Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
الْمُدَّعِي فَحَلَفَ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ سُمِعَتْ أَفْتَى بِهِ عُلَمَاءُ الْعَصْرِ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ وَلَعَلَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْبَيِّنَةِ بَلْ رَجَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ سَمَاعَهَا مُطْلَقًا كَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ فِي مَوْضِعٍ.
(سُئِلَ) عَمَّا لَوْ اخْتَصَّ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِيَدِهِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَتُهُ بِهَا بِخِلَافِ الْأَمْلَاكِ حَيْثُ قُدِّمَ فِيهَا بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ وَفِي الْإِيضَاحِ لِلْمَسْعُودِيِّ وَأَمَالِي أَبِي الْفَرْجِ الرَّازِيِّ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ مِنْ سَنَةٍ، وَالثَّانِي بَيِّنَةً بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ مِنْ شَهْرٍ، وَتَنَازَعَا فِي سَبَبِهِ فَصَاحِبُ الْمُتَقَدِّمَةِ التَّارِيخِ مُقَدَّمٌ لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ غَيْرُ مُهَذَّبٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّسَبِ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُهَذَّبٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ يَدٍ قَامَتْ بَيِّنَتُهُ كَبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ قَالَ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَعَلَّهُمْ أَهْمَلُوهُ لِمَعْرِفَتِهِ مِنْ الْقَوَاعِدِ مَا الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ عَدَمِ تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ صَاحِبِ الْيَدِ وَمُتَقَدِّمَةِ تَارِيخِهَا وَقَدْ عُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَاسَ عَلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْقَاضِي لَوْ كَانَ التَّدَاعِي بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ لَمْ تَرْجِعْ الْأُخْرَى بِمَا أَنْفَقَتْهُ قَطْعًا هَلْ هُوَ
стр. 1122
مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ مُعْتَمَدٌ وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ كِفَايَةُ الْوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ زَوَّجَ بِنْتَهُ الْبِكْرَ بِوِلَايَةِ الْإِجْبَارِ فَمَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَادَّعَى وَارِثُهُ أَنَّهُ كَانَ مُعْسِرًا حَالَ عَقْدِهَا بِحَالِ صَدَاقِهَا، وَأَنْكَرَ وَالِدُهَا ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّهُ كَانَ مُوسِرًا بِهِ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ فَهَلْ تَتَعَارَضَانِ فَتَتَسَاقَطَانِ وَيَبْقَى النِّكَاحُ، وَيَسْتَحِقُّ مَهْرَهَا وَإِرْثَهَا مِنْ التَّرِكَةِ أَمْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ تُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِيَسَارِهِ بِحَالِ صَدَاقِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ لِزِيَادَةِ عِلْمِهَا بِاطِّلَاعِهَا عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ بِهِ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ عَلَى صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا الظَّاهِرُ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ جَرَيَانُهُ صَحِيحًا فَيَسْتَحِقُّ مَهْرَهَا وَإِرْثُهَا مِنْ تَرِكَةِ زَوْجِهَا.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ كَغَيْرِهِمَا وَلَا تُحْضَرُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مُخَدَّرَةٌ أَيْ لَا تُكَلَّفُ حُضُورَ مَجْلِسِ الْحُكْمِ لِلدَّعْوَى عَلَيْهَا وَلَا بِحُضُورٍ لِلتَّحْلِيفِ إلَّا لِتَغْلِيظِ يَمِينٍ بِمَكَانٍ هَلْ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي وَلَا لِغَيْرِهِ إجْبَارُهَا عَلَى الْحُضُورِ إلَى مَجْلِسِهِ أَوْ بَيِّنَتِهِ أَوْ لَا يَجُوزُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ فِي الْإِيضَاحِ بِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ فَقَالَ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْعَثَ الْحَاكِمُ إلَيْهَا وَلَوْ أَحْضَرَهَا لِمَجْلِسِهِ كَانَ
стр. 1123
الْحُكْمُ وَاقِعًا مَوْقِعَهُ وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ لَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. اهـ. وَهَلْ يُفَرَّقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْقَاضِي الْعَدْلِ الْمُؤْتَمَنِ غَيْرِ الْمُتَعَنِّتِ وَغَيْرِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهَا لَا يَلْزَمُهَا الْحُضُورُ لَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَإِنَّ فِي مَسْأَلَتِهَا وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الْحُضُورُ وَثَانِيهِمَا أَنَّهَا يَلْزَمُهَا. وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ الْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ هَلْ تُكَلَّفُ حُضُورَ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ، وَأَصَحُّهُمَا لَا كَالْمَرِيضِ إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ إنَّمَا يَتَحَتَّمُ حُضُورُ الْمُخَدَّرَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِلتَّحْلِيفِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَيُمْنَعُ فِيهِ بِالتَّوْكِيلِ مِنْ الْمُخَدَّرَةِ وَغَيْرِهَا. اهـ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَاضِي الْأَمِينِ وَغَيْرِهِ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَقَامَ بِهِ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِالْمِلْكِ فَمَا الْمُقَدَّمُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَقَدْ وُجِدَ مَعَهُمَا مُرَجِّحٌ آخَرُ وَهُوَ الْيَدُ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ وَقْفًا وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْوَاقِفُ وَوَضَعَ مَنْ آلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَى شَخْصٌ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَمْ يَصِحَّ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْوَاقِفَ مَلَّكَهُ ذَلِكَ قَبْلَ وَقْفِهِ أَوْ أَنَّهُ أَوْقَفَهُ عَلَى جِهَاتٍ أُخَرَ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ هَلْ
стр. 1124
تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَلَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَقْصُودُ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِيمَا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ بِأَنَّ الْوَاقِفَ مَلَّكَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَقْفِ حَيْثُ أَجَابَ بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ وَلَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَقْصُودُ لِتَقَدُّمِ الْوَقْفِ لِتَرْجِيحِهِ بِالْيَدِ وَبِحُكْمِ الْحَاكِمِ. اهـ. أَوْ تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ كَمَا فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ مِنْ عِمَادِ الرِّضَا حَيْثُ قَالَ وَكَذَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ مَلَّكَهُ، وَأَنَّ الدَّاخِلَ غَصَبَ مِنْهُ أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ زَيْدٌ وَبَاعَهُ لِلدَّاخِلِ أَوْ اكْتَرَاهُ مِنْهُ أَوْ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ، وَأَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ مَلَّكَهُ مُطْلَقًا فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ. وَهَلْ مَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُعْتَمَدٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ ذَهَبَتْ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ تَقْدِيمُ الْبَيِّنَةِ السَّابِقَةِ التَّارِيخِ وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ فِي الْفَتَاوَى عَلَى نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَرَدَدْت مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْمُخَالِفُ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ بَاعَ مَكَانًا أَوْ وَقَفَهُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهِ لَهُ وَحِيَازَتِهِ إلَى حِينِ الْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ وَحَكَمَ قَاضٍ شَافِعِيٌّ بِمُوجِبِ ذَلِكَ وَمِنْ مُوجِبِهِ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ بِمِلْكٍ أَوْ وَقْفٍ ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ مَلَّكَهُ أَوْ
стр. 1125
وَقَفَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ هَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فَيُعْمَلُ بِهَا بِشَرْطِهِ إذْ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْخَارِجِ الْبَيِّنَةَ بِالْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ وَحِينَئِذٍ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ لَاغٍ لَا اعْتِبَارَ بِهِ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنًا وَبِنْتًا وَزَوْجَةً وَمِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ أَرْبَعُونَ دِينَارًا ذَهَبًا عَلَى رَجُلٍ فَادَّعَى الِابْنُ بِالْأَرْبَعِينَ دِينَارًا أَوْ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْهَا وَالْحَالُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ لَمْ يُوَكِّلُوهُ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ وَيَذْكُرُ أَنَّ حِصَّتَهُ مِنْهُ كَذَا ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ فَحَلَفَ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ أَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً ثَبَتَ جَمِيعُ الدَّيْنِ، وَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ثَبَتَ نَصِيبُهُ فَقَطْ وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِيهِ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ ادَّعَى أَنَّ أَبَا زَوْجَتِهِ مَاتَ قَبْلَهَا فَوَرِثَتْهُ وَادَّعَتْ وَرَثَتُهُ أَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَهُ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ فَهَلْ تُقَدَّمُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ تَتَعَارَضَانِ فَتَتَسَاقَطَانِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَةَ بِمَوْتِ الْأَبِ قَبْلَ بِنْتِهِ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ بِنَقْلِهَا مِنْ الْحَيَاةِ إلَى الْمَوْتِ، وَالشَّاهِدَةُ بِمَوْتِ الْبِنْتِ قَبْلَ
стр. 1126
