Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
لِلْعَالَمِينَ رَبًّا لَهُمْ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ مَالِكًا لِيَوْمِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ مُخْتَارًا فِيهِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ لِإِيجَابٍ بِالذَّاتِ أَوْ وُجُوبٍ عَلَيْهِ اقْتَضَتْهُ سَوَابِقُ الْأَعْمَالِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ بِهِ الْحَمْدَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ الَّذِينَ أَوْ صِفَةٌ لَهُ مُبَيِّنَةٌ أَوْ مُقَيِّدَةٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِمْ هُمْ الَّذِينَ سَلِمُوا مِنْ الْغَضَبِ وَالضَّلَالِ فَجَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَةِ الْمُطْلَقَةِ وَبَيْنَ السَّلَامَةِ مِنْ الْغَضَبِ وَالضَّلَالِ، وَقَدْ اُعْتُبِرَ مَفْهُومُ أَحَدِهِمَا مَعَ مَنْطُوقِ الْآخَرِ لِيَتَّفِقَا فَمِنْ حُكْمِهِ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ التَّقْوِيَةُ وَالتَّأْكِيدُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى الْأَخِيرِ التَّقْيِيدُ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ هَلْ ذَلِكَ سَائِغٌ وَهَلْ هُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ لَبِيدٍ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ ﷺ أَنَّهُ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
خُصُوصًا وَمَا لِمَا لَمْ يَعْقِلْ أَمْ لَا اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ وَبَيِّنُوهُ بَيَانًا شَافِيًا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ الْمَذْكُورَ سَائِغٌ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ قَائِلَهُ قَدْ تَرَقَّى فِي مَقَامَاتِ الْخَوَاصِّ إلَى أَنْ صَارَ إلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّقْوَى وَهُوَ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ مَا شَغَلَهُ سَوَاءٌ مِنْ الْخَلْقِ إذْ زِيَادَةُ الْحُبِّ لَهَا سَبَبَانِ أَحَدُهُمَا خُلُوُّ الْقَلْبِ عَمَّا
стр. 1192
سِوَاهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا خَلَّى عَنْ شَيْءٍ اتَّسَعَ لِغَيْرِهِ فَقَطْعُ الْعَلَائِقِ بِسَبَبِ التَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] وَثَانِيهِمَا كَمَالُ الْمَعْرِفَةِ وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ طَلَبَنِي وَجَدَنِي وَمَنْ طَلَبَ غَيْرِي لَمْ يَجِدْنِي فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى دَاوُد ﵇ أَنَّ مِنْ أَهْلِ مَحَبَّتِي بِجَبَلِ لُبْنَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْهُمْ شَوَابُّ وَكُهُولٌ وَمِنْهُمْ مَشَايِخُ فَإِذَا أَتَيْتهمْ فَأَقْرِئْهُمْ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ إنَّ رَبَّكُمْ يُقْرِئُكُمْ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكُمْ أَلَا تَسْأَلُونِي حَاجَةً فَإِنَّكُمْ أَحْبَابِي، وَأَصْفِيَائِي، وَأَوْلِيَائِي أَفْرَحُ لِفَرَحِكُمْ وَأُسَارِعُ إلَى مَحَبَّتِكُمْ فَأَتَاهُمْ دَاوُد ﵇ وَبَلَّغَهُمْ مَا قَالَهُ رَبُّهُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَنْتَ هَدَيْت قُلُوبَنَا لِذِكْرِك وَفَرَّغْتنَا لِلِاشْتِغَالِ بِك فَأَغْفِرْ لَنَا تَقْصِيرَنَا فِي شُكْرِك وَقَالَ آخَرُ اللَّهُمَّ اُمْنُنْ عَلَيْنَا بِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِك عَنْ كُلِّ شَيْءٍ دُونَك.
وَفِي أَخْبَارِ دَاوُد قُلْ لِعِبَادِي الْمُتَوَجِّهِينَ إلَى مَحَبَّتِي مَا ضَرَّكُمْ إذَا حَجَبْتُكُمْ عَنْ خَلْقِي وَرَفَعْت الْحِجَابَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ حَتَّى تَنْظُرُوا إلَيَّ بِعُيُونِ قُلُوبِكُمْ وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ
стр. 1193
تَعَالَى أَوْحَى إلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ إنَّمَا أَتَّخِذُ مِنْ خَلْقِي مَنْ لَا يَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِي وَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرِي وَلَا يُؤْثِرُ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ خَلْقِي، وَإِنْ احْتَرَقَ بِالنَّارِ لَمْ يَجِدْ لِحَرْقِ النَّارِ وَقْعًا، وَإِنْ قُطِعَ بِالْمَنَاشِيرِ لَمْ يَجِدْ لِلَمْسِ الْحَدِيدِ أَلَمًا فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحُبُّ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ الْحُبِّ مِنْ الْكَرَامَاتِ. وَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ: إنَّ أَعْلَى دَرَجَاتِ الزُّهْدِ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى عَنْ الْآخِرَةِ، وَيَرْغَبَ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَعُودَ فِي شَيْءٍ مِمَّا رَغِبَ عَنْهُ وَيَرْغَبُ فِيهِ فَيَكُونُ قَدْ رَجَعَ فِي الثَّمَنِ فَتَمَامُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِحِفْظِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ عَمَّا يُنَاقِضُ زُهْدَهُ، وَأَعْلَى دَرَجَاتِ التَّوْحِيدِ أَنْ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إلَّا وَاحِدًا وَهُوَ مُشَاهَدَةُ الصِّدِّيقِينَ وَتُسَمِّيهِ الصُّوفِيَّةُ الْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ فَلَا يَرَى نَفْسَهُ لِكَوْنِ بَاطِنِهِ مُسْتَغْرَقًا بِالْوَاحِدِ الْحَقِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ أَبِي يَزِيدَ ثُمَّ أَنْسَانِي ذِكْرَ نَفْسِي وَمَعْنَى كَوْنِ هَذَا مُوَحِّدًا أَنَّهُ لَمْ يَخْطِرْ فِي شُهُودِهِ وَقَلْبِهِ إلَّا الْوَاحِدُ الْحَقُّ وَفَنَى عَنْ الْوَسَائِطِ وَعَنْ نَفْسِهِ. وَسَبَبُ التَّرَقِّي إلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُ لَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا فَقْرَ وَلَا غِنَى وَلَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ
стр. 1194
مُخْتَرِعُ الْكُلِّ فَمَنْ شَاهَدَ هَذَا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَنَى عَمَّا سِوَاهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَى شَيْءٍ فَالْكُلُّ مُسَخَّرٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَى النَّفْسِ الْإِخْلَاصُ إذْ لَيْسَ لَهَا فِيهِ نَصِيبٌ، وَالْإِخْلَاصُ كَوْنُ الْعَبْدِ وَحَرَكَاتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ الشَّوْقُ نَارُ اللَّهِ تَعَالَى أَشْعَلَهَا فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ حَتَّى يَحْتَرِقَ بِهَا مَا فِي قُلُوبِهِمْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْخَوَاطِرِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْعَوَارِضِ وَالْحَاجَاتِ.
[قَوْله تَعَالَى إنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ هَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا سَوْدَاءُ أَمْ صَفْرَاءُ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ [البقرة: ٦٩] هَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا سَوْدَاءُ أَمْ صَفْرَاءُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا صَفْرَاءُ اللَّوْنِ مِنْ الصُّفْرَةِ الْمَعْرُوفَةِ قَالَ مَكِّيٌّ عَنْ بَعْضِهِمْ حَتَّى الْقَرْنِ وَالظُّفُرِ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ كَانَتْ صَفْرَاءَ الْقَرْنِ وَالظِّلْفِ فَقَطْ وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ صَفْرَاءَ مَعْنَاهُ سَوْدَاءُ شَدِيدَةُ السَّوَادِ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ وَهَذَا شَاذٌّ لَا يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا إلَّا فِي الْإِبِلِ قَالَ تَعَالَى ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] وَلَوْ أَرَادَ السَّوَادَ لَمَا أَكَّدَهُ بِالْفُقُوعِ؛ لِأَنَّهُ نَعْتٌ مُخْتَصٌّ بِالصُّفْرَةِ لَا يُوصَفُ بِهِ السَّوَادُ يُقَالُ أَصْفَرُ فَاقِعٌ كَمَا يُقَالُ أَسْوَدُ حَالِكٌ فَكَأَنَّهُ قِيلَ صَفْرَاءُ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ.
(سُئِلَ) عَنْ النَّصَارَى هَلْ فِيهِمْ أَحَدٌ يُقِرُّ لِنَبِيِّنَا ﷺ بِالرِّسَالَةِ لَكِنَّهُ لِلْعَرَبِ
стр. 1195
خَاصَّةً أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ بَعْضَ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ وَلَكِنَّهُ يُقَيِّدُ رِسَالَتَهُ بِالْعَرَبِ كَمَا تَعْتَقِدُهُ الْعِيسَوِيَّةُ مِنْ الْيَهُودِ.
[تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عِيسَى ﵊ ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فَإِنَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ فِيهِ عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَهُوَ لَا يَغْفِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فَكَيْفَ تَعَرَّضَ فِي سُؤَالِهِ لِلْعَفْوِ عَنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ بِ إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي تُعَذِّبْهُمْ لِمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّمِيرُ فِي تَغْفِرْ لَهُمْ لِمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِنَّ عِيسَى عَلِمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ تَابَ وَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا مَعَاصِيَ وَعَمِلُوا بَعْدَهُ بِمَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ عَلَى عَمُودِ دِينِهِ فَقَالَ فَإِنْ تَغْفِرْ مَا أَحْدَثُوا بَعْدِي مِنْ الْمَعَاصِي. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْطَافِ لَهُمْ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ كَمَا يَسْتَعْطِفُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فَإِنْ عَصَوْك. رَابِعُهَا: أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ وَالِاسْتِجَارَةِ مِنْ عَذَابِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِكَافِرٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ
стр. 1196
الْكَافِرَ لَا يُغْفَرُ لَهُ اجْتِرَاءً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَهُ تَعَالَى لَا تُنْسَخُ.
