلِكَ حَيْثُ وَافَقَ غَرَضُهُمْ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، بِنَاءً عَلَى مَا أَفْتَاهُمْ بِهِ ذَلِكَ الْمُفْتِي وَلَا أَدْرِي مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى.

стр. 2336

عَنْ النَّقْضِ الْأَوَّلِ إنْ كَفَى وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ - ــ [رد المحتار] وَمُسْتَنَدِي فِيمَا قُلْته أُمُورٌ: مِنْهَا مَا عَلِمْته مِنْ أَنَّ الْيَهُودَ لَا عَهْدَ لَهُمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ كَنَائِسَهُمْ الْقَدِيمَةَ أُقِرَّتْ مَسَاكِنَ لَا مَعَابِدَ، فَتَبْقَى كَمَا أُبْقِيَتْ عَلَيْهِ، وَمَا عَلِمْته أَيْضًا مِنْ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ لِقِتَالِهِمْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ التَّتَارِ الْكُفَّارِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ عَهْدٌ فِي كَنَائِسِهِمْ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ الْآنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ وَسَبُّ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عَهْدَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الشَّامِ مَشْرُوطٌ بِأَنَّ لَا يُحْدِثُوا بِيعَةً، وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا يَشْتِمُوا مُسْلِمًا وَلَا يَضْرِبُوهُ، وَأَنَّهُمْ إنْ خَالَفُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ. وَمِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ كَنِيسَةٌ مَهْجُورَةٌ انْقَطَعَ أَهْلُهَا وَتَعَطَّلَتْ عَنْ الْكُفْرِ فِيهَا فَلَا تَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَى تَجْدِيدِ الْكُفْرِ فِيهَا، وَهَذَا إعَانَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ حَيْثُ تَعَطَّلَتْ عَنْ كُفْرِ أَهْلِهَا. وَقَدْ نَقَلَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يُعَادُ مَا انْهَدَمَ مِنْ الْكَنَائِسِ، وَأَنَّ مَنْ سَاعَدَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ رَاضٍ بِالْكُفْرِ وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ اهـ. فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ سُوءِ الْمُنْقَلَبِ. وَمِنْهَا: أَنَّ عَدَاوَةَ الْيَهُودِ لِلنَّصَارَى أَشَدُّ مِنْ عَدَاوَتِهِمْ لَنَا، وَهَذَا الرِّضَا وَالتَّصْدِيقُ نَاشِئٌ عَنْ خَوْفِهِمْ مِنْ النَّصَارَى لِقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةٌ لِفِرْقَةٍ خَاصَّةٍ لَيْسَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْفِرْقَةِ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى جِهَةٍ أُخْرَى وَإِنْ كَانَ الْكُفْرُ مِلَّةً وَاحِدَةً عِنْدَنَا كَمَدْرَسَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ مَثَلًا لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ أَنْ يَجْعَلَهَا لِأَهْلِ مَذْهَبٍ آخَرَ وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْمِلَّةُ. وَمِنْهَا: أَنَّ الصُّلْحَ الْعُمَرِيَّ الْوَاقِعَ حِينَ الْفَتْحِ مَعَ النَّصَارَى إنَّمَا وَقَعَ عَلَى إبْقَاءِ مَعَابِدِهِمْ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ إذْ ذَاكَ، وَمِنْ جُمْلَةِ الصُّلْحِ مَعَهُمْ كَمَا عَلِمْته آنِفًا أَنْ لَا يُحْدِثُوا كَنِيسَةً وَلَا صَوْمَعَةً، وَهَذَا إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ، وَاتَّفَقَتْ مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ عَنْ الْإِحْدَاثِ كَمَا بَسَطَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بِنَقْلِهِ نُصُوصَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِحْدَاثِ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً حَادِثًا لِأَنَّهُ نَصَّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْتًا لَهُمْ مُعَدًّا لِلسُّكْنَى كَنِيسَةً يَجْتَمِعُونَ فِيهِ يُمْنَعُونَ مِنْهُ لِأَنَّ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَازْدِرَاءٌ بِالدِّينِ. اهـ. أَيْ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ مَعْبَدٍ لَهُمْ عَارَضُوا بِهِ مَعَابِدَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ الْكَنِيسَةُ كَذَلِكَ جَعَلُوهَا مَعْبَدًا لَهُمْ حَادِثًا فَمَا أَفْتَى بِهِ ذَلِكَ الْمِسْكِينُ خَالَفَ فِيهِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا قَصَدُوهُ مِنْ عِمَارَتِهَا بِأَنْقَاضٍ جَدِيدَةٍ وَزِيَادَتِهِمْ فِيهَا فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَنِيسَةً لَهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَيْضًا وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَفْتَاهُمْ وَسَاعَدَهُمْ وَقَوَّى شَوْكَتَهُمْ يُخْشَى عَلَيْهِ سُوءُ الْخَاتِمَة وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ عَنْ النُّقْضِ) بِالضَّمِّ مَا انْتَقَضَ مِنْ الْبُنْيَانِ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ) ذَكَرَ عِبَارَتَهُ فِي النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ فِي عَقْدِ الْفَرَائِدِ: وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَا يَبْنُونَ مَا كَانَ بِاللَّبِنِ بِالْآجُرِّ، وَلَا مَا كَانَ بِالْآجُرِّ بِالْحَجَرِ وَلَا مَا كَانَ بِالْجَرِيدِ، وَخَشَبِ النَّخْلِ بِالنَّقِيِّ وَالسَّاجِ وَلَا بَيَاضَ لَمْ يَكُنْ. قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ أَنْ لَا تُعَادَ إلَّا بِالنَّقْضِ الْأَوَّلِ وَكَوْنُ ذَلِكَ مَفْهُومَ الْإِعَادَةِ شَرْعًا وَلُغَةً غَيْرَ ظَاهِرِ عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ مُحَمَّدٍ يَبْنُونَهَا وَفِي إجَارَةِ الْخَانِيَّةِ يَعْمُرُوا وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُشْعِرُ بِاشْتِرَاطِ النُّقْضِ الْأَوَّلِ. مَطْلَبٌ فِي كَيْفِيَّةِ إعَادَةِ الْمُنْهَدِمِ مِنْ الْكَنَائِسِ وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَإِذَا انْهَدَمَتْ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ لِذَوِي الصُّلْحِ إعَادَتُهَا بِاللَّبِنِ وَالطِّينِ إلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يُشَيِّدُونَهَا بِالْحَجَرِ وَالشِّيدِ وَالْآجُرِّ، وَإِذَا وَقَفَ الْإِمَامُ عَلَى بِيعَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْ بَنَى مِنْهَا فَوْقَ مَا كَانَ فِي الْقَدِيمِ خَرَّبَهَا وَكَذَا مَا زَادَ فِي عِمَارَتِهَا الْعَتِيقَةِ اهـ وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّ النَّقْضَ الْأَوَّلَ حَيْثُ وُجِدَ

стр. 2337

وَأَمَّا الْقَدِيمَةُ فَتُتْرَكُ مَسْكَنًا فِي الْفَتْحِيَّةِ وَمَعْبَدًا فِي الصُّلْحِيَّةِ بَحْرٌ خِلَافًا لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَتَنَبَّهْ (وَيُمَيِّزُ الذِّمِّيُّ عَنَّا فِي زِيِّهِ) بِالْكَسْرِ لِبَاسَهُ وَهَيْئَتَهُ وَمَرْكَبَهُ وَسَرْجَهُ وَسِلَاحَهُ (فَلَا يَرْكَبُ خَيْلًا) إلَّا إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ لِمُحَارِبَةٍ وَذَبَّ عَنَّا ذَخِيرَةً وَجَازَ بَغْلٌ كَحِمَارٍ تَتَارْخَانِيَّةٌ وَفِي الْفَتْحِ وَهَذَا عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ أَصْلًا ــ [رد المحتار] كَافِيًا لِلْبِنَاءِ الْأَوَّلِ لَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى آلَةٍ جَدِيدَةٍ إذْ لَا شَكَّ فِي زِيَادَةِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ حِينَئِذٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْقَدِيمَةُ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَلَا يُحْدِثُ بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً، وَكَانَ الَأَوْلَى ذَكَرَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ لِأَنَّ إعَادَةَ الْمُنْهَدِمِ إنَّمَا هِيَ فِي الْقَدِيمَةِ دُونَ الْحَادِثَةِ (قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِيَّةِ) أَرَادَ بِهَا الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهَا بِالصُّلْحِيَّةِ (قَوْلُهُ بَحْرٌ) عِبَارَتُهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ الْقَدِيمَةَ فِي السَّوَادِ لَا تُهْدَمُ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ فَاخْتَلَفَ كَلَامُ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ فِي الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ تُهْدَمُ الْقَدِيمَةُ وَذَكَرَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُهْدَمُ، وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى هَذَا، فَإِنَّا رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْهَا تَوَالَتْ عَلَيْهَا أَئِمَّةٌ وَأَزْمَانٌ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ لَمْ يَأْمُرْ إمَامٌ بِهَدْمِهَا؛ فَكَانَ مُتَوَارِثًا مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَعَلَى هَذَا لَوْ مَصَّرْنَا بَرِّيَّةً فِيهَا أَوْ كَنِيسَةً فَوَقَعَ دَاخِلَ السُّوَرِ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْدَمَ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْأَمَانِ قَبْلَ وَضْعِ السُّوَرِ فَيُحْمَلُ مَا فِي جَوْفِ الْقَاهِرَةِ مِنْ الْكَنَائِسِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ قَضَاءً فَأَدَارَ الْعُبَيْدِيُّونَ عَلَيْهَا السُّوَرَ، ثُمَّ فِيهَا الْآنَ كَنَائِسُ وَيَبْعُدُ مِنْ إمَامٍ تَمْكِينُ الْكُفَّارِ مِنْ إحْدَاثِهَا جِهَارًا وَعَلَى هَذَا أَيْضًا فَالْكَنَائِسُ الْمَوْضُوعَةُ الْآنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلُّهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تُهْدَمَ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي الْأَمْصَارِ قَدِيمَةً، فَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْ التَّابِعِينَ حِينَ فَتَحُوا الْمَدِينَةَ عَلِمُوا بِهَا وَأَبْقَوْهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ الْبَلْدَةُ فُتِحَتْ عَنْوَةً حَكَمْنَا بِأَنَّهُمْ أَبْقَوْهَا مَسَاكِنَ لَا مَعَابِدَ فَلَا تُهْدَمُ وَلَكِنْ يُمْنَعُونَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِيهَا لِلتَّقَرُّبِ، وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُمْ أَقَرُّوهَا مَعَابِدَ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا بَلْ مِنْ الْإِظْهَارِ. اهـ. قُلْت: وَقَوْلُهُ فَوَقَعَ دَاخِلَ السُّوَرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْدَمَ ظَاهِرُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مَنْقُولًا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَشَرْحِ السِّيَرِ، وَقَوْلُهُ: وَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ إلَخْ قَدَّمْنَا مَا لَوْ اخْتَلَفَ فِي أَنَّهَا فَتَحِيَّةٌ أَوْ صُلْحِيَّةٌ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ تَبْقَى فِي أَيْدِيهِمْ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ) أَيْ عَنْ التَّتِمَّةِ مِنْ أَنَّهَا فِي الصُّلْحِيَّةِ تُهْدَمُ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ مَطْلَبٌ فِي تَمْيِيزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَلْبَسِ (قَوْلُهُ وَيُمَيَّزُ الذِّمِّيُّ إلَخْ) حَاصِلُهُ: أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُخَالِطِينَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ عَنَّا كَيْ لَا يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ مِنْ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَرُبَّمَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فَجْأَةً فِي الطَّرِيقِ وَلَا يُعْرَفُ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا وَجَبَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمَا فِيهِ صَغَارٌ لَا إعْزَازٌ لِأَنَّ إذْلَالَهُمْ لَازِمٌ بِغَيْرِ أَذًى مِنْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ بِلَا سَبَبٍ يَكُونُ مِنْهُ بَلْ الْمُرَادُ اتِّصَافُهُ بِهَيْئَةٍ وَضَيْعَةٍ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَمَرْكَبِهِ) مُخَالَفَةُ الْهَيْئَةِ فِيهِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا رَكِبُوا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَغَالِبُ ظَنِّي أَنِّي سَمِعْته مِنْ الشَّيْخِ الْأَخِ كَذَلِكَ نَهْرٌ. قُلْت: وَهُوَ كَذَلِكَ فَفِي رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ فِي الْكَنَائِسِ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يَخْتِمُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالرَّصَاصِ وَيَرْكَبُوا عَلَى الْأُكُفِ عُرْضًا (قَوْلُهُ سِلَاحِهِ) تَبِعَ فِيهِ الدُّرَرَ وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ، وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ تَمْيِيزِهِ فِي سِلَاحِهِ بِأَنْ لَا يَحْمِلَ سِلَاحًا، وَهُوَ بَعِيدٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ إلَخْ) لَكِنَّهُ يَرْكَبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِإِكَافٍ لَا بِسَرْجٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَذَبٍّ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ دَفْعٍ وَطَرْدِ الْعَدُوِّ (قَوْلُهُ وَجَازَ بَغْلٌ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِزٌّ وَشَرَفٌ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ جَوَازُ رُكُوبِهِ لِبَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ وَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ

стр. 2338

إلَّا لِضَرُورَةٍ وَفِي الْأَشْبَاهِ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنْ لَا يَرْكَبُوا مُطْلَقًا وَلَا يَلْبَسُوا الْعَمَائِمَ وَإِنْ رَكِبَ الْحِمَارَ لِضَرُورَةٍ نَزَلَ فِي الْمَجَامِعِ (وَيُرَكِّبُ سَرْجًا كَالْأُكُفِ) كَالْبَرْذَعَةِ فِي مُقَدَّمَةِ شِبْهِ الرُّمَّانَةِ (وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجَ) فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ الزُّنَّارُ مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ وَهَلْ يَلْزَمُ تَمْيِيزُهُمْ بِكُلِّ الْعَلَامَاتِ خِلَافٌ أَشْبَاهٌ. وَالصَّحِيحُ إنْ فَتَحَهَا عَنْوَةً فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَعَلَى الشَّرْطِ تَتَارْخَانِيَّةٌ (وَيُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ) وَلَوْ زَرْقَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ عَلَى الصَّوَابِ نَهْرٌ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْأَشْبَاهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً سَوْدَاءَ (وَ) مِنْ (زُنَّارٍ - ــ [رد المحتار] كُلِّهَا عَنْ قَوْلِهِ وَيَرْكَبُ سَرْجًا كَالْأُكُفِ. (قَوْلُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَمَا إذَا خَرَجَ إلَى قَرْيَةٍ أَوْ كَانَ مَرِيضًا فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنْ لَا يَرْكَبُوا) كَتَبَ بَعْضُهُمْ هُنَا أَنَّ الصَّوَابَ يَرْكَبُونَ بِالنُّونِ، كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ لِعَدَمِ النَّاصِبِ وَالْجَازِمِ وَأَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ. أَقُولُ: هَذَا التَّصْوِيبُ خَطَأٌ مَحْضٌ، لِأَنَّ الْمُخَفَّفَةَ مِنْ الثَّقِيلَةِ الَّتِي لَا تَنْصِبُ الْمُضَارِعَ شَرْطًا أَنْ تَقَعَ بَعْدَ فِعْلِ الْيَقِينِ أَوْ مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ نَحْوَ - ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]- ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ﴾ [طه: ٨٩]- وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ النَّاصِبَةُ نَحْوَ - ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]- (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ حِمَارًا (قَوْلُهُ فِي الْمَجَامِعِ) أَيْ فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَرَّ بِهِمْ فَتْحٌ (قَوْلُهُ كَالْأُكُفِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ إكَافٍ مِثْلُ حِمَارٍ وَحُمُرٍ مِصْبَاحٌ فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْإِكَافِ الْمُفْرَدِ (قَوْلُهُ كَالْبَرْذَعَةِ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ كَالْأُكُفِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْبَرْذَعَةُ بِالذَّالِ وَالدَّالِ حُلْسٌ يُجْعَلُ تَحْتَ الرَّحْلِ وَالْجَمْعُ الْبَرَاذِعُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ. وَفِي عُرْفِ زَمَانِنَا هِيَ لِلْحِمَارِ مَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ السَّرْجِ لِلْفَرَسِ اهـ فَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ (قَوْلُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ) أَيْ لَا يَسْتَعْمِلُهُ وَلَا يَحْمِلُهُ لِأَنَّهُ عِزٌّ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يُمْنَعُونَ عَنْهُ. قُلْت: وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ تُعْرَفُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ دُرٌّ مُنْتَقًى (قَوْلُهُ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجُ) بِضَمِّ الْكَافِ وَبِالْجِيمِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَعْنَاهُ الْعَجْزُ وَالذُّلُّ كَمَا فِي النَّهْرِ، فَيَشْمَلُ الْقَلَنْسُوَةَ وَالزُّنَّارَ وَالنَّعْلَ لِوُجُودِ الذُّلِّ فِيهَا، وَلِقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ وَكُسْتِيجَاتُ النَّصَارَى قَلَنْسُوَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ اللُّبَدِ مُضَرَّبَةٌ وَزُنَّارٌ مِنْ الصُّوفِ اهـ فَتَعْبِيرُهُ بِخُصُوصِ الزُّنَّارِ بَيَانٌ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ الزُّنَّارُ) بِوَزْنِ تُفَّاحٍ وَجَمْعُهُ زَنَانِيرُ مِصْبَاحٌ، وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُغْرِبِ أَنَّهُ خَيْطٌ غَلِيظٌ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ يَشُدُّهُ الذِّمِّيُّ فَوْقَ ثِيَابِهِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الصُّوفِ أَوْ الشَّعْرِ وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لَهُ حَلْقَةً تَشُدُّهُ كَمَا يَشُدُّ الْمُسْلِمُ الْمِنْطَقَةَ بَلْ يُعَلِّقُهُ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَلَوْ زَرْقَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ) أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْعَلَامَةَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مُتَعَارَفُهَا، وَفِي بِلَادِنَا جُعِلَتْ الْعَلَامَةُ فِي الْعِمَامَةِ فَأُلْزِمَ النَّصَارَى بِالْأَزْرَقِ وَالْيَهُودُ بِالْأَصْفَرِ، وَاخْتَصَّ الْمُسْلِمُونَ بِالْأَبْيَضِ قَالَ فِي النَّهْرِ: إلَّا أَنَّهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ: وَأَمَّا لُبْسُ الْعِمَامَةِ وَالزُّنَّارِ الْإِبْرَيْسَمِ فَجَفَاءٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمُكْسِرَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وَهَذَا يُؤْذِنُ بِمَنْعِ التَّمْيِيزِ بِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ صَرَّحَ بِمَنْعِهِمْ مِنْ الْقَلَانِسِ الصِّغَارِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً مِنْ كِرْبَاسٍ مَصْبُوغَةٍ بِالسَّوَادِ مُضَرَّبَةً مُبَطَّنَةً، وَهَذَا فِي الْعَلَامَةِ أَوْلَى وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَمَنْعُهُمْ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ هُوَ الصَّوَابُ الْوَاضِحُ بِالتِّبْيَانِ فَأَيَّدَ اللَّهُ سُلْطَانَ زَمَانِنَا، وَلِسَعَادَتِهِ أَبَّدَ وَلِمُلْكِهِ شَيَّدَ وَلِأَمْرِهِ سَدَّدَ إذْ مَنَعَهُمْ مِنْ لُبْسِهَا اهـ. قُلْت: وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ مِنْ إلْزَامِهِمْ لُبْسَ الْقَلَانِسِ الطَّوِيلَةِ الْمُضَرَّبَةِ، وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَهُمْ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ. [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْفَتْحِ وَكَذَا تُؤْخَذُ نِسَاؤُهُمْ بِالزِّيِّ فِي الطُّرُقِ فَيَجْعَلُ عَلَى مَلَاءَةِ الْيَهُودِيَّةِ خِرْقَةً صَفْرَاءَ وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ زَرْقَاءَ وَكَذَا فِي الْحَمَّامَاتِ. اهـ. أَيْ فَيَجْعَلُ فِي أَعْنَاقِهِنَّ طَوْقَ الْحَدِيدِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى قُلْت: وَسَيَجِيءُ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ فِي النَّظَرِ إلَى الْمُسْلِمَةِ كَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ فَلَا تَنْظُرُ أَصْلًا إلَى الْمُسْلِمَةِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ اهـ وَمُفَادُهُ مَنْعُهُنَّ مِنْ دُخُولِ حَمَّامٍ فِيهِ مُسْلِمَةٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً سَوْدَاءَ)

