← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21613

حاشية ابن عابدين = رد المحتار - ط الحلبي

ابن عابدين

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَاخْتِيَارِي فِي السَّبِّ أَنْ يُقْتَلَ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْهُمَامِ. قُلْت: وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ رَأَيْت فِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ، أَنَّهُ وَرَدَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِالْعَمَلِ بِقَوْلِ أَئِمَّتُنَا الْقَائِلِينَ بِقَتْلِهِ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ وَبِهِ أَفْتَى ثُمَّ أَفْتَى فِي بَكْرٍ الْيَهُودِيِّ قَالَ لِبِشْرٍ النَّصْرَانِيِّ نَبِيُّكُمْ عِيسَى وَلَدُ زِنًا بِأَنَّهُ يُقْتَلُ ــ [رد المحتار] أَصْوَاتِهِمْ بِكِتَابِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ، وَمِنْ أُصُولِهِمْ يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ أَنَّ مَا لَا قَتْلَ فِيهِ عِنْدَهُمْ مِثْلُ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، وَالْجِمَاعِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ إذَا تَكَرَّرَ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ فَاعِلَهُ، وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ الْمُقَدَّرِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ وَيَحْمِلُونَ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِنْ الْقَتْلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْجَرَائِمِ، عَلَى أَنَّهُ رَأْيُ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ وَيُسَمُّونَهُ الْقَتْلَ سِيَاسَةً. وَكَانَ حَاصِلُهُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ بِالْقَتْلِ فِي الْجَرَائِمِ الَّتِي تَعَظَّمَتْ بِالتَّكْرَارِ، وَشُرِعَ الْقَتْلُ فِي جِنْسِهَا؛ وَلِهَذَا أَفْتَى أَكْثَرُهُمْ بِقَتْلِ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِهِ، وَقَالُوا يُقْتَلُ سِيَاسَةً، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ عَلَى أُصُولِهِمْ. اهـ. فَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا قَتْلُهُ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَأَظْهَرَهُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِهِ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ عِنْدَنَا لَكِنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ مَذْهَبِنَا وَهُوَ ثَبْتٌ فَيُقْبَلُ (قَوْلُهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَا أَصْلَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ اهـ وَرَدَّهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ، بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ النَّقْضِ عَدَمُ الْقَتْلِ، وَقَدْ صَرَّحُوا قَاطِبَةً بِأَنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَدَّبُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ زَجْرًا لِغَيْرِهِ إذْ يَجُوزُ التَّرَقِّي فِي التَّعْزِيرِ إلَى الْقَتْلِ، إذَا عَظُمَ مُوجِبُهُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِنَا عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ عَدَمِ الِانْتِقَاضِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ. اهـ. وَلَيْسَ فِي مَذْهَبِنَا مَا يَنْفِي قَتْلَهُ خُصُوصًا إذَا أَظْهَرَ مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي التَّمَرُّدِ، وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ وَالِاسْتِخْفَافِ وَاسْتَعْلَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ صَارَ مُتَمَرِّدًا عَلَيْهِمْ اهـ وَنَقَلَ الْمَقْدِسِيَّ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ، ثُمَّ قَالَ، وَهُوَ مِمَّا يَمِيلُ إلَيْهِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَالْمُتُونُ، وَالشُّرُوحُ خِلَافُهُ أَقُولُ وَلَنَا أَنْ نُؤَدِّبَ الذِّمِّيَّ تَعْزِيرًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ كَانَ دَمُهُ هَدْرًا. اهـ. قُلْت: لَكِنَّ هَذَا إذَا أَعْلَنَ بِالسَّبِّ وَكَانَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ كَمَا عَلِمْته آنِفًا (قَوْلُهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْهُمَامِ) حَيْثُ قَالَ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ سَبَّهُ ﵊ أَوْ نِسْبَةَ مَا لَا يَنْبَغِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُونَهُ كَنِسْبَةِ الْوَلَدِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ إذَا أَظْهَرَهُ يُقْتَلُ بِهِ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ وَلَكِنْ عُثِرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَكْتُمُهُ فَلَا وَهَذَا لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي التَّمَرُّدِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَكُونُ جَارِيًا عَلَى الْعَقْدِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَاغِرًا ذَلِيلًا إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا الْبَحْثُ مِنَّا يُوجِبُ أَنَّهُ إذَا اسْتَعْلَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ صَارَ مُتَمَرِّدًا عَلَيْهِمْ يَحِلُّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ أَوْ يَرْجِعُ إلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ بَحْثٌ خَالَفَ فِيهِ أَهْلَ الْمَذْهَبِ اهـ وَقَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ إنَّ مَا بَحَثَهُ فِي النَّقْضِ مُسَلَّمٌ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَذْهَبِ وَأَمَّا مَا بَحَثَهُ فِي الْقَتْلِ فَلَا اهـ أَيْ لِمَا عَلِمْته آنِفًا مِنْ جَوَازِ التَّعْزِيرِ بِالْقَتْلِ وَلِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ قَتْلِهِ إذَا أَعْلَنَ بِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا) أَيْ بِالْقَتْلِ لَكِنْ تَعْزِيرًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي الْمَعْرُوضَاتِ أَوْ بِمَا إذَا أَعْلَنَ بِهِ كَمَا يَأْتِي بِخِلَافِ مَا إذَا أُعْثِرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَكْتُمُهُ كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ. (قَوْلُهُ وَبِهِ أَفْتَى) أَيْ أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي الرُّومِ بَلْ أَفْتَى بِهِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إذَا أَكْثَرَ السَّبَّ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ وَمِثْلُهُ مَا إذَا أَعْلَنَ بِهِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْهُمَامِ إذَا أَظْهَرَهُ يُقْتَلُ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُخَالِفًا لِلْمَذْهَبِ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ مُحَرِّرُ الْمَذْهَبِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا إذَا اعْتَادَهُ كَمَا قَيَّدَ بِهِ أَوَّلًا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَلِمَا مَرَّ عَنْ الْعَيْنِيِّ

стр. 2347

لِسَبِّهِ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ بَاشَا فِي أَحَادِيثِهِ الْأَرْبَعِينِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ: يَا عَائِشَةُ لَا تَكُونِي فَاحِشَةً مَا نَصُّهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَنَا إذَا أَعْلَنَ بِشَتْمِهِ ﵊ صَرَّحَ بِهِ فِي سِيَرِ الذَّخِيرَةِ، حَيْثُ قَالَ: وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ لِبَيَانِ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا أَعْلَنَتْ بِشَتْمِ الرَّسُولِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَدِيٍّ لَمَّا سَمِعَ عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ تُؤْذِي الرَّسُولَ فَقَتَلَهَا لَيْلًا مَدَحَهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ» انْتَهَى فَلْيُحْفَظْ (وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِ بَالِغِ تَغْلِبِينَ وَتَغْلَبِيَّةٍ) لَا مِنْ طِفْلِهِمْ إلَّا الْخَرَاجَ (ضِعْفُ زَكَاتِنَا) بِأَحْكَامِهَا (مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) الْمَعْهُودَةُ بَيْنَنَا لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ كَذَلِكَ (وَ) يُؤْخَذُ (مِنْ مَوْلَاهُ) أَيْ مُعْتِقُ التَّغْلِبِيِّ (فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ) وَحَدِيثُ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ ــ [رد المحتار] وَالْمَقْدِسِيِّ، لَكِنْ عَلِمْت تَقْيِيدَهُ بِالْإِعْلَانِ، أَوْ بِمَا فِي الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ (قَوْلُهُ لِسَبِّهِ لِلْأَنْبِيَاءِ) الْمُرَادُ الْجِنْسُ وَإِلَّا فَهُوَ قَدْ سَبَّ نَبِيًّا وَاحِدًا (قَوْلُهُ وَيُؤَيِّدُهُ) أَيْ يُؤَيِّدُهُ قَتْلُ الْكَافِرِ السَّابِّ (قَوْلُهُ فِي أَحَادِيثِهِ) الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَمَا فِي قَوْله مَا نَصُّهُ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِمَعْنَى شَيْءٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ خَبَرُ إنَّ وَنَصُّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى مَنْصُوصِهِ مَرْفُوعٌ، عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ وَالْحَقُّ إلَخْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ إلَى آخِرِهَا أُرِيدَ بِهَا لَفْظُهَا فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ نَصِّهِ وَجُمْلَةُ هَذَا الْمُبْتَدَأِ أَوْ خَبَرِهِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَا الْوَاقِعَةِ مُبْتَدَأً وَجُمْلَةُ مَا وَخَبَرُهَا الْمُقَدَّمُ خَبَرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ وَالْمَعْنَى: أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ شَيْءٌ مَنْصُوصُهُ، وَالْحَقُّ إلَخْ ثَابِتٌ فِي أَحَادِيثِهِ الْأَرْبَعِينِيَّةِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ حَيْثُ قَالَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا أَعْلَنَتْ بِالشَّتْمِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الذِّمِّيِّ الْمَنْهِيّ عَنْ قَتْلِهِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، إذَا أَعْلَنَ بِالشَّتْمِ أَيْضًا، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ سَمِعْت امْرَأَةً مِنْ يَهُودٍ وَهِيَ تَشْتُمُك وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا لَمُحْسِنَةٌ إلَيَّ فَقَتَلْتهَا فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهَا» (قَوْلُهُ تَغْلِبِيٍّ وَتَغْلَبِيَّةٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْأَصْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا مِصْبَاحٌ نِسْبَةً إلَى تَغْلِبَ بْنِ وَائِلِ بْنِ رَبِيعَةَ بِوَزْنِ تَضْرِبُ قَوْمٌ تَنَصَّرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسَكَنُوا بِقُرْبِ الرُّومِ امْتَنَعُوا عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ عَلَى ضِعْفِ زَكَاتِنَا فَهُوَ وَإِنْ كَانَ جِزْيَةً فِي الْمَعْنَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهَا مِنْ وَصْفِ الصَّغَارِ، وَتُقْبَلُ مِنْ النَّائِبِ بَلْ شَرَائِطُ الزَّكَاةِ وَأَسْبَابُهَا وَلِذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَرْأَةِ لِأَهْلِيَّتِهَا لَهَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ إلَّا الْخَرَاجَ) أَيْ خَرَاجَ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ طِفْلِهِمْ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عِبَادَةً بَحْرٌ (قَوْلُهُ ضِعْفُ زَكَاتِنَا) فَيَأْخُذُ السَّاعِي مِنْ غَنَمِهِمْ السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاتَيْنِ، وَمِنْ كُلِّ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ أَرْبَعَ شِيَاهٍ وَعَلَى هَذَا مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ نَهْرٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ وَرَقَبَتِهِمْ كَمَا فِي الأتقاني يَعْنِي إلَّا إذَا مَرُّوا عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ (قَوْلُهُ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ) يَعْنِي أَنَّ مُعْتِقَ التَّغْلِبِيِّ كَمُعْتِقِ الْقُرَشِيِّ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتْبَعُ أَصْلَهُ، حَتَّى تُوضَعَ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ لَمْ يُوضَعَا عَلَى أَصْلِهِمَا تَخْفِيفًا وَالْمُعْتَقُ لَا يَلْحَقُ أَصْلَهُ فِي التَّخْفِيفِ وَلِذَا لَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ مَوْلًى نَصْرَانِيٌّ، وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَحَدِيثُ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنَّ مَا عَلَّلْتُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَقَ لَا يَلْحَقُ أَصْلَهُ فِي التَّخْفِيفِ مُعَارِضٌ لِلنَّصِّ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ لَا يَلْحَقُهُ فِي الْكَفَاءَةِ لِلْهَاشِمِيَّةِ وَلَا فِي الْإِمَامَةِ، وَإِذَا كَانَ عَامًّا مَخْصُوصًا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّةِ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.

стр. 2348

(وَمَصْرِفُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَمَالُ التَّغْلِبِيِّ وَهَدِيَّتُهُمْ لِلْإِمَامِ) وَإِنَّمَا يَقْبَلُهَا إذَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ إنَّ قِتَالَنَا لِلدِّينِ لَا الدُّنْيَا جَوْهَرَةٌ (وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِلَا حَرْبٍ) وَمِنْهُ تَرِكَةُ ذِمِّيٍّ وَمَا أَخَذَهُ عَاشِرٌ مِنْهُمْ ظَهِيرِيَّةٌ (مَصَالِحُنَا) خَبَرُ مَصْرِفٍ (كَسَدِّ ثُغُورٍ وَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ وَجِسْرٍ وَكِفَايَةِ الْعُلَمَاءِ) وَالْمُتَعَلِّمِينَ تَجْنِيسٌ وَبِهِ يَدْخُلُ طَلَبَةُ الْعِلْمِ فَتْحٌ (وَالْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ) كَكَتَبَةِ قُضَاةٍ وَشُهُودِ قِسْمَةٍ وَرُقَبَاءِ سَوَاحِلَ (وَرِزْقِ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ) أَيْ ذَرَارِيِّ مَنْ ذُكِرَ مِسْكِينٌ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْبَحْرِ قَائِلًا: وَهَلْ يُعْطُونَ بَعْدَ مَوْتِ آبَائِهِمْ حَالَةَ الصِّغَرِ؟ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ وَمَصْرِفُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ إلَخْ) قَيَّدَ بِالْخَرَاجِ لِأَنَّ الْعُشْرَ مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَقْبَلُهَا إلَخْ) تَرَكَ قَيْدًا آخَرَ ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدِي لَا يَطْمَعُ فِي إيمَانِهِ لَوْ رُدَّتْ هَدَيْته فَلَوْ طَمِعَ فِي إيمَانِهِ بِالرَّدِّ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِلَا حَرْبٍ) فِيهِ أَنَّ مَا قَبْلَهُ مَأْخُوذٌ بِحَرْبٍ، لَكِنْ فَسَّرَهُ فِي النَّهْرِ بِالْمَأْخُوذِ صُلْحًا عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ قَبْلَ نُزُولِ الْعَسْكَرِ بِسَاحَتِهِمْ (قَوْلُهُ مَصَالِحُنَا) نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ وَلَا يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ نَهْرٌ، وَهُوَ جَمْعُ مَصْلَحَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى الْإِسْلَامِ ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ كَسَدِّ ثُغُورٍ) أَيْ حِفْظِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا إسْلَامٌ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى جَمَاعَةٍ يَحْفَظُونَ الطَّرِيقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ اللُّصُوصِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ وَجِسْرٍ) الْقَنْطَرَةُ مَا بُنِيَ عَلَى الْمَاءِ لِلْعُبُورِ، وَالْجِسْر بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ مَا يُعْبَرُ بِهِ النَّهْرُ وَغَيْرُهُ مَبْنِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَمِثْلُهُ بِنَاءِ مَسْجِدٍ وَحَوْضٍ، وَرِبَاطٍ وَكَرْيِ أَنْهَارٍ عِظَامٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ كَالنِّيلِ وَجَيْحُونَ قُهُسْتَانِيٌّ وَكَذَا النَّفَقَةِ عَلَى الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي زَكَاةِ الْخَانِيَّةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّرْفُ عَلَى إقَامَةِ شَعَائِرِهَا مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَكِفَايَةُ الْعُلَمَاءِ) هُمْ أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يُعَلِّمُ الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ، فَيَشْمَلُ الصَّرْفَ وَالنَّحْوَ وَغَيْرَهُمَا حَمَوِيٌّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ ط. وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْكِفَايَةِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَكَذَا يُشْعِرُ بِاشْتِرَاطِ فَقْرِهِمْ، لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ سُئِلَ عَلِيُّ الرَّازِيّ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ هَلْ لِلْأَغْنِيَاءِ فِيهِ نَصِيبٌ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِلًا أَوْ قَاضِيًا، وَلَيْسَ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ نَصِيبٌ إلَّا فَقِيهٌ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ الْفِقْهَ أَوْ الْقُرْآنَ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَيْ بِأَنْ صَرَفَ غَالِبَ أَوْقَاتِهِ فِي الْعِلْمِ وَلَيْسَ مُرَادُ الرَّازِيّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْعَامِلِ، أَوْ الْقَاضِي، بَلْ أَشَارَ بِهِمَا إلَى كُلِّ مَنْ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُفْتِي وَالْجُنْدِيُّ، فَيَسْتَحِقَّانِ الْكِفَايَةَ مَعَ الْغَنِيِّ اهـ وَذَكَرَ قَبْلَهُ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَتَأَهَّلَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لَكِنْ لِيَعْمَلَ بَعْدَهُ لِلْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ وَالْعُمَّالُ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّهُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ جَمْعُ عَامِلٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَ رَجُلٍ فِي مَالِهِ وَعَمَلِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُذَكِّرُ وَالْوَاعِظُ بِحَقٍّ وَعِلْمٍ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَكَذَا الْوَالِي وَطَالِبُ الْعِلْمِ وَالْمُحْتَسِبُ، وَالْقَاضِي، وَالْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمُ بِلَا أَجْرٍ كَمَا فِي الْمُضْمِرَاتِ (قَوْلُهُ وَشُهُودِ قِسْمَةٍ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَالشُّرَكَاءِ وَاسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَشُهُودِ قِيمَةٍ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى التَّقْوِيمِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِيمَةِ ط (قَوْلُهُ وَرُقَبَاءِ سَوَاحِلَ) جَمْعُ رَقِيبٍ مِنْ رَقَبْته أَرْقُبُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ: أَيْ حَفِظْته وَالسَّوَاحِلُ جَمْعُ سَاحِلٍ، وَهُوَ شَاطِئُ الْبَحْرِ مِصْبَاحٌ فَالْمُرَادُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ السَّوَاحِلَ، وَهُمْ الْمُرَابِطُونَ فِي الثُّغُورِ أَوْ أَعَمُّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَرِزْقِ الْمُقَاتِلَةِ) الرِّزْقُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ الرَّزْقِ بِالْفَتْحِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَامُوسٌ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الرِّزْقُ يُقَالُ لِلْعَطَاءِ الْجَارِي دِينِيًّا كَانَ أَوْ دُنْيَوِيًّا وَلِلنَّصِيبِ وَلِمَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ وَيَتَغَذَّى بِهِ قُهُسْتَانِيٌّ ط (قَوْلُهُ أَيْ ذَرَارِيِّ مَنْ ذُكِرَ إلَخْ) لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَعُمُّ الْكُلَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ وَمُنْلَا مِسْكِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي تُوهِمُ تَخْصِيصَهُمْ بِالْمُقَاتِلَةِ وَبِهِ صَرَّحَ شَارِحُ

стр. 2349

لَمْ أَرَهُ، وَإِلَى هُنَا تَمَّتْ مَصَارِفُ بَيْتِ الْمَالِ ثَلَاثَةٌ، ــ [رد المحتار] الْمَجْمَعِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَتَبِعَهُ فِي الْمِنَحِ دُرٌّ مُنْتَقًى، وَفَسَّرَ الذَّرَارِيَّ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ: مَطْلَبٌ مَنْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ يُعْطَى وَلَدُهُ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ لَمْ أَرَهُ) نَقَلَ الشَّيْخُ عِيسَى السَّفْطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ مَا نَصُّهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ: إنَّ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفُرِضَ لَهُ اسْتِحْقَاقُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِذُرِّيَّتِهِ أَيْضًا تَبَعًا لَهُ، وَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي الْفَتْوَى: عَلَى أَنَّهُ يُفْرَضُ لِذَرَارِيِّ الْعُلَمَاءِ، وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا يَسْقُطُ مَا فُرِضَ لِذَرَارِيِّهِمْ بِمَوْتِهِمْ اهـ ط. قُلْت: لَكِنَّ قَوْلَ الْمُتُونِ الْآتِي: وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ حُرِمَ مِنْ الْعَطَاءِ يُنَافِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى الذَّرَارِيِّ عَطَاءٌ مُسْتَقِلٌّ خَاصٌّ بِالذَّرَارِيِّ لِإِعْطَاءِ الْمَيِّتِ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ تَأَمَّلْ، لَكِنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْحَاوِي لَمْ أَرَهُ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَلَا فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ، وَرَاجَعْت مَوَاضِعَ كَثِيرَةً مِنْ كِتَابِ الْخَرَاجِ فَلَمْ أَرَهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ يُفْرَضُ لِأَوْلَادِهِمْ تَبَعًا وَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْأَصْلِ تَرْغِيبًا اهـ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ: أَنَّ إعْطَاءَهُمْ بِالْأَوْلَى لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِمْ، سِيَّمَا إذَا كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ آبَائِهِمْ. اهـ. مَطْلَبٌ مَنْ لَهُ وَظِيفَةٌ تَوَجَّهَ لِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ عَنْ الْخِزَانَةِ عَنْ مَبْسُوطِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ: إذَا مَاتَ مَنْ لَهُ وَظِيفَةٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ كَأَجْرِ الْإِمَامَةِ وَالتَّأْذِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَلِلْمَيِّتِ أَبْنَاءٌ يُرَاعُونَ وَيُقِيمُونَ حَقَّ الشَّرْعِ وَإِعْزَازَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُرَاعِي وَيُقِيمُ الْأَبُ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ وَظِيفَةَ الْأَبِ لِأَبْنَاءِ الْمَيِّتِ لَا لِغَيْرِهِمْ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الشَّرْعِ، وَانْجِبَارِ كَسْرِ قُلُوبِهِمْ. اهـ. مَطْلَبٌ تَحْقِيقٌ مُهِمٌّ فِي تَوْجِيهِ الْوَظَائِفِ لِلِابْنِ قَالَ الْبِيرِيُّ أَقُولُ: هَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا هُوَ عُرْفُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَمِصْرَ وَالرُّومِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ إبْقَاءِ أَبْنَاءِ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانُوا صِغَارًا عَلَى وَظَائِفِ آبَائِهِمْ مُطْلَقًا مِنْ إمَامَةٍ وَخَطَابَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عُرْفًا مَرْضِيًّا لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ خَلَفِ الْعُلَمَاءِ وَمُسَاعَدَتَهُمْ عَلَى بَذْلِ الْجَهْدِ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَقَدْ أَفْتَى بِجَوَازِ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَكَابِرِ الْفُضَلَاءِ الَّذِينَ يُعَوَّلُ عَلَى إفْتَائِهِمْ. اهـ. قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ هِيَ إحْيَاءُ خَلَفِ الْعُلَمَاءِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، فَإِذَا اتَّبَعَ الِابْنُ طَرِيقَةَ وَالِدِهِ فِي الِاشْتِغَالِ فِي الْعِلْمِ، فَذَلِكَ ظَاهِرٌ. أَمَّا إذَا أَهْمَلَ ذَلِكَ وَاشْتَغَلَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ أَوْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا جَاهِلًا غَافِلًا مُعَطِّلًا لِلْوَظَائِفِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ يُنِيبُ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ، وَيَصْرِفُ بَاقِيَ ذَلِكَ فِي شَهَوَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ وَظَائِفِ الْعُلَمَاءِ، وَتَرْكِهِمْ بِلَا شَيْءٍ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْعِلْمِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ عَامَّةَ أَوْقَافِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْوَظَائِفِ فِي أَيْدِي جَهَلَةٍ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ دِينِهِمْ، وَيَأْكُلُونَ ذَلِكَ بِلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا إنَابَةٍ بِسَبَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِأَنَّ خُبْزَ الْأَبِ

стр. 2350

فَهَذَا مَصْرِفُ جِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ وَمَصْرِفُ زَكَاةٍ وَعُشْرٍ مَرَّ فِي الزَّكَاةِ، وَمَصْرِفُ خُمُسٍ وَرِكَازٍ مَرَّ فِي السِّيَرِ وَبَقِيَ رَابِعٌ وَهُوَ لُقَطَةٌ وَتَرِكَةٌ بِلَا وَارِثٍ، وَدِيَةُ مَقْتُولٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَمَصْرِفُهَا لَقِيطٌ فَقِيرٌ وَفَقِيرٌ بِلَا وَلِيٍّ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ نَوْعٍ بَيْتًا يَخُصُّهُ وَلَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ أَحَدِهَا لِيَصْرِفَهُ لِلْآخِرِ وَيُعْطِي بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْفِقْهِ وَالْفَضْلِ فَإِنْ قَصَّرَ كَانَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَسِيبًا زَيْلَعِيٌّ. وَفِي الْحَاوِي: الْمُرَادُ بِالْحَافِظِ فِي حَدِيثِ «لِحَافِظِ الْقُرْآنِ مِائَتَا دِينَارٍ» - ــ [رد المحتار] لِابْنِهِ، فَيَتَوَارَثُونَ الْوَظَائِفَ أَبًا عَنْ جَدٍّ كُلُّهُمْ جَهَلَةٌ كَالْأَنْعَامِ وَيُكَبِّرُونَ بِذَلِكَ فِرَاهُمْ وَعَمَائِمَهُمْ، وَيَنْصَدِرُونَ فِي الْبَلْدَةِ حَتَّى أَدَّى ذَلِكَ إلَى انْدِرَاسِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ، وَأَكْثَرُهَا صَارَ بُيُوتًا بَاعُوهَا أَوْ بَسَاتِينَ اشْتَغَلُوهَا، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ لَا يَجِدُ لَهُ مَأْوًى يَسْكُنُهُ وَلَا شَيْئًا يَأْكُلُهُ فَيَضْطَرُّ إلَى أَنْ يَتْرُكَ الْعِلْمَ، وَيَكْتَسِبَ وَوَقَعَ فِي زَمَانِنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَكَابِرِ دِمَشْقَ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ أَجْهَلَ مِنْهُ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ فَوُجِّهْت مِنْ وَظَائِفِهِ تَوْلِيَةُ مَسْجِدٍ وَمَدْرَسَةٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَعْلَمِ عُلَمَاءِ دِمَشْقَ فَذَهَبَ وَلَدُهُ وَعَزَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ بِالرِّشْوَةِ، وَفِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ مِنْ الْأَشْبَاهِ إذَا وَلَّى السُّلْطَانُ مُدَرِّسًا لَيْسَ بِأَهْلٍ لَمْ تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ السُّلْطَانُ إذَا أَعْطَى غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فَقَدْ ظَلَمَ مَرَّتَيْنِ بِمَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ اهـ فَفِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الْوَظَائِفِ لِأَبْنَاءِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ ضَيَاعُ الْعِلْمِ، وَالدِّينِ، وَإِعَانَتُهُمْ عَلَى إضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ تَوْجِيهُهَا عَلَى أَهْلِهَا وَنَزْعُهَا مِنْ أَيْدِي غَيْرِ الْأَهْلِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا تُوَجَّهُ عَلَى وَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى طَرِيقَةِ وَالِدِهِ يُعْزَلُ عَنْهَا وَتُوَجَّهُ لِلْأَهْلِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِ إحْيَاءُ مَا أَوْقَفَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ تَضْيِيعُهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِغَرَضِ الشَّرْعِ وَالْوَاقِفِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. (قَوْلُهُ فَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَقَوْلُهُ مَصْرِفُ جِزْيَةٍ، وَخَرَاجٍ أَيْ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا ذُكِرَ مَعَهُمَا (قَوْلُهُ مَرَّ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ (قَوْلُهُ مَرَّ فِي السِّيَرِ) أَيْ فِي فَصْلِ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ (قَوْلُهُ وَبَقِيَ رَابِعٌ) تَقَدَّمَ هَذَا مَعَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَبْلَهُ نَظْمًا لِابْنِ الشِّحْنَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْعُشْرِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَفَقِيرٌ بِلَا وَلِيٍّ) أَيْ لَيْسَ لَهُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: يُعْطُونَ مِنْهُ نَفَقَتَهُمْ وَأَدْوِيَتَهُمْ وَيُكَفَّنُ بِهِ مَوْتَاهُمْ وَيُعْقَلُ بِهِ جِنَايَتُهُمْ. اهـ. [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْأَحْكَامِ: الْعُلَمَاءُ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ بِالْعَمَلِ مَعَ الْغِنَى، وَمِنْ النَّوْعِ الثَّانِي بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَنَحْوِهِمَا، وَمِنْ النَّوْعِ الثَّالِثِ بِأَحَدِ صِفَاتِ مُسْتَحِقِّيهِ، وَمِنْ النَّوْعِ الرَّابِعِ بِصِفَةِ الْمَرَضِ، وَنَحْوِهِ وَمَنْ خَصَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ بِالْأَوَّلِ نَظَرَ إلَى مَحْضِ صِفَةِ الْعِلْمِ. اهـ. (قَوْلُهُ بَيْتًا يَخُصُّهُ) فَلَا يُخْلَطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِأَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمًا يَخْتَصُّ بِهِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ لِيَصْرِفَهُ لِلْآخِرِ) أَيْ لِأَهْلِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: ثُمَّ إذَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ شَيْءٌ رَدَّهُ فِي الْمُسْتَقْرِضِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ مِنْ الصَّدَقَاتِ، أَوْ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَهُمْ فُقَرَاءُ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِلصَّدَقَاتِ بِالْفَقْرِ وَكَذَا فِي غَيْرِهِ إذَا صَرَفَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيُعْطِي بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إلَخْ) الَّذِي فِي الزَّيْلَعِيِّ هَكَذَا، وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَصْرِفَ إلَى كُلِّ مُسْتَحِقٍّ قَدْرَ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَإِنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ حَسِيبًا. اهـ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُسَوِّي فِي الْعَطَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُعْطِيهِمْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْفِقْهِ وَالْفَضْلِ، وَالْأَخْذُ بِهَذَا فِي زَمَانِنَا أَحْسَنُ فَتُعْتَبَرُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ اهـ أَيْ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْأَحْوَجَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ الْأَحْوَجِ، وَكَذَا الْأَفْقَهَ وَالْأَفْضَلَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الْحَاجَةُ فِي الْأَفْقَهِ وَالْأَفْضَلِ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِمَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يُعْطِي مَنْ كَانَ لَهُ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ، مِنْ عِلْمٍ، أَوْ نَسَبٍ أَوْ نَحْوِهِ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ الْمُحِيطِ وَالرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ مِنْ تَفْضِيلٍ وَتَسْوِيَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمِيلَ فِي ذَلِكَ إلَى هَوًى، وَفِيهِ عَنْ الْقُنْيَةِ وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ فِي الْمَنْعِ وَالْإِعْطَاءِ فِي الْحُكْمِ. اهـ.

