Полный текст (4 257 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْآيَةِ وَالْمَجْلِسِ (وَهُوَ تَدَاخُلٌ فِي السَّبَبِ) بِأَنْ يُجْعَلَ الْكُلُّ كَتِلَاوَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَكُونُ الْوَاحِدَةُ سَبَبًا وَالْبَاقِي تَبَعًا لَهَا، وَهُوَ أَلْيَقُ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّ تَرْكَهَا مَعَ وُجُودِ سَبَبِهَا شَنِيعٌ (لَا) تَدَاخُلَ (فِي الْحُكْمِ) بِأَنْ تُجْعَلَ كُلُّ تِلَاوَةٍ سَبَبًا لِسَجْدَةٍ فَتَدَاخَلَتْ السَّجَدَاتُ فَاكْتُفِيَ بِوَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْعُقُوبَةِ لِأَنَّهَا لِلزَّجْرِ وَهُوَ يَنْزَجِرُ بِوَاحِدَةٍ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَالْكَرِيمُ يَعْفُو مَعَ قِيَامِ سَبَبِ الْعُقُوبَةِ وَأَفَادَ الْفَرْقَ بِقَوْلِهِ (فَتَنُوبُ الْوَاحِدَةُ) فِي تَدَاخُلِ السَّبَبِ (عَمَّا قَبْلَهَا وَعَمَّا بَعْدَهَا) وَلَا تَنُوبُ فِي تَدَاخُلِ الْحُكْمِ إلَّا عَمَّا قَبْلَهَا حَتَّى لَوْ زَنَى فَحُدَّ ثُمَّ زَنَى فِي الْمَجْلِسِ حُدَّ ثَانِيًا (وَ) إسْدَاءُ (الثَّوْبِ) ذَاهِبًا وَآيِبًا (وَانْتِقَالُهُ مِنْ غُصْنِ) شَجَرَةٍ (إلَى آخَرَ وَسَبْحُهُ فِي نَهْرٍ أَوْ حَوْضٍ تَبْدِيلٌ) لِلْمَجْلِسِ أَوْ الْآيَةِ
ــ
[رد المحتار]
السَّجْدَةِ لِكُلِّ تِلَاوَةٍ حَرَجًا خُصُوصًا لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِالنَّصِّ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْآيَةِ وَالْمَجْلِسِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْمُكَرَّرُ آيَةً وَاحِدَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ تَلَا آيَتَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ آيَةً وَاحِدَةً فِي مَجْلِسَيْنِ فَلَا تَدَاخُلَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ اتِّحَادُ السَّمَاعِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِاتِّحَادِ الْمَسْمُوعِ فَيُغْنِي عَنْهُ اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الْآيَةِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مَتَى اتَّحَدَتْ الْآيَةُ وَالْمَجْلِسُ لَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ وَإِنْ اجْتَمَعَ التِّلَاوَةُ وَالسَّمَاعُ وَلَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ فَفِي الْبَدَائِعِ لَا يَتَكَرَّرُ، وَلَوْ اجْتَمَعَ سَبَبَا الْوُجُوبِ وَهُمَا التِّلَاوَةُ وَالسَّمَاعُ بِأَنْ تَلَاهَا ثُمَّ سَمِعَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ تَكَرَّرَ أَحَدُهُمَا. اهـ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: سَمِعَهَا مِنْ آخَرَ وَمِنْ آخَرَ أَيْضًا وَقَرَأَهَا كَفَتْ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ لِاتِّحَادِ الْآيَةِ وَالْمَكَانِ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْخَانِيَّةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَرَأَهَا جَمَاعَةٌ وَسَمِعَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَفَتْهُمْ وَاحِدَةٌ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ تَدَاخُلٌ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ التَّكْرَارِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَا أَوْ إلَى التَّدَاخُلِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
(قَوْلُهُ فَتَكُونُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ بَيَانٌ وَتَوْضِيحٌ لِكَيْفِيَّةِ جَعْلِ الْكُلِّ كَتِلَاوَةٍ وَاحِدَةٍ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لِأَنَّ تَرْكَهَا إلَخْ) عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ مِنْ التَّدَاخُلِ فِي الْحُكْمِ مَعَ تَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ أَفَادَهُ ط.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْعُقُوبَةِ) عِلَّةٌ لِلنَّفْيِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهَا لِلزَّجْرِ إلَخْ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَمْ نَقُلْ بِالتَّدَاخُلِ فِي الْحُكْمِ فِي الْعِبَادَاتِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْرِ الشَّنِيعِ وَهُوَ تَرْكُ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبِ تَكْثِيرُهَا مَعَ قِيَامِ سَبَبِهَا فَجَعَلْنَا الْكُلَّ سَبَبًا وَاحِدًا لِدَفْعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِهَا؛ أَمَّا الْعُقُوبَاتُ فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الدَّرْءِ وَالْعَفْوِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهَا مَعَ قِيَامِ سَبَبِهَا الْأَمْرُ الشَّنِيعُ بَلْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الزَّجْرُ بِعُقُوبَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ جَوَازِ عَفْوِ الْمَوْلَى تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ تَعَدَّدَ السَّبَبُ.
(قَوْلُهُ وَأَفَادَ الْفَرْقُ) أَيْ بَيْنَ التَّدَاخُلَيْنِ. وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلْنَا الْأُولَى سَبَبًا وَالْبَاقِيَ تَبَعًا لَهَا كَانَ أَيْنَمَا سَجَدَ سَجَدَ بَعْدَ السَّبَبِ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِي فَإِنَّ الْأَسْبَابَ فِيهِ عَلَى حَالِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ السُّجُودِ بَعْدَ تَمَامِ الْأَسْبَابِ ح (قَوْلُهُ حُدَّ ثَانِيًا) أَيْ لِوُجُودِ سَبَبِهِ مَعَ ظُهُورِ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الِانْزِجَارُ عَنْ الزِّنَا بِالْحَدِّ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ إذَا أُقِيمَ مَرَّةً ثُمَّ قَذَفَهُ مِرَارًا لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْعَارَ قَدْ انْدَفَعَ بِالْأَوَّلِ لِظُهُورِ كَذِبِهِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ ذَاهِبًا وَآيِبًا) أَمَّا إذَا كَانَ يُدِيرُ السَّدَاءَ عَلَى الدَّائِرَةِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَكَان وَاحِدٍ فَلَا يَتَكَرَّرُ بَحْرٌ عَنْ الْفَتْحِ بَحْثًا وَفِيهِ نَظَرٌ يَأْتِي قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ وَانْتِقَالُهُ مِنْ غُصْنٍ إلَى آخَرَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ إنْ أَمْكَنَهُ الِانْتِقَالُ بِدُونِ نُزُولٍ كَفَتْهُ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَإِلَّا فَلَا لِاخْتِلَافِهِ اهـ وَهَذَا مَا أَفْتَى بِهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ط عَنْ حَاشِيَةِ الزَّيْلَعِيِّ لِلشَّلَبِيِّ.
(قَوْلُهُ أَوْ حَوْضٍ) قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ عَرْضُ الْحَوْضِ وَطُولُهُ مِثْلُ طُولُ الْمَسْجِدِ وَعَرْضُهُ لَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ خَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ تَبْدِيلٌ لِلْمَجْلِسِ) أَيْ فِي حَقِّ التَّالِي أَوْ الْآيَةِ أَيْ فِي حَقِّ السَّامِعِ كَذَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى.
стр. 772
(فَتَجِبُ) سَجْدَةٌ أَوْ سَجَدَاتٌ (أُخْرَى) بِخِلَافِ زَوَايَا مَسْجِدٍ وَبَيْتٍ وَسَفِينَةٍ سَائِرَةٍ وَفِعْلٍ قَلِيلٍ كَأَكْلِ لُقْمَتَيْنِ وَقِيَامٍ
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ أَوْ التِّلَاوَةِ بَدَلَ الْآيَةِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ السَّامِعِ هُوَ التِّلَاوَةُ كَمَا مَرَّ عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي لَا عَكْسُهُ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى سَبَبِيَّةِ السَّمَاعِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِالسَّمَاعِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى سَبَبِيَّةِ السَّمَاعِ وَلَمَّا كَانَ تَبَدُّلُ السَّمَاعِ بِتَبَدُّلِ الْمَسْمُوعِ أَتَى بِقَوْلِهِ أَوْ الْآيَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ أَوْ السَّمَاعِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فَتَجِبُ سَجْدَةٌ أَوْ سَجَدَاتٌ) أَيْ بِقَدْرِ تَعَدُّدِ التِّلَاوَةِ، وَقَوْلُهُ أُخْرَى صِفَةٌ سَجْدَةٍ وَيُقَدَّرُ لِقَوْلِهِ أَوْ سَجَدَاتٌ صِفَةٌ غَيْرُهَا أَيْ أُخَرُ فَفِيهِ حَذْفُ الصُّفَّةِ لِدَلِيلٍ وَإِقْحَامُ الْمَعْطُوفِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَصِفَتِهِ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ زَوَايَا مَسْجِدٍ) أَيْ وَلَوْ كَبِيرًا عَلَى الْأَوْجَهِ وَكَذَا الْبَيْتُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ الدَّارُ كَبِيرَةً كَدَارِ السُّلْطَانِ. اهـ. حِلْيَةٌ وَظَاهِرٌ أَنَّ الدَّارَ الَّتِي دُونَهَا لَهَا حُكْمُ الْبَيْتِ وَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى بُيُوتٍ، ثُمَّ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: ثُمَّ الْأَصْلُ عَلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ بِمَنْ يُصَلِّي فِي طَرَفٍ مِنْهُ يُجْعَلُ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ وَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ فِيهِ وَمَا لَا فَلَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ أَوْ تَسْدِيَةُ الثَّوْبِ أَوْ التَّرَدُّدُ فِي الدِّيَاسَةِ أَوْ حَوْلَ رَحَا الطَّحْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ الْمَكَانِ الْوَاحِدِ كَالْمَسْجِدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ الْوُجُوبُ بِتَكْرِيرِ التِّلَاوَةِ. اهـ.
قُلْت: هُوَ بَحْثٌ وَجِيهٌ، لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِمْ خِلَافُهُ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ وَالتَّسْدِيَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ أَعْمَالٌ أَجْنَبِيَّةٌ كَثِيرَةٌ يَخْتَلِفُ بِهَا الْمَجْلِسُ حُكْمًا كَالْكَلَامِ وَالْأَكْلِ الْكَثِيرِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَجْلِسَ يَخْتَلِفُ حُكْمًا بِمُبَاشَرَةِ عَمَلٍ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَطْعًا لِمَا قَبْلَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الْبَيْتِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِهَا حَقِيقَةً لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَكَانٌ وَاحِدٌ حُكْمًا وَبِهَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ يَخْتَلِفُ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ حُكْمِيٌّ، وَعَلَى كُلٍّ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ وَلِذَا قَيَّدَ فِي الْوَاقِعَاتِ الِانْتِقَالَ مِنْ غُصْنٍ إلَى غَيْرِهِ بِمَا إذَا احْتَاجَ إلَى نُزُولٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَيْ لِيَكُونَ عَمَلًا كَثِيرًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا لَهُ حُكْمُ الْمَكَانِ الْوَاحِدِ كَالْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ لَا يَضُرُّ الِانْتِقَالُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِعَمَلٍ أَجْنَبِيٍّ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَطْعًا لِمَا قَبْلَهُ كَالدِّيَاسَةِ وَالتَّسْدِيَةِ، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْمَشْيِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ بَلْ إطْلَاقُ كَلَامِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْأَجْنَبِيَّ كَالْأَكْلِ الْكَثِيرِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَضُرُّ هُنَا، وَلَوْ بِدُونِ مَشْيٍ وَانْتِقَالٍ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدُوهُ بِغَيْرِ الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ وَمُقْتَضَاهُ تَكْرَارُ الْوُجُوبِ لَوْ فَصَلَ بَيْنَ التِّلَاوَتَيْنِ بِعَمَلٍ دُنْيَوِيٍّ كَخِيَاطَةٍ وَحِيَاكَةٍ وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الْبَيْتِ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ فِي تَحْقِيقِ اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ حُكْمًا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَوْمَ يَجْلِسُونَ لِدَرْسِ الْعَالِمِ فَيَكُونُ مَجْلِسُ الدَّرْسِ ثُمَّ يَشْتَغِلُونَ بِالنِّكَاحِ فَيَصِيرُ مَجْلِسَ النِّكَاحِ، ثُمَّ بِالْبَيْعِ، فَيَصِيرُ مَجْلِسَ الْبَيْعِ، ثُمَّ بِالْأَكْلِ فَيَصِيرُ مَجْلِسَ الْأَكْلِ فَصَارَ تَبَدُّلُهُ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ كَتَبَدُّلِهِ بِالذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ. اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ يُدِيرُ السَّدَاءَ عَلَى الدَّائِرَةِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَكَان وَاحِدٍ، فَلَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ التِّلَاوَتَيْنِ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ إدَارَةِ الدَّائِرَةِ كَثِيرًا وَبَيْنَ الْأَكْلِ الْكَثِيرِ وَإِرْضَاعِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِهِ الْمَجْلِسُ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إذَا جَلَسَ لِلتَّسْدِيَةِ وَقَرَأَ مِرَارًا لَا تَكُونُ التَّسْدِيَةُ فَاصِلَةً لِكَوْنِ الْمَجْلِسِ لَهَا. وَعَلَيْهِ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ فَتَأَمَّلْ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي تَحْرِيرُهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَفِعْلٍ قَلِيلٍ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُعَدُّ قَاطِعًا لِلْمَجْلِسِ عُرْفًا كَمَا مَرَّ بِخِلَافِ مَا إذَا طَالَ جُلُوسُهُ أَوْ قِرَاءَتُهُ أَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوْ وَعَظَ أَوْ دَرَسَ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(قَوْلُهُ وَقِيَامٍ) أَيْ
стр. 773
وَرَدِّ سَلَامٍ، وَكَذَا دَابَّةٌ يُصَلِّي عَلَيْهَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجْمَعُ الْأَمَاكِنَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ تَتَكَرَّرُ (كَمَا) تَتَكَرَّرُ (لَوْ تُبَدَّل مَجْلِسُ سَامِعٍ دُونَ تَالٍ) حَتَّى لَوْ كَرَّرَهَا رَاكِبًا يُصَلِّي وَغُلَامُهُ يَمْشِي تَتَكَرَّرُ عَلَى الْغُلَامِ لَا الرَّاكِبِ (لَا) تَتَكَرَّرُ (فِي عَكْسِهِ) وَهُوَ تَبَدُّلُ مَجْلِسِ التَّالِي دُونَ السَّامِعِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَهَذَا يُفِيدُ تَرْجِيحَ سَبَبِيَّةِ السَّمَاعِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: تَتَكَرَّرُ إذْ لَا تَدَاخُلَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَأَمَّا الْعُطَاسُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَا يُشَمِّتُهُ خُلَاصَةٌ
(وَكُرِهَ تَرْكُ آيَةِ سَجْدَةٍ وَقِرَاءَةُ بَاقِي السُّورَةِ) لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ نَظْمِ الْقُرْآنِ
ــ
[رد المحتار]
فِي مَحَلِّهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ مَشَى خُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا عَلَى مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ وِرْدُ سَلَامٍ) أَيْ وَتَشْمِيتُ عَاطِسٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَكَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَوْ شَرِبَ جَرَعَاتٍ أَوْ عَقَدَ نِكَاحًا أَوْ بَيْعًا فَإِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا دَابَّةٌ) أَيْ سَائِرَةٌ ح (قَوْلُهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجْمَعُ الْأَمَاكِنَ) ضَرُورَةً أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَكَانِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ، وَمُفَادُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ كَوْنِ التَّكْرَارِ فِي رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ بِتَكْرَارِهَا فِي رَكْعَتَيْنِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ تَتَكَرَّرُ) لِأَنَّ سَيْرَهَا مُضَافٌ إلَيْهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ بِخِلَافِ سَيْرِ السَّفِينَةِ ح عَنْ الدُّرَرِ.
(قَوْلُهُ كَمَا تَتَكَرَّرُ) أَيْ عَلَى السَّامِعِ دُونَ التَّالِي وَفِي عَكْسِهِ بِعَكْسِهِ ط.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ تَكَرَّرَ مَجْلِسُهُ مِنْ سَامِعٍ أَوْ تَالٍ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ.
(قَوْلُهُ وَغُلَامُهُ يَمْشِي) أَقُولُ: وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ رَاكِبًا مَعَهُ لِمَا فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لَوْ كَانَ الْمُصَلِّي عَلَى الدَّابَّةِ فِي مَحْمَلٍ وَكَرَّرَهَا مِرَارًا يَتَّحِدُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ وَيَتَعَدَّدُ فِي حَقِّ عَدِيلِهِ لِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ فِي حَقِّ السَّامِعِ اهـ أَيْ إلَّا إذَا اقْتَدَى بِهِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ رَاكِبَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُصَلِّي صَلَاةَ نَفْسِهِ فَتَلَا أَحَدُهُمَا آيَةً مَرَّتَيْنِ وَالْآخَرُ آيَةً أُخْرَى مَرَّةً وَسَمِعَ كُلٌّ مِنْ الْآخَرِ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ سَجْدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: فِي الصَّلَاةِ لِقِرَاءَتِهِ، وَالْأُخْرَى بَعْدَ الْفَرَاغِ لِقِرَاءَةِ صَاحِبِهِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ صَلَاتِيَّةً وَعَلَى الثَّانِي سَجْدَةٌ فِي صَلَاتِهِ لِقِرَاءَتِهِ وَسَجْدَتَانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ لِتِلَاوَتَيْ صَاحِبِهِ عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ وَوَاحِدَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ لِأَنَّ السَّامِعَ مَكَانُهُ وَاحِدٌ وَكَذَا التَّالِي. اهـ.
(قَوْلُهُ تَتَكَرَّرُ عَلَى الْغُلَامِ) لِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ الرَّاكِبِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجْمَعُ الْمُتَفَرِّقَ ط (قَوْلُهُ لَا تَتَكَرَّرُ) أَيْ عَلَى السَّامِعِ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ) رَاجِعٌ إلَى صُورَةِ الْعَكْسِ فَقَطْ، وَمُقَابِلُهُ مَا صَحَّحَهُ فِي الْكَافِي مِنْ تَكَرُّرِهَا عَلَى السَّامِعِ أَيْضًا لِأَنَّ التِّلَاوَةَ هِيَ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا لَكِنْ بِشَرْطِ السَّمَاعِ وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ الْأَوَّلَ. قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَالَ الْفَقِيرُ وَبِهِ نَأْخُذُ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ فَكَذَلِكَ) أَيْ كَالسَّجْدَةِ تَتَكَرَّرُ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ الشَّرِيفِ أَوْ سَمَاعِهِ فِي مَجْلِسَيْنِ لَا فِي مَجْلِسٍ، وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ، وَلَوْ كَرَّرَهَا فِي مَجْلِسَيْنِ إلَخْ كَمَا فَعَلَ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا كَحُكْمِ السَّجْدَةِ فِي عَدَمِ تَكَرُّرِ الْوُجُوبِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، لَكِنْ يُنْدَبُ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ دُونَ السُّجُودِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ﷺ يُتَقَرَّبُ بِهَا مُسْتَقِلَّةً وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ بِخِلَافِ السَّجْدَةِ فَإِنَّهَا لَا يُتَقَرَّبُ بِهَا مُسْتَقِلَّةً مِنْ غَيْرِ تِلَاوَةٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: تَتَكَرَّرُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ وَقَدَّمْنَا تَرْجِيحَهُ. اهـ. وَتَقَدَّمَ هَذَا الْبَحْثُ فِي فَصْلِ إذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي هُنَا وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ فِي زَادِ الْفَقِيرِ.
(قَوْلُهُ فَالْأَصَحُّ إلَخْ) وَقِيلَ مَرَّةٌ وَقِيلَ إلَى الْعَشْرِ وَقِيلَ كُلَّمَا عَطَسَ ح وَإِنَّمَا يَجِبُ تَشْمِيتُهُ إذَا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى كَذَا فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ
(قَوْلُهُ فِيهِ إلَخْ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ فِيهِ هَجْرَ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَنَّهُ فِرَارٌ
стр. 774
وَتَغْيِيرَ تَأْلِيفِهِ وَاتِّبَاعُ النَّظْمِ وَالتَّأْلِيفِ مَأْمُورٌ بِهِ بَدَائِعُ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ (لَا) يُكْرَهُ (عَكْسُهُ وَ) لَكِنْ (نُدِبَ ضَمُّ آيَةٍ أَوْ آيَتَيْنِ إلَيْهَا) قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لِدَفْعِ وَهْمِ التَّفْضِيلِ إذْ الْكُلُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ فِي رُتْبَةٍ وَإِنْ كَانَ لِبَعْضِهَا زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ بِاشْتِمَالِهِ عَلَى صِفَاتِهِ تَعَالَى وَاسْتُحْسِنَ إخْفَاؤُهَا عَنْ سَامِعٍ غَيْرِ مُتَهَيِّئٍ لِلسُّجُودِ. وَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي وُجُوبِهَا عَلَى مُتَشَاغِلٍ بِعَمَلٍ وَلَا يَسْمَعُهَا وَالرَّاجِحُ الْوُجُوبُ زَجْرًا لَهُ عَنْ تَشَاغُلِهِ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ فَنُزِّلَ سَامِعًا لِأَنَّهُ بِعُرْضَةِ أَنْ يَسْمَعَ
(وَلَوْ سَمِعَ آيَةَ سَجْدَةٍ) مِنْ قَوْمٍ (مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (حَرْفًا لَمْ يَسْجُدْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ تَالٍ خَانِيَّةٌ فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ اتِّحَادَ التَّالِي شَرْطٌ.
[مُهِمَّةٌ لِكُلِّ مُهِمَّةٍ] فِي الْكَافِي:
ــ
[رد المحتار]
مِنْ السَّجْدَةِ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ وَتَغْيِيرَ تَأْلِيفِهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ح.
(قَوْلُهُ مَأْمُورٌ بِهِ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أَيْ تَأْلِيفَهُ فَتْحٌ عَنْ الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ إلَخْ) هُوَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَعَنْ الْبَدَائِعِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَا يُكْرَهُ عَكْسُهُ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ لَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنْ بَيْنِ السُّورَةِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةُ مَا هُوَ مِنْ الْقُرْآنِ طَاعَةٌ كَقِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنْ بَيْنِ السُّوَرِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَا تَحْرِيمًا وَلَا تَنْزِيهًا لِأَنَّهُ جَعَلَ قِرَاءَةَ الْآيَةِ كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ وَلَا كَرَاهَةَ فِي قِرَاءَةِ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ أَصْلًا فَكَذَا الْآيَةُ الْوَاحِدَةُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَنُدِبَ إلَخْ فَقَدْ ذَكَرْنَا مِرَارًا أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا إلَّا بِدَلِيلٍ فَتَأَمَّلْ هَذَا وَفِي الْبَحْرِ: وَقَيَّدَ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ فِي الْخَانِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ اهـ أَمَّا فِيهَا فَمَكْرُوهٌ قُهُسْتَانِيُّ.
قُلْت: وَبَيَّنَ وَجْهَهُ فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ قَالُوا وَيَجِبُ أَنْ يُكْرَهَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى آيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهُ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَهُوَ قِرَاءَةُ ثَلَاثِ آيَاتٍ لَا لِلْعِلَّةِ الْآتِيَةِ فِي الشَّرْحِ.
(قَوْلُهُ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا) أَخَذَ التَّعْمِيمَ مِنْ قَوْلِ الْخَانِيَّةِ إنْ قَرَأَ مَعَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ فَهُوَ أَحَبُّ وَكَذَا عَبَّرَ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ مُحَمَّدًا قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا التَّعْمِيمَ مِنْ عُمُومِ التَّعْلِيلِ إذْ دَفْعُ الْوَهْمِ لَا يَخْتَصُّ بِمَا قَبْلَهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا إذَا قَرَأَ آيَةً قَبْلَهَا وَآيَةً بَعْدَهَا وَتَشْمَلُهُ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ.
(قَوْلُهُ بِاشْتِمَالِهِ عَلَى صِفَاتِهِ تَعَالَى) فَزِيَادَةُ الْفَضِيلَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ لَا بِاعْتِبَارِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قُرْآنٌ بَحْرٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَشْكُلُ مَا وَرَدَ مِنْ تَفْضِيلِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَاسْتُحْسِنَ إخْفَاؤُهَا إلَخْ) لِأَنَّهُ لَوْ جَهَرَ بِهَا لَصَارَ مُوجِبًا عَلَيْهِمْ شَيْئًا رُبَّمَا يَتَكَاسَلُونَ عَنْ أَدَائِهِ فَيَقَعُونَ فِي الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ كَانُوا مُتَهَيَّئِينَ جَهَرَ بِهَا بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَيْهِ أَدَاءُ السَّجْدَةِ فَإِنْ وَقَعَ أَخْفَاهَا اهـ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِمْ أَنْ يُخْفِيَهَا نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ وَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ إلَخْ) أَقُولُ: صَحَّحَ عَدَمَ الْوُجُوبِ فِي الذَّخِيرَةِ والتتارخانية كَذَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْحِلْيَةِ. نَعَمْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي وُجُوبِ السُّجُودِ وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ السَّمَاعَ فِي حَقِّ السَّامِعِ شَرْطٌ أَوْ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَا يُوجَدُ الْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ الْمَشْرُوطُ أَوْ الْمُسَبَّبُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْوُجُوبِ، كَمَا فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْمُعْتَمَدِ الْوُجُوبَ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُتَشَاغِلَ نَزَّلَ سَامِعًا لِأَنَّهُ بِعَرَضَةِ أَنْ يَسْمَعَ وَاللَّائِقُ بِهِ أَنْ يُكَلَّفَ بِهِ زَجْرًا لَهُ عَنْ تَشَاغُلِهِ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ ﷻ اهـ مَا فِي الْمِنَحِ مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ حَرْفًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلسَّجْدَةِ تِلَاوَةُ أَكْثَرِ الْآيَةِ مَعَ حَرْفِ السَّجْدَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرْفِ الْكَلِمَةُ وَيَكُونُ الْحَرْفُ الْحَقِيقِيُّ مَفْهُومًا بِالْأَوْلَى ح وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ فَقَدْ أَفَادَ) أَيْ صَاحِبُ الْخَانِيَّةِ بِتَعْلِيلِهِ الْمَذْكُورِ ط (قَوْلُهُ مُهِمَّةٌ لِكُلِّ مُهِمَّةٍ) أَيْ هَذِهِ فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ الْمُسْلِمُ
стр. 775
قِيلَ مَنْ قَرَأَ آيَ السَّجْدَةِ كُلَّهَا فِي مَجْلِسٍ وَسَجَدَ لِكُلٍّ مِنْهَا كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا وِلَاءً ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْجُدَ لِكُلٍّ بَعْدَ قِرَاءَتِهَا وَهُوَ غَيْرُهُ مَكْرُوهٌ كَمَا مَرَّ.
وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ: مُسْتَحَبَّةٌ بِهِ يُفْتَى
ــ
[رد المحتار]
هِمَّتَهُ إلَى تَعَلُّمِهَا لِأَجْلِ دَفْعِ كُلِّ مُهِمَّةٍ أَيْ كُلِّ حَادِثَةٍ تُهِمُّهُ وَتُحْزِنُهُ.
(قَوْلُهُ آيَ السَّجْدَةِ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ جَمْعُ آيَةٍ (قَوْلُهُ وِلَاءٍ) بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوَّلًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ أَوَّلًا يَسْرُدُهَا مُتَوَالِيَةً ثُمَّ يَسْجُدُ لِلْكُلِّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً.
(قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا أَوْرَدَ الْكَمَالُ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَرَأَهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ نَظْمِ الْقُرْآنِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ اتِّبَاعَ النَّظْمِ مَأْمُورٌ بِهِ. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ قِرَاءَةَ آيَةٍ مِنْ السُّورَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ كَمَا مَرَّ تَعْلِيلُهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا مَرَّ فِي قِرَاءَةِ آيَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَّا إذَا قَرَأَ آيَاتِ السَّجْدَةِ وَضَمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ النَّظْمِ وَإِحْدَاثُ تَأْلِيفٍ جَدِيدٍ كَمَا نَقَلَهُ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ، فَلِذَا أَجَابَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلنَّهْرِ بِحَمْلِ مَا فِي الْكَافِي عَلَى مَا إذَا سَجَدَ لِكُلِّ آيَةٍ بَعْدَ قِرَاءَتِهَا فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَغْيِيرُ النَّظْمِ لِحُصُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ آيَتَيْنِ بِالسُّجُودِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَرَأَهَا وِلَاءً ثُمَّ سَجَدَ لَهَا فَهَذَا يُكْرَهُ.
قُلْت: لَكِنْ تَقَدَّمَ قُبَيْلَ فَصْلِ الْقِرَاءَةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عَقِبَ الصَّلَاةِ قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَوْ كَانَ ضَمَّ آيَةً إلَى آيَةٍ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ مَكْرُوهًا لَزِمَ كَرَاهَةُ ضَمِّ آيَةِ الْكُرْسِيِّ إلَى الْمُعَوِّذَاتِ لِتَغْيِيرِ النَّظْمِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِمَا عَلِمْت بِدَلِيلِ أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً أُخْرَى أَوْ آيَاتٍ أُخَرَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ تَغْيِيرًا لِلنَّظْمِ لَكُرِهَ. فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ تَغْيِيرَ النَّظْمِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ أَوْ الْآيَاتِ مِنْ السُّورَةِ لَا بِذِكْرِ كَلِمَةٍ أَوْ آيَةٍ، فَكَمَا لَا يَكُونُ قِرَاءَةُ سُوَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ أَثْنَاءِ الْقُرْآنِ مُغَيِّرًا لِلتَّأْلِيفِ وَالنَّظْمِ لَا يَكُونُ قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ مُغَيِّرًا لَهُ اهـ:
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمَكْرُوهَ إسْقَاطُ آيَةِ السَّجْدَةِ مِنْ السُّورَةِ مَعَ ضَمِّ مَا بَعْدَهَا إلَى مَا قَبْلَهَا لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلنَّظْمِ، أَمَّا ضَمُّ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَلَا يُكْرَهُ كَمَا لَا يُكْرَهُ ضَمُّ سُوَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِي قِرَاءَةِ آيَاتِ السَّجْدَةِ وِلَاءً فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْكَافِي عَلَى ظَاهِرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ (قَوْلُهُ وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ) كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا بَعْدَ إنْهَاءِ الْكَلَامِ عَلَى سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ ط وَهِيَ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَالًا أَوْ وَلَدًا أَوْ انْدَفَعَتْ عَنْهُ نِقْمَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ تَعَالَى شُكْرًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا وَيُسَبِّحُهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ سِرَاجٌ.
(قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) هُوَ قَوْلُهُمَا. وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَنَقَلَ عَنْهُ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ قَالَ لَا أَرَاهَا وَاجِبَةً لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ مُتَوَاتِرَةٌ وَفِيهِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَنَقَلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَاهَا شَيْئًا وَتَكَلَّمَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي مَعْنَاهُ؛ فَقِيلَ لَا يَرَاهَا سُنَّةً، وَقِيلَ شُكْرًا تَامًّا لِأَنَّ تَمَامَهُ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فَعَلَ ﵊ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقِيلَ أَرَادَ نَفْيَ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ نَفْيَ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَأَنَّ فِعْلَهَا مَكْرُوهٌ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ بَلْ تَرْكُهُ أَوْلَى وَعَزَاهُ فِي الْمُصَفَّى إلَى الْأَكْثَرِينَ فَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ الْأَكْثَرِينَ ثُبُوتَ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ بِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْ عِبَارَتَيْهِ السَّابِقَتَيْنِ مُحْتَمِلٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ لِأَنَّهَا قَدْ جَاءَ فِيهَا غَيْرُ مَا حَدِيثٍ وَفَعَلَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ فَلَا يَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْ فِعْلِهِ ﷺ بِالنَّسْخِ كَذَا فِي الْحِلْيَةِ مُلَخَّصًا وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِيهَا وَفِي الْإِمْدَادِ
стр. 776
لَكِنَّهَا تُكْرَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْجَهَلَةَ يَعْتَقِدُونَهَا سُنَّةً أَوْ وَاجِبَةً وَكُلُّ مُبَاحٍ يُؤَدِّي إلَيْهِ فَمَكْرُوهٌ، وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي مُخَافَتَةٍ وَنَحْوِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ تُؤَدَّى بِرُكُوعِ الصَّلَاةِ أَوْ سُجُودِهَا وَلَوْ تَلَا عَلَى الْمِنْبَرِ سَجَدَ وَسَجَدَ السَّامِعُونَ.
