Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
أَوْ عُضْوٍ أَوْ ضَرْبٍ مُبَرِّحٍ وَإِلَّا فَنَاقِصٌ وَهُوَ غَيْرُ الْمُلْجِئِ. (وَشَرْطُهُ) أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: (قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى إيقَاعِ مَا هَدَّدَ بِهِ سُلْطَانًا أَوْ لِصًّا) أَوْ نَحْوَهُ (وَ) الثَّانِي (خَوْفُ الْمُكْرَهِ) بِالْفَتْحِ (إيقَاعَهُ) أَيْ إيقَاعَ مَا هُدِّدَ بِهِ (فِي الْحَالِ) بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ لِيَصِيرَ مُلْجَأً (وَ) الثَّالِثُ: (كَوْنُ الشَّيْءِ الْمُكْرَهِ بِهِ مُتْلِفًا نَفْسًا أَوْ عُضْوًا أَوْ مُوجِبًا غَمًّا يُعْدِمُ الرِّضَا) وَهَذَا أَدْنَى مَرَاتِبِهِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَإِنَّ الْأَشْرَافَ يُغَمُّونَ بِكَلَامٍ خَشِنٍ، وَالْأَرَاذِلَ رُبَّمَا لَا يُغَمُّونَ إلَّا بِالضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ ابْنُ كَمَالٍ (وَ) الرَّابِعُ: (كَوْنُ الْمُكْرَهِ مُمْتَنِعًا عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ) إمَّا (لِحَقِّهِ) كَبَيْعِ مَالِهِ (أَوْ لِحَقِّ) شَخْصٍ (آخَرَ) كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ (أَوْ لِحَقِّ الشَّرْعِ) كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا
(فَلَوْ أُكْرِهَ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ) مُتْلِفٍ لَا بِسَوْطٍ أَوْ سَوْطَيْنِ
ــ
[رد المحتار]
أَيْ الْإِكْرَاهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُعْدِمٌ لِلرِّضَا لَكِنَّ الْمُلْجِئَ، وَهُوَ الْكَامِلُ يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ، وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ فَنَفْيُ الرِّضَا أَعَمُّ مِنْ إفْسَادِ الِاخْتِيَارِ وَالرِّضَا بِإِزَاءِ الْكَرَاهَةِ، وَالِاخْتِيَارُ بِإِزَاءِ الْجَبْرِ فَفِي الْإِكْرَاهِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ لَا شَكَّ فِي وُجُودِ الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِ الرِّضَا وَإِنْ تَحَقَّقَ الِاخْتِيَارُ الصَّحِيحُ إذْ فَسَادُهُ إنَّمَا هُوَ بِالتَّخْوِيفِ بِإِتْلَافِ النَّفْسِ، أَوْ الْعُضْوِ
وَحُكْمُهُ إذَا حَصَلَ بِمُلْجِئٍ أَنْ يَنْقُلَ الْفِعْلَ إلَى الْحَامِلِ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ آلَةً لِلْحَامِلِ، كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ كَإِتْلَافِ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ آلَةً لَهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْمُكْرَهِ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ مِثْلُ الْأَقْوَالِ وَالْأَكْلِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ غَيْرِهِ، وَلَا يَأْكُلُ بِفَمِ غَيْرِهِ فَلَا يُضَافُ إلَى غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْآكِلِ، إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ إتْلَافٌ فَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافُ لِصَلَاحِيَةِ الْمُكْرَهِ آلَةً لِلْحَامِلِ فِيهِ فَإِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الْعِتْقِ يَقَعُ كَأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ حَتَّى يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ، وَيُضَافُ إلَى الْحَامِلِ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ. (قَوْلُهُ: أَوْ عُضْوٍ) كَذَا بَعْضُ الْعُضْوِ كَأُنْمُلَةٍ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ ضَرْبٍ مُبَرِّحٍ) أَيْ مُوقَعٍ فِي بَرْحٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْبَرْحُ الشِّدَّةُ وَالشَّرُّ اهـ. وَعَبَّرَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْبُرْهَانِ بِقَوْلِهِ أَوْ ضَرْبٍ يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَنَاقِصٌ) كَالتَّخْوِيفِ بِالْحَبْسِ وَالْقَيْدِ وَالضَّرْبِ الْيَسِيرِ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: سُلْطَانًا أَوْ لِصًّا) هَذَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَكُونُ بِلَا مَنَعَةٍ، وَالْمَنَعَةُ لِلسُّلْطَانِ قَالُوا: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، لِأَنَّ فِي زَمَانِهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْإِكْرَاهُ، فَأَجَابَ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ وَفِي زَمَانِهِمَا ظَهَرَ الْفَسَادُ، وَصَارَ الْأَمْرُ إلَى كُلِّ مُتَغَلِّبٍ، فَيَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ مِنْ الْكُلِّ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ دُرَرٌ وَاللِّصُّ السَّارِقُ، وَفَسَّرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ بِالظَّالِمِ الْمُتَغَلِّبِ غَيْرِ السُّلْطَانِ قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ اللِّصِّ تَبَرُّكًا بِعِبَارَةِ مُحَمَّدٍ وَلِذَا سَعَى بِهِ بَعْضُ حُسَّادِهِ إلَى الْخَلِيفَةِ وَقَالَ سِمَاكٌ فِي كِتَابِهِ لِصًّا وَتَمَامُهُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوَهُ) لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: فِي الْحَالِ) كَذَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْبُرْهَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ إذْ لَوْ تَوَعَّدَهُ بِمُتْلِفٍ بَعْدَ مُدَّةٍ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إيقَاعُهُ بِهِ صَارَ مُلْجِئًا تَأَمَّلْ. لَكِنْ سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ آخِرًا أَنَّهُ إنَّمَا يَسَعُهُ مَا دَامَ حَاضِرًا عِنْدَهُ الْمُكْرِهُ وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِيَصِيرَ مُلْجِئًا) هَذِهِ الشُّرُوطُ لِمُطْلَقِ الْإِكْرَاهِ لَا لِلْمُلْجِئِ فَقَطْ، فَالْمُنَاسِبُ قَوْلُ الدُّرَرِ لِيَصِيرَ مَحْمُولًا عَلَى مَا دَعَا إلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ. وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْلِ مَا يَفُوتُ بِهِ الرِّضَا فَيَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ. (قَوْلُهُ: مُتْلِفًا نَفْسًا) أَيْ حَقِيقِيَّةً أَوْ حُكْمِيَّةً كَتَلَفِ كُلِّ الْمَالِ فَإِنَّهُ شَقِيقُ الرُّوحِ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ قُهُسْتَانِيٌّ وَتَقْيِيدُهُ بِكُلِّ الْمَالِ مُخَالِفٌ لِمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ الشَّارِحُ آخِرًا عَنْ الْقُنْيَةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: يُعْدِمُ الرِّضَا) أَيْ مَعَ بَقَاءِ الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ، وَإِلَّا فَالْإِكْرَاهُ بِمُتْلِفٍ يُعْدِمُ الرِّضَا أَيْضًا وَلَكِنَّهُ يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: إمَّا لِحَقِّهِ) أَيْ إمَّا أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ خَالِصًا كَإِكْرَاهِهِ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ وَلَوْ بِعِوَضٍ كَبَيْعِهِ وَيَأْتِي الْإِكْرَاهُ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ الْمُلْجِئِ بِخِلَافِ الْقِسْمَيْنِ بَعْدَهُ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: مُتْلِفٍ) فِيهِ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْآتِيَةَ
стр. 3572
إلَّا عَلَى الْمَذَاكِيرِ وَالْعَيْنِ بَزَّازِيَّةٌ (أَوْ حَبْسٍ) أَوْ قَيْدٍ مَدِيدَيْنِ بِخِلَافِ حَبْسِ يَوْمٍ أَوْ قَيْدِهِ أَوْ ضَرْبٍ غَيْرِ شَدِيدٍ إلَّا لِذِي جَاهٍ دُرَرٌ (حَتَّى بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ أَقَرَّ أَوْ آجَرَ فُسِخَ) مَا عَقَدَ وَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْفَسْخِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَلَا بِمَوْتِ الْمُشْتَرِي، وَلَا بِالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، وَتُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي وَسَيَجِيءُ أَنَّهُ يُسْتَرَدُّ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي (أَوْ أَمْضَى) لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الْمُلْجِئَ، وَغَيْرَ الْمُلْجِئِ يُعْدِمَانِ الرِّضَا، وَالرِّضَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ وَكَذَا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ فَلِذَا صَارَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الْعُقُودَ نَافِذَةٌ عِنْدَنَا (وَ) حِينَئِذٍ (يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي إنْ قَبَضَ فَيَصِحُّ إعْتَاقُهُ)
ــ
[رد المحتار]
مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْإِكْرَاهُ وَلَوْ بِغَيْرِ مُلْجِئٍ كَمَا مَرَّ وَيَجِيءُ، لِتَفْوِيتِهِ الرِّضَا، وَالْمُتْلِفُ مِنْ الْمُلْجِئِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ فَوَاتُ الرِّضَا عَلَيْهِ وَلِذَا قَالَ فِيمَا يَجِيءُ بِخِلَافِ حَبْسِ يَوْمٍ إلَخْ لِأَنَّهُ لَا يُعْدِمُ الرِّضَا. (قَوْلُهُ: لَا عَلَى الْمَذَاكِيرِ وَالْعَيْنِ) لِأَنَّهُ يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ. (قَوْلُهُ: أَوْ حَبْسٍ) أَيْ حَبْسِ نَفْسِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالْإِكْرَاهُ بِحَبْسِ الْوَالِدَيْنِ أَوْ الْأَوْلَادِ لَا يُعَدُّ إكْرَاهًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْجِئٍ وَلَا يُعْدِمُ الرِّضَا بِخِلَافِ حَبْسِ نَفْسِهِ اهـ لَكِنْ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ: أَنَّهُ قِيَاسٌ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ حَبْسُ الْأَبِ إكْرَاهٌ وَذَكَرَ الطُّورِيُّ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَبْسِ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ زَادَ الْقُهُسْتَانِيُّ: أَوْ غَيْرِهِمْ: مِنْ ذَوِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَعَزَاهُ لِلْمَبْسُوطِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ حَبْسِ يَوْمٍ أَوْ قَيْدِهِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحَبْسَ الْمَدِيدَ مَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَكَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْعَيْنِيِّ وَالزَّيْلَعِيِّ ط. وَفِي الْخَانِيَّةِ: أَمَّا الضَّرْبُ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ أَوْ حَبْسُ يَوْمٍ أَوْ قَيْدُ يَوْمٍ لَا يَكُونُ إكْرَاهًا فِي الْإِقْرَارِ بِأَلْفٍ اهـ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكُونُ إكْرَاهًا فِي الْمَالِ الْقَلِيلِ. (قَوْلُهُ: إلَّا لِذِي جَاهٍ) لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ، فَيَفُوتُ بِهِ الرِّضَا زَيْلَعِيٌّ. وَفِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ أَوْ لِذِي ضَعْفٍ. (قَوْلُهُ: فُسِخَ مَا عَقَدَ) لَا يَشْمَلُ الْإِقْرَارَ فَهُوَ مَجَازٌ أَوْ اكْتِفَاءٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُهُسْتَانِيُّ. مَطْلَبٌ: بَيْعُ الْمُكْرَهِ فَاسِدٌ وَزَوَائِدُهُ مَضْمُونَةٌ بِالتَّعَدِّي.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَبْطُلُ إلَى قَوْلِهِ أَوْ أَمْضَى) مَأْخُوذٌ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِهِ عَلَى الْمِنَحِ وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيَضْمَنُ بِالتَّعَدِّي تَأَمَّلْ. فَيُشِيرُ إلَى أَنَّهُ ذَكَرَهُ تَفَقُّهًا وَهُوَ تَفَقُّهٌ حَسَنٌ، لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ فَاسِدٌ إلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ تَأْتِي مَتْنًا وَقَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: زَوَائِدُ الْمَبِيعِ فَاسِدًا - لَوْ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً - تُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي لَا بِدُونِهِ، وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ الزَّوَائِدِ وَقِيمَةِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ لَهُ أَخْذُ الْمَبِيعِ مَعَ هَذِهِ الزَّوَائِدِ، وَلَا تَطِيبُ لَهُ وَلَوْ هَلَكَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَهْلَكَهَا ضَمِنَ عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَهُ، وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ لَا الزَّوَائِدُ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ الْمُتَوَلِّدَةِ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَبِيعِ فَقَطْ اهـ. (قَوْلُهُ: بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ فَيَقُومُ وَرَثَةُ كُلٍّ مَقَامَهُ كَوَرَثَةِ الْمُشْتَرِي. (قَوْلُهُ: وَلَا بِالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَوَلِّدَةً كَالثَّمَرَةِ أَوْ لَا كَالْأَرْشِ، وَكَذَا الْمُتَّصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ كَالسَّمْنِ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ كَصَبْغٍ وَخِيَاطَةٍ وَلَتِّ سَوِيقٍ فَتَمْنَعُ الِاسْتِرْدَادَ إلَّا بِرِضَا الْمُشْتَرِي كَذَا ذَكَرُوا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَفِي الْبَحْرِ: مَتَى فَعَلَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ يَعْنِي فَاسِدًا فِعْلًا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الْغَصْبِ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الِاسْتِرْدَادِ كَمَا إذَا كَانَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا. (قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ) أَيْ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: يُعْدِمَانِ الرِّضَا) قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ فِي هَامِشِ شَرْحِهِ، أَخْطَأَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي تَخْصِيصِهِ إعْدَامَ الرِّضَا بِغَيْرِ الْمُلْجِئِ اهـ. (قَوْلُهُ: فَلِذَا صَارَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ) أَيْ لِفَقْدِ شَرْطِ الصِّحَّةِ وَهُوَ الرِّضَا فَيَتَخَيَّرُ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ هَذَا الشَّرْطِ لَيْسَ لِحَقِّ الْغَيْرِ، بَلْ لِحَقِّهِ وَلِهَذَا خَالَفَ سَائِرَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ فَإِنَّ الْفَسْخَ فِيهَا وَاجِبٌ عِنْدَ فَقْدِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، لِأَنَّ الْفَسَادَ فِيهَا لِحَقِّ الشَّرْعِ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ يُشْبِهُ الْمَوْقُوفَ وَيُشْبِهُ الْفَاسِدَ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الْعُقُودَ نَافِذَةٌ عِنْدَنَا) أَيْ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَتْ بِمَوْقُوفَةٍ. (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ قُلْنَا إنَّهَا نَافِذَةٌ غَيْرُ مَوْقُوفَةٍ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ: أَيْ يَثْبُتُ بِالْبَيْعِ أَوْ بِالشِّرَاءِ مُكْرَهًا الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِ فَاسِدًا كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَوْقُوفٌ
стр. 3573
وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ (وَلَزِمَهُ قِيمَتُهُ) وَقْتَ الْإِعْتَاقِ وَلَوْ مُعْسِرًا، زَاهِدِيٌّ لِإِتْلَافِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
(فَإِنْ قَبَضَ ثَمَنَهُ أَوْ سَلَّمَ) الْمَبِيعَ (طَوْعًا) قَيْدٌ لِلْمَذْكُورَيْنِ (نَفَذَ) يَعْنِي لَزِمَ لِمَا مَرَّ أَنَّ عُقُودَ الْمُكْرَهِ نَافِذَةٌ عِنْدَنَا، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الرِّضَا وَالْإِجَازَةِ لُزُومُهُ لِإِنْفَاذِهِ إذْ اللُّزُومُ أَمْرٌ وَرَاءَ النَّفَاذِ كَمَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْكَمَالِ.
قُلْت: وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا لَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا فَلَهُ إبْطَالُهُ وَمَا يَصِحُّ فَيَضْمَنُ الْحَامِلَ كَمَا سَيَجِيءُ (وَإِنْ) (قَبَضَ) الثَّمَنَ (مُكْرَهًا لَا) يَلْزَمُ (وَرَدَّهُ) وَلَمْ يَضْمَنْ إنْ هَلَكَ الثَّمَنُ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ دُرَرٌ (إنْ بَقِيَ) فِي يَدِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ
ــ
[رد المحتار]
وَلَيْسَ بِفَاسِدٍ كَمَا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَسَلَّمَهُ زَيْلَعِيٌّ.
قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ: فَمَنْ قَالَ إنَّ الْإِبْرَاءَ يَمْنَعُ النَّفَاذَ فَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ السَّدَادِ وَكَتَبَ فِي هَامِشِ هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَخْطَأَ فِيهَا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَكَأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ أَنَّ النَّافِذَ يُقَابِلُ الْمَوْقُوفَ فَمَا لَا يَكُونُ نَافِذًا يَكُونُ مَوْقُوفًا فَيَنْطَبِقُ مَا ذَكَرَهُ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ اهـ وَسَنَذْكُرُ جَوَابَهُ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ) كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَتَصَدُّقُهُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُمْكِنُ نَقْضُهُ قُهُسْتَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَبَضَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ التَّخْيِيرِ السَّابِقِ، وَهُوَ أَنَّ تَمَامَ الْبَيْعِ بِانْقِلَابِهِ صَحِيحًا مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ كَانَ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ الشَّرْعِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا تَوَقَّفَ انْقِلَابُهُ صَحِيحًا عَلَى رِضَا الْبَائِعِ وَإِجَازَتِهِ فَبِقَبْضِهِ الثَّمَنَ أَوْ تَسْلِيمِهِ الْمَبِيعَ طَوْعًا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِدَلَالَتِهَا عَلَى الرِّضَا وَالْإِجَازَةِ ابْنُ كَمَالٍ. (قَوْلُهُ: أَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ) قَيَّدَ بِالْمَبِيعِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْهِبَةِ، فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّفْعَ فَوَهَبَ وَدَفَعَ يَكُونُ بَاطِلًا لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُكْرَهِ الِاسْتِحْقَاقُ لَا مُجَرَّدُ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ فِي الْهِبَةِ بِالدَّفْعِ وَفِي الْبَيْعِ بِالْعَقْدِ فَدَخَلَ الدَّفْعُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ هِدَايَةٌ. وَقَيَّدَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِحُضُورِ الْمُكْرِهِ فَقَالَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْهِبَةِ إكْرَاهٌ عَلَى التَّسْلِيمِ إذَا كَانَ الْمُكْرِهُ وَقْتَ التَّسْلِيمِ حَاضِرًا وَإِلَّا لَا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا اهـ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: بَاطِلًا الْفَاسِدَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَاسِدًا بِالْقَبْضِ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: نَفَذَ) لِوُجُودِ الرِّضَا. (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) تَعْلِيلٌ لِتَفْسِيرِ النَّفَاذِ بِاللُّزُومِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ النَّفَاذَ وَاللُّزُومَ مُتَغَايِرَانِ فَيُرَادُ بِالنُّفُوذِ الِانْعِقَادُ وَبِاللُّزُومِ الصِّحَّةُ فَبَيْعُ الْمُكْرَهِ نَافِذٌ أَيْ مُنْعَقِدٌ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَالْمُنْعَقِدُ مِنْهُ صَحِيحٌ. وَمِنْهُ فَاسِدٌ، وَهَذَا الْعَقْدُ فَاسِدٌ، لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ الرِّضَا، وَهُوَ هُنَا مَفْقُودٌ فَإِذَا وُجِدَ صَحَّ وَلَزِمَ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ النَّافِذَ مُقَابِلٌ لِلْمَوْقُوفِ، فَإِنَّ الْمَوْقُوفَ كَمَا فِي بُيُوعِ الْبَحْرِ مَا لَا حُكْمَ لَهُ ظَاهِرًا يَعْنِي لَا يُفِيدُ حُكْمُهُ قَبْلَ وُجُودِ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُفِيدُ حُكْمَهُ وَهُوَ الْمِلْكُ قَبْلَ الرِّضَا لَكِنْ بِشَرْطِ الْقَبْضِ كَمَا فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَهَذَا مِنْهَا عِنْدَنَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً خِلَافًا لِزُفَرَ.
فَظَهَرَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ: أَنَّ اللُّزُومَ أَمْرٌ وَرَاءَ النَّفَاذِ كَمَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْكَمَالِ حَيْثُ نَقَلَ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي، فَلَهُ فَسْخُ الْعُقُودِ كُلِّهَا وَأَيًّا أَجَازَهُ جَازَتْ كُلُّهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ نَافِذَةً إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُ الْفَسْخُ لِعَدَمِ الرِّضَا اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّفَاذَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الرِّضَا، وَأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى الرِّضَا أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ لُزُومُهَا وَصِحَّتُهَا فَتَعَيَّنَ أَنْ يُفَسِّرَ قَوْلَهُ: نَفَذَ بِ لَزِمَ وَبِالْجُمْلَةِ فَالرِّضَا شَرْطُ اللُّزُومِ لَا النَّفَاذِ، وَلَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ كَالتَّوْضِيحِ وَالتَّلْوِيحِ وَالتَّقْرِيرِ وَشَرْحِ التَّحْرِيرِ وَشُرُوحِ الْمَنَارِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا لِعَدَمِ الرِّضَا الَّذِي هُوَ شَرْطُ النَّفَاذِ، فَلَوْ أَجَازَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ طَوْعًا صَحَّ لِتَمَامِ الرِّضَا، وَالْفَسَادُ كَانَ لِمَعْنًى وَقَدْ زَالَ اهـ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلِقَوْلِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ إنَّ الْإِكْرَاهَ يَمْنَعُ النَّفَاذَ فَالْمُرَادُ فِي كَلَامِهِمْ بِالنَّفَاذِ اللُّزُومُ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الصِّحَّةُ. وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَظَهَرَ بِهِ أَنَّ تَعْبِيرَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: نَفَذَ كَالْوِقَايَةِ وَالدُّرَرِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَلَا لَوْمَ لِمُوَافَقَتِهِ لِكَلَامِ الْقَوْمِ، وَانْدَفَعَ تَشْنِيعُ ابْنِ الْكَمَالِ الْمَارُّ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِالْكَلِمَاتِ الْفَظِيعَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ لَا رَبَّ سِوَاهُ.
(قَوْلُهُ: إنَّ مَا لَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ) كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. (قَوْلُهُ: وَمَا يَصِحُّ) أَيْ مَعَ الْهَزْلِ وَهُوَ مَا يَسْتَوِي فِيهِ الْجِدُّ وَالْهَزْلُ كَالطَّلَاقِ
стр. 3574
(لَكِنَّهُ يُخَالِفُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ يَجُوزُ بِالْإِجَازَةِ) الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ (وَ) الثَّانِي: أَنَّهُ (يَنْقُضُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ) وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي (وَ) الثَّالِثُ: (تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ دُونَ وَقْتِ الْقَبْضِ وَ) الرَّابِعُ: (الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُكْرَهِ) لِأَخْذِهِ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي فَلَا ضَمَانَ بِلَا تَعَدٍّ بِخِلَافِهَا فِي الْفَاسِدِ بَزَّازِيَّةٌ.
(أَمْرُ السُّلْطَانِ إكْرَاهٌ وَإِنْ لَمْ يَتَوَعَّدْهُ، وَأَمْرُ غَيْرِهِ لَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمَأْمُورُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمَرَهُ يَقْتُلُهُ أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ أَوْ يَضْرِبُهُ ضَرْبًا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ تَلَفِ عُضْوِهِ) مُنْيَةُ الْمُفْتِي، وَبِهِ يُفْتَى.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: الزَّوْجُ سُلْطَانُ زَوْجَتِهِ فَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْإِكْرَاهُ.
(أُكْرِهَ الْمُحْرِمُ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ فَأَبَى حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَشْبَاهٌ.
(وَلَوْ أُكْرِهَ الْبَائِعُ) عَلَى الْبَيْعِ (لَا الْمُشْتَرِي وَهَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ
ــ
[رد المحتار]
وَالْعَتَاقِ. (قَوْلُهُ: يَجُوزُ بِالْإِجَازَةِ) أَيْ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ مَثَلًا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَجَازَاهُ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِيهِ لِحَقِّ الشَّرْعِ. (قَوْلُهُ: وَالْفِعْلِيَّةِ) كَقَبْضِ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ طَوْعًا. (قَوْلُهُ: الْمُشْتَرِي مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْبَائِعِ الْمُكْرَهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي) لِأَنَّ الِاسْتِرْدَادَ فِيهِ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ الشَّرْعِ. (قَوْلُهُ: وَقْتَ الْإِعْتَاقِ دُونَ وَقْتِ الْقَبْضِ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إنْ احْتَمَلَ النَّقْضَ نَقَضَهُ وَإِلَّا يَحْتَمِلْ يُضَمِّنُ الْمُكْرِهَ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ يَوْمَ قَبَضَهُ أَوْ يَوْمَ أَحْدَثَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بِهِ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا حَيْثُ لَا يَضْمَنُهُ يَوْمَ الْإِحْدَاثِ بَلْ يَوْمَ قَبَضَهُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ تَضْمِينُ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ أَوْ الْقَبْضِ. (قَوْلُهُ: الثَّمَنُ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ هُوَ الْبَائِعَ وَقَوْلُهُ: وَالْمُثَمَّنُ أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ هُوَ الْمُشْتَرِيَ. (قَوْلُهُ: أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُكْرَهِ) وَهُوَ الْبَائِعُ فِي الْأَوَّلِ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّانِي. (قَوْلُهُ: لِأَخْذِهِ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي) أَيْ أَوْ الْبَائِعِ ح. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِهَا) أَيْ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ ح. [تَنْبِيهٌ] :
أُكْرِهَا عَلَى بَيْعِ عَبْدٍ وَشِرَائِهِ وَعَلَى التَّقَابُضِ فَهَلَكَ الثَّمَنُ وَالْعَبْدُ ضَمِنَهُمَا الْمُكْرِهُ لَهُمَا، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا تَضْمِينَ صَاحِبِهِ سُئِلَ كُلٌّ عَمَّا قَبَضَ، فَإِنْ قَالَ كُلٌّ قَبَضْتُ عَلَى الْبَيْعِ الَّذِي أُكْرِهْنَا عَلَيْهِ، لِيَكُونَ لِي فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَإِنْ قَالَ: قَبَضْتُهُ مُكْرَهًا لِأَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ وَآخُذَ مِنْهُ مَا أَعْطَيْت، وَحَلَفَ كُلٌّ لِصَاحِبِهِ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِيَ ضَمِنَ الْبَائِعُ أَيًّا شَاءَ فَإِنْ ضَمِنَ الْمُكْرِهُ قِيمَتَهُ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ ضَمِنَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُكْرِهِ بِهَا وَلَا عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ النَّاكِلُ الْبَائِعَ فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي ضَمَّنَ الْمُكْرِهَ الثَّمَنَ، وَرَجَعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الْبَائِعَ وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ.
(قَوْلُهُ: يَقْتُلُهُ إلَخْ) هَذَا فِي الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: أَوْ تَلَفِ عُضْوِهِ) التَّلَفُ مُخَافٌ مِنْهُ لَا مُخَافٌ عَلَيْهِ فَالْأَصْوَبُ حَذْفُ " تَلَفِ " أَوْ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ يُفْتَى) أَيْ بِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ. (قَوْلُهُ: الزَّوْجُ سُلْطَانُ زَوْجَتِهِ) يَعْنِي إنْ قَدَرَ عَلَى الْإِيقَاعِ كَمَا سَيَأْتِي ح قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَسَوْقُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْوِفَاقِ وَعِنْدَ الثَّانِي لَوْ بِنَحْوِ السَّيْفِ فَإِكْرَاهٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ خَلَا بِهَا فِي مَوْضِعٍ لَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ فَكَالسُّلْطَانِ اهـ.
قُلْت: وَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ سُلْطَانُ زَوْجَتِهِ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ حَيْثُ خَافَتْ مِنْهُ الضَّرَرَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ عَنْ شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أُكْرِهَ الْمُحْرِمُ) الْأَوْلَى ذِكْرُهَا بَعْدُ مَعَ مَسَائِلِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. (قَوْلُهُ: كَانَ مَأْجُورًا) لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى ثَابِتٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ: فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قِيَاسًا، وَلَا عَلَى الْآمِرِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَى الْقَاتِلِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ فَعَلَى كُلٍّ كَفَّارَةٌ، وَلَوْ تَوَعَّدَهُ بِالْحَبْسِ وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَفِي الْقِيَاسِ تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ الْقَاتِلَ فَقَطْ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَى كُلٍّ الْجَزَاءُ وَلَوْ حَلَالَيْنِ فِي الْحَرَمِ فَإِنْ تَوَعَّدَهُ بِالْقَتْلِ فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْآمِرِ وَإِنْ بِالْحَبْسِ فَعَلَى الْقَاتِلِ خَاصَّةً هِنْدِيَّةٌ عَنْ الْمَبْسُوطِ.
(قَوْلُهُ: لَا الْمُشْتَرِي)
стр. 3575
ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْبَائِعِ) بِقَبْضِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (وَ) الْبَائِعُ الْمُكْرَهُ (لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيًّا شَاءَ) مِنْ الْمُكْرِهِ - بِالْكَسْرِ - وَالْمُشْتَرِي (فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُكْرِهَ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ نَفَذَ) يَعْنِي جَازَ لِمَا مَرَّ (كُلُّ شِرَاءٍ بَعْدَهُ وَلَا يَنْفُذُ مَا قَبْلَهُ) لَوْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ مَثَلًا لِصَيْرُورَتِهِ مِلْكَهُ فَيَجُوزُ مَا بَعْدَهُ لَا مَا قَبْلَهُ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الضَّامِنُ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَازَ الْمَالِكُ أَحَدَ الْبِيَاعَاتِ حَيْثُ يَجُوزُ الْجَمِيعُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ بِالْإِجَازَةِ.
(فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ بِإِكْرَاهٍ) غَيْرِ مُلْجِئٍ (بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ قَيْدٍ لَمْ يَحِلَّ) إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي إكْرَاهٍ غَيْرِ مُلْجِئٍ. نَعَمْ لَا يُحَدُّ لِلشُّرْبِ لِلشُّبْهَةِ
(وَ) إنْ أُكْرِهَ بِمُلْجِئٍ (بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ) عُضْوٍ أَوْ ضَرْبٍ مُبَرِّحٍ ابْنُ كَمَالٍ
ــ
[رد المحتار]
فَلَوْ كَانَ مُكْرَهًا أَيْضًا فَقَدْ مَرَّ فِي قَوْلِهِ الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ أَمَانَةٌ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُكْرَهًا دُونَ الْبَائِعِ فَهَلَكَ عِنْدَهُ بِلَا تَعَدٍّ يَهْلِكُ أَمَانَةً اهـ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ أُكْرِهَ الْبَائِعُ فَقَطْ لَمْ يَصِحَّ إعْتَاقُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَفِي عَكْسِهِ نَفَذَ إعْتَاقُ كُلٍّ قَبْلَهُ وَإِنْ أَعْتَقَا مَعًا قَبْلَهُ فَإِعْتَاقُ الْبَائِعِ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: ضَمِنَ قِيمَتَهُ) لَوْ قَالَ " ضَمِنَ بَدَلَهُ " كَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمِثْلِيَّ وَالْقِيَمِيَّ طُورِيٌّ. (قَوْلُهُ: بِقَبْضِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) أَيْ بِسَبَبِ قَبْضِهِ مُخْتَارًا عَلَى سَبِيلِ التَّمَلُّكِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. (قَوْلُهُ: لَهُ أَنْ يَضْمَنَ أَيًّا شَاءَ) لِأَنَّ الْمُكْرِهَ كَالْغَاصِبِ وَالْمُشْتَرِيَ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مَلَكَهُ فَقَامَ مَقَامَ الْمَالِكِ الْمُكْرَهِ فَيَكُونُ مَالِكًا مِنْ وَقْتِ وُجُوبِ السَّبَبِ بِالِاسْتِنَادِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي جَازَ) الْمُرَادُ هُنَا بِالْجَوَازِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) مِنْ أَنَّهُ نَافِذٌ قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا اللُّزُومُ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: كُلُّ شِرَاءٍ بَعْدَهُ) أَيْ لَوْ تَعَدَّدَ الشِّرَاءُ وَكَذَا نَفَذَ شِرَاءُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ مُسْتَقِلَّةً مَوْضُوعُهَا لَوْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي وَمَا قَبْلَهَا مَوْضُوعُهَا فِي مُشْتَرٍ وَاحِدٍ جَمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ اخْتِصَارًا. (قَوْلُهُ: لَوْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ مَثَلًا) أَفَادَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا أَنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيًّا شَاءَ مِنْ الْمُشْتَرِينَ فَأَيُّهُمْ ضَمِنَهُ مَلَكَهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (قَوْلُهُ: أَحَدَ الْبِيَاعَاتِ) وَلَوْ الْعَقْدَ الْأَخِيرَ أَبُو السُّعُودِ. (قَوْلُهُ: لِزَوَالِ الْمَانِعِ بِالْإِجَازَةِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ مَوْجُودًا وَالْمَانِعَ مِنْ النُّفُوذِ حَقُّهُ وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ بِالْإِجَازَةِ فَجَازَ الْكُلُّ، وَأَمَّا إذَا ضَمَّنَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ حَقَّهُ، لِأَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ فَتَبْطُلُ الْبِيَاعَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ؛ وَلَا يَكُونُ أَخْذُ الثَّمَنِ اسْتِرْدَادًا لِلْبَيْعِ بَلْ إجَازَةً فَافْتَرَقَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ مَيْتَةٍ إلَخْ) الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَعَاصِي أَنْوَاعٌ: نَوْعٌ يُرَخَّصُ لَهُ فِعْلُهُ، وَيُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَشَتْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ، وَقِسْمٌ: يَحْرُمُ فِعْلُهُ وَيَأْثَمُ بِإِتْيَانِهِ كَقَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوِهِ أَوْ ضَرْبِهِ ضَرْبًا مُتْلِفًا أَوْ شَتْمِهِ أَوْ أَذِيَّتِهِ وَالزِّنَا، وَقِسْمٌ يُبَاحُ فِعْلُهُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ: كَالْخَمْرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ طُورِيٌّ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَزَادَ فِي الْخَانِيَّةِ رَابِعًا: وَهُوَ مَا يَكُونُ الْفِعْلُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً كَالْإِكْرَاهِ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ لَكِنَّهُ مُخَالِفُ لِمَا سَيَأْتِي كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ) عِبَارَةُ ابْنِ الْكَمَالِ: أَوْ شُرْبِ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ، وَكَتَبَ فِي هَامِشِهِ: الدَّمُ مِنْ الْمَشْرُوبِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: ذُكِرَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَيْتَةٍ أَوْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ دَمٍ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ. (قَوْلُهُ: بِحَبْسٍ) قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إنَّ مُحَمَّدًا أَجَابَ هَكَذَا بِنَاءً عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْحَبْسِ فِي زَمَانِهِ، فَأَمَّا الْحَبْسُ الَّذِي أَحْدَثُوهُ الْيَوْمَ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ يُبِيحُ التَّنَاوُلَ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ ضَرْبٍ) إلَّا عَلَى الْمَذَاكِيرِ وَالْعَيْنِ كَمَا مَرَّ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ضَرْبٍ مُبَرِّحٍ) قَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَدْنَى الْحَدِّ وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَوْطًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّقْدِيرِ بِالرَّأْيِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ بِأَدْنَى مِنْهُ، فَلَا طَرِيقَ سِوَى الرُّجُوعِ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
стр. 3576
(حَلَّ) الْفِعْلُ بَلْ فُرِضَ (فَإِنْ صَبَرَ فَقُتِلَ أَثِمَ) إلَّا إذَا أَرَادَ مُغَايَظَةَ الْكُفَّارِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِبَاحَةَ بِالْإِكْرَاهِ لَا يَأْثَمُ لِخَفَائِهِ فَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، كَالْجَهْلِ بِالْخِطَابِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ) كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَجِّ.