стр. 2351

هُوَ الْمُفْتِي الْيَوْمَ وَلَا شَيْءَ لِذِمِّيٍّ فِي بَيْتِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ لِضَعْفِهِ فَيُعْطِيَهُ مَا يَسُدُّ جَوْعَتُهُ (وَمَنْ مَاتَ) مِمَّنْ ذُكِرَ (فِي نِصْفِ الْحَوْلِ حَرُمَ مِنْ الْعَطَاءِ) لِأَنَّهُ صِلَةٌ فَلَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَأَهْلُ الْعَطَاءِ فِي زَمَانِنَا الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسُ صَدْرُ شَرِيعَةٍ (وَلَوْ) مَاتَ (فِي آخِرِهِ) أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ كَمَا صَحَّحَهُ أَخِي زَادَهْ (يُسْتَحَبُّ الصَّرْفُ إلَى قَرِيبِهِ) لِأَنَّهُ أَوْفَى تَعَبَهُ فَيُنْدَبُ الْوَفَاءُ لَهُ وَمَنْ تَعَجَّلَهُ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ الْحَوْلِ يَجِبُ رَدُّ مَا بَقِيَ وَقِيلَ لَا كَالنَّفَقَةِ الْمُعَجَّلَةِ زَيْلَعِيٌّ [مَطْلَبٌ فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ] (وَالْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ إذَا كَانَ لَهُمَا وَقْفٌ وَلَمْ يَسْتَوْفِيَا حَتَّى مَاتَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ) لِأَنَّهُ كَالصِّلَةِ (وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَقِيلَ لَا) يَسْقُطُ لِأَنَّهُ كَالْأُجْرَةِ ــ [رد المحتار] قُلْت: وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ الَّذِي خَاطَبَ بِهِ هَارُونَ الرَّشِيدِ حَيْثُ قَالَ: فَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْوُلَاةِ وَالنُّقْصَانُ مِمَّا يَجْرِي عَلَيْهِمْ، فَذَلِكَ إلَيْك مَنْ رَأَيْت أَنْ تَزِيدَهُ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ فِي رِزْقِهِمْ فَزِدْهُ وَمَنْ رَأَيْت أَنْ تَحُطَّ رِزْقَهُ حَطَطْت (قَوْلُهُ هُوَ الْمُفْتَى الْيَوْمُ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحَفِّظُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَ أَحْكَامَهُ ط (قَوْلُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ) أَيْ مِمَّنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَالْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَنَحْوِهِمْ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا قَبْلَ آخِرِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَلَوْ فِي آخِرِهِ ط (قَوْلُهُ حُرِمَ مِنْ الْعَطَاءِ) هُوَ مَا يَثْبُتُ فِي الدِّيوَانِ بِاسْمِ كُلٍّ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ كَالْجَامِكِيِّةِ فِي عُرْفِنَا إلَّا أَنَّهَا شَهْرِيَّةٌ، وَالْعَطَاءُ سَنَوِيٌّ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ صِلَةٌ) وَلِذَا سُمِّيَ عَطَاءً فَلَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يُورَثُ وَيَسْقُطُ بِالْمَوْتِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ فِي زَمَانِنَا) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَفِي الِابْتِدَاءِ كَانَ يُعْطَى كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ ضَرْبُ مَزِيَّةٍ فِي الْإِسْلَامِ كَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (قَوْلُهُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسُ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ مِثْلُ الْقَاضِي، وَالْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ: وَهِيَ أَوْلَى لِشُمُولِهَا نَحْوَ الْمُقَاتِلَةِ. اهـ. ح. قُلْت: وَهِيَ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ) هَذَا مَفْهُومٌ بِالْأُولَى لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُحِبَّ الصَّرْفُ إلَى الْقَرِيبِ قَبْلَ التَّمَامِ فَبَعْدَهُ أَوْلَى (قَوْلُهُ فَيُنْدَبُ الْوَفَاءُ لَهُ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْوَجْهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِأَنَّ حَقَّهُ تَأَكَّدَ بِإِتْمَامِ عَمَلِهِ فِي السَّنَةِ، كَمَا قُلْنَا إنَّهُ يُورَثُ سَهْمُ الْغَازِي بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ حِينَئِذٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِلْكٌ وَقَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَإِنَّمَا خَصَّ نِصْفَ السَّنَةِ لِأَنَّ عِنْدَ آخِرِهَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ إلَى وَرَثَتِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا إلَّا عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِ يَقْتَضِي أَنْ يُعْطِيَ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَامِ اهـ (قَوْلُهُ قِيلَ يَجِبُ إلَخْ) عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ قِيلَ يَجِبُ رَدُّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ، وَقِيلَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ يَرْجِعُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَرْجِعُ هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى امْرَأَةٍ لِيَتَزَوَّجَهَا وَهُمَا يَعْتَبِرَانِهِ بِالْهِبَةِ اهـ وَنُقِلَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ تَصْحِيحُ وُجُوبِ الرَّدِّ عَنْ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَلَكِنِّي لَمْ أَرَهُ فِيهِمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلْيُرَاجَعْ. مَطْلَبٌ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُؤَذِّنُ أَوْ الْإِمَامُ قَبْلَ أَخْذِ وَظِيفَتِهِمَا (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ إلَخْ) حَاصِلُهُ: أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ مِنْ الْوَقْفِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَنَحْوُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ فِي مَعْنَى الصِّلَةِ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ إلَخْ) أَيْ مَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ جَزَمَ فِي الْبُغْيَةِ تَلْخِيصِ الْقُنْيَةِ بِأَنَّهُ يُورَثُ بِخِلَافِ رِزْقِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ. اهـ. قُلْت: وَوَجْهُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلدُّرَرِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ كَالْأُجْرَةِ أَيْ فِيهِ مَعْنَى الْأُجْرَةِ وَمَعْنَى الصِّلَةِ، فَلَيْسَ أُجْرَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَكِنَّ وَجْهَ الْأُجْرَةِ فِيهِ أَرْجَحُ لِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَالتَّعْلِيمِ كَمَا أَفْتَى بِهِ

стр. 2352

وَهَذَا ثَابِتٌ فِي نُسَخِ الشَّرْحِ سَاقِطٌ مِنْ نُسَخِ الْمَتْنِ هُنَا وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ وَقَدْ لَخَّصْنَاهُ فِي الْوَقْفِ. [مَطْلَبٌ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُؤَذِّنُ أَوْ الْإِمَامُ قَبْلَ أَخْذِ وَظِيفَتِهِمَا] بَابُ الْمُرْتَدِّ هُوَ لُغَةً الرَّاجِعُ مُطْلَقًا وَشَرْعًا (الرَّاجِعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَرُكْنُهَا إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ بَعْدَ الْإِيمَانِ) وَهُوَ تَصْدِيقُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا عُلِمَ مَجِيئُهُ ضَرُورَةً وَهَلْ هُوَ فَقَطْ أَوْ هُوَ مَعَ الْإِقْرَارِ؟ قَوْلَانِ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الثَّانِي وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْإِقْرَارُ شَرْطٌ ــ [رد المحتار] الْمُتَأَخِّرُونَ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا وَلَعَلَّ وَجْهَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ تَرْجِيحُ مَعْنَى الصِّلَةِ فِي الْكُلِّ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْأُجْرَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الطَّاعَاتِ، لَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ فَلِذَا جَزَمَ فِي الْبُغْيَةِ بِالْقَوْلِ الثَّانِي، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي كَمَا قَدَّمْنَاهُ قُبَيْلَ فَصْلٍ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ، وَقَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ عَنْ الطَّرَسُوسِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُدَرِّسَ وَنَحْوَهُ إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ، يُعْطَى بِقَدْرِ مَا بَاشَرَ فَقَطْ بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالذُّرِّيَّةِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِمْ ظُهُورُ الْغَلَّةِ فَمَنْ مَاتَ بَعْدَ ظُهُورِهَا اسْتَحَقَّ لَا قَبْلَهُ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَيْضًا عَنْ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُدَرِّسَ الثَّانِيَ يَسْتَحِقُّ الْوَظِيفَةَ مِنْ وَقْتِ تَوْجِيهِ السُّلْطَانِ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ وَالْمُؤَذِّنُ إلَخْ، وَقَدْ نَقَلَهُ فِي الدُّرَرِ عَنْ فَوَائِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ) قَالَ فِيهَا وَفِي فَوَائِدِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ طَاهِرِ بْنِ مَحْمُودٍ قَرْيَةٌ فِيهَا أَرَاضِي الْوَقْفِ عَلَى إمَامِ الْمَسْجِدِ يَصْرِفُ إلَيْهِ غَلَّتَهَا وَقْتَ الْإِدْرَاكِ فَأَخَذَ الْإِمَامُ الْغَلَّةَ وَقْتَ الْإِدْرَاكِ، وَذَهَبَ عَنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ حِصَّةُ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ وَهُوَ نَظِيرُ مَوْتِ الْقَاضِي، وَأَخْذِ الرِّزْقِ وَيَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَكْلُ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ إنْ كَانَ فَقِيرًا وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي طَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي الْمَدَارِسِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [بَابُ الْمُرْتَدِّ] ِّ شُرُوعٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ الطَّارِئِ بَعْدَ بَيَانِ الْأَصْلِيِّ أَيْ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ إيمَانٌ (قَوْلُهُ وَرُكْنُهَا إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ) هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ، وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ بِدُونِهِ كَمَا لَوْ عَرَضَ لَهُ اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ أَوْ نَوَى أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ حِينٍ أَفَادَهُ (قَوْلُهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) خَرَجَ بِهِ الْكَافِرُ إذَا تَلَفَّظَ بِمُكَفِّرٍ، فَلَا يُعْطَى حُكْمَ الْمُرْتَدِّ نَعَمْ قَدْ يُقْتَلُ الْكَافِرُ، وَلَوْ امْرَأَةً إذَا أَعْلَنَ بِشَتْمِهِ ﷺ كَمَا مَرَّ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ (قَوْلُهُ هُوَ تَصْدِيقٌ إلَخْ) مَعْنَى التَّصْدِيقِ قَبُولُ الْقَلْبِ، وَإِذْعَانُهُ لِمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِحَيْثُ تَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ كَالْوَحْدَانِيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهَا. اهـ. ح عَنْ شَرْحِ الْمُسَايَرَةِ (قَوْلُهُ وَهَلْ هُوَ فَقَطْ) أَيْ وَهَلْ الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ فَقَطْ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ وَبِهِ قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ عَنْ شَرْحِ الْمُسَايَرَةِ (قَوْلُهُ أَوْ هُوَ مَعَ الْإِقْرَارِ) قَالَ فِي الْمُسَايَرَةِ: وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَشْهُورٌ عَنْ أَصْحَابِهِ وَبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَقَالَ الْخَوَارِجُ: هُوَ التَّصْدِيقُ مَعَ الطَّاعَةِ، وَلِذَا كَفَّرُوا بِالذَّنْبِ لِانْتِفَاءِ جَزْءِ الْمَاهِيَّةِ وَقَالَ الْكَرَّامِيَّةُ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ فَإِنْ طَابَقَ تَصْدِيقَ الْقَلْبِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ نَاجٍ وَإِلَّا فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ. اهـ. ح قُلْت: وَقَدْ حَقَّقَ فِي الْمُسَايَرَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ مِنْ عَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَيَأْتِي بَيَانُهُ. (قَوْلُهُ وَالْإِقْرَارُ شَرْطٌ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَهُوَ شَطْرٌ لِأَنَّهُ جَزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ، فَلَا يَكُونُ بِدُونِهِ مُؤْمِنًا لَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُدْرِكَ زَمَنًا يَتَمَكَّنُ

стр. 2353

لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَقِدُ مَتَى طُولِبَ بِهِ أَتَى بِهِ فَإِنْ طُولِبَ بِهِ فَلَمْ يُقِرَّ فَهُوَ كُفْرُ عِنَادٍ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي الْفَتْحِ مَنْ هَزَلَ بِلَفْظِ كُفْرٍ ارْتَدَّ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ لِلِاسْتِخْفَافِ فَهُوَ كَكُفْرِ الْعِنَادِ. ــ [رد المحتار] فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ وَإِلَّا فَيَكْفِيهِ التَّصْدِيقُ اتِّفَاقًا كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ (قَوْلُهُ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَخَلْفَهُ وَالدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُطَالَبَةِ بِالْعُشُورِ، وَالزَّكَوَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِقْرَارَ لِهَذَا الْغَرَضِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَانِ، وَالْإِظْهَارِ عَلَى الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْل الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِإِتْمَامِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّكَلُّمِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى غَيْرِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ (قَوْلُهُ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ) أَيْ بَعْدَ اتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْإِقْرَارِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُسَايَرَةِ: وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْإِقْرَارِ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُصَدِّقَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مَتَى طُولِبَ بِهِ أَتَى بِهِ فَإِنْ طُولِبَ بِهِ فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ فَهُوَ أَيْ كَفُّهُ عَنْ الْإِقْرَارِ كُفْرُ عِنَادٍ، وَهَذَا مَا قَالُوا إنَّ تَرْكَ الْعِنَادِ شَرْطٌ وَفَسَّرُوهُ بِهِ أَيْ فَسَّرُوا تَرْكَ الْعِنَادِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مَتَى طُولِبَ بِالْإِقْرَارِ أَتَى بِهِ اهـ بَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ خَالِي الذِّهْنِ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَتَى طُولِبَ بِهِ لَا يَأْتِي بِهِ لَكِنَّهُ عِنْدَ مَا طُولِبَ بِهِ أَتَى بِهِ فَهَلْ يَكْفِي نَظَرًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ أَوْ لَا يَكْفِي نَظَرًا لِاشْتِرَاطِهِمْ الِاعْتِقَادَ السَّابِقَ فَلْيُحَرَّرْ. اهـ. ح. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاشْتِرَاطِ الْمَذْكُورِ نَفْيُ اعْتِقَادِ عَدَمِهِ أَيْ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَتَى طُولِبَ بِهِ لَا يُقِرُّ، وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَشَرْحِ التَّحْرِيرِ مَا يُفِيدُهُ وَنَصُّهُ: ثُمَّ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ قَادِرًا، وَتَرَكَ التَّكَلُّمَ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِبَاءِ إذْ الْعَاجِزُ كَالْأَخْرَسِ مُؤْمِنٌ اتِّفَاقًا وَالْمُصِرُّ عَلَى عَدَمِ الْإِقْرَارِ مَعَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ كَافِرٌ وِفَاقًا لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ أَمَارَاتِ عَدَمِ التَّصْدِيقِ وَلِهَذَا أَطْبَقُوا عَلَى كُفْرِ أَبِي طَالِبٍ فَظَهَرَ أَنَّ خَالِي الذِّهْنِ لَوْ أَتَى بِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ مُؤْمِنٌ لِعَدَمِ الْإِصْرَارِ عَلَى عَدَمِ الْإِقْرَارِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ الْإِتْيَانِ بِهِ عِنْدَهَا لَيْسَ مُؤْمِنًا فَلَوْ أَتَى بِهِ عِنْدَهَا كَانَ ذَلِكَ إيمَانًا مُسْتَأْنَفًا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ مَنْ هَزَلَ بِلَفْظِ كُفْرٍ) أَيْ تَكَلَّمَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ غَيْرَ قَاصِدٍ مَعْنَاهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ فَقَطْ أَوْ مَعَ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَقِيقَةً لَكِنَّهُ زَائِلٌ حُكْمًا لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ بَعْضَ الْمَعَاصِي أَمَارَةً عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ كَالْهَزْلِ الْمَذْكُورِ، وَكَمَا لَوْ سَجَدَ لِصَنَمٍ أَوْ وَضَعَ مُصْحَفًا فِي قَاذُورَةٍ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّكْذِيبِ، كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِلِاسْتِخْفَافِ، فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ وَاسْتِهَانَةٌ بِالدِّينِ فَهُوَ أَمَارَةُ عَدَمِ التَّصْدِيقِ وَلِذَا قَالَ فِي الْمُسَايَرَةِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ضُمَّ إلَى التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ، أَوْ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فِي تَحْقِيقِ الْإِيمَانِ أُمُورٌ الْإِخْلَالُ بِهَا إخْلَالٌ بِالْإِيمَانِ اتِّفَاقًا، كَتَرْكِ السُّجُودِ لِصَنَمٍ، وَقَتْلِ نَبِيٍّ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ، وَبِالْمُصْحَفِ وَالْكَعْبَةِ. وَكَذَا مُخَالَفَةُ أَوْ إنْكَارُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ مَفْقُودٌ، ثُمَّ حَقَّقَ أَنَّ عَدَمَ الْإِخْلَالِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَحَدُ أَجْزَاءِ مَفْهُومِ الْإِيمَانِ فَهُوَ حِينَئِذٍ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ وَعَدَمُ الْإِخْلَالِ بِمَا ذُكِرَ بِدَلِيلِ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأُمُورِ، تَكُونُ مَعَ تَحَقُّقِ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ، ثُمَّ قَالَ وَلِاعْتِبَارِ التَّعْظِيمِ الْمُنَافِي لِلِاسْتِخْفَافِ كَفَرَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ، وَأَفْعَالٍ تَصْدُرُ مِنْ الْمُنْتَهِكِينَ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ كَالصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ عَمْدًا بَلْ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَرْكِ سُنَّةٍ اسْتِخْفَافًا بِهَا بِسَبَبِ أَنَّهُ فَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ زِيَادَةً أَوْ اسْتِقْبَاحُهَا كَمَنْ اسْتَقْبَحَ مِنْ آخَرَ جَعْلَ بَعْضِ الْعِمَامَةِ تَحْتَ حَلْقِهِ أَوْ إحْفَاءَ شَارِبِهِ اهـ. قُلْت: وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ دَلِيلَ الِاسْتِخْفَافِ يَكْفُرُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِخْفَافَ لِأَنَّهُ لَوْ تُوُقِّفَ عَلَى قَصْدِهِ لَمَا احْتَاجَ إلَى زِيَادَةِ عَدَمِ الْإِخْلَالِ بِمَا مَرَّ لِأَنَّ قَصْدَ الِاسْتِخْفَافِ مُنَافٍ لِلتَّصْدِيقِ (قَوْلُهُ فَهُوَ كَكُفْرِ الْعِنَادِ) أَيْ كَكُفْرِ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَامْتَنَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عِنَادًا وَمُخَالَفَةً فَإِنَّهُ أَمَارَةُ عَدَمِ التَّصْدِيقِ وَإِنْ قُلْنَا

стр. 2354

وَالْكُفْرُ لُغَةً: السِّتْرُ. وَشَرْعًا: تَكْذِيبُهُ ﷺ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً وَأَلْفَاظُهُ تُعْرَفُ فِي الْفَتَاوَى، بَلْ أُفْرِدَتْ بِالتَّآلِيفِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِالْكُفْرِ بِشَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِيمَا اتَّفَقَ الْمَشَايِخُ عَلَيْهِ كَمَا سَيَجِيءُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ أَلْزَمْت نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا.. ــ [رد المحتار] إنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ رُكْنًا (قَوْلُهُ وَالْكُفْرُ لُغَةً السِّتْرُ) وَمِنْهُ سُمِّيَ الْفَلَّاحُ كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْبَذْرَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْهُ كُفْرُ النِّعْمَةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ سَتَرَ مَا وَجَبَ إظْهَارُهُ. (قَوْلُهُ تَكْذِيبُهُ ﷺ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالتَّكْذِيبِ عَدَمُ التَّصْدِيقِ الَّذِي مَرَّ أَيْ عَدَمُ الْإِذْعَانِ وَالْقَبُولِ، لِمَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ ﷺ ضَرُورَةً، أَيْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي كَذَا لِأَنَّ مُجَرَّدَ نِسْبَةِ الْكَذِبِ إلَيْهِ ﷺ كُفْرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَخْصِيصُ الْكُفْرِ بِجَحْدِ الضَّرُورِيِّ فَقَطْ، مَعَ أَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَنَا ثُبُوتُهُ عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا، بَلْ قَدْ يَكُونُ اسْتِخْفَافًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَمَا مَرَّ، وَلِذَا ذَكَرَ فِي الْمُسَايَرَةِ أَنَّ مَا يَنْفِي الِاسْتِسْلَامَ أَوْ يُوجِبُ التَّكْذِيبَ، فَهُوَ كُفْرٌ فَمَا يَنْفِي الِاسْتِسْلَامَ كُلُّ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَيْ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ، وَمَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنْ قَتْلِ نَبِيٍّ إذْ الِاسْتِخْفَافُ فِيهِ أَظْهَرُ وَمَا يُوجِبُ التَّكْذِيبَ جَحْدُ كُلِّ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ادِّعَاؤُهُ ضَرُورَةً، وَأَمَّا مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الضَّرُورَةِ كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ الْإِكْفَارَ بِجَحْدِهِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْرِطُوا سِوَى الْقَطْعِ فِي الثُّبُوتِ وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذْ عَلِمَ الْمُنْكِرُ ثُبُوتَهُ قَطْعًا لِأَنَّ مَنَاطَ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ التَّكْذِيبُ أَوْ الِاسْتِخْفَافُ عِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا إلَّا أَنْ يَذْكُرَ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ذَلِكَ فَيَلِجُّ اهـ مَطْلَبٌ فِي مُنْكِرِ الْإِجْمَاعِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَمِثْلُهُ مَا فِي نُورِ الْعَيْنِ عَنْ شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ، أَنَّ مُخَالِفَ الْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْإِجْمَاعِيَّةَ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الْخَمْسِ، وَقَدْ لَا يَصْحَبُهَا فَالْأَوَّلُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاتُرَ لَا لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ. اهـ. ثُمَّ نَقَلَ فِي نُورِ الْعَيْنِ عَنْ رِسَالَةِ الْفَاضِلِ الشَّهِيرِ حُسَامِ جَلْبِي مِنْ عُظَمَاءِ عُلَمَاءِ السُّلْطَانِ سَلِيمِ بْنِ بَايَزِيدْخَانْ مَا نَصُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْآيَةُ أَوْ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا، أَوْ كَانَ قَطْعِيًّا لَكِنْ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ إجْمَاعَ الْجَمِيعِ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ إجْمَاعَ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ أَوْ كَانَ إجْمَاعَ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا بِأَنْ لَمْ يَثْبُتْ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ أَوْ كَانَ قَطْعِيًّا لَكِنْ كَانَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا فَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَكُونُ الْجُحُودُ كُفْرًا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ فَاحْفَظْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ يَنْفَعُك فِي اسْتِخْرَاجِ فُرُوعِهِ حَتَّى تَعْرِفَ مِنْهُ صِحَّةَ مَا قِيلَ، إنَّهُ يَلْزَمُ الْكُفْرُ فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَلَا يَلْزَمُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. اهـ. [تَنْبِيهٌ] فِي الْبَحْرِ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ الْحَرَامَ حَلَالًا فَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِغَيْرِهِ كَمَالِ الْغَيْرِ لَا يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ لِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ قَطْعِيًّا كَفَرَ، وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ التَّفْصِيلُ فِي الْعَالِمِ أَمَّا الْجَاهِلُ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ وَلِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا الْفَرْقُ فِي حَقِّهِ أَنَّ مَا كَانَ قَطْعِيًّا كَفَرَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا فَيَكْفُرُ إذَا قَالَ الْخَمْرُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ بَلْ أُفْرِدَتْ بِالتَّآلِيفِ) مِنْ أَحْسَنِ مَا أُلِّفَ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ نُورِ الْعَيْنِ، وَهُوَ تَأْلِيفٌ مُسْتَقِلٌّ وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ الْإِعْلَامِ فِي قَوَاطِعِ الْإِسْلَامِ لِابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ ذَكَرَ فِيهِ الْمُكَفِّرَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَحَقَّقَ فِيهِ الْمَقَامَ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ جُمْلَةً مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ. مَطْلَبٌ مَا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ رِدَّةٌ لَا يَحْكُمُ بِهَا (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا

стр. 2355

(وَشَرَائِطُ صِحَّتِهَا الْعَقْلُ) وَالصَّحْوُ (وَالطَّوْعُ) فَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ مَجْنُونٍ، وَمَعْتُوهٍ وَمُوَسْوِسٍ، وَصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ وَسَكْرَانَ وَمُكْرَهٍ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْبُلُوغُ وَالذُّكُورَةُ فَلَيْسَا بِشَرْطٍ بَدَائِعُ. وَفِي الْأَشْبَاهِ لَا تَصِحُّ رِدَّةُ السَّكْرَانِ إلَّا الرِّدَّةَ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ ــ [رد المحتار] لَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنْ الْإِيمَانِ إلَّا جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ ثُمَّ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ يُحْكَمُ بِهَا وَمَا يَشُكُّ أَنَّهُ رِدَّةٌ لَا يُحْكَمُ بِهَا إذْ الْإِسْلَامُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا أَنْ لَا يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّهُ يَقْضِي بِصِحَّةِ إسْلَامِ الْمُكْرَهِ. أَقُولُ: قَدَّمْت هَذَا لِيَصِيرَ مِيزَانًا فِيمَا نَقَلْته فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِهَا إنَّهُ كُفْرٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ عَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ فَلَا أَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا مَتَى وَجَدْت رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ اهـ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا: إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ زَادَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَّا إذَا صَرَّحَ بِإِرَادَةِ مُوجِبِ الْكُفْرِ فَلَا يَنْفَعُهُ التَّأْوِيلُ ح وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَا يَكْفُرُ بِالْمُحْتَمَلِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَيَسْتَدْعِي نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا نِهَايَةَ اهـ وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِكُفْرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلَافٌ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً فَعَلَى هَذَا فَأَكْثَرُ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُفْتَى بِالتَّكْفِيرِ فِيهَا وَلَقَدْ أَلْزَمْت نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا اهـ كَلَامُ الْبَحْرِ بِاخْتِصَارٍ (قَوْلُهُ وَالطَّوْعُ) أَيْ الِاخْتِيَارُ احْتِرَازًا عَنْ الْإِكْرَاهِ وَدَخَلَ فِيهِ الْهَازِلُ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُسْتَخِفًّا لِتَعَمُّدِهِ التَّلَفُّظَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ: إذَا أَطْلَقَ الرَّجُلُ كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَمْدًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ الْكُفْرَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْكُفْرَ يَتَعَلَّقُ بِالضَّمِيرِ وَلَمْ يَعْقِدْ الضَّمِيرَ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْفُرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي لِأَنَّهُ اسْتَخَفَّ بِدِينِهِ. اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لِلْكُفْرِ هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا كَفَرَ عِنْدَ الْكُلِّ وَلَا اعْتِبَارَ بِاعْتِقَادِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا لَا يَكْفُرُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا عَامِدًا عَالِمًا كَفَرَ عِنْدَ الْكُلِّ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا اخْتِيَارًا جَاهِلًا بِأَنَّهَا كُفْرٌ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَعْتُوهٍ) عَزَاهُ فِي النَّهْرِ إلَى السِّرَاجِ، وَهُوَ النَّاقِصُ الْعَقْلِ وَقِيلَ الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي إحْكَامَاتِ الْأَشْبَاهِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فَتَصِحُّ الْعِبَادَاتُ مِنْهُ وَلَا تَجِبُ، وَقِيلَ: هُوَ كَالْمَجْنُونِ وَقِيلَ كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ. اهـ. قُلْت: وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ لَكِنَّهُ لَا يُقْتَلُ كَمَا هُوَ حُكْمُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الْخَانِيَّةِ قَالَ: وَأَمَّا رِدَّةُ الْمَعْتُوهِ فَلَمْ تُذْكَرْ فِي الْكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا هُوَ فِي حُكْمِ الرِّدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمُوَسْوِسٍ) بِالْكَسْرِ وَلَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ وَلَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ أَوْ إلَيْهِ أَيْ تُلْقَى إلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ، وَقَالَ اللَّيْثُ: الْوَسْوَسَةُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا قِيلَ مُوَسْوِسٌ لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ وَعَنْ اللَّيْثِ لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ قَالَ: يَعْنِي الْمَغْلُوبَ فِي عَقْلِهِ، وَعَنْ الْحَاكِمِ هُوَ الْمُصَابُ فِي عَقْلِهِ إذَا تَكَلَّمَ يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ نِظَامٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ (قَوْلُهُ وَصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ) قُدِّرَ عَقْلُهُ فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ بِأَنْ يَبْلُغَ سَبْعَ سِنِينَ نَهْرٌ وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ (قَوْلُهُ وَسَكْرَانُ) أَيْ وَلَوْ مِنْ مُحَرَّمٍ لِمَا فِي إحْكَامَاتِ الْأَشْبَاهِ أَنَّ السَّكْرَانَ مِنْ مُحَرَّمٍ كَالصَّاحِي إلَّا فِي ثَلَاثٍ: الرِّدَّةُ، وَالْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ، وَالْإِشْهَادُ عَلَى شَهَادَةِ نَفْسِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَمُكْرَهٍ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الرِّدَّةِ وَالْمُرَادُ الْإِكْرَاهُ بِمُلْجِئٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوْ ضَرْبٍ مُبَرِّحٍ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَا أُمِرَ بِهِ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَا تَبِينُ زَوْجَتُهُ اسْتِحْسَانًا كَمَا سَيَجِيءُ فِي بَابِهِ (قَوْلُهُ فَلَيْسَا بِشَرْطٍ) هَذَا فِي الذُّكُورَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا فِي الْبُلُوغِ فَعِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا يَأْتِي

