Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
قَبْلَ الْمَشِيئَةِ - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانٌ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ، طُلِّقَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ - طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، إِلَّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
شَرْطٍ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَا يَقَعُ إِذَا تَعَذَّرَ شَرْطُهُ كَالْمُعَلَّقِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا شَاءَ وَهُوَ مَجْنُونٌ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ أَخْرَسَ فَهِيَ كَنُطْقِهِ، وَقِيلَ: إِنْ خَرِسَ بَعْدَ يَمِينِهِ فَلَا، (وَإِنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانٌ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ) قَالَهُ أَصْحَابُنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: قَدْ شِئْتُ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِ الطَّلَاقِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ إِيقَاعِ طَلَاقِهِ وَبَيْنَ الْمَشِيئَةِ أَنَّ إِيقَاعَهُ عَلَيْهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ، لِئَلَّا تَكُونَ الْمَعْصِيَةُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَهُنَا إِنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ (وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا) أَيْ: مُمَيِّزًا، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ (يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ، طُلِّقَتْ) ؛ لِأَنَّ لَهُ مَشِيئَةً بِدَلِيلِ صِحَّةِ اخْتِيَارِهِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّكْلِيفُ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ - لَمْ تُطَلَّقْ كَالْمَجْنُونِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ - طُلِّقَتْ) فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ، وَعَلَّقَهُ بِشَرْطٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقِيلَ: فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، وَقِيلَ: يَتَبَيَّنُ حِنْثَهُ مُنْذُ حَلَفَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَبْدِي حُرٌّ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ، وَلَا نِيَّةَ فَشَاءَهُمَا، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَوْ تَعَذَّرَ بِمَوْتٍ وَنَحْوِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ: أَوْ غَابَ - وَقَعَا.
١ -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَكَذَا عَكْسُهُ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، و" الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي
стр. 2592
أَنْ يَشَاءَ ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: لَا تُطَلَّقُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عُتِقَتْ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلَاقِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِثَلَاثَةٍ، وَخُذْ دِرْهَمًا، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْهُ (وَفِي الْآخَرِ: لَا تُطَلَّقُ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ عَلَى عَدَمِ مَشِيئَتِهَا الثَّلَاثَ، وَلَمْ يُوقِعْ بِمَشِيئَتِهَا شَيْئًا، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ، أَوْ شَاءَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَوَاحِدَةٌ.
١ -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عُتِقَتْ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " زَادِ الْمَسِيرِ ": لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَكْحُولٍ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهِيَ طَالِقٌ. رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا: كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ نَرَى الِاسْتِثْنَاءَ جَائِزًا فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ جُمْلَةَ الطَّلَاقِ حَالًا وَمَآلًا، فَلَمْ يَصِحَّ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ؛ وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِهِ، أَشْبَهَ تَعْلِيقَهُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ (وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلَاقِ) وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّ الْعِتْقَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالطَّلَاقَ لَيْسَ هُوَ لِلَّهِ، وَلَا فِيهِ قُرْبَةٌ إِلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمِلْكِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ وَلِأَنَّ نَذْرَ الْعِتْقِ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، فَافْتَرَقَا، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحْمَدَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ حَكَاهَا أَبُو حَامِدٍ الِإسْفَرَايِينِيُّ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ ": وَلَقَدْ أَبْطَلَ فِي حِكَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَعَكَسَ فِي " التَّرْغِيبِ " هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ: يَا طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلَى بِالْوُقُوعِ، وَعَنْهُ: لَا يَقَعَانِ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ زَيْدٍ؛ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ
стр. 2593
اللَّهُ - طُلِّقَتْ.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَدَخَلَتْ، فَهَلْ تُطَلَّقُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
السَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: هِيَ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ هَذَا، وَاللَّهُ لَا يَشَاؤُهُ إِلَّا بِتَكَلُّمِهِ بِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ لَيْسَا مِنَ الْأَيْمَانِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَإِنْ سُمِّيَ بِذَلِكَ، فَمَجَازٌ، ثُمَّ إِنَّ الطَّلَاقَ إِنَّمَا يُسَمَّى يَمِينًا إِذَا كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، وَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَكَذَا إِذَا قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ، كَقَصْدِهِ تَأْكِيدَ الْإِيقَاعِ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ عَنِ الْجَوَابِ عَنْهَا.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ - طُلِّقَتْ) فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ، وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِمَشِيئَةٍ لَمْ تُعْلَمْ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ شَاءَ اللَّهُ الطَّلَاقَ حِينَ أَذِنَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تُطَلَّقَ كَالْأَوَّلِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ) أَوْ مَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِتَضَادِّ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، فَلَغَا تَعْلِيقَهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَحِيلِ. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَعْلِيقِهِ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُحَالِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ جَمَعْتِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، أَوْ شَرِبْتِ مَاءَ الْكُوزِ، وَلَا مَاءَ فِيهِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَكَذَا الْعِتْقُ.
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) أَوْ حُرَّةٌ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَدَخَلَتْ، فَهَلْ تُطَلَّقُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: تُطَلَّقُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ يَمِينٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَفَارَقَ إِذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ،
стр. 2594
أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ أَوْ مَشِيئَتِهِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الشَّرْطَ، دِينَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِالنَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أُحِبُّهُ، فَقَدْ تَوَقَّفَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعُ ": إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَدَّ الْمَشِيئَةِ إِلَى الْفِعْلِ، فَلَا تُطَلَّقُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا فَعَلْتُ، أَوْ لَأَفْعَلَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ رَدَّهُ إِلَى الطَّلَاقِ فَقَطْ، فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ، وَالظَّاهِرُ رجوعه إِلَى الْفِعْلِ.
غَرِيبَةٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ أَتَزَوَّجُكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَتَزَوَّجَهَا - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَشْتَرِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَاشْتَرَاهُ - عُتِقَ.
١ -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ أَوْ مَشِيئَتِهِ) أَوْ لِدُخُولِ الدَّارِ (طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لِكَوْنِهِ قَدْ شَاءَ ذَلِكَ أَوْ رَضِيَهُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ لِرِضَا اللَّهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لِقُدُومِ زَيْدٍ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الشَّرْطَ) فِيمَا ظَاهِرُهُ التَّعْلِيلُ (دِينَ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسَّنَةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ رَضِيَ أَبُوكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَ: مَا رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: رَضِيتُ، وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ، وَكَانَ مُتَرَاخِيًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ "، وَإِنْ قَوْمًا قَالُوا: يَنْقَطِعُ بِالْأَوَّلِ.
١ -
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِالنَّارِ) أَوْ تَبْغَضِينَ الْجَنَّةَ (فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَحَبُّهُ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهَا) ؛ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ، وَسُئِلَ عَنْهَا، فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: تُطَلَّقُ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَفِي " الْفُنُونِ ": هُوَ مَذْهَبُنَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنَ اللَّفْظِ، فَاقْتَضَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِلَفْظِهَا بِهِ، صَادِقَةً أَوْ كَاذِبَةً كَالْمَشِيئَةِ (وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ
стр. 2595
أَحْمَدُ عَنْهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: تُطَلَّقُ، وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ إِذَا كَانَتْ كَاذِبَةً.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا رَأَيْتِ الْهِلَالَ - طُلِّقَتْ إِذَا رُئِيَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَقِيقَةَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا كَانَتْ كَاذِبَةً) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ فِي الْقَلْبِ، وَلَا تُوجَدُ مِنْ أَحَدٍ مَحَبَّةُ ذَلِكَ، وَخَبَرُهَا بِالْمَحَبَّةِ كَاذِبٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَاخْتَارَ فِي " الْفُنُونِ " أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ لِاسْتِحَالَتِهِ عَادَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ كُنْتِ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ الْجَمَلَ يَدْخُلُ فِي خُرْمِ الْإِبْرَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: أَعْتَقِدُهُ، فَإِنَّ عَاقِلًا لَا يُجَوِّزُهُ فَضْلًا عَنِ اعْتِقَادِهِ، ثُمَّ إِنْ قَالَ: كَذَبْتِ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَهِيَ يُعْتَبَرُ نُطْقُهَا أَوْ تُطَلَّقُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَقِيلَ: لَا تُطَلَّقُ إِنْ لَمْ يَقُلْ: بِقَلْبِكِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ زَيْدًا أَوْ تُبْغِضِينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَخْبَرَتْهُ بِهِ - طُلِّقَتْ وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ أَحْبَبْتِ، أَوْ إِنْ أَرَدْتِ، أَوْ إِنْ كَرِهْتِ، احْتَمَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِلِسَانِهَا كَالْمَشِيئَةِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَكُونُ اللِّسَانُ دَلِيلًا عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِوُجُودِهِ - طُلِّقَتْ، وَلَوْ أَخْبَرَتْ بِهِ ثُمَّ قَالَتْ: كُنْتُ كَاذِبَةً، لَمْ تُطَلَّقْ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ تُطَلِّقَنِي، فَقَالَ: إِنْ كُنْتِ تُرِيدِينَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيَقْتَضِي أَنَّهَا تُطَلَّقُ بِإِرَادَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، وَدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ إِيقَاعَهُ لِلْإِرَادَةِ الَّتِي أَخْبَرَتْهُ بِهَا، قَالَهُ فِي " الْفُنُونِ " قَالَ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ أَبُوكِ يَرْضَى بِمَا فَعَلْتِيهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَ: مَا رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: رَضِيتُ - طُلِّقَتْ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى رِضًا مُسْتَقْبَلٍ، وَقَدْ وُجِدَ، بِخِلَافِ: إِنْ كَانَ أَبُوكِ رَاضِيًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاضٍ، وَتَعْلِيقٌ كَطَلَاقٍ، وَيَصِحُّ بِالْمَوْتِ.
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ]
[إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا رَأَيْتِ الْهِلَالَ]
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ
(إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا رَأَيْتِ الْهِلَالَ - طُلِّقَتْ إِذَا رُئيَ) بَعْدَ الْغُرُوبِ، أَوْ أَكْمَلَتِ
стр. 2596
رُؤْيَتِهَا، فَلَا يَحْنَثُ حتى تراه،
وَ إِنْ قَالَ: مَنْ بَشَّرَتْنِي بِقَدُومِ أَخِي، فَهِيَ طَالِقٌ ، فَأَخْبَرَهُ بِهِ امْرَأَتَاهُ - طُلِّقَتِ الْأُولَى مِنْهُمَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ هِيَ الصَّادِقَةُ وَحْدَهَا، فَتُطَلَّقُ وَحْدَهَا.
وَإِنْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَتْنِي بِقُدُومِهِ فَهِيَ طَالِقٌ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعِدَّةَ؛ لِأَنَّ رُؤْيَتَهُ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَمَّا يُعْلَمُ بِهِ دُخُولُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فَانْصَرَفَ لَفْظُ الْحَالِفِ إِلَى عُرْفِ الشَّرْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِذَا صَلَّيْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الشَّرْعِيَّةِ، وَفَارَقَ رُؤْيَةَ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَقِيقَةَ رُؤْيَتِهَا، فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَرَاهُ) لِأَنَّهَا رُؤْيَة حَقِيقة، وَيُقْبَلُ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ بِقَرِينَةٍ، وَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِرُؤْيَتِهَا لَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ هِلَالَ الشَّهْرِ مَا كَانَ فِي أَوَّلِهِ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ بِرُؤْيَتِهَا لَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى رُؤْيَةً، وَالْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَتِهِ فِي الشَّرْعِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ إِذَا رَأَيْتُهُ أَنَا بِعَيْنِي، فَلَمْ يَرَهُ حَتَّى أَقْمَرَ - لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهِلَالٍ، وَهُوَ هِلَالٌ إِلَى الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَقْمُرُ، وَقِيلَ: إِلَى الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: إِذَا اسْتَدَارَ وَبَهَرَ ضَوْؤُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِذَا رَأَيْتِ فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَرَأَتْهُ وَلَوْ مَيِّتًا، أَوْ فِي مَاءٍ، أَوْ زُجَاجٍ شَفَّافٍ - طُلِّقَتْ، إِلَّا مَعَ نِيَّةٍ، أَوْ قَرِينَةٍ، لَا خَيَالِهِ فِي مَاءٍ وَمِرْآةٍ، وَفِي مُجَالَسَتِهَا لَهُ وَهِيَ عَمْيَاءُ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا حِنْثَ.
[إِنْ قَالَ مَنْ بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي فَهِيَ طَالِقٌ]
(وَإِنْ قَالَ: مَنْ بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي، فَهِيَ طَالِقٌ، فَأَخْبَرَهُ بِهِ امْرَأَتَاهُ - طُلِّقَتِ الْأُولَى مِنْهُمَا) إِذَا كَانَتْ صَادِقَةً؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ خَبَرٌ تَتَغَيَّرُ بِهِ بَشْرَةُ الْوَجْهِ مِنْ سُرُورٍ أَوْ غَمٍّ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلْخَيْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] فَإِنْ أُرِيدَ الشَّرُّ، قُيِّدَتْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ هِيَ الصَّادِقَةُ وَحْدَهَا، فَتُطَلَّقَ وَحْدَهَا) ؛ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِبِشَارَتِهَا، وَإِنْ كَانَتَا كَاذِبَتَيْنِ، لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا سُرُورَ فِي الْكَذِبِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا بَشَّرَهُ نِسَاؤُهُ مَعًا طُلِّقْنَ؛ لِأَنَّ " مَنْ " تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا زَادَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]
стр. 2597
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: تُطَلَّقَانِ.