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى شَرْطِهِ أَوْ مَحِلِّهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التِّلَاوَةَ عَارِضٌ هُوَ عِبَادَةٌ وَالسَّفَرَ عَارِضٌ مُبَاحٌ إلَّا بِعَارِضٍ
ــ
[رد المحتار]
فَرَاجِعْهُمَا. وَفِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ عَنْهُ ﵊ فَلَا يُمْنَعُ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُضُوعِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي فُرُوقِ الْأَشْبَاهِ: سَجْدَةُ الشُّكْرِ جَائِزَةٌ عِنْدَهُ لَا وَاجِبَةٌ وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً وُجُوبًا وَفِيهَا مِنْ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي سُنِّيَّتِهَا لَا فِي الْجَوَازِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لَكِنَّهَا تُكْرَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ) الضَّمِيرُ لِلسَّجْدَةِ مُطْلَقًا. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ آخِرَ الْكِتَابِ عَنْ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِلزَّاهِدِيِّ: أَمَّا بِغَيْرِ سَبَبٍ فَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَمَا يُفْعَلُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ فَمَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْجُهَّالَ يَعْتَقِدُونَهَا سُنَّةً أَوْ وَاجِبَةً وَكُلُّ مُبَاحٍ يُؤَدِّي إلَيْهِ فَمَكْرُوهٌ انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ لَا تُكْرَهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ فِعْلُهَا إلَى اعْتِقَادِ الْجَهَلَةِ سُنِّيَّتَهَا كَاَلَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَرَأَيْت مَنْ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْوِتْرِ وَيَذْكُرُ أَنَّ لَهَا أَصْلًا وَسَنَدًا فَذَكَرْت لَهُ مَا هُنَا فَتَرَكَهَا ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَ فِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ» إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ ". فَحَدِيثٌ مَوْضُوعٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
(قَوْلُهُ فَمَكْرُوهٌ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِأَنَّهُ يُدْخِلُ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ط.
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ إلَخْ) لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَ السُّجُودَ لَهَا فَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا وَإِنْ سَجَدَ يَشْتَبِهُ عَلَى الْمُقْتَدِينَ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَنَحْوِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) أَشَارَ بِنَحْوِ إلَى أَنَّ الظُّهْرَ مَثَلًا لَوْ أُدِّيَتْ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَهِيَ كَذَلِكَ أَفَادَهُ ح.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ إلَخْ) بِأَنْ كَانَتْ فِي آخِرِ السُّورَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ فِي الْوَسَطِ وَرَكَعَ لَهَا فَوْرًا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ قَالَ ح: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْوِيَهَا فِي الرُّكُوعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَحْذُورِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ الْقُنْيَةِ أَيْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُؤْتَمَّ إذَا لَمْ يَنْوِهَا فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَيُعِيدَ الْقَعْدَةَ.
(قَوْلُهُ سَجَدَ) أَيْ فَوْقَهُ أَوْ تَحْتَهُ تَتَارْخَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ وَسَجَدَ السَّامِعُونَ) أَيْ لَا غَيْرُهُمْ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ تَتَارْخَانِيَّةٌ. وَفِي الْبَدَائِعِ: وَلَوْ تَلَاهَا الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَجَدَهَا وَسَجَدَهَا مَعَهُ مَنْ سَمِعَهَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ تَلَا سَجْدَةً عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ» اهـ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ]
قَدَّرَ الشَّارِحُ صَلَاةً لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْبَابِ. وَالسَّفَرُ لُغَةً قَطْعُ الْمَسَافَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَالْمُرَادُ سَفَرٌ خَاصٌّ وَهُوَ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَإِبَاحَةِ الْفِطْرِ وَامْتِدَادِ مُدَّةِ الْمَسْحِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَسُقُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَحُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَلَى الْحُرَّةِ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ ط عَنْ الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ) أَيْ الصَّلَاةِ إلَى شَرْطِهِ أَيْ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لَهَا ح. وَفِيهِ أَنَّ الشَّرْطَ السَّفَرُ لَا الْمُسَافِرُ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ.
(قَوْلُهُ أَوْ مَحَلِّهِ) فَإِنَّ الْمُسَافِرَ مَحَلٌّ لَهَا أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى فَاعِلِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّ كُلَّ فَاعِلٍ مَحَلٌّ وَلَا عَكْسَ ح (قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى) شُرُوعٌ فِي وَجْهِ تَأْخِيرِهِ عَنْ التِّلَاوَةِ وَيُعْلَمُ مِنْهُ الْمُنَاسَبَةُ وَهِيَ الْعُرُوض فِي كُلٍّ ط أَيْ الْعُرُوضِ الْمُكْتَسَبِ بِخِلَافِ السَّهْوِ وَالْمَرَضِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَارِضٌ سَمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ إلَّا بِعَارِضٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ عِبَادَةٌ وَقَوْلُهُ مُبَاحٌ:
стр. 777
فَلِذَا أُخِّرَ؛ وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ.
(مَنْ خَرَجَ مِنْ عِمَارَةِ مَوْضِعِ إقَامَتِهِ) مِنْ جَانِبِ خُرُوجِهِ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: إنْ كَانَ
ــ
[رد المحتار]
أَيْ الْأَصْلُ فِي التِّلَاوَةِ الْعِبَادَةُ إلَّا بِعَارِضٍ نَحْوِ رِيَاءٍ أَوْ سُمْعَةٍ أَوْ جَنَابَةٍ فَتَكُونُ مَعْصِيَةً وَفِي السَّفَرِ الْإِبَاحَةُ إلَّا بِعَارِضٍ نَحْوِ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ فَيَكُونُ طَاعَةً أَوْ نَحْوِ قَطْعِ طَرِيقٍ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً.
(قَوْلُهُ فَلِذَا أُخِّرَ) أَيْ لِكَوْنِ الْأَصْلِ فِيهِ الْإِبَاحَةَ فَإِنَّهُ دُونَ مَا الْأَصْلُ فِيهِ الْعِبَادَةُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَسْفُرُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ الثَّلَاثِي ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ.
(قَوْلُهُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ) أَوْ لِأَنَّهُ يَسْفُرُ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ أَيْ يَكْشِفُ، وَعَلَيْهِمَا فَالْمُفَاعَلَةُ بِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّفْرَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ غَالِبًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ صَاحِبِهِ أَوْ أَنَّهُ يَنْكَشِفُ لِلْأَرْضِ وَهِيَ تَنْكَشِفُ لَهُ ح.
(قَوْلُهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ عِمَارَةِ مَوْضِعِ إقَامَتِهِ) أَرَادَ بِالْعِمَارَةِ مَا يَشْمَلُ بُيُوتَ الْأَخْبِيَةِ لِأَنَّ بِهَا عِمَارَةُ مَوْضِعِهَا.
قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: فَيُشْتَرَطُ مُفَارَقَتُهَا وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى مَاءٍ أَوْ مُحْتَطَبٍ يُعْتَبَرُ مُفَارَقَتُهُ كَذَا فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ، وَلَعَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَطَبًا وَاسِعًا جِدًّا اهـ وَكَذَا مَا لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ نَهْرًا بَعِيدَ الْمَنْبَعِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مُفَارَقَةُ مَا كَانَ مِنْ تَوَابِعِ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ كَرُبَضِ الْمِصْرِ وَهُوَ مَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ بُيُوتٍ وَمَسَاكِنَ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمِصْرِ وَكَذَا الْقُرَى الْمُتَّصِلَةُ بِالرُّبَضِ فِي الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ الْبَسَاتِينِ، وَلَوْ مُتَّصِلَةً بِالْبِنَاءِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْبَلْدَةِ وَلَوْ سَكَنَهَا أَهْلُ الْبَلْدَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ أَوْ بَعْضِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ سُكْنَى الْحَفَظَةِ وَالْأُكْرَةِ اتِّفَاقٌ إمْدَادٌ.
وَأَمَّا الْفِنَاءُ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِمَصَالِحِ الْبَلَدِ كَرَكْضِ الدَّوَابِّ وَدَفْنِ الْمَوْتَى وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ، فَإِنْ اتَّصَلَ بِالْمِصْرِ اُعْتُبِرَ مُجَاوَزَتُهُ وَإِنْ انْفَصَلَ بِغَلْوَةٍ أَوْ مَزْرَعَةٍ فَلَا كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَتَصِحُّ إقَامَتُهَا فِي الْفِنَاءِ وَلَوْ مُنْفَصِلًا بِمَزَارِعَ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ مِنْ مَصَالِحِ الْبَلَدِ بِخِلَافِ السَّفَرِ كَمَا حَقَّقَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِهَا، وَالْقَرْيَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْفِنَاءِ دُونَ الرُّبَضِ لَا تُعْتَبَرُ مُجَاوَزَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
أَقُولُ: إذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَيْدَانَ الْحَصَا فِي دِمَشْقَ مِنْ رُبَضِ الْمِصْرِ وَأَنَّ خَارِجَ بَابِ اللَّهِ إلَى قَرْيَةِ الْقُدَمِ مِنْ فِنَائِهِ لِأَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْجَبَّانَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْعُمْرَانِ وَهُوَ مُعَدٌّ لِنُزُولِ الْحَاجِّ الشَّرِيفِ فَإِنَّهُ قَدْ يَسْتَوْعِبُ نُزُولَهُمْ مِنْ الْجَبَّانَةِ إلَى مَا يُحَاذِي الْقَرْيَةَ الْمَذْكُورَةَ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ الْقَصْرُ فِيهِ لِلْحَجَّاجِ وَكَذَا الْمُرْجَةُ الْخَضْرَاءُ فَإِنَّهَا مُعَدَّةٌ لِقَصْرِ الثِّيَابِ وَرَكْضِ الدَّوَابِّ وَنُزُولِ الْعَسَاكِرِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ صَدْرَ الْبَازِ بِنَاءً عَلَى مَا حَقَّقَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ مِنْ أَنَّ الْفِنَاءَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ كِبَرِ الْمِصْرِ وَصِغَرِهِ فَلَا يَلْزَمُ تَقْدِيرُهُ بِغَلْوَةٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَلَا بِمِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
(قَوْلُهُ مِنْ جَانِبِ خُرُوجِهِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ عُمْرَانَ مَا خَرَجَ مِنْهُ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي خَرَجَ، حَتَّى لَوْ كَانَ ثَمَّةَ مَحَلَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْمِصْرِ، وَقَدْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يُجَاوِزْهَا
وَلَوْ جَاوَزَ الْعُمْرَانَ مِنْ جِهَةِ خُرُوجِهِ وَكَانَ بِحِذَائِهِ مَحَلَّةٌ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ يَصِيرُ مُسَافِرًا إذْ الْمُعْتَبَرُ جَانِبُ خُرُوجِهِ اهـ وَأَرَادَ بِالْمَحَلَّةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مَا كَانَ عَامِرًا أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْمَحَلَّة خَرَابًا لَيْسَ فِيهَا عِمَارَةٌ فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلَوْ مُتَّصِلَةً بِالْمِصْرِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَعَلَى هَذَا لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْمَدَارِسِ الَّتِي فِي سَفْحِ قَاسِيُونَ إلَّا مَا كَانَ لَهُ أَبْنِيَةٌ قَائِمَةٌ كَمَسْجِدِ الْأَفْرَمِ وَالنَّاصِرِيَّةِ، بِخِلَافِ مَا صَارَ مِنْهَا بَسَاتِينَ وَمَزَارِعَ كَالْأَبْنِيَةِ الَّتِي فِي طَرِيقِ الرَّبْوَةِ ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَحَلَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ كَانَ الْعُمْرَانُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَتِهِ لِمَا فِي الْإِمْدَادِ لَوْ حَاذَاهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَقَطْ لَا يَضُرُّهُ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُحَاذَاةَ الْفِنَاءِ الْمُتَّصِلِ كَمُحَاذَاةِ الْعُمْرَانِ، بَقِيَ هَلْ الْمُرَادُ بِالْجَانِبِ الْبَعِيدُ أَوْ مَا يَشْمَلُ الْقَرِيبَ؟ وَعَلَيْهِ فَلْيُنْظَرْ فِيمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ جِهَةِ الْمُرْجَةِ الْخَضْرَاءِ
стр. 778
بَيْنَ الْفِنَاءِ وَالْمِصْرِ أَقَلُّ مِنْ غَلْوَةٍ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ وَإِلَّا فَلَا (قَاصِدًا) وَلَوْ كَافِرًا، وَمَنْ طَافَ الدُّنْيَا بِلَا قَصْدٍ لَمْ يَقْصُرْ (مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا) مِنْ أَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ سَفَرُ كُلِّ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ
ــ
[رد المحتار]
فَوْقَ الشَّرَفِ الْأَعْلَى مِنْ الطَّرِيقِ فَإِنَّ الْمُرْجَةَ أَسْفَلَ مِنْهُ وَهِيَ مِنْ الْفِنَاءِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا هُوَ فَإِنَّهُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ تُرْبَةِ الْبَرَامِكَةِ لَيْسَ مِنْ الْفِنَاءِ مَعَ أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْعُمْرَانِ بِمَزَارِعَ وَفِيهِ مَزَارِعُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُجَاوِزَ مَا يُحَاذِيهِ مِنْ الْمُرْجَةِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ أَمْ لَا؟ فَلْيُحَرَّرْ. وَالظَّاهِرُ اشْتِرَاطُ مُجَاوَزَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جَانِبِ خُرُوجِهِ لَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ أَقَلُّ مِنْ غَلْوَةٍ) هِيَ ثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ هُوَ الْأَصَحُّ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى.
(قَوْلُهُ قَاصِدًا) أَشَارَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِ خَرَجَ إلَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ وَلَمْ يَقْصِدْ أَوْ قَصَدَ وَلَمْ يَخْرُجْ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا ح.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَشَارَ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلِذَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي السَّفِينَةِ حَالَ إقَامَتِهِ فِي طَرَفِ الْبَحْرِ فَنَقَلَتْهَا الرِّيحُ وَنَوَى السَّفَرَ يُتِمُّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ مَا يُوجِبُ الْأَرْبَعَ وَمَا يَمْنَعُ فَرَجَّحْنَا مَا يُوجِبُ الْأَرْبَعَ احْتِيَاطًا اهـ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ قَصْدُهُ لَوْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِرَأْيِهِ، فَلَوْ تَابِعًا لِغَيْرِهِ فَالِاعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْمَتْبُوعِ كَمَا سَيَأْتِي وَعَلَيْهِ خُرِّجَ فِي الْبَحْرِ مَا فِي التَّجْنِيسِ لَوْ حَمَلَهُ آخَرُ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ مَعَهُ يُتِمُّ حَتَّى يَسِيرَ ثَلَاثًا فَيَقْصُرُ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الْقَصْرُ مِنْ حِينِ حُمِلَ؛ وَلَوْ صَلَّى قَصْرًا مِنْ يَوْمِ الْحَمْلِ صَحَّ إلَّا إذَا سَارَ بِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُقِيمٌ وَفِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ اهـ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مَعَ قَصْدِ السَّفَرِ كَافٍ وَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ تَمَامِهِ كَمَا يَأْتِي؛ حَتَّى لَوْ سَارَ يَوْمًا وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى فِيهِ لِعُذْرٍ ثُمَّ رَجَعَ يَقْضِيهِ قَصْرًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَافِرًا) فِيهِ أَنَّهُ يَشْمَلُ الصَّبِيَّ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْفُرُوعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ السَّفَرَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ بِلَا قَصْدٍ) بِأَنْ قَصَدَ بَلْدَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا يَوْمَانِ لِلْإِقَامَةِ بِهَا فَلَمَّا بَلَغَهَا بَدَا لَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى بَلْدَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا يَوْمَانِ وَهَلُمَّ جَرًّا. ح. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَلَى هَذَا قَالُوا أَمِيرٌ خَرَجَ مَعَ جَيْشِهِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ يُدْرِكُهُمْ فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ الْمُكْثُ؛ أَمَّا فِي الرُّجُوعِ فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةَ سَفَرٍ قَصَرَ. اهـ.
(قَوْلُهُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا) الْأَوْلَى حَذْفُ اللَّيَالِيِ كَمَا فَعَلَ فِي الْكَنْزِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ السَّيْرُ فِيهَا مَعَ الْأَيَّامِ وَلِذَا قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ الْمُرَادُ بِالْأَيَّامِ النَّهَارُ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ اهـ نَعَمْ لَوْ قَالَ أَوْ لَيَالِيِهَا بِالْعَطْفِ بِأَوْ لَكَانَ أَوْلَى لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ قَصْدُ السَّفَرِ فِيهَا وَأَنَّ الْأَيَّامَ غَيْرُ قَيْدٍ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مِنْ أَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَعَزَاهُ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى الْعَتَّابِيِّ وَقَاضِي خَانْ وَصَاحِبِ الْمُحِيطِ، وَبَحَثَ فِيهِ فِي الْحِلْيَةِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ إبْقَاؤُهَا عَلَى إطْلَاقِهَا بِحَسَبِ مَا يُصَادِفُهُ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهَا طُولًا وَقِصَرًا وَاعْتِدَالًا إنْ لَمْ تُقَدَّرْ بِالْمُعْتَدِلَةِ الَّتِي هِيَ الْوَسَطُ. اهـ.
قُلْت: وَالْمُعْتَدِلَةُ هِيَ زَمَانُ كَوْنِ الشَّمْسِ فِي الْحَمَلِ أَوْ الْمِيزَانِ وَعَلَيْهَا مَشَى الْقُهُسْتَانِيُّ ثُمَّ قَالَ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا قَدَّرُوهُ بِأَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ (قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ) إذْ لَا بُدَّ لِلْمُسَافِرِ مِنْ النُّزُولِ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالصَّلَاةِ وَلِأَكْثَرِ النَّهَارِ حُكْمُ كُلِّهِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا بَكَّرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَسَارَ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ حَتَّى بَلَغَ الْمَرْحَلَةَ فَنَزَلَ بِهَا لِلِاسْتِرَاحَةِ وَبَاتَ بِهَا ثُمَّ بَكَّرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَسَارَ إلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ ثُمَّ بَكَّرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَمَشَى إلَى الزَّوَالِ فَبَلَغَ الْمَقْصِدَ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسَافِرًا عِنْدَ النِّيَّةِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَالْبُرْهَانِ إمْدَادٌ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ.
أَقُولُ: وَفِي قَوْلِهِ حَتَّى بَلَغَ الْمَرْحَلَةَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْطَعَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي تَرَكَ فِي أَوَّلِهِ الِاسْتِرَاحَاتِ الْمَرْحَلَةَ الْمُعْتَادَةَ الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي يَوْمٍ كَامِلٍ مَعَ الِاسْتِرَاحَاتِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّقْدِيرِ بِأَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْبِلَادِ الْمُعْتَدِلَةِ الَّتِي يُمْكِنُ قَطْعُ الْمَرْحَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي مُعْظَمِ الْيَوْمِ مِنْ أَقْصَرِ أَيَّامِهَا، فَلَا يَرِدُ أَنَّ أَقْصَرَ أَيَّامِ
стр. 779
بَلْ إلَى الزَّوَالِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْفَرَاسِخِ عَلَى الْمَذْهَبِ (بِالسَّيْرِ الْوَسَطِ مَعَ الِاسْتِرَاحَاتِ الْمُعْتَادَةِ) حَتَّى لَوْ أَسْرَعَ فَوَصَلَ فِي يَوْمَيْنِ قَصَرَ؛ وَلَوْ لِمَوْضِعٍ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا مُدَّةُ السَّفَرِ وَالْآخَرُ أَقَلُّ قَصَرَ فِي الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي.
(صَلَّى الْفَرْضَ الرُّبَاعِيَّ رَكْعَتَيْنِ) وُجُوبًا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَاةَ الْمُقِيمِ أَرْبَعًا
ــ
[رد المحتار]
السَّنَةِ فِي بِلَادِ بُلْغَارَ قَدْ يَكُونُ سَاعَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَسَافَةُ السَّفَرِ فِيهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ أَوْ أَقَلَّ لِأَنَّ الْقِصَرَ الْفَاحِشَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَالطُّولِ الْفَاحِشِ وَالْعِبَارَاتُ حَيْثُ أُطْلِقَتْ تُحْمَلُ عَلَى الشَّائِعِ الْغَالِبِ دُون الْخَفِيِّ النَّادِرِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ التَّقْدِيرُ بِالْمَرَاحِلِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ اهـ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ التَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ قَرِيبٌ مِنْ التَّقْدِيرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ مِنْ السَّيْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرْحَلَةٌ وَاحِدَةٌ خُصُوصًا فِي أَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ اهـ وَكَذَا مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ قِيلَ يُقَدَّرُ بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا وَقِيلَ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَقِيلَ بَخَمْسَةَ عَشَرَ وَكُلُّ مَنْ قَدَّرَ مِنْهَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اهـ أَيْ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فَكُلُّ قَائِلٍ قَدَّرَ مَا فِي بَلَدِهِ مِنْ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ أَوْ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ أَوْ أَطْوَلِهَا أَوْ الْمُعْتَدِلِ مِنْهَا وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ صَرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ مَا تُقْطَعُ فِيهَا الْمَرَاحِلُ الْمُعْتَادَةُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ بَلْ إلَى الزَّوَالِ) فَإِنَّ الزَّوَالَ أَكْثَرُ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ وَهُوَ نِصْفُ النَّهَارِ الْفَلَكِيِّ الَّذِي هُوَ مِنْ الطُّلُوعِ إلَى الْغُرُوبِ، ثُمَّ إنَّ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ فِي أَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ فِي مِصْرَ وَمَا سَاوَاهَا فِي الْعَرْضِ سَبْعُ سَاعَاتٍ إلَّا رُبُعًا فَمَجْمُوعُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ عِشْرُونَ سَاعَةً وَرُبْعٌ، وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فِي الْعَرْضِ ح.
قُلْت: وَمَجْمُوعُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي دِمَشْقَ عِشْرُونَ سَاعَةً إلَّا ثُلُثَ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا لِأَنَّ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ فِي أَقْصَرِ الْأَيَّامِ عِنْدَنَا سِتُّ سَاعَاتٍ وَثُلُثَا سَاعَةٍ إلَّا دَرَجَةً وَنِصْفًا، وَإِنْ اعْتَبَرْت ذَلِكَ بِالْأَيَّامِ الْمُعْتَدِلَةِ كَانَ مَجْمُوعُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَاعَةً وَنِصْفَ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا لِأَنَّ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ سَبْعُ سَاعَاتٍ وَنِصْفًا تَقْرِيبًا (قَوْلُهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْفَرَاسِخِ) الْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَالْمِيلُ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. اعْتِبَارُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ مِنْ تَقْدِيرِهَا بِالْفَرَاسِخِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ وَالْفَتْوَى عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ الْأَوْسَطُ. وَفِي الْمُجْتَبَى فَتْوَى أَئِمَّةِ خُوَارِزْمَ عَلَى الثَّالِثِ. وَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْفَرَاسِخَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّرِيقِ فِي السَّهْلِ وَالْجَبَلِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِخِلَافِ الْمَرَاحِلِ مِعْرَاجٌ (قَوْلُهُ بِالْيَسِيرِ الْوَسَطِ) أَيْ سَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَلِ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ السَّيْرِ لِأَنَّهُ يَكُونُ صُعُودًا وَهُبُوطًا وَمَضِيقًا وَوَعْرًا فَيَكُونُ مَشْيُ الْإِبِلِ وَالْأَقْدَامِ فِيهِ دُونَ سَيْرِهِمَا فِي السَّهْلِ. وَفِي الْبَحْرِ يُعْتَبَرُ اعْتِدَالُ الرِّيحِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ إمْدَادٌ فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ ذَلِكَ السَّيْرُ الْمُعْتَادُ فِيهِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيُرْجَعُ إلَيْهِمْ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ بَدَائِعُ، وَخَرَجَ سَيْرُ الْبَقَرِ بِجَرِّ الْعَجَلَةِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ أَبْطَأُ السَّيْرِ كَمَا إنَّ أَسْرَعَهُ سَيْرُ الْفَرَسِ وَالْبَرِيدِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ فَوَصَلَ) أَيْ إلَى مَكَانِ مَسَافَتِهِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ بَحْرٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَوْ وَصَلَ إلَيْهِ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ بِكَرَامَةٍ لَكِنْ اسْتَبْعَدَهُ فِي الْفَتْحِ بِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ وَهِيَ الْعِلَّةُ فِي الْقَصْرِ.
(قَوْلُهُ قَصَرَ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ اخْتَارَ السُّلُوكَ فِيهِ بِلَا غَرَضٍ صَحِيحٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ صَلَّى الْفَرْضَ الرُّبَاعِيَّ) خَبَرُ مَنْ فِي قَوْلِهِ مَنْ خَرَجَ، وَاحْتَرَزَ بِالْفَرْضِ عَنْ السُّنَنِ وَالْوِتْرِ وَبِالرُّبَاعِيِّ عَنْ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ.
(قَوْلُهُ وُجُوبًا) فَيُكْرَهُ الْإِتْمَامُ عِنْدَنَا حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ فَقَدْ أَسَاءَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ شَرْحُ الْمُنْيَةِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ اللَّهَ فَرَضَ إلَخْ) لَفْظُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «فَرَضَ اللَّهُ
стр. 780
وَالْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ» ، وَلِذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْلِهِمْ قَصَرَ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَتَا قَصْرًا حَقِيقَةً عِنْدَنَا بَلْ هُمَا تَمَامُ فَرْضِهِ وَالْإِكْمَالُ لَيْسَ رُخْصَةً فِي حَقِّهِ بَلْ إسَاءَةٌ.
قُلْت: وَفِي شُرُوحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ سَفَرًا وَحَضَرًا إلَّا الْمَغْرِبَ فَلَمَّا هَاجَرَ ﵊ وَاطْمَأَنَّ بِالْمَدِينَةِ زِيدَتْ إلَّا الْفَجْرَ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا وَالْمَغْرِبَ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرَّبَاعِيَةِ خُفِّفَ فِيهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] وَكَانَ قَصْرُهَا فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ اهـ كَلَامُهُمْ فَلْيُحْفَظْ
(وَلَوْ) كَانَ (عَاصِيًا بِسَفَرِهِ) لِأَنَّ الْقُبْحَ الْمُجَاوِرَ لَا يَعْدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ (حَتَّى يَدْخُلَ مَوْضِعَ مُقَامِهِ) إنْ سَارَ مُدَّةَ السَّفَرِ، وَإِلَّا فَيُتِمُّ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْعَوْدِ لِعَدَمِ اسْتِحْكَامِ
ــ
[رد المحتار]
الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» . اهـ. وَفِيهِ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ» وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْأَوَّلِ» ".
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ إلَخْ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلِذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَقَّبَ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَنَا عَزِيمَةٌ وَالْإِكْمَالَ رُخْصَةٌ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَهَذَا التَّلْقِيبُ عَلَى أَصْلِنَا خَطَأٌ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي حَقِّهِ لَيْسَتَا قَصْرًا حَقِيقَةً عِنْدَنَا بَلْ هُمَا تَمَامُ فَرْضِ الْمُسَافِرِ وَالْإِكْمَالُ لَيْسَ رُخْصَةً فِي حَقِّهِ بَلْ إسَاءَةٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ وَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ اسْمٌ لِمَا تَغَيَّرَ عَنْ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ بِعَارِضٍ إلَى تَخْفِيفٍ وَيُسْرٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَعْنَى التَّغْيِيرِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ رَأْسًا إذْ الصَّلَاةُ فِي الْأَصْلِ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَتْ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ كَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَفِي حَقِّ الْمُقِيمِ وُجِدَ التَّغْيِيرُ لَكِنْ إلَى الْغِلَظِ وَالشِّدَّةِ لَا إلَى السُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رُخْصَةً فِي حَقِّهِ أَيْضًا وَلَوْ سُمِّيَ فَهُوَ مَجَازٌ لِوُجُودِ بَعْضِ مَعَانِي الْحَقِيقَةِ وَهُوَ التَّغْيِيرُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ) إنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِهَا مِنْ النَّهَارِ بِوُقُوعِهَا عَقِبَهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَيْلِيَّةٌ لَا نَهَارِيَّةٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ) أَيْ فَإِنَّ بَعْضَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَصْلٌ وَبَعْضَهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَارِضٌ فَإِذَا حُمِلَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ زَالَ التَّعَارُضُ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا نَقَلَهُ شُرَّاحُ الْبُخَارِيِّ مِنْ الْجَمْعِ بِمَا ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهَا قَصْرٌ لَا إتْمَامٌ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَهُوَ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ فَرْضِيَّتُهَا أَرْبَعًا سَفَرًا وَحَضَرًا ثُمَّ قَصْرُهَا فِي السَّفَرِ وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِنَا. وَيُنَافِي هَذَا الْجَمْعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ لَمْ يَزِدْ فِيهَا أَصْلًا. وَأَمَّا الْآيَةُ فَالْمُرَادُ بِالْقَصْرِ فِيهَا قَصْرُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَفِعْلُهَا وَقْتَ الْخَوْفِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ) أَيْ بِسَبَبِ سَفَرِهِ بِأَنْ كَانَ مَبْنَى سَفَرِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ كَمَا لَوْ سَافَرَ لِقَطْعِ طَرِيقٍ مَثَلًا، وَهَذَا فِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَاصِي فِي السَّفَرِ بِأَنْ عَرَضَتْ الْمَعْصِيَةُ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقُبْحَ الْمُجَاوِرَ إلَخْ) هُوَ مَا يَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ، كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ فَإِنَّهُ قُبْحٌ لِتَرْكِ السَّعْيِ وَهُوَ قَابِلٌ لِلِانْفِكَاكِ إذْ قَدْ يُوجَدُ تَرْكُ السَّعْيِ بِدُونِ الْبَيْعِ، وَبِالْعَكْسِ فَكَذَا هُنَا لِإِمْكَانِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ مَثَلًا بِلَا سَفَرٍ وَبِالْعَكْسِ بِخِلَافِ الْقَبِيحِ لِعَيْنِهِ وَضْعًا كَالْكُفْرِ أَوْ شَرْعًا كَبَيْعِ الْحُرِّ فَإِنَّهُ يَعْدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ، وَتَمَامُ بَيَانِهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ (قَوْلُهُ حَتَّى يَدْخُلَ مَوْضِعَ مَقَامِهِ) أَيْ الَّذِي فَارَقَ بُيُوتَهُ سَوَاءٌ دَخَلَهُ بِنِيَّةِ الِاجْتِيَازِ أَوْ دَخَلَهُ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ لِأَنَّ مِصْرَهُ مُتَعَيِّنٌ لِلْإِقَامَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ جَوْهَرَةٌ، وَدَخَلَ فِي مَوْضِعِ الْمُقَامِ مَا أُلْحِقَ بِهِ كَالرُّبَضِ كَمَا أَفَادَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ (قَوْلُهُ إنْ سَارَ إلَخْ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ حَتَّى يَدْخُلَ إي إنَّمَا يَدُومُ عَلَى الْقَصْرِ إلَى الدُّخُولِ إنْ سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا فَيُتِمُّ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ فِي الْمَفَازَةِ
стр. 781
السَّفَرِ (أَوْ يَنْوِيَ) وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهَا وَلَمْ يَكُ لَاحِقًا (إقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ دَخَلَ الْحَاجُّ الشَّامَ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا مَعَ الْقَافِلَةِ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ أَتَمَّ لِأَنَّهُ كَنَاوِي الْإِقَامَةِ (بِمَوْضِعٍ) وَاحِدٍ (صَالِحٍ لَهَا) مِنْ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ صَحْرَاءِ دَارِنَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ (فَيَقْصُرُ إنْ نَوَى) الْإِقَامَةَ (فِي أَقَلَّ مِنْهُ) أَيْ فِي نِصْفِ شَهْرٍ (أَوْ) نَوَى (فِيهِ
ــ
[رد المحتار]
وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَحِلَّ فِطْرُهُ فِي رَمَضَانَ وَلَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ يَوْمَانِ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ النَّقْضَ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهِ إذْ لَمْ يَتِمَّ عِلَّةً فَكَانَتْ الْإِقَامَةُ نَقْضًا لِلسَّفَرِ الْعَارِضِ، لَا ابْتِدَاءَ عِلَّةٍ لِلْإِتْمَامِ أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ، ثُمَّ بَحَثَ فَقَالَ: وَلَوْ قِيلَ الْعِلَّةُ مُفَارَقَةُ الْبُيُوتِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا اسْتِكْمَالَ سَفَرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِ السَّفَرِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَقَدْ تَمَّتْ الْعِلَّةُ لِحُكْمِ السَّفَرِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مَا لَمْ تَثْبُتْ عِلَّةُ حُكْمِ الْإِقَامَةِ احْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ. اهـ. وَلَمَّا قَوِيَ الْبَحْثُ عِنْدَ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَخَفِيَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ قَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ الْمِصْرَ مُطْلَقًا. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ إبْطَالَ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ إبْطَالَ الْمَدْلُولِ. اهـ.