(وَ) إنْ أُكْرِهَ (عَلَى الْكُفْرِ) بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ مَجْمَعٌ، وَقُدُورِيٌّ (بِقَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَا أُمِرَ بِهِ) عَلَى لِسَانِهِ، وَيُوَرِّي (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ثُمَّ إنْ وَرَّى لَا يُكَفَّرُ وَبَانَتْ امْرَأَتُهُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً وَإِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ التَّوْرِيَةُ وَلَوْ يُوَرِّ كُفِّرَ، وَبَانَتْ دِيَانَةً وَقَضَاءً، نَوَازِلُ، وَجَلَالِيَّةٌ
ــ
[رد المحتار]
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَيُحْكَى عَنْ جَلَّادِ مِصْرَ أَنَّهُ يُقْتَلُ الْإِنْسَانُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ بِسَوْطِهِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْكَعْبَ. (قَوْلُهُ: حَلَّ الْفِعْلُ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ الْحُرْمَةِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ عَنْ الْحُرْمَةِ حِلٌّ ابْنُ كَمَالٍ. (قَوْلُهُ: أَثِمَ) لِأَنَّ هَلَاكَ النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْمُبَاحِ حَرَامٌ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا أَرَادَ مُغَايَظَةَ الْكُفَّارِ) لَمْ يَعْزُ الشَّارِحُ هَذَا لِأَحَدٍ وَقَدْ رَاجَعْت كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ كُتُبِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ فَلَمْ أَجِدْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ رَأَيْته بَعْدَ حِينٍ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ فِي كِتَابِ مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ: فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ) أَيْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتْقَانِيٌّ: يَعْنِي قَبْلَ انْتِشَارِ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَوَّلَ إسْلَامِ الْمُخَاطَبِ لِمَا قَالُوا: تَجِبُ الْأَحْكَامُ بِالْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ أَوْ الْكَوْنِ فِي دَارِنَا، وَعَلَيْهِ فَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِنَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْ نَحْوِ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ قَبْلَ تَعَلُّمِهِ، وَإِنْ كَانَ جَهْلُهُ عُذْرًا فِي رَفْعِ الْإِثْمِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ) أَيْ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِهَا فِيهَا. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ) أَيْ الْمَجَاعَةِ الشَّدِيدَةِ فَإِنَّهُ إنْ صَبَرَ أَثِمَ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]- يَشْمَلُ الْإِكْرَاهَ الْمُلْجِئَ لِأَنَّهُ مِنْ الضَّرُورَةِ وَإِنْ خُصَّ بِالْمَخْمَصَةِ فَالْإِكْرَاهُ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي حَاشِيَتِنَا عَلَى شَرْحِ الْمَنَارِ لِلشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: مَجْمَعٌ وَقُدُورِيٌّ) أَيْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ السَّبِّ فِي الْمَجْمَعِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: بِقَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ) أَيْ بِمَا يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ. (قَوْلُهُ: وَيُوَرِّي) التَّوْرِيَةُ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا أَضْمَرَ فِي قَلْبِهِ أَتْقَانِيٌّ. قَالَ فِي الْعِنَايَةِ فَجَازَ أَنْ يُرَادَ بِهَا هُنَا اطْمِئْنَانُ الْقَلْبِ وَأَنْ يُرَادَ الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ اهـ وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ يُكْرَهُ عَلَى السُّجُودِ لِلصَّنَمِ أَوْ الصَّلِيبِ وَلَا لَفْظٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إضْمَارُ خِلَافِ مَا أَظْهَرَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْإِخْفَاءِ فَهِيَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ وَرَّى لَا يُكَفَّرُ) كَمَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى السُّجُودِ لِلصَّلِيبِ أَوْ سَبِّ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَعَلَ وَقَالَ نَوَيْت بِهِ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمُحَمَّدًا آخَرَ غَيْرَ النَّبِيِّ. (قَوْلُهُ: وَبَانَتْ امْرَأَتُهُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً) لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ طَائِعٌ بِإِتْيَانِ مَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ وَحُكْمُ هَذَا الطَّائِعِ مَا ذَكَرْنَا هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ التَّوْرِيَةُ إلَخْ) أَيْ إنْ خَطَرَ بِبَالِهِ الصَّلَاةُ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَبُّ غَيْرِ النَّبِيِّ وَلَمْ يُوَرِّ كُفِّرَ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ دَفْعُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَوَجَدَ مَخْرَجًا عَمَّا اُبْتُلِيَ بِهِ، ثُمَّ لَمَّا تَرَكَ مَا خَطَرَ عَلَى بَالِهِ، وَشَتَمَ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ ﷺ كَانَ كَافِرًا، وَإِنْ وَافَقَ الْمُكْرِهَ فِيمَا أَكْرَهَهُ، لِأَنَّهُ وَافَقَهُ بَعْدَمَا وَجَدَ مَخْرَجًا عَمَّا اُبْتُلِيَ، فَكَانَ غَيْرَ مُضْطَرٍّ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ كُفْرٌ كِفَايَةٌ: وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَإِنْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ شَيْءٌ وَصَلَّى لِلصَّلِيبِ أَوْ سَبَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ لَمْ تَبِنْ مَنْكُوحَتُهُ لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً لِأَنَّهُ فَعَلَ مُكْرَهًا لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ إذَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ غَيْرُهُ اهـ.
وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّوْرِيَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ عِنْدَ خُطُورِهَا فَإِذَا خَطَرَتْ لَزِمَتْهُ وَبَقِيَ مُؤْمِنًا دِيَانَةً، وَظَهَرَ أَنَّ التَّوْرِيَةَ لَيْسَتْ الِاطْمِئْنَانَ لِفَقْدِهَا فِي الثَّالِثِ، مَعَ وُجُودِهِ فِيهِ خِلَافًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعِنَايَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الثَّالِثَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي " وَلَا رِدَّتُهُ " فَلَا تَبِينُ زَوْجَتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فَلَا تُنَافِي مَا هُنَا كَمَا خَفِيَ عَلَى الشَّارِحِ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: نَوَازِلُ وَجَلَالِيَّةٌ) الْأَقْرَبُ عَزْوُهُ إلَى الْهِدَايَةِ فَإِنَّهَا مِنْ الْمَشَاهِيرِ الْمُتَدَاوَلَةِ
стр. 3577
(وَيُؤْجَرُ لَوْ صَبَرَ) لِتَرْكِهِ الْإِجْرَاءَ الْمُحَرَّمَ وَمِثْلُهُ سَائِرُ حُقُوقِهِ تَعَالَى كَإِفْسَادِ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَقَتْلِ صَيْدِ حَرَمٍ أَوْ فِي إحْرَامٍ وَكُلُّ مَا ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ اخْتِيَارٌ (وَلَمْ يُرَخَّصْ) الْإِجْرَاءُ (بِغَيْرِهِمَا) بِغَيْرِ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ يَعْنِي بِغَيْرِ الْمُلْجِئِ ابْنُ كَمَالٍ إذْ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَا يَحِلُّ أَبَدًا.
(وَرُخِّصَ لَهُ إتْلَافُ مَالِ مُسْلِمٍ) أَوْ ذِمِّيٍّ اخْتِيَارٌ (بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ) وَيُؤْجَرُ لَوْ صَبَرَ ابْنُ مَالِكٍ (وَضَمَّنَ رَبُّ الْمَالِ الْمُكْرِهَ) بِالْكَسْرِ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ - بِالْفَتْحِ - كَالْآلَةِ (لَا) يُرَخَّصُ (قَتْلُهُ)
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: وَيُؤْجَرُ لَوْ صَبَرَ) أَيْ يُؤْجَرُ أَجْرَ الشُّهَدَاءِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ خُبَيْبًا وَعَمَّارًا اُبْتُلِيَا بِذَلِكَ فَصَبَرَ خُبَيْبِ حَتَّى قُتِلَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ وَأَظْهَرَ عَمَّارٌ وَكَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» أَيْ إنْ عَادَ الْكُفَّارُ إلَى الْإِكْرَاهِ فَعُدْ أَنْتَ إلَى مِثْلِ مَا أَتَيْت بِهِ أَوَّلًا مِنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ، وَقَلْبُك مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ابْنُ كَمَالٍ وَقِصَّتُهُمَا شَهِيرَةٌ. (قَوْلُهُ: لِتَرْكِهِ الْإِجْرَاءَ الْمُحَرَّمَ) أَتَى بِلَفْظِ الْمُحَرَّمِ لِيُفِيدَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ ذَاكَ زَالَتْ حُرْمَتُهُ فَلِذَا يَأْثَمُ لَوْ صَبَرَ. فَإِنْ قِيلَ: كَمَا اسْتَثْنَى حَالَةَ الضَّرُورَةِ فِي الْمَيْتَةِ اسْتَثْنَى حَالَةَ الْإِكْرَاهِ هُنَا. قُلْنَا: ثَمَّةَ اسْتَثْنَى مِنْ الْحُرْمَةِ فَكَانَ إبَاحَةً فَلَمْ يَكُنْ رُخْصَةً وَهُنَا مِنْ الْغَضَبِ، فَيَنْتَفِي الْغَضَبُ فِي الْمُسْتَثْنَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْحُرْمَةِ فَكَانَ رُخْصَةً وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ " مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ " شَرْطٌ مُبْتَدَأٌ وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ، لِأَنَّ جَوَابَ " مَنْ شَرَحَ " دَالٌّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَضَبٌ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ كِفَايَةٌ. (قَوْلُهُ: كَإِفْسَادِ صَوْمٍ) أَيْ مِنْ مُقِيمٍ صَحِيحٍ بَالِغٍ فَلَوْ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ يَسَعُهُ يَكُونُ آثِمًا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ: وَصَلَاةٍ) عِبَارَةُ غَايَةِ الْبَيَانِ وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْوَقْتِ إذَا صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يَسَعُهُ كَانَ مَأْجُورًا اهـ وَهَذَا ظَاهِرٌ أَمَّا إفْسَادُهَا فَقَدْ ذَكَرُوا جَوَازَ قَطْعِهَا لِدِرْهَمٍ، وَلَوْ لِغَيْرِهِ تَأَمَّلْ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَجْرِ عَلَى الصَّبْرِ لِأَخْذِهِ بِالْعَزِيمَةِ وَإِنْ جَازَ الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ. (قَوْلُهُ: وَقَتْلِ صَيْدِ حَرَمٍ) بِإِضَافَةِ صَيْدِ إلَى حَرَمٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ فِي إحْرَامٍ عُطِفَ عَلَى " حَرَمٍ "، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْهِنْدِيَّةِ الْكَلَامَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَا ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ) زَادَ الْأَتْقَانِيُّ وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِإِبَاحَتِهِ حَالَةَ الضَّرُورَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ بِإِبَاحَةِ تَرْكِ الصَّوْمِ لِأَقَلَّ مِنْ الضَّرُورَةِ، وَهُوَ السَّفَرُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْثَمَ لَوْ صَبَرَ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْكَلَامُ فِي الْإِفْسَادِ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَالْوَارِدُ إبَاحَتُهُ الْإِفْطَارُ قَبْلَهُ تَأَمَّلْ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدَرَ عَلَى صَيْدٍ لَا يَقْتُلُهُ وَيَأْكُلُ الْمَيْتَةَ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي بِغَيْرِ الْمُلْجِئِ) أَشَارَ بِهَذِهِ الْعِنَايَةِ إلَى أَنَّ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ لَيْسَا قَيْدًا، بَلْ مَا كَانَ مُلْجِئًا فَهُوَ فِي حُكْمِهِمَا كَالضَّرْبِ عَلَى الْعَيْنِ وَالذَّكَرِ وَحَبْسِ هَذَا الزَّمَانِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ بَلْخٍ وَالتَّهْدِيدُ بِأَخْذِ كُلِّ الْمَالِ كَمَا بَحَثَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ ط وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ الزَّاهِدِيِّ لَا أَنَّهُ بَحْثٌ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: إذْ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَا يَحِلُّ أَبَدًا) هَذَا إنَّمَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِقَوْلِهِ سَابِقًا لِتَرْكِ الْإِجْرَاءِ الْمُحَرَّمِ فَالْأَوْلَى ذِكْرُ ذَلِكَ بِلَصْقِهِ ط.
(قَوْلُهُ: وَيُؤْجَرُ لَوْ صَبَرَ) لِأَخْذِهِ بِالْعَزِيمَةِ لِأَنَّ أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ مِنْ الْمَظَالِمِ وَحُرْمَةُ الظُّلْمِ لَا تَنْكَشِفُ، وَلَا تُبَاحُ بِحَالٍ كَالْكُفْرِ أَتْقَانِيٌّ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَرْكَ الْإِتْلَافِ أَفْضَلُ وَلِذَا قَالُوا: إنَّ تَنَاوُلَ مَالِ الْغَيْرِ أَشَدُّ حُرْمَةً مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ سَوَاءٌ وَفِي الْخَانِيَّةِ اُضْطُرَّ حَالَ الْمَخْمَصَةِ وَأَرَادَ أَخْذَ مَالَ الْغَيْرِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ حَتَّى مَاتَ يَأْثَمُ اهـ وَنَقَلَ الْأَتْقَانِيُّ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ وَأَنَّ الْفَقِيهَ أَبَا إِسْحَاقَ الْحَافِظَ كَانَ يَقُولُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِتَأْوِيلِ مَا فِي الْمَخْمَصَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ صَاحِبُهُ يُعْطِيهِ بِالْقِيمَةِ، فَلَمْ يَأْخُذْ حَتَّى مَاتَ يَأْثَمُ وَكَذَا فِي الْإِكْرَاهِ لَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ يُعْطِيهِ بِالْقِيمَةِ يَأْثَمُ. (قَوْلُهُ: كَالْآلَةِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ يُنْقَلُ إلَى
стр. 3578
أَوْ سَبُّهُ أَوْ قَطْعُ عُضْوِهِ وَمَا لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ اخْتِيَارٌ.
(وَيُقَادُ فِي) الْقَتْلِ (الْعَمْدِ الْمُكْرِهُ) بِالْكَسْرِ لَوْ مُكَلَّفًا عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ خِلَافًا لِمَا فِي النِّهَايَةِ (فَقَطْ) لِأَنَّ الْقَاتِلَ كَالْآلَةِ وَأَوْجَبَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمَا وَنَفَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْهُمَا لِلشُّبْهَةِ
ــ
[رد المحتار]
الْمُكْرِهِ وَالْإِتْلَافُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِأَنْ يَأْخُذَهُ وَيُلْقِيَهُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ فَيُتْلِفَهُ، فَصَارَ كَأَنَّ الْمُكْرَهَ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ بِخِلَافِ مَا لَا يَصْلُحُ آلَةً كَالْأَكْلِ وَالْوَطْءِ، وَالتَّكَلُّمِ، ولِذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِعْتَاقِ ضَمَّنَ الْمُكْرِهَ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ فِي حَقِّ الْإِتْلَافِ يَصْلُحُ آلَةً لَكِنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُكْرَهِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ آلَةً فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ أَتْقَانِيٌّ. وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ السِّرَاجِ: حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ مَجُوسِيٌّ عَلَى ذَبْحِ شَاةِ الْغَيْرِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا اهـ وَسَيَأْتِي خِلَافُهُ. (قَوْلُهُ: أَوْ سَبُّهُ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ مِنْ أَنَّهُ بِالْمُلْجِئِ يُرَخَّصُ شَتْمُ الْمُسْلِمِ وَأَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الِافْتِرَاءِ عَلَى مُسْلِمٍ يُرْجَى أَنْ يَسَعَهُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ اهـ
وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ بِمُتْلِفٍ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ فِي سَعَةٍ فَهُنَا أَوْلَى إلَّا أَنَّهُ عَلَّقَ الْإِبَاحَةَ بِالرَّجَاءِ، وَفِي الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ لَمْ يُعَلِّقْ، لِأَنَّهَا هُنَاكَ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ، وَهُنَا ثَبَتَ دَلَالَةً قَالَ مُحَمَّدٌ عَقِيبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ بِوَعِيدِ تَلَفٍ عَلَى شَتْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ فِي سَعَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَطَرِيقُهُ مَا قُلْنَا وَلَوْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا وَكَانَ أَفْضَلَ اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ قَطْعُ عُضْوِهِ) أَيْ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمَقْطُوعُ غَيْرَ مُكْرَهٍ فَإِنْ قَطَعَ فَهُوَ آثِمٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاطِعِ وَلَا عَلَى الْمُكْرِهِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْقَتْلِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَتَلَهُ أَثِمَ وَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْآمِرِ تَتَارْخَانِيَّةٌ، لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: اقْطَعْ يَدَ فُلَانٍ، وَإِلَّا لَأَقْتُلَنَّكَ وَسِعَهُ أَنْ يَقْطَعَ وَعَلَى الْآمِرِ الْقِصَاصُ عِنْدَهُمَا وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ اهـ ثُمَّ رَأَيْت الطُّورِيَّ وَفَّقَ بِأَنَّهُ إنْ أُكْرِهَ عَلَى الْقَطْعِ بِأَغْلَظَ مِنْهُ وَسِعَهُ وَإِنْ بِقَطْعٍ أَوْ بِدُونِهِ فَلَا تَأَمَّلْ. وَأَتَى بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ الْعَائِدِ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى قَطْعِ يَدِ نَفْسِهِ، وَسِعَهُ ذَلِكَ وَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقَوَدُ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَقَتَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُكْرِهِ اهـ وَفِي الْمَجْمَعِ أُكْرِهَ عَلَى قَطْعِ يَدِهِ أَيْ يَدِ الْغَيْرِ فَفَعَلَ، ثُمَّ قَطَعَ رِجْلَهُ طَوْعًا فَمَاتَ يُوجِبُ أَبُو يُوسُفَ الدِّيَةَ فِي مَالَيْهِمَا وَأَوْجَبَا الْقِصَاصَ عَلَيْهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَيُقَادُ فِي الْعَمْدِ الْمُكْرِهُ فَقَطْ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُلْجِئِ، وَلَوْ قَتَلَ أَثِمَ وَيُقْتَصُّ الْحَامِلُ وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لَوْ بَالِغًا وَيَقْتَصُّ الْمُكْرَهُ مِنْ الْحَامِلِ وَيَرِثُهُمَا شُرُنْبُلَالِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا فِي النِّهَايَةِ) مِنْ قَوْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْآمِرُ بَالِغًا أَوْ لَا عَاقِلًا أَوْ مَعْتُوهًا فَالْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ وَعَزَاهُ لِلْمَبْسُوطِ وَرَدَّهُ فِي الْعِنَايَةِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْكَاكِيِّ صَاحِبِ الْمِعْرَاجِ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ عَلَاءِ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِأَنَّ عِبَارَةَ الْمَبْسُوطِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُكْرَهُ إلَخْ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ فَعَبَّرَ بِالْآمِرِ، وَهُوَ سَهْوٌ يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ أَبُو الْيُسْرِ فِي مَبْسُوطِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُكْرِهُ الْآمِرُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدٍ، لِأَنَّ الْقَاتِلَ فِي الْحَقِيقَةِ هَذَا الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِوُجُوبِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ.
أَقُولُ: وَلَمْ يَذْكُرْ الشُّرَّاحُ حُكْمَ الدِّيَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُكْرِهِ - أَيْ بِالْكَسْرِ - فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَاتِلَ كَالْآلَةِ) أَيْ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةً وَهُوَ الْإِتْلَافُ بِخِلَافِ الْإِثْمِ لِأَنَّهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى دِينِهِ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَجْنِي عَلَى دِينِ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مَجُوسِيًّا عَلَى ذَبْحِ شَاةٍ، فَإِنَّهُ يُنْقَلُ الْفِعْلُ إلَى الْمُسْلِمِ الْآمِرِ فِي حَقِّ الْإِتْلَافِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَلَا يُنْقَلُ فِي حَقِّ الْحِلِّ فِي الذَّبْحِ فِي الدِّينِ، وَبِالْعَكْسِ يَحِلُّ زَيْلَعِيٌّ، وَمِثْلُهُ فِي الْمِعْرَاجِ فَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ مِنْ عَكْسِهِ الْحُكْمَ سَهْوٌ فِي النَّقْلِ. (قَوْلُهُ: وَنَفَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْهُمَا) لَكِنْ أَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى الْآمِرِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ خَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: لِلشُّبْهَةِ) أَيْ شُبْهَةِ الْعَدَمِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا قَاتِلٌ حَقِيقَةً لَا حُكْمًا، وَالْآخَرَ بِالْعَكْسِ
стр. 3579
(وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا لَا يُرَخَّصُ لَهُ) لِأَنَّ فِيهِ قَتْلَ النَّفْسِ بِضَيَاعِهَا لَكِنَّهُ لَا يُحَدُّ اسْتِحْسَانًا، بَلْ يَغْرَمُ الْمَهْرَ - وَلَوْ طَائِعَةً - لِأَنَّهُمَا لَا يَسْقُطَانِ جَمِيعًا. شَرْحُ وَهْبَانِيَّةٍ (وَفِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ يُرَخَّصُ) لَهَا الزِّنَا (بِالْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ) لِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ لَا يَنْقَطِعُ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ مِنْ جَانِبِهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ (لَا بِغَيْرِهِ لَكِنَّهُ يُسْقِطُ الْحَدَّ فِي زِنَاهَا لَا زِنَاهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمُلْجِئُ رُخْصَةً لَهُ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُلْجِئِ شُبْهَةً لَهُ. [فَرْعٌ] :
ظَاهِرُ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّ حُكْمَ اللِّوَاطَةِ كَحُكْمِ الْمَرْأَةِ لِعَدَمِ الْوَلَدِ فَتُرَخَّصُ بِالْمُلْجِئِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِكَوْنِهَا أَشَدَّ حُرْمَةً مِنْ الزِّنَا لِأَنَّهَا لَمْ تُبَحْ بِطَرِيقٍ مَا وَلِكَوْنِ قُبْحِهَا عَقْلِيًّا وَلِذَا لَا تَكُونُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَصَحَّ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ) لَوْ بِالْقَوْلِ لَا بِالْفِعْلِ كَشِرَاءِ قَرِيبِهِ ابْنُ كَمَالٍ (وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَنِصْفِ الْمُسَمَّى إنْ لَمْ يَطَأْ
ــ
[رد المحتار]
وَقَالَ زُفَرُ: يُقَادُ الْفَاعِلُ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أُكْرِهَ) أَيْ بِمُلْجِئٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَجِيءُ. (قَوْلُهُ: بِضَيَاعِهَا) لِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَا هَالِكٌ حُكْمًا لِعَدَمِ مَنْ يُرَبِّيهِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِضَرُورَةٍ مَا كَالْقَتْلِ دُرَرٌ. (قَوْلُهُ: بَلْ يَغْرَمُ الْمَهْرَ) وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ حَصَلَتْ لِلزَّانِي كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ طَعَامِ نَفْسِهِ جَائِعًا تَتَارْخَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْمَهْرَ وَالْحَدَّ لَا يَسْقُطَانِ جَمِيعًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: لَا يَنْقَطِعُ) أَيْ عَنْ الْأُمِّ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يُسْقِطُ الْحَدَّ فِي زِنَاهَا) أَيْ بِغَيْرِ الْمُلْجِئِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُلْجِئُ رُخْصَةً لَهَا كَانَ غَيْرُهُ شُبْهَةً لَهَا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمُلْجِئُ رُخْصَةً لَهُ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لَا زِنَاهُ، وَإِذَا لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ يَأْثَمُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ هَلْ تَأْثَمُ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنْ أُكْرِهَتْ عَلَى أَنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا، فَمَكَّنَتْ تَأْثَمُ وَإِنْ لَمْ تُمَكِّنْ وَزَنَى بِهَا فَلَا وَهَذَا لَوْ بِمُلْجِئٍ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ بِلَا خِلَافٍ لَا عَلَيْهَا وَلَكِنَّهَا تَأْثَمُ هِنْدِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ تَعْلِيلِهِمْ) أَيْ بِأَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ لِلرَّجُلِ، لِأَنَّ فِيهِ قَتْلَ النَّفْسِ وَيُرَخَّصُ لِلْمَرْأَةِ لِعَدَمِ قَطْعِ النَّسَبِ مِنْهَا. (قَوْلُهُ: أَنَّ حُكْمَ اللِّوَاطَةِ) أَيْ مِنْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَلَوْ بِرَجُلٍ ط. (قَوْلُهُ: فَتُرَخَّصُ بِالْمُلْجِئِ) فِي بَابِ الْإِكْرَاهِ مِنْ النُّتَفِ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا وَاللُّوَاطَةِ لَا يَسَعُهُ وَإِنْ قُتِلَ اهـ فَمَنَعَ اللِّوَاطَةَ مَعَ أَنَّهَا لَا تُؤَدِّي إلَى هَلَاكِ الْوَلَدِ وَلَا تُفْسِدُ الْفِرَاشَ اهـ سَرَى الدَّيْنِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ النُّتَفِ يَعُمُّ الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ ط وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمِنَحِ أَيْضًا عِبَارَةَ النُّتَفِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَمْ تُبَحْ بِطَرِيقٍ مَا) بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ فَإِنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِعَقْدٍ وَبِمِلْكٍ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَلِكَوْنِ قُبْحِهَا عَقْلِيًّا) لِأَنَّ فِيهَا إذْلَالًا لِلْمَفْعُولِ وَيَأْبَى الْعَقْلُ ذَلِكَ، وَقَدْ انْضَمَّ قُبْحُهَا الْعَقْلِيُّ إلَى قُبْحِهَا طَبْعًا - فَإِنَّهُ مَحَلُّ نَجَاسَةٍ وَفَرْثٍ وَإِخْرَاجٍ لَا مَحَلُّ حَرْثٍ وَإِدْخَالٍ وَطَهَارَةٍ -، وَإِلَى قُبْحِهَا شَرْعًا ط
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ نِكَاحُهُ) فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ وَأَوْجَبَهَا الطَّحَاوِيُّ، وَقَالَ: يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُكْرِهِ بَزَّازِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: لَوْ بِالْقَوْلِ لَا بِالْفِعْلِ إلَخْ) تَبِعَ ابْنَ الْكَمَالِ فِي ذِكْرِهِ ذَلِكَ هُنَا، وَصَوَابُهُ ذِكْرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ لَا فِي صِحَّةِ الْعِتْقِ، وَعِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ سَالِمَةٌ مِنْ هَذَا الِاشْتِبَاهِ حَيْثُ قَالَ: أُكْرِهَ عَلَى الْإِعْتَاقِ فَلَهُ تَضْمِينُ الْمُكْرِهِ إلَّا إذَا أُكْرِهَ عَلَى شِرَاءِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ أَوْ بِالْقَرَابَةِ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أُكْرِهَ عَلَى شِرَاءِ ذِي رَحِمِهِ أَوْ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، فَاشْتَرَى عَتَقَ وَلَزِمَهُ أَلْفٌ لَا عَشَرَةٌ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِيمَةُ لَا الثَّمَنُ، وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ عَلَى الْمُكْرِهِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ مَا خَرَجَ اهـ. (قَوْلُهُ: وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ) يَعْنِي فِي صُورَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ صَلَحَ لَهُ آلَةً فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافُ فَانْضَافَ إلَيْهِ ابْنُ كَمَالٍ وَالْوَلَاءُ لِلْمَأْمُورِ لِمَا مَرَّ عَنْ الْأَتْقَانِيِّ، وَيَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ عَلَيْهِ وَلَوْ مُعْسِرًا لِأَنَّهُ ضَمَانُ إتْلَافٍ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُكْرِهُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا ضَمِنَ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ، وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ. (قَوْلُهُ: وَنِصْفِ الْمُسَمَّى إنْ لَمْ يَطَأْ) لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ مِنْ جِهَتِهَا بِمَعْصِيَةٍ كَالِارْتِدَادِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ، فَكَانَ تَقْرِيرًا لِلْمَالِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيُضَافُ تَقْرِيرُهُ إلَى الْمُكْرِهِ، وَالتَّقْرِيرُ
стр. 3580
وَنَذْرُهُ، وَيَمِينُهُ، وَظِهَارُهُ، وَرَجْعَتُهُ، وَإِيلَاؤُهُ وَفَيْؤُهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِيلَاءِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (وَإِسْلَامُهُ) وَلَوْ ذِمِّيًّا كَمَا هُوَ إطْلَاقُ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ التَّفْصِيلِ فَقِيَاسٌ، وَالِاسْتِحْسَانُ صِحَّتُهُ مُطْلَقًا فَلْيُحْفَظْ (بِلَا قَتْلٍ لَوْ رَجَعَ) لِلشُّبْهَةِ، كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ (وَتَوْكِيلُهُ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ)
ــ
[رد المحتار]
كَالْإِيجَابِ، فَكَانَ مُتْلِفًا لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ بِالْمُسَمَّى، لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِيهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْمُتْعَةِ ابْنُ كَمَالٍ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يَطَأْ لِأَنَّهُ إنْ وَطِئَ لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّ الْمَهْرَ تَقَرَّرَ هُنَا بِالدُّخُولِ لَا بِالطَّلَاقِ زَيْلَعِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِالْوَطْءِ مَا يَعُمُّ الْخَلْوَةَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحَامِلَ أَجْنَبِيٌّ، فَلَوْ كَانَ زَوْجَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا أُكْرِهَتْ بِالْمُلْجِئِ وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ قُهُسْتَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَنَذْرُهُ) أَيْ بِكُلِّ طَاعَةٍ كَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ أَثَرُ الْإِكْرَاهِ قُهُسْتَانِيٌّ لِأَنَّهُ مِنْ اللَّاتِي هَزْلُهُنَّ جِدٌّ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ بِمَا لَزِمَهُ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُطَالِبُ هُوَ بِهِ فِيهَا زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَيَمِينُهُ وَظِهَارُهُ) أَيْ الْيَمِينُ عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ الْمَعْصِيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَالظِّهَارَ لَا يَعْمَلُ فِيهِمَا الْإِكْرَاهُ، لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ الْفَسْخَ، فَيَسْتَوِي فِيهِمَا الْجِدُّ وَالْهَزْلُ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَرَجْعَتُهُ) لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ، فَكَانَتْ مُلْحَقَةً بِهِ زَيْلَعِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَإِيلَاؤُهُ وَفَيْؤُهُ فِيهِ) لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ فِي الْحَالِ، وَطَلَاقٌ فِي الْمَآلِ، وَالْفَيْءَ فِيهِ كَالرَّجْعَةِ فِي الِاسْتِدَامَةِ وَلَوْ بَانَتْ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا لَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفَيْءِ فِي الْمُدَّةِ وَكَذَا الْخُلْعُ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ أَوْ يَمِينٌ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مُكْرَهَةٍ لَزِمَهَا الْبَدَلُ زَيْلَعِيٌّ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أُكْرِهَتْ عَلَى أَنْ قَبِلَتْ مِنْ الزَّوْجِ تَطْلِيقَةً بِأَلْفٍ وَقَعَتْ رَجْعِيَّةً وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) كَذَا قَالَ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى، وَاَلَّذِي فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ كَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِ الْكَنْزِ وَالدُّرَرِ وَالْمِنَحِ تَخْصِيصُهُ الْقَوْلَ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ كَوْنُ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ مِنْ الْأَقْوَالِ فَلَيْسَ التَّقْيِيدُ احْتِرَازِيًّا لِأَنَّ الْفِعْلَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ فَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ الْقَوْلُ الْفَسْخَ فَالْفِعْلُ أَوْلَى وَهَكَذَا يُقَالُ فِي الرَّجْعَةِ تَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَقْوَالِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ التَّفْصِيلِ) مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَرْبِيًّا يَصِحُّ وَلَوْ ذِمِّيًّا فَلَا وَمِثْلُهُ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى عَنْ الْمَبْسُوطِ، وَجَعَلَ الْمُسْتَأْمَنَ كَالذِّمِّيِّ، وَبَيَّنَ فِي الْمِنَحِ وَجْهَ الْفَرْقِ بِأَنَّ إلْزَامَ الْحَرْبِيِّ بِالْإِسْلَامِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِحْسَانُ صِحَّتُهُ مُطْلَقًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ إلَّا فِي مَسَائِلَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا فَيَكُونُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ اهـ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفْرِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَهَذَا فِي الْحُكْمِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا سَائِحَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَتَوْكِيلُهُ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالنِّكَاحِ يَصِحُّ وَيَنْعَقِدُ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ عَلَى الْأَشْبَاهِ، عَنْ حَاشِيَةِ الشَّيْخِ صَالِحٍ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ لِلرَّمْلِيِّ حَيْثُ قَالَ. أَقُولُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ كَغَيْرِهِ لِلنِّكَاحِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ سُكُوتَهُمْ عَنْهُ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا اسْتِحْسَانَ فِيهِ بَلْ هُوَ عَلَى الْقِيَاسِ اهـ.
