Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
هَذَا أَحَدُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ وَحُكِيَ عَنْ شِهَابِ الدِّينِ الْحِجَازِيِّ الشَّاعِرِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي زَمَنِهِ إنْكَارٌ عَلَى الشَّيْخِ بِسَبَبِ هَذَا الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يُنْكِرُ عَلَى الشَّيْخِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَرَأَى الشَّيْخَ فِي الْمَنَامِ وَقَالَ لَهُ إنَّ هَذَا الْتِفَاتٌ أَيْ عَرَفْتَ يَا عَذُولِي أَمْ لَمْ تَعْرِفْ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لِمَ قَدَّمَ يُحْيِي عَلَى يُمِيتُ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الشَّيْءِ وَهُوَ كَوْنُهُ جَمَادًا سَابِقٌ عَلَى حَيَاتِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا هُوَ الْحَيَاةُ لَا الْمَوْتُ بِنَاءً عَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَمَادِ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَا يَحِلُّهُ الْمَوْتُ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بِصِفَةِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فِي الْعَادَةِ فَيَكُونُ فِيهِ الْحَيَاةُ وَالرُّطُوبَةُ، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ فَالْجَوَابُ إنَّ مِنْ الْحِكْمَةِ فِي تَقْدِيمِ يُحْيِي عَلَى يُمِيتُ الِاهْتِمَامَ بِشَأْنِهِ لِلْإِشَارَةِ أَوَّلًا إلَى الرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَدَرَ عَلَى الْإِحْيَاءِ أَوَّلًا قَدَرَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ ثَانِيًا فَإِنَّ بَدْءَ الْخَلْقِ لَيْسَ بِأَهْوَنَ عَلَيْهِ تَعَالَى مِنْ إعَادَتِهِ وَمِنْهَا أَيْضًا التَّذْكِيرُ أَوَّلًا بِنِعْمَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ خُصُوصًا الْحَيَاةَ الثَّانِيَةَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]
стр. 1157
وَإِنْ حَلَّ قَوْلُهُ يُحْيِي عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ حَتَّى تَشْمَلَ الْحَيَاةُ مَا يَخُصُّ الْإِنْسَانَ مِنْ الْفَضَائِلِ كَالْعَقْلِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ فَفِيهِ تَذْكِيرُ نِعْمَةٍ هِيَ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَمِنْ إطْلَاقَاتِ الْحَيَاةِ عَلَى الْفَضَائِلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
[مَنْ قَالَ إنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ مِثْلُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ]
(سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ إنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَإِنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ الَّذِي يَمْنَعُ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ يَحْرُمُ الْكَلَامُ الَّذِي يَمْنَعُ اسْتِمَاعَ الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ مَرْدُودٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْآنِ عِنْدَ أَئِمَّةِ أُصُولِ الدِّينِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْأَزَلِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ تَعَالَى فَهُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ؛ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ وَلَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ ظَاهِرِ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ مِنْ حَقِيقَةِ التَّشْبِيهِ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ فَإِنَّ الْقُرْآنَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ لِلْقَدِيمِ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ حُرُوفٌ، وَأَصْوَاتٌ حَادِثَةٌ صِفَةٌ لِحَادِثٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي تَفْسِيرِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أَنَّهُ لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَاتٌ وَلَا كَاسْمِهِ اسْمٌ وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْلٌ وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَةٌ وَجَلَّتْ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَادِثَةٌ
стр. 1158
كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ لِلذَّاتِ الْحَادِثَةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ النَّسَفِيِّ وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ: فَإِنَّ أَوْصَافَهُ تَعَالَى مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَجَلُّ وَأَعْلَى مِمَّا فِي الْمَخْلُوقَاتِ بِحَيْثُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا.
وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ عِنْدَ أَئِمَّةِ أُصُولِ الْفِقْهِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ وَلَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا إرَادَةُ حَقِيقَةِ التَّشْبِيهِ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالتِّلَاوَةِ مِنْ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ وَبِأَنَّ الْإِعْجَازَ أَيْضًا مِنْ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْبَلَاغَةِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الدَّقَائِقِ وَالْخَوَاصِّ الْخَارِجَةِ عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ مُخْطِئٌ فِي إطْلَاقِ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّشْبِيهَ فِي أَمْرٍ مَقْبُولٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ التَّجَاسُرِ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَإِنْ اعْتَقَدَ حَقِيقَةَ التَّشْبِيهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ الَّذِي يَمْنَعُ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ وَقِيَاسِ الْكَلَامِ الَّذِي يَمْنَعُ اسْتِمَاعَ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذَا الْإِصْغَاءُ وَالِاسْتِمَاعُ إلَى الْقُرْآنِ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ.
стр. 1159
[السَّمَوَاتِ هَلْ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ أَوْ الْعَكْسُ]
سُئِلَ) عَنْ السَّمَوَاتِ هَلْ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ أَوْ الْعَكْسُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَوَاتِ أَوْ بَعْدَهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِأَقْوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْحُوَهَا قَبْلَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ بَسَطَهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَدْحُوَّةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] الْآيَةَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَصَحُّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا إنَّ السَّمَاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَإِنَّ لَفْظَةَ ثُمَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] لَيْسَتْ
стр. 1160
لِلتَّرْتِيبِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ لِتَعْدِيدِ النِّعَمِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُكَ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ ثُمَّ رَفَعْتُ قَدْرَكَ ثُمَّ دَفَعْتَ الْخُصُومَ عَنْكَ وَلَعَلَّ بَعْضَ مَا أَخَّرَهُ فِي الذِّكْرِ قَدْ تَقَدَّمَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْتِيبٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] بِأَنَّ مَعْنَى بَعْدَ هَاهُنَا مَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أَيْ مَعَ ذَلِكَ زَنِيمٌ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ مُجَاهِدٍ وَالْأَرْضَ مَعَ ذَلِكَ دَحَاهَا، وَفِيمَا تَمَسَّكَ بِهِ أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ثُمَّ التَّرْتِيبُ وَالْأَصْلَ فِي بَعْدَ الْبَعْدِيَّةُ، وَإِبْدَالُ الْحُرُوفِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ مَجَازٌ وَاتِّسَاعٌ فِي اللِّسَانِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ بَعْدَ هَاهُنَا بِمَعْنَى قَبْلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وَهُوَ الْقُرْآنُ.
[هَلْ يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَقْلِ كَمَا يُوصَفُ بِالْعِلْمِ]
(سُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَقْلِ كَمَا يُوصَفُ بِالْعِلْمِ أَوْ يَمْتَنِعُ وَصْفُهُ بِالْعَقْلِ وَعَلَى هَذَا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَهَلْ الْعَقْلُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقًا هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْكَ بِكَ آخُذُ وَبِك أُعْطِي وَبِك أُثِيبُ وَبِكَ أُعَاقِبُ» ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ عِلْمٌ
стр. 1161
مَانِعٌ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي مَأْخُوذٌ مِنْ الْعِقَالِ وَهَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ يَدْعُوهُ الدَّاعِي فِيمَا لَا يَنْبَغِي وَالْعَقْلُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ إذْ هُوَ أَسَاسٌ لَهُ وَلِجَمِيعِ التَّكَالِيفِ وَالْعِبَادَاتِ وَهُوَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ الْوَاجِبِ حِفْظُهُمَا فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْمَرْوِيِّ الْمَذْكُورِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُ.