стр. 2356

فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ (مَنْ ارْتَدَّ عَرَضَ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ اسْتِحْبَابًا) عَلَى الْمَذْهَبِ لِبُلُوغِهِ الدَّعْوَةَ (وَتُكْشَفُ شُبْهَتُهُ) بَيَانٌ لِثَمَرَةِ الْعَرْضِ (وَيُحْبَسُ) وُجُوبًا وَقِيلَ نَدْبًا (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا خَانِيَّةٌ (إنْ اسْتَمْهَلَ) أَيْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ وَإِلَّا قَتَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ إلَّا إذَا رُجِيَ إسْلَامُهُ بَدَائِعُ وَكَذَا؛ لَوْ ارْتَدَّ ثَانِيًا لَكِنَّهُ يُضْرَبُ، وَفِي الثَّالِثَةِ يُحْبَسُ أَيْضًا حَتَّى تَظْهَرَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ، فَإِنْ عَادَ فَكَذَلِكَ تَتَارْخَانِيَّةٌ. قُلْت: لَكِنْ نَقَلَ فِي الزَّوَاجِرِ عَنْ آخِرِ حُدُودِ الْخَانِيَّةِ ــ [رد المحتار] آخِرَ الْبَابِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ) قَيَّدَهُ فِي الْبَحْرِ بِمَا إذَا كَانَ سُكْرُهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ بَاشَرَهُ مُخْتَارًا بِلَا إكْرَاهٍ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ. اهـ. ح. قُلْت: وَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَيْ إنْ تَابَ سَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ . (قَوْلُهُ مَنْ ارْتَدَّ) أَيْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَلَوْ أَنَّ الْيَهُودِيَّ تَنَصَّرَ أَوْ تَمَجَّسَ أَوْ النَّصْرَانِيَّ تَهَوَّدَ أَوْ تَمَجَّسَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْعَوْدِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ وَغَيْرِهِ دُرٌّ مُنْتَقًى وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ الْحَاكِمُ) أَيْ الْإِمَامُ أَوْ الْقَاضِي بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِبُلُوغِهِ الدَّعْوَةَ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَالدَّعْوَةُ فَاعِلٌ. اهـ. ح. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ وَدَعْوَةُ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَى غَيْرُ وَاجِبَةٍ (قَوْلُهُ بَيَانٌ لِثَمَرَةِ الْعَرْضِ) الظَّاهِرُ أَنَّ ثَمَرَةَ الْعَرْضِ الْإِسْلَامُ وَالنَّجَاةُ مِنْ الْقَتْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ ثَمَرَةُ التَّأْجِيلِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّ مَنْ انْتَقَلَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا بُدَّ لَهُ غَالِبًا مِنْ شُبْهَةٍ فَتُكْشَفُ لَهُ إنْ أَبْدَاهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ نَدْبًا) أَيْ وَإِنْ اسْتَمْهَلَ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ بِدُونِ اسْتِمْهَالٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ إنْ اسْتَمْهَلَ) أَيْ بَعْدَ الْعَرْضِ لِلتَّفَكُّرِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِلَّا قَتَلَهُ) أَيْ بَعْدَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَكَشْفِ شُبْهَتِهِ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا رُجِيَ إسْلَامُهُ) أَيْ فَإِنَّهُ يُمْهَلُ، وَهَلْ هُوَ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ يُضْرَبُ إلَخْ) أَيْ إذَا ارْتَدَّ ثَانِيًا ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ الْإِمَامُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَإِنْ ارْتَدَّ ثَالِثًا ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَحَبَسَهُ حَتَّى تَظْهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ التَّوْبَةِ وَيَرَى أَنَّهُ مُخْلِصٌ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَإِنْ عَادَ فَعَلَ بِهِ هَكَذَا بَحْرٌ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة. وَفِي الْفَتْحِ: فَإِنْ ارْتَدَّ بَعْدَ إسْلَامِهِ ثَانِيًا قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ أَيْضًا وَكَذَا ثَالِثًا وَرَابِعًا، إلَّا أَنَّ الْكَرْخِيَّ قَالَ: فَإِنْ عَادَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ فِي الْحَالِ وَلَا يُؤَجَّلُ، فَإِنْ تَابَ ضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدُّ ثُمَّ يَحْبِسُهُ وَلَا يُخْرِجُهُ حَتَّى يَرَى عَلَيْهِ خُشُوعَ التَّوْبَةِ وَحَالَ الْمُخْلِصِ فَحِينَئِذٍ يُخَلِّي سَبِيلَهُ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِ كَذَلِكَ أَبَدًا مَا دَامَ يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا إنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ أَبَدًا، وَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ مَرْوِيٌّ فِي النَّوَادِرِ. قَالَ إذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا ثُمَّ يُحْبَسُ إلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَرُجُوعُهُ اهـ وَذَلِكَ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ٥]- الْآيَةُ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ كَالزِّنْدِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَاللَّيْثِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا يُقْتَلُ غِيلَةً، وَفَسَّرَهُ بِأَنْ يَنْتَظِرَ فَإِذَا أَظْهَرَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَتَابَ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ الِاسْتِخْفَافُ اهـ بِاخْتِصَارٍ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ وَكَذَا ثَالِثًا وَرَابِعًا أَنَّهُ لَوْ اُسْتُمْهِلَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ يُؤَجَّلُ وَلَا يُحْبَسُ بَعْدَ التَّوْبَةِ. وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ لَا يُؤَجَّلُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ بَلْ يُقْتَلُ إلَّا إنْ تَابَ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ يُقْتَلُ وَلَا تَوْبَةَ لَهُ مِثْلُ الزِّنْدِيقِ (قَوْلُهُ عَنْ آخِرِ حُدُودِ الْخَانِيَّةِ) وَنَصُّهُ: وَحُكِيَ أَنَّهُ كَانَ بِبَغْدَادَ نَصْرَانِيَّانِ مُرْتَدَّانِ إذَا أُخِذَا تَابَا وَإِذَا تُرِكَا عَادَا إلَى الرِّدَّةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيّ يُقْتَلَانِ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمَا. اهـ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَلْخِيّ اخْتَارَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا يَصِحُّ بِنَاؤُهُ عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ الْمَارَّةِ عَنْ الْفَتْحِ كَمَا لَا يَخْفَى

стр. 2357

مَعْزِيًّا لِلْبَلْخِيِّ مَا يُفِيدُ قَتْلَهُ بِلَا تَوْبَةٍ فَتَنَبَّهْ (فَإِنْ أَسْلَمَ) فِيهَا (وَإِلَّا قُتِلَ) لِحَدِيثِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (وَإِسْلَامُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ) سِوَى الْإِسْلَامِ (أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ) بَعْدَ نُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ؛ وَلَوْ أَتَى بِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَتَبَرَّأْ بَزَّازِيَّةٌ (وَكُرِهَ) تَنْزِيهًا لِمَا مَرَّ (قَتْلُهُ قَبْلَ الْعَرْضِ بِلَا ضَمَانٍ) لِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِلدَّمِ، قُيِّدَ بِإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ الْكُفَّارَ أَصْنَافٌ خَمْسَةٌ: مَنْ يُنْكِرُ الصَّانِعَ كَالدَّهْرِيَّةِ، وَمَنْ يُنْكِرُ الْوَحْدَانِيَّةَ كَالثَّنَوِيَّةِ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهِمَا لَكِنْ يُنْكِرُ بَعْثَةَ الرُّسُلِ كَالْفَلَاسِفَةِ، وَمَنْ يُنْكِرُ الْكُلَّ كَالْوَثَنِيَّةِ، وَمَنْ يُقِرُّ بِالْكُلِّ لَكِنْ يُنْكِرُ عُمُومَ رِسَالَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ ــ [رد المحتار] فَافْهَمْ (قَوْلُهُ بِلَا تَوْبَةٍ) أَيْ بِلَا قَبُولِ تَوْبَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا قُتِلَ) أَيْ وَلَوْ عَبْدًا فَيُقْتَلُ وَإِنْ تَضَمَّنَ قَتْلُهُ إبْطَالَ حَقِّ الْمَوْلَى، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ لِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ فَتْحٌ. قَالَ فِي الْمِنَحِ: وَأُطْلِقَ فَشَمَلَ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ، لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ أَدَّبَهُ الْإِمَامُ. اهـ. وَسَيَأْتِي مَتْنًا وَشَرْحًا اسْتِثْنَاءُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ لَا يُقْتَلُونَ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ إلَخْ) رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ بَعْدَ نُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، وَعَزَاهُ الْقُهُسْتَانِيُّ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِمَا وَقَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَكِنْ مُقْتَضَى مَا فِي الْفَتْحِ عَدَمُ اعْتِمَادِهِ، لِأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلَ وَكَأَنَّهُ تَابَعَ ظَاهِرَ الْمُتُونِ، وَهُوَ مُفَادُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ إنْكَارَهُ الرِّدَّةَ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ. وَقَدْ يُوَفَّقُ بِحَمْلِ مَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ عَلَى الْإِسْلَامِ الْمُنَجِّي فِي الدُّنْيَا عَنْ الْقَتْلِ. وَمَا فِي الشُّرُوحِ مِنْ اشْتِرَاطِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِسْلَامِ الْحَقِيقِيِّ النَّافِعِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَأَمَّلْ. وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مُسْتَحَبٌّ (قَوْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ) أَيْ بِدُونِ التَّبَرِّي. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَفَادَ بِاشْتِرَاطِ التَّبَرِّي أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَالَ إذْ لَا يَرْتَفِعُ بِهِمَا كُفْرُهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. اهـ. قُلْت: وَظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ التَّبَرِّي وَإِنْ لَمْ يَنْتَحِلْ دِينًا آخَرَ بِأَنْ كَانَ كُفْرُهُ بِمُجَرَّدِ كَلِمَةِ رِدَّةٍ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، وَأَنَّ اشْتِرَاطَ التَّبَرِّي فِيمَنْ انْتَحَلَ دِينًا آخَرَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَيَكْفِيهِ التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مُخْلِصًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَذْكُرُهُ فِي إسْلَامِ الْعِيسَوِيَّةِ . (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْعَرْضَ مُسْتَحَبٌّ وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى ط (قَوْلُهُ قَيَّدَ بِإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَإِسْلَامُهُ. مَطْلَبٌ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ خَمْسَةُ أَصْنَافٍ، وَمَا يُشْتَرَطُ فِي إسْلَامِهِمْ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْكُفَّارَ) أَيْ بِكُفْرٍ أَصْلِيٍّ وَالْمُرْتَدُّ كُفْرُهُ عَارِضٌ (قَوْلُهُ كَالدُّهْرِيَّةِ) بِضَمِّ الدَّالِ نِسْبَةً إلَى الدَّهْرِ بِفَتْحِهَا، سُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ - ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]- (قَوْلُهُ كَالثَّنَوِيَّةِ) وَهُمْ الْمَجُوسُ الْقَائِلُونَ بِإِلَهَيْنِ أَوْ كَالْمَجُوسِ كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي حَقَّقَهُ ابْنُ كَمَالِ بَاشَا نَقْلًا عَنْ الْآمِدِيِّ مَعَ مُشَارَكَةِ الْكُلِّ فِي اعْتِقَادِ أَنَّ أَصْلَ الْعَالَمِ النُّورُ وَالظُّلْمَةُ: أَيْ النُّورُ الْمُسَمَّى يَزْدَانُ، وَشَأْنُهُ خَلْقُ الْخَيْرِ. وَالظُّلْمَةُ الْمُسَمَّاةُ أَهْرَمَنْ وَشَأْنُهَا خَلْقُ الشَّرِّ (قَوْلُهُ كَالْفَلَاسِفَةِ) أَيْ قَوْمٍ مِنْهُمْ كَمَا فِي النَّهْرِ، وَإِلَّا فَجُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ يُثْبِتُونَ الرُّسُلَ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ لِقَوْلِهِمْ بِالْإِيجَابِ اهـ ح أَيْ بِاللُّزُومِ وَالتَّوْلِيدِ لَا بِالِاخْتِيَارِ لِإِنْكَارِهِمْ كَوْنَهُ تَعَالَى مُخْتَارًا، وَيُنْكِرُونَ كَوْنَهَا بِنُزُولِ الْمَلَكِ مِنْ السَّمَاءِ وَكَثِيرًا مِمَّا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الْأَنْبِيَاءِ كَحَشْرِ الْأَجْسَادِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ وَإِنْ أَثْبَتُوا الرُّسُلَ لَكِنْ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُسَايَرَةِ فَصَارَ إثْبَاتُهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَعَلَيْهِ فَيَصِحُّ إطْلَاقُ الشَّارِحِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَالْوَثَنِيَّةِ) فِيهِ أَنَّ الْوَثَنِيَّةَ لَا يُنْكِرُونَ الصَّانِعَ تَعَالَى كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ فَفِي شَرْحِ السِّيَرِ: وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]-

стр. 2358

كَالْعِيسَوِيَّةِ، فَيَكْتَفِي فِي الْأَوَّلَيْنِ بِقَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَفِي الثَّالِثِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَفِي الرَّابِعِ بِأَحَدِهِمَا، وَفِي الْخَامِسِ بِهِمَا مَعَ التَّبَرِّي عَنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ بَدَائِعُ وَآخِرُ كَرَاهِيَةِ الدُّرَرِ، ــ [رد المحتار] وَلَكِنْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى - ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]- اهـ وَهَذَا زَادَهُ فِي الدُّرَرِ عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ أَدْخَلَهُ فِي الثَّنَوِيَّةِ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى مَعْبُودًا ثَانِيًا وَهُوَ أَصْنَامُهُمْ فَهُمْ مُنْكِرُونَ لِلْوَحْدَانِيَّةِ كَالْمَجُوسِ وَحُكْمُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَاحِدٌ كَمَا تَعْرِفُهُ (قَوْلُهُ كَالْعِيسَوِيَّةِ) هُمْ قَوْمٌ مِنْ الْيَهُودِ يُنْسَبُونَ إلَى عِيسَى الْأَصْفَهَانِيِّ الْيَهُودِيِّ ح. قُلْت: وَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ: وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَالرِّسَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عُمُومَ رِسَالَةِ رَسُولِنَا ﷺ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ النَّصَارَى بَلْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِي الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُمْ الْعِيسَوِيَّةُ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَيَكْتَفِي فِي الْأَوَّلَيْنِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْبَدَائِعِ: فَإِنْ كَانَ مِنْ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَمْتَنِعُونَ عَنْ الشَّهَادَةِ أَصْلًا، فَإِذَا أَقَرُّوا بِهَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ إيمَانِهِمْ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ فَكَانَ الْإِتْيَانُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَيَّتَهُمَا كَانَتْ دَلَالَةَ الْإِيمَانِ اهـ أَيْ وَيَلْزَمُ مِنْ الْإِيمَانِ بِإِحْدَاهُمَا الْإِيمَانُ بِالْأُخْرَى وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الثَّنَوِيَّةَ يُنْكِرُونَ الرِّسَالَةَ فَهُمْ كَالْوَثَنِيَّةِ، فَيَكْتَفِي فِي الْكُلِّ بِإِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ فَقَالَ: إنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ وَالْمُشْرِكَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْمُنْكِرَ لِلْوَحْدَانِيَّةِ كَالثَّنَوِيَّةِ إذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ قَالَ أَسْلَمْنَا أَوْ آمَنَّا بِاَللَّهِ اهـ وَذَكَرَ قَبْلَهُ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَقَرَّ بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُسَايَرَةِ لِابْنِ أَبِي شَرِيفٍ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَكْتَفِي الثَّنَوِيُّ وَالْوَثَنِيُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِدُونِ تَبَرِّي فَهُوَ عَلَى مَذْهَبِهِ، أَوْ الْمُرَادُ بِهِ إحْدَاهُمَا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَفِي الثَّالِثِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ) فَلَوْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرُ الرِّسَالَةِ وَلَا يَمْتَنِعُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ يُمْتَنَعُ عَنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِهَا دَلِيلَ الْإِيمَانِ بَدَائِعُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالثَّانِيَةِ يَكْفِيهِ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِ (قَوْلُهُ وَفِي الرَّابِعِ بِأَحَدِهِمَا) عَلَّلَهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَبِأَيِّهِمَا شَهِدَ دَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ اهـ وَهَذَا التَّعْلِيلُ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَبِهِ صَرَّحَ أَيْضًا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَزَادَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ فَهُوَ مُسْلِمٌ لِأَنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ لَا يَدَّعُونَ هَذَا الْوَصْفَ لِأَنْفُسِهِمْ بَلْ يَبْرَءُونَ عَلَى قَصْدِ الْمُغَايَظَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنَا عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ أَوْ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ أَوْ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا الرَّابِعَ دَاخِلٌ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَالْحُكْمُ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِ اللَّفْظَيْنِ عَنْ الْآخَرِ وَأَنَّ مَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُسَايَرَةِ لَا يَدْفَعُ الْمَنْقُولَ عِنْدَنَا فَافْهَمْ. مَبْحَثٌ فِي اشْتِرَاطِ التَّبَرِّي مَعَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. (قَوْلُهُ وَفِي الْخَامِسِ بِهِمَا مَعَ التَّبَرِّي إلَخْ) ذَكَرَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الْمُسَايَرَةِ، أَنَّ اشْتِرَاطَ التَّبَرِّي لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ لَا لِثُبُوتِ الْإِيمَانِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ عُمُومَ الرِّسَالَةِ وَتَشَهَّدَ فَقَطْ كَانَ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. ثُمَّ إنَّ الَّذِي فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ عَنْ الدِّينِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ. وَزَادَ فِي الْمُحِيطِ: لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ مَعَ ذَلِكَ وَيُقِرُّ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَدَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، فَإِذَا قَالَ مَعَ ذَلِكَ وَدَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إذَا قَالَ دَخَلْت.

стр. 2359

وَحِينَئِذٍ فَيُسْتَفْسَرُ مَنْ جُهِلَ حَالُهُ بَلْ عَمَّمَ فِي الدُّرَرِ اشْتِرَاطَ التَّبَرِّي مِنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ، وَمِثْلُهُ فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ وَابْنِ نُجَيْمٍ وَغَيْرِهِمَا. وَفِي رَهْنِ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ كَذَا أَفْتَى عُلَمَاؤُنَا. وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ صِحَّتُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِلَا تَبَرِّي، ــ [رد المحتار] فِي الْإِسْلَامِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى دُخُولٍ حَادِثٍ مِنْهُ فِي الْإِسْلَامِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ. قُلْت: اشْتِرَاطُ قَوْلِهِ وَدَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا تَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ فَقَطْ، أَمَّا إذَا تَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دَيْنَ الْإِسْلَامِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِعَدَمِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، فَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ مَعَ صِيغَةِ التَّبَرِّي الَّتِي ذَكَرَهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ وَصَرَّحَ بِتَعْمِيمِ الرِّسَالَةِ إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ أَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يَكْفِي عَنْ التَّبَرِّي أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّ اشْتِرَاطَ التَّبَرِّي إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا مِنْهُمْ، وَأَمَّا مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ فَقَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ، أَوْ قَالَ دَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ فَكَيْفَ إذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ضِيقًا، وَقَوْلُهُ هَذَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْإِسْلَامَ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ الْحَاضِرَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ بِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. اهـ. قُلْت: وَإِنَّمَا اكْتَفَى ﵊ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ أَهْلَ زَمَنِهِ كَانُوا مُنْكِرِينَ لِرِسَالَتِهِ أَصْلًا كَمَا يَأْتِي. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْعِيسَوِيِّ أَنَّ مَنْ كَانَ كُفْرُهُ بِإِنْكَارِ أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ كَحُرْمَةِ الْخَمْرِ مَثَلًا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَبَرُّئِهِ مِمَّا كَانَ يَعْتَقِدُهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُقِرُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَبَرُّئِهِ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ ظَاهِرُ (قَوْلِهِ فَيُسْتَفْسَرُ مَنْ جُهِلَ حَالُهُ) ذَكَرَ ذَلِكَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَذَلِكَ، بَلْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ الْعِيسَوِيَّةُ، فَقَالَ: وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَفْسَرَ الْآتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْهُمْ إنْ جُهِلَ حَالُهُ اهـ أَيْ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ عِيسَوِيٌّ يَعْتَقِدُ تَخْصِيصَ الرِّسَالَةِ بِغَيْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ إلَّا بِالتَّبَرِّي، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ يُنْكِرُهَا مُطْلَقًا اكْتَفَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ بَلْ عَمَّمَ فِي الدُّرَرِ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ الْجِهَادِ عَنْ الذَّخِيرَةِ: أَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَكَانَ إسْلَامُهُمْ فِي زَمَنِهِ ﵊ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ رِسَالَتَهُ ﷺ وَأَمَّا الْيَوْمَ بِبِلَادِ الْعِرَاقِ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِهِمَا مَا لَمْ يَقُلْ تَبَرَّأْت عَنْ دِينِي وَدَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ رَسُولٌ إلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ لَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ مُحَمَّدٌ. اهـ. وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ لِلسَّرَخْسِيِّ: وَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الْيَوْمَ بَيْنَ ظَهْرَانِي الْمُسْلِمِينَ إذَا أَتَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا يَقُولُونَ هَذَا لَيْسَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَلَا يَهُودِيٍّ عِنْدَنَا نَسْأَلُهُ إلَّا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، فَإِذَا اسْتَفْسَرْتَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ لَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا بِهَذَا لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَالْمُسْلِمُ هُوَ الْمُسْتَسْلِمُ لِلْحَقِّ، وَكَّلَ ذِي دِينٍ يَدَّعِي أَنَّهُ مُنْقَادٌ لِلْحَقِّ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ إلَّا الْمَجُوسَ فِي دِيَارِنَا فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ أَنَا مُسْلِمٌ يَصِيرُ مُسْلِمًا لِأَنَّهُمْ يَأْبَوْنَ هَذِهِ الصِّفَةَ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَسُبُّونَ بِهِ أَوْلَادَهُمْ وَيَقُولُونَ يَا مُسْلِمَانِ اهـ. قُلْت: وَمَا عَزَاهُ إلَى شَيْخِهِ يَعْنِي الْإِمَامَ الْحَلْوَانِيَّ جَزَمَ بِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَقَدَّمْنَا عَنْهُ قَرِيبًا فِي الْوَثَنِيِّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِقَوْلِهِ أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ أَوْ الْحَنِيفِيَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ، فَعَلَى هَذَا يُقَالُ كَذَلِكَ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي بِلَادِنَا فَإِنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ قَوْلِ أَنَا مُسْلِمٌ، حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ إذَا أَرَادَ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنْ أَمْرٍ يَقُولُ إنْ فَعَلْته أَكُونُ مُسْلِمًا.

стр. 2360

لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا صَارَ عَلَامَةً عَلَى الْإِسْلَامِ فَيُقْتَلُ إنْ رَجَعَ مَا لَمْ يَعُدْ. (وَ) اعْلَمْ أَنَّهُ (لَا يُفْتَى بِكُفْرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ ــ [رد المحتار] فَإِذَا قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ طَائِعًا فَهُوَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ فِيمَنْ صَلَّى بِجَمَاعَةٍ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَبِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِالْإِسْلَامِ بِمُجَرَّدِ سِيمَا الْمُسْلِمِينَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ وَكَذَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ فَإِذَا أَتَى بِهِمَا طَائِعًا يَجِبُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ فَوْقَ السِّيمَا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا اشْتَرَطَ التَّبَرِّي بِنَاءً عَلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ مِنْ إقْرَارِهِمْ بِالرِّسَالَةِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ إنْكَارِهَا فَإِذَا أَنْكَرُوهَا فِي زَمَانِنَا وَامْتَنَعُوا مِنْ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ يَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ إذْ لَمْ يَبْقَ وَجْهٌ لِلْعُدُولِ عَنْهُ. عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا حَكَمَ عَلَى مَا كَانَ فِي بِلَادِ الْعِرَاقِ لَا مُطْلَقًا كَمَا يُوهِمُهُ مَا فِي الدُّرَرِ، وَعَنْ هَذَا ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَامِرِيٍّ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ. فَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي اعْتِقَادِهِ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ بَعْضَ الْيَهُودِ يُخَصِّصُ رِسَالَةَ نَبِيِّنَا ﷺ بِالْعَرَبِ وَهَذَا لَا يَكْفِيهِ مُجَرَّدُ الشَّهَادَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَنْ يُنْكِرُ الرِّسَالَةَ أَصْلًا، وَبَعْضُ مَنْ أَعْمَى اللَّهُ قَلْبَهُ جَعَلَهُمْ فِرْقَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ حَتَّى حَكَمَ فِي نَصْرَانِيٍّ مُنْكِرٍ لِلرِّسَالَةِ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِبَقَائِهِ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَرَّأْ اهـ مُلَخَّصًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الَّذِي يَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ جَهِلَ يَسْتَفْسِرُ عَنْهُ، وَإِنْ عَلِمَ كَمَا فِي زَمَانِنَا، فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَهَذَا وَجْهُ مَا يَأْتِي عَنْ قَارِئِ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِهِ صَارَ عَلَامَةً عَلَى الْإِسْلَامِ إلَخْ) أَفَادَ بِقَوْلِهِ صَارَ إلَى أَنَّ مَا كَانَ فِي زَمَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ تَغَيَّرَ لِأَنَّهُمْ فِي زَمَنِهِ مَا كَانُوا يَمْتَنِعُونَ عَنْ النُّطْقِ بِهَا فَلَمْ تَكُنْ عَلَامَةَ الْإِسْلَامِ فَلِذَا شُرِطَ مَعَهَا التَّبَرِّي. أَمَّا فِي زَمَنِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ فَقَدْ صَارَتْ عَلَامَةَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا إلَّا الْمُسْلِمُ كَمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا وَلِذَا نَقَلَ فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ كِتَابِ الْجِهَادِ كَلَامَ قَارِئِ الْهِدَايَةِ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فِي دِيَارِ مِصْرَ بِالْقَاهِرَةِ لِأَنَّهُ لَا يُسْمَعُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا الشَّهَادَتَانِ، وَلِذَا قَيَّدَهُ مُحَمَّدٌ بِالْعِرَاقِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ. وَنَقَلَ أَيْضًا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى كَلَامَ قَارِئِ الْهِدَايَةِ ثُمَّ قَالَ: وَبِهِ أَفْتَى أَحْمَدُ بْنُ كَمَالٍ بَاشَا. وَفِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَفَنْدِي دَامَادْ: وَأَفْتَى الْبَعْضُ فِي دِيَارِنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَبَرٍّ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ اهـ فَلْيُحْفَظْ اهـ وَقَدْ أَسْمَعْنَاك آنِفًا مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. مَطْلَبٌ الْإِسْلَامُ يَكُونُ بِالْفِعْلِ كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ [خَاتِمَةٌ] اعْلَمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَكُونُ بِالْفِعْلِ أَيْضًا كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ أَوْ الْإِقْرَارِ بِهَا أَوْ الْأَذَانِ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ أَوْ الْحَجِّ وَشُهُودِ الْمَنَاسِكِ لَا الصَّلَاةُ وَحْدَهُ وَمُجَرَّدُ الْإِحْرَامِ بَحْرٌ وَقَدَّمَ الشَّارِحُ ذَلِكَ نَظْمًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْإِسْلَامِ بِالْفِعْلِ بَيْنَ الْعِيسَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ دَلِيلُ الْإِسْلَامِ فَيُحْكَمُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِهِ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ الْمُنَجِّيَةُ فِي الْآخِرَةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّصْدِيقِ الْجَازِمِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ بِدُونِهِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَارِّ (قَوْلُهُ لَا يُفْتَى بِكُفْرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ مِنْ حَيْثُ اسْتِحْقَاقُهُ لِلْقَتْلِ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ بِبَيْنُونَةِ زَوْجَتِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ الْأَوَّلُ فَقَطْ، لِأَنَّ تَأْوِيلَ كَلَامِهِ لِلتَّبَاعُدِ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِأَنْ يَكُونَ قَصَدَ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مُعَامَلَتَهُ بِظَاهِرِ كَلَامِهِ فِيمَا هُوَ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ طَلَاقُ الزَّوْجَةِ وَمِلْكُهَا لِنَفْسِهَا، بِدَلِيلِ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مُبَاحَةٍ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ خَطَأً بِلَا قَصْدٍ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ فِيمَا