стр. 2339

الْإِبْرَيْسَمِ وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ) كَصُوفٍ مُرَبَّعٍ وَجُوخٍ رَفِيعٍ وَأَبْرَادٍ رَقِيقَةٍ وَمِنْ اسْتِكْتَابٍ وَمُبَاشَرَةٍ يَكُونُ بِهَا مُعَظَّمًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ. وَفِي الْحَاوِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَ الصِّغَارَ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَيْهِ فَيُمْنَعُ مِنْ الْقُعُودِ حَالَ قِيَامِ الْمُسْلِمِ عِنْدَهُ بَحْرٌ. وَيَحْرُمُ تَعْظِيمُهُ، وَتُكْرَهُ مُصَافَحَتُهُ، وَلَا يُبْدَأُ بِسَلَامٍ إلَّا لِحَاجَةٍ وَلَا يُزَادُ فِي الْجَوَابِ عَلَيَّ وَعَلَيْك وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ وَيُجْعَلُ عَلَى دَارِهِ عَلَامَةٌ وَتَمَامُهُ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ أَحْكَامِ الذِّمِّيِّ. وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ: وَيُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِيطَانِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ قَالَ ﵊ «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ» وَلَوْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ جَازَ وَلَا يُطِيلُ. وَأَمَّا دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ الْمَنْعَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَدَمَهُ وَالسِّيَرُ الْكَبِيرُ آخِرُ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ــ [رد المحتار] ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْعِمَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِلْقَلَنْسُوَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْعُهُمْ مِنْ الْعِمَامَةِ وَلَوْ غَيْرَ طَوِيلَةٍ وَإِلْزَامُهُمْ بِالْقَلَنْسُوَةِ الطَّوِيلَةِ كَمَا عَلِمْته فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ وَالْقَلَنْسُوَةُ هِيَ الَّتِي يُدْخِلُ فِيهَا الرَّأْسَ وَالْعِمَامَةُ مَا يُدَارُ عَلَيْهَا مِنْ مِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ الْإِبْرَيْسَمِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَالرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الْحَرِيرُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْحَرِيرَةُ وَاحِدَةُ الْحَرِيرِ وَهُوَ الْإِبْرَيْسَمِ (قَوْلُهُ كَصُفُوفٍ مُرَبَّعٍ) لِعِلَّةِ الْفَرْجِيَّةِ فَإِنَّهُ الْآنَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ط (قَوْلُهُ وَأَبْرَادٍ رَقِيقَةٍ) الْبُرْدُ نَوْعٌ مِنْ الثِّيَابِ مُخَطَّطٌ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ) حَيْثُ قَالَ: بَلْ رُبَّمَا يَقِفُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً لَهُمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ خَاطِرُهُ مِنْهُ، فَيَسْعَى بِهِ عِنْدَ مُسْتَكْتِبِهِ سِعَايَةً تُوجِبُ لَهُ مِنْهُ الضَّرَرُ ثُمَّ قَالَ: وَتُجْعَلُ مَكَاعِبُهُمْ خَشِنَةً فَاسِدَةَ اللَّوْنِ وَلَا يَلْبَسُوا طَيَالِسَةً كَطَيَالِسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَرِدْيَةً كَأَرْدِيَتِهِمْ هَكَذَا أُمِرُوا وَاتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. وَقَالَ أَيْضًا وَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِ خِلَافِ هَذَا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ. اهـ. قُلْت: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ اسْتَأْسَدَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ: أَحْبَابَنَا نُوَبُ الزَّمَانِ كَثِيرَةٌ ... وَأَمَرُّ مِنْهَا رِفْعَةُ السُّفَهَاءِ فَمَتَى يُفِيقُ الدَّهْرُ مِنْ سَكَرَاتِهِ ... وَأَرَى الْيَهُودَ بِذِلَّةِ الْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَ الصَّغَارَ) أَيْ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَنْبَغِيَ هُنَا بِمَعْنَى يَجِبُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ إظْهَارُ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَدَمُ تَعْظِيمِهِمْ لَكِنْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا دَخَلَ يَهُودِيٌّ الْحَمَّامَ إنْ خَدَمَهُ الْمُسْلِمُ طَمَعًا فِي فُلُوسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ تَعْظِيمًا لَهُ فَإِنْ كَانَ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا كُرِهَ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ ذِمِّيٌّ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَامَ لَهُ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ عَظَّمَهُ لِغِنَاهُ كُرِهَ اهـ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ: وَإِنْ قَامَ تَعْظِيمًا لِذَاتِهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ كَفَرَ لِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ فَكَيْفَ بِتَعْظِيمِ الْكُفْرِ. اهـ. قُلْت: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَامَ لَهُ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِ فَلَا بَأْسَ أَيْضًا بَلْ إذَا تَحَقَّقَ الضَّرَرُ، فَقَدْ يَجِبُ وَقَدْ يُسْتَحَبُّ عَلَى حَسَبِ حَالِ مَا يَتَوَقَّعُهُ (قَوْلُهُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ) بِأَنْ يُلْجِئَهُ إلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ، وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ فِي الطَّرِيقِ. (قَوْلُهُ وَيَجْعَلُ عَلَى دَارِهِ عَلَامَةً) لِئَلَّا يَقِفَ سَائِلٌ فَيَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ أَوْ يُعَامِلَهُ فِي التَّضَرُّعِ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ) أَفَادَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، بَلْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ كُلُّهَا كَذَلِكَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمْنَا تَحْدِيدَهَا، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ قَالَهُ ﵊ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَمَا أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ وَبَسَطَهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَلَا يُطِيلُ) فَيُمْنَعُ أَنْ يُطِيلَ فِيهَا الْمُكْثَ حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي الْمُقَامِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ كَحَالِهِمْ فِي غَيْرِهَا بِلَا جِزْيَةٍ وَهُنَاكَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ التِّجَارَةِ، بَلْ

стр. 2340

فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ انْتَهَى. وَفِي الْخَانِيَّةِ تُمَيَّزُ نِسَاؤُهُمْ لَا عَبِيدُهُمْ بِالْكُسْتِيجِ. [مَطْلَبٌ فِي تَمْيِيزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَلْبَسِ] (الذِّمِّيُّ إذَا اشْتَرَى دَارًا) أَيْ أَرَادَ شِرَاءَهَا (فِي الْمِصْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ فَلَوْ اشْتَرَى يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ) وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ إلَّا إذَا كَثُرَ دُرَرٌ. قُلْت: وَفِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ سُئِلَ عَنْ مَسْجِدٍ لَمْ يَبْقَ فِي أَطْرَافِهِ بَيْتُ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَحَاطَ بِهِ الْكَفَرَةُ فَكَانَ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ فَقَطْ لِأَجْلِ وَظِيفَتِهِمَا يَذْهَبَانِ إلَيْهِ فَيُؤَذِّنَانِ وَيُصَلِّيَانِ بِهِ فَهَلْ تَحِلُّ لَهُمْ الْوَظِيفَةُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ الْبُيُوتُ تَأْخُذُهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِيمَتِهَا جَبْرًا عَلَى الْفَوْرِ وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ الشَّرِيفُ السُّلْطَانِيُّ بِذَلِكَ فَالْحَاكِمُ لَا يُؤَخِّرُ هَذَا أَصْلًا، وَفِيهَا مِنْ الْجِهَادِ، وَبَعْدَ أَنْ وَرَدَ الْأَمْرُ الشَّرِيفُ السُّلْطَانِيُّ بِعَدَمِ اسْتِخْدَامِ الذِّمِّيِّينَ لِلْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي لَوْ اسْتَخْدَمَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً مَاذَا يَلْزَمُهُ؟ ــ [رد المحتار] مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ فَكَذَلِكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ شَرْحُ السِّيَرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّ الطُّولِ سَنَةٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ) أَيْ فَيَكُونُ الْمَنْعُ هُوَ الْمُتَعَمَّدُ فِي الْمَذْهَبِ. قُلْت: لَكِنْ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ هُنَاكَ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ دُونَ الْإِمَامِ، وَأَنَّ أَصْحَابَ الْمُتُونِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتُونَ مَوْضُوعَةٌ لِنَقْلِ مَا هُوَ الْمَذْهَبُ، فَلَا يَعْدِلُ عَمَّا فِيهَا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ السَّرَخْسِيُّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ جَاءَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ قَالَ فَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَنْعِهِ الْمُشْرِكَ، مِنْ أَنْ يَدْخُلَ شَيْئًا مِنْ الْمَسَاجِدِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً لِلْآيَةِ - ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]- فَأَمَّا عِنْدَنَا لَا يُمْنَعُونَ كَمَا لَا يُمْنَعُونَ عَنْ دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِيطَانِ ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ نِسَاءَهُمْ تُمَيَّزُ بِالْكُسْتِيجِ دُونَ الْعَبِيدِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ ذِكْرُ النِّسَاءِ أَصْلًا وَنَصُّهَا: وَلَا يُؤْخَذُ عُبَيْدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْكُسْتِيجَاتِ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَعِبَارَةُ النَّهْرِ قَالُوا وَيَجِبُ أَنْ تُمَيَّزَ نِسَاؤُهُمْ أَيْضًا عَنْ نِسَائِنَا فِي الطُّرُقَاتِ وَالْحَمَّامَاتِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يُؤْخَذُ عُبَيْدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْكُسْتِيجَاتِ. اهـ. . . مَطْلَبٌ فِي سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمِصْرِ (قَوْلُهُ الذِّمِّيُّ إذَا اشْتَرَى دَارًا إلَخْ) قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ فَإِنْ مَصَّرَ الْإِمَامُ فِي أَرَاضِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا مَصَّرَ عُمَرُ ﵁ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ، فَاشْتَرَى بِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ دُورًا وَسَكَنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّا قَبِلْنَا مِنْهُمْ عَقْدَ الذِّمَّةِ، لِيَقِفُوا عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ، فَعَسَى أَنْ يُؤْمِنُوا وَاخْتِلَاطُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَالسَّكَنِ مَعَهُمْ يُحَقِّقُ هَذَا الْمَعْنَى، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ يَقُولُ: هَذَا إذَا قَلُّوا وَكَانَ بِحَيْثُ لَا تَتَعَطَّلُ جَمَاعَاتُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَقَلَّلُ الْجَمَاعَةُ بِسُكْنَاهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَأَمَّا إذَا كَثُرُوا عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ تَقْلِيلِهَا مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا أَنْ يَسْكُنُوا نَاحِيَةً لَيْسَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي. اهـ. (قَوْلُهُ أَيْ أَرَادَ شِرَاءَهَا) إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا لِقَوْلِهِ بَعْدُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ ط (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ إلَّا إذَا كَثُرَ) نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الصُّغْرَى بَعْدَ أَنْ نَقَلَهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ، بِلَا تَقْيِيدٍ بِالْكَثْرَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِقِيلَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ يَصْلُحُ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا قَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ كَمَا عَلِمْته آنِفًا وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ وَشَرْحِهَا، وَكَذَا قَالَ

стр. 2341

فَأَجَابَ: يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ الشَّدِيدُ وَالْحَبْسُ فَفِي الْخَانِيَّةِ: وَيُؤْمَرُونَ بِمَا كَانَ اسْتِخْفَافًا لَهُمْ وَكَذَا تُمَيَّزُ دُورِهِمْ عَنْ دُورِنَا انْتَهَى فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ [مَطْلَبٌ فِي سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمِصْرِ] (وَإِذَا تَكَارَى أَهْلُ الذِّمَّةِ دُورًا فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَسْكُنُوا فِيهَا) فِي الْمِصْرِ (جَازَ) لِعَوْدِ نَفْعِهِ إلَيْنَا وَلِيَرَوْا تَعَامُلَنَا فَيُسْلِمُوا (بِشَرْطِ عَدَمِ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَاتِ لِسُكْنَاهُمْ) شَرَطَهُ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ (فَإِنْ لَزِمَ ذَلِكَ مِنْ سُكْنَاهُمْ أُمِرُوا بِالِاعْتِزَالِ عَنْهُمْ وَالسُّكْنَى بِنَاحِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمُونَ) وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بَحْرٌ عَنْ الذَّخِيرَةِ، وَفِي الْأَشْبَاهِ: وَاخْتُلِفَ فِي سُكْنَاهُمْ بَيْنَنَا فِي الْمِصْرِ وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ انْتَهَى وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ رَدَّهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ جَوَى زَادَهْ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ فَهِمَ خَطَأً فَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ النَّاحِيَةِ الْمَحَلَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِبَيْعِ دُورِهِمْ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَبِالْخُرُوجِ عَنْهَا، وَبِالسُّكْنَى خَارِجَهَا لِئَلَّا يَكُونَ لَهُمْ مَحَلَّةٌ خَاصَّةٌ ــ [رد المحتار] الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ إنَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ، فَلَا نَقُولُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا وَلَا بِعَدَمِهِ مُطْلَقًا بَلْ يَدُورُ الْحُكْمُ عَلَى الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالضَّرَرِ وَالْمَنْفَعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فَتَأَمَّلْ. اهـ. (قَوْلُهُ فَأَجَابَ إلَخْ) هَذَا الْجَوَابُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ الْحَلْوَانِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ ط: وَلَمْ يُجِبْ عَنْ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْوَظِيفَةَ لِقِيَامِهِمَا بِالْعَمَلِ. اهـ. قُلْت: وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِظُهُورِهِ وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَهُوَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]- الْآيَةَ (قَوْلُهُ فَفِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ) أَيْ وَالِاسْتِخْدَامُ الْمَذْكُورُ يُنَافِي الِاسْتِخْفَافَ. (قَوْلُهُ وَإِذَا تَكَارَى إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الْكِرَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الشِّرَاءِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ عَلَى الْبَيْعِ مُطْلَقًا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِرَاءِ وَالشِّرَاءِ بَلْ أَصْلُ الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الشِّرَاءِ كَمَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ السَّرَخْسِيِّ (قَوْلُهُ فِي الْمِصْرِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ بَعْدَ اعْتِبَارِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمُونَ) هُوَ فِي مَعْنَى مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ لَكِنْ رَدَّهُ إلَخْ) وَعِبَارَتُهُ كَمَا رَأَيْته فِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ، هَذَا اللَّفْظُ لَمْ أَجِدْهُ لِأَحَدٍ وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ فِي الْكُتُبِ أَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ بِقَوْلِهِ هَذَا إذَا قَلُّوا بِحَيْثُ لَا تَتَعَطَّلُ بِسَبَبِ سُكْنَاهُمْ جَمَاعَاتُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَقَلَّلُ أَمَّا إذَا تَعَطَّلَتْ أَوْ تَقَلَّلَتْ، فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ السُّكْنَى فِيهَا، وَيَسْكُنُونَ فِي نَاحِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ فَهِمَ مِنْ النَّاحِيَةِ الْمَحَلَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ صَرَّحَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِبَيْعِ دُورِهِمْ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْخُرُوجِ عَنْهَا وَبِالسُّكْنَى خَارِجَهَا لِئَلَّا تَكُونَ لَهُمْ مَنَعَةٌ كَمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْعِهِمْ عَنْ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ مَحَلَّةٌ خَاصَّةٌ حَيْثُ قَالَ بَعْدَمَا ذَكَرْنَاهُ نَقْلًا عَنْ النَّسَفِيِّ، وَالْمُرَادُ أَيْ بِالْمَنْعِ الْمَذْكُورِ عَنْ الْأَمْصَارِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْمِصْرِ مَحَلَّةٌ خَاصَّةٌ يَسْكُنُونَهَا وَلَهُمْ فِيهَا مَنَعَةٌ كَمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا سُكْنَاهُمْ بَيْنَهُمْ وَهُمْ مَقْهُورُونَ فَلَا كَذَلِكَ اهـ. قُلْت: وَقَوْلُهُ بِمَنْعِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صَرَّحَ وَقَوْلُهُ: حَيْثُ قَالَ أَيْ التُّمُرْتَاشِيُّ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَحَلَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمِصْرِ مَعَ أَنَّ الْحَلْوَانِيَّ قَالَ: لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ السُّكْنَى فِيهَا أَيْ فِي الْمِصْرِ وَيَسْكُنُونَ فِي نَاحِيَةٍ إلَخْ فَهُوَ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ إذَا لَزِمَ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ يَسْكُنُونَ فِي نَاحِيَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْمِصْرِ فَهِيَ غَيْرُ الْمَحَلَّةِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ أَيْضًا مَنْعُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَحَلَّةٌ خَاصَّةٌ فِي الْمِصْرِ وَإِنَّمَا يَسْكُنُونَ بَيْنَهُمْ مَقْهُورِينَ، يَعْنِي إذَا لَمْ يَلْزَمْ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِ الْحَلْوَانِيِّ وَالتُّمُرْتَاشِيّ: أَنَّهُ إذَا لَزِمَ مِنْ سُكْنَاهُمْ فِي الْمِصْرِ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ أُمِرُوا بِالسُّكْنَى فِي نَاحِيَةٍ خَارِجَ الْمِصْرِ، لَيْسَ فِيهَا جَمَاعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ يَسْكُنُونَ فِي الْمِصْرِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَقْهُورِينَ لَا فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ فِي الْمِصْرِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي مِصْرِ الْمُسْلِمِينَ مَنَعَةٌ كَمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، بِسَبَبِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي مَحَلَّتِهِمْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ)