[هَلْ الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ]
(سُئِلَ) هَلْ الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِإِقْرَارِهِ بِالتَّوْحِيدِ فِي عَالَمِ الذَّرِّ كَمَا شَمَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] عَلَى الْفِطْرَةِ وَلِقَوْلِ النَّوَوِيِّ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ أَطْفَالِ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ فَكَيْفَ بِالْغُلَامِ الْمَذْكُورِ الَّذِي أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ يُعَذَّبُ كَالْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ نَصٍّ بِذَلِكَ أَوْ هُوَ كَافِرٌ يَخْلُدُ فِي النَّارِ لِقِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَلِحَدِيثِ «وَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ فَكَانَ طُبِعَ كَافِرًا» نَقَلَهُمَا الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَمَا الْجَوَابُ عَمَّا ذُكِرَ فِي الْأَوَّلِ وَمَا الْجَمْعُ
стр. 1162
بَيْنَ قِرَاءَةِ كَانَ كَافِرًا وَحَدِيثِ «يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَهَلْ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِمَّنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا» وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ هَلْ كَانَ بَالِغًا أَوْ لَا فَقَالَ بِالْأَوَّلِ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالْكَلْبِيُّ وَكَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَانَ رَجُلًا وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ تُسَمِّيَ الرَّجُلَ صَبِيًّا إلَى أَرْبَعِينَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِقَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ بِنَفْسٍ وَبِغَيْرِ نَفْسٍ، وَقِرَاءَةُ أَبِي وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا، وَالْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ مِنْ صِفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ إلَّا بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ نَحْوَهُمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فَتَعَيَّنَ أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ، وَقَالَ وَبِالثَّانِي جَمَاعَةٌ وَعَلَى هَذَا فَتَسْمِيَتُهُ كَافِرًا إمَّا مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ لَوْ بَلَغَ فَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ إذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِتَعْذِيبِهِ فَضْلًا عَنْ خُلُودِهِ فِي النَّارِ، وَإِمَّا حَقِيقَةٌ وَتَكُونُ الْأَحْكَامُ إذْ ذَاكَ مَنُوطَةٌ بِالتَّمْيِيزِ. وَهَذَا نَظِيرُ مَا ذُكِرَ فِي شَرِيعَتِنَا فَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا صَارَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْبُلُوغِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَالَ السُّبْكِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ أُنِيطَتْ بِخَمْسَةَ
стр. 1163
عَشَرَ عَامَ الْخَنْدَقِ فَقَدْ تَكُونُ مَنُوطَةً قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِّ التَّمْيِيزِ وَيُؤَيَّدُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ عَلِيٍّ ﵁ مَعَ كَوْنِهِ صَبِيًّا.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ لِصَاحِبِهِ وَقَدْ حَضَرَ جَمَاعَةً يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى قُمْ فَاذْكُرْ اللَّهَ مَعَهُمْ فَقَالَ سَيْفُ الشَّرْعِ قَطَعَنِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مَعَهُمْ وَهُوَ أَنَّى أَرَى مِنْ نَفْسِي أَنَّهَا لَا تُقَدَّمُ لِذَلِكَ إلَّا بِمُجَرَّدِ كَلَامِكَ فَسَحَبَهُ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلْإِيذَاءِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَحْرُمُ السَّحْبُ عَلَى فَاعِلِهِ لِإِيذَائِهِ الْمَسْحُوبَ.
[السَّيِّدِ الْخَضِرِ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَوْ وَلِيٌّ وَهَلْ هُوَ حَيٌّ الْآنَ]
(سُئِلَ) عَنْ السَّيِّدِ الْخَضِرِ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَوْ وَلِيٌّ وَهَلْ هُوَ حَيٌّ الْآنَ أَمْ مَيِّتٌ وَهَلْ هُوَ خَلْقٌ مِنْ الْبَشَرِ أَمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَإِذَا كَانَ حَيًّا فَأَيْنَ مَقَرُّهُ وَمَا مَأْكَلُهُ وَمُشْرَبُهُ وَكَذَلِكَ سَيِّدُنَا إلْيَاسَ ﵇ وَقَوْمُ يُونُسَ السُّؤَالُ عَنْهُمَا كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) أَمَّا السَّيِّدُ الْخَضِرُ فَالصَّحِيحُ كَمَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ نَبِيٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى وَ ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] أَيْ الْوَحْيَ وَالنُّبُوَّةَ لَا وَلِيٌّ، وَإِنْ خَالَفَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ لَمْ يَكُنْ الْخَضِرُ نَبِيًّا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّحِيحُ أَيْضًا أَنَّهُ حَيٌّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ وَالْعَامَّةُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ
стр. 1164
وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصُّوفِيَّةِ، وَأَهْلِ الصَّلَاحِ وَحِكَايَتُهُمْ فِي رُؤْيَتِهِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهِ وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَسُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ وَوُجُودِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى. اهـ. وَالصَّحِيحُ أَيْضًا أَنَّهُ مِنْ الْبَشَرِ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَمَقَرُّ السَّيِّدِ الْخَضِرِ وَالسَّيِّدِ إلْيَاسَ أَرْضُ الْعَرَبِ فَقَدْ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إنَّ الْخَضِرَ، وَإِلْيَاسَ لَا يَزَالَانِ حَيَّيْنِ فِي الْأَرْضِ مَا دَامَ الْقُرْآنُ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا رُفِعَ مَاتَا وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ فِي الْأَرْضِ لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ وَهِيَ أَرْضُ الْعَرَبِ بِدَلِيلِ تَصَرُّفِهِمَا فِيهَا غَالِبًا دُونَ أَرْضِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَأَقَاصِي جُزُرِ الْهِنْدِ وَالسِّنْدِ مِمَّا لَا يَقْرَعُ السَّمْعَ اسْمُهُ وَلَا يُعْلَمُ عِلْمُهُ.
وَأَمَّا السَّيِّدُ إلْيَاسُ فَهُوَ إلْيَاسُ بْنُ يَاسِينَ سِبْطُ هَارُونَ أَخِي مُوسَى وَقِيلَ إنَّهُ إدْرِيسُ وَقِيلَ إنَّهُ الْخَضِرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إلْيَاسُ صَاحِبُ الْبَرَارِي وَالْخَضِرُ صَاحِبُ الْجَزَائِرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَدْ قَالُوا إنَّهُ لَمَّا عَظُمَتْ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ وَنَسُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ إلْيَاسَ نَبِيًّا وَتَبِعَهُ الْيَسَعُ وَآمَنَ بِهِ فَلَمَّا عَتَا عَلَيْهِ بَنُو إسْرَائِيلَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُرِيحَهُ مِنْهُمْ
стр. 1165
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى سَلْنِي أُعْطِكَ قَالَ تَرْفَعُنِي إلَيْك وَتُؤَخِّرُ عَنِّي مَذَاقَةَ الْمَوْتِ فَقِيلَ لَهُ اُخْرُجْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَمَا اسْتَقْبَلَكَ مِنْ شَيْءٍ فَارْكَبْهُ وَلَا تَهَبْهُ فَخَرَجَ وَمَعَهُ الْيَسَعُ فَقَالَ الْيَسَعُ يَا إلْيَاسُ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ فَلَمَّا رُفِعَ رَمَى إلَيْهِ كِسَاءَهُ مِنْ الْجَوِّ الْأَعْلَى وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ اسْتِخْلَافِهِ إيَّاهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ ثُمَّ قَطَعَ اللَّهُ عَنْ إلْيَاسَ حَاجَةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَكَسَاهُ الرِّيشَ، وَأَلْبَسَهُ النُّورَ وَطَارَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فَصَارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَمَائِيًّا أَرْضِيًّا وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ مَرِضَ، وَأَحَسَّ بِالْمَرَضِ فَبَكَى فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَتَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا أَمْ جَزَعًا مِنْ الْمَوْتِ أَمْ خَوْفًا مِنْ النَّارِ فَقَالَ لَا وَعِزَّتِكَ، وَإِنَّمَا جَزَعِي كَيْفَ يَحْمَدُكَ الْحَامِدُونَ بَعْدِي وَلَا أَذْكُرُكَ وَيَصُومُ الصَّائِمُونَ بَعْدِي وَلَا أَصُومُ وَيُصَلِّي الْمُصَلُّونَ وَلَا أُصَلِّي قَالَ لَهُ يَا إلْيَاسُ وَعِزَّتِي لَأَخَّرْتُكَ إلَى وَقْتٍ لَا يَذْكُرُنِي فِيهِ ذَاكِرٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ نَقَلُوا أَنَّ الْخَضِرَ، وَإِلْيَاسَ يَكُونَانِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ شَهْرَ رَمَضَانَ فَيَصُومَانِهِ وَيَجْتَمِعَانِ فِي كُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ وَيَقُولَانِ عِنْدَ افْتِرَاقِهِمَا مِنْ الْمَوْسِمِ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَسُوقُ الْخَيْرَ إلَّا اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَصْرِفُ السُّوءَ
стр. 1166
إلَّا اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا تَكُونُ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَوَرَدَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا كُنَّا عِنْدَ الْحَجَرِ سَمِعْنَا صَوْتًا يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمَرْحُومَةِ الْمَغْفُورِ لَهَا الْمَتُوبِ عَلَيْهَا الْمُسْتَجَابِ لَهَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَنَسُ اُنْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ فَدَخَلْتُ الْجَبَلَ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ فَلَمَّا نَظَرَ إلَيَّ قَالَ أَنْتَ رَسُولُ النَّبِيِّ قُلْت نَعَمْ قَالَ ارْجِعْ إلَيْهِ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ هَذَا أَخُوكَ إلْيَاسُ يُرِيدُ لِقَاءَكَ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى إذَا كُنَّا قَرِيبًا مِنْهُ تَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَتَأَخَّرْتُ فَتَحَدَّثَا طَوِيلًا فَنَزَلَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنْ السَّمَاءِ يُشْبِهُ السُّفْرَةَ فَدَعَوْنِي فَأَكَلْتُ مَعَهُمَا فَإِذَا فِيهَا كَمْأَةٌ وَرُمَّانٌ وَكَرَفْسٌ فَلَمَّا أَكَلْت قُمْت فَتَنَحَّيْت وَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَاحْتَمَلَتْهُ فَإِذَا أَنَا أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ ثِيَابِهِ فِيهَا فَقُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي أَكَلْنَاهُ أَمِنْ السَّمَاءِ نَزَلَ عَلَيْهِ
стр. 1167
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ يَأْتِينِي بِهِ جِبْرِيلُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَكْلَةٌ وَفِي كُلِّ حَوْلٍ شَرْبَةٌ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ» .