стр. 2361

أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ خِلَافٌ، وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (رِوَايَةً ضَعِيفَةً) كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ، وَعَزَاهُ فِي الْأَشْبَاهِ إلَى الصُّغْرَى. وَفِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا: إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ وَوَاحِدٌ يَمْنَعُهُ فَعَلَى الْمُفْتِي الْمَيْلُ لِمَا يَمْنَعُهُ، ثُمَّ لَوْ نِيَّتُهُ ذَلِكَ فَمُسَلَّمٌ وَإِلَّا لَمْ يَنْفَعْهُ حَمْلُ الْمُفْتِي عَلَى خِلَافِهِ، وَيَنْبَغِي التَّعَوُّذُ بِهَذَا الدُّعَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً فَإِنَّهُ سَبَبُ الْعِصْمَةِ مِنْ الْكُفْرِ بِوَعْدِ الصَّادِقِ الْأَمِينِ ﷺ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» . وَتَوْبَةُ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ دُونَ إيمَانِ الْيَأْسِ دُرَرٌ. ــ [رد المحتار] بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ نَقْلًا فَإِنِّي لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ، نَعَمْ سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ أَنَّ مَا يَكُونُ كُفْرًا اتِّفَاقًا يُبْطِلُ الْعَمَلَ وَالنِّكَاحَ، وَمَا فِيهِ خِلَافٌ يُؤْمَرُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ وَتَجْدِيدِ النِّكَاحِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَمْرٌ احْتِيَاطٌ. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ مَنْ شَتَمَ دِينَ مُسْلِمٍ ثُمَّ إنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِشَتْمِ دِينِ مُسْلِمٍ: أَيْ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ لِإِمْكَانِ التَّأْوِيلِ. ثُمَّ رَأَيْته فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ أَقُولُ: وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْفُرَ مَنْ شَتَمَ دِينَ مُسْلِمٍ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ التَّأْوِيلُ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَخْلَاقُهُ الرَّدِيئَةُ وَمُعَامَلَتُهُ الْقَبِيحَةُ لَا حَقِيقَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْفُرَ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي [نُورِ الْعَيْنِ] وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِفَسْخِ النِّكَاحِ، وَفِيهِ الْبَحْثُ الَّذِي قُلْنَاهُ. وَأَمَّا أَمْرُهُ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَا شَكَّ فِيهِ احْتِيَاطًا خُصُوصًا فِي حَقِّ الْهَمَجِ الْأَرْذَالِ الَّذِينَ يَشْتُمُونَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِهِمْ هَذَا الْمَعْنَى أَصْلًا. وَقَدْ سُئِلَ فِي الْخَيْرِيَّةِ عَمَّنْ قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ ارْضَ بِالشَّرْعِ فَقَالَ لَا أَقْبَلُ فَأَفْتَى مُفْتٍ بِأَنَّهُ كَفَرَ وَبَانَتْ زَوْجَتُهُ فَهَلْ يَثْبُتُ كُفْرُهُ بِذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إلَى آخِرِ مَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ. وَأَجَابَ قَبْلَهُ فِي مِثْلِهِ بِوُجُوبِ تَعْزِيرِهِ وَعُقُوبَتِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ وَلَوْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ لِغَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِنَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اشْتِرَاطُ كَوْنِ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ) قَدَّمْنَا عِبَارَتَهُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَشَرَائِطُ صِحَّتِهَا (قَوْلُهُ وُجُوهٌ) أَيْ احْتِمَالَاتٌ لِمَا مَرَّ فِي عِبَارَةِ الْبَحْرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِالْمُحْتَمِلِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةُ ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ الْكُفْرَ بِأَنْ أَرَادَ الْوَجْهَ الْمُكَفِّرَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَصْلًا لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُ الْمُفْتِي لِكَلَامِهِ وَحَمْلِهِ إيَّاهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَكْفُرُ، كَمَا لَوْ شَتَمَ دِينَ مُسْلِمٍ وَحَمَلَ الْمُفْتِي الدِّينَ عَلَى الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ لِنَفْيِ الْقَتْلِ عَنْهُ فَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى إلَّا إذَا نَوَاهُ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي التَّعَوُّذُ بِهَذَا الدُّعَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً) تَدْخُلُ أَوْرَادُ الصَّبَاحِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَالْمَسَاءِ مِنْ الزَّوَالِ، هَذَا فِيمَا عَبَّرَ فِيهِ بِهِمَا. وَأَمَّا إذَا عَبَّرَ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَيُعْتَبَرَانِ تَحْدِيدًا مِنْ أَوَّلِهِمَا، فَلَوْ قَدَّمَ الْمَأْمُورُ بِهِ فِيهِمَا عَلَيْهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْمَوْعُودُ بِهِ، أَفَادَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ ط. قُلْت: وَلَمْ أَرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرَ صَبَاحًا وَمَسَاءً بَلْ فِيهِ ذِكْرُ ثَلَاثًا كَمَا فِي الزَّوَاجِرِ عَنْ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ «أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ عَنْكَ صِغَارَ الشِّرْكِ وَكِبَارَهُ، تَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» " وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، وَقَالُوا: كَيْفَ نَتَّقِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُهُ» ". مَطْلَبٌ تَوْبَةُ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ دُونَ إيمَانِ الْيَأْسِ (قَوْلُهُ وَتَوْبَةُ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ دُونَ إيمَانِ الْيَأْسِ) هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ ضِدُّ الرَّجَاءِ وَقَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ الْحَيَاةِ وَعَلَّلَ

стр. 2362

وَفِيهَا أَيْضًا شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ يُنْكِرُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي النَّوَازِلِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَشَهَادَةُ نَصْرَانِيَّيْنِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ. اهـ. . [مَطْلَبٌ تَوْبَةُ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ دُونَ إيمَانِ الْيَأْسِ] (وَكُلُّ مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ إلَّا) جَمَاعَةٌ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ عَلَى مَا مَرَّ وَ (الْكَافِرُ بِسَبِّ نَبِيٍّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا ــ [رد المحتار] قَبُولَهَا فِي الدُّرَرِ تَبَعًا لِلْبَزَّازِيَّةِ بِأَنَّ الْكَافِرَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ عَارِفٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَابْتَدَأَ إيمَانًا وَعِرْفَانًا، وَالْفَاسِقُ حَالُهُ حَالَةُ الْبَقَاءِ، وَالْبَقَاءُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى قَبُولِهَا مُطْلَقًا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]- اهـ وَقَدْ أَطَالَ فِي آخِرِ الْبَزَّازِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَنَقَلَ قَبْلَهُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ قَبُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَعَزَاهُ أَيْضًا إلَى الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَانْتَصَرَ لَهُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ [بَدْءِ الْأَمَالِي] وَقَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَوَّلِ بَابِ صَلَاةِ الْجَنَائِزِ. مَطْلَبٌ أَجْمَعُوا عَلَى كُفْرِ فِرْعَوْنَ وَأَمَّا إيمَانُ الْيَأْسِ، فَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ، وَلَا عِنْدَ مُعَايَنَةِ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]- وَلِذَا أَجْمَعُوا عَلَى كُفْرِ فِرْعَوْنَ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ يُونُسَ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ الْعَارِفُ الْمُحَقِّقُ سَيِّدِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ عَرَبِيٍّ فِي كِتَابِهِ الْفُتُوحَاتِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ: فَإِنَّا وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ جَلَالَةَ قَائِلِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ إلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ مَعَ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّهُ صَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ هَامَانَ وَقَارُونَ فِي النَّارِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ كَلَامُ إمَامٍ فَيُؤْخَذُ بِمَا يُوَافِقُ الْأَدِلَّةَ الظَّاهِرَةَ وَيُعْرِضُ عَمَّا خَالَفَهَا ثُمَّ أَطَالَ فِي بَيَانِ رَدِّهِ. مَطْلَبٌ فِي اسْتِثْنَاءِ قَوْمِ يُونُسَ وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ إيمَانِ الْيَأْسِ قَوْمُ يُونُسَ ﵇، لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨]- الْآيَةُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ، وَأَنَّ إيمَانَهُمْ كَانَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ بِجَعْلِهِ كَرَامَةً وَخُصُوصِيَّةً لِنَبِيِّهِمْ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. مَطْلَبٌ فِي إحْيَاءِ أَبَوَيْ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَلَا تَرَى أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ قَدْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ أَبَوَيْهِ لَهُ حَتَّى آمَنَا بِهِ كَمَا فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ حَافِظُ الشَّامِ وَغَيْرُهُمَا، فَانْتَفَعَا بِالْإِيمَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ إكْرَامًا لِنَبِيِّهِ ﷺ كَمَا أَحْيَا قَتِيلَ بَنِي إسْرَائِيلَ لِيُخْبِرَ بِقَاتِلِهِ. وَكَانَ عِيسَى ﵇ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا ﷺ أَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الْمَوْتَى. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ عَلَيْهِ ﷺ الشَّمْسَ بَعْدَ مَغِيبِهَا حَتَّى صَلَّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْعَصْرَ، فَكَمَا أُكْرِمَ بِعَوْدِ الشَّمْسِ وَالْوَقْتِ بَعْدَ فَوَاتِهِ فَكَذَلِكَ أُكْرِمَ بِعَوْدِ الْحَيَاةِ وَوَقْتِ الْإِيمَانِ بَعْدَ فَوَاتِهِ. وَمَا قِيلَ إنَّ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]- نَزَلَ فِيهِمَا لَمْ يَصِحَّ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ» " كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ اهـ مُلَخَّصًا وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ نِكَاحِ الْكَافِرِ (قَوْلُهُ وَفِيهَا أَيْضًا شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ إلَخْ) هَذَا سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَسَيَذْكُرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَكُلُّ مُسْلِمٍ ارْتَدَّ إلَخْ (قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ عَنْ الْخَانِيَّةِ مَعْزِيًّا لِلْبَلْخِيِّ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا خِلَافُهُ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي حُكْمِ سَابِّ الْأَنْبِيَاءِ (قَوْلُهُ الْكَافِرُ بِسَبِّ نَبِيٍّ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْكَافِرُ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا) يَعْنِي

стр. 2363

وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى قُبِلَتْ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَوَّلُ حَقُّ عَبْدٍ لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَمَنْ شَكَّ فِي عَذَابِهِ وَكُفْرِهِ كَفَرَ، وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ فِي فَصْلِ الْجِزْيَةِ مَعْزِيًّا لِلْبَزَّازِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ أَبْغَضَهُ بِالْقَلْبِ فَتْحٌ وَأَشْبَاهٌ. وَفِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ: وَيَجِبُ إلْحَاقُ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ أَيْضًا. وَفِيهَا: سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ لِشَرِيفٍ لَعَنَ اللَّهُ وَالِدَيْكَ وَوَالِدَيْ الَّذِينَ خَلَّفُوكَ. فَأَجَابَ: الْجَمْعُ الْمُضَافُ يَعُمُّ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ، خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَحِينَئِذٍ فَيَعُمُّ حَضْرَةَ الرِّسَالَةِ فَيَنْبَغِي الْقَوْلُ بِكُفْرِهِ، وَإِذَا كَفَرَ بِسَبِّهِ لَا تَوْبَةَ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ وَتَوَارَدَهُ الشَّارِحُونَ، نَعَمْ لَوْ لُوحِظَ قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِاحْتِمَالِ الْعَهْدِ فَلَا كُفْرَ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا لِتَصْرِيحِهِمْ بِالْمَيْلِ إلَى مَا لَا يَكْفُرُ. وَفِيهَا: مَنْ نَقَصَ مَقَامَ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ بِأَنْ سَبَّهُ ﷺ أَوْ بِفِعْلِهِ بِأَنْ بَغَضَهُ بِقَلْبِهِ قُتِلَ حَدًّا كَمَا مَرَّ التَّصْرِيحُ بِهِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي آخِرِ الشِّفَاءِ بِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمُرْتَدِّ، ــ [رد المحتار] أَنَّ جَزَاءَهُ الْقَتْلُ عَلَى وَجْهِ كَوْنِهِ حَدًّا، وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ؛ وَأَفَادَ أَنَّهُ حُكْمُ الدُّنْيَا، أَمَّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ مَقْبُولَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مُجَارَاةً لِصَاحِبِ الدُّرَرِ وَالْبَزَّازِيَّةِ، وَإِلَّا فَسَيَذْكُرُ خِلَافَهُ وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ جَاءَ تَائِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ حَقُّ عَبْدٍ) فِيهِ أَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ لَا يَسْقُطُ إذَا طَالَبَ بِهِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، فَلَا بُدَّ هُنَا مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ هَذِهِ الْمُطَالَبَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ أَنَّهُ ﷺ عَفَا عَنْ كَثِيرِينَ مِمَّنْ آذَوْهُ وَشَتَمُوهُ وَقَبِلَ إسْلَامَهُمْ كَأَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ) حَيْثُ قَالَ نَقْلًا عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ الْمَالِكِيُّ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ شَاتِمَهُ كَافِرٌ، وَحُكْمُهُ الْقَتْلُ، وَمَنْ شَكَّ فِي عَذَابِهِ وَكُفْرِهِ كَفَرَ. اهـ. قُلْت: وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَالِكِيِّ نَقَلَهَا عَنْهُ الْبَزَّازِيُّ وَأَخْطَأَ فِي فَهْمِهَا، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ الْقَائِلِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَسُقُوطِ الْقَتْلِ بِهَا عَنْهُ. عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ يُقْتَلُ وَإِنْ تَابَ يَقُولُ إنَّهُ إذَا تَابَ لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَقَدَّمْنَاهُ آنِفًا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا قُلْنَاهُ قَطْعًا (قَوْلُهُ وَالِدَيْكَ وَوَالِدِي الَّذِينَ خَلَّفُوكَ) بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ فَيَعُمُّ حَضْرَةَ الرِّسَالَةِ) أَيْ صَاحِبَهَا ﷺ وَعَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالشَّرِيفِ بَلْ غَيْرُهُ مِثْلُهُ، لِأَنَّ آدَمَ ﵇ أَبُو جَمِيعِ النَّاسِ وَنُوحٌ الْأَبُ الثَّانِي (قَوْلُهُ بِاحْتِمَالِ الْعَهْدِ) الْمَفْهُومِ مِنْ الْعِبَارَةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِأَنَّهُ لَا يَعُمُّ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ (قَوْلُهُ فَلَا كُفْرَ) أَيْ لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي عُمُومِهِ وَتَحَقَّقَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ صَرَّحَ فِي آخِرِ الشِّفَاءِ إلَخْ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ. وَعِبَارَةُ الشِّفَاءِ هَكَذَا: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ يُقْتَلُ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمُسْلِمِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ رِدَّةٌ. وَرَوَى مِثْلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ يَنْقُصُهُ ﷺ أَوْ بَرِئَ مِنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى كُفْرِ السَّابِّ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَتْلِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَخْ أَيْ قَالَ إنَّهُ يُقْتَلُ يَعْنِي قَبْلَ

стр. 2364

وَمُفَادُهُ قَبُولُ التَّوْبَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ: وَقَدْ سَمِعْت مِنْ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ بِمِصْرَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْعَالِ أَنَّ الْكَمَالَ وَغَيْرَهُ تَبِعُوا الْبَزَّازِيَّ ــ [رد المحتار] التَّوْبَةِ لَا مُطْلَقًا، وَلِذَا اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ رِدَّةٌ: يَعْنِي لَيْسَتْ حَدًّا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْوَلِيدَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَصَارَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ وَعَدَمِهِ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْعَدَمُ وَلِذَا قَدَّمَهُ. وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: مَنْ بَرِئَ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ كَذَّبَ بِهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ حَلَالُ الدَّمِ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ مِنْ عِبَارَتِهِ الْأُولَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَكَلَامُ شُيُوخِنَا هَؤُلَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِقَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا. وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ صَرَّحُوا أَنَّهُ رِدَّةٌ قَالُوا، وَيُسْتَتَابُ مِنْهَا، إنْ تَابَ نَكَلَ وَإِنْ أَبَى قُتِلَ، فَحَكَمُوا لَهُ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ مُطْلَقًا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ. اهـ. يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ مِمَّا رَوَاهُ عَنْهُ الْوَلِيدُ، فَهَذَا كَلَامُ الشِّفَاءِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ الْقَوْلُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الْمُسْلِمِ أَيْ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا سَبَّ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ عِنْدَهُمْ كَمَا مَرَّ تَحْرِيرُهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ. ثُمَّ إنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ خِلَافُ الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالْمَشْهُورُ قَبُولُ التَّوْبَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ. قَالَ الْإِمَامُ خَاتِمَةُ الْمُجْتَهِدِينَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ [السَّيْفُ الْمَسْلُولُ عَلَى مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ] : حَاصِلُ الْمَنْقُولِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُسْلِمْ قُتِلَ قَطْعًا وَمَتَى أَسْلَمَ، فَإِنْ كَانَ السَّبُّ قَذْفًا فَالْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ هَلْ يُقْتَلُ أَوْ يُجْلَدُ أَوْ لَا شَيْءَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَذْفٍ فَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلًا لِلشَّافِعِيَّةِ غَيْرَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ. وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ قَرِيبٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَا يُوجَدُ لِلْحَنِيفَةِ غَيْرَ قَبُولِ التَّوْبَةِ. وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَكَلَامُهُمْ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ بِقَبُولِهَا فَمَذْهَبُهُ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ سَوَاءٌ، هَذَا تَحْرِيرُ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا، فَهَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَبُولُ وَأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُمْ بِخِلَافِهِ. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى نَقْلِ ذَلِكَ أَيْضًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ [الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ ﷺ ] كَمَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مِنْهُ قَدِيمَةٍ عَلَيْهَا خَطُّهُ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَلِكَ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُقْتَلُ سَابُّ الرَّسُولِ ﷺ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ لَمَّا ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ قَالُوا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِهِمَا أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَالْمُرْتَدِّ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ وَرَقَةٍ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَفِي الْكَافِرِ إذَا سَبَّهَا ثُمَّ أَسْلَمَ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي الْحَالَيْنِ اهـ ثُمَّ قَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ. اهـ. فَهَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي الشِّفَاءِ وَالسُّبْكِيِّ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَأَئِمَّةُ مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ قَبُولُ التَّوْبَةِ بِلَا حِكَايَةِ قَوْلٍ آخَرَ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا حَكَوْا الْخِلَافَ فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ، وَكَفَى بِهَؤُلَاءِ حُجَّةٌ لَوْ لَمْ يُوجَدْ النَّقْلُ كَذَلِكَ فِي كُتُبِ مَذْهَبِنَا الَّتِي قَبْلَ الْبَزَّازِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قَرِيبًا، وَقَدْ اسْتَوْفَيْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابٍ سَمَّيْته [تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ عَلَى أَحْكَامِ شَاتِمِ خَيْرِ الْأَنَامِ] أَوْ أَحَدِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ قَبُولُ التَّوْبَةِ) أَقُولُ: بَلْ هُوَ صَرِيحٌ، وَنَصَّ فِي ذَلِكَ كَمَا عَلِمْته

стр. 2365

وَالْبَزَّازِيُّ تَبِعَ صَاحِبَ [السَّيْفِ الْمَسْلُولِ] عَزَاهُ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي النُّتَفِ وَمُعِينِ الْحُكَّامِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَحَاوِي الزَّاهِدِيِّ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمُرْتَدِّ وَلَفْظُ النُّتَفِ مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ ﷺ فَإِنَّهُ مُرْتَدٌّ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَيُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ انْتَهَى. - ــ [رد المحتار] قَوْلُهُ وَالْبَزَّازِيُّ تَبِعَ صَاحِبَ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ) الَّذِي قَالَهُ الْبَزَّازِيُّ إنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَلَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا، سَوَاءٌ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَالزِّنْدِيقِ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ إلَى أَنْ قَالَ وَدَلَائِلُ الْمَسْأَلَةِ تُعْرَفُ فِي كِتَابِ [الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ] اهـ وَهَذَا كَلَامٌ يَقْضِي مِنْهُ غَايَةَ الْعَجَبِ، كَيْفَ يَقُولُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ لِأَحَدٍ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ صِدْقِ النَّاقِلِينَ عَنْهُمْ كَمَا أَسْمَعْنَاك وَعَزْوُهُ الْمَسْأَلَةَ إلَى كِتَابِ [الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ] وَهُوَ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَفَّحْ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ قَبُولُ التَّوْبَةِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيُّ فِي السَّيْفِ الْمَسْلُولِ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ كَمَا سَمِعْته مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيِّ بِطُولِهَا أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنْ الشِّفَاءِ. فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْبَزَّازِيَّ قَدْ تَسَاهَلَ غَايَةَ التَّسَاهُلِ فِي نَقْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْتَهُ حَيْثُ لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِنَا بَلْ اسْتَنَدَ إلَى مَا فِي الشِّفَاءِ وَالصَّارِمِ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي الْمُرَاجَعَةِ حَتَّى يَرَى مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِ مَا فَهِمَهُ مِمَّنْ نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُمْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. فَلَقَدْ صَارَ هَذَا التَّسَاهُلُ سَبَبًا لِوُقُوعِ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ فِي الْخَطَأِ حَيْثُ اعْتَمَدُوا عَلَى نَقْلِهِ وَقَلَّدُوهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْمَسْأَلَةَ عَنْ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، بَلْ الْمَنْقُولُ قَبْلَ حُدُوثِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْبَزَّازِيِّ فِي كُتُبِنَا وَكُتُبِ غَيْرِنَا خِلَافُهُ (قَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي النُّتَفِ إلَخْ) أَقُولُ: وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ مَا نَصُّهُ: وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ اهـ وَهَكَذَا نَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا رِدَّةٌ، وَحُكْمُهَا حُكْمُهَا، ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ النُّتَفِ وَمُعِينِ الْحُكَّامِ: وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ أَفْتَى بِخِلَافِهِ فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ. رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ مَشَايِخِنَا السَّائِحَانِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ حَيْثُ سَمِعَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَالِ، وَرَأَى هَذِهِ النُّقُولَ كَيْفَ لَا يَشْطُبُ مَتْنَهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ أَسْمَعَنِي بَعْضُ مَشَايِخِي رِسَالَةً حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ اهـ وَكَذَلِكَ كَتَبَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الرَّحْمَتِيُّ هُنَا عَلَى نُسْخَتِهِ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الشِّفَاءِ وَابْنِ أَبِي جَمْرَةَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ «إنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي» إلَخْ " أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَمَا نَقَلَهُ هُنَا عَنْ النُّتَفِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي سَابِّ الرَّسُولِ ﷺ فَفِي سَابِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِالْأَوْلَى، فَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَبُولُ تَوْبَتِهِ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَنَّ تَحَتُّمَ قَتْلِهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَمَا عَدَاهُ فَإِنَّهُ إمَّا نَقْلُ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ طُرَّةُ مَجْهُولٍ لَمْ يُعْلَمْ كَاتِبُهَا، فَكُنْ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكُلِّ أَمْرٍ مُسْتَغْرَبٍ وَتَغْفُلْ عَنْ الصَّوَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: إنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْأَشْبَاهِ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ عَصْرِهِ وَأَنْ ذَلِكَ إنَّمَا يُحْفَظُ لِبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. أَمَّا عَلَى طَرِيقَتِنَا فَلَا. اهـ. وَذَكَرَ فِي آخِرِ كِتَابِ [نُورِ الْعَيْنِ] أَنَّ الْعَلَّامَةَ النِّحْرِيرَ الشَّهِيرَ بِحُسَامِ جَلْبِي أَلَّفَ رِسَالَةً فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَزَّازِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهَا: وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ تَتَبَّعْنَا كُتُبَ الْحَنَفِيَّةِ فَلَمْ نَجِدْ الْقَوْلَ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ السَّابِّ عِنْدَهُمْ سِوَى

стр. 2366

وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَمَا مَرَّ عَنْ الشِّفَاءِ اهـ فَلْيُحْفَظْ. قُلْت: وَظَاهِرُ الشِّفَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ يَا ابْنَ أَلْفِ خِنْزِيرٍ أَوْ يَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ لِهَاشِمِيٍّ لَعَنَ اللَّهُ بَنِي هَاشِمٍ كَذَلِكَ وَأَنَّ شَتْمَ الْمَلَائِكَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ فَلْيُحَرَّرْ. وَمِنْ حَوَادِثِ الْفَتْوَى مَا لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِكُفْرِهِ بِسَبِّ نَبِيٍّ هَلْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، الظَّاهِرُ نَعَمْ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ أُخْرَى وَإِنْ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ نَهْرٌ. قُلْت: ثُمَّ رَأَيْت فِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ سُؤَالًا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ طَالِبَ عِلْمٍ ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ نَبَوِيٌّ فَقَالَ أَكُلُّ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ صِدْقٌ يُعْمَلُ بِهَا. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَكْفُرُ أَوَّلًا بِسَبَبِ اسْتِفْهَامِهِ الْإِنْكَارِيِّ، وَثَانِيًا بِإِلْحَاقِهِ الشَّيْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَفِي كُفْرِهِ الْأَوَّلِ عَنْ اعْتِقَادِهِ يُؤْمَرُ بِتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ فَلَا يُقْتَلُ، وَالثَّانِي يُفِيدُ الزَّنْدَقَةَ، -. ــ [رد المحتار] مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَهُ وَمَنْشَأَ غَلَطِهِ أَوَّلَ الرِّسَالَةِ. اهـ. وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ عَنْ الْمُحَقِّقِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إذَا تَابَ وَيُكْتَفَى بِتَعْزِيرِهِ، فَهَذَا صَرِيحُ الْمَنْقُولِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْبَزَّازِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَلَمْ يَسْتَنِدْ هُوَ وَلَا مَنْ تَبِعَهُ إلَى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا اسْتَنَدَ إلَى فَهْمٍ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ نَقَلَ عَمَّنْ صَرَّحَ، بِخِلَافِ مَا فَهِمَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ أَرَدْت زِيَادَةَ الْبَيَانِ فِي الْمَقَامِ فَارْجِعْ إلَى كِتَابِنَا تَنْبِيهِ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ (قَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ) الْمُرَادُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ فِي الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْقَتْلِ عَنْهُ أَمَّا قَبُولُهَا فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (قَوْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ يَكُونُ شَاتِمًا لِنَبِيٍّ، لَكِنَّ قَوْلَهُ يَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ، وَإِنْ قَالَهُ لِشَرِيفٍ فَهُوَ مُمْكِنٌ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَارُّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَعَدَمِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِائَةُ أَبٍ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيٌّ. عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى أُمِّ الْمَشْتُومِ مِائَةُ كَلْبٍ أَوْ أَلْفُ خِنْزِيرٍ، فَلَا يَدْخُلُ أَجْدَادُهُ فِي ذَلِكَ، وَحَيْثُ احْتَمَلَ التَّأْوِيلَ فَلَا يُحْكَمُ بِالْكُفْرِ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَأَنَّ شَتْمَ الْمَلَائِكَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ) هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ عِنْدَنَا فَقَالُوا: إذَا شَتَمَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ كَفَرَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْكُفْرَ بِشَتْمِ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرُ رِدَّةٍ فَكَذَا الْمَلَائِكَةُ، فَإِنْ تَابَ فَبِهَا وَإِلَّا قُتِلَ (قَوْلُهُ فَلْيُحَرَّرْ) قَدْ عَلِمْت تَحْرِيرَهُ بِمَا قُلْنَا (قَوْلُهُ هَلْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ) أَيْ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ عَنْهُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ قَائِلُونَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ فَلَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرَهُ. اهـ ط. وَكَذَا قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْحَنَفِيَّةِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُمْ وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ الْأَئِمَّةُ كَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَابْنِ أَبِي جَمْرَةَ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ أُخْرَى إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِكُفْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لِأَنَّ عَدَمَ قَبُولِهَا حَادِثَةٌ أُخْرَى لَمْ يَحْكُمْ بِهَا الْحَنَفِيُّ فَيَسُوغُ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِقَبُولِهَا وَإِنْ قَالَ الْحَنَفِيُّ حَكَمْت بِالْكُفْرِ وَمُوجِبُهُ لِأَنَّ مُوجِبَ الْكُفْرِ الْقَتْلُ إنْ لَمْ يَتُبْ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَتْلُ أَيْضًا إنْ تَابَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ مُوجِبَاتٌ أُخَرُ مِنْ فَسْخِ النِّكَاحِ وَحَبْطِ الْعَمَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ حَكَمْت بِمُوجِبِهِ حُكْمًا بِقَتْلِهِ، وَإِنْ تَابَ فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَمِ قَتْلِهِ إذَا تَابَ. وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ حَيْثُ نَقَلَ صَرِيحَ مَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الْحَنَفِيَّ كَالشَّافِعِيِّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَيْفَ جَارَى صَاحِبَ النَّهْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يُبَدِّلَ الْحَنَفِيَّ بِالْمَالِكِيِّ أَوْ الْحَنْبَلِيِّ. (قَوْلُهُ سُؤَالًا) مَفْعُولُ رَأَيْت. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سُؤَالٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ (قَوْلُهُ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَكْفُرُ إلَخْ) قَالَ السَّائِحَانِيُّ: أَقُولُ هَذَا لَا يَصْدُرُ عَنْ أَبِي السُّعُودِ لِأَنَّ كَلَامَ الْقَائِلِ يَحْتَمِلُ أَنَّ كُلَّ الْأَحَادِيثِ الْمَوْجُودَةِ لَيْسَتْ صِدْقًا لِأَنَّ فِيهَا الْمَوْضُوعَ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ

стр. 2367

فَبَعْدَ أَخْذِهِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ اتِّفَاقًا فَيُقْتَلُ، وَقَبْلَهُ اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْبَلُ فَلَا يُقْتَلُ وَعِنْدَ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ لَا تُقْبَلُ وَيُقْتَلُ حَدًّا فَلِذَلِكَ وَرَدَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ فِي سَنَةِ ٩٤٤ لِقُضَاةِ الْمَمَالِكِ الْمَحْمِيَّةِ بِرِعَايَةِ رَأْيِ الْجَانِبَيْنِ بِأَنَّهُ إنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ وَحُسْنُ تَوْبَتِهِ وَإِسْلَامِهِ لَا يُقْتَلُ، وَيُكْتَفَى بِتَعْزِيرِهِ وَحَبْسِهِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أُنَاسٍ يُفْهَمُ خَيْرُهُمْ يُقْتَلُ عَمَلًا بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ فِي سَنَةِ ٩٥٥ تَقَرَّرَ هَذَا الْأَمْرُ بِآخَرَ، فَيُنْظَرُ الْقَائِلُ مِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ هُوَ فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ اهـ فَلْيُحْفَظْ، وَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ (أَوْ) الْكَافِرُ بِسَبِّ (الشَّيْخَيْنِ أَوْ) بِسَبِّ (أَحَدِهِمَا) فِي الْبَحْرِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ مَعْزِيًّا لِلشَّهِيدِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ طَعَنَ فِيهِمَا كَفَرَ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَبِهِ أَخَذَ الدَّبُوسِيُّ وَأَبُو اللَّيْثِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى انْتَهَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَشْبَاهِ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ قَائِلًا: وَهَذَا يُقَوِّي الْقَوْلَ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ سَابِّ الرَّسُولِ ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ رِعَايَةً لِجَانِبِ حَضْرَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ اهـ لَكِنْ فِي النَّهْرِ وَهَذَا لَا وُجُودَ لَهُ فِي أَصْلِ الْجَوْهَرَةِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ عَلَى هَامِشِ بَعْضِ النُّسَخِ، فَأُلْحِقَ بِالْأَصْلِ مَعَ أَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ انْتَهَى. ــ [رد المحتار] أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ الدُّرَرِ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ فَعَلَى الْمُفْتِي الْمَيْلُ لِمَا يَمْنَعُهُ وَقَوْلُهُ وَالثَّانِي: أَيْ إلْحَاقُ الشَّيْنِ يُفِيدُ الزَّنْدَقَةَ. أَقُولُ: لَا إفَادَةَ فِيهِ لِأَنَّ الزَّنْدَقَةَ أَنْ لَا يَتَدَيَّنَ بِدِينٍ اهـ وَكَتَبَ ط نَحْوَهُ (قَوْلُهُ فَبَعْدَ أَخْذِهِ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِ صَارَ زِنْدِيقًا. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الزِّنْدِيقَ لَوْ تَابَ قَبْلَ أَخْذِهِ: أَيْ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْحَاكِمِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَنَا وَبَعْدَهُ لَا، اتِّفَاقًا. وَوَرَدَ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ لِلْقُضَاةِ بِأَنْ يُنْظَرَ فِي حَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ إنْ ظَهَرَ حُسْنُ تَوْبَتِهِ يُعْمَلُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِلَّا فَبِقَوْلِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ عِنْدَهُمْ، وَتَبِعَهُ الْبَزَّازِيُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ، وَكَذَا تَبِعَهُ فِي الْفَتْحِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ صَرِيحَ مَذْهَبِنَا خِلَافُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. (قَوْلُهُ وَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ) أَيْ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ النُّتَفِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ عَلَى مَا إذَا تَابَ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَحُمِلَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَلَى مَا بَعْدَ أَخْذِهِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا التَّوْفِيقَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِتَصْرِيحِ عُلَمَائِنَا بِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ غَيْرُ حُكْمِ الزِّنْدِيقِ وَلَمْ يُفَصِّلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا التَّفْصِيلَ؛ وَلِأَنَّ الْبَزَّازِيَّ وَمَنْ تَابَعَهُ قَالُوا إنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا سَوَاءٌ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، بَلْ مَذْهَبَانِ مُتَبَايِنَانِ. عَلَى أَنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الْأَخْذِ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالزَّنْدَقَةِ الدَّاعِي إلَى زَنْدَقَتِهِ كَمَا يَأْتِي، وَمَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ كَلِمَةُ الشَّتْمِ مَرَّةً عَنْ غَيْظٍ أَوْ نَحْوِهِ لَا يَصِيرُ زِنْدِيقًا بِهَذَا الْمَعْنَى . (قَوْلُهُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ) قُلْت: الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فَإِنَّ اتِّبَاعَنَا لَهُ وَاجِبٌ ط (قَوْلُهُ رِعَايَةً لِجَانِبِ حَضْرَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ ) أَقُولُ: رِعَايَةُ جَانِبِهِ فِي اتِّبَاعِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي النَّهْرِ إلَخْ) قَالَ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ: حُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ نُجَيْمٍ أَنَّ أَخَاهُ أَفْتَى بِذَلِكَ فَطَلَبَ مِنْهُ النَّقْلَ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا عَلَى طُرَّةِ الْجَوْهَرَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ حَرْقِ الرَّجُلِ. اهـ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي حُكْمِ سَبِّ الشَّيْخَيْنِ وَأَقُولُ: عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْجَوْهَرَةِ لَا وَجْهَ لَهُ يَظْهَرُ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ سَبَّ الْأَنْبِيَاءَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ بَلْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ

стр. 2368

قُلْت: وَيَكْفِينَا مَا مَرَّ مِنْ الْأَمْرِ فَتَدَبَّرْ. - ــ [رد المحتار] عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِيمَا أَعْلَمُ اهـ وَنَقَلَهُ عَنْهُ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ الْأَزْهَرِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ ط. أَقُولُ: نَعَمْ نَقَلَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّ الرَّافِضِيَّ إذَا كَانَ يَسُبُّ الشَّيْخَيْنِ وَيَلْعَنُهُمَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ كَانَ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَيْهِمَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. اهـ. وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ قَبُولِ التَّوْبَةِ. عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ مُشْكِلٌ، لِمَا فِي الِاخْتِيَارِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَضْلِيلِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَجْمَعَ وَتَخْطِئَتِهِمْ وَسَبُّ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبُغْضُهُ لَا يَكُونُ كُفْرًا، لَكِنْ يُضَلَّلُ إلَخْ. وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْخَوَارِجَ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُكَفِّرُونَ الصَّحَابَةَ حُكْمُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ حُكْمُ الْبُغَاةِ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي نَقْلَ إجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَا يُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَبَعْضُهُمْ يُكَفِّرُونَ الْبَعْضَ، وَهُوَ مَنْ خَالَفَ بِبِدْعَتِهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَنَسَبَهُ إلَى أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالنَّقْلُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ أَعْرَفُ بِنَقْلِ كَلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ، نَعَمْ يَقَعُ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ الْمُجْتَهِدُونَ بَلْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَا ذَكَرْنَا اهـ وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ مُتُونًا وَشُرُوحًا مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ مُلْكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ: وَتُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ لِأَنَّهُ يَكُونُ ظَاهِرَ الْفِسْقِ، وَتُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الْجَبْرُ وَالْقَدَرُ وَالرَّفْضُ وَالْخَوَارِجُ وَالتَّشْبِيهُ وَالتَّعْطِيلُ. اهـ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَوْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ يَعْنِي الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى قُصُورِ عَقْلِهِ وَقِلَّةِ مُرُوءَتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَمْتَنِعْ عَنْ مِثْلِهَا لَا يَمْتَنِعْ عَنْ الْكَذِبِ عَادَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ يُخْفِي السَّبَّ اهـ وَلَمْ يُعَلِّلْ أَحَدٌ لِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ بِالْكُفْرِ كَمَا تَرَى، نَعَمْ اسْتَثْنَوْا الْخَطَّابِيَّةِ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ شَهَادَةَ الزُّورِ لِأَشْيَاعِهِمْ أَوْ لِلْحَالِفِ، وَكَذَا نَصَّ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَهَذَا فِيمَنْ يَسُبُّ عَامَّةَ الصَّحَابَةِ وَيُكَفِّرُهُمْ بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلٍ لَهُ فَاسِدٍ. فَعُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّهُ كَافِرٌ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَمِعْت. وَقَدْ أَلَّفَ الْعَلَّامَةُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي رِسَالَةً فِي الرَّدِّ عَلَى الْخُلَاصَةِ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ مَا عُزِيَ إلَى الْجَوْهَرَةِ مِنْ الْكُفْرِ مَعَ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَى فَرْضِ وُجُودِهِ فِي الْجَوْهَرَةِ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً، فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ، فَكَيْفَ يَمِيلُ هُنَا إلَى التَّكْفِيرِ الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ فَضْلًا عَنْ مَيْلِهِ إلَى قَتْلِهِ وَإِنْ تَابَ، وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا أَنَّ الْمَذْهَبَ قَبُولُ تَوْبَةِ سَابِّ الرَّسُولِ ﷺ فَكَيْفَ سَابُّ الشَّيْخَيْنِ. وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ تَسَاهَلَ غَايَةَ التَّسَاهُلِ فِي الْإِفْتَاءِ بِقَتْلِهِ مَعَ قَوْلِهِ: وَقَدْ أَلْزَمْتُ نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى، نَعَمْ لَا شَكَّ فِي تَكْفِيرِ مَنْ قَذَفَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ، أَوْ اعْتَقَدَ الْأُلُوهِيَّةَ فِي عَلِيٍّ أَوْ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فِي الْوَحْيِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ الْمُخَالِفِ لِلْقُرْآنِ، وَلَكِنْ لَوْ تَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا حَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ، وَإِنْ أَرَدْت الزِّيَادَةَ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ فَفِيهِ الْكِفَايَةُ لِذَوِي الدِّرَايَةِ. (قَوْلُهُ وَيَكْفِينَا إلَخْ) هَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَهَذَا يُقَوِّي الْقَوْلَ إلَخْ وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ.

стр. 2369

وَفِي الْمَعْرُوضَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ قَالَ عَنْ فُصُوصِ الْحُكْمِ لِلشَّيْخِ مُحْيِى الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ صَنَّفَهُ لِلْإِضْلَالِ وَمَنْ طَالَعَهُ مُلْحِدٌ مَاذَا يَلْزَمُهُ؟ أَجَابَ: نَعَمْ فِيهِ كَلِمَاتٌ تُبَايِنُ الشَّرِيعَةَ، وَتَكَلَّفَ بَعْضُ الْمُتَصَلَّفِينَ لِإِرْجَاعِهَا إلَى الشَّرْعِ، لَكِنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ بَعْضَ الْيَهُودِ افْتَرَاهَا عَلَى الشَّيْخِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ فَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ بِتَرْكِ مُطَالَعَةِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَقَدْ صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِالنَّهْيِ فَيَجِبُ الِاجْتِنَابُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ انْتَهَى فَلْيُحْفَظْ، وَقَدْ أَثْنَى صَاحِبُ الْقَامُوسِ عَلَيْهِ فِي سُؤَالٍ رُفِعَ إلَيْهِ فِيهِ، فَكَتَبَ اللَّهُمَّ أَنْطِقْنَا بِمَا فِيهِ رِضَاك، الَّذِي أَعْتَقِدُهُ ــ [رد المحتار] وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا شَكَّ وَلَا شُبْهَةَ فِي كُفْرِ شَاتِمِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي اسْتِبَاحَةِ قَتْلِهِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ إذَا أَسْلَمَ. فَعِنْدَنَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَبُولُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَدَمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ حَدًّا أَوْ لَا. وَأَمَّا الرَّافِضِيُّ سَابُّ الشَّيْخَيْنِ بِدُونِ قَذْفٍ لِلسَّيِّدَةِ عَائِشَةَ وَلَا إنْكَارٍ لِصُحْبَةِ الصِّدِّيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ فَضْلًا عَنْ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ بَلْ هُوَ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْبُغَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مَطْلَبٌ فِي حَالِ الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ سَيِّدِي مُحْيِي الدِّينِ ابْنِ عَرَبِيٍّ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ (قَوْلُهُ لِلشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَاتِمِيُّ الطَّائِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْعَارِفُ الْكَبِيرُ ابْنُ عَرَبِيٍّ، وَيُقَالُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وُلِدَ سَنَةَ ٥٦٠ وَمَاتَ فِي رَبِيعٍ سَنَةَ ٦٣٦ وَدُفِنَ بِالصَّالِحِيَّةِ. وَحَسْبُك قَوْلُ زَرُّوقٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُحُولِ ذَاكِرِينَ بَعْضَ فَضْلِهِ، هُوَ أَعْرَفُ بِكُلِّ فَنٍّ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِذَا أُطْلِقَ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ فِي عُرْفِ الْقَوْمِ فَهُوَ الْمُرَادُ، وَتَمَامُهُ فِي ط عَنْ طَبَقَاتِ الْمُنَاوِيِّ (قَوْلُهُ بَعْضُ الْمُتَصَلَّفِينَ) أَيْ الْمُتَكَلِّفِينَ (قَوْلُهُ لَكِنَّا تَيَقَّنَّا إلَخْ) لَعَلَّ تَيَقُّنَهُ بِذَلِكَ بِدَلِيلٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ بِسَبَبِ عَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مُرَادِ الشَّيْخِ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا فَتَعَيَّنَ عِنْدَهُ أَنَّهَا مُفْتَرَاةٌ عَلَيْهِ؛ كَمَا وَقَعَ لِلْعَارِفِ الشَّعْرَانِيِّ أَنَّهُ افْتَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْحُسَّادِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَشْيَاءَ مُكَفِّرَةً وَأَشَاعَهَا عَنْهُ حَتَّى اجْتَمَعَ بِعُلَمَاءِ عَصْرِهِ وَأَخْرَجَ لَهُمْ مُسَوَّدَةَ كِتَابِهِ الَّتِي عَلَيْهَا خُطُوطُ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا هِيَ خَالِيَةٌ عَمَّا اُفْتُرِيَ عَلَيْهِ هَذَا. وَمَنْ أَرَادَ شَرْحَ كَلِمَاتِهِ الَّتِي اعْتَرَضَهَا الْمُنْكِرُونَ فَلْيَرْجِعْ إلَى كِتَابِ الرَّدِّ الْمَتِينِ عَلَى مُنْتَقِصِ الْعَارِفِ مُحْيِي الدِّينِ لِسَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيِّ (قَوْلُهُ فَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ إلَخْ) لِأَنَّهُ إنْ ثَبَتَ افْتِرَاؤُهَا فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَلَا يَفْهَمُ كُلُّ أَحَدٍ مُرَادَهُ فِيهَا، فَيَخْشَى عَلَى النَّاظِرِ فِيهَا مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ أَوْ فَهِمَ خِلَافَ الْمُرَادِ. وَلِلْحَافِظِ السُّيُوطِيّ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا تَنْبِيهُ الْغَبِيِّ بِتَبْرِئَةِ ابْنِ عَرَبِيٍّ ذَكَرَ فِيهَا أَنَّ النَّاسَ افْتَرَقُوا فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: الْفِرْقَةُ الْمُصِيبَةُ تَعْتَقِدُ وِلَايَتَهُ، وَالْأُخْرَى بِخِلَافِهَا. ثُمَّ قَالَ: وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ عِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ لَا يَرْضَاهَا الْفِرْقَتَانِ، وَهِيَ اعْتِقَادُ وِلَايَتِهِ وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ فِي كُتُبِهِ. فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: نَحْنُ قَوْمٌ يَحْرُمُ النَّظَرُ فِي كُتُبِنَا، وَذَلِكَ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَلْفَاظٍ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا وَأَرَادُوا بِهَا مَعَانِيَ غَيْرَ الْمَعَانِي الْمُتَعَارَفَةِ مِنْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَعَانِيهَا الْمُتَعَارَفَةِ كَفَرَ؛ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَقَالَ إنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالِاسْتِوَاءِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَصْلُ الْكِتَابِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ كُلِّ كَلِمَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يهدَسَّ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مُلْحِدٍ أَوْ زِنْدِيقٍ وَثُبُوتُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفَ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَمَنْ ادَّعَاهُ كَفَرَ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الْقَلْبِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنَّكُمْ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يُسْتَشْنَعُ ظَاهِرُهَا فَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى طَرِيقِنَا هَذَا أَنْ يَدَّعِيَهُ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَيْسَ أَهْلَهُ، وَالْمُتَصَدِّي لِلنَّظَرِ فِي كُتُبِهِ أَوْ إقْرَائِهَا لَمْ يَنْصَحْ نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِنْ الْقَاصِرِينَ عَنْ عُلُومِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ يَضِلُّ

стр. 2370

وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ إنَّهُ كَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - شَيْخَ الطَّرِيقَةِ حَالًا وَعِلْمًا، وَإِمَامَ الْحَقِيقَةِ حَقِيقَةً وَرَسْمًا وَمُحْيِي رُسُومِ الْمَعَارِفِ فِعْلًا وَاسْمًا: إذَا تَغَلْغَلَ فِكْرُ الْمَرْءِ فِي طَرَفٍ ... مِنْ عِلْمِهِ غَرِقَتْ فِيهِ خَوَاطِرُهُ عُبَابٌ لَا تُكَدِّرُ الدِّلَاءُ، وَسَحَابٌ تَتَقَاصَى عَنْهُ الْأَنْوَاءُ، كَانَتْ دَعْوَتُهُ تَخْرِقُ السَّبْعَ الطِّبَاقَ، وَتُفَرَّقُ بَرَكَاتُهُ فَتَمْلَأُ الْآفَاقَ. وَإِنِّي أَصِفُهُ وَهُوَ يَقِينًا فَوْقَ مَا وَصَفْتُهُ، وَنَاطِقٌ بِمَا كَتَبْتُهُ، ــ [رد المحتار] وَيُضِلُّ، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا فَلَيْسَ مِنْ طَرِيقَتِهِمْ إقْرَاءُ الْمُرِيدِينَ لِكُتُبِهِمْ، وَلَا يُؤْخَذُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ الْكُتُبِ اهـ مُلَخَّصًا. وَذَكَرَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ: سَمِعْت أَنَّ الْفَقِيهَ الْعَالِمَ الْعَلَّامَةَ عِزَّ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ كَانَ يَطْعَنُ فِي ابْنِ عَرَبِيٍّ وَيَقُولُ هُوَ زِنْدِيقٌ، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُرِيدُ أَنْ تُرِيَنِي الْقُطْبَ فَأَشَارَ إلَى ابْنِ عَرَبِيٍّ، فَقَالَ لَهُ أَنْتَ تَطْعَنُ فِيهِ: فَقَالَ حَتَّى أَصُونَ ظَاهِرَ الشَّرْعِ أَوْ كَمَا قَالَ. وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ كَمَالٍ بَاشَا فَتْوَى قَالَ فِيهَا بَعْدَ مَا أَبْدَعَ فِي مَدْحِهِ: وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا فُصُوصٌ حُكْمِيَّةٌ وَفُتُوحَاتٌ مَكِّيَّةٌ بَعْضُ مَسَائِلِهَا مَفْهُومُ النَّصِّ وَالْمَعْنَى وَمُوَافِقٌ لِلْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ وَالشَّرْعِ النَّبَوِيِّ؛ وَبَعْضُهَا خَفِيٌّ عَنْ إدْرَاكِ أَهْلِ الظَّاهِرِ دُونَ أَهْلِ الْكَشْفِ وَالْبَاطِنِ، وَمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَامِ يَجِبْ عَلَيْهِ السُّكُوتُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] - (قَوْلُهُ شَيْخُ الطَّرِيقَةِ حَالًا وَعِلْمًا) الطَّرِيقَةُ: هِيَ السِّيرَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالسَّالِكِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى: مِنْ قَطْعِ الْمَنَازِلِ وَالتَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ، وَالْحَالُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ مَعْنًى يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ تَصَنُّعٍ وَلَا اجْتِلَابٍ وَلَا اكْتِسَابٍ، مِنْ طَرَبٍ أَوْ حُزْنٍ، أَوْ قَبْضٍ أَوْ بَسْطٍ، أَوْ هَيْبَةٍ، وَيَزُولُ بِظُهُورِ صِفَاتِ النَّفْسِ سَوَاءٌ تَعَقَّبَهُ الْمِثْلُ أَوْ لَا فَإِذَا دَامَ وَصَارَ مَلَكَةً يُسَمَّى مَقَامًا، فَالْأَحْوَالُ مَوَاهِبُ، وَالْمَقَامَاتُ تَحْصُلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ، وَالْعِلْمُ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، وَمِنْهُ فِعْلِيٌّ وَهُوَ مَا لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْغَيْرِ وَانْفِعَالِيٌّ مَا أُخِذَ مِنْ الْغَيْرِ اهـ مِنْ تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ قَدَّسَ سِرَّهُ. (قَوْلُهُ وَإِمَامُ الْحَقِيقَةِ) هِيَ مُشَاهَدَةُ الرُّبُوبِيَّةِ بِالْقَلْبِ، وَيُقَالُ هِيَ سِرٌّ مَعْنَوِيٌّ لَا حَدَّ لَهُ وَلَا جِهَةَ، وَهِيَ وَالطَّرِيقَةُ وَالشَّرِيعَةُ مُتَلَازِمَةٌ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَهَا ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ؛ فَظَاهِرُهَا الشَّرِيعَةُ وَالطَّرِيقَةُ وَبَاطِنُهَا الْحَقِيقَةُ فَبُطُونُ الْحَقِيقَةِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ كَبُطُونِ الزُّبْدِ فِي لَبَنِهِ لَا يُظْفَرُ مِنْ اللَّبَنِ بِزُبْدِهِ بِدُونِ مَخْضِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إقَامَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنْ الْعَبْدِ اهـ مِنْ الْفُتُوحَاتِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْقَاضِي زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ حَقِيقَةً وَرَسْمًا) الْحَقِيقَةُ ضِدُّ الْمَجَازِ. وَالرَّسْمُ الْأَثَرُ أَوْ بَقِيَّتُهُ أَوْ مَا لَا شَخْصَ لَهُ مِنْ الْآثَارِ جَمْعُهُ أَرْسُمٌ وَرُسُومٌ قَامُوسٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ الْإِمَامُ مِنْ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ الظَّاهِرِ لِلْبَصَرِ (قَوْلُهُ فِعْلًا وَاسْمًا) أَيْ أَحْيَا آثَارَهَا مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ وَالِاسْمِ حَتَّى صَارَتْ الْمَعَارِفُ فَاعِلَةَ أَفْعَالِهَا وَمَشْهُورَةً بَيْنَ النَّاسِ (قَوْلُهُ إذَا تَغَلْغَلَ إلَخْ) هَذَا بَيْتٌ مِنْ بَحْرِ الْبَسِيطِ. وَالتَّغَلْغُلُ الدُّخُولُ وَالْإِسْرَاعُ. وَالْفِكْرُ: بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ إعْمَالُ النَّظَرِ فِي الشَّيْءِ. وَالْخَاطِرُ: الْهَاجِسُ قَامُوسٌ، وَهُوَ مَا يَخْطُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ تَدْبِيرِ أَمْرٍ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ عُبَابٌ) كَغُرَابٍ مُعْظَمُ السَّيْلِ وَكَثْرَتُهُ وَمَوْجُهُ. وَالدِّلَاءُ جَمْعُ دَلْوٍ: أَيْ لَا يَتَغَيَّرُ بِأَخْذِ الدِّلَاءِ مِنْهُ، لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ إلَى أَسْفَلِهِ لِكَثْرَتِهِ (قَوْلُهُ تَتَقَاصَى عَنْهُ الْأَنْوَاءُ) التَّقَاصِي: بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ التَّبَاعُدُ. وَالْأَنْوَاءُ: جَمْعُ نَوْءٍ وَهُوَ النَّجْمُ. وَاسْتِنَاءَهُ: طَلَبُ نَوْئِهِ أَيْ عَطَاءَهُ قَامُوسٌ: أَيْ أَنَّهُ سَحَابٌ تَتَبَاعَدُ عَنْ مَطَرِهِ وَفَيْضِهِ النُّجُومُ الَّتِي يَكُونُ الْمَطَرُ وَقْتَ طُلُوعِهَا، أَوْ تَتَبَاعَدُ عَنْهُ عَطَايَا النَّاسِ: أَيْ لَا تُشْبِهُهُ (قَوْلُهُ الْآفَاقَ) جَمْعُ أُفُقٍ بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ النَّاحِيَةُ وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوَاحِي الْفَلَكِ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ يَقِينًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ أَيْقَنَهُ، جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ ط (قَوْلُهُ وَنَاطِقٌ بِمَا كَتَبْته) الْمُرَادُ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِهِ وَأَنَّ الْقَوْلَ طَابَقَ الْفِعْلَ ط.

стр. 2371

وَغَالِبُ ظَنِّيِّ أَنِّي مَا أَنْصَفْتُهُ: وَمَا عَلَيَّ إذَا مَا قُلْتُ مُعْتَقَدِي ... دَعْ الْجَهُولَ يَظُنُّ الْجَهْلَ عُدْوَانًا وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَمَنْ ... أَقَامَهُ حُجَّةً لِلَّهِ بُرْهَانًا إنَّ الَّذِي قُلْتُ بَعْضٌ مِنْ مَنَاقِبِهِ ... مَا زِدْتُ إلَّا لَعَلِّي زِدْتُ نُقْصَانًا إلَى أَنْ قَالَ: وَمِنْ خَوَاصِّ كُتُبِهِ أَنَّهُ مَنْ وَاظَبَ عَلَى مُطَالَعَتِهَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ لِفَكِّ الْمُعْضِلَاتِ، وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْعَارِفُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ سِيَّمَا فِي كِتَابِهِ [تَنْبِيهُ الْأَغْبِيَاءِ، عَلَى قَطْرَةٍ مِنْ بَحْرِ عُلُومِ الْأَوْلِيَاءِ] فَعَلَيْك وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ (وَ) الْكَافِرُ بِسَبَبِ اعْتِقَادِ (السِّحْرِ) لَا تَوْبَةٌ لَهُ (وَلَوْ امْرَأَةً) فِي الْأَصَحِّ ــ [رد المحتار] وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى أَصِفُهُ (قَوْلُهُ مَا أَنْصَفْته) يُقَالُ أَنْصَفْته إنْصَافًا عَامَلْته بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ وَمَا عَلَيَّ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَوْ نَافِيَةٌ: أَيْ وَمَا عَلَيَّ شَيْءٌ (قَوْلُهُ يَظُنُّ الْجَهْلَ) أَيْ يَظُنُّ الْجَهْلَ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ أَوَّلُ أَوْ يَظُنُّ الظَّنَّ الْجَهْلَ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَقَوْلُهُ عُدْوَانًا أَيْ ظُلْمًا مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَوْ حَالٌ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قِيلَ إنَّ الْجَهْلَ بِمَعْنَى الْمَجْهُولِ مَفْعُولٌ أَوَّلُ وَعُدْوَانًا مَفْعُولٌ ثَانٍ: أَيْ ذَا عُدْوَانٍ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ بُرْهَانًا) هُوَ الْحُجَّةُ قَامُوسٌ، فَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ ط (قَوْلُهُ مِنْ مَنَاقِبِهِ) جَمْعُ مَنْقَبَةٍ وَهِيَ الْمَفْخَرَةُ قَامُوسٌ ط (قَوْلُهُ إلَّا لَعَلِّي) أَيْ لَكِنْ أَخَافُ وَأُشْفِقُ أَنِّي زِدْتُ مِنْ جِهَةِ النُّقْصَانِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِ، فَنُقْصَانًا تَمْيِيزٌ لَا مَفْعُولُ زِدْت لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ مَا قِيلَ فِي زَادَ النَّقْصُ أَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ حَتَّى يَتَسَلَّطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. مَطْلَبٌ فِي السَّاحِرِ وَالزِّنْدِيقِ (قَوْلُهُ وَالْكَافِرُ بِسَبَبِ اعْتِقَادِ السِّحْرِ) فِي الْفَتْحِ: السِّحْرُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاعْتِقَادُ إبَاحَتِهِ كُفْرٌ. وَعَنْ أَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ يَكْفُرُ السَّاحِرُ بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ سَوَاءٌ اعْتَقَدَ الْحُرْمَةَ أَوْ لَا وَيُقْتَلُ وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» يَعْنِي الْقَتْلَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُقْتَلُ وَلَا يَكْفُرُ إلَّا إذَا اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ. وَأَمَّا الْكَاهِنُ، فَقِيلَ هُوَ السَّاحِرُ، وَقِيلَ هُوَ الْعَرَّافُ الَّذِي يُحَدِّثُ وَيَتَخَرَّصُ، وَقِيلَ مَنْ لَهُ مِنْ الْجِنِّ مَنْ يَأْتِيهِ بِالْأَخْبَارِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَفْعَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ كَفَرَ لَا إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ تَخْيِيلٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ اعْتَقَدَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ مِثْلَ التَّقَرُّبِ إلَى الْكَوَاكِبِ وَأَنَّهَا تَفْعَلُ مَا يَلْتَمِسُهُ كَفَرَ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ حُكْمُهُ كَالسَّاحِرِ فِي رِوَايَةٍ يُقْتَلُ، وَفِي رِوَايَةٍ إنْ لَمْ يَتُبْ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي كُفْرِ السَّاحِرِ وَالْعَرَّافِ وَعَدَمِهِ. وَأَمَّا قَتْلُهُ فَيَجِبُ وَلَا يُسْتَتَابُ إذَا عُرِفَتْ مُزَاوَلَتُهُ لِعَمَلِ السِّحْرِ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ إلَّا إذَا اعْتَقَدَ مُكَفِّرًا، وَبِهِ جَزَمَ فِي النَّهْرِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا إنْ عُرِفَ تَعَاطِيهِ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ: اتَّخَذَ لُعْبَةً لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ. قَالُوا: هُوَ مُرْتَدٌّ وَيُقْتَلُ إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ لَهَا أَثَرًا وَيَعْتَقِدُ التَّفْرِيقَ مِنْ اللُّعْبَةِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ. اهـ. وَفِي نُورِ الْعَيْنِ عَنْ الْمُخْتَارَاتِ: سَاحِرٌ يُسْحِرُ وَيَدَّعِي الْخَلْقَ مِنْ نَفْسِهِ يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ لِرِدَّتِهِ. وَسَاحِرٌ يُسْحِرُ وَهُوَ جَاحِدٌ لَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ وَيُقْتَلُ إذَا ثَبَتَ سِحْرُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ. وَسَاحِرٌ يُسْحِرُ تَجْرِبَةً وَلَا يَعْتَقِدُ بِهِ لَا يَكْفُرُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السَّاحِرُ إذَا أَقَرَّ بِسِحْرِهِ أَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِيهِ سَوَاءٌ. وَقِيلَ يُقْتَلُ السَّاحِرُ الْمُسْلِمُ لَا الْكِتَابِيُّ، وَالْمُرَادُ مِنْ السَّاحِرِ غَيْرُ الْمُشَعْوِذِ وَلَا صَاحِبُ الطَّلْسَمِ وَلَا الَّذِي يَعْتَقِدُ