стр. 2342

نَقْلًا عَنْ النَّسَفِيِّ، وَالْمُرَادُ أَيْ بِالْمَنْعِ الْمَذْكُورِ عَنْ الْأَمْصَارِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْمِصْرِ مَحَلَّةٌ خَاصَّةٌ يَسْكُنُونَهَا وَلَهُمْ فِيهَا مَنَعَةٌ عَارِضَةٌ كَمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِمَّا سَكَنًا بَيْنَهُمْ وَهُمْ مَقْهُورُونَ، فَلَا وَذَلِكَ كَذَا فِي فَتَاوَى الْإِسْكُوبِيُّ فَلْيُحْذَرْ ــ [رد المحتار] مَفْعُولُ نَقَلَ ط (قَوْلُهُ نَقْلًا) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ صَرَّحَ بِتَأْوِيلِ اسْمِ الْفَاعِلِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ) الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ بِأَنَّ الْمُرَادَ، وَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِصَرَّحَ ط (قَوْلُهُ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَعَةٌ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَالْمَنَعَةُ بِفَتْحِ النُّونِ جَمْعُ مَانِعٍ أَيْ جَمَاعَاتٌ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ وُصُولِ غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ أَفَادَهُ ح وَقَوْلُهُ: عَارِضَةٌ صِفَةُ مَنَعَةٍ وَعُرُوضُهَا إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ وَقَوْلُهُ فَأَمَّا سُكْنَاهُمْ إلَخْ مُقَابَلَةُ أَيْ أَنَّ سُكْنَاهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ بَلْ مُتَفَرِّقِينَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ مَقْهُورُونَ لَهُمْ فَلَا كَذَلِكَ أَيْ فَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا. مَطْلَبٌ فِي مَنْعِهِمْ عَنْ التَّعَلِّي فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى وَكَذَا يُمْنَعُونَ عَنْ التَّعَلِّي فِي بِنَائِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ الْمُسَاوَاةِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ نَعَمْ يَبْقَى الْقَدِيمُ كَمَا فِي الْوَهْبَانِيَّةِ وَشُرُوحِهَا وَفِي الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ: وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ أَنْ يَسْكُنَا ... أَوْ أَنْ يَحُلَّ مَنْزِلًا عَالِي الْبِنَا إنْ كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْكُنُ ... بَلْ أَهْلُ ذِمَّةٍ عَلَى مَا بَيَّنُوا . اهـ. قُلْت: وَمُقْتَضَى النَّظْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَنْعَ وَلَوْ الْبِنَاءُ قَدِيمًا لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْمَنْعَ عَلَى السُّكْنَى لَا عَلَى التَّعْلِيَةِ فِي الْبِنَاءِ لَكِنْ سُئِلَ فِي الْخَيْرِيَّةِ عَنْ طَبَقَةٍ لِيَهُودِيٍّ رَاكِبَةٍ عَلَى بَيْتٍ لِمُسْلِمٍ، يُرِيدُ الْمُسْلِمُ مَنْعَهُ مِنْ سُكْنَاهُمْ، وَمِنْ التَّعَلِّي عَلَيْهِ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ ذَلِكَ فَقَدْ جَوَّزُوا إبْقَاءَ دَارَ الذِّمِّيِّ الْعَالِيَةِ، عَلَى دَارِ الْمُسْلِمِ وَسُكْنَاهَا إذَا مَلَكَهَا مَا لَمْ تَنْهَدِمْ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا عَالِيَةً كَمَا كَانَتْ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِ النَّظْمِ الْوَهْبَانِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا. اهـ. وَذَكَرَ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ آخَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ التَّعَلِّي لِلتَّحَفُّظِ مِنْ اللُّصُوصِ، لَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ رَفْعُ بِنَائِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَعِلَّةُ الْمَنْعِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّعَلِّي عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَلْ لِلتَّحَفُّظِ، فَلَا يُمْنَعُونَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ وَقَالَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ فِي فَتَاوَاهُ: أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالْمُسْلِمِينَ فَمَا جَازَ لِلْمُسْلِمِ فِعْلُهُ فِي مِلْكِهِ جَازَ لَهُمْ وَمَا لَا فَلَا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ تَعْلِيَةِ بِنَائِهِ إذَا حَصَلَ لِجَارِهِ ضَرَرٌ كَمَنْعِ ضَوْءٍ وَهَوَاءٍ قَالَ: هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ أَنَّ لِلْقَاضِي مَنْعَهُمْ مِنْ السُّكْنَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يَسْكُنُونَ مُنْعَزِلِينَ قَالَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ: وَهُوَ الَّذِي أُفْتِي بِهِ أَنَا اهـ أَيْ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ مَنْعُهُمْ مِنْ السُّكْنَى بَيْنَنَا، فَلَهُ مَنْعُهُمْ مِنْ التَّعَلِّي بِالْأَوْلَى، وَذَكَرَ فِي جَوَابٍ آخَرَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُعْلُوا بِنَاءَهُمْ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ: وَلَا أَنْ يَسْكُنُوا دَارًا عَالِيَةَ الْبِنَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يُمْنَعُونَ أَنْ يَسْكُنُوا مَحَلَّاتِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. وَهَذَا مَيْلٌ مِنْهُ إلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَفْتَى بِهِ أَوَّلًا أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالْمُسْلِمِينَ، وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ فِيمَا فِيهِ اسْتِعْلَاءٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَفْتَى فِي الْمَوْضُوعَيْنِ بِالْمَنْعِ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْحَاوِي مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَ الصَّغَارَ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِعْلَاءَهُ فِي الْبِنَاءِ عَلَى جِيرَانِهِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافُ الصَّغَارِ، بَلْ بَحَثَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ إذَا اسْتَعْلَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَلَّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ اسْتَعْلَى يَشْمَلُ مَا بِالْقَوْلِ وَمَا بِالْفِعْلِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخَيْرِيَّةِ مُخَالِفًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ مَا أَفْتَى بِهِ قَارِئُ الْهِدَايَةِ مِنْ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، أَقْوَى مُدْرَكًا لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْمُوجِبِ لِكَوْنِهِمْ لَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا، فَإِنَّ قَارِئَ الْهِدَايَةِ لَمْ يُفْتِ بِهِ بَلْ أَفْتَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِخِلَافِهِ كَمَا سَمِعْت. وَالْحَدِيثُ الشَّرِيفُ لَا يُفِيدُ أَنَّ لَهُمْ مَا لَنَا مِنْ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ، بَلْ فِي الْمُعَامَلَاتِ

