Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ كَمَا بَسَطَهُ خُسْرو وَغَيْرُهُ.
(بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يُحِيلَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ غَرِيمًا لَهُ) أَيْ لِلْبَائِعِ (بَطَلَ وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْتَالَ بِالثَّمَنِ صَحَّ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُلَائِمٌ كَشَرْطِ الْجَوْدَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
ــ
[رد المحتار]
قَبْلَ قَبْضِ الْمُحْتَالِ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُمْ الْمُطَالَبَةَ بِهِ دُونَ الْمُحْتَالِ فَيُضَمُّ إلَى تَرِكَتِهِ اهـ.
وَحِينَئِذٍ فَيَتْبَعُ الْمُحْتَالُ التَّرِكَةَ ط. [تَنْبِيهٌ] مَا ذُكِرَ مِنْ الْقِسْمَةِ وَكَوْنِ الْمُحْتَالِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ يُعْلَمُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ كَذَلِكَ، لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ، وَصَرَّحَ فِي الْحَاوِي بِبُطْلَانِ الْحَوَالَةِ بِمَوْتِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْكَافِي أَنَّ مَا بَقِيَ لِلْمُحْتَالِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيلِ، وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُحِيلُ مَدْيُونًا فَمَا قَبَضَهُ الْمُحْتَالُ فَهُوَ لَهُ وَمَا بَقِيَ يُقَسَّمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ) أَيْ فَيَمْلِكُ الْمُحِيلُ الْمُطَالَبَةَ قَالَ فِي الْفَتْحِ: هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا يَمْلِكُ الْمُحِيلُ مُطَالَبَةَ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بِالْعَيْنِ الْمُحَالِ بِهِ وَالدَّيْنِ، وَالْمُطْلَقَةُ هِيَ أَنْ يَقُولَ الْمُحِيلُ لِلطَّالِبِ أَحَلْتُك بِالْأَلْفِ الَّتِي لَك عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَلَمْ يَقُلْ لِيُؤَدِّيَهَا مِنْ الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَلَوْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ مَغْصُوبَةٌ أَوْ دَيْنٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْمُحْتَالِ بِذَلِكَ الدَّيْنِ أَوْ الْعَيْنِ لِوَقْعِهَا مُطْلَقَةً عَنْهُ، بَلْ بِذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ فَيَأْخُذُ دَيْنَهُ أَوْ عَيْنَهُ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ، وَمِنْ الْمُطْلَقَةِ أَنْ يُحِيلَ عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ وَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ أَنَّهُ فِي الْمُقَيَّدَةِ انْقَطَعَتْ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَطَلَ الدَّيْنُ فِي الْمُقَيَّدَةِ وَتَبَيَّنَ بَرَاءَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ بَطَلَتْ، مِثْلُ أَنْ يُحِيلَ الْبَائِعُ رَجُلًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ أَوْ ظَهَرَ حُرًّا، فَتَبْطُلُ وَلِلْمُحَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ بِدَيْنِهِ، وَكَذَا لَوْ قُيِّدَ بِوَدِيعَةٍ، فَهَلَكَتْ عِنْدَ الْمُودِعِ، وَأَمَّا إذَا سَقَطَ الدَّيْنُ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ بِأَمْرٍ عَارِضٍ وَلَمْ تَتَبَيَّنْ بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ مِنْهُ فَلَا تَبْطُلُ، مِثْلُ أَنْ يَحْتَالَ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَهَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ لِلْمُشْتَرِي سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ وَلَكِنَّهُ إذَا أَدَّى رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا أَدَّى لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَلَا تَنْقَطِعُ فِيهَا مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ عَنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ، فَإِذَا أَدَّى سَقَطَ مَا عَلَيْهِ قِصَاصًا، وَلَوْ تَبَيَّنَ بَرَاءَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ وَلَا تَبْطُلُ أَيْضًا، وَلَوْ أَنَّ الْمُحَالَ أَبْرَأَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ إسْقَاطٌ لَا تَمْلِيكٌ، وَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ احْتَاجَ إلَى الْقَبُولِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِالْهِبَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِالْأَدَاءِ وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُحِيلُ فَوَرِثَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِرْثِ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِيهَا قَالَ فِي الْبَحْرِ وَقَدْ وَقَعَتْ حَادِثَةُ الْفَتْوَى فِي الْمَدْيُونِ إذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ دَائِنِهِ بِمِثْلِ الدَّيْنِ، ثُمَّ أَحَالَ عَلَيْهِ بِنَظِيرِ الثَّمَنِ أَوْ بِالثَّمَنِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا: فَأَجَبْت: إذَا وَقَعَ بِنَظِيرِهِ صَحَّتْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِالثَّمَنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا دَيْنٌ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ بِالثَّمَنِ فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الدَّيْنَ إذَا اُسْتُحِقَّ لِلْغَيْرِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ: أَيْ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَسْقُطْ بِأَمْرٍ عَارِضٍ بَعْدَ الْحَوَالَةِ بَلْ تَبَيَّنَ بَرَاءَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْهُ بِأَمْرٍ سَابِقٍ.
(قَوْلُهُ بَطَلَ) أَيْ الْبَيْعُ: أَيْ فَسَدَ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْبَائِعِ دُرَرٌ، أَيْ وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ الَّتِي فِي ضِمْنِهِ ط. قُلْت وَوَجْهُ النَّفْعِ أَنَّ فِيهِ دَفْعَ مُطَالَبَةِ غَرِيمِهِ لَهُ وَتَسْلِيطِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُلَائِمٌ) لِأَنَّهُ يُؤَكِّدُ مُوجِبَ الْعَقْدِ، إذْ الْحَوَالَةُ فِي الْعَادَةِ تَكُونُ عَلَى الْمَلِيءِ وَالْأَحْسَنُ قَضَاءً فَصَارَ كَشَرْطِ الْجَوْدَةِ دُرَرٌ.
قُلْت: وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ تَعْجِيلُ اقْتِضَائِهِ الثَّمَنَ فِي زَعْمِ الْبَائِعِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ
стр. 3082
أَدَّى الْمَالَ فِي الْحَوَالَةِ الْفَاسِدَةِ فَهُوَ الْخِيَارُ: إنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى) الْمُحْتَالِ (الْقَابِضِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ) وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَرَدَ الِاسْتِحْقَاقُ بَزَّازِيَّةٌ وَفِيهَا: وَمِنْ صُوَرِ فَسَادِ الْحَوَالَةِ مَا لَوْ شُرِطَ فِيهَا الْإِعْطَاءُ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيلِ مَثَلًا لِعَجْزِهِ عَنْ الْوَفَاءِ بِالْمُلْتَزَمِ.
نَعَمْ لَوْ أَجَازَ جَازَ كَمَا لَوْ قَبِلَهَا الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْإِعْطَاءِ مِنْ ثَمَنِ دَارِهِ، وَلَكِنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَوْ بَاعَ يُجْبَرُ عَلَى الْأَدَاءِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَأْجِيلُ عَقْدِهَا) فَلَوْ قَالَ ضَمِنْت بِمَا لَك عَلَى فُلَانٍ عَلَى أَنْ أُحِيلَك بِهِ عَلَى فُلَانٍ إلَى شَهْرٍ انْصَرَفَ التَّأْجِيلُ إلَى الدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُ عَقْدِ الْحَوَالَةِ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ.
ــ
[رد المحتار]
بِالثَّمَنِ قَبْلَ الْحَوَالَةِ وَبَعْدَهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُشْتَرِي.
(قَوْلُهُ فِي الْحَوَالَةِ الْفَاسِدَةِ) كَالصُّوَرِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ) أَيْ الْمُؤَدِّي وَهُوَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَرَدَ الِاسْتِحْقَاقُ) أَيْ اسْتِحْقَاقُ الْمَبِيعِ الَّذِي أُحِيلَ بِثَمَنِهِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ: وَعَلَى هَذَا إذَا بَاعَ الْآجِرُ الْمُسْتَأْجَرَ وَأَحَالَ الْمُسْتَأْجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ قَدْ أَدَّى الثَّمَنَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ: إنْ شَاءَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ الْمُحِيلِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْقَابِضِ. اهـ. (قَوْلُهُ: مَا لَوْ شُرِطَ فِيهَا الْإِعْطَاءُ. . . إلَخْ) صَادِقٌ بِمَا إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ بَيْنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ أَوْ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهِ، فَافْهَمْ وَهِيَ مِنْ قِسْمِ الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ (قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَدْخَلَ بِهِ الْأَجْنَبِيَّ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ ط (قَوْلُهُ: لِعَجْزِهِ عَنْ الْوَفَاءِ) عِلَّةٌ لِلْفَسَادِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ غَيْرُ مُلَائِمٍ (قَوْله: نَعَمْ لَوْ أَجَازَ) أَيْ الْمُحِيلُ بَيْعَ دَارِهِ بِأَنْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ لِوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَالْأَدَاءِ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمَسْأَلَةَ بِدُونِ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ نَحْوِ صَفْحَةٍ مَا نَصُّهُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ احْتَالَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيلِ، وَقَدْ كَانَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ حَتَّى جَازَتْ الْحَوَالَةُ لَا يُجْبَرُ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَدَاءِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ إنْ كَانَ الْبَيْعُ مَشْرُوطًا فِي الْحَوَالَةِ كَمَا فِي الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا أَعَدْنَا الْمَسْأَلَةَ لِأَنَّهُ تَوْفِيقٌ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. اهـ. وَمُفَادُهُ أَنَّهُ يُجْبَرُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَفِي بَعْضِهَا لَا يُجْبَرُ، وَالتَّوْفِيقُ أَنَّهُ إنْ قَبِلَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ مِنْ الْمُحِيلِ بِشَرْطِ بَيْعِ دَارِ الْمُحِيلِ لِيُؤَدِّيَ الْمَالَ مِنْ ثَمَنِهَا صَحَّتْ الْحَوَالَةُ وَالشَّرْطُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ الرَّاهِنُ الْمَالَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَبِلَهَا. . . إلَخْ) وَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ (قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ) لِعَدَمِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ قَبْلَ الْبَيْعِ دُرَرٌ. وَعِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ أَوَّلًا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ دَارِهِ، كَمَا إذَا كَانَ قَبُولُهَا بِشَرْطِ الْإِعْطَاءِ عِنْدَ الْحَصَادِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِعْطَاءِ قَبْلَ الْأَجَلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَاعَ يُجْبَرُ عَلَى الْأَدَاءِ) لِتَحَقُّقِ الْوُجُوبِ دُرَرٌ.
(قَوْلُهُ عَلَى أَنْ أُحِيلَك بِهِ عَلَى فُلَانٍ) فَإِنْ أَحَالَهُ وَقَبِلَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ بَرِئَ الْكَفِيلُ عَنْ الضَّمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ فَالْكَفِيلُ عَلَى ضَمَانِهِ، وَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ لَمْ يُطَالَبْ بِالْمَالِ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وَوَجْهُ قَوْلِهِ: لَمْ يُطَالَبْ. . . إلَخْ أَنَّهُ بِمَوْتِ فُلَانٍ لَمْ تَبْقَ الْحَوَالَةُ مُمْكِنَةً، وَقَدْ رَضِيَ الطَّالِبُ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ إلَى شَهْرٍ فَبَقِيَ الْأَجَلُ لِلْكَفِيلِ فَلَا يُطَالَبُ قَبْلَهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي. مَطْلَبٌ فِي تَأْجِيلِ الْحَوَالَةِ (قَوْلُهُ: انْصَرَفَ التَّأْجِيلُ إلَى الدَّيْنِ. . . إلَخْ) أَيْ فَلَا يُطَالَبُ فُلَانٌ إلَّا بَعْدَ الشَّهْرِ، وَلَوْ انْصَرَفَ التَّأْجِيلُ إلَى الْعَقْدِ يَصِيرُ الْمَعْنَى عَلَى أَنْ أُحِيلَك حَوَالَةً مُقَيَّدَةً بِشَهْرٍ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُنَافِي انْتِقَالَ الدَّيْنِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْفَتْحِ تَنْقَسِمُ الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ إلَى حَالَّةٍ وَمُؤَجَّلَةٍ فَالْحَالَّةُ أَنْ يُحِيلَ الطَّالِبُ بِأَلْفٍ هِيَ عَلَى الْمُحِيلِ حَالَّةٌ فَتَكُونُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ حَالَّةً لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لِتَحْوِيلِ الدَّيْنِ، فَيَتَحَوَّلُ بِصِفَتِهِ الَّتِي عَلَى الْأَصِيلِ وَالْمُؤَجَّلَةُ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ إلَى سَنَةٍ فَأَحَالَ بِهَا إلَى سَنَةٍ، وَلَوْ أَبْهَمَهَا لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ وَقَالُوا يَنْبَغِي أَنْ تَثْبُتَ مُؤَجَّلَةً كَمَا فِي الْكَفَالَةِ، فَلَوْ مَاتَ
стр. 3083
وَكَرِهْت السَّفْتَجَةُ) بِضَمِّ السِّينِ وَتُفْتَحُ وَفَتْحِ التَّاءِ، وَهِيَ إقْرَاضٌ لِسُقُوطِ خَطَرِ الطَّرِيقِ، فَكَأَنَّهُ أَحَالَ الْخَطَرَ الْمُتَوَقَّعَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْحَوَالَةِ وَقَالُوا: إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ مَشْرُوطَةً وَلَا مُتَعَارَفَةً فَلَا بَأْسَ.
[فَرْعٌ] فِي النَّهْرِ وَالْبَحْرِ عَنْ صَرْفِ الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ وَهَبَ مِنْهُ الزَّائِدُ لَمْ يَجُزْهُ مَشَاعٌ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ.
(وَلَوْ تَوَكَّلَ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحْتَالِ بِقَبْضِ دَيْنِ الْحَوَالَةِ
ــ
[رد المحتار]
الْمُحِيلُ بَقِيَ الْأَجَلُ لَا لَوْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْأَجَلِ بِمَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُك وَفَاءً رَجَعَ الطَّالِبُ عَلَى الْمُحِيلِ إلَى أَجَلِهِ لِأَنَّ الْأَجَلَ سَقَطَ حُكْمًا لِلْحَوَالَةِ، وَقَدْ انْتَقَضَتْ بِالتَّوَى فَيَنْتَقِضُ مَا فِي ضِمْنِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَدْيُونُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ عَبْدًا مِنْ الطَّالِبِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ عَادَ الْأَجَلُ. اهـ. مُلَخَّصًا وَقَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ قَبِلَهَا إلَى الْحَصَادِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِعْطَاءِ قَبْلَهُ، فَأَفَادَ صِحَّةَ التَّأْجِيلِ مَعَ الْجَهَالَةِ الْقَرِيبَةِ، وَقَدَّمْنَا التَّصْرِيحَ بِهِ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ وَشَمَلَ التَّأْجِيلُ الْقَرْضَ فَيَصِحُّ هُنَا فَفِي كَافِي الْحَاكِمِ مَا حَاصِلُهُ: لَوْ كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفٌ قَرْضٌ لِعَمْرٍو وَعَلَى بَكْرٍ أَلْفٌ قَرْضٌ فَأَحَالَ عَمْرٌو زَيْدًا بِالْأَلْفِ عَلَى بَكْرٍ إلَى سَنَةٍ جَازَ، وَلَيْسَ لِعَمْرٍو أَنْ يَأْخُذَ بِكْرًا بِهَا وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا أَوْ وَهَبَهَا لَهُ لَمْ يَجُزْ اهـ.
[مطلب فِي السَّفْتَجَة]
ِ وَهِيَ الْبُولِيصَةُ (قَوْلُهُ وَكَرِهْت السَّفْتَجَةَ) وَاحِدَةُ السَّفَاتِجِ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، أَصْلُهُ سُفْتَةٌ: وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُحْكَمُ، سُمِّيَ هَذَا الْقَرْضُ بِهِ لِإِحْكَامِ أَمْرِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: بِضَمِّ السِّينِ) أَيْ وَسُكُونِ الْفَاءِ كَمَا فِي ط عَنْ الْوَالِي (قَوْلُهُ وَهِيَ إقْرَاضٌ إلَخْ) وَصُورَتُهَا أَنْ يَدْفَعَ إلَى تَاجِرٍ مَالًا قَرْضًا لِيَدْفَعَهُ إلَى صَدِيقِهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ قَرْضًا لَا أَمَانَةً لِيَسْتَفِيدَ بِهِ سُقُوطَ خَطَرِ الطَّرِيقِ وَقِيلَ هِيَ أَنْ يُقْرِضَ إنْسَانًا لِيَقْضِيَهُ الْمُسْتَقْرِضُ فِي بَلَدٍ يُرِيدُهُ الْمُقْرِضُ لِيَسْتَفِيدَ بِهِ سُقُوطَ خَطَرِ الطَّرِيقِ كِفَايَةٌ (قَوْلُهُ فَكَأَنَّهُ أَحَالَ. . . إلَخْ) بَيَانٌ لِمُنَاسَبَةِ الْمَسْأَلَةِ بِكِتَابِ الْحَوَالَةِ اهـ ح.
وَفِي نَظْمِ الْكَنْزِ لِابْنِ الْفَصِيحِ: وَكَرِهْت سَفَاتِجَ الطَّرِيقِ وَهِيَ إحَالَةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ قَالَ شَارِحُهُ الْمَقْدِسِيَّ لِأَنَّهُ يُحِيلُ صَدِيقَهُ عَلَيْهِ أَوْ مَنْ يَكْتُبُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَقَالُوا. . . إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ إنَاطَةَ الْكَرَاهَةِ بِجَرِّ النَّفْعِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا أَوْ لَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَقِيلَ إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ مَشْرُوطَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ وَجَزَمَ بِهَذَا الْقِيلِ فِي الصُّغْرَى وَالْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ وَالْكِفَايَةِ لِلْبَيْهَقِيِّ وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى فِي صَرْفِ الْبَزَّازِيَّةِ اهـ وَظَاهِرُ الْفَتْحِ اعْتِمَادُهُ أَيْضًا، حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَغَيْرِهَا: إنْ كَانَ السُّفْتَجُ مَشْرُوطًا فِي الْقَرْضِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْقَرْضُ بِهَذَا الشَّرْطِ فَاسِدٌ وَإِلَّا جَازَ.
وَصُورَةُ الشَّرْطِ كَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ: رَجُلٌ أَقْرَضَ رَجُلًا مَالًا عَلَى أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِهَا إلَى بَلَدِ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ بِلَا شَرْطٍ وَكَتَبَ جَازَ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ اُكْتُبْ لِي سَفْتَجَةً إلَى مَوْضِعِ كَذَا عَلَى أَنْ أُعْطِيَك هُنَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَضَاهُ أَحْسَنَ مِمَّا عَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا، قَالُوا: إنَّمَا يَحِلُّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ فَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ أَنَّ ذَلِكَ يُفْعَلُ كَذَلِكَ فَلَا. اهـ.
[فَرْعٌ لَوْ أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ وَهَبَ مِنْهُ الزَّائِدَ]
(قَوْلُهُ فَرْعٌ. . . إلَخْ) ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا نَعَمْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ مَا لَهُ مُنَاسَبَةٌ هُنَا.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ لَوْ قَضَى أَجْوَدَ مِمَّا اسْتَقْرَضَ يَحِلُّ بِلَا شَرْطٍ، وَلَوْ قَضَى أَزْيَدَ فِيهِ تَفْصِيلٌ. . . إلَخْ، وَقَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْقَرْضِ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ إذَا كَانَتْ تَجْرِي بَيْنَ الْوَزْنَيْنِ، أَيْ بِأَنْ كَانَتْ تَظْهَرُ فِي مِيزَانٍ دُونَ مِيزَانٍ جَازَ كَالدَّانَقِ فِي الْمِائَةِ، بِخِلَافِ قَدْرِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُهَا بِهَا تُرَدُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ وَأَعْطَاهَا اخْتِيَارًا،
стр. 3084
لَمْ يَصِحَّ) .
وَلَوْ شَرَطَ الْمُحْتَالُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُحِيلِ صَحَّ وَيُطَالِبُ أَيًّا شَاءَ الْحَوَالَةَ بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَةِ الْمُحِيلِ كَفَالَةٌ خَانِيَّةٌ وَفِيهَا عَنْ الثَّانِي: لَوْ غَابَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَاءَ الْمُحَالُ وَادَّعَى جُحُودَهُ الْمَالَ لَمْ يُصَدَّقْ وَإِنْ بَرْهَنَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ غَائِبٌ، فَلَوْ حَاضِرًا وَجَحَدَ الْحَوَالَةَ وَلَا بَيِّنَةَ كَانَ الْقَوْلُ لَهُ وَجُعِلَ جُحُودُهُ فَسْخًا.
[فَرْعٌ] الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ إذَا احْتَالَ بِمَالِ الْيَتِيمِ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ بِأَنْ كَانَ الثَّانِي أَمْلَأَ صَحَّ سِرَاجِيَّةٌ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي مُضَارَبَةِ الْجَوْهَرَةِ.
قُلْت: وَمُفَادُهُمَا عَدَمُ الْجَوَازِ لَوْ تَسَاوَيَا أَوْ تَقَارَبَا، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْوَجْهُ لَهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ، وَالْعُقُودُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلْفَائِدَةِ.
كِتَابُ الْقَضَاءِ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْمُنَازَعَاتِ يَقَعُ فِي الدُّيُونِ وَالْبِيَاعَاتِ أَعْقَبَهَا بِمَا يَقْطَعُهَا (هُوَ) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ لُغَةً الْحُكْمُ
ــ
[رد المحتار]
فَلَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ لَا يَضُرُّهَا التَّبْعِيضُ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهَا هِبَةُ الْمَشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَلَوْ يَضُرُّهَا جَازَ وَتَكُونُ هِبَةَ الْمَشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ. اهـ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ قَضَاهُ مِثْلَ قَرْضِهِ ثُمَّ زَادَهُ دِرْهَمًا مَفْرُوزًا أَوْ أَكْثَرَ جَازَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي الْقَرْضِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ تَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ) لِكَوْنِ الْمُحِيلِ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ لِيَسْتَفِيدَ الْإِبْرَاءَ الْمُؤَبَّدَ بَحْرٌ عِنْدَ قَوْلِهِ هِيَ نَقْلُ الدَّيْنِ ط وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ لَا يُجْبَرُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الدَّفْعِ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَوَالَةَ. . . إلَخْ) كَمَا أَنَّ الْكَفَالَةَ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ حَوَالَةٌ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُلْتَقَى (قَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَةَ) أَيْ وَحَلَفَ الْجَاحِدُ ط (قَوْلُهُ وَجُعِلَ جُحُودُهُ فَسْخًا) هِيَ مَسْأَلَةُ تَوَى الدَّيْنِ السَّابِقَةُ فِي الْمَتْنِ، وَمَرَّ أَنَّ الرُّجُوعَ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الْمُحِيلِ مَشْرُوطَةٌ بِسَلَامَةِ حَقِّ الْمُحَالِ ط (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمَا مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ.
قَالَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَمِنْهُ مَا لَوْ احْتَالَ إلَى أَجَلٍ، وَكَذَا الْوَكِيلُ إذَا لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ الْمُوَكِّلُ ذَلِكَ. اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ لِكَوْنِهِ إبْرَاءً مُؤَقَّتًا فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ الْمُؤَبَّدِ، وَهَذَا إذَا كَانَ دَيْنًا وَرِثَهُ الصَّغِيرُ وَإِنْ وَجَبَ بِعَقْدِهِمَا جَازَ التَّأْجِيلُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ اهـ.
(قَوْلُهُ قُلْت وَمُفَادُهُمَا) أَيْ مُفَادُ مَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ عَنْ الذَّخِيرَةِ ثُمَّ رَجَّحَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْقَضَاءِ]
ِ تَرْجَمَ لَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَدَبِ الْقَاضِي، وَالْأَدَبُ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ فَذَكَرَ مَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَيَكُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْأَدْبِ بِسُكُونِ الدَّالِ وَهُوَ الْجَمْعُ وَالدُّعَاءُ، وَهُوَ أَنْ تَجْمَعَ النَّاسَ، وَتَدْعُوَهُمْ إلَى طَعَامِك، يُقَالُ أَدَبَ يَأْدِبُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ إذَا دَعَا إلَى طَعَامِهِ، سُمِّيَتْ بِهِ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ؛ لِأَنَّهَا تَدْعُو إلَى الْخَيْرِ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: لَمَّا كَانَ إلَخْ) كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْفَتْحِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ الْحُكْمُ، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ يَنْبَغِي إيرَادُهُ عَقِبَ الدَّعْوَى وَأَيْضًا كَانَ يَنْبَغِي بَيَانُ وَجْهِ التَّأْخِيرِ عَمَّا قَبْلَهُ، كَذَا قِيلَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَرَادُوا بَيَانَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ أَيْ الْحُكْمِ لِتَصِحَّ الدَّعْوَى عِنْدَهُ، فَلَا جَرَمَ أَنْ ذُكِرَ قَبْلَهَا وَلَا خَفَاءَ أَنَّ وَجْهَ التَّأْخِيرِ عَمَّا قَبْلَهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُنَازَعَاتِ فِي الدُّيُونِ وَالْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ مُخْتَصَّةٌ بِهَا فَذُكِرَ بَعْدَهَا نَهْرٌ. (قَوْلُهُ: لُغَةً الْحُكْمُ) وَأَصْلُهُ قَضَايَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَضَيْت إلَّا أَنَّ الْيَاءَ لَمَّا جَاءَتْ بَعْدَ الْأَلِفِ هُمِزَتْ، وَالْجَمْعُ الْأَقْضِيَةُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أَيْ حَكَمَ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ تَقُولُ: قَضَيْت حَاجَتِي وَضَرَبَهُ فَقَضَى عَلَيْهِ أَيْ قَتَلَهُ وَقَضَى نَحْبَهُ مَاتَ وَبِمَعْنَى الْأَدَاءِ وَالْإِنْهَاءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى
стр. 3085
وَشَرْعًا (فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَقَطْعُ الْمُنَازَعَاتِ) وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا بُسِطَ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ عَلَى مَا نَظَّمَهُ ابْنُ الْغَرْسِ بِقَوْلِهِ:
أَطْرَافُ كُلِّ قَضِيَّةٍ حُكْمِيَّةٍ ... سِتٌّ يَلُوحُ بِعَدِّهَا التَّحْقِيقُ حُكْمُ
ــ
[رد المحتار]
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]- وَبِمَعْنَى الصُّنْعِ وَالتَّقْدِيرِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]- وَمِنْهُ الْقَضَاءُ وَالْقَدْرُ بَحْرٌ مُلَخَّصًا عَنْ الصِّحَاحِ. (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا فَصْلُ الْخُصُومَاتِ إلَخْ) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْمُحِيطِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ، وَإِلَّا دَخَلَ فِيهِ نَحْوُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ) مِنْهُ قَوْلُ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٌ إنَّهُ إنْشَاءُ إلْزَامٍ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الْمُتَقَارِبَةِ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ النِّزَاعُ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا، فَخَرَجَ الْقَضَاءُ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ وَمَا لَيْسَ بِحَادِثَةٍ، وَمَا كَانَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْغَرْسِ إنَّهُ الْإِلْزَامُ فِي الظَّاهِرِ عَلَى صِيغَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِأَمْرٍ ظُنَّ لُزُومُهُ فِي الْوَاقِعِ شَرْعًا قَالَ: فَالْمُرَادُ بِإِلْزَامٍ التَّقْرِيرُ التَّامُّ، وَفِي الظَّاهِرِ، فَصْلٌ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْإِلْزَامِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى صِيغَةٍ مُخْتَصَّةٍ أَيْ الشَّرْعِيَّةِ كَأَلْزَمْتُ وَقَضَيْت وَحَكَمْت وَأَنْفَذْتُ عَلَيْك الْقَضَاءَ وَبِأَمْرٍ ظُنَّ لُزُومُهُ إلَخْ فَصْلٌ عَنْ الْجَوْرِ، وَالتَّشَهِّي، وَمَعْنًى فِي الظَّاهِرِ أَيْ الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَضَاءَ مُظْهِرٌ فِي التَّحْقِيقِ لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، لَا مُثْبِتٌ خِلَافًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ مُثْبِتٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ بِنُفُوذِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ فِي مِثْلِهِ ثَابِتٌ تَقْدِيرًا وَالْقَضَاءُ يُقَرِّرُهُ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يُثْبِتْ أَمْرًا لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ يَعْتَبِرُ الْمَعْدُومَ مَوْجُودًا أَوْ الْمَوْجُودَ مَعْدُومًا كَوُجُودِ الدُّخُولِ حُكْمًا فِي إلْحَاقِ نَسَبِ وَلَدِ الْمَشْرِقِيَّةِ بِالْمَغْرِبِيِّ فَأَجْرَى الْمُمْكِنَ مَجْرَى الْوَاقِعِ لِئَلَّا يَهْلِكَ الْوَلَدُ بِانْتِفَاءِ نَسَبِهِ مَعَ وُجُودِ الْعَقْدِ الْمُفْضِي إلَى ثُبُوتِهِ اهـ مُلَخَّصًا وَتَمَامُهُ فِي رِسَالَتِهِ
(قَوْلُهُ: وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ الْحُكْمُ كَمَا مَرَّ، وَالْحَكَمُ أَحَدُ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا لِنَفْسِهِ فَالْمُنَاسِبُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ رُكْنَهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا نَظَمَهُ) أَيْ مِنْ بَحْرِ الْكَامِلِ وَنِصْفُ الْبَيْتِ الثَّانِي الْحَاءُ مِنْ مَحْكُومٍ ط.
(قَوْلُهُ: ابْنُ الْغَرْسِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْيُسْرِ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ الشَّهِيرُ بِابْنِ الْغَرْسِ لَهُ شَرْحٌ عَلَى الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُوَ الرِّسَالَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمُسَمَّاةُ الْفَوَاكِهُ الْبَدْرِيَّةُ فِي الْبَحْثِ عَنْ أَطْرَافِ الْقَضَايَا الْحُكْمِيَّةِ وَلَهُ الشَّرْحُ الْمَشْهُورُ عَلَى شَرْحِ الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ لِلتَّفْتَازَانِيِ.
(قَوْلُهُ: أَطْرَافُ كُلِّ قَضِيَّةٍ حُكْمِيَّةٍ) الْأَطْرَافُ جَمْعُ طَرَفٍ بِالتَّحْرِيكِ وَطَرَفُ الشَّيْءِ مُنْتَهَاهُ، وَقَضِيَّةُ أَصْلِهِ قَضَوِيَّةٌ بِيَاءِ النِّسْبَةِ إلَى الْقَضَاءِ حُذِفَتْ مِنْهُ الْوَاوُ بَعْدَ قَلْبِهَا أَلِفًا وَحُكْمِيَّةٌ صِفَةٌ مُخَصَّصَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا الْحُكْمُ كَمَا مَرَّ وَالْمُرَادُ بِالْقَضِيَّةِ الْحَادِثَةِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا التَّخَاصُمُ كَدَعْوَى بَيْعٍ مَثَلًا فَرُكْنُهَا اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهَا، وَلَا تَكُونُ قَضَوِيَّةً أَيْ مَنْسُوبَةً إلَى الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ أَيْ لَا تَكُونُ مَحَلًّا لِثُبُوتِ حَقِّ الْمُدَّعِي فِيهَا وَعَدَمِهِ إلَّا بِاسْتِجْمَاعِ هَذِهِ الشُّرُوطِ السِّتَّةِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ أَطْرَافِ الشَّيْءِ الْمُحِيطَةِ بِهِ أَوْ أَطْرَافِ الْإِنْسَانِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: بِعَدِّهَا) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مَصْدَرُ عَدَّ الشَّيْءَ يَعُدُّهُ أَحْصَى عِدَّةَ أَفْرَادِهِ، وَيَلُوحُ بِمَعْنَى يَظْهَرُ وَالتَّحْقِيقُ فَاعِلُهُ.