стр. 2372

لِسَعْيِهَا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، ثُمَّ قَالَ (وَ) كَذَا الْكَافِرُ بِسَبَبِ (الزَّنْدَقَةِ) - ــ [رد المحتار] الْإِسْلَامَ. وَالسِّحْرُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ أَمْرٌ كَائِنٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلشَّرِّ وَالضَّرَرِ بِالْخَلْقِ، وَالْوَسِيلَةُ إلَى الشَّرِّ شَرٌّ فَيَصِيرُ مَذْمُومًا. اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ: أَنَّ الْأَوَّلَ مُصَرِّحٌ بِمَا هُوَ كُفْرٌ. وَالثَّانِي لَا يَدْرِي كَيْفَ يَقُولُ كَمَا وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ لِأَنَّهُ جَاحِدٌ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُسْتَتَابُ: أَيْ لَا يُمْهَلُ طَلَبًا لِلتَّوْبَةِ لِأَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي دَفْعِ الْقَتْلِ عَنْهُ بَعْدَ أَخْذِهِ كَمَا يَأْتِي دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْخَنَّاقِ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الثَّالِثَ وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ يُقْتَلُ أَيْضًا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الضَّرَرِ، وَأَنَّ تَقْيِيدَ الشَّارِحِ بِكَوْنِهِ كَافِرًا بِسَبَبِ اعْتِقَادِ السِّحْرِ غَيْرُ قَيْدٍ، بَلْ يُقْتَلُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا أَوْ لَمْ يَكْفُرْ بِاعْتِقَادِهِ، نَعَمْ لَمَّا كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُسْلِمِ الَّذِي ارْتَدَّ قَيَّدَ بِذَلِكَ تَأَمَّلْ. وَعُلِمَ بِهِ وَبِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِ السِّحْرِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ اعْتِقَادٌ أَوْ عَمَلُ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ، وَلِذَا نَقَلَ فِي [تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ] عَنْ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَطَأٌ وَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ رَدَّ مَا لَزِمَ فِي شَرْطِ الْإِيمَانِ فَهُوَ كُفْرٌ وَإِلَّا فَلَا. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ أَصْحَابِنَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ كُفْرًا وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ وَقَدَّمْنَا فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ تَعْدَادَ أَنْوَاعِ السِّحْرِ وَتَمَامُ بَيَانِ ذَلِكَ فِي رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ [سَلْ الْحُسَامِ الْهِنْدِيِّ لِنُصْرَةِ مَوْلَانَا خَالِدٍ النَّقْشَبَنْدِيِّ] (قَوْلُهُ لِسَعْيِهَا إلَخْ) أَيْ لَا بِسَبَبِ اعْتِقَادِهَا الَّذِي هُوَ رِدَّةٌ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ عِنْدَنَا، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا فِي الْمُنْتَقَى أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ بَلْ تُحْبَسُ وَتُضْرَبُ كَالْمُرْتَدَّةِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ. مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وَالْمُنَافِقِ وَالدَّهْرِيِّ وَالْمُلْحِدِ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْكَافِرُ بِسَبَبِ الزِّنْدِيقِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي رِسَالَتِهِ: الزِّنْدِيقُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَنْفِي الْبَارِيَ تَعَالَى، وَعَلَى مَنْ يُثْبِتُ الشَّرِيكَ، وَعَلَى مَنْ يُنْكِرُ حِكْمَتَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ الْعُمُومُ الْوَجْهِيُّ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ مُرْتَدًّا، كَمَا لَوْ كَانَ زِنْدِيقًا أَصْلِيًّا غَيْرَ مُنْتَقِلٍ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالْمُرْتَدُّ قَدْ لَا يَكُونُ زِنْدِيقًا كَمَا لَوْ تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا فَيَتَزَنْدَقُ. وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ، فَالْفَرْقُ أَظْهَرُ لِاعْتِبَارِهِمْ فِيهِ إبْطَانَ الْكُفْرِ وَالِاعْتِرَافَ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ، لَكِنَّ الْقَيْدَ الثَّانِيَ فِي الزِّنْدِيقِ الْإِسْلَامِيِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وَالْمُنَافِقِ وَالدَّهْرِيِّ وَالْمُلْحِدِ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي إبْطَانِ الْكُفْرِ أَنَّ الْمُنَافِقَ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَالدَّهْرِيَّ كَذَلِكَ مَعَ إنْكَارِهِ إسْنَادَ الْحَوَادِثِ إلَى الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ . وَالْمُلْحِدُ: وَهُوَ مَنْ مَالَ عَنْ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ إلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْكُفْرِ، مَنْ أَلْحَدَ فِي الدِّينِ: حَادَ وَعَدَلَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاعْتِرَافُ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَلَا بِوُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى وَبِهَذَا فَارَقَ الدَّهْرِيَّ أَيْضًا، وَلَا إضْمَارَ الْكُفْرِ وَبِهِ فَارَقَ الْمُنَافِقَ، وَلَا سَبَقَ الْإِسْلَامَ وَبِهِ فَارَقَ الْمُرْتَدَّ، فَالْمُلْحِدُ أَوْسَعُ فِرَقِ الْكُفْرِ حَدًّا: أَيْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكُلِّ اهـ مُلَخَّصًا. قُلْتُ: لَكِنَّ الزِّنْدِيقَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا وَقَدْ يَكُونُ كَافِرًا مِنْ الْأَصْلِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاعْتِرَافُ بِالنُّبُوَّةِ وَسَيَأْتِي عَنْ الْفَتْحِ تَفْسِيرُهُ بِمَنْ لَا يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ. ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ الزِّنْدِيقِ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا دَاعِيًا إلَى الضَّلَالِ أَوْ لَا. وَالثَّانِي مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ زِنْدِيقًا مِنْ الْأَصْلِ عَلَى الشِّرْكِ، أَوْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَيَتَزَنْدَقَ، أَوْ يَكُونَ ذِمِّيًّا فَيَتَزَنْدَقَ، فَالْأَوَّلُ يُتْرَكُ عَلَى شِرْكِهِ إنْ كَانَ مِنْ الْعَجَمِ، أَيْ بِخِلَافِ مُشْرِكِ الْعَرَبِ

стр. 2373

لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَجَعَلَهُ فِي الْفَتْحِ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ (إذَا أُخِذَ) السَّاحِرُ أَوْ الزِّنْدِيقُ الْمَعْرُوفُ الدَّاعِي (قَبْلَ تَوْبَتِهِ) ثُمَّ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ وَيُقْتَلْ، وَلَوْ أُخِذَ بَعْدَهَا قُبِلَتْ. وَأَفَادَ فِي السِّرَاجِ أَنَّ الْخَنَّاقَ لَا تَوْبَةَ لَهُ. وَفِي الشُّمُنِّيِّ: الْكَاهِنُ قِيلَ كَالسَّاحِرِ. وَفِي حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ لِمُنْلَا خُسْرو: ــ [رد المحتار] فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ. وَالثَّانِي يُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ. وَفِي الثَّالِثِ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ اهـ وَالْأَوَّلُ أَيْ الْمَعْرُوفُ الدَّاعِي لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَئُوبَ بِالِاخْتِيَارِ وَيَرْجِعَ عَمَّا فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ أَوَّلًا، وَالثَّانِي يُقْتَلُ دُونَ الْأَوَّلِ اهـ وَتَمَامُهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ) تَصْرِيحٌ بِوَجْهِ الشَّبَهِ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي نَفْيِ الْقَتْلِ عَنْهُ كَمَا مَرَّ فِي السَّابِّ، وَلِذَا نَقَلَ الْبِيرِيُّ عَنْ الشُّمُنِّيّ بَعْدَ نَقْلِهِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِي الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حَقِّ الدُّنْيَا، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِلَا خِلَافٍ اهـ وَنَحْوُهُ فِي رِسَالَةِ ابْنِ كَمَالٍ (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْفَتْحِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا التَّفْصِيلَ. وَنَقَلَ فِي النَّهْرِ عَنْ الدِّرَايَةِ رِوَايَتَيْنِ فِي الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّفْصِيلُ مَحْمَلَ الرِّوَايَتَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ الْمَعْرُوفُ) أَيْ بِالزَّنْدَقَةِ الدَّاعِي أَيْ الَّذِي يَدْعُو النَّاسُ إلَى زَنْدَقَتِهِ. اهـ. ح. فَإِنْ قُلْتُ: كَيْفَ يَكُونُ مَعْرُوفًا دَاعِيًا إلَى الضَّلَالِ، وَقَدْ اعْتَبَرَ فِي مَفْهُومِهِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يُبْطِنَ الْكُفْرَ. قُلْتُ: لَا بُعْدَ فِيهِ، فَإِنَّ الزِّنْدِيقَ يُمَوِّهُ كُفْرَهُ وَيُرَوِّجُ عَقِيدَتَهُ الْفَاسِدَةَ وَيُخْرِجُهَا فِي الصُّورَةِ الصَّحِيحَةِ، وَهَذَا مَعْنَى إبْطَالِ الْكُفْرِ، فَلَا يُنَافِي إظْهَارَهُ الدَّعْوَى إلَى الضَّلَالِ وَكَوْنِهِ مَعْرُوفًا بِالْإِضْلَالِ اهـ. ابْنُ كَمَالٍ (قَوْلُهُ أَنَّ الْخَنَّاقَ لَا تَوْبَةَ لَهُ) أَفَادَ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ أَنَّ مَنْ خَنَقَ مَرَّةً لَا يُقْتَلُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ قُبَيْلَ الْجِهَادِ: وَمَنْ تَكَرَّرَ الْخَنْقُ مِنْهُ فِي الْمِصْرِ قُتِلَ بِهِ وَإِلَّا لَا. اهـ. ط. قُلْتُ: ذِكْرُ الْخَنَّاقِ هُنَا اسْتِطْرَادِيٌّ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْكَافِرِ الَّذِي لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَالْخَنَّاقُ غَيْرُ كَافِرٍ، وَإِنَّمَا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْ الْعِبَادِ، وَمِثْلُهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ: مَطْلَبٌ فِي الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ (قَوْلُهُ الْكَاهِنُ قِيلَ كَالسَّاحِرِ) فِي الْحَدِيثِ " «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَالْكَاهِنُ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ لِلسُّيُوطِيِّ: مَنْ يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنْ الْكَائِنَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ. وَالْعَرَّافُ: الْمُنَجِّمُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ مَكَانِ الْمَسْرُوقِ وَالضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَاهِنَ مَنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْغَيْبِ بِأَسْبَابٍ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ فَلِذَا انْقَسَمَ إلَى أَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَالْعَرَّافِ. وَالرَّمَّالِ وَالْمُنَجِّمِ: وَهُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ بِطُلُوعِ النَّجْمِ وَغُرُوبِهِ، وَاَلَّذِي يَضْرِبُ بِالْحَصَى، وَاَلَّذِي يَدَّعِي أَنَّ لَهُ صَاحِبًا مِنْ الْجِنِّ يُخْبِرُهُ عَمَّا سَيَكُونُ، وَالْكُلُّ مَذْمُومٌ شَرْعًا، مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مُصَدِّقِهِمْ بِالْكُفْرِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: يَكْفُرُ بِادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ وَبِإِتْيَانِ الْكَاهِنِ وَتَصْدِيقِهِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ أَنَا أَعْلَمُ الْمَسْرُوقَاتِ أَوْ أَنَا أُخْبِرُ عَنْ إخْبَارِ الْجِنِّ إيَّايَ اهـ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا أَرْبَابُ التَّقَاوِيمِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَاهِنِ لِادِّعَائِهِمْ الْعِلْمَ بِالْحَوَادِثِ الْكَائِنَةِ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ لِبَعْضِ

стр. 2374

الدَّاعِي إلَى الْإِلْحَادِ وَالْإِبَاحِيُّ كَالزِّنْدِيقِ. وَفِي الْفَتْحِ: وَالْمُنَافِقُ الَّذِي يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ كَالزِّنْدِيقِ الَّذِي لَا يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ، وَكَذَا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُنْكِرُ فِي الْبَاطِنِ بَعْضَ الضَّرُورِيَّاتِ كَحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَيُظْهِرُ اعْتِقَادَ حُرْمَتِهِ، ــ [رد المحتار] الْخَوَاصِّ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ بِالْوَحْيِ أَوْ الْإِلْهَامِ فَهُوَ بِإِعْلَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ حَاشِيَةِ نُوحٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ. مَطْلَبٌ فِي دَعْوَى عِلْمِ الْغَيْبِ قُلْتُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ دَعْوَى عِلْمِ الْغَيْبِ مُعَارِضَةٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ فَيَكْفُرُ بِهَا، إلَّا إذَا أُسْنِدَ ذَلِكَ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً إلَى سَبَبٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَوَحْيٍ أَوْ إلْهَامٍ، وَكَذَا لَوْ أَسْنَدَهُ إلَى أَمَارَةٍ عَادِيَّةٍ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِهِ مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ: وَأَمَّا عِلْمُ النُّجُومِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَسَنٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ، إذْ هُوَ قِسْمَانِ: حِسَابِيٌّ وَإِنَّهُ حَقٌّ وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ. قَالَ تَعَالَى - ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]- أَيْ سَيْرُهُمَا بِحُسْبَانٍ. وَاسْتِدْلَالِيٌّ بِسَيْرِ النُّجُومِ وَحَرَكَةِ الْأَفْلَاكِ عَلَى الْحَوَادِثِ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ كَاسْتِدْلَالِ الطَّبِيبِ بِالنَّبْضِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ ادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ بِنَفْسِهِ يَكْفُرُ اهـ وَتَمَامُ تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ يُطْلَبُ مِنْ رِسَالَتِنَا سَلِّ الْحُسَامِ الْهِنْدِيِّ (قَوْلُهُ الدَّاعِي إلَى الْإِلْحَادِ) قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ كَمَالٍ بَيَانَهُ (قَوْلُهُ وَالْإِبَاحِيُّ) أَيْ الَّذِي يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ مُعْتَقَدُ الزَّنَادِقَةِ. فَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ الزِّنْدِيقُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ بِبَقَاءِ الدَّهْرِيِّ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْحُرُمَ مُشْتَرَكَةٌ. اهـ. وَفِي رِسَالَةِ ابْنِ كَمَالٍ عَنْ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِ [التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ] وَمِنْ جِنْسِ ذَلِكَ مَا يَدَّعِيهِ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي التَّصَوُّفَ أَنَّهُ بَلَغَ حَالَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَسْقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةَ وَحَلَّ لَهُ شُرْبُ الْمُسْكِرِ وَالْمَعَاصِي وَأَكْلُ مَالِ السُّلْطَانِ، فَهَذَا مِمَّا لَا أَشُكُّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إذْ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ؛ وَيَنْفَتِحُ بِهِ بَابٌ مِنْ الْإِبَاحَةِ لَا يَنْسَدُّ؛ وَضَرَرُ هَذَا فَوْقَ ضَرَرِ مَنْ يَقُولُ بِالْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّهُ يُمْتَنَعُ عَنْ الْإِصْغَاءِ إلَيْهِ لِظُهُورِ كُفْرِهِ. أَمَّا هَذَا فَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ إلَّا تَخْصِيصَ عُمُومِ التَّكْلِيفِ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ دَرَجَتِهِ فِي الدِّينِ وَيَتَدَاعَى هَذَا إلَى أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ فَاسِقٍ مِثْلَ حَالِهِ اهـ. مُلَخَّصًا. مَطْلَبٌ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إذَا ظَهَرَتْ بِدْعَتُهُمْ وَفِي نُورِ الْعَيْنِ عَنْ التَّمْهِيدِ: أَهْلُ الْأَهْوَاءِ إذَا ظَهَرَتْ بِدْعَتُهُمْ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْكُفْرَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ قَتْلُهُمْ جَمِيعًا إذَا لَمْ يَرْجِعُوا وَلَمْ يَتُوبُوا، وَإِذَا تَابُوا وَأَسْلَمُوا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ جَمِيعًا إلَّا الْإِبَاحِيَّةَ وَالْغَالِيَةَ وَالشِّيعَةَ مِنْ الرَّوَافِضِ وَالْقَرَامِطَةَ وَالزَّنَادِقَةَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَيُقْتَلُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَقَبْلَهَا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا بِالصَّانِعِ تَعَالَى حَتَّى يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ تَابَ قَبْلَ الْأَخْذِ وَالْإِظْهَارِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا، فَأَمَّا فِي بِدْعَةٍ لَا تُوجِبُ الْكُفْرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّعْزِيرُ بِأَيِّ وَجْهٍ يُمْكِنُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِلَا حَبْسٍ وَضَرْبٍ يَجُوزُ حَبْسُهُ وَضَرْبُهُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْمَنْعُ بِلَا سَيْفٍ إنْ كَانَ رَئِيسُهُمْ وَمُقْتَدَاهُمْ جَازَ قَتْلُهُ سِيَاسَةً وَامْتِنَاعًا. وَالْمُبْتَدِعُ لَوْ لَهُ دَلَالَةٌ وَدَعْوَةٌ لِلنَّاسِ إلَى بِدْعَتِهِ وَيَتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنْ يَنْشُرَ الْبِدْعَةَ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ جَازَ لِلسُّلْطَانِ قَتْلُهُ سِيَاسَةً وَزَجْرًا لِأَنَّ فَسَادَهُ أَعْلَى وَأَعَمُّ حَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الدِّينِ. وَالْبِدْعَةُ لَوْ كَانَتْ كُفْرًا يُبَاحُ قَتْلُ أَصْحَابِهَا عَامًا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ كُفْرًا يُقْتَلُ مُعَلِّمُهُمْ وَرَئِيسُهُمْ زَجْرًا وَامْتِنَاعًا. اهـ. (قَوْلُهُ الَّذِي لَا يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ

стр. 2375

وَتَمَامُهُ فِيهِ. وَفِيهِ: يَكْفُرُ السَّاحِرُ بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ أَوْ لَا وَيُقْتَلُ انْتَهَى؛ لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ: لَوْ اسْتَعْمَلَهُ لِلتَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ وَلَا يَعْتَقِدُهُ لَا يَكْفُرُ ــ [رد المحتار] الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى دِينٍ، أَوْ الَّذِي يَكُونُ اعْتِقَادُهُ خَارِجًا عَنْ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ. وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي سَيَذْكُرُهُ عَنْهُ، وَقَدَّمْنَا عَنْ رِسَالَةِ ابْنِ كَمَالٍ تَفْسِيرَهُ شَرْعًا بِمَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَهَذَا أَعَمُّ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمُنَافِقِ فِي عَدَمِ قَبُولِنَا تَوْبَتَهُ كَالزِّنْدِيقِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الزِّنْدِيقِ لِعَدَمِ الِاطْمِئْنَانِ إلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ التَّوْبَةِ إذَا كَانَ يُخْفِي كُفْرَهُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ اعْتِقَادِهِ دِينًا، وَالْمُنَافِقُ مِثْلُهُ فِي الْإِخْفَاءِ. وَعَلَى هَذَا فَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِحَالِهِ إمَّا بِأَنْ يَعْثُرَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَيْهِ أَوْ يَسُرَّهُ إلَى مَنْ أَمِنَ إلَيْهِ اهـ. مَطْلَبٌ حُكْمُ الدُّرُوزِ وَالتَّيَامِنَةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة [تَنْبِيهٌ] يُعْلَمُ مِمَّا هُنَا حُكْمُ الدُّرُوزِ وَالتَّيَامِنَةِ فَإِنَّهُمْ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَالصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ مَعَ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَنَاسُخَ الْأَرْوَاحِ وَحِلَّ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَأَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ تَظْهَرُ فِي شَخْصٍ بَعْدَ شَخْصٍ وَيَجْحَدُونَ الْحَشْرَ وَالصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَالْحَجَّ، وَيَقُولُونَ الْمُسَمَّى بِهِ غَيْرُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَيَتَكَلَّمُونَ فِي جَنَابِ نَبِيِّنَا ﷺ كَلِمَاتٍ فَظِيعَةً. وَلِلْعَلَّامَةِ الْمُحَقِّقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيِّ فِيهِمْ فَتْوَى مُطَوَّلَةٌ، وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُمْ يَنْتَحِلُونَ عَقَائِدَ النُّصَيْرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة الَّذِينَ يُلَقَّبُونَ بِالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ. وَنَقَلَ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إقْرَارُهُمْ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ بِجِزْيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ، وَفِيهِمْ فَتْوَى فِي الْخَيْرِيَّةِ أَيْضًا فَرَاجِعْهَا. مَطْلَبٌ جُمْلَةُ مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ اسْمُ الزِّنْدِيقِ وَالْمُنَافِقِ وَالْمُلْحِدِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ إقْرَارَهُمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ هَذَا الِاعْتِقَادِ الْخَبِيثِ لَا يَجْعَلُهُمْ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّ لِعَدَمِ التَّصْدِيقِ، وَلَا يَصِحُّ إسْلَامُ أَحَدِهِمْ ظَاهِرًا إلَّا بِشَرْطِ التَّبَرِّي عَنْ جَمِيعِ مَا يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ الْإِسْلَامَ وَيُقِرُّونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَبَعْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ أَصْلًا. وَذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ سَأَلَ فُقَهَاءَ سَمَرْقَنْدَ عَنْ رَجُلٍ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ ثُمَّ أُقِرُّ بِأَنِّي كُنْت أَعْتَقِدُ مَعَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الْقَرَامِطَةِ وَأَدْعُو إلَيْهِ وَالْآنَ تُبْت وَرَجَعْت وَهُوَ يُظْهِرُ الْآنَ مَا كَانَ يُظْهِرُهُ قَبْلُ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ: قَتْلُ الْقَرَامِطَةِ وَاسْتِئْصَالُهُمْ فَرْضٌ. وَأَمَّا هَذَا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، فَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالَ يُتَغَفَّلُ وَيُقْتَلُ: أَيْ تُطْلَبُ غَفْلَتُهُ فِي عِرْفَانِ مَذْهَبِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِغْفَالٍ لِأَنَّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَدَعَا النَّاسَ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِي بَعْدُ مِنْ التَّوْبَةِ وَلَوْ قُبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ لَهَدَمُوا الْإِسْلَامَ وَأَضَلُّوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمْكِنَ قَتْلُهُمْ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَنَقَلَ عِدَّةَ فَتَاوَى عَنْ أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لَكِنْ تَقَدَّمَ اعْتِمَادُ قَبُولِ التَّوْبَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ لَا بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ) أَيْ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْهَا وَالِاسْتِدْرَاكُ عَلَى قَوْلِ الْفَتْحِ أَوْ لَا: أَيْ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ تَحْرِيمَهُ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ فِي الْفَتْحِ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِنَا وَأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ مَا لَمْ يَعْتَقِدْ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ لَكِنَّهُ يُقْتَلُ، وَلَعَلَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَا هُوَ كُفْرٌ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]- وَعَلَى هَذَا فَغَيْرُ الْمُكَفِّرِ لَا يُسَمَّى سِحْرًا، وَيُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُخْتَارَاتِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاحِرِ غَيْرُ الْمُشَعْوِذِ وَلَا صَاحِبُ الطَّلْسَمِ وَلَا مَنْ يَعْتَقِدُ الْإِسْلَامَ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ يَعْتَقِدْ مَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ، وَلِذَا قَالَ هُنَا وَلَا يَعْتَقِدُهُ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ يُسَمَّى سَاحِرًا مَا لَمْ يَعْتَقِدْ أَوْ يَفْعَلْ مَا هُوَ كُفْرٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

стр. 2376

وَحِينَئِذٍ فَالْمُسْتَثْنَى أَحَدَ عَشَرَ. (وَ) اعْلَمْ أَنَّ (كُلَّ مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ إلَّا) جَمَاعَةً (الْمَرْأَةَ وَالْخُنْثَى، وَمَنْ إسْلَامُهُ تَبَعًا، وَالصَّبِيَّ إذَا أَسْلَمَ، وَالْمُكْرَهَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ثُمَّ رَجَعَا) زَادَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ انْتَهَى. وَلَوْ شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ يُنْكِرُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، وَقِيلَ تُقْبَلُ؛ وَلَوْ عَلَى نَصْرَانِيَّةٍ قُبِلَتْ اتِّفَاقًا، وَتَمَامُهُ فِي آخِرِ كَرَاهِيَةِ الدُّرَرِ، وَيُلْحَقُ بِالصَّبِيِّ مَنْ وَلَدَتْهُ الْمُرْتَدَّةُ بَيْنَنَا إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا، ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ جُمْلَةُ مَنْ لَا يُقْتَلُ إذَا ارْتَدَّ (قَوْلُهُ فَالْمُسْتَثْنَى أَحَدَ عَشَرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَكُلُّ مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ إلَّا أَحَدَ عَشَرَ: مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، وَسَابُّ النَّبِيِّ ﵊، وَسَابُّ أَحَدِ الشَّيْخَيْنِ، وَالسَّاحِرُ، وَالزِّنْدِيقُ وَالْخَنَّاقُ؛ وَالْكَاهِنُ، وَالْمُلْحِدُ، وَالْإِبَاحِيُّ وَالْمُنَافِقُ، وَمُنْكِرُ بَعْضِ الضَّرُورِيَّاتِ بَاطِنًا. اهـ. ح. قُلْت: لَكِنَّ السَّاحِرَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُرْتَدًّا بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَوْ كَافِرًا كَمَا مَرَّ، وَالْخَنَّاقُ غَيْرُ كَافِرٍ وَإِنَّمَا يُقْتَلُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا الزِّنْدِيقُ الدَّاعِي وَالْمُلْحِدُ وَمَا بَعْدَهُ فَيَكْفِي فِيهِ إظْهَارُهُ لِلْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ جُمْلَةِ مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا ارْتَدَّ أَوْ لَمْ يَرْتَدَّ أَوْ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا؛ وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَكَذَا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ كَمَا مَرَّ عَنْ التَّمْهِيدِ، وَكَذَا الْعَوَانِي كَمَا مَرَّ فِي بَابِ التَّعْزِيرِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ شُرْبٍ. وَأَمَّا ذِكْرُ سَابِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أَحَدِ الشَّيْخَيْنِ فَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ (قَوْلُهُ الْمَرْأَةَ) يُسْتَثْنَى مِنْهَا الْمُرْتَدَّةُ بِالسِّحْرِ كَمَا مَرَّ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَالْخُنْثَى) أَيْ الْمُشْكِلَ فَإِنَّهُ إذَا ارْتَدَّ لَمْ يُقْتَلْ وَيُحْبَسْ وَيُجْبَرْ عَلَى الْإِسْلَامِ بَحْرٌ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة (قَوْلُهُ وَمَنْ إسْلَامُهُ تَبَعًا) صَوَابُهُ تَبَعٌ. اهـ. ح. قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ: صَبِيٌّ أَبَوَيْهِ مُسْلِمَانِ حَتَّى حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ فَبَلَغَ كَافِرًا وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إقْرَارٌ بِاللِّسَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يُقْتَلُ لِانْعِدَامِ الرِّدَّةِ مِنْهُ إذْ هِيَ اسْمٌ لِلتَّكْذِيبِ بَعْدَ سَابِقَةِ التَّصْدِيقِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّصْدِيقُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ ارْتَدَّ بِقَتْلٍ وَلَكِنَّهُ فِي الْأُولَى يُحْبَسُ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْبُلُوغِ تَبَعًا، وَالْحُكْمُ فِي أَكْسَابِهِ كَالْحُكْمِ فِي أَكْسَابِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ حُكْمًا اهـ (قَوْلُهُ وَالصَّبِيَّ إذَا أَسْلَمَ) أَيْ اسْتِقْلَالًا بِنَفْسِهِ لَا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ الْمَسْأَلَةُ الْمَارَّةُ، وَأَطْلَقَ عَدَمَ قَتْلِهِ فَشَمَلَ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ. فَفِي الْبَحْرِ: لَوْ بَلَغَ مُرْتَدًّا لَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي إسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ: وَبَقِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ عَنْ الْمَبْسُوطِ، وَهِيَ مَا لَوْ ارْتَدَّ الصَّبِيُّ فِي صِغَرِهِ. فَعُلِمَ أَنَّ الْأَوْلَى فِيمَا إذَا ارْتَدَّ حَالَ الْبُلُوغِ: أَيْ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِقَادِ فَيَصِيرُ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ فَتْحٌ، وَفِيهِ بَعْدَ نَقْلِهِ هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَنْ الْمَبْسُوطِ. قَالَ: وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَا) لِأَنَّ الرُّجُوعَ شُبْهَةُ الْكَذِبِ فِي الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) هَذَا عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ كَمَا سَتَرَاهُ ح (قَوْلُهُ وَقِيلَ تُقْبَلُ) يُوهِمُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى اتِّفَاقِيَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيُمْكِنُ إرْجَاعُهُ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ (قَوْلُهُ وَلَوْ عَلَى نَصْرَانِيَّةٍ قُبِلَتْ اتِّفَاقًا) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ وَلَكِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ. وَفِي النَّوَادِرِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَشَهَادَةُ نَصْرَانِيَّيْنِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي آخِرِ كَرَاهِيَةِ الدُّرَرِ كَمَا فِي ح وَاعْتَمَدَ قَاضِي خَانْ قَوْلَ الْإِمَامِ بِعَدَمِ الْقَتْلِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِأَنَّ أَيَّ نَفْسٍ كَانَتْ لَا تُقْتَلُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ط عَنْ نُوحٍ أَفَنْدِي (قَوْلُهُ مَنْ وَلَدَتْهُ الْمُرْتَدَّةُ بَيْنَنَا) لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَأُمِّهِ لَكِنَّهُ لَا يُقْتَلُ كَمَنْ كَانَ إسْلَامُهُ