أَقُولُ: عِلَّةُ الِاسْتِحْسَانِ تَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا الْقِيَاسُ أَنْ لَا تَصِحَّ الْوَكَالَةُ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالْهَزْلِ فَكَذَا مَعَ الْإِكْرَاهِ كَالْبَيْعِ وَأَمْثَالِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْبَيْعِ، وَلَكِنْ يُوجِبُ فَسَادَهُ فَكَذَا التَّوْكِيلُ يَنْعَقِدُ مَعَ الْإِكْرَاهِ، وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْوَكَالَةِ لِكَوْنِهَا مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ، فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ نَفَذَ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت الرَّمْلِيَّ نَفْسَهُ ذَكَرَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبَحْرِ فِي بَابِ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الثَّلَاثَ تَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَدَّمْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: فَانْظُرْ إلَى عِلَّةِ الِاسْتِحْسَانِ
стр. 3581
وَمَا فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ خِلَافِهِ فَقِيَاسٌ وَالِاسْتِحْسَانُ وُقُوعُهُ، وَالْأَصْلُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّ مَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَكُلُّ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ وَعَدَّهَا أَبُو اللَّيْثِ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَعَدَّيْنَاهَا فِي بَابِ الطَّلَاقِ نَظْمًا عِشْرِينَ.
(لَا) يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ (إبْرَاؤُهٌ مَدْيُونَهُ أَوْ) إبْرَائِهِ (كَفِيلَهُ) بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ، وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ الشَّفِيعُ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ فَسَكَتَ لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ (وَ) لَا (رِدَّتُهُ) بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (فَلَا تَبِينُ زَوْجَتُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ بِهِ
ــ
[رد المحتار]
فِي الطَّلَاقِ تَجِدُهَا فِي النِّكَاحِ فَيَكُونُ حُكْمُهَا وَاحِدًا تَأَمَّلْ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُكْرَهَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ اسْتِحْسَانًا وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ، وَلَوْ أُكْرِهَ بِمُلْجِئٍ عَلَى تَوْكِيلِ هَذَا بِبَيْعِ عَبْدِهِ بِأَلْفٍ، وَعَلَى الدَّفْعِ إلَيْهِ فَبَاعَ الْوَكِيلُ وَأَخَذَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ وَالْوَكِيلُ طَائِعَانِ ضَمَّنَ أَيَّ الثَّلَاثَةِ شَاءَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ عَلَى أَحَدٍ بَلْ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْوَكِيلَ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ، وَهُوَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، فَيَتَقَاصَّانِ وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُكْرِهَ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عَلَى الْوَكِيلِ وَلَوْ الْإِكْرَاهُ بِغَيْرِ مُلْجِئٍ لَمْ يَضْمَنْ الْمُكْرِهُ شَيْئًا وَإِنَّمَا لِلْمَوْلَى تَضْمِينُ الْوَكِيلِ الْقِيمَةَ وَيَتَقَاصُّ مَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ أَوْ تَضْمِينُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ لَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى أَحَدٍ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ: وَمَا فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ خِلَافِهِ) وَهُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ بِطَلَاقِ الْوَكِيلِ وَإِعْتَاقِهِ. (قَوْلُهُ: يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ) أَيْ فِيمَا عَدَا مَسْأَلَةَ الْوَكَالَةِ لِمَا عَلِمْت مِنْ خُرُوجِهَا عَنْ الْقِيَاسِ. (قَوْلُهُ: لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ مَنْعُ الصِّحَّةِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُفَوِّتُ الرِّضَا، وَفَوَاتُهُ يُؤَثِّرُ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ، وَعَدَمُهُ يُمَكِّنُ الْمُكْرَهَ مِنْ الْفَسْخِ، فَالْإِكْرَاهُ يُمَكِّنُ الْمُكْرَهَ مِنْ الْفَسْخِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ فَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ مِنَحٌ. (قَوْلُهُ: وَعَدَّيْنَاهَا) صَوَابُهُ " عَدَدْنَاهَا " لِأَنَّهُ مِنْ الْعَدِّ لَا مِنْ التَّعْدِيَةِ. (قَوْلُهُ: نَظْمًا) هُوَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ وَعِبَارَتُهُ هُنَاكَ نَظَمَ فِي النَّهْرِ مَا يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ فَقَالَ:
طَلَاقٌ وَإِيلَاءٌ ظِهَارٌ وَرَجْعَةٌ ... نِكَاحٌ مَعَ اسْتِيلَادٍ عَفْوٌ عَنْ الْعَمْدِ
رَضَاعٌ وَأَيْمَانٌ وَفَيْءٌ وَنَذْرُهُ ... قَبُولٌ لِإِيدَاعٍ كَذَا الصُّلْحُ عَنْ عَمْدِ
طَلَاقٌ عَلَى جُعْلٍ يَمِينٌ بِهِ أَتَتْ ... كَذَا الْعِتْقُ وَالْإِسْلَامُ تَدْبِيرٌ لِلْعَبْدِ
وَإِيجَابُ إحْسَانٍ وَعِتْقٌ فَهَذِهِ ... تَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِشْرِينَ فِي الْعَدِّ
أَقُولُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لِلتَّدَاخُلِ، وَلِأَنَّ قَبُولَ الْإِيدَاعِ لَيْسَ مِنْهَا كَمَا فِي النَّهْرِ وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ عَشَرَةٌ نَظَمَهَا ابْنُ الْهُمَامِ بِقَوْلِهِ:
يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِتْقٌ وَرَجْعَةٌ ... نِكَاحٌ وَإِيلَاءٌ طَلَاقُ مُفَارِقِ
وَفَيْءٌ ظِهَارٌ وَالْيَمِينُ وَنَذْرُهُ ... وَعَفْوٌ لِقَتْلِ شَابٍّ مِنْهُ مُفَارِقِ
وَزِدْت عَلَيْهِ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ بِقَوْلِي:
رَضَاعٌ وَتَدْبِيرٌ قَبُولٌ لِصُلْحِهِ ... كَذَلِكَ إيلَادٌ وَالْإِسْلَامُ فَارِقُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ إبْرَاؤُهُ كَفِيلَهُ) وَكَذَا قَبُولُ الْكَفَالَةِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْحَامِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا قَبُولُ الْحَوَالَةِ عَلَى مَا فِي حَوَالَةِ الْبَحْرِ سَائِحَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ تَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ) لِأَنَّهَا إقْرَارٌ بِفَرَاغِ الذِّمَّةِ فَيُؤَثِّرُ فِيهَا الْإِكْرَاهُ. (قَوْلُهُ: لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ) فَإِذَا زَالَ الْإِكْرَاهُ فَإِنْ طَلَبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَسْلِيمِهَا بَعْدَ طَلَبِهَا لَا تَبْطُلُ هِنْدِيَّةٌ وَغَيْرُهَا. (قَوْلُهُ: وَلَا رِدَّتُهُ إلَخْ) ذَكَرَهُ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَلَا تَبِينُ زَوْجَتُهُ وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ مَا يُغْنِي عَنْهُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ بِهِ)
стр. 3582
وَالْقَوْلُ لَهُ اسْتِحْسَانًا.
قُلْت: وَقَدَّمْنَا عَلَى النَّوَازِلِ خِلَافَهُ فَلَعَلَّهُ قِيَاسٌ فَتَأَمَّلْ.
(أَكْرَهَ الْقَاضِي رَجُلًا لِيُقِرَّ بِسَرِقَةٍ أَوْ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِعَمْدٍ أَوْ) لِيُقِرَّ (بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ بِعَمْدٍ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ قُتِلَ) عَلَى مَا ذُكِرَ (إنْ كَانَ الْمُقِرُّ مَوْصُوفًا بِالصَّلَاحِ اُقْتُصَّ مِنْ الْقَاضِي وَإِنْ مُتَّهَمًا بِالسَّرِقَةِ مَعْرُوفًا بِهَا وَبِالْقَتْلِ لَا) يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاضِي اسْتِحْسَانًا لِلشُّبْهَةِ خَانِيَّةٌ.
(قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تَشْرَبَ هَذَا الشَّرَابَ أَوْ تَبِيعَ كَرْمَكَ فَهُوَ إكْرَاهٌ إنْ كَانَ شَرَابًا لَا يَحِلُّ) كَالْخَمْرِ (وَإِلَّا فَلَا) قُنْيَةٌ قَالَ: وَكَذَا الزِّنَا وَسَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ.
(صَادَرَهُ السُّلْطَانُ وَلَمْ يُعَيِّنْ بَيْعَ مَالِهِ فَبَاعَهُ صَحَّ) لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ، وَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ: مِنْ أَيْنَ أُعْطِي وَلَا مَالَ لِي؟ فَإِذَا
ــ
[رد المحتار]
ذَكَرَ الضَّمِيرَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّلَفُّظُ اللِّسَانِيُّ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ، أَلَا تَرَى لَوْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ لَا يُكَفَّرُ، وَفِي اعْتِقَادِهِ الْكُفْرَ شَكٌّ فَلَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِالشَّكِّ. (قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لَوْ ادَّعَتْ تَبَدُّلَ اعْتِقَادِهِ وَأَنْكَرَ هُوَ فَالْقَوْلُ لَهُ. (قَوْلُهُ: اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ كَلِمَةَ الْكُفْرِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ كَلَفْظَةِ الطَّلَاقِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلْفُرْقَةِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِاعْتِبَارِ تَغَيُّرِ الِاعْتِقَادِ، وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَغَيُّرِهِ، فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ وَلِهَذَا لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَقَدَّمْنَا عَنْ النَّوَازِلِ إلَخْ) الَّذِي قَدَّمَهُ عَنْ النَّوَازِلِ أَنَّهُ إنْ وَرَّى بَانَتْ قَضَاءً فَقَطْ وَإِلَّا مَعَ خُطُورِهَا بِبَالِهِ بَانَتْ دِيَانَةً أَيْضًا. وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ بَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ شَيْءٌ أَصْلًا وَأَتَى بِمَا أُكْرِهَ بِهِ مُطْمَئِنًّا، فَلَا بَيْنُونَةَ وَلَا كُفْرَ أَصْلًا وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا مُنَافَاةَ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: أَكْرَهَ الْقَاضِي) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي الْعَادَةِ وَإِلَّا فَكُلُّ مُتَغَلِّبٍ كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِمُلْجِئٍ أَوْ غَيْرِهِ لِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّجْرِيدِ: أُكْرِهَ بِضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ حَتَّى يُقِرَّ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ خَلَّاهُ ثُمَّ أَخَذَهُ فَأَقَرَّ بِهِ إقْرَارًا مُسْتَقْبَلًا أُخِذَ بِهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذُكِرَ) أَيْ بِنَاءً عَلَى إقْرَارِهِ مُكْرَهًا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ مُتَّهَمًا إلَخْ) أَيْ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ هِنْدِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: لَا يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاضِي اسْتِحْسَانًا) وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ: لِلشُّبْهَةِ) أَيْ شُبْهَةِ أَنَّهُ فَعَلَ مَا أَقَرَّ بِهِ مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: قِيلَ لَهُ إلَخْ) أَيْ أُكْرِهَ بِمُلْجِئٍ عَلَى فِعْلِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ. (قَوْلُهُ: فَهُوَ إكْرَاهٌ) أَيْ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الشُّرْبِ قَطْعِيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِالْبَيْعِ تَأَمَّلْ. وَهَلْ يَسَعُهُ الشُّرْبُ، وَتَرْكُ الْبَيْعِ؟ الظَّاهِرُ: نَعَمْ لِأَنَّ الشُّرْبَ يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ تَأَمَّلْ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ لَا يَأْثَمُ، لِأَنَّهُ لَوْ صَبَرَ عَلَى الْقَتْلِ، وَلَمْ يُتْلِفْ مَالَ نَفْسِهِ يَكُونُ شَهِيدًا فَلَأَنْ لَا يَأْثَمَ إذَا امْتَنَعَ عَنْ إبْطَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَرْأَةِ كَانَ أَوْلَى اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الزِّنَا وَسَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ) أَيْ لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ الزِّنَا وَنَحْوِهِ فَبَاعَ يَكُونُ مُكْرَهًا، وَهَذَا فِي التَّرْدِيدِ بَيْنَ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَوْ رَدَّدَ لَهُ بَيْنَ مُحَرَّمَيْنِ أَوْ غَيْرِ مُحَرَّمَيْنِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: أُكْرِهَ بِمُلْجِئٍ عَلَى كُفْرٍ أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ لَمْ يُقَدْ اسْتِحْسَانًا، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ إجْرَاءُ الْكُفْرِ مُطْمَئِنًّا، وَإِنْ عَلِمَ قَبْلُ يُقْتَلُ وَقِيلَ لَا، وَلَوْ عَلَى قَتْلٍ أَوْ زِنًا لَا يَفْعَلُ وَاحِدًا مِنْهُمَا لِأَنَّ كُلًّا لَا يُبَاحُ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنْ زَنَى لَا يُحَدُّ اسْتِحْسَانًا وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ قَتَلَ يُقْتَلُ الْآمِرُ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُكْرَهًا وَلَوْ عَلَى قَتْلٍ أَوْ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ لَهُ أَنْ لَا يُتْلِفَ وَلَوْ الْمَالُ أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ مُرَخَّصٌ لَا مُبَاحٌ. فَإِنْ قَتَلَ يُقْتَلُ بِهِ إذْ لَا يُرَخَّصُ، وَإِنْ أَتْلَفَ ضَمَّنَ الْآمِرَ وَلَوْ عَلَى طَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ عِتْقٍ غَرِمَ الْآمِرُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ وَإِنْ كَانَ دَخَلَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ شَيْءٌ اهـ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: صَادَرَهُ السُّلْطَانُ) أَيْ طَالَبَهُ بِأَخْذِ مَالِهِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: صَادَرَهُ عَلَى كَذَا طَالَبَهُ بِهِ. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ) أَيْ الْبَيْعِ إذْ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ مَا طَلَبَهُ مِنْهُ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَنَحْوِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْحِيلَةُ) أَيْ لِيَكُونَ بَيْعُهُ فَاسِدًا وَلَا بُدَّ فِيهِ
стр. 3583
قَالَ الظَّالِمُ: بِعْ كَذَا فَقَدْ صَارَ مُكْرَهًا فِيهِ بَزَّازِيَّةٌ.
(خَوَّفَهَا الزَّوْجُ بِالضَّرْبِ حَتَّى وَهَبَتْهُ مَهْرَهَا لَمْ تَصِحَّ) الْهِبَةُ (إنْ قَدَرَ الزَّوْجُ عَلَى الضَّرْبِ) وَإِنْ هَدَّدَهَا بِطَلَاقٍ أَوْ تَزَوُّجٍ عَلَيْهَا أَوْ تَسَرٍّ فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ خَانِيَّةٌ وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: مَنَعَ امْرَأَتَهُ الْمَرِيضَةَ عَنْ الْمَسِيرِ إلَى أَبَوَيْهَا إلَّا أَنْ تَهَبَهُ مَهْرَهَا فَوَهَبَتْهُ بَعْضَ الْمَهْرِ فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهَا كَالْمُكْرَهِ.
قُلْت: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَابُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى: وَهِيَ زَوَّجَ بِنْتَهُ الْبِكْرَ مِنْ رَجُلٍ فَلَمَّا أَرَادَتْ الزِّفَافَ مَنَعَهَا الْأَبُ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهَا أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ مِنْهُ مِيرَاثَ أُمِّهَا فَأَقَرَّتْ ثُمَّ أَذِنَ لَهَا بِالزِّفَافِ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهَا لِكَوْنِهَا فِي مَعْنَى الْمُكْرَهَةِ وَبِهِ أَفْتَى أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي الرُّومِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ تُحْفَةِ الْأَقْرَانِ فِي بَحْثِ الْهِبَةِ.
(الْمُكْرَهُ بِأَخْذِ الْمَالِ لَا يَضْمَنُ) مَا أَخَذَهُ (إذَا نَوَى) الْآخِذُ وَقْتَ الْأَخْذِ (أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ وَإِلَّا يَضْمَنُ وَإِذَا اخْتَلَفَا) أَيْ الْمَالِكُ وَالْمُكْرَهُ (فِي النِّيَّةِ فَالْقَوْلُ لِلْمُكْرَهِ مَعَ يَمِينِهِ) وَلَا يَضْمَنُ مُجْتَبًى. وَفِيهِ الْمُكْرَهُ عَلَى الْأَخْذِ وَالدَّفْعِ إنَّمَا يَبِيعُهُ مَا دَامَ حَاضِرًا عِنْدَهُ الْمُكْرِهُ، وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ لِزَوَالِ الْقُدْرَةِ وَالْإِلْجَاءِ بِالْبُعْدِ مِنْهُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَعْوَانِ الظَّلَمَةِ فِي الْأَخْذِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْأَمِيرِ أَوْ رَسُولِهِ فَلْيُحْفَظْ. [فُرُوعٌ] :
أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ طَعَامِ نَفْسِهِ إنْ جَائِعًا لَا رُجُوعَ
ــ
[رد المحتار]
أَيْضًا مِنْ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ وَإِلَّا نَفَذَ الْبَيْعُ كَمَا مَرَّ مَتْنًا. (قَوْلُهُ: فَقَدْ صَارَ مُكْرَهًا فِيهِ) أَيْ فِي الْبَيْعِ لِمَا مَرَّ أَنَّ أَمْرَ السُّلْطَانِ إكْرَاهٌ وَإِنْ لَمْ يَتَوَعَّدْهُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: بِالضَّرْبِ) قَيَّدَهُ فِي الْخَانِيَّةِ بِالْمُتْلِفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ) لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ جَائِزٌ شَرْعًا وَالْأَفْعَالُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تُوصَفُ بِالْإِكْرَاهِ ط. قُلْت: نَعَمْ وَلَكِنْ يُدْخِلُ عَلَيْهَا غَمًّا يُفْسِدُ صَبْرَهَا، وَيُظْهِرُ عُذْرَهَا وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ يَفْسُدُ بِمَا يُوجِبُ غَمًّا بِعَدَمِ هَذِهِ الرِّضَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَذْكُرُهُ بَعْدَهُ، فَإِنَّ مَنْعَ الْمَرِيضَةِ عَنْ أَبَوَيْهَا وَمَنْعَ الْبِكْرِ عَنْ الزِّفَافِ لَا يَغُمُّهَا أَكْثَرَ مِنْ الْأَفْعَالِ وَلَكِنْ لَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ مَعَ النَّقْلِ. هَذَا وَقَدَّمْنَا أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ " الزَّوْجُ سُلْطَانُ زَوْجَتِهِ " أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الْأَمْرِ حَيْثُ كَانَتْ تَخْشَى مِنْهُ الْأَذَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ أَفْتَى أَبُو السُّعُودِ) وَكَذَلِكَ الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَظَمَهُ فِي فَتَاوَاهُ بِقَوْلِهِ:
وَمَانِعُ زَوْجَتِهِ عَنْ أَهْلِهَا ... لِتَهَبَ الْمَهْرَ يَكُونُ مُكْرِهًا
كَذَاكَ مَنْعُ وَالِدٍ لِبِنْتِهِ ... خُرُوجَهَا لِبَعْلِهَا مِنْ بَيْتِهِ
ثُمَّ قَالَ: وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالْإِجَارَةَ كَالْإِقْرَارِ وَالْهِبَةِ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَالْأَبِ لِلْعِلَّةِ الشَّامِلَةِ فَلَيْسَ قَيْدًا، وَكَذَلِكَ الْبَكَارَةُ لَيْسَتْ قَيْدًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي دِيَارِنَا مِنْ أَخْذِ مُهُورِهِنَّ كَرْهًا عَلَيْهِنَّ حَتَّى مِنْ ابْنِ ابْنِ الْعَمِّ وَإِنْ بَعُدَ وَإِنْ مَنَعَتْ أَضَرَّ بِهَا أَوْ قَتَلَهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: الْمُكْرَهُ بِأَخْذِ الْمَالِ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِعَلَى ط. (قَوْلُهُ: لَا يَضْمَنُ) بَلْ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ. (قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لِلْمُكْرَهِ مَعَ يَمِينِهِ) لِإِنْكَارِهِ الضَّمَانَ وَمِثْلُهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَبُولِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْهِبَةِ وَقَالَ: قَبَضْتُهَا لِأَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. (قَوْلُهُ: مَا دَامَ حَاضِرًا عِنْدَهُ الْمُكْرِهُ) قَالَ فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ: فَإِنْ كَانَ أَرْسَلَهُ لِيَفْعَلَ فَخَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ إنْ ظَفِرَ بِهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحِلَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ الْآمِرِ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ كَانَ فِي سَعَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ هَدَّدَهُ بِالْحَبْسِ أَوْ الْقَيْدِ لَمْ يَسَعْهُ الْإِقْدَامُ اهـ. (قَوْلُهُ: لِزَوَالِ الْقُدْرَةِ وَالْإِلْجَاءِ بِالْبَعْدِ) لَكِنْ يَخَافُ عَوْدَهُ وَبِهِ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ بَزَّازِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: إنْ جَائِعًا لَا رُجُوعَ) فَإِنْ قُلْت: يُشْكِلُ بِمَا لَوْ كَانَ الطَّعَامُ لِلْغَيْرِ حَيْثُ يَضْمَنُ الْآمِرُ مَعَ أَنَّ النَّفْعَ لِلْمَأْمُورِ. قُلْت: هُنَاكَ أَكَلَ طَعَامَ الْآمِرِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْأَكْلِ إكْرَاهٌ عَلَى الْقَبْضِ، لِعَدَمِ إمْكَانِهِ بِدُونِهِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَهُ وَقَالَ لَهُ: كُلْ وَهُنَا لَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْآمِرِ غَاصِبًا قَبْلَ الْأَكْلِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَهُوَ فِي يَدِهِ أَوْ فَمِهِ فَصَارَ آكِلًا طَعَامَ
стр. 3584
وَإِنْ شَبْعَانًا رَجَعَ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ لِحُصُولِ مَنْفَعَةِ الْأَكْلِ لَهُ فِي الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي.
قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ لِنَبِيٍّ أَخَذُوهُ: إنْ قُلْتَ لَسْتُ بِنَبِيٍّ تَرَكْنَاكَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ لَا يَسَعُهُ قَوْلُ ذَلِكَ وَإِنْ قِيلَ لِغَيْرِ نَبِيٍّ: إنْ قُلْتَ هَذَا لَيْسَ بِنَبِيٍّ تَرَكْنَا نَبِيَّكَ وَإِنْ قُلْتَ نَبِيٌّ قَتَلْنَاهُ وَسِعَهُ لِامْتِنَاعِ الْكَذِبِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ حَرْبِيٌّ لِرَجُلٍ: إنْ دَفَعْتَ جَارِيَتَكَ لِأَزْنِيَ بِهَا دَفَعْتُ لَكَ أَلْفَ أَسِيرٍ لَمْ يَحِلَّ.
أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدِهِ مُكْرَهًا لَمْ يَعْتِقْ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ الْإِكْرَاهُ بِأَخْذِ الْمَالِ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا؟ ظَاهِرُ الْقُنْيَةِ نَعَمْ وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ: إنْ يَقُلْ الْمَدْيُونُ إنِّي مُرَافِعٌ لِتُبْرِئَ فَالْإِكْرَاهُ مَعْنًى مُصَوَّرُ
وَصَحَّ قَوْلُهُ إنِّي مُرَافِعٌ إلَخْ قَدْ غَيَّرْت بَيْتَ الْوَهْبَانِيَّةِ إلَى قَوْلِي:
وَإِنْ يَقُلْ الْمَدْيُونُ إنْ لَمْ تَهَبْهُ لِي ... أُرَافِعْكَ فَالْإِكْرَاهُ مَعْنًى مُصَوَّرُ
فِي الِاسْتِحْسَانِ إسْلَامُ مُكْرَهٍ ... وَلَا قَتْلَ إنْ يَرْتَدَّ بَعْدُ وَيُجْبَرُ
اهـ مِنْهُ.
كِتَابُ
الْحَجْرِ . (هُوَ) لُغَةً: الْمَنْعُ
ــ
[رد المحتار]
نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ شَبْعَانًا فَقَدْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ فَيُضَمِّنُ الْآمِرَ بَزَّازِيَّةٌ مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ شَبْعَانًا) صَرَفَهُ لِأَنَّ مُؤَنَّثَهُ قَابِلٌ لِلتَّاءِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: لِامْتِنَاعِ الْكَذِبِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لَا يَسَعُهُ، أَيْ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ حُجَّةٌ عَلَى الْخَلْقِ فَلَا يُبَاحُ الْكَذِبُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ يَسَعُهُ خَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَحِلَّ) أَيْ دَفْعُ الْجَارِيَةِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ إكْرَاهًا حَتَّى يُرَخَّصَ لَهَا الزِّنَا، وَلَمْ يُكْرَهْ عَلَى الدَّفْعِ.
وَأَمَّا الْأُسَارَى فَاَللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى تَخْلِيصِهِمْ وَتَصْبِيرِهِمْ عَلَى بَلِيَّتِهِمْ ط. (قَوْلُهُ: لَمْ يَعْتِقْ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُفْسِدُهُ الْإِكْرَاهُ كَمَا مَرَّ، وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ لِيُقِرَّ بِطَلَاقٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ أَوْ نَسَبٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ خَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: ظَاهِرُ الْقُنْيَةِ نَعَمْ) وَعِبَارَتُهَا ف ع مُتَغَلِّبٌ قَالَ لِرَجُلٍ: إمَّا أَنْ تَبِيعَنِي هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَدْفَعَهَا إلَى خَصْمِك فَبَاعَهَا مِنْهُ، فَهُوَ بَيْعُ مُكْرَهٍ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَحْقِيقُ مَا أَوْعَدَهُ، قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِأَخْذِ الْمَالِ إكْرَاهٌ شَرْعًا وَفِي ب ط أَلْفَاظٌ مُتَعَارِضَةُ الدَّلَالَةِ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ رِوَايَةً إلَّا هَذَا الْقَدْرَ اهـ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ كُلَّ الْمَالِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ مَا يُخَالِفُهُ. وَفِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إنْ هَدَّدَ السُّلْطَانُ وَصِيَّ يَتِيمٍ بِمُلْجِئٍ لِيَدْفَعَ مَالِهِ إلَيْهِ فَفَعَلَ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ بِأَخْذِ مَالِ نَفْسِهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَأْخُذُ بَعْضَ مَالِهِ وَيَتْرُكُ مَا يَكْفِيهِ لَا يَسَعُهُ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ مِثْلَهُ وَإِنْ خَشِيَ أَخْذَ جَمِيعَ مَالِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَإِنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ بِنَفْسِهِ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا. (قَوْلُهُ: إنِّي مُرَافِعٌ) أَيْ مَرَافِعُك لِلْحَاكِمِ أَيْ وَكَانَ ظَالِمًا يُؤْذِي بِمُجَرَّدِ الشِّكَايَةِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: لِتُبْرِئَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِلْمُرَافَعَةِ وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: إنْ لَمْ تُبْرِئْنِي أُرَافِعْك فَالْعِلَّةُ عَدَمُ الْإِبْرَاءِ، وَيُمْكِنُ جَعْلُهُ عِلَّةً لِقَوْلِهِ وَإِنْ يَقُلْ لَكِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ لِيُبْرِئَ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَصَحَّ) إلَى آخِرِ الْبَيْتِ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ الْمَارِّ وَإِسْلَامُهُ سِوَى قَوْلِهِ وَيُجْبَرُ أَيْ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْحَبْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْحَجْرِ]
أَوْرَدَهُ بَعْدَ الْإِكْرَاهِ، لِأَنَّ فِي كُلٍّ سَلْبَ وِلَايَةِ الْمُخْتَارِ عَنْ الْجَرْيِ عَلَى مُوجَبِ الِاخْتِيَارِ، وَالْإِكْرَاهُ أَقْوَى، لِأَنَّ فِيهِ السَّلْبَ مِمَّنْ لَهُ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ وَوِلَايَةٌ كَامِلَةٌ فَكَانَ بِالتَّقْدِيمِ أَحْرَى. (قَوْلُهُ: هُوَ لُغَةً الْمَنْعُ) يُقَالُ حَجَرَ عَلَيْهِ حَجْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ مَنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ، فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَالْفُقَهَاءُ يَحْذِفُونَ الصِّلَةَ تَخْفِيفًا وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَطِيمُ حِجْرًا بِالْكَسْرِ،
стр. 3585
مُطْلَقًا وَشَرْعًا: (مَنْعٌ مِنْ نَفَاذِ تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ) لَا فِعْلِيٍّ لِأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْحَجْرُ عَنْهُ.
قُلْت: يُشْكِلُ عَلَيْهِ الرَّقِيقُ لِمَنْعِ نَفَاذِ فِعْلِهِ فِي الْحَالِ بَلْ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ
ــ
[رد المحتار]
لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْكَعْبَةِ وَكَذَا الْعَقْلُ لِمَنْعِهِ مِنْ الْقَبَائِحِ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) وَلَوْ عَنْ الْفِعْلِ أَوْ عَمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ ط. (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا مَنْعٌ مِنْ نَفَاذِ تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ) أَيْ مِنْ لُزُومِهِ فَإِنَّ عَقْدَ الْمَحْجُورِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا، وَالنَّافِذُ أَعَمُّ مِنْ اللَّازِمِ قُهُسْتَانِيٌّ. وَقَدَّمْنَا مَا فِيهِ فِي الْإِكْرَاهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّصَرُّفِ فَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ سِوَى الْعُقُودِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرِّ، مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَلْغُو أَصْلًا كَطَلَاقِ الصَّبِيِّ، وَقَدْ يَصِحُّ كَطَلَاقِ الْعَبْدِ فَالْمُنَاسِبُ فِي تَعْرِيفِهِ مَا فِي الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ: وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعٍ مَخْصُوصٍ بِشَخْصٍ مَخْصُوصٍ عَنْ تَصَرُّفٍ مَخْصُوصٍ أَوْ عَنْ نَفَاذِهِ. وَتَفْصِيلُهُ أَنَّهُ مَنْعٌ لِلرَّقِيقِ عَنْ نَفَاذِ تَصَرُّفِهِ الْفِعْلِيِّ الضَّارِّ وَإِقْرَارِهِ بِالْمَالِ فِي الْحَالِ، وَلِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ عَنْ أَصْلِ التَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ إنْ كَانَ ضَرَرًا مَحْضًا وَعَنْ وَصْفِ نَفَاذِهِ إنْ كَانَ دَائِرًا بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ اهـ وَكَتَبَ فِي هَامِشِهِ الْحَجْرُ عَلَى مَرَاتِبَ: أَقْوَى وَهُوَ الْمَنْعُ عَنْ أَصْلِ التَّصَرُّفِ، وَمُتَوَسِّطٌ وَهُوَ الْمَنْعُ عَنْ وَصْفِهِ وَهُوَ النَّفَاذُ، وَضَعِيفٌ وَهُوَ الْمَنْعُ عَنْ وَصْفِ وَصْفِهِ وَهُوَ كَوْنُ النَّفَاذِ حَالًّا اهـ وَقَدْ أَدْخَلَ فِي التَّعْرِيفِ الْمَنْعَ عَنْ الْفِعْلِ كَمَا تَرَى، وَدَخَلَ فِيهِ نَحْوُ الزِّنَا وَالْقَتْلِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ، فَإِنَّهُ إنْ جَعَلَ الْحَجْرَ هُوَ الْمَنْعَ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّصَرُّفِ، فَمَا وَجْهُ تَقْيِيدِهِ بِالْقَوْلِيِّ وَنَفْيِ الْفِعْلِيِّ، مَعَ أَنَّ لِكُلٍّ حُكْمًا؟ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا اسْتَشْكَلَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَصْلِهِ. وَأَمَّا مَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ نَقُولُ الْكَلَامُ فِي مَنْعِ حُكْمِهِ لَا مَنْعِ ذَاتِهِ، وَمِثْلُهُ الْقَوْلُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِذَاتِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ بَلْ رَدُّ حُكْمِهِ.