أَقُولُ: وَيَظْهَرُ لِي فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْمَشَقَّةُ وَأُقِيمَ السَّفَرُ مَقَامَهَا وَلَكِنْ لَا تَثْبُتُ عِلِّيَّتُهَا إلَّا بِشَرْطِ ابْتِدَاءٍ وَشَرْطِ بَقَاءٍ، فَالْأَوَّلُ مُفَارَقَةُ الْبُيُوتِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالثَّانِي اسْتِكْمَالُ السَّفَرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ ثَبَتَ حُكْمُهَا ابْتِدَاءً فَلِذَا يَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ مُفَارَقَةِ الْعُمْرَانِ نَاوِيًا وَلَا يَدُومُ إلَّا بِالشَّرْطِ الثَّانِي فَهُوَ شَرْطٌ لِاسْتِحْكَامِهَا عِلَّةً فَإِذَا عَزَمَ عَلَى تَرْكِ السَّفَرِ قَبْلَ تَمَامِهِ بَطَلَ بَقَاؤُهَا عِلَّةً لِقَبُولِهَا النَّقْضَ قَبْلَ الِاسْتِحْكَامِ وَمَضَى فِعْلُهُ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَلِذَا لَوْ لَمْ يَصِلْ لِعُذْرٍ ثُمَّ رَجَعَ يَقْضِيهَا مَقْصُورَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَتَدَبَّرْهُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ) شَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي أَوَّلِهَا أَوْ وَسَطِهَا أَوْ آخِرِهَا أَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ مُقْتَدِيًا مُدْرِكًا أَوْ مَسْبُوقًا بَحْرٌ، وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ السَّلَامِ وَالسُّجُودِ أَوْ بَعْدَهُمَا؛ أَمَّا لَوْ نَوَاهَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُهَا إلَى الْأَرْبَعِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي بَابِهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهَا) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ لِأَنَّهُ إذَا نَوَاهَا بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَةٍ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ تَحَوَّلَ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ؛ أَمَّا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ فَلَا يَتَحَوَّلُ فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَكُ لَاحِقًا) أَمَّا اللَّاحِقُ إذَا أَدْرَكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ وَالْإِمَامُ مُسَافِرٌ فَأَحْدَثَ أَوْ نَامَ فَانْتَبَهَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَنَوَى الْإِقَامَةَ لَمْ يُتِمَّ لِأَنَّ اللَّاحِقَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ خَلَفَ الْإِمَامَ إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ فَقَدْ اسْتَحْكَمَ الْفَرْضُ فَلَا يَتَغَيَّرُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَكَذَا فِي حَقِّ اللَّاحِقِ بَحْرٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ، فَقَيَّدَ حُكْمَ اللَّاحِقِ بِكَوْنِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَقَدْ تَرَكَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا) تَعْمِيمٌ لِقَوْلِهِ يَنْوِيَ.
(قَوْلُهُ لَوْ دَخَلَ الْحَاجُّ) أَيْ فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ أَوْ قَبْلَهُ ح وَالْمُرَادُ بِالْحَاجِّ الرَّجُلُ الْقَاصِدُ الْحَجَّ.
(قَوْلُهُ وَعَلِمَ إلَخْ) أَيْ عَلِمَ أَنَّ الْقَافِلَةَ إنَّمَا تَخْرُجُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَزَمَ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا مَعَهُمْ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ نِيَّةً لِلْإِقَامَةِ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً لِأَنَّهُ نَوَى الْخُرُوجَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ بِمَوْضِعٍ) مُتَعَلِّقٌ بِإِقَامَةٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا كَلَامِ الشَّارِحِ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ صَالِحٍ لَهَا) هَذَا إنْ سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِلَّا فَتَصِحُّ وَلَوْ فِي الْمَفَازَةِ، وَفِيهِ مِنْ الْبَحْثِ مَا قَدَّمْنَاهُ بَحْرٌ وَقَدَّمْنَا جَوَابَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ تَكُونُ نَقْضًا لِلسَّفَرِ كَنِيَّةِ الْعَوْدِ إلَى بَلَدِهِ وَالسَّفَرُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهِ يَقْبَلُ النَّقْضَ (قَوْلُهُ أَوْ صَحْرَاءِ دَارِنَا) احْتِرَازٌ عَنْ صَحْرَاءِ دَارِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَحُكْمُهُ حِينَئِذٍ كَحُكْمِ الْعَسْكَرِ الدَّاخِلِ فِي أَرْضِهِمْ ط.
(قَوْلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ) قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ صَحْرَاءِ دَارِنَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا سَيَأْتِي مَتْنًا مَعَ بَيَانِ مُحْتَرَزِهِ (قَوْلُهُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا شُرُوعٌ فِي مُحْتَرَزِ مَا تَقَدَّمَ ط (قَوْلُهُ أَوْ نَوَى فِيهِ) أَيْ
стр. 782
لَكِنْ فِي غَيْرِ صَالِحٍ) أَوْ كَنَحْوِ جَزِيرَةٍ أَوْ نَوَى فِيهِ لَكِنْ (بِمَوْضِعَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ كَمَكَّةَ وَمِنًى) فَلَوْ دَخَلَ الْحَاجُّ مَكَّةَ أَيَّامَ الْعَشْرِ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى مِنًى وَعَرَفَةَ فَصَارَ كَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَبَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ مِنًى تَصِحُّ كَمَا لَوْ نَوَى مَبِيتَهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ بِحَيْثُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى سَاكِنِهِ لِلِاتِّحَادِ حُكْمًا (أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِرَأْيِهِ) كَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ (أَوْ دَخَلَ بَلْدَةً وَلَمْ يَنْوِهَا) أَيْ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ (بَلْ تَرَقَّبَ السَّفَرَ) غَدًا أَوْ بَعْدَهُ (وَلَوْ بَقِيَ) عَلَى ذَلِكَ (سِنِينَ) إلَّا أَنْ يَعْلَمَ تَأَخُّرَ الْقَافِلَةِ نِصْفَ شَهْرٍ كَمَا مَرَّ
(وَكَذَا)
ــ
[رد المحتار]
فِي نِصْفِ شَهْرٍ (قَوْلُهُ كَبَحْرٍ) قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَالْمَلَّاحُ مُسَافِرٌ إلَّا عِنْدَ الْحَسَنِ وَسَفِينَتُهُ أَيْضًا لَيْسَتْ بِوَطَنٍ اهـ بَحْرٌ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ مَعَهُ فِيهَا ثُمَّ رَأَيْته صَرِيحًا فِي الْمِعْرَاجِ.
(قَوْلُهُ أَوْ جَزِيرَةٍ) أَيْ لَيْسَ لَهَا أَهْلٌ يَسْكُنُونَهَا.
(قَوْلُهُ أَوْ نَوَى فِيهِ) أَيْ فِي صَالِحٍ لَهَا (قَوْلُهُ بِمَوْضِعَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ) لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ وَالْقَرْيَتَيْنِ وَالْمِصْرِ وَالْقَرْيَةِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ دَخَلَ إلَخْ) هُوَ ضِدُّ مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْحَاجِّ الشَّامَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ وَهَذَا مُسَافِرٌ حُكْمًا وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ لِعَدَمِ انْقِضَاءِ سَفَرِهِ مَا دَامَ عَازِمًا عَلَى الْخُرُوجِ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ.
قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ سَبَبًا لِتَفَقُّهِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِطَلَبِ الْحَدِيثِ قَالَ: فَدَخَلْت مَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ صَاحِبٍ لِي وَعَزَمْت عَلَى الْإِقَامَةِ شَهْرًا فَجَعَلْت أُتِمُّ الصَّلَاةَ فَلَقِيَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ لِي: أَخْطَأْت فَإِنَّك تَخْرُجُ إلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا رَجَعْت مِنْ مِنًى بَدَا لِصَاحِبِي أَنْ يَخْرُجَ وَعَزَمْت عَلَى أَنْ أُصَاحِبَهُ، وَجَعَلْت أَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لِي صَاحِبُ أَبُو حَنِيفَةَ: أَخْطَأْت فَإِنَّك مُقِيمٌ بِمَكَّةَ فَمَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا لَا تَصِيرُ مُسَافِرًا، فَقُلْت: أَخْطَأَتْ فِي مَسْأَلَةٍ فِي مَوْضِعَيْنِ فَرَحَلْت إلَى مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ وَاشْتَغَلْت بِالْفِقْهِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذِهِ الْحِكَايَةَ لِيَعْلَمَ مَبْلَغَ الْعِلْمِ فَيَصِيرَ مَبْعَثَةً لِلطَّلَبَةِ عَلَى طَلَبِهِ. اهـ. بَحْرٌ.
أَقُولُ: وَيَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَنَّ نِيَّتَهُ الْإِقَامَةَ لَمْ تَعْمَلْ عَمَلَهَا إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ لِوُجُودِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِلَا نِيَّةِ خُرُوجٍ فِي أَثْنَائِهَا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى عَرَفَاتٍ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَازِمًا عَلَى الْخُرُوجِ قَبْلَ تَمَامِ نِصْفِ شَهْرٍ لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَدَّدَ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا أَوْرَدَهُ الْعَلَّامَةُ الْقَارِي فِي شَرْحِ اللُّبَابِ مِنْ أَنَّ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِمَامِ تَعَارُضًا حَيْثُ حَكَمَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ مُسَافِرٌ وَثَانِيًا بِأَنَّهُ مُقِيمٌ مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ بِحَالِهَا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمُتُونِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى فِي إحْدَاهُمَا نِصْفَ شَهْرٍ صَحَّ فَحِينَئِذٍ لَا يَضُرُّهُ خُرُوجُهُ إلَى عَرَفَاتٍ إذْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ نِصْفَ شَهْرٍ مُتَوَالِيًا بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ فِيهِ اهـ مُلَخَّصًا. وَوَجْهُ السُّقُوطِ أَنَّ التَّوَالِي لَا يُشْتَرَطُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَزْمِهِ الْخُرُوجُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاوِيًا الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ، نَعَمْ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِعَزْمِهِ عَلَى الْإِقَامَةِ نِصْفَ شَهْرٍ فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ نَوَى مَبِيتَهُ بِأَحَدِهِمَا) فَإِنْ دَخَلَ أَوَّلًا الْمَوْضِعَ الَّذِي نَوَى الْمُقَامَ فِيهِ نَهَارًا لَا يَصِيرُ مُقِيمًا، وَإِنْ دَخَلَ أَوَّلًا مَا نَوَى الْمَبِيتَ فِيهِ يَصِيرُ مُقِيمًا ثُمَّ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَوْضِعِ الْآخَرِ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا لِأَنَّ مَوْضِعَ إقَامَةِ الرَّجُلِ حَيْثُ يَبِيتُ بِهِ حِلْيَةٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ) كَالْقَرْيَةِ الَّتِي قَرُبَتْ مِنْ الْمِصْرِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ النِّدَاءَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ وَفِي الْبَحْرِ لَوْ كَانَ الْمَوْضِعَانِ مِنْ مِصْرٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ لِأَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ حُكْمًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلَيْهِ مُسَافِرًا لَمْ يَقْصُرْ. اهـ. ط.
(قَوْلُهُ بِحَيْثُ تَجِبُ) حَيْثِيَّةُ تَفْسِيرٍ لِلتَّبَعِيَّةِ ح.
(قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِرَأْيِهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْهُ وَصُورَتُهُ نَوَى التَّابِعُ الْإِقَامَةَ وَلَمْ يَنْوِهَا الْمَتْبُوعُ أَوْ لَمْ يَدْرِ فَإِنَّهُ لَا يُتِمُّ. اهـ. ح وَالْمَسْأَلَةُ سَتَأْتِي مَعَ بَيَانِ شُرُوطِهَا وَالْخِلَافِ فِيهَا (قَوْلُهُ أَوْ دَخَلَ بَلْدَةً) أَيْ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ انْتِظَارِ رُفْقَةٍ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَنْوِهَا) وَكَذَا إذَا نَوَاهَا وَهُوَ مُتَرَقِّبٌ لِلسَّفَرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّ حَالَتَهُ تُنَافِي عَزِيمَتَهُ.
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْحَاجِّ الشَّامَ
стр. 783
يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (عَسْكَرٌ دَخَلَ أَرْضَ حَرْبٍ أَوْ حَاصَرَ حِصْنًا فِيهَا) بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَهَا بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ (أَوْ) حَاصَرَ (أَهْلُ الْبَغْيِ فِي دَارِنَا فِي غَيْرِ مِصْرٍ مَعَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ مُدَّتَهَا) لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْقَرَارِ وَالْفِرَارِ (بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ) كَعَرَبٍ وَتُرْكُمَانٍ (نَوَوْهَا) فِي الْمَفَازَةِ فَإِذًا تَصِحُّ (فِي الْأَصَحِّ) وَبِهِ يُفْتَى إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ مَا يَكْفِيهِمْ مُدَّتَهَا لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَصْلٌ إلَّا إذَا قَصَدُوا
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ أَوْ حَاصَرَ حِصْنًا فِيهَا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمُحَاصَرَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِلْمَدِينَةِ أَوْ الْحِصْنِ بَعْدَ مَا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْمُحَاصَرَةُ لِلْمِصْرِ عَلَى سَطْحِ الْبَحْرِ فَإِنَّ لِسَطْحِ الْبَحْرِ حُكْمَ دَارِ الْحَرْبِ حَمَوِيٌّ عَنْ شَرْحِ النَّظْمِ الْهَامِلِيِّ ط.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ) لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ لِأَجْلِ الْأَمَانِ بَحْرٌ عَنْ النِّهَايَةِ ط (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ مِصْرٍ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي دَارِنَا أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ حَاصَرَ لَا مُتَعَلِّقٌ بِحَاصَرَ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ.
ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ التَّقْيِيدَ بِغَيْرِ الْمِصْرِ وَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ يُوهِمُ صِحَّةَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَلَوْ نَزَلُوا فِي الْمِصْرِ وَحَاصَرُوا حِصْنًا فِيهِ قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ لِأَنَّ إطْلَاقَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ وَكَذَا نَصَّ فِي الْعِنَايَةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيلُ الْآتِي وَذَكَرَ عِبَارَتَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي مَتْنِهِ (قَوْلُهُ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْقَرَارِ وَالْفِرَارِ) الْأَوَّلُ بِالْقَافِ وَالثَّانِي بِالْفَاءِ أَيْ فَكَانَتْ حَالَتُهُمْ تُنَافِي عَزِيمَتَهُمْ، وَالْإِطْلَاقُ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ الشَّوْكَةُ لِعَسْكَرِنَا لِاحْتِمَالِ وُصُولِ الْمَدَدِ لِلْعَدُوِّ أَوْ وُجُودِ مَكِيدَةٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ التَّجْنِيسِ إذَا غَلَبُوا عَلَى مَدِينَةِ الْحَرْبِ إنْ اتَّخَذُوهَا دَارًا أَتَمُّوا وَإِلَّا بَلْ أَرَادُوا الْإِقَامَةَ بِهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ قَصَرُوا لِبَقَائِهَا دَارَ حَرْبٍ وَهُمْ مُحَارِبُونَ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. اهـ.
[تَنْبِيهٌ] لَوْ انْفَلَتَ الْأَسِيرُ مِنْ الْكُفَّارِ وَتَوَطَّنَ فِي غَارٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِيهِ نِصْفَ شَهْرٍ لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا كَمَا لَوْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ فَهَرَبَ مِنْهُمْ يُرِيدُ مَسِيرَةَ السَّفَرِ لَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْفَتْحِ كَوْنُ حَالِهِ مُتَرَدِّدًا لِأَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْفُرْصَةَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ خَرَجَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمُشْكِلٌ وَحَمَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ أَيْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ لَا نِيَّةُ السَّفَرِ وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ يَقْصُرُ وَكَذَا جَعَلَ فِي الذَّخِيرَةِ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ كَالْأُولَى فَأَفَادَ لُزُومَ الْقَصْرِ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ الْأَخْبِيَةِ) جَمْعُ خِبَاءٍ كَكِسَاءِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: هُوَ الْخَيْمَةُ مِنْ الصُّوفِ (قَوْلُهُ كَعَرَبٍ) الْمُنَاسِبُ قَوْلُ غَيْرِهِ كَأَعْرَابٍ لِمَا فِي الْمُغْرِبِ: الْعَرَبُ هُمْ الَّذِينَ اسْتَوْطَنُوا الْمُدُنَ وَالْقُرَى الْعَرَبِيَّةَ، وَالْأَعْرَابُ أَهْلُ الْبَدْوِ (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ يَقْصُرُونَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَصْلٌ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ أَيْ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَدَائِعِ أَنَّ أَهْلَ الْأَخْبِيَةِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَفَاوِزَ لَهُمْ كَالْأَمْصَارِ وَالْقُرَى لِأَهْلِهَا وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلرَّجُلِ أَصْلٌ، وَالسَّفَرَ عَارِضٌ وَهُمْ لَا يَنْوُونَ السَّفَرَ وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَاءٍ إلَى مَاءٍ وَمِنْ مَرْعًى إلَى آخَرَ اهـ (قَوْلُهُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ
стр. 784
مَوْضِعًا بَيْنَهُمَا مُدَّةُ السَّفَرِ فَيَقْصُرُونَ إنْ نَوَوْا سَفَرًا وَإِلَّا لَا وَلَوْ نَوَى غَيْرُهُمْ الْإِقَامَةَ مَعَهُمْ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ شُرُوطَ الْإِتْمَامِ سِتَّةٌ: النِّيَّةُ، وَالْمُدَّةُ، وَاسْتِقْلَالُ الرَّأْيِ، وَتَرْكُ السَّيْرِ، وَاتِّحَادُ الْمَوْضِعِ، وَصَلَاحِيَّتُهُ، قُهُسْتَانِيٌّ.
(فَلَوْ أَتَمَّ مُسَافِرٌ إنْ قَعَدَ فِي) الْقَعْدَةِ (الْأُولَى تَمَّ فَرْضُهُ وَ) لَكِنَّهُ (أَسَاءَ) لَوْ عَامِدًا لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ وَتَرْكِ وَاجِبِ الْقَصْرِ وَوَاجِبِ تَكْبِيرَةِ افْتِتَاحِ النَّفْلِ وَخَلْطِ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ كَمَا حَرَّرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ بَعْدَ أَنْ فَسَّرَ أَسَاءَ بِأَثِمَ وَاسْتَحَقَّ النَّارَ (وَمَا زَادَ نَفْلٌ) كَمُصَلِّي الْفَجْرِ أَرْبَعًا (وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ بَطَلَ فَرْضُهُ) وَصَارَ الْكُلُّ نَفْلًا لِتَرْكِ الْقَعْدَةِ
ــ
[رد المحتار]
مَوْضِعِهِمْ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي قَصَدُوهُ (قَوْلُهُ إنْ نَوَوْا سَفَرًا) فِيهِ مُسَامَحَةٌ مَعَ قَوْلِهِ إلَّا إذَا قَصَدُوا ح.
(قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ) وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا ح عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَالْحَاصِلُ) أَيْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَكِنْ اشْتِرَاطُ تَرْكِ السَّيْرِ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ سِتَّةٌ) زَادَ فِي الْحِلْيَةِ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا تَكُونَ حَالَتُهُ مُنَافِيَةً لِعَزِيمَتِهِ قَالَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَسَائِلَ اهـ أَيْ كَمَسْأَلَةِ مَنْ دَخَلَ بَلْدَةً لِحَاجَةٍ وَمَسْأَلَةِ الْعَسْكَرِ فَافْهَمْ. ثُمَّ هَذِهِ شُرُوطُ الْإِتْمَامِ بَعْدَ تَحَقُّقِ مُدَّةِ السَّفَرِ وَإِلَّا فَلَا، فَلَوْ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ قَبْلَ سَيْرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَصْدِ قَطْعِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ كَمَا مَرَّ وَكَذَا لَوْ رَجَعَ إلَى بَلْدَتِهِ لِأَخْذِ حَاجَةٍ نَسِيَهَا كَمَا سَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ وَتَرْكُ السَّيْرِ) أَيْ إذَا كَانَ فِي مَفَازَةٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِيمَا سَيَدْخُلُهُ مِنْ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَمَّا لَوْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ وَقَدْ دَخَلَ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً وَهُوَ يَسِيرُ لِطَلَبِ مَنْزِلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ حِلْيَةٌ.
(قَوْلُهُ وَصَلَاحِيَّتُهُ) أَيْ صَلَاحِيَّةُ الْمَوْضُوعِ لِلْإِقَامَةِ
(قَوْلُهُ إنْ قَعَدَ إلَخْ) لِأَنَّ الْقَعْدَةَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَرْضٌ عَلَى الْمُسَافِرِ لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ، فَلَوْ تَرَكَ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَمْ يَصِحَّ فَرْضُهُ اهـ.
وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا نَوَى أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ خِلَافًا لِمَا أَفَادَهُ فِي الدُّرَرِ مِنْ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ رَكْعَتَيْنِ لِمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلِمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ السَّهْوِ مِنْ أَنَّ السَّاهِيَ لَوْ سَلَّمَ لِلْقَطْعِ يَسْجُدُ لِأَنَّهُ نَوَى تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ فَتَلْغُو، كَمَا لَوْ نَوَى الظُّهْرَ سِتًّا أَوْ نَوَى مُسَافِرٌ الظُّهْرَ أَرْبَعًا أَفَادَهُ أَبُو السُّعُودِ عَنْ شَيْخِهِ.
قُلْت: لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَا يَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
(قَوْلُهُ لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ) مُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَنْ يَقُولَ لِتَرْكِهِ السَّلَامَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا صَلَّى خَامِسَةً بَعْدَ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ يَضُمُّ إلَيْهَا سَادِسَةً وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِهِ السَّلَامَ، وَإِنْ تَذَكَّرَ وَعَادَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِتَأْخِيرِهِ السَّلَامَ أَيْ سَلَامَ الْفَرْضِ وَمَسْأَلَتُنَا نَظِيرُ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ قُلْت: لَكِنَّ مَا هُنَا أَظْهَرُ.
(قَوْلُهُ وَتَرْكُ وَاجِبِ الْقَصْرِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ وَاجِبٍ هُوَ الْقَصْرُ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ كَجَرْدِ قَطِيفَةٍ أَيْ الْقَصْرِ الْوَاجِبِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ غَيْرُ فَرْضٍ كَمَا قَدَّمْنَا مَا يُفِيدُهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ هُنَا بِمَعْنَى الْفَرْضِ لَمَا صَحَّ وَإِنْ قَعَدَ فَافْهَمْ ثُمَّ إنَّ تَرْكَ وَاجِبِ الْقَصْرِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَرْكِ السَّلَامِ وَتَكْبِيرَةِ النَّفْلِ وَخَلْطِ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ زِيَادَةً عَلَى إثْمِهِ بِهَذِهِ اللَّوَازِمِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَوَاجِبِ تَكْبِيرَةِ إلَخْ) لِأَنَّ بِنَاءَ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ مَكْرُوهٌ وَهَذَا هُوَ خَلْطُ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ رَحْمَتِيٌّ لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَخَلْطِ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مَا قَبْلَهُ وَيَلْزَمُهُ أَنَّ افْتِتَاحَ النَّفْلِ بِتَكْبِيرَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ وَاجِبٌ مَعَ أَنَّ بِنَاءَ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اللَّوَازِمِ الْأَرْبَعَةِ ط (قَوْلُهُ بَعْدَ أَنَّ فَسَّرَ أَسَاءَ بِأَثِمٍ) وَكَذَا صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ بِتَأْثِيمِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْإِسَاءَةَ هُنَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَاسْتَحَقَّ النَّارَ) أَيْ إذَا لَمْ يَتُبْ أَوْ يَعْفُ عَنْهُ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ط.
(قَوْلُهُ وَصَارَ الْكُلُّ نَفْلًا) أَيْ بِتَقْيِيدِهِ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْعَوْدِ قَبْلَهَا وَهَذَا عِنْدَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إذَا بَطَلَ الْوَصْفُ لَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
(قَوْلُهُ لِتَرْكِ الْقَعْدَةِ)
стр. 785
الْمَفْرُوضَةِ إلَّا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ لَكِنَّهُ يُعِيدُ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ لِوُقُوعِهِ نَفْلًا فَلَا يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ وَلَوْ نَوَى فِي السَّجْدَةِ صَارَ نَفْلًا
(وَصَحَّ اقْتِدَاءُ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ فَإِذَا قَامَ) الْمُقِيمُ (إلَى الْإِتْمَامِ لَا يَقْرَأُ) وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ كَاللَّاحِقِ وَالْقَعْدَتَانِ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَا قُنْيَةٌ (وَنُدِبَ لِلْإِمَامِ) هَذَا يُخَالِفُ الْخَانِيَّةَ وَغَيْرَهَا أَنَّ الْعِلْمَ بِحَالِ الْإِمَامِ شَرْطٌ لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ لِلْهِنْدِيِّ الشَّرْطُ الْعِلْمُ بِحَالِهِ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي حَالِ الِابْتِدَاءِ.
ــ
[رد المحتار]
عِلَّةٌ لِبُطْلَانِ الْفَرْضِ، ثُمَّ الْقَعْدَةُ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا فِي النَّفْلِ أَيْضًا لَكِنَّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي آخِرِ الشَّفْعِ تَصِيرُ الْخَاتِمَةُ هِيَ الْفَرْضُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِ النَّوَافِلِ.
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا نَوَاهَا حِينَئِذٍ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَتَحَوَّلَ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ، ثُمَّ إنْ كَانَ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ تَخَيَّرَ فِيهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِلَّا قَرَأَ قَضَاءً عَنْ الْأُولَيَيْنِ وَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ قَعَدَ الْقَعْدَةَ الْأُولَى أَوْ لَا فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامِهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ وَأَمَّا إذَا نَوَى بَعْدَ أَنْ قَيَّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ، فَإِنْ كَانَ قَعَدَ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ تَمَّ فَرْضُهُ بِالرَّكْعَتَيْنِ فَلَا يَتَحَوَّلُ وَيُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى وَلَوْ أَفْسَدَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ بَطَلَ فَرْضُهُ، وَيَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى لِتَصِيرَ الْأَرْبَعُ نَافِلَةً خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا مَرَّ هَذَا خُلَاصَةُ مَا نَقَلَهُ ط عَنْ الْبَحْرِ وَقَدْ أَفَادَ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بَطَلَ فَرْضُهُ أَيْ بُطْلَانًا مَوْقُوفًا لَا بَاتًّا وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ (قَوْلُهُ فَلَا يَنُوبُ) أَيْ النَّفَلُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ نَوَى فِي السَّجْدَةِ) أَيْ سَجْدَةِ الثَّالِثَةِ صَارَ نَفْلًا وَهَذَا جَرَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّ السَّجْدَةَ تَتِمُّ بِالْوَضْعِ. وَالصَّحِيحُ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالرَّفْعِ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا فِي الْأَصَحِّ. اهـ. ح أَيْ سَوَاءٌ قَعَدَ الْقَعْدَةَ الْأُولَى أَوْ لَا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنْ قَعَدَ تَمَّ فَرْضُهُ بِالرَّكْعَتَيْنِ وَإِلَّا انْقَلَبَ الْكُلُّ نَفْلًا، فَقَوْلُهُ صَارَ نَفْلًا خَاصٌّ بِمَا إذَا لَمْ يَقْعُدْ
(قَوْلُهُ فَإِذَا قَامَ الْمُقِيمُ إلَخْ) أَيْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ؛ فَلَوْ قَامَ قَبْلَهُ فَنَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ الْمَأْمُومُ رَكْعَتَهُ بِسَجْدَةٍ رَفَضَ مَا أَتَى بِهِ وَتَابَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسَدَتْ وَإِنْ نَوَى بَعْدَهُ لَا يُتَابِعُهُ وَلَوْ تَابَعَهُ فَسَدَتْ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْقِرَاءَةِ كَوُجُوبِ السَّهْوِ ضَعِيفٌ، وَالِاسْتِشْهَادُ لَهُ بِوُجُوبِ السَّهْوِ اسْتِشْهَادٌ بِضَعِيفٍ مُوهِمٍ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ شُرْنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا) أَيْ قِيلَ إنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ. اهـ. ح.
(قَوْلُهُ أَنَّ الْعِلْمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَدَلٌ مِنْ الْخَانِيَّةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَلَامَ الْخَانِيَّةِ ح.
ثُمَّ وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ الْعِلْمُ بِحَالِ الْإِمَامِ مِنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا لَا يَكُونُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَائِدَةٌ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ قَوْلِ الْإِمَامِ ذَلِكَ لِرَفْعِ التَّوَهُّمِ يُنَافِي اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ فِي الِابْتِدَاءِ (قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ) أَوْرَدَ ذَلِكَ سُؤَالًا فِي النِّهَايَةِ وَالسِّرَاجِ والتتارخانية ثُمَّ أَجَابُوا بِمَا يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْجَوَابِ. وَحَاصِلُهُ: تَسْلِيمُ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِحَالِ الْإِمَامِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ فِي الِابْتِدَاءِ فَحَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا ابْتِدَاءً بِحَالِهِ كَانَ الْإِخْبَارُ مَنْدُوبًا وَحِينَئِذٍ فَلَا مُخَالَفَةَ فَافْهَمْ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ مَعَ كَوْنِ إصْلَاحِ صَلَاتِهِمْ يَحْصُلُ بِهِ وَمَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُتِمُّوا ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَوْ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ حَمْلًا لَهُ عَلَى الصَّلَاحِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنْدُوبًا لَا وَاجِبًا لِأَنَّهُ زِيَادَةُ إعْلَامٍ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: لَكِنَّ حَمْلَ حَالِهِ عَلَى الصَّلَاحِ يُنَافِي اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ، نَعَمْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْقُنْيَةِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ وَإِنْ كَانُوا مُسَافِرِينَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ
стр. 786
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَهُمْ قَبْلَ شُرُوعِهِ وَإِلَّا فَبَعْدَ سَلَامِهِ (أَنْ يَقُولَ) بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنِّي مُسَافِرٌ» ) لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ سَهَا، وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ لَا لِتَحْقِيقِهَا بَلْ لِيُتِمَّ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا
وَأَمَّا اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ فَيَصِحُّ فِي الْوَقْتِ وَيُتِمُّ لَا بَعْدَهُ فِيمَا يَتَغَيَّرُ لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ لَوْ اقْتَدَى فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ الْقِرَاءَةِ لَوْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ
ــ
[رد المحتار]
حَالِ مَنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ أَنَّهُ مُقِيمٌ وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، أَمَّا إذَا صَلَّى خَارِجَ الْمِصْرِ لَا تَفْسُدُ، وَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِالظَّاهِرِ وَهُوَ السَّفَرُ فِي مِثْلِهِ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِحَالِ الْإِمَامِ إذَا صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فِي مَوْضِعِ إقَامَةٍ وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ فَيَتَكَلَّمُ لِاعْتِقَادِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ قَبْلَ إخْبَارِ الْإِمَامِ بَعْدَ السَّلَامِ.
(قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، قَالَ الْمَقْدِسِيَّ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ فِي زَمَانِنَا ط.
(قَوْلُهُ لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا) فَلَوْ أَتَمَّ الْمُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ مَعَهُ فَسَدَتْ لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ ظَهِيرِيَّةٌ أَيْ إذَا قَصَدُوا مُتَابَعَتَهُ أَمَّا لَوْ نَوَوْا مُفَارَقَتُهُ وَوَافَقُوهُ صُورَةً فَلَا فَسَادَ أَفَادَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ) هَذَا عَكْسُ مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ اسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْهُ لِذِكْرِهِ إيَّاهُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ (قَوْلُهُ فَيَصِحُّ فِي الْوَقْتِ وَيُتِمُّ) أَيْ سَوَاءٌ بَقِيَ الْوَقْتُ أَوْ خَرَجَ قَبْلَ إتْمَامِهَا لِتَغَيُّرِ فَرْضِهِ بِالتَّبَعِيَّةِ لِاتِّصَالِ الْمُغَيِّرِ بِالسَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ، وَلَوْ أَفْسَدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِزَوَالِ الْمُغَيِّرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ مُتَنَفِّلًا حَيْثُ يُصَلِّي أَرْبَعًا إذَا أَفْسَدَهُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَتَصِيرُ الْقَعْدَةُ الْأُولَى وَاجِبَةً فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي الْمُسَافِرِ أَيْضًا، حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا الْإِمَامُ وَلَوْ عَامِدًا وَتَابَعَهُ الْمُسَافِرُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقِيلَ تَفْسُدُ كَذَا فِي السِّرَاجِ وَلَا وَجْهَ لَهُ يَظْهَرُ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ لَا بَعْدَهُ) أَيْ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لِعَدَمِ تَغَيُّرِهِ لِانْقِضَاءِ السَّبَبِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ فَائِتَةً فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَلَوْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَقَطْ يَصِحُّ كَمَا لَوْ اقْتَدَى حَنَفِيٌّ فِي الظُّهْرِ بِشَافِعِيٍّ أَوْ بِمَنْ يَرَى قَوْلَهُمَا بَعْدَ الْمِثْلِ قَبْلَ الْمِثْلَيْنِ كَمَا فِي السِّرَاجِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى اشْتِرَاطُ كَوْنِهَا فَائِتَةً فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ فَقَطْ سَوَاءٌ فَاتَتْ الْإِمَامَ أَوْ لَا كَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا فَخَرَجَ الْوَقْتُ فَاقْتَدَى بِهِ مُسَافِرٌ فَإِنَّهَا فَائِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لَا الْمُقِيمِ اهـ أَيْ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لَكِنَّ فَوْتَهَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ فَقَطْ لَيْسَ هُوَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ لِأَنَّ فَوْتَهَا فِي حَقِّهِمَا مَعًا كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ فِيمَا يَتَغَيَّرُ) مُتَعَلِّقٌ بِيَصِحُّ الْمُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ لَا بَعْدَهُ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الِاقْتِدَاءِ بَعْدَ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ فِي السَّفَرِ كَالثُّنَائِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ. وَفِي الْبَحْرِ هَذَا الْقَيْدُ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ صَحَّ وَأَتَمَّ بَلْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَصْلًا لِأَنَّ السَّفَرَ مُؤَثِّرٌ فِي الرُّبَاعِيِّ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ) فَإِنَّهَا تَصِيرُ فَرْضًا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ وَغَيْرَ فَرْضٍ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّفْلِ لِأَنَّهُ مَا قَابَلَ الْفَرْضَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَعْدَةُ الْوَاجِبَةُ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ الْقِرَاءَةِ إلَخْ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِ فَرْضٌ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، فَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَاقْتَدَى بِهِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَمُقْتَضَى الْمُتُونِ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَضَاءٌ عَنْ الْأُولَيَيْنِ وَالْقَضَاءُ يَلْتَحِقُ بِمَحَلِّهِ فَلَا يَبْقَى لِلْأُخْرَيَيْنِ قِرَاءَةٌ. اهـ. بَحْرٌ.
[تَنْبِيهٌ] زَادَ الزَّيْلَعِيُّ أَوْ التَّحْرِيمَةِ وَعَزَاهُ فِي السِّرَاجِ إلَى الْحَوَاشِي فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ اشْتَمَلَتْ عَلَى نَفْلِيَّةِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السِّرَاجِ لِأَنَّ تَحْرِيمَةَ الْمَأْمُومِ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْفَرْضِ لَا غَيْرُ وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ: إنَّهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ.
أَقُولُ: وَعَلَيْهِ فَذِكْرُ التَّحْرِيمَةِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْقَعْدَةِ وَالْقِرَاءَةِ لِشُمُولِ التَّعْلِيلِ بِهَا لِلِاقْتِدَاءِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ
стр. 787
(وَيَأْتِي) الْمُسَافِرُ (بِالسُّنَنِ) إنْ كَانَ (فِي حَالَ أَمْنٍ وَقَرَارٍ وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ فِي خَوْفٍ وَفِرَارٍ (لَا) يَأْتِي بِهَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِعُذْرٍ تَجْنِيسٌ، قِيلَ إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ
(وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَغْيِيرِ الْفَرْضِ آخِرُ الْوَقْتِ) وَهُوَ قَدْرُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ (فَإِنْ كَانَ) الْمُكَلَّفُ (فِي آخِرِهِ مُسَافِرًا وَجَبَ رَكْعَتَانِ وَإِلَّا فَأَرْبَعٌ) لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ قَبْلَهُ
(الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ) هُوَ مَوْطِنُ وِلَادَتِهِ أَوْ تَأَهُّلِهِ أَوْ تُوَطِّنْهُ
ــ
[رد المحتار]
الصَّلَاةِ لَا فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ
(قَوْلُهُ وَيَأْتِي الْمُسَافِرُ بِالسُّنَنِ) أَيْ الرَّوَاتِبِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقِرَاءَةِ لِذِكْرِهِ لَهَا فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ حَيْثُ قَالَ فِي الْمَتْنِ: وَيُسَنُّ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا الْفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي الْهِدَايَةِ بَيْنَ حَالَةِ الْقَرَارِ وَالْفِرَارِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَيُخَفِّفُ الْقِرَاءَةَ فِي السَّفَرِ فِي الصَّلَوَاتِ فَقَدْ صَحَّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ " وَأَطْوَلُ الصَّلَاةِ قِرَاءَةُ الْفَجْرِ وَأَمَّا التَّسْبِيحَاتُ فَلَا يُنْقِصُهَا عَنْ الثَّلَاثِ. اهـ.
(قَوْلُهُ هُوَ الْمُخْتَارُ) وَقِيلَ الْأَفْضَلُ التَّرْكُ تَرْخِيصًا، وَقِيلَ الْفِعْلُ تَقَرُّبًا. وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: الْفِعْلُ حَالَ النُّزُولِ وَالتَّرْكُ حَالَ السَّيْرِ، وَقِيلَ يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ خَاصَّةً، وَقِيلَ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ أَيْضًا بَحْرٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْأَعْدَلُ مَا قَالَهُ الْهِنْدُوَانِيُّ. اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ هُوَ هَذَا وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْنِ وَالْقَرَارِ النُّزُولُ وَبِالْخَوْفِ وَالْفِرَارِ السَّيْرُ لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ الْفِرَارِ بِالْعَجَلَةِ لِأَنَّهَا فِي السَّفَرِ تَكُونُ غَالِبًا مِنْ الْخَوْفِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَغْيِيرِ الْفَرْضِ) أَيْ مِنْ قَصْرٍ إلَى إتْمَامٍ وَبِالْعَكْسِ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ آخِرُ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ كَذَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ تَفْسِيرُهُ بِمَا لَا يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ وَعِنْدَ زُفَرَ بِمَا لَا يَسَعُ فِيهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ وَجَبَ رَكْعَتَانِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ مُقِيمًا وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَأَرْبَعٌ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي آخِرِهِ مُسَافِرًا بِأَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي آخِرِهِ فَالْوَاجِبُ أَرْبَعٌ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا ثُمَّ سَافَرَ أَيْ فِي الْوَقْتِ فَصَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ لِحَاجَةٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِلَا وُضُوءٍ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَمُقِيمًا فِي الْعَصْرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ) أَيْ آخِرَ الْوَقْتِ. (قَوْلُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْآخِرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ أَوْ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ إنْ لَمْ يُؤَدَّ قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يُؤَدَّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَالسَّبَبُ هُوَ كُلُّ الْوَقْتِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفَائِدَةُ إضَافَتِهِ إلَى الْجُزْءِ الْأَخِيرِ اعْتِبَارُ حَالِ الْمُكَلَّفِ فِيهِ، فَلَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ فِي آخِرِهِ لَزِمَتْهُمْ الصَّلَاةُ وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ قَدْ صَلَّاهَا، فِي أَوَّلِهِ وَبِعَكْسِهِ لَوْ جُنَّ أَوْ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ فِيهِ لِفَقْدِ الْأَهْلِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ، وَفَائِدَةُ إضَافَتِهِ إلَى الْكُلِّ عِنْدَ خُلُوِّهِ عَنْ الْأَدَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاءُ عَصْرِ الْأَمْسِ فِي وَقْتِ التَّغَيُّرِ وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ
[مَطْلَبٌ فِي الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَوَطَنِ الْإِقَامَةِ]
(قَوْلُهُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ) وَيُسَمَّى بِالْأَهْلِيِّ وَوَطَنِ الْفِطْرَةِ وَالْقَرَارِ ح عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ.
(قَوْلُهُ أَوْ تَأَهُّلِهِ) أَيْ تَزَوُّجِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُسَافِرُ بِبَلَدٍ وَلَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِهِ فَقِيلَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا، وَقِيلَ يَصِيرُ مُقِيمًا؛ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِبَلْدَتَيْنِ فَأَيَّتُهُمَا دَخَلَهَا صَارَ مُقِيمًا، فَإِنْ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ فِي إحْدَاهُمَا وَبَقِيَ لَهُ فِيهَا دُورٌ وَعَقَارٌ قِيلَ لَا يَبْقَى وَطَنًا لَهُ إذْ الْمُعْتَبَرُ الْأَهْلُ دُونَ الدَّارِ كَمَا لَوْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ وَاسْتَقَرَّتْ سَكَنًا لَهُ وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا دَارٌ وَقِيلَ تَبْقَى. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ تَوَطُّنِهِ) أَيْ عَزَمَ عَلَى الْقَرَارِ فِيهِ وَعَدَمِ الِارْتِحَالِ وَإِنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ، فَلَوْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ بِبَلَدٍ غَيْرِ مَوْلِدِهِ وَهُوَ بَالِغٌ
стр. 788
(يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ) إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ بِالْأَوَّلِ أَهْلٌ، فَلَوْ بَقِيَ لَمْ يَبْطُلْ بَلْ يُتِمُّ فِيهِمَا (لَا غَيْرُ وَ) يَبْطُلُ (وَطَنُ الْإِقَامَةِ بِمِثْلِهِ وَ) بِالْوَطَنِ (الْأَصْلِيِّ وَ) بِإِنْشَاءِ (السَّفَرِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ الشَّيْءَ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ، وَبِمَا فَوْقَهُ لَا بِمَا دُونَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ وَطَنَ السُّكْنَى وَهُوَ مَا نَوَى فِيهِ أَقَلَّ مِنْ
ــ
[رد المحتار]
وَلَمْ يَتَأَهَّلْ بِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ وَطَنًا لَهُ إلَّا إذَا عَزَمَ عَلَى الْقَرَارِ فِيهِ وَتَرَكَ الْوَطَنَ الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلَهُ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ سَفَرٍ أَوْ لَا، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ مِنْهُ قَاصِدًا غَيْرَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَتَوَطَّنَ فِي مَكَان آخَرَ فَمَرَّ بِالْأَوَّلِ أَتَمَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَطَّنْ غَيْرَهُ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ بِالْأَوَّلِ أَهْلٌ) أَيْ وَإِنْ بَقِيَ لَهُ فِيهِ عَقَارٌ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَوْ نَقَلَ أَهْلَهُ وَمَتَاعَهُ وَلَهُ دُورٌ فِي الْبَلَدِ لَا تَبْقَى وَطَنًا لَهُ وَقِيلَ تَبْقَى كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ بَلْ يُتِمُّ فِيهِمَا) أَيْ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إقَامَةً ط.
(قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ وَطَنُ الْإِقَامَةِ) يُسَمَّى أَيْضًا الْوَطَنَ الْمُسْتَعَارَ وَالْحَادِثَ وَهُوَ مَا خَرَجَ إلَيْهِ بِنِيَّةِ إقَامَةِ نِصْفِ شَهْرٍ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِيِّ مَسِيرَةُ السَّفَرِ أَوْ لَا، وَهَذَا رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْهُ أَنَّ الْمَسَافَةَ شَرْطٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ قُهُسْتَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ بِمِثْلِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ سَفَرٍ أَوْ لَا قُهُسْتَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَبِالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ) كَمَا إذَا تَوَطَّنَ بِمَكَّةَ نِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ تَأَهَّلَ بِمِنًى، أَفَادَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ.
(قَوْلُهُ وَبِإِنْشَاءِ السَّفَرِ) أَيْ مِنْهُ وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَمُرَّ فِيهِ عَلَيْهِ قَبْلَ سَيْرِ مُدَّةِ السَّفَرِ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّ السَّفَرَ النَّاقِضَ لِوَطَنِ الْإِقَامَةِ مَا لَيْسَ فِيهِ مُرُورٌ عَلَى وَطَنِ الْإِقَامَةِ أَوْ مَا يَكُونُ الْمُرُورُ فِيهِ بِهِ بَعْدَ سَيْرِ مُدَّةِ السَّفَرِ اهـ.
أَقُولُ: وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا فِي الْكَافِي والتتارخانية: خُرَاسَانِيٌّ قَدِمَ بَغْدَادَ لِيُقِيمَ بِهَا نِصْفَ شَهْرٍ وَمَكِّيٌّ قَدِمَ الْكُوفَةَ كَذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَإِنَّهُمَا يُتِمَّانِ فِي طَرِيقِ الْقَصْرِ لِأَنَّ مِنْ بَغْدَادَ إلَى الْكُوفَةِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَالْقَصْرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ أَقَامَا فِي الْقَصْرِ نِصْفَ شَهْرٍ بَطَلَ وَطَنُهُمَا بِبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، فَإِنْ خَرَجَا بَعْدَهُ مِنْ الْقَصْرِ إلَى الْكُوفَةِ يُتِمَّانِ أَيْضًا فَإِنْ أَقَامَا بِهَا يَوْمًا مَثَلًا ثُمَّ خَرَجَا مِنْهَا إلَى بَغْدَادَ وَقَصَدَا الْمُرُورَ بِالْقَصْرِ يُتِمَّانِ إلَى الْقَصْرِ وَفِيهِ وَمِنْهُ إلَى بَغْدَادَ لِأَنَّهُ صَارَ وَطَنُ إقَامَةٍ لَهُمَا فَإِذَا قَصَدَا الدُّخُولَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ سَفَرُهُمَا إذَا لَمْ يَقْصِدَا مَسِيرَةَ سَفَرٍ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْصِدَا الدُّخُولَ فِيهِ قَصَرًا كَمَا لَوْ خَرَجَا مِنْ الْكُوفَةِ لِقَصْدِهِمَا مَسِيرَةَ السَّفَرِ وَإِنَّ الْمَكِّيَّ حِينَ خَرَجَ مِنْ كُوفَةَ قَصَدَ بَغْدَادَ أَوْ الْخُرَاسَانِيُّ الْكُوفَةَ وَالْتَقَيَا بِالْقَصْرِ وَخَرَجَا إلَى الْكُوفَةِ لِيُقِيمَا فِيهَا يَوْمًا ثُمَّ يَرْجِعَا إلَى بَغْدَادَ قَصَرَا إلَى الْكُوفَةِ وَكَذَا إلَى بَغْدَادَ لِقَصْدِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَسِيرَةَ سَفَرٍ أَمَّا الْخُرَاسَانِيُّ فَلِأَنَّهُ مَاضٍ عَلَى سَفَرِهِ وَأَمَّا الْمَكِّيُّ فَلِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ انْتَقَضَ بِإِنْشَاءِ السَّفَرِ وَالْقَصْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَطَنًا لَهُمَا فَقَصْدُ الْمُرُورِ بِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ السَّفَرِ اهـ وَأَفَادَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَكِّيُّ إلَخْ أَنَّ إنْشَاءَ السَّفَرِ مِنْ وَطَنِ الْإِقَامَةِ مُبْطِلٌ لَهُ وَإِنْ عَادَ إلَيْهِ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ لَوْ أَقَامَ خُرَاسَانِيٌّ بِالْكُوفَةِ نِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ فَقَبْلَ أَنْ يَسِيرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَادَ إلَى الْكُوفَةِ لِحَاجَةٍ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ لِأَنَّ وَطَنَهُ قَدْ بَطَلَ بِالسَّفَرِ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ إنْشَاءَ السَّفَرِ يُبْطِلُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ إذَا كَانَ مِنْهُ أَمَّا لَوْ أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُرُورٌ عَلَى وَطَنِ الْإِقَامَةِ أَوْ كَانَ وَلَكِنْ بَعْدَ سَيْرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَكَذَلِكَ، وَلَوْ قَبْلَهُ لَمْ يَبْطُلْ الْوَطَنُ بَلْ يَبْطُلُ السَّفَرُ لِأَنَّ قِيَامَ الْوَطَنِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ الشَّيْءَ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ) كَمَا يَبْطُلُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ بِالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ وَوَطَنُ السُّكْنَى بِوَطَنِ السُّكْنَى، وَقَوْلُهُ: وَبِمَا فَوْقَهُ أَيْ كَمَا يَبْطُلُ وَطَنُ الْإِقَامَةِ بِالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَكَمَا يَبْطُلُ وَطَنُ السُّكْنَى بِالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَبِوَطَنِ الْإِقَامَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَبِضِدِّهِ كَبُطْلَانِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ أَوْ السُّكْنَى بِالسَّفَرِ فَإِنَّهُ فِي الْبَحْرِ عَلَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ (قَوْلُهُ لَا بِمَا دُونَهُ) كَمَا لَمْ يَبْطُلْ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ
стр. 789
نِصْفِ شَهْرٍ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ، وَمَا صَوَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ
(وَالْمُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمَتْبُوعِ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (لَا التَّابِعِ كَامْرَأَةٍ) وَفَّاهَا مَهْرَهَا الْمُعَجَّلَ
ــ
[رد المحتار]
وَلَا بِوَطَنِ السُّكْنَى وَلَا بِإِنْشَاءِ السَّفَرِ وَكَمَا لَمْ يَبْطُلْ وَطَنُ الْإِقَامَةِ بِوَطَنِ السُّكْنَى ح.
(قَوْلُهُ وَمَا صَوَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) حَيْثُ قَالَ: رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ إلَى قَرْيَةٍ لِحَاجَةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ السَّفَرَ وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهَا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ فِيهَا لِأَنَّهُ مُقِيمٌ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْقَرْيَةِ لَا لِلسَّفَرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُسَافِرَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ وَقَبْلَ أَنْ يُقِيمَ لَيْلَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَسَافَرَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَلَوْ مَرَّ بِتِلْكَ الْقَرْيَةِ وَدَخَلَهَا أَتَمَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ مِمَّا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ اهـ ح.
(قَوْلُهُ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ) بِأَنَّ السَّفَرَ بَاقٍ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ وَهُوَ مُبْطِلٌ لِوَطَنِ السُّكْنَى عَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِهِ لِأَنَّ السَّفَرَ يُبْطِلُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ فَكَيْفَ لَا يُبْطِلُ وَطَنَ السُّكْنَى، فَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ مَمْنُوعٌ. اهـ.
قَالَ ح: وَاعْتَرَضَهُ شَيْخُنَا بِأَنَّ الْمُبْطِلَ لَهُمَا سَفَرٌ مُبْتَدَأٌ مِنْهُمَا. وَأَمَّا إذَا خَرَجَ مِنْهُمَا إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ ثُمَّ أَنْشَأَ سَفَرًا فَإِنَّهُمَا لَا يَبْطُلَانِ فَإِذَا مَرَّ بِهِمَا أَتَمَّ اهـ وَنَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ مِثْلَهُ عَنْ خَطِّ بَعْضِهِمْ وَأَقَرَّهُ.
قَالَ ح: وَهُوَ وَجِيهٌ فَإِنَّ مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَوْضِعٍ نِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ لَا يُرِيدُ السَّفَرَ ثُمَّ عَادَ مُرِيدًا سَفَرًا وَمَرَّ بِذَلِكَ أَتَمَّ مَعَ أَنَّهُ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعْدَ اتِّخَاذِ هَذَا الْمَوْضِعِ دَارَ إقَامَةٍ، فَثَبَتَ أَنَّ إنْشَاءَ السَّفَرِ لَا يُبْطِلُ وَطَنَ الْإِقَامَةِ إلَّا إذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ مِنْهُ فَلْيَكُنْ وَطَنُ السُّكْنَى كَذَلِكَ فَمَا صَوَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ صَحِيحٌ وَمِنْ تَصْوِيرِهِ عَلِمْت أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَبَيْنَ وَطَنِ السُّكْنَى أَقَلُّ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ وَكَذَا بَيْنَ وَطَنِ الْإِقَامَةِ وَوَطَنِ السُّكْنَى. اهـ.
أَقُولُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّفَرَ الْمُبْطِلَ لِلْوَطَنِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُنْشَأِ مِنْهُ بَلْ يَكُونُ بِالْمُنْشَأِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُرُورٌ عَلَيْهِ قَبْلَ سَيْرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَكِنْ هُنَا فِيهِ مُرُورٌ عَلَى الْوَطَنِ قَبْلَ سَيْرِ مُدَّةِ السَّفَرِ وَقَدْ أَيَّدَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَوْلَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ بِاعْتِبَارِ وَطَنِ السُّكْنَى بِأَنَّ الْإِمَامَ السَّرَخْسِيَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً تَدُلُّ عَلَيْهِ. وَهِيَ: كُوفِيٌّ خَرَجَ إلَى الْقَادِسِيَّةِ لِحَاجَةٍ وَبَيْنَهُمَا دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الْحِيرَةِ يُرِيدُ الشَّامَ حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْقَادِسِيَّةِ لِيَحْمِلَ ثَقَلَهُ مِنْهَا وَيَرْتَحِلَ إلَى الشَّامِ وَلَا يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ أَتَمَّ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهَا كَانَتْ لَهُ وَطَنَ السُّكْنَى، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِقَصْدِ الْحِيرَةِ وَطَنُ سُكْنَى آخَرُ مَا لَمْ يَدْخُلْهَا فَيَبْقَى وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِهَذَا الْخُرُوجِ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا لِتَشْيِيعِ جِنَازَةٍ وَنَحْوِهِ اهـ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ وَطَنَ السُّكْنَى إنْ كَانَ اتَّخَذَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ السَّفَرِ لَمْ يُعْتَبَرْ اتِّفَاقًا وَإِلَّا اُعْتُبِرَ اتِّفَاقًا، فَإِذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ بَلْدَةً وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا يَوْمًا مَثَلًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا قَصَرَ فِيهَا كَمَا كَانَ يَقْصُرُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُحَقِّقِينَ لِقَوْلِ الْبَحْرِ إنَّهُمْ قَالُوا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَبْقَى فِيهِ مُسَافِرًا عَلَى حَالِهِ فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ اهـ فَقَوْلُهُمْ لِأَنَّهُ يَبْقَى فِيهِ مُسَافِرًا عَلَى حَالِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا قَبْلَ اتِّخَاذِهِ وَطَنًا، وَمَا قَالَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اتَّخَذَهُ وَطَنًا قَبْلَ سَفَرِهِ كَمَا صَوَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ) فَهُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ (قَوْلُهُ وَفَاهَا مَهْرَهَا الْمُعَجَّلَ) وَإِلَّا فَلَا تَكُونُ تَبَعًا لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا عَنْ الزَّوْجِ لِلْمُعَجَّلِ دُونَ الْمُؤَجَّلِ وَلَا تَسْكُنُ حَيْثُ يَسْكُنُ بَحْرٌ.
قُلْت: وَفِيهِ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِثُبُوتِ إخْرَاجِهَا وَسَفَرِهِ بِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَكَلَامُنَا بَعْدَهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا تَبَعٌ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا إذَا خَرَجَتْ مَعَهُ لِلسَّفَرِ لَمْ يَبْقَ لَهَا أَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْهُ. اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ: بِأَنَّهَا إذَا ثَبَتَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْ بَلَدِهَا لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ مُعَجَّلِهَا فَكَذَا يَثْبُتُ لَهَا إذَا
стр. 790
(وَعَبْدٍ) غَيْرِ مُكَاتَبٍ (وَجُنْدِيٍّ) إذَا كَانَ يَرْتَزِقُ مِنْ الْأَمِيرِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ (وَأَجِيرٍ) وَأَسِيرٍ وَغَرِيمٍ وَتِلْمِيذٍ (مَعَ زَوْجٍ وَمَوْلَى وَأَمِيرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ.
قُلْت: فَقَيْدُ الْمَعِيَّةِ مُلَاحَظٌ فِي تَحَقُّقِ التَّبَعِيَّةِ مَعَ مُلَاحَظَةِ شَرْطٍ آخَرَ مُحَقِّقٍ لِذَلِكَ وَهُوَ الِارْتِزَاقُ فِي مَسْأَلَةِ الْجُنْدِيِّ وَوَفَاءُ الْمَهْرِ فِي الْمَرْأَةِ وَعَدَمُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ، وَبِهِ بَانَ جَوَابُ حَادِثَةِ جَزِيرَةِ كُرَيْدٍ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَأَلْفٍ (لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ التَّابِعِ بِنِيَّةِ الْمَتْبُوعِ؛ فَلَوْ نَوَى الْمَتْبُوعُ الْإِقَامَةَ وَلَمْ يَعْلَمْ التَّابِعُ فَهُوَ مُسَافِرٌ حَتَّى يَعْلَمَ عَلَى الْأَصَحِّ) وَفِي الْفَيْضِ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، فَمَا فِي الْخُلَاصَةِ عَبْدٌ أَمَّ مَوْلَاهُ فَنَوَى الْمَوْلَى الْإِقَامَةَ إنْ أَتَمَّ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا وَإِلَّا لَا مَبْنَى عَلَى خِلَافِ الْأَصَحِّ
(وَالْقَضَاءُ يَحْكِي) أَيْ يُشَابِهُ (الْأَدَاءَ سَفَرًا وَحَضَرًا) لِأَنَّهُ بَعْدَمَا تَقَرَّرَ لَا يَتَغَيَّرُ غَيْرَ أَنَّ الْمَرِيضَ يَقْضِي فَائِتَةَ الصِّحَّةِ فِي مَرَضِهِ بِمَا قَدَرَ.
[فُرُوعٌ] سَافَرَ السُّلْطَانُ قَصَرَ.
تَزَوَّجَ الْمُسَافِرُ بِبَلَدٍ صَارَ مُقِيمًا عَلَى الْأَوْجَهِ.
طَهُرَتْ الْحَائِضُ وَبَقِيَ لِمَقْصِدِهَا يَوْمَانِ تُتِمُّ فِي الصَّحِيحِ كَصَبِيٍّ بَلَغَ بِخِلَافِ كَافِرٍ أَسْلَمَ.
ــ
[رد المحتار]
وَصَلَتْ إلَى بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فَتَصِحُّ نِيَّتُهَا الْإِقَامَةَ بِهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ غَيْرُ تَبَعٍ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ تَبَعًا لَهُ فِي الْمَفَازَةِ (قَوْلُهُ غَيْرِ مُكَاتَبٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَطْلَقَ فِي الْعَبْدِ فَشَمِلَ الْقِنَّ وَالْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ تَبَعًا لِأَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَلَا تَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ إذَا كَانَ يَرْتَزِقُ مِنْ الْأَمِيرِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ) اقْتَصَرَ فِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْأَوَّلِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَكَذَا إذَا كَانَ رِزْقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقَدْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْخُرُوجِ مَعَ الْأَمِيرِ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ نَعَمْ فِي الذَّخِيرَةِ إنَّ الْمُتَطَوِّعَ بِالْجِهَادِ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْوَالِي وَهُوَ ظَاهِرٌ. اهـ. وَدَخَلَ تَحْتَ الْجُنْدِيِّ الْأَمِيرُ مَعَ الْخَلِيفَةِ بَحْرٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ.
(قَوْلُهُ وَأَجِيرٍ) أَيْ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة؛ أَمْ لَوْ كَانَ مُيَاوَمَةً بِأَنْ اسْتَأْجَرَهُ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا فَإِنَّ لَهُ فَسْخَهَا إذَا فَرَغَ النَّهَارُ فَالْعِبْرَةُ لِنِيَّتِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَمَّا الْأَعْمَى مَعَ قَائِدِهِ فَإِنْ كَانَ الْقَائِدُ أَجِيرًا فَالْعِبْرَةُ لِنِيَّةِ الْأَعْمَى، وَإِنْ مُتَطَوِّعًا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ.
(قَوْلُهُ وَأَسِيرٍ) ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ إنْ كَانَ مَقْصِدُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَصَرَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ سَأَلَهُ فَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ وَكَانَ الْعَدُوُّ مُقِيمًا أَتَمَّ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا قَصَرَ؛ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ وَإِلَّا يَكُونُ كَمَنْ أَخَذَهُ الظَّالِمُ لَا يَقْصُرُ إلَّا بَعْدَ السَّفَرِ ثَلَاثًا وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ كُلِّ تَابِعٍ يَسْأَلُ مَتْبُوعَهُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَمِلَ بِخَبَرِهِ وَإِلَّا عَمِلَ بِالْأَصْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إقَامَةٍ وَسَفَرٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ خِلَافُهُ وَتَعَذُّرُ السُّؤَالِ بِمَنْزِلَةِ السُّؤَالِ مَعَ عَدَمِ الْإِخْبَارِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَغَرِيمٍ) أَيْ مُوسِرٍ. قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: وَلَوْ دَخَلَ مُسَافِرٌ مِصْرًا فَأَخَذَهُ غَرِيمُهُ وَحَبَسَهُ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قَصَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ وَلَا يَحِلُّ لِلطَّالِبِ حَبْسُهُ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا إنْ عَزَمَ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ أَوْ لَمْ يَعْزِمْ شَيْئًا قَصَرَ وَإِنْ عَزَمَ وَاعْتَقَدَ أَنْ لَا يَقْضِيَهُ أَثِمَ اهـ. وَقَوْلُهُ إنْ عَزَمَ أَنْ يَقْضِيَ أَيْ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَتِلْمِيذٍ) أَيْ إذَا كَانَ يَرْتَزِقُ مِنْ أُسْتَاذِهِ رَحْمَتِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْمُتَعَلِّمِ مَعَ مُعَلِّمِهِ الْمُلَازِمِ لَهُ لَا خُصُوصُ طَالِبِ الْعِلْمِ مَعَ شَيْخِهِ.