خَامِسُهَا: أَنَّهُ مَا قَالَ إنَّك تَغْفِرُ لَهُمْ وَلَكِنَّهُ بَنَى الْكَلَامَ عَلَى إنْ فَقَالَ إنْ تُعَذِّبْهُمْ عَدَلْت؛ لِأَنَّهُمْ أَحِقَاءُ بِالْعَذَابِ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ لَمْ تَعْدِلْ فِي الْمَغْفِرَةِ وَجْهَ حِكْمَةٍ فَإِنَّ الْمَغْفِرَةَ حَسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ فِي الْعُقُولِ بَلْ مَتَى كَانَ الْمُجْرِمُ أَعْظَمُ جُرْمًا كَانَ الْعَفْوُ عَنْهُ أَحْسَنَ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: غُفْرَانُ الشِّرْكِ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوا؛ لِأَنَّ الْعِقَابَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْمُذْنِبِ وَلَيْسَ فِي إسْقَاطِهِ مَضَرَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ فِي شَرْعِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ فَعَدَمُ غُفْرَانِ الشِّرْكِ مُقْتَضَى الْوَعِيدِ فَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ لِذَاتِهِ لِيَمْتَنِعَ التَّرْدِيدُ وَالتَّعْلِيقُ. سَادِسُهَا: أَنَّهُ كَلَامٌ عَلَى طَرِيقِ إظْهَارِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُرِيدُ وَعَلَى مُقْتَضَى حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ لِأَحَدٍ مِنْ عِزَّتِهِ وَلَا اعْتِرَاضَ فِي حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلَمْ يَقُلْ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَإِنْ اقْتَضَاهُمَا الظَّاهِرُ سَابِعُهَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ثَامِنُهَا أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ يَعْنِي لِكَذِبِهِمْ الَّذِي قَالُوهُ عَلَى خَاصَّتِهِ لَا لِشِرْكِهِمْ.
(سُئِلَ) هَلْ
стр. 1197
يُقَالُ لِمَنْ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْعَبَّاسِ ﵁ إنَّهُ سَيِّدٌ شَرِيفٌ وَهَلْ لَهُ تَعْلِيقُ عَلَامَةِ الشَّرَفِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَيْسَ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْعَبَّاسِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَأَوْلَادِ بَنَاتِهِ ﷺ إلَّا لِأَوْلَادِ سَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ ﵂ فَالشَّرَفُ مُخْتَصٌّ بِأَوْلَادِهَا الذُّكُورِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَمُحْسِنٍ فَأَمَّا مُحْسِنٌ فَمَاتَ صَغِيرًا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْعَقِبُ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄، وَإِنَّمَا اخْتَصَّا بِالشَّرَفِ هُمَا وَذُرِّيَّتُهُمَا لِانْتِسَابِهِمَا إلَيْهِ ﷺ دُونَ أَوْلَادِ أَقَارِبِهِ وَكَوْنِ أُمِّهِمَا أَفْضَلَ بَنَاتِهِ وَكَوْنِهَا سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِ وَسَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَالَ ﷺ «إنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا» وَكَوْنِهَا أَشْبَهَ بَنَاتِهِ بِهِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ حَتَّى فِي الْخَشْيَةِ وَمِنْهَا إكْرَامُهُ لَهَا حَتَّى أَنَّهَا كَانَتْ إذَا جَاءَتْ إلَيْهِ قَامَ لَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ لِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهَا مِنْ السِّرِّ.
رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «قَالَ أَبْشِرْ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ زَوَّجَك بِهَا فِي السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ أُزَوِّجَك بِهَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ هَبَطَ عَلَيَّ مَلَكٌ مِنْ السَّمَاءِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك
стр. 1198
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ بِاجْتِمَاعِ الشَّمْلِ وَطَهَارَةِ النَّسْلِ فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى هَبَطَ جِبْرِيلُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ وَضَعَ فِي يَدِهِ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فِيهَا سَطْرَانِ مَكْتُوبَانِ بِالنُّورِ فَقُلْت مَا هَذِهِ الْخُطُوطُ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ إلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً فَاخْتَارَك مِنْ خَلْقِهِ وَبَعَثَك بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهَا ثَانِيًا فَاخْتَارَ لَك مِنْهَا أَخًا وَوَزِيرًا وَصَاحِبًا وَحَبِيبًا فَزَوَّجَهُ ابْنَتَك فَاطِمَةَ فَقُلْت مَنْ هَذَا الرَّجُلُ فَقَالَ أَخُوك فِي الدِّينِ وَابْنُ عَمِّك فِي النَّسَبِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ آمُرَك بِتَزْوِيجِهَا بِعَلِيٍّ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَا أُبَشِّرُهَا بِغُلَامَيْنِ زَكِيَّيْنِ مُحَبَّبَيْنِ فَاضِلَيْنِ طَاهِرَيْنِ خَيِّرَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ ثَالِثٍ» أَوْ كَمَا قَالَ مَا لَفْظُ الْحَدِيثِ وَهَلْ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَمْ فِي غَيْرِهِمَا وَمَا مَعْنَاهُ، وَإِذَا قُلْتُمْ بِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ تَشْوِيشُ الْحَاضِرِ بِذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَهَلْ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ أَمْ لِلتَّنْزِيهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ «إذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَالْمُنَاجَاةُ الْمُسَارَّةُ يُقَالُ تَنَاجَى الْقَوْمُ
стр. 1199
أَيْ سَارَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ ثَالِثٍ وَكَذَا ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرَ بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ وَهُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ إذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي النَّهْيِ فَيَحْرُمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُنَاجَاةُ دُونَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ. وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ وَفِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا النَّهْيُ عَنْ الْمُنَاجَاةِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْخَوْفِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ، وَأَمِنَ النَّاسُ سَقَطَ النَّهْيُ وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُحْزِنُوهُمْ أَمَّا إذَا كَانُوا أَرْبَعَةً فَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ اثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ غَايَةَ الْمَنْعِ وَهِيَ أَنْ يَجِدَ الثَّالِثُ مَنْ يَتَحَدَّثُ مَعَهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ رَجُلٍ فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ فَلَمْ يُنَاجِهِ حَتَّى دَعَا رَابِعًا فَقَالَ لَهُ وَلِلْأَوَّلِ تَأَخَّرْ أَوْ نَاجِي الرَّجُلَ الطَّالِبَ لِلْمُنَاجَاةِ
رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِيهِ أَيْضًا التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ أَيْ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ مَا يَحْزَنُ لِأَجْلِهِ كَأَنْ يُقَدِّرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْهُ بِمَا
стр. 1200
يَكْرَهُ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَهْلًا فَيُشْرِكُوهُ فِي حَدِيثِهِمْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَحَصَلَ كُلُّهُ مِنْ بَقَائِهِ وَحْدَهُ فَإِذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَمِنَ ذَلِكَ.
وَعَلَى هَذَا يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كُلُّ الْأَعْدَادِ فَلَا يَتَنَاجَى أَرْبَعَةٌ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا عَشَرَةٌ وَلَا أَلْفٌ مَثَلًا لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِي حَقِّهِ بَلْ وُجُودُهُ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَمْكَنُ وَأَوْقَعُ، فَيَكُونُ بِالْمَنْعِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ يَتَأَتَّى ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ وَشَمَلَ الْحَدِيثُ التَّنَاجِيَ فِي الْمَنْدُوبِ وَالْوَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى رُوحِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي الْأَرْوَاحِ وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى جَسَدِهِ فِي الْأَجْسَادِ وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى قَبْرِهِ فِي الْقُبُورِ وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى اسْمِهِ فِي الْأَسْمَاءِ هَلْ تَجُوزُ هَذِهِ الصَّلَاةُ وَمَا مَعْنَى عَلَى قَبْرِهِ مَعَ قَوْلِ ابْنِ الْوَرْدِيِّ بِلَا صَلَاةٍ فَهِيَ لَا تَحْسُنُ لَك وَلِي عَلَى غَيْرِ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ إلَّا تَبَعًا كَعَلَى آلِ النَّبِيِّ فَهَلْ الْقَبْرُ كَالْآلِ وَالِاسْمُ كَالْمُسَمَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ تَعْبِيرٌ بِالْمَحَلِّ عَنْ الْحَالِ رُدَّ بِاتِّحَادِ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فِي الْقَبْرِ وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الِاسْمِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ بِمَكْرُوهَةٍ بَلْ مَأْمُورٌ بِهَا وَفِيهَا مِنْ طَلَبِ تَعْظِيمِهِ ﷺ مَا لَمْ
стр. 1201
يُوجَدْ فِي كَثِيرٍ مِنْ صِيَغِ الصَّلَاةِ وَقَدْ تَكَرَّرَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَوَجْهُهُ فِي اسْمِهِ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ وَرَدَ عَلَى اسْمٍ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَدْلُولِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَضَرْبِ فِعْلٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ ذَكَرْت اسْمَ زَيْدٍ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ الِاسْمِ بَلْ إنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولُ اسْمِ زَيْدٍ إذْ مَدْلُولُهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ وَهُوَ لَفْظُ زَيْدٍ فَكَذَا قَوْلُهُ وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى اسْمِهِ مَعْنَاهُ عَلَى مَدْلُولِ اسْمِهِ، وَأَنَّ مَعْنَى الصَّلَاةِ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِلَفْظِ الِاسْمِ. وَوَجْهُهُ فِي قَبْرِهِ هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي وَحِينَئِذٍ فِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْمَحَلِّ عَنْ الْحَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وَالْجَوَابُ عَنْ دَعْوَى اتِّحَادِ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُضَافِ فِيهِمَا الْمُسَمَّى وَبِالْمُضَافِ إلَيْهِ الِاسْمُ وَيَصِحُّ إبْقَاءُ الِاسْمِ وَالْقَبْرِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا وَلَمْ تَقَعْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا اسْتِقْلَالًا بَلْ تَبَعًا لَهُ ﷺ فِيهَا كَالْآلِ وَنَحْوِهِ، وَيُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا طَلَبُ تَعْظِيمِهِمَا وَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى اسْمَهُ وَقَبْرَهُ وَلِهَذَا قَالُوا يُكْرَهُ اسْتِصْحَابُ اسْمِهِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَقَالُوا إنَّ قَبْرَهُ الشَّرِيفَ أَفْضَلُ مِنْ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ.