أَبِيهَا مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ بِنَقْلِهَا لَهَا مِنْ الْحَيَاةِ إلَى الْمَوْتِ فَتَعَارَضَتَا.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا فِي كِتَابِهِ عِمَادِ الرِّضَا فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ فِيهِ وَيُرَجَّحُ بِحُكْمِ الْقَاضِي عَلَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ خِلَافُهُ. اهـ. وَقَالَ فِيهِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِيَ عَشَرَ أَمَّا مُجَرَّدُ التَّعَارُضِ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِخِلَافِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي حَكَمَ بِهَا فَلَا نَقْضَ فِيهِ وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِهِ فَهَلْ الْمُفْتَى بِهِ وَالْمَعْمُولُ بِهِ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ أَوْ مَا فِي الْمُهِمَّاتِ أَوْ مَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِيَ عَشَرَ الْمَذْكُورِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي لَيْسَ بِمُرَجِّحٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ وَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِيَ عَشَرَ تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ لَا يُخَالِفُهُ بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ خَطَؤُهُ فِي حُكْمِهِ بَلْ حَصَلَ مُجَرَّدُ التَّعَارُضِ لِقِيَامِ بَيِّنَةٍ بَعْدَ حُكْمِهِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي رَتَّبَ عَلَيْهَا حُكْمَهُ، وَأَطْلَقَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ الْمِلْكَ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ الْخَطَأِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعَارُضَ فِيمَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يَتَأَتَّى إذَا قُلْنَا إنَّ حُكْمَ الْقَاضِي لَيْسَ بِمُرَجِّحٍ، وَإِلَّا فَيُعْمَلُ بِهِ وَلَا تَعَارُضَ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى التَّعَارُضِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَلَا بِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ إلَّا بِمُرَجِّحٍ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ كَالْيَدِ
стр. 1127
أَوْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ أَوْ سَبْقِ التَّارِيخِ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى مَكَان ثُمَّ تُوُفِّيَ فَوَضَعَ أَحَدُ أَوْلَادِهِ يَدَهُ عَلَيْهِ بِسُكْنَاهُ وَبِيَدِ بَعْضِهِمْ مَكْتُوبٌ وَقْفُهُ عَلَيْهَا فَلَمَّا عَلِمَ بِهِ السَّاكِنُ أَقَامَ بَيِّنَةً بِوَضْعِ يَدِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي مِلْكِ وَالِدِهِ إلَى حِينِ مَوْتِهِ وَحَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ وَحَكَمَ بِوَقْفِيَّتِهِ حَاكِمٌ آخَرُ فَمَا الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا الْحُكْمُ بِوَقْفِيَّتِهِ لِزِيَادَةِ عِلْمِ بَيِّنَتِهِ وَاعْتِمَادِ بَيِّنَةِ الْمِلْكِ عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ وَهِيَ كَلَا يَدٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَيَدُهُ يَدُ مُتَعَدٍّ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَيَدُهُ يَدُ مِلْكٍ مِنْ عَيْنِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهَا.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ عَنْهُ وَعَنْ أَخِيهِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا خَلَّفَهُ لَهُمَا قَاعَةٌ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْهَا لِشَخْصٍ فَادَّعَى أَخُوهُ أَنَّ وَالِدَهُ وَهَبَهُ جَمِيعَ الْقَاعَةِ، وَأَحْضَرَ شَاهِدًا بِذَلِكَ وَحَلَفَ مَعَهُ فَنَازَعَهُ الْمُشْتَرِي وَادَّعَى أَنَّ وَالِدَهُ رَجَعَ عَنْ الْهِبَةِ، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ، وَأَثْبَتَ مُدَّعِي الْهِبَةِ مُسْتَنَدَهُ عَلَى حَاكِمٍ يَرَى عَدَمَ الرُّجُوعِ وَمُدَّعِي الرُّجُوعِ مُسْتَنَدَهُ عَلَى حَاكِمٍ يَرَى الرُّجُوعَ وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَجُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَكَيْفَ الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الرُّجُوعَ صَحِيحٌ فَيَسْتَمِرُّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي فِي الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ
стр. 1128
وَمُجَرَّدُ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمَيْنِ لَا أَثَرَ لَهُ هُنَا وَعَلَى تَقْدِيرِ حُكْمِ الْحَاكِمَيْنِ بِمُوجِبِ ذَلِكَ فَيَسْتَمِرُّ مِلْكُ الْمُشْتَرِي لِلْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عِنْدَ الْهِبَةِ قَدْ ثَبَتَ وَالْحُكْمَانِ لَمَّا تَعَارَضَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِأَسْبَقِهِمَا تَسَاقَطَا وَبَقِيَ الرُّجُوعُ، وَأَيْضًا فَالْأَصْلُ عَدَمُ سَبْقِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الَّذِي لَا يَرَى الرُّجُوعَ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَانِعِ.
(سُئِلَ) عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِإِفْضَاءِ امْرَأَةٍ وَحُكِمَ بِهَا ثُمَّ شَهِدَتْ أُخْرَى بِعَدَمِهِ فَهَلْ يَنْقُضُ حُكْمُ الْقَاضِي وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ عَدَمِ الْإِفْضَاءِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إنْ مَضَى بَيْنَ شَهَادَتَيْهِمَا زَمَنٌ يَحْتَمِلُ الْتِحَامُ الْإِفْضَاءِ فِيهِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا تَبَيَّنَ تَعَارُضُهُمَا وَتَسَاقُطُهُمَا إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَأُ إحْدَاهُمَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ التَّرْجِيحِ بِالْحُكْمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَأُ إحْدَاهُمَا عُمِلَ بِالْأُخْرَى.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ ثُمَّ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَمَلَّكُهُ. اهـ. هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْدَاثِ التَّمَلُّكِ أَمْ يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْمَنْقُولَ الثَّانِي، وَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ كَغَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ.
(سُئِلَ) عَمَّا لَوْ أَحْضَرَ وَرَقَةً حَرَّرَ فِيهَا دَعْوَاهُ وَقَالَ أَدَّعِي بِمَا فِيهَا أَوْ أَدَّعِي ثَوْبًا بِالصِّفَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِيهَا فَهَلْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ فِي صِحَّةِ
стр. 1129
الدَّعْوَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ إذَا قَرَأَهَا الْقَاضِي أَوْ قُرِئَتْ عَلَيْهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَكْفِي مَا ذَكَرَ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْأَنْوَارِ وَلَوْ قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ قُلْ بِاَللَّهِ فَقَالَ وَاَللَّهِ أَوْ بِاَللَّهِ أَوْ بِالرَّحْمَنِ أَوْ الرَّحِيمِ أَوْ بِالْعُكُوسِ أَوْ غَلَّظَ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالزَّمَانِ أَوْ بِالْمَكَانِ فَامْتَنَعَ كَانَ نَاكِلًا هَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مُعْتَمَدٌ أَوْ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُعْتَمَدٌ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ مَاتَ وَخَلَّفَ أَوْلَادًا قَاصِرِينَ وَبَالِغِينَ وَتَرَكَ مَوْجُودًا وَمِنْ جُمْلَتِهِ عَقَارٌ وَعَلَى الْمُتَوَفَّى الْمَذْكُورِ دُيُونٌ شَرْعِيَّةٌ فَأَقَامَ الْقَاضِي مُتَحَدِّثًا عَلَى الْقَاصِرِينَ وَبَاعَ الْبَالِغُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَبَاعَ مَنْصُوبُ الْقَاضِي عَنْ الْقَاصِرِينَ الْعَقَارَ الْمَذْكُورَ بِسَبَبِ وَفَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ بَعْدَ إجْهَارِ النِّدَاءِ وَانْتِهَاءِ الرَّغَبَاتِ فِي الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ وَثَبَتَ مَضْمُونُ الْقِيمَةِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَأَنَّ الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِ ذَلِكَ وَفِيمَا قُوِّمَتْ بِهِ، وَأَنَّ الِاسْتِظْهَارَ فِي ذَلِكَ أَلْفٌ نُصِّفَ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجِبِ ذَلِكَ ثُمَّ انْتَقَلَ الْمَبِيعُ الْمَذْكُورُ لِشَخْصٍ آخَرَ وَتَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ تَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ سَنَةً ادَّعَى شَخْصٌ مِنْ الْقَاصِرِينَ أَنَّ الْعَقَارَ الْمَذْكُورَ بِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ
стр. 1130
قِيمَتِهِ فَهَلْ دَعْوَاهُ مَقْبُولَةٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ ثُمَّ إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً شَهِدَتْ بِأَنَّ قِيمَةَ الْعَقَارِ وَقْتَ بَيْعِهِ كَذَا وَكَذَا وَالْحَالُ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا بِيعَ بِهِ بِقَدْرٍ لَا يُتَسَامَحُ بِهِ تَبَيَّنَ خَطَأُ الْبَيِّنَةِ السَّابِقَةِ وَبُطْلَانُ الْبَيْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُمْ إذَا اخْتَلَفَتْ بَيِّنَتَانِ فِي قِيمَةِ عَيْنٍ قُدِّمَتْ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِالْأَقَلِّ مَحَلُّهُ فِي عَيْنٍ تَلِفَتْ.
(سُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ وَرَثَةِ رَجُلٍ مُتَوَفَّى حِصَّةً فِي دَارٍ قَدْرُهَا سَبْعَةُ أَسْهُمٍ وَخُمُسَانِ وَادَّعَى شَخْصٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الْجَارِيَ فِي مِلْكِهِ رُبُعُ الدَّارِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِلْمُدَّعِي حِصَّةً وَيَثْبُتُ مَا يَدَّعِيهِ فَالْتُمِسَ يَمِينُهُ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ أَمْ عَلَى الْبَتِّ، وَإِذَا قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ إلَّا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَقَصَدَ الْحَاكِمُ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى الْبَتِّ وَامْتَنَعَ يَكُونُ نَاكِلًا أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ لَا وَحَلَّفَ الْحَاكِمُ خَصْمَهُ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ بَعْدَ امْتِنَاعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى الْبَتِّ فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ جَوَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِكَافٍ وَالْجَوَابُ الْكَافِي أَنْ يَقُولَ لَيْسَ لَك فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ مَا ادَّعَيْته، وَإِذَا حَلَفَ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْحَلِفِ كَانَ نَاكِلًا فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى
стр. 1131
الْمُدَّعِي فَإِذَا حَلَفَ الْيَمِينَ الْمَذْكُورَةَ ثَبَتَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ.