стр. 2343

(وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَوْضِعٍ لِلْحَرْبِ أَوْ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ) زَادَ فِي الْفَتْحِ أَوْ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ (أَوْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ طَلِيعَةً لِلْمُشْرِكِينَ) بِأَنْ يُبْعَثَ لِيَطَّلِعَ عَلَى أَخْبَارِ الْعَدُوِّ. فَلَوْ لَمْ يَبْعَثُوهُ لِذَلِكَ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُحِيطِ (وَصَارَ) الذِّمِّيُّ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ صُوَرٍ (كَالْمُرْتَدِّ) فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ (إلَّا أَنَّهُ) لَوْ أُسِرَ (يُسْتَرَقُّ) وَالْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ (وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الذِّمَّةِ) وَالْمُرْتَدُّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ (لَا) يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ (بِقَوْلِهِ نَقَضْت الْعَهْدَ) زَيْلَعِيٌّ (بِخِلَافِ الْأَمَانِ) لِلْحَرْبِيِّ، فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْقَوْلِ بَحْرٌ (وَلَا بِالْإِبَاءِ عَنْ) أَدَاءِ (الْجِزْيَةِ) ــ [رد المحتار] مِنْ الْعُقُودِ وَنَحْوِهَا لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى إلْزَامِهِمْ الصَّغَارَ وَعَدَمِ التَّمَرُّدِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مَنْعَهُمْ عَنْ التَّعَلِّي وَاجِبٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِ دِينَهُ فَلَا يُبَاحُ بِرِضَا الْجَارِ الْمُسْلِمِ. اهـ. وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَعْظِيمُهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرِّضَا بِاسْتِعْلَائِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ فِيمَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَهْدُ الذِّمِّيِّ وَمَا لَا يُنْتَقَضُ (قَوْلُهُ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ إلَخْ) لِأَنَّهُمْ بِذَلِكَ صَارُوا حَرْبًا عَلَيْنَا وَعَقْدُ الذِّمَّةِ مَا كَانَ إلَّا لِدَفْعِ شَرِّ حِرَابَتِهِمْ فَيُعَرَّى عَنْ الْفَائِدَةِ فَلَا يَبْقَى وَلَا يَبْطُلُ أَمَانُ ذُرِّيَّتِهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَوْضِعٍ) أَيْ قَرْيَةٍ أَوْ حِصْنٍ فَتْحٌ وَقَوْلُهُ لِلْحَرْبِ أَيْ لِأَجْلِ حَرْبِنَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِلْحِرَابِ بِزِيَادَةِ الْأَلْفِ وَاحْتَرَزَ بِالْغَلَبَةِ الْمَذْكُورَةِ عَمَّا لَوْ كَانُوا مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ يُعِينُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ الْبُغَاةِ (قَوْلُهُ أَوْ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ) لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ انْتِقَالُهُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَغَلَّبُوا فِيهِ كَانْتِقَالِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِالِاتِّفَاقِ، إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَكَانُ مُوَاخِمًا لِدَارِ الْإِسْلَامِ: أَيْ بِأَنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِدَارِ الْحَرْبِ وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ أَوْ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ) أَيْ بِخِلَافِ الِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَائِهَا عَلَى مَا يَأْتِي، لَكِنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ قَبُولِهَا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ وَضْعِهَا وَهُوَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدُ ذِمَّةٍ، حَتَّى يُنْتَقَضَ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ فِيمَنْ دَخَلَ فِي عَهْدِ الذِّمَّةِ تَبَعًا ثُمَّ صَارَ أَهْلًا كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ، فَإِذَا أَفَاقَ أَوْ بَلَغَ أَوَّلَ الْحَوْلِ تُوضَعُ عَلَيْهِ فَإِذَا امْتَنَعَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ أَوْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ طَلِيعَةً لِلْمُشْرِكِينَ) هَذَا مِمَّا زَادَهُ فِي الْفَتْح أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا، بَلْ ذَكَرَهُ فِي النِّكَاحِ فِي بَابِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ (قَوْلُهُ بِأَنْ يُبْعَثَ لِيَطَّلِعَ إلَخْ) صُورَتُهُ أَنْ يَدْخُلَ مُسْتَأْمَنٌ وَيُقِيمَ سَنَةً، وَتُضْرَبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَقَصْدُهُ التَّجَسُّسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِيُخْبِرَ الْعَدُوَّ ط (قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يَبْعَثُوهُ) بِأَنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَصْلِيًّا وَطَرَأَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَصْدُ ط (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُحِيطِ) حَيْثُ قَالَ لَوْ كَانَ يُخْبِرُ الْمُشْرِكِينَ بِعُيُوبِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَقْتُلَهُ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَهَذَا التَّوْفِيقُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ، وَيُشْعِرُ بِهِ تَعْبِيرُ الْفَتْحِ بِالطَّلِيعَةِ فَإِنَّ الطَّلِيعَةَ وَاحِدَةُ الطَّلَائِعِ فِي الْحَرْبِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُبْعَثُونَ لِيَطَّلِعُوا عَلَى أَخْبَارِ الْعَدُوِّ، كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُغْرِبِ (قَوْلُهُ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ) فَيُحْكَمُ بِمَوْتِهِ بِاللَّحَاقِ وَإِذَا تَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَتَعُودُ ذِمَّتُهُ وَتَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ الذِّمِّيَّةُ الَّتِي خَلَفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إجْمَاعًا وَيُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَتْحٌ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَالْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ) لِأَنَّ كُفْرَهُ أَغْلَظُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَالْمُرْتَدُّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ) أَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَإِنَّهَا تُسْتَرَقُّ بَعْدَ اللَّحَاقِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَبْلَهُ فِي رِوَايَةِ بَحْرٍ (قَوْلُهُ بِقَوْلِهِ نَقَضْت الْعَهْدَ) لِأَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِالْقَوْلِ بَلْ بِالْفِعْلِ كَمَا مَرَّ، بِخِلَافِ الْأَمَانِ لِلْحَرْبِيِّ. قُلْت: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ أَمَانَ الْحَرْبِيِّ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْعَوْدِ، مَتَى أَرَادَ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ، بِخِلَافِ عَهْدِ الذِّمَّةِ فَهُوَ لَازِمٌ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَلِذَا لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَيُجْبِرُهُ الْإِمَامُ عَلَى الْجِزْيَةِ مَا دَامَ تَحْتَ قَهْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَحِقَ بِدَارِهِمْ أَوْ غَلَبُوا عَلَى مَوْضِعٍ أَوْ جَعَلَ نَفْسَهُ طَلِيعَةً أَوْ امْتَنَعَ عَنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ صَارَ حَرْبًا عَلَيْنَا كَمَا مَرَّ وَفِي الثَّالِثِ: عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْعَهْدَ بَلْ جَعَلَهُ وَصْلَةً إلَى إضْرَارِهِ بِنَا،

стр. 2344

بَلْ عَنْ قَبُولِهَا كَمَا مَرَّ وَنَقَلَ الْعَيْنِيُّ عَنْ الْوَاقِعَاتِ قَتْلَهُ بِالْإِبَاءِ عَنْ الْأَدَاءِ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ لَكِنْ ضَعَّفَهُ فِي الْبَحْرِ (وَ) لَا (بِالزِّنَا بِمُسْلِمَةٍ وَقَتْلِ مُسْلِمٍ) وَإِفْتَانِ مُسْلِمٍ عَنْ دِينِهِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ (وَسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ ) ــ [رد المحتار] وَفِي الرَّابِعِ: لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ بِخِلَافِ مَا إذَا امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا وَلِذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الْقِتَالُ الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ لَا أَدَاؤُهَا وَالِالْتِزَامُ بَاقٍ فَيَأْخُذُهَا الْإِمَامُ مِنْهُ جَبْرًا اهـ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا اسْتَشْكَلَهُ فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ عَنْ قَبُولِهَا نُقِضَ عَهْدُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِالْقَوْلِ. وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الِانْتِقَاضَ لَمْ يَجِئْ مِنْ قَوْلِهِ لَا أَقْبَلُ بَلْ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَهُوَ الْتِزَامُ أَدَائِهَا بِخِلَافِ امْتِنَاعِهِ عَنْ أَدَائِهَا بِقَوْلِهِ لَا أُؤَدِّيهَا، فَإِنَّهُ قَوْلٌ وُجِدَ بَعْدَ الْتِزَامِهَا الدَّافِعُ لِلْقَتْلِ، وَلَا يَزُولُ ذَلِكَ الِالْتِزَامُ بِهِ وَكَذَا بِقَوْلِهِ نَقَضْت الْعَهْدَ لِمَا قُلْنَا، مِنْ أَنَّهُ لَازِمٌ لَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ صَرِيحًا، وَلَا دَلَالَةً مَا دَامَ تَحْتَ قَهْرِنَا فَافْهَمْ، وَانْدَفَعَ بِهِ أَيْضًا مَا أَوْرَدَهُ فِي الدُّرَرِ مِنْ أَنَّ امْتِنَاعَهُ عَنْ أَدَائِهَا بِقَوْلِهِ: لَا أُعْطِيهَا يُنَافِي بَقَاءَ الِالْتِزَامِ لِمَا قُلْنَا مِنْ لُزُومِ ذَلِكَ الِالْتِزَامِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَقْضَهُ صَرِيحًا فَكَذَا دَلَالَةً بِالْأَوْلَى فَيُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهَا مَا دَامَ مَقْهُورًا فِي دَارِنَا، ثُمَّ رَأَيْت الْحَمَوِيَّ أَجَابَ بِنَحْوِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ بَلْ عَنْ قَبُولِهَا) أَيْ بَلْ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِالْإِبَاءِ عَنْ قَبُولِهَا، وَقَدَّمْنَا تَصْوِيرَهُ، وَقَدْ عَلِمْت آنِفًا وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ (قَوْلُهُ وَنَقَلَ الْعَيْنِيُّ) حَيْثُ قَالَ وَفِي رِوَايَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي وَاقِعَاتِ حُسَامٍ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا امْتَنَعُوا عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ، وَيُقَاتَلُونَ وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهَا رِوَايَةً وَدِرَايَةً بَحْرٌ. قُلْت: أَمَّا وَجْهُ الضَّعْفِ رِوَايَةً فَلِأَنَّهُ خِلَافُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْمُتُونِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا الدِّرَايَةُ أَيْ الضَّعْفُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَلِمَا عَلِمْت مِنْ بَقَاءِ الِالْتِزَامِ الدَّافِعِ لِلْقَتْلِ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ جَبْرًا، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ مَا فِي الْوَاقِعَاتِ، بِمَا إذَا كَانُوا جَمَاعَةً تَغَلَّبُوا عَلَى مَوْضِعٍ هُوَ بَلَدُهُمْ أَوْ غَيْرُهُمْ وَأَظْهَرُوا الْعِصْيَانَ وَالْمُحَارَبَةَ، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْهُمْ إلَّا بِالْقِتَالِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَا بِالزِّنَا بِمُسْلِمَةٍ) بَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ، وَهُوَ الْحَدُّ وَكَذَا لَوْ نَكَحَهَا لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ، وَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ وَيُعَزَّرَانِ وَكَذَا السَّاعِي بَيْنَهُمَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَإِفْتَانِ مُسْلِمٍ) مَصْدَرُ أَفْتَنَ الرُّبَاعِيِّ اهـ ح. قُلْت: لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي النُّسَخِ افْتِتَانٍ بِتَاءَيْنِ وَفِي الْمِصْبَاحِ: فَتَنَ الْمَالُ النَّاسَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ اسْتَمَالَهُمْ، وَفُتِنَ فِي دِينِهِ وَافْتَتَنَ أَيْضًا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مَالَ عَنْهُ اهـ وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ الِافْتِتَانَ مُتَعَدٍّ لَا لَازِمٌ تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ سَبِّ الذِّمِّيِّ النَّبِيَّ ﷺ (قَوْلُهُ وَسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ إذَا لَمْ يُعْلِنْ، فَلَوْ أَعْلَنَ بِشَتْمِهِ أَوْ اعْتَادَهُ قُتِلَ، وَلَوْ امْرَأَةً وَبِهِ يُفْتَى الْيَوْمُ دُرٌّ مُنْتَقًى وَهَذَا حَاصِلُ مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ هُنَا وَقَيَّدَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِقَيْدٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ أَقُولُ: هَذَا إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ انْتِقَاضُهُ بِهِ أَمَّا إذَا شُرِطَ انْتَقَضَ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. اهـ. قُلْت: وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ فِي صُلْحِ أَبِي عُبَيْدَةَ، مَعَ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّهُ صَالَحَهُمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ حِينَ دَخَلَهَا عَلَى أَنْ يَتْرُكَ كَنَائِسَهُمْ، وَبِيَعَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِنَاءَ بِيعَةٍ، وَلَا كَنِيسَةٍ، وَأَنْ لَا يَشْتُمُوا مُسْلِمًا، وَلَا يَضْرِبُوهُ إلَخْ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْخَلَّالِ وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا كِتَابَ الْعَهْدِ وَفِي آخِرِهِ فَلَمَّا أَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِالْكِتَابِ زَادَ فِيهِ: وَأَنْ لَا نَضْرِبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَرَطْنَا لَهُمْ ذَلِكَ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَهْلِ مِلَّتِنَا وَقَبِلْنَا.