فَإِنْ قُلْت: قَيَّدَ بِالْقَوْلِيِّ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ لَا يُحْجَرُ عَنْهَا كُلِّهَا فَإِنَّ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ مِنْهَا يُؤَاخَذُ بِهَا. قُلْت: وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ بَعْضُهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْهُ كَاَلَّذِي تَمَحَّضَ نَفْعًا كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِمَنْعِ نَفَاذِ فِعْلِهِ فِي الْحَالِ) كَاسْتِهْلَاكِهِ لِلْأَمْوَالِ فَإِنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ مَنْعُ النَّفَاذِ فِي الْحَالِ، مَعَ أَنَّهُ فِعْلٌ لَا قَوْلٌ، وَنَفَاذُهُ فِي الْمَآلِ لَا يُنَافِي وُجُودَ الْمَنْعِ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ قَوْلُنَا مَحْجُورٌ عَنْ الْإِقْرَارِ مَثَلًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَافْهَمْ وَهَذَا مِنْ الْمَنْعِ عَنْ وَصْفِ الْوَصْفِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: بَلْ بَعْدَ الْعِتْقِ إلَخْ) أَيْ بَلْ يَنْفُذُ بَعْدَهُ، لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ كَانَ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ هُوَ إقْرَارُهُ بِالْمَالِ كَمَا يَأْتِي وَكَذَا مُطَالَبَتُهُ بِالْمَهْرِ لَوْ تَزَوَّجَ بِلَا إذْنِ مَوْلَاهُ وَدَخَلَ بِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِرِضَاهَا صَارَتْ رَاضِيَةً بِتَأْخِيرِ الْمَهْرِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَدَائِعِ تَبَعًا لِابْنِ الْكَمَالِ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ، فَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ التَّبْيِينِ وَالدُّرَرِ، وَيُخَالِفُهُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ فِي الْحَالِ بِمَا اسْتَهْلَكَهُ. وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الْمَأْذُونِ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْوَلْوَالِجِيَّة ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّقْلَ مُسْتَفِيضٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالضَّمَانِ فِي الْحَالِ فَيُبَاعُ أَوْ يَفْدِيهِ الْمَوْلَى اهـ مُلَخَّصًا. وَمِثْلُهُ فِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ السِّرَاجِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ الْكَفَالَةِ: فَإِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ يُوفِي ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ وَإِلَّا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ بِدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ الْمَوْلَى اهـ وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ أَمْرِ الْغَيْرِ بِالْجِنَايَةِ رَامِزًا لِبَكْرٍ خُوَاهَرْ زَادَهْ: عَبْدٌ مَحْجُورٌ جَنَى عَلَى مَالٍ فَبَاعَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ، فَهُوَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ يُبَاعُ فِيهَا عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ التَّاسِعِ مِنْ الْجِنَايَاتِ فَرَّقَ بَيْنَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ وَبَيْنَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ، فَفِي الْأَوَّلِ خُيِّرَ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ وَفِي الثَّانِي خُيِّرَ بَيْنَ الدَّفْعِ
стр. 3586
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ فِيهِ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أُخِّرَ لِعِتْقِهِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ فَتَأَمَّلْ.
(وَسَبَبُهُ صِغَرٌ وَجُنُونٌ) يَعُمُّ الْقَوِيَّ وَالضَّعِيفَ كَمَا فِي الْمَعْتُوهِ وَحُكْمُهُ كَمُمَيِّزٍ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَأْذُونِ (وَرِقٌّ فَلَا يَصِحُّ طَلَاقُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ مَغْلُوبٍ) أَيْ لَا يُفِيقُ بِحَالٍ وَأَمَّا الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَحُكْمُهُ كَمُمَيِّزٍ نِهَايَةٌ (وَ) لَا (إعْتَاقُهُمَا
ــ
[رد المحتار]
وَالْبَيْعِ اهـ. (قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ) أَيْ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْإِشْكَالِ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُؤْتَى فِي صَدْرِ جَوَابٍ فِيهِ ضَعْفٌ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى صِحَّتَهُ. (قَوْلُهُ: الْأَصْلُ فِيهِ ذَلِكَ) أَيْ الْأَصْلُ فِي فِعْلِهِ النَّفَاذُ فِي الْحَالِ لِمَا يَأْتِي أَنَّ الرِّقَّ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْحَجْرِ فِي الْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ) أَيْ النَّفَاذَ أُخِّرَ لِعِتْقِهِ أَيْ لِوَقْتِ عِتْقِهِ أَوْ إلَيْهِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَسَبَبُهُ صِغَرٌ وَجُنُونٌ) اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ ﵎ جَعَلَ بَعْضَ الْبَشَرِ ذَوِي النُّهَى، وَجَعَلَ مِنْهُمْ أَعْلَامَ الدِّينِ وَأَئِمَّةَ الْهُدَى وَمَصَابِيحَ الدُّجَى، وَابْتَلَى بَعْضَهُمْ بِمَا شَاءَ مِنْ أَسْبَابِ الرَّدَى كَالْجُنُونِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ الْعَقْلِ وَالصِّغَرِ وَالْعَتَهِ الْمُوجِبَيْنِ لِنُقْصَانِهِ، فَجَعَلَ تَصَرُّفَهُمَا غَيْرَ نَافِذٍ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِمَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ مُعَامَلَتُهُمَا ضَرَرًا عَلَيْهِمَا بِأَنْ يَسْتَجِرَّ مَنْ يُعَامِلُهُمَا مَالَهُمَا بِاحْتِيَالِهِ الْكَامِلِ، وَجَعَلَ مَنْ يَنْظُرُ فِي مَالِهِمَا خَاصًّا كَالْأَبِ وَعَامًّا كَالْقَاضِي، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ النَّظَرَ لَهُمَا، وَجَعَلَ الصِّبَا وَالْجُنُونَ سَبَبًا لِلْحَجْرِ عَلَيْهِمَا كُلَّ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنْهُ وَلُطْفًا، وَالرِّقُّ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْحَجْرِ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ كَامِلُ الرَّأْيِ كَالْحُرِّ غَيْرَ أَنَّهُ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكُ الْمَوْلَى، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِأَجْلِ حَقِّ الْمَوْلَى وَالْإِنْسَانُ إذَا مُنِعَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، لَا يُقَالُ إنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلِهَذَا يُؤْخَذُ الْعَبْدُ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى وَلِعَدَمِ نُفُوذِهِ فِي الْحَالِ، وَتَأَخُّرُهُ إلَى مَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ جَعَلَهُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: يَعُمُّ الْقَوِيَّ وَالضَّعِيفَ) أَشَارَ إلَى أَنَّ سَبَبَ الْحَجْرِ هُوَ مُطْلَقُ الْجُنُونِ كَمَا فِي الْإِيضَاحِ، وَأَرَادَ بِالْقَوِيِّ الْمُطْبِقَ وَبِالضَّعِيفِ غَيْرَهُ، أَوْ أَرَادَ بِالْقَوِيِّ الْقِسْمَيْنِ وَبِالضَّعِيفِ الْعَتَهَ فَقَوْلُهُ " كَمَا فِي الْمَعْتُوهِ " الْكَافُ فِيهِ لِلتَّنْظِيرِ عَلَى الْأَوَّلِ. وَلِلتَّمْثِيلِ عَلَى الثَّانِي تَأَمَّلْ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْمَعْتُوهِ وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ هُوَ مَنْ كَانَ قَلِيلَ الْفَهْمِ مُخْتَلِطَ الْكَلَامِ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ وَلَا يَشْتُمُ كَمَا يَفْعَلُ الْمَجْنُونُ دُرَرٌ. (قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ كَمُمَيِّزٍ) أَيْ حُكْمُ الْمَعْتُوهِ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَفِي رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ طَلَاقُ صَبِيٍّ) أَيْ وَلَوْ مُمَيِّزًا. (قَوْلُهُ: وَمَجْنُونٍ مَغْلُوبٍ إلَخْ) قَدْ يُذْكَرُ هَذَا الْقَيْدُ وَيُرَادُ بِهِ الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ، فَيُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْمَعْتُوهِ كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ بِحَالٍ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَنْ صَارَ مَغْلُوبًا لِلْجُنُونِ، بِحَيْثُ لَا يُفِيقُ أَيْ لَا يَزُولُ عَنْهُ مَا بِهِ مِنْ الْجُنُونِ قَوِيًّا كَانَ أَوْ ضَعِيفًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَعْتُوهُ وَيُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ عَلَى مَا يَأْتِي فَمَنْ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَعْتُوهِ فَقَدْ وَهِمَ لِظَنِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْكَلَامَيْنِ وَاحِدٌ مَعَ أَنَّ طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ أَيْضًا لَا يَصِحُّ كَذَا أَفَادَهُ ابْنُ الْكَمَالِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَحُكْمُهُ كَمُمَيِّزٍ) وَمِثْلُهُ فِي الْمِنَحِ وَالدُّرَرِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَكَذَا فِي الْمِعْرَاجِ حَيْثُ فَسَّرَ الْمَغْلُوبَ بِاَلَّذِي لَا يَعْقِلُ أَصْلًا ثُمَّ قَالَ: وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمَجْنُونِ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَيَقْصِدُهُ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ كَتَصَرُّفِ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ عَلَى مَا يَجِيءُ فَيَتَوَقَّفُ إلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ اهـ وَهَذَا هُوَ الْمَعْتُوهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكِفَايَةِ، وَجَعَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ كَالْعَاقِلِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ كَالْعَاقِلِ الْبَالِغِ، وَبِهِ اعْتَرَضَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ عَلَى الدُّرَرِ، فَلَا تَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُهُ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا الرَّحْمَتِيُّ وَالسَّائِحَانِيُّ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَامَّ الْعَقْلِ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى مَا إذَا كَانَ تَامَّ الْعَقْلِ، وَوَفَّقَ الشَّلَبِيُّ فِي حَاشِيَةِ الزَّيْلَعِيِّ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِإِفَاقَتِهِ وَقْتٌ مَعْلُومٌ، وَمَا فِي شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ: أَيْ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَا يَتَحَقَّقُ صَحْوُهُ. أَقُولُ: وَاَلَّذِي يَحُلُّ عُقْدَةَ الْإِشْكَالِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ
стр. 3587
وَإِقْرَارُهُمَا) نَظَرًا لَهُمَا.
(وَصَحَّ طَلَاقُ عَبْدٍ وَإِقْرَارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ) لَا سَيِّدِهِ (فَلَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ أُخِّرَ إلَى عِتْقِهِ) لَوْ لِغَيْرِ مَوْلَاهُ وَلَوْ لَهُ هَدَرٌ (وَبِحَدٍّ وَقَوَدٍ أُقِيمَ فِي الْحَالِ) لِبَقَائِهِ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّهِمَا.
(وَمَنْ عَقَدَ) عَقْدًا يَدُورُ بَيْنَ نَفْعٍ وَضَرٍّ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَأْذُونِ (مِنْهُمْ) .
ــ
[رد المحتار]
ابْنِ الْكَمَالِ فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْمَغْلُوبِ مَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ: أَيْ الَّذِي لَا يَعْقِلُ أَصْلًا فَيُرَادُ بِاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ نَاقِصُ الْعَقْلِ وَهُوَ الْمَعْتُوهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَغَيْرُهُ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَجْنُونُ الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ، وَهُوَ الْمَعْتُوهُ الَّذِي يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ قَدْ يَعْقِلُ الْبَيْعَ، وَيَقْصِدُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُرَجِّحُ الْمَصْلَحَةَ عَلَى الْمَفْسَدَةِ اهـ. وَمَعْنَى إفَاقَتِهِ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَعْقِلُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ، وَالْمَعْتُوهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ كَمُمَيِّزٍ كَمَا مَرَّ فَلِهَذَا جَعَلَهُ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ مِثْلَهُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ لَا يُفِيقُ مِنْ جُنُونِهِ الْكَامِلِ أَوْ النَّاقِصِ، فَيُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّنْ يُفِيقُ أَحْيَانًا أَيْ يَزُولُ عَنْهُ مَا بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا كَالْعَاقِلِ الْبَالِغِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَهُوَ مَحْمَلُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ، وَمَنْشَأُ الِاشْتِبَاهِ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْقِيقَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: فَحُكْمُهُ كَعَاقِلٍ أَيْ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ لِيَظْهَرَ لِلتَّقْيِيدِ بِالْمَغْلُوبِ فَائِدَةٌ فَإِنَّهُ حَيْثُ كَانَ غَيْرُ الْمَغْلُوبِ كَمُمَيِّزٍ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَلَا إعْتَاقُهُ كَالْمَغْلُوبِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ النِّهَايَةِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِعِبَارَةِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ لَمْ يُخَصِّصْ فِيهَا بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ بِالذِّكْرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْتَرَزَ بِالْمَغْلُوبِ فِي عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ عَنْ الْمَعْتُوهِ وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ عَنْ الَّذِي زَالَ مَا بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: وَإِقْرَارُهُمَا) أَيْ الْمَغْلُوبِ وَالصَّبِيِّ، وَالْمُرَادُ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ، فَلَوْ مَأْذُونًا يَصِحُّ إقْرَارُهُ كَالْمَعْتُوهِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ كَمَا يَأْتِي آخِرَ كِتَابِ الْمَأْذُونِ. (قَوْلُهُ: نَظَرًا لَهُمَا) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ طَلَاقُ عَبْدٍ) لِأَنَّهُ أَهْلٌ وَيَعْرِفُ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَلَا تَفْوِيتُ مَنَافِعِهِ دُرَرٌ. (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ) قِيلَ: الْوَاجِبُ إسْقَاطُهُ لِيَكُونَ التَّفْصِيلُ الْآتِي بَيَانًا لِإِجْمَالِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ اهـ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لَا سَيِّدِهِ) أَيْ لَا فِي حَقِّ سَيِّدِهِ رِعَايَةٌ لِجَانِبِهِ لِأَنَّ نَفَاذَهُ لَا يُعَرَّى عَنْ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ أَوْ كَسْبِهِ، وَكِلَاهُمَا إتْلَافُ مَالِهِ دُرَرٌ. (قَوْلُهُ: فَلَوْ أَقَرَّ) أَيْ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ إقْرَارِ الْحُرِّ الصَّغِيرِ عَدَمُ صِحَّةِ إقْرَارِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ بِالْأَوْلَى. (وَقَوْلُهُ: أُخِّرَ إلَى عِتْقِهِ) لِوُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ حِينَئِذٍ وَارْتِفَاعِ الْمَانِعِ. (قَوْلُهُ: هَدَرٌ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَعْدَ عِتْقِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ مَالًا دُرَرٌ. (قَوْلُهُ: وَبِحَدٍّ وَقَوَدٍ) أَيْ بِمَا يُوجِبُهُمَا، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " وَلِهَذَا أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ " أُقِيمَ ". (قَوْلُهُ: أُقِيمَ فِي الْحَالِ) وَحَضْرَةُ الْمَوْلَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَهَذَا إذَا أَقَرَّ وَأَمَّا إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَحَضْرَةُ الْمَوْلَى شَرْطٌ عِنْدَنَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَيْسَتْ بِشَرْطٍ جَوْهَرَةٌ، وَفِيهَا قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا وَوَجَبَ الْقِصَاصُ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا بَطَلَ حَقُّهُ وَانْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا وَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ مَالًا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَيَجِبُ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِأَنَّ أَصْلَ الْجِنَايَةِ كَانَ فِي حَالِ الرِّقِّ. وَلَوْ أَقَرَّ بِقَتْلِ خَطَأٍ لَمْ يَلْزَمْ الْمَوْلَى شَيْءٌ وَكَانَ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ. وَفِي الْكَرْخِيِّ إقْرَارُهُ بِجِنَايَةِ الْخَطَأِ - وَهُوَ مَأْذُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ - بَاطِلٌ فَإِنْ أُعْتِقَ لَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ مِنْ الْجِنَايَةِ اهـ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: فِي حَقِّهِمَا) أَيْ الْحَدِّ وَالْقَوَدِ لِأَنَّهُمَا مِنْ خَوَاصِّ الْآدَمِيَّةِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِهِمَا، وَإِذَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمَا يَنْفُذُ إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا هُوَ حَقُّهُ، وَبُطْلَانُ حَقِّ الْمَوْلَى ضِمْنِيٌّ كِفَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: يَدُورُ بَيْنَ نَفْعٍ وَضَرٍّ) أَمَّا النَّفْعُ الْمَحْضُ فَيَصِحُّ كَقَبُولِهِ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَكَذَا إذَا آجَرَ نَفْسَهُ وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ اسْتِحْسَانًا وَيَصِحُّ قَبُولُ بَدَلِ الْخُلْعِ مِنْ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ، وَتَصِحُّ عِبَارَةُ الصَّبِيِّ فِي مَالِ غَيْرِهِ وَطَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ إذَا كَانَ وَكِيلًا جَوْهَرَةٌ
стр. 3588
مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُورِينَ (وَهُوَ يَعْقِلُهُ) يَعْرِفُ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ لِلْمِلْكِ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ (أَجَازَ وَإِلَيْهِ، أَوْ رَدَّ) وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْهُ فَبَاطِلٌ نِهَايَةٌ.
(وَإِنْ أَتْلَفُوا) أَيْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُورِينَ سَوَاءٌ عَقَلُوا أَوْ لَا دُرَرٌ (شَيْئًا) مُقَوَّمًا مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ (ضَمِنُوا) إذْ لَا حَجْرَ فِي الْفِعْلِيِّ لَكِنَّ ضَمَانَ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى مَا مَرَّ. وَفِي الْأَشْبَاهِ: الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْمَالِ لِلْحَالِ وَإِذَا قَتَلَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ: لَوْ أَتْلَفَ مَا اقْتَرَضَهُ وَمَا أُودِعَ عِنْدَهُ بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ وَمَا أُعِيرَ لَهُ وَمَا بِيعَ مِنْهُ بِلَا إذْنٍ وَيُسْتَثْنَى مِنْ إيدَاعِهِ مَا إذَا أَوْدَعَ صَبِيٌّ مَحْجُورٌ مِثْلَهُ - وَهِيَ مِلْكُ غَيْرِهِمَا -
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُورِينَ) الْمُرَادُ الصَّبِيُّ وَالرَّقِيقُ فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] وَالْمُرَادُ أَخَوَانِ وَقِيلَ الْمُرَادُ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ الَّذِي يُفِيقُ جَوْهَرَةٌ. (قَوْلُهُ: يَعْرِفُ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ إلَخْ) سَيَأْتِي فِي الْمَأْذُونِ قَيْدٌ آخَرُ وَزَادَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ قَالَ فِي شَاهَانْ: وَمِنْ عَلَامَةِ كَوْنِهِ غَيْرَ عَاقِلٍ إذَا أَعْطَى الْحَلْوَانِيَّ فُلُوسًا فَأَخَذَ الْحَلْوَى وَبَقِيَ يَقُولُ: أَعْطِنِي فُلُوسِي وَإِنْ ذَهَبَ وَلَمْ يَسْتَرِدَّ الْفُلُوسَ فَهُوَ عَاقِلٌ اهـ. (قَوْلُهُ: أَجَازَ وَلِيُّهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ، فَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ وَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ جَوْهَرَةٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْوَلِيِّ آخِرَ الْمَأْذُونِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ إذْنُ الْقَاضِي وَإِنْ أَبَى الْأَبُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُورِينَ) صَوَابُهُ الْمَحْجُورُونَ. (قَوْلُهُ: ضَمِنُوا) فَلَوْ أَنَّ ابْنَ يَوْمٍ انْقَلَبَ عَلَى قَارُورَةِ إنْسَانٍ مَثَلًا فَكَسَرَهَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَكَذَا الْعَبْدُ وَالْمَجْنُونُ إذَا أَتْلَفَا شَيْئًا لَزِمَهُمَا ضَمَانُهُ فِي الْحَالِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْكَافِي عَزْمِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّ ضَمَانَ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ) يَعْنِي فِي إتْلَافِهِ الْمَالَ أَمَّا فِي النَّفْسِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْحَالِ إنْ جَنَى عَلَى النَّفْسِ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَيَدْفَعُ أَوْ يَفْدِي إنْ جَنَى عَلَيْهَا بِمَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ جَنَى عَلَى الطَّرَفِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ح. (قَوْلُهُ: عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ عَنْ الْبَدَائِعِ وَعَلِمْت أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا ط وَالسَّائِحَانِيُّ بِحَمْلِ مَا فِي الْبَدَائِعِ عَلَى مَا إذَا ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِ لِمَا فِي الْغَايَةِ: إذَا كَانَ الْغَصْبُ ظَاهِرًا يَضْمَنُ فِي الْحَالِ فَيُبَاعُ فِيهِ، وَلَوْ ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْعِتْقِ كَذَا قَالَ الْفَقِيهُ. (قَوْلُهُ: مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ) هَذَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّكْلِيفِ لِأَنَّ الْخِطَابَ نَوْعَانِ خِطَابُ وَضْعٍ وَخِطَابُ تَكْلِيفٍ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا قَتَلَ) أَيْ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ وَلَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالْحَجْرِ فِي هَذِهِ احْتِرَازِيًّا حَتَّى لَوْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ أَبُو السُّعُودِ عَلَى الْأَشْبَاهِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَسَائِلَ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَيَضْمَنُ أَيْ فَلَا يَضْمَنُ فِي هَذِهِ، لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ مِنْ الْمَالِكِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْأَشْبَاهِ. لَكِنْ فِي أَبِي السُّعُودِ عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّهَا ضَمَانُ عَقْدٍ عِنْدَهُمَا، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ إلْزَامِ الضَّمَانِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ضَمَانُ فِعْلٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ الْفِعْلِ اهـ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: أَوْدَعَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا مَالًا فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَضْمَنُ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالصَّبِيُّ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ اهـ فَتَأَمَّلْ وَسَنَذْكُرُ لَهُ تَتِمَّةً آخِرَ كِتَابِ الْمَأْذُونِ. (قَوْلُهُ: لَوْ أَتْلَفَ مَا اقْتَرَضَهُ) أَطْلَقَ الْجَوَابَ فِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ، وَفِي نُسَخِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَوْلُهُمَا، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: هُوَ ضَامِنٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ بِيرِيٌّ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيحٌ لِنَقْلِ الْخِلَافِ لَا لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَأَمَّلْ. قَالَ أَبُو السُّعُودِ عَنْ شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَذْهَانِ: وَلَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا سَبْقِ إيدَاعٍ أَوْ إقْرَاضٍ ضَمِنَ بِالْإِجْمَاعِ. (قَوْلُهُ: وَمَا أُودِعَ عِنْدَهُ) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا أَتْلَفَ مَا أُودِعَ عِنْدَ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَأَطْلَقَ عَدَمَ الضَّمَانِ فِي الْوَدِيعَةِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا سِوَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَبْدًا أَوْ أَمَةً وَاسْتَهْلَكَهُ يَضْمَنُ إجْمَاعًا بِيرِيٌّ عَنْ الْبَدَائِعِ قَالَ الْحَمَوِيُّ: وَفِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ لِلْأُسْرُوشَنِيِّ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: صَبِيٌّ مَحْجُورٌ أُودِعَ عَبْدًا فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الْقِيمَةُ وَلَوْ طَعَامًا فَأَكَلَهُ لَا يَضْمَنُ اهـ.
قُلْت: وَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ الضَّمَانَ إجْمَاعًا عَلَى الْعَاقِلَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ) يُغْنِي عَنْهُ مَا بَعْدَهُ فَلَوْ أَذِنَ وَلِيُّهُ فِي أَخْذِ الْوَدِيعَةِ يَضْمَنُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمُصَفَّى أَبُو السُّعُودِ. (قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ إيدَاعِهِ إلَخْ) يُسْتَثْنَى أَيْضًا مَا إذَا كَانَتْ عَبْدًا بِنَاءً عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ: مِثْلَهُ) أَيْ صَبِيًّا مَحْجُورًا وَهُوَ - بِالنَّصْبِ - مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لِ أَوْدَعَ وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ:
стр. 3589
فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الدَّافِعِ وَالْآخِذِ.
(وَلَا يُحْجَرُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ بِسَفَهٍ) هُوَ تَبْذِيرُ الْمَالِ وَتَضْيِيعُهُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ أَوْ الْعَقْلِ دُرَرٌ وَلَوْ فِي الْخَيْرِ كَأَنْ يَصْرِفَهُ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُحْجَرَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا وَتَمَامُهُ فِي فَوَائِدَ شَتَّى فِي الْأَشْبَاهِ (وَفِسْقٍ وَدَيْنٍ) وَغَفْلَةٍ (بَلْ) يُمْنَعُ (مُفْتٍ مَاجِنٌ) يُعَلِّمُ الْحِيَلَ الْبَاطِلَةَ كَتَعْلِيمِ الرِّدَّةِ لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ لِتُسْقِطَ عَنْهَا الزَّكَاةَ (وَطَبِيبٌ جَاهِلٌ وَمُكَارٍ مُفْلِسٌ
ــ
[رد المحتار]
أَيْ وَدِيعَةً. (قَوْلُهُ: فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الدَّافِعِ أَوْ الْآخِذِ) قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ " وَهِيَ مِنْ مُشْكِلَاتِ إيدَاعِ الصَّبِيِّ. وَأَجَابَ فِي الْأَشْبَاهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا التَّسْلِيطُ مِنْ مَالِكِهَا بِخِلَافِ مَا مَرَّ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وُجِدَ التَّسْلِيطُ بِنَفْسِ الدَّفْعِ إلَى الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْحَمَوِيِّ.
قُلْت: مَدْفُوعٌ إذْ لَوْ دَفَعَهُ الْمَالِكُ إلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَضْمِينُهُ كَمَا مَرَّ فِي الْمُسْتَثْنَيَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُحْجَرُ حُرٌّ إلَخْ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى حُرٍّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَجْرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ لَا يَجُوزُ بِسَبَبِ السَّفَهِ وَالدَّيْنِ وَالْفِسْقِ وَالْغَفْلَةِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ بِغَيْرِ الْفِسْقِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ بِالْكُلِّ كِفَايَةٌ، وَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَى الْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَأَخَوَيْهِ فَلَيْسَ بِحَجْرٍ اصْطِلَاحِيٍّ كَمَا يَأْتِي وَظَاهِرُ الدُّرَرِ أَنَّ عِنْدَهُمَا أَيْضًا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْعَزْمِيَّةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ هُنَا مُجْمَلٌ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: هُوَ تَبْذِيرُ الْمَالِ إلَخْ) فَارْتِكَابُ غَيْرِهِ مِنْ الْمَعَاصِي كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّفَهِ الْمُصْطَلَحِ فِي شَيْءٍ قُهُسْتَانِيٌّ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ رَشِيدًا ثُمَّ سَفِهَ لِمَا يَأْتِي مَتْنًا أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ مَالُهُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ أَوْ الْعَقْلِ) كَالتَّبْذِيرِ وَالْإِسْرَافِ فِي النَّفَقَةِ وَأَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفَاتٍ لَا لِغَرَضٍ أَوْ لِغَرَضٍ لَا يَعُدُّهُ الْعُقَلَاءُ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَةِ غَرَضًا كَدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمُغَنِّينَ وَاللَّعَّابِينَ وَشِرَاءِ الْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ بِثَمَنٍ غَالٍ وَالْغَبْنِ فِي التِّجَارَاتِ مِنْ غَيْرِ مَحْمَدَةٍ. وَأَصْلُ الْمُسَامَحَاتِ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ مَشْرُوعٌ إلَّا أَنَّ الْإِسْرَافَ حَرَامٌ كَالْإِسْرَافِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] كِفَايَةٌ. (قَوْلُهُ: فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا) مُسْتَدْرَكٌ مَعَ مَا يَأْتِي مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ التَّفْرِيعِ أَيْضًا ح. (قَوْلُهُ: وَتَمَامُهُ إلَخْ) هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْكِفَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَفِسْقٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرِ مَالٍ فَإِنَّ الْفَاسِقَ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَافِظًا لِمَالِهِ قُهُسْتَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَدَيْنٍ) وَإِنْ زَادَ عَلَى مَالِهِ وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ مِنْ الْقَاضِي الْحَجْرَ عَلَيْهِ قُهُسْتَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَغَفْلَةٍ) أَيْ لَا يُحْجَرُ عَلَى الْعَاقِلِ بِسَبَبِ غَفْلَةٍ وَهُوَ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ وَلَا يَقْصِدُهُ لَكِنَّهُ لَا يَهْتَدِي إلَى التَّصَرُّفَاتِ الرَّائِجَةِ فَيُغْبَنُ فِي الْبِيَاعَاتِ لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: بَلْ يُمْنَعُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ الْحَجْرِ، وَهُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ، لِأَنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ أَفْتَى بَعْدَ الْحَجْرِ وَأَصَابَ جَازَ، وَكَذَا الطَّبِيبُ لَوْ بَاعَ الْأَدْوِيَةَ نَفَذَ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ كَمَا فِي الدُّرَرِ عَنْ الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: مَاجِنٌ) قَالَ فِي الْجَمْهَرَةِ مَجَنَ الشَّيْءُ يَمْجُنُ مُجُونًا إذَا صَلُبَ وَغَلُظَ وَقَوْلُهُمْ رَجُلٌ مَاجِنٌ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ غِلَظِ الْوَجْهِ وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ ابْنُ كَمَالٍ. (قَوْلُهُ: كَتَعْلِيمِ الرِّدَّةِ إلَخْ) وَكَاَلَّذِي يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَطَبِيبٌ جَاهِلٌ) بِأَنْ يَسْقِيَهُمْ دَوَاءً مُهْلِكًا وَإِذَا قَوِيَ عَلَيْهِمْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَةِ ضَرَرِهِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَمُكَارٍ مُفْلِسٌ) بِأَنْ يُكْرِيَ إبِلًا وَلَيْسَ لَهُ إبِلٌ وَلَا مَالٌ لِيَشْتَرِيَهَا بِهِ، وَإِذَا جَاءَ أَوَانُ الْخُرُوجِ يُخْفِي نَفْسَهُ جَوْهَرَةٌ فَمَنْعُ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ لِلْأَدْيَانِ وَالْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ دَفْعُ إضْرَارٍ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ قِيلَ وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةٌ أُخْرَى: الْمُحْتَكِرُ، وَأَرْبَابُ الطَّعَامِ إذَا تَعَدَّوْا فِي الْبَيْعِ بِالْقِيمَةِ، وَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَبْدًا لِذِمِّيٍّ وَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ بَاعَهُ الْقَاضِي اهـ.
стр. 3590
وَعِنْدَهُمَا يُحْجَرُ عَلَى الْحُرِّ بِالسَّفَهِ وَ) الْغَفْلَةِ وَ (بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِمَا (يُفْتَى) صِيَانَةً لِمَالِهِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا الْمُفْتَى بِهِ (فَيَكُونُ فِي أَحْكَامِهِ كَصَغِيرٍ) ثُمَّ هَذَا الْخِلَافُ فِي تَصَرُّفَاتٍ تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيُبْطِلُهَا الْهَزْلُ وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَلَا يُبْطِلُهُ الْهَزْلُ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ فَلِذَا قَالَ (إلَّا فِي نِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ وَاسْتِيلَادٍ وَتَدْبِيرٍ
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: وَبَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ أَوْسَعُ مِنْ هَذَا تَأَمَّلْ نَعَمْ يَنْبَغِي ذِكْرُ الْمَرِيضِ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا فَوْقَ الثُّلُثِ. [تَنْبِيهٌ] :
يُعْلَمُ مِنْ هَذَا عَدَمُ جَوَازِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ بَعْضِ الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ مِنْ مَنْعِهِمْ مَنْ أَرَادَ الِاشْتِغَالَ فِي حِرْفَتِهِمْ وَهُوَ مُتْقِنٌ لَهَا أَوْ أَرَادَ تَعَلُّمَهَا فَلَا يَحِلُّ التَّحْجِيرُ كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا يُحْجَرُ عَلَى الْحُرِّ) أَيْ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ. قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ إلَّا بِحَجْرِ الْحَاكِمِ، وَلَا يَنْفَكُّ حَتَّى يُطْلِقَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فَسَادُهُ فِي مَالِهِ يَحْجُرُهُ وَإِصْلَاحُهُ فِيهِ يُطْلِقُهُ، وَالثَّمَرَةُ فِيمَا بَاعَهُ قَبْلَ حَجْرِ الْقَاضِي يَجُوزُ عِنْدَ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي. (قَوْلُهُ: بِالسَّفَهِ وَالْغَفْلَةِ) أَيْ وَالدَّيْنِ كَمَا يَأْتِي وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْغَفْلَةِ بِالْفَسَادِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْفِسْقَ فَافْهَمْ قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى: وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَجْرِ عِنْدَهُمَا الْقَضَاءُ بِالْإِفْلَاسِ، ثُمَّ الْحَجْرِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْحَجْرِ بِالسَّفَهِ مَعَ كَوْنِهِ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَمْوَالِ. وَأَمَّا الْحَجْرُ بِالدَّيْنِ فَيَخُصُّ الْمَالَ الْمَوْجُودَ، حَتَّى يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالٍ حَدَثَ بَعْدَهُ بِالْكَسْبِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْبُرْجُنْدِيِّ فَلْيُحْفَظْ اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: الْحَجْرُ بِالدَّيْنِ يُفَارِقُ الْحَجْرَ بِالسَّفَهِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ حَجْرَ السَّفِيهِ لِمَعْنًى فِيهِ وَهُوَ سُوءُ اخْتِيَارِهِ لَا لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ بِخِلَافِهِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَيَفْتَقِرُ لِلْقَضَاءِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَحْجُورَ بِالسَّفَهِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ وَأَدَّى لَا يَرْجِعُ بِمَا سَعَى عَلَى الْمَوْلَى بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ بِالْإِفْلَاسِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَحْجُورَ بِالدَّيْنِ لَوْ أَقَرَّ حَالَةَ الْحَجْرِ يَنْفُذُ إقْرَارُهُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ وَكَذَا حَالَةَ الْحَجْرِ فِيمَا سَيَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْمَالِ حَالَةَ الْحَجْرِ وَالْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَا حَالَ الْحَجْرِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا فِي الْمَالِ الْقَائِمِ وَلَا الْحَادِثِ اهـ مُلَخَّصًا.