[اعتقد أَنْ الْقُرْآن مَخْلُوق]
(سُئِلَ) عَمَّنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْقُرْآنَ بِالْمَعْنَى النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ
стр. 1202
تَعَالَى مَخْلُوقٌ هَلْ يَكْفُرُ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَإِنْ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِأَنَّهُ يَكْفُرُ بِهِ.
[سُورَةِ الْقَدْرِ هَلْ وَرَدَ أَنَّهَا نِصْفُ الْقُرْآنِ]
(سُئِلَ) عَنْ سُورَةِ الْقَدْرِ هَلْ وَرَدَ أَنَّهَا نِصْفُ الْقُرْآنِ وَهَلْ وَرَدَ فِي سُورَةِ الْكَافِرُونَ حَدِيثُ أَنَّهَا رُبُعُ الْقُرْآنِ وَهَلْ وَرَدَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ حَدِيثٌ كَذَلِكَ أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ وَمَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قَرَأَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] عَدَلَتْ رُبُعَ الْقُرْآنِ وَمَنْ قَرَأَ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] عَدَلَتْ نِصْفَ الْقُرْآنِ وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» وَفِي كِتَابِ الرَّدِّ لِأَبِي بَكْرٍ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَحَدِيثِ أَنَّ « ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَوَجْهُ كَوْنِ سُورَةِ الْقَدْرِ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ أَنَّ مَقَاصِدَهَا مَحْصُورَةٌ فِي بَيَانِ التَّرْغِيبِ
стр. 1203
وَالتَّرْهِيبِ وَالْأَحْكَامِ وَالْقَصَصِ وَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى التَّرْغِيبِ. وَوَجْهُ كَوْنِ سُورَةِ الْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ النَّظَرَ إلَى أَنَّ مَقَاصِدَهَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَمْرِ وَبِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ وَمَا شَابَهَهَا يُوَجَّهُ مَا وَرَدَ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فَفِي ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] بِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْآخِرَةِ وَفِي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] بِأَنَّ مَقَاصِدَهَا فِي بَيَانِ الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ وَالْقَصَصِ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَقَائِدِ.
(سُئِلَ) عَمَّا إذَا خَالَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فَمَا الْمَعْمُولُ بِهِ إنْ قُلْتُمْ النَّصُّ فَمَا بَالُ عُلَمَاءِ عَصْرِنَا يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ خَالَفَ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ أَوْ مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فَقَدْ صَرَّحَا بِأَنَّ نَصَّ الْإِمَامِ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ كَالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ وَكَيْفَ يَتْرُكَانِهِ وَيَذْكُرَانِ كَلَامَ الْأَصْحَابِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَدْ اجْتَهَدَا فِي تَحْرِيرِ الْمَذْهَبِ غَايَةَ الِاجْتِهَادِ وَلِهَذَا كَانَتْ عِنَايَاتُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَإِشَارَاتُ مَنْ سَبَقَنَا مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُحَقِّقِينَ مُتَوَجِّهَةً إلَى تَحْقِيقِ مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالْأَخْذِ بِمَا صَحَّحَاهُ بِالْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ مُؤَدِّينَ ذَلِكَ بِالدَّلَائِلِ وَالْبُرْهَانِ، وَإِذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَالْعَمَلُ بِمَا عَلَيْهِ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ الْمَذْهَبُ
стр. 1204
وَمَا ذَاكَ إلَّا لِحُسْنِ النِّيَّةِ، وَإِخْلَاصِ الطَّوِيَّةِ وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِالْمُخَالَفَةِ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ كَثُرَ اللَّهَجُ بِهَذَا حَتَّى قِيلَ: إنَّ الْأَصْحَابَ مَعَ الشَّافِعِيِّ كَالشَّافِعِيِّ، وَنَحْوَهُ مَعَ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ نُصُوصِ الشَّارِعِ وَلَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّصِّ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ هَذِهِ رُتْبَةُ الْعَوَامّ أَمَّا الْمُتَبَحِّرُ فِي الْمَذْهَبِ فَلَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ الْمُفِيدِ كَمَا هُوَ شَأْنُ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ الَّذِينَ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ التَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ، وَتَرْكُ الشَّيْخَيْنِ لِذِكْرِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ لِكَوْنِهِ ضَعِيفًا أَوْ مُفَرَّعًا عَلَى ضَعِيفٍ وَقَدْ تَرَكَ الْأَصْحَابُ نُصُوصَهُ الصَّرِيحَةَ لِخُرُوجِهَا عَلَى خِلَافِ قَاعِدَتِهِ، وَأَوَّلُوهَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لِمَنْ يَكُونُ إرْثُهُ فَلَا يَنْبَغِي الْإِنْكَارُ عَلَى الْأَصْحَابِ فِي مُخَالَفَةِ النُّصُوصِ، وَلَا يُقَالُ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا شَهَادَةُ نَفْيٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ اطَّلَعُوا عَلَيْهَا وَصَرَفُوهَا عَنْ ظَاهِرِهَا بِالدَّلِيلِ وَلَا يَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَةِ الشَّافِعِيِّ كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَصْرِفُ ظَاهِرَ نَصِّ الشَّارِعِ إلَى خِلَافِهِ لِذَلِكَ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِمَنْ أَنْصَفَ.
[شَخْصٍ قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِجِهَةِ الْعُلُوِّ، وَإِنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ]
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِجِهَةِ الْعُلُوِّ، وَإِنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ بِلَا
стр. 1205
كَيْفٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وَبِقَوْلِهِ ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣] ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وَبِقَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ، وَإِنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ وَبِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ حَيْثُ ذَكَرَ حَدِيثَ يَنْزِلُ رَبُّنَا وَبِمَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ بَعْدَ أَوَّلِهِ بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ وَبِمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْكَشْفِ عَنْ مَنَاهِجِ الْأَدِلَّةِ حَيْثُ قَالَ الْقَوْلُ فِي الْجِهَةِ، وَأَمَّا هَذِهِ الصِّفَةُ فَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ يُثْبِتُونَهَا حَتَّى نَفَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَمُتَأَخِّرُو الْأَشْعَرِيَّةِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَمَنْ اقْتَدَى بِقَوْلِهِ إلَى أَنْ قَالَ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ إثْبَاتَ الْجِهَةِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَبِقَوْلِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى بِشْرِ الْمَرِيسِيِّ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَوْضِعِهِ وَبِمَا قَالَهُ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْإِبَانَةِ وَبِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي كِتَابِهِ الْحِلْيَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ بِجِهَةِ الْعُلُوِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ، فَمَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَهَلْ فِي كَلَامِهِمْ نَصٌّ فِي إثْبَاتِ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ نَفْيِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِهِمْ نَصٌّ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَا نَفْيِهِ فَمَا حَقِيقَةُ مَذَاهِبِهِمْ فِي ذَلِكَ
стр. 1206
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِمَا هُوَ نَصٌّ لِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَنُظَرَائِهِمْ لَا بِمَا قَالَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِي هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَا قَالَهُ إمَامُهُ فَقَدْ وَجَدْنَا الشَّيْخَ جَلَالَ الدِّينِ الْمَحَلِّيَّ نَقَلَ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّأْوِيلِ وَمَعْنَى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] اسْتَوْلَى وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ كُرَّاسٍ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَمَنْ قَالَ إنَّ الِاسْتِوَاءَ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَعَالِيهِ وَقَهْرِهِ وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ نَقْلًا لِلشَّافِعِيِّ لِمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَطَلُّبِ نَصِّ الْأَئِمَّةِ وَنُظَرَائِهِمْ، وَالْمَقْصُودُ إمْعَانُ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْجَوَابُ بِمَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا أَوْدَعَهَا كِتَابَهُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّ مَذْهَبَ الْأَئِمَّةِ فِيمَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَمَاذَا يَلْزَمُهُ بَيِّنُوا لَنَا الْجَوَابَ بَيَانًا شَافِيًا مَبْسُوطًا وَاذْكُرُوا مَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ مَعْزُوًّا كُلُّ قَوْلٍ لِقَائِلِهِ؟
(فَأَجَابَ) الْحَمْدُ لِلَّهِ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مَا عَدَا مَنْ سَيَأْتِي أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِجِهَةِ الْعُلُوِّ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ
стр. 1207
الْكَلَامِ مَبْسُوطَاتِهَا وَمُخْتَصَرَاتِهَا وَقَدْ رَوَوْهُ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْجَوَابُ قَالَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ حَلُّ الرُّمُوزِ وَمَفَاتِيحُ الْكُنُوزِ سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيّ فَقِيلَ لَهُ أَخْبِرْنَا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ إلَهٌ وَاحِدٌ فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ هُوَ فَقَالَ إلَهٌ قَادِرٌ قِيلَ أَيْنَ هُوَ قَالَ بِالْمِرْصَادِ فَقَالَ السَّائِلُ لَمْ أَسْأَلْك عَنْ هَذَا فَقَالَ مَا كَانَ غَيْرُ هَذَا فَهُوَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ فَأَمَّا صِفَتُهُ تَعَالَى فَاَلَّذِي أَخْبَرْت عَنْهُ. وَسُئِلَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقَالَ الْحَقُّ عَرَفْنَا بِهَذَا الْقَوْلِ مَنْ هُوَ مَا عَرَفْنَا مَا هُوَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ. وَقِيلَ لِصُوفِيٍّ أَيْنَ اللَّهُ فَقَالَ قَبَّحَك اللَّهُ هَلْ تَطْلُبُ مَعَ الْعَيْنِ أَيْنَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَسُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقَالَ الرَّحْمَنُ لَمْ يَزُلْ وَالْعَرْشُ مُحْدَثٌ فَالْعَرْشُ بِالرَّحْمَنِ اسْتَوَى، وَسُئِلَ ذُو النُّونِ فِي قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقَالَ أَثْبَتَ ذَاتَه وَنَفَى مَكَانَهُ فَهُوَ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ بِحِكْمَةٍ كَمَا شَاءَ.
وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الِاسْتِوَاءِ فَقَالَ اسْتَوَى كَمَا أَخْبَرَ لَا كَمَا يَخْطِرُ لِلْبَشَرِ وَسُئِلَ
стр. 1208
الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الِاسْتِوَاءِ فَقَالَ آمَنْت بِلَا تَشْبِيهٍ وَصَدَّقْت بِلَا تَمْثِيلٍ وَاتَّهَمْت نَفْسِي فِي الْإِدْرَاكِ، وَأَمْسَكْت عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ كُلَّ الْإِمْسَاكِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ قَالَ لَا أَعْرِفُ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ هُوَ أَمْ فِي الْأَرْضِ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُوهِمُ أَنَّ لِلْحَقِّ تَعَالَى مَكَانًا فَهُوَ مُشَبَّهٌ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ الِاسْتِوَاءِ فَقَالَ الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِلسَّائِلِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا أَرَاك إلَّا خَارِجِيًّا أَخْرِجُوهُ عَنِّي. وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ اخْتِلَافًا فِي صِحَّةِ الِاعْتِقَادِ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ وَسَاءَ ظَنُّهُ بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ سُئِلَ مِصْبَاحُ التَّوْحِيدِ وَصَبَاحُ التَّفْرِيدِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - بِمَ عَرَفْت رَبَّك فَقَالَ عَرَفْت رَبِّي بِمَا عَرَّفَنِي بِهِ نَفْسَهُ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُقَالُ تَحْتَهُ شَيْءٌ، وَأَمَامَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُقَالُ أَمَامَهُ شَيْءٌ وَهُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا كَشَيْءٍ فِي شَيْءٍ فَسُبْحَانَ مَنْ هُوَ كَذَا وَلَيْسَ هَكَذَا غَيْرُهُ اهـ.
وَمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا ظَاهِرُهُ الْقَوْلُ بِالْجِهَةِ مَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ لِلْأَدِلَّةِ
стр. 1209
الْعَقْلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ بِخِلَافِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ، وَإِنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ فَقَدْ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِهَا: إنَّهُ قَدْ أَخَذَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ بِذَاتِهِ وَسَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا عَلِيٍّ الْجُبَّائِيَّ يَقُولُ إنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ دُسَّتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي سُقُوطِ الِاعْتِرَاضِ ثُمَّ أَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ قَالَ: وَالضَّمِيرُ فِي بِذَاتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْعَرْشِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي فَكَأَنَّهُ قِيلَ الْعَرْشُ الْمَجِيدُ فِي ذَاتِهِ فِي الشَّرَفِ وَالْعِظَمِ وَالْكَرَمِ. وَإِمَّا فَوْقِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بِمَعْنَى الشَّرَفِ وَالْجَمَالِ وَالْكَمَالِ وَالْمَكَانَةِ لَا فَوْقِيَّةُ أَحْيَازٍ، وَأَمْكِنَةٍ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْمَكَانُ وَالْجِهَاتُ وَمُشَابَهَةُ الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ إمَّا بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْمُلْكِ فَيَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْقَهْرِ أَوْ بِمَعْنَى عَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُخَالَفَةِ فَيَرْجِعُ إلَى مَعْنَى التَّنْزِيهِ، وَإِنْ أَعَدْت الضَّمِيرَ فِي بِذَاتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْفَوْقِيَّةَ الْمَعْنَوِيَّةَ لَهُ تَعَالَى بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَجِيدُ بِضَمِّ الدَّالِ لَا بِخَفْضِهَا فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مَجِيدٌ بِذَاتِهِ لَا بِكَثْرَةِ أَمْوَالٍ وَضَخَامَةِ أَجْنَادٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ الْمَجِيدُ وَبِذَاتِهِ
стр. 1210
مُتَعَلِّقٌ بِالْمَجِيدِ أَوْ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنْهُ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ فَمَرْدُودٌ إذْ هُوَ كَذِبٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُهُ الْفَاسِدُ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيِّ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيلٍ الْإِشْبِيلِيُّ السَّكُونِيُّ الْأَشْعَرِيُّ وَلْيُحْتَرَزْ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمُعْتَقَدِ فَاسِدٌ. اهـ. وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ كَالْأَشْعَرِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ إنْ كَانَ فِيهِ مَا ظَاهِرُهُ إثْبَاتُ الْجِهَةِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ فَهُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْت بِالنَّسَبِ مَا نُسِبَ لِلْأَشْعَرِيِّ فِي الْإِبَانَةِ وَحَاصِلُهُ مَعَ التَّأَمُّلِ إثْبَاتُ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَدَمُ تَأْوِيلِهِ بِالِاسْتِيلَاءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَاهِرِ فِي كِتَابِهِ الْحِلْيَةِ فَهُوَ مَاشٍ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمَرْدُودِ.
وَأَمَّا تَخْطِئَةُ ابْنِ رُشْدٍ تَأْوِيلَ الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِيلَاءِ فَهُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ الْمُفَاعَلَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ كَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ حَيْثُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا مَعْنَى قَوْلِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ إنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ إنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ اسْتَوَى أَيْ اسْتَوْلَى فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ مَا يُدْرِيك الْعَرَبُ لَا تَقُولُ
стр. 1211
اسْتَوْلَى عَلَى الشَّيْءِ فُلَانٌ حَتَّى يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُضَادٌّ فَأَيُّهُمَا غَلَبَ قِيلَ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا مُضَادَّ لَهُ فَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ. اهـ. وَالْمُؤَوِّلُونَ بِهِ لَا يُسَلِّمُونَ تَعْلِيلَهُ وَعِبَارَةُ الطَّوَالِعِ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ خِلَافًا لِلْمُجَسِّمَةِ وَلَا فِي جِهَةٍ خِلَافًا لِلْكَرَامِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ لَنَا أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ فِي جِهَةٍ وَحَيِّزٍ فَإِمَّا أَنْ يَنْقَسِمَ فَيَكُونُ جِسْمًا وَكُلُّ جِسْمٍ مُرَكَّبٌ وَمُحْدَثٌ لِمَا سَبَقَ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُرَكَّبًا وَمُحْدَثًا هَذَا خُلْفٌ أَوْ لَا يَنْقَسِمُ فَيَكُونُ جُزْءًا لَا يَتَجَزَّأُ، وَهُوَ مُحَالٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ فِي حَيِّزٍ وَجِهَةٍ لَكَانَ مُتَنَاهِي الْقَدْرِ كَمَا سَبَقَ فَكَانَ مُحْتَاجًا فِي تَقْدِيرِهِ إلَى مُخَصَّصٍ وَمُرَجَّحٍ وَهُوَ مُحَالٌ. اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي شَرْحِ عُمْدَتِهِ: صَانِعُ الْعَالَمِ لَيْسَ فِي جِهَةٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْكَرَّامِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يُعَيِّنُونَ لَهُ جِهَةَ الْعُلُوِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ عَلَى الْعَرْشِ وَلَيْسَ مُتَمَكِّنًا بِمَكَانٍ وَعِنْدَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ مُتَمَكِّنٌ عَلَى الْعَرْشِ وَقَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ فِي الْمُسَايَرَةِ الَّتِي اخْتَصَرَ فِيهَا الرِّسَالَةَ الْقُدْسِيَّةَ لِحُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيِّ الْأَصْلُ السَّابِعُ أَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ؛ لِأَنَّ الْجِهَاتِ الَّتِي هِيَ الْفَوْقُ وَالتَّحْتُ وَالْيَمِينُ إلَى آخِرِهَا حَادِثَةٌ
стр. 1212
بِأَحْدَاثِ الْإِنْسَانِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ فَإِنَّ مَعْنَى الْفَوْقِ مَا يُحَاذِي رَأْسَهُ مِنْ فَوْقُ وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ وَلِمَا يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ أَوْ بَطْنِهِ مَا يُحَاذِي ظَهْرَهُ مِنْ فَوْقِهِ ثُمَّ هِيَ اعْتِبَارِيَّةٌ فَإِنَّ النَّمْلَةَ إذَا مَشَتْ عَلَى سَقْفٍ كَانَ الْفَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا جِهَةَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَاذِي لِظَهْرِهَا وَلَوْ كَانَ كُلُّ حَادِثٍ مُسْتَدِيرًا كَالْكُرَةِ لَمْ تُوجَدْ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ وَقَدْ كَانَ فِي الْأَزَلِ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ فَقَدْ كَانَ لَا فِي جِهَةٍ وَلِأَنَّ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ بِالْجِهَةِ اخْتِصَاصُهُ بِحَيِّزٍ هُوَ كَذَا وَقَدْ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ بِالْحَيِّزِ لِبُطْلَانِ الْجَوْهَرِيَّةِ وَالْجِسْمِيَّةِ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْجِهَةِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حُلُولُ حَيِّزٍ وَلَا جِسْمِيَّةٍ فَلْيُبَيَّنْ حَتَّى يُنْظَرَ أَيَرْجِعُ إلَى التَّغْرِيَةِ فَنُخَطِّئُهُ فِي مُجَرَّدِ التَّعْبِيرِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ فَيَبِينُ فَسَادُهُ.