وَ إِنْ حَلِفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَمْ يَحْنَثْ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَتَوَجَّهُ تَحَصُّلُ الْبِشَارَةِ بِالْمُكَاتَبَةِ، وَإِرْسَالِ رَسُولٍ بِهَا (وَإِنْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَتْنِي بِقُدُومِهِ فَهِيَ طَالِقٌ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ الْإِعْلَامُ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: تُطَلَّقَانِ) أَيْ: تُطَلَّقُ الصَّادِقَةُ وَالْكَاذِبَةُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ. قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَعِنْدِي يُطَلَّقْنَ مَعَ الصِّدْقِ، وَلَا تُطَلَّقُ مِنْهُمَا كَاذِبَةٌ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِيمَنْ قَالَ لِعَبِيدِهِ: أَيُّكُمْ جَاءَنِي بِخَبَرِ كَذَا فَهُوَ حُرٌّ، فَجَاءَهُ بِهِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرَ، فِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ، وَالثَّانِيَةُ: يُعْتَقُونَ جَمِيعًا، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَلَا بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: أَوَّلُ مَنْ تَقُومُ مِنْكُنَّ فَهِيَ طَالِقٌ، فَقَامَ الْكُلُّ دَفْعَةً وَاحِدَةً - لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَإِنْ قَامَتْ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ بَعْدَهَا - فَوَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَقَعُ، لَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِ ذَلِكَ وَلَا انْتِفَائِهِ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ قِيَامِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَتَنْحَلَّ يَمِينُهُ، وَكَذَا الْعِتْقُ، وَإِنْ قَامَ اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مَعًا، وَقَامَ بَعْدَهُنَّ أُخْرَى وَقَعَ بِمَنْ قَامَ أَوَّلًا، وَالْعِتْقُ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي فِيمَنْ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُدْخَلُ مِنْ عَبِيدِي فَهُوَ حُرٌّ، فَدَخَلَ اثْنَانِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ - لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنْ قَالَ: آخِرُ مَنْ تَدْخُلُ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَدَخَلَ إِحْدَاهُنَّ، لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهَا، فَيَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِآخِرِهِنَّ دُخُولًا مِنْ حِينِ دُخُولِهَا.
[إِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا]
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا) أَوْ جَاهِلًا (حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَمْ يَحْنَثْ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ ": أَنَّهُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ فَهُوَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، فَيَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ قَدِمَ الْحَاجُّ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ آدَمِيٌّ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ مَعَ النِّسْيَانِ كَالْإِتْلَافِ (وَعَنْهُ: يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ) قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ قَاصِدًا لِفِعْلِهِ، أَشْبَهَ الذَّاكِرَ، وَكَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ،
стр. 2598
فِي الْجَمِيعِ، وَعَنْهُ: لَا يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ،
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، وَلَا يُكَلِّمُهُ، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ حَقَّهُ، فَدَخَلَ بَيْتًا هُوَ فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ قَضَاهُ حَقَّهُ فَفَارَقَهُ، فَخَرَجَ رَدِيئًا، أَوْ أَحَالَهُ بِحَقِّهِ فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ - خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَ بَعْضَهُ، لَمْ يَحْنَثْ في رواية صالح،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالزُّهْرِيِّ (وَعَنْهُ: لَا يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ) وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ؛ وَلِقَوْلِهِ ﵇: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ، أَشْبَهَ النَّائِمَ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيِ الْيَمِينِ، فَاعْتُبِرَ بِهِ الْقَصْدُ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَوْ فَعَلَهُ حِينَ جُنُونِهِ لَمْ يَحْنَثْ كَالنَّائِمِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالنَّاسِي، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يُقْصَدُ مَنْعُهُ كَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَعَلَى الْخِلَافِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَإِنْ قَصَدَ بِمَنْعِهِمْ أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ، أَوْ فَعَلُوهُ كُرْهًا - لَمْ يَحْنَثْ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ الْمُكْرَهُ، فَيَتَخَرَّجُ أَلَّا يَحْنَثَ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ، فَوَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ، فَأَقَامَ بَعْدَ دُخُولِهَا، فَهَلْ يَحْنَثُ؛ يَنْبَنِي عَلَى مَا إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا، وَإِنْ عَقَدَهَا يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ، فَكَمَنْ حَلَفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ وَفَعَلَهُ نَاسِيًا، يَحْنَثُ فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ.
[إِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتًا هُوَ فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ]
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، وَلَا يُكَلِّمُهُ، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ حَقَّهُ، فَدَخَلَ بَيْتًا هُوَ فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ قَضَاهُ حَقَّهُ فَفَارَقَهُ، فَخَرَجَ رَدِيئًا، أَوْ أَحَالَهُ بِحَقِّهِ فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ - خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ بَيْتًا هُوَ فِيهِ عَالِمًا - حَنِثَ، وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ سَالِمًا عَنِ الْمُعَارِضِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَوَى السَّلَامَ عَلَى الْجَمِيعِ، أَوْ
стр. 2599
وحنبل، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمِيعَهُ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَفْعَلَ جَمِيعَهُ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَأَدْخَلَهَا بَعْضَ جَسَدِهِ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ - خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا شَرِبْتُ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَلَامَهُمْ حَنِثَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ فَلَا، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْخِلَافُ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَنْوِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ بِقَلْبِهِ فَرِوَايَتَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْحِنْثُ، وَكَذَا إِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ يَحْسَبُهُ أَجْنَبِيًّا، أَوْ حَلَفَ لَا بِعْتُ لِزَيْدٍ ثَوْبًا، فَوَكَلَ زَيْدٌ مَنْ يَدْفَعُهُ إِلَى مَنْ يَبِيعُهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى الْحَالِفِ، فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ.
[إِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَ بَعْضَهُ]
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَ بَعْضَهُ، لَمْ يَحْنَثْ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَحَنْبَلٍ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ كَالْإِثْبَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ ﵇ «كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ إِلَى عَائِشَةَ لِتُرَجِّلَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ» ، وَالْمُعْتَكِفُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَالْحَائِضُ عَكْسُهُ (وَعَنْهُ: يَحْنَثُ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَاخْتَصَّ الْمَنْعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ كَالنَّهْيِ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمِيعَهُ) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ، فَإِنْ نَوَى الْجَمِيعَ أَوِ الْبَعْضَ، عُمِلَ بِنِيَّتِهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ قَرِينَةٌ، وَعَلَى الْأُولَى: لَوْ حَلَفَ عَلَى مَنْ يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ، كَزَوْجَةٍ وَقَرَابَةٍ، وَقَصَدَ مَنْعَهُ، وَلَا نِيَّةَ، وَلَا سَبَبَ وَلَا قَرِينَةَ - لَمْ يَحْنَثْ بِفِعْلِ بَعْضِهِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَفْعَلَ جَمِيعَهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ؛ وَلِأَنَّ مَطْلُوبَهُ تَحْصِيلُ الْفِعْلِ، فَهُوَ كَالْأَمْرِ، وَلَوْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ، لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ، فَكَذَا هُنَا (وَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَأَدْخَلَهَا بَعْضَ جَسَدِهِ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ - خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) فِي فِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ عَبْدَهُ، وَلَا يَهَبُهُ، فَبَاعَ أَوْ وَهَبَ بَعْضَهُ.
(وَإِنْ حَلَفَ: لَا شَرِبْتُ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، حَنِثَ) وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْجَمِيعِ مُمْتَنِعٌ، فَلَا تُصْرَفُ الْيَمِينُ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا آكُلُ الْخُبْزَ، وَلَا أَشْرَبُ الْمَاءَ، مِمَّا عُلِّقَ عَلَى اسْمِ جِنْسٍ أَوْ جَمْعٍ
стр. 2600
اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، أَوْ نَسَجَهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا طَبَخَهُ زَيْدٌ، فَلَبِسَ ثَوْبًا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، أَوِ اشْتَرَيَاهُ، أَوْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ طَبَخَاهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَإِنِ اشْتَرَى غَيْرُهُ شَيْئًا، فَخَلَطَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، فَأَكَلَ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ - حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَ مِثْلَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، فَإِنْ نَوَى فِعْلِ الْجَمِيعِ، أَوْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ - لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ: لَا شَرِبْتُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ، فَشَرِبَ مِنْهُ - حَنِثَ، سَوَاءً كَرَعَ مِنْهُ، أَوِ اغْتَرَفَ مِنْهُ فَشَرِبَهُ، وَإِنْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ حَنِثَ فِي وَجْهٍ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ شَيْءٍ فَاسْتَقَى، أَوْ لَا يَشْرَبُ مِنْ شَاةٍ فَحُلِبَ وَشَرِبَهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إِلَى النَّهْرِ لَا إِلَى الْفُرَاتِ، وَكَغَيْرِهِ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ، فَلَقَطَ مِنْ تَحْتِهَا وَأَكَلَ - حَنِثَ، بِخِلَافِ أَكْلِ وَرَقِهَا وَأَطْرَافِ أَغْصَانِهَا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ قَرِبْتِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - دَارَ أَبِيكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَدْخُلَهَا، فَلَوْ قَالَهُ - بِضَمِّ الرَّاءِ - وَقَعَ بِوُقُوفِهَا تَحْتَ فِنَائِهَا وَلُصُوقِهَا بِجِدَارِهَا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُمَا كَذَلِكَ، ذَكَرَهُمَا فِي " الرَّوْضَةِ "، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَوْهَرِيُّ قَرِبَ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى دَخَلَ، وَلَعَلَّهُ عُرْفٌ خَاصٌّ.
(وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، أَوْ نَسَجَهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا طَبَخَهُ زَيْدٌ، فَلَبِسَ ثَوْبًا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، أَوِ اشْتَرَيَاهُ، أَوْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ طَبَخَاهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا: يَحْنَثُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ، فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَغَزْلِ غَيْرِهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْ ثَوْبًا كَامِلًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مَا خَاطَهُ زَيْدٌ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلِّ ثَوْبٍ خَاطَاهُ جَمِيعًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: ثَوْبًا خَاطَهُ زَيْدٌ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، فَأَكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ - حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالشِّرَاءِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا: لَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِشِرَائِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، فَلَبِسَ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ (فَإِنِ اشْتَرَى غَيْرُهُ شَيْئًا، فَخَلَطَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، فَأَكَلَ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ - حَنِثَ) وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ أَكَلَ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، وَهُوَ شَرْطُ الْحِنْثِ (وَإِنْ أَكَلَ مِثْلَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي
стр. 2601
بَابٌ
التَّأْوِيلُ فِي الْحَلِفِ وَمَعْنَى التَّأْوِيلِ: أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» فَإِذَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَادَةِ انْفِرَادُ مَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الْحِنْثُ ظَاهِرًا.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحِنْثِ، وَلَمْ نَتَيَقَّنْهُ، فَعَلَى هَذَا: كُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَحْنَثُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَإِنْ قَابَلَ زَيْدٌ فِي مَأْكُولٍ كَانَ بَاعَهُ شَيْئًا، فَأَكَلَ مِنْهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى شَيْئًا سَلَمًا، أَوْ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ، فَأَكَلَ مِنْهُ - حَنِثَ.
[بَابُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ]
بَابٌ
التَّأْوِيلُ فِي الْحَلِفِ (وَمَعْنَى التَّأْوِيلِ: أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ) مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ أَخِي يُرِيدُ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ، وَبِالسَّقْفِ وَالْبِنَاءِ: السَّمَاءَ، وَبِالْبِسَاطِ وَالْفِرَاشِ: الْأَرْضَ، وَبِالْأَوْتَادِ: الْجِبَالَ، وَبِاللِّبَاسِ: اللَّيْلَ، أَوْ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ فُلَانًا، أَيْ: مَا ضَرَبْتُ رِئَتَهُ، وَمَا ذَكَرْتُهُ، أَيْ: مَا قَطَعْتُ ذَكَرَهُ، وَكَقَوْلِهِ: جَوَارِي أَحْرَارٌ، يَعْنِي: سُفُنَهُ، وَنِسَائِي طَوَالِقُ، أَيْ: أَقَارِبُهُ، أَوْ يَقُولُ: مَا كَاتَبْتُ فُلَانًا، وَلَا عَرَّفْتُهُ، وَلَا عَلَّمْتُهُ، وَلَا سَأَلْتُهُ حَاجَةً، وَلَا أَكَلْتُ لَهُ دَجَاجَةً وَلَا فَرُّوجَةً، وَلَا شَرِبْتُ لَهُ مَاءً، وَلَا فِي بَيْتِي فِرَاشٌ، وَلَا حَصِيرٌ، وَلَا بَارِيَةٌ، وَيَعْنِي بِالْمُكَاتَبَةِ: مُكَاتَبَةَ الرَّقِيقِ، وَبِالتَّعْرِيفِ: جَعْلَهُ عَرِيفًا، وَبِالْإِعْلَامِ: جَعْلَهُ أَعْلَمَ الشَّفَةِ، وَالْحَاجَةِ: الشَّجَرَةَ الصَّغِيرَةَ، وَالدَّجَاجَةِ: الْكُبَّةَ مِنَ الْغَزْلِ، وَالْفَرُّوجَةِ: الدُّرَّاعَةَ، وَالْفَرْشِ: صِغَارَ الْإِبِلِ، وَالْحَصِيرِ: الْجَيْشَ، وَالْبَارِيَةِ: السِّكِّينَ الَّتِي يُبْرَى بِهَا، فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ خِلَافُهُ، إِذَا عَنَاهُ بِيَمِينِهِ فَهُوَ تَأْوِيلٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» وَفِي لَفْظٍ: «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ»
стр. 2602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا فَلَهُ تَأْوِيلُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا، فَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي، فَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: كُنْتَ أَبَرَّهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ،.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: الْكَلَامُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ، خَصَّ الظَّرِيفَ بِذَلِكَ، يَعْنِي بِهِ: الْكَيِّسَ الْفَطِنَ، فَإِنَّهُ يَفْطِنُ التَّأْوِيلَ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْكَذِبِ، فَإِنْ كَانَ لَا ظَالِمًا وَلَا مَظْلُومًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «كَانَ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا» وَمِزَاحُهُ أَنْ يُوهِمَ السَّامِعَ بِكَلَامِهِ غَيْرَ مَا عَنَاهُ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ، فَقَالَ ﵇ لِعَجُوزٍ: «لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ» يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْشِئُهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا.