قُلْت: وَيُزَادُ مَا مَرَّ مِنْ تَوَقُّفِ الْحَجْرِ بِالدَّيْنِ عَلَى الْقَضَاءِ أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِكَوْنِهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، بِخِلَافِ الْحَجْرِ بِالسَّفَهِ لِأَنَّهُ لِحَقِّهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُهُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. (قَوْلُهُ: بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِمَا يُفْتَى بِهِ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ فِي كِتَابِ الْحِيطَانِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فَيَكُونُ أَقْوَى مِنْ الِالْتِزَامِ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ: وَمُرَادُهُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْمُتُونِ مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْحَجْرِ عَلَى الْحُرِّ مُصَحَّحٌ بِالِالْتِزَامِ وَمَا وَقَعَ فِي قَاضِي خَانْ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا تَصْرِيحٌ بِالتَّصْحِيحِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَمَدَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ الْفَتْوَى مَوْلَانَا فِي فَوَائِدِهِ مِنَحٌ، وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ صَالِحٍ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ اهـ وَأَفْتَى بِهِ الْبَلْخِيّ وَأَبُو الْقَاسِمِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخَانِيَّةِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ الْآتِي " وَالْقَاضِي يَحْبِسُ الْحُرَّ الْمَدْيُونَ ". (قَوْلُهُ: كَصَغِيرٍ) أَيْ يَعْقِلُ وَمِثْلُهُ الْبَالِغُ الْمَعْتُوهُ كَمَا فِي حَوَاشِي الْأَشْبَاهِ. (قَوْلُهُ: إلَّا فِي نِكَاحٍ وَطَلَاقٍ) فَإِنْ سَمَّى جَازَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَهْرِ الْمِثْلِ وَبَطَلَ الْفَضْلُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ نِصْفُ الْمُسَمَّى، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ فِي مِقْدَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ أَوْ تَزَوَّجَ كُلَّ يَوْمٍ وَاحِدَةً فَطَلَّقَهَا لِأَنَّ التَّزَوُّجَ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَعَتَاقٍ) وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ طُورِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَاسْتِيلَادٍ) بِأَنْ وَلَدَتْ جَارِيَتُهُ فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ وَتَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ بِمَوْتِهِ وَلَا تَسْعَى هِيَ وَلَا وَلَدُهَا فِي شَيْءٍ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِ الْوَلَدِ شَاهِدٌ لَهَا؛ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ فَقَالَ هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي لَمْ تُبَعْ وَسَعَتْ بِمَوْتِهِ فِي كُلِّ قِيمَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ زَيْلَعِيٌّ وَهِيَ ثُلُثُ قِيمَتِهَا قِنًّا جَوْهَرَةٌ. (قَوْلُهُ: وَتَدْبِيرٍ) وَيَسْعَى بِمَوْتِ الْمَوْلَى غَيْرُ رَشِيدٍ فِي قِيمَتِهِ
стр. 3591
وَوُجُوبِ زَكَاةٍ) وَفِطْرَةٍ (وَحَجٍّ وَعِبَادَاتٍ وَزَوَالِ وِلَايَةِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ وَفِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ بِالْعُقُوبَاتِ وَفِي الْإِنْفَاقِ وَفِي صِحَّةِ وَصَايَاهُ بِالْقُرْبِ مِنْ الثُّلُثِ فَهُوَ) أَيْ فِي هَذِهِ (كَبَالِغٍ) وَفِي كَفَّارَةٍ كَعَبْدٍ أَشْبَاهٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَسْتَوِي فِيهِ الْهَزْلُ وَالْجِدُّ يَنْفُذُ مِنْ الْمَحْجُورِ وَمَا لَا فَلَا إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي خَانِيَّةٌ.
(فَإِنْ بَلَغَ) الصَّبِيُّ (غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ مَالُهُ
ــ
[رد المحتار]
مُدَبَّرًا وَقِيمَةُ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَا قِيمَتِهِ قِنًّا وَقِيلَ نِصْفُهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى جَوْهَرَةٌ لَكِنْ سَيَأْتِي صِحَّةُ وَصَايَاهُ بِالْقُرْبِ مِنْ الثُّلُثِ وَالتَّدْبِيرِ مِنْهَا.
وَفِي الطُّورِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ قَالَ مَشَايِخُنَا: هَذَا أَيْ سَعْيُهُ إذَا كَانَ أَهْلُ الصَّلَاحِ يَعُدُّونَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إسْرَافًا فَإِنْ كَانُوا لَا يَعُدُّونَهَا إسْرَافًا بَلْ مَعْهُودًا حَسَنًا لَا يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ. (قَوْلُهُ: وَوُجُوبِ زَكَاةٍ) وَيَدْفَعُهَا الْقَاضِي إلَيْهِ لِيُفَرِّقَهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ نِيَّتِهِ وَلَكِنْ يَبْعَثُ مَعَهُ أَمِينًا كَيْ لَا يَصْرِفَهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهَا هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَفِطْرَةٍ) فِيهِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا وَلِيُّهُ وَجَبَ الْأَدَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهَا فَلَيْسَتْ مِمَّا خَالَفَ فِيهَا الصَّغِيرُ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُخَاطَبُ بِهَا وَلِيُّهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَحَجٍّ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ عَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهَا اسْتِحْسَانًا وَلَا مِنْ الْقِرَانِ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مَنْ إفْرَادِ السَّفَرِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا، وَيُسَلِّمُ النَّفَقَةَ إلَى ثِقَةٍ لِئَلَّا يُتْلِفَهَا فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ يَدْفَعُ الْقَاضِي نَفَقَةَ الرُّجُوعِ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ؛ وَإِنْ أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ يَقْضِيهَا بَعْدَ زَوَالِهِ أَيْضًا وَتَمَامُهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ تَطَوُّعٍ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مِقْدَارَ مَا لَوْ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ، وَيُقَالُ لَهُ إنْ شِئْت فَاخْرُجْ مَاشِيًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي وَسَّعَ فِي النَّفَقَةِ فَقَالَ: أَنَا أُكْرِيَ بِذَلِكَ الْفَضْلِ وَأُنْفِقُ عَلَى نَفْسِي فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ طُورِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَعِبَادَاتٍ) أَيْ بَدَنِيَّةٍ لَا مَالِيَّةٍ وَلَا مُرَكَّبَةٍ مِنْهُمَا أَيْضًا. فَفِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ لِابْنِ السُّبْكِيّ: كُلُّ مَوْضِعٍ يُدَّعَى فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ يُرَادُ بِالْعَامِّ مَا عَدَا ذَلِكَ الْخَاصَّ؛ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُبَايِنِ قَالَ: وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ حَمَوِيٌّ وَبِهِ صَرَّحَ فِي السَّعْدِيَّةِ أَبُو السُّعُودِ.
قُلْت: فَيَكُونُ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ وَهَلْ الْأَوَّلُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي أَوْ مَجَازٌ كَالثَّانِي؟ خِلَافٌ بَيَّنْتُهُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَنَارِ أَوَّلَ بَحْثِ الْعَامِّ هَذَا وَفِي اسْتِثْنَاءِ الْحَجِّ وَالْعِبَادَاتِ نَظَرٌ فَإِنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الصَّغِيرِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ صِحَّتُهَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَزَوَالِ وِلَايَةِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ) يَعْنِي عَدَمَ وِلَايَتِهِمَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ حَمَوِيٌّ أَيْ فَإِنَّ وِلَايَتَهُمَا عَلَيْهِ ثَابِتَةٌ. (قَوْلُهُ: وَفِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ بِالْعُقُوبَاتِ) كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي نَفْسٍ أَوْ فِيمَا دُونَهَا حَمَوِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْإِنْفَاقِ) أَيْ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ مِنْ مَالِهِ شَرْحُ تَنْوِيرِ الْأَذْهَانِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي الْإِيقَافِ مَنْ أَوْقَفَ، لَكِنْ فِي الْأَشْبَاهِ أَنَّ وَقْفَهُ بَاطِلٌ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ كَانَ بِإِذْنِ الْقَاضِي فَصَحَّحَهُ الْبَلْخِيّ وَأَبْطَلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي صِحَّةِ وَصَايَاهُ بِالْقُرْبِ مِنْ الثُّلُثِ) يَعْنِي إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ كَتَبَرُّعَاتِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ كَيْ لَا يُتْلِفَ مَالَهُ وَيَبْقَى كَلًّا عَلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لَا فِيمَا يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ وَفَاتِهِ حَالَ اسْتِغْنَائِهِ وَذَلِكَ إذَا وَافَقَ وَصَايَا أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ كَالْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَوْقَافِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ. وَأَمَّا إذَا أَوْصَى بِغَيْرِ الْقُرَبِ لَا تَنْفُذُ عِنْدَنَا طُورِيٌّ. (قَوْلُهُ: كَبَالِغٍ) أَيْ غَيْرِ مَحْجُورٍ وَإِلَّا فَهُوَ بَالِغٌ ح. (قَوْلُهُ: وَفِي كَفَّارَةٍ كَعَبْدٍ) فَلَوْ حَلَفَ وَحَنِثَ أَوْ نَذَرَ نَذْرًا مِنْ هَدْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ وَيُكَفِّرُ يَمِينَهُ وَغَيْرَهَا بِالصَّوْمِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ إلَخْ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ هَذَا الْخِلَافُ إلَخْ لَكِنْ أَعَادَهُ لِقَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي وَإِنَّمَا حَصَرَهُ بِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ زَوَالِ وِلَايَةِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ مَالُهُ إلَخْ) هَذَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَسْلِيمِهِ لَهُ بَعْدَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً كَمَا يَأْتِي فَلَوْ بَلَغَ مُفْسِدًا وَحُجِرَ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فَضَاعَ ضَمِنَهُ
стр. 3592
حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمُدَّةِ (وَبَعْدَهُ يُسَلَّمُ إلَيْهِ) وُجُوبًا يَعْنِي لَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ بَعْدَ طَلَبِهِ ضَمِنَ وَقَبْلَ طَلَبِهِ لَا ضَمَانَ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا) وَقَالَا: لَا يُدْفَعُ حَتَّى يُؤْنَسَ رُشْدُهُ وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ (وَالرُّشْدُ) الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] (هُوَ كَوْنُهُ مُصْلِحًا فِي مَالِهِ فَقَطْ) وَلَوْ فَاسِقًا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
(وَالْقَاضِي يَحْبِسُ الْحُرَّ الْمَدْيُونَ لِيَبِيعَ مَالَهُ لِدَيْنِهِ وَقَضَى دَرَاهِمَ دَيْنِهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ) يَعْنِي بِلَا أَمَرَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ دَنَانِيرَ (وَبَاعَ دَنَانِيرَهُ بِدَرَاهِمِ دَيْنِهِ وَبِالْعَكْسِ اسْتِحْسَانًا) لِاتِّحَادِهِمَا فِي الثَّمَنِيَّةِ (لَا) يَبِيعُ الْقَاضِي (عَرَضَهُ وَلَا عَقَارَهُ) لِلدَّيْنِ
ــ
[رد المحتار]
الْوَصِيُّ، وَلَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَهُوَ صَبِيٌّ مُصْلِحٌ وَأَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَضَاعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخَانِيَّةِ. وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ مَعْزُوًّا للولوالجية: وَكَمَا يَضْمَنُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَهُوَ مُفْسِدٌ فَكَذَا قَبْلَ ظُهُورِ رُشْدِهِ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ اهـ.
وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ الشَّلَبِيُّ: عَمَّنْ بَلَغَتْ وَعَلَيْهَا وَصِيٌّ هَلْ يَثْبُتُ رُشْدُهَا بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَمِثْلُهُ فِي الْخَيْرِيَّةِ. وَفِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَنْ الْبَدَائِعِ لَا بَأْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَيَأْذَنَ لَهُ بِالتِّجَارَةِ لِلِاخْتِبَارِ فَإِنْ آنَسَ مِنْهُ رُشْدًا دَفَعَ إلَيْهِ الْبَاقِيَ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً) أَيْ مَا لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ قَبْلَهَا. (قَوْلُهُ: فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ قَبْلَهُ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ كَمَا فِي الْكَنْزِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ لِأَنَّ الْعَاقِلَ الْبَالِغَ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا هَذَا مَنْعٌ لِلتَّأْدِيبِ لَا حَجْرٌ صَحَّ التَّفْرِيعُ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: ضَمِنَ) أَيْ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ لِتَعَدِّيهِ فِي الْمَنْعِ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَ فَمَنَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِفَ حَالُهُ وَيُعْلَمَ رُشْدُهُ، وَصَلَاحِيَتُهُ بِالِاخْتِبَارِ فَهَلَكَ لَا يَضْمَنُ قَالَ شِهَابُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ فِي فَتَاوَاهُ: وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ إلَّا بَعْدَ الِاخْتِبَارِ فَإِذَا مَنَعَهُ لِذَلِكَ كَانَ مَنْعًا لِوَاجِبٍ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وَفِي الْخَانِيَّةِ مَا يَشْهَدُ لَهُ رَمْلِيٌّ. (قَوْلُهُ: قَالَهُ شَيْخُنَا) يَعْنِي الرَّمْلِيَّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا) لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ سِنًّا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ جَدًّا وَلِأَنَّ مَنْعَ الْمَالِ عَنْهُ لِلتَّأْدِيبِ فَإِذَا بَلَغَ هَذَا السِّنَّ فَقَدْ انْقَطَعَ رَجَاءُ التَّأَدُّبِ زَيْلَعِيٌّ مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ: وَقَالَا لَا يُدْفَعُ) أَيْ وَإِنْ صَارَ شَيْخًا وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ مِعْرَاجٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) أَيْ مَا لَمْ يُجِزْهُ الْقَاضِي عَلَى مَا مَرَّ، وَهَذِهِ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ، وَتَظْهَرُ أَيْضًا فِي الضَّمَانِ عِنْدَهُمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ بَعْدَمَا بَلَغَ هَذِهِ الْمُدَّةَ مُفْسِدًا إلَّا عِنْدَهُ. (قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ [النساء: ٦] أَيْ عَرَفْتُمْ أَوْ أَبْصَرْتُمْ ذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ط. (قَوْلُهُ: هُوَ كَوْنُهُ مُصْلِحًا فِي مَالِهِ) هُوَ مَعْنَى مَا فِي الْبِيرِيِّ عَنْ النُّتَفِ: الرَّشِيدُ عِنْدَنَا أَنْ يُنْفِقَ فِيمَا يَحِلُّ وَيُمْسِكَ عَمَّا يَحْرُمُ وَلَا يُنْفِقَهُ فِي الْبَطَالَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَلَا يَعْمَلَ فِيهِ بِالتَّبْذِيرِ وَالْإِسْرَافِ. (قَوْلُهُ: فَقَطْ) أَيْ لَا فِي دِينِهِ أَيْضًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. (قَوْلُهُ: وَلَوْ فَاسِقًا) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ فَقَطْ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْفِسْقَ الْأَصْلِيَّ وَالطَّارِئَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مُفْسِدًا لِمَالِهِ.
(قَوْلُهُ: لِيَبِيعَ مَالَهُ) أَطْلَقَ الْمَالَ فَشَمِلَ الْمَرْهُونَ وَالْمُؤَجَّرَ وَالْمُعَارَ؛ وَكُلَّ مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ رَمْلِيٌّ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْرَاهًا لِأَنَّهُ بِحَقٍّ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ إذْ هُوَ ظَالِمٌ بِالْمَنْعِ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي بِلَا أَمْرِهِ) لِأَنَّ لِلدَّائِنِ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ بِغَيْرِ رِضَا الْمَدِينِ فَكَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يُعِينَهُ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ) أَيْ كُلٌّ مِنْ مَالِهِ وَدَيْنِهِ وَفِي نُسَخٍ: كَانَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ. (قَوْلُهُ: اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَصَارَ كَالْعُرُوضِ. (قَوْلُهُ: لِاتِّحَادِهِمَا فِي الثَّمَنِيَّةِ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ، وَلِهَذَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ مَعَ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الصُّورَةِ حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَحُكْمًا لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا رِبَا الْفَضْلِ. فَبِالنَّظَرِ لِلِاتِّحَادِ يَثْبُتُ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ وَبِالنَّظَرِ لِلِاخْتِلَافِ يُسْلَبُ عَنْ الدَّائِنِ وِلَايَةُ الْأَخْذِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، بِخِلَافِ الْعُرُوضِ، لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَتَعَلَّقُ بِصُوَرِهَا وَأَعْيَانِهَا.
стр. 3593
(خِلَافًا لَهُمَا وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِمَا بِبَيْعِهِمَا لِلدَّيْنِ (يُفْتَى) اخْتِيَارٌ وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ، وَيَبِيعُ كُلَّ مَا لَا يَحْتَاجُهُ فِي الْحَالِ وَلَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الدُّيُونِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ عِلْمِ قَاضٍ فَيُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ كَمَالٍ اسْتَهْلَكَهُ إذْ لَا حَجْرَ فِي الْفِعْلِ كَمَا مَرَّ. .
ــ
[رد المحتار]
أَقُولُ: وَرَأَيْت فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ الْمُجْتَبَى رَامِزًا مَا نَصُّهُ: وَجَدَ دَنَانِيرَ مَدْيُونِهِ وَلَهُ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِاتِّحَادِهِمَا جِنْسًا فِي الثَّمَنِيَّةِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْفَارِسِيِّ فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي الْمُسَاوَمَةِ. [تَنْبِيهٌ] :
قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ نَقْلًا عَنْ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ عَنْ جَدِّهِ الْأَشْقَرِ عَنْ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِلْأَخْصَبِ: إنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْأَخْذِ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ كَانَ فِي زَمَانِهِمْ لِمُطَاوَعَتِهِمْ فِي الْحُقُوقِ، وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ لَا سِيَّمَا فِي دِيَارِنَا لِمُدَاوَمَتِهِمْ الْعُقُوقَ قَالَ الشَّاعِرُ:
عَفَاءٌ عَلَى هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّهُ ... زَمَانُ عُقُوقٍ لَا زَمَانُ حُقُوقِ
وَكُلُّ رَفِيقٍ فِيهِ غَيْرُ مُرَافِقٍ ... وَكُلُّ صَدِيقٍ فِيهِ غَيْرُ صَدُوقِ
ط.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لَهُمَا وَبِهِ يُفْتَى) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَقَالَا: يَبِيعُ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا لَا يَخْفَى ح. (قَوْلُهُ: أَيْ بِقَوْلِهِمَا بِبَيْعِهِمَا) أَيْ الْعَرَضِ وَالْعَقَارِ، وَأَشَارَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ إلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ لَا خِلَافَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: اخْتِيَارٌ) وَمِثْلُهُ فِي الْمُلْتَقَى. (قَوْلُهُ: وَيَبِيعُ كُلَّ مَا لَا يَحْتَاجُهُ فِي الْحَالِ) قَالَ فِي التَّبْيِينِ: ثُمَّ عِنْدَهُمَا يَبْدَأُ الْقَاضِي بِبَيْعِ النُّقُودِ، ثُمَّ الْعُرُوضِ، ثُمَّ الْعَقَارِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَبْدَأُ بِبَيْعِ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّوَى مِنْ عُرُوضِهِ، ثُمَّ بِمَا لَا يُخْشَى عَلَيْهِ، ثُمَّ بِالْعَقَارِ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يَبِيعُ مَا كَانَ أَنْظَرَ لَهُ وَيُتْرَكُ عَلَيْهِ دَسْتُ مِنْ ثِيَابِهِ يَعْنِي بَدْلَةً وَقِيلَ: دَسْتَانِ لِأَنَّهُ إذَا غَسَلَ ثِيَابَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَلْبَسٍ وَقَالُوا: إذَا كَانَ يَكْتَفِي بِدُونِهَا تُبَاعُ، وَيُقْضَى الدَّيْنُ بِبَعْضِ ثَمَنِهَا، وَيَشْتَرِي بِمَا بَقِيَ ثَوْبًا يَلْبَسُهُ وَكَذَا يُفْعَلُ فِي الْمَسْكَنِ وَعَنْ هَذَا قَالُوا: يَبِيعُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَالِ كَاللِّبْدِ فِي الصَّيْفِ وَالنِّطْعِ فِي الشِّتَاءِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَأَطْفَالِهِ وَأَرْحَامِهِ مِنْ مَالِهِ اهـ مُلَخَّصًا قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَى أَنْ يَسْكُنَ بِالْأُجْرَةِ كَمَا قَالُوا فِي وُجُوبِ الْحَجِّ تَأَمَّلْ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ أَقُولُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَقَارَاتُ وَقْفٍ سُلْطَانِيٍّ زَائِدَةٌ عَلَى سُكْنَاهُ أَوْ صَدَقَاتٌ فِي الدَّفَاتِرِ السُّلْطَانِيَّةِ لَا يُؤْمَرُ بِبَيْعِهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ اهـ أَيْ لَا يُؤْمَرُ بِالْفَرَاغِ عَنْهَا إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ: تَصَرُّفَاتُ الْمَحْجُورِ بِالدَّيْنِ كَالْمَرِيضِ.
(قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ بَعْدَ الدُّيُونِ) أَيْ يَقْضِيهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدُّيُونِ الَّتِي حُجِرَ لِأَجْلِهَا وَنَحْوِهَا مِمَّا ذَكَرَهُ بَعْدُ وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ اسْتَفَادَ مَالًا بَعْدَ الْحَجْرِ، وَإِلَّا فَيَقْضِي مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْهُ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَالْهِدَايَةِ، وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة وَشَرْحِ الْمُلْتَقَى وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة ثُمَّ إذَا صَحَّ الْحَجْرُ بِالدَّيْنِ صَارَ الْمَحْجُورُ كَمَرِيضٍ عَلَيْهِ دُيُونُ الصِّحَّةِ، فَكُلُّ تَصَرُّفٍ أَدَّى إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ، فَالْحَجْرُ يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ. وَأَمَّا الْبَيْعُ فَإِنْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ جَازَ وَإِنْ بِغَبْنٍ فَلَا وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ إزَالَةِ الْغَبْنِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ كَبَيْعِ الْمَرِيضِ، فَإِنْ بَاعَ مِنْ الْغَرِيمِ وَقَاصَصَهُ بِالثَّمَنِ جَازَ لَوْ الْغَرِيمُ وَاحِدًا وَإِلَّا صَحَّ الْبَيْعُ مِنْ أَحَدِهِمْ لَوْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ دُونَ الْمُقَاصَّةِ، وَكَذَا لَوْ قَضَى دَيْنَ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ كَالْمَرِيضِ اهـ مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ: بِبَيِّنَةٍ) بِأَنْ شَهِدُوا عَلَى الِاسْتِقْرَاضِ أَوْ الشِّرَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ تَتَارْخَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ عِلْمِ قَاضٍ) الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ جَوَازِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ ط. (قَوْلُهُ: كَمَالٍ اسْتَهْلَكَهُ) فَإِنَّ مَالِكَهُ يُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَهْرِ مِثْلِهَا ابْنُ مَالِكٍ وَالْمُرَادُ بِاسْتِهْلَاكِهِ الْمَالَ أَنَّهُ ثَبَتَ بِغَيْرِ إقْرَارِهِ مِمَّا مَرَّ، فَلَوْ بِهِ فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ إقْرَارِهِ بَعْدَمَا صَارَ مُصْلِحًا أَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ كَانَ حَقًّا أَوْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ يُؤَاخَذُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ كَذَلِكَ اهـ.
стр. 3594
(أَفْلَسَ وَمَعَهُ عَرَضٌ شَرَاهُ فَقَبَضَهُ بِالْإِذْنِ) مِنْ بَائِعِهِ وَلَمْ يُؤَدِّ ثَمَنَهُ (فَبَاعَهُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ) فِي ثَمَنِهِ (فَإِنْ أَفْلَسَ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ بَعْدَهُ) لَكِنْ (بِغَيْرِ إذْنِ بَائِعِهِ كَانَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ) وَحَبْسُهُ (بِالثَّمَنِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ.
(حَجَرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى) قَاضٍ (آخَرَ فَأَطْلَقَهُ) وَأَجَازَ مَا صَنَعَ الْمَحْجُورُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَهُوَ سَاقِطٌ مِنْ الدُّرَرِ وَالْمِنَحِ (جَازَ إطْلَاقُهُ) وَمَا صَنَعَ الْمَحْجُورُ فِي مَالِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ قَبْلَ إطْلَاقِ الثَّانِي أَوْ بَعْدَهُ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّ حَجْرَ الْأَوَّلِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ. [فُرُوعٌ]
يَصِحُّ الْحَجْرُ عَلَى الْغَائِبِ لَكِنْ لَا يَنْحَجِرُ مَا لَمْ يَعْلَمْ خَانِيَّةٌ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْحَجْرُ بِالرُّشْدِ بَلْ بِإِطْلَاقِ الْقَاضِي، وَلَوْ ادَّعَى الرُّشْدَ وَادَّعَى خَصْمُهُ بَقَاءَهُ عَلَى السَّفَهِ وَبَرْهَنَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ بَقَاءِ السَّفَهِ أَشْبَاهٌ،
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: أَفْلَسَ إلَخْ) أَيْ صَارَ إلَى حَالٍ لَيْسَ لَهُ فُلُوسٌ وَبَعْضُهُمْ قَالَ: صَارَ ذَا فُلُوسٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ ذَا دَرَاهِمَ مِصْبَاحٌ وَالْمُرَادُ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِتَفْلِيسِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَوِي مَعَ الْغُرَمَاءِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا فَلَوْ مُؤَجَّلًا لَمْ يُشَارِكْهُمْ وَلَكِنْ يُشَارِكُهُمْ بَعْدَ الْحُلُولِ فِيمَا قَبَضُوهُ بِالْحِصَصِ كَذَا فِي الْمَقْدِسِيَّ سَائِحَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: كَانَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ) أَيْ فِيمَا لَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ قَبْضِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَقَوْلُهُ: وَحَبَسَهُ بِالثَّمَنِ فِيمَا لَوْ أَفْلَسَ قَبْلَهُ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ عَلَى عَكْسِ التَّرْتِيبِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمَتْنِ تَبَعًا للشُّرُنبُلاليَّة، حَيْثُ نَقَلَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: فَقَدْ شَرَطَ مَعَ الْإِطْلَاقِ إجَازَةَ صُنْعِهِ اهـ.
أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْإِجَازَةَ شَرْطٌ لِجَوَازِ صُنْعِهِ لَا لِجَوَازِ الْإِطْلَاقِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ جَوَازُ الْإِطْلَاقِ فَلَا اسْتِدْرَاكَ بَلْ هُوَ إفَادَةُ حُكْمٍ آخَرَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ حَجْرَ الْأَوَّلِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ) عَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَوَّلًا بِأَنَّ الْحَجْرَ مِنْهُ فَتْوَى وَلَيْسَ بِقَضَاءٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ قَضَاءً فَنَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِمْضَاءِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: يَعْنِي حَتَّى يَلْزَمَ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ لَا يَلْزَمُ، وَلَا يَصِيرُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَنْ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ مَوْجُودًا قَبْلَ الْقَضَاءِ فَيَتَأَكَّدُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ بِالْقَضَاءِ، فَلَا يُنْقَضُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ، فَبِالْقَضَاءِ يَحْصُلُ الِاخْتِلَافُ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ آخَرَ لِيَصِيرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لِقَضَائِهِ بَعْدَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ هَذَا مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ فِيهِ إشْكَالٌ هُنَا لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَرَى حَجْرَهُ بِنَفْسِ السَّفَهِ، وَلَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ أَصْلًا فَيَصِيرُ الْقَضَاءُ بِهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَضَاءً بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فَيَتَأَكَّدُ قَوْلُهُ: بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَنَا لَا يَنْفُذُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ فَيَحْصُلُ الِاخْتِلَافُ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَرْتَفِعُ حَتَّى يُحْكَمَ بِجَوَازِ هَذَا الْقَضَاءِ اهـ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَعْلَمْ) أَيْ بِالْحَجْرِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: فَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ وَصَدَّقَهُ انْحَجَرَ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فَكَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِذْنِ وَالْحَجْرِ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ مَأْذُونًا إذَا تَرَجَّحَ الصِّدْقُ فِي خَبَرِهِ عِنْدَ الْعَبْدِ أَوْ صَدَّقَهُ، ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَالِاعْتِمَادُ خِلَافًا لِمَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا اهـ. ثُمَّ إنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِمَا مَرَّ أَنَّ السَّفِيهَ يَنْحَجِرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِلَا قَضَاءٍ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَرْتَفِعُ الْحَجْرُ بِالرُّشْدِ إلَخْ) هَذَا أَيْضًا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْجَوْهَرَةِ مَعَ بَيَانِ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ ادَّعَى الرُّشْدَ) يَعْنِي بَعْدَمَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ادَّعَى أَنَّهُ صَارَ رَشِيدًا لِيَبْطُلَ حَجْرُهُ. (قَوْلُهُ: أَشْبَاهٌ) اسْتَدَلَّ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِي الْمُحِيطِ عِنْدَ ذِكْرِهِ دَلِيلَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى أَنَّ السَّفِيهَ لَا يَنْحَجِرُ إلَّا بِحَجْرِ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ زَوَالُ السَّفَهِ، لِأَنَّ عَقْلَهُ يَمْنَعُهُ. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَكُلُّ بَيِّنَةٍ شَهِدَ لَهَا الظَّاهِرُ لَمْ تُقْبَلْ اهـ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ ظُهُورَ زَوَالِ السَّفَهِ فِيمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِ الْمُحِيطِ، أَمَّا بَعْدَ الْحُكْمِ كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَشْبَاهِ فَقَدْ تَأَكَّدَ وَثَبَتَ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَجْرَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَرْتَفِعُ عِنْدَ
стр. 3595
وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ: وَمَنْ يَدَّعِي إقْرَارَهُ قَبْلُ يُحْجَرُ فَمَنْ يَدَّعِيهِ وَقْتَهُ فَهْوَ أَجْدَرُ وَلَوْ بَاعَ وَالْقَاضِي أَجَازَ وَقَالَ لَا تُؤَدِّ فَمَا أَدَّاهُ مِنْ بَعْدُ يَخْسَرُ.
فَصْلٌ.
(بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْإِنْزَالِ) وَالْأَصْلُ هُوَ الْإِنْزَالُ (وَالْجَارِيَةِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْحَيْضِ وَالْحَبَلِ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِنْزَالَ صَرِيحًا لِأَنَّهُ قَلَّمَا يُعْلَمُ مِنْهَا (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا) شَيْءٌ (فَحَتَّى يَتِمَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِهِ يُفْتَى) لِقِصَرِ أَعْمَارِ أَهْلِ زَمَانِنَا
ــ
[رد المحتار]
أَبِي يُوسُفَ إلَّا بِالْقَضَاءِ، فَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ زَوَالَهُ لَمَا احْتَاجَ إلَيْهِ. وَلِذَا قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ: لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الْحَجْرِ مِنْ الْقَاضِي مَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ اهـ وَهَكَذَا نَقْلُ الْحَمَوِيِّ عَنْ الشَّيْخِ صَالِحٍ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الزَّوَالِ وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَرَأَيْت فِي ذَخِيرَةِ النَّاظِرِ الْجَزْمَ بِهِ، وَنَقَلَهُ أَبُو السُّعُودِ، وَأَقَرَّهُ، وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ نَرَ أَحَدًا تَابَعَ صَاحِبَ الْأَشْبَاهِ سِوَى الشَّارِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ إلَخْ) الشَّطْرُ الثَّانِي مِنْ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مُغَيَّرٌ وَأَصْلُهُ: فَمَنْ يَدَّعِي التَّأْخِيرَ لَيْسَ يُؤَخَّرُ وَ " يُحْجَرُ " فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إلَى " قَبْلُ " وَمَعْنَى الْبَيْتِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ بَعْدَ صَلَاحِهِ أَقْرَرْتُ وَأَنَا مَحْجُورٌ بِأَنِّي اسْتَهْلَكْتُ لَك كَذَا وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ حَالَ صَلَاحِك فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْكِرًا لَا مُقِرًّا وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَقْرَرْت لِي بِهِ حَالَ فَسَادِك لَكِنَّهُ حَقٌّ وَقَالَ الْمُقِرُّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقًّا فَالْقَوْلُ لَهُ وَمَعْنَى الثَّانِي لَوْ بَاعَ الْمَحْجُورُ وَأَجَازَ الْقَاضِي بَيْعَهُ لَكِنْ نَهَى الْمُشْتَرِيَ عَنْ دَفْعِ الثَّمَنِ إلَيْهِ فَدَفَعَهُ وَهَلَكَ يَضْمَنُ الثَّمَنَ لِلْقَاضِي لِأَنَّهُ لَمَّا نَهَاهُ صَارَ حَقُّ الْقَبْضِ لِلْقَاضِي، وَالْمَحْجُورُ كَالْأَجْنَبِيِّ فَلَوْ لَمْ يَنْهَهُ جَازَ لِأَنَّ فِي إجَازَتِهِ الْبَيْعَ إجَازَةً لِدَفْعِ الثَّمَنِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَكِيلٍ بِالْقَبْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ]
ِ إلَخْ
بِتَنْوِينِ " فَصْلٌ " وَ " بُلُوغُ " مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ وَمَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَ " الْجَارِيَةِ " مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى " الْغُلَامِ " أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ، وَإِنَابَتِهِ مَنَابَهُ، وَالْبُلُوغُ لُغَةً: الْوُصُولُ، وَاصْطِلَاحًا انْتِهَاءُ حَدِّ الصِّغَرِ وَلَمَّا كَانَ الصِّغَرُ أَحَدَ أَسْبَابِ الْحَجْرِ وَكَانَ لَهُ نِهَايَةٌ ذَكَرَ هَذَا الْفَصْلَ لِبَيَانِهَا، وَالْغُلَامُ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ يُطْلَقُ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ حِينِ يُولَدُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ وَعَلَى الرَّجُلِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ. (قَوْلُهُ: بِالِاحْتِلَامِ) قَالَ فِي الْمَعْدِنِ: الِاحْتِلَامُ جُعِلَ اسْمًا لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْجِمَاعِ، فَيَحْدُثُ مَعَهُ إنْزَالُ الْمَنِيِّ غَالِبًا فَغَلَبَ لَفْظُ الِاحْتِلَامِ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَامِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ اهـ ط. (قَوْلُهُ: وَالْإِنْزَالِ) بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ. (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ هُوَ الْإِنْزَالُ) فَإِنَّ الِاحْتِلَامَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَعَهُ وَالْإِحْبَالُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْجَارِيَةِ) هِيَ أُنْثَى الْغُلَامِ. (قَوْلُهُ: صَرِيحًا) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ ضِمْنًا فِي الِاحْتِلَامِ وَالْحَبَلِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ إلَخْ مُفَادُهُ: أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِنَبَاتِ الْعَانَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلَا اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا نُهُودُ الثَّدْيِ فَذَكَرَ الْحَمَوِيُّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا ثِقَلُ الصَّوْتِ كَمَا فِي شَرْحِ النَّظْمِ الْهَامِلِيِّ أَبُو السُّعُودِ وَكَذَا شَعْرُ السَّاقِ وَالْإِبِطِ وَالشَّارِبِ. (قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى) هَذَا عِنْدَهُمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ حَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. (قَوْلُهُ: لِقِصَرِ أَعْمَارِ أَهْلِ زَمَانِنَا) وَلِأَنَّ «ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ
стр. 3596
(وَأَدْنَى مُدَّتِهِ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَلَهَا تِسْعُ سِنِينَ) هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ (فَإِنْ رَاهَقَا) بِأَنْ بَلَغَا هَذَا السِّنَّ (فَقَالَا: بَلَغْنَا؛ صُدِّقَا إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمَا الظَّاهِرُ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي الْعِمَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَبَعْدَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً يُشْتَرَطُ شَرْطٌ آخَرُ لِصِحَّةِ إقْرَارِهِ بِالْبُلُوغِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ يَحْتَلِمُ مِثْلُهُ وَإِلَّا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ شَرْحُ وَهْبَانِيَّةٍ (وَهُمَا) حِينَئِذٍ (كَبَالِغٍ حُكْمًا) فَلَا يُقْبَلُ جُحُودُهُ الْبُلُوغَ بَعْدَ إقْرَارِهِ مَعَ احْتِمَالِ حَالِهِ فَلَا تُنْقَضُ قِسْمَتُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرَاهِقَيْنِ " قَدْ بَلَغْنَا " مَعَ تَفْسِيرِ كُلٍّ بِمَاذَا بَلَغَ بِلَا يَمِينٍ. وَفِي الْخِزَانَةِ أَقَرَّ بِالْبُلُوغِ فَقَبْلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً لَا تَصِحُّ الْبَيِّنَةُ وَبَعْدَهُ تَصِحُّ اهـ.