وَأَمَّا قَوْمُ يُونُسَ فَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأَقَامَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَتَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ تِسْعَ سِنِينَ فَأَبَوْا فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ إيمَانِهِمْ أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنْ أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ يُصَبِّحُهُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَقِيلَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ اُرْقُبُوهُ فَإِنْ أَقَامَ مَعَكُمْ وَبَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ ارْتَحَلَ عَنْكُمْ فَنُزُولُ الْعَذَابِ عَلَيْكُمْ لَا شَكَّ فِيهِ فَلَمَّا دَنَا الْمَوْعِدُ غَامَتْ السَّمَاءُ غَيْمًا أَسْوَدَ ذَا دُخَانٍ شَدِيدٍ فَهَبَطَ حَتَّى غَشِيَ مَدِينَتَهُمْ فَخَافُوا فَطَلَبُوا يُونُسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأَيْقَنُوا بِصِدْقِهِ فَتَابُوا وَدَعَوْا اللَّهَ وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَبَرَزُوا إلَى الصَّعِيدِ بِأَنْفُسِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَحَنَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَعَلَتْ الْأَصْوَاتُ وَالضَّجِيجُ، وَأَخْلَصُوا التَّوْبَةَ، وَأَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَرَدُّوا الْمَظَالِمَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَتَضَرَّعُوا إلَى اللَّهِ فَرَحِمَهُمْ وَكَشَفَ عَنْهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ قَبْلَ آدَمَ كَذَا وَكَذَا بَشَرًا يُسَمَّى كُلٌّ مِنْهُمْ آدَمَ وَقَبْلَ جِبْرِيلَ كَذَا وَكَذَا مَلَكًا يُسَمَّى كُلٌّ مِنْهُمْ
стр. 1168
جِبْرِيلَ وَيَخْلُقُ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَنَّةً وَنَارًا وَحِسَابًا وَعِقَابًا فَهَلْ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا قَالَهُ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ قِيلَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِعَدَمِ وُرُودِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا الشَّمْسَ السَّخَاوِيَّ قَالَ: إنَّ الْبَيْهَقِيّ رَوَى فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ كِتَابِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قَالَ سَبْعُ أَرْضِينَ فِي كُلِّ أَرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ وَآدَمُ كَآدَمَ وَنُوحٌ كَنُوحٍ، وَإِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى كَعِيسَى وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الضُّحَى بِلَفْظِ فِي كُلِّ أَرْضٍ نَحْوُ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عَقِبَهُ: إسْنَادُهُ هَذَا صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ شَاذٌّ بِمُرَّةَ لَا أَعْلَمُ لِأَبِي الضُّحَى عَلَيْهِ مُتَابِعًا وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ عَزْوِهِ لِابْنِ جَرِيرٍ بِلَفْظِ فِي كُلِّ أَرْضٍ مِنْ الْخَلْقِ مِثْلُ مَا فِي هَذِهِ حَتَّى آدَمَ كَآدَمَ، وَإِبْرَاهِيمَ كَإِبْرَاهِيمَ وَهُوَ مَحْمُولٌ إنْ صَحَّ نَقْلُهُ عَنْهُ أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات وَذَلِكَ وَأَمْثَالُهُ إنْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَيَصِحُّ سَنَدُهُ إلَى مَعْصُومٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ.
[كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي النَّبِيِّ الْقُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ]
(سُئِلَ) عَنْ كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي
стр. 1169
النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ وَهُوَ مِنْ اللَّهِ وَهَلْ بَيْنَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاسِطَةٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى وَثَانِيهَا أَنَّهُ الْمَعْنَى خَاصَّةً، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَتَمَسَّكَ هَذَا الْقَائِلُ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] وَالْمُنَزَّلُ عَلَى الْقَلْبِ هُوَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَثَالِثُهَا أَنَّ جِبْرِيلَ أَلْقَى عَلَيْهِ الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ يَقْرَءُونَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي جِبْرِيلَ الْقُرْآنَ عَلَى أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهُ إيَّاهُ وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ جِبْرِيلَ تَلَقَّفَهُ تَلَقُّفًا رُوحَانِيًّا وَثَانِيهَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ وَثَالِثُهَا أَنَّهُ حَفِظَهُ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَيْ بِأَمْرِ إسْرَافِيلَ كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي أَحَادِيثَ.
[الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ هَلْ هُوَ قَبْلَ وَزْنِ الْأَعْمَالِ أَمْ بَعْدَهُ]
(سُئِلَ) عَنْ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ هَلْ هُوَ قَبْلَ وَزْنِ الْأَعْمَالِ أَمْ بَعْدَهُ وَفِي سُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْقُبُورِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: لِلْمَقْبُورِ أَوْ عَامٌّ لِلْمَقْبُورِ وَغَيْرِهِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِهِ
стр. 1170
أَيْضًا مَجْمَعَ الْجَوَامِعِ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ إنَّ «الْمَيِّتَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ» يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَقْبُورِ، وَالظَّاهِرُ الْعُمُومُ لِلْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ، وَأَكْلِ السِّبَاعِ وَغَيْرِهِمْ وَالْحَدِيثُ وَرَدَ عَلَى الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ وَمَا مَعْنَى قَوْلِ الْإِشْبِيلِيِّ لَيْسَ فِي إحْيَاءِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ إحَالَةٌ. وَهَلْ الْمَيِّتُ يُسْأَلُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَرَ أَمْ لَا وَهَلْ الشَّهِيدُ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةِ الْقِتَالِ يُسْأَلُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ قَبْلَ وَزْنِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْوَزْنِ إلَّا الِاسْتِقْرَارُ فِي أَحَدِ الدَّارَيْنِ إلَى أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ إخْرَاجَ مَنْ قَضَى بِتَعْذِيبِهِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ، وَسُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ عَامٌّ لِلْمَقْبُورِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ مَصْلُوبًا أَوْ غَرِيقًا أَوْ مَأْكُولًا لِلدَّوَابِّ أَوْ أُحْرِقَ حَتَّى صَارَ رَمَادًا وَذُرِّيَ فِي الرِّيحِ كَمَا جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ تَبَرَّكَ الْجَلَالُ الْمُحَقِّقُ الْمَحَلِّيُّ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فِي التَّعْبِيرِ بِالْمَقْبُورِ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ. وَمَعْنَى كَلَامِ الْإِشْبِيلِيِّ أَنَّ كُلًّا مِنْ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لَهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ عَقْلًا وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَنْهُ فَهُوَ حَقٌّ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَقْبُورَ يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ، وَأَنَّ
стр. 1171
غَيْرَهُ يُسْأَلُ أَيْضًا وَشَهِيدُ غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ لَا الْمَبْطُونُ فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ.