[كِتَابُ الْعِتْقِ]
(كِتَابُ الْعِتْقِ) . (سُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ قَالَ لِعَبْدِهِ يَا وَلَدِي وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ تَلَطُّفًا وَلَا نَوَى بِهِ عِتْقًا فَهَلْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ كِنَايَاتِ الْعِتْقِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْمُلَاطَفَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَتَى بِلَفْظِ وَلَدِي فِي غَيْرِ النِّدَاءِ وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ جَرَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالنِّدَاءِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْمُلَاطَفَةَ.
(سُئِلَ) عَمَّا وَقَعَ بَعْدَ السَّبْعِمِائَةِ بِبِلَادِ الصَّعِيدِ أَنَّ عَبْدًا انْتَهَى الْمِلْكُ فِيهِ لِبَيْتِ الْمَالِ فَاشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ فَأَفْتَى الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الدِّشْنَاوِيُّ بِالصِّحَّةِ ثُمَّ رُفِعَتْ الْوَاقِعَةُ إلَى الْقَاضِي شَمْسِ الدِّينِ الْأَصْبَهَانِيِّ فَقَالَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ عَتَاقَةٍ وَلَيْسَ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَ بَيْتِ الْمَالِ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي التَّوْشِيحِ وَالصَّوَابُ مَا أَفْتَى بِهِ الدِّشْنَاوِيُّ فَإِنَّ هَذَا الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ بِعِوَضٍ فَلَا تَضْيِيعَ فِيهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. اهـ. فَمَا الصَّوَابُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الصَّوَابَ بُطْلَانُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمُعْتِقِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، وَوُقُوعُهُ
стр. 1132
بِالْعِوَضِ الْمَذْكُورِ لَا أَثَرَ لَهُ كَمَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ كِتَابَتُهُ مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مُزِيلَةٍ لِلْمِلْكِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ بَيْعُ بَعْضِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِبَعْضٍ آخَرَ إذْ الْعِوَضُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ حَصَلَ فَقَدْ فَوَّتَهُ بِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إذْ لَوْلَاهُ لَكَانَ مَا يَحْصُلُ مِلْكًا لَهُ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ مَا بَاعَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ وَهَذَا الْبَيْعُ لَوْ صَحَّ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ إتْلَافُ رَقَبَةِ الْعَبْدِ شَرْعًا قَبْلَ حُصُولِ الْعِوَضِ إذْ الرَّقِيقُ لَا يَمْلِكُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ.
[قَالَ لِرَقِيقِهِ الْخُنْثَى اعتدي]
(سُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ لِرَقِيقِهِ الْخُنْثَى اعْتَدِّي أَوْ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ هَلْ يُعْتَقُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يُعْتَقُ كَمَا يَقْتَضِيهِ تَعْلِيلُهُمْ وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الْأَمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ إذْ لَفْظُ الْأَمَةِ مُخْرِجٌ لِلْعَبْدِ وَالْخُنْثَى.
(سُئِلَ) عَمَّا لَوْ اشْتَرَى مِنْ شَخْصٍ رَقِيقًا شِرَاءً فَاسِدًا، وَأَذِنَ لَهُ فِي إعْتَاقِهِ فَأَعْتَقَهُ هَلْ يَنْفُذُ أَمْ لَا يَنْفُذُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ إنَّمَا كَانَ مَقْرُونًا بِمِلْكِ الْعِوَضِ فَلَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ بِالْإِذْنِ هَلْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا قَالَ الْغَاصِبُ لِمَالِكِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ أَعْتِقْ عَبْدَك هَذَا فَأَعْتَقَهُ جَاهِلًا أَنَّهُ عَبْدُهُ حَيْثُ يُعْتَقُ عَلَى الصَّحِيحِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ نُفُوذُ عِتْقِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْدَفِعُ بِالْجَهْلِ إذْ الْعِبْرَةُ بِمَا
стр. 1133
فِي نَفْسِ الْآمِرِ لَا بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ.
(سُئِلَ) عَنْ مَعْنَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَهُ عَبْدٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَزَادَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ حَتَّى بَلَغَتْ مِائَةٌ وَخَمْسِينَ كَمْ يَعْتِقُ مِنْ الْعَبْدِ قَالَ يَعْتِقُ مِنْ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ سُبُعٌ مِنْهَا غَيْرُ مَحْسُوبٍ مِنْ الثُّلُثِ يَبْقَى لِلْوَارِثِ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ فَبَيِّنُوا لَنَا طَرِيقَ الْمَأْخَذِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الطَّرِيقَ أَنَّ قِيمَةَ الْعَتِيقِ لَمَّا زَادَتْ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ زَادَتْ الْمَسْأَلَةُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ كَالْكَسْبِ فَقِسْطُ مَا عَتَقَ لَا يُحْسَبُ عَلَى الْعَبْدِ وَقِسْطُ مَا رُقَّ تَزِيدُ بِهِ التَّرِكَةُ فَنَقُولُ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَذَلِكَ الشَّيْءِ مَحْسُوبٌ بِثُلُثَيْ شَيْءٍ يَبْقَى مَعَ الْوَرَثَةِ عَبْدًا لَا شَيْئًا يَعْدِلُ ضِعْفَ الْمَحْسُوبِ عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ شَيْءٌ وَثُلُثُ شَيْءٍ فَالْعَبْدُ سَبْعَةٌ وَالشَّيْءُ ثَلَاثَةٌ فَيَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَقِيمَتُهَا يَوْمَ الْمَوْتِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ وَسُبُعَانِ وَالْمَحْسُوبُ عَلَيْهِ مِنْهَا قِيمَةُ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ وَهُوَ اثْنَانِ، وَأَرْبَعُونَ وَسِتَّةُ أَسْبَاعٍ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ وَقِيمَتُهَا خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعٍ وَهِيَ ضِعْفُ الْمَحْسُوبِ عَلَى الْعَبْدِ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَى بَعْضَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ فَفِي سِرَايَتِهِ نَظَرٌ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا إنَّهُ بَيْعٌ سَرِيٌّ
стр. 1134
أَوْ افْتِدَاءٌ فَمَا الْمُعْتَمَدُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ السِّرَايَةِ. .
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِ أَيْضًا لَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِلْعَبْدِ هَلْ يَسْرِي عَلَيْهِ الْبَاقِي إذَا كَانَ مُوسِرًا يُتَّجَهُ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ عَقْدُ بَيْعٍ أَوْ عَتَاقَةٍ مَا الْأَصَحُّ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَصَحَّ مِنْهُمَا أَنَّهُ عَقْدُ عَتَاقَةٍ فَالْأَصَحُّ السِّرَايَةُ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيمَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ الْحَامِلَ هَلْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ الْحَمْلُ أَوْ لَا يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُمَا عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ أَوْ لَا إنْ قُلْنَا نَعَمْ عَتَقَ، وَإِلَّا فَلَا فَلَوْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا هَلْ لَهُ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ فَلَوْ اشْتَرَاهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ انْفَصَلَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَإِنْ قُلْنَا الْحَمْلُ يُعْلَمُ لَمْ يَرِثْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يُعْلَمُ يَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ بِالشِّرَاءِ بَلْ بَعْدَهُ فَإِذَا انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا الْمُعْتَمَدُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ الْحَمْلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ إنْ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِي حَمْلِهَا جَازَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهَا قَهْرًا لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِسَبَبِ عِتْقِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ.
[أَعْتَقَ فِي مَرَض مَوْته رَقِيقًا لَا يَمْلِك غَيْره]
(سُئِلَ) عَمَّا لَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ رَقِيقًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَاتَ
стр. 1135
فَهَلْ يَكُونُ الْعَبْدُ رَقِيقًا كُلَّهُ أَوْ حُرًّا كُلَّهُ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْجُهٌ مَا الْأَصَحُّ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ أَصَحَّهَا أَوَّلُهَا؛ لِأَنَّ مَا يَعْتِقُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ هُنَا شَيْءٌ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ مَرَّ بِعَبْدِهِ عَلَى مَكَّاسٍ وَخَافَ مُطَالَبَتَهُ بِمَكْسِ عَبْدِهِ فَقَالَ إنَّهُ حُرٌّ لَا عَبْدٌ وَقَصَدَ الْإِخْبَارَ هَلْ يُؤَاخَذُ بِهِ ظَاهِرًا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مُؤَاخَذَتُهُ بِذَلِكَ ظَاهِرًا.