كِتَابُ
الْمَأْذُونِ (الْإِذْنُ) لُغَةً: الْإِعْلَامُ وَشَرْعًا (فَكُّ الْحَجْرِ) أَيْ فِي التِّجَارَةِ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يَنْفَكُّ
ــ
[رد المحتار]
وَسِنُّهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَرَدَّهُ، ثُمَّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَسِنُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَقَبِلَهُ» وَلِأَنَّهَا الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ عَلَى أَهْلِ زَمَانِنَا، وَغَيْرُهُمَا احْتِيَاطٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْعَادَةُ إحْدَى الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشُّمُنِّيُّ وَغَيْرُهُ دُرٌّ مُنْتَقًى. (قَوْلُهُ: وَأَدْنَى مُدَّتِهِ) أَيْ مُدَّةِ الْبُلُوغِ وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ لِلْغُلَامِ وَفِي لَهَا لِلْجَارِيَةِ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ) هُوَ اسْمُ كِتَابٍ لِلْأُسْرُوشَنِيِّ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ رَاهَقَا) يُقَالُ رَهِقَهُ أَيْ دَنَا مِنْهُ رَهَقًا، وَمِنْهُ إذَا «صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَرْهَقْهَا» ، وَصَبِيٌّ مُرَاهِقٌ مُدَانٍ لِلْحُلُمِ مُغْرِبٌ. (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمَا الظَّاهِرُ) هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْآتِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ يَحْتَلِمُ مِثْلُهُ.
وَفِي الْمِنَحِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: صَبِيٌّ أَقَرَّ أَنَّهُ بَالِغٌ وَقَاسَمَ وَصِيَّ الْمَيِّتِ قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ مُرَاهِقًا وَيَحْتَلِمُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ قِسْمَتُهُ وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا وَيُعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَحْتَلِمُ لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُكَذَّبُ ظَاهِرًا وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يَحْتَلِمُ مِثْلُهُ إذَا أَقَرَّ الْبُلُوغَ لَا يُقْبَلُ اهـ. (قَوْلُهُ: فَبَعْدَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً) ادَّعَى صَاحِبُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّ الصَّوَابَ إبْدَالُ بَعْدَ بِقَبْلَ زَعْمًا مِنْهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِغَيْرِ الْمُرَاهِقِ وَرَدَّهُ فِي نُورِ الْعَيْنِ وَنَسَبَهُ إلَى الْوَهْمِ وَقِلَّةِ الْفَهْمِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ) وَعِبَارَتُهَا يَعْنِي وَقَدْ فَسَّرَا مَا بِهِ عَلِمَا بُلُوغَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا يَمِينٌ اهـ قَالَ أَبُو السُّعُودِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِمَّا نَقَلَهُ الْحَمَوِيُّ عَنْ شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ قَوْلِهِمَا أَنْ يُبَيِّنَا كَيْفِيَّةَ الْمُرَاهَقَةِ حِينَ السُّؤَالِ عَنْهُ اهـ.
قُلْت: وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَنْ فَتَاوَى النَّسَفِيِّ عَنْ الْقَاضِي مَحْمُودٍ السَّمَرْقَنْدِيِّ أَنَّ مُرَاهِقًا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِهِ بِبُلُوغِهِ فَقَالَ بِمَاذَا بَلَغْتَ؟ قَالَ: بِاحْتِلَامٍ قَالَ: فَمَاذَا رَأَيْتَ بَعْدَمَا انْتَبَهْتَ؟ قَالَ: الْمَاءَ قَالَ: أَيُّ مَاءٍ؟ فَإِنَّ الْمَاءَ مُخْتَلِفٌ قَالَ: الْمَنِيُّ قَالَ: مَا الْمَنِيُّ؟ قَالَ: مَاءُ الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ قَالَ: عَلَى مَاذَا احْتَلَمْتَ عَلَى ابْنٍ أَوْ بِنْتٍ أَوْ أَتَانٍ قَالَ: عَلَى ابْنٍ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِقْصَاءِ فَقَدْ يُلَقَّنُ الْإِقْرَارَ بِالْبُلُوغِ كَذِبًا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذَا مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ التَّفْسِيرِ وَكَذَا جَارِيَةٌ أَقَرَّتْ بِحَيْضٍ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ مَعَ التَّفْسِيرِ أَيْ تَفْسِيرِ مَا بَلَغَ بِهِ مِنْ احْتِلَامٍ أَوْ إحْبَالٍ فَقَطْ بِلَا هَذَا الِاسْتِقْصَاءِ. (قَوْلُهُ: لَا تَصِحُّ الْبَيِّنَةُ) صَوَابُهُ أَلْبَتَّةَ مِنْ الْبَتِّ وَهُوَ الْقَطْعُ كَمَا جَاءَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَقَدْ وُجِدَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ.
[كِتَابُ الْمَأْذُونِ]
أَيْ الْإِذْنِ فَهُوَ مَصْدَرٌ كَمَعْسُورٍ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ صِفَةٌ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ لِحَذْفِ الْمُضَافِ وَالصِّلَةِ فِي الْكَرْمَانِيِّ يُقَالُ مَأْذُونٌ لَهُ أَوْ لَهَا وَتَرْكُ الصِّلَةِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَقَرَّهُ الْقُهُسْتَانِيُّ دُرٌّ مُنْتَقًى. وَتَقْدِيرُ الْمُضَافِ إذْنُ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ الْأَفْعَالِ لَا عَنْ الذَّوَاتِ وَفِي الْمِصْبَاحِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَحْذِفُونَ الصِّلَةَ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، وَأَوْرَدَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَقْتَضِي سَبْقَ الْحَجْرِ (قَوْلُهُ الْإِذْنُ لُغَةً الْإِعْلَامُ) تَبِعَ الزَّيْلَعِيَّ وَالنِّهَايَةَ
стр. 3597
عَنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِي غَيْرِ بَابِ التِّجَارَةِ ابْنُ كَمَالٍ (وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ) الْمُسْقِطُ هُوَ الْمَوْلَى لَوْ الْمَأْذُونُ رَقِيقًا وَالْوَلِيُّ لَوْ صَبِيًّا وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ هُوَ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ (ثُمَّ يَتَصَرَّفُ) الْعَبْدُ (لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ فَلَا يَتَوَقَّتُ) بِوَقْتٍ وَلَا يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِ إسْقَاطًا (وَلَا يَرْجِعُ بِالْعُهْدَةِ عَلَى سَيِّدِهِ) لِفَكِّهِ الْحَجْرَ (فَلَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ) تَفْرِيعٌ عَلَى فَكِّ الْحَجْرِ (يَوْمًا) أَوْ شَهْرًا (صَارَ مَأْذُونًا مُطْلَقًا حَتَّى يُحْجَرَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَاتِ لَا تَتَوَقَّتُ (وَلَمْ يَتَخَصَّصْ بِنَوْعٍ فَإِذَا أَذِنَ فِي نَوْعٍ عَمَّ إذْنُهُ فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا) لِأَنَّهُ فَكُّ الْحَجْرِ لَا تَوْكِيلٌ.
ــ
[رد المحتار]
قَالَ الطُّورِيُّ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ: الْإِذْنُ هُوَ الْإِطْلَاقُ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْحَجْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ فَكَانَ إطْلَاقًا عَنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ رَفْعٌ لِمَنْ هُوَ مَحْجُورٌ عَنْهُ وَإِعْلَامٌ بِإِطْلَاقِهِ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ مِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشَّيْءِ إذْنًا وَأَبْعَدَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ الْإِعْلَامُ، وَمِنْهُ الْأَذَانُ وَهُوَ الْإِعْلَامُ،؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْ أَذِنَ فِي كَذَا إذَا أَبَاحَهُ وَالْأَذَانُ مِنْ أَذِنَ بِكَذَا إذَا أَعْلَمَ اهـ وَفِي أَبِي السُّعُودِ: قَالَ قَاضِي زَادَهْ فِي التَّكْمِلَةِ: لَمْ أَرَ قَطُّ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَجِيءَ الْإِذْنِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ (قَوْلُهُ عَنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ لَفْظَةِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ كَذَلِكَ ح (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ بَابِ التِّجَارَةِ) كَالتَّزَوُّجِ وَالتَّسَرِّي وَالْإِقْرَاضِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ) كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ فَكُّ الْحَجْرِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ لَيْسَ فِيهِ إسْقَاطُ حَقٍّ سَعْدِيَّةٌ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ يَعْنِي حَقَّ الْمَنْعِ لَا حَقَّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِإِذْنِ الْعَبْدِ غَيْرُ صَحِيحٍ،؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى لَا يَسْقُطُ بِالْإِذْنِ، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُ مِنْ كَسْبِهِ جَبْرًا عَلَى مَا سَيَأْتِي اهـ (قَوْلُهُ هُوَ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ) سَتَأْتِي ثَمَرَةُ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ يَتَصَرَّفُ) عُطِفَ عَلَى الْمَعْنَى فَكَأَنَّهُ قَالَ: إذَا أَذِنَ الْمَوْلَى يَنْفَكُّ الْعَبْدُ مِنْ الْحَجْرِ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ إلَخْ ابْنُ كَمَالٍ (قَوْلُهُ الْعَبْدُ) إنَّمَا خَصَّ الْبَيَانُ بِهِ لِخَفَاءِ الْحَالِّ فِيهِ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ مُشْتَرَكٌ ابْنُ كَمَالٍ (قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ) أَيْ لَا لِسَيِّدِهِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِجُمْلَتِهِ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى، فَإِذَا تَعَذَّرَ مِلْكُهُ لَمَّا تَصَرَّفَ فِيهِ يَخْلُفُهُ الْمَوْلَى فِي الْمِلْكِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ بِأَهْلِيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ بَعْدَ الرِّقِّ،؛ لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ كَلَامٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا لِصُدُورِهِ عَنْ تَمْيِيزٍ، وَمَحَلُّ التَّصَرُّفِ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِالْتِزَامِ الْحُقُوقِ وَهُمَا لَا يَفُوتَانِ بِالرِّقِّ،؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ كَرَامَاتِ الْبَشَرِ وَهُوَ بِالرِّقِّ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَشَرًا إلَّا أَنَّهُ حُجِرَ عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْمَوْلَى، كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ لِضَعْفِ ذِمَّتِهِ بِالرِّقِّ، حَتَّى لَا يَجِبَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ إلَّا وَهُوَ شَاغِلٌ لِرَقَبَتِهِ، فَإِذَا أَذِنَ الْمَوْلَى فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فَكَانَ الْعَبْدُ مُتَصَرِّفًا بِأَهْلِيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ) أَيْ وَلَا بِمَكَانٍ قُهُسْتَانِيٌّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة هَذَا إذَا صَادَفَ الْإِذْنُ عَبْدًا مَحْجُورًا، أَمَّا إذَا صَادَفَ عَبْدًا مَأْذُونًا يَتَخَصَّصُ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَقَالَ: اشْتَرِ لِي بِهِ الطَّعَامَ فَاشْتَرَى الْعَبْدُ الرَّقِيقَ يَصِيرَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﵀ (قَوْلُهُ تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِ إسْقَاطًا) فَإِنَّ الْإِسْقَاطَاتِ لَا تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ، كَمَا يَأْتِي كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ إسْقَاطًا لَمَا مَلَكَ نَهْيَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ بِإِسْقَاطٍ فِي حَقِّ مَا لَمْ يُوجَدْ، فَيَكُونُ النَّهْيُ امْتِنَاعًا عَنْ الْإِسْقَاطِ فِيمَا لَمْ يُوجَدْ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا يَرْجِعُ بِالْعُهْدَةِ) أَيْ بِحَقِّ التَّصَرُّفِ كَطَلَبِ الثَّمَنِ وَغَيْرِهِ، وَالْعُهْدَةُ فُعَّلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ عَهِدَهُ لَقِيَهُ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِفَكِّهِ الْحَجْرَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا يَرْجِعُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَكُّ الْحَجْرِ، وَجَعَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ تَفْرِيعًا عَلَى كَوْنِ تَصَرُّفِهِ لِنَفْسِهِ
(قَوْلُهُ تَفْرِيعٌ عَلَى فَكِّ الْحَجْرِ) فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى التَّفْرِيعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَلَا يَتَوَقَّفُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَاتِ لَا تَتَوَقَّتُ) ؛ لِأَنَّهَا تَتَلَاشَى عِنْدَ وُقُوعِهَا (قَوْلُهُ فَإِذَا أَذِنَ فِي نَوْعِ إلَخْ) سَوَاءٌ سَكَتَ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ نَهَى بِطَرِيقِ الصَّرِيحِ نَحْوُ: أَنْ يَأْذَنَ فِي شِرَاءِ الْبَزِّ وَقَالَ لَا تَشْتَرِ غَيْرَهُ اهـ تَتَارْخَانِيَّةٌ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فَكُّ الْحَجْرِ لَا تَوْكِيلٌ) أَعَادَهُ وَإِنْ مَرَّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى ثَمَرَةِ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فَافْهَمْ
стр. 3598
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِذْنَ بِالتَّصَرُّفِ النَّوْعِيِّ إذْنٌ بِالتِّجَارَةِ وَبِالشَّخْصِيِّ اسْتِخْدَامٌ
(وَيَثْبُتُ) الْإِذْنُ (دَلَالَةً فَعَبْدٌ رَآهُ سَيِّدُهُ يَبِيعُ مِلْكَ أَجْنَبِيٍّ) فَلَوْ مِلْكَ مَوْلَاهُ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ بِالنُّطْقِ بَزَّازِيَّةٌ وَدُرَرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِنَحِ التَّخْصِيصُ قَدْ لَا يَكُونُ مُفِيدًا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِخْدَامَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ ذَلِكَ إذْنًا لَانْسَدَّ بَابُ الِاسْتِخْدَامِ لِإِفْضَائِهِ إلَى أَنَّ مَنْ أَمَرَ عَبْدَهُ بِشِرَاءِ بَقْلٍ بِفَلْسَيْنِ كَانَ مَأْذُونًا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِدُيُونٍ تَسْتَغْرِقُ رَقَبَتَهُ وَيُؤْخَذُ بِهَا فِي الْحَالِ، فَلَا يَتَجَرَّأُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِخْدَامِ عَبْدِهِ فِيمَا اشْتَدَّ لَهُ حَاجَتُهُ،؛ لِأَنَّ غَالِبَ اسْتِعْمَالِ الْعَبِيدِ فِي شِرَاءِ الْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ فَاصِلٍ بَيْنَ الِاسْتِخْدَامِ وَالْإِذْنِ بِالتِّجَارَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَذِنَ بِتَصَرُّفٍ مُكَرَّرٍ صَرِيحًا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اشْتَرِ لِي ثَوْبًا وَبِعْهُ أَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ وَاشْتَرِ بِثَمَنِهِ، أَوْ دَلَالَةً كَأَدِّ إلَيَّ الْغَلَّةَ كُلَّ شَهْرٍ أَوْ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْمَالَ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّكَسُّبِ وَهُوَ دَلَالَةُ التَّكْرَارِ وَلَوْ قَالَ: أَقْعِدْ صَبَّاغًا أَوْ قَصَّارًا،؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ بِشِرَاءِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ دَلَالَةً، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْأَنْوَاعِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْعَمَلِ الْمَذْكُورِ كَانَ ذَلِكَ إذْنًا، وَإِنْ أَذِنَ بِتَصَرُّفٍ غَيْرِ مُكَرَّرٍ كَطَعَامِ أَهْلِهِ وَكِسْوَتِهِمْ لَا يَكُونُ إذْنًا كَمَا قَرَّرْنَاهُ. وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ صَرَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
فَإِنْ قُلْت: يُنْتَقَضُ هَذَا الْأَصْلُ بِمَا إذَا غَصَبَ الْعَبْدُ مَتَاعًا، وَأَمَرَهُ مَوْلَاهُ بِبَيْعِهِ فَإِنَّهُ إذْنٌ فِي التِّجَارَةِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ بِعَقْدٍ مُكَرَّرٍ. قُلْت: أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْعَقْدِ الْمُكَرَّرِ دَلَالَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ بَاطِلٌ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ؛ وَالْإِذْنُ قَدْ صَدَرَ مِنْهُ صَرِيحًا فَإِذَا بَطَلَ التَّقْيِيدُ ظَهَرَ الْإِطْلَاقُ اهـ وَكَلَامُ الْهِدَايَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْفَاصِلَ هُوَ التَّصَرُّفُ النَّوْعِيُّ وَالشَّخْصِيُّ وَالْإِذْنُ بِالْأَوَّلِ إذْنٌ دُونَ الثَّانِي فَتَأَمَّلْ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَكَلَامُ الْوِقَايَةِ يُفِيدُهُ اهـ
(قَوْلُهُ وَيَثْبُتُ الْإِذْنُ دَلَالَةً إلَخْ) فِي الْحَقَائِقِ إنَّمَا يُجْعَلُ سُكُوتُ الْمَوْلَى إذْنًا إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ نَفْيَ الْإِذْنِ حَالَةَ السُّكُوتِ كَقَوْلِهِ: إذَا رَأَيْتُمْ عَبْدِي يَتَّجِرُ فَسَكَتَ، فَلَا إذْنَ لَهُ بِالتِّجَارَةِ، ثُمَّ رَآهُ يَتَّجِرُ فَسَكَتَ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ فَعَبْدٌ رَآهُ سَيِّدُهُ إلَخْ) عَبْدٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَأْذُونٌ، وَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ لِوُقُوعِهِ مَوْصُوفًا وَأَفَادَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ إذَا رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ وَسَكَتَ، فَإِنَّ سُكُوتَهُ لَا يَكُونُ إذْنًا لَهُ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ وَصَاحِبُهُ يَنْظُرُ وَهُوَ سَاكِتٌ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالضَّمَانِ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَلْيَنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ فِي الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ وَلَوْ شَقَّ زِقَّ غَيْرِهِ فَسَالَ مَا فِيهِ وَهُوَ سَاكِتٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ رِضًا. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى الْإِتْلَافِ الْغَيْرِ الْمُمْكِنِ تَدَارُكُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ بَزَّازِيَّةٌ) عِبَارَتُهَا وَإِنْ رَآهُ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ فَسَكَتَ فَأَذِنَ إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ وَلَكِنَّهُ فِيمَا بَاعَ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ بِالنُّطْقِ اهـ (قَوْلُهُ وَدُرَرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ) فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ اضْطِرَابٌ، فَإِنَّهُ قَالَ أَوَّلَ الْبَابِ: رَأَى الْمَوْلَى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ، فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا، وَقَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ وَلَوْ رَآهُ فِي حَانُوتِهِ فَسَكَتَ حَتَّى بَاعَ مَتَاعًا كَثِيرًا كَانَ إذْنًا، وَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ الْعَبْدِ ذَلِكَ الْمَتَاعَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى عَبْدِ رَجُلٍ مَتَاعًا لِيَبِيعَهُ فَبَاعَ فَرَآهُ الْمَوْلَى وَلَمْ يَنْهَهُ كَانَ إذْنًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ اهـ حَمَوِيٌّ.
أَقُولُ: لَا اضْطِرَابَ فِي كَلَامِهِ، فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ إذْنًا فِي ذَلِكَ الْبَيْعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، فَلَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ صَارَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ بَعْدَهُ كَمَا فَسَّرَهُ كَلَامُهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ، وَإِنَّمَا نَفَذَ الْبَيْعُ فِي مَتَاعِ الْأَجْنَبِيِّ لِإِذْنِهِ أَيْ الْأَجْنَبِيِّ فِيهِ وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا فِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَنْ الْبَدَائِعِ: رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ صَارَ مَأْذُونًا عِنْدَنَا إلَّا فِي الْبَيْعِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الطُّورِيَّ وُفِّقَ كَذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِعِبَارَةِ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا، وَاعْتَرَضَ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ قَالَ:
стр. 3599
لَكِنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِالتَّسْوِيَةِ ابْنُ الْكَمَالِ وَصَاحِبُ الْمُلْتَقَى وَرَجَّحَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ بِأَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ أَوْلَى بِمَا فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى فَلْيُحْفَظْ (وَيَشْتَرِي) مَا أَرَادَ (وَسَكَتَ) السَّيِّدُ (مَأْذُونٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْلَى قَاضِيًا أَشْبَاهٌ وَلَكِنْ (لَا) يَكُونُ مَأْذُونًا (فِي) بَيْعِ (ذَلِكَ الشَّيْءِ) أَوْ شِرَائِهِ فَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ ذَلِكَ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ
ــ
[رد المحتار]
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا هَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ: إذَا رَأَى عَبْدًا يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا اهـ فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ فَهِمَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ اهـ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: وَلَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ بِالنُّطْقِ مَعْنَاهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْبَيْعُ بِخُصُوصِهِ عَلَى الْمَوْلَى، وَإِنْ صَارَ الْعَبْدُ بِهِ مَأْذُونًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ إذْنًا لَهُ كَمَا فَهِمَهُ الْمُحَشِّي وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي كَوْنِهِ مَأْذُونًا بَيْنَ كُلِّ الْمَبِيعِ مِلْكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا الْفَرْقُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ الْبَيْعِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ، فَإِنْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ وَإِنْ لِلْمَوْلَى فَلَا إلَّا بِالنُّطْقِ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِّ أَقْدَامِ الْأَفْهَامِ (قَوْلُهُ لَكِنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ) أَيْ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ كَمَا سَمِعْت عِبَارَتَهُ وَالِاسْتِدْرَاكُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ مُخَالَفَةِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ مَأْذُونًا بَعْدَ السُّكُوتِ مُطْلَقًا.
وَإِنَّمَا أَفَادَ فِي الْخَانِيَّةِ شَيْئًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ بِخُصُوصِهِ أَوْ مِلْكًا لِلْمَوْلَى وَإِلَّا جَازَ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ) أَيْ رَجَّحَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ الْكَمَالِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَالِ الْمَوْلَى وَغَيْرِهِ. وَنَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَثَرَ الْإِذْنِ يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ وَغَابَ عَنْهُ أَنَّهُ مُرَادُ قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ وَعَلَى مَا مَرَّ، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَبَيْنَ مَا فِي الْفَتَاوَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ (قَوْلُهُ وَيَشْتَرِي مَا أَرَادَ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ بِقَرِينَةِ قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ أَوْ شِرَائِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْمِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّرَاءِ مَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ الْمُشْتَرَى وَلَوْ مُحَرَّمًا وَلِذَلِكَ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَيَشْتَرِي وَلَوْ كَانَ خَمْرًا ط (قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْلَى قَاضِيًا) قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: وَقَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي الرَّمْزِ: ظَهَرَ لِي فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ مِمَّنْ لَا يُبَاشِرُ الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَدُلُّ مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْمَالِ مِنْ عَبْدِهِ عَلَى إذْنِهِ لِقُوَّةِ احْتِمَالِ التَّوْكِيلِ اهـ فَأَفَادَ هَذَا التَّعْلِيلُ أَنَّ الْقَاضِيَ ذُكِرَ لِلتَّمْثِيلِ فَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَنْ لَا يُبَاشِرُ الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ أَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الظَّهِيرِيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَذَكَرَهَا قَاضِي خَانْ لَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ الْقَاضِي: إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا اهـ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ إطْلَاقَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى قَاضِيًا أَوْ لَا، وَأَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى اهـ وَأَقَرَّهُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ.
وَأَقُولُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِهِ الْمَارِّ كَمَا عَلِمْت فَيَكُونُ مَأْذُونًا بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ يَصْلُحُ وَجْهًا لِتَنْصِيصِهِ عَلَى الْقَاضِي، مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ السَّابِقِ، يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ عَبْدِ الْقَاضِي كَغَيْرِهِ وَإِنْ قَوِيَ احْتِمَالُ كَوْنِهِ وَكِيلًا عَنْهُ، فَلَا يُنَافِي إطْلَاقَ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا فَعَلَ فِي الْأَشْبَاهِ: ثُمَّ رَأَيْت الطُّورِيَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَفَهِمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنَّ سُكُوتَ الْقَاضِي لَا يَكُونُ إذْنًا بِخِلَافِ سُكُوتِ الْمَوْلَى كَمَا فَهِمَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ كَفَهْمِ الزَّيْلَعِيِّ الْمَارِّ وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قُلْنَاهُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ لَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ) فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا بَاعَ مِلْكَ
стр. 3600
أَنْ يَصِيرَ مَأْذُونًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مَأْذُونًا وَهُوَ بَاطِنٌ.
قُلْت: لَكِنْ قَيَّدَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ مَعْزِيًّا لِلذَّخِيرَةِ بِالْبَيْعِ دُونَ الشِّرَاءِ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ. أَيْ فَيَصِحُّ فِيهِ أَيْضًا وَعَلَيْهِ فَيُفْتَقَرُ إلَى الْفَرْقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(وَ) يَثْبُتُ (صَرِيحًا فَلَوْ أَذِنَ مُطْلَقًا) بِلَا قَيْدٍ (صَحَّ كُلُّ تِجَارَةٍ مِنْهُ إجْمَاعًا) أَمَّا لَوْ قَيَّدَ فَعِنْدَنَا يَعُمُّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (فَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَلَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ) خِلَافًا لَهُمَا
ــ
[رد المحتار]
الْأَجْنَبِيِّ، وَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُ السَّيِّدِ إذْنًا فِي بَيْعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، حَتَّى يَصِحَّ نَفْيُهُ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ ذَلِكَ الْمَتَاعِ، لَكِنَّهُ شَرْحٌ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبْرِزَهُ فِي قَالِبِ الِاعْتِرَاضِ ح.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ مَأْذُونًا فِي بَيْعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَوْ بَاعَ مِلْكَ الْمَوْلَى أَمَّا لَوْ بَاعَ مِلْكَ الْأَجْنَبِيِّ بِإِذْنِهِ نَفَذَ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَنَفَاذُهُ لَا بِسُكُوتِ الْمَوْلَى بَلْ بِأَمْرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَهَلْ الْعُهْدَةُ عَلَى الْعَبْدِ، أَوْ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ ذَخِيرَةٌ وتتارخانية لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ السِّرَاجِ يُفِيدُ عَدَمَ الْفَرْقِ، فَإِنَّهُ قَالَ وَلَوْ رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ صَارَ مَأْذُونًا، وَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّصَرُّفُ الَّذِي شَاهَدَهُ الْمَوْلَى إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ بِالْقَوْلِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا بَاعَهُ لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ وَيَصِيرُ مَأْذُونًا فِيمَا يَتَصَرَّفُ بَعْدَ هَذَا اهـ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ التَّعْمِيمُ إلَى قَوْلِهِ صَارَ مَأْذُونًا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ الْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَلَا يُنَافِي مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مَأْذُونًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ إلَّا إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِحَضْرَتِهِ لَا قَبْلَهُ فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَا يَنْفُذُ (قَوْلُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ (قَوْلُهُ مَعْزِيًّا لِلذَّخِيرَةِ) نَصُّ عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ هَكَذَا، وَإِذَا رَأَى عَبْدَهُ يَشْتَرِي بِمَالِهِ يَعْنِي بِمَالِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَنْهَهُ فَهَذَا مِنْ الْمَوْلَى إذْنٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَمَا اشْتَرَاهُ فَهُوَ لَازِمٌ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَرِدَّ مَالَهُ ثُمَّ إذَا اسْتَرَدَّ الْمَوْلَى مَالَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَرَضًا أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ اهـ. (قَوْلُهُ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِمَالِ بِالْبَاءِ بَدَلٍ مِنْ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْفَرْقِ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْفَاءِ ط وَلَعَلَّ الْفَرْقَ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْفُضُولِيِّ مِنْ أَنَّ الشِّرَاءَ أَسْرَعُ نَفَاذًا فَتَأَمَّلْ ح.