١ -
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا حَلَفَ لَيَقْسِمَنَّ بَيْنَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ ثَلَاثِينَ قَارُورَةً، عَشْرٌ مَمْلُوءَةٌ، وَعَشْرٌ فُرْغٌ، وَعَشْرٌ مُنَصَّفٌ، قَلَبَ كُلَّ مُنَصَّفَةٍ فِي أُخْرَى، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسٌ مَمْلُوءَةٌ، وَخمْسٌ فُرْغٌ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ نَعْجَةً، عَشْرٌ وَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَخْلَةً، وَعَشْرٌ اثْنَتَيْنِ، وَعَشَرَةٌ ثَلَاثًا، وَحَلَفَ لَيَجْعَلَنَّ لِكُلِّ امْرَأَةٍ ثَلَاثًا، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ سَخْلَةٍ وَأُمِّهَا، أَعْطَى الْكُبْرَى عَشَرَةً نَتَجَتْ عِشْرِينَ، وَالْوُسْطَى نِصْفَ مَا نَتَجَ سَخْلَةً، وَنِصْفَ مَا نَتَجَ ثَلَاثًا بِسِخَالِهَا، وَكَذَا الصُّغْرَى.
الثَّالِثَةُ: إِذَا حَلَفَ أَنَّهُ رَأَى ثَلَاثَ إِخْوَةٍ لِأَبَوَيْنِ، أَحَدُهُمْ عَبْدٌ، وَالْآخَرُ مَوْلًى، وَالْآخَرُ عَرَبِيٌّ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، هَذَا رَجُلٌ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ، فَوَلَدَتِ ابْنًا فَهُوَ عَبْدٌ، ثُمَّ كُوتِبَتْ، فَأَدَّتْ وَهِيَ حَامِلٌ، فَأَتَتْ بِابْنٍ فَتَبِعَهَا، فَهُوَ مَوْلًى، ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ الْأَدَاءِ ابْنًا، فَهُوَ عَرَبِيٌّ بِلَا وَلَاءٍ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا حَلَفَ أَنَّ خَمْسَةً زَنَوْا بِامْرَأَةٍ، فَلَزِمَ الْأَوَّلَ الْقَتْلُ، وَالثَّانِيَ الرَّجْمُ،
стр. 2603
أَكَلَا تَمْرًا، فَحَلَفَ: لَتُخْبِرَنِّي بِعَدَدِ مَا أَكَلْتَ، أَوْ لَتُمَيِّزَنَّ نَوَى مَا أَكَلْتَ، فَإِنَّهَا تُفْرَدُ كُلُّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا، وَتُعَدُّ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى عَدَدٍ يَتَحَقَّقُ دُخُولُ مَا أَكَلَ فِيهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيَةٍ فِي بَيْتِهِ، وَلَا تَدْخُلُهُ بَارِيَةٌ، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ قَصَبًا وَيَنْسِجُهُ فِيهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَطْبُخَنَّ قِدْرًا بِرِطْلِ مِلْحٍ وَيَأْكُلُ مِنْهُ فَلَا يَجِدْ طَعْمَ الْمِلْحِ، فَإِنَّهُ يَسْلُقُ فِيهِ بَيْضًا، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا وَلَا تُفَّاحًا، وَلَيَأْكُلَنَّ مِمَّا فِي هَذَا الْوِعَاءِ، فَوَجَدَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّالِثَ الْجَلْدُ، وَالرَّابِعَ نِصْفُ الْحُرِّ، وَلَمْ يَلْزَمِ الْخَامِسَ شَيْءٌ، فَالْأَوَّلُ ذِمِّيٌّ، وَالثَّانِي مُحْصَنٌ، وَالثَّالِثُ بِكْرٌ، وَالرَّابِعُ عَبْدٌ، وَالْخَامِسُ حَرْبِيٌّ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا حَلَفَ لَيُخْبِرَنَّهُ بِشَيْءٍ رَأْسُهُ فِي عَذَابٍ، وَأَسْفَلُهُ فِي شَرَابٍ، وَأَوْسَطُهُ فِي طَعَامٍ، وَحَوْلَهُ سَلَاسِلُ وَأَغْلَالٌ، وَحَبَسَهُ فِي بَيْتٍ ضَيِّقٍ، فَهُوَ فَتِيلَةُ الْقِنْدِيلِ.
السَّادِسَةُ: إِذَا حَلَفَ أَنَّهُ يُحِبُّ الْفِتْنَةَ، وَيَكْرَهُ الْحَقَّ، وَيَشْهَدُ بِمَا لَمْ يَرَهُ وَهُوَ بَصِيرٌ، وَلَا يَخَافُ مِنَ اللَّهِ، وَلَا رَسُولِ اللَّهِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ عَدْلٌ - فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يُحِبُّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ، وَيَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَيَشْهَدُ بِالْغَيْبِ وَالْحِسَابِ، وَلَا يَخَافُ مِنَ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ الظُّلْمَ وَالْجَوْرَ.
السَّابِعَةُ: لَوْ سُئِلَ عَنْ طَعْمِ نَجْوِ الْآدَمِيِّ، قِيلَ: إِنَّهُ - أَوَّلًا - حُلْوٌ لِسُقُوطِ الذُّبَابِ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَامِضٌ لِأَنَّهُ يُدَوِّدُ، ثُمَّ مُرٌّ لِأَنَّهُ يَلْدَحُ.
(فَإِذَا أَكَلَا تَمْرًا، فَحَلَفَ: لَتُخْبِرَنِّي بِعَدَدِ مَا أَكَلْتَ، أَوْ لَتُمَيِّزَنَّ نَوَى مَا أَكَلْتَ، فَإِنَّهَا تُفْرَدُ كُلُّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا، وَتُعَدُّ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى عَدَدٍ يَتَحَقَّقُ دُخُولُ مَا أَكَلَ فِيهِ) وَلَا يَحْنَثُ إِذَا كَانَ نِيَّتَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ نَوَى الْإِخْبَارَ بِكَمِّيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا بِذَلِكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ تَنْبَنِي عَلَى الْمَقَاصِدِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حِيلَةً فَيَحْنَثُ.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ فِي فِيهَا تَمْرَةٌ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ أَكَلْتِهَا، أَوْ أَلْقَيْتِهَا، أَوْ أَمْسَكْتِهَا، فَأَكَلَتْ بَعْضَهَا، وَأَلْقَتْ بَعْضَهَا - انْبَنَى عَلَى فِعْلٍ بعض المحلوف عَلَيْهِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيَّةٍ فِي بَيْتِهِ، وَلَا تَدْخُلُهُ بَارِيَّةٌ، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ قَصَبًا وَيَنْسِجُهُ فِيهِ) وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا فِي الْبَيْتِ، وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ بَارِيَّةً، وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُ قَصَبًا. وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": وَإِنْ حَلَفَ لَا يُدْخِلُ بَيْتَهُ بَارِيَّةً، فَأَدْخَلَ قَصَبًا لِذَلِكَ، فَنُسِجَتْ فِيهِ - حَنِثَ، وَإِنْ طَرَأَ قَصْدُهُ وَالْقَصَبُ فِيهَا فَوَجْهَانِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَطْبُخَنَّ قِدْرًا بِرِطْلِ مِلْحٍ وَيَأْكُلُ مِنْهُ فَلَا يَجِدْ طَعْمَ الْمِلْحِ، فَإِنَّهُ يَسْلُقُ فِيهِ بَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ لِكَوْنِ أَنَّ الْمِلْحَ لَا يَدْخُلُ
стр. 2604
بَيْضًا وَتُفَّاحًا، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ مِنَ الْبَيْضِ نَاطِفًا، وَمِنَ التُّفَّاحِ شَرَابًا.
وَإِنْ كَانَ عَلَى سُلَّمٍ، فَحَلَفَ: لَا صَعِدْتُ إِلَيْكِ، وَلَا نَزَلْتُ إِلَى هَذِهِ، وَلَا أَقَمْتُ مَكَانِي سَاعَةً، فَلْتَنْزِلِ الْعُلْيَا، وَتَصْعَدِ السُّفْلَى، فَتَنْحَلَّ يَمِينُهُ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا أَقَمْتُ عَلَيْهِ، وَلَا نَزَلْتُ مِنْهُ، وَلَا صَعِدْتُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى سُلَّمٍ آخَرَ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا أَقَمْتُ فِي هَذَا الْمَاءِ، وَلَا خَرَجْتُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا نَوَى ذَلِكَ الْمَاءَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاقِفًا، حُمِلَ مِنْهُ مُكْرَهًا.
وَإِنِ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَةً، وَكَانَتْ لَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْبَيْضِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا وَلَا تُفَّاحًا، وَلَيَأْكُلَنَّ مِمَّا فِي هَذَا الْوِعَاءِ، فَوَجَدَهُ بَيْضًا وَتُفَّاحًا، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ مِنَ الْبَيْضِ نَاطِفًا، وَمِنَ التُّفَّاحِ شَرَابًا) وَيَأْكُلُ مِنْهُ بِغَيْرِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْضٍ وَلَا تُفَّاحٍ، وَقِيلَ: يَحْنَثُ مَعَ التَّعْيِينِ.
(وَإِنْ كَانَ عَلَى سُلَّمٍ، فَحَلَفَ: لَا صَعِدْتُ إِلَيْكِ، وَلَا نَزَلْتُ إِلَى هَذِهِ، وَلَا أَقَمْتُ مَكَانِي سَاعَةً، فَلْتَنْزِلِ الْعُلْيَا، وَتَصْعَدِ السُّفْلَى، فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ) ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ سَبَبٌ إِلَى عَدَمِ حِنْثِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ تَنْحَلُّ يَمِينُهُ، فَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ حِنْثُهُ مُمْكِنًا لِزَوَالِ الصُّورَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا.
(وَإِنْ حَلَفَ: لَا أَقَمْتُ عَلَيْهِ، وَلَا نَزَلْتُ مِنْهُ، وَلَا صَعِدْتُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى سُلَّمٍ آخَرَ) فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَزَلَ أَوْ صَعِدَ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ حَلَفَ: لَا أَقَمْتُ فِي هَذَا الْمَاءِ، وَلَا خَرَجْتُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا لَمْ يَحْنَثْ) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ جَرَى، وَصَارَ فِي غَيْرِهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، سَوَاءً أَقَامَ أَوْ خَرَجَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقِفُ فِي غَيْرِهِ أَوْ يَخْرُجُ مِنْهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ تَنْبَنِي عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى الْقَصْدِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ (إِذَا نَوَى ذَلِكَ الْمَاءَ بِعَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ بِعَيْنِهِ يَصْدُقُ أَنَّهُ مَا أَقَامَ فِيهِ وَلَا خَرَجَ مِنْهُ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ جَارِيًا، فَلَمْ تَحْصُلِ الْمُخَالَفَةُ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ وَاقِفًا، حُمِلَ مِنْهُ مُكْرَهًا) لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَيْهِ فِعْلٌ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ: لَا لَبِسْتِ أَنْتِ هَذَا الْقَمِيصَ، وَلَا وَطِئْتُكِ إِلَّا فِيهِ، فَلَبِسَتْهُ وَوَطِئَهَا - لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيُجَامِعَنَّ عَلَى رَأْسِ رُمْحٍ، فَنُقِبَ السَّقْفُ، وَأُخْرِجَ مِنْهُ رَأْسُ الرُّمْحِ يَسِيرًا، وَجَامَعَ عَلَيْهِ - بَرَّ فِي الْأَشْهَرِ.
(وَإِنِ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَةً، وَكَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِـ " مَا ": الَّذِي) أَيِ: الْمَوْصُولَةَ، أَوْ يَنْوِي غَيْرَ الْوَدِيعَةِ، أَوْ
стр. 2605
عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِـ " مَا ": الَّذِي، وَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ.