(سُئِلَ) عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ وَهُوَ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَتَرَكَ عَبْدًا فَادَّعَتْ زَوْجَتُهُ أَنَّهُ عَوَّضَهَا إيَّاهُ عَنْ صَدَاقِهَا، وَأَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ فَهَلْ يُعْتَقُ نَصِيبُهَا وَيَسْرِي إلَى بَاقِيهِ أَوْ لَا فَقَالَ يُعْتَقُ نَصِيبُهَا وَلَا يَسْرِي؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا بِإِعْتَاقِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ فِي نَصِيبِهَا وَعَدَمَ السِّرَايَةِ وَالثَّانِي يَقْتَضِي السِّرَايَةَ فَحُمِلَ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ عَدَمُهَا وَتُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهَا فِي إسْقَاطِ صَدَاقِهَا. اهـ. هَلْ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا كَمَا قَالَهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَقُ نَصِيبُهَا وَلَا يَسْرِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهَا، وَإِلَّا فَتَجِبُ وَيُرَتَّبُ عَلَى قَوْلِهَا مُقْتَضَاهُ وَمِنْ أَنَّهُ يُسْقِطُ صَدَاقَهَا مَمْنُوعٌ إذْ هُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ادَّعَى رَبُّ الدَّيْنِ الْحَوَالَةَ وَالْمَدْيُونُ الْوَكَالَةَ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَدْيُونِ بِيَمِينِهِ فَإِذَا
стр. 1136
حَلَفَ لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بَلْ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ مِنْ الْمَدْيُونِ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ بِجَحْدِهِ وَحَلِفِهِ وَالْحَيْلُولَةُ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ إنَّمَا اعْتَرَفَ بِبَرَاءَةِ الْمَدْيُونِ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ رَجَعَ إلَى حَقِّهِ فَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ قَدْ حَالَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَقِّهَا بِجَحْدِهِمْ التَّعْوِيضَ وَحَلِفِهِمْ عَلَى نَفْيِهِ وَهِيَ إنَّمَا اعْتَرَفَتْ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ زَوْجِهَا مِنْ صَدَاقِهَا فِي مُقَابَلَةِ تَعْوِيضِهِ إيَّاهَا الْعَبْدَ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ رَجَعَتْ إلَى صَدَاقِهَا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ سُقُوطِهِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الرَّأْيِ الْمَرْجُوحِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوَالَةِ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ كَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ فَإِنَّهُ إنْ خَرَجَ لِلْوَاحِدِ فَعَتَقَ ثُلُثَهُ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ خَرَجَ لِلِاثْنَيْنِ فَكَيْفَ يَفْعَلُ هَلْ يُعْتِقُ مِنْ كُلٍّ سُدُسَهُ أَوْ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا ثَانِيًا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى تَكْمِيلِ الْعِتْقِ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الِاثْنَيْنِ بِمَثَابَةِ الْوَاحِدِ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ أَقْبَلَ عَلَى عَبْدِهِ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِالْخِدْمَةِ وَالْعَمَلِ فَأَمَرَهُ بِتَرْكِ
стр. 1137
الْعَمَلِ وَقَالَ لَهُ أَنْتَ مَعْتُوقٌ ثُمَّ ادَّعَى إرَادَةَ الْعِتْقِ مِنْ الْعَمَلِ هَلْ يُقْبَلُ ظَاهِرًا فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْقَبُولِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ اُفْرُغْ مِنْ الْعَمَلِ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْقَبُولِ ظَاهِرًا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَقَدْ حَلَّهَا مِنْ وَثَاقٍ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ ﵀ إيمَاءً إلَى أَنَّ مَا فِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ ﵀ جَارٍ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ فِي وَجِيزِهِ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ فِي مَسْأَلَةِ النِّدَاءِ بِالِاسْمِ الْقَدِيمِ، وَأَنَّهُ قَالَ فِي عَقِبِ مَسْأَلَةِ الْفَتَاوَى وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ جَوَابِ الْكِتَابِ فِي النِّدَاءِ بِالِاسْمِ الْقَدِيمِ أَيْ فَعَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمُرَجَّحُ يُقْبَلُ فِي مَسْأَلَةِ الشُّغْلِ أَيْضًا ظَاهِرًا. وَأَمَّا الْفَرْقُ الَّذِي نَقَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا عَنْ الرَّافِعِيِّ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الشُّغْلِ وَمَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ فَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُومِئُ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْغَزَالِيِّ لِيَجْمَعَ بِهِ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ التَّنَاقُصُ مِنْ أَجْوِبَةِ الْغَزَالِيِّ ﵀.
فَإِنْ أَجَابَ فِي مَسْأَلَةِ الشُّغْلِ بِعَدَمِ الْقَبُولِ ظَاهِرًا، وَفِي مَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ بِالْقَبُولِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ عَقِبَ مَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ
стр. 1138
وَهَذَا إنْ أَرَادَهُ فِي الظَّاهِرِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ إلَخْ. وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الرَّافِعِيُّ عَقِبَ الْفَرْقِ بِالْفَارِسِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَثَاقِ فِي الطَّلَاقِ وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَكْسِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ تُقْبَلُ إرَادَتُهُ ظَاهِرًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ أَرَادَ بِلَفْظِ مَعْتُوقٍ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي وُضِعَ لَهَا، وَهُوَ النَّجَاةُ مِنْ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ يُقَالُ أَعْتَقَ فُلَانًا فَرَسَهُ أَيْ أَنْجَاهَا فَقُبِلَتْ إرَادَتُهُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْغَزَالِيِّ أَرَادَ بِلَفْظِ الْحُرِّ خِلَافَ مَوْضُوعِهِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ خِلَافُ الْعَبْدِ فَلَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا.
(سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ إنْ بِعْت عَبْدِي فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ هَلْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَعْتِقُ الْعَبْدُ الْمَذْكُورُ.
[بَابُ التَّدْبِيرِ]
(بَابُ التَّدْبِيرِ) (سُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ وَزَادَ مَرَضُهُ عَلَى الشَّهْرِ يَعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ عَقِبَ الْحِيلَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْمَرْوَزِيِّ أَمْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ فِي مَسْأَلَةِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا الْعِتْقُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَوُجِدَتْ فِي الْمَرَضِ وَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا كَلَامُهُمْ فِي
стр. 1139
بَابِ الْوَصِيَّةِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ عَقِبَ الْحِيلَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْمَرْوَزِيِّ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ وَهُوَ رَأْيٌ ضَعِيفٌ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ لَوْ انْفَصَلَ أَحَدُ تَوْأَمَيْنِ قَبْلَ تَدْبِيرِهَا وَالْآخَرُ بَعْدَهُ فَهَلْ هُمَا كَالْمُنْفَصِلِ قَبْلَ التَّدْبِيرِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ يُعْطَى كُلٌّ حُكْمَهُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ فِيهِ نَظَرٌ مَا الْمُعْتَمَدُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ لِلْمُنْفَصِلِ قَبْلَهُ وَيَثْبُتُ لِلْمُنْفَصِلِ بَعْدَهُ.
[تَدْبِير الْمُفْلِس كَإِعْتَاقِهِ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ وَتَدْبِيرُ الْمُفْلِسِ كَإِعْتَاقِهِ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِهِ وَاَلَّذِي سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَعِبَارَةُ الْأَنْوَارِ وَتَدْبِيرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ كَإِعْتَاقِهِ. اهـ. وَجَزَمَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِخِلَافِهِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ تَدْبِيرَهُ صَحِيحٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْأَنْوَارِ وَالدَّمِيرِيِّ: وَتَدْبِيرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إنْ فَضَلَ مَالُهُ بَعْدَ دُيُونِهِ نَفَذَ، وَإِلَّا فَلَا يَنْفُذُ، وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُمَا خِلَافَهُ إذْ لَا يَلْزَمُ إعْطَاءُ الْمُشَبَّهِ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَلَامَهُمَا غَيْرُ مُعْتَمَدٍ إنْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِمَا ذَكَرْته.
(سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ
стр. 1140
وَخَلَّفَ وَارِثًا فَنَجَّزَ عِتْقَ ذَلِكَ الْعَبْدِ هَلْ يَصِحُّ عِتْقُهُ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ فَلِمَنْ يَكُونُ الْوَلَاءُ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْوَارِثُ مُتَعَدِّدًا فَأَعْتَقَهُ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ رِضَا الْبَاقِينَ يَنْفُذُ الْعِتْقُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ كَامِلًا وَالْبَعْضُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَنَجَّزَ الْعِتْقَ الْبَعْضُ الْكَامِلُ قَبْلَ مُضِيِّ ذَلِكَ الشَّهْرِ يَنْفُذُ الْعِتْقُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُ وَارِثِهِ مُتَّحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا لِلْعَبْدِ الْمَذْكُورِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ تَعْلِيقِ مُوَرِّثِهِ كَمَا لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْبَيْعِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُزِيلُ مِلْكَهُ.
[بَابُ الْكِتَابَةِ]
(بَابُ الْكِتَابَةِ) . (سُئِلَ) ﵀ عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ لَوْ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ بَعْضَ قَرِيبِهِ فَأَعْتَقَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ هَلْ يَسْرِي أَوْ يَكُونُ مِلْكُ الْمُكَاتَبِ مَانِعًا لِكَوْنِهِ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فِيهِ نَظَرٌ مَا الْمُعْتَمَدُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ السِّرَايَةِ فِي الْحَالِ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ لِنَصِيبِ الْمُكَاتَبِ وَفِي التَّعْجِيلِ ضَرَرٌ بِالسَّيِّدِ لِفَوَاتِ الْوَلَاءِ وَبِالْمُكَاتَبِ لِانْقِطَاعِ الْوَلَاءِ وَالْكَسْبِ عَنْهُ فَلَا يَسْرِي حَتَّى يَعْجِزَ الْمُكَاتَبُ وَيُرَقَّ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِ: وَهَلْ نَقُولُ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ ثُمَّ انْتَقَضَ الْمِلْكُ بِالرَّدِّ أَوْ نَقُولُ إذَا رُقَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ قَوْلَانِ مَا الرَّاجِحُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ
стр. 1141
لَا يَمْلِكُ الْمَعِيبَ إلَّا بِرِضَاهُ بِهِ.