(قَوْلُهُ: حُكْمُ) تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ، وَعَلِمْت أَنَّهُ قَوْلِيٌّ وَفِعْلِيٌّ فَالْقَوْلِيُّ مِثْلُ أَلْزَمْت وَقَضَيْت مَثَلًا، وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِمُعْتَمَدِهِ أَقِمْهُ وَاطْلُبْ الذَّهَبَ مِنْهُ وَقَوْلُهُ ثَبَتَ عِنْدِي يَكْفِي، وَكَذَا ظَهَرَ عِنْدِي أَوْ عَلِمْت فَهَذَا كُلُّهُ حُكْمٌ فِي الْمُخْتَارِ زَادَ فِي الْخِزَانَةِ أَوْ أَشْهِدْ عَلَيْهِ، وَحَكَى فِي التَّتِمَّةِ الْخِلَافَ فِي الثُّبُوتِ، وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَذَكَرَ فِي الْفَوَاكِهِ الْبَدْرِيَّةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَكِنَّ عُرْفَ الْمُشَرِّعِينَ وَالْمُوَثِّقِينَ الْآنَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَلِذَا يُقَالُ: وَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ حُكْمٌ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنْ وَقَعَ الثُّبُوتُ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْحُكْمِ كَقَوْلِ الْمُسَجِّلِ ثَبَتَ عِنْدَهُ جَرَيَانُ الْعَيْنِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ إلَى حِينِ الْبَيْعِ، فَلَيْسَ بِحُكْمٍ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الدَّعْوَى الْحُكْمَ عَلَى الْبَائِعِ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي لِلْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ وَإِلَّا فَهُوَ حُكْمٌ وَتَمَامُهُ فِيهَا وَفِيهَا أَيْضًا.
стр. 3086
وَمَحْكُومٌ بِهِ وَلَهُ وَمَحْكُومٌ عَلَيْهِ وَحَاكِمٌ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي التَّنْفِيذِ
وَأَمَّا التَّنْفِيذُ فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا إذْ مِنْ صِيَغِ الْقَضَاءِ قَوْلُهُ: أَنْفَذْت عَلَيْك الْقَضَاءَ قَالُوا وَإِذَا رُفِعَ إلَيْهِ قَضَاءُ قَاضٍ أَمْضَاهُ بِشُرُوطِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّنْفِيذُ الشَّرْعِيُّ وَمَعْنَى رَفْعِ الْيَدِ حَصَلَتْ عِنْدَهُ فِيهِ خُصُومَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَأَمَّا التَّنْفِيذُ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَانِنَا غَالِبًا فَمَعْنَاهُ إحَاطَةُ الْقَاضِي الثَّانِي عِلْمًا بِحُكْمِ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ لَهُ وَيُسَمَّى اتِّصَالًا اهـ مُلَخَّصًا وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي آخِرِ فَصْلِ الْحَبْسِ. مَطْلَبُ أَمْرُ الْقَاضِي هَلْ هُوَ حُكْمٌ أَوْ لَا؟
وَأَمَّا أَمْرُ الْقَاضِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِحَبْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَضَاءً بِالْحَقِّ كَأَمْرِهِ بِالْأَخْذِ مِنْهُ، وَعَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِصَرْفِ كَذَا مِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ إلَى فَقِيرٍ مِنْ قَرَابَةِ الْوَاقِفِ لَيْسَ بِحُكْمٍ، حَتَّى لَوْ صَرَفَهُ إلَى فَقِيرٍ آخَرَ صَحَّ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ سَلَّمَ الدَّارَ وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَأَطْلَقَ الشَّارِحُ فِي الْفُرُوعِ آخِرَ الْفَصْلِ الْآتِي تَبَعًا لِلْبَزَّازِيِّ أَنَّهُ حُكْمٌ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ. مَطْلَبُ الْحُكْمِ الْفِعْلِيُّ
وَأَمَّا الْحُكْمُ الْفِعْلِيُّ فَسَيَأْتِي فِي الْفُرُوعِ هُنَاكَ أَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي حُكْمٌ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَحَقَّقَ ابْنُ الْغَرْسِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: وَمَحْكُومٌ بِهِ) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضُ كَحَدِّ الزِّنَا أَوْ الْخَمْرِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ الْمَحْضُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَا فِيهِ الْحَقَّانِ وَغَلَبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الْقَذْفِ أَوْ السَّرِقَةِ أَوْ غَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ كَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ ابْنُ الْغَرْسِ وَشَرْطُهُ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَعَنْ هَذَا فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا يَكْفِي مَا لَمْ يَكُنْ الْمُوجِبُ أَمْرًا وَاحِدًا كَالْحُكْمِ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْحُرِّيَّةِ، وَزَوَالُ الْعِصْمَةِ فَلَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ اسْتَلْزَمَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ صَحَّ، كَالْحُكْمِ عَلَى الْكَفِيلِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ مُوجَبَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِهِ، وَعَلَى الْأَصِيلِ الْغَائِبِ وَإِلَّا فَلَا كَمَا لَوْ وَقَعَ التَّنَازُعُ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ فَحَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ مَنْعُ الْجَارِ عَنْ الشُّفْعَةِ فَلِلْحَنَفِيِّ الْحُكْمُ بِهَا وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْغَرْسِ وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ آخِرَ الْفَصْلِ الْآتِي لَكِنْ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى اشْتِرَاطِ الدَّعْوَى فِي الْحُكْمِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الطَّرِيقِ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ) أَيْ وَمَحْكُومٌ لَهُ وَهُوَ الشَّرْعُ كَمَا فِي حُقُوقِهِ الْمَحْضَةِ أَوْ الَّتِي غَلَبَ فِيهَا حَقُّهُ وَلَا حَاجَةَ فِي ذَلِكَ إلَى الدَّعْوَى بِخِلَافِ مَا تَمَحَّضَ فِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ أَوْ غَلَبَ وَالْعَبْدُ هُوَ الْمُدَّعِي، وَعَرَّفُوهُ بِمَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالشَّرْطُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ حَضْرَتُهُ أَوْ حَضْرَةُ نَائِبٍ عَنْهُ كَوَكِيلٍ أَوْ وَلِيٍّ أَوْ وَصِيٍّ فَالْمَحْكُومُ لَهُ الْمَحْجُورُ كَالْغَائِبِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْفَوَاكِهِ الْبَدْرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَحْكُومٌ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْعَبْدُ دَائِمًا لَكِنَّهُ إمَّا مُتَعَيِّنٌ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ كَجَمَاعَةٍ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلٍ فَقُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالْقِصَاصِ أَوْ لَا، كَمَا فِي الْقَضَاءِ بِالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ، بِخِلَافِ الْعَارِضَةِ بِالْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ جُزْئِيٌّ وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْفِ وَالصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْكَافَّةِ فَتُسْمَعُ فِيهِ دَعْوَى الْمِلْكِ، أَوْ وَقْفٍ آخَرَ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الشَّرْعِ مَنْ يَسْتَوْفِي مِنْهُ حَقَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ أَوْ لَا، كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْفَوَاكِهِ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْفَصْلِ الْآتِي حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي نَفَاذِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ، وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: وَحَاكِمٌ) هُوَ إمَّا الْإِمَامُ أَوْ الْقَاضِي أَوْ الْمُحَكَّمُ أَمَّا الْإِمَامُ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا حُكْمُ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ يَنْفُذُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَإِطْلَاقُهُمْ
стр. 3087
وَطَرِيقٌ (وَأَهْلُهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ) أَيْ أَدَائِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَذَا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ
ــ
[رد المحتار]
يَتَنَاوَلُ أَهْلِيَّةَ الْفَاسِقِ الْجَاهِلِ، وَفِيهِ بَحْثٌ وَأَمَّا الْمُحَكَّمُ فَشَرْطُهُ أَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ وَيَقْضِي فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ثُمَّ الْقَاضِي تَتَقَيَّدُ وِلَايَتُهُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْحَوَادِثِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْفَوَاكِهِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ سَيَأْتِي مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعِهِ مَعَ بَيَانِ بَقِيَّةِ صِفَةِ الْحَاكِمِ وَشُرُوطِهِ.
(قَوْلُهُ: وَطَرِيقٌ) طَرِيقُ الْقَاضِي إلَى الْحُكْمِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَالطَّرِيقُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ الْمَحْضَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الدَّعْوَى وَالْحُجَّةِ: وَهِيَ إمَّا الْبَيِّنَةُ أَوْ الْإِقْرَارُ أَوْ الْيَمِينُ أَوْ النُّكُولُ عَنْهُ أَوْ الْقَسَامَةُ أَوْ عِلْمُ الْقَاضِي بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ أَوْ الْقَرَائِنُ الْوَاضِحَةُ الَّتِي تُصَيِّرُ الْأَمْرَ فِي حَيِّزِ الْمَقْطُوعِ بِهِ فَقَدْ قَالُوا لَوْ ظَهَرَ إنْسَانٌ مِنْ دَارٍ بِيَدِهِ سِكِّينٌ وَهُوَ مُتَلَوِّثٌ بِالدَّمِ سَرِيعَ الْحَرَكَةِ عَلَيْهِ أَثَرُ الْخَوْفِ فَدَخَلُوا الدَّارَ عَلَى الْفَوْرِ فَوَجَدُوا فِيهَا إنْسَانًا مَذْبُوحًا بِذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ غَيْرَ ذَلِكَ الْخَارِجِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَا يَمْتَرِي أَحَدٌ فِي أَنَّهُ قَاتِلُهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ ذَبَحَهُ آخَرُ ثُمَّ تَسَوَّرَ الْحَائِطَ أَوْ أَنَّهُ ذَبَحَ نَفْسَهُ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إذْ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ، اهـ مِنْ الْفَوَاكِهِ لِابْنِ الْغَرْسِ ثُمَّ أَطَالَ هُنَا فِي بَيَانِ الدَّعْوَى، وَتَعْرِيفِهَا وَشُرُوطِهَا إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّرِيقِ إلَى الْحُكْمِ أَنْ تَكُونَ بِتَمَامِهَا عِنْدَ الْقَاضِي الْوَاحِدِ، حَتَّى لَوْ ادَّعَى عِنْدَ نَائِبِ الْقَاضِي، وَبَرْهَنَ ثُمَّ وَقَعَتْ الْحَادِثَةُ إلَى الْقَاضِي أَوْ بِالْعَكْسِ صَحَّ وَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى مَا وَقَعَ أَوَّلًا وَيَقْضِيَ اهـ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ مَتْنًا ثُمَّ قَالَ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ وَقَدْ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ وَاعْتِبَارِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخُصُومَةِ لِلشَّرْعِيَّةِ وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي يَعْلَمُ أَنَّ بَاطِنَ الْأَمْرِ لَيْسَ كَظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ لَا تَخَاصُمَ وَلَا تَنَازُعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لَيْسَ لَهُ سَمَاعُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا يُعْتَبَرُ الْقَضَاءُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِيَالُ لِحُصُولِ الْقَضَاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ عُذِرَ وَنَفَذَ قَضَاؤُهُ وَلَعَمْرِي هَذَا شَيْءٌ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى وَبَلَغَتْ شُهْرَةُ اعْتِبَارِهِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى اهـ مُلَخَّصًا، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ بِتَمَامِهِ وَأَقَرَّهُ فَرَاجِعْهُ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ فِي فَتَاوَاهُ. [تَنْبِيهٌ]
بَقِيَ طَرِيقُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ أَيْ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ لَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: اعْتِرَافُهُ حَيْثُ كَانَ مَوْلَى فَلَوْ مَعْزُولًا فَكَوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا فِيمَا فِي يَدِهِ.
الثَّانِي: الشَّهَادَةُ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا أَمَّا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا، وَقَالَ لَمْ أَقْضِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَرَجَّحَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ لِفَسَادِ قُضَاةِ الزَّمَانِ، اهـ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِقَوْلِ مَعْزُولٍ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ فُرُوعًا كَثِيرَةً فِي أَحْكَامِ الْقَضَاءِ يَلْزَمُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَهْلُهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ) أَهْلُ الْأَوَّلِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَالثَّانِي مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْخَبَرِيَّةَ يُحْكَمُ فِيهَا بِمَجْهُولٍ عَلَى مَعْلُومٍ فَإِذَا عُلِمَ زَيْدٌ وَجُهِلَ قِيَامُهُ تَقُولُ زَيْدٌ الْقَائِمُ، وَإِذَا عُلِمَ وَجُهِلَ أَنَّهُ زَيْدٌ تَقُولُ الْقَائِمُ زَيْدٌ؛ وَلِذَا قَالُوا لَمَّا كَانَ أَوْصَافُ الشَّهَادَةِ أَشْهَرَ عِنْدَ النَّاسِ عَرَّفَ أَوْصَافَهُ بِأَوْصَافِهَا ثُمَّ الضَّمِيرُ فِي أَهْلِهِ رَاجِعٌ إلَى الْقَضَاءِ بِمَعْنَى مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ أَوْ بِمَعْنَى مَنْ يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ شُرُوطَ الشَّهَادَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَعَدَمِ الْعَمَى وَالْحَدِّ فِي قَذْفٍ شُرُوطٌ لِصِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ، وَلِصِحَّةِ حُكْمِهِ بَعْدَهَا وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ تَقْلِيدَ الْكَافِرِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ أَسْلَمَ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالرِّدَّةِ فَإِنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْقَضَاءِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، حَتَّى لَوْ قُلِّدَ الْكَافِرُ، ثُمَّ أَسْلَمَ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ فِيهِ رِوَايَتَانِ اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ تَقْلِيدَ الْكَافِرِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَالَ كُفْرِهِ اهـ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ لِرِوَايَةِ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ أَخْذًا مِنْ كَوْنِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالرِّدَّةِ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ التَّحْكِيمِ مِنْ رِوَايَةِ عَدَمِ الصِّحَّةِ وَفِي الْفَتْحِ قُلِّدَ عَبْدٌ فَعَتَقَ جَازَ قَضَاؤُهُ بِتِلْكَ الْوِلَايَةِ
стр. 3088
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْكَافِرَ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ الْقَضَاءَ لِيَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّحْكِيمِ.
(وَشَرْطُ أَهْلِيَّتِهَا شَرْطُ أَهْلِيَّتِهِ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ عَلَى الْقَاضِي وَالْقَضَاءُ مُلْزِمٌ عَلَى الْخَصْمِ فَلِذَا قِيلَ: حُكْمُ الْقَضَاءِ يُسْتَقَى مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ ابْنُ كَمَالٍ (وَالْفَاسِقُ أَهْلُهَا فَيَكُونُ أَهْلَهُ
ــ
[رد المحتار]
بِلَا حَاجَةٍ إلَى تَجْدِيدٍ بِخِلَافِ تَوْلِيَةِ صَبِيٍّ فَأَدْرَكَ، وَلَوْ قُلِّدَ كَافِرٌ فَأَسْلَمَ قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ عَلَى قَضَائِهِ فَصَارَ الْكَافِرُ كَالْعَبْدِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ وِلَايَةٌ وَبِهِ مَانِعٌ وَبِالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ يَرْتَفِعُ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ أَصْلًا وَمَا فِي الْفُصُولِ لَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ أَوْ كَافِرٍ: إذَا أَدْرَكْت فَصَلِّ بِالنَّاسِ أَوْ اقْضِ بَيْنَهُمْ جَازَ لَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَ فِي الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ الْوِلَايَةِ وَالْمُعَلَّقُ مَعْدُومٌ قَبْلَ الشَّرْطِ وَمَا تَقَدَّمَ تَنْجِيزٌ اهـ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْأَوْلَى كَوْنُ الْمُرَادِ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَضَاءُ لَا مَنْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا الْكَامِلَةُ وَهِيَ النَّافِذَةُ الْحُكْمِ وَأَمَّا تَوْلِيَةُ الْأَطْرَشِ فَسَيَذْكُرُهَا الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: وَيَرِدُ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَا فِي الْحَوَاشِي مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ عَلَيْهِ إسْقَاطُهُ لِيَكُونَ الْمُرَادُ أَدَاءَهَا عَلَى مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ فَيَدْخُلُ الْكَافِرُ، لَكِنَّ التَّفْسِيرَ بِالْأَدَاءِ احْتِرَازٌ عَنْ التَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا حَالَةَ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ لَا أَدَاؤُهَا فَيُنَافِي ذَلِكَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ مَنْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ تَحَمُّلَهَا فَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَبْدُ وَالْكَافِرُ. نَعَمْ يَخْرُجُ عَنْهُ الصَّبِيُّ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَضَاءُ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ أَدَاءَهَا فَقَطْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرُ الْمُوَلَّى عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِمْ حَالًا وَكَوْنُهُ قَاضِيًا خَاصًّا لَا يَضُرُّ كَمَا لَا يَضُرُّ تَخْصِيصُ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ بِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَعَلَى كُلٍّ فَالْوَاجِبُ إسْقَاطُ ذَلِكَ الْقَيْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ تَعْرِيفَ الْقَاضِي الْكَامِلِ.
(قَوْلُهُ: لِيَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ) أَيْ حَالَ كُفْرِهِ وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْكَافِرَ يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ مُطْلَقًا لَكِنْ لَا يَحْكُمُ إلَّا إذَا أَسْلَمَ. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الْقَاضِي الدُّرْزِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ [تَنْبِيهٌ]
ظَهَرَ مِنْ كَلَامِهِمْ حُكْمُ الْقَاضِي الْمَنْصُوبِ فِي بِلَادِ الدُّرُوزِ فِي الْقُطْرِ الشَّامِيِّ، وَيَكُونُ دُرْزِيًّا وَيَكُونُ نَصْرَانِيًّا فَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ حُكْمُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الدُّرْزِيَّ لَا مِلَّةَ لَهُ كَالْمُنَافِقِ وَالزِّنْدِيقِ وَإِنْ سَمَّى نَفْسَهُ مُسْلِمًا وَقَدْ أَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ حُكْمُ الدُّرْزِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَبِالْعَكْسِ تَأَمَّلْ، وَهَذَا كُلُّهُ يُعَدُّ كَوْنُهُ مَنْصُوبًا مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ أَوْ مَأْمُورِهِ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالْوَاقِعُ أَنَّهُ يُنَصِّبُهُ أَمِيرُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَلَا أَدْرِي أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ أَمِيرَ صَيْدَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ فِي تِلْكَ الثُّغُورِ وَالْبِلَادِ بِخِلَافِ دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ أَمِيرَهَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيهَا بِدَلِيلِ أَنَّ لَهَا قَاضِيًا فِي كُلِّ سَنَةٍ يَأْتِي مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْفَتْحِ قَالَ: وَاَلَّذِي لَهُ وِلَايَةُ التَّقْلِيدِ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ الَّذِي نَصَّبَهُ الْخَلِيفَةُ، وَأَطْلَقَ لَهُ التَّصَرُّفَ وَكَذَا الَّذِي وَلَّاهُ السُّلْطَانُ نَاحِيَةً، وَجَعَلَ لَهُ خَرَاجَهَا وَأَطْلَقَ لَهُ التَّصَرُّفَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ وَيَعْزِلَ كَذَا قَالُوا: وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ لَا يُصَرِّحَ لَهُ بِالْمَنْعِ أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِعُرْفِهِمْ فَإِنَّ نَائِبَ الشَّامِ وَحَلَبَ فِي دِيَارِنَا يُطْلَقُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ فِي الرَّعِيَّةِ وَالْخَرَاجِ وَلَا يُوَلُّونَ الْقَضَاءَ وَلَا يَعْزِلُونَ اهـ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ: وَشَرْطُ أَهْلِيَّتِهَا إلَخْ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَأَهْلُهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ اهـ ح، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى تَبَعًا لِلْكَنْزِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّانِيَةَ تَبَعًا لِلْغُرَرِ تَوْضِيحًا وَشَرْحًا لِلْأُولَى وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ ذَكَرَهَا لِيُرَتِّبَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ: وَالْفَاسِقُ أَهْلُهَا فَغَيْرُ مُفِيدٍ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: فَلِذَا قِيلَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَاسِقُ أَهْلُهَا) سَيَأْتِي بَيَانُ الْفِسْقِ وَالْعَدَالَةِ فِي الشَّهَادَاتِ، وَأَفْصَحَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ قَالَ إنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْقَضَاءِ
стр. 3089
لَكِنَّهُ لَا يُقَلَّدُ) وُجُوبًا وَيَأْثَمُ مُقَلِّدُهُ كَقَابِلِ شَهَادَتِهِ، بِهِ يُفْتَى، وَقَيَّدَهُ فِي الْقَاعِدِيَّةِ بِمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ فَلْيُحْفَظْ دُرَرٌ. وَاسْتَثْنَى الثَّانِيَ الْفَاسِقَ ذَا الْجَاهِ وَالْمُرُوءَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ بَزَّازِيَّةٌ قَالَ فِي النَّهْرِ وَعَلَيْهِ فَلَا يَأْثَمُ أَيْضًا بِتَوْلِيَتِهِ الْقَضَاءَ حَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
قُلْت: سَيَجِيءُ تَضْعِيفُهُ فَرَاجِعِهِ وَفِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ لَمَّا وَقَعَ التَّسَاوِي فِي قُضَاةِ زَمَانِنَا فِي وُجُودِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعَدَالَةِ.
(وَالْعَدُوُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ إذَا كَانَتْ دُنْيَوِيَّةً)
ــ
[رد المحتار]
فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ لِفِسْقِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِهِ خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ اهـ،
أَقُولُ: لَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا لَانْسَدَّ بَابُ الْقَضَاءِ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا فَلِذَا كَانَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ نَهْرٌ وَفِي الْفَتْحِ وَالْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُلِّ مَنْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَاسِقًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا وَحِينَئِذٍ فَيَحْكُمُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يُقَلِّدُ وُجُوبًا إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ذَكَرَ الْأَوْلَوِيَّةَ يَعْنِي الْأَوْلَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ وَإِنْ قَبِلَ جَازَ وَفِي الْفَتْحِ وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ لَا يَحِلَّ أَنْ يُقْضَى بِهَا فَإِنْ قَضَى جَازَ وَنَفَذَ اهـ، وَمُقْتَضَاهُ الْإِثْمُ وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَبُولُهَا قَبْلَ تَعَرُّفِ حَالِهِ، وَقَوْلُهُمْ بِوُجُوبِ السُّؤَالِ عَنْ الشَّاهِدِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً طَعَنَ الْخَصْمُ أَوْ لَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَى قَوْلِهِمَا الْمُفْتَى بِهِ يَقْتَضِي الْإِثْمَ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ حَالِهِ حَتَّى لَا يُقْبَلَ الْفَاسِقُ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْكَمَالِ بِأَنَّ مَنْ قَلَّدَ فَاسِقًا يَأْثَمُ وَإِذَا قَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ يَأْثَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى) رَاجِعٌ لِمَا فِي الْمَتْنِ فَقَدْ عَلِمْت التَّصْرِيحَ بِتَصْحِيحِهِ وَبِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا كَوْنُ عَدَمِ تَقْلِيدِهِ وَاجِبًا فَفِيهِ كَلَامٌ كَمَا عَلِمْت فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهُ) أَيْ قَيَّدَ قَبُولَ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَابِلٍ اهـ ح وَعِبَارَةُ الدُّرَرِ حَتَّى لَوْ قِبَلهَا الْقَاضِي، وَحَكَمَ بِهَا كَانَ آثِمًا لَكِنَّهُ يَنْفُذُ وَفِي الْفَتَاوَى الْقَاعِدِيَّةِ هَذَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ وَهُوَ مِمَّا يُحْفَظُ اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ أَيْضًا لِحُصُولِ التَّبَيُّنِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي النَّصِّ تَأَمَّلْ قَالَ ط: فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي صِدْقُهُ بِأَنْ غَلَبَ كَذِبُهُ عِنْدَهُ أَوْ تَسَاوَيَا فَلَا يَقْبَلُهَا أَيْ لَا يَصِحُّ قَبُولُهَا أَصْلًا، هَذَا مَا يُعْطِيهِ الْمَقَامُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى الثَّانِيَ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الْفَاسِقِ الَّذِي يَأْثَمُ الْقَاضِي بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي صِدْقُهُ، فَيَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ كَلَامِ الْقَاعِدِيَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ عَلَى مَا اسْتَظْهَرْنَاهُ آنِفًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: سَيَجِيءُ تَضْعِيفُهُ) أَيْ فِي الشَّهَادَاتِ حَيْثُ قَالَ وَمَا فِي الْقُنْيَةِ، وَالْمُجْتَبَى مِنْ قَبُولِ ذِي الْمُرُوءَةِ الصَّادِقِ فَقَوْلُ الثَّانِي، وَضَعَّفَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ اهـ.
قُلْت: قَدَّمْنَا آنِفًا عَنْ الْبَحْرِ أَنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَبُولُ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ قَبْلَ تَعَرُّفِ حَالِهِ فَإِذَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي مِنْ حَالِهِ الصِّدْقُ، وَقَبِلَهُ يَكُونُ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالنَّصِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]- لَكِنْ فِيهِ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ الْعَدْلِ. إنَّمَا هِيَ بِالْمَفْهُومِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا وَلَا سِيَّمَا هُوَ مَفْهُومُ لَقَبٍ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى قَبُولِ قَوْلِهِ عِنْدَ التَّبَيُّنِ عَنْ حَالِهِ كَمَا قُلْنَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ) أَيْ الْمَسَائِلُ الَّتِي عَرَضَهَا عَلَى سُلْطَانِ زَمَانِهِ، فَأَمَرَ بِالْعَمَلِ بِهَا.
(قَوْلُهُ: فِي وُجُودِ الْعَدَالَةِ) هَذَا كَانَ فِي زَمَنِهِ وَقَدْ وُجِدَ التَّسَاوِي فِي عَدَمِهَا الْآنَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ يُقَدِّمُ ط
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ دُنْيَوِيَّةً) سَيُذْكَرُ تَفْسِيرُهَا عَنْ شَرْحِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَاحْتَرَزَ بِالدُّنْيَوِيَّةِ عَنْ الدِّينِيَّةِ فَإِنَّ مَنْ عَادَى غَيْرَهُ لِارْتِكَابِهِ بِهِ مَا لَا يَحِلُّ لَا يُتَّهَمُ، بِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِزُورٍ بِخِلَافِ الْمُعَادَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَعَنْ هَذَا قُبِلَتْ
стр. 3090
وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِهَا لَا يَنْفُذُ، ذَكَرَهُ يَعْقُوبُ بَاشَّا (فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ) لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَهْلَهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ قَالَ وَبِهِ أَفْتَى مُفْتِي مِصْرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَمِينُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْعَالِ قَالَ وَكَذَا سِجِلُّ الْعَدُوِّ لَا يُقْبَلُ عَلَى عَدُوِّهِ. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَقْلَهَا عِنْدَنَا وَيَنْبَغِي النَّفَاذُ لَوْ الْقَاضِي عَدْلًا وَقَالَ ابْنُ وَهْبَانَ بَحْثًا إنْ بِعِلْمِهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ بِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ جَازَ اهـ.
قُلْت: وَاعْتَمَدَهُ الْقَاضِي مُحِبُّ الدِّينِ فِي مَنْظُومَتِهِ فَقَالَ:
وَلَوْ عَلَى عَدُوِّهِ قَاضٍ حَكَمْ ... إنْ كَانَ عَدْلًا صَحَّ ذَاكَ وَانْبَرَمْ
وَاخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَا وَفَصَّلَا ... وَإِنْ كَانَ بِالْعِلْمِ قَضَى لَنْ يُقْبَلَا
وَإِنْ يَكُنْ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمَلَا ... وَبِشَهَادَةِ الْعُدُولِ قُبِلَا
قُلْت: لَكِنْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ وَالْعَيْنِيِّ وَالزَّيْلَعِيِّ وَالْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِمْ عِنْدَ مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ مِنْ الْجَائِرِ عَنْ النَّاصِحِيِّ فِي تَهْذِيبِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ أَنَّ مَنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ وَمَنْ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ
ــ
[رد المحتار]
شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَ عَدُوَّهُ مِنْ حَيْثُ الدِّيَانَةُ وَكَذَا شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِهَا لَا يَنْفُذُ) دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا مِثْلُ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ قَبُولُهَا، وَإِنْ أَثِمَ الْقَاضِي فَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ كَمَا لَوْ قَبِلَ شَهَادَةَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ.
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ يَعْقُوبُ بَاشَا) أَيْ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَقَالَ فِي الْخَيْرِيَّةِ وَالْمَسْأَلَةُ دَوَّارَةٌ فِي الْكُتُبِ. مَطْلَبٌ فِي قَضَاءِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ) أَيْ إذَا كَانَتْ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لَا تُقْبَلُ وَلَوْ قَضَى بِهَا الْقَاضِي لَا يَنْفُذُ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى عَلَى عَدُوِّهِ لَا يَصِحُّ لِمَا تَقَرَّرَ إلَخْ وَبِهِ سَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْيَعْقُوبِيَّةِ مُكَرَّرٌ مَعَ هَذَا فَافْهَمْ. [تَنْبِيهٌ]
إذَا لَمْ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ فَالْمُخَلِّصُ إنَابَةُ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ مَأْذُونًا بِالِاسْتِنَابَةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَسْتَنِيبُ إذَا وَقَعَتْ لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ حَادِثَةٌ.
(قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ وَنَصُّهُ وَرَأَيْت بِمَوْضِعِ ثِقَةٍ مَعْزُوًّا إلَى بَعْضِ الْفَتَاوَى، وَأَظُنُّ أَنَّهَا الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لِلْخَاصِّيِّ أَنَّ سِجِلَّ الْعَدُوِّ لَا يُقْبَلُ عَلَى عَدُوِّهِ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ اهـ فَافْهَمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّجِلِّ كَمَا قَالَ ط كِتَابُ الْقَاضِي إلَى قَاضٍ فِي حَادِثَةٍ عَلَى عَدُوٍّ لِلْقَاضِي، وَهُوَ مَا يَأْتِي عَنْ النَّاصِحِيِّ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ نَقَلَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَقْلَهَا) أَيْ نَقْلَ مَسْأَلَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي عَلَى عَدُوِّهِ وَهَذَا الْكَلَامُ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ ابْنِ وَهْبَانَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَمْ يَرَ نَقْلَهَا مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي النَّفَاذُ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِعِلْمِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَهَذَا الْبَحْثُ لِشَارِحِ الْوَهْبَانِيَّةِ خَالَفَ فِيهِ بَحْثَ ابْنِ وَهْبَانَ الْآتِي وَذَكَرَهُ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: قُلْت: بَلْ يَنْبَغِي النَّفَاذُ مُطْلَقًا لَوْ الْقَاضِي عَدْلًا.
(قَوْلُهُ: إنْ بِعِلْمِهِ لَمْ يَجُزْ) أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ وَعَلَيْهِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ كَلَامَيْ ابْنِ الشِّحْنَةِ وَابْنِ وَهْبَانَ فَإِنَّ مُؤَدَّى كَلَامَيْهَا نُفُوذُ حُكْمِهِ لَوْ عَدْلًا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ.
(قَوْلُهُ: وَاعْتَمَدَهُ إلَخْ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ النَّظْمِ اعْتِمَادُ الْأَوَّلِ وَهُوَ بَحْثُ ابْنِ الشِّحْنَةِ فَيَتَعَيَّنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) هُوَ ابْنُ وَهْبَانَ.
(قَوْلُهُ: قُلْت لَكِنْ إلَخْ) أَصْلُهُ لِلْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ غَفَلَ الشَّيْخَانِ أَيْ ابْنُ وَهْبَانَ وَشَارِحُهُ عَبْدُ الْبَرِّ عَمَّا اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِمْ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ أَنَّ أَهْلَهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ فَمَنْ صَلُحَ لَهَا صَلُحَ لَهُ وَمَنْ لَا فَلَا وَالْعَدُوُّ لَا يَصْلُحُ لِلشَّهَادَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَلَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ اهـ ط.