وَإِنْ حلفَ له: مَا فُلَانٌ هَاهُنَا، وَعَنَى مَوْضِعًا مُعَيَّنًا - بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ: لَا سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا، فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَتِهِ - لَمْ يَحْنَثْ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
غَيْرَ مَكَانِهَا، أَوْ يسْتَثْني بِقَلْبِهِ (وَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا حَلَفَ لَتَصْدُقِنِّي: هَلْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا أَمْ لَا؛ وَخَافَتْ أَنْ تَصْدُقَهُ، فَتَقُولُ: سَرَقْتُ مِنْكَ، مَا سَرَقْتُ مِنْكَ، وَتَعْنِي بِـ " مَا ": الَّذِي.
(وَإِنْ حَلَفَ لَهُ: مَا فُلَانٌ هَاهُنَا، وَعَنَى مَوْضِعًا مُعَيَّنًا - بَرَّ فِي يَمِينِهِ) لِصِدْقِهِ فِي ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا وَالْمَرْوَذِيُّ كَانَا عِنْدَ أَحْمَدَ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْمَرْوَذِيَّ، وَلَمْ يُرِدِ الْمَرْوَذِيُّ أَنْ يُكَلِّمَهُ، فَوَضَعَ مُهَنَّا إِصْبَعَهُ فِي كَفِّهِ، وَقَالَ: لَيْسَ الْمَرْوَذِيَّ هَاهُنَا، يُرِيدُ: لَيْسَ هُوَ فِي كَفِّهِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحْمَدُ.
(وَإِنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ: لَا سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا، فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَتِهِ - لَمْ يَحْنَثْ) ؛ لِأَنَّ الْخِيَانَةَ لَيْسَتْ بِسَرِقَةٍ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ) ذَلِكَ، فَيَحْنَثَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ أَنْ يُرَادَ بِهِ ذَلِكَ، وَقَدْ نَوَاهُ، فَوَجَبَ الْحِنْثُ ضَرُورَةَ الْمُخَالَفَةِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ: هَلْ رَأَيْتَ فُلَانًا أَوْ لَا؛ وَكَانَ قَدْ رَآهُ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِرَأَيْتَ: مَا ضَرَبْتُ رِئَتَهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَتِ امْرَأَتِي فِي السُّوقِ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِنْ كَانَ عَبْدِي فِي السُّوقِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَكَانَا فِي السُّوقِ - عُتِقَ الْعَبْدُ وَلَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّهُ عُتِقَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا عُتِقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِي السُّوقِ عَبْدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ إِنْ أَرَادَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ، بِنَاءً عَلَى مَنْ حَلَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ تَعَلَّقَ الْيَمِينُ بِعَيْنِهِ دُونَ صِفَتِهِ.
١ -
مَسَائِلُ: إِذَا حَلَفَ أَنَّهُ يَطَأُ فِي يَوْمٍ، وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلَا تَفُوتُهُ صَلَاةٌ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْفَجْرَ، وَالظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَيَطَأُ بَعْدَهَا، وَيَغْتَسِلُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَيُصَلِّي مَعَهُ.
إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ أَطَأْكِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ سَافَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ وَطِئَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي؛ لِأَنَّهَا حِيلَةٌ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: إِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، ثُمَّ احْتَالَ بِحِيلَةٍ فَصَارَ إِلَيْهَا، فَقَدْ صَارَ إِلَى ذَلِكَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَنْحَلُّ بِهِ الْيَمِينُ، وَيُبَاحُ بِهِ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ إِرَادَةَ حَلِّ الْيَمِينِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ.
стр. 2606
بَابٌ
الشَّكُّ فِي الطَّلَاقِ إِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا ؛ لَمْ تُطَلَّقْ،
وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا حَلَفَ فِي شَعْبَانَ: لَيُجَامِعَنَّ امْرَأَتَهُ فِي شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَدَخَلَ رَمَضَانَ، سَافَرَ بِهَا، فَإِنْ حَاضَتْ فَوَطِئَ فِيهِ، كَفَّرَ عَنْ كُلِّ وَطْءٍ فِي الْحَيْضِ كَفَّارَتَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَطَأُ، وَتُطَلَّقُ كَمَنْ حَلَفَ: لَيَسْقِيَنَّ وَلَدَهُ خَمْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ.
سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ: لَا يُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لِلسَّائِلِ: اذْهَبْ إِلَى بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَاسْأَلْهُ، ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ: إِذَا أَفْطَرَ أَهْلُكَ فَاقْعُدْ مَعَهُمْ وَلَا تُفْطِرْ، فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ فَكُلْ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: «هَلُمُّوا إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ» فَاسْتَحْسَنَهُ أَحْمَدُ ﵁.
[بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ]
[إِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا]
بَابٌ
الشَّكُّ فِي الطَّلَاقِ
الشَّكُّ فِي الِاصْطِلَاحِ: تَرَدُّدٌ عَلَى السَّوَاءِ، وَهُنَا مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ (إِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؛) أَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ شَرْطِهِ (لَمْ تُطَلَّقْ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ ﵇: «فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» فَأَمَرَهُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَاطِّرَاحِ الشَّكِّ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْوَرَعُ: إِلْزَامُ الطَّلَاقِ، وَعَنْ شَرِيكٍ: أَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي طَلَاقِهِ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا، لِتَكُونَ الرَّجْعَةُ عَنْ طَلْقَةٍ صَحِيحَةٍ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً فِي الْحُكْمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالرَّجْعَةِ مُمْكِنٌ مَعَ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى مَا تَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الْعِبَادَاتُ مِنَ النِّيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي طَلْقَتَيْنِ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً، لَصَارَ شَاكًّا فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، فَلَا تُفِيدُهُ الرَّجْعَةُ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ
стр. 2607
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا طَلَّقَ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَوْ ثَلَاثًا، لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ: لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً - مُنِعَ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتِ الَّتِي وَقَعَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حُكْمُهُ مَعَ شَرْطٍ عَدَمِيٍّ، نَحْوَ: لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا، أَوْ إِنْ لَمْ أَفْعَلْهُ الْيَوْمَ، فَمَضَى، وَشَكَّ فِي فِعْلِهِ - لَزِمَهُ الطَّلَاقُ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَتَمَامُ الْوَرَعِ فِي الشَّكِّ: قَطْعُهُ بِرَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَتَفْرِقَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ طُلِّقَتْ فَهِيَ طَالِقٌ.
[إِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطلاق]
(وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْيَقِينِ طَلَاقٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً - فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْمُطَلِّقِ دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ إِبَاحَةِ الرَّجْعَةِ وَحِلِّ الْوَطْءِ، وَإِذَا رَاجَعَ عَادَتْ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ بِعَدَدِ مَا طَلَّقَ فُلَانٌ زَوْجَتَهُ، وَجَهِلَ عَدَدَهُ، فَطَلْقَةً (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا طَلَّقَ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمْ ثَلَاثًا، لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَحْرُمُ عليه وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِلتَّحْرِيمِ، شَاكٌّ فِي التَّحْلِيلِ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا اسْتِنَادًا لِبَقَاءِ النِّكَاحِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ، وَلَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْهُ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ حَتَّى يَغْسِلَ مَا تَيَقَّنَ بِهِ طَهَارَتَهُ، فَكَذَا هُنَا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا تَيَقُّنُ الْأَصْلِ، وَالشَّكُّ فِيمَا بَعْدَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ: أَنَّهُ إِذَا رَاجَعَهَا حَلَّتْ لَهُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ مُزِيلَةٌ لِحُكْمِ الْمُتَيَقِّنِ مِنَ الطَّلَاقِ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ أَنْوَاعٌ: تَحْرِيمٌ تُزِيلُهُ الرَّجْعَةُ، وَتَحْرِيمٌ يُزِيلُهُ نِكَاحٌ جَدِيدٌ، وَتَحْرِيمٌ يُزِيلُهُ نِكَاحٌ بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، وَمَنْ تَيَقَّنَ الْأَدْنَى لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْأَعْلَى، كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْأَكبَرِ، وَيُخَالِفُ الثَّوْبَ، فَإِنَّ غَسْلَ بَعْضِهِ لَا يَرْفَعُ مَا تَيَقَّنَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ حُصُولَ التَّحْرِيمِ بِالطَّلَاقِ؛ لِكَوْنِ الرَّجْعَةِ مُبَاحَةً، فَلَمْ يَكُنِ التَّحْرِيمُ مُتَيَقَّنًا (وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً - مُنِعَ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتِ الَّتِي وَقَعَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ) إِذَا تَيَقَّنَ أَكْلَ التَّمْرَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهَا، فَلَا إِشْكَالَ فِي
стр. 2608
يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ.
وَ إِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ - يَنْوِي وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً - طُلِّقَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا شَيْئًا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَلَمْ يَدْرِ أَكَلَهَا أَوْ لَا، فَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، وَيَقِينُ النِّكَاحِ ثَابِتٌ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. فَعَلَى هَذَا حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقٍ إِلَّا فِي الْوَطْءِ، فَإِنَّ الْخِرَقِيَّ يَمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي حِلِّهَا، كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ كَسَائِرِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؛ فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ بِرُّهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ أَكَلَهَا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ أَوْ أَمَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ غَدًا، فَمَاتَتْ إِحْدَاهُنَّ قَبْلَ الْغَدِ - طُلِّقَتْ، وَعُتِقَتِ الْبَاقِيَةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا كَمَوْتِهِمَا، وَهَلْ تُطَلَّقُ إِذَنْ أَوْ مُنْذُ طَلَّقَ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
[إِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ]
(وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ - يَنْوِي وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً - طُلِّقَتْ وَحْدَهَا) ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَهَا بِنِيَّتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَيَّنَهَا بِلَفْظِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ فُلَانَةَ - قُبِلَ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَأَبُو ثَوْرٍ؛ وَلِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةُ فتدخله القرعة كَالْعِتْقِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ بِقُرْعَتِهِ ﵇ بَيْنَ الْعَبِيدِ السِّتَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَوَجَبَ تَعْيِينُهُ بِقُرْعَةٍ كَإِعْتَاقِ عَبِيدِهِ فِي مَرَضِهِ، وَكَالسَّفَرِ بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَكَالْمَنْسِيَّةِ، وَعَنْهُ: يُعَيِّنُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِيقَاعُهُ ابْتِدَاءً، وَيُعَيِّنُهُ، فَإِذَا أَوْقَعَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ - مَلَكَ تَعْيِينَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ مَا مَلَكَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: يُطَلَّقْنَ جَمِيعًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى وَاحِدَةٍ فَلَمْ تُطَلَّقِ الْجَمِيعُ كَمَا لَوْ عَيَّنَهَا.
فَرْعٌ: لَا يَطَأُ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ الْقُرْعَةِ أَوِ التَّعْيِينِ، وَهَلْ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا تَعْيِينٌ لِغَيْرِهَا؛ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَيْسَ تَعْيِينًا لِغَيْرِهَا، وَلَا يَقَعُ بِالتَّعْيِينِ، بَلْ يَتَبَيَّنُ وُقُوعُهُ فِي الْمَنْصُوصِ، فَإِنْ مَاتَ أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ، فَمَنْ قُرِعَتْ لَمْ تُوَرَّثْ - نَصَّ عَلَيْهِ.
стр. 2609
بِعَيْنِهَا وَأُنْسِيَهَا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ الَّتِي خَرَجَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ - رُدَّتْ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ، أَوْ تَكُونُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ: تُطَلَّقُ الْمَرْأَتَانِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، أَوْ أَمَتِي حُرَّةٌ، وَنَوَى مُعَيَّنَةً - انْصَرَفَ إِلَيْهَا، وَإِنْ نَوَى مُبْهَمَةً فَهِيَ مُبْهَمَةٌ فِيهِنَّ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَالْمَذْهَبُ: تُطَلَّقُ نِسَاؤُهُ، وَتُعْتَقُ إِمَاؤُهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُضَافَ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] وَقَالَ الْجَمَاعَةُ: يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ مُبْهَمَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا مَجَازًا، وَلَوِ احْتُمِلَ وَجَبَ صَرْفُهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَذَا أَصَحُّ.
(وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا وَأُنْسِيَهَا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) أَيْ: ذَهَبَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَأُنْسِيَهَا أَنَّهَا تُخْرَجُ بِالْقُرْعَةِ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ النِّسْيَانِ لَا تُعْلَمُ الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُمَا، فَوَجَبَ أَنْ تُشْرَعَ الْقُرْعَةُ فِيهَا، وَحِينَئِذٍ تَجِبُ النَّفَقَةُ حَتَّى يُقْرِعَ، وَقَدْ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ هُنَا لِمَعْرِفَةِ الْحِلِّ، وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِبَيَانِ الْمِيرَاثِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا يَنْبَغِي أَنْ يُثْبَتَ الْحِلُّ بِالْقُرْعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَالْكَلَامُ إِذًا فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي اسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ فِي الْمَنْسِيَّةِ فِي التَّوْرِيثِ، الثَّانِي: اسْتِعْمَالُهَا فِي الْحِلِّ، فَالْأَوَّلُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ إِذَا تَسَاوَتْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ إِلَّا بِالْقُرْعَةِ - صَحَّ، كَالشُّرَكَاءِ فِي الْقِسْمَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهَا؛ لِأَنَّهَا اشْتَبَهَتْ زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، فَلَمْ تَحِلَّ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ (وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ الَّتِي خَرَجَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ - رُدَّتْ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهَا غَيْرُ مُطَلَّقَةٍ، وَالْقُرْعَةُ لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ وَلَا كِنَايَةٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ تَزَوَّجَتْ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الزَّوْجِ الثَّانِي (أَوْ تَكُونُ) الْقُرْعَةُ (بِحُكْمِ حَاكِمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ؛ لِأَنَّ قُرْعَةَ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا حُكْمٌ بِالتَّفْرِيقِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ رَفْعُ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ،
стр. 2610
مَدْخَلَ لَهَا هَاهُنَا، وَتَحْرُمَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا، كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ.