[وَلَد الْمُكَاتَبَة]
(سُئِلَ) عَنْ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ هَلْ الْحَقُّ فِيهِ لِسَيِّدِهَا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِسَيِّدِهَا، وَإِنْ قَالَ الشَّيْخَانِ يُشْبِهُ أَنَّهُ كَوَلَدِ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ أَيْ فَالْحَقُّ فِيهِ لِلْأُمِّ فَقَدْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ عِنْدِي أَنَّهُ وَهْمٌ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يَمْلِكُ جَارِيَتَهُ، وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ أَمَّهُ فِي الرِّقِّ وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ إنَّمَا جَاءَهُ الرِّقُّ مِنْ أُمِّهِ لَا مِنْ رِقِّ أَبِيهِ الَّذِي هُوَ عَبْدُهَا وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْفُونِيُّ وَلَا الْحِجَازِيُّ وَلَا ابْنُ الْمُقْرِي وَلَا صَاحِبُ الْأَنْوَارِ.
[بَيْع مَال الْكِتَابَة]
(سُئِلَ) عَنْ بَيْعِ مَالِ الْكِتَابَةِ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
[بَابُ عِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ]
(بَابُ عِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ) . (سُئِلَ) عَنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ لِلْأَمَةِ مِنْ عِتْقِهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَلِدَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ أَمْ لَا فَإِنَّا مَا وَجَدْنَا الْمَسْأَلَةَ مُصَرَّحًا بِهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ شُرُوحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهَا لَا فِي الرَّوْضَةِ وَلَا فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَكِنْ فِي عِبَارَةِ الْإِرْشَادِ مَنْ أَتَتْ بِمُخَطَّطٍ بِإِحْبَالِ سَيِّدٍ عَتَقَتْ وَوَلَدُهَا بَعْدَهُ بِمَوْتِهِ قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ فِي شَرْحِهِ كَالْمُتَعَقِّبِ لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَقَوْلُهُ مَنْ أَتَتْ بِمُخَطَّطٍ ظَاهِرٌ فِي اعْتِبَارِ انْفِصَالِ الْوَلَدِ بِجُمْلَتِهِ وَلَيْسَ شَرْطًا فَلَوْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ وَبَاقِيهِ مُجْتَنٍّ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقَتْ صَرَّحَ
стр. 1142
بِهِ الدَّارِمِيُّ فَقَالَ وَكَذَا لَوْ وَضَعَتْ عُضْوًا وَوَضَعَتْ الْبَاقِيَ أَوْ لَمْ تَضَعْهُ وَكَذَا سَاقَ الزَّرْكَشِيُّ وَالدَّمِيرِيُّ عِبَارَةَ الدَّارِمِيِّ كَالْمُتَعَقِّبِ لِكَلَامِ الْمِنْهَاجِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَضَعَهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ لِأَجْلِ التَّعْبِيرِ بِثُمَّ أَمْ لَا يُعْتَبَرُ هَذَا الْمَفْهُومُ، وَإِنْ كَانَ يَحْضُرُكُمْ أَنَّ أَحَدًا صَرَّحَ بِذَلِكَ فَتَفَضَّلُوا بِإِفَادَتِهِ مَعَ أَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا الْمَفْهُومِ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ نَسِيبٌ وَارِثٌ فَلِأَيِّ شَيْءٍ لَا يَثْبُتُ لِأُمِّهِ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْإِيلَادِ بِإِحْبَالِ الشَّخْصِ أَمَتَهُ وِلَادَتُهَا فِي حَيَاتِهِ بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُ وَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ الْإِحْبَالِ لَاحِقًا بِهِ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي كُتُبِهِمْ الْمَبْسُوطَةِ وَالْمُخْتَصَرَةِ شَامِلٌ لِوِلَادَتِهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ بِحَيْثُ يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا وَعِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ أَمَتِهِ يَنْعَقِدُ حُرًّا وَتَصِيرُ الْأَمَةُ بِالْوِلَادَةِ مُسْتَوْلَدَةً تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ بِشَرْطِ أَنْ تَظْهَرَ عَلَى الْوَلَدِ خِلْقَةُ الْآدَمِيِّ وَلَوْ لِلْقَوَابِلِ.
وَأَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ قَدْ انْعَقَدَ حُرًّا، وَأَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ مَقْرُونًا بِحَالَةِ الِاسْتِيلَادِ قَبْلَ وَضْعِهَا ثُمَّ وَضَعَتْهُ لِمُدَّةٍ يُحْكَمُ بِثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْهُ لَكِنْ هَلْ يَقْضِي بِعِتْقِهَا مِنْ حِينِ الْوِلَادَةِ أَوْ مِنْ حِينِ مَوْتِ السَّيِّدِ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَالْأَوْجُهُ الثَّانِي وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ
стр. 1143
إكْسَابُهَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْوَضْعِ. اهـ. وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ مِمَّا عَبَّرُوا فِيهِ بِثُمَّ وَمِنْ كَلَامِ الدَّارِمِيِّ مَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ وِلَادَتِهَا فِي حَيَاتِهِ إذْ خُرُوجُ رَأْسِهِ أَوْ انْفِصَالُ عُضْوٍ مِنْهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِوِلَادَةٍ، وَإِنَّمَا نَبَّهُوا بِهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِعِتْقِهَا بِمَوْتِ سَيِّدِهَا يَكْفِي فِيهِ ظُهُورُ بَعْضِ الْوَلَدِ لِرَفْعِ إيهَامِ تَوَقُّفِهِ عَلَى انْفِصَالِ جَمِيعِهِ وَلِإِفَادَةِ الْحُكْمِ بِهِ عِنْدَ انْفِصَالِ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ بِقِيَاسِ الْأَوْلَى أَوْ الْمُسَاوَاةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِمَّا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ لَا مُخَالَفَةٍ وَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ مَلَكَ بِنْتًا وَأُمَّهَا ثُمَّ وَطِئَهُمَا، وَأَوْلَدَهُمَا هَلْ أَوْلَادُهُ مِنْهُمَا نَسَبُهُمْ ثَابِتٌ مِنْهُ فَيَرِثُهُمْ وَيَرِثُونَهُ وَتَصِيرُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الْأَمَتَيْنِ أُمَّ وَلَدٍ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَوْلَادَ الْمَذْكُورِينَ ثَابِتٌ نَسَبُهُمْ فَيَرِثُهُمْ وَيَرِثُونَهُ حَتَّى أَوْلَادَ مَنْ وَطِئَهَا ثَانِيًا، وَإِنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ وَطْئِهَا وَصَارَتْ كُلٌّ مِنْ الْأَمَتَيْنِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.
(سُئِلَ) عَمَّا لَوْ اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّ سَيِّدِهَا الْمُحْتَرَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَحَبِلَتْ مِنْهُ فَهَلْ يُلْحَقُ بِهِ وَيَرِثُ مِنْهُ أَمْ لَا وَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِذَلِكَ أَمْ لَا لِكَوْنِهَا بِمَوْتِهِ انْتَقَلَتْ لِوَارِثِهِ وَهَلْ فِيهَا نَقْلٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَيَرِثُ مِنْهُ لِكَوْنِ مَنِيِّهِ
стр. 1144
مُحْتَرَمًا حَالَ خُرُوجِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مُحْتَرَمًا أَيْضًا حَالَ اسْتِدْخَالِهِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ فِي زَوْجَتِهِ فَسَاحَقَتْ بِنْتَهُ فَحَبِلَتْ مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَكَذَا لَوْ مَسَحَ ذَكَرَهُ بِحَجَرٍ بَعْدَ إنْزَالِهِ فِيهَا فَاسْتَنْجَتْ بِهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ فَحَبِلَتْ مِنْهُ. اهـ. وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ لَهَا حَالَ عُلُوقِهَا بِهِ.
(سُئِلَ) هَلْ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَا يُلْقَى بِهِ الْحَمْلُ مَا لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ رُوحٌ كَمَا قَالَهُ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ وَأَلْحَقَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ الدَّوَاءَ لِقَطْعِ الْحَبَلِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَا يُلْقَى مَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، وَإِنْ حُرِّمَ الدَّوَاءُ لِقَطْعِ الْحَبَلِ لِأَدَائِهِ إلَى قَطْعِ النَّسْلِ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ أَحْبَلَ أَمَتَهُ ثُمَّ مَاتَ وَقَدْ خَرَجَ رَأْسُ جَنِينِهَا مَثَلًا فَهَلْ تَعْتِقُ حَالًا أَوْ لَا تَعْتِقُ حَتَّى يَتِمَّ خُرُوجُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهَا لَا تَعْتِقُ حَتَّى يَتِمَّ خُرُوجُهُ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخَانِ فِي الْعِدَدِ أَنَّ أَحْكَامَ الْجَنِينِ بَاقِيَةٌ لِلْمُنْفَصِلِ بَعْضُهُ كَمَنْعِ الْإِرْثِ وَسِرَايَةِ عِتْقِ الْأُمِّ إلَيْهِ وَعَدَمِ إجْزَائِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَوُجُوبِ الْغُرَّةِ عِنْدَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْأُمِّ وَتَبَعِيَّتِهَا فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا. اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْوَلَدُ إذَا انْفَصَلَ بَعْضُهُ لَا يُعْطَى حُكْمُ الْمُنْفَصِلِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إذَا صَاحَ وَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَ الثَّانِيَةُ
стр. 1145
إذَا حَزَّ إنْسَانٌ رَقَبَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَ.