стр. 3091
لَا يُعْتَمَدُ عَلَى كِتَابِهِ اهـ، وَهُوَ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِيمَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُعْتَمَدْ، وَبِهِ أَفْتَى مُحَقِّقُ الشَّافِعِيَّةِ الرَّمْلِيُّ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت أَنَّهُ قَضَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَثْبَتَ أَهُوَ بَطَلَ قَضَاؤُهُ فَلْيُحْفَظْ. وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ ثُمَّ إنَّمَا تَثْبُتُ الْعَدَاوَةُ بِنَحْوِ قَذْفٍ وَجَرْحٍ وَقَتْلِ وَلِيٍّ لَا بِمُخَاصَمَةٍ، نَعَمْ هِيَ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُخَاصَمَةُ كَشَهَادَةِ وَكِيلٍ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: وَلَمْ أَرَ هَذَا الْكَلَامَ فِي نُسْخَتِي فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَتَأْيِيدُ كَلَامِ الْمَتْنِ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ فَرَّعَ عَدَمَ صِحَّةِ الْقَضَاءِ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَفْهُومُ الْكُلِّيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي عِبَارَاتِ الْمُتُونِ وَهِيَ قَوْلُهُمْ: وَأَهْلُهُ أَهْلُهَا فَإِنَّ مَفْهُومَهَا عَكْسُهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا، لَا يَكُونُ أَهْلًا لَهُ، فَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَتْنِهِ وَالْعَدُوُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ، فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ بِالْمَفْهُومِ، وَفِيهِ احْتِمَالُ نَقْلِ الشَّارِحِ أَنَّ مَفْهُومَ الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي عِبَارَةِ النَّاصِحِيِّ، فَسَقَطَ الِاحْتِمَالُ وَانْدَفَعَ بَحْثُ الشَّيْخَيْنِ وَتَأَيَّدَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ؛ وَلِذَا قَالَ وَهُوَ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِيمَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَكِنْ بَقِيَ هَا هُنَا تَحْقِيقُ تَوْفِيقٍ وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ الْعَدَاوَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ مَا لَمْ يَفْسُقْ بِهَا، وَأَنَّهُ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ وَالْوَاقِعَاتِ، مِنْ أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لَا تُقْبَلُ اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَالرِّوَايَةُ الْمَنْصُوصَةُ تُخَالِفُهَا وَأَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقْبَلُ إذَا كَانَ عَدْلًا وَفِي الْمَبْسُوطِ إنْ كَانَتْ دُنْيَوِيَّةً فَهَذَا يُوجِبُ فِسْقَهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ اهـ مُلَخَّصًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ مُعْتَمَدَيْنِ:
أَحَدُهُمَا عَدَمُ قَبُولِهَا عَلَى الْعَدُوِّ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْعَدَاوَةُ لَا الْفِسْقُ، وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ عَلَى غَيْرِ الْعَدُوِّ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ قَضَاءُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ أَيْضًا.
ثَانِيهِمَا أَنَّهَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا فَسَقَ بِهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبَانَ وَابْنُ الشِّحْنَةِ، وَإِذَا قُبِلَتْ فَبِالضَّرُورَةِ يَصِحُّ قَضَاءُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إذَا كَانَ عَدْلًا فَلِذَا اخْتَارَ الشَّيْخَانِ صِحَّتَهُ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ الْعَدْلِ يَقُولُ بِصِحَّةِ قَضَائِهِ وَمَنْ لَا فَلَا وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ النَّاصِحِيُّ لَا يُعَارِضُ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَنَاطِ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْقِيقَ وَدَعْ التَّلْفِيقَ.
(قَوْلُهُ: لَا يُعْتَمَدُ عَلَى كِتَابِهِ) هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَبَقَ بِالسِّجِلِّ ط.
(قَوْلُهُ: فِيمَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي مَتْنِهِ وَمِنْ إطْلَاقِ عَدَمِ الْقَبُولِ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ أَفْتَى مُحَقِّقُ الشَّافِعِيَّةِ الرَّمْلِيُّ) هَذَا غَيْرُ مَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الرَّافِعِيِّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ مِنْ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْعَدُوِّ، لَا الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ لِظُهُورِ أَسْبَابِ الْحُكْمِ وَخَفَاءِ أَسْبَابِ الشَّهَادَةِ اهـ، وَهُوَ وَجِيهٌ وَلِذَا قَيَّدَ ابْنُ وَهْبَانَ صِحَّةَ الْقَضَاءِ بِمَا إذَا كَانَ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ بِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ كَمَا مَرَّ لِتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ بِمُعَايَنَةِ أَسْبَابِ الْحُكْمِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْحُكْمُ عِنْدَنَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ نَقَلْت، وَقَوْلُهُ إنَّهُ لَوْ قَضَى إلَخْ مَفْعُولُ نَقَلْت أَوْ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ وَبِهِ أَفْتَى، وَجُمْلَةُ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت مُعْتَرِضَةٌ أَوْ هِيَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَجُمْلَةُ أَنَّهُ لَوْ قَضَى إلَخْ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَاقْتَصَرَ ط عَلَى الْأَخِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ إلَخْ) أَصْلُهُ لِنَاظِمِهَا وَنَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَرِّ عَنْهُ وَنَصُّهُ قَالَ، أَيْ ابْنُ وَهْبَانَ وَقَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ مِنْ الشُّهُودِ أَنَّ مَنْ خَاصَمَ شَخْصًا فِي حَقٍّ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ يَصِيرُ عَدُوَّهُ، فَيَشْهَدُونَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدَاوَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِنَحْوِ إلَخْ اهـ.
قُلْت: لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ مُخْتَارَ ابْنِ وَهْبَانَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ إلَّا إذَا فَسَقَ بِهَا فَعُلِمَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُفَسِّقَةً وَقَدْ لَا تَكُونُ فَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا تَثْبُتُ إلَخْ يُرِيدُ بِهِ الْعَدَاوَةَ الْمَانِعَةَ وَهِيَ الْمُفَسِّقَةُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ تَمْنَعُ الْقَبُولَ
стр. 3092
وَوَصِيٍّ وَشَرِيكٍ.
(وَالْفَاسِقُ لَا يَصْلُحُ مُفْتِيًا) لِأَنَّ الْفَتْوَى مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَالْفَاسِقُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الدِّيَانَاتِ ابْنُ مَلَكٍ زَادَ الْعَيْنِيُّ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي مَتْنِهِ وَلَهُ فِي شَرْحِهِ عِبَارَاتٌ بَلِيغَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا وَظَاهِرُ مَا فِي التَّحْرِيرِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِفْتَاؤُهُ اتِّفَاقًا كَمَا بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ (وَقِيلَ نَعَمْ يَصْلُحُ) وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكَنْزِ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ حَذَارِ نِسْبَةِ الْخَطَأِ وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ إسْلَامِهِ وَعَقْلِهِ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ تَيَقُّظَهُ لَا حُرِّيَّتَهُ وَذُكُورَتَهُ وَنُطْقَهُ فَيَصِحُّ إفْتَاءُ الْأَخْرَسِ لَا قَضَاؤُهُ (وَيُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ لَا مِنْ الْقَاضِي) لِلُزُومِ صِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَحَكَمْتُ وَأَلْزَمْت بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَأَمَّا الْأَطْرَشُ وَهُوَ مَنْ يَسْمَعُ
ــ
[رد المحتار]
عَلَى الْعَدُوِّ وَعَلَى غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: وَوَصِيٍّ) أَيْ فِيمَا أَوْصَى عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَشَرِيكٍ أَيْ فِيمَا هُوَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ ط.
(قَوْلُهُ: وَالْفَاسِقُ لَا يَصْلُحُ مُفْتِيًا) أَيْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَاهُ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمَجْمَعِ لَا يُسْتَفْتَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِفْتَاؤُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ الِاتِّفَاقُ عَلَى حِلِّ اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا وَالنَّاسُ يَسْتَفْتُونَهُ مُعَظِّمِينَ لَهُ، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ إنْ ظَنَّ عَدَمَ أَحَدِهِمَا أَيْ عَدَمَ الِاجْتِهَادِ أَوْ الْعَدَالَةِ كَمَا فِي شَرْحِهِ، وَلَكِنْ اشْتِرَاطُ الِاجْتِهَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْمُفْتِيَ الْمُجْتَهِدَ أَيْ الَّذِي يُفْتِي بِمَذْهَبِهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمُفْتٍ بَلْ هُوَ نَاقِلٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ هُنَا بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ اجْتِهَادَهُ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَفْقُودٌ الْيَوْمَ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَى الْمُفْتِي الْفَاسِقِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ فِي شَرْحِهِ عِبَارَاتٌ بَلِيغَةٌ) حَيْثُ قَالَ إنَّ أَوْلَى مَا يَسْتَنْزِلُ بِهِ فَيْضَ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي تَحْقِيقِ الْوَاقِعَاتِ الشَّرْعِيَّةِ طَاعَةُ اللَّهِ وَالتَّمَسُّكُ بِحَبْلِ التَّقْوَى قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَمَنْ اعْتَمَدَ عَلَى رَأْيِهِ وَذِهْنِهِ فِي اسْتِخْرَاجِ دَقَائِقِ الْفِقْهِ وَكُنُوزِهِ وَهُوَ فِي الْمَعَاصِي حَقِيقٌ بِإِنْزَالِ الْخِذْلَانِ فَقَدْ اعْتَمَدَ عَلَى مَا لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] اهـ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ مَا فِي التَّحْرِيرِ) بَلْ هُوَ صَرِيحُهُ كَمَا سَمِعْت.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكَنْزِ) حَيْثُ قَالَ وَالْفَاسِقُ يَصْلُحُ مُفْتِيًا وَقِيلَ لَا فَجَزَمَ بِالْأَوَّلِ وَنَسَبَ الثَّانِيَ إلَى قَائِلِهِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: لَا يَجْتَهِدُ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَظْهَرُ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْرِضُ عَنْ النَّصِّ الضَّرُورِيِّ قَصْدًا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ وَرُبَّمَا عُورِضَ بِالنَّصِّ فَيَدَّعِي فَسَادَ النَّصِّ ط.
(قَوْلُهُ: حَذَارِ نِسْبَةِ الْخَطَأِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ حَذَرٌ لِمَا فِي الْقَامُوسِ وَحَذَارِ حَذَارِ وَقَدْ يُنَوَّنُ الثَّانِي أَيْ احْذَرْ ط.
(قَوْلُهُ: وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ تَيَقُّظَهُ) احْتِرَازًا عَمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ وَالسَّهْوُ،
قُلْت: وَهَذَا شَرْطٌ لَازِمٌ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ الْعَادَةَ الْيَوْمَ أَنَّ مَنْ صَارَ بِيَدِهِ فَتْوَى الْمُفْتِي اسْتَطَالَ عَلَى خَصْمِهِ وَقَهَرَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَفْتَانِي الْمُفْتِي، بِأَنَّ الْحَقَّ مَعِي وَالْخَصْمُ جَاهِلٌ لَا يَدْرِي مَا فِي الْفَتْوَى، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مُتَيَقِّظًا يَعْلَمُ حِيَلَ النَّاسِ وَدَسَائِسَهُمْ، فَإِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ يُقَرِّرُهُ مِنْ لِسَانِهِ وَلَا يَقُولُ لَهُ إنْ كَانَ كَذَا فَالْحَقُّ مَعَك، وَإِنْ كَانَ كَذَا فَالْحَقُّ مَعَ خَصْمِك؛ لِأَنَّهُ يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ مَا يَنْفَعُهُ، وَلَا يَعْجِزُ عَلَى إثْبَاتِهِ بِشَاهِدَيْ زُورٍ، بَلْ الْأَحْسَنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ مَعَ أَحَدِهِمَا كَتَبَ الْفَتْوَى لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ الْوُكَلَاءِ فِي الْخُصُومَاتِ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَرْضَى إلَّا بِإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ لِمُوَكِّلِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ وَلَهُمْ مَهَارَةٌ فِي الْحِيَلِ وَالتَّزْوِيرِ، وَقَلْبِ الْكَلَامِ وَتَصْوِيرِ الْبَاطِلِ بِصُورَةِ الْحَقِّ فَإِذَا أَخَذَ الْفَتْوَى قَهَرَ خَصْمَهُ وَوَصَلَ إلَى غَرَضِهِ الْفَاسِدِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُعِينَهُ عَلَى ضَلَالِهِ وَقَدْ قَالُوا مَنْ جَهِلَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ، وَقَدْ يُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَتَدُلُّ الْقَرَائِنُ لِلْمُفْتِي الْمُتَيَقِّظِ أَنَّ مُرَادَهُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى غَرَضٍ فَاسِدٍ كَمَا شَهِدْنَاهُ كَثِيرًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَفْلَةَ الْمُفْتِي يَلْزَمُ مِنْهَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَعَانُ.
(قَوْلُهُ: لَا حُرِّيَّتَهُ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ كَالرَّاوِي لَا كَالشَّاهِدِ وَالْقَاضِي وَلِذَا تَصِحُّ فَتْوَاهُ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ إفْتَاءُ الْأَخْرَسِ) أَيْ
стр. 3093
الصَّوْتَ الْقَوِيَّ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ بِخِلَافِ الْأَصَمِّ.
(وَيُفْتِي الْقَاضِي) وَلَوْ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ (مَنْ لَمْ يُخَاصِمْ إلَيْهِ) ظَهِيرِيَّةٌ وَسَيَتَّضِحُ (وَيَأْخُذُ) الْقَاضِي كَالْمُفْتِي (بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ثُمَّ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ بِقَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ) وَهُوَ الْأَصَحُّ مُنْيَةٌ وَسِرَاجِيَّةٌ وَعِبَارَةُ النَّهْرِ ثُمَّ بِقَوْلِ الْحَسَنِ فَتَنَبَّهْ وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي اعْتِبَارَ قُوَّةِ الْمُدْرِكِ وَالْأَوَّلُ أَضْبَطُ نَهْرٌ (وَلَا يُخَيَّرُ إلَّا إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا) بَلْ الْمُقَلِّدُ مَتَى خَالَفَ
ــ
[رد المحتار]
حَيْثُ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِإِشَارَةِ النَّاطِقِ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ وَأَفَادَهُ عُمُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ ط.
(قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ) لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْمَعُ الْإِقْرَارُ فَيُضِيعُ حُقُوقَ النَّاسِ، بِخِلَافِ الْأَصَمِّ وَهَكَذَا فَصَّلَ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي الْمُفْتِي.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ الْمُفْتِيَ يَقْرَأُ صُورَةَ الِاسْتِفْتَاءِ، وَيَكْتُبُ جَوَابَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى السَّمَاعِ.
قُلْت: الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا فِي الْقَاضِي مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ جَوَابَ الْخَصْمَيْنِ، فَكَذَا فِي الْمُفْتِي وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ. فَيُحْتَاطُ فِيهِ بِخِلَافِ الْإِفْتَاءِ فَإِنَّهُ إفَادَةُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِالْإِشَارَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ السَّمَاعُ اهـ مِنَحٌ مُلَخَّصًا.
قُلْت: لَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا كَتَبَ لَهُ وَأَجَابَ عَنْهُ جَازَ الْعَمَلُ بِفَتْوَاهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ مَنْصُوبًا لِلْفَتْوَى يَأْتِيهِ عَامَّةُ النَّاسِ وَيَسْأَلُونَهُ مِنْ نِسَاءٍ وَأَعْرَابٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ السَّمْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كُلَّ سَائِلٍ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ سُؤَالَهُ، وَقَدْ يَحْضُرُ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ وَيَتَكَلَّمُ أَحَدُهُمَا بِمَا يَكُونُ فِيهِ الْحَقُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ وَالْمُفْتِي لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ فَيُفْتِيهِ عَلَى مَا سَمِعَ مِنْ بَعْضِ كَلَامِهِ فَيُضِيعُ حَقَّ خَصْمِهِ، وَهَذَا قَدْ شَاهَدْته كَثِيرًا فَلَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُفْتِيًا عَامًّا يَنْتَظِرُ الْقَاضِي جَوَابَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ فَإِنَّ ضَرَرَ مِثْلِ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ نَفْعِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَطْلَبُ يُفْتَى بِقَوْلِ الْإِمَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ]
(قَوْلُهُ: وَيُفْتِي الْقَاضِي إلَخْ) فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ مَنْ لَمْ يُخَاصِمْ إلَيْهِ وَلَا يُفْتِي أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ فِيمَا خُوصِمَ إلَيْهِ اهـ بَحْرٌ وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْقَاضِي هَلْ يُفْتِي فِيهِ أَقَاوِيلُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ فِي الدِّيَانَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ اهـ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يُخَاصِمْ إلَيْهِ فَيُوَافِقُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمِنْ ثَمَّ عَوَّلْنَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ مِنَحٌ، وَقَدْ جَمَعَ الشَّارِحُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ بِهَذَا الْحَمْلِ وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ وَأَكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الْقَضَاءِ لِلْخُصُومِ كَرَاهَةَ أَنْ يَعْلَمَ خَصْمُهُ قَوْلَهُ فَيَتَحَرَّزَ مِنْهُ بِالْبَاطِلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَتَّضِحُ) لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَسْأَلَةَ التَّسْوِيَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْإِطْلَاقِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ أَحَدُ أَصْحَابِهِ أَوْ انْفَرَدَ لَكِنْ سَيَأْتِي قُبَيْلَ الْفَصْلِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ لِزِيَادَةِ تَجْرِبَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) مُقَابِلُهُ مَا يَأْتِي عَنْ الْحَاوِي وَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَعَهُ أَحَدُ صَاحِبِيهِ أَخَذَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ خَالَفَاهُ قِيلَ كَذَلِكَ وَقِيلَ يُخَيَّرُ إلَّا فِيمَا كَانَ الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ كَالْحُكْمِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَفِيمَا أَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَيْهِ كَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فَيَخْتَارُ قَوْلَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَعِبَارَةُ النَّهْرِ إلَخْ) أَيْ لِإِفَادَةِ أَنَّ رُتْبَةَ الْحَسَنِ بَعْدَ زُفَرَ، بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّ عَطْفَهُ بِالْوَاوِ يُفِيدُ أَنَّهُمَا فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْكُتُبِ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي) أَيْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَهَذَا فِيمَا إذَا خَالَفَ الصَّاحِبَانِ الْإِمَامَ وَالْمُرَادُ بِقُوَّةِ الْمُدْرِكِ قُوَّةُ الدَّلِيلِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْمُدْرِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ إدْرَاكِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُؤْخَذُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَضْبَطُ) لِأَنَّ مَا فِي الْحَاوِي خَاصٌّ فِيمَنْ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَصَارَ لَهُ مَلَكَةُ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، وَذَلِكَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، أَوْ الْمُقَيَّدُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ لِمَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُخَيَّرُ إلَّا إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَةُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى الِاطِّلَاعِ
стр. 3094
مُعْتَمَدَ مَذْهَبِهِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَيُنْقَضُ هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى كَمَا بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَسَيَجِيءُ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ: اعْلَمْ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَالُوا الرَّأْيُ فِيهِ لِلْقَاضِي فَالْمُرَادُ قَاضٍ لَهُ مَلَكَةُ الِاجْتِهَادِ انْتَهَى وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِنَّمَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ وَفِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا.
(وَإِذَا اخْتَلَفَ مُفْتِيَانِ) فِي جَوَابِ حَادِثَةٍ (أُخِذَ بِقَوْلِ أَفْقَهِهِمَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَوْرَعَهُمَا) سِرَاجِيَّةٌ وَفِي الْمُلْتَقَطِ وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ وَلَا رَأْيَ لَهُ فِيهِ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ وَنَظَرَ أَحْسَنَ أَقَاوِيلِهِمْ وَقَضَى بِمَا رَآهُ صَوَابًا لَا بِغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَقْوَى فِي الْفِقْهِ وَوُجُوهِ الِاجْتِهَادِ فَيَجُوزُ تَرْكُ رَأْيِهِ بِرَأْيِهِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فَعَلَيْهِ تَقْلِيدُهُمْ
ــ
[رد المحتار]
عَلَى قُوَّةِ الْمُدْرِكِ، وَبِهَذَا رَجَعَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ إلَى مَا فِي الْحَاوِي مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمُفْتِي الْمُجْتَهِدِ لِقُوَّةِ الْمُدْرِكِ نَعَمْ فِيهِ زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ سَكَتَ عَنْهُ الْحَاوِي، فَقَدْ اتَّفَقَ الْقَوْلَانِ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ التَّرْجِيحِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ وَتَرْجِيحُ مَا رَجَحَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ، وَنَحْنُ نَتْبَعُ مَا رَجَّحُوهُ وَاعْتَمَدُوهُ كَمَا لَوْ أَفْتَوْا فِي حَيَاتِهِمْ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِحُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ نَقْلًا عَنْ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ، وَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ الْمُلْتَقَطِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فَعَلَيْهِ تَقْلِيدُهُمْ وَاتِّبَاعُ رَأْيِهِمْ، فَإِذَا قَضَى بِخِلَافِهِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الشَّلَبِيِّ لَا يَعْدِلُ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ إلَّا إذَا صَرَّحَ أَحَدٌ مِنْ الْمَشَايِخِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ عَلَيْنَا الْإِفْتَاءَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ وَإِنْ أَفْتَى الْمَشَايِخُ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ مُحَشِّيهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُفْتِيَ حَقِيقَةً هُوَ الْمُجْتَهِدُ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَنَاقِلٌ لِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ وَإِنْ أَفْتَى الْمَشَايِخُ بِخِلَافِهِ وَنَحْنُ إنَّمَا نَحْكِي فَتْوَاهُمْ لَا غَيْرُ اهـ، وَتَمَامُ أَبْحَاثِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَرَّرْنَاهُ فِي مَنْظُومَتِنَا فِي رَسْمِ الْمُفْتِي وَفِي شَرْحِهَا وَقَدَّمْنَا بَعْضَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى الصَّوَابِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: مُعْتَمَدُ مَذْهَبِهِ) أَيْ الَّذِي اعْتَمَدَهُ مَشَايِخُ الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ وَافَقَ قَوْلَ الْإِمَامِ أَوْ خَالَفَهُ كَمَا قَرَرْنَاهُ آنِفًا.
(قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ) أَيْ بَعْدَ أَسْطُرٍ عَنْ الْمُلْتَقَطِ وَكَذَا فِي الْفَصْلِ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ قُضِيَ فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: اعْلَمْ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَالُوا الرَّأْيُ فِيهِ لِلْقَاضِي إلَخْ) أَقُولُ: قَدْ عَدَّ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي فُوِّضَتْ لِرَأْيِ الْقَاضِي إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً زَادَ مُحَشِّيهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً أُخْرَى ذَكَرَهَا الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ، وَلِحَفِيدِ الْمُصَنِّفِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ الْمُصَنِّفِ رِسَالَةٌ فِي ذَلِكَ سَمَّاهَا فَيْضَ الْمُسْتَفِيضِ فِي مَسَائِلِ التَّفْوِيضِ، فَارْجِعْ إلَيْهَا وَلَكِنْ بَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا يُظْهِرُ تَوَقُّفَ الرَّأْيِ فِيهَا عَلَى الِاجْتِهَادِ الْمُصْطَلَحِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَانْظُرْ مَا نَذْكُرُهُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ فَيَحْبِسُهُ بِمَا رَأَى.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ إلَخْ) هَذَا فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ أَمَّا الْمُقَلِّدِ فَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمُعْتَمَدِ مَذْهَبِهِ عَلِمَ فِيهِ خِلَافًا أَوْ لَا اهـ ط وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَشْكَلَ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِنْدِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ اجْتِهَادٌ عَلَى شَيْءٍ، وَبَقِيَتْ الْحَادِثَةُ مُخْتَلِفَةً وَمُشْكِلَةً كَتَبَ إلَى فُقَهَاءِ غَيْرِ مِصْرِهِ فَالْمُشَاوَرَةُ بِالْكِتَابِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ فِي الْحَوَادِثِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَرَأْيُهُ يُوَافِقُهُمْ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ أَمْضَى ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا نَظَرَ إلَى أَقْرَبِ الْأَقْوَالِ عِنْدَهُ مِنْ الْحَقِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَإِلَّا أَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ وَأَوْرَعُ عِنْدَهُ اهـ ط.
(قَوْلُهُ: وَقَضَى بِمَا رَآهُ صَوَابًا) أَيْ بِمَا حَدَثَ لَهُ مِنْ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ بَعْدَ مُشَاوَرَتِهِمْ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ وَلَا رَأْيَ لَهُ فِيهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الَّذِي أَفْتَاهُ أَقْوَى مِنْهُ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ رَأْيِ نَفْسِهِ إلَى رَأْيِ ذَلِكَ الْمُفْتِي لَكِنْ هَذَا إذَا اتَّهَمَ رَأْيَ نَفْسِهِ فَفِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُحِيطِ وَإِنْ شَاوَرَ الْقَاضِي رَجُلًا وَاحِدًا كَفَى، فَإِنْ رَأَى بِخِلَافِ رَأْيِهِ وَذَلِكَ الرَّجُلُ أَفْضَلُ وَأَفْقَهُ عِنْدَهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ لَوْ قَضَى بِرَأْيِ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَتَّهِمُ الْقَاضِي رَأْيَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ
стр. 3095
وَاتِّبَاعُ رَأْيِهِمْ فَإِذَا قَضَى بِخِلَافِهِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
(الْمِصْرُ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ لَا) فَيَنْفُذُ فِي الْقُرَى وَفِي عَقَارٍ لَا فِي وِلَايَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ خُلَاصَةٌ (وَبِهِ يُفْتَى) بَزَّازِيَّةٌ.
(أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ) لِلسُّلْطَانِ أَوْ لِقَوْمِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهَا أَوْ بِشَفَاعَةٍ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ وَفَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ
ــ
[رد المحتار]
رَأْيَ نَفْسِهِ وَيَقْضِيَ بِرَأْيِ غَيْرِهِ اهـ، أَيْ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: وَاتِّبَاعُ رَأْيِهِمْ) أَيْ إنْ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ وَإِلَّا أَخَذَ بِقَوْلِ الْأَفْقَهِ وَالْأَوْرَعِ عِنْدَهُ كَمَا مَرَّ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِقَوْلِ الَّذِي لَا يَمِيلُ إلَيْهِ قَلْبُهُ جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَيْلَ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ وَقَدْ فَعَلَ أَصَابَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ أَوْ أَخْطَأَ اهـ.
قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُفْتِيَانِ مُجْتَهِدَيْنِ وَاخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الْمُقَلِّدِينَ فِيمَا لَمْ يُصَرِّحُوا فِي الْكُتُبِ بِتَرْجِيحِهِ وَاعْتِمَادِهِ أَوْ اخْتَلَفُوا فِي تَرْجِيحِهِ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ الْآنَ اتِّبَاعُ مَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْجِيحِهِ أَوْ كَانَ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَوْ قَوْلَ الْإِمَامِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّرْجِيحِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَفِي مَنْظُومَتِنَا وَشَرْحِهَا.
(قَوْلُهُ: فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) فِي الْبَحْرِ: وَلَا يُشْتَرَطُ الْمِصْرُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَالْقَضَاءُ بِالسَّوَادِ صَحِيحٌ، وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ اهـ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ مَعْزُوٌّ إلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ رَمْلِيٌّ عَلَى الْمِنَحِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي عَقَارٍ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَدَاعِيَانِ مِنْ بَلَدِ الْقَاضِي إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْمَنْقُولِ وَالدَّيْنِ وَأَمَّا فِي عَقَارٍ لَا فِي وِلَايَتِهِ، فَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ خِلَافَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَلَطٌ اهـ.
[مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرِّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ]
(قَوْلُهُ: أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ قَامُوسٌ وَفِي الْمِصْبَاحِ الرِّشْوَةُ بِالْكَسْرِ مَا يُعْطِيهِ الشَّخْصُ الْحَاكِمَ وَغَيْرَهُ لِيَحْكُمَ لَهُ أَوْ يَحْمِلَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، جَمْعُهَا رِشًا مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ وَجَمْعُهَا رُشًا بِالضَّمِّ اهـ وَفِيهِ الْبِرْطِيلُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الرِّشْوَةُ وَفَتْحُ الْبَاءِ عَامِّيٌّ.
وَفِي الْفَتْحِ: ثُمَّ الرِّشْوَةُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ وَالْمُعْطِي وَهُوَ الرِّشْوَةُ عَلَى تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ.
الثَّانِي: ارْتِشَاءُ الْقَاضِي لِيَحْكُمَ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ الْقَضَاءُ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: أَخْذُ الْمَالِ لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ أَوْ جَلْبًا لِلنَّفْعِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ فَقَطْ وَحِيلَةُ حِلُّهَا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ أَوْ يَوْمَيْنِ فَتَصِيرَ مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةً ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ فِي الذَّهَابِ إلَى السُّلْطَانِ لِلْأَمْرِ الْفُلَانِيِّ، وَفِي الْأَقْضِيَةِ قَسَّمَ الْهَدِيَّةَ وَجَعَلَ هَذَا مِنْ أَقْسَامِهَا فَقَالَ: حَلَالٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَالْإِهْدَاءِ لِلتَّوَدُّدِ وَحَرَامٌ مِنْهُمَا كَالْإِهْدَاءِ لِيُعِينَهُ عَلَى الظُّلْمِ وَحَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ فَقَطْ، وَهُوَ أَنْ يُهْدَى لِيَكُفَّ عَنْهُ الظُّلْمَ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ إلَخْ قَالَ: أَيْ فِي الْأَقْضِيَةِ هَذَا إذَا كَانَ فِيهِ شَرْطٌ أَمَّا إذَا كَانَ بِلَا شَرْطٍ لَكِنْ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ إنَّمَا يُهْدِي لِيُعِينَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَمَشَايِخُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَوْ قَضَى حَاجَتَهُ بِلَا شَرْطٍ وَلَا طَمَعٍ فَأَهْدَى إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ كَرَاهَتِهِ فَوَرَعٌ
الرَّابِعُ: مَا يَدْفَعُ لِدَفْعِ الْخَوْفِ مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ حَلَالٌ لِلدَّافِعِ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْمَالِ لِيَفْعَلَ الْوَاجِبَ، اهـ مَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا. وَفِي الْقُنْيَةِ الرِّشْوَةُ يَجِبُ رَدُّهَا وَلَا تُمْلَكُ وَفِيهَا دَفَعَ لِلْقَاضِي أَوْ لِغَيْرِهِ سُحْتًا لِإِصْلَاحِ الْمُهِمِّ فَأَصْلَحَ ثُمَّ نَدِمَ يَرُدُّ مَا دُفِعَ إلَيْهِ اهـ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فِي الْبَحْرِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَالْعُمَّالِ.
(قَوْلُهُ: لِلسُّلْطَانِ) صِفَةٌ لِرِشْوَةٍ أَيْ دَفَعَهَا الْقَاضِي لَهُ وَكَذَا لَوْ دَفَعَهَا
стр. 3096
(أَوْ ارْتَشَى) هُوَ أَوْ أَعْوَانُهُ بِعِلْمِهِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (وَحَكَمَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ) وَمِنْهُ مَا لَوْ جَعَلَ لِمُوَلِّيهِ مَبْلَغًا فِي كُلِّ شَهْرٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ وَيُفَوِّضُ إلَيْهِ قَضَاءَ نَاحِيَةٍ فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَمَنْ قُلِّدَ بِوَاسِطَةِ الشُّفَعَاءِ كَمَنْ قُلِّدَ احْتِسَابًا وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِزِيَادَةٍ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الطَّلَبُ بِالشُّفَعَاءِ (وَلَوْ) كَانَ (عَدْلًا فَفَسَقَ بِأَخْذِهَا) أَوْ بِغَيْرِهِ وَخَصَّهَا؛ لِأَنَّهَا الْمُعْظَمُ (اسْتَحَقَّ الْعَزْلَ) وُجُوبًا
ــ
[رد المحتار]
غَيْرُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ارْتَشَى) الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِبْهَامِ كَمَا تَعْرِفُهُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ) فِيهِ إيهَامُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَمَعَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْقَضَاءَ بِالرِّشْوَةِ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا، كَمَا فِي الْكَنْزِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ قَضَى لَمْ يَنْفُذْ وَبِهِ يُفْتَى اهـ، وَمِثْلُهُ فِي الدُّرَرِ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ وَأَمَّا إذَا ارْتَشَى أَيْ بَعْدَ صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ سَوَاءٌ ارْتَشَى ثُمَّ قَضَى أَوْ قَضَى ثُمَّ ارْتَشَى كَمَا فِي الْفَتْحِ. فَحَكَى فِي الْعِمَادِيَّةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قِيلَ: إنَّ قَضَاءَهُ نَافِذٌ فِيمَا ارْتَشَى فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ وَقِيلَ: لَا يَنْفُذُ فِيهِ وَيَنْفُذُ فِيمَا سِوَاهُ، وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَقِيلَ لَا يَنْفُذُ فِيهِمَا وَالْأَوَّلُ اخْتَارَهُ الْبَزْدَوِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ أَمْرِ الرِّشْوَةِ فِيمَا إذَا قَضَى بِحَقٍّ إيجَابُ فِسْقِهِ، وَقَدْ فَرَضَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعَزْلَ فَوِلَايَتُهُ قَائِمَةٌ وَقَضَاؤُهُ بِحَقٍّ فَلِمَ لَا يَنْفُذُ وَخُصُوصُ هَذَا الْفِسْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَغَايَةُ مَا وُجِّهَ أَنَّهُ إذَا ارْتَشَى عَامِلٌ لِنَفْسِهِ مَعْنًى وَالْقَضَاءُ عَمَلٌ لِلَّهِ تَعَالَى اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كَوْنَ خُصُوصِ هَذَا الْفِسْقِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ مَمْنُوعٌ، وَبَلْ يُؤَثِّرُ بِمُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ عَمَلًا لِنَفْسِهِ، وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ وَمَا اخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَفِي الْخَانِيَّةِ أَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا ارْتَشَى لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيمَا ارْتَشَى فِيهِ اهـ.