стр. 2345

لِأَنَّ كُفْرَهُ الْمُقَارِنَ لَهُ لَا يَمْنَعُهُ فَالطَّارِئُ لَا يَرْفَعُهُ فَلَوْ مِنْ مُسْلِمٍ قُبِلَ كَمَا سَيَجِيءُ [مَطْلَبٌ فِيمَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَهْدُ الذِّمِّيِّ وَمَا لَا يُنْتَقَضُ] (وَيُؤَدَّبُ الذِّمِّيُّ وَيُعَاقَبُ عَلَى سَبِّهِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنَ أَوْ النَّبِيَّ) ﷺ حَاوِيٌّ وَغَيْرُهُ ــ [رد المحتار] عَنْهُمْ الْأَمَانَ، فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا شَيْئًا مِمَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ وَضَمِنَّاهُ عَلَى أَنْفُسِنَا فَلَا ذِمَّةَ لَنَا وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مِنَّا مَا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ، وَفِي رِوَايَةِ الْخَلَّالِ: فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ أَمْضِ لَهُمْ مَا سَأَلُوهُ وَأَلْحَقَ فِيهِ حَرْفَيْنِ اشْتَرَطَهُمَا عَلَيْهِمْ مَعَ مَا شَرَطُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْ لَا يَشْتَرُوا شَيْئًا مِنْ سَبَايَانَا وَمَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا فَقَدْ خُلِعَ عَهْدُهُ. اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ كِتَابَ الْعَهْدِ بِتَمَامِهِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ اهـ ثُمَّ ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ أَنَّهُ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ بِإِحْدَاثِ ذَلِكَ الدَّيْرِ أَيْ الَّذِي أَحْدَثُوهُ فِي زَمَنِهِ، وَأَلَّفَ فِيهِ الرِّسَالَةَ الْمَذْكُورَةَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا أَلْحَقَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ مِنْ نَقْضِي الْعَهْدِ بِتَمَرُّدِهِمْ وَاسْتِعْلَائِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. اهـ. قُلْت: وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُقَيِّدُوا بِهَذَا الْقَيْدِ لِظُهُورِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الرَّمْلِيِّ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى أَمْرٍ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ وَلِأَنَّ مُرَادَهُمْ بَيَانُ أَنَّ مُجَرَّدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ لَا يُنْتَقَضُ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ السَّبِّ وَنَحْوِهِ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ إمَامٍ إذَا فَتَحَ بَلْدَةً يَشْتَرِطُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي شَرَطَهُ عُمَرُ فَلِذَا تَرَكُوا التَّصْرِيحَ بِهِ عَلَى أَنَّ مَا شَرَطَهُ عُمَرُ عَلَى الشَّامِ وَنَحْوِهَا لَا يَجْرِي حُكْمُهُ عَلَى كُلِّ مَا فَتَحَهُ مِنْ الْبِلَادِ مَا لَمْ يُعْلَمْ اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا. فَصَارَ الْحَاصِلُ: أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَا يُنْتَقَضُ بِمَا ذَكَرُوهُ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ انْتِقَاضُهُ بِهِ فَإِذَا اُشْتُرِطَ انْتَقَضَ، وَإِلَّا فَلَا إلَّا إذَا أَعْلَنَ بِالشَّتْمِ أَوْ اعْتَادَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلِمَا يَأْتِي عَنْ الْمَعْرُوضَاتِ وَغَيْرِهَا وَلِمَا ذَكَرَهُ ط عَنْ الشَّلَبِيِّ عَنْ حَافِظِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ إذَا طَعَنَ الذِّمِّيُّ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ طَعْنًا ظَاهِرًا جَازَ قَتْلُهُ لِأَنَّ الْعَهْدَ مَعْقُودٌ مَعَهُ عَلَى أَنْ لَا يَطْعَنَ فَإِذَا طَعَنَ، فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وَخَرَجَ مِنْ الذِّمَّةِ اهـ لَكِنْ مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ اشْتِرَاطُ عَدَمِ الطَّعْنِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ كَلَامِهِمْ فَتَأَمَّلْ. [تَنْبِيهٌ] قَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الشَّتْمَ بِمَا لَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ وَنَقَلَهُ فِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ أَبِي السُّعُودِ عَنْ الذَّخِيرَةِ بِقَوْلِهِ: إذَا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ يَعْتَقِدُهُ وَيَتَدَيَّنُ بِهِ، بِأَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ أَوْ قَتَلَ الْيَهُودَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَسَبَهُ إلَى الْكَذِبِ فَعِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ أَمَّا إذَا ذَكَرَهُ بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَلَا يَتَدَيَّنُ بِهِ كَمَا لَوْ نَسَبَهُ إلَى الزِّنَا أَوْ طَعَنَ فِي نَسَبِهِ يُنْتَقَضُ. اهـ. (قَوْلُهُ الْمُقَارِنَ لَهُ) أَيْ لِعَهْدِ الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ فَالطَّارِئُ) أَيْ بِالسَّبِّ (قَوْلُهُ فَلَوْ مِنْ مُسْلِمٍ قُبِلَ) أَيْ إنْ لَمْ يَتُبْ لَا مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الدُّرَرِ هُنَا وَالْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ لَا مَذْهَبُنَا كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ وَيُؤَدَّبُ الذِّمِّيُّ وَيُعَاقَبُ إلَخْ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ تَأْدِيبَهُ وَعَاقَبَهُ بِالْقَتْلِ، إذَا اعْتَادَهُ، وَأَعْلَنَ بِهِ كَمَا يَأْتِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ حَافِظِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّعْزِيرِ أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُكَابِرُ بِالظُّلْمِ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَالْمُكَّاسُ وَجَمِيعُ الظَّلَمَةِ وَجَمِيعُ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ أَفْتَى النَّاصِحِيُّ بِقَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ. وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: لَا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ بِالسَّبِّ، وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِذَلِكَ لَكِنْ يُعَزَّرُ عَلَى إظْهَارِ ذَلِكَ كَمَا يُعَزَّرُ عَلَى إظْهَارِ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهَا مِنْ إظْهَارِ

стр. 2346

قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَاخْتِيَارِي فِي السَّبِّ أَنْ يُقْتَلَ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْهُمَامِ. قُلْت: وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ رَأَيْت فِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ، أَنَّهُ وَرَدَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِالْعَمَلِ بِقَوْلِ أَئِمَّتُنَا الْقَائِلِينَ بِقَتْلِهِ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ وَبِهِ أَفْتَى ثُمَّ أَفْتَى فِي بَكْرٍ الْيَهُودِيِّ قَالَ لِبِشْرٍ النَّصْرَانِيِّ نَبِيُّكُمْ عِيسَى وَلَدُ زِنًا بِأَنَّهُ يُقْتَلُ ــ [رد المحتار] أَصْوَاتِهِمْ بِكِتَابِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ، وَمِنْ أُصُولِهِمْ يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ أَنَّ مَا لَا قَتْلَ فِيهِ عِنْدَهُمْ مِثْلُ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، وَالْجِمَاعِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ إذَا تَكَرَّرَ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ فَاعِلَهُ، وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ الْمُقَدَّرِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ وَيَحْمِلُونَ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِنْ الْقَتْلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْجَرَائِمِ، عَلَى أَنَّهُ رَأْيُ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ وَيُسَمُّونَهُ الْقَتْلَ سِيَاسَةً. وَكَانَ حَاصِلُهُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ بِالْقَتْلِ فِي الْجَرَائِمِ الَّتِي تَعَظَّمَتْ بِالتَّكْرَارِ، وَشُرِعَ الْقَتْلُ فِي جِنْسِهَا؛ وَلِهَذَا أَفْتَى أَكْثَرُهُمْ بِقَتْلِ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِهِ، وَقَالُوا يُقْتَلُ سِيَاسَةً، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ عَلَى أُصُولِهِمْ. اهـ. فَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا قَتْلُهُ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَأَظْهَرَهُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِهِ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ عِنْدَنَا لَكِنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ مَذْهَبِنَا وَهُوَ ثَبْتٌ فَيُقْبَلُ (قَوْلُهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَا أَصْلَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ اهـ وَرَدَّهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ، بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ النَّقْضِ عَدَمُ الْقَتْلِ، وَقَدْ صَرَّحُوا قَاطِبَةً بِأَنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَدَّبُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ زَجْرًا لِغَيْرِهِ إذْ يَجُوزُ التَّرَقِّي فِي التَّعْزِيرِ إلَى الْقَتْلِ، إذَا عَظُمَ مُوجِبُهُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِنَا عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ عَدَمِ الِانْتِقَاضِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ. اهـ. وَلَيْسَ فِي مَذْهَبِنَا مَا يَنْفِي قَتْلَهُ خُصُوصًا إذَا أَظْهَرَ مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي التَّمَرُّدِ، وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ وَالِاسْتِخْفَافِ وَاسْتَعْلَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ صَارَ مُتَمَرِّدًا عَلَيْهِمْ اهـ وَنَقَلَ الْمَقْدِسِيَّ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ، ثُمَّ قَالَ، وَهُوَ مِمَّا يَمِيلُ إلَيْهِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَالْمُتُونُ، وَالشُّرُوحُ خِلَافُهُ أَقُولُ وَلَنَا أَنْ نُؤَدِّبَ الذِّمِّيَّ تَعْزِيرًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ كَانَ دَمُهُ هَدْرًا. اهـ. قُلْت: لَكِنَّ هَذَا إذَا أَعْلَنَ بِالسَّبِّ وَكَانَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ كَمَا عَلِمْته آنِفًا (قَوْلُهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْهُمَامِ) حَيْثُ قَالَ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ سَبَّهُ ﵊ أَوْ نِسْبَةَ مَا لَا يَنْبَغِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُونَهُ كَنِسْبَةِ الْوَلَدِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ إذَا أَظْهَرَهُ يُقْتَلُ بِهِ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ وَلَكِنْ عُثِرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَكْتُمُهُ فَلَا وَهَذَا لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي التَّمَرُّدِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَكُونُ جَارِيًا عَلَى الْعَقْدِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَاغِرًا ذَلِيلًا إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا الْبَحْثُ مِنَّا يُوجِبُ أَنَّهُ إذَا اسْتَعْلَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ صَارَ مُتَمَرِّدًا عَلَيْهِمْ يَحِلُّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ أَوْ يَرْجِعُ إلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ بَحْثٌ خَالَفَ فِيهِ أَهْلَ الْمَذْهَبِ اهـ وَقَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ إنَّ مَا بَحَثَهُ فِي النَّقْضِ مُسَلَّمٌ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَذْهَبِ وَأَمَّا مَا بَحَثَهُ فِي الْقَتْلِ فَلَا اهـ أَيْ لِمَا عَلِمْته آنِفًا مِنْ جَوَازِ التَّعْزِيرِ بِالْقَتْلِ وَلِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ قَتْلِهِ إذَا أَعْلَنَ بِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا) أَيْ بِالْقَتْلِ لَكِنْ تَعْزِيرًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي الْمَعْرُوضَاتِ أَوْ بِمَا إذَا أَعْلَنَ بِهِ كَمَا يَأْتِي بِخِلَافِ مَا إذَا أُعْثِرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَكْتُمُهُ كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ. (قَوْلُهُ وَبِهِ أَفْتَى) أَيْ أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي الرُّومِ بَلْ أَفْتَى بِهِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إذَا أَكْثَرَ السَّبَّ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ وَمِثْلُهُ مَا إذَا أَعْلَنَ بِهِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْهُمَامِ إذَا أَظْهَرَهُ يُقْتَلُ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُخَالِفًا لِلْمَذْهَبِ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ مُحَرِّرُ الْمَذْهَبِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا إذَا اعْتَادَهُ كَمَا قَيَّدَ بِهِ أَوَّلًا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَلِمَا مَرَّ عَنْ الْعَيْنِيِّ

