← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21623

فتاوى الرملي

شهاب الدين الرملي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

لِلْفَاعِلِ أَوْ مُتَعَلِّقُ صِفَةٍ فَإِنْ كَانَتْ صِفَةً مَعَ كَوْنِهَا أَثَرًا لِلصِّفَةِ أَوْ مُتَعَلِّقَ الصِّفَةِ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ صِفَةً مَعَ كَوْنِهِ أَثَرَ صِفَةٍ أَوْ مُتَعَلِّقَاتِهَا فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَمْ لَا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَا الْمُحْوِجُ إلَى حَمْلِ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَمَا الَّذِي يُلْزِمُ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَى أَيِّ قَاعِدَةٍ يَرْجِعُ هَذَا الْمَبْحَثُ مِنْ قَوَاعِدِ الْأُصُولِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ صَلِّ مَثَلًا إذَا صَدَرَ مِنْ الشَّارِعِ فَمَعْنَاهُ الْمَطْلُوبُ هُوَ أَحَدُ مَدْلُولَيْ صَلِّ وَهُوَ الْحَدَثُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مُتَعَلَّقَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْحَدَثُ لَا الْهَيْئَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْمَحْمَلِ الْمَذْكُورِ مُوجِبٌ قَدْ خَفِيَ عَنَّا فَطَلَبْت مِنْكُمْ جَوَابَهُ فَأَجَابَ مُجِيبٌ بِمَا نَصُّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ الشَّيْخِ الْمُحَقِّقِ الْمُشَارِ إلَيْهِ كَلَامٌ صَحِيحٌ مُحَقَّقٌ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ الْفِعْلَ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا التَّأَثُّرُ وَالْإِيجَادُ الْعَادِيَّانِ لَا الْحَقِيقِيَّانِ إذْ هُمَا تَأْثِيرُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِيجَادُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْإِيقَاعِ تَحَاشِيًا عَنْ لَفْظِ التَّأْثِيرِ وَالْإِيجَادِ وَهُوَ أَحَدُ مَدْلُولَيْ الْفِعْلِ النَّحْوِيِّ. وَالثَّانِي أَثَرُ هَذَا التَّأْثِيرِ وَهُوَ الْهَيْئَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ وَصْفُ الْفَاعِلِ إلَّا أَنَّ

стр. 1227

الْأَوَّلَ اعْتِبَارِيٌّ لَهُ تَحَقُّقٌ فِي الْعَقْلِ لَا فِي الْخَارِجِ وَالثَّانِي لَهُ تَحَقُّقٌ فِيهِمَا فَالْأَوَّلُ وَصْفُ الْفَاعِلِ قَائِمٌ بِهِ فِي الْفِعْلِ يُمَيِّزُ الْعَقْلُ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَلَا تَحَقُّقَ لَهُ فِي الْخَارِجِ فَلَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِهِ أَحَدَ مَدْلُولَيْ الْفِعْلِ النَّحْوِيِّ وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مُتَعَلِّقَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا طَلَبٌ فِي الْأَغْلَبِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُ الْأَفْعَالِ وَتَحْقِيقُهَا فِي الْخَارِجِ وَالثَّانِي وَصْفٌ لِلْفَاعِلِ قَائِمٌ بِهِ قِيَامًا خَارِجِيًّا؛ لِأَنَّ الْهَيْئَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالصَّلَاةِ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْمُصَلِّي، وَإِذَا اتَّضَحَ هَذَا اتَّضَحَ الْمَعْنَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ صَلَّى وَصَلِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ شَطَبَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ طُولًا وَعَرْضًا وَكَتَبَ بَاطِنَهُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْكَلَامُ الْمَنْسُوبُ إلَى الشَّيْخِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بَاطِنُهُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَفِيهِ نِزَاعٌ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ صِفَةً لِلْفَاعِلِ أَنَّهَا مَعْنًى وُجُودِيٌّ قَائِمٌ بِالْفَاعِلِ فَيَكُونُ صِفَةً لَهُ وَهِيَ بِعَيْنِهَا مَعَ ذَلِكَ أَثَرُ صِفَةٍ لَهُ أُخْرَى وَمُتَعَلَّقٌ لِتِلْكَ الصِّفَةِ الْأُخْرَى وَتِلْكَ الصِّفَةُ الْأُخْرَى وَصْفٌ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَيَتَحَقَّقُ فِي الْعَقْلِ دُونَ الْخَارِجِ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ قَائِمًا بِالْفَاعِلِ قِيَامَ الْبَيَاضِ بِالْأَبْيَضِ كَمَا فِي الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ هُوَ قَائِمٌ بِهِ فِي الْعَقْلِ قِيَامَ الْإِمْكَانِ بِالْمُمْكِنِ وَمَعْنَى قِيَامِهِ بِهِ فِي الْعَقْلِ أَنَّ

стр. 1228

الْعَقْلَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ مُتَمَيِّزٌ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَمَعْنَى عَدَمِ قِيَامِهِ بِهِ فِي الْخَارِجِ أَنَّ الْخَارِجَ لَيْسَ فِيهِ ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ أَعْنِي الْإِيقَاعَ وَتَأْثِيرَهُ وَمُتَعَلَّقَهُ وَهُوَ الْهَيْئَةُ مُتَمَيِّزٌ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِينَ بَلْ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ الذَّاتُ وَالْهَيْئَةُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إنَّ التَّأْثِيرَ وَالْأَثَرَ فِي الْخَارِجِ وَاحِدٌ كَمَا فَسَّرُوهُ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ صِفَةً وُجُودِيَّةً لِلْفَاعِلِ، وَأَثَرًا وَمُتَعَلَّقًا لِصِفَةٍ أُخْرَى اعْتِبَارِيَّةٍ وَالْمُحْوِجُ إلَى جَعْلِ الْفِعْلِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ شَيْءٌ يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ وَتَصَوُّرُ وُقُوعِهِ أَيْ وُجُودِهِ وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ فِعْلٌ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ لَا تَرْكُ الْفِعْلِ بِمَعْنَى نَفْيِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفِعْلَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ اعْتِبَارِيٌّ لَا يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْجُمْهُورُ وَفِيهَا نِزَاعٌ لِبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِعِ مَثَلًا صَلِّ فَمَعْنَاهُ طَلَبُ الصَّلَاةِ أَيْ الْهَيْئَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَاةِ وَمَعْنَى صَلِّ أَوْجِدْ الْهَيْئَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَيْسَ اتِّحَادُ الْهَيْئَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَبَحَثَ فِي ذَلِكَ بَاحِثٌ

стр. 1229

بِمَا صَوَّرْته فِي جَوَابِ الْمُجِيبِ نَظَرٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بَنَى جَوَابَهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَظْهَرُ بِنَاؤُهُ عَلَيْهَا فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَصْرُ تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ عَلَى الْفِعْلِ دُونَ نَفْيِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ غَيْرُ حَاصِلٍ قَبْلَ التَّكْلِيفِ فَلَمْ يَصِحَّ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَحْثِ وَلَا مَدْخَلَ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّعْلِيلِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْفِعْلَ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ الْهَيْئَةُ أَوْ إيجَادُهَا دَاخِلٌ تَحْتَ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ. وَغَيْرُ حَاصِلٍ قَبْلَ الطَّلَبِ فَيَصِحُّ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ الْهَيْئَةُ أَوْ إيجَادُهَا وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ وَمَا قَالَ مِنْ الْفَائِدَةِ عَلَى إجْمَالٍ فِي كَلَامِهِ بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَمُتَعَلَّقُ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي إلَخْ. وَإِنْ تَبِعَ فِيهِ غَيْرَهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِمُتَعَلَّقِ التَّكْلِيفِ مَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِإِيجَادِهِ لَا مَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ إيجَادُهُ إذْ الْمَطْلُوبُ إيجَادُهُ إنَّمَا هُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ إذْ غَايَتُهُ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِالْأَمْرَيْنِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْخِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ عَلَى الْوَجْهِ

стр. 1230

الْمَذْكُورِ آنِفًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا خِطَابُ الشَّارِعِ بِشَهَادَةِ كَلَامِ النُّحَاةِ النَّاقِلِينَ لِلُّغَةِ الْمُتَرْجِمِينَ عَنْهَا حَيْثُ قَالُوا إنَّ مَدْلُولَ الْفِعْلِ الْحَدَثُ وَالزَّمَانُ. وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ فَهُوَ مَدْلُولُ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّهُ مُخْبَرٌ بِهِ فِيهِمَا وَمَدْلُولُ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِهِ فَيَكُونُ إيجَادُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ مَطْلُوبًا، وَإِلَّا لَبَطَلَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْحَدَثَ أَحَدُ مَدْلُولَيْ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْمُشْتَقَّ فِيهِ مَا فِي الْمُشْتَقِّ مِنْهُ وَزِيَادَةٌ، فَجَاءَ مِنْ هَذَا نَظَرٌ ثَانٍ فِي قَوْلِ الْمُجِيبِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَ إيجَادُ الْهَيْئَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ فَلْيُتَأَمَّلْ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّأَمُّلِ ظَهَرَ إيجَادُ الْهَيْئَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ. وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ يَكُونُ مُتَعَلَّقًا لِلتَّكْلِيفِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ تَدُلُّ عِبَارَاتُ الْأُصُولِيِّينَ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ السُّبْكِيّ فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ مَا نَصُّهُ أَيْ طَلَبُ كَلَامِ اللَّهِ النَّفْسِيِّ الْفِعْلَ مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءٍ إلَخْ فَدَلَّ قَوْلُهُ أَيْ طَلَبُ كَلَامِ اللَّهِ الْفِعْلَ لِشَيْءٍ عَلَى تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَقَدْ عَلَّقَ التَّكْلِيفَ بِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْءِ هُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ بِهِ وَقَدْ عَلَّقَ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ الْمُتَعَلَّقِ بِهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى

стр. 1231

أَنَّ فِعْلَهَا مَطْلُوبٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهَا مَطْلُوبٌ تَحْصِيلُهَا بَلْ كَلَامُ الْمُجِيبِ فِي جَوَابِهِ الْأَوَّلِ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ. وَإِنَّمَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُ الْأَفْعَالِ وَتَحْقِيقُهَا فِي الْخَارِجِ. اهـ. وَفِي كَلَامِ الْمُجِيبِ نَظَرٌ ثَالِثٌ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ صَلِّ وَصَلَّى صَرَّحَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي جَوَابِهِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُوَضِّحْهُ ثُمَّ أَوْضَحَهُ فِي جَوَابِهِ الثَّانِي بِمَا لَا وَجْهَ لَهُ حَيْثُ قَالَ إنَّ مَعْنَى صَلِّ طَلَبُ الصَّلَاةِ أَيْ الْهَيْئَةِ وَمَعْنَى صَلَّى أَوْجَدَ الْهَيْئَةَ مَا خَلَا الْأَمْرَ. وَكُلُّهَا إنَّمَا وُضِعَتْ لِطَلَبِ الْمَعَانِي الْمَصْدَرِيَّةِ أَعْنِي إيقَاعَاتِ الْآثَارِ، وَإِيجَادَهَا وَتِلْكَ الْمَعَانِي هُوَ الْمُخْبِرُ بِهَا فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَالْأَمْرِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْنَى صَلَّى أَوْجَدَ الْهَيْئَةَ كَانَ مَعْنَى صَلِّ أَوْجِدْ الْهَيْئَةَ فَيَكُونُ إيجَادُ الْهَيْئَةِ هُوَ الْمَطْلُوبَ، وَلَا يُخَالِفُ فِي هَذَا عَاقِلٌ فَضْلًا عَنْ فَاضِلٍ فَهَلْ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْبَاحِثُ مِنْ حَمْلِ مُتَعَلَّقِ التَّكْلِيفِ عَلَى مَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِإِيحَادِهِ لَا عَلَى عُمُومِهِ فِيهِ وَفِيمَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ صَحِيحٌ أَمْ فَاسِدٌ وَحِينَئِذٍ فَمَا وَجْهُ فَسَادِهِ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ بَيَانًا شَافِيًا تُؤْجَرُوا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ (فَأَجَابَ) الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ اهْدِ لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك مَا قَالَهُ الْكَمَالُ

стр. 1232

مُسَلَّمٌ وَمَعْنَى كَوْنِ الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ صِفَةً لِلْفَاعِلِ أَنَّهُ فَاعِلُهَا إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ صِفَةً لَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهَا اسْمٌ كَالْمُصَلِّي وَالصَّائِمِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا أَثَرَ صِفَةٍ اعْتِبَارِيَّةٍ فِي كَوْنِهَا صِفَةً حَقِيقِيَّةً وَهُوَ صَحِيحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ وَالْحَوْجُ إلَى حَمْلِ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي أَنَّ مَنَاطَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ الْأَفْرَادُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ لَا الْمَاهِيَّاتِ الْمَعْقُولَةِ إذْ لَا تَكْلِيفَ بِهَا لِعَدَمِ وُجُودِهَا فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ يَجِبُ إيقَاعُهُ، وَالْإِتْيَانُ بِمَا لَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ فِي الْخَارِجِ لَا يُمْكِنُ فَلَا تَكْلِيفَ بِهِ. وَقَدْ قَالُوا إنَّ الْحُكْمَ نَفْسُ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْإِيجَابُ مَثَلًا هُوَ نَفْسُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَلَيْسَ لِلْفِعْلِ صِفَةٌ مِنْ الْقَوْلِ إذْ الْقَوْلُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ وَهُوَ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَعْدُومًا فَصِيغَتُهُ الْمُتَأَخِّرَةُ عَنْهُ أَوْلَى بِالْعَدَمِ فَالْحُكْمُ وَهُوَ الْإِيجَابُ مَثَلًا لَهُ تَعَلُّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَبِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى يُسَمَّى إيجَابًا وَبِالنَّظَرِ إلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ يُسَمَّى وُجُوبًا فَهُمَا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ

стр. 1233

الْإِيجَابَ هُوَ الْحُكْمُ وَالْوُجُوبَ أَثَرُهُ وَالْوَاجِبَ مُتَعَلَّقُهُ. وَالْحُكْمُ الَّذِي هُوَ خِطَابُ اللَّهِ إذَا نُسِبَ إلَى الْحَاكِمِ يُسَمَّى إيجَابًا أَوْ نَدْبًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ كَرَاهَةً أَوْ إبَاحَةً، وَإِلَى مَا فِيهِ الْحُكْمُ وَهُوَ الْفِعْلُ يُسَمَّى وُجُوبًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ حُرْمَةً أَوْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا وَقَالُوا إنَّ التَّكْلِيفَ كَالْأَمْرِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ لَهُ وَيَسْتَمِرُّ إلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ وَعَلَيْهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّعَلُّقَ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ وَحَالَ حُدُوثِهِ عَلَى مَعْنَى الطَّاعَةِ لَا الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مُتَحَقِّقٌ. وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ قَبْلَ الْفِعْلِ أَمْرُ إنْذَارٍ، وَإِعْلَامٍ وَعِنْدَ إيجَادِهِ اقْتِضَاءٌ، وَإِلْزَامٌ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّ التَّعَلُّقَ قَبْلَ الْحُدُوثِ وَيَنْقَطِعُ عِنْدَ الْحُدُوثِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَنْقَطِعُ التَّعْلِيقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْفِعْلَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ لِانْتِفَائِهِ بِانْتِفَاءِ حُرْمَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَطْلُوبَ شَرْعًا لَا يَكُونُ آنِيًّا سَوَاءٌ قِيلَ الْآنَ ظَرْفُ الزَّمَانِ أَمْ جُزْؤُهُ عُلِمَ ذَلِكَ بِاسْتِقْرَاءِ الْأَفْعَالِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الشَّرْعِ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ زَمَانِيًّا إمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِمْرَارِ كَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ

стр. 1234

وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ الْفِعْلُ ذَا أَجْزَاءٍ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ ذِي الْأَجْزَاءِ بِالذَّاتِ، وَتَعَلُّقُهُ بِالْأَجْزَاءِ بِالْعَرَضِ وَلَا يَنْقَطِعُ التَّعَلُّقُ مَا لَمْ يَحْدُثْ الْفِعْلُ بِتَمَامٍ، وَحُدُوثُ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ لِانْتِفَاءِ الْمُرَكَّبِ بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ قَبْلَ حُدُوثِهِ سِوَى شُذُوذٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَلَى امْتِنَاعِهِ بَعْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعَلُّقِهِ فِي أَوَّلِ زَمَانِ حُدُوثِهِ فَأَثْبَتَهُ أَصْحَابُنَا وَنَفَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَّا أَنَّهُ يُنْسَبُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ إلَى الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ وَالشَّيْخُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ إنَّمَا يَتَلَقَّى مِنْ قَضَايَا مَذْهَبِهِ. وَوَجْهُ بِنَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا ذَكَرَ الْمُجِيبُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِشَيْءٍ يَسْتَدْعِي حُصُولَهُ وَتَصَوُّرَ وُقُوعِهِ أَيْ بِوُجُودِهِ فَإِنَّهُ مُحْوِجٌ إلَى جَعْلِ الْفِعْلِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَكَمَا لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِنَفْيِ الْفِعْلِ لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ بِجَامِعِ عَدَمِ تَصَوُّرِ وُجُودِهِمَا وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْته مَا يَنْدَفِعُ بِهِ النَّظَرَانِ الْأَوَّلَانِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْأَمْرِ وَالْمَاضِي وَجْهٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ مَعْنَى صَلِّ طَلَبُ الصَّلَاةِ أَيْ الْهَيْئَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَاةِ لَا بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ لِمَا مَرَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بُرْهَانُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَقْوَى مِنْ بَرَاهِينِ سَائِرِ الرُّسُلِ] (سُئِلَ) عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ

стр. 1235

وَالنَّصَارَى أَنَّهُمْ أَوْرَدُوا سُؤَالًا عَلَى النُّبُوَّةِ صُورَتُهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا خَاتَمُ الرُّسُلِ، وَأَفْضَلُهُمْ وَمَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بُرْهَانُهُ أَقْوَى الْبَرَاهِينِ لَا يُتَرَدَّدُ فِيهِ وَنَحْنُ نَرَى الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ مُوسَى قَلَبَ الْعَصَا حَيَّةً وَعِيسَى أَحْيَا الْمَوْتَى وَصَالِحٌ أَتَى بِنَاقَةٍ مِنْ جَبَلٍ جَمَادٍ وَمُحَمَّدٌ إنَّمَا أَتَى بِكَلَامٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ وَالْخِلَافُ الْعَظِيمُ هَلْ هُوَ قَدِيمٌ أَوْ مُحْدَثٌ وَهَلْ إعْجَازُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ لِلصَّرْفِ عَنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَاحِبَ سَيْفٍ وَقَهْرٍ وَغَلَبٍ تَغَلَّبَ عَلَى النَّاسِ فَانْقَادُوا لَهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ بُرْهَانُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَقْوَى مِنْ بَرَاهِينِ سَائِرِ الرُّسُلِ وَمَا خُصَّ نَبِيٌّ بِشَيْءٍ إلَّا وَكَانَ لِنَبِيِّنَا مِثْلُهُ فَإِنَّهُ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَكَانَ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إلَّا فِي حَالِ نُبُوَّتِهِ وَزَمَانِ رِسَالَتِهِ فَأُعْطِيَ آدَم أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ بِيَدِهِ وَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى شَرْحَ صَدْرِهِ بِنَفْسِهِ وَخَلَقَ فِيهِ الْإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ وَهُوَ الْخَلْقُ النَّبَوِيُّ وَتَوَلَّى مِنْ آدَمَ الْخَلْقَ الْوُجُودِيَّ وَمِنْ نَبِيِّنَا الْخَلْقَ النَّبَوِيِّ، وَأَمَّا سُجُودُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ فَلِأَجْلِ أَنَّ نُورَ نَبِيِّنَا كَانَ فِي جَبْهَتِهِ وَكَمَا عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا عَلَّمَ نَبِيَّنَا الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا

стр. 1236

وَذَوَاتَهَا، وَأَمَّا إدْرِيسُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا وَرَفَعَ نَبِيَّنَا إلَى مَكَان لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ غَيْرُهُ، وَأَمَّا نُوحٌ فَنَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْغَرَقِ وَنَجَّاهُ مِنْ الْخَسْفِ وَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا أَنَّ أُمَّتَهُ لَمْ تَهْلِكْ بِعَذَابٍ مِنْ السَّمَاءِ، وَأَمَّا إبْرَاهِيمُ فَكَانَتْ نَارُ نُمْرُودَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا وَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا نَظِيرَ ذَلِكَ إطْفَاءَ نَارِ الْحَرْبِ عَنْهُ وَنَاهِيَك بِنَارٍ حَطَبُهَا السُّيُوفُ وَوَهَجُهَا الْحُتُوفُ وَمُوقِدُهَا الْجَسَدُ وَمَطْلَبُهَا الرُّوحُ وَالْجَسَدُ قَالَ تَعَالَى ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ، وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ مِنْ مَقَامِ الْخُلَّةِ فَقَدْ أُعْطِيَهُ نَبِيُّنَا وَزَادَ عَلَيْهِ بِمَقَامِ الْمَحَبَّةِ. وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ مُوسَى مِنْ قَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً غَيْرَ نَاطِقَةٍ فَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَالْحَصَى فِي كَفِّهِ الشَّرِيفِ وَتَسْلِيمَ الْحَجَرِ عَلَيْهِ وَتَأْمِينَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ وَحَوَائِطِ الْبَيْتِ عَلَى دُعَائِهِ، وَكَلَامَهُ لِلْجَبَلِ وَكَلَامَ الْجَبَلِ لَهُ، وَكَلَامَ الشَّجَرِ لَهُ وَسَلَامَهَا عَلَيْهِ وَطَوَاعِيَتَهَا لَهُ وَشَهَادَتَهَا لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَحُنَيْنَ الْجِذْعِ شَوْقًا إلَيْهِ وَسُجُودَ الْجَمَلِ وَشَكَوَاهُ إلَيْهِ وَسُجُودَ الْغَنَمِ، وَكَلَامَ الذِّئْبِ وَشَهَادَتَهُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَكَلَامَ الْحِمَارِ لَهُ، وَكَلَامَ الضَّبِّ لَهُ. وَأُعْطِيَ مُوسَى الْيَدَ الْبَيْضَاءَ وَكَانَ بَيَاضُهَا يَغْشَى الْبَصَرَ وَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ نُورًا فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ وَبُطُونِ الْأُمَّهَاتِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى أَنْ انْتَقَلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَعْطَى

стр. 1237

- ﷺ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ حِينَ صَلَّى مَعَهُ الْعِشَاءَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مَطِيرَةٍ عُرْجُونًا وَقَالَ انْطَلِقْ بِهِ فَإِنَّهُ سَيُضِيءُ لَك مِنْ بَيْنَ يَدَيْك عَشْرٌ وَمِنْ خَلْفِك عَشْرٌ فَأَضَاءَ لَهُ الْعُرْجُونُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ. وَأُعْطِيَ مُوسَى انْفِرَاقَ الْبَحْرِ لَهُ، وَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا انْشِقَاقَ الْقَمَرِ لَهُ وَرُدَّتْ الشَّمْسُ لَهُ بَعْدَ مَا غَرُبَتْ فَمُوسَى تَصَرَّفَ فِي عَالَمِ الْأَرْضِ وَنَبِيُّنَا تَصَرَّفَ فِي عَالَمِ السَّمَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بَحْرًا يُسَمَّى الْمَكْفُوفُ، بَحْرُ الْأَرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْقَطْرَةِ مِنْ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ الْبَحْرُ انْفَلَقَ لِنَبِيِّنَا حَتَّى جَاوَزَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ انْفِرَاقِ الْبَحْرِ لِمُوسَى وَمِمَّا أُعْطِيَهُ مُوسَى إجَابَةَ دُعَائِهِ، وَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى فَمِنْهُ تَفْجِيرُ الْمَاءِ بِتَبُوكَ وَانْبِعَاثُهُ بِمَسِّهِ وَدَعْوَتِهِ وَمِنْهَا تَكَثُّرُ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ. وَمِمَّا أُعْطِيَ مُوسَى تَفْجِيرَ الْمَاءِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَمَا أُوتِيَهُ نَبِيُّنَا مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ وَانْفِجَارِهِ مِنْ يَدِهِ وَبَيْنِ أَصَابِعِهِ أَعْظَمُ فِي الْمُعْجِزَةِ فَإِنَّا نُشَاهِدُ هَذَا الْمَاءَ يَنْفَجِرُ مِنْ الْأَنْهَارِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَمُعْجِزَةُ نَبِيِّنَا هَذِهِ لَمْ تَكُنْ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ لَحْمٍ وَدَمٍ فَكَفَى شُرْبَ وَطَهَارَةَ الْجَيْشِ وَكَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَكُلُّ مُعْجِزَةٍ لِلرُّسُلِ قَدْ سَلَفَتْ

стр. 1238

أَتَى بِأَعْجَبَ مِنْهَا عِنْدَ إظْهَارِهِ فَمَا الْعَصَا حَيَّةٌ تَسْعَى بِأَعْجَبَ مِنْ تَفْجِيرِ سَلْسَلِ مَاءٍ مِنْ كَفِّهِ جَارٍ. وَمِمَّا أُعْطِيَهُ مُوسَى الْكَلَامَ، وَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا مِثْلَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَزِيَادَةَ الدُّنُوِّ، وَأَيْضًا كَانَ مَقَامُ الْمُنَاجَاةِ فِي حَقِّ نَبِيِّنَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ الْعُلَى وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَالْمُسْتَوَى وَحُجُبِ النُّورِ وَالرَّفْرَفِ وَمَقَامُ الْمُنَاجَاةِ لِمُوسَى طُورَ سَيْنَاءَ. وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ هَارُونُ مِنْ فَصَاحَةِ اللِّسَانِ فَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا مِنْ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ بِالْمَحَلِّ الْأَفْضَلِ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ يُوسُفُ مِنْ شَطْرِ الْحُسْنِ فَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا الْحُسْنَ كُلَّهُ، وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَنُقِلَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ مَنَامَاتٍ فَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَدْخُلُهُ الْحَصْرُ، وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ دَاوُد مِنْ تَلْيِينِ الْحَدِيدِ إذَا مَسَحَهُ فَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا أَنَّ الْعُودَ الْيَابِسَ اخْضَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَوْرَقَ وَمَسَحَ شَاةَ أُمِّ مَعْبَدٍ الْجَرْبَاءَ فَدَرَّتْ. وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ سُلَيْمَانُ مِنْ كَلَامِ الطَّيْرِ وَتَسْخِيرِ الشَّيَاطِينِ وَالرِّيحِ وَالْمُلْكِ الَّذِي لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ فَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا مِثْلَ ذَلِكَ وَزِيَادَةً أَمَّا كَلَامُ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ فَنَبِيُّنَا كَلَّمَهُ الْحَجَرُ وَسَبَّحَ فِي كَفِّهِ الْحَصَى، وَكَلَّمَهُ ذِرَاعُ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ وَكَلَّمَهُ الظَّبْيُ وَشَكَا إلَيْهِ الْبَعِيرُ، وَرُوِيَ أَنَّ طَيْرًا فُجِعَ بِوَلَدِهِ فَجَعَلَ يُرَفْرِفُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُكَلِّمُهُ، وَأَمَّا الرِّيحُ الَّتِي كَانَتْ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ تَحْمِلُهُ أَيْنَ