قُلْت حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ مَنْقُوضَةٌ بِمَا اخْتَارَهُ الْبَزْدَوِيُّ، وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الْفَتْحِ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ لِلضَّرُورَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَإِلَّا بَطَلَتْ جَمِيعُ الْقَضَايَا الْوَاقِعَةِ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَخْلُو قَضِيَّةٌ عَنْ أَخْذِ الْقَاضِي الرِّشْوَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْمَحْصُولِ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَلْزَمُ تَعْطِيلُ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ مَرَّ عَنْ صَاحِبِ النَّهْرِ فِي تَرْجِيحِ أَنَّ الْفَاسِقَ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ أَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ الْعَدَالَةَ لَانْسَدَّ بَابُ الْقَضَاءِ فَكَذَا يُقَالُ هُنَا وَانْظُرْ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ التَّحْكِيمِ وَفِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى قَالَ شَيْخُنَا وَإِمَامُنَا جَمَالُ الدِّينِ الْبَزْدَوِيُّ أَنَا مُتَحَيِّرٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا أَقْدِرُ أَنْ أَقُولَ تَنْفِيذُ أَحْكَامِهِمْ لِمَا أَرَى مِنْ التَّخْلِيطِ وَالْجَهْلِ وَالْجَرَاءَةِ فِيهِمْ، وَلَا أَقْدِرُ أَنْ أَقُولَ لَا تَنْفِيذَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ زَمَانِنَا كَذَلِكَ فَلَوْ كَذَلِكَ فَلَوْ أَفْتَيْت بِالْبُطْلَانِ أَدَّى إلَى إبْطَالِ الْأَحْكَامِ جَمِيعًا يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قُضَاةِ زَمَانِنَا أَفْسَدُوا عَلَيْنَا دِينَنَا، وَشَرِيعَةَ نَبِيِّنَا ﷺ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَّا الِاسْمُ وَالرَّسْمُ اهـ، هَذَا فِي قُضَاةِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَمَا بَالُك فِي قُضَاةِ زَمَانِنَا فَإِنَّهُمْ زَادُوا عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ بِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْمَحْصُولِ بِزَعْمِهِمْ الْفَاسِدِ أَنَّ السُّلْطَانَ يَأْذَنُ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَسَمِعْت مِنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَوْلَى أَبَا السُّعُودِ أَفْتَى بِذَلِكَ، وَأَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ افْتِرَاءٌ عَلَيْهِ وَانْظُرْ مَا سَنَذْكُرُهُ قُبَيْلَ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ إلَخْ) أَيْ مِنْ قِسْمِ أَخْذِ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ وَهَذَا يُسَمَّى الْآنَ مُقَاطَعَةً وَالْتِزَامًا بِأَنْ يَكُونَ عَلَى رَجُلٍ قَضَاءُ نَاحِيَةٍ فَيَدْفَعُ لَهُ آخَرُ شَيْئًا مَعْلُومًا مَا لِيَقْضِيَ فِيهَا وَيَسْتَقِلَّ بِجَمِيعِ مَا يُحَصِّلُهُ وَمِنْ الْمَحْصُولِ لِنَفْسِهِ وَذَكَرَ فِي الْخَيْرِيَّةِ فِي شَأْنِهِمْ نَظْمًا يُصَرِّحُ بِكُفْرِهِمْ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْفَتْحِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ شَفَاعَةٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِغَيْرِهِ) كَزِنًا أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا الْمُعْظَمُ) أَيْ مُعْظَمُ مَا يَفْسُقُ بِهِ الْقَاضِي نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: اسْتَحَقَّ الْعَزْلَ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا الْبُخَارِيُّونَ وَالسَّمَرْقَنْدِيُّونَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ عَزْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَقِيلَ: إذَا وَلَّى عَدْلًا ثُمَّ فَسَقَ انْعَزَلَ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ مَشْرُوطَةٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّ مُوَلِّيَهُ اعْتَمَدَهَا فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا
стр. 3097
وَقِيلَ يَنْعَزِلُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ابْنُ الْكَمَالِ وَابْنُ مَلَكٍ. وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ النَّوَادِرِ لَوْ فَسَقَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ عَمِيَ ثُمَّ صَلُحَ أَوْ أَبْصَرَ فَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ وَأَمَّا إنْ قَضَى فِي فِسْقِهِ وَنَحْوِهِ فَبَاطِلٌ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْبَحْرِ وَفِي الْفَتْحِ اتَّفَقُوا فِي الْإِمَارَةِ وَالسَّلْطَنَةِ عَلَى عَدَمِ الِانْعِزَالِ بِالْفِسْقِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لَكِنْ فِي أَوَّلِ دَعْوَى الْخَانِيَّةِ الْوَالِي كَالْقَاضِي فَلْيُحْفَظْ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِهِ فِي عَفَافِهِ وَعَقْلِهِ وَصَلَاحِهِ وَفَهْمِهِ وَعِلْمِهِ بِالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَوُجُوهِ الْفِقْهِ)
ــ
[رد المحتار]
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ وِلَايَتِهِ لِصَلَاحِيَّتِهِ تَقْيِيدُهَا بِهِ عَلَى وَجْهٍ تَزُولُ بِزَوَالِهِ فَتْحٌ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَنْعَزِلُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ صَلُحَ) أَيْ بِالطَّاعَةِ أَوْ الْإِسْلَامِ ط.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: إذَا حَلَّتْ بِالْقَاضِي يُعْزَلُ فَوَاتُ السَّمْعِ أَوْ الْبَصَرِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الدِّينِ اهـ لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالرِّدَّةِ فَإِنَّ الْمُكَفِّرَ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْقَضَاءِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ وَبِهِ عَلِمْت أَنَّ مَا مَرَّ عَلَى خِلَافِ الْمُفْتَى بِهِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا ارْتَدَّ أَوْ فَسَقَ ثُمَّ صَلُحَ فَهُوَ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الِارْتِدَادَ فِسْقٌ، وَبِنَفْسِ الْفِسْقِ لَا يَنْعَزِلُ إلَّا أَنَّ مَا قَضَى فِي حَالِ الرِّدَّةِ بَاطِلٌ اهـ.
قُلْت: وَظَاهِرُ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّ مَا قَضَاهُ فِي حَالِ الْفِسْقِ نَافِذٌ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْفِسْقِ فِي عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ الْفِسْقُ بِالرِّشْوَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَاعْتَمَدَهُ فِي الْبَحْرِ) فِيهِ أَنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ فِي الْبَحْرِ هُوَ قَوْلُهُ فَصَارَ الْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا فَسَقَ لَا يَنْعَزِلُ وَتَنْفُذُ قَضَايَاهُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ هِيَ مَا إذَا فَسَقَ بِالرِّشْوَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ فِي الْحَادِثَةِ الَّتِي أَخَذَ بِسَبَبِهَا قَالَ وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ أَنَّ مَنْ قَالَ بِاسْتِحْقَاقِهِ الْعَزْلَ قَالَ بِصِحَّةِ أَحْكَامِهِ وَمَنْ قَالَ بِعَزْلِهِ قَالَ بِبُطْلَانِهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي أَوَّلِ دَعْوَى الْخَانِيَّةِ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ كَمَا فِي الْبَحْرِ: وَالْوَالِي إذَا فَسَقَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ وَلَا يَنْعَزِلُ اهـ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا فِي الْفَتْحِ فَافْهَمْ. مَطْلَبُ السُّلْطَانِ يَصِيرُ سُلْطَانًا بِأَمْرَيْنِ
نَعَمْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَيْضًا مِنْ الرِّدَّةِ أَنَّ السُّلْطَانَ يَصِيرُ سُلْطَانًا بِأَمْرَيْنِ: بِالْمُبَايَعَةِ مَعَهُ مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْأَعْيَانِ وَبِأَنْ يَنْفُذَ حُكْمُهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ خَوْفًا مِنْ قَهْرِهِ، فَإِنْ بُويِعَ وَلَمْ يَنْفُذْ فِيهِمْ حُكْمُهُ لِعَجْزِهِ عَنْ قَهْرِهِمْ لَا يَصِيرُ سُلْطَانًا فَإِذَا صَارَ سُلْطَانًا بِالْمُبَايَعَةِ فَجَازَ إنْ كَانَ لَهُ قَهْرٌ وَغَلَبَةٌ لَا يَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْعَزَلَ يَصِيرُ سُلْطَانًا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ فَلَا يُفِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَهْرٌ وَغَلَبَةٌ يَنْعَزِلُ اهـ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ الِاسْتِدْرَاكَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ لِيُفِيدَ حَمْلَ مَا فِي الْفَتْحِ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهُ قَهْرٌ وَغَلَبَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إلَخْ) وَيَكُونُ شَدِيدًا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ وَأَقْدَرَ وَأَوْجَهَ وَأَهْيَبَ، وَأَصْبَرَ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ النَّاسِ كَانَ أَوْلَى وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَتَفَحَّصَ فِي ذَلِكَ وَيُوَلِّيَ مَنْ هُوَ أَوْلَى لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَلَّدَ إنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» بَحْرٌ وَمِثْلُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ فَقَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي بِمَعْنَى يُطْلَبُ أَيْ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ صِفَتُهُ هَكَذَا وَقَوْلُهُ: كَانَ أَوْلَى أَيْ أَحَقَّ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى إثْمِ السُّلْطَانِ بِتَوْلِيَتِهِ غَيْرَ الْأَوْلَى فَافْهَمْ. مَطْلَبٌ فِي تَفْسِيرِ الصَّلَاحِ وَالصَّالِحِ.
(قَوْلُهُ: مَوْثُوقًا بِهِ) أَيْ مُؤْتَمَنًا مِنْ وَثِقْت بِهِ أَثِقُ بِكَسْرِهِمَا ثِقَةً وَوُثُوقًا ائْتَمَنْته وَالْعَفَافُ وَالْكَفُّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْوُثُوقِ بِعَقْلِهِ كَوْنُهُ كَامِلَةً، فَلَا يُوَلِّي الْأَخَفَّ وَهُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ وَالصَّلَاحِ خِلَافَ الْفَسَادِ وَفَسَّرَ الْخَصَّافُ الصَّالِحَ بِمَنْ كَانَ مَسْتُورًا غَيْرَ مَهْتُوكٍ، وَلَا صَاحِبَ رِيبَةٍ مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ سَلِيمَ النَّاحِيَةِ كَامِنَ الْأَذَى قَلِيلَ
стр. 3098
(وَالِاجْتِهَادُ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ) لِتَعَذُّرِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَنِ عَنْهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ نَهْرٌ فَصَحَّ تَوْلِيَتُهُ الْعَامِّيِّ ابْنُ كَمَالٍ وَيَحْكُمُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ لَكِنْ فِي إيمَانِ الْبَزَّازِيَّةِ الْمُفْتِي يُفْتِي بِالدِّيَانَةِ وَالْقَاضِي يَقْضِي بِالظَّاهِرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِالْفَتْوَى أَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْحَاكِمِ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ عَالِمًا دِينًا
ــ
[رد المحتار]
السُّوءِ، لَيْسَ بِمُعَاقِرٍ لِلنَّبِيذِ وَلَا يُنَادِمُ عَلَيْهِ الرِّجَالَ وَلَيْسَ بِقَذَّافٍ لِلْمُحْصَنَاتِ، وَلَا مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ فَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ اهـ وَالْمُرَادُ بِعِلْمِ السُّنَّةِ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا وَتَقْرِيرًا عِنْدَ أَمْرٍ يُعَانِيهِ وَبِوُجُوهِ الْفِقْهِ طُرُقُهُ بَحْرٌ مُلَخَّصًا وَالْأَثَرُ كَمَا قَالَ السَّخَاوِيُّ لُغَةً: الْبَقِيَّةُ، وَاصْطِلَاحًا: الْأَحَادِيثُ مَرْفُوعَةً أَوْ مَوْقُوفَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنْ قَصَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الثَّانِي.
[مَطْلَبٌ فِي الِاجْتِهَادِ وَشُرُوطِهِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَالِاجْتِهَادُ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ) هُوَ لُغَةً بَذْلُ الْمَجْهُولِ فِي تَحْصِيلِ ذِي كُلْفَةٍ وَعُرْفًا ذَلِكَ مِنْ الْفَقِيهِ فِي تَحْصِيلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ وَمَعْنَى بَذْلِ الطَّاقَةِ أَنْ يُحِسَّ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَشُرُوطُهُ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَكَوْنُهُ فَقِيهَ النَّفْسِ أَيْ شَدِيدَ الْفَهْمِ بِالطَّبْعِ وَعِلْمُهُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَكَوْنُهُ حَاوِيًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ وَعَالِمًا بِالْحَدِيثِ مَتْنًا وَسَنَدًا وَنَاسِخًا وَمَنْسُوخًا وَبِالْقِيَاسِ وَهَذِهِ الشَّرَائِطُ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي حُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ فَعَلَيْهِ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ مَثَلًا كَالِاجْتِهَادِ فِي حُكْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ اهـ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ هُنَا الِاجْتِهَادُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: لِتَعَذُّرِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ مُتَعَذِّرُ الْوُجُودِ فِي كُلِّ زَمَنٍ، وَفِي كُلِّ بَلَدٍ فَكَانَ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إنْ وُجِدَ فَهُوَ الْأَوْلَى بِالتَّوْلِيَةِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ قُلْنَا بِالتَّعَذُّرِ فِي كُلِّ زَمَنٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: عِنْدَ الْأَكْثَرِ) خِلَافًا لِمَا قِيلَ إنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهُ زَمَنٌ وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
(قَوْلُهُ: فَصَحَّ تَوْلِيَتُهُ الْعَامِّيَّ) الْأَوْلَى فِي التَّفْرِيعِ أَنْ يُقَالَ: فَصَحَّ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ؛ لِأَنَّهُ مُقَابِلُ الْمُجْتَهِدِ ثُمَّ إنَّ الْمُقَلِّدَ يَشْمَلُ الْعَامِّيَّ، وَمَنْ لَهُ تَأَهُّلٌ فِي الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، وَعَيَّنَ ابْنُ الْغَرْسِ الثَّانِيَ قَالَ وَأَقَلُّهُ أَنْ يُحْسِنَ بَعْضَ الْحَوَادِثِ، وَالْمَسَائِلِ الدَّقِيقَةِ وَأَنْ يَعْرِفَ طَرِيقَ تَحْصِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَصُدُورِ الْمَشَايِخِ وَكَيْفِيَّةَ الْإِيرَادِ، وَالْإِصْدَارِ فِي الْوَقَائِعِ وَالدَّعَاوَى وَالْحُجَجِ، وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ وَرَجَّحَ أَنَّ الْمُرَادَ الْجَاعِلُ لِتَعْلِيلِهِمْ بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّ إيصَالَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ بِفَتْوَى غَيْرِهِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي وَالْيَعْقُوبِيَّةِ: إذْ الْمُحْتَاجُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ هُوَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الْمَسَائِلِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَضَبْطِ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ اهـ، وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِنَايَةِ وَكَذَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْكَمَالِ.
قُلْت: وَفِيهِ لِلْبَحْثِ مَجَالٌ فَإِنَّ الْمُفْتِيَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ كَمَا يَأْتِي فَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّهُ يَكْفِيهِ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ: وَلَا يَلْزَمُ وَمِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ الِاجْتِهَادَ كَمَا تَعَذَّرَ فِي الْقَاضِي تَعَذَّرَ فِي الْمُفْتِي الْآنَ فَإِذَا احْتَاجَ إلَى السُّؤَالِ عَمَّنْ يَنْقُلُ الْحُكْمَ، وَمِنْ الْكُتُبِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: الْمُفْتِي يُفْتِي بِالدِّيَانَةِ) مَثَلًا إذَا قَالَ رَجُلٌ: قُلْت لِزَوْجَتِي أَنْتِ طَالِقٌ قَاصِدًا بِذَلِكَ الْإِخْبَارَ كَاذِبًا فَإِنَّ الْمُفْتِيَ يُفْتِيهِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ وَالْقَاضِي يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْوُقُوعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي يَحْكُمُ بِالْفَتْوَى يَلْزَمُ بُطْلَانُ حُكْمِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِالْفَتْوَى فِي كُلِّ حَادِثَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا سَأَلَ الْمُفْتِيَ عَنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَا يُفْتِيهِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَهُ عَمَّا يَحْكُمُ بِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ حُكْمَ الْقَضَاءِ فَعُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ يَحْكُمُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ) أَيْ وَفِي الْأَمْوَالِ لَكِنْ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِمَا الِاسْتِبَاحَةُ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ الْمَالِ وَلِقَصْدِ التَّمْوِيلِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ الَّذِي مَجْرَى أَحْكَامِهِ فِي ذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا دِينًا.
стр. 3099
كَالْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَأَيْنَ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ وَأَيْنَ الْعِلْمُ (وَمِثْلُهُ) فِيمَا ذَكَرَ (الْمُفْتِي) وَهُوَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ الْمُجْتَهِدُ أَمَّا مَنْ يَحْفَظُ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ وَفَتْوَاهُ لَيْسَ بِفَتْوَى بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامٍ كَمَا بَسَطَهُ ابْنُ الْهُمَامِ (وَلَا يَطْلُبُ الْقَضَاءَ) بِقَلْبِهِ (وَلَا يَسْأَلُهُ بِلِسَانِهِ) فِي الْخُلَاصَةِ طَالِبُ الْوِلَايَةِ لَا يُوَلَّى إلَّا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: كَالْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ) مَعْدِنٌ عَزِيزُ الْوُجُودِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْنَ الْعِلْمُ) عِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ وَأَيْنَ الدِّينُ وَالْعِلْمُ. مَطْلَبُ طَرِيقِ التَّنَقُّلِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ.
(قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامٍ) وَطَرِيقُ نَقْلِهِ لِذَلِكَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ فِيهِ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي نَحْوُ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَنَحْوِهَا مِنْ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَشْهُورِ هَكَذَا ذَكَرَ الرَّازِيّ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وُجِدَ بَعْضُ نُسَخِ النَّوَادِرِ فِي زَمَانِنَا لَا يَحِلُّ عَزْوُ مَا فِيهَا إلَى مُحَمَّدٍ وَلَا إلَى أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْتَهَرْ فِي عَصْرِنَا فِي دِيَارِنَا وَلَمْ تُتَدَاوَلْ. نَعَمْ إذَا وُجِدَ النَّقْلُ عَنْ النَّوَادِرِ مَثَلًا فِي كِتَابٍ مَشْهُورٍ مَعْرُوفٍ كَالْهِدَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ كَانَ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ فَتْحٌ. وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ.
قُلْت: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ الْآنَ النَّقْلُ مِنْ أَكْثَرِ الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ وَمِنْ الشُّرُوحِ، أَوْ الْفَتَاوَى الْمَشْهُورَةِ أَسْمَاؤُهَا لَكِنَّهَا لَمْ تَتَدَاوَلْهَا الْأَيْدِي حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَشْهُورَةِ لِكَوْنِهَا لَا تُوجَدُ إلَّا فِي بَعْضِ الْمَدَارِسِ أَوْ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ كَالْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّوَاتُرُ بَلْ يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ بِكَوْنِ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ بِأَنْ وَجَدَ الْعُلَمَاءَ يَنْقُلُونَ عَنْهُ، وَرَأَى مَا نَقَلُوهُ عَنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ نُسْخَةٍ، فَإِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ هُوَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ فِيهِ أَيْ فِيمَا يَنْقُلُهُ وَالسَّنَدُ لَا يَلْزَمُ تَوَاتُرُهُ وَلَا شُهْرَتُهُ، وَأَيْضًا قَدَّمْنَا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَكْتُبُ فِيهِ إلَى فُقَهَاءِ مِصْرٍ آخَرَ وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ بِالْكِتَابِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ فِي الْحَوَادِثِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ احْتِمَالَ التَّزْوِيرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْيَسِيرِ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي شَرْحٍ كَبِيرٍ بِخَطٍّ قَدِيمٍ، وَلَا سِيَّمَا إذَا رَأَى عَلَيْهِ خَطَّ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، فَيَتَعَيَّنُ الِاكْتِفَاءُ بِغَلَبِهِ الظَّنِّ، لِئَلَّا يَلْزَمَ هَجْرُ مُعْظَمِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فِقْهٍ وَغَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ زَمَانِنَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَطْلُبُ الْقَضَاءَ) لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ يَنْزِلُ إلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ «قَالَ ﷺ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ أُوتِيتهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْت إلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا» وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وُقُوعُ الْفَسَادِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَخْذُولٌ فَتْحٌ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: بِقَلْبِهِ) أَرَادَ بِهَذَا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الطَّلَبِ وَالسُّؤَالِ فَالْأَوَّلُ لِلْقَلْبِ وَالثَّانِي لِلِّسَانِ كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ الطَّلَبُ لَا تَحِلُّ التَّوْلِيَةُ كَمَا فِي النَّهْرِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْقَضَاءِ بَلْ كُلُّ وِلَايَةٍ وَلَوْ خَاصَّةً كَوِلَايَةٍ عَلَى وَقْفٍ أَوْ يَتِيمٍ فَهِيَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا فِي الْمَتْنِ وَمِمَّا فِي الْخُلَاصَةِ، أَمَّا إذَا تَعَيَّنَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ غَيْرُهُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَدَفْعًا لِظُلْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا تَعَيَّنَ، وَلَمْ يُوَلَّ إلَّا بِمَالٍ هَلْ يَحِلُّ بَذْلُهُ وَكَذَا لَمْ أَرَ جَوَازَ عَزْلِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ بَذْلُهُ لِلْمَالِ كَمَا حَلَّ طَلَبُهُ وَأَنْ يَحْرُمَ عَزْلُهُ حَيْثُ تَعَيَّنَ، وَأَنْ لَا يَصِحَّ بَحْرٌ قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي قَوْلَهُ: وَلَوْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِالرِّشْوَةِ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا بِرَدِّهِ وَأَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ عَزْلِهِ فَمَمْنُوعٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَعْزِلَ الْقَاضِيَ بِرِيبَةٍ، وَبِلَا رِيبَةٍ وَلَا يَنْعَزِلُ حَتَّى
стр. 3100
أَوْ كَانَتْ التَّوْلِيَةُ مَشْرُوطَةً لَهُ أَوْ ادَّعَى أَنَّ الْعَزْلَ مِنْ الْقَاضِي الْأَوَّلِ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ نَهْرٌ قَالَ: وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ طَلَبَ الْقَضَاءِ لِخَامِلِ الذِّكْرِ لِنَشْرِ الْعِلْمِ (وَيَخْتَارُ) الْمُقَلِّدُ (الْأَقْدَرَ وَالْأَوْلَى بِهِ وَلَا يَكُونُ فَظًّا غَلِيظًا جَبَّارًا عَنِيدًا) لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي إطْلَاقِ اسْمِ خَلِيفَةِ اللَّهِ خِلَافٌ تَتَارْخَانِيَّةٌ.
(وَكُرِهَ) تَحْرِيمًا (التَّقَلُّدُ) أَيْ أَخْذُ الْقَضَاءِ (لِمَنْ خَافَ الْحَيْفَ) أَيْ الظُّلْمَ (أَوْ الْعَجْزَ) يَكْفِي أَحَدُهُمَا فِي الْكَرَاهَةِ ابْنُ كَمَالٍ (وَإِنْ تَعَيَّنَ لَهُ أَوْ أَمِنَهُ لَا) يُكْرَهُ فَتْحٌ ثُمَّ إنْ انْحَصَرَ فُرِضَ عَيْنًا وَإِلَّا كِفَايَةً بَحْرٌ
ــ
[رد المحتار]
يَبْلُغَهُ الْعَزْلُ اهـ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ لَا يَحِلُّ عَزْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَبْعُدْ كَالْوَصِيِّ الْعَدْلِ اهـ.
قُلْت: وَأَيْضًا حَيْثُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ بِالسُّؤَالِ فَإِذَا مَنَعَهُ السُّلْطَانُ أَثِمَ بِالْمَنْعِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ الْأَوْلَى وَوَلَّى غَيْرَهُ يَكُونُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ، وَإِذَا مَنَعَهُ لَمْ يَبْقَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَبِأَيِّ وَجْهٍ يَحِلُّ لَهُ دَفْعُ الرِّشْوَةِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إنَّ فَرْضِيَّةَ الْحَجِّ تَسْقُطُ بِدَفْعِ الرِّشْوَةِ إلَى الْأَعْرَابِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ فَهَذَا أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا صِحَّةُ عَزْلِهِ فَظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْ السُّلْطَانِ وَإِثْمُهُ بِعَزْلِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ الْعَزْلِ كَالْوَصِيِّ الْعَدْلِ الْمَنْصُوبِ وَمِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ، فَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ صِحَّةِ عَزْلِهِ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الْوَصِيَّ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ وَأَمَّا الْقَاضِي فَهُوَ خَلِيفَةٌ عَنْ السُّلْطَانِ وَوِلَايَتُهُ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْهُ فَلَهُ عَزْلُهُ كَوَصِيِّ الْقَاضِي هَذَا مَا ظَهَرَ لِي.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ التَّوْلِيَةُ مَشْرُوطَةً لَهُ) ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَطْلُبُ تَنْفِيذَ شَرْطِ الْوَاقِفِ اهـ.
قُلْت: وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ طَالِبًا مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُوَلِّيَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلٍّ بِالشَّرْطِ، بَلْ يُرِيدُ إثْبَاتَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ مَنْ يُعَارِضُهُ وَمِثْلُهُ وَصِيُّ الْمَيِّتِ إذَا أَرَادَ إثْبَاتَ وِصَايَتِهِ وَبِهَذَا سَقَطَ قَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا تُطْلَبُ التَّوْلِيَةُ عَلَى الْوَقْفِ وَلَوْ كَانَتْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ لَهُ لِإِطْلَاقِهِمْ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ادَّعَى إلَخْ) أَيْ فَإِنَّ لَهُ طَلَبَ الْعَوْدِ مِنْ الْقَاضِي الْجَدِيدِ وَحِينَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الْقَاضِي: أَثْبِتْ أَنَّك أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ ثُمَّ يُوَلِّيهِ نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: لِخَامِلِ الذِّكْرِ) وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ غَيْرُ الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: وَيَخْتَارُ الْمُقَلِّدُ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَقَدَّمْنَا قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَشَرْطُ أَهْلِيَّتِهَا عَنْ الْفَتْحِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْلِيدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِاخْتِيَارَ وَاجِبٌ لِئَلَّا يَكُونَ خَائِنًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ فَظًّا إلَخْ) الْفَظُّ هُوَ الْجَافِي سَيِّئُ الْخُلُقِ وَالْغَلِيظُ قَاسِي الْقَلْبِ وَالْجَبَّارُ مَنْ جَبَرَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَعْنَى أَجْبَرَهُ أَيْ لَا يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلَى مَا لَا يُرِيدُ وَالْعَنِيدُ الْمُعَانِدُ الْمُجَانِبُ لِلْحَقِّ الْمُعَادِي لِأَهْلِهِ بَحْرٌ عَنْ مِسْكِينٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ فِي إمْضَاءِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ أَخْذُ الْقَضَاءِ) هَذَا يُنَاسِبُ كَوْنَ الْعِبَارَةِ التَّقَلُّدَ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهُمَا نُسْخَتَانِ أَيْ فِي الْكَنْزِ التَّقْلِيدُ أَيْ النَّصْبُ مِنْ السُّلْطَانِ وَالتَّقَلُّدُ أَيْ قَبُولُ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ وَهِيَ الْأَوْلَى اهـ، وَهِيَ الَّتِي شَرَحَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ وَقَالَ أَيْضًا إنَّهَا أَوْلَى
قُلْت: وَيُمْكِنُ إرْجَاعُ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ قَبُولُ التَّقْلِيدِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْ أَخْذُ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ خَافَ الْحَيْفَ) فَلَوْ كَانَ غَالِبُ ظَنِّهِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْحُكْمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرَامًا بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْعَجْزَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعَجْزَ عَنْ سَمَاعِ دَعَاوَى كُلِّ الْخُصُومِ بِأَنْ قَدَرَ عَلَى الْبَعْضِ فَقَطْ وَأَنْ يُرَادَ الْعَجْزُ عَنْ الْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهِ وَمِنْ إظْهَارِ الْحَقِّ وَعَدَمِ أَخْذِهِ الرِّشْوَةَ فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ مُبَايِنٌ وَعَلَى الثَّانِي أَعَمُّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ابْنُ كَمَالٍ) أَيْ نَقْلًا عَنْ الْقُدُورِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَعَيَّنَ لَهُ) أَيْ مَعَ خَوْفِ الْحَيْفِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَإِنْ انْحَصَرَ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ ضَبْطُ نَفْسِهِ إلَّا إذَا كَانَ السُّلْطَانُ يُمْكِنُ أَنْ يَفْصِلَ الْخُصُومَاتِ وَيَتَفَرَّغَ لِذَلِكَ اهـ.
стр. 3101
(وَالتَّقَلُّدُ رُخْصَةٌ) أَيْ مُبَاحٌ (وَالتَّرْكُ عَزِيمَةٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ) بَزَّازِيَّةٌ فَالْأَوْلَى عَدَمُهُ (وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الْأَهْلِ الدُّخُولُ فِيهِ قَطْعًا) مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي الْحُرْمَةِ فَفِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ (وَيَجُوزُ تَقَلُّدُ الْقَضَاءِ مِنْ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ وَالْجَائِرِ) وَلَوْ كَافِرًا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ وَغَيْرُهُ إلَّا إذَا كَانَ يَمْنَعُهُ عَنْ الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ فَيَحْرُمُ وَلَوْ فَقَدَ وَالٍ لِغَلَبَةِ كُفَّارٍ وَجَبَ عَلَى
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَقَدَّمْنَا التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ ابْنِ الْغَرْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَحَاكِمٌ قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفِي النَّوَازِلِ: أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ وَفِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ يَنْفُذُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ يَنْفُذُ وَهَذَا أَصَحُّ وَبِهِ يُفْتَى اهـ. [تَنْبِيهٌ]
لَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ لَوْ امْتَنَعَ قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَمْ أَرَهُ وَالظَّاهِرُ نَعَمْ وَكَذَا جَوَازُ جَبْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ اهـ لَكِنْ صَرَّحَ فِي الِاخْتِيَارِ بِأَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ لَهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ وَلَوْ امْتَنَعَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّقَلُّدُ) أَيْ الدُّخُولُ فِيهِ عِنْدَ الْأَمْنِ وَعَدَمِ التَّعَيُّنِ. مَطْلَبُ مَا كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ يَكُونُ أَدْنَى فِعْلِهِ النَّدْبَ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّرْكُ عَزِيمَةٌ إلَخْ) هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ النِّهَايَةِ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْفَتْحِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْغَالِبَ خَطَأٌ ظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنْ نَفْسِهِ الِاعْتِدَالَ، فَيَظْهَرُ مِنْهُ خِلَافُهُ، وَقِيلَ: وَإِنَّ الدُّخُولَ فِيهِ عَزِيمَةٌ وَالِامْتِنَاعُ رُخْصَةٌ، فَالْأَوْلَى الدُّخُولُ فِيهِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَانَ الدُّخُولُ فِيهِ مَنْدُوبًا لِمَا أَنَّ أَدْنَيْ دَرَجَاتِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ النَّدْبُ كَمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا قُلْنَا نَعَمْ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ فِيهِ خَطَرًا عَظِيمًا، وَأَمْرًا مَخُوفًا لَا يَسْلَمُ فِي بَحْرِهِ كُلُّ سَابِحٍ، وَلَا يَنْجُو مِنْهُ كُلُّ طَامِحٍ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ عَزِيزٌ وُجُودُهُ. مَطْلَبُ أَبُو حَنِيفَةَ دُعِيَ إلَى الْقَضَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَبَى أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ دُعِيَ إلَى الْقَضَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَبَى حَتَّى ضُرِبَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثِينَ سَوْطًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ قَالَ حَتَّى أَسْتَشِيرَ أَصْحَابِي، فَاسْتَشَارَ أَبَا يُوسُفَ فَقَالَ لَوْ تَقَلَّدْت لَنَفَعْتَ النَّاسَ فَنَظَرَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَظَرَ الْمُغْضَبِ، وَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أُمِرْت أَنْ أَعْبُرَ الْبَحْرَ سِبَاحَةً أَكُنْت أَقْدِرُ عَلَيْهِ وَكَأَنِّي بِك قَاضِيًا، وَكَذَا دُعِيَ مُحَمَّدٌ ﵀ إلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى حَتَّى قُيِّدَ وَحُبِسَ وَاضْطُرَّ فَتَقَلَّدَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الْأَهْلِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ هُنَا مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: وَأَهْلُهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ وَلَوْ فَاسِقًا أَوْ جَائِرًا أَوْ جَاهِلًا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ حِلِّهِ أَوْ حُرْمَتِهِ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِهِ فِي عَفَافِهِ وَعَقْلِهِ إلَخْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجَاهِلُ تَأَمَّلْ. وَفِي الْفَتْحِ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» .