стр. 2377

وَالسَّكْرَانُ إذَا أَسْلَمَ وَكَذَا اللَّقِيطُ لِأَنَّ إسْلَامَهُ حُكْمِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ، وَقَيَّدَ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا الْمُكْرَهَ بِالْحَرْبِيِّ. أَمَّا الذِّمِّيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ انْتَهَى، لَكِنْ حَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ عَلَى جَوَابِ الْقِيَاسِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَصِحُّ فَلْيُحْفَظْ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُسْتَثْنَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ. (شَهِدُوا عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ) لَا لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ الْعُدُولِ بَلْ (لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ) يَعْنِي فَيُمْتَنَعُ الْقَتْلُ فَقَطْ. وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ كَحَبْطِ عَمَلٍ وَبُطْلَانِ وَقْفٍ وَبَيْنُونَةِ زَوْجَةٍ لَوْ فِيمَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِلَّا قُتِلَ كَالرِّدَّةِ بِسَبِّهِ ﵊ كَمَا مَرَّ أَشْبَاهٌ. زَادَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَغْلَطُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُسْتَثْنَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ. وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ: مَا يَكُونُ كُفْرًا اتِّفَاقًا يُبْطِلُ الْعَمَلَ ــ [رد المحتار] تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ وَلَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ فَبَلَغَ كَافِرًا كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ بَيْنَنَا أَيْ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ قَيْدٍ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَوْ ارْتَدَّا مَعًا فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُجْبَرُ بِالضَّرْبِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِنْ حَبِلَتْ بِهِ ثَمَّةَ (قَوْلُهُ وَالسَّكْرَانُ إذَا أَسْلَمَ) يَعْنِي فَإِنَّ إسْلَامَهُ يَصِحُّ، فَإِنْ ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إذَا ارْتَدَّ بَحْرٌ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة. قُلْت: أَيْ إنْ ارْتَدَّ بَعْدَ صَحْوِهِ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّ فِي إسْلَامِهِ شُبْهَةً (قَوْلُهُ لِأَنَّ إسْلَامَهُ حُكْمِيٌّ) أَيْ بِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ (قَوْلُهُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَصِحُّ) وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ رَمْلِيٌّ وَهُوَ الصَّوَابُ ط عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. قُلْت: وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إنَّمَا يُقَاتَلُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَصَالَةً فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْتِزَامِ الذِّمَّةِ لَا يُقَاتَلُ عَلَيْهِ، فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ إسْلَامُهُ بِالْإِكْرَاهِ: كَمَا لَا تَصِحُّ رِدَّةُ الْمُسْلِمِ بِهِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَصِحُّ، لَكِنْ لَوْ ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ (قَوْلُهُ فَالْمُسْتَثْنَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ) لِأَنَّ الْمُكْرَهَ تَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ: الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمِنُ، وَشَهَادَةُ نَصْرَانِيَّيْنِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ صُورَتَانِ، وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِدُونِ إقْرَارٍ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُتُونِ أَوَّلَ الْبَابِ، وَإِسْلَامُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرُوا الْإِقْرَارَ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْإِنْكَارَ مَعَ الْإِقْرَارِ بِهِمَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ، وَإِذَا رُفِعَتْ الْمُرْتَدَّةُ إلَى الْإِمَامِ فَقَالَتْ مَا ارْتَدَدْت وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ كَانَ هَذَا تَوْبَةً مِنْهَا تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الْبِيرِيِّ عَلَى الْأَشْبَاهِ قَالَ: كَوْنُ مُجَرَّدِ الْإِنْكَارِ تَوْبَةً غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ: إذَا جَحَدَ الْمُرْتَدُّ الرِّدَّةَ وَأَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَبِمَعْرِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَبِدِينِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا مِنْهُ تَوْبَةٌ اهـ (قَوْلُهُ كَحَبْطِ عَمَلٍ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَبُطْلَانِ وَقْفٍ) أَيْ الَّذِي وَقَفَهُ حَالَ إسْلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى قُرْبَةٍ ابْتِدَاءً أَوْ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَلَا بَقَاءَ لَهَا مَعَ وُجُودِ الرِّدَّةِ، وَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا لَا يَعُودُ وَقْفُهُ إلَّا بِتَجْدِيدٍ مِنْهُ، وَإِذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ كَانَ الْوَقْفُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ بَحْرٌ عَنْ الْخَصَّافِ. (قَوْلُهُ وَبَيْنُونَةِ زَوْجَةٍ) وَتَكُونُ فَسْخًا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فُرْقَةٌ بِطَلَاقٍ وَلَوْ هِيَ الْمُرْتَدَّةُ فَبِغَيْرِ طَلَاقٍ إجْمَاعًا، ثُمَّ إذَا تَابَ وَأَسْلَمَ تَرْتَفِعُ تِلْكَ الْبَيْنُونَةُ بِيرِيٌّ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَأَقَرَّهُ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَرْفَعُ أَصْلُهُ لَا تَرْتَفِعُ فَسَقَطَتْ لَفْظَةُ لَا النَّافِيَةِ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ وَإِلَّا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِفُرُوعِهِمْ الْكَثِيرَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي بَابِ نِكَاحِ الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ الْمُصَرِّحَةِ بِلُزُومِ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ، وَمِنْهَا مَا يَأْتِي قَرِيبًا، وَصَرَّحَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِنَايَةِ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إسْلَامِهِ كَبُطْلَانِ وَقْفِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ صَحِيحًا بِإِسْلَامِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَوْ فِيمَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) شَرَطَ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ فَيُمْتَنَعُ الْقَتْلُ ط (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) قَدَّمْنَا مَا فِيهِ (قَوْلُهُ وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَغْلَطُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ) أَيْ حَيْثُ فَهِمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ أَصْلًا حَتَّى فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ فَالْمُسْتَثْنَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ)

стр. 2378

وَالنِّكَاحَ وَأَوْلَادُهُ أَوْلَادُ زِنًا، وَمَا فِيهِ خِلَافٌ يُؤْمَرُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ وَتَجْدِيدِ النِّكَاحِ (وَلَا يُتْرَكُ) الْمُرْتَدُّ (عَلَى رِدَّتِهِ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَلَا بِأَمَانٍ مُؤَقَّتٍ وَلَا بِأَمَانٍ مُؤَبَّدٍ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ بَعْدَ اللَّحَاقِ) بِدَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ خَانِيَّةٌ (وَالْكُفْرُ) كُلُّهُ (مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. (فَلَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ) وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْعَوْدِ (وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ مَالِهِ زَوَالًا مَوْقُوفًا، فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَ مِلْكُهُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ) أَوْ حُكِمَ بِلَحَاقِهِ (وَرِثَ كَسْبَ إسْلَامِهِ وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ) وَلَوْ زَوْجَتَهُ بِشَرْطِ الْعِدَّةِ زَيْلَعِيٌّ ــ [رد المحتار] صَوَابُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ لِأَنَّ هَذَا زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتُبْ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا تَابَ حُكْمًا بِجَعْلِ إنْكَارِهِ تَوْبَةً فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُسْلِمِ الَّذِي ارْتَدَّ وَلَمْ يَتُبْ ط (قَوْلُهُ وَأَوْلَادُهُ أَوْلَادُ زِنًا) كَذَا فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي [نُورِ الْعَيْنِ] وَيُجَدِّدُ بَيْنَهُمَا النِّكَاحَ إنْ رَضِيَتْ زَوْجَتُهُ بِالْعَوْدِ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا تُجْبَرُ، وَالْمَوْلُودُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الرِّدَّةِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لَكِنْ يَكُونُ زِنًا اهـ. قُلْت: وَلَعَلَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ فَإِنَّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَبِينُ مِنْهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالتَّوْبَةِ) أَيْ تَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ وَتَجْدِيدِ النِّكَاحِ) أَيْ احْتِيَاطًا كَمَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. وَزَادَ فِيهَا قِسْمًا ثَالِثًا فَقَالَ: وَمَا كَانَ خَطَأً مِنْ الْأَلْفَاظِ وَلَا يُوجِبُ الْكُفْرَ فَقَائِلُهُ يُقَرُّ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ احْتِيَاطًا أَيْ يَأْمُرُهُ الْمُفْتِي بِالتَّجْدِيدِ لِيَكُونَ وَطْؤُهُ حَلَالًا بِاتِّفَاقٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِلَافِ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ) أَيْ فَإِنَّهَا تُسْتَرَقُّ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَلَا تُقْتَلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَا يَكُونُ اسْتِرْقَاقُهَا مُسْقِطًا عَنْهَا الْجَبْرَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ الْأَمَةُ ابْتِدَاءً فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لَهُمَا. وَفِي الْبَدَائِعِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فَأَمْوَالُهُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَأَنَّهُ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ تَزُولُ عَنْ مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي زَوَالِهَا بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَقْصُورًا عَلَى الْحَالِ عِنْدَهُمَا وَمُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ وُجُودِ الرِّدَّةِ عِنْدَهُ. وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ، فَعِنْدَهُمَا نَافِذَةٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَعِنْدَهُ مَوْقُوفَةٌ لِوُقُوفِ أَمْلَاكِهِ اهـ قَيَّدَ بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ لَا تُوقَفُ فِي إحْبَاطِ طَاعَتِهِ وَفُرْقَةِ زَوْجَتِهِ وَتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الِارْتِدَادَ فِيهَا عَمِلَ عَمَلَهُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ عِبَادَاتِهِ الَّتِي بَطَلَتْ وَقْفُهُ وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ بِإِسْلَامِهِ، وَكَذَا لَا تُوقَفُ فِي بُطْلَانِ إيجَارِهِ وَاسْتِئْجَارِهِ وَوَصِيَّتِهِ وَإِيصَائِهِ وَتَوْكِيلِهِ وَوَكَالَتِهِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. قُلْت: وَيُسْتَثْنَى مِنْ فُرْقَةِ الزَّوْجَةِ مَا لَوْ ارْتَدَّا مَعًا فَإِنَّهُ يَبْقَى النِّكَاحُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ. وَفِي الْبَحْرِ: وَأَفَادَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحُرِّ، وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَتَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ فِي رِدَّتِهِ نَافِذٌ فِي قَوْلِهِمْ. زَادَ فِي النَّهْرِ عَنْ السِّرَاجِ وَكَسْبُهُ حَالَ الرِّدَّةِ لِمَوْلَاهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَسْلَمَ إلَخْ) جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا ط. (قَوْلُهُ وَرِثَ كَسْبَ إسْلَامِهِ وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ وُجُودُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ الْحُكْمِ بِاللَّحَاقِ، وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ الْإِمَامِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَرُوِيَ عَنْهُ اعْتِبَارُ وَقْتِ الرِّدَّةِ، وَرُوِيَ اعْتِبَارُهُمَا مَعًا، فَعَلَى الْأَصَحِّ لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ يَوْمَ الرِّدَّةِ فَعَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَهَا قَبْلَ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَرِثَهُ، وَكَذَا لَوْ وُلِدَ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ بَعْدَهَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأُمِّهِ بِأَنْ عَلِقَ مِنْ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ قَوْلُهُ أَوْ الْحُكْمُ بِاللَّحَاقِ خِلَافُ الْأَصَحِّ فَإِنَّ الْأَصَحَّ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ اعْتِبَارُ وُجُودِ الْوَارِثِ عِنْدَ اللَّحَاقِ، وَرُوِيَ عِنْدَ الْحُكْمِ بِهِ كَمَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ زَوْجَتَهُ) لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ كَأَنَّهُ مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ لِاخْتِيَارِهِ سَبَبَ الْمَرَضِ بِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ مُخْتَارًا حَتَّى قُتِلَ نَهْرٌ (قَوْلُهُ بِشَرْطِ الْعِدَّةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا تَرِثُ لِصَيْرُورَتِهَا بِالرِّدَّةِ أَجْنَبِيَّةً، وَلَيْسَتْ الرِّدَّةُ مَوْتًا

стр. 2379

(بَعْد قَضَاءِ دَيْنِ إسْلَامِهِ، وَكَسْبُ رِدَّتِهِ فَيْءٌ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِ رِدَّتِهِ) وَقَالَا: مِيرَاثٌ أَيْضًا كَكَسْبِ الْمُرْتَدَّةِ (وَإِنْ حَكَمَ) الْقَاضِي (بِلَحَاقِهِ عَتَقَ مُدَبَّرُهُ) مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ (وَأُمِّ وَلَدِهِ) مِنْ كُلِّ مَالِهِ (وَحَلَّ دَيْنُهُ) وَقُسِمَ مَالُهُ وَيُؤَدِّي مُكَاتَبُهُ إلَى الْوَرَثَةِ، وَالْوَلَاءُ لِلْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ الْمُعْتِقُ بَدَائِعُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الْقَضَاءُ بِهِ إلَّا فِي ضِمْنِ دَعْوَى حَقِّ الْعَبْدِ نَهْرٌ ــ [رد المحتار] حَقِيقِيًّا بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَدْخُولَةَ إنَّمَا تَعْتَدُّ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْحَيْضِ لَا بِالْأَشْهُرِ، فَلَا تَنْتَهِضُ سَبَبًا لِلْإِرْثِ، وَالْإِرْثُ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى الرِّدَّةِ لَكِنْ يَتَقَرَّرُ عِنْدَ الْمَوْتِ، هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْفَتْحِ. اهـ. (قَوْلُهُ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِ إسْلَامِهِ إلَخْ) هَذَا أَعْنِي قَضَاءَ دَيْنِ إسْلَامِهِ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ وَدَيْنِ الرِّدَّةِ مِنْ كَسْبِهَا رَوَاهُ زُفَرُ عَنْ الْإِمَامِ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ إلَّا أَنْ لَا يَفِيَ فَيَقْضِيَ الْبَاقِيَ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ لَا يَفِيَ فَيَقْتَضِيَ الْبَاقِيَ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْوَلْوَالِجِيَّة وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ دَيْنَ الْمَيِّتِ إنَّمَا يُقْضَى مِنْ مَالِهِ وَهُوَ كَسْبُ إسْلَامِهِ، فَأَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَقْتَضِي مِنْهُ الدَّيْنُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِذَا لَمْ يَفِ تَحَقَّقَتْ نَهْرٌ، فَمَا فِي الْمَتْنِ تَبَعًا لِلْكَنْزِ ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ. قُلْت: لَكِنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِالضَّعْفِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإِنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ كَالْمُخْتَارِ وَالْوِقَايَةِ وَالْمَوَاهِبِ وَالْمُلْتَقَى وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِنَقْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. [تَنْبِيهٌ] فِي الْقُهُسْتَانِيِّ: هَذَا إذَا كَانَ لَهُ كَسْبَانِ وَإِلَّا قُضِيَ مِمَّا كَانَ بِلَا خِلَافٍ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ بِغَيْرِ الْإِقْرَارِ وَإِلَّا فَفِي كَسْبِ الرِّدَّةِ (قَوْلُهُ وَكَسْبُ رِدَّتِهِ فَيْءٌ) أَيْ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَالْمُرَادُ مَا اكْتَسَبَهُ قَبْلَ اللَّحَاقِ. أَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ لِابْنِهِ الَّذِي ارْتَدَّ وَلَحِقَ مَعَهُ إذَا مَاتَ مُرْتَدًّا لِأَنَّهُ اكْتَسَبَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَلَوْ لَحِقَ مَعَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ وَرِثَ كَسْبَ إسْلَامِهِ فَقَطْ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ السِّيَرِ (قَوْلُهُ وَقَالَا مِيرَاثٌ أَيْضًا) لِأَنَّ زَوَالَ مِلْكِهِ عِنْدَهُمَا مَقْصُورٌ عَلَى الْحَالِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ كَكَسْبِ الْمُرْتَدَّةِ) فَإِنَّهُ لِوَرَثَتِهَا، وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ إنْ ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ لِقَصْدِهَا إبْطَالَ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَا يَرِثُهَا لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِمَا لِهَا بِالرِّدَّةِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَوْجَةَ الْمُرْتَدِّ تَرِثُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَزَوْجَ الْمُرْتَدَّةِ لَا يَرِثُهَا إلَّا إذَا ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ بَحْرٌ وَسَيَأْتِي أَيْضًا (قَوْلُهُ وَإِنْ حَكَمَ بِلَحَاقِهِ) كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ الْحُكْمَ بِاللَّحَاقِ أَوَّلًا كَمَا عَبَّرَ الشَّارِحُ وَيَقُولُ وَعِتْقُ مُدَبَّرِهِ إلَخْ عَطْفًا عَلَى وَرِثَ لِئَلَّا يُوهِمَ اخْتِصَاصَ الْعِتْقِ بِالْحُكْمِ بِاللَّحَاقِ وَإِنْ كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَوْتَ وَالْقَتْلَ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ كَمَا أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَسْبُ الْإِسْلَامِ ح وَبِهِ جَزَمَ ط بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ وَحَلَّ دَيْنُهُ) لِأَنَّهُ بِاللَّحَاقِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَصَارَ كَالْمَوْتِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لَحَاقُهُ إلَّا بِالْقَضَاءِ لِاحْتِمَالِ الْعَوْدِ. وَإِذَا تَكَرَّرَ مَوْتُهُ تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ كَمَا ذُكِرَ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَيُؤَدِّي مُكَاتَبُهُ) أَيْ يُؤَدِّي بَدَلَ كِتَابَتِهِ (قَوْلُهُ وَالْوَلَاءُ لِلْمُرْتَدِّ) أَيْ لِوَرَثَتِهِ ابْتِدَاءً فَيَرِثُهُ الْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِلْوَرَثَةِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ ط. (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَشْتَرِطُ الْقَضَاءَ بِاللَّحَاقِ بَلْ يَكْتَفِي بِالْقَضَاءِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ بِهِ سَابِقًا عَلَى الْقَضَاءِ بِالْأَحْكَامِ أَفَادَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَنَحْوُهُ فِي الْفَتْحِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِاللَّحَاقِ قَصْدًا صَحِيحٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إلَّا فِي ضِمْنِ دَعْوَى حَقٍّ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ اللَّحَاقَ كَالْمَوْتِ، وَيَوْمُ الْمَوْتِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ اللَّحَاقُ تَحْتَ الْقَضَاءِ قَصْدًا بَحْرٌ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَأَقُولُ لَيْسَ مَعْنَى الْحُكْمِ بِإِلْحَاقِهِ سَابِقًا عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ أَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً حَكَمْتُ بِلَحَاقِهِ، بَلْ إذَا ادَّعَى مُدَبَّرٌ مَثَلًا عَلَى وَارِثِهِ أَنَّهُ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا وَأَنَّهُ عَتَقَ بِسَبَبِهِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي حَكَمَ أَوَّلًا بِلَحَاقِهِ ثُمَّ يُعْتَقُ ذَلِكَ الْمُدَبَّرُ كَمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ اهـ وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ.

стр. 2380

(وَ) اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ فَ (يَنْفُذُ مِنْهُ) اتِّفَاقًا مَا لَا يَعْتَمِدُ تَمَامَ وِلَايَةٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: (الِاسْتِيلَادُ وَالطَّلَاقُ وَقَبُولُ الْهِبَةِ وَتَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ وَالْحَجْرُ عَلَى عَبْدِهِ) الْمَأْذُونِ (وَيَبْطُلُ مِنْهُ) اتِّفَاقًا مَا يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَهِيَ خَمْسٌ (النِّكَاحُ، وَالذَّبِيحَةُ، وَالصَّيْدُ، وَالشَّهَادَةُ، وَالْإِرْثُ. وَيَتَوَقَّفُ مِنْهُ) اتِّفَاقًا مَا يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ، وَهُوَ (الْمُفَاوَضَةُ) أَوْ وِلَايَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ ــ [رد المحتار] وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ الْخِلَافِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِعِتْقِ الْمُدَبَّرِ يَكْفِي عِنْدَ الْبَعْضِ لِثُبُوتِ اللَّحَاقِ ضِمْنًا، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَامَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمِهِ أَوَّلًا بِاللَّحَاقِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَفِي كَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ فَلِشُبْهَةِ الْخِلَافِ لَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالْعِتْقِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِاللَّحَاقِ قَبْلَ دَعْوَى الْمُدَبَّرِ مَثَلًا حَتَّى يَرُدَّ مَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ إلَّا فِي ضِمْنِ دَعْوَى حَقِّ الْعَبْدِ مَعْنَاهُ أَنْ يَسْبِقَ دَعْوَى حَقِّ الْعَبْدِ، فَيَحْكُمُ بِهِ أَوَّلًا ثُمَّ بِمَا ادَّعَاهُ الْعَبْدُ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَكْتَفِي عَنْ الْحُكْمِ بِهِ بِالْحُكْمِ بِمَا ادَّعَاهُ لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ بِاللَّحَاقِ فِي ضِمْنِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَاعْلَمْ إلَخْ) بَيَانٌ لِتَصَرُّفِهِ حَالَ رِدَّتِهِ بَعْدَ بَيَانِ حُكْمِ أَمْلَاكِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ) نَافِذٌ اتِّفَاقًا، بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، مَوْقُوفٌ اتِّفَاقًا مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ نَافِذٌ عِنْدَهُمَا ط (قَوْلُهُ مَا لَا يَعْتَمِدُ تَمَامَ وِلَايَةٍ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَدْعِي الْوِلَايَةَ وَلَا تَعْتَمِدُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ حَتَّى صَحَّتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مِنْ الْعَبْدِ مَعَ قُصُورِ وِلَايَتِهِ. اهـ. ط (قَوْلُهُ الِاسْتِيلَادُ) صُورَتُهُ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَيَرِثُ ذَلِكَ الْوَلَدُ مَعَ وَرَثَتِهِ وَتَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بَحْرٌ ط (قَوْلُهُ وَالطَّلَاقُ) أَيْ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِالرِّدَّةِ غَيْرُ مُتَأَبَّدَةٍ لِارْتِفَاعِهَا بِالْإِسْلَامِ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمَحْرَمِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا غَايَةَ لَهَا فَلَا يُفِيدُ لُحُوقُ الطَّلَاقِ فَائِدَةً فَتْحٌ مِنْ بَابِ نِكَاحِ الْكَافِرِ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ طَلَاقَهُ إنَّمَا يَقَعُ قَبْلَ لُحُوقِهِ، فَلَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَا يَقَعُ إلَّا إذَا عَادَ مُسْلِمًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَطَلَّقَهَا. وَأَوْرَدَ أَنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ طَلَاقُهُ وَقَدْ بَانَتْ بِرِدَّتِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ امْتِنَاعُ الطَّلَاقِ، وَقَدْ سَلَفَ أَنَّ الْمُبَانَةَ يَلْحَقُهَا الصَّرِيحُ فِي الْعِدَّةِ بَحْرٌ أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَاقِعُ بِذَلِكَ الصَّرِيحِ بَائِنًا كَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَوْ عَلَى مَالٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ فَذَاكَ إذَا أَمْكَنَ جَعْلُهُ إخْبَارًا عَنْ الْأَوَّلِ؛ حَتَّى لَوْ قَالَ أَبَنْتُكِ بِأُخْرَى يَقَعُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكِنَايَاتِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَتَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ وَالْحَجْرِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يُمْكِنُ تَوَقُّفُ التَّسْلِيمِ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ بَطَلَتْ بِهِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الْحَجْرُ فَيَصِحُّ بِحَقِّ الْمِلْكِ فَبِحَقِيقَةِ الْمِلْكِ الْمَوْقُوفِ أَوْلَى. اهـ. قُلْت: وَمَفْهُومُهُ أَنَّ لَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ. وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ السِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا شُفْعَةَ لَهُ حَتَّى يُسْلِمَ، فَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَطْلُبْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ لِتَرْكِهِ الطَّلَبَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ بِأَنْ يُسْلِمَ (قَوْلُهُ مَا يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ) أَيْ مَا يَكُونُ الِاعْتِمَادُ فِي صِحَّتِهِ عَلَى كَوْنِ فَاعِلِهِ مُعْتَقِدًا مِلَّةً مِنْ الْمِلَلِ ط أَيْ وَالْمُرْتَدُّ لَا مِلَّةَ لَهُ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِلَّةً سَمَاوِيَّةً لِئَلَّا يَرُدَّ النِّكَاحَ فَإِنَّ نِكَاحَ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ صَحِيحٌ وَلَا مِلَّةَ لَهُمَا سَمَاوِيَّةٌ بَلْ الْمُرَادُ الْأَعَمُّ (قَوْلُهُ النِّكَاحُ) أَيْ وَلَوْ لِمُرْتَدَّةٍ مِثْلِهِ (قَوْلُهُ وَالذَّبِيحَةُ) الْأَوْلَى وَالذَّبْحُ لِأَنَّهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ (قَوْلُهُ وَالصَّيْدُ) أَيْ بِالْكَلْبِ وَالْبَازِي وَمِثْلُهُ الرَّمْيُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَالشَّهَادَةُ) أَيْ أَدَاؤُهَا لَا تَحَمُّلُهَا ط. وَذَكَرَ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ شَهَادَاتِ الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّهُ يَبْطُلُ مَا رَوَاهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحَدِيثِ فَلَا يَجُوزُ لِلسَّامِعِ مِنْهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ اهـ وَلَكِنَّ كَلَامَنَا فِيمَا فَعَلَهُ فِي رِدَّتِهِ وَهَذَا قَبْلَهَا. (قَوْلُهُ الْإِرْثُ) فَلَا يَرِثُ أَحَدًا وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ، بِخِلَافِ كَسْبِ إسْلَامِهِ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ كَمَا مَرَّ لِاسْتِنَادِهِ إلَى مَا قَبْلَهَا فَهُوَ إرْثُ مُسْلِمٍ مِنْ مِثْلِهِ وَالْكَلَامُ فِي إرْثِ الْمُرْتَدِّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ مَا يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ) أَيْ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الدَّيْنِ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُفَاوَضَةُ) فَإِذَا فَاوَضَ مُسْلِمًا تَوَقَّفَتْ اتِّفَاقًا، فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ هَلَكَ بَطَلَتْ، وَتَصِيرُ عِنَانًا مِنْ الْأَصْلِ عِنْدَهُمَا، وَتَبْطُلُ عِنْدَهُ بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ أَوْ وِلَايَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ) أَيْ إلَى غَيْرِهِ

стр. 2381

(وَ) هُوَ (التَّصَرُّفُ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ. وَ) يَتَوَقَّفُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيَنْفُذُ عِنْدَهُمَا كُلُّ مَا كَانَ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ أَوْ عَقْدِ تَبَرُّعٍ كَ (الْمُبَايَعَةِ) وَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ (وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْهِبَةِ) وَالرَّهْنِ (وَالْإِجَارَةِ) وَالصُّلْحِ عَنْ إقْرَارٍ، وَقَبْضِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ (وَالْوَصِيَّةُ) وَبَقِيَ أَمَانُهُ وَعَقْلُهُ وَلَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِمَا. وَأَمَّا إيدَاعُهُ وَاسْتِيدَاعُهُ وَالْتِقَاطُهُ وَلُقَطَتُهُ فَيَنْبَغِي عَدَمُ جَوَازِهَا نَهْرٌ (إنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإِنْ هَلَكَ) بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ (أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحُكِمَ) بِلَحَاقِهِ (بَطَلَ) ذَلِكَ كُلُّهُ (فَإِنْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبِلَهُ) قَبْلَ الْحُكْمِ (فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ) وَكَمَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ زَيْلَعِيٌّ (وَإِنْ) جَاءَ مُسْلِمًا (بَعْدَهُ وَمَالُهُ مَعَ وَارِثِهِ أَخَذَهُ) بِقَضَاءٍ أَوْ رِضًا، ــ [رد المحتار] قَوْلُهُ وَيَتَوَقَّفُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ) بِنَاءً عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ كَمَا سَلَفَ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَيَنْفُذُ عِنْدَهُمَا) إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الصَّحِيحِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهُ إلَى الْإِسْلَامِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى الْقَتْلِ ظَاهِرًا عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ لِأَنَّهُمَا مِنْ عُقُودِ الْمُبَايَعَةِ ط (قَوْلُهُ وَالْهِبَةُ) هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَادَلَةِ إنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ كَمَا فِي النَّهْرِ، وَمِنْ قَبِيلِ التَّبَرُّعِ إنْ لَمْ تَكُنْ ح (قَوْلُهُ وَالرَّهْنُ) لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالدَّيْنِ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ مَآلًا (قَوْلُهُ وَالصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ) أَيْ فَيَكُونُ مُبَادَلَةً وَأَمَّا إذَا كَانَ عَنْ إنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ فَالْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، وَفِدَاءُ يَمِينٍ وَقَطْعُ نِزَاعٍ فِي حَقِّ الْآخَرِ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ مُدَّعِيًا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُقُودِ الْمُبَادَلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْخُلُ فِي عَقْدِ التَّبَرُّعِ أَفَادَهُ ط، لَكِنْ فِي كَوْنِهِ تَبَرُّعًا نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ الْمَالَ مَجَّانًا بَلْ مُفَادَاةً لِيَمِينِهِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مُبَادَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ وَعَنْ عَقْدِ التَّبَرُّعِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ) وَجْهُهُ مَا قَالُوا إنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى بِمِثْلِهِ وَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ، فَقَابِضُ الدَّيْنِ أَخَذَ بَدَلَ مَا تَحَقَّقَ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ ط (قَوْلُهُ وَالْوَصِيَّةُ) أَيْ الَّتِي فِي حَالِ رِدَّتِهِ، أَمَّا الَّتِي فِي حَالِ إسْلَامِهِ فَالْمَذْكُورُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ قُرْبَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ قُرْبَةٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَتَمَامُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَبَقِيَ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْمَنْقُولِ فِي الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ ذَكَرَ أَشْيَاءَ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهَا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِمَا) أَمَّا الْأَمَانُ فَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الذِّمِّيِّ فَمِنْ الْمُرْتَدِّ أَوْلَى. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُنْصَرُ وَلَا يَنْصُرُ وَالْعَقْلُ بِالنُّصْرَةِ ح (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي عَدَمُ جَوَازِهَا) عِبَارَةُ النَّهْرِ: فَلَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي جَوَازِهَا مِنْهُ اهـ فَلَفْظَةُ عَدَمِ مِنْ سَبْقِ الْقَلَمِ (قَوْلُهُ بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ) الْإِشَارَةُ تَرْجِعُ إلَى الْمُتَوَقِّفِ اتِّفَاقًا وَالْمُتَوَقِّفِ عِنْدَ الْإِمَامِ ط (قَوْلُهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ) فَلَا يُعْتَقُ مُدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ، وَلَا تَحِلُّ دُيُونُهُ، وَلَهُ إبْطَالُ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْوَارِثُ لِكَوْنِهِ فُضُولِيًّا بَحْرٌ، وَمَا مَعَ وَارِثِهِ يَعُودُ لِمِلْكِهِ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضًا مِنْ الْوَارِثِ دُرٌّ مُنْتَقًى. قُلْتُ: وَكَذَا يَبْطُلُ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ اللَّحَاقِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ رَجَعَ تَائِبًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهٍ فَمَالُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ وَجَمِيعُ مَا صَنَعَ فِيهِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بِاللَّحَاقِ زَالَ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْقَضَاءِ دُخُولُهُ فِي مِلْكِ وَارِثِهِ، فَتَصَرُّفُهُ بَعْدَ اللَّحَاقِ صَادَفَ مَالًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ فَلَا يَنْفُذُ، وَإِنْ عَادَ إلَى مِلْكِهِ بَعْدُ كَالْبَائِعِ بِشَرْطِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ لَا يَنْفُذُ وَإِنْ عَادَ إلَى مِلْكِهِ بِفَسْخِ الْمُشْتَرِي، نَعَمْ لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ أَوْ بِأَنَّهُ لِفُلَانٍ صَحَّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ بَلْ هُوَ إقْرَارٌ لَازِمٌ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَبْدِ الْغَيْرِ ثُمَّ مَلَكَهُ مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ وَكَمَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ) أَيْ لَوْ أَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى مَيِّتًا حَقِيقَةً وَأَعَادَهُ إلَى دَارِ الدُّنْيَا كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا فِي يَدِ وَرَثَتِهِ بَحْرٌ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ عَوْدِ مَنْ حُكِمَ بِلَحَاقِهِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ ذِكْرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ جَاءَ بَعْدَهُ كَمَا أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ بِقَضَاءٍ أَوْ رِضًا) لِأَنَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ صَارَ الْمَالُ مِلْكًا لِوَرَثَتِهِ فَلَا يَعُودُ إلَّا بِالْقَضَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ بَعْدَ رُجُوعِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ

стр. 2382

وَلَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا لِأَنَّهُ فَيْءٌ نَهْرٌ (وَإِنْ هَلَكَ) مَالُهُ (أَوْ أَزَالَهُ) الْوَارِثُ (عَنْ مِلْكِهِ لَا) يَأْخُذُهُ وَلَوْ قَائِمًا لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ وَلَهُ وَلَاءُ مُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَمُكَاتَبُهُ لَهُ إنْ لَمْ يُؤَدِّ، وَإِنْ عَجَزَ عَادَ رَقِيقًا لَهُ بَدَائِعُ (وَيَقْضِي مَا تَرَكَ مِنْ عِبَادَةٍ فِي الْإِسْلَام) لِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَعْصِيَةٌ وَالْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ (وَمَا أَدَّى مِنْهَا فِيهِ يَبْطُلُ، وَلَا يَقْضِي) ــ [رد المحتار] الْقَضَاءِ بِرَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِ نَفَذَ عِتْقُهُ وَلَمْ يَضْمَنْ لِلْمُرْتَدِّ شَيْئًا كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ رُجُوعِ الْمُرْتَدِّ، وَبِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَسْتَدْعِي حَقِيقَةَ الْمِلْكِ شَرْحُ السِّيَرِ، وَنَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة، وَبِهِ جَزَمَ الزَّيْلَعِيُّ. (قَوْلُهُ وَلَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِي قَوْلِهِ وَإِرْثُهُ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا وَجَدَهُ مِنْ كَسْبِ رِدَّتِهِ لِأَنَّ أَخْذَهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ بَلْ لِأَنَّهُ فَيْءٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَسْتَرِدُّ مَالَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ نَرَهُ مَسْطُورًا إلَّا أَنَّ الْقَوَاعِدَ تُؤَيِّدُهُ وَأَصْلُ الْبَحْثِ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا وُضِعَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِعَدَمِ الْوَارِثِ لَهُ أَخْذُهُ، فَفِي كَلَامِ الشَّرْحِ إبْهَامٌ كَمَا أَفَادَهُ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ (قَوْلُهُ أَوْ أَزَالَهُ الْوَارِثُ عَنْ مِلْكِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبٍ يَقْبَلُ الْفَسْخَ كَبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، أَوْ لَا يَقْبَلُهُ كَعِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ فَإِنَّهُ يَمْضِي وَلَا عَوْدَ لَهُ فِيهِ وَلَا يَضْمَنُهُ اهـ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَهُ وَلَاءُ مُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ) أَفَادَ أَنَّهُمْ لَا يَعُودُونَ فِي الرِّقِّ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِعِتْقِهِمْ قَدْ صَحَّ وَالْعِتْقُ بَعْدَ نَفَاذِهِ لَا يَقْبَلُ الْبُطْلَانَ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَمُكَاتَبُهُ لَهُ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يُؤَدِّ) أَيْ إلَى الْوَرَثَةِ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَيَأْخُذُهَا مِنْ الْمُكَاتَبِ. وَأَمَّا إنْ أَدَّاهُ إلَيْهِمْ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عِتْقٌ بِأَدَاءِ الْمَالِ وَالْعِتْقُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ الْمَالَ لَوْ قَائِمًا وَإِلَّا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ بَحْرٌ. مَطْلَبٌ الْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ (قَوْلُهُ وَالْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ) نَقَلَ ذَلِكَ مَعَ التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ فِي الْخَانِيَّةِ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَا وَقَعَ حَالَ الرِّدَّةِ وَقَبْلَهَا مِنْ الْمَعَاصِي، وَلَا يَسْقُطُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ اهـ وَتَمَامُهُ فِيهِ. قُلْت: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْقُطُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ لِلْحَدِيثِ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَأَمَّا فِي حَالِ الرِّدَّةِ فَيَبْقَى مَا فَعَلَهُ فِيهَا أَوْ قَبْلَهَا إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ ازْدَادَ فَوْقَهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فَكَيْفَ تَصْلُحُ مَاحِيَةً لَهُ بَلْ الظَّاهِرُ عَوْدُ مَعَاصِيهِ الَّتِي تَابَ مِنْهَا أَيْضًا لِأَنَّ التَّوْبَةَ طَاعَةٌ وَقَدْ حَبَطَتْ طَاعَاتُهُ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ السِّرَاجِيَّةِ: مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِعُقُوبَةِ الْكُفْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ اهـ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْعَامَّةِ: وَلَا يُنَافِيهِ وُجُوبُ قَضَاءِ مَا تَرَكَهُ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ وَمُطَالَبَتُهُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّ قَضَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْمَعْصِيَةِ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ إخْرَاجُ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْعَبْدِ فَإِذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ لَا يَلْزَمُ سُقُوطُ الْحَقِّ الثَّابِتِ فِي ذِمَّتِهِ، كَمَا أَجَابَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِذَلِكَ عَنْ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ الْكَبَائِرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ وَمَا أَدَّى مِنْهَا فِيهِ يَبْطُلُ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا إلَى التَّتِمَّةِ قِيلَ لَهُ لَوْ تَابَ تَعُودُ حَسَنَاتُهُ؟ قَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ فَعِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَعُودُ. وَعِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَعْبِيِّ لَا، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهُ لَا يَعُودُ مَا بَطَلَ مِنْ ثَوَابِهِ لَكِنَّهُ تَعُودُ طَاعَاتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ مُؤَثِّرَةٌ فِي الثَّوَابِ بَعْدُ اهـ بَحْرٌ. مَطْلَبٌ لَوْ تَابَ الْمُرْتَدُّ هَلْ تَعُودُ حَسَنَاتُهُ وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ لِلْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي بَحْثِ التَّوْبَةِ: ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي أَنَّهُ إذَا سَقَطَ اسْتِحْقَاقُ عِقَابِ الْمَعْصِيَةِ بِالتَّوْبَةِ هَلْ يَعُودُ اسْتِحْقَاقُ ثَوَابِ الطَّاعَةِ الَّذِي أَبْطَلَتْهُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةُ؟ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو هَاشِمٍ: لَا لِأَنَّ الطَّاعَةَ

стр. 2383

مِنْ الْعِبَادَاتِ (إلَّا الْحَجَّ) لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، فَإِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ غَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ فَقَطْ. [مَطْلَبٌ الْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ] (مُسْلِمٌ أَصَابَ مَالًا أَوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ حَدُّ السَّرِقَةِ) يَعْنِي الْمَالَ الْمَسْرُوقَ لَا الْحَدَّ خَانِيَّةٌ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِحَقِّ الْعَبْدِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ (أَوْ الدِّيَةُ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَ) وَحَارَبَنَا زَمَانًا (ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا يُؤَاخَذُ بِهِ كُلِّهِ، وَلَوْ أَصَابَهُ بَعْدَمَا لَحِقَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ لَا) يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُؤَاخَذُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِمَا كَانَ أَصَابَهُ حَالَ كَوْنِهِ مُحَارِبًا لَنَا. (أَخْبَرَتْ بِارْتِدَادِ زَوْجِهَا فَلَهَا التَّزَوُّجُ بِآخَرَ بَعْدَ الْعِدَّةِ) اسْتِحْسَانًا (كَمَا فِي الْإِخْبَارِ) مِنْ ثِقَةٍ - ــ [رد المحتار] تَنْعَدِمُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَبْقَى اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ وَقَدْ سَقَطَ وَالسَّاقِطُ لَا يَعُودُ. وَقَالَ الْكَعْبِيُّ: نَعَمْ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تُزِيلُ الطَّاعَةَ وَإِنَّمَا تَمْنَعُ حُكْمَهَا وَهُوَ الْمَدْحُ وَالتَّعْظِيمُ فَلَا تُزِيلُ ثَمَرَتَهَا فَإِذَا صَارَتْ بِالتَّوْبَةِ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ ظَهَرَتْ ثَمَرَةُ الطَّاعَةِ كَنُورِ الشَّمْسِ إذَا زَالَ الْغَيْمُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يَعُودُ ثَوَابُهُ السَّابِقُ لَكِنْ تَعُودُ طَاعَتُهُ السَّالِفَةُ مُؤَثِّرَةً فِي اسْتِحْقَاقِ ثَمَرَاتِهِ وَهُوَ الْمَدْحُ، وَالثَّوَابُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَنْزِلَةِ شَجَرَةٍ احْتَرَقَتْ بِالنَّارِ أَغْصَانُهَا وَثِمَارُهَا ثُمَّ انْطَفَأَتْ النَّارُ فَإِنَّهُ يَعُودُ أَصْلُ الشَّجَرَةِ وَعُرُوقُهَا إلَى خُضْرَتِهَا وَثَمَرَتِهَا اهـ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَبَيْنَ الْكَعْبِيِّ عَلَى عَكْسِ مَا مَرَّ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِي إحْبَاطِ الْكَبَائِرِ لِلطَّاعَاتِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَبِيرَةَ تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنْ الْإِيمَانِ لَكِنَّهَا لَا تُدْخِلُهُ فِي الْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، وَيَلْزَمُ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْ الْإِيمَانِ حَبْطُ طَاعَاتِهِ، فَالْكَبِيرَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ عِنْدَنَا فَيَصِحُّ نَقْلُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ إلَى الرِّدَّةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَّا الْحَجَّ) لِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ الْمُكَرَّمُ وَهُوَ بَاقٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَدَّاهَا لِخُرُوجِ سَبَبِهَا: وَلِهَذَا قَالُوا: إذَا صَلَّى الظُّهْرَ مَثَلًا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ فِي الْوَقْتِ يُعِيدُ الظُّهْرَ لِبَقَاءِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ، وَلِذَا اُعْتُرِضَ اقْتِصَارُهُ عَلَى ذِكْرِ الْحَجِّ وَتَسْمِيَتِهِ قَضَاءً، بَلْ هُوَ إعَادَةٌ لِعَدَمِ خُرُوجِ السَّبَبِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَلَا يَقْضِي وَلِقَوْلِهِ إلَّا الْحَجَّ ط (قَوْلُهُ أَصَابَ مَالًا) أَيْ أَخَذَ، وَقَوْلُهُ أَوْ شَيْئًا أَيْ فَعَلَ شَيْئًا إلَخْ ط (قَوْلُهُ يَعْنِي الْمَالَ الْمَسْرُوقَ لَا الْحَدَّ) الْأَوْلَى ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ وَلَا هُوَ مَحَلُّ إيهَامٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ حَدُّ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى فَاعِلِ يَجِبُ لَا مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ أَصَابَ حَتَّى يَحْتَاجَ لِلتَّأْوِيلِ (قَوْلُهُ وَأَصْلُهُ) أَيْ الْقَاعِدَةُ فِيمَا ذُكِرَ ط (قَوْلُهُ أَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِحَقِّ الْعَبْدِ) أَيْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ إلَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُقْتَلُ بِهَا كَالْمَرْأَةِ وَنَحْوِهَا إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَسُبِيَتْ فَصَارَتْ أَمَةً يَسْقُطُ عَنْهَا جَمِيعُ حُقُوقِ الْعِبَادِ إلَّا الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِيرِيٌّ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (قَوْلُهُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ) وَهُوَ أَنَّهُ يَقْضِي مَا تَرَكَ مِنْ عِبَادَةٍ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا مَرَّ. وَأَمَّا الْحُدُودُ. فَفِي شَرْحِ السِّيَرِ: لَوْ أَصَابَ الْمُسْلِمُ مَالًا أَوْ مَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ حَدُّ الْقَذْفِ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ ثُمَّ لَحِقَ ثُمَّ تَابَ فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِهِ لَا لَوْ أَصَابَهُ بَعْدَ اللَّحَاقِ ثُمَّ أَسْلَمَ. وَمَا أَصَابَهُ الْمُسْلِمُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فِي زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَحِقَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ، وَالدَّمَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ لَوْ خَطَأً عَلَى الْعَاقِلَةِ لَوْ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَفِي مَالِهِ لَوْ بَعْدَهَا. وَمَا أَصَابَهُ مِنْ حَدِّ الشُّرْبِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللَّحَاقِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ، وَكَذَا لَوْ أَصَابَهُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ مَحْبُوسٌ فِي يَدِ الْإِمَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ لِأَنَّ الْحُدُودَ زَوَاجِرُ عَنْ أَسْبَابِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادِ الْمُرْتَكِبِ حُرْمَةَ السَّبَبِ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَاهُ مِنْ حُدُودِهِ تَعَالَى لِاعْتِقَادِهِ حُرْمَةَ السَّبَبِ وَتَمَكُّنِ الْإِمَامِ مِنْ إقَامَتِهِ لِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ حِينَ أَصَابَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللَّحَاقِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ أَيْضًا اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ أَوْ الدِّيَةُ) أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ أَصَابَ ذَلِكَ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَفِي مَالِهِ إنْ أَصَابَهُ بَعْدَهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَحَارَبَنَا زَمَانًا) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ثُمَّ لَحِقَ وَكَذَا بِدُونِ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ أَخْبَرَتْ بِارْتِدَادِ زَوْجِهَا) أَيْ مِنْ

стр. 2384

(بِمَوْتِهِ أَوْ تَطْلِيقِهِ) ثَلَاثًا، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً فَأَتَاهَا بِكِتَابِ طَلَاقِهَا وَأَكْبَرُ رَأْيِهَا أَنَّهُ حَقٌّ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ مَبْسُوطٌ. (وَالْمُرْتَدَّةُ) وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ خُنْثَى بَحْرٌ (تُحْبَسُ) أَبَدًا، وَلَا تُجَالَسُ وَلَا تُؤَاكَلُ حَقَائِقُ (حَتَّى تُسْلِمَ وَلَا تُقْتَلْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَإِنْ قَتَلَهَا أَحَدٌ لَا يَضْمَنُ) شَيْئًا وَلَوْ أَمَةً فِي الْأَصَحِّ، وَتُحْبَسُ عِنْدَ مَوْلَاهَا لِخِدْمَتِهِ سِوَى الْوَطْءِ سَوَاءٌ طَلَبَ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي الْأَصَحِّ وَيَتَوَلَّى ضَرْبَهَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ. وَلَيْسَ لِلْمُرْتَدَّةِ التَّزَوُّجُ بِغَيْرِ زَوْجِهَا بِهِ يُفْتَى. وَعَنْ الْإِمَامِ تُسْتَرَقُّ وَلَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَوْ أَفْتَى بِهِ حَسْمًا لِقَصْدِهَا السَّيِّئِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَتَكُونُ قِنَّةً لِلزَّوْجِ بِالِاسْتِيلَاءِ مُجْتَبًى. وَفِي الْفَتْحِ أَنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَشْتَرِيهَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ يَهَبُهَا لَهُ لَوْ مَصْرِفًا ــ [رد المحتار] رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ السِّيَرِ. وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ: يَكْفِي خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ لِأَنَّ حِلَّ التَّزَوُّجِ وَحُرْمَتَهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِمَوْتِهِ. وَالْفَرْقُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ يَتَعَلَّقُ بِهَا اسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ كَمَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلسَّرَخْسِيِّ. وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ أَنَّ الْأَصَحَّ رِوَايَةُ الِاسْتِحْسَانِ، وَمِثْلُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ لَا إثْبَاتِ الرِّدَّةِ (قَوْلُهُ أَوْ تَطْلِيقِهِ ثَلَاثًا) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَائِنُ مِثْلَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا فِي الرَّجْعِيِّ لَا يَجُوزُ لَهَا التَّزَوُّجُ وَلَعَلَّهُ لِاحْتِمَالِ الْمُرَاجَعَةِ وَلْيُحَرَّرْ ط (قَوْلُهُ فَأَتَاهَا بِكِتَابٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الثِّقَةِ لَوْ لَمْ يَأْتِهَا بِكِتَابٍ لَا يَحِلُّ لَهَا وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهَا صِدْقَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَعْتَدَّ) أَيْ مِنْ حِينِ الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ لَا مِنْ حِينِ الْإِخْبَارِ فِيمَا يَظْهَرُ تَأَمَّلْ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا ظَهَرَتْ حَيَاتُهُ أَوْ أَنْكَرَ الطَّلَاقَ أَوْ الرِّدَّةَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ الثَّانِي وَتَعُودُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ تُحْبَسُ) لَمْ يَذْكُرْ ضَرْبَهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهَا تُضْرَبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ. وَعَنْ الْحَسَنِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ إلَى أَنْ تَمُوتَ أَوْ تُسْلِمَ، وَهَذَا قَتْلٌ مَعْنًى لِأَنَّ مُوَالَاةَ الضَّرْبِ تُفْضِي إلَيْهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا تُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَهَذَا مَيْلٌ إلَى قَوْلِ الثَّانِي فِي نِهَايَةِ التَّعْزِيرِ. وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ فِي كُلِّ تَعْزِيرٍ بِالضَّرْبِ نَهْرٌ وَجَزَمَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهَا تُضْرَبُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَظَاهِرُ الْفَتْحِ تَضْعِيفُ مَا مَرَّ، وَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ الضَّرْبِ وَالْحَبْسِ بِغَيْرِ الصَّغِيرَةِ تَأَمَّلْ، وَسَنَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ (قَوْلُهُ وَلَا تُقْتَلُ) يُسْتَثْنَى السَّاحِرَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا مَنْ أَعْلَنَتْ بِشَتْمِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا مَرَّ فِي الْجِزْيَةِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) أَيْ وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا) لَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ لِارْتِكَابِهِ مَا لَا يَحِلُّ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَدَّةِ التَّزَوُّجُ بِغَيْرِ زَوْجِهَا) فِي كَافِي الْحَاكِمِ: وَإِنْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَإِنْ سُبِيَتْ أَوْ عَادَتْ مُسْلِمَةً لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ نِكَاحَ الْأُخْتِ وَكَانَتْ فَيْئًا إنْ سُبِيَتْ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ عَادَتْ مُسْلِمَةً كَانَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مِنْ سَاعَتِهَا. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهَا التَّزَوُّجَ بِمَنْ شَاءَتْ، لَكِنْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ أَفْتَى الدَّبُوسِيُّ وَالصَّفَّارُ وَبَعْضُ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالرِّدَّةِ رَدًّا عَلَيْهَا، وَغَيْرُهُمْ مَشَوْا عَلَى الظَّاهِرِ وَلَكِنْ حَكَمُوا بِجَبْرِهَا عَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ مَعَ الزَّوْجِ وَيُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا وَاخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ لِلْفَتْوَى. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَنْ الْإِمَامِ) أَيْ فِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَفْتَى بِهِ إلَخْ) فِي الْفَتْحِ: قِيلَ وَلَوْ أَفْتَى بِهَذِهِ لَا بَأْسَ بِهِ فِيمَنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ حَسْمًا لِقَصْدِهَا السَّيِّئِ بِالرِّدَّةِ مِنْ إثْبَاتِ الْفُرْقَةِ (قَوْلُهُ وَتَكُونُ قِنَّةً لِلزَّوْجِ بِالِاسْتِيلَاءِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: قِيلَ وَفِي الْبِلَادِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا التَّتَرُ وَأَجْرَوْا أَحْكَامَهُمْ فِيهَا وَنَفَوْا الْمُسْلِمِينَ كَمَا وَقَعَ فِي خُوَارِزْمَ وَغَيْرِهَا إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الزَّوْجُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مَلَكَهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ فِي الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْإِمَامِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَفِي الْفَتْحِ إلَخْ) هَذَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ قَبْلَ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْهُ آنِفًا.

стр. 2385

(وَصَحَّ تَصَرُّفُهَا) لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ (وَأَكْسَابُهَا) مُطْلَقًا (لِوَرَثَتِهَا) وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ لَوْ مَرِيضَةً وَمَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ كَمَا مَرَّ فِي طَلَاقِ الْمَرِيضِ. قُلْت: وَفِي الزَّوَاهِرِ أَنَّهُ لَا يَرِثُهَا لَوْ صَحِيحَةً لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ فَلَمْ تَكُنْ فَارَّةً فَتَأَمَّلْ. (وَلَدَتْ أَمَتُهُ وَلَدًا فَادَّعَاهُ فَهُوَ ابْنُهُ حُرًّا يَرِثُهُ فِي) أَمَتِهِ (الْمُسْلِمَةِ مُطْلَقًا) وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ أَوْ أَكْثَرَ لِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ (إنْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ) أَوْ لَحِقَ بِدَارِهِمْ، وَكَذَا فِي (أَمَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ) أَيْ الْكِتَابِيَّةِ (إلَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ مُنْذُ ارْتَدَّ) وَكَذَا لِنِصْفِهِ لِعُلُوقِهِ مِنْ مَاءِ الْمُرْتَدِّ فَيَتْبَعُهُ لِقُرْبِهِ لِلْإِسْلَامِ بِالْجَبْرِ عَلَيْهِ وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ (وَإِنْ لَحِقَ بِمَالِهِ) أَيْ مَعَ مَالِهِ (وَظَهَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ) أَيْ مَالُهُ (فَيْءٌ) لَا نَفْسُهُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ (فَإِنْ رَجَعَ) أَيْ بَعْدَمَا لَحِقَ بِلَا مَالٍ سَوَاءٌ قَضَى بِلَحَاقِهِ أَوْ لَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْوَجْهُ فَتْحٌ (فَلَحِقَ) ثَانِيًا (بِمَالِهِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ لِوَارِثِهِ) لِأَنَّهُ بِاللَّحَاقِ انْتَقَلَ لِوَارِثِهِ فَكَانَ مَالِكًا قَدِيمًا، - ــ [رد المحتار] وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا إذَا ارْتَدَّتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَارَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتُسْتَرَقُّ عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ بِأَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ يَهَبَهَا لَهُ. أَمَّا لَوْ ارْتَدَّتْ فِيمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكُفَّارُ وَصَارَ دَارَ حَرْبٍ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ بِلَا شِرَاءٍ وَلَا هِبَةٍ كَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُتَلَصِّصًا وَسَبَى مِنْهُمْ، وَهَذَا لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ وَقَعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ وَصَحَّ تَصَرُّفُهَا) أَيْ لَا تَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُهَا مِنْ مُبَايَعَةٍ وَنَحْوِهَا بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ، نَعَمْ يَبْطُلُ مِنْهَا مَا يَبْطُلُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ الْمَارَّةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ) فَلَمْ تَكُنْ رِدَّتُهَا سَبَبًا لِزَوَالِ مِلْكِهَا فَجَازَ تَصَرُّفُهَا فِي مَالِهَا بِالْإِجْمَاعِ بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ. قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: فَلَوْ كَانَتْ مِمَّنْ يَجِبُ قَتْلُهَا كَالسَّاحِرَةِ وَالزِّنْدِيقَةِ يَنْبَغِي أَنْ تُلْحَقَ بِالْمُرْتَدِّ (قَوْلُهُ وَأَكْسَابُهَا مُطْلَقًا لِوَرَثَتِهَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ كَسْبَ إسْلَامٍ أَوْ كَسْبَ رِدَّةٍ. قَالَ فِي النَّهْرِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهَا مَنْ لَا يُقْتَلُ إذَا ارْتَدَّ لِشُبْهَةٍ فِي إسْلَامِهِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ لَوْ مَرِيضَةً) لِأَنَّهَا تَكُونُ فَارَّةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ لَوْ صَحِيحَةً) أَيْ لَوْ ارْتَدَّتْ حَالَ كَوْنِهَا صَحِيحَةً (قَوْلُهُ فَلَمْ تَكُنْ فَارَّةً) لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لَا تُقْتَلُ لَمْ تَكُنْ رِدَّتُهَا فِي حُكْمِ مَرَضِ الْمَوْتِ فَلَمْ تَكُنْ فَارَّةً فَلَا يَرِثُهَا لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ وَقَدْ مَاتَتْ كَافِرَةً، بِخِلَافِ رِدَّتِهِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ مَرَضِ الْمَوْتِ مُطْلَقًا فَتَرِثُهُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ فَتَأَمَّلْ) مَا ذَكَرَهُ فِي الزَّوَاهِرِ مَفْهُومٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَقَدَّمْنَا التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ الْبَحْرِ وَتَقَدَّمَ مَتْنًا فِي بَابِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ أَيْضًا فَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ الْأَمْرِ بِالتَّأَمُّلِ، نَعَمْ يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَبْلَ قَوْلِهِ قُلْت مَا نَصُّهُ: وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ اسْتِحْسَانًا إنْ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ وَتَرِثُ الْمُرْتَدَّةُ زَوْجَهَا الْمُرْتَدَّ اتِّفَاقًا خَانِيَّةٌ. قُلْت: وَفِي الزَّوَاهِرِ إلَخْ، وَعَلَيْهِ فَالْأَمْرُ بِالتَّأَمُّلِ وَارِدٌ عَلَى إطْلَاقِ قَوْلِ الْخَانِيَّةِ وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الِارْتِدَادِ ط (قَوْلُهُ أَيْ الْكِتَابِيَّةُ) فَسَّرَهُ بِهِ لِيَعُمَّ الْيَهُودِيَّةَ ط (قَوْلُهُ إلَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ يَرِثُهُ، أَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ الْعُلُوقُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ دُرَرٌ (قَوْلُهُ بِالْجَبْرِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنْ يُسْلِمَ دُرَرٌ: أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّبَعَ أُمَّهُ الْكِتَابِيَّةَ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَظُهِرَ عَلَيْهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ: أَيْ غُلِبَ وَقُهِرَ (قَوْلُهُ فَيْءٌ) أَيْ غَنِيمَةٌ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا لِوَرَثَتِهِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ) بَلْ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ. وَلَا يُشْكِلُ كَوْنُ مَالِهِ فَيْئًا دُونَ نَفْسِهِ لِأَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَذَلِكَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ بِلَا مَالٍ) مُتَعَلِّقٌ بِلَحِقَ. بَقِيَ مَا إذَا لَحِقَ بِبَعْضِ مَالِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَلَحِقَ بِالْبَاقِي، وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّ مَا لَحِقَ بِهِ أَوَّلًا فَيْءٌ، وَمَا لَحِقَ بِهِ ثَانِيًا لِوَرَثَتِهِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) لِأَنَّ عَوْدَهُ وَأَخَذَهُ وَلَحَاقَهُ ثَانِيًا يُرَجِّحُ جَانِبَ عَدَمِ الْعَوْدِ وَيُؤَكِّدُهُ، فَيَتَقَرَّرُ مَوْتُهُ، وَمَا اُحْتِيجَ لِلْقَضَاءِ بِاللَّحَاقِ لِصَيْرُورَتِهِ مِيرَاثًا إلَّا لِيَتَرَجَّحَ عَدَمُ عَوْدِهِ فَتَقَرَّرَ إقَامَتُهُ ثَمَّةَ فَيَتَقَرَّرُ مَوْتُهُ، فَكَانَ
следующие страницы →