(سُئِلَ) عَمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا فَمَا الْأَفْضَلُ مِنْ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ قَالَ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ صَحِيحٍ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ أَفْضَلَ الْخَمْسِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إذْ يُعْتَبَرُ فِيهَا تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقَلْبِ فِي جَمِيعِ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ إذْ هُوَ مَبْنَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ثُمَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ الصَّوْمُ ثُمَّ الْحَجُّ ثُمَّ الزَّكَاةُ نَعَمْ إنْ عَرَضَتْ حَالَةٌ تَقْتَضِي الْمُوَاسَاةَ لِمُضْطَرٍّ بِالزَّكَاةِ كَانَتْ أَفْضَلَ وَقِسْ الْحَجَّ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرَهَا.
وَمُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ الْحَدِيثَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا
стр. 1172
اخْتَلَفَتْ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنَّهُ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا وَقَدْ تَظَافَرَتْ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ أَوْ أَنَّ الْأَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ أَيْ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ فِي غَيْرِ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ الْبَدَنِيَّةُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ.
[الْعَمَى هَلْ يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ]
(سُئِلَ) عَنْ الْعَمَى هَلْ يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ نَقَلَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ امْتِنَاعَ وُقُوعِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ لِسَيِّدِنَا يَعْقُوبَ وَشُعَيْبٍ غِشَاوَةٌ وَقِيلَ بَلْ عَمًى وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ لَمَّا جَاءَهُ الْقَمِيصُ وَقِيلَ إنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ يَجُوزُ الْعَمَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ حُكِيَ وُقُوعُهُ لِسَيِّدِنَا يَعْقُوبَ
стр. 1173
وَشُعَيْبٍ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] فَقِيلَ إنَّ الْعَبْرَةَ مَحَقَتْ سَوَادَهُمَا وَقَلَبَتْهُ إلَى الْبَيَاضِ وَقِيلَ ضَعُفَ بَصَرُهُ وَكَانَ يُبْصِرُ يَسِيرًا وَقِيلَ عَمِيَ سِتَّ سِنِينَ قَالَهُ مُقَاتِلٌ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] إذْ مَا سِوَى الْبَصِيرِ هُوَ الْأَعْمَى وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْحَقُّ لَمْ يَعْمَ نَبِيٌّ أَبَدًا، وَإِنَّمَا حَصَلَ لِيَعْقُوبَ غِشَاوَةٌ وَزَالَتْ وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ النُّبُوَّةِ السَّلَامَةَ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُنَفِّرَةِ كَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
[الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ هَلْ هُمَا حَرَامَانِ]
(سُئِلَ) عَنْ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ هَلْ هُمَا حَرَامَانِ أَمْ لَا أَمْ الْفِرَارُ وَحْدَهُ وَهَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا» الْبَلَدُ الَّذِي هُوَ فِيهَا أَمْ جَمِيعُ الْإِقْلِيمِ وَهَلْ يَكُونُ الْفِرَارُ حَرَامًا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ حَرَامٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الطَّاعُونُ مَوْتٌ شَامِلٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفِرَّ مِنْ أَرْضٍ نَزَلَ فِيهَا، وَأَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ خَارِجًا عَنْ الْأَرْضِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا وَقَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. اهـ. أَيْ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَنْهُمَا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهِيَ التَّحْرِيمُ مَا لَمْ يَصْرِفْ
стр. 1174
عَنْهَا صَارِفٌ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ النَّهْيَ عَنْهُمَا لِلتَّنْزِيهِ وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ لِلتَّحْرِيمِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْقُدُومِ عَلَيْهِ لِلتَّنْزِيهِ وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «إذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ» مَحَلُّ الْإِقَامَةِ الْوَاقِعُ بِهِ الطَّاعُونُ سَوَاءٌ كَانَ بَلَدًا أَمْ قَرْيَةً أَمْ مَحَلَّةً أَوْ غَيْرَهَا لَا جَمِيعُ الْإِقْلِيمِ، وَالْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ حَرَامٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَإِنْ عَمَّ جَمِيعَ الْبِلَادِ لِشُمُولِ النَّهْيِ وَعِلَلِهِ.
[الْأَطْفَال والسقط هَلْ يَأْتُونَ إلَى الْمَحْشَر ركبانا كَالْمُتَّقِينَ]
(سُئِلَ) عَنْ الْأَطْفَالِ وَالسِّقْطِ هَلْ يَأْتُونَ إلَى الْمَحْشَرِ رُكْبَانًا كَالْمُتَّقِينَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ يَأْتُونَ الْمَحْشَرَ رُكْبَانًا كَالْمُتَّقِينَ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ قُطِعَ رَأْسُهُ وَدُفِنَ بِمَكَانٍ آخَرَ هَلْ يُسْأَلُ الرَّأْسُ أَمْ بَاقِي الْبَدَنِ أَمْ كِلَاهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ السُّؤَالَ لِلرَّأْسِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى اللِّسَانِ الْمُجِيبِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ
(سُئِلَ) هَلْ يُحْشَرُ الْأَطْفَالُ وَالسُّقُوطُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَارِهِمْ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) تُحْشَرُ الْأَطْفَالُ وَالسُّقُوطُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ هَذَا مُقْتَضَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ لَكِنْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ إنَّ سِقْطَ الْمَرْأَةِ يَكُونُ فِي نَهْرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَتَقَلَّبُ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَيُبْعَثُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
[مَاهِيَّة الميزان وَمَا الْمَوْزُون]
(سُئِلَ) عَنْ الْمِيزَانِ هَلْ وَرَدَ أَنَّهُ مِنْ
стр. 1175
كَذَا وَمَا الْمَوْزُونُ؟ الْأَعْمَالُ وَحْدَهَا أَمْ صُحُفُهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمِيزَانَ ذُو لِسَانٍ وَكِفَّتَيْنِ، وَأَنَّ كِفَّةَ الْحَسَنَاتِ مِنْ نُورٍ وَكِفَّةَ السَّيِّئَاتِ مِنْ ظُلْمَةٍ وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْزُونَ أَشْخَاصُ الْأَعْمَالِ بِأَنْ تَصِيرَ جَوَاهِرَ وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْزُونَ صُحُفُهَا وَرَجَّحَ كُلًّا مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ.
[الْأَرْوَاحِ هَلْ وَرَدَ أَنَّهَا تَأْتِي إلَى الْقُبُورِ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ]
(سُئِلَ) عَنْ الْأَرْوَاحِ هَلْ وَرَدَ أَنَّهَا تَأْتِي إلَى الْقُبُورِ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ تَزُورُهَا وَتَمْكُثُ عَلَى ظَاهِرِهَا إلَى غُرُوبِ شَمْسِهَا، وَإِنَّهَا تَأْتِي دُورَ أَهْلِهَا وَهَلْ تَأْتِي إلَى الْقُبُورِ فِي سَائِرِ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ وَهَلْ تُبْصِرُ مَنْ هُنَاكَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَوْدُ الرُّوحِ إلَى الْجَسَدِ فِي الْقَبْرِ لِسَائِرِ الْمَوْتَى وَقَدْ قَالَ الْيَافِعِيُّ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى تُرَدُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مِنْ عِلِّيِّينَ أَوْ مِنْ سِجِّينٍ إلَى أَجْسَادِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ عِنْدَ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخُصُوصًا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَجْلِسُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ وَيُنَعَّمُ أَهْلُ التَّنْعِيمِ وَيُعَذَّبُ أَهْلُ الْعَذَابِ قَالَ وَتَخْتَصُّ الْأَرْوَاحُ دُونَ الْأَجْسَادِ بِالنَّعِيمِ وَالْعَذَابِ مَا دَامَتْ فِي عِلِّيِّينَ أَوْ فِي سِجِّينٍ وَفِي الْقَبْرِ يَشْتَرِكُ الرُّوحُ وَالْجَسَدُ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّائِرَ مَتَى جَاءَ عَلِمَ بِهِ الْمَزُورُ وَسَمِعَ كَلَامَهُ، وَأَنِسَ بِهِ وَهَذَا عَامٌّ فِي
стр. 1176
حَقِّ الشُّهَدَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ أَثَرِ الضِّحَاكِ الدَّالِّ عَلَى التَّوْقِيتِ فَتَكُونُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالْبَدَنِ بِحَيْثُ إذَا سَلَّمَ الْمُسْلِمُ عَلَى صَاحِبِهِمَا رَدَّ ﵇ وَهِيَ فِي مَكَانِهَا هُنَاكَ وَقَدْ مَثَّلَ بَعْضُهُنَّ ذَلِكَ بِالشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ وَشُعَاعِهَا فِي الْأَرْضِ. وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ قَالَ رَأَيْتُ عَاصِمًا فِي النَّوْمِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسِنِينَ فَقُلْتُ هَلْ تَعْلَمُونَ بِزِيَارَتِنَا إيَّاكُمْ قَالَ نَعَمْ نَعْلَمُ بِهَا عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ كُلَّهُ وَيَوْمَ السَّبْتِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ دُونَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا قَالَ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَعِظَمِهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا تَزُورُ قُبُورَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الدَّوَامِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا تَأْتِي قُبُورَهَا وَدُورَ أَهْلِهَا فِي وَقْتٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مَأْذُونٌ لَهَا فِي التَّصَرُّفِ، وَإِنَّهَا تُبْصِرُ مَنْ هُنَاكَ سَوَاءٌ أَتَتْ إلَى الْقُبُورِ أَمْ الدُّورِ.