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ تَقَلُّدُ الْقَضَاءِ مِنْ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ وَالْجَائِرِ) أَيْ الظَّالِمِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اخْتِصَاصِ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ بِالسُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ كَالْخَلِيفَةِ، حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلْدَةٍ عَلَى تَوْلِيَةِ وَاحِدٍ الْقَضَاءَ لَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَلَّوْا سُلْطَانًا بَعْدَ مَوْتِ سُلْطَانِهِمْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ نَهْرٌ وَتَمَامُهُ فِيهِ. قُلْت: وَهَذَا حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ وَإِلَّا فَلَهُمْ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي أَيْضًا كَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَافِرًا) فِي التَّتَارْخَانِيَّة الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ أَيْ فِي السُّلْطَانِ الَّذِي يُقَلَّدُ، وَبِلَادُ الْإِسْلَامِ الَّتِي فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ لَا شَكَّ أَنَّهَا بِلَادُ الْإِسْلَامِ
стр. 3102
الْمُسْلِمِينَ تَعْيِينُ وَالٍ وَإِمَامٍ لِلْجُمُعَةِ فَتْحٌ (وَمِنْ) سُلْطَانِ الْخَوَارِجِ وَ (أَهْلِ الْبَغْيِ) وَإِذَا صَحَّتْ التَّوْلِيَةُ صَحَّ الْعَزْمُ وَإِذَا رُفِعَ قَضَاءُ الْبَاغِي إلَى قَاضِي الْعَدْلِ نَفَّذَهُ، وَقِيلَ لَا وَبِهِ جَزَمَ النَّاصِحِيُّ (فَإِذَا تَقَلَّدَ طَلَبَ دِيوَانَ قَاضٍ قَبْلَهُ) يَعْنِي السِّجِلَّاتِ
ــ
[رد المحتار]
لَا بِلَادُ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُظْهِرُوا فِيهَا حُكْمَ الْكُفْرِ، وَالْقُضَاةُ مُسْلِمُونَ وَالْمُلُوكُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُمْ عَنْ ضَرُورَةٍ مُسْلِمُونَ وَلَوْ كَانَتْ عَنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مِنْهُمْ فَفُسَّاقٌ وَكُلُّ مِصْرٍ فِيهِ وَالٍ مِنْ جِهَتِهِمْ تَجُوزُ فِيهِ إقَامَةُ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَأَخْذُ الْخَرَاجِ وَتَقْلِيدُ الْقُضَاةِ، وَتَزْوِيجُ الْأَيَامَى لِاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ وَأَمَّا إطَاعَةُ الْكُفْرِ فَذَاكَ مُخَادَعَةٌ، وَأَمَّا بِلَادٌ عَلَيْهَا وُلَاةٌ كُفَّارٌ فَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ إقَامَةُ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَيَصِيرُ الْقَاضِي قَاضِيًا بِتَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلْتَمِسُوا وَالِيًا مُسْلِمًا مِنْهُمْ اهـ وَعَزَاهُ مِسْكِينٌ فِي شَرْحِهِ إلَى الْأَصْلِ وَنَحْوُهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ فِي بِلَادٍ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ
وَفِي الْفَتْحِ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ، وَلَا مَنْ يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْهُ كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْكُفَّارُ كَقُرْطُبَةَ الْآنَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَجْعَلُونَهُ وَالِيًا فَيُوَلَّى قَاضِيًا وَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ وَكَذَا يُنَصِّبُوا إمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ اهـ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَطْمَئِنُّ النَّفْسُ إلَيْهِ فَلْيُعْتَمَدْ نَهْرٌ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَهَذَا إلَى مَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْفَتْحِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ مِنْ كَافِرٍ عَلَى خِلَافِ مَا مَرَّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة، وَلَكِنْ إذَا وَلَّى الْكَافِرُ عَلَيْهِمْ قَاضِيًا وَرَضِيَهُ الْمُسْلِمُونَ صَحَّتْ تَوْلِيَتُهُ بِلَا شُبْهَةٍ تَأَمَّلْ، ثُمَّ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي لَيْسَتْ تَحْتَ حُكْمِ سُلْطَانٍ بَلْ لَهُمْ أَمِيرٌ مِنْهُمْ مُسْتَقِلٌّ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالتَّغَلُّبِ أَوْ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ الْأَمِيرُ فِي حُكْمِ السُّلْطَانِ فَيَصِحُّ مِنْهُ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ سُلْطَانِ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ) تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْبُغَاةِ.
(قَوْلُهُ: صَحَّ الْعَزْلُ) فَإِذَا وَلَّى سُلْطَانُ الْبُغَاةِ بَاغِيًا وَعَزَلَ الْعَدْلَ، ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ احْتَاجَ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ إلَى تَجْدِيدِ التَّوْلِيَةِ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: نَفَّذَهُ) أَيْ حَيْثُ كَانَ مُوَافِقًا أَوْ مُخْتَلِفًا فِيهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْقُضَاةِ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ، وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ كَانَ مِنْ الْبُغَاةِ فَإِنَّ قَضَايَاهُ تَنْفُذُ كَسَائِرِ فُسَّاقِ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ يَصْلُحُ قَاضِيًا فِي الْأَصَحِّ، وَذَكَرَ فِي الْفُصُولِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِيهِ:
الْأَوَّلُ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
الثَّانِي عَدَمُ النَّفَاذِ، فَإِذَا رُفِعَ إلَى الْعَادِلِ لَا يُمْضِيهِ.
الثَّالِثُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحْكَمِ بِمُضِيِّهِ لَوْ وَافَقَ رَأْيَهُ وَإِلَّا أَبْطَلَهُ اهـ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ جَزَمَ النَّاصِحِيُّ) لَكِنْ قَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. مَطْلَبٌ فِي الْعَمَلِ بِالسِّجِلَّاتِ وَكُتُبِ الْأَوْقَافِ الْقَدِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا تَقَلَّدَ طَلَبَ دِيوَانَ قَاضٍ قَبْلَهُ) فِي الْقَامُوسِ الدِّيوَانُ وَيُفْتَحُ مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ وَالْكِتَابُ يُكْتَبُ فِيهِ أَهْلُ الْجَيْشِ، وَأَهْلُ الْعَطِيَّةِ وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَمْعُهُ دَوَاوِينُ وَدَيَاوِينُ اهـ فَقَوْلُهُ: مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ بِمَعْنَى قَوْلِ الْكَنْزِ، وَهُوَ الْحَوَائِطُ الَّتِي فِيهَا السِّجِلَّاتُ وَالْمُحَاضَرَاتُ وَغَيْرُهَا، وَالْخَرَائِطُ جَمْعُ خَرِيطَةٍ شِبْهُ الْكِيسِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: يَعْنِي السِّجِلَّاتِ تَفْسِيرٌ بِالْمَعْنَى الثَّانِي، وَقَوْلُ الْبَحْرِ تَبَعًا لِمِسْكِينٍ أَنَّ مَا فِي الْكَنْزِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الدِّيوَانَ نَفْسُ السِّجِلَّاتِ وَالْمَحَاضِرُ لَا الْكِيسُ فِيهِ نَظَرٌ فَافْهَمْ وَالسِّجِلُّ لُغَةً: كِتَابُ الْقَاضِي وَالْمَحَاضِرُ جَمْعُ مَحْضَرٍ وَفِي الدُّرَرِ أَنَّ الْمَحْضَرَ مَا كُتِبَ فِيهِ مَا جَرَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ، وَالْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ عَلَى وَجْهٍ يَرْفَعُ الِاشْتِبَاهَ، وَكَذَا السِّجِلُّ وَالصَّكُّ مَا كُتِبَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ وَالْإِقْرَارُ وَغَيْرُهَا وَالْحُجَّةُ وَالْوَثِيقَةُ؛ يَتَنَاوَلَانِ الثَّلَاثَةَ اهـ، وَالْعُرْفُ الْآنَ مَا كُتِبَ فِي الْوَاقِعَةِ وَبَقِيَ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطُّهُ وَالْحُجَّةُ مَا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْقَاضِي أَعْلَاهُ وَخَطُّ الشَّاهِدِينَ أَسْفَلَهُ وَأُعْطِيَ
стр. 3103
(وَنَظَرَ فِي حَالِ الْمَحْبُوسِينَ) فِي سِجْنِ الْقَاضِي وَأَمَّا الْمَحْبُوسُونَ فِي سِجْنِ الْوَالِي فَعَلَى الْإِمَامِ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِمْ فَمَنْ لَزِمَهُ أَدَبٌ أَدَّبَهُ وَإِلَّا أَطْلَقَهُ وَلَا يُبَيِّتُ أَحَدًا فِي قَيْدٍ إلَّا رَجُلًا مَطْلُوبًا بِدَمٍ وَنَفَقَةٍ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ بَحْرٌ (فَمَنْ أَقَرَّ) مِنْهُمْ (بِحَقٍّ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَلْزَمَهُ) الْحَبْسَ ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ وَقِيلَ الْحَقُّ (وَإِلَّا نَادَى عَلَيْهِ) بِقَدْرِ مَا يَرَى ثُمَّ أَطْلَقَهُ بِكَفِيلٍ بِنَفْسِهِ فَإِنْ أَبَى نَادَى عَلَيْهِ شَهْرًا ثُمَّ أَطْلَقَهُ (وَعَمِلَ فِي الْوَدَائِعِ وَغَلَّاتِ الْوَقْفِ بَيِّنَةٌ أَوْ إقْرَارٌ)
ــ
[رد المحتار]
لِلْخَصْمِ. بَحْرٌ مُلَخَّصًا وَإِنَّمَا يَطْلُبُهُ؛ لِأَنَّ الدِّيوَانَ وُضِعَ لِيَكُونَ حُجَّةً عِنْدَ الْحَاجَةِ فَيُجْعَلَ فِي يَدِهِ وَمَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ، وَمَا فِي يَدِ الْخَصْمِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْأَوْرَاقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ تَسْلِيمِهَا إلَى الْجَدِيدِ، وَكَذَا لَوْ مِنْ مَالِ الْخُصُومِ أَوْ مِنْ مَالِ الْقَاضِي فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمْ وَضَعُوهَا فِي يَدِ الْقَاضِي لِعَمَلِهِ وَكَذَا الْقَاضِي يَحْمِلُ عَلَى أَنَّهُ عَمِلَ ذَلِكَ تَدَيُّنًا لَا تَمَوُّلًا وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ، [تَنْبِيهٌ] مُفَادُ قَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ لِيَكُونَ حُجَّةً عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجَدِيدِ الِاعْتِمَادُ عَلَى سِجِلِّ الْمَعْزُولِ مَعَ أَنَّهُ يَأْتِي أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمَعْزُولِ وَفِي الْأَشْبَاهِ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْخَطِّ وَلَا يَعْمَلُ بِمَكْتُوبِ الْوَقْفِ الَّذِي عَلَيْهِ خُطُوطُ الْقُضَاةِ الْمَاضِينَ، لَكِنْ قَالَ الْبِيرِيُّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَعْتَمِدُ أَيْ لَا يَقْضِي بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ الْخَطَّ مِمَّا يُزَوَّرُ وَيُفْتَعَلُ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ.
وَلَيْسَ مِنْهُ مَا فِي الْأَجْنَاسِ بِنَصٍّ وَمَا وَجَدَهُ الْقَاضِي بِأَيْدِي الْقُضَاةِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ لَهَا رُسُومٌ فِي دَوَاوِينِ الْقُضَاةِ أُجْرِيَتْ عَلَى الرُّسُومِ الْمَوْجُودَةِ فِي دَوَاوِينِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهَا قَدْ مَاتُوا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْحُكْمِ إلَى دَوَاوِينِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَمِنْ الْأُمَنَاءِ اهـ، أَيْ لِأَنَّ سِجِلَّ الْقَاضِي لَا يُزَوَّرُ عَادَةً، وَحَيْثُ كَانَ مَحْفُوظًا عِنْدَ الْأُمَنَاءِ، بِخِلَافِ مَا كَانَ بِيَدِ الْخَصْمِ وَقَدَّمْنَا فِي الْوَقْفِ عَنْ الْخَيْرِيَّةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْوَقْفِ كِتَابٌ فِي سِجِلِّ الْقُضَاةِ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمْ اتَّبَعَ مَا فِيهِ اسْتِحْسَانًا إذَا تَنَازَعَ أَهْلُهُ فِيهِ، وَصَرَّحَ أَيْضًا فِي الْإِسْعَافِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِمَا فِي دَوَاوِينِ الْقُضَاةِ اسْتِحْسَانٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ ضَرُورَةً إحْيَاءُ الْأَوْقَافِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ بِخِلَافِ السِّجِلِّ الْجَدِيدِ، لِإِمْكَانِ الْوَقْفِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا فِيهِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ أَوْ الْبَيِّنَةِ، فَلِذَا لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ، وَلِيَكُونَ حُجَّةً عِنْدَ الْحَاجَةِ مَعْنَاهُ عِنْدَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ، وَبِهَذَا يَتَأَيَّدُ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ هِبَةُ اللَّهِ الْبَعْلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْأَشْبَاهِ بَعْدَ مَا مَرَّ عَنْ الْبِيرِيِّ مِنْ أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْحُجَّةِ، وَإِنْ مَاتَ شُهُودُهَا حَيْثُ كَانَ مَضْمُونُهَا ثَابِتًا فِي السِّجِلِّ الْمَحْفُوظِ اهـ. لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِتَقَادُمِ الْعَهْدِ كَمَا قُلْنَا تَوْفِيقًا بَيْنَ كَلَامِهِمْ، وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى الْخَطِّ فِي بَابِ كِتَابِ الْقَاضِي وَانْظُرْ مَا كَتَبْنَاهُ فِي دَعْوَى تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَنَظَرَ فِي حَالِ الْمَحْبُوسِينَ إلَخْ) بِأَنْ يَبْعَثَ إلَى السِّجِلِّ مَنْ يَعُدُّهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْ سَبَبِ حَبْسِهِمْ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ سَبَبُ وُجُوبِ حَبْسِهِمْ وَثُبُوتُهُ عِنْدَ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ يَعْتَمِدُهَا الثَّانِي فِي حَبْسِهِمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ كَذَا فِي الْفَتْحِ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَطْلَقَهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَضِيَّةٌ، وَعِبَارَةُ النَّهْرِ عَنْ كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الدَّعَارَةِ وَالتَّلَصُّصِ وَالْجِنَايَاتِ، وَلَزِمَهُ أَدَبٌ أَدَّبَهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَضِيَّةٌ خَلَّى سَبِيلَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ) أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَشْهَدَ بِأَصْلِ الْحَقِّ أَوْ بِحُكْمِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: أَلْزَمَهُ الْحَبْسَ) أَيْ أَدَامَ حَبْسَهُ، بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْحَقُّ) قَائِلُهُ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: مَنْ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ أَلْزَمَهُ إيَّاهُ وَرَدَّهُ إلَى السِّجْنِ، وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَ الْمَعْزُولِ بِالزِّنَا لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ بَطَلَ، بَلْ يَسْتَقْبِلُ الْأَمْرَ فَإِنْ أَقَرَّ أَرْبَعًا فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ حَدَّهُ اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْحَقِّ حَقُّ الْعَبْدِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بَلْ ادَّعَى أَنَّهُ حُبِسَ ظُلْمًا نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: نَادَى عَلَيْهِ) وَيَقُولُ الْمُنَادِي: مَنْ كَانَ يُطَالِبُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ بِحَقٍّ فَلْيَحْضُرْ زَيْلَعِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَى) عَنْ إعْطَاءِ الْكَفِيلِ وَقَالَ: لَا كَفِيلَ لِي بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: نَادَى عَلَيْهِ شَهْرًا) أَيْ يَسْتَأْنِفُهُ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُنَادَاةِ الْأُولَى.
(قَوْلُهُ: فِي الْوَدَائِعِ) أَيْ وَدَائِعِ الْيَتَامَى نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: بِبَيِّنَةٍ) أَيْ يُقِيمُهَا الْوَصِيُّ مَثَلًا عَلَى مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ
стр. 3104
ذِي الْيَدِ (وَلَمْ يَعْمَلْ) الْمُوَلَّى (بِقَوْلِ الْمَعْزُولِ) لِالْتِحَاقِهِ بِالرَّعَايَا وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ لَا تُقْبَلُ خُصُوصًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ دُرَرٌ وَمُفَادُهُ رَدُّهَا وَلَوْ مَعَ آخَرَ نَهْرٌ. قُلْت: لَكِنْ أَفْتَى قَارِئُ الْهِدَايَةِ بِقَبُولِهَا وَتَبِعَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ فَتَنَبَّهْ (إلَّا أَنْ يُقِرَّ ذُو الْيَدِ أَنَّهُ) أَيْ الْمَعْزُولَ (سَلَّمَهَا) أَيْ الْوَدَائِعَ وَالْغَلَّاتِ (إلَيْهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِمَا) أَنَّهَا لِزَيْدٍ إلَّا إذَا بَدَأَ ذُو الْيَدِ بِالْإِقْرَارِ لِلْغَيْرِ ثُمَّ أَقَرَّ بِتَسْلِيمِ الْقَاضِي إلَيْهِ فَأَقَرَّ الْقَاضِي بِأَنَّهَا لِآخَرَ فَيُسَلِّمُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ وَيَضْمَنُ الْمُقِرُّ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ لِلْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي يُسَلِّمُهُ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ
ــ
[رد المحتار]
أَنَّهَا لِيَتِيمِ فُلَانٍ أَوْ نَاظِرِ الْوَقْفِ أَنَّ هَذِهِ الْغَلَّةَ لِوَقْفِ فُلَانٍ، وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عُرْفِهِمْ وَمِنْ أَنَّ الْكُلَّ تَحْتَ يَدِ أَمِينِ الْقَاضِي، وَفِي زَمَانِنَا أَمْوَالُ الْأَوْقَافِ تَحْتَ يَدِ نُظَّارِهَا وَوَدَائِعُ الْيَتَامَى تَحْتَ يَدِ الْأَوْصِيَاءِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَعْزُولَ وَضَعَ ذَلِكَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ عَمِلَ الْقَاضِي بِمَا ذَكَرَ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: الْمُوَلَّى) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ الْقَاضِي الْجَدِيدُ.
(قَوْلُهُ: دُرَرٌ) وَمِثْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ: وَمُفَادُهُ) أَيْ مُفَادُ قَوْلِهِ خُصُوصًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَأَصْلُ الْبَحْثِ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ، وَقَدْ رَأَيْته صَرِيحًا فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَنَصُّهُ وَإِذَا عُزِلَ عَنْ الْقَضَاءِ، ثُمَّ قَالَ: كُنْت قَضَيْت لِهَذَا عَلَى هَذَا بِكَذَا وَكَذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ وَإِنْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ سِوَاهُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمَبْسُوطِ.
(قَوْلُهُ: وَتَبِعَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ) أَيْ فِي فَتَاوَاهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي بَحْرِهِ، فَقَدْ عَلِمْت مُوَافَقَتَهُ لِمَا فِي النَّهْرِ وَعِبَارَةُ فَتَاوَاهُ الَّتِي رَتَّبَهَا لَهُ تِلْمِيذُهُ الْمُصَنِّفُ هَكَذَا سُئِلَ عَنْ الْحَاكِمِ إذَا أَخْبَرَ حَاكِمَا آخَرَ بِقَضِيَّةٍ هَلْ يَكْتَفِي بِإِخْبَارِهِ وَيَسُوغُ لَهُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدٍ آخَرَ مَعَهُ؟ أَجَابَ: لَا يَكْتَفِي بِإِخْبَارِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدٍ آخَرَ مَعَهُ قَالَ الْمُرَتِّبُ لِهَذِهِ الْفَتَاوَى، وَقَدْ تَبِعَ شَيْخُنَا فِي ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ قَارِئُ الْهِدَايَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّ الشَّيْخَيْنِ قَالَا بِقَبُولِ إخْبَارِهِ عَنْ إقْرَارِهِ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا إذَا كَانَ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ، وَوَافَقَهُمَا مُحَمَّدٌ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ: لَا يُقْبَلُ إلَّا بِضَمِّ رَجُلٍ آخَرَ عَدْلٍ إلَيْهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا، ثُمَّ صَحَّ رُجُوعُهُ قَوْلَهُمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَنْ شَيْءٍ يَصِحُّ رُجُوعُهُ كَالْحَدِّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ فَقَالَ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، وَعَدَلُوا أَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ يُقْبَلُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا انْتَهَى كَلَامُهُ، انْتَهَى مَا فِي الْفَتَاوَى.
أَقُولُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَخْبَرَ عَنْ إقْرَارِ رَجُلٍ بِمَا لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ كَبَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ مَثَلًا يُقْبَلُ عِنْدَهُمَا مُطْلَقًا وَوَافَقَهُمَا مُحَمَّدٌ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ آخَرُ ثُمَّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا بِالْقَبُولِ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِهِ بِثُبُوتِ حَقٍّ بِالْبَيِّنَةِ، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَبْقَ خِلَافٌ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْقَاضِي، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَنَا فِي الْمَعْزُولِ وَهَذَا فِي الْمُوَلَّى كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَكَذَا مِمَّا سَيَأْتِي قُبَيْلَ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ قَاضٍ عَدْلٌ قَضَيْت عَلَى هَذَا بِالرَّجْمِ إلَخْ وَبِهِ يُشْعِرُ أَصْلُ السُّؤَالِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْحَاكِمِ وَعِبَارَةُ قَارِئِ الْهِدَايَةِ كَذَلِكَ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الِاسْتِدْرَاكَ عَلَى مَا فِي النَّهْرِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
(قَوْلُهُ: فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ الْمَعْزُولِ وَشَمِلَ ثَلَاثَ صُوَرٍ مَا إذَا قَالَ ذُو الْيَدِ بَعْدَ إقْرَارٍ بِتَسْلِيمِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ إلَيْهِ أَنَّهَا لِزَيْدٍ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْمَعْزُولُ أَوْ قَالَ: إنَّهَا لِغَيْرِهِ أَوْ قَالَ لَا أَدْرِي؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ مُودِعُ الْمَعْزُولِ، وَيَدُ الْمُودِعِ كَيَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي يَدِ الْمَعْزُولِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ بِخِلَافِ مَا إذَا أَنْكَرَ ذُو الْيَدِ التَّسْلِيمَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَعْزُولِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: فَيُسَلِّمُ لِمُقِرٍّ لَهُ الْأَوَّلُ) لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ صَحَّ إقْرَارُهُ وَلَزِمَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا هُوَ فِي يَدِهِ فَلَمَّا قَالَ دَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْقَاضِي، وَالْقَاضِي يُقِرُّ بِهِ لِآخَرَ فَيَصِيرُ هُوَ بِإِقْرَارِهِ مُتْلِفًا لِذَلِكَ عَلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي فَتْحٌ ثُمَّ قَالَ فَرْعٌ يُنَاسِبُ هَذَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَمْ أَقْضِ بِشَيْءٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عِنْدَهُمَا وَيُعْتَبَرُ قَوْلُ الْقَاضِي، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُقْبَلُ وَيَنْفُذُ ذَلِكَ اهـ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ رَجَّحَ
стр. 3105
الْقَاضِي (وَيَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ) وَيَخْتَارُ مَسْجِدًا فِي وَسَطِ الْبَلَدِ تَيْسِيرًا لِلنَّاسِ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ كَخَطِيبٍ وَمُدَرِّسٍ خَانِيَّةٌ وَأُجْرَةُ الْمُحْضِرِ عَلَى الْمُدَّعِي هُوَ الْأَصَحُّ بَحْرٌ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ عَلَى الْمُتَمَرِّدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا السُّلْطَانُ وَالْمُفْتِي وَالْفَقِيهُ (أَوْ) فِي (دَارِهِ) وَيَأْذَنُ عُمُومًا.
(وَيَرُدُّ هَدِيَّةً) التَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ ابْنُ كَمَالٍ: وَهِيَ مَا يُعْطَى بِلَا شَرْطٍ إعَانَةً بِخِلَافِ الرِّشْوَةِ ابْنُ مَلَكٍ وَلَوْ تَأَذَّى الْمُهْدِي بِالرَّدِّ يُعْطِيهِ مِثْلَ قِيمَتِهَا خُلَاصَةٌ وَلَوْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ أَوْ بُعْدِ مَكَانِهِ وَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵊ أَنَّ هَدَايَاهُ لَهُ تَتَارْخَانِيَّةٌ مُفَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ خُصُوصِيَّةً وَفِيهَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالْمُفْتِي وَالْوَاعِظِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُهْدَى إلَى الْعَالِمِ لِعِلْمِهِ بِخِلَافِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلَ مُحَمَّدٍ لِفَسَادِ الزَّمَانِ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَهُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِحَضْرَةِ الْمُشْرِكِ وَهُوَ نَجَسٌ بِالنَّصِّ وَقَدْ طَالَ فِي الْفَتْحِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْمَذْهَبِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا نَجَاسَةُ الْمُشْرِكِ فَفِي الِاعْتِقَادِ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَالْحَائِضُ يَخْرُجُ إلَيْهَا أَوْ يُرْسِلُ نَائِبَهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَابَّةٍ، وَتَمَامُ الْفُرُوعِ فِيهِ وَفِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَدْبِرُ) أَيْ نَدْبًا كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ ط. مَطْلَبٌ فِي أُجْرَةِ الْمُحْضِرِ.
(قَوْلُهُ: وَأُجْرَةُ الْمُحْضِرِ إلَخْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ هُوَ مَنْ يُحْضِرُ الْخَصْمَ، وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ هَكَذَا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَيَسْتَعِينُ بِأَعْوَانِ الْوَالِي عَلَى الْإِحْضَارِ، وَأُجْرَةُ الْأَشْخَاصِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقِيلَ عَلَى الْمُتَرَدِّدِ فِي الْمِصْرِ وَمِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ إلَى دِرْهَمٍ وَفِي خَارِجِهِ لِكُلِّ فَرْسَخٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٌ، وَأُجْرَةُ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمُدَّعِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ الْمُشَخِّصُ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِمُلَازَمَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اهـ، وَالْإِشْخَاصُ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى الْإِحْضَارِ فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُحْضِرِ وَبَيْنَ الْمُلَازِمِ، وَهَذَا غَيْرُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ فَتَأَمَّلْ. وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي مُؤْنَةُ الْمُشَخِّصِ قِيلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَفِي الْأَصَحِّ عَلَى الْمُتَمَرِّدِ اهـ، وَهَذَا مَا فِي الْخَانِيَّةِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ أُجْرَةَ الْمُشَخِّصِ بِمَعْنَى الْمُلَازِمِ عَلَى الْمُدَّعِي وَبِمَعْنَى الرَّسُولِ الْمُحْضِرِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ تَمَرَّدَ بِمَعْنَى امْتَنَعَ عَنْ الْحُضُورِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُدَّعِي، هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فِي دَارِهِ) لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِمَكَانٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الدَّارُ وَفِي وَسَطِ الْبَلَدِ كَالْمَسْجِدِ نَهْرٌ.
[مَطْلَبٌ فِي هَدِيَّةِ الْقَاضِي]
(قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ هَدِيَّةً) الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي قَالَ ﵊ هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا» قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَتْ الْهَدِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةٌ وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدِمَ بِمَالٍ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ قَالَ: تَلَاحَقَتْ الْهَدَايَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ هَلَّا قَعَدَتْ فِي بَيْتِك، فَتَنْظُرَ أَيُهْدَى لَك أَمْ لَا فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَتَعْلِيلُ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْوِلَايَةُ فَتْحٌ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَذِكْرُ الْهَدِيَّةِ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا إذْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاضُ وَالِاسْتِعَارَةُ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ اهـ. قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ، فَتَحْرُمُ الْمُحَابَاةُ أَيْضًا، وَلِذَا قَالُوا لَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ كِتَابَةِ الصَّكِّ بِقَدْرِ أَجْرِ الْمِثْلِ. فَإِنَّ مُفَادَهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا مُحَابَاةٌ وَعَلَى هَذَا فَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ شِرَاءِ الْهِدَايَةِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ أَوْ بَيْعِ الصَّكِّ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ لَا يَحِلُّ وَكَذَا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ حِينَ أَخْذِ الْمَحْصُولِ مِنْ أَنَّهُ يَبِيعُ بِهِ الدَّافِعُ دَوَاةً أَوْ سِكِّينًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ الِاسْتِقْرَاضُ وَالِاسْتِعَارَةُ فَهَذَا أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ إلَخْ) عَزَاهُ فِي الْفَتْحِ إلَى شَرْحِ الْأَقْطَعِ.
(قَوْلُهُ: وَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ إلَى أَنْ يَحْضُرَ صُلْبُهَا فَتُدْفَعَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهَا إلَخْ)
стр. 3106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[رد المحتار]
أَيْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِيهَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ تَعْلِيلَ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْوِلَايَةُ وَكَذَا قَوْلُهُ وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا حُكْمُهُ فِي الْهَدِيَّةِ حُكْمُ الْقَاضِي اهـ. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الْهَدِيَّةِ لِلْمُفْتِي وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة وَبِمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالْمُفْتِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ الْخَاصَّةِ ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِمَامِ إمَامُ الْجَامِعِ: أَيْ وَأَمَّا الْإِمَامُ بِمَعْنَى الْوَلِيِّ فَلَا تَحِلُّ الْهَدِيَّةُ فَلَا مُنَافَاةَ وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْأَدِلَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ رَأْسُ الْعُمَّالِ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ وِلَايَةٌ نَاشِئَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ كَالسَّاعِي وَالْعَاشِرِ اهـ.