وَإِنْ طَارَ طَائِرٌ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، فَهِيَ كَالْمَنْسِيَّةِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ حَمَامًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ -
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ تَأْثِيرًا فِي التَّحْرِيمِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ) وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ": (تُطَلَّقُ الْمَرْأَتَانِ) أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فَحَقِيقَةٌ، وَأَمَّا الَّتِي خَرَجَتْ بِالْقُرْعَةِ فَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا وَقَعَ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ؛ وَلِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَتَرِثُهُ إِنْ مَاتَ وَلَا يَرِثُهَا، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَالْأَوْلَى بِالْقُرْعَةِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " عَلَى قَوْلِهِمَا: إِنْ مَاتَ قَبْلَهَا أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ، فَمَنْ قُرِعَتْ لَمْ تَرِثْ، وَإِنْ مَاتَتَا، أَوْ إِحْدَاهُمَا قَبْلَهُ، فَمَنْ قُرِعَتْ لَمْ يَرِثْهَا مَعَ طَلَاقٍ بَائِنٍ (وَالصَّحِيحُ) عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ، وَهُوَ رِوَايَةُ (أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا هَاهُنَا) أَيْ: فِي الْمُعَيَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا (وَتَحْرُمَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا، كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ) ؛ وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُزِيلُ حُكْمَ الْمُطَلَّقَةِ، وَلَا تَرْفَعُ الطَّلَاقَ عَمَّنْ وَقَعَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوِ ارْتَفَعَ لَمَا عَادَ إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً لَا بِعَيْنِهَا، أَوْ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا، فَانْقَضَتْ عِدَّةُ الْجَمِيعِ، فَلَهُ نِكَاحُ خَامِسَةٍ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَمَتَى عَلِمْنَاهَا بِعَيْنِهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ حِينِ طَلَّقَهَا، وَقِيلَ: مِنْ حِينِ التَّعْيِينِ، فَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ التَّعْيِينِ، فَعَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ الْأَطْوَلُ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ.
(وَإِنْ طَارَ طَائِرٌ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ) وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَهُ (فَهِيَ كَالْمَنْسِيَّةِ) ؛ لِأَنَّ الطَّائِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَنْ وُجِدَ شَرْطُ طَلَاقِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهَا، لَكِنْ لَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَالَ آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَعْلَمَاهُ - لَمْ تُطَلَّقَا، وَحَرُمَ عَلَيْهِمَا الْوَطْءُ، إِلَّا مَعَ اعْتِقَادِ أَحَدِهِمَا خَطَأَ الْآخَرِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ حَمَامًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ - لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُهُمَا، فَلَا يَزُولُ يَقِينُ النِّكَاحِ بِالشَّكِّ فِي الْحِنْثِ، فَإِنِ ادَّعَتْ حِنْثَهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَالْيَقِينُ فِي جَانِبِهِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَقَالَ
стр. 2611
لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَقَالَ آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَلَمْ يَعْلَمَاهُ، لَمْ يُعْتَقْ عَبْدُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا عَبْدَ الْآخَرِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَقُ الَّذِي اشْتَرَاهُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَلَمْ يَعْلَمَاهُ، لَمْ يُعْتَقْ عَبْدٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْعَبْدَانِ لِوَاحِدٍ؛ وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ زَوَالُ رِقِّهِ عَنْ أَحَدِهِمَا فَلِذَلِكَ شُرِعَتِ الْقُرْعَةُ.
(وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا عَبْدَ الْآخَرِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْعَبْدَيْنِ صَارَا لَهُ، وَقَدْ عُلِمَ عِتْقُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، فَيُعْتَقُ لِقُرْعَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقَرَّ أَنَّ الْحَانِثَ صَاحِبُهُ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ.
(وَقَالَ الْقَاضِي) وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (يَعْتِقُ الَّذِي اشْتَرَاهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ حِنْثَ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي حِنْثَ رَفِيقِهِ فِي الْحَلِفِ، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِحُرِّيَّتِهِ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ وَجَبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، وَلَمْ يُفَرِّقِ الْمُؤَلِّفُ بَيْنَ مَا إِذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ حِنْثَ نَفْسِهِ، وَبَيْنَ شِرَائِهِ قَبْلَ أَنْ يُنْكِرَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُغْنِي "، وَقَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُعْتَقُ إِذَا تَكَاذَبَا، وَإِلَّا أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَوَلَاءُ الْمَبِيعِ إِنْ عُتِقَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَقِيلَ: لِلْمُشْتَرِي.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ الْحَالِفُ وَاحِدًا، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَأَمَتِي حُرَّةٌ - عُتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الَّذِي عُتِقَ، أَوِ ادَّعَى ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا - قُبِلَ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِذَا قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَنِسَاؤُهُ طَوَالِقُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَبِيدُهُ أَحْرَارٌ، وَجَهِلَ، أَقْرَعَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْكُلِّ قَبْلَهَا، فَإِنِ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ عُتِقَ، قُبِلَ قَوْلُ السَّيِّدِ، وَفِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: يُسْتَحْلَفُ، فَنَكَلَ، قَضَى عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ غُرَابًا أَوْ غَيْرَ غُرَابٍ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ، أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ، وَقِيلَ: لَهُمُ التَّعْيِينُ.
стр. 2612
وَ إِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ ، أَوْ سَلْمَى طَالِقٌ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ سَلْمَى - طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَجْنَبِيَّةَ لَمْ تُطَلَّقِ امْرَأَتُهُ، وَإِنِ ادَّعَى ذَلِكَ، دِينَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ نَادَى امْرَأَتَهُ، فَأَجَابَتْهُ امْرَأَةٌ لَهُ أُخْرَى، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ - يَظُنُّهَا الْمُنَادَاةَ - طُلِّقَتَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى: تُطَلَّقُ الَّتِي نَادَاهَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: إِذَا زَوَّجَ بِنْتًا مِنْ ثَلَاثٍ، ثُمَّ مَاتَ، وَجُهِلَتْ، حُرِّمْنَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَحَنْبَلٌ: تُخْرَجُ بِقُرْعَةٍ، قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَا يَجِيءُ إِذَا اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ مَا لَوِ اخْتَلَطَ مِلْكُهُ بِمِلْكٍ لِأَجْنَبِيٍّ مَا لَوِ اخْتَلَطَ مِلْكُهُ بِمِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَطَ عَبْدُهُ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَمْ يُقْرَعْ.
[إِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ]
(وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، أَوْ سَلْمَى طَالِقٌ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ سَلْمَى - طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ كَلَامِ الْمُكَلَّفِ دُونَ إِلْغَائِهِ، فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى إِحْدَى امْرَأَتَيْنِ، وَإِحْدَاهُمَا زَوْجَتُهُ، أَوْ إِلَى اسْمٍ وَزَوْجَتُهُ مُسَمَّاةٌ بِذَلِكَ، وَجَبَ صَرْفُهُ إِلَى امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصْرَفْ إِلَيْهَا لَوَقَعَ لَغْوًا (فَإِنْ أَرَادَ الْأَجْنَبِيَّةَ لَمْ تُطَلَّقِ امْرَأَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَاقِهَا، وَلَا لَفَظَ بِمَا يَقْتَضِيهِ، وَلَا نَوَاهُ، فَوَجَبَ بَقَاءُ نِكَاحِهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (وَإِنِ ادَّعَى ذَلِكَ، دِينَ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ غَيْرَ زَوْجَتِهِ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِمَا قُلْنَا، وَعَلَى الْأُولَى إِذَا كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إِرَادَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، مِثْلَ أَنْ يَدْفَعَ بِيَمِينِهِ ظُلْمًا، أَوْ يَتَخَلَّصَ بِهَا مِنْ مَكْرُوهٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ فِيمَنْ لَهُ امْرَأَتَانِ اسْمُهُمَا وَاحِدٌ، مَاتَتْ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَ: فُلَانَةٌ طَالِقٌ - يَنْوِي الْمَيِّتَةَ - فَقَالَ: الْمَيِّتَةُ تُطَلَّقُ! . كَأَنَّ أَحْمَدَ أَرَادَ لَا يُصَدَّقُ حُكْمًا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " خِلَافٌ فِي قَوْلِهِ لَهَا وَلِرَجُلٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ زَوْجَتَهُ وَلَا الْأَجْنَبِيَّةَ، طُلِّقَتْ زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ.
(وَإِنْ نَادَى امْرَأَتَهُ، فَأَجَابَتْهُ امْرَأَةٌ لَهُ أُخْرَى، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ - يَظُنُّهَا الْمُنَادَاةَ - طُلِّقَتَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهَا خَاطَبَهَا بِالطَّلَاقِ، فَطُلِّقَتْ كَمَا لَوْ قَصَدَهَا (وَالْأُخْرَى: تُطَلَّقُ الَّتِي نَادَاهَا) فَقَطْ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ
стр. 2613
وَإِنْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا غَيْرُهَا، وَأَرَدْتُ طَلَاقَ الْمُنَادَاةِ، طُلِّقَتَا مَعًا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ طَلَاقَ الثَّانِيَةِ - طُلِّقَتْ وَحْدَهَا. وَإِنْ لَقِيَ أَجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فُلَانَةُ، أَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَدْ تَعَلَّقَ بِخِطَابِهِ الْمُنَادَاةَ، وَلَيْسَتِ الْأُخْرَى مُنَادَاةً؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا بِالطَّلَاقِ فَلَمْ تُطَلَّقْ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: طَاهِرٌ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ.
(وَإِنْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا غَيْرُهَا، وَأَرَدْتُ طَلَاقَ الْمُنَادَاةِ، طُلِّقَتَا مَعًا) فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمُنَادَاةَ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا لَفْظُ الطَّلَاقِ وَنِيَّتُهُ، وَالْمُجِيبَةُ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا بِخِطَابِهَا بِالطَّلَاقِ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ طَلَاقَ الثَّانِيَةِ - طُلِّقَتْ وَحْدَهَا) ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِالطَّلَاقِ، وَنَوَاهَا بِهِ، وَلَا تُطَلَّقُ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ إِلَيْهَا، وَلَا هِيَ مَنْوِيَّةٌ.
(وَإِنْ لَقِيَ أَجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فُلَانَةُ، أَنْتِ طَالِقٌ) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تُطَلَّقُ إِذَا سَمَّى زَوْجَتَهُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَقَعُ لِقَوْلِهِ: (طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ زَوْجَتَهُ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَأَرَدْتُ طَلَاقَ زَوْجَتِي، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهَا بِالطَّلَاقِ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَإِنْ لَقِيَ امْرَأَتَهُ ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَهَلْ تُطَلَّقُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ هُمَا أَصْلُ الْمَسَائِلِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَكَذَا الْعِتْقُ. قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ قَالَ: يَا غُلَامُ أَنْتَ حُرٌّ -: يُعْتَقُ عَبْدُهُ الَّذِي نَوَى، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": أَوْ نَسِيَ أَنَّ لَهُ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً فَبَانَ لَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا لَقِيَ امْرَأَتَهُ - يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً - فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: تَنَحِّي يَا مُطَلَّقَةُ، أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ - يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً -: تَنَحِّي يَا حُرَّةُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ وَلَا طَلَاقٌ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُمَا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِمَا شَيْءٌ كَسَبْقِ اللِّسَانِ، وَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُمَا يَقَعَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَقَعَ الْعِتْقُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ مُخَاطَبَةُ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا بِقَوْلِهِ: يَا حُرَّةُ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهَا تُطَلَّقُ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا أَوْقَعَ كَلِمَةً وَجَهِلَهَا، هَلْ هِيَ طَلَاقٌ أَوْ ظِهَارٌ؛ فَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؛
стр. 2614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهَا تَخْرُجُ الْمُطَلَّقَةُ بِهَا، فَكَذَا أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ، وَقِيلَ: لَغْوٌ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُنُونِ " كَمَنِيٍّ فِي ثَوْبٍ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا، ثُمَّ جَهِلَهَا، يُرِيدُ أَنَّهُ لَغْوٌ، فِي قَوْلِ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ قَالَ لَهُ: حَلَفْتُ بِيَمِينٍ لَا أَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ هِيَ، قَالَ: لَيْتَ أَنَّكَ إِذَا دَرَيْتَ دَرَيْتُ أَنَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
стр. 2615
كِتَابُ الرَّجْعَةِ إِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ امْرَأَتَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَالْعَبْدُ وَاحِدَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ -
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الرَّجْعَةِ] [تَعْرِيفُ الرجعة وَحُكْمُهَا]
ِ الرَّجْعَةُ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْكَسْرُ أَكْثَرُ، وَهِيَ لُغَةٌ: الْمَرَّةُ مِنَ الرُّجُوعِ، وَشَرْعًا: عِبَارَةٌ عَنْ إِعَادَةِ مُطَلَّقَةٍ غَيْرِ بَائِنٍ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ. وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] أَيْ: رَجْعَةً، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْعُلَمَاءُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فَخَاطَبَ الْأَزْوَاجَ بِالْأَمْرِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُنَّ اخْتِيَارًا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَطَلَّقَ ﵇ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁.
(إِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ امْرَأَتَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَالْعَبْدُ وَاحِدَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ - فَلَهُ رَجْعَتُهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِذَا فُقِدَ
стр. 2616
فَلَهُ رَجْعَتُهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ.
وَ أَلْفَاظُ الرَّجْعَةِ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِي، أَوْ رَجَّعْتُهَا، أَوِ ارْتَجَعْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا، أَوْ أَمْسَكْتُهَا، فَإِنْ قَالَ: نَكَحْتُهَا، أَوْ تَزَوَّجْتُهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا الْإِشْهَادُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَيْدٌ مِنْهَا لَمْ يَمْلِكِ الرَّجْعَةَ، فَالْأَوَّلُ يَحْتَرِزُ عَنْ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا رَجْعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، فَلَا تَرَبُّصَ فِي حَقِّهَا بِرَجْعَتِهَا فِيهِ، وَبِالثَّانِي عَنِ الْمُطَلَّقَةِ تَمَامَ الْعَدَدِ، وَبِالثَّالِثِ عَنِ الْخُلْعِ وَنَحْوِهِ، وَبِالرَّابِعِ عَنِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْخُلْوَةَ هُنَا كَالدُّخُولِ، وَقِيلَ: لَا رَجْعَةَ لِمَنْ خَلَا بِهَا وَلَمْ يَطَأْ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ (رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ) لِعُمُومِ الْمَنْصُوصِ؛ وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ إِمْسَاكٌ لِلْمَرْأَةِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا فِي ذَلِكَ، كَالَّذِي فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ، وَلَوْ بِلَا إِذَنِ سَيِّدٍ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مَرِيضًا مُسَافِرًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُمَكَّنُ مِنَ الرَّجْعَةِ إِلَّا مَنْ أَرَادَ إِصْلَاحًا، وَأَمْسَكَ بِمَعْرُوفِ، وَظَاهِرُهُ: لِلْحُرِّ رَجْعَةُ أَمَةٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَشَرْطُ الْمُرْتَجِعِ: أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِالْأَهْلِيَّةِ الْمُرْتَدُّ، وَبِنَفْسِهِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، وَلَوْ طَلَّقَ فَجُنَّ، فَلِوَلِيِّهِ الرَّجْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ، فَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ بَعْضَ الْوَلَدِ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَضَعْ جَمِيعَ حَمْلِهَا، فَإِذَا كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِي فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ.
[أَلْفَاظُ الرَّجْعَةِ]
(وَأَلْفَاظُ الرَّجْعَةِ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِي، أَوْ رَجَّعْتُهَا، أَوِ ارْتَجَعْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا، أَوْ أَمْسَكْتُهَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وَالرَّجْعَةُ وَرَدَ بِهَا السُّنَّةُ، وَاشْتَهَرَتْ فِي الْعُرْفِ كَاشْتِهَارِ اسْمِ الطَّلَاقِ فِيهِ، وَقِيلَ: الصَّرِيحُ لَفْظُهَا؛ لِاشْتِهَارِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِنَا فِي صَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " تَخْرِيجًا، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ أَلْفَاظَهَا الصَّرِيحَةَ ثَلَاثَةً: أَمْسَكْتُكِ، وَرَاجَعْتُكِ، وَارْتَجَعْتُكِ (فَإِنْ قَالَ: نَكَحْتُهَا، أَوْ تَزَوَّجْتُهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِي " الْإِيضَاحِ " رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا تَحْصُلُ بِذَلِكَ، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ، وَالرَّجْعَةُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فَلَا تَحْصُلُ بِالْكِنَايَةِ كَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: بَلَى، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ تُبَاحُ بِهِ،
стр. 2617
وَالرَّجْعِيَّةُ: زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، وَالظِّهَارُ، وَالْإِيلَاءُ، وَيُبَاحُ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَالرَّجْعِيَّةُ أَوْلَى، وَعَلَى هَذَا يُحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الرَّجْعَةَ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ "، و" التَّبْصِرَةِ "، و" الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ مَا كَانَ كِنَايَةً تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " هَلْ يَحْصُلُ بِكِنَايَةِ: أَعَدْتُكِ، أَوِ اسْتَدَمْتُكِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَحْصُلُ بِكِنَايَةِ رَجْعَةٍ.
[الْإِشْهَادُ فِيهَا]
(وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا الْإِشْهَادُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ، قَدَّمَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بِضْعٍ مَقْصُودٍ، فَوَجَبَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ كَالنِّكَاحِ، فَلَوِ ارْتَجَعَ بِغَيْرِ إِشْهَادٍ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَشْهَدَ، وَأَوْصَى الشُّهُودَ بِكِتْمَانِهَا، فَالرَّجْعَةُ بَاطِلَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَخْرُجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي التَّوَاصِي بِكِتْمَانِ النِّكَاحِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَرَجَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولٍ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى شَهَادَةٍ كَسَائِرِ حُقُوقِ الزَّوْجِ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِشْهَادُ كَالْبَيْعِ، وَإِذا يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِشْهَادَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا عِنْدَهَا حِذَارًا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمَا قِيلَ: إِنَّهَا اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، إِذِ الرَّجْعَةُ مُبَاحَةٌ، وَجَعَلَ الْمَجْدُ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَحْصُلُ بِالْوَطْءِ، فَلَا يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ كَالْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " يُطْلِقُونَ الْخِلَافَ، وَأَلْزَمَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِإِعْلَانِ الرَّجْعَةِ وَالتَّسْرِيحِ، أَوِ الْإِشْهَادِ، كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ عِنْدَهُ، لَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْفِرْقَةِ، وَلِئَلَّا يُكْتَمَ طَلَاقُهَا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَقُولَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّي قَدْ رَاجَعْتُ زَوْجَتِي إِلَى نِكَاحِي، أَوْ رَاجَعْتُهَا لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقِي.
[بِمَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ]
(وَالرَّجْعِيَّةُ: زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، وَالظِّهَارُ، وَالْإِيلَاءُ) وَيَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إِنْ
стр. 2618
وَالْخُلْوَةُ بِهَا، وَالسَّفَرُ بِهَا، وَلَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ وَتَتَشَرَّفَ لَهُ، وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا - نَوَى الرَّجْعَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَلَا تَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهَا، وَالنَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا، وَالْخُلْوَةِ بِهَا لِشَهْوَةٍ - نَصَّ عَلَيْهِ، وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَعَنْهُ: لَيْسَتْ مُبَاحَةً،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَاتَ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهَا، فَإِنْ خَالَعَهَا صَحَّ خُلْعُهُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ حَكَاهَا فِي " التَّرْغِيبِ ": لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّحْرِيمِ وهي محرمة، وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا، فَصَحَّ خُلْعُهَا كَمَا قُبِلَ الطَّلَاقُ، وَلَيْسَ مَقْصُودُ الْخُلْعِ التَّحْرِيمُ، بَلِ الْخَلَاصُ مِنْ ضَرَرِ الزَّوْجِ، عَلَى أَنَّنَا نَمْنَعُ كَوْنَهُ مَحْرَمَةً، وَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ كَالزَّوْجَةِ.
(وَيُبَاحُ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا، وَالْخُلْوَةُ، وَالسَّفَرُ بِهَا، وَلَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ وَتَتَشَرَّفَ لَهُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا تَحْتَجِبْ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: تَتَشَرَّفُ لَهُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ كَمَا قَبْلَ الطَّلَاقُ (وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا - نَوَى الرَّجْعَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، وَقَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ زَوَالِ الْمِلْكِ، انْعَقَدَ مَعَ الْخِيَارِ، وَالْوَطْءُ مِنَ الْمَالِكِ يُمْنَعُ زَوَالُهُ كَوَطْءِ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَكَمَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّوْكِيلُ فِي طَلَاقِهَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَكُونُ رَجْعَةٌ إِذَا أَرَادَ بِهِ الرَّجْعَةَ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ (وَلَا تَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهَا، وَالنَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا، وَالْخُلْوَةِ بِهَا لِشَهْوَةٍ - نَصَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْوَطْءِ، إِذِ الْوَطْءُ يَدُلُّ عَلَى ارْتِجَاعِهَا دَلَالَةً ظَاهِرَةً بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَحْرُمُ مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَالْحِلُّ مِنَ الزَّوْجَةِ، فَحَصَلَتْ بِهِ الرَّجْعَةُ كَالِاسْتِمْتَاعِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ خِيَارَ الْمُشْتَرِي لِلْأَمَةِ، وَكَاللَّمْسِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ (وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَيْنِ) مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِهِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ رَجْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يُبَاحُ بِالزَّوْجَةِ، فَحَصَلَتِ الرَّجْعَةُ بِهِ كَالْوَطْءِ، وَالثَّانِي: لَيْسَ بِرَجْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِيجَابُ عِدَّةٍ
стр. 2619
وَلَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا، وَإِنْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ فَلَهَا الْمَهْرُ إِنْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا بَعْدَهُ.
وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِشَرْطٍ ، وَلَا الِارْتِجَاعُ فِي الرِّدَّةِ،
وَإِنْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَالْأَمَةُ مِنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَلَمَّا تَغْتَسِلْ - فَهَلْ لَهُ رَجْعَتُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَا مَهْرٍ، فَلَا تَحْصُلُ بِهِ كَالْوَطْءِ (وَعَنْهُ: لَيْسَتْ مُبَاحَةً) ؛ لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ، فَوَجَبَ عَدَمُ إِبَاحَتِهَا كَالْمُطَلَّقَةِ بِعِوَضٍ (وَلَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا) بَلْ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ فِيهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ مِنَ الْقَادِرِ بِغَيْرِ قَوْلٍ كَالنِّكَاحِ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْقَوْلِ فِعْلٌ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْقَوْلِ، فَلَمْ تَحْصُلِ الرَّجْعَةُ بِهِ، كَالْإِشَارَةِ مِنَ النَّاطِقِ، فَعَلَيْهَا لَا مَهْرَ لَهَا (وَإِنْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ فَلَهَا الْمَهْرُ) ؛ لِأَنَّ وَطْأَهَا حَرَّمَهُ الطَّلَاقُ، فَأَوْجَبَ الْمَهْرُ كَوَطْءِ الْبَائِنِ (إِنْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا بَعْدَهُ) وَقَالَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا بَعْدَهُ تَبَيَّنَّا أَنَّ الطَّلَاقَ السَّابِقَ لَمْ يَكُنْ مُفْضِيًا إِلَى الْبَيْنُونَةِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَكُونَ مُحَرَّمًا، فَلَا يَكُونُ مُوجَبًا، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا مُهْرَ بِوَطْئِهَا، فَلَزِمَهُ، سَوَاءٌ رَجَعَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَتَهُ الَّتِي يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ مَهْرُهَا كَالزَّوْجَاتِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِظُهُورِ الْفَرْقِ، فَإِنَّ الْبَائِنَ لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ، وَهَذِهِ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ.
فَرْعٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَطْءِ، وَهَلْ يُعَزَّرُ؛ فِيهِ خِلَافٌ.
[تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِشَرْطٍ]
(وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِشَرْطٍ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ، أَشْبَهَ النِّكَاحَ، فَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ فَقَدْ رَاجَعْتُكِ، أَوْ رَاجَعْتُكِ إِنْ شِئْتُ، أَوْ إِنْ قَدِمَ أَبُوكِ - لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: كُلَّمَا رَاجَعْتُكِ فَقَدْ طَلَّقْتُكِ - صَحَّ وَطُلِّقَتْ (وَلَا الِارْتِجَاعُ فِي الرِّدَّةِ) أَيْ: إِذَا رَاجَعَ فِي الرِّدَّةِ مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ، كَالنِّكَاحِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ قُلْنَا: تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ؛ فَالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ إِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا - صَحَّتِ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا يَقِفُ الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَكَذَا إِذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ إِسْلَامِ أَحَدِهِمَا.
[إِنْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَلَمَّا تَغْتَسِلْ]
(وَإِنْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَالْأَمَةُ مِنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَلَمَّا تَغْتَسِلْ، فَهَلْ لَهُ
стр. 2620
وَ إِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلَمْ يَرْتَجِعْهَا ، بَانَتْ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَتَعُودُ إِلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ طَلَاقِهَا، سَوَاءً رجعت بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ غَيْرِهِ، أَوْ قَبْلَهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَجْعَتُهَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ، إِحْدَاهُمَا: لَا تَنْقَضِي حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَلِزَوْجِهَا رَجْعَتُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، قَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ، وَهِيَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَقَالَهُ شَرِيكٌ، وَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ - فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الْحَيْضِ لَا تَزُولُ إِلَّا بِالْغَسْلِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا تَنْقَضِي بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ، اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَالْحُلْوَانِيُّ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهِيَ أَوْلَى، وَفِي " الْوَجِيزِ ": وَالصَّحِيحُ: مَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَالْقُرْءُ: الْحَيْضُ، وَقَدْ زَالَتْ، فَيَزُولُ التَّرَبُّصُ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ: حَتَّى تَغْتَسِلَ أَيْ: يَلْزَمُهَا الْغَسْلُ؛ وَلِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ يَتَعَلَّقُ بِبَيْنُونَتِهَا مِنَ الزَّوْجِ، وَحَلِّهَا لِغَيْرِهِ، فَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ تَعْلِيقِ الزَّوْجِ، كَالطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا بَعْدَ وَضْعِهِ وَقَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ النِّفَاسِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَهُ رَجْعَتُهَا عَلَى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَالصَّحِيحُ لَا نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ طَهُرَتْ مِنَ النِّفَاسِ أَمْ لَا.
[إِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ يَرْتَجِعْهَا]
(وَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلَمْ يَرْتَجِعْهَا، بَانَتْ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) بِشُرُوطِهِ بِالْإِجْمَاعِ (وَتَعُودُ إِلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ طَلَاقِهَا، سَوَاءٌ رجعت بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ غَيْرِهِ، أَوْ قَبْلَهُ) وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ زَوْجٍ ثَانٍ فَإِنَّهَا تَعُودُ إِلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، وَإِنْ عَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، وَكَانَ الْأَوَّلَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا - عَادَتْ إِلَيْهِ بِطَلَاقٍ ثَلَاثًا إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ، فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهَا تَعُودُ إِلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعِمْرَانَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَّا فِي الْإِحْلَالِ لِلْأَوَّلِ، فَلَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الطَّلَاقِ كَوَطْءِ السَّيِّدِ، وَكَمَا لَوْ عَادَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ نِكَاحٍ
стр. 2621
وَعَنْهُ: إِنْ رَجَعَتْ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ غَيْرِهِ رَجَعَتْ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ،
وَ إِنِ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ ، فَاعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا - رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَعَنْهُ: أَنَّهَا زَوْجَةُ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِرَجْعَتِهَا لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ لَكِنْ إِنْ صَدَّقَهُ الزَّوْجُ الثَّانِي بَانَتْ مِنْهُ، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
آخَرَ.
(وَعَنْهُ: إِنْ رَجَعَتْ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيْرِهِ رَجَعَتْ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ) وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الثَّانِي يَهْدِمُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ، فَأَوْلَى أَنْ يَهْدِمَ مَا دُونَهَا؛ وَلِأَنَّ وَطْءَ الثَّانِي سَبَبٌ لِلْحِلِّ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحِلُّ؛ لِأَنَّهُ فِي الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ غَايَةٌ لِلتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مُحَلِّلًا تَجَوُّزًا؛ وَلِأَنَّ الْحِلَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي مَحَلٍّ فِيهِ تَحْرِيمٌ، وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا، وَهَاهُنَا هِيَ حَلَالٌ لَهُ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا حِلٌّ.
[إِنِ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ]
(وَإِنِ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، فَاعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا - رُدَّتْ إِلَيْهِ) وَحَاصِلُهُ: أَنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إِذَا رَاجَعَهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، صَحَّتِ الْمُرَاجَعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى رِضَاهَا، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى عِلْمِهَا كَطَلَاقِهَا، فَإِذَا رَاجَعَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ جَاءَ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَأنَّ نِكَاحَ الثَّانِي فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ غَيْرِهِ، وَتُرَدُّ إِلَى الْأَوَّلِ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّهَا رَجْعَةٌ صَحِيحَةٌ، وَتَزَوَّجَتْ وَهِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا (وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) مِنَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وُطِئَتْ فِي أَصْلِ نِكَاحِهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا زَوْجَةُ الثَّانِي) إِنْ دَخَلَ بِهَا، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقَدَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الظَّاهِرِ، وَمَعَ الثَّانِي مِزْيَةٌ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلِ الثَّانِي بِهَا فَلَا مَهْرَ، وَإِنْ دَخَلَ فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَإِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِالرَّجْعَةِ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَحُكْمُ الْعَالِمِ كَالزَّانِي فِي الْحَدِّ وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِرَجْعَتِهَا لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمُ» الْخَبَرَ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، فَإِذَا اعْتَرَفَا لَهُ بِهَا كَانَ كَإِقَامَةِ
стр. 2622
الْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ تَصْدِيقُهَا، وَمَتَى بَانَتْ مِنْهُ، عَادَتْ إِلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ عَقْدٍ جَدِيدٍ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْبَيِّنَةِ بِهَا فِي أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَيْهِ (لَكِنْ إِنْ صَدَّقَهُ الزَّوْجُ الثَّانِي بَانَتْ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ، فَتَبِينُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، أَوْ نِصْفُهُ، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ الثَّانِي لَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ فِي حَقِّهِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَفِي الْيَمِينِ وَجْهَانِ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّهَا لَا تُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ لَمْ يُقْبَلْ.
(وَإِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ تَصْدِيقُهَا) عَلَى الزَّوْجِ إِذَا أَنْكَرَ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهَا فِي حَقِّهَا، وَلَا يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ الثَّانِي فِي وَجْهٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى فِي النِّكَاحِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيُّ؛ لِلْعُمُومِ، وَعَلَى هَذَا يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ (وَمَتَى بَانَتْ مِنْهُ) بِمَوْتٍ، أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ فَسْخٍ (عَادَتْ إِلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ عَقْدٍ جَدِيدٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ رَدِّهَا إِنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الثَّانِي، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهَا مَهْرُ الْأَوَّلِ إِنْ صَدَّقَتْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": إِنْ صَدَّقَتْهُ لَمْ يُقْبَلْ، إِلَّا أَنَّهُ يُحَالُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ عَلَيْهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ أَنَّهَا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَشْبَهَ شُهُودَ الطَّلَاقِ إِذَا رَجَعُوا، وَلَنَا أَنَّ مِلْكَهَا قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَى الْمَهْرِ، فَلَمْ يُرْجَعْ بِهِ عَلَيْهَا كَمَا لَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ أَسْلَمَتْ، وَيَلْزَمُهَا الثَّانِي مَهْرُهَا أَوْ نِصْفُهُ، وَهَلْ يُؤْمَرُ بِطَلَاقِهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ، وَهِيَ فِي نِكَاحِ الثَّانِي - وَرِثَتْهُ؛ لِإِقْرَارِهِ بِزَوْجِيَّتِهَا وَتَصْدِيقِهَا لَهُ، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي إِبْطَالِ نِكَاحِهِ، وَإِنْ مَاتَ الثَّانِي لَمْ تَرِثْهُ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ صِحَّةَ نِكَاحِهِ، فَتُنْكِرُ مِيرَاثَهُ، وَإِنْ مَاتَتْ وَرِثَهَا؛ لِأَنَّهُ زَوْجُهَا فِي الْحُكْمِ، مِنْ إِبَاحَةِ النَّظَرِ، وَالْوَطْءِ، وَكَذَا فِي الْمِيرَاثِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَزَوَّجَتِ الرَّجْعِيَّةُ فِي عِدَّتِهَا، وَحَمَلَتْ مِنَ الثَّانِي، انْقَطَعَتْ عِدَّةُ الْأَوَّلِ، فَإِذَا وَضَعَتْ، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، وَلَهُ رَجْعَتُهَا فِي هَذَا التَّمَامِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ رَاجَعَهَا قَبْلَ الْوَضْعِ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ بَاقِيَةٌ، وَإِنَّمَا انْقَطَعَتْ لِعَارِضٍ، كَمَا لَوْ وَطِئَتْ فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَعَلَى الثَّانِي لَوْ حَمَلَتْ حَمْلًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَرَاجَعَهَا فِي هَذَا الْحَمْلِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مِنَ الثَّانِي - لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ بَانَ مِنَ الْأَوَّلِ، صَحَّتْ عَلَى أَصَحِّ الِاحْتِمَالَيْنِ.
стр. 2623
فَصْلٌ وَ إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا ، قُبِلَ قَوْلُهَا إِذَا كَانَ مُمْكِنًا، إِلَّا أَنْ تَدْعِيهِ بِالْحَيْضِ فِي شَهْرٍ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِهِ مِنَ الْإقْرَاءِ: تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ، إِذَا قُلْنَا: الْإقْرَاءُ: الْحيضُ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَ عَدَّتِهَا]
فَصْلٌ (وَإِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا) بِوِلَادَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا (قُبِلَ قَوْلُهَا إِذَا كَانَ مُمْكِنًا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أَيْ: مِنَ الْحَمْلِ، وَالْحَيْضِ، فَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِنَّ كِتْمَانُهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهِ كَالنِّيَّةِ، أَوْ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى التَّابِعِيِّ قَبُولُ خَبَرِ الصَّحَابِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (إِلَّا أَنْ تَدْعِيهِ بِالْحَيْضِ فِي شَهْرٍ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ شُرَيْحٍ: إِذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ، وَجَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ، فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالُونْ، وَمَعْنَاهُ بِلِسَانِ الرُّومِيَّةِ: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ. وَلِأَنَّهُ يَنْدُرُ جِدًّا حُصُولُ ذَلِكَ فِي شَهْرٍ، فَيُعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى الشَّهْرِ، وَكَخِلَافِ عَادَةٍ مُنْتَظِمَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُهَا مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ، كَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، ذَكَرَهُ فِي " الْوَاضِحِ " و" الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ "، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْفَاسِقَةِ وَضِدِّهِمَا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي، ثُمَّ قَالَ: مَا انْقَضَتْ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا، وَلَوْ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، ثُمَّ رَاجَعْتُهَا، ثُمَّ أَقَرَّتْ بِكَذِبِهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، وَادَّعَتْ أَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَنْقَضِ - فَالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَتْ بِهِ، وَقَدْ رَجَعَتْ عَنْهُ.
١ -
(وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِهِ) أَيْ: عِدَّةُ الْحُرَّةِ (مِنَ الْأَقْرَاءِ: تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ، إِذَا قُلْنَا: الْإقْرَاءُ: الْحيضُ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) وَذَلِكَ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا مَعَ
стр. 2624
وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ: الْأَطْهَارُ، فَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، وَإِذَا قَالَتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
آخِرِ الطُّهْرِ، ثُمَّ تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ تَطْهُرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ تَطْهُرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ تَطْهُرَ لَحْظَةً لِيُعْرَفَ بِهَا انْقِطَاعُ الْحَيْضِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ مِنْ عِدَّتِهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا لِمَعْرِفَةِ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ الْغُسْلَ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَقْتٍ يُمْكِنُ الْغُسْلُ فِيهِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ (وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ) ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَيْنِ يَزِيدَانِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ (وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ: الْأَطْهَارُ، فَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ) وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ طُهْرِهَا، فَيُحْسَبُ بِهِ قُرْءًا، ثُمَّ يُحْسَبُ طُهْرَيْنِ آخَرَيْنِ سِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَبَيْنَهُمَا حَيْضَتَانِ، فَإِذَا طَغَتْ عَلَى الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لَحْظَةٌ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا (وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ) زِدْنَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي الطُّهْرَيْنِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ أَمَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ عَلَى الْأَوَّلِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": مَعَ بَيِّنَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى الثَّانِي بِسَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ، وَعَلَى الرَّابِعِ بِسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ، فَمَتَى ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عِنْدَ أَحَدٍ فِيمَا أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ صِدْقُهَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَتْ: انقضت عِدَّتِي بِوَضْعِ حَمْلٍ مُصَوَّرٍ وَأَمْكَنَ، صَدَقَتْ فِي الْمُضْغَةِ، وَفِي يَمِينِ مَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ رِوَايَتَانِ، فَإِذَا عَيَّنَا وَقْتَ حَيْضٍ، أَوْ وَضْعٍ، وَاخْتَلَفَا فِي سَبْقِ الطَّلَاقِ - قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْعِدَّةِ فِي الْأَشْهَرِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهَا، فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: عَلَيْهَا الْيَمِينُ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لَا يَمِينَ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: لَا يَمِينَ فِي نِكَاحٍ وَلَا طَلَاقٍ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا يَصِحُّ بَذْلُهَا، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا كَالْحُدُودِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنْ نَكَلَتْ عَنِ الْيَمِينِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَحْلَفَ الزَّوْجُ، وَلَهُ رَجْعَتُهَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ النُّكُولُ مِنْهَا ظَهَرَ صِدْقُهُ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ، وَالْيَمِينُ تُشْرَعُ فِي حَقِّهِ كَمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِالْعَيْنِ فِي الْيَدِ.