الْأَصْلُ الثَّامِنُ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَعَ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَاسْتِوَاءِ الْأَجْسَامِ عَلَى الْأَجْسَامِ فِي التَّمَكُّنِ وَالْمُمَاسَّةِ وَالْمُحَاذَاةِ لَهَا بَلْ بِمَعْنَى يَلِيقُ بِهِ وَحَاصِلُهُ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ فَأَمَّا كَوْنُ الْمُرَادِ أَنَّهُ اسْتِيلَاؤُهُ عَلَى الْعَرْشِ فَأَمْرٌ جَائِزُ الْإِرَادَةِ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى إرَادَتِهِ عَيْنًا فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا مَا ذَكَرْنَاهُ. اهـ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الرِّسَالَةِ
стр. 1213
الْقُدْسِيَّةِ: وَأَمَّا رَفْعُ الْأَيْدِي عِنْدَ السُّؤَالِ إلَى جِهَةِ السَّمَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا قِبْلَةٌ لِلدُّعَاءِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا هُوَ وَصْفٌ لِلْمَدْعُوِّ مِنْ الْجَلَالِ وَالْكِبْرِيَاءِ تَنْبِيهًا بِقَصْدِ جِهَةِ الْعُلُوِّ عَلَى جِهَةِ الْمَجْدِ وَالْعُلَا فَإِنَّهُ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ مَوْجُودٍ بِالْعَظَمَةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ. اهـ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ لُمَعُ الْأَدِلَّةِ فِي قَوَاعِدِ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ الرَّبُّ تَقَدَّسَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِالْجِهَاتِ وَالِاتِّصَافِ بِالْمُحَاذَاةِ لَا تَحُدُّهُ الْأَفْكَارُ وَلَا تَحْوِيهِ الْأَقْطَارُ وَلَا تَكْشِفُهُ الْأَقْدَارُ وَيَحِلُّ عَنْ قَبُولِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُخْتَصٍّ بِجِهَةٍ شَاغِلٌ لَهَا وَكُلَّ مُتَحَيِّزٍ قَابِلٌ لِمُلَاقَاةِ الْجَوَاهِرِ وَمُفَارَقَتِهَا وَكُلَّ مَا يَقْبَلُ الِاجْتِمَاعَ وَالِافْتِرَاقَ لَا يَخْلُو عَنْهُ، وَمَا لَا يَخْلُو عَنْ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ حَادِثٌ كَالْجَوَاهِرِ.
وَأَطَالَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ بْنُ التِّلِمْسَانِيِّ فِي شَرْحِهَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ قَالَ وَالْجَوَابُ الْجَلِيُّ عَنْ الْجَمِيعِ أَيْ جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي اسْتَنَدَ إلَيْهَا مُثْبِتُو الْجِهَةِ أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ وُرُودُهُ بِمَا يُكَذِّبُ الْعَقْلَ فَإِنَّهُ شَاهِدُهُ فَلَوْ أَتَى بِذَلِكَ لَبَطَلَ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ مَعًا إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَقُولُ كُلُّ لَفْظٍ يَرِدُ فِي الشَّرْعِ فِي الذَّاتِ وَالْأَسْمَاءِ
стр. 1214
وَالصِّفَاتِ بِمَا يُوهِمُ خِلَافَ الْعَقْلِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ آحَادًا أَوْ مُتَوَاتِرًا فَإِنْ كَانَ آحَادًا وَهُوَ نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ قَطَعْنَا بِتَكْذِيبِ نَاقِلِهِ أَوْ سَهْوِهِ وَغَلَطِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَالظَّاهِرُ مِنْهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَتِّرًا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا أَوْ مُحْتَمَلًا فَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ الِاحْتِمَالُ الَّذِي دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى خِلَافِهِ لَيْسَ بِمُرَادٍ مِنْهُ فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ إزَالَتِهِ احْتِمَالٌ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِحُكْمِ الْحَالِ، وَإِنْ بَقِيَ احْتِمَالَانِ أَوْ أَكْثَرُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَدُلَّ قَاطِعٌ عَلَى تَعْيِينِ وَاحِدٍ أَوْ لَا فَإِنْ دَلَّ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ قَاطِعٌ عَلَى التَّعْيِينِ خَشْيَةَ الْإِلْحَادِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَيُعْزَى إلَى مَالِكٍ الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ بِمَعْنَى أَنَّ مَحَامِلَ الِاسْتِوَاءِ فِي اللُّغَةِ مَعْلُومَةٌ بَعْدَ نَفْيِ الِاسْتِقْرَارِ مِنْ الْقَهْرِ أَوْ الْغَلَبَةِ وَالْقَصْدِ إلَى خَلْقِ شَيْءٍ هُوَ الْعَرْشُ كَمَا قَالَ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] أَيْ قَصَدَ إلَى خَلْقِهَا أَوْ التَّنَاهِي فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] يَعْنِي أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْمَحَامِلِ مَعْلُومَةٌ فِي اللِّسَانِ قَوْلُهُ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ لَنَا قَوْلُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ
стр. 1215
يَعْنِي أَنَّ التَّصْدِيقَ بِأَنَّ لَهُ مَعْنًى يَصِحُّ فِي وَصْفِهِ تَعَالَى وَاجِبٌ قَوْلُهُ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ يَعْنِي أَنَّ تَعْيِينَهُ بِطَرِيقِ الظُّنُونِ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِنْ الصَّحَابَةِ التَّصَرُّفُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ بِالظُّنُونِ وَحَيْثُ عَمِلُوا بِالظُّنُونِ إنَّمَا عَمِلُوا بِهَا فِي تَوْصِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا فِي الْمُعْتَقَدَاتِ الْإِيمَانِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ التَّعْيِينَ بِالِاجْتِهَادِ دَفْعًا لِلْخَبْطِ فِي الْعَقَائِدِ وَهُوَ مَذْهَبُ صَاحِبِ الْكِتَابِ ثُمَّ جَلَّى التَّأْوِيلَاتِ إلَى أَنْ قَالَ فَإِنْ قَالُوا جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ تَأْوِيلٌ وَالتَّأْوِيلُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ قُلْنَا قَدْ أَوَّلْتُمْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ ﷺ «قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» وَقَوْلُهُ ﷺ «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» فَحَمَلْتُمْ الْمَعِيَّةَ فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى مَعِيَّةِ الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى، وَأَخِيهِ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وَحَمَلْتُمْ قَوْلَهُ «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ» أَيْ مَحَلُّ عَهْدِهِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْمِيثَاقَ عَلَى بَنِي آدَمَ فَإِنْ صَحَّ مِنْكُمْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ الْعَقْلِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِ كَذَلِكَ قَالُوا أَوَّلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ
стр. 1216
ضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَمَا صِرْتُمْ إلَيْهِ مُحْتَاجٌ إلَى نَظَرِ الْعَقْلِ وَهُوَ حَرَامٌ أَوْ بِدْعَةٌ قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِصِدْقِ نَظَرِ الْعَقْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ لَكُمْ شَرْعٌ تَسْنُدُونَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْكَامِ فَإِنْ قَالُوا يَجِبُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَتَكُونُ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ وَلَيْسَتْ عَاطِفَةً وَحَظُّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الْإِيمَانُ بِهِ قُلْنَا بِهِ وَاجِبٌ عَلَى عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَبْقَى لِوَصْفِهِمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ، وَأَنَّهُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ فَائِدَةٌ بَلْ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ ذُو اللُّبِّ يَعْلَمُ الْوَجْهَ الَّذِي يُشَابِهُ الْبَاطِلَ فَيَنْفِيهِ وَالْوَجْهَ الَّذِي يُشَابِهُ الْحَقَّ فَيُثْبِتُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَ ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْبَعْضِيَّةِ وَهُوَ بَاطِلٌ فَيَنْفِيهِ وَبَيْنَ إضَافَةِ التَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ وَهُوَ حَقٌّ فَيُعَيِّنُهُ. اهـ.
وَقَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ: وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِحَقِيقَةِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْجِهَةِ فَقَدْ بَنَوْا مَذْهَبَهُمْ عَلَى قَضَايَا وَهْمِيَّةٍ كَاذِبَةٍ تَسْتَلْزِمُهَا وَعَلَى ظَوَاهِرِ آيَاتٍ، وَأَحَادِيثَ تُشْعِرُ بِهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا وَجَوَابَ تِلْكَ الْقَضَايَا إلَى أَنْ قَالَ: وَالْجَوَابُ أَيْ عَنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّهَا ظَنِّيَّاتٌ سَمْعِيَّةٌ فِي مُعَارَضَةِ قَطْعِيَّاتٍ عَقْلِيَّةٍ فَيُقْطَعُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَنُفَوِّضُ الْعِلْمَ بِمَعَانِيهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ
стр. 1217
اعْتِقَادِ حَقِيقَتِهَا جَرْيًا عَلَى الطَّرِيقِ الْأَسْلَمِ الْمُوَافِقِ لِلْوَقْفِ عَلَى اللَّهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] أَوْ تُؤَوَّلُ تَأْوِيلَاتٍ مُنَاسَبَةً مُوَافِقَةً لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَشُرُوحِ الْحَدِيثِ سُلُوكًا لِلطَّرِيقِ الْأَحْكَمِ الْمُوَافِقِ لِلْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ الدِّينُ الْحَقُّ نَفْيَ الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ فَمَا بَالُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مُشْعِرَةٌ فِي مَوَاضِعَ لَا تُحْصَى بِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقَعَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقٌ كَمَا كُرِّرَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَوَحْدَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحَقِيقَةِ الْمَعَادِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَأَكَّدَتْ غَايَةَ التَّأْكِيدِ مَعَ أَنَّ هَذَا أَيْضًا حَقِيقٌ بِغَايَةِ التَّأْكِيدِ وَالتَّحْقِيقِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي فِطْرَةِ الْعُقَلَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَدْيَانِ وَالْآرَاءِ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى الْعُلُوِّ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَرَفْعِ الْأَيْدِي إلَى السَّمَاءِ؟
أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّنْزِيهُ عَنْ الْجِهَةِ مِمَّا يَقْصُرُ عَنْهُ عُقُولُ الْعَامَّةِ حَتَّى تَكَادَ تَجْزِمُ بِنَفْيِ مَا لَيْسَ فِي الْجِهَةِ كَانَ الْأَنْسَبُ فِي خِطَابَاتِهِمْ وَالْأَقْرَبُ إلَى صَلَاحِهِمْ وَالْأَلْيَقُ بِدَعْوَتِهِمْ إلَى الْحَقِّ مَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي التَّشْبِيهِ وَكَوْنُ الصَّانِعِ فِي
стр. 1218
أَشْرَفِ الْجِهَاتِ مَعَ تَشْبِيهَاتٍ دَقِيقَةٍ فِي التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ عَمَّا هُوَ سِمَاتُ الْحُدُوثِ، وَتَوَجُّهُ الْعُقَلَاءِ إلَى السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَمِنْهَا تُتَوَقَّعُ الْخَيْرَاتُ وَالْبَرَكَاتُ وَهُبُوطُ الْأَنْوَارِ وَنُزُولُ الْأَمْطَارِ. اهـ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ فِي الْجِهَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالتَّوَجُّهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ وَلَيْسَ هُوَ فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ وَأُمِرُوا بِرَمْيِ أَبْصَارِهِمْ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ حَالَةَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْأَرْضِ وَكَذَا حَالُ السُّجُودِ أُمِرُوا بِوَضْعِ الْوُجُوهِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَيْسَ هُوَ تَحْتَ الْأَرْضِ فَكَذَا هُنَا بَلْ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ وَخُضُوعٌ وَخُشُوعٌ وَقِيلَ إنَّ الْعَرْشَ جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلْقُلُوبِ عِنْدَ الدُّعَاءِ كَمَا جُعِلَتْ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ الْأَبْدَانِ فِي الصَّلَاةِ. وَعِبَارَةُ الْمَوَاقِفِ الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ فِي جِهَةٍ، وَخَالَفَ فِيهِ الْمُشَبِّهَةُ وَخَصَّصُوهُ بِجِهَةِ الْفَوْقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ إلَى أَنَّ كَوْنَهُ فِي الْجِهَةِ لِكَوْنِ الْأَجْسَامِ فِيهَا قَالَ وَهُوَ مَا بَيْنَ الصَّفْحَةِ الْعُلْيَا مِنْ الْعَرْشِ وَتَجُوزُ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَالِانْتِقَالُ وَتَبَدُّلُ الْجِهَاتِ وَعَلَيْهِ الْيَهُودُ حَتَّى قَالُوا الْعَرْشُ يَئِطُّ مِنْ تَحْتِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ
стр. 1219
الْجَدِيدِ تَحْتَ الرَّاكِبِ، وَأَنْ يَفْصِلَ عَنْ الْعَرْشِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَزَادَ بَعْضُ الْمُشَبِّهَةِ كمض وكهمش، وَأَحْمَدَ الْهُجَيْمِيِّ أَنَّ الْمُخْلِصِينَ يُعَايِنُونَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مُحَاذٍ لِلْعَرْشِ غَيْرُ مُمَاسٍّ لَهُ فَقِيلَ بِمَسَافَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ وَقِيلَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَيْسَ كَكَوْنِ الْأَجْسَامِ فِي الْجِهَةِ لَنَا وُجُوهٌ وَالْأَوَّلُ لَوْ كَانَ فِي مَكَان لَزِمَ قِدَمُ الْمَكَانِ.
وَقَدْ بَرْهَنَا أَنْ لَا قَدِيمَ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ، الثَّانِي الْمُمَكَّنُ يَحْتَاجُ إلَى مَكَان وَالْمَكَانُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْمُتَمَكِّنِ لِجَوَازِ الْخَلَاءِ فَيَلْزَمُ إمْكَانُ الْوَاجِبِ وَوُجُوبُ الْمَكَانِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ الثَّالِثُ لَوْ كَانَ فِي مَكَان فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَازِ أَوْ جَمِيعِهَا وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَسَاوِي الْأَحْيَازِ فِي أَنْفُسِهَا وَنِسْبَتِهِ إلَيْهَا فَيَكُونُ اخْتِصَاصُهُ بِبَعْضِهَا تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجَّحٍ أَوْ يَلْزَمُ الِاحْتِيَاجُ إلَى الْغَيْرِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَدَاخُلُ الْمُتَحَيِّزَيْنِ فَإِنَّهُ مُحَالٌ بِالضَّرُورَةِ. وَالرَّابِعُ لَوْ كَانَ مُتَحَيِّزًا لَكَانَ جَوْهَرًا فَإِمَّا أَلَّا يَنْقَسِمَ أَوْ يَنْقَسِمَ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ أَخَسُّ الْأَشْيَاءِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يَكُونُ جِسْمًا وَكُلُّ جِسْمٍ مُرَكَّبٌ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يُنَافِي
стр. 1220
الْوُجُوبَ، وَأَيْضًا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ فَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْوَاجِبِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ قَالَ فَالْجَوَابُ أَيْ عَنْ الظَّوَاهِرِ الْمُوهِمَةِ لِلتَّجْسِيمِ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّهَا ظَوَاهِرُ ظَنِّيَّةٌ لَا تُعَارِضُ الْيَقِينِيَّاتِ كَيْفَ وَمَهْمَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا مَا أَمْكَنَ فَنُؤَوِّلُ الظَّوَاهِرَ إمَّا إجْمَالًا وَنُفَوِّضُ تَفْصِيلَهُ إلَى اللَّهِ كَمَا هُوَ رَأْيُ مَنْ يَقِفُ عَلَى ﴿إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ وَالْبَحْثُ عَنْهَا بِدْعَةٌ، وَإِمَّا تَفْصِيلًا كَمَا هُوَ رَأْيُ طَائِفَةٍ فَنَقُولُ الِاسْتِوَاءُ الِاسْتِيلَاءُ نَحْوَ قَدْ اسْتَوَى عَمْرٌو عَلَى الْعِرَاقِ وَالْعِنْدِيَّةُ بِمَعْنَى الِاصْطِفَاءِ وَالْإِكْرَامِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ قَرِيبٌ مِنْ الْمَلِكِ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] أَيْ أَمْرُهُ، وَ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾ [فاطر: ١٠] أَيْ يَرْتَضِيهِ فَإِنَّ الْكَلِمَ عَرَضٌ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ وَمَنْ فِي السَّمَاءِ أَيْ حُكْمُهُ وَسُلْطَانُهُ أَوْ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالْعَذَابِ وَعَلَيْهِ فَقِسْ سَائِرَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ. اهـ.
وَقَالَ السَّيِّدُ فِي شَرْحِهَا فَالْعُرُوجُ إلَيْهِ هُوَ الْعُرُوجُ إلَى مَوْضِعٍ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالطَّاعَةِ فِيهِ، وَإِتْيَانُهُ فِي ظُلَلٍ إتْيَانُ عَذَابِهِ، وَالدُّنُوُّ هُوَ قُرْبُ الرَّسُولِ إلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، وَالتَّقْدِيرُ بِقَابَ قَوْسَيْنِ تَصْوِيرُ الْمَعْقُولِ
стр. 1221
بِالْمَحْسُوسِ، وَالنُّزُولُ مَحْمُولٌ عَلَى اللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَتَرْكِ مَا يَصْعَدُ عَنْهُ عِظَمُ الذَّاتِ وَعُلُوُّ الْمَرْتَبَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَخُصَّ بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْخَلَوَاتِ، وَأَنْوَاعِ الْخُضُوعِ وَالْعِبَادَاتِ. اهـ.