قُلْت: وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى الِابْنُ الْبَارُّ الْبَالِغُ مَعَ أَبِيهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَمُسْتَأْجِرٍ) كَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَآسِرٍ وَدَائِنٍ وَأُسْتَاذٍ ح.
(قَوْلُهُ قُلْت:) تَلْخِيصٌ لِحَاصِلِ مَا تَقَدَّمَ لِيُبْنَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَادِثَةِ.
(قَوْلُهُ وَبِهِ بَانَ جَوَابُ حَادِثَةِ جَزِيرَةِ كُرَيْدَ) بِكَسْرِ الْكَافِ الْمُعْجَمَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الْكَافِ الْعَرَبِيَّةِ وَبَيْنَ الْجِيمِ ح.
وَالْحَادِثَةُ: هِيَ تَفَرُّقُ الْجَيْشِ لِمَا صَارَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْغَلَبَةِ وَالْهَزِيمَةِ حَتَّى تَشَتَّتُوا فِي كُلِّ جَانِبٍ وَفَاتَتْ الْمَعِيَّةُ وَالِارْتِزَاقُ فَصَارَ كُلٌّ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ وَزَالَتْ التَّبَعِيَّةُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) وَقِيلَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ كَالْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ أَيْ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقَصْرِ مَنْهِيٌّ عَنْ الْإِتْمَامِ فَكَانَ مُضْطَرًّا، فَلَوْ صَارَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا بِإِقَامَةِ الْأَصْلِ بِلَا عِلْمِهِ لَحِقَهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ مَدْفُوعٌ
شَرْعًا
، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ فَيُمْكِنُهُ دَفْعُ الضَّرَرِ بِالِامْتِنَاعِ، فَإِذَا بَاعَ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ أَمْرِهِ كَانَ الضَّرَرُ نَاشِئًا مِنْهُ مِنْ وَجْهٍ وَمِنْ الْمُوَكِّلِ مِنْ وَجْهٍ فَيَصِحُّ الْعَزْلُ حُكْمًا لَا قَصْدًا بَحْرٌ مُلَخَّصًا عَنْ الْمُحِيطِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
(قَوْلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْأَصَحِّ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَكَذَا إنْ كَانَ مَعَ مَوْلَاهُ فِي السَّفَرِ فَبَاعَهُ مِنْ مُقِيمٍ وَالْعَبْدُ
стр. 791
عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مُقِيمٍ وَمُسَافِرٍ إنْ تَهَايَآ قَصَرَ فِي نَوْبَةِ الْمُسَافِرِ وَإِلَّا يُفْرَضُ عَلَيْهِ الْقُعُودُ الْأَوَّلُ وَيُتِمُّ احْتِيَاطًا
ــ
[رد المحتار]
فِي الصَّلَاةِ يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا حَتَّى لَوْ سَلَّمَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ إنْ فُرِضَ عَدَمُ عِلْمِ الْعَبْدِ أَوْ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ إنْ عَلِمَ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْقَضَاءُ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَغْيِيرِ الْفَرْضِ آخِرُ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ امِنْ فُرُوعِهِ.
(قَوْلُهُ سَفَرًا وَحَضَرًا) أَيْ فَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ السَّفَرِ وَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ يَقْضِيهَا مَقْصُورَةً كَمَا لَوْ أَدَّاهَا وَكَذَا فَائِتَةُ الْحَضَرِ تُقْضَى فِي السَّفَرِ تَامَّةً.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ بَعْدَمَا تَقَرَّرَ) أَيْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْفَرْضَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ لَا يَتَغَيَّرُ عَمَّا وَجَبَ أَمَّا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّغَيُّرِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَوْ إنْشَاءِ السَّفَرِ وَبِاقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ.
(قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ الْمَرِيضَ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا الْمَرِيضُ إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي الصِّحَّةِ قَائِمًا لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِقَيْدِ الْقِيَامِ غَيْرَ أَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهَا حَالَةَ الْعُذْرِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ إذْ ذَاكَ فَحِينَ لَمْ يُؤَدِّهَا حَالَةَ الْعُذْرِ زَالَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ فَتَعَيَّنَ الْأَصْلُ وَلِذَلِكَ يَفْعَلُهَا الْمَرِيضُ قَاعِدًا إذَا فَاتَتْ عَنْ زَمَنِ الصِّحَّةِ، أَمَّا صَلَاةُ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا رَكْعَتَيْنِ ابْتِدَاءً وَمَنْشَأُ الْغَلَطِ اشْتِرَاكُ لَفْظِ الرُّخْصَةِ. اهـ.
[فُرُوعٌ فِي قَصْر الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ: سَافَرَ السُّلْطَانُ قَصَرَ) أَيْ إذَا نَوَى السَّفَرَ يَصِيرُ مُسَافِرًا وَيَقْصُرُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وِلَايَتِهِ أَمَّا إذَا طَافَ فِي وِلَايَتِهِ فَلَا يَقْصُرُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ قَصَرُوا حِينَ سَافَرُوا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ وَمُرَادُ الْقَائِلِ لَا يَقْصُرُ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ لِتَفَحُّصِ أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ وَقَصَدَ الرُّجُوعَ مَتَى حَصَلَ مَقْصُودُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ مَسِيرَةَ فَرٍ حَتَّى إنَّهُ فِي الرُّجُوعِ يَقْصُرُ لَوْ كَانَ مِنْ مُدَّةِ سَفَرٍ وَلَا اعْتِبَارَ لِمَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ جَمِيعَ الْوِلَايَةِ بِمَنْزِلَةِ مِصْرِهِ لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مَعَ عَدَمِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يُسْمَعْ. اهـ.
(قَوْلُهُ صَارَ مُقِيمًا عَلَى الْأَوْجَهِ) أَيْ بِنَفْسِ التَّزَوُّجِ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْهُ وَطَنًا أَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَمَّا الْمُسَافِرَةُ فَإِنَّهَا تَصِيرُ مُقِيمَةً بِنَفْسِ التَّزَوُّجِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ ح وَحَكَى الزَّيْلَعِيُّ هَذَا الْوَجْهَ بِقِيلَ فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ الْمُقَابِلِ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ ط.
أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا إذَا كَانَ مُرَادُهُ الْخُرُوجَ قَبْلَ نِصْفِ شَهْرٍ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ تُتِمُّ فِي الصَّحِيحِ) كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. قَالَ ط وَكَأَنَّهُ لِسُقُوطِ الصَّلَاةِ عَنْهَا فِيمَا مَضَى لَمْ يُعْتَبَرْ حُكْمُ السَّفَرِ فِيهِ فَلَمَّا تَأَهَّلَتْ لِلْأَدَاءِ اُعْتُبِرَ مِنْ وَقْتِهِ.
(قَوْلُهُ كَصَبِيٍّ بَلَغَ) أَيْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَقَدْ بَقِيَ لِمَقْصِدِهِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَلَا يُعْتَبَرُ مَا مَضَى لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ فِيهِ ط (قَوْلُهُ بِخِلَافِ كَافِرٍ أَسْلَمَ) أَيْ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ.
قَالَ فِي الدُّرَرِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ مُعْتَبَرَةٌ فَكَانَ مُسَافِرًا مِنْ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ يَكُونُ مُسَافِرًا، وَقِيلَ يُتِمَّانِ، وَقِيلَ يَقْصُرَانِ. اهـ. وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْخُلَاصَةِ.
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَنْزِلُ عَنْ رُتْبَةِ الَّذِي أَسْلَمَ فَكَانَ حَقُّهَا الْقَصْرَ مِثْلَهُ. اهـ.
وَأَجَابَ فِي نَهْجِ النَّجَاةِ بِأَنَّ مَانِعَهَا سَمَاوِيٌّ بِخِلَافِهِ اهـ أَيْ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، لَكِنْ مَنَعَهَا مِنْ الصَّلَاةِ مَا لَيْسَ بِصُنْعِهَا فَلَغَتْ نِيَّتُهَا مِنْ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَةِ الْمَانِعِ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ
(قَوْلُهُ عَبْدٌ إلَخْ) أَيْ إذَا سَافَرَ الْعَبْدُ مَعَ سَيِّدَيْهِ فَنَوَى أَحَدُهُمَا الْإِقَامَةَ (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَهَايَآ فِي خِدْمَتِهِ يُفْرَضُ عَلَيْهِ الْقُعُودُ عَلَى
стр. 792
وَلَا يَأْتَمُّ بِمُقِيمٍ أَصْلًا وَهُوَ مِمَّا يَلْغُزُ.
قَالَ لِنِسَائِهِ: مَنْ لَمْ تَدْرِ مِنْكُنَّ كَمْ رَكْعَةٍ فَرْضِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ فَقَالَتْ إحْدَاهُنَّ عِشْرُونَ وَالثَّانِيَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَالثَّالِثَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَالرَّابِعَةُ إحْدَى عَشَرَ لَمْ يُطَلَّقْنَ لِأَنَّ الْأُولَى ضَمَّتْ الْوِتْرَ وَالثَّانِيَةَ تَرَكَتْهُ وَالثَّالِثَةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالرَّابِعَةَ لِلْمُسَافِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْجُمُعَةِ
بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَسُكُونِهَا (هِيَ فَرْضُ) عَيْنٍ (يَكْفُرُ جَاحِدُهَا) لِثُبُوتِهَا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ كَمَا حَقَّقَهُ الْكَمَالُ وَهِيَ فَرْضٌ مُسْتَقِلٌّ آكَدُ مِنْ الظُّهْرِ
ــ
[رد المحتار]
رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَيُتِمُّ احْتِيَاطًا لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ مِنْ وَجْهٍ مُقِيمٌ مِنْ وَجْهٍ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَأْتَمُّ إلَخْ) فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُقِيمِ مُطْلَقًا فَلْيُعْلَمْ هَذَا اهـ أَيْ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ وَلَا الثَّانِي وَلَعَلَّ وَجْهَهُ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا أَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ يُتِمُّ احْتِيَاطًا أَنْ تَكُونَ الْقَعْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي حَقِّهِ فَرْضًا إلْحَاقًا لَهُ بِالْمُقِيمِ، وَقَدْ قُلْنَا إنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فَرْضٌ عَلَيْهِ أَيْضًا إلْحَاقًا لَهُ بِالْمُسَافِرِ فَإِذَا اقْتَدَى بِمُقِيمٍ يَلْزَمُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ الْأُولَى. اهـ.
أَقُولُ: لَكِنَّ قَوْلَ شَارِحِ الْمُنْيَةِ وَعَلَى هَذَا إلَخْ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَحْثِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي رَأَيْته مَنْقُولًا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْحُجَّةِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُهَايَأَةِ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا فَكُلُّ صَلَاةٍ يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَيَقْعُدُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَكَذَا إذَا اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ يُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ وَفِي قِرَاءَتِهِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اخْتِلَافٌ. وَأَمَّا إذَا اقْتَدَى بِمُقِيمٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِالِاتِّفَاقِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ مِمَّا يُلْغَزُ) أَيْ مِنْ جِهَاتٍ فَيُقَالُ: أَيُّ شَخْصٍ يُصَلِّي فَرْضُهُ أَرْبَعًا وَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْقُعُودُ الْأَوَّلُ كَالثَّانِي وَأَيُّ شَخْصٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْمُقِيمِ فِي الْوَقْتِ، وَأَيُّ شَخْصٍ لَيْسَ بِمُقِيمٍ وَلَا مُسَافِرٍ؟ وَيُقَالُ فِي صُورَةِ التَّهَايُؤِ: أَيُّ شَخْصٍ يُتِمُّ يَوْمًا وَيَقْصُرُ يَوْمًا ط
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأُولَى ضَمَّتْ الْوِتْرَ) وَهِيَ صَادِقَةٌ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ وَيُحْمَلُ الْفَرْضُ فِي كَلَامِ الزَّوْجِ عَلَى مَا يَلْزَمُ لِيَعُمَّ فِعْلَهُ الْعَمَلِيَّ ط.
(قَوْلُهُ وَالثَّالِثَةُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) أَيْ قَالَتْ ذَلِكَ الْعَدَدَ لِفُرُوضِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْقَطْعِيَّةِ وَلَمْ تَنْظُرْ إلَى الْوِتْرِ وَكَذَا الرَّابِعَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ بَابُ الْجُمُعَةِ]
بَابُ الْجُمُعَةِ
مُنَاسَبَتُهُ لِلسَّفَرِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَنْصِيفَ الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً لِعَارِضٍ لَكِنَّهُ هُنَا فِي خَاصٍّ، وَهُوَ الظُّهْرُ وَفِي السَّفَرِ فِي عَامٍّ وَهُوَ كُلُّ رَبَاعِيَةٍ فَلِذَا قَدَّمَ (قَوْلَهُ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] الْآيَةَ - وَبِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ كَمَا حَقَّقَهُ الْكَمَالُ) وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَكْثَرْنَا فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْإِكْثَارِ لِمَا نَسْمَعُ عَنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ إلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمَ افْتِرَاضِهَا، وَمَنْشَأُ غَلَطِهِمْ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَنْزِلِهِ وَلَا عُذْرَ لَهُ كُرِهَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ حَرُمَ عَلَيْهِ وَصَحَّتْ الظُّهْرُ لِمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ آكَدُ مِنْ الظُّهْرِ) أَيْ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهَا مِنْ التَّهْدِيدِ مَا لَمْ يَرِدْ فِي الظُّهْرِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، فَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا أَشَدَّ مِنْ الظُّهْرِ وَيُثَابُ
стр. 793
وَلَيْسَتْ بَدَلًا عَنْهُ كَمَا حَرَّرَهُ الْبَاقَانِيُّ مَعْزِيًّا لِسَرِيِّ الدِّينِ بْنِ الشِّحْنَةِ. وَفِي الْبَحْرِ: وَقَدْ أَفْتَيْت مِرَارًا بِعَدَمِ صَلَاةِ الْأَرْبَعِ بَعْدَهَا بِنِيَّةِ آخِرِ ظُهْرٍ خَوْفَ اعْتِقَادِ عَدَمِ فَرْضِيَّةِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ فِي زَمَانِنَا، وَأَمَّا مَنْ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ مِنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ فِي بَيْتِهِ خُفْيَةً.
(وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا) سَبْعَةُ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلُ: (الْمِصْرُ وَهُوَ مَا لَا يَسَعُ أَكْبَرُ مَسَاجِدِهِ أَهْلَهُ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا) وَعَلَيْهِ فَتْوَى أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مُجْتَبًى لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأَحْكَامِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ
ــ
[رد المحتار]
عَلَيْهَا أَكْثَرَ وَلِأَنَّ لَهَا شُرُوطًا لَيْسَتْ لِلظُّهْرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَتْ بَدَلًا عَنْهُ إلَخْ) تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَهِيَ فَرْضٌ مُسْتَقِلٌّ لَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَحْثِ النِّيَّةِ مِنْ بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ. وَعِبَارَتُهُ مَعَ الشَّرْحِ: وَلَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ مَعَ بَقَائِهِ جَازَ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْبَعْضِ فَتَصِحُّ. اهـ. وَكَتَبْنَا هُنَاكَ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ عِنْدَنَا الظُّهْرُ لَا الْجُمُعَةُ وَلَكِنْ قَدْ أُمِرَ بِالْجُمُعَةِ لِإِسْقَاطِ الظُّهْرِ وَلِذَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ أَنْ تَفُوتَهُ الْجُمُعَةُ صَحَّتْ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالثَّلَاثَةِ وَإِنْ حَرُمَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا اهـ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ عِنْدَنَا الظُّهْرُ، وَعِنْدَ زُفَرَ الْجُمُعَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ فِيمَا سَيَأْتِي حَتَّى الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ عَنْ النُّقَايَةِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ ظَهَرَ ضَعْفُهُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَحْرِ إلَخْ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتُؤَدَّى فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ بِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ
(قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَهَا شَرَائِطُ وُجُوبًا وَأَدَاءً مِنْهَا: مَا هُوَ فِي الْمُصَلَّى. وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي غَيْرِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَدَاءَ لَا يَصِحُّ بِانْتِفَاءِ شُرُوطِهِ وَيَصِحُّ بِانْتِفَاءِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
وَحُرٌّ صَحِيحٌ بِالْبُلُوغِ مُذَكَّرٌ ... مُقِيمٌ وَذُو عَقْلٍ لِشَرْطِ وُجُوبِهَا
وَمِصْرٌ وَسُلْطَانٌ وَوَقْتٌ وَخُطْبَةٌ ... وَإِذْنٌ كَذَا جَمْعٌ لِشَرْطِ أَدَائِهَا
ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ (قَوْلُهُ مَا لَا يَسَعُ إلَخْ) هَذَا يَصْدُقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْقُرَى ط (قَوْلُهُ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ مِثْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمُسَافِرِينَ ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ فَتْوَى أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ إلَخْ) وَقَالَ أَبُو شُجَاعٍ: هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ. وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَهُوَ صَحِيحٌ بَحْرٌ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْوِقَايَةِ وَمَتْنِ الْمُخْتَارِ وَشَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي مَتْنِ الدُّرَرِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ وَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُهُ وَأَيَّدَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ سِيَّمَا فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الْأَمْصَارِ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَالْحَدُّ الصَّحِيحُ مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ الَّذِي لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ وَتَزْيِيفُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ لَهُ عِنْدَ اعْتِذَارِهِ عَنْ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ حَيْثُ اخْتَارَ الْحَدَّ الْمُتَقَدِّمَ بِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأَحْكَامِ مُزَيَّفٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْقُدْرَةُ عَلَى إقَامَتِهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي التُّحْفَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا سِكَكٌ وَأَسْوَاقٌ وَلَهَا رَسَاتِيقُ وَفِيهَا وَالٍ يَقْدِرُ عَلَى إنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ بِحِشْمَتِهِ وَعِلْمِهِ أَوْ عِلْمِ غَيْرِهِ يَرْجِعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الْحَوَادِثِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ اهـ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ تَرَكَ ذِكْرَ السِّكَكِ وَالرَّسَاتِيقِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْأَمِيرَ وَالْقَاضِيَ الَّذِي شَأْنُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي بَلَدٍ كَذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ) أَيْ مُقِيمَانِ فَالِاعْتِبَارُ بِقَاضٍ يَأْتِي أَحْيَانَا يُسَمَّى قَاضِيَ النَّاحِيَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُفْتِيَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْقَاضِي لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانَ وَظِيفَةَ الْمُجْتَهِدِينَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَالِي وَالْقَاضِي مُفْتِيًا اُشْتُرِطَ الْمُفْتِي كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَفِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ: أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْقَاضِي عَنْ الْأَمِيرِ شَرْحُ الْمُلْتَقَى. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ:
стр. 794
يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ كَمَا حَرَّرْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْمُلْتَقَى.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: إذْنُ الْحَاكِمِ بِبِنَاءِ الْجَامِعِ فِي الرُّسْتَاقِ إذْنٌ بِالْجُمُعَةِ اتِّفَاقًا عَلَى مَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْحُكْمُ صَارَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَلْيُحْفَظْ (أَوْ فِنَاؤُهُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ (وَهُوَ مَا) حَوْلَهُ (اتَّصَلَ بِهِ) أَوْ لَا
ــ
[رد المحتار]
ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْأَمِيرِ مَنْ يَحْرُسُ النَّاسَ وَيَمْنَعُ الْمُفْسِدِينَ وَيُقَوِّي أَحْكَامَ الشَّرْعِ كَذَا فِي الرَّقَائِقِ. وَحَاصِلُهُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ يَقْدِرُ إلَخْ) أَفْرَدَ الضَّمِيرَ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ لِعَوْدِهِ عَلَى الْقَاضِي لِأَنَّ ذَلِكَ وَظِيفَتُهُ بِخِلَافِ الْأَمِيرِ لِمَا مَرَّ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِيَقْدِرُ رَدٌّ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ كَمَا عَلِمْته. وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الدَّهْلَوِيِّ لَيْسَ الْمُرَادُ تَنْفِيذَ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِالْفِعْلِ؛ إذْ الْجُمُعَةُ أُقِيمَتْ فِي عَهْدِ أَظْلَمِ النَّاسِ وَهُوَ الْحَجَّاجُ وَإِنَّهُ مَا كَانَ يُنَفِّذُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ، بَلْ الْمُرَادُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - اقْتِدَارُهُ عَلَى ذَلِكَ اهـ وَنُقِلَ مِثْلُهُ فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ عَنْ رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي.
أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِخْلَالُ بِتَنْفِيذِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ مُخِلًّا بِكَوْنِ الْبَلَدِ مِصْرًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَزِمَ أَنْ لَا تَصِحَّ جُمُعَةٌ فِي بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ أَزْمَانٍ فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُرَادِ الِاقْتِدَارَ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي إرَادَةُ أَكْثَرِهِمَا وَإِلَّا فَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْحَاكِمِ الِاقْتِدَارُ عَلَى تَنْفِيذِ بَعْضِهَا لِمَنْعٍ مِمَّنْ وَلَّاهُ وَكَمَا يَقَعُ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ مِنْ تَعَصُّبِ سُفَهَاءِ الْبَلَدِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ عَلَى الْحَاكِمِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ فِيهِمْ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَنْفِيذِهَا فِي غَيْرِهِمْ وَفِي عَسْكَرِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا عَارِضٌ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَلِذَا لَوْ مَاتَ الْوَالِي أَوْ لَمْ يَحْضُرْ لِفِتْنَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ نَصَّبَ الْعَامَّةُ لَهُمْ خَطِيبًا لِلضَّرُورَةِ كَمَا سَيَأْتِي مَعَ أَنَّهُ لَا أَمِيرَ وَلَا قَاضِيَ ثَمَّةَ أَصْلًا وَبِهَذَا ظَهَرَ جَهْلُ مَنْ يَقُولُ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ مَعَ أَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْبِلَادِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَمَا حَرَّرْنَاهُ إلَخْ) هُوَ حَاصِلُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ إلَخْ) تَأْيِيدٌ لِلْمَتْنِ، وَعِبَارَةُ الْقُهُسْتَانِيِّ تَقَعُ فَرْضًا فِي الْقَصَبَاتِ وَالْقُرَى الْكَبِيرَةِ الَّتِي فِيهَا أَسْوَاقٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: هَذَا بِلَا خِلَافٍ إذَا أَذِنَ الْوَالِي أَوْ الْقَاضِي بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَأَدَاءِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ هَذَا مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْحُكْمُ صَارَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا قَاضٍ وَمِنْبَرٌ وَخَطِيبٌ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْكَرَاهَةُ لِكَرَاهَةِ النَّفْلِ بِالْجَمَاعَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْجَوَاهِرِ لَوْ صَلَّوْا فِي الْقُرَى لَزِمَهُمْ أَدَاءُ الظُّهْرِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ حُكْمٌ، فَإِنَّ فِي فَتَاوَى الدِّينَارِيِّ إذَا بُنِيَ مَسْجِدٌ فِي الرُّسْتَاقِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَهُوَ أَمْرٌ بِالْجُمُعَةِ اتِّفَاقًا عَلَى مَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ اهـ فَافْهَمْ وَالرُّسْتَاقُ الْقُرَى كَمَا فِي الْقَامُوسِ. [تَنْبِيهٌ]
فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ: قُضَاةُ زَمَانِنَا يَحْكُمُونَ بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ تَجْدِيدِهَا فِي مَوْضِعٍ بِأَنْ يُعَلِّقَ الْوَاقِفُ عِتْقَ عَبْدِهِ بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَعْدَ إقَامَتِهَا فِيهِ بِالشُّرُوطِ يَدَّعِي الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ عَلَى الْوَاقِفِ الْمُعَلِّقِ بِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ صَحَّتْ وَوَقَعَ الْعِتْقُ فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ فَيَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَيَدْخُلُ مَا لَمْ يَأْتِ مِنْ الْجُمَعِ تَبَعًا اهـ قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي دُخُولِ مَا لَمْ يَأْتِ نَظَرٌ فَتَدَبَّرْ. اهـ.
أَقُولُ: الْجَوَابُ عَنْ نَظَرِهِ أَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَحَلًّا لِإِقَامَتِهَا فِيهِ وَبَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا فِيهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ جُمُعَةٍ وَجُمُعَةٍ فَتَدَبَّرْ. وَظَاهِرُ مَا مَرَّ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ مُجَرَّدَ أَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ الْقَاضِي بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَأَدَائِهَا فِيهِ حُكْمٌ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ بِلَا دَعْوَى وَحَادِثَةٍ. وَفِي قَضَاءِ الْأَشْبَاهِ أَمْرُ الْقَاضِي حُكْمٌ كَقَوْلِهِ: سُلِّمَ الْمَحْدُودَ إلَى الْمُدَّعِي، وَالْأَمْرُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ، وَالْأَمْرُ بِحَبْسِهِ إلَخْ وَأَفْتَى ابْنُ نُجَيْمٍ بِأَنَّ تَزْوِيجَ الْقَاضِي الصَّغِيرَةَ حُكْمٌ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ (قَوْلُهُ: وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْحُكْمُ إلَخْ) قَدْ عَلِمْت أَنَّ عِبَارَةَ الْقُهُسْتَانِيِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ أَمْرِهِ حُكْمٌ (قَوْلُهُ أَوَّلًا) زَادَهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مَا اتَّصَلَ بِهِ لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا كَمَا فِي
стр. 795
كَمَا حَرَّرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ وَغَيْرُهُ (لِأَجْلِ مَصَالِحِهِ) كَدَفْنِ الْمَوْتَى وَرَكْضِ الْخَيْلِ وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى تَقْدِيرُهُ بِفَرْسَخٍ ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ.
(وَ) الثَّانِي: (السُّلْطَانُ) وَلَوْ مُتَغَلِّبًا أَوْ امْرَأَةً فَيَجُوزُ أَمْرُهَا بِإِقَامَتِهَا لَا إقَامَتُهَا (أَوْ مَأْمُورَةً بِإِقَامَتِهَا) وَلَوْ عَبْدًا
ــ
[رد المحتار]
الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ.
(قَوْلُهُ كَمَا حَرَّرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ) حَيْثُ قَالَ: وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ قَيْدَ الِاتِّصَالِ، وَقَدْ خَطَّأَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ قَائِلًا فَعَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ لَا تَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِبُخَارَى فِي مُصَلَّى الْعِيدِ لِأَنَّ بَيْنَ الْمُصَلَّى وَبَيْنَ الْمِصْرِ مَزَارِعَ وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَرَّةً وَأَفْتَى بَعْضُ مَشَايِخِ زَمَانِنَا بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَوَابٍ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُنْكِرْ جَوَازَ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ بِبُخَارَى لَا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَكَمَا أَنَّ الْمِصْرَ أَوْ فِنَاءَهُ شَرْطُ جَوَازِ الْجُمُعَةِ فَهُوَ شَرْطُ جَوَازِ صَلَاةِ الْعِيدِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ أَهْلِ التَّرْجِيحِ أَطْلَقَ الْفِنَاءَ عَنْ تَقْدِيرِهِ بِمَسَافَةٍ وَكَذَا مُحَرِّرُ الْمَذْهَبِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِهَا وَجُمْلَةُ أَقْوَالِهِمْ فِي تَقْدِيرِهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ أَوْ تِسْعَةُ غَلْوَةٍ مَيْلٌ مِيلَانِ ثَلَاثَةٌ فَرْسَخٌ فَرْسَخَانِ ثَلَاثَةٌ سَمَاعُ الصَّوْتِ سَمَاعُ الْأَذَانِ وَالتَّعْرِيفُ أَحْسَنُ مِنْ التَّحْدِيدِ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ كِبَرِ الْمِصْرِ وَصِغَرِهِ. بَيَانُهُ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِغَلْوَةٍ أَوْ مَيْلٍ لَا يَصِحُّ فِي مِثْلِ مِصْرَ لِأَنَّ الْقَرَافَةَ وَالتُّرَبَ الَّتِي تَلِي بَابَ النَّصْرِ يَزِيدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، نَعَمْ هُوَ مُمْكِنٌ لِمِثْلِ بُولَاقَ فَالْقَوْلُ بِالتَّحْدِيدِ بِمَسَافَةٍ يُخَالِفُ التَّعْرِيفَ الْمُتَّفَقَ عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِمَصَالِحِ الْمِصْرِ فَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْفِنَاءَ مَا أُعِدَّ لِدَفْنِ الْمَوْتَى وَحَوَائِجِ الْمِصْرِ كَرَكْضِ الْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَالْخُرُوجِ لِلرَّمْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَيِّ مَوْضِعٍ يُحَدُّ بِمَسَافَةٍ يَسَعُ عَسَاكِرَ مِصْرٍ وَيَصْلُحُ مَيْدَانًا لِلْخَيْلِ وَالْفُرْسَانِ وَرَمْيِ النَّبْلِ وَالْبُنْدُقِ الْبَارُودِ وَاخْتِبَارِ الْمَدَافِعِ وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى فَرَاسِخَ فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْدِيدَ بِحَسَبِ الْأَمْصَارِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ [تُحْفَةِ أَعْيَانِ الْغَنِيِّ بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الْفَنَا] لِلْعَلَّامَةِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَقَدْ جَزَمَ فِيهَا بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدِ سَبِيلٍ عَلَى أَنَّ الَّذِي بَنَاهُ بَعْضُ أُمَرَاءِ زَمَانِهِ وَهُوَ فِي فِنَاءِ مِصْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ فَرْسَخٍ وَشَيْءٌ.
مَطْلَبٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ بِمَسْجِدِ الْمُرِجَّةِ وَالصَّالِحِيَّةِ فِي دِمَشْقَ
أَقُولُ: وَبِهِ ظَهَرَ صِحَّتُهَا فِي تَكِيَّةِ السُّلْطَانِ سُلَيْمٍ بِمَرْجَةِ دِمَشْقَ، وَكَذَا فِي مَسْجِدِهِ بِصَالِحِيَّةِ دِمَشْقَ فَإِنَّهَا مِنْ فِنَاءِ دِمَشْقَ بِمَا فِيهَا مِنْ التُّرْبَةِ بِسَفْحِ الْجَبَلِ وَإِنْ انْفَصَلَتْ عَنْ دِمَشْقَ بِمَزَارِعَ لَكِنَّهَا قَرِيبَةٌ لِأَنَّهَا عَلَى ثُلُثِ فَرْسَخٍ مِنْ الْبَلْدَةِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ قَرْيَةً مُسْتَقِلَّةً فَهِيَ مِصْرٌ عَلَى تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ مَسْجِدَهَا مَبْنِيٌّ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، وَكَذَا مَسْجِدُهَا الْقَدِيمُ الْمَشْهُورُ بِمَسْجِدِ الْحَنَابِلَةِ الَّذِي بَنَاهُ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ وَأَمْرُهُ كَافٍ فِي صِحَّتِهَا عَلَى مَا مَرَّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ امْرَأَةً) اعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ سُلْطَانًا إلَّا تَغَلُّبًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي الْإِمَامِ، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَلَوْ امْرَأَةً أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُتَغَلِّبُ امْرَأَةً ح، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَغَلِّبِ مَنْ فُقِدَ فِيهِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ وَإِنْ رَضِيَهُ الْقَوْمُ وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَالْمُتَغَلِّبُ الَّذِي لَا عَهْدَ لَهُ أَيْ لَا مَنْشُورَ لَهُ إنْ كَانَ سِيرَتُهُ فِيمَا بَيْنَ الرَّعِيَّةِ سِيرَةَ الْأُمَرَاءِ وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْوُلَاةِ تَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِحَضْرَتِهِ بَحْرٌ. اهـ. ط (قَوْلُهُ بِإِقَامَتِهَا) أَيْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَقَوْلُهُ لَا إقَامَتِهَا أَيْ لَا إقَامَةِ الْمَرْأَةِ الْجُمُعَةَ ح (قَوْلُهُ أَوْ مَأْمُورَةٌ بِإِقَامَتِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ، وَشَمِلَ الْأَمْرَ دَلَالَةً قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْعَامَّةِ فِي مِصْرٍ لَهُ إقَامَتُهَا وَإِنْ لَمْ يُفَوِّضْهَا السُّلْطَانُ إلَيْهِ صَرِيحًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْعِبْرَةُ لِأَهْلِيَّةِ النَّائِبِ وَقْتَ الصَّلَاةِ لَا وَقْتَ الِاسْتِنَابَةِ حَتَّى لَوْ أَمَرَ الصَّبِيَّ وَالذِّمِّيَّ وَفَوَّضَ إلَيْهِمَا الْجُمُعَةَ فَبَلَغَ وَأَسْلَمَ لَهُمَا إقَامَتُهَا لِأَنَّهُ فَوَّضَهَا إلَيْهِمَا صَرِيحًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الْخَانِيَّةِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْبَعْضِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ الْفَرْقِ لِوُقُوعِ التَّفْوِيضِ بَاطِلًا، وَعَلَيْهِ فَالْمُعْتَبَرُ الْأَهْلِيَّةُ وَقْتَ الِاسْتِنَابَةِ اهـ مُلَخَّصًا.