стр. 1239

أَرَادَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَقَدْ أُعْطِيَ نَبِيُّنَا الْبُرَاقَ الَّذِي هُوَ أَسْرَعُ مِنْ الرِّيحِ بَلْ أَسْرَعُ مِنْ الْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَحَمَلَهُ مِنْ الْفَرْشِ إلَى الْعَرْشِ فِي سَاعَةٍ زَمَانِيَّةٍ، وَأَقَلُّ مَسَافَةِ ذَلِكَ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَذَلِكَ مَسَافَةُ السَّمَوَاتِ، وَأَمَّا إلَى الْمُسْتَوَى، وَإِلَى الرَّفْرَفِ فَذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ. وَأَيْضًا الرِّيحُ سُخِّرَتْ لِسُلَيْمَانَ لِتَحْمِلَهُ إلَى نَوَاحِي الْأَرْضِ وَنَبِيُّنَا زُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ أَيْ جُمِعَتْ حَتَّى رَأَى مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَسْعَى إلَى الْأَرْضِ وَبَيْنَ مَنْ تَسْعَى لَهُ الْأَرْضُ، وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ مِنْ تَسْخِيرِ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ رَبَطَ نَبِيُّنَا أَبَا الشَّيَاطِينِ إبْلِيسَ فِي سَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ وَخَيْرٌ مِنْهُ إيمَانُ الْجِنِّ بِنَبِيِّنَا فَسُلَيْمَانُ اسْتَخْدَمَهُمْ وَنَبِيُّنَا اسْتَسْلَمَهُمْ. وَأَمَّا عَدُّ الْجِنِّ مِنْ جُنُودِ سُلَيْمَانَ فَخَيْرٌ مِنْهُ عَدُّ الْمَلَائِكَةِ جِبْرِيلَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُمْلَةِ أَجْنَادِهِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَادِ وَاعْتِبَارِ تَكْثِيرِ السَّوَادِ عَلَى طَرِيقِ الْأَجْنَادِ، وَأَمَّا عَدُّ الطَّيْرِ مِنْ جُمْلَةِ أَجْنَادِهِ فَأَعْجَبُ مِنْهُ حِمَايَةُ الْغَارِ وَتَوْكِيرُهَا فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ وَحِمَايَتُهَا لَهُ مِنْ عَدُوِّهِ، وَالْغَرَضُ مِنْ اسْتِكْثَارِ الْجُنْدِ إنَّمَا هُوَ الْحِمَايَةُ وَقَدْ حَصَلَتْ مِنْ أَعْظَمِ شَيْءٍ بِأَيْسَرِ شَيْءٍ. وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ مِنْ الْمُلْكِ فَنَبِيُّنَا خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وَنَبِيًّا عَبْدًا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ يَا خَيْرَ عَبْدٍ عَلَى كُلِّ الْمُلُوكِ وَلِي

стр. 1240

وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ صَالِحٌ مِنْ النَّاقَةِ الْمَذْكُورَةِ وَأُعْطِيَهُ عِيسَى مِنْ إبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى فَأُعْطِيَ نَبِيُّنَا رَدَّ الْعَيْنِ إلَى مَكَانِهَا بَعْدَمَا سَقَطَتْ فَعَادَتْ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا أُومِنُ بِك حَتَّى تُحْيِيَ لِي ابْنَتِي فَأَتَى قَبْرَهَا وَقَالَ يَا فُلَانَةُ فَقَالَتْ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَكَانَتْ امْرَأَةُ مُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ بَرْصَاءَ فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ عَلَيْهَا فَأَذْهَبَ اللَّهُ الْبَرَصَ مِنْهَا وَسَبَّحَ الْحَصَى فِي كَفِّهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ وَحَنَّ لِفِرَاقِهِ الْجِذْعُ وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ تَكْلِيمِ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَتَكَلَّمُ، وَأَمَّا مَا أُعْطِيَهُ عِيسَى مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَا تُخْفِيهِ النَّاسُ فِي بُيُوتِهِمْ فَقَدْ أُعْطِيَ نَبِيُّنَا ذَلِكَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَزَادَ فِي التَّرَقِّي لِمَزِيدِ الدَّرَجَاتِ وَسَمَاعِ الْمُنَاجَاةِ وَالْحُظْوَةِ فِي الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ بِالْمُشَاهَدَاتِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مُحَمَّدٌ إنَّمَا أَتَى بِكَلَامٍ فَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُعْجِزَةَ كُلِّ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بِالْوَجْهِ الشَّهِيرِ أَبْرَعَ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي أَرَادَ إظْهَارَهُ فَكَانَ السِّحْرُ فِي زَمَنِ مُوسَى قَدْ انْتَهَى إلَى غَايَةٍ فَجَعَلَ اللَّهُ مُعْجِزَتَهُ قَلْبَ الْعَصَا حَيَّةً وَكَانَ الطِّبُّ فِي زَمَنِ عِيسَى قَدْ انْتَهَى إلَى غَايَةٍ فَجَعَلَ اللَّهُ مُعْجِزَتَهُ إحْيَاءَ الْمَوْتَى وَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّنَا إلَى الْعَرَبِ فَجَعَلَ مُعْجِزَتَهُ الْقُرْآنَ الَّذِي عَجَزَ

стр. 1241

الْمُرْسَلُ إلَيْهِمْ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَبِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَهُوَ أَعْجَبُ فِي الْآيَةِ، وَأَوْضَحُ فِي الدَّلَالَةِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى إلَى أَهْلِ الْبَلَاغَةِ، وَأَرْبَابِ الْفَصَاحَةِ وَرُؤَسَاءِ الْبَيَانِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ فِي اللَّسَنِ بِكَلَامٍ مُفْهَمِ الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ فَأَعْجَزَ بِفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ كُلَّ فَصِيحٍ وَبَلِيغٍ مِمَّنْ طُولِبَ بِمُعَارَضَتِهِ مِنْ الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ وَمَصَاقِعِ الْخُطَبَاءِ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُضَادَّةِ وَالْمُصَادَمَةِ، وَإِفْرَاطِهِمْ فِي الْمُعَادَاةِ وَالْمُعَانَدَةِ فَكَانَ عَجْزُهُمْ عَنْهُ أَعْجَبَ مِنْ عَجْزِ مَنْ شَاهَدَ الْمَسِيحَ عِنْدَ إحْيَاءِ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَطْمَعُونَ فِيهِ وَلَا فِي إبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَلَا يَتَعَاطَوْنَ عِلْمَهُ وَقُرَيْشٌ كَانَتْ تَتَعَاطَى الْكَلَامَ الْفَصِيحَ وَالْبَلَاغَةَ وَالْفَصَاحَةَ وَالْخَطَابَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَجْزَ عَنْهُ إنَّمَا كَانَ لِيَصِيرَ عَلَمًا عَلَى رِسَالَتِهِ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَأَمْكَنَهُمْ الْإِتْيَانُ بِمَا يُسَاوِيهِ أَوْ يُدَانِيهِ فِي حُسْنِ الْأُسْلُوبِ وَالتَّرَاكِيبِ لَكِنَّهُمْ اخْتَارُوا بَذْلَ الْمُهَجِ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ الْمُعَارَضَةُ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ وَهَذِهِ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَبُرْهَانٌ وَاضِحٌ، وَمُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ انْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِهِ أَوْ دَخَلَهَا التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَمِنْ وُجُوهِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ النَّظْمُ

стр. 1242

الْبَدِيعُ الْمُخَالِفُ لِكُلِّ نَظْمٍ مَعْهُودٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْأُسْلُوبُ الْمُخَالِفُ لِجَمِيعِ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ وَالْجَزَالَةُ الَّتِي لَا تَقَعُ مِنْ مَخْلُوقٍ وَالتَّصَرُّفُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ عَرَبِيٌّ حَتَّى وَقَعَ الِاتِّفَاقُ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى إصَابَتِهِ فِي وَضْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ وَحَرْفٍ مَوْضِعَهُ وَالْإِخْبَارِ عَنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ أَوَّلِ الدُّنْيَا إلَى وَقْتِ نُزُولِهِ مِنْ أُمِّيٍّ مَا كَانَ يَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ فَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ أُمَمِهِمْ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ فِي دَهْرِهَا وَذَكَرَ مَا سَأَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْهُ وَتَحَدَّوْهُ بِهِ مِنْ قِصَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ وَشَأْنِ مُوسَى وَالْخَضِرِ وَحَالِ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَجَاءَهُمْ وَهُوَ أُمِّيٌّ مِنْ أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ لَيْسَ لَهَا بِذَلِكَ عِلْمٌ بِمَا عَرَفُوا مِنْ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ صِحَّتَهُ فَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ ضَرُورَةَ أَنَّ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إلَّا عَنْ تَعَلُّمٍ وَمِنْهَا الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ الْمُدْرَكِ بِالْحِسِّ فِي الْعِيَانِ فِي كُلِّ مَا وَعَدَ اللَّهُ . وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى أَخْبَارٍ مُطْلَقَةٍ كَوَعْدِهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ، وَإِخْرَاجِ الَّذِينَ أَخَرَجُوهُ مِنْ وَطَنِهِ، وَإِلَى وَعْدٍ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وَمِنْهَا الْأَخْبَارُ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الَّتِي لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهَا إلَّا بِالْوَحْيِ فَمِنْ ذَلِكَ

стр. 1243

مَا وَعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأَنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] الْآيَةَ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إذَا غَزَا جُيُوشَهُ عَرَّفَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ اللَّهُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ لِيَثِقُوا بِالنَّصْرِ، وَكَانَ عُمَرُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ الْفَتْحُ يَتَوَالَى شَرْقًا وَغَرْبًا بَرًّا وَبَحْرًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] . وَقَالَ ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَالَ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] وَقَالَ ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] فَهَذِهِ كُلُّهَا أَخْبَارٌ عَنْ الْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ أَوْ مَنْ أَوْقَفَهُ عَلَيْهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَوْقَفَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ لِتَكُونَ دَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ. وَمِنْ وُجُوهِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ قِوَامُ جَمِيعِ الْأَنَامِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَفِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ وَمِنْهَا الْحِكَمُ الْبَالِغَةُ الَّتِي لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ تَصْدُرَ فِي كَثْرَتِهَا وَشَرَفِهَا مِنْ آدَمِيٍّ وَمِنْهَا التَّنَاسُبُ فِي جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ غَيْرِ اخْتِلَالٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا مِنْ التَّكْرِيمِ بِمَا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ «أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً

стр. 1244

وَبُعِثْت إلَى كُلِّ أَحْمَرَ، وَأَسْوَدَ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ كَانَ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» لَا يُقَالُ إنَّ كَثِيرًا مِمَّا ذَكَرْت مِنْ الْمُعْجِزَاتِ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْآحَادِ وَالْمَطْلُوبُ فِي الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَدِلَّةُ الْيَقِينِيَّةُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ أَفَادَ مَجْمُوعُهَا التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ الْمُفِيدَ لِلْيَقِينِ بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةِ الرِّسَالَةِ. [هَلْ تَنَامُ الْمَلَائِكَةُ] (سُئِلَ) ﵀ هَلْ تَنَامُ الْمَلَائِكَةُ أَمْ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ؟ (فَأَجَابَ) قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ النَّوْمُ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلْحَيَوَانِ مِنْ اسْتِرْخَاءِ أَعْضَاءِ الدِّمَاغِ مِنْ رُطُوبَاتِ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ بِحَيْثُ تَقِفُ الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ عَنْ الْإِحْسَاسِ رَأْسًا. اهـ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّوْمُ فُتُورٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ وَلَا يَفْقِدُ مَعَهُ عَقْلَهُ. اهـ. وَقَالَ الزَّنْجَانِيُّ ذَكَرَ وَالِدِي وَشَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِ جَوَامِعِ الْحَقَائِقِ وَالْأُصُولِ فِي شَرْحِ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ عِنْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» إنَّ النَّوْمَ لَمَّا كَانَ حَالَةً تَعْرِضُ لِلْحَيَوَانِ بِوَاسِطَةِ اسْتِرْخَاءٍ يَحْدُثُ فِي الْأَعْصَابِ الدِّمَاغِيَّةِ عِنْدَ تَصَاعُدِ الْأَبْخِرَةِ إلَيْهَا اسْتَحَالَ عُرُوضُهُ لِلْمُنَزَّهِ عَنْ الْجِسْمِيَّةِ. اهـ. وَقَدْ عُلِمَ

стр. 1245

مِنْ تَفْسِيرِ النَّوْمِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَنَامُونَ فَإِنَّهُمْ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ. [هَلْ بُعِثَ النَّبِيّ إلَى الْمَلَائِكَةِ كَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ] (سُئِلَ) ﵁ هَلْ بُعِثَ ﷺ إلَى الْمَلَائِكَةِ كَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَمَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَالْبَارِزِيُّ وَالْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي الْخَصَائِصِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) لَمْ يُبْعَثْ إلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَدْ فَسَّرَ قَوْلَهُ ﷺ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «وَأُرْسِلْتُ إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً بِالْإِنْسِ وَالْجِنِّ» كَمَا فَسَّرَ بِهِمَا مَنْ بَلَغَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] أَيْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ وَالْعَالَمِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وَصَرَّحَ الْحَلِيمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَابِ التَّاسِعِ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَى الْمَلَائِكَةِ وَفِي الْبَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ بِانْفِكَاكِهِمْ مِنْ شَرْعِهِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَالْبُرْهَانِ لِلنَّسَفِيِّ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِمْ، وَعِبَارَةُ الرَّازِيِّ ثُمَّ قَالُوا: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَحْكَامٍ. الْأَوَّلُ أَنَّ الْعَالَمَ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ لَكِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَى الْمَلَائِكَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى كَوْنُهُ رَسُولًا إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ جَمِيعًا وَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ كَانَ

стр. 1246

رَسُولًا إلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ اهـ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ لِكِتَابَيْنَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَالْمُرَادُ بِالْعَالَمِينَ هُنَا الْإِنْسُ وَالْجِنُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ رَسُولًا إلَيْهِمَا وَنَذِيرًا لَهُمَا. اهـ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَهُوَ نَذِيرٌ لَهُ. اهـ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ أَيْ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ وَسَائِرَ مَنْ بَلَغَهُ مِنْ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ وَمِنْ الثَّقَلَيْنِ وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ. اهـ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ أَيْ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَذِيرًا قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: وَمَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَقَالَ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] الْإِنْسُ وَالْجِنُّ اهـ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَنْ رِسَالَتِهِ ﷺ إلَى فِي تَعْدَادِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ: الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ كُلُّهُمْ فِي تَفْسِيرِهَا لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَلِلْمَلَائِكَةِ. اهـ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِمْ مَحْمُودُ بْنُ حُمْرَةَ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَزَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَالْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ وَالْحَدِيثِ وَشَرْحِ الْكَوْكَبِ السَّاطِعِ فِي الْأُصُولِ

стр. 1247

وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ لِمَا رَجَّحَهُ فِي الْخَصَائِصِ بِأُمُورٍ. أَوَّلُهَا قَالَ وَهُوَ أَقْوَاهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] الْآيَةَ فَهِيَ إنْذَارٌ لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. ثَانِيهَا قَالَ عِكْرِمَةُ صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ وَقَالَ ﷺ «أَلَا تَصَافُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالُوا وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ.» ثَالِثُهَا أَنَّ إسْرَافِيلَ مُؤَذِّنُ أَهْلِ السَّمَاءِ يَسْمَعُ تَأْذِينَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِينَ إلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ بِهِمْ عَظِيمُ الْمَلَائِكَةِ يُصَلِّي بِهِمْ، وَأَنَّ مِيكَائِيلَ يَؤُمُّ الْمَلَائِكَةَ فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. رَابِعُهَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ. خَامِسُهَا مَا رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا «إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي أَرْضٍ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ صَلَّى خَلْفَهُ مَلَكَانِ، فَإِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ» . وَذَكَرَ السُّبْكِيُّ فِي الْحَلَبِيَّاتِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمَلَائِكَةِ كَمَا

стр. 1248

تَحْصُلُ بِالْآدَمِيِّينَ قَالَ وَبَعْدَ أَنْ قُلْت ذَلِكَ بَحْثًا رَأَيْته مَنْقُولًا فِي فَتَاوَى الْحَنَّاطِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ صَلَّى فِي فَضَاءٍ مِنْ الْأَرْضِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَكَانَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ هَلْ يَحْنَثُ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ وَقَالَ الْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي إذَا سَلَّمَ أَنْ يَنْوِيَ بِالسَّلَامِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ، وَإِنْسٍ وَجِنٍّ. سَادِسُهَا أَنَّهُ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ ﷺ خَرَجَ مَلَكٌ مِنْ الْحِجَابِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى أَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ الْمَلَكُ بِيَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدَّمَهُ فَأَمَّ أَهْلَ السَّمَاءِ فَيَوْمَئِذٍ أَكْمَلَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ الشَّرَفَ عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ الْمَلَكُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ اللَّهُ صَدَقَ عَبْدِي دَعَا إلَى فَرِيضَتِي إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ تَقَدَّمْ فَتَقَدَّمَ فَأَمَّ أَهْلَ السَّمَاءِ فَتَمَّ لَهُ شَرَفُهُ عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ. قَالَ الْجَلَالُ: وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى إرْسَالِهِ إلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ شَهَادَةُ الْمَلَكِ بِالرِّسَالَةِ مُطْلَقًا حَيْثُ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. الثَّانِي قَوْلُ اللَّهِ فِي دُعَاءِ الْمَلَكِ إلَى الصَّلَاةِ دَعَا إلَى فَرِيضَتِي فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا فُرِضَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. الثَّالِثُ إمَامَتُهُ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ وَصَلَاةُ

стр. 1249

الْمَلَائِكَةِ بِأَسْرِهِمْ خَلْفَهُ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ لَهُ. الرَّابِعُ قَوْلُهُ فَيَوْمَئِذٍ أَكْمَلَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ الشَّرَفَ عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِكْمَالُ الشَّرَفِ لَهُ بِبَعْثِهِ إلَيْهِمْ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَكَأَنَّهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُنْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ. سَابِعُهَا قَالَ ﷺ نَزَلَ آدَم بِالْهِنْدِ وَاسْتَوْحَشَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَنَادَى بِالْآذَانِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَرَّتَيْنِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ فَهَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْ جِبْرِيلَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ثَامِنُهَا أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَى الْعَرْشِ وَعَلَى كُلِّ سَمَاءٍ وَعَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَعَلَى أَوْرَاقِ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. تَاسِعُهَا قَدْ صَرَّحَ السُّبْكِيُّ فِي تَأْلِيفٍ لَهُ بِأَنَّهُ ﷺ أُرْسِلَ إلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» وَقَوْلِهِ ﷺ «بُعِثْت إلَى النَّاسِ كَافَّةً» قَالَ وَلِهَذَا أَخَذَ اللَّهُ الْمَوَاثِيقَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] . وَقَالَ