قُلْت: وَمِثْلُهُمْ مَشَايِخُ الْقُرَى وَالْحِرَفِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَهُمْ قَهْرٌ وَتَسَلُّطٌ عَلَى مَنْ دُونِهِمْ فَإِنَّهُ يُهْدِي إلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِمْ أَوْ لِيُرَوِّجَ عِنْدَهُمْ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ نَاشِئَةٌ عَنْ الْإِمَامِ إلَخْ دُخُولُ الْمُفْتِي إذَا كَانَ مَنْصُوبًا مِنْ طَرَفِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِاطِّلَاقِهِمْ جَوَازَ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ لَهُ وَإِلَّا لَزِمَ كَوْنُ إمَامِ الْجَامِعِ وَالْمُدَرِّسِ الْمَنْصُوبَيْنِ مِنْ طَرَفِ الْإِمَامِ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُفْتِيَ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُهْدِي الْمُسَاعَدَةَ عَلَى دَعْوَاهُ وَنَصْرَهُ عَلَى خَصْمِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوبًا مِنْ الْإِمَامِ يَكُونُ كَذَلِكَ فَيُخَالِفُ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ جَوَازِهَا لِلْمُفْتِي فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَاضِي وَاضِحٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ مُلْزَمٌ وَخَلِيفَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ فَأَخْذُهُ الْهَدِيَّةَ يَكُونُ رِشْوَةً عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي يُؤَمِّلُهُ الْمُهْدِي وَيَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ حُكْمِهِ وَالْمُفْتِي لَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مُرَادَهُمْ بِجَوَازِهَا لِلْمُفْتِي إذَا كَانَتْ لِعِلْمِهِ لَا لِإِعَانَتِهِ لِلْمُهْدِي بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّارِحُ فَإِذَا كَانَتْ لِإِعَانَتِهِ صَدَقَ عَلَيْهَا حَدُّ الرِّشْوَةِ لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي حَدِّهَا شَرْطُ الْإِعَانَةِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْفَتْحِ عَنْ الْأَقْضِيَةِ أَنَّهُ لَوْ أَهْدَاهُ لِيُعِينَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ بِلَا شَرْطٍ لَكِنْ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ إنَّمَا يُهْدِي لِيُعِينَهُ فَمَشَايِخُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إلَخْ وَهَذَا يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ مِنْ الْعُمَّالِ أَوْ غَيْرِهِمْ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ رَجُلٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا لَا يُهْدِي إلَيْهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ ثُمَّ قَالَ أَقُولُ: يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَ فِي الْأَقْضِيَةِ إلَخْ، قُلْت: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَنْصُوصٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي فَمَا فِي الْأَقْضِيَةِ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مِثْلَهُ فِي ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ هُوَ الْمَقْبُولُ وَرَأَيْت فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ الدَّاوُدِيِّ الشَّافِعِيِّ مَا نَصُّهُ قَالَ ع ش: وَمِنْ الْعُمَّالِ مَشَايِخُ الْأَسْوَاقِ وَالْبُلْدَانِ، وَمُبَاشِرُو الْأَوْقَافِ وَكُلُّ مَنْ يَتَعَاطَى أَمْرًا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلِمِينَ انْتَهَى قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَلَا يَلْحَقُ بِالْقَاضِي فِيمَا ذَكَرَ الْمُفْتِي وَالْوَاعِظُ، وَمُعَلِّمُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الْإِلْزَامِ، وَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِمْ إنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ، لِأَجْلِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ مِنْ الْإِفْتَاءِ وَالْوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ عَدَمُ الْقَبُولِ لِيَكُونَ عِلْمُهُمْ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ أُهْدِيَ إلَيْهِمْ تَحَبُّبًا وَتَوَدُّدًا لِعِلْمِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ فَالْأَوْلَى الْقَبُولُ وَأَمَّا إذَا أَخَذَ الْمُفْتِي الْهَدِيَّةَ لِيُرَخِّصَ فِي الْفَتْوَى فَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ بَاطِلٍ فَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ يُبَدِّلُ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَشْتَرِي بِهَا ثَمَنًا قَلِيلًا، وَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً انْتَهَى، هَذَا كَلَامُهُ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَأَمَّا إذَا أَخَذَ لَا لِيُرَخِّصَ لَهُ بَلْ لِبَيَانِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الْأُجْرَةِ بَلْ مُجَرَّدُ هَدِيَّةٍ؛ لِأَنَّ
стр. 3107
الْقَاضِي (إلَّا مِنْ) أَرْبَعٍ السُّلْطَانِ وَالْبَاشَا أَشْبَاهٌ وَبَحْرٌ وَ (قَرِيبِهِ) الْمَحْرَمِ (أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ) بِقَدْرِ عَادَتِهِ وَلَا خُصُومَةَ لَهُمَا دُرَرٌ (وَ) يَرُدُّ إجَابَةَ (دَعْوَةٍ خَاصَّةٍ وَهِيَ الَّتِي لَا يَتَّخِذُهَا صَاحِبُهَا لَوْلَا حُضُورُ الْقَاضِي) وَلَوْ مِنْ مَحْرَمٍ وَمُعْتَادٍ وَقِيلَ: هِيَ كَالْهَدِيَّةِ وَفِي السِّرَاجِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ وَلَا يُجِيبُ دَعْوَةَ خَصْمٍ
ــ
[رد المحتار]
أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى بَيَانِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا يَحِلُّ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا يَحِلُّ عَلَى الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: السُّلْطَانُ وَالْبَاشَا) عَزَاهُ فِي الْأَشْبَاهِ إلَى تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ قَالَ الْحَمَوِيُّ: وَفِيهِ فُصُولٌ إذْ لَا يَشْمَلُ الْقَاضِيَ الَّذِي يَتَوَلَّى مِنْهُ، وَهُوَ قَاضِي الْعَسْكَرِ لِقُضَاةِ الْأَقْطَارِ وَعِبَارَةُ الْقَلَانِسِيِّ، وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ وَالٍ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ مِنْهُ أَوْ وَالٍ مُقَدَّمِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْقُضَاةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ الْوَالِي الَّذِي تَوَلَّى الْقَضَاءَ مِنْهُ وَكَذَا مِنْ وَالٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ فِي الرُّتْبَةِ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْقَاضِيَ الَّذِي تَوَلَّى مِنْهُ وَالْبَاشَا وَوَجْهُهُ أَنَّ مَنْعَ قَبُولِهَا إنَّمَا هُوَ لِلْخَوْفِ مِنْ مُرَاعَاتِهِ لِأَجْلِهَا وَهُوَ إنْ رَاعَى الْمَلِكَ وَنَائِبَهُ لَمْ يُرَاعِهِ لِأَجْلِهَا.
(قَوْلُهُ: الْمَحْرَمُ) هَذَا الْقَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِيَخْرُجَ ابْنُ الْعَمِّ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَلَمْ أَرَ بِمَاذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ وَنَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الْعَطْفِ أَنَّ قَبُولَهَا مِنْ الْقَرِيبِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِجَرْيِ الْعَادَةِ مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْقُدُورِيِّ وَالْهِدَايَةِ وَفِي النِّهَايَةِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ قَيَّدَ فِيهِ أَيْضًا وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: بِقَدْرِ عَادَتِهِ) فَلَوْ زَادَ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمُهْدِي قَدْ زَادَ، فَبِقَدْرِ مَا زَادَ مَالُهُ إذَا زَادَ فِي الْهَدِيَّةِ لَا بَأْسَ بِقَبُولِهَا فَتْحٌ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ زَادَ فِي الْقَدْرِ، فَلَوْ فِي الْمَعْنَى كَأَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ إهْدَاءَ ثَوْبِ كَتَّانٍ فَأَهْدَى ثَوْبًا حَرِيرًا لَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا، وَيَنْبَغِي وُجُوبُ رَدِّ الْكُلِّ لَا بِقَدْرِ مَا زَادَ فِي قِيمَتِهِ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهَا، وَنَظَرَ فِيهِ فِي حَوَاشِي الْأَشْبَاهِ. [تَنْبِيهٌ]
فِي الْفَتْحِ: وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَدِيَّةُ الْمُسْتَقْرِضِ لِلْمُقْرِضِ كَالْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي إنْ كَانَ الْمُسْتَقْرِضُ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ اسْتِقْرَاضِهِ فَلِلْمُقْرِضِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ قَدْرَ مَا كَانَ يُهْدِيهِ بِلَا زِيَادَةٍ اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ سَهْوٌ وَالْمَنْقُولُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آخِرَ الْحَوَالَةِ أَنَّهُ يَحِلُّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا مُطْلَقًا اهـ، وَأَجَابَ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّ كَلَامَ الْمُحَقِّقِ فِي الْفَتْحِ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا خُصُومَةَ لَهُمَا) فَإِنْ قَبِلَهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ جَازَ ابْنُ مَلَكٍ وَذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا وَفِي ط عَنْ الْحَمَوِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا تَتَنَاهَى خُصُومَاتُهُ كَنُظَّارِ الْأَوْقَافِ وَمُبَاشِرِيهَا اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُهَا مُطْلَقًا وَمَنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ قَبِلَ الْمُعْتَادَ وَإِلَّا فَلَا اهـ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَحْرَمًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: دَعْوَةٍ خَاصَّةٍ) الدَّعْوَةُ إلَى الطَّعَامِ بِفَتْحِ الدَّالِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعَرَبِ وَبَعْضُهُمْ يَكْسِرُهَا كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، فَلَوْ عَامَّةً لَهُ حُضُورُهَا لَوْلَا خُصُومَةٌ لِصَاحِبِهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُصَحَّحُ فِي تَفْسِيرِهَا وَقِيلَ الْعَامَّةُ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ وَمَا سِوَاهُمَا خَاصَّةٌ، وَقِيلَ إنْ كَانَتْ لِخَمْسَةٍ إلَى عَشَرَةٍ فَخَاصَّةٌ وَإِنْ لِأَكْثَرَ فَعَامَّةٌ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ هِيَ كَالْهَدِيَّةِ) ظَاهِرُ الْفَتْحِ اعْتِمَادُهُ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ فَقَدْ آلَ الْحَالُ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْغَرِيبِ وَفِي الْهَدِيَّةِ وَالضِّيَافَةِ وَكَذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً وَدَعْوَةً خَاصَّةً إلَّا مِنْ مَحْرَمٍ أَوْ مِمَّنْ لَهُ عَادَةٌ فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لَهُ عَادَةٌ بِاِتِّخَاذِهَا كَالْهَدِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الدَّعْوَةُ لَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَدَعَاهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يُجِيبُهُ وَلَوْ اتَّخَذَ لَهُ طَعَامًا أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ لَا يُجِيبُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُهُ قَدْ زَادَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُجِيبُ دَعْوَةَ خَصْمٍ) هُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَلَكٍ، وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ، وَقَوْلُهُ: وَغَيْرِ مُعْتَادٍ هُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ كَمَا عَزَاهُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ الْقِيلَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْعَامَّةُ كَالْخَاصَّةِ
стр. 3108
وَغَيْرِ مُعْتَادٍ وَلَوْ عَامَّةً لِلتُّهْمَةِ
(وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَا عَلَيْهِمَا دَعْوَى شُرُنْبُلَالِيَّةٌ عَنْ الْبُرْهَانِ (وَيُسَوِّي) وُجُوبًا (بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ جُلُوسًا وَإِقْبَالًا وَإِشَارَةً وَنَظَرًا وَيَمْتَنِعُ مِنْ مُسَارَّةِ أَحَدِهِمَا وَالْإِشَارَةِ إلَيْهِ) وَرَفْعِ صَوْتِهِ عَلَيْهِ (وَالضَّحِكِ فِي وَجْهِهِ) وَكَذَا الْقِيَامُ لَهُ بِالْأَوْلَى (وَضِيَافَتِهِ) نَعَمْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَهُمَا مَعًا جَازَ نَهْرٌ (وَلَا يَمْزَحُ) فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ (مُطْلَقًا) وَلَوْ لِغَيْرِهِمَا لِذَهَابِهِ بِمَهَابَتِهِ (وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ) وَعَنْ الثَّانِي لَا بَأْسَ بِهِ عَيْنِيُّ (وَلَا) يُلَقِّنُ (الشَّاهِدَ شَهَادَتَهُ) وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ فِيمَا لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ لِزِيَادَةِ تَجْرِبَتِهِ، بَزَّازِيَّةٌ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، حُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَقْتَ مَوْتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَمِلْ إلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ
ــ
[رد المحتار]
وَهُوَ خِلَافُ تَقْيِيدِهِمْ الْمَنْعَ بِالْخَاصَّةِ فَقَطْ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَيَعُودُ الْمَرِيضَ) إلَّا أَنَّهُ لَا يُطِيلُ الْمُكْثَ عِنْدَهُ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَا عَلَيْهِمَا دَعْوَى) الَّذِي فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ الْمَرِيضِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَوِّي وُجُوبًا بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إلَخْ) إطْلَاقُهُ يَعُمُّ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالْخَلِيفَةَ وَالرَّعِيَّةَ وَالدَّنِيءَ وَالشَّرِيفَ وَالْأَبَ وَالِابْنَ وَالْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ إلَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْخَلِيفَةُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ، وَأَنْ يُجْلِسَهُ مَعَ خَصْمِهِ، وَيَقْعُدَ هُوَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْلِسَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ؛ لِأَنَّ لِلْيَمِينِ فَضْلًا وَلِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخُصُّ بِهِ الشَّيْخَيْنِ بَلْ الْمُسْتَحَبُّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَالْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيْ مُعَلِّمِهِ، وَيَكُونُ بُعْدُهُمَا عَنْهُ قَدْرَ ذِرَاعَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا وَلَا يُمَكِّنُهُمَا مِنْ التَّرَبُّعِ وَنَحْوِهِ، وَيَكُونُ أَعْوَانُهُ قَائِمَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَمَّا قِيَامُ الْأَخْصَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَيْسَ مَعْرُوفًا، وَإِنَّمَا حَدَثَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُو الْأَحْوَالِ وَالْأَدَبِ وَقَدْ حَدَثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ أُمُورٌ وَسُفَهَاءُ، فَيَعْمَلُ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى الْحَالِ كَذَا فِي الْفَتْحِ يَعْنِي فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُلُوسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ فَيُعْطِي كُلَّ إنْسَانٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْتَحِقُّهُ دُونَ الْآخَرِ وَأَبَى الْآخَرُ إلَّا الْقِيَامَ لَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ وَقِيَاسُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِقْبَالًا) أَيْ نَظَرًا قُهُسْتَانِيٌّ وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِالتَّوْجِيهِ إلَيْهِ صُورَةً أَوْ مَعْنًى لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ بِمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَمْتَنِعُ مِنْ مُسَاوَاةِ أَحَدِهِمَا) أَيْ يَجْتَنِبُ التَّكَلُّمَ مَعَهُ خُفْيَةً، وَكَذَا الْقَائِمُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَهُوَ الْجِلْوَازُ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ بَلْ يُقِيمُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْبُعْدِ وَمَعَهُ سَوْطٌ وَالشُّهُودُ يُقَرَّبُونَ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ) مُسْتَدْرَكٌ بِمَا قَبْلَهُ ط.
(قَوْلُهُ: وَرَفْعِ صَوْتِهِ عَلَيْهِ) يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا لَوْ كَانَ بِسَبَبٍ كَإِسَاءَةِ أَدَبٍ وَنَحْوِهِ.
(قَوْلُهُ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ الضِّيَافَةَ.
وَقَالَ فِي النَّهْرِ أَيْضًا وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ سَارَّهُمَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهِمَا مَعًا جَازَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمْزَحُ) أَيْ يُدَاعِبُ فِي الْكَلَامِ مِنْ بَابِ نَفَعَ.
(قَوْلُهُ: فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ) أَمَّا فِي غَيْرِهِ فَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ بِالْمَهَابَةِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: عَيْنِيٌّ) عِبَارَتُهُ وَعَنْ الثَّانِي فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ لَا بَأْسَ بِتَلْقِينِ الْحُجَّةِ اهـ وَظَاهِرُهُ ضَعْفُهَا، بَلْ ظَاهِرُ الْفَتْحِ أَنَّ هَذَا فِي تَلْقِينِ الشَّاهِدِ لَا الْخَصْمِ كَمَا يَأْتِي نَعَمْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ أَمَرَ الْقَاضِي رَجُلَيْنِ لِيُعَلِّمَاهُ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ اسْتَوْلَتْهُ الْحِيرَةُ أَوْ الْهَيْبَةُ فَتَرَكَ شَيْئًا مِنْ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ فَيُعِينُهُ بِقَوْلِهِ أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا بِشَرْطِ كَوْنِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَأَمَّا فِيهَا بِأَنْ ادَّعَى الْمُدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ الْخَمْسَمِائَةِ وَشَهِدَ الشَّاهِدُ بِأَلْفٍ فَيَقُولُ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَبْرَأَ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ وَاسْتَفَادَ الشَّاهِدُ بِذَلِكَ عِلْمًا فَوَفَّقَ بِهِ فِي شَهَادَتِهِ كَمَا وَفَّقَ الْقَاضِي، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي تَلْقِينِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ اهـ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ الْهِدَايَةِ تَرْجِيحُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اهـ. وَحِكَايَةُ الرِّوَايَةِ فِي تَلْقِينِ الشَّاهِدِ وَالِاتِّفَاقُ فِي تَلْقِينِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ يَنْفِي مَا مَرَّ عَنْ الْعَيْنِيِّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِزِيَادَةِ تَجْرِبَتِهِ) قَدَّمْنَا عَنْ الْكِفَايَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا تَوَلَّى الْقَضَاءَ أَيْضًا وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي طَبَقَاتِهِ أَنَّ الرَّشِيدَ وَلَّاهُ قَضَاءَ الرَّقَّةِ ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّاهُ قَضَاءَ الرَّيِّ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُدَّتَهُ لَمْ تَطُلْ؛ وَلِذَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِالْقَضَاءِ كَمَا اشْتَهَرَ أَبُو يُوسُفَ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ التَّجْرِبَةِ
стр. 3109
حَتَّى بِالْقَلْبِ إلَّا فِي خُصُومَةِ نَصْرَانِيٍّ مَعَ الرَّشِيدِ لَمْ أُسَوِّ بَيْنَهُمَا وَقَضَيْت عَلَى الرَّشِيدِ ثُمَّ بَكَى اهـ، قُلْت: وَمُفَادُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَى مَنْ وَلَّاهُ وَفِي الْمُلْتَقَى وَيَصِحُّ لِمَنْ وَلَّاهُ وَعَلَيْهِ وَسَيَجِيءُ [فُرُوعٌ]
فِي الْبَدَائِعِ مِنْ جُمْلَةِ أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ الْآخَرُ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَقُولَ لِلْخَصْمَيْنِ أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا حَتَّى إذَا كَانَ فِي التَّقْلِيدِ خَلَلٌ يَصِيرُ حُكْمًا بِتَحْكِيمِهِمَا. قَضَى بِحَقٍّ ثُمَّ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالِاسْتِئْنَافِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَزَّازِيَّةٌ. طَلَبَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ نُسْخَةَ السِّجِلِّ وَمِنْ الْمُقْضَى لَهُ لِيَعْرِضَهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَهُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا، فَامْتَنَعَ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ، جَوَاهِرُ الْفَتَاوَى وَفِي الْفَتْحِ مَتَى أَمْكَنَ إقَامَةُ الْحَقِّ بِلَا إيغَارِ صُدُورٍ كَانَ أَوْلَى. وَهَلْ يَقْبَلُ قَصَصُ الْخُصُومِ إنْ جَلَسَ لِلْقَضَاءِ لَا، وَإِلَّا أَخَذَهَا وَلَا يَأْخُذُ بِمَا فِيهَا إلَّا إذَا أَقَرَّ بِلَفْظِهِ صَرِيحًا.
فَصْلٌ فِي الْحَبْسِ هُوَ مَشْرُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] «وَحَبَسَ ﵊ رَجُلًا بِالتُّهْمَةِ فِي الْمَسْجِدِ»
ــ
[رد المحتار]
مَا حَصَلَ لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَاضِيَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَزِيَادَةُ التَّجْرِبَةِ تُفِيدُ زِيَادَةَ عِلْمٍ قَالَ الْحَمَوِيُّ قَالَ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ التَّرْجُمَانِيُّ وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُهُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ، فَلَمَّا حَجَّ وَعَرَفَ مَشَاقَّهُ رَجَعَ وَقَالَ الْحَجُّ أَفْضَلُ اهـ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى بِالْقَلْبِ) أَيْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَيْلُ قَلْبِهِ إلَى عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْنَاءِ.
(قَوْلُهُ: قُلْت وَمُفَادُهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَضِيَّةُ شُرَيْحٍ مَعَ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ قَامَ وَأَجْلَسَ عَلِيًّا مَجْلِسَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ) أَيْ فِي آخِرِ بَابِ كِتَابِ الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ كَالْمُسَارَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا) أَيْ وَيَقُولَانِ نَعَمْ اُحْكُمْ بَيْنَنَا.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمُهُ) أَفَادَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْنَفَ بَرَاءَةً لِعُرْضَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: نُسْخَةَ السِّجِلِّ) أَيْ كِتَابَ الْقَاضِي الَّذِي فِيهِ حُكْمُهُ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالْحُجَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ لِلْعَرْضِ عَلَى الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ السِّجِلَّ أَيْ الْحُجَّةَ لَوْ كَانَ مِلْكَهُ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْفَتْحِ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَذِرَ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَيُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ قَضَائِهِ وَيُبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ فَهِمَ حُجَّتَهُ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّرْعِ كَذَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْفَعَ لِشِكَايَتِهِ لِلنَّاسِ، وَنِسْبَتِهِ إلَى أَنَّهُ جَارَ عَلَيْهِ وَمَنْ يَسْمَعْ يُخِلَّ فَرُبَّمَا تُفْسِدُ الْعَامَّةُ عِرْضَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَإِذَا أَمْكَنَ إقَامَةُ الْحَقِّ مَعَ عَدَمِ إيغَارِ الصُّدُورِ كَانَ أَوْلَى اهـ، وَفِي الصِّحَاحِ: الْوَغْرُ شِدَّةُ تَوَقُّدِ الْحَرِّ وَمِنْهُ: قِيلَ فِي صَدْرِهِ عَلَى وَغْرٍ بِالتَّسْكِينِ أَيْ ضَغَنٍ وَعَدَاوَةٍ وَتَوَقُّدٍ وَمِنْ الْغَيْظِ.
(قَوْلُهُ: قَصَصَ الْخُصُومِ) جَمْعُ قَصَّةٍ وَهِيَ بِالْفَتْحِ الْحِصَّةُ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا وَرَقَةٌ يَكْتُبُ فِيهَا قَضِيَّتَهُ مَعَ خَصْمِهِ وَيُسَمَّى الْآنَ عَرْضَ حَالٍ.
(قَوْلُهُ: لَا) أَيْ لِأَنَّ كَلَامَهُ بِلِسَانِهِ أَحْسَنُ مِنْ كِتَابَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَأْخُذُ بِمَا فِيهَا) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَلَا يُؤَاخَذُ أَيْ لَا يُؤَاخَذُ صَاحِبُهَا بِمَا كَتَبَهُ فِيهَا مِنْ إقْرَارٍ وَنَحْوِهِ مَا لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ صَرِيحًا؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي الْحَبْسِ]
ِ هُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اخْتَصَّ بِأَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ أَفْرَدَهُ بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ نَهْرٌ، وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ مَصْدَرُ حَبَسَ كَضَرَبَ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ لَهُ وَزَادَ فِيهِ مَسَائِلَ أُخَرَ مِنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ ذَكَرَهَا فِي الْهِدَايَةِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ فِي بَابِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ مَشْرُوعٌ إلَخْ) أَرَادَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ زَادَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ الْحَبْسُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ اهـ ح
стр. 3110
وَأَحْدَثَ السِّجْنَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَنَاهُ مِنْ قَصَبٍ وَسَمَّاهُ نَافِعًا فَنَقَبَهُ اللُّصُوصُ فَبَنَى غَيْرَهُ مِنْ مَدَرٍ وَسَمَّاهُ مُخَيَّسًا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتُكْسَرُ مَوْضِعُ التَّخْسِيسِ وَهُوَ التَّذْلِيلُ وَفِيهِ يَقُولُ عَلِيٌّ ﵁:
أَلَا تَرَانِي كَيِّسًا مُكَيَّسَا ... بَنَيْت بَعْدَ نَافِعٍ مُخَيِّسَا
حِصْنًا حَصِينًا وَأَمِينًا كَيِّسَا
(صِفَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ بِهِ فِرَاشٌ وَلَا وِطَاءٌ) لِيُضْجِرَ فَيُوقَى وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ جِيءَ لَهُ بِهِ مُنِعَ مِنْهُ (وَلَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ لِلِاسْتِئْنَاسِ إلَّا أَقَارِبُهُ وَجِيرَانُهُ) لِاحْتِيَاجِهِ لِلْمُشَاوَرَةِ (وَلَا يَمْكُثُونَ عِنْدَهُ طَوِيلًا) وَمُفَادُهُ أَنَّ زَوْجَتَهُ لَا تُحْبَسُ مَعَهُ لَوْ هِيَ الْحَابِسَةَ لَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَفِي الْمُلْتَقَى يُمَكَّنُ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ وَأَحْدَثَ السِّجْنَ عَلِيٌّ) أَيْ أَحْدَثَ بِنَاءَ سِجْنٍ خَاصٍّ فَلَا يُنَافِي مَا قَالُوا أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ سِجْنٌ، إنَّمَا كَانَ يَحْبِسُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الدِّهْلِيزِ حَتَّى اشْتَرَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - دَارًا بِمَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَاِتَّخَذَهُ مَحْبِسًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ مَدَرٍ) بِالتَّحْرِيكِ قِطَعُ الطِّينِ الْيَابِسِ وَالْحِجَارَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
(قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ) أَيْ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً وَالْعَجَبُ مِمَّا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ مِنْ ضَبْطِهِ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ فِي الْأَجْوَفِ الْيَائِيِّ فَقَالَ: الْمُحَيَّسُ كَمُعَظَّمٍ السِّجْنُ وَسِجْنٌ بَنَاهُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
(قَوْلُهُ: كَيِّسًا) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْكَيْسُ وِزَانُ فَلْسٍ الظُّرْفُ وَالْفِطْنَةُ وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ الْعَقْلُ وَيُقَالُ إنَّهُ مُخَفَّفٌ مِنْ كَيَسَ مِثْلَ هَيَنَ وَهَيَّنَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ كَاسَ كَيْسًا مِنْ بَابِ بَاعَ وَأَمَّا الْمُثْقَلُ فَاسْمُ فَاعِلٍ وَالْجَمْعُ أَكْيَاسٌ مِثْلُ جِيدٍ وَأَجْيَادٍ اهـ. وَفِي الْفَتْحِ: الْكَيْسُ أَيْ مُخَفَّفًا حُسْنُ التَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ وَالْكَيِّسُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ الْكَيْسُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَمِينًا) أَرَادَ بِهِ السَّجَّانَ الَّذِي نَصَّبَهُ فِيهِ، فَتْحٌ وَعَلَيْهِ فَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ نَظِيرُهُ عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا فَيُرَادُ بِقَوْلِهِ: بَنَيْت اتَّخَذْت وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُهُ وَصْفًا لِمُخَيِّسًا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُ كَيِّسًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: صِفَتُهُ) الضَّمِيرُ لِلْحَبْسِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، فَلِذَا قَالَ أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ أَيْ فِي مَوْضِعٍ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا وِطَاءٌ) عَلَى وَزْنِ كِتَابٍ الْمِهَادُ الْوَطِيءِ مِصْبَاحٌ، وَفِيهِ وَالْمَهْدُ وَالْمِهَادُ الْفِرَاشُ وَفِي الْقَامُوسِ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّ الْوِطَاءَ خِلَافُ الْغِطَاءِ. قُلْت: فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمِهَادُ الْوَطِيءُ أَيْ اللَّيِّنُ السَّهْلُ فَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ وَكَذَا إنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَنَامُ عَلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ الْغِطَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَمُفَادُهُ) أَيْ مُفَادُ قَوْلِهِ لِيَضْجَرَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُمَكَّنُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ مَعَ التَّشْدِيدِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمْكُثُونَ عِنْدَهُ طَوِيلًا) أَيْ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ الِاسْتِئْنَاسُ بِهِمْ بَلْ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُشَاوَرَةِ مَطْلَبُ لَا تُحْبَسُ زَوْجَتُهُ مَعَهُ لَوْ حَبَسْته.
(قَوْلُهُ: وَمُفَادُهُ) أَيْ مُفَادُ قَوْلِهِ لِلِاسْتِئْنَاسِ وَفِي النَّهْرِ وَإِذَا احْتَاجَ لِلْجِمَاعِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ إنْ كَانَ فِيهِ مَوْضِعُ سُتْرَةٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ زَوْجَتَهُ لَا تُحْبَسُ مَعَهُ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْحَابِسَةُ لَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَوْلَى مِمَّا فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ دُخُولِ أَحَدٍ عَلَيْهِ لِلِاسْتِئْنَاسِ أَصْرَحُ بِعَدَمِ حَبْسِهَا مَعَهُ إذْ فِي حَبْسِهَا مَعَهُ غَايَةُ الِاسْتِئْنَاسِ لَهُ مَعَ كَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْ ذَلِكَ الضَّجَرَ لِيُوَفِّيَ دَيْنَهُ، وَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْحَابِسَةُ لَهُ وَقُلْنَا بِجَوَازِ حَبْسِهَا مَعَهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بَلْ يَحْصُلُ ضِدُّهُ وَهُوَ ضَجَرُهَا لِتُخْرِجَهُ مِنْ الْحَبْسِ حَتَّى تَخْرُجَ مَعَهُ، فَفِي ذَلِكَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُحْبَسُ مَعَهُ لَوْ هِيَ الْحَابِسُ، وَلَيْسَ فِيمَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَلِذَا عَدَلَ الشَّارِحُ عَنْ كَلَامِ النَّهْرِ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عُدُولِهِ عَنْهُ خَلَلٌ بَلْ خَلَلٌ فِي مُتَابَعَتِهِ لَهُ فَافْهَمْ ثُمَّ إنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّهَا تُحْبَسُ مَعَهُ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ: فَإِذَا حَبَسَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، لَا تُحْبَسُ مَعَهُ وَفِيهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ، وَغَيْرِهَا إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ اسْتَحْسَنَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنْ تُحْبَسَ مَعَهُ اهـ.
стр. 3111
مِنْ وَطْءِ جَارِيَتِهِ لَوْ فِيهِ خَلْوَةٌ (وَلَا يَخْرُجُ لِجُمُعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ وَلَا لِحَجِّ فَرْضٍ) فَغَيْرُهُ أَوْلَى (وَلَا لِحُضُورِ جِنَازَةٍ وَلَوْ) كَانَ (بِكَفِيلٍ) زَيْلَعِيٌّ وَفِي الْخُلَاصَةِ يَخْرُجُ بِكَفِيلِ الْجِنَازَةِ أُصُولُهُ وَفُرُوعُهُ وَلَا غَيْرُهُمْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(وَلَوْ مَرِضَ مَرَضًا أَضْنَاهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدُمُهُ يَخْرُجُ بِكَفِيلٍ وَإِلَّا لَا) بِهِ يُفْتَى وَلَا يُخْرَجَ لِمُعَالَجَةٍ وَكَسْبٍ قِيلَ وَلَا يَتَكَسَّبُ فِيهِ، وَلَوْ لَهُ دُيُونٌ خَرَجَ لِيُخَاصِمَ ثُمَّ يُحْبَسُ خَانِيَّةٌ.
(وَلَا يُضْرَبُ) الْمَحْبُوسُ إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: إذَا امْتَنَعَ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ
ــ
[رد المحتار]
وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا إذَا حَبَسَتْهُ وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَيُخْشَى عَلَيْهَا فِعْلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرَاقِبًا لَهَا يَكُونُ مَظِنَّةَ أَنَّ حَبْسَهَا لَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا لِمُجَرَّدِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا مِنْهُ، فَلَهُ حَبْسُهَا مَعَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِحَبْسِهَا مَعَهُ وَهَذَا مَحْمِلُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ وَطْءِ جَارِيَتِهِ) وَكَذَا زَوْجَتُهُ كَمَا مَرَّ وَقِيلَ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْخُلَاصَةِ يَخْرُجُ بِكَفِيلٍ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي نَقْلِ عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ وَنَقَلَ عَنْهَا فِي الْبَحْرِ يَخْرُجُ الْكَفِيلُ فَكَأَنَّهُ سَقَطَتْ الْبَاءُ مِنْ نُسْخَتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ، وَكَذَا الرَّمْلِيُّ وَقَالَ أَيْضًا: وَالْعَجَبُ أَنَّ الْبَزَّازِيَّ وَقَعَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْكَفِيلَ يَخْرُجُ لِجِنَازَةِ الْوَالِدَيْنِ إلَخْ الَّذِي فِي فَتَاوَى الْقَاضِي يَعْنِي قَاضِي خَانْ يَخْرُجُ بِالْكَفِيلِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إبْطَالُ حَقِّ آدَمِيٍّ بِلَا مُوجِبٍ نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُومُ بِحُقُوقِ دَفْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ عَمَّا إذَا مَاتَ وَالِدَاهُ أَيَخْرُجُ؟ فَقَالَ لَا اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مُخَالِفٌ لِنَصِّ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ نَصَّ مُحَمَّدٍ فِي الْمَدْيُونِ أَصَالَةٌ وَالْكَلَامُ فِي الْكَفِيلِ اهـ. وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ فِي نُسْخَةِ الْخُلَاصَةِ مِنْ التَّحْرِيفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَدْيُونِ وَكَفِيلِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ
(قَوْلُهُ: يَخْرُجُ بِكَفِيلٍ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ يَخْرُجُ إنْ كَانَ يَمُوتُ بِسَبَبِ عَدَمِ الْمُمَرِّضِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُفْضِيًا لِلتَّسَبُّبِ فِي هَلَاكِهِ اهـ وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ كَفِيلًا يَخْرُجُ لَكِنْ فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ كَفِيلًا لَا يُطْلِقُهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَخْدُمُهُ لَا يُخْرَجُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ هَذَا إذَا كَانَ الْغَالِبُ هُوَ الْهَلَاكُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُخْرِجُهُ، وَالْهَلَاكُ فِي السِّجْنِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، وَالْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ مِنَحٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ.