стр. 796
وَلِيَ عَمَلَ نَاحِيَةٍ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ أَنْكِحَتُهُ وَأَقْضِيَتُهُ.
(وَاخْتُلِفَ فِي الْخَطِيبِ الْمُقَرَّرِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ) مِنْ جِهَةِ (نَائِبِهِ هَلْ يَمْلِكُ الِاسْتِنَابَةَ فِي الْخُطْبَةِ؟ فَقِيلَ لَا مُطْلَقًا) أَيْ لِضَرُورَةٍ أَوْ لَا إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ (وَقِيلَ إنْ لِضَرُورَةٍ جَازَ) وَإِلَّا لَا (وَقِيلَ نَعَمْ) يَجُوزُ (مُطْلَقًا) بِلَا ضَرُورَةٍ لِأَنَّهُ عَلَى شَرَفِ الْفَوَاتِ لِتَوَقُّتِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً وَلَا كَذَلِكَ الْقَضَاءُ (وَهُوَ الظَّاهِرُ) مِنْ عِبَارَاتِهِمْ. فَفِي الْبَدَائِعِ: كُلُّ مَنْ مَلَك الْجُمُعَةَ مَلَك إقَامَةَ غَيْرِهِ وَفِي النُّجْعَةِ فِي تَعْدَادِ الْجُمُعَةِ لِابْنِ جُرُبَاشَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: لَكِنْ فِي رِسَالَةِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ عَنْ الْخُلَاصَةِ مَا نَصُّهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْأَهْلِيَّةِ وَقْتَ إقَامَتِهَا لَا وَقْتَ الْإِذْنِ بِهَا وَإِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ مَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ أَنْكِحَتُهُ وَأَقْضِيَتُهُ) لِأَنَّهُمَا يَعْتَمِدَانِ الْوِلَايَةَ: وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ شَرْطَ الْقَضَاءِ الْحُرِّيَّةُ ط
(قَوْلُهُ وَاخْتُلِفَ إلَخْ) لَيْسَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا بَيْنَ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَهْلِ التَّخْرِيجِ أَوْ التَّرْجِيحِ بَلْ هُوَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي فَهْمِ عِبَارَاتِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ. مَطْلَبٌ فِي جَوَازِ اسْتِنَابَةِ الْخَطِيبِ
(قَوْلُهُ هَلْ يَمْلِكُ الِاسْتِنَابَةَ) أَيْ بِلَا إذْنٍ مِنْ السُّلْطَانِ أَمَّا بِالْإِذْنِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ (قَوْلُهُ فَقِيلَ لَا مُطْلَقًا) قَائِلُهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ حَيْثُ قَالَ إنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَا يَجُوزُ لِلْخُطْبَةِ أَصْلًا وَلَا لِلصَّلَاةِ ابْتِدَاءً بَلْ بَعْدَمَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ إلَّا إذَا كَانَ مَأْذُونًا مِنْ السُّلْطَانِ بِالِاسْتِخْلَافِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ لِضَرُورَةٍ جَازَ إلَخْ) قَائِلُهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا حَيْثُ قَالَ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ كَشُغْلِهِ عَنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي وَقْتِهَا جَازَ التَّفْوِيضُ إلَى غَيْرِهِ وَإِلَّا لَا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَصْلًا أَوْ كَانَ لِعُذْرٍ لَكِنْ يُمْكِنُ إزَالَةُ عُذْرِهِ وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ بَعْدَهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ التَّفْوِيضُ إلَى خَطِيبٍ آخَرَ ثُمَّ قَالَ: وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرَيْنِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْإِذْنِ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي، فَالْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِخْلَافِ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ الِاسْتِخْلَافُ لِلْخُطْبَةِ لَا لِلصَّلَاةِ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْبَعْضُ اهـ مِنَحٌ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَقِيلَ نَعَمْ إلَخْ) قَائِلُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ مُحِبُّ الدِّينِ ابْنُ جِرْبَاشٍ مِنَحٌ وَبِهِ قَالَ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الْبُرْهَانُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ وَكَذَا صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالشُّرُنْبُلالي وَالْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ بِلَا ضَرُورَةٍ لِيَتَّضِحَ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ ط. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ بَعْدَ كَلَامٍ: وَإِذَا عَلِمْت جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ لِلْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ مُطْلَقًا بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِ عُذْرٍ حَالَ الْحَضْرَةِ وَالْغَيْبَةِ وَجَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ لِلصَّلَاةِ دُونَ الْخُطْبَةِ وَعَكْسَهُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا اسْتَنَابَ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَالنَّائِبُ يَخْطُبُ وَيُصَلِّي بِهِمْ، وَالْأَمْرُ فِيهِ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا إذَا اسْتَخْلَفَ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ لِسَبْقِ حَدَثٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَكُلُّ مَنْ صَلَحَ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَهُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْخَلِيفَةِ قَدْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ أَوْ بَعْضَهَا مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ إلَخْ) هَذِهِ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي أَيْ لِأَنَّ أَدَاءَ الْجُمُعَةِ عَلَى شَرَفِ الْفَوَاتِ لِتَوَقُّتِهِ بِوَقْتٍ يَفُوتُ الْأَدَاءُ بِانْقِضَائِهِ دُرَرٌ عَنْ شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَيْ فَيَكُونُ ذَلِكَ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً لِعِلْمِهِ بِمَا يَعْتَرِي الْمَأْمُورَ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمَانِعَةِ مِنْ إقَامَتِهَا كَمَرَضٍ وَحَدَثٍ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ، وَلَا كَذَلِكَ الْقَضَاءُ) فَإِنَّهُ يَحْصُلُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ بِهِ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً (قَوْلُهُ: كُلُّ مَنْ مَلَكَ إلَخْ) هُوَ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اسْتِنَابَةِ الْخَطِيبِ مُطْلَقًا أَوْ كَالصَّرِيحِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ النُّجْعَةِ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ طَلَبُ الْكَلَإِ فِي مَوْضِعِهِ قَامُوسٌ وَهِيَ هُنَا عَلَمُ الْكِتَابِ ح (قَوْلُهُ لِابْنِ جُرُبَاشٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ ح وَهُوَ أَحَدُ شُيُوخِ مَشَايِخِ صَاحِبِ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِذْنَ مِنْ السُّلْطَانِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَإِذَا أَذِنَ بِإِقَامَتِهَا لِشَخْصٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ الْغَيْرُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِآخَرَ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا أَذِنَ بِإِقَامَتِهَا فِي مَسْجِدٍ صَارَ كُلُّ شَخْصٍ أَوْ كُلُّ خَطِيبٍ مَأْذُونًا بِأَنْ يُقِيمَهَا فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ بِدُونِ إذْنٍ
стр. 797
لِإِقَامَتِهَا عِنْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ الْإِذْنُ مُسْتَصْحَبٌ لِكُلِّ خَطِيبٍ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَمَا قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ لَا دَلِيلَ لَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ مُنْلَا خُسْرو وَغَيْرُهُ رَدَّهُ ابْنُ الْكَمَالِ فِي رِسَالَتِهِ خَاصَّةً بَرْهَنَ فِيهَا عَلَى الْجَوَازِ بِلَا شَرْطٍ وَأَطْنَبَ فِيهَا وَأَبْدَعَ وَلِكَثِيرٍ مِنْ الْفَوَائِدِ أَوْدَعَ.
ــ
[رد المحتار]
مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ مِنْ مَأْذُونِهِ كَمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ نَصُّ عِبَارَةِ ابْنِ جُرُبَاشَ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ فِي الْبَحْرِ وَهِيَ قَوْلُهُ بَعْدَ كَلَامٍ؛ وَإِذْ قَدْ عَرَفْت هَذَا فَيَتَمَشَّى عَلَيْهِ مَا يَقَعُ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنْ اسْتِئْذَانِ السُّلْطَانِ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيمَا يُسْتَجَدُّ مِنْ الْجَوَامِعِ فَإِنَّ إذْنَهُ بِإِقَامَتِهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِرَبِّهِ مُصَحِّحٌ لِإِذْنِ رَبِّ الْجَامِعِ لِمَنْ يُقِيمُهُ خَطِيبًا، وَلِإِذْنِ ذَلِكَ الْخَطِيبِ لِمَنْ عَسَاهُ أَنْ يَسْتَنِيبَهُ إلَخْ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إقَامَتُهَا إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ السُّلْطَانُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِدُونِهَا، أَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَلَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ مَا يَذْكُرُهُ الشَّارِحُ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ، نَعَمْ وَقَعَ فِي فَتَاوَى ابْنِ الشَّلَبِيِّ مَا يُوهِمُ مَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ حَيْثُ سُئِلَ عَنْ ثَغْرٍ فِيهِ جَوَامِعُ لَهَا خُطَبَاءُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إذْنٌ صَرِيحٌ مِنْ السُّلْطَانِ مَعَ عِلْمِ السُّلْطَانِ بِذَلِكَ الثَّغْرِ وَبِإِقَامَةِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ فِي جَوَامِعِهِ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إذْنًا دَلَالَةً؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّدَادِ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ مَنْ بَنَى جَامِعًا، وَأَرَادَ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ فَإِذَا وَجَدَ الْإِذْنَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَدْ حَصَلَ بِهِ الْغَرَضُ وَالْإِذْنُ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا لَكِنْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ السُّلْطَانِ ثَانِيًا بَلْ كُلُّ خَطِيبٍ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْإِذْنِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ وَمَا قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ إلَّا إذَا أَحْدَثَ قَالَ فِي الْبَحْرِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ الْإِطْلَاقُ. اهـ.
قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ تَبِعَهُ عَلَيْهِ مُنْلَا خُسْرو صَاحِبُ الدُّرَرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ لَكِنَّهُ نَاقَضَ نَفْسَهُ حَيْثُ قَالَ بَعْدَهُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرُ الْخَطِيبِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ مَعَ الْخُطْبَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَهَا اثْنَانِ وَإِنْ فَعَلَ جَازَ اهـ وَهَذَا يَكُونُ بِاسْتِخْلَافِ الْخَطِيبِ، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا خَطَبَ صَبِيٌّ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ وَصَلَّى بَالِغٌ جَازَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ اهـ قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: فَهَذَا نَصٌّ مِنْهُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ الْحَدَثِ كَمَا قَدَّمْنَا مِنْ النُّصُوصِ بِمِثْلِهِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ سَنَذْكُرُهُ آخِرَ الْبَابِ. [تَنْبِيهٌ]
أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّ كَلَامَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِنَابَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهَذَا عَجِيبٌ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لِابْنِ كَمَالٍ بَاشَا كَمَا عَلِمْت وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَتْنِ لَيْسَتْ مَنْقُولَةً فِي الْمَذْهَبِ بَلْ هِيَ اخْتِلَافٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ الزَّيْلَعِيِّ فَكَيْفَ يَبْنِي كَلَامَهُ عَلَى أَحَدِهَا عَلَى أَنَّ اشْتِرَاطَ الِاسْتِنَابَةِ بِالضَّرُورَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْخُطْبَةِ لَا لِلصَّلَاةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي عِبَارَةِ ابْنِ كَمَالٍ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ سَبْقَ الْحَدَثِ لَا يَسْتَوْجِبُ الِاسْتِنَابَةَ فِي الْخُطْبَةِ لِصِحَّتِهَا مَعَهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَمَا ذَكَرَهُ مُنْلَا خُسْرو) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ إلَّا إذَا فَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ ح قُلْت: وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ رَدَّهُ ابْنُ الْكَمَالِ) وَكَذَا رَدَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ وَالْإِمْدَادِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ بِلَا شَرْطٍ) أَيْ بِلَا شَرْطِ الْإِذْنِ مِنْ السُّلْطَانِ وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَنْشُورِ الْإِمَامَةِ الِاسْتِخْلَافُ. اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَعَلَى هَذَا عَمَلُ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. اهـ. نَعَمْ اشْتَرَطَ ابْنُ كَمَالٍ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ لِجَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَكُونَ لِضَرُورَةٍ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْمَتْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ فَسَادٌ مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا حَيْثُ يَحْضُرُونَ أَيْ السَّلَاطِينُ فِي الْجَامِعِ بِلَا عُذْرٍ وَيَسْتَخْلِفُونَ الْغَيْرَ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ. اهـ. وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَةٍ بِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ: إمَامٌ خَطَبَ فَتَوَلَّى غَيْرُهُ وَشَهِدَ الْخُطْبَةَ وَلَمْ يَعْزِلْ
стр. 798
وَفِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ: أَنَّهُ جَائِزٌ مُطْلَقًا فِي زَمَانِنَا لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي تَارِيخِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ إذْنٌ عَامٌّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ: لَوْ صَلَّى أَحَدٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْخَطِيبِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا اقْتَدَى بِهِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْجُمُعَةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَدَاءُ النَّفْلِ بِجَمَاعَةٍ وَأَقَرَّهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
(مَاتَ وَالِي مِصْرٍ فَجَمَّعَ خَلِيفَتُهُ أَوْ صَاحِبُ الشَّرَطِ) بِفَتْحَتَيْنِ حَاكِمُ السِّيَاسَةِ (أَوْ الْقَاضِي الْمَأْذُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ
ــ
[رد المحتار]
الْأَوَّلَ وَلَكِنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِالنَّاسِ فَصَلَّى جَازَ لِأَنَّهُ لَمَّا شَهِدَ الْخُطْبَةَ فَكَأَنَّمَا خَطَبَ بِنَفْسِهِ وَلَوْ أَنَّ الْقَادِمَ الَّذِي تَوَلَّى شَهِدَ خُطْبَةَ الْأَوَّلِ وَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِقُدُومِهِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ عَلَى وِلَايَتِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْعَزْلُ اهـ قَالَ فَهَذَا نَصٌّ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْأَصِيلِ بِحَضْرَةِ نَائِبِهِ لِعِلْمِهِ بِعَزْلِهِ. اهـ.
أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى وِلَايَتِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْعَزْلُ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَعْزِلْهُ بِالْفِعْلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ عِلْمَهُ بِالْعَزْلِ وَإِلَّا نَاقَضَ قَوْلَهُ قَبْلَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ بِقُدُومِهِ، وَالْأَوْضَحُ فِي الرَّدِّ مَا فِي الْبَدَائِعِ عَنْ النَّوَادِرِ أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْزُولًا إذَا عَلِمَ بِحُضُورِ الثَّانِي، وَأَنَّ الثَّانِيَ إذَا أَمَرَ الْأَوَّلَ بِإِتْمَامِ الْخُطْبَةِ يَجُوزُ وَإِلَّا بَلْ سَكَتَ حَتَّى أَتَمَّهَا أَوْ حَضَرَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَوَّلِ مِنْ الْخُطْبَةِ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهَا خُطْبَةُ سُلْطَانٍ مَعْزُولٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحُضُورِ الثَّانِي حَتَّى خَطَبَ وَصَلَّى وَالْأَوَّلُ سَاكِتٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْزَلُ إلَّا بِالْعِلْمِ كَالْوَكِيلِ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ مِنْ النَّائِبِ بِحَضْرَةِ الْأَصِيلِ. وَذُكِرَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي: صَلَّى أَحَدٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْخَطِيبِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إذَا اقْتَدَى بِهِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْجُمُعَةِ اهـ وَمِثْلُهُ مَا يَذْكُرُهُ الشَّارِحُ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِخْلَافَ جَائِزٌ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِضَرُورَةٍ أَوْ لَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ ح (قَوْلُهُ إذْنٌ عَامٌّ) أَيْ لِكُلِّ خَطِيبٍ أَنْ يَسْتَنِيبَ لَا لِكُلِّ شَخْصٍ أَنْ يَخْطُبَ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ أَرَادَ ح.
أَقُولُ: لَكِنْ لَا يَبْقَى إلَى الْيَوْمِ الْإِذْنُ بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ الْآذِنِ بِذَلِكَ إلَّا إذَا أَذِنَ بِهِ أَيْضًا سُلْطَانُ زَمَانِنَا نَصَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - كَمَا بَيَّنْته فِي تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ وَسَنَذْكُرُ فِي بَابِ الْعِيدِ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) لَعَلَّ الْمُرَادَ فَتْوَى أَهْلِ زَمَانِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَصْحِيحًا مُعْتَبَرًا؛ إذْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ التَّصْحِيحِ
(قَوْلُهُ لَوْ صَلَّى أَحَدٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْخَطِيبِ لَا يَجُوزُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَطِيبَ خَطَبَ بِنَفْسِهِ، وَالْآخَرُ صَلَّى بِلَا إذْنِهِ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ خَطَبَ بِلَا إذْنِهِ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا: خَطَبَ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ، وَالْإِمَامُ حَاضِرٌ لَمْ يَجُزْ اهـ. وَلَا يُنَافِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ أَنَّهُ لَمَّا شَهِدَ الْخُطْبَةَ فَكَأَنَّمَا خَطَبَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ هُنَاكَ كَانَتْ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَتُهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا اقْتَدَى بِهِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْجُمُعَةِ) شَمِلَ الْخَطِيبَ الْمَأْذُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ إذْنٌ دَلَالَةً بِخِلَافِ مَا لَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَقْتَدِ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ السَّابِقَةُ ثُمَّ إذَا كَانَ حُضُورُهُ بِدُونِ اقْتِدَاءٍ لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنًا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ خُطْبَةُ غَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ بِالْأَوْلَى خِلَافًا لِمَنْ فَهِمَ مِنْهُ الْجَوَازَ أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إلَخْ) أَيْ يُؤَيِّدُ الْجَوَازَ إذَا اقْتَدَى بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اقْتِدَاءَهُ بِهِ دَلِيلُ الْإِذْنِ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ نَوَوْهَا جُمُعَةً لَكِنْ بِدُونِ شَرْطِهَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ اقْتِدَاؤُهُ إذْنًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا مَعَهُمْ النَّفَلَ بِجَمَاعَةٍ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَفِعْلُ الْمُسْلِمِ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْكَمَالِ فَيَكُونُ اقْتِدَاؤُهُ إجَازَةً لِفِعْلِهِ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالْإِذْنِ السَّابِقِ، وَنَظِيرُهُ إذَا أَجَازَ نِكَاحَ الْفُضُولِيِّ بِالْفِعْلِ يَجُوزُ وَمُجَرَّدُ حُضُورِهِ وَسُكُوتِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ مَاتَ وَالِي مِصْرٍ) وَكَذَا لَوْ لَمْ يَحْضُرْ بِسَبَبِ الْفِتْنَةِ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: فَجَمَّعَ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ صَلَّى الْجُمُعَةَ خَلِيفَتُهُ أَيْ مَنْ عَهِدَ إلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ الْمُرَادُ مَنْ كَانَ يَخْلُفُهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ إذَا غَابَ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ خَلِيفَةً بَعْدَهُ إلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ وَالٍ آخَرُ (قَوْلُهُ أَوْ صَاحِبُ الشَّرَطِ) جَمْعُ شُرْطِيٍّ كَتُرْكِيٍّ وَجُهَنِيٍّ قَامُوسٌ وَفِي الْمُغْرِبِ: الشُّرْطِيَّةُ بِالسُّكُونِ وَالْحَرَكَةِ خِيَارُ الْجُنْدِ وَأَوَّلُ كَتِيبَةٍ تَحْضُرُ الْحَرْبَ وَالْجَمْعُ شَرَطٌ وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ. فِي بَابِ الْجُمُعَةِ يُرَادُ بِهِ أَمِيرُ الْبَلْدَةِ كَأَمِيرِ بُخَارَى وَقِيلَ: هَذَا عَلَى عَادَتِهِمْ لِأَنَّ أُمُورَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا كَانَتْ حِينَئِذٍ إلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ فَأَمَّا الْآنَ فَلَا. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ الْقَاضِي الْمَأْذُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ)
стр. 799
جَازَ) لِأَنَّ تَفْوِيضَ أَمْرِ الْعَامَّةِ إلَيْهِمْ إذْنٌ بِذَلِكَ دَلَالَةً فَلِقَاضِي الْقُضَاةِ بِالشَّامِ أَنْ يُقِيمَهَا وَأَنْ يُوَلِّيَ الْخُطَبَاءَ بِلَا إذْنٍ صَرِيحٍ وَلَا تَقْدِيرِ الْبَاشَا، وَقَالُوا: يُقِيمُهَا أَمِيرُ الْبَلَدِ ثُمَّ الشَّرَطَىُّ ثُمَّ الْقَاضِي ثُمَّ مَنْ وَلَّاهُ قَاضِي الْقُضَاةِ (وَنَصْبُ الْعَامَّةِ) الْخَطِيبَ (غَيْرُ مُعْتَبَرٍ مَعَ وُجُودِ مَنْ ذُكِرَ) أَمَّا مَعَ عَدَمِهِمْ فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ
(وَجَازَتْ) الْجُمُعَةُ (بِمِنًى فِي الْمَوْسِمِ) فَقَطْ (لِ) وُجُودِ (الْخَلِيفَةِ) أَوْ أَمِيرِ الْحِجَازِ أَوْ الْعِرَاقِ أَوْ مَكَّةَ وَوُجُودِ الْأَسْوَاقِ وَالسِّكَكِ وَكَذَا كُلُّ أَبْنِيَةٍ نَزَلَ بِهَا الْخَلِيفَةُ وَعَدَمُ التَّعْيِيدِ بِمِنًى لِلتَّخْفِيفِ (لَا) تَجُوزُ (لِأَمِيرِ الْمَوْسِمِ) لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ عَلَى أُمُورِ الْحَجِّ حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهُ جَازَ (وَلَا بِعَرَفَاتٍ) لِأَنَّهَا مَفَازَةٌ
ــ
[رد المحتار]
قَيَّدَ بِهِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ لَيْسَ لِلْقَاضِي إقَامَتُهَا إذَا لَمْ يُؤْمَرْ وَلِصَاحِبِ الشَّرَطِ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ وَهَذَا عُرْفُهُمْ. قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَمَّا الْيَوْمُ فَالْقَاضِي يُقِيمُهَا لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ يَأْمُرُونَ بِذَلِكَ، قِيلَ أَرَادَ بِهِ قَاضِيَ الْقُضَاةِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ قَاضِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْقَاضِي وَصَاحِبُ الشَّرَطِ لَا يُوَلَّيَانِ ذَلِكَ. اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَلَى هَذَا فَلِقَاضِي الْقُضَاةِ بِمِصْرٍ أَنْ يُوَلِّيَ الْخُطَبَاءَ، وَلَا يَتَوَقَّفَ عَلَى إذْنٍ كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ لِأَنَّ تَوْلِيَةَ قَاضِي الْقُضَاةِ إذْنٌ بِذَلِكَ دَلَالَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى تَقْرِيرِ الْحَاكِمِ الْمُسَمَّى بِالْبَاشَا لَكِنْ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّ فِي إقَامَةِ الْقَاضِي رِوَايَتَيْنِ وَبِرِوَايَةِ الْمَنْعِ يُفْتَى فِي دِيَارِنَا إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ فِي مَنْشُورِهِ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي التَّجْنِيسِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوَلَّ قَاضِي الْقُضَاةِ أَمَّا إنْ وُلِّيَ أَغْنَى هَذَا اللَّفْظُ عَنْ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ فَلِقَاضِي الْقُضَاةِ بِالشَّامِ إلَخْ) أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْبَحْرِ كَمَا عَلِمْت لَكِنْ فِيهِ أَنَّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ الَّذِي لَهُ ذَلِكَ هُوَ قَاضِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَمَا مَرَّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ، وَأَمَّا قَاضِي الشَّامِ وَمِصْرَ فَإِنَّ وِلَايَتَهُ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ ذَلِكَ الْقَاضِي الْعَامِّ، وَكَوْنُهُ مَأْذُونًا بِالِاسْتِخْلَافِ أَيْ اسْتِخْلَافِ نُوَّابٍ عَنْهُ فِي بَلْدَةٍ وَتَوَابِعِهَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إذْنُهُ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ ذَاكَ الْقَاضِي الْعَامِّ الَّذِي أَذِنَ لَهُ السُّلْطَانُ بِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَنَصَّبَ الْقُضَاةَ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ وَلِذَا يُسَمَّى قَاضِيَ الْقُضَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي هَذِهِ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَوَلَّى خَطَابَةً لَا بُدَّ أَنْ يُرْسَلَ إلَى جِهَةِ السُّلْطَانِ حَفِظَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِيُقَرِّرَهُ فِيهَا، فَلَوْ كَانَ الْقَاضِي أَوْ الْبَاشَا مَأْذُونًا بِإِقَامَتِهَا لَصَحَّ أَنْ يُوَلِّيَ الْخَطِيبَ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْإِذْنِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ جِهَتِهِ فَإِنْ قَالَ إنِّي مَأْذُونٌ بِذَلِكَ صُدِّقَ لِأَنَّ مُجَرَّدَ تَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ أَوْ الْإِمَارَةِ مَثَلًا لَا يَكُونُ إذْنًا بِإِقَامَتِهَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ كَمَا مَرَّ عَنْ التَّجْنِيسِ إلَّا إذَا فَوَّضَ السُّلْطَانُ إلَيْهِ أُمُورَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ كَمَا كَانَ فِي زَمَانِهِمْ كَمَا مَرَّ عَنْ الْمُغْرِبِ وَالظَّهِيرِيَّةِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي نَهْجِ النَّجَاةِ مَعْزِيًّا إلَى رِسَالَةٍ لِلْمُصَنِّفِ: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي قَاضٍ فَوَّضَ لَهُ الْأُمُورَ الْعَامَّةَ، أَمَّا مَنْ فَوَّضَ لَهُ السُّلْطَانُ قَضَاءَ بَلْدَةٍ لِيَحْكُمَ فِيهَا بِمَا صَحَّ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ فَلَا لِعَدَمِ الْإِذْنِ لَهُ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً اهـ وَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَقَالُوا يُقِيمُهَا إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِعِبَارَةِ الْمَتْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهَا تَرْتِيبَهُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مُرَتَّبُونَ كَتَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ فِي وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ فَيُقِيمُهَا الْأَبْعَدُ عِنْدَ غَيْبَةِ الْأَقْرَبِ أَوْ مَوْتِهِ لَا بِحَضْرَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَهُوَ مُفَادُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ النُّجْعَةِ فَرَاجِعْهُ، لَكِنَّ تَقْدِيمَ الشُّرَطِيِّ عَلَى الْقَاضِي مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَاضِي عَلَى الشُّرَطِيِّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ مَنْ ذُكِرَ) أَيْ إذَا كَانُوا مَأْذُونِينَ كَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَنْ ذُكِرَ لَهُ إقَامَتُهَا بِالْإِذْنِ الْعَامِّ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَغَيْرُ مَأْذُونِينَ (قَوْلُهُ فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ مَنَعَ السُّلْطَانُ أَهْلَ مِصْرٍ أَنْ يَجْمَعُوا إضْرَارًا وَتَعَنُّتًا فَلَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ أَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ الْمِصْرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِصْرًا لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَلَا كَمَا فِي الْبَحْرِ مُلَخَّصًا عَنْ الْخُلَاصَةِ.
١ -
стр. 800
(وَتُؤَدَّى فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ بِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ) مُطْلَقًا
ــ
[رد المحتار]
تَتِمَّةٌ] : فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ الْبِلَادُ الَّتِي فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ بِلَادُ الْإِسْلَامِ لَا بِلَادُ الْحَرْبِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُظْهِرُوا فِيهَا حُكْمَ الْكُفْرِ بَلْ الْقُضَاةُ، وَالْوُلَاةُ مُسْلِمُونَ يُطِيعُونَهُمْ عَنْ ضَرُورَةٍ أَوْ بِدُونِهَا، وَكُلُّ مِصْرٍ فِيهِ وَالٍ مِنْ جِهَتِهِمْ يَجُوزُ لَهُ إقَامَةُ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْحَدِّ وَتَقْلِيدُ الْقُضَاةِ لِاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ الْوُلَاةُ كُفَّارًا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ وَيَصِيرُ الْقَاضِي قَاضِيًا بِتَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلْتَمِسُوا وَالِيًا مُسْلِمًا. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَوْسِمِ) أَيْ مَوْسِمِ الْحَاجِّ وَهُوَ سُوقُهُمْ وَمُجْتَمَعُهُمْ، مِنْ الْوَسْمِ: وَهُوَ الْعَلَامَةُ مُغْرِبٌ (قَوْلُهُ فَقَطْ) أَيْ فَلَا تَصِحُّ فِي مِنًى فِي غَيْرِ أَيَّامِ اجْتِمَاعِ الْحَاجِّ فِيهَا لِفَقْدِ بَعْضِ الشُّرُوطِ (قَوْلُهُ لِوُجُودِ الْخَلِيفَةِ) أَيْ السُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ وَأَمِيرِ الْحِجَازِ) وَهُوَ السُّلْطَانُ بِمَكَّةَ كَذَا فِي الدُّرَرِ أَيْ شَرِيفُ مَكَّةَ الْحَاكِمُ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ وَمَا يَلِي ذَلِكَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ (قَوْلُهُ أَوْ الْعِرَاقِ) كَأَمِيرِ بَغْدَادَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوْ مَكَّةَ) مُكَرَّرٌ مَعَ أَمِيرِ الْحِجَازِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَخَصُّ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَكَذَا كُلُّ أَبْنِيَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَفِي كَلَامِ الْهِدَايَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ وَالسُّلْطَانُ إذَا طَافَ فِي وِلَايَتِهِ كَانَ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فِي كُلِّ مِصْرٍ يَكُونُ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ إمَامَةَ غَيْرِهِ إنَّمَا تَجُوزُ بِأَمْرِهِ فَإِمَامَتُهُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا. اهـ.