стр. 2347

لِسَبِّهِ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ بَاشَا فِي أَحَادِيثِهِ الْأَرْبَعِينِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ: يَا عَائِشَةُ لَا تَكُونِي فَاحِشَةً مَا نَصُّهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَنَا إذَا أَعْلَنَ بِشَتْمِهِ ﵊ صَرَّحَ بِهِ فِي سِيَرِ الذَّخِيرَةِ، حَيْثُ قَالَ: وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ لِبَيَانِ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا أَعْلَنَتْ بِشَتْمِ الرَّسُولِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَدِيٍّ لَمَّا سَمِعَ عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ تُؤْذِي الرَّسُولَ فَقَتَلَهَا لَيْلًا مَدَحَهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ» انْتَهَى فَلْيُحْفَظْ (وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِ بَالِغِ تَغْلِبِينَ وَتَغْلَبِيَّةٍ) لَا مِنْ طِفْلِهِمْ إلَّا الْخَرَاجَ (ضِعْفُ زَكَاتِنَا) بِأَحْكَامِهَا (مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) الْمَعْهُودَةُ بَيْنَنَا لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ كَذَلِكَ (وَ) يُؤْخَذُ (مِنْ مَوْلَاهُ) أَيْ مُعْتِقُ التَّغْلِبِيِّ (فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ) وَحَدِيثُ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ ــ [رد المحتار] وَالْمَقْدِسِيِّ، لَكِنْ عَلِمْت تَقْيِيدَهُ بِالْإِعْلَانِ، أَوْ بِمَا فِي الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ (قَوْلُهُ لِسَبِّهِ لِلْأَنْبِيَاءِ) الْمُرَادُ الْجِنْسُ وَإِلَّا فَهُوَ قَدْ سَبَّ نَبِيًّا وَاحِدًا (قَوْلُهُ وَيُؤَيِّدُهُ) أَيْ يُؤَيِّدُهُ قَتْلُ الْكَافِرِ السَّابِّ (قَوْلُهُ فِي أَحَادِيثِهِ) الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَمَا فِي قَوْله مَا نَصُّهُ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِمَعْنَى شَيْءٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ خَبَرُ إنَّ وَنَصُّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى مَنْصُوصِهِ مَرْفُوعٌ، عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ وَالْحَقُّ إلَخْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ إلَى آخِرِهَا أُرِيدَ بِهَا لَفْظُهَا فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ نَصِّهِ وَجُمْلَةُ هَذَا الْمُبْتَدَأِ أَوْ خَبَرِهِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَا الْوَاقِعَةِ مُبْتَدَأً وَجُمْلَةُ مَا وَخَبَرُهَا الْمُقَدَّمُ خَبَرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ وَالْمَعْنَى: أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ شَيْءٌ مَنْصُوصُهُ، وَالْحَقُّ إلَخْ ثَابِتٌ فِي أَحَادِيثِهِ الْأَرْبَعِينِيَّةِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ حَيْثُ قَالَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا أَعْلَنَتْ بِالشَّتْمِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الذِّمِّيِّ الْمَنْهِيّ عَنْ قَتْلِهِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، إذَا أَعْلَنَ بِالشَّتْمِ أَيْضًا، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ سَمِعْت امْرَأَةً مِنْ يَهُودٍ وَهِيَ تَشْتُمُك وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا لَمُحْسِنَةٌ إلَيَّ فَقَتَلْتهَا فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهَا» (قَوْلُهُ تَغْلِبِيٍّ وَتَغْلَبِيَّةٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْأَصْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا مِصْبَاحٌ نِسْبَةً إلَى تَغْلِبَ بْنِ وَائِلِ بْنِ رَبِيعَةَ بِوَزْنِ تَضْرِبُ قَوْمٌ تَنَصَّرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسَكَنُوا بِقُرْبِ الرُّومِ امْتَنَعُوا عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ عَلَى ضِعْفِ زَكَاتِنَا فَهُوَ وَإِنْ كَانَ جِزْيَةً فِي الْمَعْنَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهَا مِنْ وَصْفِ الصَّغَارِ، وَتُقْبَلُ مِنْ النَّائِبِ بَلْ شَرَائِطُ الزَّكَاةِ وَأَسْبَابُهَا وَلِذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَرْأَةِ لِأَهْلِيَّتِهَا لَهَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ إلَّا الْخَرَاجَ) أَيْ خَرَاجَ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ طِفْلِهِمْ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عِبَادَةً بَحْرٌ (قَوْلُهُ ضِعْفُ زَكَاتِنَا) فَيَأْخُذُ السَّاعِي مِنْ غَنَمِهِمْ السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاتَيْنِ، وَمِنْ كُلِّ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ أَرْبَعَ شِيَاهٍ وَعَلَى هَذَا مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ نَهْرٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ وَرَقَبَتِهِمْ كَمَا فِي الأتقاني يَعْنِي إلَّا إذَا مَرُّوا عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ (قَوْلُهُ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ) يَعْنِي أَنَّ مُعْتِقَ التَّغْلِبِيِّ كَمُعْتِقِ الْقُرَشِيِّ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتْبَعُ أَصْلَهُ، حَتَّى تُوضَعَ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ لَمْ يُوضَعَا عَلَى أَصْلِهِمَا تَخْفِيفًا وَالْمُعْتَقُ لَا يَلْحَقُ أَصْلَهُ فِي التَّخْفِيفِ وَلِذَا لَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ مَوْلًى نَصْرَانِيٌّ، وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَحَدِيثُ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنَّ مَا عَلَّلْتُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَقَ لَا يَلْحَقُ أَصْلَهُ فِي التَّخْفِيفِ مُعَارِضٌ لِلنَّصِّ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ لَا يَلْحَقُهُ فِي الْكَفَاءَةِ لِلْهَاشِمِيَّةِ وَلَا فِي الْإِمَامَةِ، وَإِذَا كَانَ عَامًّا مَخْصُوصًا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّةِ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.

стр. 2348

(وَمَصْرِفُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَمَالُ التَّغْلِبِيِّ وَهَدِيَّتُهُمْ لِلْإِمَامِ) وَإِنَّمَا يَقْبَلُهَا إذَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ إنَّ قِتَالَنَا لِلدِّينِ لَا الدُّنْيَا جَوْهَرَةٌ (وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِلَا حَرْبٍ) وَمِنْهُ تَرِكَةُ ذِمِّيٍّ وَمَا أَخَذَهُ عَاشِرٌ مِنْهُمْ ظَهِيرِيَّةٌ (مَصَالِحُنَا) خَبَرُ مَصْرِفٍ (كَسَدِّ ثُغُورٍ وَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ وَجِسْرٍ وَكِفَايَةِ الْعُلَمَاءِ) وَالْمُتَعَلِّمِينَ تَجْنِيسٌ وَبِهِ يَدْخُلُ طَلَبَةُ الْعِلْمِ فَتْحٌ (وَالْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ) كَكَتَبَةِ قُضَاةٍ وَشُهُودِ قِسْمَةٍ وَرُقَبَاءِ سَوَاحِلَ (وَرِزْقِ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ) أَيْ ذَرَارِيِّ مَنْ ذُكِرَ مِسْكِينٌ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْبَحْرِ قَائِلًا: وَهَلْ يُعْطُونَ بَعْدَ مَوْتِ آبَائِهِمْ حَالَةَ الصِّغَرِ؟ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ وَمَصْرِفُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ إلَخْ) قَيَّدَ بِالْخَرَاجِ لِأَنَّ الْعُشْرَ مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَقْبَلُهَا إلَخْ) تَرَكَ قَيْدًا آخَرَ ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدِي لَا يَطْمَعُ فِي إيمَانِهِ لَوْ رُدَّتْ هَدَيْته فَلَوْ طَمِعَ فِي إيمَانِهِ بِالرَّدِّ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِلَا حَرْبٍ) فِيهِ أَنَّ مَا قَبْلَهُ مَأْخُوذٌ بِحَرْبٍ، لَكِنْ فَسَّرَهُ فِي النَّهْرِ بِالْمَأْخُوذِ صُلْحًا عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ قَبْلَ نُزُولِ الْعَسْكَرِ بِسَاحَتِهِمْ (قَوْلُهُ مَصَالِحُنَا) نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ وَلَا يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ نَهْرٌ، وَهُوَ جَمْعُ مَصْلَحَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى الْإِسْلَامِ ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ كَسَدِّ ثُغُورٍ) أَيْ حِفْظِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا إسْلَامٌ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى جَمَاعَةٍ يَحْفَظُونَ الطَّرِيقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ اللُّصُوصِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ وَجِسْرٍ) الْقَنْطَرَةُ مَا بُنِيَ عَلَى الْمَاءِ لِلْعُبُورِ، وَالْجِسْر بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ مَا يُعْبَرُ بِهِ النَّهْرُ وَغَيْرُهُ مَبْنِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَمِثْلُهُ بِنَاءِ مَسْجِدٍ وَحَوْضٍ، وَرِبَاطٍ وَكَرْيِ أَنْهَارٍ عِظَامٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ كَالنِّيلِ وَجَيْحُونَ قُهُسْتَانِيٌّ وَكَذَا النَّفَقَةِ عَلَى الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي زَكَاةِ الْخَانِيَّةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّرْفُ عَلَى إقَامَةِ شَعَائِرِهَا مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَكِفَايَةُ الْعُلَمَاءِ) هُمْ أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يُعَلِّمُ الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ، فَيَشْمَلُ الصَّرْفَ وَالنَّحْوَ وَغَيْرَهُمَا حَمَوِيٌّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ ط. وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْكِفَايَةِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَكَذَا يُشْعِرُ بِاشْتِرَاطِ فَقْرِهِمْ، لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ سُئِلَ عَلِيُّ الرَّازِيّ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ هَلْ لِلْأَغْنِيَاءِ فِيهِ نَصِيبٌ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِلًا أَوْ قَاضِيًا، وَلَيْسَ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ نَصِيبٌ إلَّا فَقِيهٌ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ الْفِقْهَ أَوْ الْقُرْآنَ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَيْ بِأَنْ صَرَفَ غَالِبَ أَوْقَاتِهِ فِي الْعِلْمِ وَلَيْسَ مُرَادُ الرَّازِيّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْعَامِلِ، أَوْ الْقَاضِي، بَلْ أَشَارَ بِهِمَا إلَى كُلِّ مَنْ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُفْتِي وَالْجُنْدِيُّ، فَيَسْتَحِقَّانِ الْكِفَايَةَ مَعَ الْغَنِيِّ اهـ وَذَكَرَ قَبْلَهُ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَتَأَهَّلَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لَكِنْ لِيَعْمَلَ بَعْدَهُ لِلْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ وَالْعُمَّالُ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّهُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ جَمْعُ عَامِلٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَ رَجُلٍ فِي مَالِهِ وَعَمَلِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُذَكِّرُ وَالْوَاعِظُ بِحَقٍّ وَعِلْمٍ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَكَذَا الْوَالِي وَطَالِبُ الْعِلْمِ وَالْمُحْتَسِبُ، وَالْقَاضِي، وَالْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمُ بِلَا أَجْرٍ كَمَا فِي الْمُضْمِرَاتِ (قَوْلُهُ وَشُهُودِ قِسْمَةٍ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَالشُّرَكَاءِ وَاسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَشُهُودِ قِيمَةٍ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى التَّقْوِيمِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِيمَةِ ط (قَوْلُهُ وَرُقَبَاءِ سَوَاحِلَ) جَمْعُ رَقِيبٍ مِنْ رَقَبْته أَرْقُبُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ: أَيْ حَفِظْته وَالسَّوَاحِلُ جَمْعُ سَاحِلٍ، وَهُوَ شَاطِئُ الْبَحْرِ مِصْبَاحٌ فَالْمُرَادُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ السَّوَاحِلَ، وَهُمْ الْمُرَابِطُونَ فِي الثُّغُورِ أَوْ أَعَمُّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَرِزْقِ الْمُقَاتِلَةِ) الرِّزْقُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ الرَّزْقِ بِالْفَتْحِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَامُوسٌ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الرِّزْقُ يُقَالُ لِلْعَطَاءِ الْجَارِي دِينِيًّا كَانَ أَوْ دُنْيَوِيًّا وَلِلنَّصِيبِ وَلِمَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ وَيَتَغَذَّى بِهِ قُهُسْتَانِيٌّ ط (قَوْلُهُ أَيْ ذَرَارِيِّ مَنْ ذُكِرَ إلَخْ) لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَعُمُّ الْكُلَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ وَمُنْلَا مِسْكِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي تُوهِمُ تَخْصِيصَهُمْ بِالْمُقَاتِلَةِ وَبِهِ صَرَّحَ شَارِحُ