(قَوْلُهُ: لِمُعَالَجَةٍ) أَيْ لِمُدَاوَاةِ مَرَضِهِ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِي السِّجْنِ.
(قَوْلُهُ: قِيلَ وَلَا يَتَكَسَّبُ فِيهِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي أَكْثَرِهَا بَلْ وَلَا يَتَكَسَّبُ فِيهِ وَهِيَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِقِيلِ يُفِيدُ الضَّعْفَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ الْمَنْعُ، وَفِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ مَشْرُوعٌ لِيَضْجَرَ، وَمَتَى تَمَكَّنَ مِنْ الِاكْتِسَابِ لَا يَضْجَرُ، فَيَكُونُ السِّجْنُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَانُوتِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَهُ دُيُونٌ خَرَجَ لِيُخَاصِمَ ثُمَّ يُحْبَسُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ آخَرُ بِدَيْنٍ يَخْرُجُ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى فَإِنْ أَثْبَتَهُ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ أُعِيدَ فِي الْحَبْسِ لِأَجَلِهِمَا سَائِحَانِيٌّ عَنْ الْهِنْدِيَّةِ.
(قَوْله: إذَا امْتَنَعَ عَنْ كَفَّارَةِ) لِأَنَّ حَقَّ الْمَرْأَةِ فِي الْجِمَاعِ يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ أَشْبَاهٌ، وَاعْتَرَضَهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّ حَقَّهَا فِيهِ قَضَاءٌ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً اهـ. قُلْت: هَذِهِ الْمَرَّةُ لِأَجْلِ انْتِفَاءِ الْعُنَّةِ وَالتَّفْرِيقِ بِهَا وَإِلَّا فَلَهَا حَقٌّ فِي الْوَطْءِ بَعْدَهَا؛ وَلِذَا حَرُمَ الْإِيلَاءُ مِنْهَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ مُدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ، وَكَذَا فِي الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ فَلِذَا ظَهَرَ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْعَوْدِ إلَيْهَا وَيُضْرَبُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ وَإِنْ كَانَ لَا يُضْرَبُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ عَنْهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِنْفَاقُ عَلَى قَرِيبِهِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى كَفَّارَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْقَسْمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَافْهَمْ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي النَّفَقَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْقَرِيبِ يُضْرَبُ وَلَا يُحْبَسُ، وَمِثْلُهُ فِي الْقَسْمِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي آخِرِ النَّفَقَةِ أَنَّهُ تَابَعَ الْبَحْرَ فِي نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَأَنَّ الَّذِي فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ يُحْبَسُ سَوَاءٌ كَانَ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ، بِخِلَافِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْقَسْمِ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ وَلَا يُحْبَسُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ مَتْنًا وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ التَّكْفِيرِ مَعَ قُدْرَتِهِ يُضْرَبُ
стр. 3112
وَالْإِنْفَاقِ عَلَى قَرِيبِهِ وَالْقَسْمِ بَيْنَ نِسَائِهِ بَعْدَ وَعْظِهِ وَالضَّابِطُ مَا يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ لَا إلَى خُلْفٍ أَشْبَاهٌ، قُلْت: وَيُزَادُ مَا فِي الْوَهْبَانِيَّةِ:
وَإِنْ فَرَّ يُضْرَبُ دُونَ قَيْدٍ تَأَدُّبًا ... وَتَطْيِينُ بَابِ الْحَبْسِ فِي الْعَنَتِ يُذْكَرُ
(وَلَا يُغَلُّ) إلَّا إذَا خَافَ فِرَارَهُ فَيُقَيَّدُ أَوْ يُحَوَّلُ لِسِجْنِ اللُّصُوصِ وَهَلْ يُطَيَّنُ الْبَابُ؟ الرَّأْيُ فِيهِ لِلْقَاضِي بَزَّازِيَّةٌ (وَلَا يُجَرَّدُ وَلَا يُؤَاجَرُ) وَعَنْ الثَّانِي يُؤْجَرُهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ (وَلَا يُقَامُ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْحَقِّ إهَانَةً) لَهُ وَلَوْ كَانَ بِبَلَدٍ لَا قَاضِيَ فِيهَا لَازَمَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ جَوَاهِرُ الْفَتَاوَى.
(وَتَعْيِينُ مَكَانِهِ) أَيْ مَكَانَ الْحَبْسِ عِنْدَ عَدَمِ إرَادَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ (لِلْقَاضِي إلَّا إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي مَكَانًا آخَرَ) فَيُجِيبُهُ لِذَلِكَ قُنْيَةٌ وَأَفْتَى الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِقَارِئِ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ لَا لِلْقَاضِي اهـ، وَفِي النَّهْرِ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجَابَ لَوْ طَلَبَ حَبْسَهُ فِي مَكَانِ اللُّصُوصِ وَنَحْوِهِ. [فَرْعٌ] فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وَيُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ سِجْنٌ عَلَى حِدَةٍ نَفْيًا لِلْفِتْنَةِ.
(وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ لِلْمُدَّعِي) وَلَوْ دَانِقًا وَهُوَ سُدُسُ دِرْهَمٍ (بِبَيِّنَةٍ عَجَّلَ حَبْسَهُ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي) لِظُهُورِ الْمَطْلِ بِإِنْكَارِهِ (وَإِلَّا) بِبَيِّنَةٍ بَلْ بِإِقْرَارٍ (لَمْ يُعَجِّلْ) حَبْسَهُ بَلْ يَأْمُرُهُ بِالْأَدَاءِ
ــ
[رد المحتار]
وَكَذَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى قَرِيبِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالضَّابِطُ) أَيْ لِمَا يُضْرَبُ فِيهِ الْمَحْبُوسُ فَإِنَّهُ بِالِامْتِنَاعِ عَمَّا ذُكِرَ يَفُوتُ الْوَاجِبُ لَا إلَى خَلَفٍ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِالْمُضِيِّ وَلَوْ مَقْضِيًّا بِهَا أَوْ مُتَرَاضِيًا عَلَيْهَا وَكَذَا الْوَطْءُ وَالْقَسْمُ يَفُوتَانِ بِالْمُضِيِّ.
(قَوْلُهُ: مَا فِي الْوَهْبَانِيَّةِ) الشَّرْطُ الثَّانِي لِشَارِحِهَا غَيَّرَ فِيهِ نَظْمَ الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فَرَّ) أَيْ مِنْ الْحَبْسِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْعَنَتِ يُذْكَرُ) أَيْ إذَا كَانَ مُتَعَنِّتًا لَا يُؤَدِّي الْمَالَ، وَقِيلَ يُطَيِّنُ عَلَيْهِ الْبَابَ وَيَتْرُكُ لَهُ ثَقْبَهُ يُلْقِي لَهُ الْخُبْزَ وَالْمَاءَ وَقِيلَ: الرَّأْيُ فِيهِ لِلْقَاضِي وَهُوَ مَا يَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُغَلُّ) أَيْ لَا يُوضَعُ لَهُ الْغُلُّ بِالضَّمِّ وَهُوَ طَوْقٌ مِنْ حَدِيدٍ يُوضَعُ فِي الْعُنُقِ جَمْعُهُ أَغْلَالٌ كَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ مِصْبَاحٌ، وَأَمَّا الْقَيْدُ فَمَا يُوضَعُ فِي الرِّجْلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُجَرَّدُ) أَيْ مِنْ ثِيَابِهِ فِي الْحَبْسِ.
(قَوْلُهُ: وَعَنْ الثَّانِي) عِبَارَةُ النَّهْرِ وَلَا يُؤْجَرُ خِلَافًا لِمَا عَنْ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: لَا قَاضِيَ فِيهَا) بِأَنْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ مِنَحٌ عَنْ الْجَوَاهِرِ.
(قَوْلُهُ: لَازَمَهُ) وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْ الِاكْتِسَابِ وَالدُّخُولِ إلَى بَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ لَهُ الْمَنْعَ وَالْحَبْسَ وَغَيْرَهُ مِنَحٌ عَنْ الْجَوَاهِرِ.
(قَوْلُهُ: قُنْيَةٌ) عِبَارَتُهَا ادَّعَى عَلَى بِنْتِهِ مَالًا وَأَمَرَ الْقَاضِي بِحَبْسِهَا فَطَلَبَ الْأَبُ مِنْهُ أَنْ يَحْبِسَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ غَيْرِ السِّجْنِ حَتَّى لَا يُضَيِّعَ عِرْضَهُ يُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ وَكَذَا فِي كُلِّ مُدَّعٍ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَفْتَى الْمُصَنِّفُ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الْمِنَحِ عِبَارَةَ قَارِئِ الْهِدَايَةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يُعَيِّنُ مَكَانَ الْحَبْسِ عِنْدَ عَدَمِ إرَادَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ أَمَّا لَوْ طَلَبَ صَاحِبُ الْحَقِّ مَكَانًا فَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ لَهُ اهـ
(قَوْلُهُ: وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ لِلْمُدَّعِي) أَيْ عِنْدَ الْقَاضِي كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَا يَحْبِسُ، قَالَ فِي الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَهُ نَهْرٌ، لَكِنْ نَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ لَهُ الْحَبْسَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ دَانِقًا) فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَيُحْبَسُ فِي دِرْهَمٍ وَفِي أَقَلَّ مِنْهُ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ ظُلْمَهُ يَتَحَقَّقُ بِمَنْعِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: بِبَيِّنَةٍ) أَوْ بِنُكُولٍ بَحْرٌ عَنْ الْقَلَانِسِيِّ.
(قَوْلُهُ: عَجَّلَ حَبْسَهُ) إلَّا إذَا ادَّعَى الْفَقْرَ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ دَعْوَاهُ ط.
(قَوْلُهُ: بِطَلَبِ الْمُدَّعِي) ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَهُوَ قَيْدٌ لَازِمٌ مِنَحٌ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يُعَجِّلْ حَبْسَهُ) ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ جَزَاءُ الْمُمَاطَلَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ كَوْنُهُ مُمَاطِلًا فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ فَلَعَلَّهُ طَمِعَ فِي الْإِمْهَالِ فَلَمْ يَسْتَصْحِبْ الْمَالَ فَإِذَا امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ حَبَسَهُ لِظُهُورِ مَطْلِهِ هِدَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يَأْمُرُهُ بِالْأَدَاءِ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ هَذَا بِمَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْقَاضِي مِنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَمَا إذَا ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ أَوْ وَدِيعَةً لَهُ عِنْدَهُ، وَبَرْهَنَ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ فَوَجَدَ
стр. 3113
فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ، وَعَكَسَهُ السَّرَخْسِيُّ وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْكَنْزِ وَالدُّرَرِ وَاسْتَحْسَنَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَالْأَوَّلُ مُخْتَارُ الْهِدَايَةِ وَالْوِقَايَةِ وَالْمَجْمَعِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا اهـ. قُلْت: وَفِي مُنْيَةٍ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ يُحْبَسُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَبِالْإِقْرَارِ يُحْبَسُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ دُونَ الْأُولَى فَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ
(وَيُحْبَسُ) الْمَدْيُونُ
ــ
[رد المحتار]
مَعَهُ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ الْعَيْنَ مِنْهُ وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمَالِكِ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَى أَمْرِهِ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمَدْيُونُ فَالْقَاضِي أَوْلَى نَهْرٌ وَتَبِعَهُ الْحَمَوِيُّ وَغَيْرُهُ ط. قُلْت: لَكِنْ كَوْنُهُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى أَمْرِهِ بِالدَّفْعِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَتَحَقَّقُ لَهُ وِلَايَةُ أَخْذِ مَالِ الْمَدْيُونِ، وَقَضَاءُ دِينِهِ بِهِ إلَّا بَعْدَ الِامْتِنَاعِ عَنْ فِعْلِ الْمَدْيُونِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ، فَيُقَالُ إنَّمَا يَحْبِسُهُ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْقَاضِي إلَخْ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ) فَلَوْ قَالَ أَمْهِلْنِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَدْفَعَهُ إلَيْك فَإِنَّهُ يُمْهَلُ وَلَمْ يَكُنْ بِهَذَا الْقَوْلِ مُمْتَنِعًا مِنْ الْأَدَاءِ وَلَا يُحْبَسُ شَرْحُ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي، وَلَوْ قَالَ أَبِيعُ عَرْضِي وَأَقْضِي دَيْنِي إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَعَكَسَهُ السَّرَخْسِيُّ) وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَحْبِسُهُ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَذِرُ بِأَنِّي مَا كُنْت أَعْلَمُ أَنَّ عَلَيَّ دَيْنًا لَهُ بِخِلَافِهِ بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالدَّيْنِ وَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى أَحْوَجَهُ إلَى شَكْوَاهُ فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْكَنْزِ) حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ لِلْمُدَّعِي أَمَرَهُ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ وَعِبَارَةُ مَتْنِ الدُّرَرِ أَصْرَحُ: وَهِيَ وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَى الْخَصْمِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَتِهِ أَمَرَهُ بِدَفْعِهِ إلَخْ، وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ وَلَا يُحْبَسُ الْغَرِيمُ فِي أَوَّلِ مَا يُقَدِّمُهُ إلَى الْقَاضِي، وَلَكِنْ يَقُولُ لَهُ قُمْ فَارْضِهِ فَإِنْ عَادَ بِهِ إلَيْهِ حَبَسَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَحْسَنَهُ الزَّيْلَعِيُّ) حَيْثُ قَالَ وَالْأَحْسَنُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا أَيْ فِي الْكَنْزِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِيفَاءِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُوَفِّيَ فَلَا يُعَجِّلُ بِحَبْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ حَالُهُ بِالْأَمْرِ وَالْمُطَالَبَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا) صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَقَالَ إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا رِوَايَةٌ. قُلْت: لَكِنْ سَمِعْت عِبَارَةَ كَافِي الْحَاكِمِ، وَهُوَ الْجَامِعُ لِكُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّ عِبَارَتَهُ ظَاهِرُهَا التَّسْوِيَةُ، فَيُمْكِنُ إرْجَاعُهَا إلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ) لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُهُ عَلَى أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي لَمْ أَجِدْهُ فِيهَا، بَلْ عِبَارَتُهَا هَكَذَا وَلَا يَحْبِسُهُ فِي أَوَّلِ مَا يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ قُمْ فَارْضِهِ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ حَبَسَهُ اهـ. وَهِيَ عِبَارَةُ الْكَافِي الْمَارَّةِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضُهُمْ نَبَّهَ عَلَى مَا ذَكَرْته
(قَوْلُهُ: وَيُحْبَسُ الْمَدْيُونُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا ادَّعَى دَيْنًا وَأَثْبَتَهُ يُؤْمَرُ الْمَدْيُونُ بِدَفْعِهِ، فَإِنْ أَبَى وَطَلَبَ الْمُدَّعِي حَبْسَهُ وَهُوَ غَنِيٌّ يُحْبَسُ، ثُمَّ إنْ كَانَ الدَّيْنُ ثَمَنًا وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فِي الْمَتْنِ وَادَّعَى الْمَدْيُونُ الْفَقْرَ لَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذَكَرَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ فَقْرِهِ، فَيُحْبَسُ إلَّا إذَا كَانَ فَقْرُهُ ظَاهِرًا كَمَا سَيَأْتِي وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَادَّعَى الْفَقْرَ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَلَا يُحْبَسُ إلَى آخِرِ مَا سَيَجِيءُ.
[تَنْبِيهٌ] أَطْلَقَ الْمَدْيُونَ فَشَمِلَ الْمُكَاتَبَ وَالْعَبْدَ الْمَأْذُونَ وَالصَّبِيَّ الْمَحْجُورَ فَإِنَّهُمْ يُحْبَسُونَ، لَكِنَّ الصَّبِيَّ لَا يُحْبَسُ بِدَيْنِ اسْتِهْلَاكٍ بَلْ يُحْبَسُ وَالِدُهُ أَوْ وَصِيُّهُ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا أَمَرَ الْقَاضِي رَجُلًا بِبَيْعِ مَالِهِ فِي دَيْنِهِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ بَحْرٌ. قُلْت: وَحُبِسَ وَالِدُهُ أَوْ وَصِيُّهُ بِدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ وَامْتَنَعَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ مِنْ بَيْعِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَلَا حَبْسَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ آخِرِ الْعِبَارَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْقَوْلُ لَهُ إنَّهُ فَقِيرٌ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ مِمَّا لَا يُحْبَسُ بِهِ إذَا ادَّعَى الْفَقْرَ كَمَا يَأْتِي وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ آخِرَ الْبَابِ نَظْمًا مَنْ لَا يُحْبَسُ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ
стр. 3114
(فِي) كُلِّ دَيْنٍ هُوَ بَدَلُ مَالٍ أَوْ مُلْتَزَمٌ بِعَقْدٍ، دُرَرٌ وَمَجْمَعٌ وَمُلْتَقَى مِثْلُ (الثَّمَنِ) وَلَوْ لِمَنْفَعَةٍ كَالْأُجْرَةِ (وَالْقَرْضِ) وَلَوْ الذِّمِّيَّ (وَالْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ وَمَا لَزِمَهُ بِكَفَالَةٍ) وَلَوْ بِالدَّرَكِ أَوْ كَفِيلِ الْكَفِيلِ وَإِنْ كَثُرُوا، بَزَّازِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ هَذَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ
ــ
[رد المحتار]
(قَوْلُهُ: فِي كُلِّ دَيْنٍ هُوَ بَدَلُ مَالٍ) كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَدَلِ الْقَرْضِ وَقَوْلُهُ: أَوْ مُلْتَزَمٍ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ لَا غِنَاءَ عَمَّا قَبْلَهُ، زَادَ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْقَلَانِسِيِّ، وَفِي كُلِّ عَيْنٍ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ الَّتِي عَزَاهَا الشَّارِحُ إلَى الدُّرَرِ، وَالْمَجْمَعِ وَالْمُلْتَقَى أَصْلُهَا لِلْقُدُورِيِّ عَدَلَ عَنْهَا صَاحِبُ الْكَنْزِ إلَى قَوْلٍ فِي الثَّمَنِ وَالْقَرْضِ وَالْمَهْرِ وَالْمُعَجَّلِ، وَمَا الْتَزَمَهُ بِالْكَفَالَةِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ لِوَجْهَيْنِ. نَبَّهَ عَلَيْهِمَا فِي النَّهْرِ: الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ بَدَلُ مَالٍ يَدْخُلُ فِيهِ بَدَلُ الْمَغْصُوبِ وَضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ، وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ مُلْتَزَمٍ بِعَقْدٍ يَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْخُلْعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إذَا ادَّعَى الْفَقْرَ اهـ وَصَرَّحَ الشَّارِحُ بَعْدُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِيهَا فَكَانَ عَلَيْهِ عَدَمُ ذِكْرِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بَدَلُ مَالٍ حَصَلَ فِي يَدِ الْمَدْيُونِ، كَمَا سَيَأْتِي فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ بِخِلَافِ مَا اسْتَهْلَكَهُ مِنْ الْغَصْبِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يُحْبَسُ فِي الصُّلْحِ وَالْخُلْعِ كَمَا تَعْرِفُهُ، فَالْأَحْسَنُ مَا فَعَلَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ لِيُفِيدَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي فِي الْمَتْنِ غَيْرُ قَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ فَافْهَمْ، لَكِنَّ الشَّارِحَ نَقَضَ هَذَا فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ كَمَا تَعْرِفُهُ.
(قَوْلُهُ: مِثْلُ الثَّمَنِ) شَمِلَ الثَّمَنُ مَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَمَا عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا بِإِقَالَةٍ أَوْ خِيَارٍ، وَشَمِلَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ وَمَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوْ لَا بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: كَالْأُجْرَةِ) لِأَنَّهَا ثَمَنُ الْمَنَافِعِ بَحْرٌ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَالٍ لَكِنَّهَا تَتَقَوَّمُ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ لِلضَّرُورَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِذِمِّيٍّ) يَرْجِعُ إلَى الثَّمَنِ وَالْقَرْضِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ وَيُحْبَسُ الْمَدْيُونُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُحْبَسُ بِدَيْنِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَعَكْسُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَهْرُ الْمُعَجَّلُ) أَيْ مَا شُرِطَ تَعْجِيلُهُ أَوَتُعُورِفَ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَا لَزِمَهُ بِكَفَالَةٍ) اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ كَفِيلٌ أَصْلُهُ كَمَا لَوْ كَفَلَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُحْبَسُ مُطْلَقًا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ حَبْسِ الْأَبِ مَعَهُ وَفِيهِ كَلَامٌ قَدَّمْنَاهُ فِي الْكَفَالَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِالدَّرَكِ) وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، وَهَذَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِ الْكَفَالَةِ ثُمَّ قَالَ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَفِيلَ الْكَفِيلِ) بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لِكَانَ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَوْ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْمُبَالَغَةِ: أَيْ وَلَوْ كَانَ كَفِيلَ الْكَفِيلِ فَدَخَلَ تَحْتَ الْمُبَالَغَةِ الْأَصِيلُ وَكَفِيلُهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى حَبْسِ الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ مَعًا الْكَفِيلُ بِمَا الْتَزَمَهُ، وَالْأَصِيلُ بِمَا لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ، وَلِلْكَفِيلِ بِالْأَمْرِ حَبْسُ الْأَصِيلِ إذَا حُبِسَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ يَتَمَكَّنُ الْمَكْفُولُ لَهُ مِنْ حَبْسِ الْكَفِيلِ، وَالْأَصِيلِ وَكَفِيلِ الْكَفِيلِ وَإِنْ كَثُرُوا اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ) أَيْ لِأَنَّ الْكَفِيلَ الْتَزَمَ الْمَالَ بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ وَكَذَا كَفِيلُهُ، وَقَوْلُهُ كَالْمَهْرِ أَيْ فَإِنَّ الزَّوْجَ الْتَزَمَهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ لَكِنَّهُ مُلْتَزَمٌ بِعَقْدٍ، وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ لِثُبُوتِ حَبْسِهِ بِمَا ذَكَرَ، وَإِنْ ادَّعَى الْفَقْرَ فَإِنَّ الْتِزَامَهُ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ دَلِيلُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَلْتَزِمُ مَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُحْبَسُ وَإِنْ ادَّعَى الْفَقْرَ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَنَاقِضِ لِوُجُودِ دَلَالَةِ الْيَسَارِ وَظَهَرَ بِهِ وَجْهُ حَبْسِهِ أَيْضًا بِالثَّمَنِ وَالْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمَالُ بِيَدِهِ ثَبَتَ غِنَاهُ بِهِ أَفَادَ ذَلِكَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَالْأَخِيرُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْأَصْلِ فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فِي يَدِهِ.
(قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) الْإِشَارَةُ إلَى مَا فِي الْمَتْنِ مِنْ أَنَّهُ يُحْبَسُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ ادَّعَى الْفَقْرَ وَهَذَا أَحَدُ خَمْسَةِ أَقْوَالٍ ثَانِيهَا: مَا فِي الْخَانِيَّةِ ثَالِثُهَا: الْقَوْلُ لِلْمَدْيُونِ فِي الْكُلِّ: أَيْ فِي الْأَرْبَعَةِ وَفِي غَيْرِهَا مِمَّا يَأْتِي رَابِعُهَا لِلدَّائِنِ فِي الْكُلِّ خَامِسُهَا أَنَّهُ يُحَكِّمُ الزِّيَّ أَيْ الْهَيْئَةَ إلَّا الْفُقَهَاءَ وَالْعَلَوِيَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَزَيَّوْنَ بِزِيِّ الْأَغْنِيَاءِ وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ صِيَانَةً لِمَاءِ وَجْهِهِمْ كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ.
стр. 3115
خِلَافًا لِفَتْوَى قَاضِي خَانْ لِتَقْدِيمِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ عَلَى الْفَتَاوَى بَحْرٌ فَلْيُحْفَظْ.
نَعَمْ عَدُّهُ فِي الِاخْتِيَارِ لِبَدَلِ الْخُلْعِ هُنَا خَطَأٌ، فَتَنَبَّهْ وَزَادَ الْقَلَانِسِيُّ أَنَّهُ يُحْبَسُ أَيْضًا فِي كُلِّ عَيْنٍ تَسْلِيمُهَا كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ إذَا تَعَارَضَ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْفَتَاوَى فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِفَتْوَى قَاضِي خَانْ) حَيْثُ قَالَ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ كَالْقَرْضِ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ فَالْقَوْلُ لِلْمُدَّعِي، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَدَلُ مَالٍ فَالْقَوْلُ لِلْمَدْيُونِ اهـ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُحْبَسُ فِي الْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ خِلَافُ مُخْتَارِ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ أَنَّهُ أَيْ مَا فِي الْهِدَايَةِ الْمَذْهَبُ الْمُفْتَى بِهِ. فَقَدْ اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ فِيمَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ وَلَمْ يَكُنْ بَدَلٌ وَالْعَمَلُ عَلَى مَا فِي الْمُتُونِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْفَتَاوَى، فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ، وَكَذَا يُقَدَّمُ مَا فِي الشُّرُوحِ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى اهـ، قُلْت: وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ نَقَلَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ عَدُّهُ فِي الِاخْتِيَارِ لِبَدَلِ الْخُلْعِ هُنَا خَطَأٌ) عَدُّهُ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وَاللَّامُ فِي لِبَدَلِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَخَطَأٌ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَبَدَلِ بِالْكَافِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَقَوْلُهُ: هُنَا: أَيْ فِيمَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمُدَّعِي كَالْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ، وَعِبَارَةُ الِاخْتِيَارِ هَكَذَا، وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي هُوَ مُوسِرٌ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا مُعْسِرٌ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ يَسَارَهُ أَوْ كَانَ الدَّيْنُ بَدَلَ مَالٍ كَالثَّمَنِ وَالْقَرْضِ، أَوْ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ، وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَنَحْوِهِ حَبَسَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ مَا حَصَلَ فِي يَدِهِ وَالْتِزَامُهُ يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ إلَخْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَمِنْ التَّخْطِئَةِ أَصْلُهَا لِلطَّرَسُوسِيِّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَغَيْرِهِمَا وَأَقَرُّوهُ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ غَيْرُ وَارِدٍ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّرَسُوسِيَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ اخْتِلَافِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْفَقْرِ وَعَدَمِهِ وَنَقَلَ عِبَارَاتِ الْكُتُبِ مِنْهَا كِتَابُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ لِلطَّحَاوِيِّ أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ أَصْلُهُ مِنْ مَالٍ وَقَعَ فِي يَدِ الْمَدْيُونِ كَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ وَالْقُرُوضِ وَنَحْوِهَا حَبَسَهُ وَمَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ كَذَلِكَ كَالْمَهْرِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْبِسْهُ حَتَّى يُثْبِتَ مَلَاءَتَهُ اهـ، وَنُقِلَ نَحْوُهُ عَنْ مَتْنِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ عَنْ السِّغْنَاقِيِّ وَغَيْرِهِ حِكَايَةَ قَوْلٍ آخَرَ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بِعَقْدٍ فَالْقَوْلُ فِيهِ لِلْمُدَّعِي وَكُلُّ دَيْنٍ لَزِمَهُ حُكْمًا لَا بِمُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ فِيهِ لِلْمَدْيُونِ قَالُوا: وَهَذَا الْقَوْلُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا ثَبَتَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ أَوْ لَا.
ثُمَّ إنَّ الطَّرَسُوسِيَّ قَالَ: إنَّ صَاحِبَ الِاخْتِيَارِ أَخْطَأَ، حَيْثُ جَعَلَ بَدَلَ الْخُلْعِ كَالثَّمَنِ وَالْقَرْضِ فِي أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ لِلْمُدَّعِي، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ لِلطَّحَاوِيِّ وَمَتْنِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَإِذَا أَمْعَنْت النَّظَرَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَلَامٌ سَاقِطٌ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ وَمَتْنِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي مَرَّ عَنْ قَاضِي خَانْ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ السِّغْنَاقِيِّ وَغَيْرِهِ هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْقُدُورِيُّ، وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الدُّرَرِ وَالْمَجْمَعِ وَالْمُلْتَقَى، فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ اُعْتُبِرَ فِي كَوْنِ الْقَوْلِ لِلْمُدَّعِي كَوْنَ الدَّيْنِ بَدَلًا عَنْ مَالٍ حَصَلَ فِي يَدِ الْمَدْيُونِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنَهُ بِعَقْدٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَهْرَ وَبَدَلَ الْخُلْعِ وَالصُّلْحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَإِنْ كَانَ بِعَقْدٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ بَدَلَ مَالٍ، فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمُدَّعِي بَلْ لِلْمَدْيُونِ فَلَا يُحْبَسُ فِيهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: اعْتَبَرَ كَوْنَ الدَّيْنِ مُلْتَزَمًا بِعَقْدٍ سَوَاءٌ كَانَ بَدَلَ مَالِ أَوْ غَيْرَهُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخُلْعَ مُلْتَزَمٌ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمُدَّعِيَّ، وَاَلَّذِينَ صَرَّحُوا بِأَنَّ بَدَّلَ الْخُلْعِ لَا يُحْبَسُ فِيهِ الْمَدْيُونُ هُمْ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَجَعَلُوهُ كَالْمَهْرِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَيْسَ بَدَلَ مَالٍ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ صَاحِبَ الِاخْتِيَارِ مِنْ أَهْلِ الْقَوْلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ الْعَقْدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ، فَلِذَا جُعِلَ الْقَوْلُ لِلْمُدَّعِيَّ فِي الْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ وَالْخُلْعِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الصُّلْحُ عَنْ
стр. 3116
(لَا) يُحْبَسُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ وَهُوَ تِسْعُ صُوَرٍ: بَدَلُ خُلْعٍ وَمَغْصُوبٍ وَمُتْلَفٍ وَدَمِ عَمْدٍ وَعِتْقِ حَظِّ شَرِيكٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَنَفَقَةِ قَرِيبٍ وَزَوْجَةٍ
ــ
[رد المحتار]
دَمِ الْعَمْدِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِعَقْدٍ وَحِينَئِذٍ فَاعْتِرَاضُ الطَّرَسُوسِيِّ عَلَى صَاحِبِ الِاخْتِيَارِ بِمَا حَكَاهُ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ سَاقِطٌ، فَإِنَّ صَاحِبَ الِاخْتِيَارِ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِمْ، حَتَّى يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَلْ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي كَبَقِيَّةِ أَصْحَابِ الْمُتُونِ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى الْمُتُونِ التَّصْرِيحَ بِالْخُلْعِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْعَقْدِ وَتَبِعَهُ فِي الدُّرَرِ، كَيْفَ وَصَاحِبُ الِاخْتِيَارِ إمَامٌ كَبِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ الْمُعْتَبَرَةِ وَأَمَّا الطَّرَسُوسِيُّ، فَلَقَدْ صَدَقَ فِيهِ قَوْلُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ فَافْهَمْ وَاغْنَمْ تَحْقِيقَ هَذَا الْجَوَابِ، فَإِنَّك لَا تَجِدُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مُلْهِمِ الصَّوَابِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ رَأَيْت فِي مُخْتَصَرِ أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ لِلزُّهَيْرِيِّ رَدًّا عَلَى الطَّرَسُوسِيِّ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
(قَوْلُهُ: لَا يُحْبَسُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ إنْ ادَّعَى الْفَقْرَ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: بَدَلُ خُلْعٍ) الصَّوَابُ إسْقَاطُهُ كَمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: وَمَغْصُوبٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى خُلْعٍ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ أَيْ وَبَدَلُ مَغْصُوبٍ: أَيْ إذَا ثَبَتَ اسْتِهْلَاكُهُ لِلْمَغْصُوبِ، وَلَزِمَهُ بَدَلُهُ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ وَادَّعَى الْفَقْرَ لَا يُحْبَسُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَالٌ دَخَلَ فِي يَدِهِ، لَكِنَّهُ بِاسْتِهْلَاكِهِ لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِيفَاءِ بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، فَإِنَّ الْمَبِيعَ دَخَلَ فِي يَدِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ كَمَا مَرَّ فَلِذَا يُحْبَسُ فِيهِ وَبِخِلَافِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ الْقَادِرِ عَلَى تَسْلِيمِهَا، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ أَيْضًا عَلَى تَسْلِيمِهَا كَمَا قَدَّمَهُ آنِفًا عَنْ تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُنَا قَالَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَقَوْلُهُمْ: أَوْ ضَمَانُ الْمَغْصُوبِ مَعْنَاهُ: إذَا اعْتَرَفَ بِالْغَصْبِ وَقَالَ: إنَّهُ فَقِيرٌ وَتَصَادَقَا عَلَى الْهَلَاكِ أَوْ حُبِسَ لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِالْهَلَاكِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ لِلْغَاصِبِ فِي الْعُسْرَةِ هَكَذَا ذَكَرَهُ السِّغْنَاقِيُّ وَتَاجُ الشَّرِيعَةِ وَحُمَيْدَ الدِّينِ الضَّرِيرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمُتْلَفٍ) أَيْ وَبَدَلُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ أَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا.