أَقُولُ: مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْجَوَازَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَجَازَتْ بِمِنًى فِي مَعْنَى الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهَا الْإِقَامَةَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ إمَامِهِ الْخَلِيفَةِ فِيهَا وُجُوبُهَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُسَافِرًا وَلَا أَنْ يَأْمُرَ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهَا، وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مِنْ كَوْنِ الْمِصْرِ مِنْ جُمْلَةِ وِلَايَتِهِ أَنْ يَصِيرَ مُقِيمًا بِوُصُولِهِ إلَيْهِ إلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ اعْتَرَضَهُ بِقَوْلِهِ دَلَالَةً مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْخَلِيفَةِ إذَا طَافَ وِلَايَتُهُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ اهـ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْجَوَازَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَعْنَاهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْخَلِيفَةُ وَإِنْ كَانَ قَصَدَ السَّفَرَ لِلْحَجِّ فَالسَّفَرُ إنَّمَا يُرَخَّصُ فِي التَّرْكِ لَا أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّتَهَا اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَعَدَمُ التَّعْيِيدِ بِمِنًى) أَيْ عَدَمُ إقَامَةِ الْعِيدِ بِهَا لَا لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ بِمِصْرٍ بَلْ لِلتَّخْفِيفِ عَلَى الْحَاجِّ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأُمُورِ الْحَجِّ مِنْ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالذَّبْحِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَّفِقُ فِي كُلِّ سَنَةٍ هُجُومُ الْجُمُعَةِ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ أَمَّا الْعِيدُ فَإِنَّهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ سِرَاجٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجُمُعَةَ تَبْقَى إلَى آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْغَالِبُ فَرَاغُ الْحَاجِّ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ وَقْتِ الْعِيدِ؛ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا أُقِيمَتْ بِمِنًى أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُقِيمِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ إذَا خَرَجُوا لِلْحَجِّ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بَلْ الظَّاهِرُ وُجُوبُ إقَامَتِهَا عَلَيْهِمْ تَأَمَّلْ. [تَنْبِيهٌ]
ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ وُجُوبُ الْعِيدِ فِي مَكَّةَ وَقَدْ ذَكَرَ الْبِيرِيُّ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ هُوَ وَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ لَمْ يُصَلُّوهَا فِيهَا، قَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا السَّبَبُ فِي ذَلِكَ. اهـ.
قُلْت: لَعَلَّ السَّبَبَ أَنَّ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ إقَامَتِهَا يَكُونُ حَاجًّا فِي مِنًى (قَوْلُهُ لَا تَجُوزُ لِأَمِيرِ الْمَوْسِمِ) هُوَ الْمُسَمَّى أَمِيرَ الْحَاجِّ كَمَا فِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ.
أَقُولُ: كَانَتْ عَادَةُ سَلَاطِينِ بَنِي عُثْمَانَ - أَيَّدَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُمْ يُرْسِلُونَ أَمِيرًا يُوَلُّونَهُ أُمُورَ الْحَاجِّ فَقَطْ غَيْرَ أَمِيرِ الشَّامِ وَالْآنَ جَعَلُوا أَمِيرَ الشَّامِ وَالْحَاجَّ وَاحِدًا فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَمِيرِ الْمَوْسِمِ وَأَمِيرِ الْعِرَاقِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ، فَإِذَا كَانَ مِنْ عُمُومِ وِلَايَتِهِ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي بَلَدِهِ يُقِيمُهَا فِي مِنًى أَيْضًا بِخِلَافِ مَنْ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْحَاجِّ فَقَطْ وَيُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ الشَّارِحِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ إلَخْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا مَفَازَةٌ) أَيْ بَرِّيَّةٌ لَا أَبْنِيَةَ فِيهَا بِخِلَافِ مِنًى
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمِصْرُ كَبِيرًا أَوْ لَا وَسَوَاءٌ فَصَلَ بَيْنَ جَانِبَيْهِ نَهْرٌ كَبِيرٌ
стр. 801
عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى شَرْحُ الْمَجْمَعِ لِلْعَيْنِيِّ وَإِمَامَةُ فَتْحِ الْقَدِيرِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَعَلَى الْمَرْجُوحِ فَالْجُمُعَةُ لِمَنْ سُبِقَ تَحْرِيمَةً وَتَفْسُدُ بِالْمَعِيَّةِ وَالِاشْتِبَاهِ، فَيُصَلِّي بَعْدَهَا آخِرَ ظُهْرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ. وَفِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ مَعْزِيًّا لَلْمَطْلَبِ وَالْأَحْوَطُ نِيَّةُ آخِرِ ظُهْرٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ
ــ
[رد المحتار]
كَبَغْدَادَ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ قُطِعَ الْجِسْرُ أَوْ بَقِيَ مُتَّصِلًا وَسَوَاءٌ كَانَ التَّعَدُّدُ فِي مَسْجِدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ هَكَذَا يُفَادُ مِنْ الْفَتْحِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّعَدُّدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ السَّرَخْسِيِّ الْآتِي (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ إقَامَتِهَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَسْجِدَيْنِ وَأَكْثَرَ بِهِ نَأْخُذُ لِإِطْلَاقِ «لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ» شَرَطَ الْمِصْرَ فَقَطْ، وَبِمَا ذَكَرْنَا انْدَفَعَ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ جَوَازُهَا فِي مَوْضِعَيْنِ لَا فِي أَكْثَرَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ اهـ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْجَوَازُ مُطْلَقًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ) لِأَنَّ فِي إلْزَامِ اتِّحَادِ الْمَوْضِعِ حَرَجًا بَيِّنًا لِاسْتِدْعَائِهِ تَطْوِيلَ الْمَسَافَةِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَاضِرِينَ وَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ عَدَمِ جَوَازِ التَّعَدُّدِ بَلْ قَضِيَّةُ الضَّرُورَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِصْرًا كَبِيرًا كَمِصْرِنَا كَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ ط (قَوْلُهُ وَعَلَى الْمَرْجُوحِ) هُوَ مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعَيْنِ (قَوْلُهُ لِمَنْ سَبَقَ تَحْرِيمَةً) وَقِيلَ يُعْتَبَرُ بِالسَّبْقِ الْفَرَاغُ، وَقِيلَ بِهِمَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ بَحْرٌ عَنْ الْقُنْيَةِ أَيْ أَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ وَكُنْت قَدْ رَاجَعْت شَيْخَنَا يَعْنِي الْكَمَالَ فِي هَذَا كِتَابَةً فَكَتَبَ إلَيَّ، وَأَمَّا السَّبْقُ فَلَا شَكَّ عِنْدِي فِي اعْتِبَارِهِ بِالْخُرُوجِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهُ الدُّخُولُ مَحَلَّ تَرَدُّدٍ فِي خَاطِرِي لِأَنَّ سَبْقَ كَذَا هُوَ بِتَقَدُّمِ دُخُولِ تَمَامِهِ فِي الْوُجُودِ أَوْ بِتَقَدُّمِ انْقِضَائِهِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي نِيَّةِ آخِرِ ظُهْرٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
(قَوْلُهُ فَيُصَلِّي بَعْدَهَا آخِرَ ظُهْرٍ) تَفْرِيعُهُ عَلَى الْمَرْجُوحِ يُفِيدُ أَنَّهُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ جَوَازِ التَّعَدُّدِ لَا يُصَلِّيهَا بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ مِرَارًا خَوْفَ اعْتِقَادِ عَدَمِ فَرِيضَةِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّهُ لَا احْتِيَاطَ فِي فِعْلِهَا لِأَنَّهُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ. اهـ.
أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ الِاحْتِيَاطُ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ لِأَنَّ جَوَازَ التَّعَدُّدِ وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ وَأَقْوَى دَلِيلًا، لَكِنْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ لِأَنَّ خِلَافَهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ والتمرتاشي وَصَاحِبُ الْمُخْتَارِ، وَجَعَلَهُ الْعَتَّابِيُّ الْأَظْهَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي رِسَالَتِهِ [نُورُ الشَّمْعَةِ فِي ظُهْرِ الْجُمُعَةِ] بَلْ قَالَ السُّبْكِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيٍّ تَجْوِيزُ تَعَدُّدِهَا اهـ وَقَدْ عَلِمْت قَوْلَ الْبَدَائِعِ إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّهُ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي التَّكْمِلَةِ لِلرَّازِيِّ وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ فَهُوَ حِينَئِذٍ قَوْلٌ مُعْتَمَدٌ فِي الْمَذْهَبِ لَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْأَوْلَى هُوَ الِاحْتِيَاطُ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ التَّعَدُّدِ وَعَدَمِهِ قَوِيٌّ، وَكَوْنُ الصَّحِيحِ الْجَوَازَ لِلضِّرْوَةِ لِلْفَتْوَى لَا يَمْنَعُ شَرْعِيَّةَ الِاحْتِيَاطِ لِلتَّقَوِّي. اهـ.
قُلْت: عَلَى أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ ضَعْفُهُ فَالْخُرُوجُ عَنْ خِلَافِهِ أَوْلَى فَكَيْفَ مَعَ خِلَافِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيمَنْ يَقْضِي صَلَاةَ عُمْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنْهَا شَيْءٌ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ. وَذُكِرَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ أَحْسَنُ إنْ كَانَ فِي صَلَاتِهِ خِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ وَيَكْفِينَا خِلَافُ مَنْ مَرَّ
стр. 802
لِأَنَّ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ بِآخِرِ الْوَقْتِ فَتَنَبَّهْ
ــ
[رد المحتار]
وَنَقَلَ الْمَقْدِسِيَّ عَنْ الْمُحِيطِ: كُلُّ مَوْضِعٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ مِصْرًا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا حَتَّى إنَّهُ لَوْ لَمْ تَقَعْ الْجُمُعَةُ مَوْقِعَهَا يَخْرُجُونَ عَنْ عُهْدَةِ فَرْضِ الْوَقْتِ بِأَدَاءِ الظُّهْرِ، وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي وَفِي الْقُنْيَةِ لَمَّا اُبْتُلِيَ أَهْلُ مَرْوَ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَتَيْنِ فِيهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِمَا أَمَرَ أَئِمَّتُهُمْ بِالْأَرْبَعِ بَعْدَهَا حَتْمًا احْتِيَاطًا. اهـ. وَنَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَتَدَاوَلُوهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَأَكْثَرُ مَشَايِخِ بُخَارَى عَلَيْهِ لِيَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. ثُمَّ نَقَلَ الْمَقْدِسِيَّ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا يَنْوِي بِهَا آخِرَ فَرْضٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ وَلَمْ أُؤَدِّهِ إنْ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ مِصْرًا أَوْ تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ عَنْ الْمُحَقِّقِ ابْنِ جُرُبَاشَ.
قَالَ ثُمَّ قَالَ: وَفَائِدَتُهُ الْخُرُوجُ عَنْ الْخِلَافِ الْمُتَوَهَّمِ أَوْ الْمُحَقَّقِ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ صِحَّةَ التَّعْدَادِ فَهِيَ نَفْعٌ بِلَا ضَرَرٍ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُوهِمُ عَدَمَ فِعْلِهَا وَدَفَعَهُ بِأَحْسَنِ وَجْهٍ. وَذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي نَدْبِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ اهـ وَفِي شَرْحِ الْبَاقَانِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ
قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: ذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ جَدِّهِ التَّصْرِيحَ بِالنَّدْبِ، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ، أَمَّا عِنْدَ قِيَامِ الشَّكِّ وَالِاشْتِبَاهِ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ، وَنَقَلَ مِنْ شَيْخِهِ ابْنِ الْهُمَامِ مَا يُفِيدُهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهَا هَلْ تَجْزِي عَنْ السُّنَّةِ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ قِيَامِ الشَّكِّ لَا وَعِنْدَ عَدَمِهِ نَعَمْ، وَيُؤَيِّدُ التَّفْصِيلَ تَعْبِيرُ التُّمُرْتَاشِيِّ بِ لَا بُدَّ وَكَلَامُ الْقُنْيَةِ الْمَذْكُورُ اهـ وَتَمَامُ تَحْقِيقِ الْمَقَامِ فِي رِسَالَةِ الْمَقْدِسِيَّ وَقَدْ ذَكَرَ شَذْرَةً مِنْهَا فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَفْعِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ مِنْ عَدَمِ فِعْلِهَا مُطْلَقًا.
نَعَمْ إنْ أَدَّى إلَى مَفْسَدَةٍ لَا تُفْعَلُ جِهَارًا وَالْكَلَامُ عِنْدَ عَدَمِهَا وَلِذَا قَالَ الْمَقْدِسِيَّ نَحْنُ لَا نَأْمُرُ بِذَلِكَ أَمْثَالَ هَذِهِ الْعَوَامّ بَلْ نَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَوَاصَّ وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ اهـ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ بِآخِرِ الْوَقْتِ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الظُّهْرَ يَجِبُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ غَيْرَ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ تَعَيَّنَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ لِلسَّبَبِيَّةِ. اهـ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالْأَحْوَطُ نِيَّةُ آخِرِ ظُهْرٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ هُوَ أَحْوَطُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا إذَا نَوَى آخِرَ ظُهْرٍ وَجَبَ عَلَيَّ أَدَاؤُهُ أَوْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِي فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُهُ لَوْ ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ وُجُوبَ أَدَائِهِ أَوْ ثُبُوتَهُ فِي ذِمَّتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ.
نَعَمْ لَوْ قَالَ: وَجَبَ عَلَيَّ يُفِيدُهُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ بِخِلَافِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ وَلَمْ أُصَلِّهِ أَوْ وَلَمْ أُؤَدِّهِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ فَائِتٌ وَكَانَتْ هَذِهِ الْجُمُعَةُ صَحِيحَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَنْصَرِفُ مَا نَوَى إلَى مَا عَلَيْهِ وَبِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بَلْ يَقَعُ نَفْلًا لِأَنَّ آخِرَ ظُهْرٍ أَدْرَكَهُ هُوَ ظُهْرُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْوَقْتَ عِنْدَنَا لِلظُّهْرِ أَصَالَةً فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَكَذَا إذَا قُلْنَا إنَّ ظُهْرَ الْجُمُعَةِ سَقَطَ عَنْهُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ آخِرَ ظُهْرٍ أَدْرَكَهُ ظُهْرُ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى ظُهْرٍ فَائِتٍ عَلَيْهِ قَبْلَهُ إلَّا إذَا زَادَ قَوْلُهُ: وَلَمْ أُصَلِّهِ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ أَشَارَ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فَتَنَبَّهْ فَافْهَمْ. [تَتِمَّةٌ]
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ سُنَّتَهَا ثُمَّ الْأَرْبَعَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ أَيْ نِيَّةِ آخِرِ ظُهْرٍ أَدْرَكْته وَلَمْ أُصَلِّهِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الْوَقْتِ، فَإِنْ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ يَكُونُ قَدْ أَدَّى سُنَّتَهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَإِلَّا فَقَدْ صَلَّى الظُّهْرَ
стр. 803
(وَ) الثَّالِثُ (وَقْتُ الظُّهْرِ فَتَبْطُلُ) الْجُمُعَةُ (بِخُرُوجِهِ) مُطْلَقًا وَلَوْ لَاحِقًا بِعُذْرِ نَوْمٍ أَوْ زَحْمَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطُ الْأَدَاءِ لَا شَرْطُ الِافْتِتَاحِ. (وَ) الرَّابِعُ: (الْخُطْبَةُ فِيهِ) فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَهُ وَصَلَّى فِيهِ لَمْ تَصِحَّ. (وَ) الْخَامِسُ: (كَوْنُهَا قَبْلَهَا) لِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ سَابِقٌ عَلَيْهِ (بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ تَنْعَقِدُ) الْجُمُعَةُ (بِهِمْ وَلَوْ) كَانُوا (صُمًّا أَوْ نِيَامًا فَلَوْ خَطَبَ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْأَصَحِّ) كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ
ــ
[رد المحتار]
مَعَ سُنَّتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ فَإِنْ وَقَعَتْ فَرْضًا فَالسُّورَةُ لَا تَضُرُّ وَإِنْ وَقَعَتْ نَفْلًا فَقِرَاءَةُ السُّورَةِ وَاجِبَةٌ اهـ أَيْ وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ فَلَا يَضُمُّ السُّورَةَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قُلْت: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ أَرْبَعًا سُنَّتُهَا وَأَرْبَعًا آخِرَ ظُهْرٍ وَرَكْعَتَيْنِ سُنَّةُ الْوَقْتِ: أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الظُّهْرُ فَتَقَعُ الرَّكْعَتَانِ سُنَّتَهُ الْبَعْدِيَّةَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْفِي نِيَّةُ آخِرِ ظُهْرٍ عَنْ الْأَرْبَعِ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ إذَا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِي السُّنَنِ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ فَالْفَرْضُ هُوَ الظُّهْرُ وَتَقَعُ الْأَرْبَعُ الَّتِي صَلَّاهَا قَبْلَ الْجُمُعَةِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبَلِيَّةِ لَكِنْ لِطُولِ الْفَصْلِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَسَمَاعِ الْخُطْبَةِ يُصَلِّي أَرْبَعًا أُخْرَى فَالْأَوْلَى صَلَاةُ الْعَشَرَةِ (قَوْلُهُ فَتَنَبَّهْ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ قُنْيَةٌ وَهِيَ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ نَصُّ عِبَارَةِ الْقُنْيَةِ
(قَوْلُهُ وَقْتُ الظُّهْرِ) فِيهِ أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لَا شَرْطٌ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَشَرْطٌ لِصِحَّةِ الْمُؤَدَّى وَشَرْطِيَّتُهُ لِلْجُمُعَةِ لَيْسَتْ كَشَرْطِيَّتِهِ لِغَيْرِهَا فَإِنَّهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لَا تَبْقَى صِحَّةٌ لِلْجُمُعَةِ لَا أَدَاءً وَلَا قَضَاءً بِخِلَافِ غَيْرِهَا سَعْدِيَّةٌ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ كَمَا فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْمَسَائِلِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) رَدٌّ لِمَا فِي النَّوَادِرِ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ إذَا زَحَمَهُ النَّاسُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ حَتَّى فَرَغَ الْإِمَامُ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ح عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ الْخُطْبَةُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْكَنْزِ وَالْخُطْبَةِ قَبْلَهَا إذْ لَا تَنْصِيصَ فِيهِ عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِهَا فِي الْوَقْتِ. [تَنْبِيهٌ]
فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى يُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ أَنْ يَتَأَهَّلَ لِلْإِمَامَةِ فِي الْجُمُعَةِ اهـ لَكِنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ تَفَارِيعِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَطِيبَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ لَوْ خَطَبَ صَبِيٌّ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ رَجُلٌ بَالِغٌ يَجُوزُ. اهـ. وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ. [تَتِمَّةٌ]
لَمْ يُقَيِّدْ الْخُطْبَةَ بِكَوْنِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ اكْتِفَاءً بِمَا قَدَّمَهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهَا غَيْرُ شَرْطٍ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا حَيْثُ شَرَطَاهَا إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ كَالْخِلَافِ فِي الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ وَالْخَامِسُ كَوْنُهَا قَبْلَهَا) أَيْ بِلَا فَاصِلٍ كَثِيرٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَهِيَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ مَنْ يُنْشِئُ التَّحْرِيمَةَ لِلْجُمُعَةِ لَا كُلِّ مَنْ صَلَّاهَا فَلِذَا قَالُوا وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَقَدَّمَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا جَازَ لِأَنَّهُ بَانٍ تَحْرِيمَتَهُ عَلَى تِلْكَ التَّحْرِيمَةِ الْمُنْشَأَةِ فَلَوْ أَفْسَدَهَا الْخَلِيفَةُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ لَكِنْ اسْتَحْسَنُوا الْجَوَازَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ الْتَحَقَ بِهِ حُكْمًا، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ أَحْدَثَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَقَدَّمَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا لَمْ يَجُزْ فَتْحٌ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِهِمْ) بِأَنْ يَكُونُوا ذُكُورًا بَالِغِينَ عَاقِلِينَ وَلَوْ كَانُوا مَعْذُورِينَ بِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانُوا صُمًّا أَوْ نِيَامًا) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا كَوْنُهَا مَسْمُوعَةً لَهُمْ بَلْ يَكْفِي حُضُورُهُمْ حَتَّى لَوْ بَعُدُوا عَنْهُ أَوْ نَامُوا أَجْزَأَتْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا جَهْرًا بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مَانِعٌ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ إلَخْ) عَزَا تَصْحِيحَهُ فِي الْحِلْيَةِ أَيْضًا إلَى الْمِعْرَاجِ وَالْمُبْتَغَى بَالِغِينَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالتَّبْيِينِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ لَكِنْ هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ
стр. 804
لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسَّعْيِ لِلذِّكْرِ لَيْسَ إلَّا لِاسْتِمَاعِهِ وَالْمَأْمُورُ جَمْعٌ. وَجَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ وَاحِدٍ (وَكَفَتْ تَحْمِيدَةٌ أَوْ تَهْلِيلَةٌ أَوْ تَسْبِيحَةٌ) لِلْخُطْبَةِ الْمَفْرُوضَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ وَأَقَلُّهُ قَدْرُ التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ (بِنِيَّتِهَا، فَلَوْ حَمِدَ لِعُطَاسِهِ) أَوْ تَعَجُّبًا (لَمْ يَنُبْ عَنْهَا عَلَى الْمَذْهَبِ) كَمَا فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الذَّبَائِحِ أَنَّهُ يَنُوبُ فَتَأَمَّلْ
(وَيُسَنُّ خُطْبَتَانِ) خَفِيفَتَانِ وَتُكْرَهُ زِيَادَتُهُمَا عَلَى قَدْرِ سُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (بِجِلْسَةٍ بَيْنَهُمَا) بِقَدْرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَتَارِكُهَا مُسِيءٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَتَرْكِهِ قِرَاءَةَ قَدْرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَيَجْهَرُ بِالثَّانِيَةِ لَا كَالْأُولَى
ــ
[رد المحتار]
وَالْأُخْرَى أَنَّهَا غَيْرُ شَرْطٍ حَتَّى لَوْ خَطَبَ وَحْدَهُ جَازَ وَأَفَادَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْكَمَالَ اعْتِمَادَهَا (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسَّعْيِ لَيْسَ إلَّا لِاسْتِمَاعِهِ) كَذَا قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِيهِ أَنَّ الشَّرْطَ الْحُضُورُ كَمَا مَرَّ لَا السَّمَاعُ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالسَّعْيِ جَمْعٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَجَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) مَشَى عَلَيْهِ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّمَا أَتْبَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْطُوقٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ اهـ أَيْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: يُشْتَرَطُ حُضُورُ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِحُضُورِ وَاحِدٍ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ: لَوْ حَضَرَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ وَخَطَبَ وَصَلَّى بِالثَّلَاثَةِ جَازَ مَنْطُوقٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ جَعْلَ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا مَنْطُوقٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فَتُنَافِي الْوَحْدَةَ وَقَدْ جُعِلَتْ شَرْطًا وَالشَّرْطُ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَكَفَتْ تَحْمِيدَةٌ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي رُكْنِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ بَيَانِ شُرُوطِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي آيَةِ - ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]- مُطْلَقُ الذِّكْرِ الشَّامِلِ لِلْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرُ الْمَأْثُورُ عَنْهُ ﷺ لَا يَكُونُ بَيَانًا لِعَدَمِ الْإِجْمَالِ فِي لَفْظِ الذِّكْرِ (قَوْلُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ) ظَاهِرُ الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَأَقَلُّهُ إلَخْ) فِي الْعِنَايَةِ وَهُوَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ آيَاتٍ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَقِيلَ مِقْدَارُ التَّشَهُّدِ مِنْ قَوْلِهِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى قَوْلِهِ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (قَوْلُهُ بِنِيَّتِهَا) أَيْ نِيَّةِ الْخُطَبِ (قَوْلُهُ أَوْ تَعَجُّبًا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَوْ سَبَّحَ تَعَجُّبًا ط (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ تَجْزِيهِ ح (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ عَطَسَ عِنْدَ الذَّبْحِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا يَحِلُّ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ اهـ فَإِنَّ مُفَادَهُ أَنَّ حَمْدَ الْعُطَاسِ يَكْفِي لَهَا.
قَالَ ح: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ خُطْبَتَانِ) لَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ لِأَنَّ الْمَسْنُونَ هُوَ تَكْرَارُهَا مَرَّتَيْنِ، وَالشَّرْطُ إحْدَاهُمَا (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِقَدْرِ مَا يَمَسُّ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ زِيَادَتُهُمَا إلَخْ) عِبَارَةُ الْقُهُسْتَانِيِّ وَزِيَادَةُ التَّطْوِيلِ مَكْرُوهَةٌ (قَوْلُهُ كَتَرْكِهِ قِرَاءَةَ قَدْرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ) أَيْ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى نَحْوِ تَسْبِيحَةٍ وَتَهْلِيلَةٍ مِمَّا لَا يَكُونُ ذِكْرًا طَوِيلًا قَدْرَ ثَلَاثِ آيَاتٍ أَوْ قَدْرَ التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ تَرْكَ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُلْتَقَى وَالْمَوَاهِبِ وَنُورِ الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهَا أَنَّ مِنْ السُّنَنِ قِرَاءَةُ آيَةٍ، وَقَالَ فِي الْإِمْدَادِ وَفِي الْمُحِيطِ: يَقْرَأُ فِي الْخُطْبَةِ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةً فَالْأَخْبَارُ قَدْ تَوَاتَرَتْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي خُطْبَتِهِ» لَا تَخْلُو عَنْ سُورَةٍ أَوْ آيَةٍ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قَرَأَ سُورَةً تَامَّةً يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يُسَمِّي قَبْلَهَا، وَإِنْ قَرَأَ آيَةً قِيلَ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يُسَمِّي وَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا يَتَعَوَّذُ وَلَا يُسَمِّي وَالِاخْتِلَافُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْخُطْبَةِ كَذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْآيَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ فَتَدَبَّرْ. مَطْلَبٌ فِي قَوْلِ الْخَطِيبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ -[تَنْبِيهٌ]
جَرَتْ الْعَادَةُ إذَا قَرَأَ الْخَطِيبُ الْآيَةَ أَنْ يَقُولَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [النحل: ٩٧]- إلَخْ وَفِيهِ إيهَامٌ أَنَّ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مَقُولِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَبَعْضُهُمْ يَتَبَاعَدُ عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 805
وَيَبْدَأُ بِالتَّعَوُّذِ سِرًّا. وَيُنْدَبُ ذِكْرُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْعَمَّيْنِ لَا الدُّعَاءُ لِلسُّلْطَانِ وَجَوَّزَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ، وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا وَصْفُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَيُكْرَهُ تَكَلُّمُهُ فِيهَا إلَّا لِأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ لِأَنَّهُ مِنْهَا،
ــ
[رد المحتار]
كَلَامًا أَتْلُوهُ بَعْدَ قَوْلِي أَعُوذُ بِاَللَّهِ إلَخْ وَلَكِنْ فِي حُصُولِ سُنَّةِ الِاسْتِعَاذَةِ بِذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إنْشَاءُ الِاسْتِعَاذَةِ وَلَمْ تَبْقَ كَذَلِكَ بَلْ صَارَتْ مَحْكِيَّةً مَقْصُودًا بِهَا لَفْظُهَا وَذَلِكَ يُنَافِي الْإِنْشَاءَ كَمَا لَا يَخْفَى. أَنْ لَا يَقُولَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةِ إسْمَاعِيلَ الْجِرَاحِيِّ شَارِحِ الْبُخَارِيِّ رِسَالَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ مَا قَالَهُ فِيهَا فَرَاجِعْهَا (قَوْلُهُ وَيَبْدَأُ) أَيْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى بِالتَّعَوُّذِ سِرًّا ثُمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْعِظَةِ وَالتَّذْكِيرِ وَالْقِرَاءَةِ قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَالثَّانِيَةُ كَالْأُولَى إلَّا أَنَّهُ يَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ مَكَانَ الْوَعْظِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ قِرَاءَةُ آيَةٍ فِيهَا كَالْأُولَى. اهـ. [تَنْبِيهٌ]
مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْخُطَبَاءِ مِنْ تَحْوِيلِ الْوَجْهِ جِهَةَ الْيَمِينِ وَجِهَةَ الْيَسَارِ عِنْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ يَنْبَغِي تَرْكُهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي مِنْهَاجِ النَّوَوِيِّ
قَالَ: وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ اهـ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِ الْبَدَائِعِ وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ هَكَذَا اهـ (قَوْلُهُ وَالْعَمَّيْنِ) هُمَا حَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ ﵄. [لَطِيفَةٌ]
سَمِعْت مِنْ بَعْضِ شُيُوخِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّ الْخُطَبَاءَ يَلْحَنُونَ هُنَا مَرَّتَيْنِ حَيْثُ يَقُولُونَ وَارْضَ عَنْ عَمَّيْ نَبِيِّك الْحَمْزَةَ وَالْعَبَّاسِ بِإِدْخَالِ أَلْ عَلَى حَمْزَةَ وَإِبْقَاءِ مَنْعِ صَرْفِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ دُخُولُ أَلْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَخَلَتْ يُصْرَفُ (قَوْلُهُ وَجَوَّزَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ إلَخْ) عِبَارَتُهُ ثُمَّ يَدْعُو لِسُلْطَانِ الزَّمَانِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ مُتَجَنِّبًا فِي مَدْحِهِ عَمَّا قَالُوا إنَّهُ كُفْرٌ وَخُسْرَانٌ كَمَا فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ اهـ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَجَوَّزَ إلَى حَمْلِ قَوْلِهِ ثُمَّ يَدْعُو إلَخْ عَلَى الْجَوَازِ لَا النَّدْبِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ مُحْدَثٌ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْخُطْبَةُ تَذْكِيرًا. اهـ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ وُجُوبِ الدُّعَاءِ لَهُ بِالصَّلَاحِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَفْيِ اسْتِحْبَابِهِ فِي خُصُوصِ الْخُطْبَةِ بَلْ لَا مَانِعَ مِنْ اسْتِحْبَابِهِ فِيهَا كَمَا يَدْعُو لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحَ الْعَالَمِ. وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ مُحْدَثٌ لَا يُنَافِيهِ فَإِنَّ سُلْطَانَ هَذَا الزَّمَانِ أَحْوَجُ إلَى الدُّعَاءِ لَهُ وَلِأُمَرَائِهِ بِالصَّلَاحِ وَالنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ. وَقَدْ تَكُونُ الْبِدْعَةُ وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ كَانَ يَدْعُو لِعُمَرَ قَبْلَ الصِّدِّيقِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ عُمَرَ فَشَكَا إلَيْهِ فَاسْتَحْضَرَ الْمُنْكِرَ فَقَالَ إنَّمَا أَنْكَرْت تَقْدِيمَك عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَكَى وَاسْتَغْفَرَهُ وَالصَّحَابَةُ حِينَئِذٍ مُتَوَفِّرُونَ لَا يَسْكُتُونَ عَلَى بِدْعَةٍ إلَّا إذَا شَهِدَتْ لَهَا قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الدُّعَاءَ بَلْ التَّقْدِيمَ فَقَطْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الدُّعَاءَ لِلسُّلْطَانِ عَلَى الْمَنَابِرِ قَدْ صَارَ الْآنَ مِنْ شِعَارِ السَّلْطَنَةِ فَمَنْ تَرَكَهُ يُخْشَى عَلَيْهِ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ قِيلَ إنَّ الدُّعَاءَ لَهُ وَاجِبٌ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ الْفِتْنَةِ غَالِبًا لَمْ يَبْعُدْ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي قِيَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْعَ الْمُتَقَدِّمِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا كَانَ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الْمُجَازَفَةِ فِي وَصْفِهِ مِثْلَ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ الْأَكْرَمِ شَاهِنْشَاهْ الْأَعْظَمِ مَالِكِ رِقَابِ الْأُمَمِ. فَفِي كِتَابِ الرِّدَّةِ مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة: سَأَلَ الصَّفَّارُ: هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا لِأَنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِهِ كُفْرٌ، وَبَعْضُهَا كَذِبٌ وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ: مَنْ قَالَ لِلسُّلْطَانِ الَّذِي
стр. 806
وَمِنْ السُّنَّةِ جُلُوسُهُ فِي مَخْدَعِهِ عَنْ يَمِينِ الْمِنْبَرِ وَلُبْسُ السَّوَادِ وَتَرْكُ السَّلَامِ مِنْ خُرُوجِهِ إلَى دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ سَلَّمَ مُجْتَبَى (وَطَهَارَةٌ وَسَتْرُ) عَوْرَةٍ (قَائِمًا) وَهَلْ هِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ؟ الْأَصَحُّ لَا، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ كَشَطْرِهَا فِي الثَّوَابِ؛ وَلَوْ خَطَبَ جُنُبًا ثُمَّ اغْتَسَلَ وَصَلَّى
ــ
[رد المحتار]
بَعْضُ أَفْعَالِهِ ظُلْمٌ عَادِلٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَمَّا شَاهِنْشَاهْ فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ تَعَالَى بِدُونِ وَصْفِ الْأَعْظَمِ لَا يَجُوزُ وَصْفُ الْعِبَادِ بِهِ وَأَمَّا مَالِكُ رِقَابِ الْأُمَمِ فَهُوَ كَذِبٌ. اهـ.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةُ: فَلِذَا كَانَ أَئِمَّةُ خُوَارِزْمَ يَتَبَاعَدُونَ عَنْ الْمِحْرَابِ يَوْمَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ اهـ أَمَّا مَا اُعْتِيدَ فِي زَمَانِنَا مِنْ الدُّعَاءِ لِلسَّلَاطِينِ الْعُثْمَانِيَّةِ - أَيَّدَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - كَسُلْطَانِ الْبَرَّيْنِ وَالْبَحْرَيْنِ وَخَادِمِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ فِي مَخْدَعِهِ) هُوَ الْخَلْوَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى سُنَنِ أَبِي دَاوُد. الْمِخْدَعُ هُوَ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَكُونُ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ وَمِيمُهُ تُضَمُّ وَتُفْتَحُ. اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمِخْدَعُ كَمِنْبَرِ الْخِزَانَةُ اهـ مَدَنِيٌّ (قَوْلُهُ عَنْ يَمِينِ الْمِنْبَرِ) قَيْدٌ لِمِخْدَعِهِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي جِهَتِهِ أَوْ نَاحِيَتِهِ، وَتُكْرَهُ صَلَاتُهُ فِي الْمِحْرَابِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: وَلُبْسُ السَّوَادِ) اقْتِدَاءً بِالْخُلَفَاءِ وَلِلتَّوَارُثِ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ بَحْرٌ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ.