(سُئِلَ) عَنْ حِكْمَةِ قَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي مِنْهَاجِهِ وَعِتْقُ الْمُسْتَوْلَدَةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَمْ يَقُلْ وَعِتْقُهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَصْرُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِئَلَّا يُوهِمَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهِيَ مَنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ شَامِلٌ لَهَا وَلِغَيْرِهَا.
(سُئِلَ) عَنْ أُمِّ وَلَدٍ بِيعَتْ فِي دَيْنٍ ثُمَّ أَوْلَدَهَا مُشْتَرِيهَا ثُمَّ بِيعَتْ فِي دَيْنِهِ ثُمَّ مَلَكَهَا هَلْ يَنْفُذُ الْأَوَّلُ لِسَبْقِهِ أَوْ الثَّانِي لِقُرْبِ حَقِّهِ أَوْ يَنْفُذُ إيلَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَنْفُذُ إيلَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي قَدْرِ مَا مَلَكَهُ مِنْهَا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(سُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِوَالِدِهِ فَرَهَنَ عَلَيْهِ أَمَةً فَوَطِئَهَا الْوَالِدُ، وَأَحْبَلَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ فَهَلْ يَنْفُذُ إيلَادُهُ وَلَا الْتِفَاتَ لِمَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ الرَّاهِنُ مِنْ الضَّرَرِ فَإِنَّهُ فَاتَ عَلَيْهِ الِارْتِفَاقُ بِالتَّوْفِيَةِ مِنْ الْأَمَةِ وَمَا يَلْزَمُ الْوَالِدُ مِنْ قِيمَةِ الْأَمَةِ بِتَأَخُّرِ الْحُصُولِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا، وَالتَّقَاصُّ لَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الدَّيْنِ وَالْقِيمَةِ أَوْ صِفَتِهِ وَصَارَ يَلْزَمُ بِالتَّوْفِيَةِ مِنْ غَيْرِهَا وَيُحْبَسُ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِالنُّفُوذِ فَلِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ لَا يَنْفُذُ الْإِيلَادُ مِنْ الْمَالِكِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَيَنْفُذُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ كَمَا هُنَا وَلَا يُرَاعَى حَقُّ الرَّاهِنِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَنْفُذُ إيلَادُهُ
стр. 1146
لِأَنَّ وَطْأَهُ إيَّاهَا مُتَضَمِّنٌ لِرِضَاهُ بِنُفُوذِ إيلَادِهِ لَهَا عِنْدَ حَبَلِهَا وَعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهَا فِي دَيْنِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا الرَّاهِنُ الْمُعْسِرُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّ إيلَادَهُ يَنْفُذُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَرْهُونَةً عِنْدَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ إيلَادُهُ لَهَا عِنْدَ إعْسَارِهِ.
[مُسْتَوْلَدَة الْكَافِر إذَا أسلمت]
(سُئِلَ) عَمَّا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ مُسْتَوْلَدَةَ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَتْ تَبِعَهَا وَلَدُهَا وَثَبَتَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ مُعْتَمَدٌ أَوْ لَا وَهَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَيَثْبُتُ لَهَا إذْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ مُسَلَّمٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ مُعْتَمَدٌ وَهُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ فَرَاغُهَا لِمَنْعِ السَّيِّدِ مِنْ قُرْبَانِهَا مَعَ وُفُورِ شَفَقَتِهَا.
(سُئِلَ) عَنْ أَوْلَادِ الْأَبِ مِنْ أَمَةٍ مَلَكَهَا ابْنُهُ إذَا قُلْتُمْ: إنَّ نِكَاحَ الْأَبِ لَهَا لَا يَنْفَسِخُ وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ هَلْ هُمْ أَحْرَارٌ أَوْ أَرِقَّاءُ؟ .؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُمْ أَرِقَّاءُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرِقِّهِمْ حِينَ نَكَحَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب فِي مَسَائِلُ شَتَّى]
[مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً وَلَمْ يَتُبْ وَلَكِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ]
(هَذِهِ مَسَائِلُ شَتَّى لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِشَيْءٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ) (سُئِلَ) ﵀ عَمَّنْ فَعَلَ كَبِيرَةً كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَتُبْ وَلَكِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَهَلْ يَغْفِرُهَا لَهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِغْفَارِ الْمَذْكُورِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ [آل عمران: ١٣٦]
стр. 1147
الْآيَةَ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الْآيَةَ وَقَدْ سَكَتَ الْبَغَوِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَالشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْأَسْيُوطِيُّ عَنْ تَفْسِيرِهِمْ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى إطْلَاقِهَا الشَّامِلِ لِلْكِتَابِ وَغَيْرِهِ وَالْكَبِيرَةِ وَغَيْرِهَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى «يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وقَوْله تَعَالَى «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إلَّا مَنْ عَافَيْتُهُ وَاسْأَلُونِي الْمَغْفِرَةَ أَغْفِرْ لَكُمْ» وَلِقَوْلِهِ «يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُك عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُك بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا وَتَسْتَغْفِرُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعَالَى فَيَغْفِرُ لَهُمْ» وَحَدِيثِ «مَا أَصَرَّ مَنْ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» «وَقَالَ إبْلِيسُ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَك مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ قَالَ اللَّهُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالَ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ الْمَغْفِرَةُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ
стр. 1148
مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ فَمَا دَلِيلُ ذَلِكَ وَمَا الضَّرُورَةُ الدَّاعِيَةُ إلَيْهِ وَمَنْ قَالَ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ تَعَالَى الْكَبِيرَةَ أَوْ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَمْ يَتُبْ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِغْفَارِ الْمَذْكُورِ، وَالْمَغْفِرَةُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ فَقَدْ قَالَ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] وَهَذَا أَمْرٌ عَلَى الْعُمُومِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] الْآيَةَ. وَمَعْنَى النَّصُوحِ الْخَالِصُ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِيًا عَنْ الشَّهَوَاتِ وَقَالَ ﷺ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» وَقَالَ ﷺ «لَوْ عَمِلْتُمْ الْخَطَايَا حَتَّى تَبْلُغَ السَّمَاءَ ثُمَّ نَدِمْتُمْ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» وَقَالَ ﷺ «إنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ قِيلَ كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَكُونُ نَصَبَ يَمِينَهُ تَائِبًا مِنْهُ فَارًّا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ» وَقَالَ ﷺ «كَفَّارَةُ الذَّنْبِ النَّدَامَةُ» وَيُرْوَى «أَنَّ إبْلِيسَ قَالَ وَعِزَّتِكَ لَا خَرَجْتُ مِنْ قَلْبِ بَنِي آدَمَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَعِزَّتِي لَا أَحْجُبَنَّ عَنْهُ التَّوْبَةَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ» .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أُنْزِلَ
стр. 1149
قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] فَالرَّجُلُ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ وَقَالَ الْفَضِيلُ قَالَ اللَّهُ بَشِّرْ الْمُذْنِبِينَ أَنَّهُمْ إنْ تَابُوا قَبِلْتُ مِنْهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: لَا أُحَدِّثُكُمْ إلَّا عَنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ إنَّ الْعَبْدَ إذَا عَمِلَ ذَنْبًا ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ سَقَطَ عَنْهُ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ بِالنَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالْقُدْوَةُ فِيهَا عَلَى عُلَمَائِنَا الِاسْتِغْفَارُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي يَحِلُّ عُقَدَ الْإِصْرَارِ وَيُثَبِّتُ مَعْنَاهَا فِي الْجِنَانِ لَا التَّلَفُّظُ بِاللِّسَانِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِلِسَانِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَقَلْبُهُ مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَاسْتِغْفَارُهُ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِغْفَارٍ وَصَغِيرَتُهُ لَاحِقَةٌ بِالْكَبَائِرِ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ اسْتِغْفَارُنَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِغْفَارٍ.
قُلْت هَذَا يَقُولُهُ فِي زَمَانِهِ فَكَيْفَ فِي زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي يُرَى فِيهِ الْإِنْسَانُ مُكِبًّا عَلَى الظُّلْمِ حَرِيصًا عَلَيْهِ وَالسُّبْحَةُ فِي يَدِهِ زَاعِمًا أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ مِنْ ذَنْبِهِ وَذَلِكَ اسْتِهْزَاءٌ مِنْهُ وَاسْتِخْفَافٌ وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] وَقَالَ الزَّنْجَانِيُّ ذِكْرُ اللَّهِ ذِكْرُ عِقَابِهِ وَخَطِيئَتِهِ وَالْحَيَاءِ مِنْهُ، وَالِاسْتِغْفَارُ قَوْلُهُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا فَإِنَّا تُبْنَا نَادِمِينَ مُقْلِعِينَ عَازِمِينَ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ وَهِيَ التَّوْبَةُ
стр. 1150
الْمُعْتَدُّ بِهَا وَقَالَ ابْنُ زُهْرَةَ فِيهَا ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أَيْ طَلَبُوا الْمَغْفِرَةَ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِقْلَاعُ وَالنَّدَمُ وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] وَقَدْ يَشْمَلُ الِاسْتِغْفَارُ الشُّرُوطَ الثَّالِثَةَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا إصْرَارَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ» .
لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ الْمَطْلُوبَ هُوَ الَّذِي يَحِلُّ عُقْدَةَ الْإِصْرَارِ لَا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ إلَى أَنْ قَالَ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ الْمَطْلُوبَ الْجَامِعُ لِشُرُوطِ التَّوْبَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُسْتَغْفِرُ مِنْ الذَّنْبِ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ التَّوْبَةُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَقِّ كُلِّ مُذْنِبٍ وَإِنَّمَا سَكَتَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ تَفْسِيرِهِمْ الْآيَةَ الثَّالِثَةَ اكْتِفَاءً مِنْهُمْ بِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى كَمَا هُوَ دَأْبُهُمْ.
[ضَمَّةِ الْقَبْرِ لِلْمَيِّتِ هَلْ هِيَ قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ بَعْدَهُ]
(سُئِلَ) عَنْ الصِّرَاطِ هَلْ وَرَدَ أَنَّهُ مِنْ كَذَا وَفِي ضَمَّةِ الْقَبْرِ لِلْمَيِّتِ هَلْ هِيَ قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ بَعْدَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي وَرَدَ أَنَّ الصِّرَاطَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ يَمُرُّ عَلَيْهِ جَمْعُ الْخَلَائِقِ يَعْبُرُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَتَزِلُّ فِيهِ أَقْدَامُ أَهْلِ النَّارِ وَقَدْ وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ
стр. 1151
وَاسْتَفَاضَتْ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ» وَقَدْ أَجْرَاهُ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ لِيُوَافِقَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ فِي قِيَامِ الْمَلَائِكَةِ جَنْبَيْهِ وَكَوْنِ الْكَلَالِيبِ فِيهِ وَإِعْطَاءِ الْمَارِّ عَلَيْهِ مِنْ النُّورِ قَدْرَ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ وَمَا هُوَ فِي دِقَّةِ الشَّعْرِ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ بَلْ بِأَنَّ كَوْنَهُ أَدَقَّ مِنْ الشَّعْرِ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلْخَفِيِّ الْغَامِضِ. وَوَجْهُ غُمُوضِهِ أَنَّ يُسْرَ الْجَوَازِ عَلَيْهِ وَعُسْرَهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَإِنْ دَقَّ كُلٌّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ وَلَا يَعْلَمُ حُدُودَ ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ. وَكَوْنُهُ أَحَدَّ مِنْ السَّيْفِ بِسُرْعَةِ إنْفَاذِ الْمَلَائِكَةِ أَمْرَ اللَّهِ بِإِجَازَةِ النَّاسِ عَلَيْهِ.
وَضَمَّةُ الْقَبْرِ لِلْمَيِّتِ قَبْلَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَأَبُو أَحْمَدَ وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي الْحَجَّاجِ الثُّمَالِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ الْقَبْرُ لِلْمَيِّتِ حِينَ يُوضَعُ فِيهِ وَيْحَك يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْفِتْنَةِ» الْحَدِيثَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ الْمَيِّتَ يَقْعُدُ وَهُوَ يَسْمَعُ
стр. 1152
خَطْوَ مُشَيِّعِيهِ فَلَا يُكَلِّمُهُ شَيْءٌ أَوَّلَ مِنْ حُفْرَتِهِ فَيَقُولُ وَيْحَك يَا ابْنَ آدَمَ قَدْ حَذِرْتَنِي وَحُذِّرْتَ ضِيقِي» الْحَدِيثَ. وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ السَّعْدِيُّ فِي كِتَابِ الرُّوحِ لَهُ لَا يَنْجُو مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ صَالِحٌ وَلَا طَالِحٌ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَبَيْنَهُمَا دَوَامُ الضَّغْطَةِ لِلْكَافِرِ وَحُصُولُ هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْمُسْلِمِ فِي أَوَّلِ نُزُولِهِ إلَى قَبْرِهِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْإِفْسَاحِ لَهُ فِيهِ. اهـ.
[الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ فِي إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ]
(سُئِلَ) مَا الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الْآيَةَ.؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمَانَةِ فِي قَوْله تَعَالَى الطَّاعَةِ لَمَّا قَالَ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] وَعَلَّقَ بِالطَّاعَةِ الْفَوْزَ الْعَظِيمَ أَتْبَعَهُ قَوْلَهُ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وَهُوَ يُرِيدُ بِهَا الطَّاعَةَ فَعَظَّمَ أَمْرَهَا وَفَخَّمَ شَأْنَهَا وَسَمَّاهَا أَمَانَةً؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةُ الْأَدَاءِ وَالْمَعْنَى أَنَّهَا الْمُعَظَّمُ شَأْنُهَا بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَتْ عَلَى هَذِهِ الْأَجْرَامِ الْعِظَامِ وَكَانَتْ ذَاتَ شُعُورٍ وَإِدْرَاكٍ لَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ مَعَ ضَعْفِ بِنْيَتِهِ وَرَخَاوَةِ قُوَّتِهِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ الطَّاعَةُ الَّتِي تَعُمُّ الطَّبِيعِيَّةَ وَالِاخْتِيَارِيَّة؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَجْرَامَ الْعِظَامَ قَدْ انْقَادَتْ لِأَمْرِ اللَّهِ انْقِيَادَ مِثْلِهَا وَهُوَ مَا يَأْتِي مِنْ الْجَمَادَاتِ وَأَطَاعَتْ لَهُ الطَّاعَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مِنْهَا وَتَلِيقُ بِهَا حَيْثُ
стр. 1153
لَمْ تَمْتَنِعْ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ إيجَادًا وَتَكْوِينًا وَتَسْوِيَةً عَلَى هَيْئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَشْكَالٍ مُتَنَوِّعَةٍ كَمَا قَالَ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وَأَمَّا الْإِنْسَانُ فَلَمْ يَكُنْ صَالِحًا لِلتَّكْلِيفِ مِثْلَ حَالِ تِلْكَ الْجَمَادَاتِ وَإِبَاؤُهَا وَإِشْفَاقُهَا مَجَازٌ وَأَمَّا حَمْلُ الْأَمَانَةِ فَمِنْ قَوْلِكَ فُلَانٌ حَامِلٌ الْأَمَانَةَ وَمُحْتَمِلُهَا تُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّيهَا إلَى صَاحِبِهَا فَمَعْنَى ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] أَبَيْنَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَنَّهَا وَأَبَى الْإِنْسَانُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لَهَا لَا يُؤَدِّيهَا.
وَقِيلَ إنَّهُ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ هَذِهِ الْأَجْرَامَ خَلَقَ فِيهَا فَهْمًا وَقَالَ إنِّي فَرَضْتُ فَرِيضَةً وَخَلَقْتُ جَنَّةً لِمَنْ أَطَاعَنِي فِيهَا وَنَارًا لِمَنْ عَصَانِي فِيهَا فَقُلْنَ نَحْنُ مُسَخَّرَاتٌ عَلَى مَا خَلَقْتَ لَا نَحْتَمِلُ فَرِيضَةً وَلَا نَبْتَغِي ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا وَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ عَرَضَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْأَمَانَةِ التَّكْلِيفُ وَبِعَرْضِهَا عَلَيْهِنَّ اعْتِبَارُهَا بِالْإِضَافَةِ إلَى اسْتِعْدَادِهِنَّ وَبِإِبَائِهِنَّ الْإِبَاءُ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي هُوَ عَدَمُ اللِّيَاقَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ وَيُحَمِّلُ الْإِنْسَانَ قَابِلِيَّتُهُ وَاسْتِعْدَادُهُ لَهَا وَكَوْنُهُ ظَلُومًا جَهُولًا لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ وَالشَّهَوِيَّةِ.
[كَمْ رَمَضَان صَامَهُ رَسُول اللَّه]
(سُئِلَ) كَمْ صَامَ ﷺ رَمَضَانَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ صَامَ تِسْعَ مَرَّاتٍ.
(سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ سَنَدٌ صَحِيحٌ أَوْ ضَعِيفٌ أَنَّ مَنْ
стр. 1154
وَافَقَ قَوْلَ عَطْسَتِهِ فَهُوَ قَوْلُ صِدْقٍ؟ .؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي يَحْصُلُ الْعُطَاسُ عِنْدَهُ صِدْقٌ لَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ فَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَدَّثَ حَدِيثًا فَعَطَسَ عِنْدَهُ فَهُوَ حَقٌّ» .
[يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هَلْ هُمَا مِنْ نَسْلِ آدَمَ]
(سُئِلَ) عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هَلْ هُمَا مِنْ نَسْلِ آدَمَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ آدَمَ وَحَوَّاءَ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ وَحُكِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ احْتَلَمَ آدَم ﵊ فَاخْتَلَطَ مَاؤُهُ بِالتُّرَابِ فَأَسِفَ عَلَى ذَلِكَ فَخُلِقُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ فَهُمْ مُتَّصِلُونَ بِنَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ وَهَذَا ضَعِيفٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَحْتَلِمُونَ.