١ -
стр. 2625
فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ رَاجَعْتُكِ، فَأَنْكَرَتْهُ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَإِنْ سَبَقَ، فَقَالَ: ارْتَجَعْتُكِ، فَقَالَتْ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنْ تَدَاعَيَا مَعًا، قُدِّمَ قَوْلُهَا، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِذَا قَالَتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ رَاجَعْتُكِ، فَأَنْكَرَتْهُ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مَقْبُولٌ، فَصَارَتْ دَعْوَاهُ لِلرَّجْعَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ رَجْعَتَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، وَنَبَّهَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ سَبَقَ، فَقَالَ: ارْتَجَعْتُكِ، فَقَالَتْ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ) فَأَنْكَرَهَا (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى الرَّجْعَةَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِانْقِضَائِهَا؛ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَقَدْ صَحَّتْ فِي الظَّاهِرِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إِبْطَالِهَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ) وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَاضِحِ " (الْقَوْلُ قَوْلُهَا) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْبَيْنُونَةُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الرَّجْعَةِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ سَابِقًا قُبِلَ مَسْبُوقًا كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَالْأَصَحُّ قَوْلُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَصْحَابُ لِسَبْقِ الدَّعْوَى، هَلْ هُوَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَمْ لَا؛ (وَإِنْ تَدَاعَيَا مَعًا، قُدِّمَ قَوْلُهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ تَسَاقَطَ قَوْلُهُمَا مَعَ التَّسَاوِي، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الرَّجْعَةِ (وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ مُرَجِّحَةٌ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ بِدَلِيلِ الْإِمَامَةِ، وَالْأَذَانِ، وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَدَّعِي مَا يَرْفَعُ الطَّلَاقَ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ، كَالْمُؤْلِي وَالْعِنِّينِ إِذَا ادَّعَيَا إِصَابَةَ امْرَأَتِهِ وَأَنْكَرَتْهُ، وَحكي فِي " الْفُرُوعِ " الْأَقْوَال الثَّلَاثَة مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ " كَالْمُحَرَّرِ " فِي الْقَوْلَيْنِ الْمَحْكِيَّيْنِ هُنَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ قَدْ نُكِحَتْ، فَإِذَا نُكِحَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَادَّعَى الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، أَوْ صَدَّقَاهُ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَاهُ وَلَا بَيِّنَةَ، قُبِلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ وَكَذَّبَهُ الزَّوْجُ الثَّانِي، صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ.
стр. 2626
فَصْلٌ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَطَؤُهَا فِي الْقُبُلِ، وَأَدْنَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَصْلٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ، فَقَالَ: قَدْ أَصَبْتُكِ فَلِيَ الرَّجْعَةُ، فَأَنْكَرَتْهُ أَوْ قَالَتْ: قَدْ أَصَابَنِي فَلِيَ الْمَهْرُ - قُبِلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ قَبْضِ الْمَهْرِ، وَادَّعَى إِصَابَتَهَا، فَأَنْكَرَتْهُ - لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهَا بِهِ وَلَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُنْكِرُ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، وَالْخُلْوَةُ كَالْإِصَابَةِ فِي إِثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي خَلَا بِهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يُصِيبَهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَابَةٍ، فَلَا تُسْتَحَقُّ رَجْعَتُهَا كَالَّتِي لَمْ يَخْلُ بِهَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، فَمَلَكَ رَجْعَتَهَا كَالَّتِي أَصَابَهَا.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، وَصَدَّقَهُ مَوْلَاهَا - قُبِلَ قَوْلُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: قَوْلُهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ عَلِمَ مَوْلَاهَا صِدْقَ الزَّوْجِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا تَزْوِيجُهَا، وَإِنْ عَلِمَتْ هِيَ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي رَجَعْتِهَا، فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى سَيِّدِهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ وَطْئِهَا إِلَّا مُكْرَهَةً كَمَا قُبِلَ الطَّلَاقُ.
[إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ]
فَصْلٌ
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيِ: الْحُرُّ (ثَلَاثًا) وَالْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ، وَلَوْ عَبَّرَ كَـ " الْفُرُوعِ " بِقَوْلِهِ: مَنْ طَلَّقَ عَدَدَ طَلَاقِهِ لَكَانَ أَوْلَى (لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، وَحَدِيثُ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا لَا يُرِيدُ بِهِ إِحْلَالًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا إِلَّا الْخَوَارِجُ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ: الْجِمَاعُ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ حِلَّهَا لِلْأَوَّلِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا
стр. 2627
مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَأَوْلَجَهُ، أَوْ وَطِئَهَا زَوْجٌ مُرَاهِقٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ - أَحَلَّهَا، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ - لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
السَّيِّدُ فَلَا، وَأَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا عَلَى الْمَذْهَبِ، فَلَوْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا، وَأَنْ يَطَأَهَا فِي الْفَرْجِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَطَؤُهَا فِي الْقُبُلِ) ؛ لِأَنَّهُ ﵇ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى ذَوَاقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ (وَأَدْنَى مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) مَعَ الِانْتِشَارِ (فِي الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَوْ أَوْلَجَ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ لَمْ يُحِلَّهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِذَوَاقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ، وَلَيْسَ الْإِنْزَالُ شَرْطًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَ ذَوَاقَ الْعُسَيْلَةِ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِدُونِ الْإِنْزَالِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا فِي الثَّيِّبِ، فَأَمَّا الْبِكْرُ فَأَدْنَاهُ أَنْ يَفْتَضَّهَا بِآلَتِهِ (وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَأَوْلَجَهُ) أَحَلَّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشَفَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ: بَقِيَّتُهُ (أَوْ وَطِئَهَا زَوْجٌ مُرَاهِقٌ) أَحَلَّهَا فِي قَوْلِهِمْ، إِلَّا الْحَسَنَ؛ لِظَاهِرِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ، وَبِخِلَافِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ، وَلَا تُذَاقُ عُسَيْلَتُهُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ فَصَاعِدًا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُشْتَرَطُ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَنَقَلَهُ مُهَنَّا؛ لِأَنَّ مَنْ دُونَ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ الْمُجَامَعَةُ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُجَامِعِ، وَمَتَى أَمْكَنَهُ الْجِمَاعُ فَقَدَ وُجِدَ مِنْهُ الْمَقْصُودُ (أَوْ ذِمِّيٌّ، وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ، أَحَلَّهَا) لِمُطَلِّقِهَا الْمُسْلِمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ زَوْجٌ، وَبِهِ تَجِبُ الْمُلَاعَنَةُ وَالْقَسَمُ؛ وَلِظَاهِرِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْمُسْلِمِ (وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ - لَمْ تَحِلَّ) ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ لَا تَذُوقُ بِهِ الْعُسَيْلَةَ، وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ وَطْءُ من
стр. 2628
وُطِئَتْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لَمْ تَحِلَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ إِحْرَامٍ - أَحَلَّهَا وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُحِلُّهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
غير زَوْجٍ، فَلَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ، فَيَبْقَى عَلَى الْمَنْعِ (وَإِنْ وَطِئَتْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لَمْ تَحِلَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمُطْلَقَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا يُحِلُّهَا؛ لِأَنَّهُ زَوْجٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَسَمَّاهُ ﵇ مُحَلِّلًا مَعَ فَسَادِ نِكَاحِهِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَتَزَوَّجُ، فَتَزَوَّجَ تَزْوِيجًا فَاسِدًا - لَا يَحْنَثُ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ التَّزْوِيجِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِيهِ مِنَ الْإِحْصَانِ، وَاللِّعَانِ، وَالظِّهَارِ وَنَحْوِهَا، وَسَمَّاهُ مُحَلِّلًا لِقَصْدِهِ التَّحْلِيلَ فِيمَا لَا يَحِلُّ، وَلَوْ أَحَلَّ حَقِيقَةً لَمَا لُعِنَ، وَلَا لُعِنَ الْمُحَلَّلُ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ (وَإِنْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ إِحْرَامٍ) أَوْ صَوْمٍ وَاجِبٍ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (أَحَلَّهَا) فِي اخْتِيَارِ الْمُؤَلِّفِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ تَامٌّ فِي نِكَاحٍ تَامٍّ، فَأَحَلَّهَا، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً يَضُرُّ بِهَا وَطْؤُهُ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي حِلِّهَا، قَالَهُ فِي " الْكَافِي "، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مَمْلُوكٌ وَوَطِئَهَا، وَكَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَمَسْجِدٍ، وَكَقَبْضِ مَهْرٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا لِمَعْنًى فِيهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ وَطْئِهَا فِي إِحْرَامٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ هُنَاكَ لِمَعْنًى فِيهَا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " و" الْمُفْرَدَاتِ ": مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُحِلُّهَا) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ حُرِّمَ لِحَقِّ اللَّهِ، فَلَمْ يُحِلُّهَا، كَوَطْءِ الْمُرْتَدَّةِ، أَوْ نِكَاحٍ بَاطِلٍ.
١ -
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا وَطِئَهَا فِي رِدَّتِهَا أَوْ رِدَّتِهِ لَمْ يُحِلَّهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ وَقَعَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ غَيْرِ تَامٍّ؛ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْبَيْنُونَةِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِي الْعِدَّةِ، فَلَمْ يُصَادِفِ الْوَطْءُ نِكَاحًا، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَوَطِئَهَا قَبْلَ إِسْلَامِ الْآخَرِ.
стр. 2629
مُطَلِّقُهَا - لَمْ تَحِلَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَحِلَّ، وَإِنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، سَوَاءٌ عُتِقَا، أَوْ بَقِيَا عَلَى الرِّقِّ، وَإِذَا غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَا مَجْنُونَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَوَطِئَهَا، أَحَلَّهَا عَلَى المذهب لظاهر النَّصِّ، وَكَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُحِلُّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الشَّهْوَةِ بِدَلِيلِ الْبَهَائِمِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَجْنونُ ذَاهِبُ الْحِسِّ كَالْمَصْرُوعِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَحْصُلِ الْحِلُّ بِوَطْئِهِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا وَطِئَ مُغْمًى عَلَيْهَا، أَوْ نَائِمَةً لَا تُحِسُّ بِوَطْئِهِ - لَمْ تَحِلَّ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَيُحْتَمَلُ حُصُولُ الْحِلِّ لِلْعُمُومِ، وَلَوْ وَطِئَهَا يَعْتَقِدُهَا أَجْنَبِيَّةً، فَإِذَا هِيَ امْرَأَتُهُ - حَلَّتْ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ نِكَاحًا صَحِيحًا.
الرَّابِعَةُ: إِذَا اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ حَلَّتْ، وَقَدَّمَ فِي " الشَّرْحِ " خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذُقْ عُسَيْلَتَهَا، وَإِنْ وَطِئَهَا مَعَ إِغْمَائِهِ - فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ خَصْيًا، أَوْ مَسْلُولًا، أَوْ مَوْجُوءًا - حَلَّتْ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: لَا لِعَدَمِ ذَوَقَانِ الْعُسَيْلَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَطَأُ كَالْفَحْلِ، وَلَمْ يَفْقِدْ إِلَّا الْإِنْزَالَ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْإِحْلَالِ.
١ -
(وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا مُطَلِّقُهَا - لَمْ تَحِلَّ) نَصَّ عَلَيْهِ، رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ لِلْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا مُبَاحًا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَحِلَّ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَخْتَصُّ الزَّوْجِيَّةَ، فَأَثَّرَ فِي التَّحْرِيمِ.
(وَإِنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (سَوَاءً عُتِقَا، أَوْ بَقِيَا عَلَى الرِّقِّ) ؛ لِاسْتِوَاءِ حَالَيْنِ فِي السَّبَبِ الْمُقْتَضِي
стр. 2630
ثَلَاثًا، فَأَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَهُ نِكَاحُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، وَإِلَّا فَلَا..
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلتَّحْرِيمِ قَبْلَ نِكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ اسْتِكْمَالُ الْعَدَدِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَالَتَيِ الْعِتْقِ بَعْدَ الرِّقِّ وَبَقَاءِ الرِّقِّ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِذَا عَتَقَ بَعْدَ طَلْقَةٍ، مَلَكَ تَمَامَ الثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُبَالِي فِي الْعِدَّةِ عِتْقًا، أَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَفْتَى بِهِ، وَقَالَ: قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: لَا أَرَى شَيْئًا يَدْفَعُهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ مُعْتَبٍ، عَنْ أَبِي حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ، وَلَا يُعْرَفَانِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي عُمَرَ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَمَعْمَرٌ: لَقَدْ تَحَمَّلَ أَبُو حَسَنٍ هَذَا صَخْرَةً عَظِيمَةً، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ جَيِّدٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ مُعْتَبٍ، وَلَا أَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَبُو حَسَنٍ فَهُوَ عِنْدِي مَعْرُوفٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ، فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ، وَبِهِ أَقُولُ.
فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَ ثَلَاثًا فِي الرِّقِّ بِشَرْطٍ، فَوُجِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ - لَزِمَتْهُ الثَّلَاثُ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ، وَيَبْقَى لَهُ وَاحِدَةٌ، كَتَعْلِيقِهَا بِعِتْقِهِ فِي الْأَصَحِّ.
١ -
(وَإِذَا غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، فَأَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَهُ نِكَاحُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا) الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ إِذَا مَضَى بَعْدَ طَلَاقِهَا زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ انْقِضَاءُ عِدَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ وَوَطْءٌ، وَلَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، مِثْلُ أَنْ يَعْرِفَ أَمَانَتَهَا، أَوْ بِخَبَرِ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ: إِنْ كَانَتْ ثِقَةً، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، وَعَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْحَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهَا، كَمَا لَوْ أَخْبَرَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا ذُكِرَ، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ
следующие страницы →