(سُئِلَ) عَنْ أَرْوَاحِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي زَمَنِ الْوَبَاءِ هَلْ هُمْ فِي حَسْرَةٍ وَوَحْشَةٍ لِفِرَاقِ أَهْلِهِمْ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ أَرْوَاحَ الْأَطْفَالِ فِي فَرَحٍ وَسُرُورٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ شَبْعَانَ رَيَّانَ يَقُولُ
стр. 1177
يَا رَبِّ اُرْدُدْ عَلَيَّ أَبَوَيَّ» .
[مَعْنَى قَوْله تَعَالَى فَعَصَى آدَم رَبَّهُ فَغَوَى]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى فَ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] فَإِنَّ الْعِصْيَانَ مِنْ الْكَبَائِرِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] وَالْغِوَايَةُ تُؤَكِّدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وَقَالَ ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] وَالتَّوْبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ وَقَالَ ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩] وَ ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وَالظُّلْمُ ذَنْبٌ وَالْخُسْرَانُ لَوْلَا الْمَغْفِرَةُ دَلِيلُ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وَقَالَ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] وَاسْتِحْقَاقُ الْإِخْرَاجِ بِسَبَبِ إزْلَالِ الشَّيْطَانِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الصَّادِرِ مِنْهُمَا كَبِيرَةً؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْجَوَابَ مِنْ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلِ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حِينَئِذٍ وَالْمُدَّعِي مُطَالَبٌ بِالْبَيَانِ إذْ كَيْفَ يَدَّعِي أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُمَّةَ لَهُ هُنَاكَ كَانَ نَبِيًّا مَبْعُوثًا لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ وَهَلْ كَانَ الِاجْتِبَاءُ بِالتَّوْبَةِ إلَّا بَعْدَ تِلْكَ الْقِصَّةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [طه: ١٢٢] ثُمَّ إنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَالْمُهْلَةِ فَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. الثَّانِي أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ظَالِمًا وَخَاسِرًا؛ لِأَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَخَسِرَ حَظَّهُ بِتَرْكِ الْأَوْلَى بِهِ، وَأَمَّا إسْنَادُ الْغَيِّ وَالْعِصْيَانِ
стр. 1178
إلَيْهِ مَعَ صِغَرِ زَلَّتِهِ فَتَعْظِيمٌ لَهَا وَزَجْرٌ بَلِيغٌ لِأَوْلَادِهِ عَنْهَا، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالتَّوْبَةِ تَلَافِيًا لِمَا فَاتَهُ، وَجَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى مُعَاتَبَةً لَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَوَفَاءً بِمَا قَالَهُ لِلْمَلَائِكَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْجَنَّةِ بِهَذَا السَّبَبِ. الثَّالِثِ: أَنَّهُ فَعَلَهُ نَاسِيًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وَلَكِنَّهُ عُوتِبَ بِتَرْكِ التَّحَفُّظِ عَنْ أَسْبَابِ النِّسْيَانِ، وَلَعَلَّهُ وَإِنْ حُطَّ عَنْ الْأُمَّةِ لَمْ يُحَطَّ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ لِعِظَمِ قَدْرِهِمْ وَكَثْرَةِ مَعَارِفِهِمْ وَعُلُوِّ مَنَازِلِهِمْ إذْ يَلْزَمُهُمْ مِنْ التَّحَفُّظِ وَالتَّيَقُّظِ مَا لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُمْ كَمَا قَالَ ﷺ «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: «الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْعُلَمَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ» وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] .
أَوْ ادَّعَى فِعْلَهُ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ السَّيِّئَةِ الْمُقَدَّرَةِ دُونَ الْمُؤَاخَذَةِ كَتَنَاوُلِ السُّمِّ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ، وَهَذَا الثَّالِثُ جَارٍ عَلَى رَأْيِ مَنْ جَوَّزَ وُقُوعَ الذَّنْبِ مِنْهُمْ سَهْوًا. الرَّابِعِ أَنَّ آدَمَ أَقْدَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ اجْتِهَادٍ أَخْطَأَ فِيهِ فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى عَيْنِ تِلْكَ
стр. 1179
الشَّجَرَةِ فَتَنَاوَلَ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ نَوْعِهَا وَكَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْإِشَارَةَ إلَى النَّوْعِ كَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَخَذَ حَرِيرًا وَذَهَبًا بِيَدِهِ وَقَالَ هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَإِنَّمَا جَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الْخَطِيئَةِ لِيَجْتَنِبَهَا أَوْلَادُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا أَكَلَ بَعْدَ أَنْ سَقَتْهُ حَوَّاءُ الْخَمْرَ فَكَانَ فِي غَيْرِ عَقْلِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ يَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ وَكَانَا يَحْلِفَانِ بِاَللَّهِ إنَّهُ مَا أَكَلَ مِنْ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهَذَا فَاسِدٌ نَقْلًا وَعَقْلًا أَمَّا النَّقْلُ فَلَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ فَقَالَ ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مَعْصُومُونَ عَمَّا يُؤَدِّي إلَى الْإِخْلَالِ بِالْفَرَائِضِ وَاقْتِحَامِ الْجَرَائِمِ.
[الْأَرْضِينَ هَلْ هِيَ طِبَاقٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ]
(سُئِلَ) عَنْ الْأَرْضِينَ هَلْ طِبَاقٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: إنَّهَا سَبْعُ أَرْضِينَ طِبَاقًا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ مَسَافَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ كَمَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ وَفِي كُلِّ أَرْضٍ سُكَّانٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، ثَانِيهَا سَبْعُ أَرْضِينَ وَلَكِنَّهَا مُطْبَقَةٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ فُتُوقٍ فَلَا فُرْجَةَ بَيْنَهُنَّ بِخِلَافِ السَّمَوَاتِ وَثَالِثُهَا
стр. 1180
أَنَّهَا سَبْعَةُ أَقَالِيمَ لِظُهُورِ أَمْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ فِي إقْلِيمٍ مِنْهَا وَرَابِعُهَا أَنَّهَا سَبْعُ أَرْضِينَ مُنْبَسِطَةٍ لَيْسَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ يُفَرِّقُ بَيْنَهَا الْبِحَارُ. وَقِيلَ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ فِي التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ خَبَرَ «أَنَّ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَاَلَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كِثْفُ الْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَكِثَفُ الثَّانِيَةِ مِثْلُ ذَلِكَ وَمَا بَيْنَ كُلِّ أَرْضِينَ مِثْلُ ذَلِكَ» .