стр. 1250

السُّدِّيُّ فِي الْآيَةِ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ مِنْ لَدُنْ نُوحٍ إلَّا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُ لَتُؤْمِنَنَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَزَلْ يَتَقَدَّمُ فِي النَّبِيِّ ﷺ إلَى آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ وَلَمْ تَزَلْ الْأُمَمُ تَتَبَاشَرُ بِهِ وَتَسْتَفْتِحُ بِهِ، وَقَالَ أَيْضًا أَوْحَى اللَّهُ إلَى عِيسَى آمِنْ بِمُحَمَّدٍ وَمُرْ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ أُمَّتِك أَنْ يُؤْمِنَ فَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْت آدَمَ وَلَا الْجَنَّةَ وَلَا النَّارَ. قَالَ السُّبْكِيُّ: عَرَفْنَا بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ حُصُولَ الْكَمَالِ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ لِنَبِيِّنَا ﷺ مِنْ رَبِّهِ ، وَأَنَّهُ أَعْطَاهُ النُّبُوَّةَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَخَذَ لَهُ الْمَوَاثِيقَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ نَبِيُّهُمْ وَرَسُولُهُمْ وَفِي أَخْذِ الْمَوَاثِيقِ وَهِيَ فِي مَعْنَى الِاسْتِحْلَافِ وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ لَامُ الْقَسَمِ فِي ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] لَطِيفَةٌ أُخْرَى وَهِيَ كَانَ إيمَانُ الْبَيْعَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ لِلْخُلَفَاءِ أُخِذَتْ مِنْ هُنَا فَانْظُرْ هَذَا التَّعْظِيمَ الْعَظِيمَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ رَبِّهِ فَالنَّبِيُّ ﷺ نَبِيُّ الْأَنْبِيَاءِ. وَلِهَذَا ظَهَرَ فِي الْآخِرَةِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِهِ، وَفِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ صَلَّى بِهِمْ وَلَوْ اتَّفَقَ مَجِيئُهُ فِي زَمَنِ آدَمَ وَنُوحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَجَبَ عَلَيْهِمْ فَنُبُوَّتُهُ عَلَيْهِمْ وَرِسَالَتُهُ إلَيْهِمْ مَعْنًى حَاصِلٌ لَهُ، وَإِنَّمَا أَمْرُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى اجْتِمَاعِهِمْ بِهِ فَتَأَخُّرُ ذَلِكَ الْأَمْرِ رَاجِعٌ إلَى وُجُودِهِمْ لَا إلَى عَدَمِ اتِّصَافِهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ

стр. 1251

وَفَرْقٌ بَيْنَ تَوَقُّفِ الْفِعْلِ عَلَى قَبُولِ الْمَحَلِّ وَتَوَقُّفِهِ عَلَى أَهْلِيَّةِ الْفَاعِلِ فَهُنَا لَا تَوَقُّفَ مِنْ جِهَةِ الْفَاعِلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ ذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الشَّرِيفَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ وُجُودِ الْعَصْرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ فَلَوْ وُجِدَ فِي عَصْرِهِمْ لَزِمَهُمْ اتِّبَاعُهُ بِلَا شَكٍّ وَلِهَذَا يَأْتِي عِيسَى فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى شَرِيعَتِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْهَا مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ لَوْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي زَمَانِهِ أَوْ زَمَانِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَآدَمَ كَانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ وَرِسَالَتِهِمْ إلَى أُمَمِهِمْ وَالنَّبِيُّ ﷺ نَبِيٌّ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ إلَى جَمِيعِهِمْ فَنُبُوَّتُهُ وَرِسَالَتُهُ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ وَأَعْظَمُ، وَتَتَّفِقُ مَعَ شَرَائِعِهِمْ فِي الْأُصُولِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ، وَتُقَدَّمُ شَرِيعَتُهُ فِيمَا عَسَاهُ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ إمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ النَّسْخِ أَوْ لَا نَسْخَ وَلَا تَخْصِيصَ بَلْ تَكُونُ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ وَالْأَحْكَامُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَشْخَاصِ. اهـ. كَلَامُ السُّبْكِيّ قَالَ الْجَلَالُ وَيَدُلُّ لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا إلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ نَبِيُّ الْأَنْبِيَاءِ

стр. 1252

وَرَسُولٌ إلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَى الْمَلَائِكَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِ. عَاشِرُهَا أَنَّهُ ﷺ أُعْطِيَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أُمُورًا لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا قِتَالُهُمْ مَعَهُ وَمَشْيُهُمْ خَلْفَ ظَهْرِهِ إذَا مَشَى، وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ أَيَّدَنِي بِأَرْبَعَةِ وُزَرَاءَ اثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَاثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَالْوَزِيرُ مِنْ أَتْبَاعِ الْمَلِكِ ضَرُورَةً فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ رُءُوسُ أَهْلِ مِلَّتِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رُءُوسُ أَهْلِ مِلَّتِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ بِأَسْرِهِمْ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَسْأَلُونَ الْمَوْتَى فِي قُبُورِهِمْ عَنْهُ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ سِوَاهُ. وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْضُرُ أُمَّتَهُ إذَا لَاقَتْ الْعَدُوَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لِنُصْرَتِهِ وَهَذِهِ خَصِيصَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ يَحْضُرُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِهِ لِيَطْرُدَ عَنْهُ الشَّيْطَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ كُلَّ سَنَةٍ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى أُمَّتِهِ وَتُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهَا أُعْطِيت قِرَاءَةَ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مِنْ كِتَابِهِ وَلَمْ تُعْطَ قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ نَزَلَ إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَا لَمْ يَنْزِلْ إلَى الْأَرْضِ مُنْذُ خُلِقَ كَإِسْرَافِيلَ، وَأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ

стр. 1253

اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ. وَأَنَّهُ وُكِّلَ بِقَبْرِهِ الشَّرِيفِ مَلَكٌ يُبَلِّغُهُ سَلَامَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى قَبْرِهِ الشَّرِيفِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَضْرِبُونَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ وَيَحُفُّونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُمْسُوا فَإِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كَذَلِكَ إلَى أَنْ يُصْبِحُوا إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ خَرَجَ ﷺ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ. اهـ. مُلَخَّصًا. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَدِلَّةِ تَصْرِيحٌ بِبَعْثَتِهِ إلَيْهِمْ وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ عِبَادَتِهِمْ وَبَيْنَ بَعْثَتِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ عِبَادَتَهُمْ تَكُونُ بِالْأَخْذِ عَنْ رَبِّهِمْ أَوْ بِإِرْسَالِ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِهِمْ إلَيْهِمْ كَجِبْرِيلَ أَوْ إسْرَافِيلَ أَوْ غَيْرِهِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥] ، وَإِنَّمَا سُقْت الْأَدِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْوَاقِفُ عَلَى إفْتَائِي الْمَذْكُورِ أَنَّنِي لَوْ وَقَفْت عَلَيْهَا لَمَا خَالَفْتهمَا وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى الْمُدَّعِي يَكْفِي فِي رَدِّهَا مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ. [الَّذِي أُمِرَ بِهِ نَبِيُّنَا فِي قَوْله تَعَالَى ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْك أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] (سُئِلَ) مَا الَّذِي أُمِرَ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] أَنَّ شَرِيعَتَهُ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ

стр. 1254

فِي التَّوْحِيدِ وَالدَّعْوَةِ إلَيْهِ بِالرِّفْقِ، وَإِيرَادِ الدَّلَائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَالْمُجَادَلَةِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ فَهْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَمَا عَلَّمَ إبْرَاهِيمَ جِبْرِيلُ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ فِي التَّبَرِّي مِنْ الْأَوْثَانِ وَالتَّزَيُّنِ بِالْإِسْلَامِ وَقِيلَ أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ فِي جَمِيعِ مِلَّتِهِ إلَّا مَا أُمِرَ بِتَرْكِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالصَّحِيحُ الِاتِّبَاعُ فِي عَقَائِدِ الشَّرْعِ دُونَ الْفُرُوعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] . اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فَإِنْ قِيلَ الْمِلَّةُ الدِّينُ وَهُوَ مَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَلَمْ يَكُنْ دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَاسِخًا لِدِينِهِ قُلْنَا يَلْزَمُ الْحَمْلُ عَلَى إرَادَةِ الْأُصُولِ كَمَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الْفِئَةُ الْمُحَقِّقَةُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ تَوْفِيقًا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَوْنُ دِينِهِ نَاسِخًا لِدِينِهِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ فُرُوعِهِ. (سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] هَلْ قَالَ فِي أَزَلٍ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا كُونِي فَتَكُونُ عِنْدَ إرَادَةِ خَلْقِهَا أَمْ إذَا أَرَادَ خَلْقَ شَيْءٍ يَقُولُ كُنْ فَتَكُونُ كُنْ مُكَرَّرَةً بِحَسَبِ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ كُنْ هَلْ يَأْمُرُ مَلَكًا يَقُولُهَا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَوْلَ كُنْ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَلَا لِبَعْضِهَا لَا فِي الْأَزَلِ