(قَوْلُهُ: وَدَمِ عَمْدٍ) أَيْ بَدَلُ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ عَمْدٍ قَالَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ عَمْدًا فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ فَادَّعَى أَنَّهُ فَقِيرٌ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْقَاتِلِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ، وَمَا صَرَّحَ بِهَذِهِ أَحَدٌ سِوَى الطَّحَاوِيِّ فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ، وَدَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِمْ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيُشْكِلُ جَعْلُهُمْ الْقَوْلَ فِيهِ لِلْمَدْيُونِ مَعَ أَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ اهـ. أَقُولُ: لَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَقْدِ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ كَوْنُ الدَّيْنِ بَدَلًا عَنْ مَالٍ وَقَعَ فِي يَدِ الْمَدْيُونِ كَمَا عَلِمْته مِمَّا نَقَلْنَاهُ سَابِقًا مِنْ عِبَارَةِ الطَّحَاوِيِّ، وَهَذَا الْقَوْلُ وَهُوَ الَّذِي مَرَّ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْقُدُورِيُّ وَصَاحِبُ الِاخْتِيَارِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ أَوْ مُلْتَزَمًا بِعَقْدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَدَلًا عَنْ مَالٍ، فَلَا شَكَّ فِي دُخُولِ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْعَقْدِ، فَتَكُونُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهَا كَالْمَهْرِ وَإِنَّمَا يُشْكِلُ الْأَمْرُ لَوْ صَرَّحَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ بَدَلَ دَمِ الْعَمْدِ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمَدْيُونِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا الطَّحَاوِيُّ الْقَائِلُ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْعَقْدُ أَصْلًا فَمُعَارَضَةُ أَهْلِ الْقَوْلِ الثَّانِي بِهَذَا الْقَوْلِ غَيْرُ وَارِدَةٍ وَالْإِشْكَالُ سَاقِطٌ كَمَا قَرَّرْنَا نَظِيرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا وَذِكْرُهَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: وَعِتْقِ حَظِّ شَرِيكٍ) أَيْ لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ شَرِيكَيْ عَبْدٍ حِصَّتَهُ مِنْهُ بِلَا إذْنِ الْآخَرِ وَاخْتَارَ الْآخَرُ تَضْمِينَهُ فَادَّعَى الْمُعْتِقُ الْفَقْرَ فَالْقَوْلُ لَهُ؛ لِأَنَّ تَضْمِينَهُ لَمْ يَجِبْ بَدَلًا عَنْ مَالٍ وَقَعَ فِي يَدِهِ، وَلَا مُلْتَزَمًا بِعَقْدٍ حَتَّى يَكُونَ دَلِيلَ قُدْرَتِهِ بَلْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ ضَمَانُ إتْلَافٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَرْشُ جِنَايَةٍ) هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى: بَدَلُ لَا عَلَى خُلْعٍ الْمَجْرُورِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ هُوَ بَدَلُ الْجِنَايَةِ وَالْمُرَادُ أَرْشُ جِنَايَةٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ دُونَ الْقِصَاصِ.
(قَوْلُهُ: وَنَفَقَةُ قَرِيبٍ وَزَوْجَةٍ) أَيْ نَفَقَةُ مُدَّةٍ مَاضِيَةٍ مَقْضِيٌّ بِهَا أَوْ مُتَرَاضًى عَلَيْهَا، لَكِنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِالْمُضِيِّ إلَّا إذَا كَانَتْ مُسْتَدَانَةً بِالْأَمْرِ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ
стр. 3117
وَمُؤَجَّلِ مَهْرٍ، قُلْت: ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ طَلَاقٍ وَفِي نَفَقَاتِ الْبَزَّازِيَّةِ يَثْبُتُ الْيَسَارُ بِالْإِخْبَارِ هُنَا بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ، لَكِنْ أَفْتَى ابْنُ نُجَيْمٍ بِأَنَّ الْقَوْلَ لَهُ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ غِنَاهُ فَرَاجِعْهُ وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمَدْيُونُ: لَيْسَ بَدَلَ مَالِ وَقَالَ الدَّائِنُ: إنَّهُ ثَمَنُ مَتَاعٍ فَالْقَوْلُ لِلْمَدْيُونِ مَا لَمْ يُبَرْهِنْ رَبُّ الدَّيْنِ طَرْسُوسِيٌّ بَحْثًا وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ.
[فَرْعٌ] لَا يُحْبَسُ فِي دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، وَكَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ السَّفَرِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَإِنْ بِعُذْرٍ لَهُ السَّفَرُ مَعَهُ، فَإِذَا حَلَّ مَنَعَهُ حَتَّى يُوفِيَهُ بَدَائِعُ، وَقَدَّمْنَاهُ فِي الْكَفَالَةِ
(إنْ ادَّعَى) الْمَدْيُونُ (الْفَقْرَ) إذْ الْأَصْلُ الْعُسْرَةُ (إلَّا أَنْ يُبَرْهِنَ غَرِيمُهُ عَلَى غِنَاهُ) أَيْ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ وَلَوْ بِاقْتِرَاضٍ أَوْ بِتَقَاضِي غَرِيمِهِ (فَيَحْبِسُهُ) حِينَئِذٍ (بِمَا رَأَى) وَلَوْ يَوْمًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ
ــ
[رد المحتار]
مَسْأَلَةَ النَّفَقَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمُؤَجَّلُ مَهْرٍ) اسْتَشْكَلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ أَيْ فَيَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ عَدَمَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ فِي الْحَالِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُعَجَّلِ شَرْطًا أَوْ عُرْفًا.
(قَوْلُهُ: قُلْت ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ طَلَاقٍ) هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ لَا يُطَالَبُ بِهِ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ حَبْسُهُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي نَفَقَاتِ الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) الْأَنْسَبُ ذِكْرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ الْآتِي إلَّا أَنْ يُبَرْهِنَ غَرِيمُهُ عَلَى غِنَاهُ، وَعِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ عَلَى يَسَارِهِ، وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ مِنْ جِيرَانِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ. وَإِنْ سَأَلَ كَانَ حَسَنًا، فَإِنْ سَأَلَ فَأَخْبَرَهُ عَدْلَانِ بِيَسَارِهِ ثَبَتَ الْيَسَارُ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ الْيَسَارُ بِالْإِخْبَارِ، وَإِنْ قَالَا سَمِعْنَا أَنَّهُ مُوسِرٌ أَوْ بَلَغَنَا ذَلِكَ لَا يَقْبَلُهُ الْقَاضِي اهـ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ إلَخْ) فَإِنَّ قَوْلَهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ غِنَاهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ كَوْنُهُ بِالشَّهَادَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الثُّبُوتُ فِي دَيْنِ النَّفَقَةِ بِالْإِخْبَارِ فِي غَيْرِهِ بِالْإِشْهَادِ فَعِبَارَتُهُ غَيْرُ مُعَيِّنَةٍ ط. قُلْت: لَكِنْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِيَ إلَّا أَنْ يُبَرْهِنَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ نَعَمْ عِبَارَةُ الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ لَكِنْ قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِالْبَيِّنَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لِلْمَدْيُونِ) أَيْ فَلَا يُحْبَسُ إنْ ادَّعَى الْفَقْرَ.
(قَوْلُهُ: وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ) وَكَذَا فِي الْبَحْرِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ لِإِنْكَارِهِ مَا يُوجِبُ حَبْسَهُ.
(قَوْلُهُ: لَا يُحْبَسُ فِي دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ) لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ بَعُدَ) أَيْ السَّفَرُ بِحَيْثُ يَحِلُّ الْأَجَلُ قَبْلَ قُدُومِهِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدَّمْنَاهُ فِي الْكَفَالَةِ) أَيْ فِي آخِرِهَا وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ تَرْجِيحَ إلْزَامِهِ بِإِعْطَاءِ كَفِيلٍ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ: إنْ ادَّعَى الْفَقْرَ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ لَا يُحْبَسُ فِي غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: إذْ الْأَصْلُ الْعُسْرَةُ) لِأَنَّ الْآدَمِيَّ يُولَدُ فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا فَكَانَ الْقَوْلُ لِصَاحِبِهِ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ يُكَذِّبْهُ الظَّاهِرُ، إلَّا أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ لَهُ مَالًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ زَيْلَعِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْغِنَى مِلْكَ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهُ يُحْبَسُ فِيمَا دُونَهُ أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِاقْتِرَاضٍ) فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ وَجَدَ الْمَدْيُونُ مَنْ يُقْرِضُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ ظَالِمٌ، وَفِي كَرَاهِيَةِ الْقُنْيَةِ لَوْ كَانَ لِلْمَدْيُونِ حِرْفَةٌ تُفْضِي إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَامْتَنَعَ مِنْهَا لَا يُعْذَرُ اهـ، وَكُلٌّ مِنْ الْفَرْعَيْنِ يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُ فَإِذَا ادَّعَى فِي الْمَهْرِ الْمُؤَجَّلِ مَثَلًا أَنَّهُ مُعْسِرٌ وَوَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ، أَوْ كَانَ لَهُ حِرْفَةٌ تُوفِيهِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ جَزَاءُ الظُّلْمِ، وَأَمَّا مَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُ: فَظُلْمُهُ فِيهِ ثَابِتٌ قَبْلَ وُجُودِ مَنْ يُقْرِضُهُ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِتَقَاضِي غَرِيمِهِ) بِأَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى غَرِيمٍ مُوسِرٍ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: فَإِنْ حُبِسَ غَرِيمُهُ الْمُوسِرُ لَا يُحْبَسُ، وَفِيهَا وَلَوْ كَانَ لِلْمَحْبُوسِ مَالٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَيَحْبِسُهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى غِنَاهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَبِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمُدَّعِي غِنَاهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ يَوْمًا) أَخَذَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
(قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَبْسِ الضَّجَرُ وَالتَّسَارُعُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُتَفَاوِتَةٌ وَمُقَابِلُهُ رِوَايَةُ تَقْدِيرِهِ بِشَهْرَيْنِ
стр. 3118
بَلْ فِي شَهَادَاتِ الْمُلْتَقَطِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَ الْمُعْسِرُ مَعْرُوفًا بِالْعُسْرَةِ لَمْ أَحْبِسْهُ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ فَقْرُهُ ظَاهِرًا سَأَلَ عَنْهُ عَاجِلًا وَقِيلَ بَيِّنَتُهُ عَلَى إفْلَاسِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ نَهْرٌ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ الْمَدْيُونُ حَلَّفَهُ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنِّي مُعْسِرٌ أَجَابَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ حَلَفَ حَبَسَهُ بِطَلَبِهِ وَإِنْ نَكَلَ خَلَّاهُ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. قُلْت: قَدَّمْنَا أَنَّ الرَّأْيَ لِمَنْ لَهُ مَلَكَةُ الِاجْتِهَادِ فَتَنَبَّهْ (ثُمَّ) بَعْدَ حَبْسِهِ بِمَا يَرَاهُ لَوْ حَالُهُ مُشْكِلًا عِنْدَ الْقَاضِي وَإِلَّا عَمِلَ بِمَا ظَهَرَ بَحْرٌ، وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ (سَأَلَ عَنْهُ) احْتِيَاطًا لَا وُجُوبًا وَمِنْ جِيرَانِهِ وَيَكْفِي عَدْلٌ بِغَيْبَةِ دَائِنٍ، وَأَمَّا الْمَسْتُورُ فَإِنْ وَافَقَ قَوْلُهُ رَأْيَ الْقَاضِي عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا لَا، أَنْفَعُ الْوَسَائِلِ بَحْثًا وَلَا يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْخَصْمِ وَلَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ إلَّا إذَا تَنَازَعَا فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ قُهُسْتَانِيٌّ.
ــ
[رد المحتار]
أَوْ ثَلَاثَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ بِنِصْفِ حَوْلٍ.
(قَوْلُهُ: لَمْ أَحْبِسْهُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ ثَمَنًا أَوْ قَرْضًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ أَيْضًا مُقْتَضَى عِبَارَةِ شَرْحِ الِاخْتِيَارِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فَقْرُهُ ظَاهِرًا إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ قَوْلَهُ فَيَحْبِسُهُ بِمَا يَرَى إنَّمَا هُوَ حَيْثُ كَانَ حَالُهُ مُشْكِلًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ بَعْدَهُ وَفِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ قَالَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ ذِكْرِ التَّقْدِيرِ هَذَا إذَا أَشْكَلَ عَلَى أَمْرِهِ أَفَقِيرٌ أَمْ غَنِيٌّ وَإِلَّا سَأَلْت عَنْهُ عَاجِلًا، وَيَعْنِي إذَا كَانَ ظَاهِرَ الْفَقْرِ أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِفْلَاسِ وَأُخَلِّي سَبِيلَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْمَدْيُونُ) أَيْ بِمَا أَصْلُهُ ثَمَنٌ وَنَحْوُهُ؛ إذْ الْقِسْمُ الثَّانِي الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمَدْيُونِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْلِيفِ الدَّائِنِ نَعَمْ يَتَأَتَّى فِيهِ أَيْضًا إذَا أَثْبَتَ يَسَارَهُ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ إذْ لَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي بَعْدَ الْبَيِّنَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: قُلْت قَدَّمْنَا إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَيَحْبِسُهُ بِمَا رَأَى وَقَدَّمَ الشَّارِحُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ، وَلَا يُخَيَّرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ فِي هَذَا الْقُهُسْتَانِيَّ قَالَ ح أَقُولُ مِثْلُ هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا كَمَا لَا يَخْفَى اهـ أَيْ فَإِنَّ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُ ذَلِكَ الْمَدْيُونِ مِنْ قَدْرِ مُدَّةِ حَبْسِهِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَأَظْهَرُهُ يَسْتَوِي فِي عِلْمِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ بِدُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَتْنًا وَسَنَدًا كَمَا لَا يَخْفَى، فَالظَّاهِرُ حَمْلُ مَا قَالُوهُ فِيمَا يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي مِنْ الْأَحْكَامِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ بَعْدَ حَبْسِهِ إلَخْ) الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي سَأَلَ عَنْهُ وَقَوْلُهُ: لَوْ حَالُهُ مُشْكِلًا قَيْدٌ لِقَوْلِهِ حَبَسَهُ بِمَا يَرَاهُ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْكِلًا بِأَنْ كَانَ فَقْرُهُ ظَاهِرًا وَهَذَا كُلُّهُ يُغْنِي عَنْهُ مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: احْتِيَاطًا لَا وُجُوبًا) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْإِعْسَارِ شَهَادَةٌ بِالنَّفْيِ فَكَانَ لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَسْأَلَ وَيَعْمَلَ بِرَأْيِهِ، وَلَكِنْ لَوْ سَأَلَ مَعَ هَذَا كَانَ أَحْوَطَ زَيْلَعِيٌّ. وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِلَّا فَبَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي يَغْلِبُ ظَنُّ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ دَفَعَهُ وَجَبَ إطْلَاقُهُ إنْ لَمْ يُقِمْ الْمُدَّعِي بَيِّنَةَ يَسَارِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى سُؤَالٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَكْفِي عَدْلٌ) وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُخْبِرُ إنَّ حَالُ الْمُعْسِرِينَ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَحَالُهُ ضَيِّقَةٌ وَقَدْ اخْتَبَرْنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ بَحْرٌ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَقَيَّدَ سَمَاعَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِمَا بَعْدَ الْحَبْسِ وَمُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْحَبْسِ لَا تُقْبَلُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا يَأْتِي، وَكَذَا قَبْلَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَرَاهَا الْقَاضِي كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ: بِغَيْبَةِ دَائِنٍ) أَيْ يَكْفِي ذَلِكَ فِي غَيْبَةِ الدَّائِنِ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِسَمَاعِهَا حَضْرَتُهُ لَكِنْ إذَا كَانَ غَائِبًا سَمِعَهَا وَأَطْلَقَهُ بِكَفِيلٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَسَيَأْتِي مَعَ زِيَادَةِ مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِوَقْفٍ أَوْ يَتِيمٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَسْتُورُ إلَخْ) فِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْخَصْمِ) يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ بِغَيْبَةِ دَائِنٍ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا تَنَازَعَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَقَيَّدَ فِي النِّهَايَةِ الِاكْتِفَاءَ بِالْوَاحِدَةِ بِمَا إذَا لَمْ تَقَعْ خُصُومَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ كَأَنْ ادَّعَى الْمَحْبُوسُ الْإِعْسَارَ وَرَبُّ الدَّيْنِ يَسَارَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْإِعْسَارِ اهـ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، قُلْت: وَهَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ مَا مَرَّ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِعَدْلٍ لَا شَكَّ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ إذْ لَوْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعِي بِفَقْرِ الْمَحْبُوسِ أَوْ اعْتَرَفَ الْمَحْبُوسُ بِغِنَاهُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى سُؤَالٍ وَلَا إلَى إخْبَارٍ، ثُمَّ رَأَيْت فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ نَقْلَ عِبَارَةِ النِّهَايَةِ الْمَارَّةِ بِزِيَادَةٍ
стр. 3119
قُلْت: لَكِنَّهَا بِالْإِعْسَارِ لِلنَّفْيِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ؛ وَلِذَا لَمْ يَجِبْ السُّؤَالُ، أَنْفَعُ الْوَسَائِلِ فَتَنَبَّهْ (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خَلَّاهُ) بِلَا كَفِيلٍ إلَّا فِي ثَلَاثٍ مَالُ يَتِيمٍ وَوَقْفٌ وَإِذَا كَانَ الدَّائِنُ غَائِبًا ثُمَّ لَا يَحْبِسُهُ ثَانِيًا لَا لِلْأَوَّلِ وَلَا لِغَيْرِهِ حَتَّى يُثْبِتَ غَرِيمُهُ غِنَاهُ بَزَّازِيَّةٌ وَفِي الْقُنْيَةِ بَرْهَنَ الْمَحْبُوسُ عَلَى إفْلَاسِهِ فَأَرَادَ الدَّائِنُ إطْلَاقَهُ قَبْلَ تَفْلِيسِهِ فَعَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ حَتَّى لَا يُعِيدَهُ الدَّائِنُ ثَانِيًا.
ــ
[رد المحتار]
وَهِيَ فَإِنْ شَهِدَا بِأَنَّهُ مُعْسِرٌ خَلَّى سَبِيلَهُ وَلَا تَكُونُ هَذِهِ شَهَادَةً عَلَى النَّفْيِ فَإِنَّ الْإِعْسَارَ بَعْدَ الْيَسَارِ أَمْرٌ حَادِثٌ فَتَكُونُ شَهَادَةً بِأَمْرٍ حَادِثٍ لَا بِالنَّفْيِ اهـ، فَأَفَادَ أَنَّ هَذِهِ الْخُصُومَةَ بِإِعْسَارٍ حَادِثٍ يَعْنِي إذَا أَرَادَ حَبْسَهُ فِيمَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمُدَّعَى بِيَسَارِهِ أَوْ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ وَبَرْهَنَ عَلَى يَسَارِهِ بِإِرْثٍ مِنْ أَبِيهِ مُنْذُ شَهْرٍ مَثَلًا، وَهُوَ ادَّعَى إعْسَارًا حَادِثًا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِصَابِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ صَحِيحَةٌ لِوُقُوعِهَا عَلَى أَمْرٍ حَادِثٍ لَا عَلَى النَّفْيِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ مُعْسِرٌ، فَإِنَّهَا قَامَتْ عَلَى نَفْيِ الْيَسَارِ الَّذِي يُحْبَسُ بِسَبَبِهِ لَا عَلَى إعْسَارٍ حَادِثٍ بَعْدَهُ أَوْ الْمُرَادُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى إعْسَارِهِ بَعْدَ حَبْسِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا لِلْقَاضِي عُسْرَتُهُ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْمُدَّةِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: قُلْت لَكِنَّهَا إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْعَدْلِ فِي قَوْلِهِ: وَيَكْفِي عَدْلٌ فَقَدْ نَقَلَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْهُ الثِّقَاتِ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي، وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْمَارَّةِ ثُمَّ قَالَ فَقَوْلُهُ: أَيْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَسْأَلَ يُؤَيِّدُ قَوْلَنَا إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي هَذَا الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا تُشْتَرَطُ فِي أَمْرٍ وَاجِبٍ أَوْ فِي إثْبَاتِ حُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي اشْتِرَاطِهَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ إخْرَاجُهُ بِلَا سُؤَالِ أَحَدٍ عَنْهُ إلَخْ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ قَيَّدَ بِالْعَدْلِ فِي قَوْلِهِ: وَالْعَدْلُ الْوَاحِدُ يَكْفِي وَإِثْبَاتُ أَنَّ الْمَسْتُورَ الْوَاحِدَ يَكْفِي دُونَ الْفَاسِقِ، ثُمَّ قَالَ وَالْأَحْسَنُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ رَأْيُ الْقَاضِي مُوَافِقًا لِقَوْلِ هَذَا الْمَسْتُورِ فِي الْعُسْرَةِ يُقْبَلُ وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رَأْيٌ فِي عُسْرَةِ الْمَحْبُوسِ أَوْ يُسْرٍ بِهِ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُخْبِرِ عَدْلًا اهـ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ. قُلْت: قَدْ رَجَعَ إلَى مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْقَاضِي رَأْيٌ فِي عُسْرَتِهِ بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ حَالُهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَاهِدٍ أَصْلًا، بَلْ لَهُ إخْرَاجُهُ بِلَا سُؤَالٍ، وَالْأَحْوَطُ السُّؤَالُ مِنْ عَدْلٍ لِيَتَحَقَّقَ بِهِ مَا رَآهُ الْقَاضِي وَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْمَارِّ وَكَذَا مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَعْدَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْعَدْلِ إذَا خَالَفَ رَأْيَهُ، وَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ الْمُخْبِرِ رَأْيَ الْقَاضِي لَا شَكَّ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ الزَّيْلَعِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رَأْيٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ وَاحْتَاجَ الْقَاضِي إلَى مَعْرِفَةِ حَالِهِ سَأَلَ الثِّقَاتِ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ إلَخْ، فَقَوْلُهُ وَاحْتَاجَ دَلِيلُ أَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الطَّرَسُوسِيُّ وَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَا تُشْتَرَطُ عَدَالَةٌ وَلَا غَيْرُهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي الْعَمَلُ بِرَأْيِهِ وَإِخْرَاجُ الْمَحْبُوسِ بِلَا سُؤَالٍ، وَبِهِ ظَهَرَ سُقُوطُ هَذَا الْبَحْثِ مِنْ أَصْلِهِ فَافْهَمْ وَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ.
(قَوْلُهُ: وَلِذَا لَمْ يَجِبْ السُّؤَالُ) أَيْ سُؤَالُ الْقَاضِي عَنْ حَالَ الْمَحْبُوسِ وَإِنَّمَا يَسْأَلُ احْتِيَاطًا كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خَلَّاهُ) أَيْ أَطْلَقَهُ مِنْ الْحَبْسِ جَبْرًا عَلَى الدَّائِنِ نَهْرٌ إنَّ إطْلَاقَهُ بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ ثُبُوتًا، حَتَّى لَا يَجُوزَ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَلَا يَنْقُلُ ثُبُوتَهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ بَلْ هَذَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْقَاضِي، أَنْفَعُ الْوَسَائِلِ، وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَوَقَفَ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا إلْحَاقًا بِالْيَتِيمِ.
(قَوْلُهُ: فَعَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ) أَيْ إذَا أَبَى الْمَحْبُوسُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَقْضِيَ بِإِفْلَاسِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يُعِيدَهُ الدَّائِنُ ثَانِيًا) أَيْ قَبْلَ ظُهُورِ غِنَاهُ بَحْرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا يُعِيدَهُ قَاضٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ ظَهَرَ لَهُ حَالُهُ فَكَيْفَ يُعِيدُهُ إلَى الْحُبْسِ بَلْ لَا يُعِيدُهُ لَا لِهَذَا الدَّائِنِ وَلَا لِغَيْرِهِ حَتَّى يَثْبُتَ غِنَاهُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ
стр. 3120
فَرْعٌ] أَحْضَرَ الْمَحْبُوسُ الدَّيْنَ وَغَابَ رَبُّهُ يُرِيدُ تَطْوِيلَ حَبْسِهِ إنْ عَلِمَهُ وَقَدْرَهُ أَخَذَهُ أَوْ كَفِيلًا وَخَلَّاهُ، خَانِيَّةٌ وَفِي الْأَشْبَاهِ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْمَحْبُوسِ إلَّا بِرِضَا خَصْمِهِ إلَّا إذَا ثَبَتَ إعْسَارُهُ أَوْ أَحْضَرَ الدَّيْنَ لِلْقَاضِي فِي غَيْبَةِ خَصْمِهِ.
(وَلَوْ قَالَ) مَنْ يُرَادُ حَبْسُهُ (أَبِيعُ عَرْضِي وَأَقْضِي دَيْنِي أَجَّلَهُ الْقَاضِي) يَوْمَيْنِ أَوْ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَحْبِسُهُ) لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ (وَلَوْ لَهُ عَقَارٌ يَحْبِسُهُ) أَيْ (لِيَبِيعَهُ وَيَقْضِي الدَّيْنَ) الَّذِي عَلَيْهِ (وَلَوْ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ) بَزَّازِيَّةٌ وَسَيَجِيءُ تَمَامُهُ فِي الْحَجْرِ (وَلَمْ يَمْنَعْ غُرَمَاءَهُ عَنْهُ) عَلَى الظَّاهِرِ فَيُلَازِمُونَهُ نَهَارًا لَا لَيْلًا إلَّا أَنْ يَكْتَسِبَ فِيهِ وَيَسْتَأْجِرَ لِلْمَرْأَةِ مَرْأَةً تُلَازِمُهَا مُنْيَةٌ.
ــ
[رد المحتار]
الْمَذْكُورَةِ وَأَيْضًا إذَا ثَبَتَ إعْسَارُهُ الْحَادِثُ بِشَهَادَةٍ تَامَّةٍ بَعْدَ خُصُومَةٍ كَمَا مَرَّ فَلَيْسَ لِقَاضٍ آخَرَ حَبْسُهُ ثَانِيًا فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ ثُبُوتًا فَيَتَعَدَّى بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَهُ بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ تَأَمَّلْ وَقَدَّمَ الشَّارِحُ فِي الْوَقْفِ فِي صُوَرِ مَنْ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ غَيْرِهِ عُدَّ مِنْهَا الْمَدْيُونُ إذَا أَثْبَتَ إعْسَارَهُ فِي وَجْهِ أَحَدِ الْغُرَمَاءِ.
(قَوْلُهُ: يُرِيدُ تَطْوِيلَ حَبْسِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ، وَإِلَّا فَفِي غَيْبَتِهِ تَطْوِيلُ حَبْسِهِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ؛ وَلِذَا لَمْ يُقَيِّدُ بِذَلِكَ فِي عِبَارَةِ الْأَشْبَاهِ الْآتِيَةِ أَفَادَ ط.
(قَوْلُهُ: وَقَدْرَهُ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي عَلِمَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَفِيلًا) أَيْ بِالْمَالِ أَوْ النَّفْسِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا ثَبَتَ إعْسَارُهُ) الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ إلَّا وَعَطْفُهُ بِأَوْ وَالْمُرَادُ بِالثُّبُوتِ الظُّهُورُ وَلَوْ بِرَأْيِ الْقَاضِي أَوْ إخْبَارِ عَدْلٍ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: أَبِيعُ عَرْضِي) اُنْظُرْ مَا فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْعَرْضِ، فَإِنَّ الْعَقَارَ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَمْهِلْنِي ثَلَاثًا لِأَدْفَعهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَدْفَعَهُ بِبَيْعِ عَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ بِاسْتِقْرَاضٍ أَوْ اسْتِيهَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا دَاعِيَ إلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ) أَيْ لِاخْتِبَارِ مُدَّعِيهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْهَمْزَةَ لِلسَّلْبِ وَالْإِبْلَاءُ بِمَعْنَى الْإِفْنَاءِ أَيْ لِإِزَالَةِ الْأَعْذَارِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ بَعْدَهَا فَالثَّلَاثَةُ تُبْلِي الْأَعْذَارَ وَتُفْنِيهَا ط.
(قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ تَمَامُهُ فِي الْحَجْرِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ هُنَاكَ وَالْقَاضِي يَحْبِسُ الْحُرَّ الْمَدْيُونَ لِيَبِيعَ مَالَهُ لِدَيْنِهِ وَقَضَى دَرَاهِمَ دَيْنِهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ يَعْنِي بِلَا أَمْرِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ دَنَانِيرَ وَبَاعَ دَنَانِيرَهُ بِدَرَاهِمِ دَيْنِهِ وَبِالْعَكْسِ اسْتِحْسَانًا لِاتِّحَادِهِمَا فِي الثَّمَنِيَّةِ لَا يَبِيعُ الْقَاضِي عَرْضَهُ وَلَا عَقَارَهُ لِلدَّيْنِ خِلَافًا لَهُمَا، وَبِهِ أَيْ بِقَوْلِهِمَا يَبِيعُهُمَا لِلدَّيْنِ يُفْتَى، اخْتِيَارٌ وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ وَيَبِيعُ كُلَّ مَا لَا يَحْتَاجُهُ لِلْحَالِ اهـ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْبَيْعِ يَبِيعُ عَلَيْهِ الْقَاضِي عَرْضَهُ وَعَقَارَهُ وَغَيْرَهُمَا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفَرَّعَ عَلَى صِحَّةِ الْحَجْرِ أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ دَسْتُ مِنْ الثِّيَابِ وَيُبَاعُ الْبَاقِي وَتُبَاعُ الْحَسَنَةُ وَيُشْتَرَى لَهُ الْكِفَايَةُ وَيُبَاعُ كَانُونُ الْحَدِيدِ وَيُشْتَرَى لَهُ مِنْ طِينٍ وَيُبَاعُ فِي الصَّيْفِ مَا يَحْتَاجُهُ لِلشِّتَاءِ وَعَكْسُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَمْنَعْ غُرَمَاءَهُ عَنْهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ خَلَّاهُ وَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عَقِبَهُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الظَّاهِرِ) أَيْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ بَحْرٌ. مَطْلَبٌ فِي مُلَازَمَةِ الْمَدْيُونِ.
(قَوْلُهُ: فَيُلَازِمُونَهُ إلَخْ) قَالَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ: وَبَعْدَمَا خَلَّى الْقَاضِي سَبِيلَهُ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُلَازِمَهُ فِي الصَّحِيحِ، وَأَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ فِي الْمُلَازَمَةِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: يُلَازِمُهُ فِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ وَلَا مِنْ الْغَدَاءِ وَالْعِشَاءِ وَالْوُضُوءِ وَالْخَلَاءِ وَلَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ بِنَفْسِهِ وَإِخْوَانِهِ وَوَلَدِهِ مِمَّنْ أَحَبَّ اهـ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: لَا لَيْلًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ الْكَسْبِ فَلَا يُتَوَهَّمُ وُقُوعُ الْمَالِ فِي يَدِهِ فَالْمُلَازَمَةُ لَا تُفِيدُ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ وَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْمُلَازَمَةُ فِي وَقْتٍ لَا يُتَوَهَّمُ وُقُوعُ الْمَالِ فِي يَدِهِ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا مَثَلًا تَأَمَّلْ وَأَنَّهُ لَيْسَ مُلَازَمَتُهُ لَيْلًا عَلَى قَصْدِ الْإِضْجَارِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا بَعْدَ ظُهُورِ عُسْرَتِهِ وَتَخْلِيَتِهِ مِنْ الْحَبْسِ وَالْعِلَّةُ فِي الْمُلَازَمَةِ إمْكَانُ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ بَعْدَ تَخْلِيَتِهِ فَيُلَازِمُهُ كَيْ لَا يُخْفِيَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَأْجِرُ لِلْمَرْأَةِ مَرْأَةً تَلَازُمُهَا مُنْيَةٌ) عِبَارَةُ مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
следующие страницы →