وَمَعْنَى وَرَافِعُك إلَيَّ، إلَى مَحَلِّ كَرَامَتِي وَمَقَرِّ مَلَائِكَتِي وَقَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الِاقْتِصَادِ فِي الِاعْتِقَادِ إنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ فِي جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ السِّتِّ وَمَنْ عَرَفَ مَعْنَى لَفْظِ الْجِهَةِ وَمَعْنَى لَفْظِ الِاخْتِصَاصِ فَهِمَ قَطْعًا اسْتِحَالَةَ الْجِهَةِ عَلَى غَيْرِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ إذْ الْحَيِّزُ مَعْقُولٌ وَهُوَ الَّذِي يَخْتَصُّ الْجَوْهَرُ بِهِ وَلَكِنَّ الْحَيِّزَ إنَّمَا يَصِيرُ جِهَةً إذَا أُضِيفَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ مُتَحَيِّزٍ فَإِنْ قِيلَ نَفْيُ الْجِهَةِ مُؤَدٍّ إلَى مُحَالٍ وَهُوَ إثْبَاتُ مَوْجُودٍ تَخْلُو عَنْهُ الْجِهَاتُ السِّتُّ وَيَكُونُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا مُتَّصِلًا بِهِ وَلَا مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَذَلِكَ مُحَالٌ قُلْنَا مُسَلَّمٌ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَقْبَلُ الِاتِّصَالَ فَوُجُودُهُ لَا مُنْفَصِلًا وَلَا مُتَّصِلًا بِهِ مُحَالٌ، وَأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَقْبَلُ الِاخْتِصَاصَ بِجِهَةٍ فَوُجُودُهُ مَعَ خُلُوِّ الْجِهَاتِ السِّتِّ عَنْهُ مُحَالٌ. فَأَمَّا مَوْجُودٌ لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَالَ وَلَا الِاخْتِصَاصَ بِالْجِهَةِ فَخُلُوُّهُ عَنْ طَرَفَيْ النَّقْصِ غَيْرُ مُحَالٍ وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ يَسْتَحِيلُ مَوْجُودٌ لَا يَكُونُ عَاجِزًا
стр. 1222
وَلَا قَادِرًا وَلَا عَالِمًا وَلَا جَاهِلًا فَإِنَّ الْمُتَضَادَّيْنِ لَا يَخْلُو الشَّيْءُ عَنْهُمَا فَيُقَالُ لَهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ قَابِلًا لِلْمُتَضَادَّيْنِ فَيَسْتَحِيلُ خُلُوُّهُ عَنْهُمَا أَمَّا الْجِدَارُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَهُمَا وَهُوَ الْحَيَاةُ فَخُلُوُّهُ عَنْهُمَا لَيْسَ بِمُحَالٍ فَلِذَلِكَ شَرْطُ الِاتِّصَالِ وَالِاخْتِصَاصِ بِالْجِهَاتِ التَّحَيُّزُ وَالْقِيَامُ بِالْمُتَحَيِّزِ فَإِذَا فَقَدَ هَذَا لَمْ يَسْتَحِلْ الْخُلُوُّ عَنْ مُضَادَّتِهِ. اهـ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ احْتَجَّ النَّافُونَ لِلْعُلُوِّ عَلَى الْعَرْشِ بِوُجُوهٍ أَحَدُهُمَا لَوْ كَانَ عَلَى الْعَرْشِ لَكَانَ فِي جِهَةٍ وَثُبُوتُهَا فِي الْقَدِيمِ يُؤَدِّي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا حُدُوثُ الْقَدِيمِ أَوْ قُدُومُ الْحَادِثِ؛ لِأَنَّ أَمَارَاتِ الْحُدُوثِ إنْ لَمْ تَبْطُلْ دَلَالَتُهَا ثَبَتَ حُدُوثُ الْقَدِيمِ، وَإِنْ بَطَلَتْ دَلَالَتُهَا لَمْ يَثْبُتْ حُدُوثُ الْعَالَمِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجِهَةَ مِنْ أَمَارَاتِ الْحُدُوثِ أَنَّ التَّعَرِّي مِنْ الْجِهَةِ ثَابِتٌ فِي الْأَزَلِ فَلَوْ ثَبَتَتْ الْجِهَةُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ لَتَغَيَّرَ عَمَّا كَانَ وَلَحَدَثَ فِيهِ مُمَاسَّةٌ وَالتَّغْيِيرُ وَقَبُولُ الْحَوَادِثِ مِنْ أَمَارَاتِ الْحُدُوثِ ثَانِيهَا لَوْ كَانَتْ ذَاتُهُ مُخْتَصَّةً بِجِهَةٍ فَأَمَّا أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْهَا أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَإِنْ تَمَكَّنَ كَانَ مَحَلًّا لِلْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ كَانَ كَالزَّمَنِ الْعَاجِزِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْحُدُوثِ. ثَالِثُهَا لَوْ كَانَ فِي جِهَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْجِهَاتِ كُلِّهَا وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِبَعْضِهَا
стр. 1223
احْتَاجَ إلَى مُخَصَّصٍ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ رَابِعُهَا لَوْ كَانَ بِجِهَةٍ مِنْ الْعَالَمِ مُحَاذِيًا لَهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِجِسْمِ الْعَالَمِ أَوْ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ وَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ مَسَافَةٍ مُقَدَّرَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَالَمِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّقْدِيرَ بِمِقْدَارٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةً فَيَحْتَاجُ إلَى مُخَصِّصٍ وَمُقَدِّرٍ.
خَامِسُهَا لَوْ ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِالْعَرْشِ فَإِنْ كَانَ الِاخْتِصَاصُ لِاقْتِضَاءِ ذَاتِهِ أَوْ صِفَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِصَاصُ ثَابِتًا فِي الْأَزَلِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ جَوَازِ تَخَلُّفِ الْمُقْتَضَيْ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا لِاقْتِضَاءِ ذَاتِهِ وَصِفَتِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَخْصِيصٍ. سَادِسُهَا لَوْ كَانَ عَلَى الْعَرْشِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّنَاهِي وَالتَّبْعِيضَ وَالتَّجَزُّؤَ. سَابِعُهَا لَوْ كَانَ عَلَى الْعَرْشِ لَكَانَ مُشَارًا إلَيْهِ بِالْحِسِّ وَكُلَّمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ إمَّا مُتَنَاهٍ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا أَوْ غَيْرَ مُتَنَاهٍ أَصْلًا، وَالثَّالِثُ بَاطِلٌ لِوُجُوبِ تَنَاهِي الْأَجْسَامِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَنَاهٍ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ لَكَانَ الْعَالَمُ سَارِيًا فِي ذَاتِ اللَّهِ وَحَالًّا فِيهِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ مُخَالِطَةً لِلْقَاذُورَاتِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذَا الْمَقَالِ وَعَنْ هَذَا الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ، وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ؛ لِوُجُوبِ تَنَاهِي الْأَجْسَامِ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَنَاهٍ مِنْ بَعْضِ
стр. 1224
الْجَوَانِبِ دُونَ بَعْضٍ لَافْتَقَرَ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْجَوَانِبِ بِالتَّنَاهِي وَبَعْضِهَا بِعَدَمِ التَّنَاهِي إلَى تَخْصِيصٍ لِوُجُوبِ تَسَاوِي جَمِيعِ الْجَوَانِبِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَاهِيَّةِ، وَإِنْ فُرِضَ اخْتِلَافُهَا فِي الْمَاهِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ فَكُلُّ ذَاتٍ كَانَتْ مُرَكَّبَةً مِنْ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْمَاهِيَّةِ وَالطَّبِيعَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ إلَى أَجْزَاءٍ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي نَفْسِهِ بَسِيطًا خَالِيًا مِنْ التَّرْكِيبِ كَالْجُزْءِ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْبَسِيطَةِ لَا بُدَّ أَنْ يُمَاسَّ بِيَمِينِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَمَسَّهُ بِيَسَارِهِ وَبِالضِّدِّ فَيَكُونُ التَّفْرِيقُ عَلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ جَائِزًا فَالتَّأْلِيفُ وَالتَّفْرِيقُ عَلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ جَائِزَانِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ تَأْلِيفُهُمَا وَتَرْكِيبُهُمَا إلَى مُؤَلِّفٍ وَمُرَكِّبٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشَارٌ إلَيْهِ بِالْحِسِّ لَكَانَ مُتَنَاهِيًا مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، وَإِذَا كَانَ مُتَنَاهِيًا مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ كَانَ وُجُودُ أَزْيَدَ مِمَّا وُجِدَ أَوْ أَنْقَصَ مِمَّا وُجِدَ جَائِزًا فَيَفْتَقِرُ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ إلَى مُخَصِّصٍ وَذَلِكَ عَلَى خَالِقِ الْعَالَمِ مُحَالٌ. اهـ.
وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ فِي اعْتِقَادِ الْحَقِّ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَا قَالَهُ الْقَائِلُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِجِهَةِ الْعُلُوِّ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنْ وُفِّقَ وَرَجَعَ إلَى الِاعْتِقَادِ الْحَقِّ فَذَاكَ، وَإِلَّا
стр. 1225
فَإِنْ رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ عَزَّرَهُ الْحَاكِمُ التَّعْزِيرَ اللَّائِقَ بِحَالِهِ الرَّادِعَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ ارْتِكَابِ مِثْلِ قَبِيحِ أَقْوَالِهِ خُصُوصًا إذَا خِيفَ مِنْهُ انْتِشَارُ بِدْعَتِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ]
(سُئِلَ) ﵀ مَا قَوْلُكُمْ فِي قَوْلِ الْكَمَالِ بْنِ أَبِي شَرِيفٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُحَلَّى فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَائِدَةٌ لَفْظُ الْفِعْلِ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ لَفْظٌ لِلْفَاعِلِ مَوْجُودٌ كَالْهَيْئَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَاةِ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَحْوِهَا كَالْهَيْئَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالصَّوْمِ وَهِيَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ بَيَاضَ النَّهَارِ وَهَذَا يُقَالُ فِيهِ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْفِعْلِ عَلَى نَفْسِ إيقَاعِ الْفَاعِلِ هَذَا الْمَعْنَى وَيُقَالُ فِيهِ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ الَّذِي هُوَ أَحَدُ مَدْلُولَيْ الْفِعْلِ النَّحْوِيِّ، وَمُتَعَلَّقُ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ إذْ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَكَانَ لَهُ مَوْقِعٌ فَيَكُونُ لَهُ إيقَاعٌ وَهَكَذَا فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ الْمُحَالُ. اهـ.