стр. 1255

وَلَا فِيمَا لَا يَزَالُ لَا مِنْ اللَّهِ وَلَا مِنْ مَلَكٍ بَلْ الْمُرَادُ بِهَا تَمْثِيلُهُ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى فِي مُرَادِهِ بِأَمْرِ الْمُطَاعِ لِلْمُطِيعِ فِي حُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ وَتَوَقُّفٍ وَافْتِقَارٍ إلَى مُزَاوَلَةِ عَمَلٍ وَاسْتِعْمَالِ آلَةٍ قَطْعًا لِمَادَّةِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ قِيَاسُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قُدْرَةِ الْخَلْقِ فَبِمُجَرَّدِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى إيجَادَ شَيْءٍ يُوجَدُ. (سُئِلَ) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «الْخَادِمُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ» ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ لِصَاحِبِ الْمَالِ ثَوَابَ الْمَبْلَغِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ وَلِلْخَادِمِ ثَوَابَ سَعْيِهِ فِي إيصَالِ الصَّدَقَةِ فَلَوْ أَعْطَى الْمَالِكُ لِخَادِمِهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ لِيَدْفَعَهَا لِلْفَقِيرِ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَثَلًا فَأَجْرُ الْمَالِكِ أَكْثَرُ وَلَوْ أَعْطَاهُ رَغِيفًا لِيَذْهَبَ إلَى فَقِيرٍ فِي مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ بِحَيْثُ يُقَابَلُ مَشْيُ الذَّاهِبِ إلَيْهِ بِأُجْرَةٍ تَزِيدُ عَلَى الرَّغِيفِ فَأَجْرُ الْخَادِمِ أَكْثَرُ، وَقَدْ يَكُونُ عَمَلُهُ قَدْرَ الرَّغِيفِ فَيَكُونُ قَدْرُ الْأَجْرِ بَيْنَهُمَا سَوَاءً. (سُئِلَ) عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ «خَيْرُكُمْ فِي رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ الْخَفِيفُ الْحَاذِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خِفَّةُ الْحَاذِ قَالَ مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالٌ» . اهـ. وَهَلْ صَحَّ وَحَدِيثُ تَنَاكَحُوا إلَخْ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَوَّلَ قَالَ شَيْخُنَا الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ إنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ دَاوُد بْنِ الْجَرَّاحِ

стр. 1256

عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا بِهِ وَعَلَّقَهُ رُوَاةٌ وَكَذَا قَالَ الْخَلِيلِيُّ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ وَخَطَّئُوهُ. اهـ. فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَيَّامِ الْفِتَنِ وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ. اهـ. فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا وَمِثْلُهُ مَنْ كُرِهَ لَهُ التَّزْوِيجُ. (سُئِلَ) مَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَعْنَاهُ اُثْبُتْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَوْ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَك أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَا عَلِمْته اسْتِدْلَالًا فَاعْلَمْهُ خَبَرًا يَقِينًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَأَمَرَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ بِطَرِيقِ الْخَيْرِ وَالْيَقِينِ أَوْ فَاذْكُرْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَعَبَّرَ عَنْ الذِّكْرِ بِالْعِلْمِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ. (سُئِلَ) هَلْ الْأَشْجَعُ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ أَوْ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ ﵁ أَمْ أَبُو بَكْرٍ أَشْجَعُ مُطْلَقًا كَرًّا وَفَرًّا أَمْ أَبُو بَكْرٍ أَفْرَسُ مِنْ جِهَةِ ثَبَاتِ الْقَلْبِ وَعَلِيٌّ أَشْجَعُ مِنْ جِهَةِ الْكَرِّ وَالْفَرِّ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ سَيِّدَنَا أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَشْجَعُ مِنْ عَلِيٍّ ﵁ إذْ الشَّجَاعَةُ شِدَّةُ الْقَلْبِ عَلَى الْبَأْسِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ شِدَّةُ قَلْبِهِ يَوْمَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ عَلِيٌّ بِالْكَفَّارَةِ لَمْ يُسَاوِهِ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ رَأَيْت الْقُرْطُبِيَّ قَالَ وَفِي

стр. 1257

هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى شَجَاعَةِ الصِّدِّيقِ فَإِنَّ الشَّجَاعَةَ حَدُّهَا ثُبُوتُ الْقَلْبِ عِنْدَ حُلُولِ الْمَصَائِبِ وَلَا مُصِيبَةَ بَعْدُ أَعْظَمُ مِنْ مَوْتِهِ ﷺ فَظَهَرَتْ عِنْدَهَا شَجَاعَتُهُ وَعِلْمُهُ. [رَقِيبٍ وَعَتِيدٍ هَلْ هُمَا مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ اللَّفْظَ لَيْلًا وَنَهَارًا] (سُئِلَ) عَنْ رَقِيبٍ وَعَتِيدٍ هَلْ هُمَا مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ اللَّفْظَ لَيْلًا وَنَهَارًا أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهُمَا مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ اللَّفْظَ فَأَيْنَ مَقْعَدُهُمَا، وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّيْلِ غَيْرُ مَلَائِكَةِ النَّهَارِ فَمَا اسْمُ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَهَلْ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ لِلنَّاسِ كَافَّةً أَمْ لِكُلِّ شَخْصٍ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ هُمَا مَلَكَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَالْآخَرُ عَنْ الشِّمَالِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا مَلَكَانِ بِالنَّهَارِ وَمَلَكَانِ بِاللَّيْلِ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ عَلَى يَمِينِ الرَّجُلِ وَكَاتِبُ السَّيِّئَاتِ عَلَى يَسَارِهِ» وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ مَجْلِسُهُمَا تَحْتَ الشَّفَتَيْنِ عَلَى الْحَنَكِ وَكَانَ الْحَسَنُ يُعْجِبُهُ أَنْ يُنَظِّفَ عَنْفَقَتَهُ أَيْ مُلَازِمٌ ثَابِتٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ضِدَّ الْقَائِمِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا لَا يُفَارِقَانِهِ وَذَكَرَ الْحَسَنُ أَنَّهُمَا يُفَارِقَانِهِ فِي حَالِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَفِي حَالِ جِمَاعِهِ، وَالرَّقِيبُ هُوَ الْحَافِظُ أَوْ الْمُتَتَبِّعُ لِلْأُمُورِ أَوْ الشَّاهِدُ وَالْعَتِيدُ هُوَ الْحَاضِرُ مَعَهُ أَيْنَمَا كَانَ أَوْ الْحَافِظُ الْمُعِدُّ

стр. 1258

وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ لَيْسَا بِمُسَمَّيَيْنِ بِرَقِيبٍ وَعَتِيدٍ، وَأَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مَلَكَيْنِ فَإِذَا مَاتَ الشَّخْصُ اسْتَأْذَنَا رَبَّهُمَا فِي صُعُودِهِمَا السَّمَاءَ فَيَقُولُ إنَّ سَمَاوَاتِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يُسَبِّحُونَ فَيَقُولَانِ يَا رَبَّنَا فَأَيْنَ نَكُونُ فَيَقُولُ قُومَا عَلَى قَبْرِ عَبْدِي فَكَبِّرَانِي وَهَلِّلَانِي وَاذْكُرَانِي وَاكْتُبَا ذَلِكَ لِعَبْدِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْكَاتِبَيْنِ. [هَارُونَ هَلْ هُوَ رَسُولٌ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ] (سُئِلَ) عَنْ السَّيِّدِ هَارُونَ هَلْ هُوَ رَسُولٌ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَنَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ أَوْ غَيْرُ رَسُولٍ كَمَا هُوَ الصَّرِيحُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السَّيِّدِ هَارُونَ ﷺ لَيْسَ بِخِلَافٍ مَعْنَوِيٍّ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ مُنْكَرًا لِإِيحَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إلَيْهِ وَالْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ وَالتَّسْمِيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْرِيفِ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ الرَّاجِعِ إلَى الِاصْطِلَاحِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ وَفِيهِ أَقْوَالٌ مِنْهَا مَا جَرَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ أَنَّ الرَّسُولَ مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرِيعَةٍ مُجَرَّدَةٍ يَدْعُو النَّاسَ إلَيْهَا وَالنَّبِيُّ يَعُمُّهُ مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِتَقْرِيرٍ سَابِقٍ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى. اهـ. وَعَلَى هَذَا فَهَارُونُ نَبِيٌّ

стр. 1259

لَا رَسُولٌ وَمِنْهَا أَنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ، وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابٌ أَوْ نَسْخٌ لِبَعْضِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ كَيُوشَعَ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَهُوَ نَبِيٌّ فَقَطْ فَهَارُونُ عَلَى هَذَا رَسُولٌ وَنَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ يَعْنِي بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ الثَّانِي. [هَلْ الْأَفْضَل الِاشْتِغَال بِالِاسْتِغْفَارِ أُمّ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ] (سُئِلَ) هَلْ الْأَفْضَلُ الِاشْتِغَالُ بِالِاسْتِغْفَارِ أَمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ غَلَبَتْ طَاعَاتُهُ فَالصَّلَاةُ لَهُ أَفْضَلُ أَمْ مَعَاصِيهِ فَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ أَفْضَلُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالِاسْتِغْفَارِ مُطْلَقًا. (سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ شُكْرُ النِّعَمِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ تَارِكَهُ عَاصٍ، وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ سَجْدَةُ الشُّكْرِ سُنَّةٌ فَهَلْ يُقَالُ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ وَمَا لَا فَلَا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ الشُّكْرُ الْعُرْفِيُّ وَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ كَصَرْفِ النَّظَرِ إلَى مَصْنُوعَاتِهِ وَالسَّمْعِ إلَى تَلَقِّي أَوَامِرِهِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِشُكْرِ النِّعَمِ الْإِتْيَانُ بِالْمُسْتَحْسِنَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالِانْتِهَاءُ

стр. 1260

عَنْ الْمُسْتَقْبَحَاتِ الْعَقْلِيَّةِ. وَجَرَى بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ الشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِإِنْعَامِهِ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالصِّحَّةِ وَغَيْرِهَا بِاللِّسَانِ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا أَوْ بِالْقَلْبِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ تَعَالَى وَلِيُّهَا أَوْ غَيْرُهُ كَانَ يَخْضَعُ لَهُ تَعَالَى. وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكَادُ يَخْلُو فِي وَقْتٍ عَنْ الشُّكْرِ فَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ الْمَذْكُورُ. [مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ مِنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَصِفَاتِهَا] (سُئِلَ) عَمَّا رَوَتْهُ الْقُرَّاءُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى التَّلَفُّظِ بِهِ فِي سَائِرِ طُرُقِهِمْ مِنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَصِفَاتِهَا كَأَحْكَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ وَتَرْقِيقِ الرَّاءَاتِ وَتَفْخِيمِهَا هَلْ هُوَ عَيْنُ مَا قَرَأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَتَلَقَّاهُ عَنْ جِبْرِيلَ عَنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ عَنْ اللَّهِ أَمْ لَا وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْعَالِمِ الْعَامِدِ تَغْيِيرُ ذَلِكَ حَرْفًا أَوْ صِفَةً أَمْ لَا وَهَلْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ ﷺ آحَادًا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ مِنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَصِفَاتِهَا قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اعْتِمَادِهِ وَكَتَبُوا فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حِفْظِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فَهُوَ عَيْنُ مَا قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَتَلَقَّاهُ عَنْ جِبْرِيلَ وَتَلَقَّفَهُ هُوَ تَلَفُّظًا رُوحَانِيًّا أَوْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ

стр. 1261

تَعَالَى أَوْ أَنَّهُ حَفِظَهُ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ بِأَمْرِ إسْرَافِيلَ كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي أَحَادِيثَ. فَمَنْ غَيَّرَ حَرْفًا مِنْهُ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَكَذَا مَنْ غَيَّرَ صِفَةً؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوعٌ بِأَنَّهَا قُرْآنٌ كَسَائِرِ حُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ فَالْقَارِئُ كَذَلِكَ مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي خَبَرِ «رُبَّ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ» وَمُخْطِئٌ لِلصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ عِنْدَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ فَالْجَلِيُّ خَطَأٌ يَعْرِضُ لِلَّفْظِ وَيُخِلُّ بِالْمَعْنَى وَالْعُرْفِ كَرَفْعِ الْمَجْرُورِ وَنَصْبِهِ، وَالْخَفِيُّ خَطَأٌ يَعْرِضُ لِلَّفْظِ وَلَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى بَلْ بِالْعُرْفِ كَتَرْكِ الْإِخْفَاءِ وَالْإِقْلَابِ وَالْغُنَّةِ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا تَحْرُمُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّوَاذِّ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لِإِعْجَازِهِ النَّاسَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ تَوَاتُرًا بَلْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ مَنْ قَرَأَ بِالشَّاذِّ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ عَرَفَ ذَلِكَ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ عُزِّرَ تَعْزِيرًا بَلِيغًا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْكَارِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ. وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الشَّاذِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَصْلًا وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ إنْ أَخْرَجَتْ لَفْظَ

стр. 1262

الْقُرْآنِ عَنْ صِيغَتِهِ بِإِدْخَالِ حَرَكَاتٍ فِيهِ أَوْ إخْرَاجِ حَرَكَاتٍ عَنْهُ أَوْ قَصْرِ مَمْدُودٍ أَوْ مَدِّ مَقْصُورٍ يَفْسُقُ بِهِ الْقَارِئُ وَيَأْثَمُ بِهِ الْمُسْتَمِعُ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ إلَى الِاعْوِجَاجِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] . اهـ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ إلَّا بِمَا تَوَاتَرَ نَقْلُهُ وَاسْتَفَاضَ وَتَلَقَّتْهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ كَالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ فَإِنَّ الشَّرْطَ فِي ذَلِكَ الْيَقِينُ وَالْقَطْعُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ فَمَمْنُوعٌ مِنْهُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ لَا مَنْعَ كَرَاهَةٍ وَمَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَمَمْنُوعٌ مِنْهُ مَنْ عَرَفَ الْمَصَادِرَ وَالْمَبَانِيَ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الْقِيَامُ بِوَاجِبِهِ. اهـ. [مَنْ قَالَ لَا أَحَدَ مِنْ آبَاءِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ آبَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ كَافِرًا] (سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لَا أَحَدَ مِنْ آبَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ آبَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ كَافِرًا، وَأَنْكَرَ أَنْ يُقَالَ أَنَّ وَالِدَ إبْرَاهِيمَ كَانَ كَافِرًا وَذَكَرَ أَنَّ آزَرَ كَانَ عَمَّهُ وَمَا كَانَ أَبَاهُ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْقَائِلَ الْمَذْكُورَ مُخْطِئٌ فِي قَوْلِهِ مُتَّبِعٌ فِيهِ رَأْيَ الشِّيعَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَلِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَغَيْرُهُمْ أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَلِقَوْلِهِ

стр. 1263

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] وَقَوْلِهِ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وَقَوْلِهِ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ الْمَذْكُورُ: إنَّ آزَرَ كَانَ عَمَّ إبْرَاهِيمَ وَمَا كَانَ أَبَاهُ فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ وَقَدْ اتَّفَقَتْ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ أَبَا إبْرَاهِيمَ كَانَ كَافِرًا. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اسْمُ أَبِي إبْرَاهِيمَ آزَرُ وَهُوَ تَارَحُ مِثْلُ إسْرَائِيلَ وَيَعْقُوبَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اسْمَهُ آزَرُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ اسْمَهُ تَارَحُ وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إنَّ أَبَا إبْرَاهِيمَ اسْمُهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ تَارَحُ وَبِغَيْرِهَا آزَرُ وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ: آزَرُ لَقَبٌ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ إنَّ اسْمَ أَبِي إبْرَاهِيمَ الَّذِي سَمَّاهُ أَبُوهُ تَارَحُ فَلَمَّا صَارَ مَعَ النُّمْرُودِ قَيِّمًا عَلَى خَزَائِنِهِ الْبَهِيَّةِ سَمَّاهُ آزَرَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَغَيْرُهُمَا: آزَرُ اسْمٌ لِلصَّنَمِ. وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْوَارِدَةُ بِكُفْرِ أَبِي إبْرَاهِيمَ كَثِيرَةٌ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ

стр. 1264

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ لَا يُسَمِّيَهُ إلَّا بِمَا سَمَّى إبْرَاهِيمُ بِهِ أَبَاهُ حَيْثُ قَالَ يَا أَبَتِ وَلَا يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ» وَقَالَ السُّدِّيُّ دَخَلَ آزَرُ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَوَاقَعَهَا فَحَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ وَقَالَ أَيْضًا خَرَجَ نُمْرُودُ بِالرِّجَالِ إلَى الْعَسْكَرِ وَنَحَّاهُمْ عَنْ النِّسَاءِ تَخَوُّفًا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْلُودِ فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ طَرَأَتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَأْتَمِنْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ إلَّا آزَرَ فَبَعَثَ إلَيْهِ وَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ إنَّ لِي حَاجَةً أَخْتَارُ أَنْ أُوصِيَك بِهَا وَلَا أَبْعَثُك فِيهَا إلَّا لِثِقَتِي بِك فَأَقْسَمْت عَلَيْك أَنْ لَا تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِك فَقَالَ آزَرُ أَنَا أَشَحُّ عَلَى دِينِي مِنْ ذَلِكَ فَأَوْصَاهُ بِحَاجَتِهِ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ قَضَى حَاجَتَهُ وَقَالَ لَوْ دَخَلْت عَلَى أَهْلِي فَنَظَرْت إلَيْهِمْ فَدَخَلَ فَلَمَّا نَظَرَ إلَى أُمِّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَتَمَالَكْ نَفْسَهُ حَتَّى وَاقَعَهَا فَحَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إنَّ آزَرَ سَأَلَ زَوْجَتَهُ عَنْ حَمْلِهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا مَا فَعَلَ فَقَالَتْ وَلَدْت غُلَامًا فَمَاتَ فَصَدَّقَهَا وَسَكَتَ عَنْهَا، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ وَالِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا بَلْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ بَلْ قَبْلَ وِلَادَتِهِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَوَيْهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِمَا وَآمَنَا بِهِ أَوْ لَا

стр. 1265

فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ شَاهِينَ فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَهُ بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «حَجَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَمَرَّ بِي عَلَى عَقَبَةِ الْحَجُونِ وَهُوَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمٌّ فَبَكَيْت لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ إنَّهُ طَعَنَ فَنَزَلَ فَقَالَ يَا حُمَيْرَاءُ اسْتَمْسِكِي فَاسْتَنَدْت إلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ فَمَكَثَ عَنِّي طَوِيلًا مَلِيًّا ثُمَّ إنَّهُ عَادَ إلَيَّ وَهُوَ فَرِحٌ مُبْتَسِمٌ فَقُلْت لَهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلْت مِنْ عِنْدِي، وَأَنْتَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمٌّ فَبَكَيْت لِبُكَائِك يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ إنَّك عُدْت إلَيَّ، وَأَنْتَ فَرِحٌ تَبْتَسِمُ فَعَمَّ ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ذَهَبْتُ لِقَبْرِ أُمِّي آمِنَةَ فَسَأَلْت اللَّهَ رَبِّي أَنْ يُحْيِيَهَا فَأَحْيَاهَا فَآمَنَتْ بِي أَوْ قَالَ فَآمَنَتْ وَرَدَّهَا اللَّهُ » وَقَدْ ذَكَرَ نَسَبَهُ قَالَ مَجْهُولٌ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لَهُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَآمَنَا بِهِ وَهَذَا نَاسِخٌ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي فَقَالَ فِي النَّارِ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ إنَّ أَبِي، وَأَبَاك فِي النَّارِ» . وَحَدِيثِ مَسْلَمَةَ بْنِ بُرَيْدٍ الْجُعْفِيِّ وَفِيهِ فَلَمَّا رَأَى مَا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ وَأُمِّي مَعَ أُمِّك وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْحَدِيثَ فِي إيمَانِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ مَوْضُوعٌ يَرُدُّهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ قَالَ تَعَالَى
следующие страницы →