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْخَطِيبِ، وَإِلَّا فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لُبْسُ أَحْسَنِ الثِّيَابِ
وَفِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى مِنْ فَصْلِ اللِّبَاسِ: وَيُسْتَحَبُّ الْأَبْيَضُ، وَكَذَا الْأَسْوَدُ لِأَنَّهُ شِعَارُ بَنِي الْعَبَّاسِ «وَدَخَلَ ﵊ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَدِيٍّ «كَانَ لَهُ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ وَيُرْخِيهَا خَلْفَهُ» (قَوْلُهُ وَتَرْكُ السَّلَامِ) وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا فِي السِّرَاجِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ اسْتَدْبَرَهُمْ فِي صُعُودِهِ. اهـ. بَحْرٌ.
قُلْت: وَعِبَارَتُهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَيُرْوَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ اسْتَدْبَرَهُمْ فِي صُعُودِهِ (قَوْلُهُ وَطَهَارَةٌ وَسَتْرُ عَوْرَةٍ قَائِمًا) جَعَلَ الثَّلَاثَةَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَاجِبَاتٍ مَعَ أَنَّهُ نَفْسَهُ صَرَّحَ فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى بِسُنِّيَّةِ الطَّهَارَةِ وَالْقِيَامِ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ أَيْضًا فِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَالْمَوَاهِبِ وَصَرَّحَ فِي الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ بِكَرَاهَةِ تَرْكِ الثَّلَاثَةِ وَلَعَلَّ مَعْنَى سُنِّيَّةِ السَّتْرِ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبًا خَارِجَهَا وَلَوْ فِي خَلْوَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ هُوَ الِاعْتِدَادُ بِهَا وَعَدَمُ وُجُوبِ إعَادَتِهَا لَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ بِهُبُوبِ رِيحٍ وَنَحْوِهِ وَكَذَا الطَّهَارَةُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَاجِبَةٌ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِلَا خُطْبَةٍ فَتَصِحُّ خُطْبَتُهُ وَإِنْ أَثِمَ لَهُ مُتَعَمِّدًا، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ وَالطَّهَارَةُ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لَا شَرْطٌ حَتَّى إنَّ الْإِمَامَ إذَا خَطَبَ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ شَرْطًا لِجَوَازِ الْجُمُعَةِ. اهـ. وَفِي الْفَيْضِ وَلَوْ خَطَبَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا جَازَ وَيَأْثَمُ إثْمَ إقَامَةِ الْخَطِيبِ فِي الْمَسْجِدِ اهـ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَعْنَى السُّنِّيَّةِ مُقَابِلُ الشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ صِحَّةُ الْخُطْبَةِ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ وَاجِبًا كَمَا قُلْنَا: وَنَظِيرُ ذَلِكَ عَدُّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ لِأَجْلِ إيجَابِ الدَّمِ بِتَرْكِهِ مَعَ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ مَشَاهِدِ الْحَجِّ لَكِنْ لَا يَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ إلَّا فِي الطَّوَافِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَاغْتَنِمْهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: فَإِنْ قِيلَ: مِنْ الْمَعْلُومِ يَقِينًا «أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَخْطُبْ قَطُّ بِدُونِ سَتْرٍ وَطَهَارَةٍ» . قُلْنَا: نَعَمْ وَلَكِنْ لِكَوْنِ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَهُ لِخُصُوصِ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ الْأَصَحُّ لَا) وَلِذَا لَا يُشْتَرَطُ لَهَا سَائِرُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ كَالِاسْتِقْبَالِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ بَلْ كَشَطْرِهَا فِي الثَّوَابِ) هَذَا تَأْوِيلٌ لِمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ مِنْ أَنَّ الْخُطْبَةَ كَشَطْرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهَا قَامَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ كَمَا قَامَتْ الْجُمُعَةُ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ مِنْهُ
стр. 807
جَازَ، وَلَوْ فَصَلَ بِأَجْنَبِيٍّ فَإِنْ طَالَ بِأَنْ رَجَعَ لِبَيْتِهِ فَتَغَدَّى أَوْ جَامَعَ وَاغْتَسَلَ اسْتَقْبَلَ خُلَاصَةً: أَيْ لُزُومًا لِبُطْلَانِ الْخُطْبَةِ سِرَاجٌ، لَكِنْ سَيَجِيءُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْإِمَامِ وَالْخَطِيبِ.
(وَ) السَّادِسُ: (الْجَمَاعَةُ) وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ (وَلَوْ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا) الْخُطْبَةَ (سِوَى الْإِمَامِ) بِالنَّصِّ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الذَّاكِرِ وَهُوَ الْخَطِيبُ وَثَلَاثَةٌ سِوَاهُ بِنَصِّ - ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]- (فَإِنْ نَفَرُوا قَبْلَ سُجُودِهِ) وَقَالَا قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ (بَطَلَتْ وَإِنْ بَقِيَ ثَلَاثَةُ) رِجَالٍ وَلِذَا أَتَى بِالتَّاءِ (أَوْ نَفَرُوا بَعْدَ سُجُودِهِ) أَوْ عَادُوا وَأَدْرَكُوهُ رَاكِعًا أَوْ نَفَرُوا الْخُطْبَةَ وَصَلَّى بِآخَرِينَ (لَا) تَبْطُلُ (وَأَتَمَّهَا) جُمُعَةً.
(وَ) السَّابِعُ: (الْإِذْنُ الْعَامُّ)
ــ
[رد المحتار]
فَيُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطُ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ وَلَا يُعَدُّ الْغُسْلُ فَاصِلًا لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى إعَادَتُهَا كَمَا لَوْ تَطَوَّعَ بَعْدَهَا أَوْ أَفْسَدَ الْجُمُعَةَ أَوْ فَسَدَتْ بِتَذَكُّرِ فَائِتَةٍ فِيهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فَإِنْ طَالَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الطُّولِ إلَى نَظَرِ الْمُبْتَلَى ط (قَوْلُهُ لَكِنْ سَيَجِيءُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى لُزُومِ إعَادَةِ الْخُطْبَةِ يَعْنِي قَدْ لَا تَلْزَمُ الْإِعَادَةُ بِأَنْ يَسْتَنِيبَ شَخْصًا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ لِبَيْتِهِ
(قَوْلُهُ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ) أَطْلَقَ فِيهِمْ فَشَمِلَ الْعَبِيدَ وَالْمُسَافِرِينَ وَالْمَرْضَى وَالْأُمِّيِّينَ وَالْخَرْسَى لِصَلَاحِيَّتِهِمْ لِلْإِمَامَةِ فِي الْجُمُعَةِ، إمَّا لِكُلِّ أَحَدٍ أَوْ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ فِي الْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ فَصَلَحَا أَنْ يَقْتَدِيَا بِمَنْ فَوْقَهُمَا، وَاحْتَرَزَ بِالرِّجَالِ عَنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ بِهِمْ وَحْدَهُمْ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِمْ لِلْإِمَامَةِ فِيهَا بِحَالٍ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَلَوْ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا الْخُطْبَةَ) أَيْ عَلَى رِوَايَةِ اشْتِرَاطِ حُضُورِ ثَلَاثَةٍ فِي الْخُطْبَةِ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ أَصْلًا أَوْ أَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ وَاحِدٍ فَأَظْهَرُ (قَوْلُهُ سِوَى الْإِمَامِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَجَّحَ الشَّارِحُونَ دَلِيلَهُ وَاخْتَارَهُ الْمَحْبُوبِيُّ وَالنَّسَفِيُّ كَذَا فِي تَصْحِيحِ الشَّيْخِ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ بِنَصِّ ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] لِأَنَّ طَلَبَ الْحُضُورِ إلَى الذِّكْرِ مُتَعَلِّقًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْوَاوُ يَسْتَلْزِمُ ذَاكِرًا فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِمَامِ جَمْعٌ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ فَإِنْ نَفَرُوا) أَيْ بَعْدَ شُرُوعِهِمْ مَعَهُ نَهْرٌ وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّفْرِيعِ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ وَهُوَ الْجَمَاعَةُ لَا يَلْزَمُ بَقَاؤُهُ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ شَرْطُ انْعِقَادٍ لَا شَرْطُ دَوَامٍ كَالْخُطْبَةِ: أَيْ شَرْطُ انْعِقَادِ التَّحْرِيمَةِ عِنْدَهُمَا، وَشَرْطُ انْعِقَادِ الْأَدَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْأَدَاءُ إلَّا بِوُجُودِ تَمَامِ الْأَرْكَانِ وَهِيَ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، فَلَوْ نَفَرُوا بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ قَبْلَ السُّجُودِ فَسَدَتْ الْجُمُعَةُ وَيَسْتَقْبِلُ الظُّهْرَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يُتِمُّ الْجُمُعَةَ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ لِكَوْنِ الْمُرَادِ الرِّجَالَ أَتَى بِالتَّاءِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ ثَلَاثَةٌ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ الصِّبْيَانِ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ لَا يُعْتَبَرُ؛ فَلَوْ قَالَ فَإِنْ نَفَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَكَانَ أَوْلَى أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ، بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَعْدُودَ إذَا حُذِفَ يَجُوزُ تَذْكِيرُ الْعَدَدِ وَتَأْنِيثُهُ فَلَا دَلَالَةَ عَلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ مِنْ لَفْظِ ثَلَاثَةٍ وَلَوْ سُلِّمَ فَإِنَّمَا تَدُلُّ التَّاءُ عَلَى مُطْلَقِ الذُّكُورِيَّةِ لَا بِقَيْدِ الرُّجُولِيَّةِ ط فَالْأَظْهَرُ وَالْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ بَقُوا لِيَعُودَ ضَمِيرُهُ عَلَى مَا عَادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ نَفَرُوا الْأَوَّلُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ (قَوْلُهُ أَوْ عَادُوا) وَكَذَا لَوْ وَقَفُوا إلَى أَنْ رَكَعَ فَأَحْرَمُوا وَأَدْرَكُوهُ فِيهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَأَدْرَكُوهُ رَاكِعًا) تَقْيِيدٌ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْبَحْرِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ أَوْ نَفَرُوا إلَخْ) يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ أَوْ لَا وَلَوْ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ إلَخْ ط (قَوْلُهُ وَأَتَمَّهَا جُمُعَةً) أَيْ وَلَوْ وَحْدَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَعُودُوا، وَلَمْ يَأْتِ غَيْرُهُمْ
(قَوْلُهُ الْإِذْنُ الْعَامُّ) أَيْ أَنْ يَأْذَنَ لِلنَّاسِ إذْنًا عَامًّا بِأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِمَّنْ تَصِحُّ مِنْهُ الْجُمُعَةُ عَنْ دُخُولِ الْمَوْضِعِ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ وَهَذَا مُرَادُ مَنْ فَسَّرَ الْإِذْنَ الْعَامَّ بِالِاشْتِهَارِ، وَكَذَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ إسْمَاعِيلَ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا شَرْطًا لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - شَرَعَ النِّدَاءَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَالنِّدَاءُ لِلِاشْتِهَارِ وَكَذَا تُسَمَّى جُمُعَةً لِاجْتِمَاعِ الْجَمَاعَاتِ فِيهَا فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْجَمَاعَاتُ كُلُّهَا مَأْذُونِينَ بِالْحُضُورِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الِاسْمِ بَدَائِعُ.
стр. 808
مِنْ الْإِمَامِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِفَتْحِ أَبْوَابِ الْجَامِعِ لِلْوَارِدِينَ كَافِي فَلَا يَضُرُّ غَلْقُ بَابِ الْقَلْعَةِ لِعَدُوٍّ أَوْ لِعَادَةٍ قَدِيمَةٍ لِأَنَّ الْإِذْنَ الْعَامَّ مُقَرَّرٌ لِأَهْلِهِ وَغَلْقُهُ لِمَنْعِ الْعَدُوِّ لَا الْمُصَلِّي، نَعَمْ لَوْ لَمْ يُغْلَقْ لَكَانَ أَحْسَنَ كَمَا فِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ مَعْزِيًّا لِشَرْحِ عُيُونِ الْمَذَاهِبِ قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ فَلْيُحْفَظْ (فَلَوْ دَخَلَ أَمِيرٌ حِصْنًا) أَوْ قَصْرَهُ (وَأَغْلَقَ بَابَهُ) وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ (لَمْ تَنْعَقِدْ) وَلَوْ فَتَحَهُ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ جَازَ وَكُرِهَ، فَالْإِمَامُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ إلَى الْعَامَّةِ مُحْتَاجٌ، فَسُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنْ الِاحْتِيَاجِ.
ــ
[رد المحتار]
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْهِدَايَةِ بَلْ هُوَ مَذْكُورٌ فِي النَّوَادِرِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَالْمُلْتَقَى وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ (قَوْلُهُ مِنْ الْإِمَامِ) قَيَّدَ بِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمِثَالِ الْآتِي وَإِلَّا فَالْمُرَادُ الْإِذْنُ مِنْ مُقِيمِهَا لِمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَغْلَقَ جَمَاعَةٌ بَابَ الْجَامِعِ وَصَلَّوْا فِيهِ الْجُمُعَةَ لَا يَجُوزُ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَحْصُلُ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ صَرِيحُ الْإِذْنِ ط (قَوْلُهُ لِلْوَارِدِينَ) أَيْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا فَلَا يَضُرُّ مَنْعُ نَحْوِ النِّسَاءِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ ط (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْإِذْنَ الْعَامَّ مُقَرَّرٌ لِأَهْلِهِ) أَيْ لِأَهْلِ الْقَلْعَةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْحِصْنِ وَالْأَحْسَنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْمِصْرِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَقَامِ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي الْإِذْنُ لِأَهْلِ الْحِصْنِ فَقَطْ بَلْ الشَّرْطُ الْإِذْنُ لِلْجَمَاعَاتِ كُلِّهَا كَمَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: وَغَلَقَهُ لِمَنْعِ الْعَدُوِّ إلَخْ) أَيْ أَنَّ الْإِذْنَ هُنَا مَوْجُودٌ قَبْلَ غَلْقِ الْبَابِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ، وَاَلَّذِي يَضُرُّ إنَّمَا هُوَ مَنْعُ الْمُصَلِّينَ لَا مَنْعُ الْعَدُوِّ (قَوْلُهُ لَكَانَ أَحْسَنَ) لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الشُّبْهَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اشْتِرَاطُ الْإِذْنِ وَقْتَ الصَّلَاةِ لَا قَبْلَهَا لِأَنَّ النِّدَاءَ لِلِاشْتِهَارِ كَمَا مَرَّ وَهُمْ يُغْلِقُونَ الْبَابَ وَقْتَ النِّدَاءِ أَوْ قُبَيْلَهُ فَمَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَأَرَادَ الذَّهَابَ إلَيْهَا لَا يُمْكِنُهُ الدُّخُولُ فَالْمَنْعُ حَالَ الصَّلَاةِ مُتَحَقِّقٌ وَلِذَا اسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَدَمَ الصِّحَّةِ ثُمَّ رَأَيْت مِثْلَهُ فِي نَهْجِ النَّجَاةِ مَعْزِيًّا إلَى رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْبَرِّ بْنِ الشِّحْنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ) مَا فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ هُوَ مَا فَرَّعَهُ فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ فَلَوْ دَخَلَ أَمِيرٌ حِصْنًا أَيْ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْجَزْمِ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ (قَوْلُهُ: أَوْ قَصْرَهُ) كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالدُّرَرِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَكَرَ الْوَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلسِّيَاقِ أَوْ مِصْرَهُ بِالْمِيمِ بَدَلَ الْقَافِ.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ عَنْ السِّيَاقِ. وَفِي الْكَافِي التَّعْبِيرُ بِالدَّارِ حَيْثُ قَالَ: وَالْإِذْنُ الْعَامُّ وَهُوَ أَنْ تُفْتَحَ أَبْوَابُ الْجَامِعِ وَيُؤْذَنَ لِلنَّاسِ، حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ فِي الْجَامِعِ وَأَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ وَجَمَعُوا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا السُّلْطَانُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَشَمِهِ فِي دَارِهِ فَإِنْ فَتَحَ بَابَهَا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ إذْنًا عَامًّا جَازَتْ صَلَاتُهُ شَهِدَتْهَا الْعَامَّةُ أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ يَفْتَحْ أَبْوَابَ الدَّارِ وَأَغْلَقَ الْأَبْوَابَ وَأَجْلَسَ الْبَوَّابِينَ لِيَمْنَعُوا عَنْ الدُّخُولِ لَمْ تَجُزْ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ السُّلْطَانِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ تَفْوِيتِهَا عَلَى النَّاسِ وَذَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِذْنِ الْعَامِّ. اهـ.
قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ النِّزَاعِ مَا إذَا كَانَتْ لَا تُقَامُ إلَّا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، أَمَّا لَوْ تَعَدَّدَتْ فَلَا لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ التَّفْوِيتُ كَمَا أَفَادَهُ التَّعْلِيلُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَمْ تَنْعَقِدْ) يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا مَنَعَ النَّاسَ فَلَا يَضُرُّ إغْلَاقُهُ لِمَنْعِ عَدُوٍّ أَوْ لِعَادَةٍ كَمَا مَرَّ ط.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْكَافِي وَأَجْلَسَ الْبَوَّابِينَ إلَخْ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ إلَخْ) مُفَادُهُ اشْتِرَاطُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ، وَفِي مِنَحِ الْغَفَّارِ وَكَذَا أَيْ لَا يَصِحُّ لَوْ جَمَعَ فِي قَصْرِهِ لِحَشَمِهِ وَلَمْ يُغْلِقْ الْبَابَ وَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْ النَّاسَ بِذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكُرِهَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ حَقَّ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ زَيْلَعِيٌّ وَدُرَرٌ (قَوْلُهُ فَالْإِمَامُ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى.
стр. 809
(وَشُرِطَ لِافْتِرَاضِهَا) تِسْعَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا (إقَامَةٌ بِمِصْرٍ) وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ تَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْمُلْتَقَى، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ تَقْدِيرُهُ بِفَرْسَخٍ وَرَجَّحَ فِي الْبَحْرِ اعْتِبَارَ عَوْدِهِ لِبَيْتِهِ بِلَا كُلْفَةٍ (وَصِحَّةٌ) وَأَلْحَقَ بِالْمَرِيضِ الْمُمَرِّضَ وَالشَّيْخَ الْفَانِيَّ (وَحُرِّيَّةٌ) وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهَا عَلَى مُكَاتَبٍ وَمُبَعَّضٍ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ
(قَوْلُهُ تَخْتَصُّ بِهَا) إنَّمَا وَصَفَ التِّسْعَةَ بِالِاخْتِصَاصِ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَتْنِ أَحَدَ عَشَرَ لَكِنَّ الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ مِنْهَا لَيْسَا خَاصَّيْنِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ. اهـ. ح (قَوْلُهُ: إقَامَةً) خَرَجَ بِهِ الْمُسَافِرُ، وَقَوْلُهُ: بِمِصْرٍ أَخْرَجَ الْإِقَامَةَ فِي غَيْرِهِ إلَّا مَا اسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ ح (قَوْلُهُ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) أَيْ مِنْ الْمَنَابِرِ بِأَعْلَى صَوْتٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ وَقَدَّمْنَا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ فِي حَدِّ الْفِنَاءِ الَّذِي تَصِحُّ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي حَدِّ الْمَكَانِ الَّذِي مَنْ كَانَ فِيهِ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ إلَى الْمِصْرِ لِيُصَلِّيَهَا فِيهِ نَعَمْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ فَرْسَخٌ يَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى (قَوْلُهُ وَرَجَّحَ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) هُوَ مَا اسْتَحْسَنَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَصَحَّحَ فِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِوُجُوبِهَا عَلَى مَنْ كَانَ دَاخِلَ حَدِّ الْإِقَامَةِ أَيْ الَّذِي مَنْ فَارَقَهُ يَصِيرُ مُسَافِرًا وَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ يَصِيرُ مُقِيمًا، وَعَلَّلَهُ فِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى بِالْبُرْهَانِ بِأَنَّ وُجُوبَهَا مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ الْمِصْرِ وَالْخَارِجُ عَنْ هَذَا الْحَدِّ لَيْسَ أَهْلَهُ. اهـ.
قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ. وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ أَصَحُّ مَا قِيلَ. وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمُقِيمُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَطْرَافِ الْمِصْرِ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمْرَانِ الْمِصْرِ فُرْجَةٌ مِنْ مَزَارِعَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ بَلَغَهُ النِّدَاءُ وَتَقْدِيرُ الْبُعْدِ بِغَلْوَةٍ أَوْ مَيْلٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ الْإِمَامَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَلْوَانِيِّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة ثُمَّ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَصْحَابِنَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ يَسْكُنُ الْمِصْرَ أَوْ مَا يَتَّصِلُ بِهِ فَلَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ وَلَوْ قَرِيبًا وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ اهـ وَبِهِ جَزَمَ فِي التَّجْنِيسِ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: تَنْبِيهٌ قَدْ عَلِمْت بِنَصِّ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ وَالرِّوَايَاتِ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَاخْتِيَارِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِبُلُوغِ النِّدَاءِ وَلَا بِالْغَلْوَةِ وَالْأَمْيَالِ فَلَا عَلَيْك مِنْ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ وَإِنْ صَحَّحَ اهـ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ والتتارخانية بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي فِنَاءِ الْمِصْرِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَصِحُّ إقَامَتُهَا فِي الْفِنَاءِ وَلَوْ مُنْفَصِلًا بِمَزَارِعَ فَإِذَا صَحَّتْ فِي الْفِنَاءِ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمِصْرِ يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ فِيهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْلِيلِ الْبُرْهَانِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (قَوْلُهُ وَصِحَّةٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَرِيضٍ سَاءَ مِزَاجُهُ وَأَمْكَنَ فِي الْأَغْلَبِ عِلَاجُهُ فَخَرَجَ الْمُقْعَدُ وَالْأَعْمَى وَلِذَا عَطَفَهُمَا عَلَيْهِ فَلَا تَكْرَارَ فِي كَلَامِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْبَحْرِ اهـ فَلَوْ وَجَدَ الْمَرِيضُ مَا يَرْكَبُهُ فَفِي الْقُنْيَةِ هُوَ كَالْأَعْمَى عَلَى الْخِلَافِ إذَا وَجَدَ قَائِدًا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَالْمُقْعَدِ، وَقِيلَ هُوَ كَالْقَادِرِ عَلَى الشَّيْءِ فَتَجِبُ فِي قَوْلِهِمْ وَتَعَقَّبَهُ السُّرُوجِيُّ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي تَصْحِيحُ عَدَمِهِ لِأَنَّ فِي الْتِزَامِهِ الرُّكُوبَ وَالْحُضُورَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ.
قُلْت: فَيَنْبَغِي تَصْحِيحُ عَدَمِ الْوُجُوبِ إنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِ كَذَلِكَ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ: وَأَلْحَقَ بِالْمَرِيضِ الْمُمَرِّضَ) أَيْ مَنْ يَعُولُ الْمَرِيضَ وَهَذَا إنْ بَقِيَ الْمَرِيضُ ضَائِعًا بِخُرُوجِهِ فِي الْأَصَحِّ حِلْيَةٌ وَجَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ اهـ أَيْ لِوُجُودِ الرِّقِّ فِيهِمَا وَالْمُرَادُ بِالْمُبَعَّضِ مَنْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ وَصَارَ يَسْعَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ
стр. 810
وَأَجِيرٍ وَيَسْقُطُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ لَوْ بَعِيدًا وَإِلَّا لَا؛ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ وَجَبَتْ وَقِيلَ يُخَيَّرُ جَوْهَرَةٌ وَرَجَّحَ فِي الْبَحْرِ التَّخْيِيرَ (وَذُكُورَةٌ) مُحَقَّقَةٌ (وَبُلُوغٌ وَعَقْلٌ) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَا خَاصَّيْنِ (وَوُجُودُ بَصَرٍ) فَتَجِبُ عَلَى الْأَعْوَرِ (قُدْرَتُهُ عَلَى الْمَشْيِ) جَزَمَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ سَلَامَةَ أَحَدِهِمَا لَهُ كَافٍ فِي الْوُجُوبِ لَكِنْ قَالَ الشُّمُنِّيُّ وَغَيْرُهُ: لَا تَجِبُ عَلَى مَفْلُوجِ الرِّجْلِ وَمَقْطُوعِهَا (وَعَدَمُ حَبْسٍ وَ) عَدَمُ (خَوْفٍ وَ) عَدَمُ (مَطَرٍ شَدِيدٍ) وَوَحْلٍ وَثَلْجٍ وَنَحْوِهِمَا (وَفَاقِدُهَا) أَيْ هَذِهِ الشُّرُوطِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ وَأُجِيرَ) مُفَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَنْعُهُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَظَاهِرُ الْمُتُونِ يَشْهَدُ لَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: بِحِسَابِهِ لَوْ بَعِيدًا) فَإِنْ كَانَ قَدْرَ رُبُعِ النَّهَارِ حُطَّ عَنْهُ رُبُعُ الْأُجْرَةِ وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يُطَالِبَهُ مِنْ الرُّبُعِ الْمَحْطُوطِ بِمِقْدَارِ اشْتِغَالِهِ بِالصَّلَاةِ تَتَارْخَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ) أَيْ بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَأْذُونَ بِالتِّجَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْبَحْرِ ح (قَوْلُهُ وَرَجَّحَ فِي الْبَحْرِ التَّخْيِيرَ) أَيْ بِأَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَبِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْقَوَاعِدِ. اهـ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فِي الْجَوْهَرَةِ أَعَادَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْبَابِ الْآتِي وَجَزَمَ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِيدُ إلَّا الْمَمْلُوكَ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ لَا الْجُمُعَةُ لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي حَقِّهِ، وَهُوَ الظُّهْرُ بِخِلَافِ الْعِيدِ ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِ كَالْجُمُعَةِ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَا تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لَهُ بِالْإِذْنِ فَحَالُهُ بَعْدَهُ كَحَالِهِ قَبْلَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَجَّ بِالْإِذْنِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ يُخَيَّرُ لِأَنَّهُ فَرْعُ عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَفِي الْبَحْرِ أَيْضًا: وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا أَوْ إلَى الْعِيدَيْنِ بِلَا إذْنِ مَوْلَاهُ؟ فَفِي التَّجْنِيسِ إنْ عَلِمَ رِضَاهُ أَوْ رَآهُ فَسَكَتَ حَلَّ وَكَذَا إذَا كَانَ يُمْسِكُ دَابَّةَ الْمَوْلَى عِنْدَ الْجَامِعِ وَلَا يُخِلُّ بِحَقِّهِ فِي الْإِمْسَاكِ لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ مُحَقَّقَةٌ) ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا لِإِخْرَاجِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ قِيلَ مُعَامَلَتُهُ بِالْأَضَرِّ تَقْتَضِي وُجُوبَهَا عَلَيْهِ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ بَلْ تَقْتَضِي عَدَمَ خُرُوجِهِ إلَى مَجَامِعِ الرِّجَالِ وَلِذَا لَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَا خَاصَّيْنِ) أَيْ بِالْجُمُعَةِ بَلْ هُمَا شَرْطَا التَّكْلِيفِ بِالْعِبَادَاتِ كُلِّهَا كَالْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ يَخْرُجُ بِقَيْدِ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، بَلْ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَصْعَبُ أَمْرَاضِ النُّفُوسِ جُنُونُهَا
(قَوْلُهُ فَتَجِبُ عَلَى الْأَعْوَرِ) وَكَذَا ضَعِيفُ الْبَصَرِ فِيمَا يَظْهَرُ أَمَّا الْأَعْمَى فَلَا، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى قَائِدٍ مُتَبَرِّعٍ أَوْ بِأُجْرَةٍ وَعِنْدَهُمَا إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ تَجِبُ وَتَوَقَّفَ فِي الْبَحْرِ فِيمَا لَوْ أُقِيمَتْ وَهُوَ حَاضِرٌ فِي الْمَسْجِدِ.
وَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْحَرَجُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ.
وَأَقُولُ: بَلْ يَظْهَرُ لِي وُجُوبُهَا عَلَى بَعْضِ الْعُمْيَانِ الَّذِي يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَيَعْرِفُ الطُّرُقَ بِلَا قَائِدٍ، وَلَا كُلْفَةٍ وَيَعْرِفُ أَيَّ مَسْجِدٍ أَرَادَهُ بِلَا سُؤَالِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْمَرِيضِ الْقَادِرِ عَلَى الْخُرُوجِ بِنَفْسِهِ بَلْ رُبَّمَا تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْمَشْيِ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُقْعَدِ وَإِنْ وَجَدَ حَامِلًا اتِّفَاقًا خَانِيَةٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى السَّعْيِ أَصْلًا فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْأَعْمَى كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُهُسْتَانِيُّ (قَوْلُهُ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ ح وَالْمُنَاسِبُ إحْدَاهُمَا (قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ) .
أَجَابَ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ بِحَمْلِ مَا فِي الْبَحْرِ عَلَى الْعَرَجِ الْغَيْرِ الْمَانِعِ مِنْ الْمَشْيِ وَمَا هُنَا عَلَى الْمَانِعِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَعَدَمُ حَبْسٍ) يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ مَظْلُومًا كَمَدْيُونٍ مُعْسِرٍ، فَلَوْ مُوسِرًا قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ حَالًا وَجَبَتْ (قَوْلُهُ: وَعَدَمُ خَوْفٍ) أَيْ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ لِصٍّ مِنَحٌ.
قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَيَلْحَقُ بِهِ الْمُفْلِسُ إذَا خَافَ الْحَبْسَ كَمَا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِهِ (قَوْلُهُ وَوَحْلٍ وَثَلْجٍ) أَيْ شَدِيدَيْنِ (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُمَا) أَيْ كَبَرْدٍ شَدِيدٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ (قَوْلُهُ أَيْ هَذِهِ الشُّرُوطِ)
следующие страницы →