(سُئِلَ) عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ كُلِّ إمَامٍ مَا لَمْ يَتَتَبَّعْ الرُّخَصَ وَمَا مَعْنَى قَوْلِ أَهْلِ الْأُصُولِ إنَّهُ يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ اعْتِقَادُ أَرْجَحِيَّةِ مَذْهَبِ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَوْ مُسَاوَاتِهِ لِغَيْرِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَهَلْ إذَا وَجَدَ الْإِنْسَانُ فِي كُتُبِ الْمُقَلِّدِينَ الْآنَ مَنْقُولَاتٍ عَنْ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ ذَوِي الْمَذَاهِبِ الْمَهْجُورَةِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِهِ وَالْعَمَلُ تَقْلِيدًا لِلْمَنْقُولِ عَنْهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ الْمَذْكُورُ وَقَوْلُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ الْمَذْكُورِ وَاضِحُ الْمَعْنَى إذْ الِاعْتِقَادُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ فَضْلًا عَنْ النَّظَرِ فِيهِ لِحُصُولِهِ
стр. 1181
بِالتَّسَامُعِ بَيْنَ النَّاسِ وَنَحْوِهِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَى الْوَاحِدِ تَقْلِيدُ الْمُنْتَقَلِ عَنْهُ لَا لِنَقْضِ اجْتِهَادِهِ بَلْ لِانْتِفَاءِ الثِّقَةِ بِمَذْهَبِهِ إذْ شُهْرَةُ الْمَذَاهِبِ سَبَبٌ لِظُهُورِ تَقْيِيدِ مُطْلَقِهَا وَتَخْصِيصِ عُمُومِهَا وَبِانْتِفَائِهَا تَنْتَفِي الثِّقَةُ بِمَذْهَبِهِ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ رَوَى حَدِيثًا هُوَ «مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ عَمِلَهَا إلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فَاعْتُرِضَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْ» فَهَلْ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ أَمْ بَاطِلٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَمَا الْجَوَابُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِ «مَا أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ أَخْطَأَ أَوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَيْسَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا» وَهُوَ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظِيمِ شَرَفِهِ وَرِفْعَةِ مَنْزِلَتِهِ زِيَادَةً عَلَى عِصْمَتِهِ. ثَانِيهَا إبْقَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ لَهُ وَجَوَازُ وُقُوعِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْهُ ﷺ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. ثَالِثُهَا أَنَّ أَوْ فِيهِ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَيَكْفِي فِي صِدْقِهِ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْهَمِّ مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ إذْ هُوَ مَيْلُ الطَّبْعِ وَمُنَازَعَةُ الشَّهْوَةِ لَا الْقَصْدُ الِاخْتِيَارِيُّ وَلَيْسَ دَاخِلًا
стр. 1182
تَحْتَ التَّكْلِيفِ بَلْ الْحَقِيقُ بِالْمَدْحِ وَالْأَجْرِ الْجَزِيلِ مَنْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنْ الْفِعْلِ عِنْدَ قِيَامِ هَذَا الْهَمِّ أَوْ مُشَارَفَتِهِ وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ جَارِيَةٌ عَلَى رَأْيِ الْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعْصُومُونَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ ذَنْبٌ وَلَوْ صَغِيرَةً سَهْوًا. رَابِعُهَا جَوَازُ خَطَئِهِ بِفِعْلِهِ صَغِيرَةً مِنْ غَيْرِ صَغَائِرِ الْخِسَّةِ سَهْوًا لَا الدَّالَّةَ عَلَى الْخِسَّةِ بِشَرْطِ أَنْ يُنَبَّهُوا فَيَنْتَبِهُوا. خَامِسُهَا جَوَازُ خَطَئِهِ بِاجْتِهَادِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِهِ عَلَيْهِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ خِلَافَهُ.
[إبْلِيسَ هَلْ كَانَ جِنِّيًّا]
(سُئِلَ) عَنْ إبْلِيسَ هَلْ كَانَ جِنِّيًّا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] فَكَيْفَ تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ وَهُوَ لِلْمَلَائِكَةِ خَاصَّةً؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ إبْلِيسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ أَمْرُهُ وَلَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ اسْمُهُ عَزَازِيلَ وَكَانَ مِنْ أَشْرَفِ الْمَلَائِكَةِ وَكَانَ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ وَكَانَ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ
стр. 1183
سَمَاءِ الدُّنْيَا وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُهَا وَسُلْطَانُ الْأَرْضِ وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا، وَأَكْثَرُهُمْ عِلْمًا وَكَانَ لَهُ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرَأَى لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ شَرَفًا وَعَظَمَةً فَذَلِكَ الَّذِي دَعَاهُ إلَى الْكُفْرِ فَعَصَى فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] فَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فِعْلًا وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ نَوْعًا وَمِنْهَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ رَوَيَا أَنَّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ضَرْبًا يُقَالُ لَهُمْ الْجِنُّ وَمِنْهُمْ إبْلِيسُ خُلِقَ مِنْ نَارِ السَّمُومِ وَخُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا: إنَّهُ أَبُو الْجِنِّ كَمَا أَنَّ آدَمَ أَبُو الْبَشَرِ وَلَمْ يَكُنْ مَلَكًا لَكِنْ لَمَّا نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمَلَائِكَةِ وَكَانَ مَأْمُورًا بالألون مِنْهُمْ فَغَلَّبُوا عَلَيْهِ، وَالْجِنُّ مَأْمُورُونَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ لَكِنَّهُ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّ الْأَكَابِرَ مَأْمُورُونَ بِالتَّذَلُّلِ لِأَحَدٍ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ عُلِمَ أَنَّ الْأَصَاغِرَ أَيْضًا مَأْمُورُونَ بِهِ. وَقِيلَ إنَّهُ كَانَ مِنْ الْجِنِّ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَرْضِ وَقَاتَلَهُمْ الْمَلَائِكَةُ فَسَبَوْهُ صَغِيرًا وَتَعَبَّدَ مَعَهُمْ وَخُوطِبَ وَاحْتَجَّ لِكَوْنِهِ مِنْ الْجِنِّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]
стр. 1184
وَبِقَوْلِهِ ﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] وَالْجِنُّ غَيْرُ الْمَلَائِكَةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
[قِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثًا هَلْ هُوَ سُنَّةٌ]
(سُئِلَ) عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثًا هَلْ هُوَ سُنَّةٌ وَكَذَلِكَ مَسْحُ الْوَجْهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَذْكُورَةَ سُنَّةٌ، وَأَصْلُهَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَيْ الْقُرْآنِ وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خَبَرَ «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ فَإِنْ قُبِضَ قُبِضَ شَهِيدًا، وَإِنْ عَاشَ عَاشَ مَغْفُورًا لَهُ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ خَبَرَ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُصْبِحُ وَحِينَ تُمْسِي ثَلَاثًا تَكْفِك مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» .
بَلْ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي فَضْلِ قِرَاءَتِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ قِرَاءَتِهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ مِنْهَا خَبَرُ «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ» وَمِنْهَا خَبَرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إذًا نَسْتَكْثِرُ يَا رَسُولَ
стр. 1185
اللَّهِ» . وَأَمَّا مَسْحُ الْوَجْهِ عِنْدَهَا فَيَدُلُّ لَهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَوَرَدَ فِي الْخَبَرِ فِي فَضْلِ قِرَاءَتِهَا أَحَدَ عَشَرَ وَاثْنَيْ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَحَدًا وَعِشْرِينَ وَثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ وَمِائَةً وَمِائَتَيْنِ وَثَلَثَمِائَةٍ، وَأَلْفَ مَرَّةٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ اخْتَصَّتْ بِفَضَائِلَ عَظِيمَةٍ.
[قَوْلِ الْمُؤْمِنِ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ هَلْ يَجُوزُ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْمُؤْمِنِ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ مَنْ قَامَ بِهِ التَّصْدِيقُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ حَقًّا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الشَّكَّ فِي الْحَالِ، وَالشَّكُّ لَا يُجَامِعُ الْإِيمَانَ، وَهَذَا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَنَا حَيٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنَا شَابٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَشِيئَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يُشَكُّ فِي ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي مَعْدُومِ خَطَرِ الْوُجُودِ لَا فِيمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ قَطْعًا وَذَهَبَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ
стр. 1186
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ يُؤْثِرُهُ عَلَى الْجَزْمِ وَلَيْسَ شَكًّا فِي الْإِيمَانِ الْحَالِ فَإِنَّهُ فِي الْحَالِ مُتَحَقِّقٌ لَهُ جَازِمٌ بِاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهِ إلَى الْخَاتِمَةِ الَّتِي يَرْجُو حُسْنَهَا بَلْ لَمَّا كَانَتْ آيَةُ النَّجَاةِ إيمَانَ الْمُوَافَاةِ، وَالْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا وَذَلِكَ غَيْبٌ لَا سَبِيلَ لِلْمَخْلُوقِ إلَى الْعِلْمِ بِهِ فَوَّضَهُ إلَى الْمَشِيئَةِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ النِّزَاعُ فِيهِ أَوْ يُقَالُ أَتَى بِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ، وَإِحَالَةِ الْأُمُورِ إلَى مَشِيئَتِهِ تَأَدُّبًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ «، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» مَعَ كَوْنِهِ مَقْطُوعًا بِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْإِيمَانِ مُجَرَّدُ حُصُولِ الْمَعْنَى فَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْحَالِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ النَّجَاةُ فَهُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا قَطْعَ بِحُصُولِهِ فِي الْحَالِ فَمَنْ قَطَعَ بِالْحُصُولِ أَرَادَ الْأَوَّلَ وَمَنْ فَوَّضَ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَرَادَ الثَّانِيَ.