قُلْت: وَفِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى لِدُخُولِ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِهِ وَفِي صُورَةِ الْبَيْعِ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ لِزَوَالِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِهِ اهـ وَنَقَلَ مِثْلَهُ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي كُلٍّ إدْخَالًا وَإِخْرَاجًا. أَقُولُ: إنْ كَانَ الثَّمَنُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا يُشْكِلُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، بَلْ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَلِذَا لَوْ اسْتَرَدَّ الْمَوْلَى لَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا فَيُشْكِلُ،؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مُقَايَضَةٍ وَالثَّمَنُ فِيهَا مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ الْمَوْلَى، وَقَدْ مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مَأْذُونًا بَعْدَهُ وَجَوَابُهُ: أَنَّ اللَّازِمَ مَا اشْتَرَاهُ الْعَبْدُ، وَأَمَّا مَا دَفَعَهُ مِنْ مِلْكِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْمَوْلَى، وَلِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ فَإِذَا أَجَازَ مَا صَنَعَ الْعَبْدُ وَلَمْ يَسْتَرِدَّهُ نَفَذَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَصَارَ مَأْذُونًا فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالسَّابِقَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي
(قَوْلُهُ بِلَا قَيْدٍ) بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ بِأَنْ قَالَ لَهُ أَذِنْت لَك فِي التِّجَارَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا بِنَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ صَحَّ كُلُّ تِجَارَةٍ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ أَمَّا لَوْ قَيَّدَ) أَيْ بِنَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ أَوْ بِوَقْتٍ أَوْ بِمُعَامَلَةِ شَخْصٍ زَيْلَعِيٌّ، أَوْ بِمَكَانٍ كَمَا مَرَّ وَأَمَّا لَوْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) أَيْ وَلِزُفَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَوْكِيلٌ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَنَا إسْقَاطٌ ط كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا نَهَاهُ عَنْ الْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ أَوْ أَطْلَقَ لَهُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنَحٌ (قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا) وَعَلَى
стр. 3601
(وَيُوَكَّلُ بِهِمَا وَيَرْهَنُ وَيَرْتَهِنُ وَيُعِيرُ الثَّوْبَ وَالدَّابَّةَ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ
(وَيُصَالِحُ عَنْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَى عَبْدِهِ وَيَبِيعُ مِنْ مَوْلَاهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَ) أَمَّا (بِأَقَلَّ) مِنْهَا فَ (لَا وَ) يَبِيعُ (مَوْلَاهُ مِنْهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ وَلِلْمَوْلَى حَبْسُ الْمَبِيعِ لِقَبْضِ ثَمَنِهِ) مِنْ الْعَبْدِ (وَيَبْطُلُ الثَّمَنُ) خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ مَعْزِيًّا لِلْمُحِيطِ (لَوْ سَلَّمَ) الْمَبِيعَ (قَبْلَ قَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ فَخَرَجَ مَجَّانًا حَتَّى لَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا لَمْ يَبْطُلْ لِتَعَيُّنِهِ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ الْمَأْذُونُ مَدْيُونًا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ نِهَايَةٌ (وَلَوْ بَاعَ الْمَوْلَى مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ حَطَّ الزَّائِدَ أَوْ فَسْخَ الْعَقْدَ) أَيْ يُؤْمَرُ السَّيِّدُ بِأَنْ يَفْعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا
ــ
[رد المحتار]
هَذَا الْخِلَافِ بَيْعُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ الْمَأْذُونِ لَهُمَا زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَيُوَكَّلُ بِهِمَا) أَيْ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ زَادَ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، وَيُسَلِّمُ وَيَقْبَلُ السَّلَمَ وَفِي التَّبْيِينِ وَلَهُ الْمُضَارَبَةُ أَخْذًا وَدَفْعًا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ) يَصْلُحُ عِلَّةً لِلْجَمِيعِ حَتَّى لِلْغَبْنِ الْفَاحِشِ، فَإِنَّهُ مِنْ صَنِيعِهِمْ اسْتِجْلَابًا لِلْقُلُوبِ وَيَبِيعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فِي صَفْقَةٍ، وَيَرْبَحُ فِي أُخْرَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَفِيهِ لَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ وَحَابَى فِيهِ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ كَانَ فَمِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي الْحُرِّ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَلَا وَارِثَ لِلْعَبْدِ وَالْمَوْلَى رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ بِالْإِذْنِ، بِخِلَافِ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي أَدِّ جَمِيعَ الْمُحَابَاةِ وَإِلَّا فَرُدَّ الْمَبِيعَ كَمَا فِي الْحُرِّ وَهَذَا لَوْ الْمَوْلَى صَحِيحًا، وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ مُحَابَاةُ الْعَبْدِ إلَّا مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَوْلَى،؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِاسْتِدَامَةِ الْإِذْنِ بَعْدَمَا مَرِضَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فَصَارَ تَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِهِ وَالْفَاحِشُ مِنْ الْمُحَابَاة وَغَيْرِ الْفَاحِشِ فِيهِ سَوَاءٌ فَلَا يَنْفُذُ الْكُلُّ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ اهـ مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ وَيُصَالِحُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِبَدَلِ الصُّلْحِ وَلَهُ الشِّرَاءُ ط (قَوْلُهُ فَلَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً فَلَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُمْ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَقَالَا يَجُوزُ وَلَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَلَكِنْ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ أَنْ يُزِيلَ الْغَبْنَ أَوْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ عَلَى أَصْلِهِمَا لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَهُوَ آذِنٌ فِيمَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ غَيْرَ أَنَّ إزَالَةَ الْمُحَابَاةِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ. وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ قِيلَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ وَالْأَصَحُّ أَنْ قَوْلَهُ كَقَوْلِهِمَا فَصَارَ تَصَرُّفُهُ مَعَ مَوْلَاهُ كَتَصَرُّفِ الْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ وَالْيَسِيرُ سَوَاءٌ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِمَا زَيْلَعِيٌّ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ الثَّمَنُ) وَإِذَا بَطَلَ الثَّمَنُ صَارَ كَأَنَّهُ بَاعَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَمُرَادُهُ بِبُطْلَانِ الثَّمَنِ بُطْلَانُ تَسْلِيمِهِ وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلِلْمَوْلَى اسْتِرْجَاعُ الْمَبِيعِ جَوْهَرَةٌ، لَكِنْ فِي التَّبْيِينِ بَعْدَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْعَبْدَ بِشَيْءٍ،؛ لِأَنَّهُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ وَإِنْ عِنْدَهُمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِعَيْنِهِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ إلَى أَنْ قَالَ: هَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ قَائِمًا وَيَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ اهـ. وَكَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ بُطْلَانُ الثَّمَنِ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ هَذَا: إذَا اسْتَهْلَكَ الْعَبْدُ الْمَبِيعَ فَلَوْ قَائِمًا فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَرِدَّهُ إلَخْ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ الثَّمَنُ وَإِنْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الْبَيْعَ وَيَتَأَخَّرَ وُجُوبُ الثَّمَنِ دَيْنًا كَمَا تَأَخَّرَ فِي الْمَبِيعِ بِالْخِيَارِ إلَى وَقْتِ سُقُوطِهِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ كَلَامُ شَارِحِ الْمَجْمَعِ. وَرَأَيْت بِهَامِشِهِ مَا نَصُّهُ: فِيهِ نَظَرٌ،؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ إنَّمَا حَكَمَ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ الْعَبْدِ لَا بِعَدَمِ سُقُوطِ الثَّمَنِ عَنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ بَيْعِ مَوْلَاهُ مِنْهُ كَمَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ ح
(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ دَيْنٌ، وَبَيَانٌ لِمَفْهُومِهِ،؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ لَمَّا تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ مَلَكَهُ بِعَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَيْنُ مِلْكِهِ فِي يَدِ عَبْدِهِ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ وَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ بَيْعُ الْعَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ وَعَكْسُهُ بِالْقِيمَةِ أَوَّلًا (قَوْلُهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ) لِعَدَمِ
стр. 3602
لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ (فِيمَا كَانَ مِنْ التِّجَارَةِ وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ بِحَقٍّ مَا (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مَوْلَاهُ) وَلَوْ مَحْجُورًا لَا تُقْبَلُ يَعْنِي لَا تُقْبَلُ عَلَى مَوْلَاهُ بَلْ عَلَيْهِ فَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَوْ حَضَرَا مَعًا فَإِنَّ الدَّعْوَى بِاسْتِهْلَاكِ مَالٍ أَوْ غَصْبِهِ قَضَى عَلَى الْمَوْلَى وَإِنْ بِاسْتِهْلَاكِ وَدِيعَةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ عَلَى الْمَحْجُورِ تُسْمَعُ عَلَى الْعَبْدِ.
وَقِيلَ عَلَى الْمَوْلَى وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْعَبْدِ بِحَقٍّ لَمْ يَقْضِ عَلَى الْمَوْلَى مُطْلَقًا وَتَمَامُهُ فِي الْعِمَادِيَّةِ
(وَيَأْخُذُ الْأَرْضَ إجَارَةً وَمُسَاقَاةً وَمُزَارَعَةً وَيَشْتَرِي بَذْرًا يَزْرَعُهُ) وَيُؤَاجِرُ وَيُزَارِعُ (وَيُشَارِكُ عِنَانًا) لَا مُفَاوَضَةً
ــ
[رد المحتار]
الْفَائِدَةِ،؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَالُ الْمَوْلَى وَلَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ التِّجَارَةِ) لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ وَقَالَ ط: لَمْ أَرَ مَفْهُومَ التَّقْيِيدِ بِهِ، وَلَعَلَّهُ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْمَبِيعِ إذَا كَانَ لِلْأَكْلِ أَوْ لِلُّبْسِ فَإِنَّهُ لَا فَسْخَ فِيهِ وَحَرِّرْهُ اهـ (قَوْلُهُ بِحَقٍّ مَا) كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَشِرَاءٍ أَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِغَصْبٍ أَوْ اسْتِهْلَاكٍ وَدِيعَةٍ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ عِمَادِيَّةٌ. أَيْ وَيُؤَاخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَالِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ يَعْنِي لَا تُقْبَلُ عَلَى مَوْلَاهُ) حَتَّى لَا يُخَاطَبَ الْمَوْلَى بِبَيْعِ الْعَبْدِ عِمَادِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ حَضَرَا) أَيْ الْمَوْلَى وَالْمَحْجُورُ (قَوْلُهُ قُضِيَ عَلَى الْمَوْلَى) فَيُخَاطَبُ بِبَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَحْجُورِ) مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ (قَوْلُهُ تُسْمَعُ عَلَى الْعَبْدِ) أَيْ فَيُؤَاخَذُ بَعْدَ عِتْقِهِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ عَلَى الْمَوْلَى) قَائِلُهُ أَبُو يُوسُفَ وَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمَا كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَكِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَحَضَرَهُ الْمَوْلَى شَرْطٌ إلَّا عِنْدَ الثَّانِي (قَوْلُهُ وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْعَبْدِ) أَيْ الْمَحْجُورِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُضْمَرِ مَكَانَ الْمُظْهَرِ أَمَّا إقْرَارُ الْمَأْذُونِ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا تُقْبَلُ عَلَى الْمَوْلَى وَسَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ (قَوْلُهُ لَمْ يَقْضِ عَلَى الْمَوْلَى) أَيْ بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى عِتْقِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَوَّلَ كِتَابِ الْحَجْرِ لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِمَالٍ أُخِّرَ إلَى عِتْقِهِ لَوْ لِغَيْرِ مَوْلَاهُ، وَلَوْ لَهُ هَدْرٌ وَبِحَدٍّ وَقَوَدٍ أُقِيمَ فِي الْحَالِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَالْمَحْجُورُ يُؤَاخَذُ بِأَفْعَالِهِ لَا بِأَقْوَالِهِ إلَّا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ كَالْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ. وَحَضْرَةُ الْمَوْلَى لَا تُشْتَرَطُ، وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ، أَمَّا الْإِقْرَارُ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ الدَّفْعَ أَوْ الْفِدَاءَ لَا يَصِحُّ مَحْجُورًا أَوْ مَأْذُونًا، وَإِقْرَارُ الْمَحْجُورِ بِالدَّيْنِ وَالْغَصْبِ وَعَيْنِ مَالٍ لَا يَصِحُّ وَفِي الْمَأْذُونِ يَصِحُّ وَيُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمَأْذُونُ بِمَهْرِ امْرَأَتِهِ أَوْ صَدَقَةٍ يُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ اهـ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا عِمَادِيَّةٌ
(قَوْلُهُ وَمُزَارَعَةً) فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيَأْخُذُهَا مُزَارَعَةً وَيَدْفَعُهَا مُطْلَقًا كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُ أَوْ لَا اهـ. وَهِيَ فِي الْمَعْنَى إيجَارٌ أَوْ اسْتِئْجَارٌ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهَا فَكَانَتْ مِنْ التِّجَارَةِ (قَوْلُهُ وَيُؤَاجِرُ وَيُزَارِعُ) يَعْنِي لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْضَ إجَارَةً وَمُزَارَعَةً (قَوْلُهُ وَيُشَارِكُ عِنَانًا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ شَرِكَةُ الْعِنَانِ إنَّمَا تَصِحُّ مِنْهُ إذَا اشْتَرَكَ مُطْلَقًا عَنْ ذِكْرِ الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ، أَمَّا لَوْ اشْتَرَكَ الْعَبْدَانِ الْمَأْذُونَانِ شَرِكَةَ عِنَانٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ مِنْ ذَلِكَ النَّسِيئَةُ، وَجَازَ النَّقْدُ،؛ لِأَنَّ فِي النَّسِيئَةِ مَعْنَى الْكَفَالَةِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُمَا الْمَوْلَيَانِ فِي الشَّرِكَةِ عَلَى الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِمَا فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ أَذِنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَاهُ بِالْكَفَالَةِ أَوْ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى بِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، فَلَا تَجُوزُ الْمُفَاوَضَةُ؛ لِأَنَّ إذْنَ الْمَوْلَى بِالْكَفَالَةِ لَا يَجُوزُ فِي التِّجَارَاتِ كَذَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ آخِرًا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَأْذُونُ مَدْيُونًا ح (قَوْلُهُ لَا مُفَاوَضَةً) لِعَدَمِ مِلْكِهِ
стр. 3603
وَيَسْتَأْجِرُ وَيُؤَجِّرُ وَلَوْ نَفْسَهُ وَيُقِرُّ بِوَدِيعَةٍ وَغَصْبٍ وَدَيْنٍ وَلَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ (لِغَيْرِ زَوْجٍ وَوَلَدٍ وَوَالِدٍ) وَسَيِّدٍ فَإِنَّ إقْرَارَهُ لَهُمْ بِالدَّيْنِ بَاطِلٌ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا دُرَرٌ وَلَوْ بِعَيْنٍ صَحَّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَدْيُونًا وَهْبَانِيَّةٌ
(وَيُهْدِي طَعَامًا يَسِيرًا)
ــ
[رد المحتار]
الْكَفَالَةَ فَمُفَاوَضَتُهُ تَنْقَلِبُ عِنَانًا بَزَّازِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَيَسْتَأْجِرُ وَيُؤَجِّرُ) أَيْ يَسْتَأْجِرُ أُجَرَاءَ. وَيُؤَجِّرُ غِلْمَانَهُ وَيَسْتَأْجِرُ الْبُيُوتَ وَالْحَوَانِيتَ، وَيُؤَجِّرُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ تَحْصِيلِ الْمَالِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَفْسَهُ) أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ ﵀ (قَوْلُهُ وَيُقِرُّ بِوَدِيعَةٍ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَمْ يُعَامِلْهُ أَحَدٌ زَيْلَعِيٌّ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَأْذُونَ بِالتِّجَارَةِ مَأْذُونٌ بِأَخْذِ الْوَدِيعَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ فِي وَدِيعَةِ الْحَقَائِقِ خِلَافُهُ قُهُسْتَانِيٌّ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا أَقَرَّ لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ، وَمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا وَمَا إذَا كَانَ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ صِحَّةِ مَوْلَاهُ أَوْ مَرَضِهِ وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَإِذَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ بِدَيْنٍ أَوْ بِعَيْنٍ لِرَجُلٍ جَازَ بِقَدْرِ مَا فِي يَدِهِ فَقَطْ اهـ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ يَجُوزُ إلَّا فِيمَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) أَيْ إذَا كَانَ الْإِقْرَارُ فِي صِحَّتِهِ فَلَوْ فِي الْمَرَضِ قَدَّمَ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ كَمَا فِي حَقِّ الْحُرِّ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ مِنْ دُيُونِهِ وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى أَوْ لَا وَمَا لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ كَالْمَحْجُورِ زَيْلَعِيٌّ وَالْأَوَّلُ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ، وَالثَّانِي بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ. وَمِثَالُ الثَّانِي: إقْرَارُهُ بِمَهْرِ امْرَأَتِهِ أَوْ بِجِنَايَةٍ كَمَا مَرَّ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ. وَفِي الطُّورِيِّ عَنْ الْمَبْسُوطِ: لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْلَاهُ فَعَلَى أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَوْلَى دَيْنُ الصِّحَّةِ جُعِلَ كَأَنَّ الْمَوْلَى أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ وَيَبْدَأُ بِدَيْنِ الصِّحَّةِ. الثَّانِي: عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ وَلَا دَيْنَ عَلَى الْمَوْلَى فِي صِحَّتِهِ فَإِقْرَارُ الْعَبْدِ بِهِ صَحِيحٌ،؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْجَرُ فِي مَرَضِ سَيِّدِهِ لَوْ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنُ صِحَّةٍ مُحِيطٍ بِمَالِهِ وَرَقَبَةِ الْعَبْدِ وَمَا فِي يَدِهِ. الثَّالِثُ: عَلَى كُلِّ دَيْنِ صِحَّةٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ رَقَبَةُ الْعَبْدِ، وَمَا فِي يَدِهِ لَا يَفْضُلُ عَنْ دَيْنِهِ أَوْ يَفْضُلُ عَنْهُ لَا عَنْ دَيْنِ الْمَوْلَى، أَوْ يَفْضُلُ عَنْهُمَا. فَفِي الْأَوَّلِ: لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ،؛ لِأَنَّهُ شَاغِلٌ لِرَقَبَتِهِ وَمَا فِي يَدِهِ. وَفِي الثَّانِي: يَكُونُ الْفَاضِلُ لِغُرَمَاءِ صِحَّةِ الْمَوْلَى. وَفِي الثَّالِثِ: يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي ذَلِكَ الْفَاضِلِ، وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَى أَحَدِهِمَا فَأَقَرَّ الْمَوْلَى فِي مَرَضِهِ بِأَلْفٍ ثُمَّ الْعَبْدُ بِأَلْفٍ تَحَاصَّا فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ وَلَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ أَوَّلًا ثُمَّ الْمَوْلَى بُدِئَ بِدَيْنِ الْعَبْدِ اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ لِغَيْرِ زَوْجٍ إلَخْ) أَيْ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لَهُ لَوْ كَانَ حُرًّا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَوَلَدٍ وَوَالِدٍ) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: إذَا أَقَرَّ الْمَأْذُونُ لِابْنِهِ وَهُوَ حُرٌّ أَوْ لِأَبِيهِ أَوْ لِزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَرَّةٌ أَوْ مُكَاتَبُ ابْنِهِ أَوْ لِعَبْدِ ابْنِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا فَإِقْرَارُهُ لِهَؤُلَاءِ بَاطِلٌ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَفِي قَوْلِهِمَا جَازَ وَيُشَارِكُونَ الْغُرَمَاءَ فِي كَسْبِهِ ط (قَوْلُهُ وَسَيِّدٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِنْدِيَّةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَأْذُونِ دَيْنٌ فَأَقَرَّ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ لِمَوْلَاهُ أَوْ لِابْنِ مَوْلَاهُ أَوْ لِأَبِيهِ أَوْ لِعَبْدٍ تَاجِرٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا أَوْ لِمُكَاتَبِ مَوْلَاهُ أَوْ لِأُمِّ وَلَدِهِ فَإِقْرَارُهُ لِمَوْلَاهُ وَمُكَاتَبِهِ وَعَبْدِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ بَاطِلٌ، فَأَمَّا إقْرَارُهُ لِابْنِ مَوْلَاهُ أَوْ لِأَبِيهِ فَجَائِزٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَانَ إقْرَارُهُ جَائِزًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ اهـ ط
(قَوْلُهُ وَلَوْ بِعَيْنٍ صَحَّ إلَخْ) فِي الْمَبْسُوطِ إذَا أَقَرَّ الْمَأْذُونُ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ أَوْ لِعَبْدِ مَوْلَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِمَوْلَاهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا طُورِيٌّ، وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ اخْتِصَاصُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ بِالْمَوْلَى دُونَ زَوْجِ الْمُقِرِّ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ فَلْيُرَاجَعْ وَعِبَارَةُ الْوَهْبَانِيَّةِ:
стр. 3604
بِمَا لَا يُعَدُّ سَرَفًا وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يُهْدِي مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ أَصْلًا ابْنُ كَمَالٍ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَالْمَحْجُورُ لَا يُهْدِي شَيْئًا وَعَنْ الثَّانِي: إذَا دَفَعَ لِلْمَحْجُورِ قُوتَ يَوْمِهِ فَدَعَا بَعْضَ رُفَقَائِهِ لِلْأَكْلِ مَعَهُ فَلَا بَأْسَ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ قُوتَ شَهْرٍ، وَلَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ بَيْتِ سَيِّدِهَا أَوْ زَوْجِهَا بِالْيَسِيرِ كَرَغِيفٍ وَنَحْوِهِ مُلْتَقًى، وَلَوْ عُلِمَ مِنْهُ عَدَمُ الرِّضَا لَمْ يَجُزْ (وَيُضَيِّفُ مَنْ يُطْعِمُهُ) وَيَتَّخِذُ الضِّيَافَةَ الْيَسِيرَةَ بِقَدْرِ مَالِهِ
(وَيَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ بِعَيْبٍ قَدَرَ مَا يَحُطُّ التُّجَّارُ) وَيُحَابِي وَيُؤَجِّلُ مُجْتَبًى (وَلَا يَتَزَوَّجُ) إلَّا بِإِذْنٍ (وَلَا يَتَسَرَّى) وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى
(وَلَا يُزَوِّجُ رَقِيقَهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُزَوِّجُ الْأَمَةَ
ــ
[رد المحتار]
وَإِقْرَارُهُ بِالْعَيْنِ لَا بِالدَّيْنِ جَائِزٌ ... لِمَوْلَاهُ إلَّا حَيْثُمَا الدَّيْنُ يَظْهَرُ
وَلَوْ أَقَرَّ لِمَوْلَاهُ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَحِقَهُ دَيْنٌ بَطَلَ إقْرَارُهُ، وَلَوْ بِعَيْنٍ فَلَا حَتَّى يَكُونَ الْمَوْلَى أَحَقَّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ وَلْوَالِجِيَّةٌ، وَفِيهَا أَقَرَّ لِابْنِ نَفْسِهِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ مُكَاتَبٍ لِابْنِهِ لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا عِنْدَ الْإِمَامِ اهـ فَقَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ يَشْمَلُ الدِّينَ وَالْعَيْنَ فَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ تَأَمَّلْ: ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ التَّعْلِيلَ لِقَوْلِ الْإِمَامِ بِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهُمْ إقْرَارُ صُورَةٍ وَشَهَادَةُ مَعْنًى. وَشَهَادَتُهُ لَهُمْ غَيْرُ جَائِزَةٍ لَوْ كَانَ حُرًّا فَكَذَا إقْرَارُهُ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى صَاحِبِ الدُّرَرِ فِي تَقْيِيدِهِ بُطْلَانَ الْإِقْرَارِ لَهُمْ بِالدَّيْنِ بِأَنَّ الزَّيْلَعِيَّ أَطْلَقَهُ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ شَهَادَةُ مَعْنًى فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ إلَّا فِي الْمَوْلَى وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
(قَوْلُهُ بِمَا لَا يُعَدُّ سَرَفًا) حَذَفَ الشَّارِحُ جُمْلَةً فِيهَا مُتَعَلِّقُ الْبَاءِ وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ كَمَا فِي الْمِنَحِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ إهْدَاءَ مَأْكُولٍ وَإِنْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ بِمَا لَا يُعَدُّ سَرَفًا فَإِنَّ الْبَاءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِزَادَ ح (قَوْلُهُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الشِّحْنَةِ) حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: وَقَدْ عَلِمْت تَقْيِيدَهُمْ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْهَدِيَّةِ بِالْمَأْكُولَاتِ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فِي النَّظْمِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ اهـ. قُلْت: وَمِثْلُهُ فِي التَّبْيِينِ وَصَرَّحَ بِهِ التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ فَقَالَ: وَلَا يَمْلِكُ الْإِهْدَاءَ بِمَا سِوَى الْمَأْكُولَاتِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ اهـ وَفِيهَا عَنْ الْأَصْلِ وَلَوْ وَهَبَ وَكَانَتْ شَيْئًا سِوَى الطَّعَامِ، وَقَدْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَجَازَ الْمَوْلَى هِبَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ تُعْمَلُ إجَازَتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا لَا يَتَصَدَّقُ إلَّا بِدِرْهَمٍ فَمَا دُونَهُ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ قُوتَ شَهْرٍ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَكَلُوهُ قَبْلَ الشَّهْرِ يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَوْلَى هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ كَرَغِيفٍ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ هِدَايَةٌ بَقِيَ لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ مَنْ فِي مَقَامِ الْمَرْأَةِ كَحَاجِبِهِ وَغُلَامِهِ نَقَلَ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ ابْنِ وَهْبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ قِيَاسًا عَلَيْهَا ثُمَّ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مَمْنُوعَةً مِنْ التَّصَرُّفِ فِي بَيْتِهِ تَأْكُلُ مَعَهُ بِالْفَرْضِ وَلَا يُمَكِّنُهَا مِنْ طَعَامِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجَوِّزَ لَهَا الصَّدَقَةَ وَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ جَرَى الْعُرْفُ بِالتَّصَدُّقِ بِذَلِكَ مُطْلَقًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِقَدْرِ مَالِهِ) أَيْ مَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ التَّتِمَّةِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ ابْنِ سَلَمَةَ إذَا كَانَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَاِتَّخَذَ ضِيَافَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ تَكُونُ يَسِيرَةً وَإِنْ كَانَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَبِدَانَقٍ كَثِيرَةٍ فَيَنْظُرُ فِي الْعُرْفِ فِي قَدْرِ مَالِ التِّجَارَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَطْلَقَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ اهـ. قُلْت: وَالْمَأْذُونُ بِالْأَوْلَى تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ بِعَيْبٍ) فَلَا يَحُطُّ بِدُونِهِ إذْ هُوَ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ مِنَحٌ (قَوْلُهُ وَيُحَابِي) أَيْ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ التَّاجِرُ قَدَّمْنَا عَنْ الزَّيْلَعِيِّ شَيْئًا مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمُحَابَاةِ (قَوْلُهُ مُجْتَبًى) وَمِثْلُهُ فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَلَا يَتَزَوَّجُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمَوْلَى بِوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةُ فِي رَقَبَتِهِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا يَتَسَرَّى) ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَ
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُزَوِّجُ الْأَمَةَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَسُقُوطِ النَّفَقَةِ فَأَشْبَهَ إجَارَتَهَا، وَلِهَذَا جَازَ لِلْمُكَاتَبِ وَوَصِيِّ الْأَبِ وَالْأَبِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْإِذْنَ تَنَاوَلَ التِّجَارَةَ وَالتَّزْوِيجُ لَيْسَ مِنْهَا، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاكْتِسَابَ وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالتِّجَارَةِ، وَكَذَا الْأَبُ
стр. 3605
(وَلَا يُكَاتِبُهُ) إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْمَوْلَى وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَوِلَايَةُ الْقَبْضِ لِلْمَوْلَى (وَلَا يُعْتِقُ بِمَالِ) إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْمَوْلَى إلَى آخِرِ مَا مَرَّ (وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا يُقْرِضُ وَلَا يَهَبُ وَلَوْ بِعِوَضٍ وَلَا يَكْفُلُ مُطْلَقًا) بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ (وَلَا يُصَالِحُ عَنْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْفُو عَنْ الْقِصَاصِ) وَيُصَالِحُ عَنْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَى عَبْدِهِ خِزَانَةُ الْفِقْهِ
(وَكُلُّ دَيْنٍ وَجَبَ عَلَيْهِ بِتِجَارَةٍ أَوْ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا) أَمْثِلَةُ الْأَوَّلِ (كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَإِجَارَةٍ وَاسْتِئْجَارٍ وَ) أَمْثِلَةُ الثَّانِي (غُرْمُ وَدِيعَةٍ وَغَصْبٌ وَأَمَانَةٌ جَحَدَهُمَا) عِبَارَةُ الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا جَحَدَهَا بِلَا مِيمٍ فَتَنَبَّهْ
(وَعُقْرٌ وَجَبَ بِوَطْءِ مَشْرِيَّةٍ
ــ
[رد المحتار]
وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ مُقَيَّدٌ بِالْأَنْظَرِ لِلصَّغِيرِ وَتَزْوِيجِ الْأَمَةِ مِنْ الْأَنْظَرِ وَعَلَى هَذَا الصَّرْفِ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ الْمَأْذُونُ لَهُمَا وَالْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ عِنَانًا وَمُفَاوَضَةً وَجَعَلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَهُوَ سَهْوٌ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا يُكَاتِبُهُ) ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ حُرِّيَّةَ الْيَدِ حَالًا وَالرَّقَبَةَ مَآلًا وَالْإِذْنُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لَحِقَهُ، فَإِذَا أَجَازَهُ زَالَ الْمَانِعُ فَيَنْفُذُ (قَوْلُهُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ دَيْنًا مُسْتَغْرِقًا. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ لَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَكِتَابَتُهُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَجَازَهَا الْمَوْلَى، وَهَذَا مُشْكِلٌ، فَإِنْ مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ رَقَبَتَهُ وَمَا فِي يَدِهِ لَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى إجْمَاعًا، حَتَّى جَازَ لِلْمَوْلَى عِتْقُ مَا فِي يَدِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُسْتَغْرَقِ فَيُمْنَعُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا اهـ.
قُلْت: وَأُجِيبَ بِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَوْ لَا بِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَغْرِقِ يُمْنَعُ الدُّخُولَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ آخِرًا (قَوْلُهُ وَوِلَايَةُ الْقَبْضِ لِلْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ نَائِبٌ عَنْ الْمَوْلَى كَالْوَكِيلِ فَكَانَ قَبْضُ الْبَدَلِ لِمَنْ نَفَذَ الْعَقْدُ مِنْ جِهَتِهِ،؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ، فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ كَالنِّكَاحِ بِخِلَافِ الْمُبَادَلَةِ الْمَالِيَّةِ، وَلَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْبَدَلَ إلَى الْمَوْلَى قَبْلَ الْإِجَازَةِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى لَا يُعْتَقُ وَسَلَّمَ الْمَقْبُوضَ إلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا يُعْتِقُ) ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْكِتَابَةِ فَكَانَ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَوِلَايَةُ الْقَبْضِ لِلْمَوْلَى، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ هُنَا وَقَالَ: إلَّا أَنْ يُجِيزَهُمَا الْمَوْلَى إلَخْ كَمَا فَعَلَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى لَكَانَ أَخْصَرَ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَا يَنْفُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ أَمْ لَا اهـ (قَوْلُهُ وَلَا بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ مَالٍ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَخْفَى مِنَحٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُقْرِضُ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً وَهُوَ لَا يَمْلِكُهُ مِنَحٌ (قَوْلُهُ وَلَا يَهَبُ) قَدَّمْنَا عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْأَصْلِ أَنَّهُ يَهَبُ وَيَتَصَدَّقُ بِمَا دُونَ الدِّرْهَمِ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِعِوَضٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً أَوْ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً زَيْلَعِيٌّ يَعْنِي لَوْ بِلَا عِوَضٍ وَلَا يُبْرِئُ؛ لِأَنَّهُ كَالْهِبَةِ دُرَرٌ (قَوْلُهُ وَلَا يَكْفُلُ) ؛ لِأَنَّهَا ضَرَرٌ مَحْضٌ دُرَرٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُصَالِحُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي رَقَبَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْإِذْنِ وَعَفْوِهِ تَبَرُّعٌ ط (قَوْلُهُ وَيُصَالِحُ عَنْ قِصَاصٍ إلَخْ) مُسْتَدْرَكٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ح أَيْ تَقَدَّمَ مَتْنًا
(قَوْلُهُ وَأَمْثِلَةُ الثَّانِي) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَإِجَارَةٍ وَاسْتِئْجَارٍ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى التِّجَارَةِ الْوَدِيعَةِ وَمَا بَعْدَهُ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ وَأَمَانَةٌ) كَمُضَارَبَةٍ وَبِضَاعَةٍ وَعَارِيَّةٍ (قَوْلُهُ فَتَنَبَّهْ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ أَحْسَنُ،؛ لِأَنَّ غُرْمَ الْغَصْبِ يَكُونُ بِلَا جُحُودٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِهِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ وَالْأَمَانَةِ فَإِنَّهُ إذَا جَحَدَهَا ضَمِنَهُمَا كَمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُمَا لَكِنْ كَانَ الْأَحْسَنُ تَقْدِيمَ الْغَصْبِ عَلَى الْوَدِيعَةِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدَّمْتُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ إقْرَارَ الْمَأْذُونِ بِالدَّيْنِ وَالْغَصْبِ وَعَيْنِ مَالٍ يَصِحُّ وَيُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَلِمَ قَيَّدَ بِالْجُحُودِ. قُلْت: لِيَصِيرَ دَيْنًا فَيَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ وَكُلُّ دَيْنٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا بِالْجُحُودِ وَإِنْ كَانَ مُؤَاخَذًا بِإِقْرَارِهِ بِالْعَيْنِ كَمَا قَدَّمَهُ.
فَإِنْ قُلْت: الْغَصْبُ عَيْنٌ. قُلْت: نَعَمْ قَبْلَ التَّعَدِّي عَلَيْهِ وَكَلَامُهُ فِي غُرْمِهِ وَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَهُ فَيَكُونُ دَيْنًا
(قَوْلُهُ وَعُقْرٌ إلَخْ) لِاسْتِنَادِهِ إلَى الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ لَوْلَا الشِّرَاءُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا الْعُقْرُ، سَوَاءٌ وَجَبَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ الْبَيِّنَةِ كِفَايَةٌ
стр. 3606
بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ) كُلُّ ذَلِكَ (يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ) كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ وَالْمَهْرِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ (يُبَاعُ فِيهِ) وَلَهُمْ اسْتِسْعَاؤُهُ أَيْضًا زَيْلَعِيٌّ وَمُفَادُهُ أَنَّ زَوْجَتَهُ لَوْ اخْتَارَتْ اسْتِسْعَاءَهُ لِنَفَقَةِ كُلِّ يَوْمٍ أَنْ يَكُونَ لَهَا ذَلِكَ أَيْضًا بَحْرٌ مِنْ النَّفَقَةِ (بِحَضْرَةِ مَوْلَاهُ) أَوْ نَائِبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِخِلَافِ بَيْعِ الْكَسْبِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِحُضُورِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ خَصْمٌ فِيهِ (وَيَقْسِمُ ثَمَنَهُ بِالْحِصَصِ وَ) يَتَعَلَّقُ (بِكَسْبٍ حَصَلَ قَبْلَ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ) وَيَتَعَلَّقُ (بِمَا وُهِبَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) مَوْلَاهُ هَذَا قَيْدٌ لِلْكَسْبِ وَالْإِنْهَابِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ الْخَصْمُ فِي كَسْبِهِ، ثُمَّ إنَّمَا يَبْدَأُ بِالْكَسْبِ وَعِنْدَ عَدَمِهِ يُسْتَوْفَى مِنْ الرَّقَبَةِ.