стр. 2349

لَمْ أَرَهُ، وَإِلَى هُنَا تَمَّتْ مَصَارِفُ بَيْتِ الْمَالِ ثَلَاثَةٌ، ــ [رد المحتار] الْمَجْمَعِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَتَبِعَهُ فِي الْمِنَحِ دُرٌّ مُنْتَقًى، وَفَسَّرَ الذَّرَارِيَّ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ: مَطْلَبٌ مَنْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ يُعْطَى وَلَدُهُ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ لَمْ أَرَهُ) نَقَلَ الشَّيْخُ عِيسَى السَّفْطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ مَا نَصُّهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ: إنَّ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفُرِضَ لَهُ اسْتِحْقَاقُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِذُرِّيَّتِهِ أَيْضًا تَبَعًا لَهُ، وَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي الْفَتْوَى: عَلَى أَنَّهُ يُفْرَضُ لِذَرَارِيِّ الْعُلَمَاءِ، وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا يَسْقُطُ مَا فُرِضَ لِذَرَارِيِّهِمْ بِمَوْتِهِمْ اهـ ط. قُلْت: لَكِنَّ قَوْلَ الْمُتُونِ الْآتِي: وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ حُرِمَ مِنْ الْعَطَاءِ يُنَافِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى الذَّرَارِيِّ عَطَاءٌ مُسْتَقِلٌّ خَاصٌّ بِالذَّرَارِيِّ لِإِعْطَاءِ الْمَيِّتِ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ تَأَمَّلْ، لَكِنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْحَاوِي لَمْ أَرَهُ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَلَا فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ، وَرَاجَعْت مَوَاضِعَ كَثِيرَةً مِنْ كِتَابِ الْخَرَاجِ فَلَمْ أَرَهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ يُفْرَضُ لِأَوْلَادِهِمْ تَبَعًا وَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْأَصْلِ تَرْغِيبًا اهـ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ: أَنَّ إعْطَاءَهُمْ بِالْأَوْلَى لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِمْ، سِيَّمَا إذَا كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ آبَائِهِمْ. اهـ. مَطْلَبٌ مَنْ لَهُ وَظِيفَةٌ تَوَجَّهَ لِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ عَنْ الْخِزَانَةِ عَنْ مَبْسُوطِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ: إذَا مَاتَ مَنْ لَهُ وَظِيفَةٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ كَأَجْرِ الْإِمَامَةِ وَالتَّأْذِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَلِلْمَيِّتِ أَبْنَاءٌ يُرَاعُونَ وَيُقِيمُونَ حَقَّ الشَّرْعِ وَإِعْزَازَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُرَاعِي وَيُقِيمُ الْأَبُ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ وَظِيفَةَ الْأَبِ لِأَبْنَاءِ الْمَيِّتِ لَا لِغَيْرِهِمْ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الشَّرْعِ، وَانْجِبَارِ كَسْرِ قُلُوبِهِمْ. اهـ. مَطْلَبٌ تَحْقِيقٌ مُهِمٌّ فِي تَوْجِيهِ الْوَظَائِفِ لِلِابْنِ قَالَ الْبِيرِيُّ أَقُولُ: هَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا هُوَ عُرْفُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَمِصْرَ وَالرُّومِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ إبْقَاءِ أَبْنَاءِ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانُوا صِغَارًا عَلَى وَظَائِفِ آبَائِهِمْ مُطْلَقًا مِنْ إمَامَةٍ وَخَطَابَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عُرْفًا مَرْضِيًّا لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ خَلَفِ الْعُلَمَاءِ وَمُسَاعَدَتَهُمْ عَلَى بَذْلِ الْجَهْدِ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَقَدْ أَفْتَى بِجَوَازِ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَكَابِرِ الْفُضَلَاءِ الَّذِينَ يُعَوَّلُ عَلَى إفْتَائِهِمْ. اهـ. قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ هِيَ إحْيَاءُ خَلَفِ الْعُلَمَاءِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، فَإِذَا اتَّبَعَ الِابْنُ طَرِيقَةَ وَالِدِهِ فِي الِاشْتِغَالِ فِي الْعِلْمِ، فَذَلِكَ ظَاهِرٌ. أَمَّا إذَا أَهْمَلَ ذَلِكَ وَاشْتَغَلَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ أَوْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا جَاهِلًا غَافِلًا مُعَطِّلًا لِلْوَظَائِفِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ يُنِيبُ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ، وَيَصْرِفُ بَاقِيَ ذَلِكَ فِي شَهَوَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ وَظَائِفِ الْعُلَمَاءِ، وَتَرْكِهِمْ بِلَا شَيْءٍ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْعِلْمِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ عَامَّةَ أَوْقَافِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْوَظَائِفِ فِي أَيْدِي جَهَلَةٍ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ دِينِهِمْ، وَيَأْكُلُونَ ذَلِكَ بِلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا إنَابَةٍ بِسَبَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِأَنَّ خُبْزَ الْأَبِ

стр. 2350

فَهَذَا مَصْرِفُ جِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ وَمَصْرِفُ زَكَاةٍ وَعُشْرٍ مَرَّ فِي الزَّكَاةِ، وَمَصْرِفُ خُمُسٍ وَرِكَازٍ مَرَّ فِي السِّيَرِ وَبَقِيَ رَابِعٌ وَهُوَ لُقَطَةٌ وَتَرِكَةٌ بِلَا وَارِثٍ، وَدِيَةُ مَقْتُولٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَمَصْرِفُهَا لَقِيطٌ فَقِيرٌ وَفَقِيرٌ بِلَا وَلِيٍّ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ نَوْعٍ بَيْتًا يَخُصُّهُ وَلَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ أَحَدِهَا لِيَصْرِفَهُ لِلْآخِرِ وَيُعْطِي بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْفِقْهِ وَالْفَضْلِ فَإِنْ قَصَّرَ كَانَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَسِيبًا زَيْلَعِيٌّ. وَفِي الْحَاوِي: الْمُرَادُ بِالْحَافِظِ فِي حَدِيثِ «لِحَافِظِ الْقُرْآنِ مِائَتَا دِينَارٍ» - ــ [رد المحتار] لِابْنِهِ، فَيَتَوَارَثُونَ الْوَظَائِفَ أَبًا عَنْ جَدٍّ كُلُّهُمْ جَهَلَةٌ كَالْأَنْعَامِ وَيُكَبِّرُونَ بِذَلِكَ فِرَاهُمْ وَعَمَائِمَهُمْ، وَيَنْصَدِرُونَ فِي الْبَلْدَةِ حَتَّى أَدَّى ذَلِكَ إلَى انْدِرَاسِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ، وَأَكْثَرُهَا صَارَ بُيُوتًا بَاعُوهَا أَوْ بَسَاتِينَ اشْتَغَلُوهَا، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ لَا يَجِدُ لَهُ مَأْوًى يَسْكُنُهُ وَلَا شَيْئًا يَأْكُلُهُ فَيَضْطَرُّ إلَى أَنْ يَتْرُكَ الْعِلْمَ، وَيَكْتَسِبَ وَوَقَعَ فِي زَمَانِنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَكَابِرِ دِمَشْقَ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ أَجْهَلَ مِنْهُ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ فَوُجِّهْت مِنْ وَظَائِفِهِ تَوْلِيَةُ مَسْجِدٍ وَمَدْرَسَةٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَعْلَمِ عُلَمَاءِ دِمَشْقَ فَذَهَبَ وَلَدُهُ وَعَزَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ بِالرِّشْوَةِ، وَفِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ مِنْ الْأَشْبَاهِ إذَا وَلَّى السُّلْطَانُ مُدَرِّسًا لَيْسَ بِأَهْلٍ لَمْ تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ السُّلْطَانُ إذَا أَعْطَى غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فَقَدْ ظَلَمَ مَرَّتَيْنِ بِمَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ اهـ فَفِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الْوَظَائِفِ لِأَبْنَاءِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ ضَيَاعُ الْعِلْمِ، وَالدِّينِ، وَإِعَانَتُهُمْ عَلَى إضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ تَوْجِيهُهَا عَلَى أَهْلِهَا وَنَزْعُهَا مِنْ أَيْدِي غَيْرِ الْأَهْلِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا تُوَجَّهُ عَلَى وَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى طَرِيقَةِ وَالِدِهِ يُعْزَلُ عَنْهَا وَتُوَجَّهُ لِلْأَهْلِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِ إحْيَاءُ مَا أَوْقَفَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ تَضْيِيعُهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِغَرَضِ الشَّرْعِ وَالْوَاقِفِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. (قَوْلُهُ فَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَقَوْلُهُ مَصْرِفُ جِزْيَةٍ، وَخَرَاجٍ أَيْ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا ذُكِرَ مَعَهُمَا (قَوْلُهُ مَرَّ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ (قَوْلُهُ مَرَّ فِي السِّيَرِ) أَيْ فِي فَصْلِ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ (قَوْلُهُ وَبَقِيَ رَابِعٌ) تَقَدَّمَ هَذَا مَعَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَبْلَهُ نَظْمًا لِابْنِ الشِّحْنَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْعُشْرِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَفَقِيرٌ بِلَا وَلِيٍّ) أَيْ لَيْسَ لَهُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: يُعْطُونَ مِنْهُ نَفَقَتَهُمْ وَأَدْوِيَتَهُمْ وَيُكَفَّنُ بِهِ مَوْتَاهُمْ وَيُعْقَلُ بِهِ جِنَايَتُهُمْ. اهـ. [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْأَحْكَامِ: الْعُلَمَاءُ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ بِالْعَمَلِ مَعَ الْغِنَى، وَمِنْ النَّوْعِ الثَّانِي بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَنَحْوِهِمَا، وَمِنْ النَّوْعِ الثَّالِثِ بِأَحَدِ صِفَاتِ مُسْتَحِقِّيهِ، وَمِنْ النَّوْعِ الرَّابِعِ بِصِفَةِ الْمَرَضِ، وَنَحْوِهِ وَمَنْ خَصَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ بِالْأَوَّلِ نَظَرَ إلَى مَحْضِ صِفَةِ الْعِلْمِ. اهـ. (قَوْلُهُ بَيْتًا يَخُصُّهُ) فَلَا يُخْلَطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِأَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمًا يَخْتَصُّ بِهِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ لِيَصْرِفَهُ لِلْآخِرِ) أَيْ لِأَهْلِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: ثُمَّ إذَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ شَيْءٌ رَدَّهُ فِي الْمُسْتَقْرِضِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ مِنْ الصَّدَقَاتِ، أَوْ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَهُمْ فُقَرَاءُ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِلصَّدَقَاتِ بِالْفَقْرِ وَكَذَا فِي غَيْرِهِ إذَا صَرَفَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيُعْطِي بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إلَخْ) الَّذِي فِي الزَّيْلَعِيِّ هَكَذَا، وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَصْرِفَ إلَى كُلِّ مُسْتَحِقٍّ قَدْرَ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَإِنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ حَسِيبًا. اهـ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُسَوِّي فِي الْعَطَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُعْطِيهِمْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْفِقْهِ وَالْفَضْلِ، وَالْأَخْذُ بِهَذَا فِي زَمَانِنَا أَحْسَنُ فَتُعْتَبَرُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ اهـ أَيْ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْأَحْوَجَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ الْأَحْوَجِ، وَكَذَا الْأَفْقَهَ وَالْأَفْضَلَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الْحَاجَةُ فِي الْأَفْقَهِ وَالْأَفْضَلِ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِمَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يُعْطِي مَنْ كَانَ لَهُ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ، مِنْ عِلْمٍ، أَوْ نَسَبٍ أَوْ نَحْوِهِ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ الْمُحِيطِ وَالرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ مِنْ تَفْضِيلٍ وَتَسْوِيَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمِيلَ فِي ذَلِكَ إلَى هَوًى، وَفِيهِ عَنْ الْقُنْيَةِ وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ فِي الْمَنْعِ وَالْإِعْطَاءِ فِي الْحُكْمِ. اهـ.
следующие страницы →