(سُئِلَ) أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْعَسَلُ أَمْ اللَّبَنُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ اللَّبَنَ أَفْضَلُ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الصَّحَابِيِّ إنَّهُ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُؤْمِنًا وَلَوْ لَحْظَةً هَلْ يَتَنَاوَلُ
стр. 1187
الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَتَّى يَدْخُلَ سَيِّدُنَا عِيسَى مَعَ شَرَفِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ وَكَوْنِهِ مِنْ أُولَى الْعَزْمِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا الْفَائِدَةُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّيْنِ لَمَا وَسِعَهُمَا إلَّا اتِّبَاعِي» ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَالْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ لَقَوْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اللُّقْيَا الْمُتَعَارَفُ لَا مَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ خَرْقِ الْعَادَةِ وَمَقَامُهُمْ فَوْقَ رُتْبَةِ الصُّحْبَةِ.
(سُئِلَ) عَنْ ذِمِّيٍّ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ حَقٌّ شَرْعِيٌّ مَالِيٌّ أَوْ عَرْضِيٌّ فَهَلْ يُلْغَى فِي الْآخِرَةِ أَمْ يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الْحَقِّ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يُلْغَى وَيُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الْحَقِّ.
[فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِ أَهْلِ السُّنَّةِ هَلْ يُعَاقَبُونَ عَلَى عَقَائِدِهِمْ الْمُخَالِفِينَ فِيهَا]
(سُئِلَ) عَنْ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا هَلْ يُعَاقَبُونَ عَلَى عَقَائِدِهِمْ الْمُخَالِفِينَ فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى فِرَقِ الْإِسْلَامِ غَيْرِ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَّا اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً بِسَبَبِ عَقَائِدِهِمْ الْمُخَالِفَةِ لِعَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» وَكَانَ ذَلِكَ
стр. 1188
مِنْ مُعْجِزَاتِهِ حَيْثُ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ قَالَ الْآمِدِيُّ: وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَقِيدَةٍ وَاحِدَةٍ وَطَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا مَنْ كَانَ يُبْطِنُ النِّفَاقَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ. اهـ. وَلَمْ يَزَلْ الْخِلَافُ يَتَشَعَّبُ وَالْآرَاءُ تَتَفَرَّقُ حَتَّى تَفَرَّقَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَأَرْبَابُ الْمَقَالَاتِ إلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً.
[هَلْ مَحَبَّةُ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَاجِبَةٌ]
(سُئِلَ) هَلْ مَحَبَّةُ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَاجِبَةٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَحَبَّتَهُمْ وَاجِبَةٌ إذْ يَجِبُ تَعْظِيمُهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَظَّمَهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] وَقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] وَقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] وَقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عِظَمِ قَدْرِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَالرَّسُولُ قَدْ أَحَبَّهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ «أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُونَهُمْ غَرَضًا
стр. 1189
بِعِدَى مَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» وَمِنْهَا قَوْلُهُ «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ «كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدُ فَقَالَ ﷺ لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ إلَخْ» الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ السَّابِّينَ نَزَّلَهُمْ لِسَبِّهِمْ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِمْ مَنْزِلَةَ غَيْرِهِمْ حَيْثُ عُلِّلَ بِمَا ذَكَرَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْيَأْسُ مِنْ بُلُوغِ مَنْ بَعْدَهُمْ مَرْتَبَةَ أَحَدِهِمْ فِي الْفَضْلِ فَإِنَّ هَذَا الْمَفْرُوضَ مِنْ مِلْكِ الْإِنْسَانِ ذَهَبًا بِقَدْرِ أُحُدٍ مُحَالٌ فِي الْعَادَةِ لَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ، وَإِنْفَاقِهِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ لَمْ يَبْلُغْ الثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابَ الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ إذَا تَصَدَّقَ بِنِصْفِ مُدٍّ وَلَوْ مِنْ شَعِيرٍ وَذَلِكَ بِالتَّقْرِيبِ رُبُعُ قَدَحٍ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ وَذَلِكَ إذَا طُحِنَ وَعُجِنَ لَا يَبْلُغُ رَغِيفًا عَلَى الْمُعْتَادِ وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَجِدْ فِي مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ شَيْئًا أَبْلَغَ مِنْهُ. اهـ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ
стр. 1190
الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] مَا الْحِكْمَةُ فِي إعَادَةِ لَفْظِ الصِّيغَتَيْنِ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِمَا فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا وَقَوْلُهُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] طَلَبُ الْهِدَايَةِ إلَى غَيْرِ صِرَاطِهِمْ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا بِالْمَنْطُوقِ وَفِيهَا بِالْمَفْهُومِ فَمَا حِكْمَةُ الطَّلَبِ ثَانِيًا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ ذِكْرَ الصِّيغَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِحِكَمٍ مِنْهَا عَدَمُ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمَا فِي السُّورَةِ عِنْدَ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَفُقَهَائِهَا وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمْ إذْ الْبَسْمَلَةُ لَيْسَتْ مِنْهَا عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْفَصْلِ وَالتَّبَرُّكِ وَمِنْهَا عِنْدَ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَفُقَهَائِهَا وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ اسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى لِلْمَحَامِدِ كُلِّهَا اتِّصَافَهُ بِهِمَا وَهُوَ كَوْنُهُ مُنْعِمًا عَلَى الْعَالَمِينَ بِالنِّعَمِ كُلِّهَا ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا عَاجِلِهَا وَآجِلِهَا عَظِيمِهَا وَلَطِيفِهَا فَإِنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِهِ لَهُ، وَالدَّلَالَةُ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِمَا وَبِبَاقِي الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَعَهُمَا لَا يَسْتَأْهِلُ؛ لَأَنْ يُحْمَدَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعْبَدَ وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُتَفَضِّلٌ بِكَوْنِهِ مُوجِدًا
стр. 1191
لِلْعَالَمِينَ رَبًّا لَهُمْ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ مَالِكًا لِيَوْمِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ مُخْتَارًا فِيهِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ لِإِيجَابٍ بِالذَّاتِ أَوْ وُجُوبٍ عَلَيْهِ اقْتَضَتْهُ سَوَابِقُ الْأَعْمَالِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ بِهِ الْحَمْدَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ الَّذِينَ أَوْ صِفَةٌ لَهُ مُبَيِّنَةٌ أَوْ مُقَيِّدَةٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِمْ هُمْ الَّذِينَ سَلِمُوا مِنْ الْغَضَبِ وَالضَّلَالِ فَجَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَةِ الْمُطْلَقَةِ وَبَيْنَ السَّلَامَةِ مِنْ الْغَضَبِ وَالضَّلَالِ، وَقَدْ اُعْتُبِرَ مَفْهُومُ أَحَدِهِمَا مَعَ مَنْطُوقِ الْآخَرِ لِيَتَّفِقَا فَمِنْ حُكْمِهِ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ التَّقْوِيَةُ وَالتَّأْكِيدُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى الْأَخِيرِ التَّقْيِيدُ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ هَلْ ذَلِكَ سَائِغٌ وَهَلْ هُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ لَبِيدٍ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ ﷺ أَنَّهُ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
خُصُوصًا وَمَا لِمَا لَمْ يَعْقِلْ أَمْ لَا اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ وَبَيِّنُوهُ بَيَانًا شَافِيًا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ الْمَذْكُورَ سَائِغٌ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ قَائِلَهُ قَدْ تَرَقَّى فِي مَقَامَاتِ الْخَوَاصِّ إلَى أَنْ صَارَ إلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّقْوَى وَهُوَ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ مَا شَغَلَهُ سَوَاءٌ مِنْ الْخَلْقِ إذْ زِيَادَةُ الْحُبِّ لَهَا سَبَبَانِ أَحَدُهُمَا خُلُوُّ الْقَلْبِ عَمَّا
стр. 1192
سِوَاهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا خَلَّى عَنْ شَيْءٍ اتَّسَعَ لِغَيْرِهِ فَقَطْعُ الْعَلَائِقِ بِسَبَبِ التَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] وَثَانِيهِمَا كَمَالُ الْمَعْرِفَةِ وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ طَلَبَنِي وَجَدَنِي وَمَنْ طَلَبَ غَيْرِي لَمْ يَجِدْنِي فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى دَاوُد ﵇ أَنَّ مِنْ أَهْلِ مَحَبَّتِي بِجَبَلِ لُبْنَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْهُمْ شَوَابُّ وَكُهُولٌ وَمِنْهُمْ مَشَايِخُ فَإِذَا أَتَيْتهمْ فَأَقْرِئْهُمْ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ إنَّ رَبَّكُمْ يُقْرِئُكُمْ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكُمْ أَلَا تَسْأَلُونِي حَاجَةً فَإِنَّكُمْ أَحْبَابِي، وَأَصْفِيَائِي، وَأَوْلِيَائِي أَفْرَحُ لِفَرَحِكُمْ وَأُسَارِعُ إلَى مَحَبَّتِكُمْ فَأَتَاهُمْ دَاوُد ﵇ وَبَلَّغَهُمْ مَا قَالَهُ رَبُّهُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَنْتَ هَدَيْت قُلُوبَنَا لِذِكْرِك وَفَرَّغْتنَا لِلِاشْتِغَالِ بِك فَأَغْفِرْ لَنَا تَقْصِيرَنَا فِي شُكْرِك وَقَالَ آخَرُ اللَّهُمَّ اُمْنُنْ عَلَيْنَا بِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِك عَنْ كُلِّ شَيْءٍ دُونَك.