ــ
[رد المحتار]
أَيْ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الشِّرَاءِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالتَّزْوِيجِ فَلَيْسَ بِمَعْنَى التِّجَارَةِ قُهُسْتَانِيُّ (قَوْله بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ) مُتَعَلِّقٌ بِوَجَبَ لَا بِوَطْءِ ط (قَوْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى دُرَرٌ وَاسْتَثْنَى فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ إجَارَةٍ مُنْيَةُ الْمُفْتِي مَا إذَا كَانَ أَجِيرًا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: أَيْ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَتَعَلَّقُ بِالْآذِنِ، وَهُوَ الْمُسْتَأْجِرُ وَمَا قَالَهُ الْمَقْدِسِيَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ إذْ لَيْسَ بِمَأْذُونٍ بَلْ كَوَكِيلِ الْمُسْتَأْجِرِ بَحَثَ فِي مَعْرِضِ النَّقْلِ بِيرِيٌّ (قَوْلُهُ كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ) أَيْ كَدَيْنٍ تَرَتَّبَ بِذِمَّتِهِ بِسَبَبِ اسْتِهْلَاكِهِ لِشَيْءٍ آخَرَ ط (قَوْلُهُ يُبَاعُ فِيهِ) وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِرِضَا الْغُرَمَاءِ أَوْ بِأَمْرِ الْقَاضِي،؛ لِأَنَّ لِلْغُرَمَاءِ حَقَّ الِاسْتِسْعَاءِ لِيَصِلَ إلَيْهِمْ كَمَالُ حَقِّهِمْ، وَيَبْطُلُ ذَلِكَ بِبَيْعِ الْمَوْلَى فَاحْتِيجَ إلَى رِضَاهُمْ وَلْوَالِجِيَّةٌ وَفِيهَا: وَلَوْ بَاعَهُ الْقَاضِي لِمَنْ حَضَرُوا يَحْبِسُ حِصَّةَ مَنْ غَابَ مِنْ ثَمَنِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَا يُعَجِّلُ الْقَاضِي بِبَيْعِهِ بَلْ يَتَلَوَّمُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ أَوْ دَيْنٌ يَقْتَضِيهِ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةُ التَّلَوُّمِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهٌ بَاعَهُ اهـ وَفِيهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ ثُمَّ الْمَوْلَى يَبِيعُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ الْمَدْيُونُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالدَّيْنِ لَمْ يُجْعَلُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْقِيمَةِ، ويَبِيعُ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ جُعِلَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْأَرْشِ،؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هُنَا عَلَى الْعَبْدِ بِحَيْثُ لَا يَبْرَأُ بِالْعِتْقِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ وَلَوْ اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ صَرِيحًا بِأَنْ قَالَ: أَنَا أَقْضِي دَيْنَهُ كَانَ عِدَّةً مِنْهُ تَبَرُّعًا، فَلَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ مُوجِبَهَا عَلَى الْمَوْلَى خَاصَّةً (قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِاشْتِرَاطِ الْحَضْرَةِ، وَأَفَادَ أَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ حَتْمٍ بَلْ يُخَيَّرُ مَوْلَاهُ بَيْنَ الْبَيْعِ أَوْ الْفِدَاءِ أَيْ أَدَاءِ جَمِيعِ الدُّيُونِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَدَاءَ قِيمَتِهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ خَصْمٌ فِيهِ) أَيْ فِي كَسْبِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ فَإِذَا ادَّعَى رَقَبَتَهُ إنْسَانٌ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الْخَصْمُ دُونَ الْعَبْدِ، وَإِذَا ادَّعَى كَسْبَهُ فَالْعَبْدُ خَصْمٌ فِيهِ دُونَ الْمَوْلَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَيَقْسِمُ ثَمَنَهُ بِالْحِصَصِ) سَوَاءٌ ثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ، أَوْ بِالْبَيِّنَةِ جَوْهَرَةٌ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَلَوْ بَعْضُهُ مُؤَجَّلًا يُعْطَى أَرْبَابُ الْحَالِّ حِصَّتَهُمْ وَيُمْسِكُ حِصَّةَ صَاحِبِ الْأَجَلِ إلَى حُلُولِهِ.
قَالَ فِي الرَّمْزِ قُلْت: مَرَّ فِي الْمُفْلِسِ عَنْ الْيَنَابِيعِ أَنَّهُ يُعْطِي الْكُلَّ لِصَاحِبِ الْحَالِّ، فَإِذَا حَلَّ الْمُؤَجَّلُ قِيلَ لَهُ شَارَكَهُ وَهَذَا إذَا كَانَ كُلُّ الدَّيْنِ ظَاهِرًا وَلَوْ بَعْضَهُ لَمْ يَظْهَرْ وَلَكِنْ ظَهَرَ سَبَبُهُ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُبَاعُ، وَيَدْفَعُ لِلْغَرِيمِ قَدْرَ دَيْنِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ الثَّمَنِ دَفَعَهُ كُلَّهُ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ دَابَّةٌ رَجَعَ صَاحِبُهَا عَلَى الْغَرِيمِ بِحَضْرَتِهِ يُضْرَبُ كُلٌّ بِمَا لَهُ اهـ حَمَوِيٌّ عَلَى الْكَنْزِ (قَوْله قَبْلَ الدَّيْنِ) أَيْ وَبَعْدَ الْإِذْنِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ هَذَا) أَيْ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ وَقَوْلُهُ قَيَّدَ الْأُولَى أَنْ يَقُولَ تَعْمِيمٌ فِي الْكَسْبِ وَالِاتِّهَابِ ط لَكِنْ عَلَى جَعْلِهِ شَرْطًا مَحْذُوفَ الْجَوَابِ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ قُيُودٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ الْخَصْمُ فِي كَسْبِهِ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ قَرِيبًا ط (قَوْلُهُ ثُمَّ إنَّمَا يَبْدَأُ بِالْكَسْبِ) ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ عَلَى الْمَوْلَى مَعَ إيفَاءِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ عَدَمِهِ)
стр. 3607
قُلْت: وَأَمَّا الْكَسْبُ الْحَاصِلُ قَبْلَ الْإِذْنِ فَحَقٌّ لِلْمَوْلَى فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا. قَالَ شَيْخُنَا: وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ اكْتَسَبَ الْمَحْجُورُ شَيْئًا وَأَوْدَعَهُ عِنْدَ آخَرَ وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُودَعِ لِلْمَوْلَى تَضْمِينُهُ؛ لِأَنَّهُ كَمُودِعِ الْغَاصِبِ فَتَأَمَّلْهُ (لَا) يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ (بِمَا أَخَذَهُ مَوْلَاهُ مِنْهُ قَبْلَ الدَّيْنِ وَطُولِبَ) الْمَأْذُونُ (بِمَا بَقِيَ) مِنْ الدَّيْنِ زَائِدًا عَنْ كَسْبِهِ وَثَمَنِهِ (بَعْدَ عِتْقِهِ) وَلَا يُبَاعُ ثَانِيًا
(وَلِمَوْلَاهُ أَخْذُ غَلَّةِ مِثْلِهِ
ــ
[رد المحتار]
أَيْ أَصْلًا أَوْ عَدَمِ إيفَائِهِ ط (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) يَعْنِي سَوَاءٌ وَجَدَهُ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ فِي يَدِ الْغَرِيمِ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَرِيمُ لِلْمَوْلَى أَنْ يَضْمَنَهُ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ) أَيْ مُفَادُ كَوْنِ الْمَوْلَى أَحَقَّ بِكَسْبِ عَبْدِهِ الْحَاصِلِ قَبْلَ الْإِذْنِ (قَوْلُهُ وَأَوْدَعَهُ) الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ عَائِدٌ عَلَى الْمَحْجُورِ فَيُفِيدُ أَنَّ إيدَاعَهُ قَبْلَ الْإِذْنِ بِالتِّجَارَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ إيدَاعَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إيدَاعُ مَالِ الْغَيْرِ بِدُونِ إذْنِهِ (قَوْلُهُ لِلْمَوْلَى تَضْمِينُهُ إلَخْ) أَقُولُ: مَا بَحَثَهُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ كِتَابِ الْأَمَانَاتِ حَيْثُ قَالَ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الرَّقِيقُ إذَا اكْتَسَبَهُ وَاشْتَرَى شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ، وَأَوْدَعَهُ وَهَلَكَتْ عِنْدَ الْمُودَعِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِكَوْنِهِ مَالَ الْمَوْلَى مَعَ أَنَّ لِلْعَبْدِ يَدًا مُعْتَبَرَةً، حَتَّى لَوْ أَوْدَعَ شَيْئًا وَغَابَ فَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَخْذُهُ اهـ، وَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَخْذُهُ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا أَوْ مَحْجُورًا مَدْيُونًا أَوْ لَا بِيرِيٌّ لَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَالُهُ أَوْ كَسْبُ عَبْدِهِ فَإِنْ عَلِمَ فَلَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِلَا حُضُورِ الْعَبْدِ حَمَوِيٌّ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَمُودِعِ الْغَاصِبِ) عِبَارَةُ الرَّمْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ أَيْ مَالُ السَّيِّدِ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ بِلَا إذْنِهِ فَصَارَ كَمُودِعِ الْغَاصِبِ قَالَ ط يُفَادُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ لِلْمُودِعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا غَرِمَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ قَبْلَ الدَّيْنِ) قَيَّدَ بِهِ لِمَا فِي الطُّورِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَوْمَ أَخَذَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لَمْ يُسَلِّمْ لِلْمَوْلَى مَا أَخَذَهُ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا لَحِقَهُ دَيْنٌ آخَرُ يَرُدُّ الْمَوْلَى جَمِيعَ مَا كَانَ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا بَعْضَهُ مَشْغُولًا بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَجَبَ عَلَى الْمَوْلَى رَدُّ قَدْرِ الْمَشْغُولِ عَلَى الْغَرِيمِ فَإِذَا أَخَذَهُ كَانَ لِلْغَرِيمِ الثَّانِي أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ، إنْ كَانَ دَيْنُهُمَا سَوَاءً، وَكَانَ لِلْغَرِيمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ ثَانِيًا كَانَ لِلْغَرِيمِ الْآخَرِ أَنْ يُشَارِكَهُ ثَمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ جَمِيعَ مَا أَخَذَهُ مِنْ كَسْبِهِ اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ الدَّيْنُ بِمَا أَخَذَهُ بَعْدَ الدَّيْنِ، فَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ كَمَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَأْذُونِ خَمْسُمِائَةٍ وَكَسْبُهُ أَلْفٍ فَأَخَذَهُ السَّيِّدُ ثُمَّ لَحِقَهُ دَيْنُ خَمْسِمِائَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّ الْأَلْفَ مِنْ السَّيِّدِ اهـ وَعَزَاهُ لِلْكَرْمَانِيِّ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: فَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ دَيْنٌ آخَرُ فَالْمَوْلَى لَا يَغْرَمُ إلَّا خَمْسَمِائَةٍ. وَفِي النِّهَايَةِ رَدَّ مَا أَخَذَ لَوْ قَائِمًا بِعَيْنِهِ وَضَمَانُهُ لَوْ مُسْتَهْلَكًا اهـ وَهَذَا بِخِلَافِ الضَّرِيبَةِ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَا زَادَ عَلَى غَلَّةِ مِثْلِهِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَطُولِبَ الْمَأْذُونُ بِمَا بَقِيَ) لِتَقَرُّرِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَعَدَمِ وَفَاءِ الرَّقَبَةِ دُرَرٌ وَصَرَّحَ بِالْمَأْذُونِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَوْلَى (قَوْلُهُ وَلَا يُبَاعُ ثَانِيًا) ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْتَنِعُ حِينَئِذٍ عَنْ شِرَائِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى امْتِنَاعِ الْبَيْعِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَتَضَرَّرُ الْغُرَمَاءُ دُرَرٌ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ جَدِيدٌ وَتَبَدُّلُ الْمِلْكِ كَتَبَدُّلِ الْعَيْنِ حُكْمًا فَصَارَ كَأَنَّهُ عَبْدٌ آخَرُ زَيْلَعِيٌّ، وَإِنَّمَا يُبَاعُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ مِرَارًا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا كَمَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ قُهُسْتَانِيُّ
(قَوْلُهُ وَلِمَوْلَاهُ أَخْذُ غَلَّةِ مِثْلِهِ) فَلَوْ أَخَذَ أَكْثَرَ رَدَّ الْفَضْلَ عَلَى الْغُرَمَاءِ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِمْ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ دُرَرٌ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَمَعْنَاهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الضَّرِيبَةَ الَّتِي ضَرَبَهَا عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ بَعْدَ مَا لَزِمَهُ الدُّيُونُ كَمَا كَانَ يَأْخُذُ قَبْلَ ذَلِكَ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ رِيعِهِ يَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ اهـ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَتْحِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْعِتْقِ: يَجُوزُ وَضْعُ الضَّرِيبَةِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا بَلْ إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ غَلَّةً قَبْلَ وَضْعِ الضَّرِيبَةِ وَقَبْلَ لُحُوقِ الدَّيْنِ، وَأَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ غَلَّةِ مِثْلِهِ قَبْلَ الدَّيْنِ وَلَا يَأْخُذُ الْأَكْثَرَ بَعْدَهُ، وَأَنْ يَضَعَ الضَّرِيبَةَ بَعْدَ الدَّيْنِ كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ اهـ.
стр. 3608
بِوُجُودِ دَيْنِهِ وَمَا زَادَ لِلْغُرَمَاءِ) يَعْنِي لَوْ كَانَ الْمَوْلَى يَأْخُذُ مِنْ الْعَبْدِ كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا قَبْلَ لُحُوقِ الدَّيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَ لُحُوقِهِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنْهَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ فَيَنْسَدُّ بَابُ الِاكْتِسَابِ
(وَيَنْحَجِرُ بِحَجْرِهِ إنْ عَلِمَ هُوَ) نَفْسُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ (وَأَكْثَرُ أَهْلِ سُوقِهِ إنْ كَانَ) الْإِذْنُ (شَائِعًا، أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) أَيْ بِالْإِذْنِ (إلَّا الْعَبْدُ) وَحْدَهُ (كَفَى فِي حَجْرِهِ عِلْمُهُ) بِهِ (فَقَطْ) وَلَا يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ عِلْمُ أَكْثَرِ أَهْلِ سُوقِهِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: بَاعَ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ عَلِمَ أَهْلُ سُوقِهِ بِبَيْعِهِ أَمْ لَا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَإِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا مَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي لِفَسَادِ الْبَيْعِ، وَهَلْ لِلْغُرَمَاءِ فَسْخُهُ إنْ دُيُونُهُمْ حَالَّةً؟ نَعَمْ إلَّا إذَا كَانَ بِالثَّمَنِ وَفَاءٌ أَوْ أَبْرَءُوا الْعَبْدَ أَوْ أَدَّى الْمَوْلَى وَتَمَامُهُ فِي السِّرَاجِيَّةِ (وَبِمَوْتِ سَيِّدِهِ
ــ
[رد المحتار]
وَفِي قَوْلِهِ: وَأَنْ يَضَعَ الضَّرِيبَةَ بَعْدَ الدَّيْنِ مُخَالِفَةً لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ بَعْدَ الدَّيْنِ وَلِتَقْيِيدِ الشَّارِحِ كَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ قَبْلَ لِحُقُوقِ الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يُوَفَّقَ بِأَنَّ لَهُ وَضْعَهَا بَعْدَ الدَّيْنِ غَيْرِ الْمُسْتَغْرِقِ لِمَا فِي يَدِهِ أَيْ بِقَدْرِ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ دُونَ الْأَكْثَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْطِفَ قَوْلَهُ وَأَنْ يَضَعَ عَلَى مَدْخُولِ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَأْخُذَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِوُجُودِ دَيْنِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى مَعَ رَحْمَتِيٌّ.
قُلْت: وَبِهَا عَبَّرَ ابْنُ الْكَمَالِ (قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ مَا أَخَذَ،؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ فِي كَسْبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْلَى نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ فَيَنْسَدُّ بَابُ الِاكْتِسَابِ) فَصَارَ مَا يَأْخُذُهُ كَالتَّحْصِيلِ لِلْكَسْبِ، وَأَمَّا أَخْذُ الْأَكْثَرِ فَلَا يُعَدُّ مِنْ التَّحْصِيلِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْغُرَمَاءِ نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ:؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ حَيْثُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَمَا رَضِيَ بِهِ ح (قَوْلُهُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ سُوقِهِ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ،؛ لِأَنَّ إعْلَامَ الْكُلِّ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، فَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْأَقَلِّ لَمْ يَصِرْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ بَايَعَهُ مَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ جَازَ الْبَيْعُ،؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ مَأْذُونًا لَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ صَارَ مَأْذُونًا فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ أَيْضًا،؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ وَلَا يَتَجَزَّأُ كَالْإِذْنِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: ثَبَتَ بِهَذَا عَدَمُ صِحَّةِ الْحَجْرِ الْخَاصِّ، وَإِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحَجْرِ التَّعْمِيمَ (قَوْلُهُ إنْ كَانَ الْإِذْنُ شَائِعًا) وَكَذَا بِشَرْطِ كَوْنِ الْحَجْرِ قَصْدًا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ إظْهَارِ الْحَجْرِ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ سُوقِهِ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الْحَجْرُ قَصْدًا كَعَزْلِ الْوَكِيلِ فَلَوْ ضَمِنَا لِغَيْرِهِ فَلَا كَمَا إذَا بَاعَ عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ غَيْرَ الْمَدْيُونِ اهـ وَسَيُشِيرُ إلَيْهِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ شَائِعًا (قَوْلُهُ كَفَى فِي حَجْرِهِ عِلْمُهُ بِهِ فَقَطْ) فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَاشْتَرَى وَبَاعَ كَانَ مَأْذُونًا وَالْحَجْرُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَجْرِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِعِلْمِهِ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ بَاعَ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ إلَخْ) وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ مِنْ رَجُلٍ وَقَبَضَهُ فَلَوْ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ لَا يَعُودُ الْإِذْنُ، وَكَذَا إذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ بِالْقَضَاءِ وَإِنْ عَادَ إلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ) وَهُوَ حَجْرٌ ثَبَتَ حُكْمًا لِلْبَيْعِ لَا مَقْصُودًا،؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يُوضَعْ لِلْحَجْرِ وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الشَّيْءُ حُكْمًا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَصْدًا كَعَزْلِ الْوَكِيلِ الْغَائِبِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) أَيْ وَبَاعَهُ بِلَا إذْنِ الْغُرَمَاءِ، وَقَوْلُهُ لَا أَيْ لَا يَصِيرُ مَحْجُورًا (قَوْلُهُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، فَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ سَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْغُرَمَاءِ، وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ فَاسِدٌ إلَّا أَنَّ الْفَسَادَ فِيهِ دُونَ سَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ؛ لِأَنَّهُ خَالٍ عَنْ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَالْمَالِكُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ إنَّمَا عَدَمُ الرِّضَا مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ لَا غَيْرُ فَأَظْهَرْنَا زِيَادَتَهُ عَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فِي إفَادَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِلْكًا مَوْقُوفًا تَتَارْخَانِيَّةٌ مُلَخَّصًا.
وَعَلَيْهِ لِيَنْظُرَ مَا فَائِدَةُ قَوْلِ الشَّارِحِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْمِلْكَ حَاصِلٌ قَبْلَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إنَّ دُيُونَهُمْ حَالَّةٌ نَعَمْ) أَيْ لَهُمْ فَسْخُهُ وَلَوْ مُؤَجَّلَةً فَلَا، فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ ضَمِنَ الْمَوْلَى لَهُمْ قِيمَتَهُ وَكَذَا لَوْ وَهَبَ الْعَبْدَ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ لِرَجُلٍ وَقَبَضَهُ أَوْ آجَرَهُ جَازَ، فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ ضَمِنَ لَهُمْ الْقِيمَةَ وَلَيْسَ لَهُمْ رَدُّ الْهِبَةِ، وَكَانَ لَهُمْ نَقْضُ الْإِجَارَةِ، وَأَمَّا الرَّهْنُ فَكَالْبَيْعِ تَتَارْخَانِيَّةٌ وَأَمَّا الْعِتْقُ فَسَيَأْتِي مَتْنًا (قَوْلُهُ وَفَاءً) أَيْ بِدُيُونِ الْمَأْذُونِ (قَوْلُهُ وَبِمَوْتِ سَيِّدِهِ)
стр. 3609
وَجُنُونِهِ مُطْبَقًا وَلُحُوقِهِ) وَكَذَا بِجُنُونِ الْمَأْذُونِ وَلُحُوقِهِ أَيْضًا (بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْتٌ حُكْمًا (وَ) يَنْحَجِرُ حُكْمًا (بِإِبَاقِهِ) وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ كَجُنُونِهِ (وَلَوْ عَادَ مِنْهُ) أَوْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونِهِ (لَمْ يَعُدْ الْإِذْنُ) فِي الصَّحِيحِ زَيْلَعِيٌّ وَقُهُسْتَانِيٌّ
(وَبِاسْتِيلَادِهَا) بِأَنْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَادَّعَاهُ كَانَ حَجْرًا دَلَالَةً مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِخِلَافِهِ (لَا) تَنْحَجِرُ (بِالتَّدْبِيرِ وَضَمِنَ بِهِمَا قِيمَتَهُمَا) فَقَطْ (لِلْغُرَمَاءِ لَوْ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ) مُحِيطٌ.
(إقْرَارُهُ) مُبْتَدَأٌ (بَعْدَ حَجْرِهِ إنَّ مَا مَعَهُ أَمَانَةٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِ) لِآخَرَ (صَحِيحٌ) خَبَرٌ (فَيَقْبِضُهُ مِنْهُ) وَقَالَ لَا يَصِحُّ.
(أَحَاطَ دَيْنُهُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ لَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهُ مَا مَعَهُ فَلَمْ يَعْتِقْ عَبْدٌ مِنْ كَسْبِهِ بِتَحْرِيرِ مَوْلَاهُ)
ــ
[رد المحتار]
وَكَذَا الصَّبِيُّ يُحْجَرُ بِمَوْتِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ. وَأَمَّا الْمَأْذُونُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ دُرٌّ مُنْتَقًى (قَوْلُهُ وَجُنُونِهِ مُطْبِقًا) سَنَةً فَصَاعِدًا أَوْ يُفَوَّضُ لِلْقَاضِي وَبِهِ يُفْتَى فَإِنْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّوْقِيتِ يُفْتِي بِسَنَةٍ كَمَا فِي تَتِمَّةِ الْوَاقِعَاتِ دُرٌّ مُنْتَقًى (قَوْلُهُ وَلُحُوقِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ أَقُولُ: قَدْ تَسَامَحَ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ بِدُونِ الْقَضَاءِ لَا يَكُونُ كَالْمَوْتِ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ وَكَذَا بِجُنُونِ الْمَأْذُونِ وَلُحُوقِهِ أَيْضًا) فَلَوْ قَالَ وَمَوْتُ أَحَدِهِمَا وَلَوْ حُكْمًا أَوْ جُنُونُهُ مُطْبَقًا لَكَانَ أَتَمَّ وَأَخْصَرَ عَزْمِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْحَجْرِ أَوْ بِالْمَوْتِ، وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَصَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي ضِمْنِ بُطْلَانِ الْأَهْلِيَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُهُ، وَلَا عِلْمُ أَهْلِ سُوقِهِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ حُكْمِيٌّ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ كَانْعِزَالِ الْوَكِيلِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ اهـ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْتٌ حُكْمًا) حَتَّى يَعْتِقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، وَيَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَهَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَلُحُوقِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِهِ (قَوْلُهُ وَيَنْحَجِرُ حُكْمًا) كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِمَوْتِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَجْرٌ حُكْمِيٌّ كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ بِإِبَاقِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ عَبْدِهِ الْمُتَمَرِّدِ الْخَارِجِ عَنْ طَاعَتِهِ عَادَةً فَكَانَ حَجْرًا عَلَيْهِ دَلَالَةً زَيْلَعِيٌّ، وَسَيَذْكُرُ آخِرًا عَنْ الْأَشْبَاهِ تَصْحِيحَ خِلَافِهِ وَيَأْتِي مَا فِيهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ) أَيْ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ
(قَوْلُهُ كَانَ حَجْرًا دَلَالَةً) هَذَا اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِتَحْصِينِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِخُرُوجِهَا وَاخْتِلَاطِهَا بِالرِّجَالِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَدَلِيلُ الْحَجْرِ كَصَرِيحِهِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِخِلَافِهِ) ؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ لَا بِالتَّدْبِيرِ) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِتَحْصِينِ الْمُدَبَّرَةِ فَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ الْحَجْرِ مِنَحٌ. وَكَذَا الْمُدَبَّرُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ وَضَمِنَ بِهِمَا قِيمَتَهُمَا) أَيْ ضَمِنَ الْمَوْلَى بِالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بِهِمَا مَحَلًّا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ امْتَنَعَ بَيْعُهُمَا زَيْلَعِيٌّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَضْمَنَ الْقِيمَةَ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْغُرَمَاءِ، فَلَوْ زَادَ إنْ شَاءُوا لَكَانَ أَوْلَى لِمَا فِي الْمُحِيطِ، وَإِنْ شَاءُوا اسْتَسْعَوْا الْعَبْدَ فِي دَيْنِهِمْ، وَإِنْ ضَمِنُوا الْمَوْلَى لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى يَعْتِقَ. وَفِيهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِثَلَاثَةٍ لِكُلِّ أَلْفٍ اخْتَارَ اثْنَانِ ضَمَانَ الْمَوْلَى فَضَمَّنَاهُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ، وَاخْتَارَ الثَّالِثُ اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ فِي جَمِيعِ دَيْنِهِ جَازَ، وَلَا يُشَارِكُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِيمَا قَبَضَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْغَرِيمُ وَاحِدًا فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ حَقُّهُ فِي الْآخَرِ طُورِيٌّ (قَوْلُهُ فَقَطْ) أَيْ لَا مَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ مِنْ الدَّيْنِ بَلْ يُطَالِبَانِ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ (قَوْلُهُ إنَّ مَا مَعَهُ) قَيَّدَ بِالْمَعِيَّةِ إذْ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ رَقَبَتِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ لَا يَصِحُّ، حَتَّى لَا تُبَاعَ رَقَبَتُهُ بِالدَّيْنِ إجْمَاعًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ صَحِيحٌ) أَيْ بِشُرُوطٍ تُؤْخَذُ مِنْ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ إقْرَارُهُ بَعْدَ أَخْذِ الْمَوْلَى مَا فِي يَدِهِ أَوْ بَعْدَمَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا فِي يَدِهِ وَقْتَ الْحَجْرِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَا فِي يَدِهِ اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ (قَوْلُهُ وَقَالَا لَا يَصِحُّ) يَعْنِي حَالًّا وَهُوَ الْقِيَاسُ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ
(قَوْلُهُ فَلَمْ يَعْتِقُ عَبْدٌ إلَخْ) أَيْ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ فَلَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ وَيَسْتَوْفُوا دُيُونَهُمْ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَهُوَ حُرٌّ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى إنَّ الْغُرَمَاءَ لَوْ أَبْرَءُوا الْعَبْدَ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ بَاعُوهُ مِنْ الْمَوْلَى أَوْ قَضَى
стр. 3610
وَقَالَا يَمْلِكُهُ فَيَعْتِقُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مُوسِرًا وَلَوْ مُعْسِرًا فَلَهُمْ أَنْ يَضْمَنُوا الْعَبْدَ الْمُعْتَقَ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى ابْنُ كَمَالٍ (وَلَوْ اشْتَرَى ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَوْلَى لَمْ يُعْتَقْ) وَلَوْ مَلَكَهُ لَعَتَقَ (وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَوْلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ الرَّقِيقِ ضَمِنَ) وَلَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَضْمَنْ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ (وَإِنْ لَمْ يُحِطْ) دَيْنُهُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ (صَحَّ تَحْرِيرُهُ) إجْمَاعًا
(وَ) صَحَّ (إعْتَاقُهُ) حَالَ كَوْنِ (الْمَأْذُون مَدْيُونًا) وَلَوْ بِمُحِيطٍ (وَضَمِنَ الْمَوْلَى لِلْغُرَمَاءِ الْأَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ وَقِيمَتِهِ) وَإِنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْعَبْدَ بِكُلِّ دُيُونِهِمْ وَبِاتِّبَاعِ أَحَدِهِمَا لَا يَبْرَأُ الْآخَرُ فَهُمَا كَكَفِيلٍ مَعَ مَكْفُولٍ عَنْهُ (وَطُولِبَ بِمَا بَقِيَ) مِنْ دَيْنِهِمْ إذَا لَمْ تَفِ بِهِ قِيمَتُهُ (بَعْدَ عِتْقِهِ) لِتَقَرُّرِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَصَحَّ تَدْبِيرُهُ وَلَا يَنْحَجِرُ وَيُخَيَّرُ الْغُرَمَاءُ كَعِتْقِهِ إلَّا أَنَّ مَنْ اخْتَارَ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ شَرْحُ تَكْمِلَةٍ. وَفِي الْهِدَايَةِ: وَلَوْ كَانَ الْمَأْذُونُ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لَمْ يَضْمَنْ قِيمَتَهُمَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُبَاعَانِ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ فَلَهُمْ تَضْمِينُ مَوْلَاهُ زَيْلَعِيٌّ
(وَ) الْمَأْذُونُ (إنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ)
ــ
[رد المحتار]
الْمَوْلَى دَيْنَهُ فَإِنَّهُ حُرٌّ تَتَارْخَانِيَّةٌ عَنْ الْيَنَابِيعِ (قَوْلُهُ وَقَالَا يَمْلِكُهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَ الْمَلِكِ فِي كَسْبِهِ وَهُوَ مِلْكُ رَقَبَتِهِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ إعْتَاقَهُ وَوَطْءَ الْمَأْذُونَةِ. وَلَهُ أَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى إنَّمَا يَثْبُتُ خِلَافُهُ عَنْ الْعَبْدِ عِنْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَتِهِ وَالْمُحِيطُ بِهِ الدَّيْنُ مَشْغُولٌ بِهَا فَلَا يَخْلُفُهُ فِيهِ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَرَى إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى لَمْ يَعْتِقْ فَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ وَلَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَضْمَنْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالْمِلْكِ لَا يَضْمَنُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الضَّمَانُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنْ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْحَالِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ وَعِنْدَهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَةٍ لِعَدَمِ مِلْكِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا) رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ ذِي الرَّحِمِ أَيْضًا اهـ ح (قَوْلُهُ صَحَّ تَحْرِيرُهُ) أَيْ تَحْرِيرُ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الَّذِي اكْتَسَبَهُ الْمَأْذُونُ (قَوْلُهُ إجْمَاعًا) أَيْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَا يَمْلِكُ، فَلَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُ زَيْلَعِيٌّ
(قَوْلُهُ حَالَ كَوْنِ الْمَأْذُونِ) الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ أَيْ الْمَأْذُونُ حَالَ كَوْنِهِ ح (قَوْلُهُ وَلَوْ بِمُحِيطٍ) هَذَا بِالْإِجْمَاعِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَكْسَابِهِ بَعْدَ الِاسْتِغْرَاقِ بِالدَّيْنِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَضَمِنَ الْمَوْلَى إلَخْ) سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَوْلَى بِالدَّيْنِ أَوْ لَا بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ لَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ الْأَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ وَقِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّتِهِ فَيَضْمَنُهَا، كَمَا إذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْعَبْدَ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَقِرٌّ فِي ذِمَّتِهِ زَيْلَعِيٌّ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَمَا قَبَضَهُ أَحَدُهُمْ مِنْ الْعَبْدِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْبَاقُونَ، بِخِلَافِ مَا قَبَضَهُ أَحَدُهُمْ مِنْ الْقِيمَةِ الَّتِي عَلَى الْمَوْلَى،؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لَهُمْ عَلَى الْمَوْلَى بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْعِتْقُ وَالدَّيْنُ مَتَى وَجَبَ لِجَمَاعَةٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمْ اهـ طُورِيٌّ (قَوْلُهُ لَا يَبْرَأُ الْآخَرُ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ،؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَاجِبٌ عَلَى أَحَدِهِمَا زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ بَعْدَ عِتْقِهِ) مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ قَدْ أَعْتَقَ (قَوْلُهُ وَصَحَّ تَدْبِيرُهُ إلَخْ) إنَّمَا أَعَادَ صَدْرَ الْمَسْأَلَةِ مَعَ تَصْرِيحِ الْمُصَنِّفِ بِهِ آنِفًا لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ عَجْزَهَا ط (قَوْلُهُ وَيُخَيَّرُ الْغُرَمَاءُ) إنْ شَاءُوا ضَمَّنُوا الْمَوْلَى قِيمَةَ الْعَبْدِ وَإِنْ شَاءُوا اسْتَسْعَوْا الْعَبْدَ فِي دُيُونِهِمْ، فَإِنْ ضَمَّنُوا الْمَوْلَى الْقِيمَةَ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى يُعْتِقَ وَبَقِيَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ اسْتَسْعَوْا الْعَبْدَ أَخَذُوا مِنْ السِّعَايَةِ دُيُونَهُمْ بِكَمَالِهَا وَبَقِيَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا عَلَى حَالِهِ هِنْدِيَّةٌ، وَبِهِ ظَهَرَ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ ط أَيْ فِي قَوْلِهِ: إلَّا إنَّ إلَخْ بِخِلَافِ الْعِتْقِ كَمَا مَرَّ فَإِنَّهُ بِاتِّبَاعِ أَحَدِهِمَا لَا يَبْرَأُ الْآخَرُ (قَوْلُهُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ) وَهُمَا تَضْمِينُ الْمَوْلَى وَاسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى إلَخْ) هَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَصَحَّ إعْتَاقُهُ لَا بِمَسْأَلَةِ الْمُدَبَّرِ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ فَلَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا مَوْلَاهُ الْقِيمَةَ، وَلَيْسَ هَذَا كَإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ عَبْدَ الرَّهْنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ مُعْسِرٌ،
следующие страницы →