هَلْ هُوَ مُسَلَّمٌ أَوْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِتَسْلِيمِهِ فَمَا مَعْنَى كَوْنِ الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ صِفَةً لِلْفَاعِلِ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا أَثَرُ صِفَةٍ
стр. 1226
لِلْفَاعِلِ أَوْ مُتَعَلِّقُ صِفَةٍ فَإِنْ كَانَتْ صِفَةً مَعَ كَوْنِهَا أَثَرًا لِلصِّفَةِ أَوْ مُتَعَلِّقَ الصِّفَةِ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ صِفَةً مَعَ كَوْنِهِ أَثَرَ صِفَةٍ أَوْ مُتَعَلِّقَاتِهَا فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَمْ لَا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَا الْمُحْوِجُ إلَى حَمْلِ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَمَا الَّذِي يُلْزِمُ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَى أَيِّ قَاعِدَةٍ يَرْجِعُ هَذَا الْمَبْحَثُ مِنْ قَوَاعِدِ الْأُصُولِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ صَلِّ مَثَلًا إذَا صَدَرَ مِنْ الشَّارِعِ فَمَعْنَاهُ الْمَطْلُوبُ هُوَ أَحَدُ مَدْلُولَيْ صَلِّ وَهُوَ الْحَدَثُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مُتَعَلَّقَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْحَدَثُ لَا الْهَيْئَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْمَحْمَلِ الْمَذْكُورِ مُوجِبٌ قَدْ خَفِيَ عَنَّا فَطَلَبْت مِنْكُمْ جَوَابَهُ فَأَجَابَ مُجِيبٌ بِمَا نَصُّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ الشَّيْخِ الْمُحَقِّقِ الْمُشَارِ إلَيْهِ كَلَامٌ صَحِيحٌ مُحَقَّقٌ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ الْفِعْلَ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا التَّأَثُّرُ وَالْإِيجَادُ الْعَادِيَّانِ لَا الْحَقِيقِيَّانِ إذْ هُمَا تَأْثِيرُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِيجَادُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْإِيقَاعِ تَحَاشِيًا عَنْ لَفْظِ التَّأْثِيرِ وَالْإِيجَادِ وَهُوَ أَحَدُ مَدْلُولَيْ الْفِعْلِ النَّحْوِيِّ. وَالثَّانِي أَثَرُ هَذَا التَّأْثِيرِ وَهُوَ الْهَيْئَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ وَصْفُ الْفَاعِلِ إلَّا أَنَّ
стр. 1227
الْأَوَّلَ اعْتِبَارِيٌّ لَهُ تَحَقُّقٌ فِي الْعَقْلِ لَا فِي الْخَارِجِ وَالثَّانِي لَهُ تَحَقُّقٌ فِيهِمَا فَالْأَوَّلُ وَصْفُ الْفَاعِلِ قَائِمٌ بِهِ فِي الْفِعْلِ يُمَيِّزُ الْعَقْلُ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَلَا تَحَقُّقَ لَهُ فِي الْخَارِجِ فَلَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِهِ أَحَدَ مَدْلُولَيْ الْفِعْلِ النَّحْوِيِّ وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مُتَعَلِّقَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا طَلَبٌ فِي الْأَغْلَبِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُ الْأَفْعَالِ وَتَحْقِيقُهَا فِي الْخَارِجِ وَالثَّانِي وَصْفٌ لِلْفَاعِلِ قَائِمٌ بِهِ قِيَامًا خَارِجِيًّا؛ لِأَنَّ الْهَيْئَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالصَّلَاةِ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْمُصَلِّي، وَإِذَا اتَّضَحَ هَذَا اتَّضَحَ الْمَعْنَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ صَلَّى وَصَلِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ شَطَبَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ طُولًا وَعَرْضًا وَكَتَبَ بَاطِنَهُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْكَلَامُ الْمَنْسُوبُ إلَى الشَّيْخِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بَاطِنُهُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَفِيهِ نِزَاعٌ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ صِفَةً لِلْفَاعِلِ أَنَّهَا مَعْنًى وُجُودِيٌّ قَائِمٌ بِالْفَاعِلِ فَيَكُونُ صِفَةً لَهُ وَهِيَ بِعَيْنِهَا مَعَ ذَلِكَ أَثَرُ صِفَةٍ لَهُ أُخْرَى وَمُتَعَلَّقٌ لِتِلْكَ الصِّفَةِ الْأُخْرَى وَتِلْكَ الصِّفَةُ الْأُخْرَى وَصْفٌ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَيَتَحَقَّقُ فِي الْعَقْلِ دُونَ الْخَارِجِ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ قَائِمًا بِالْفَاعِلِ قِيَامَ الْبَيَاضِ بِالْأَبْيَضِ كَمَا فِي الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ هُوَ قَائِمٌ بِهِ فِي الْعَقْلِ قِيَامَ الْإِمْكَانِ بِالْمُمْكِنِ وَمَعْنَى قِيَامِهِ بِهِ فِي الْعَقْلِ أَنَّ
стр. 1228
الْعَقْلَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ مُتَمَيِّزٌ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَمَعْنَى عَدَمِ قِيَامِهِ بِهِ فِي الْخَارِجِ أَنَّ الْخَارِجَ لَيْسَ فِيهِ ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ أَعْنِي الْإِيقَاعَ وَتَأْثِيرَهُ وَمُتَعَلَّقَهُ وَهُوَ الْهَيْئَةُ مُتَمَيِّزٌ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِينَ بَلْ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ الذَّاتُ وَالْهَيْئَةُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إنَّ التَّأْثِيرَ وَالْأَثَرَ فِي الْخَارِجِ وَاحِدٌ كَمَا فَسَّرُوهُ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ صِفَةً وُجُودِيَّةً لِلْفَاعِلِ، وَأَثَرًا وَمُتَعَلَّقًا لِصِفَةٍ أُخْرَى اعْتِبَارِيَّةٍ وَالْمُحْوِجُ إلَى جَعْلِ الْفِعْلِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ شَيْءٌ يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ وَتَصَوُّرُ وُقُوعِهِ أَيْ وُجُودِهِ وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ فِعْلٌ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ لَا تَرْكُ الْفِعْلِ بِمَعْنَى نَفْيِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفِعْلَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ اعْتِبَارِيٌّ لَا يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْجُمْهُورُ وَفِيهَا نِزَاعٌ لِبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِعِ مَثَلًا صَلِّ فَمَعْنَاهُ طَلَبُ الصَّلَاةِ أَيْ الْهَيْئَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَاةِ وَمَعْنَى صَلِّ أَوْجِدْ الْهَيْئَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَيْسَ اتِّحَادُ الْهَيْئَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَبَحَثَ فِي ذَلِكَ بَاحِثٌ
стр. 1229
بِمَا صَوَّرْته فِي جَوَابِ الْمُجِيبِ نَظَرٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بَنَى جَوَابَهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَظْهَرُ بِنَاؤُهُ عَلَيْهَا فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَصْرُ تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ عَلَى الْفِعْلِ دُونَ نَفْيِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ غَيْرُ حَاصِلٍ قَبْلَ التَّكْلِيفِ فَلَمْ يَصِحَّ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَحْثِ وَلَا مَدْخَلَ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّعْلِيلِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْفِعْلَ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ الْهَيْئَةُ أَوْ إيجَادُهَا دَاخِلٌ تَحْتَ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ.
وَغَيْرُ حَاصِلٍ قَبْلَ الطَّلَبِ فَيَصِحُّ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ الْهَيْئَةُ أَوْ إيجَادُهَا وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ وَمَا قَالَ مِنْ الْفَائِدَةِ عَلَى إجْمَالٍ فِي كَلَامِهِ بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَمُتَعَلَّقُ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي إلَخْ.
وَإِنْ تَبِعَ فِيهِ غَيْرَهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِمُتَعَلَّقِ التَّكْلِيفِ مَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِإِيجَادِهِ لَا مَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ إيجَادُهُ إذْ الْمَطْلُوبُ إيجَادُهُ إنَّمَا هُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ إذْ غَايَتُهُ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِالْأَمْرَيْنِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْخِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ عَلَى الْوَجْهِ
стр. 1230
الْمَذْكُورِ آنِفًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا خِطَابُ الشَّارِعِ بِشَهَادَةِ كَلَامِ النُّحَاةِ النَّاقِلِينَ لِلُّغَةِ الْمُتَرْجِمِينَ عَنْهَا حَيْثُ قَالُوا إنَّ مَدْلُولَ الْفِعْلِ الْحَدَثُ وَالزَّمَانُ.
وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ فَهُوَ مَدْلُولُ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّهُ مُخْبَرٌ بِهِ فِيهِمَا وَمَدْلُولُ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِهِ فَيَكُونُ إيجَادُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ مَطْلُوبًا، وَإِلَّا لَبَطَلَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْحَدَثَ أَحَدُ مَدْلُولَيْ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْمُشْتَقَّ فِيهِ مَا فِي الْمُشْتَقِّ مِنْهُ وَزِيَادَةٌ، فَجَاءَ مِنْ هَذَا نَظَرٌ ثَانٍ فِي قَوْلِ الْمُجِيبِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَ إيجَادُ الْهَيْئَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ فَلْيُتَأَمَّلْ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّأَمُّلِ ظَهَرَ إيجَادُ الْهَيْئَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ.
وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ يَكُونُ مُتَعَلَّقًا لِلتَّكْلِيفِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ تَدُلُّ عِبَارَاتُ الْأُصُولِيِّينَ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ السُّبْكِيّ فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ مَا نَصُّهُ أَيْ طَلَبُ كَلَامِ اللَّهِ النَّفْسِيِّ الْفِعْلَ مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءٍ إلَخْ فَدَلَّ قَوْلُهُ أَيْ طَلَبُ كَلَامِ اللَّهِ الْفِعْلَ لِشَيْءٍ عَلَى تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَقَدْ عَلَّقَ التَّكْلِيفَ بِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْءِ هُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ بِهِ وَقَدْ عَلَّقَ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ الْمُتَعَلَّقِ بِهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى
следующие страницы →