وَفِي أَخْبَارِ دَاوُد قُلْ لِعِبَادِي الْمُتَوَجِّهِينَ إلَى مَحَبَّتِي مَا ضَرَّكُمْ إذَا حَجَبْتُكُمْ عَنْ خَلْقِي وَرَفَعْت الْحِجَابَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ حَتَّى تَنْظُرُوا إلَيَّ بِعُيُونِ قُلُوبِكُمْ وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ
стр. 1193
تَعَالَى أَوْحَى إلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ إنَّمَا أَتَّخِذُ مِنْ خَلْقِي مَنْ لَا يَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِي وَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرِي وَلَا يُؤْثِرُ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ خَلْقِي، وَإِنْ احْتَرَقَ بِالنَّارِ لَمْ يَجِدْ لِحَرْقِ النَّارِ وَقْعًا، وَإِنْ قُطِعَ بِالْمَنَاشِيرِ لَمْ يَجِدْ لِلَمْسِ الْحَدِيدِ أَلَمًا فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحُبُّ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ الْحُبِّ مِنْ الْكَرَامَاتِ. وَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ: إنَّ أَعْلَى دَرَجَاتِ الزُّهْدِ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى عَنْ الْآخِرَةِ، وَيَرْغَبَ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَعُودَ فِي شَيْءٍ مِمَّا رَغِبَ عَنْهُ وَيَرْغَبُ فِيهِ فَيَكُونُ قَدْ رَجَعَ فِي الثَّمَنِ فَتَمَامُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِحِفْظِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ عَمَّا يُنَاقِضُ زُهْدَهُ، وَأَعْلَى دَرَجَاتِ التَّوْحِيدِ أَنْ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إلَّا وَاحِدًا وَهُوَ مُشَاهَدَةُ الصِّدِّيقِينَ وَتُسَمِّيهِ الصُّوفِيَّةُ الْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ فَلَا يَرَى نَفْسَهُ لِكَوْنِ بَاطِنِهِ مُسْتَغْرَقًا بِالْوَاحِدِ الْحَقِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ أَبِي يَزِيدَ ثُمَّ أَنْسَانِي ذِكْرَ نَفْسِي وَمَعْنَى كَوْنِ هَذَا مُوَحِّدًا أَنَّهُ لَمْ يَخْطِرْ فِي شُهُودِهِ وَقَلْبِهِ إلَّا الْوَاحِدُ الْحَقُّ وَفَنَى عَنْ الْوَسَائِطِ وَعَنْ نَفْسِهِ. وَسَبَبُ التَّرَقِّي إلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُ لَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا فَقْرَ وَلَا غِنَى وَلَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ
стр. 1194
مُخْتَرِعُ الْكُلِّ فَمَنْ شَاهَدَ هَذَا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَنَى عَمَّا سِوَاهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَى شَيْءٍ فَالْكُلُّ مُسَخَّرٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَى النَّفْسِ الْإِخْلَاصُ إذْ لَيْسَ لَهَا فِيهِ نَصِيبٌ، وَالْإِخْلَاصُ كَوْنُ الْعَبْدِ وَحَرَكَاتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ الشَّوْقُ نَارُ اللَّهِ تَعَالَى أَشْعَلَهَا فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ حَتَّى يَحْتَرِقَ بِهَا مَا فِي قُلُوبِهِمْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْخَوَاطِرِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْعَوَارِضِ وَالْحَاجَاتِ.
[قَوْله تَعَالَى إنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ هَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا سَوْدَاءُ أَمْ صَفْرَاءُ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ [البقرة: ٦٩] هَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا سَوْدَاءُ أَمْ صَفْرَاءُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا صَفْرَاءُ اللَّوْنِ مِنْ الصُّفْرَةِ الْمَعْرُوفَةِ قَالَ مَكِّيٌّ عَنْ بَعْضِهِمْ حَتَّى الْقَرْنِ وَالظُّفُرِ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ كَانَتْ صَفْرَاءَ الْقَرْنِ وَالظِّلْفِ فَقَطْ وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ صَفْرَاءَ مَعْنَاهُ سَوْدَاءُ شَدِيدَةُ السَّوَادِ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ وَهَذَا شَاذٌّ لَا يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا إلَّا فِي الْإِبِلِ قَالَ تَعَالَى ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] وَلَوْ أَرَادَ السَّوَادَ لَمَا أَكَّدَهُ بِالْفُقُوعِ؛ لِأَنَّهُ نَعْتٌ مُخْتَصٌّ بِالصُّفْرَةِ لَا يُوصَفُ بِهِ السَّوَادُ يُقَالُ أَصْفَرُ فَاقِعٌ كَمَا يُقَالُ أَسْوَدُ حَالِكٌ فَكَأَنَّهُ قِيلَ صَفْرَاءُ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ.
(سُئِلَ) عَنْ النَّصَارَى هَلْ فِيهِمْ أَحَدٌ يُقِرُّ لِنَبِيِّنَا ﷺ بِالرِّسَالَةِ لَكِنَّهُ لِلْعَرَبِ
стр. 1195
خَاصَّةً أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ بَعْضَ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ وَلَكِنَّهُ يُقَيِّدُ رِسَالَتَهُ بِالْعَرَبِ كَمَا تَعْتَقِدُهُ الْعِيسَوِيَّةُ مِنْ الْيَهُودِ.
[تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عِيسَى ﵊ ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فَإِنَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ فِيهِ عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَهُوَ لَا يَغْفِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فَكَيْفَ تَعَرَّضَ فِي سُؤَالِهِ لِلْعَفْوِ عَنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ بِ إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي تُعَذِّبْهُمْ لِمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّمِيرُ فِي تَغْفِرْ لَهُمْ لِمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِنَّ عِيسَى عَلِمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ تَابَ وَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا مَعَاصِيَ وَعَمِلُوا بَعْدَهُ بِمَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ عَلَى عَمُودِ دِينِهِ فَقَالَ فَإِنْ تَغْفِرْ مَا أَحْدَثُوا بَعْدِي مِنْ الْمَعَاصِي. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْطَافِ لَهُمْ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ كَمَا يَسْتَعْطِفُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فَإِنْ عَصَوْك. رَابِعُهَا: أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ وَالِاسْتِجَارَةِ مِنْ عَذَابِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِكَافِرٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ
следующие страницы →