[كَيْفَ عَرَفَ الْمَلَائِكَةُ وُقُوعَ الْفَسَادِ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ وُقُوعِهِ]
(سُئِلَ) كَيْفَ عَرَفَ الْمَلَائِكَةُ ﵈ وُقُوعَ الْفَسَادِ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ وُقُوعِهِ حَيْثُ قَالُوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] الْآيَةَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ عَرَفَ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ بِإِخْبَارٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ تَلَقٍّ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ اسْتِنْبَاطٍ مِمَّا رُكِّزَ فِي عُقُولِهِمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ مِنْ خَوَاصِّهِمْ أَوْ قِيَاسِ أَحَدِ الثَّقَلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ حَيْثُ أُسْكِنُوا
стр. 1155
الْأَرْضَ فَأَفْسَدُوا فِيهَا قَبْلَ سُكْنَى الْمَلَائِكَةِ.
[هَلْ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ مطلعون عَلَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ]
(سُئِلَ) عَنْ الْمَلَائِكَةِ هَلْ كُلُّهُمْ مُطَّلِعُونَ عَلَى مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَمْ بَعْضُهُمْ وَإِذَا قُلْتُمْ بَعْضُهُمْ فَهَلْ هُمْ مُعَيَّنُونَ؟
(فَأَجَابَ) لَيْسَ كُلُّ الْمَلَائِكَةِ مُطَّلِعِينَ عَلَى مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ رَاكِعٌ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أَيْ مَقَامٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَالِانْتِهَاءِ إلَى أَمْرِ اللَّهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ شَأْنُهُ الِاسْتِغْرَاقُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ كَمَا وَصَفَهُمْ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ فَقَالَ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وَهُمْ الْعِلِّيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ، وَأَمَّا الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِأَجْلِ الْإِيحَاءِ وَإِنْفَاذِ الْأَمْرِ فَمُخْتَصٌّ بِإِسْرَافِيلَ وَجَبْرَائِيلَ ﵉.
(سُئِلَ) هَلْ قَوْلُ سَيِّدِي عُمَرَ بْنِ الْفَارِضِ
قَلْبِي يُحَدِّثُنِي بِأَنَّك مُتْلِفِي ... رُوحِي فِدَاكَ عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَعْرِفْ
لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ الْخِطَابُ لِغَيْرِهِ وَإِذَا قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟
(فَأَجَابَ) إنَّ الْخِطَابَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَرَفْتَ أَمْ لَا تَعْرِفُ جَازَيْتَ أَمْ لَمْ تُجَازِ فَهُوَ مَجَازٌ
стр. 1156
هَذَا أَحَدُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ وَحُكِيَ عَنْ شِهَابِ الدِّينِ الْحِجَازِيِّ الشَّاعِرِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي زَمَنِهِ إنْكَارٌ عَلَى الشَّيْخِ بِسَبَبِ هَذَا الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يُنْكِرُ عَلَى الشَّيْخِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَرَأَى الشَّيْخَ فِي الْمَنَامِ وَقَالَ لَهُ إنَّ هَذَا الْتِفَاتٌ أَيْ عَرَفْتَ يَا عَذُولِي أَمْ لَمْ تَعْرِفْ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لِمَ قَدَّمَ يُحْيِي عَلَى يُمِيتُ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الشَّيْءِ وَهُوَ كَوْنُهُ جَمَادًا سَابِقٌ عَلَى حَيَاتِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا هُوَ الْحَيَاةُ لَا الْمَوْتُ بِنَاءً عَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَمَادِ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَا يَحِلُّهُ الْمَوْتُ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بِصِفَةِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فِي الْعَادَةِ فَيَكُونُ فِيهِ الْحَيَاةُ وَالرُّطُوبَةُ، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ فَالْجَوَابُ إنَّ مِنْ الْحِكْمَةِ فِي تَقْدِيمِ يُحْيِي عَلَى يُمِيتُ الِاهْتِمَامَ بِشَأْنِهِ لِلْإِشَارَةِ أَوَّلًا إلَى الرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَدَرَ عَلَى الْإِحْيَاءِ أَوَّلًا قَدَرَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ ثَانِيًا فَإِنَّ بَدْءَ الْخَلْقِ لَيْسَ بِأَهْوَنَ عَلَيْهِ تَعَالَى مِنْ إعَادَتِهِ وَمِنْهَا أَيْضًا التَّذْكِيرُ أَوَّلًا بِنِعْمَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ خُصُوصًا الْحَيَاةَ الثَّانِيَةَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]
стр. 1157
وَإِنْ حَلَّ قَوْلُهُ يُحْيِي عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ حَتَّى تَشْمَلَ الْحَيَاةُ مَا يَخُصُّ الْإِنْسَانَ مِنْ الْفَضَائِلِ كَالْعَقْلِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ فَفِيهِ تَذْكِيرُ نِعْمَةٍ هِيَ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَمِنْ إطْلَاقَاتِ الْحَيَاةِ عَلَى الْفَضَائِلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
[مَنْ قَالَ إنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ مِثْلُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ]
(سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ إنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَإِنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ الَّذِي يَمْنَعُ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ يَحْرُمُ الْكَلَامُ الَّذِي يَمْنَعُ اسْتِمَاعَ الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ مَرْدُودٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْآنِ عِنْدَ أَئِمَّةِ أُصُولِ الدِّينِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْأَزَلِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ تَعَالَى فَهُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ؛ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ وَلَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ ظَاهِرِ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ مِنْ حَقِيقَةِ التَّشْبِيهِ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ فَإِنَّ الْقُرْآنَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ لِلْقَدِيمِ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ حُرُوفٌ، وَأَصْوَاتٌ حَادِثَةٌ صِفَةٌ لِحَادِثٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي تَفْسِيرِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أَنَّهُ لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَاتٌ وَلَا كَاسْمِهِ اسْمٌ وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْلٌ وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَةٌ وَجَلَّتْ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَادِثَةٌ
стр. 1158
كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ لِلذَّاتِ الْحَادِثَةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ النَّسَفِيِّ وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ: فَإِنَّ أَوْصَافَهُ تَعَالَى مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَجَلُّ وَأَعْلَى مِمَّا فِي الْمَخْلُوقَاتِ بِحَيْثُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا.
وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ عِنْدَ أَئِمَّةِ أُصُولِ الْفِقْهِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ وَلَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا إرَادَةُ حَقِيقَةِ التَّشْبِيهِ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالتِّلَاوَةِ مِنْ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ وَبِأَنَّ الْإِعْجَازَ أَيْضًا مِنْ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْبَلَاغَةِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الدَّقَائِقِ وَالْخَوَاصِّ الْخَارِجَةِ عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ مُخْطِئٌ فِي إطْلَاقِ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّشْبِيهَ فِي أَمْرٍ مَقْبُولٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ التَّجَاسُرِ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَإِنْ اعْتَقَدَ حَقِيقَةَ التَّشْبِيهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ الَّذِي يَمْنَعُ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ وَقِيَاسِ الْكَلَامِ الَّذِي يَمْنَعُ اسْتِمَاعَ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذَا الْإِصْغَاءُ وَالِاسْتِمَاعُ إلَى الْقُرْآنِ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ.
стр. 1159
[السَّمَوَاتِ هَلْ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ أَوْ الْعَكْسُ]
سُئِلَ) عَنْ السَّمَوَاتِ هَلْ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ أَوْ الْعَكْسُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَوَاتِ أَوْ بَعْدَهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِأَقْوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْحُوَهَا قَبْلَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ بَسَطَهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَدْحُوَّةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] الْآيَةَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَصَحُّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا إنَّ السَّمَاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَإِنَّ لَفْظَةَ ثُمَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] لَيْسَتْ
стр. 1160
لِلتَّرْتِيبِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ لِتَعْدِيدِ النِّعَمِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُكَ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ ثُمَّ رَفَعْتُ قَدْرَكَ ثُمَّ دَفَعْتَ الْخُصُومَ عَنْكَ وَلَعَلَّ بَعْضَ مَا أَخَّرَهُ فِي الذِّكْرِ قَدْ تَقَدَّمَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْتِيبٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] بِأَنَّ مَعْنَى بَعْدَ هَاهُنَا مَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أَيْ مَعَ ذَلِكَ زَنِيمٌ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ مُجَاهِدٍ وَالْأَرْضَ مَعَ ذَلِكَ دَحَاهَا، وَفِيمَا تَمَسَّكَ بِهِ أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ثُمَّ التَّرْتِيبُ وَالْأَصْلَ فِي بَعْدَ الْبَعْدِيَّةُ، وَإِبْدَالُ الْحُرُوفِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ مَجَازٌ وَاتِّسَاعٌ فِي اللِّسَانِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ بَعْدَ هَاهُنَا بِمَعْنَى قَبْلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وَهُوَ الْقُرْآنُ.
[هَلْ يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَقْلِ كَمَا يُوصَفُ بِالْعِلْمِ]
(سُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَقْلِ كَمَا يُوصَفُ بِالْعِلْمِ أَوْ يَمْتَنِعُ وَصْفُهُ بِالْعَقْلِ وَعَلَى هَذَا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَهَلْ الْعَقْلُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقًا هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْكَ بِكَ آخُذُ وَبِك أُعْطِي وَبِك أُثِيبُ وَبِكَ أُعَاقِبُ» ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ عِلْمٌ
следующие страницы →