Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
هَذِهِ قَدْ كَثُرَ فِيهَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَأَفْرَدَهَا جَمَاعَةٌ بِالتَّصْنِيفِ مِنْهُمْ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَصَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَغَيْرُهُمْ وَهِيَ حَقِيقَةٌ بِبَسْطِ الْكَلَامِ فِيهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَلَقَّنَهَا بَعْضُ الْعَوَامّ مِنْ بَعْضِ الْمُتَفَقِّهَةِ كَمَا تَلَقَّنَهَا هَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ وَصَارُوا يُعَلِّمُونَهَا لِأَجْلَافِ الْبَوَادِي وَيَتَحَيَّلُونَ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِتَعْلِيمِهِمْ لَهَا وَأَبَاحُوا لَهُمْ الْعَمَلَ بِهَا وَجَرَّأَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَتَكْرَارِهِ فِي أَلْسِنَتِهِمْ حَتَّى صَارَ لَهُمْ عَادَةً وَصَارَ جَرَاءَةً لَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ، فَإِنَّ مَنْ سَمِعَهُمْ يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ يَظُنُّ صِدْقَهُمْ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَتَجَرَّأُ أَحَدٌ عَلَى الْحَلِفِ بِهِ كَاذِبًا، وَكُلُّ ذَلِكَ وَبَالُهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُتَفَقِّهَةِ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ وَأَغْوَاهُمْ وَصَيَّرَهُمْ مِنْ أَعْوَانِهِ يُضِلُّ بِسَبَبِهِمْ النَّاسَ وَيُلْجِئُهُمْ إلَى أَقْبَحِ الْمَسَالِكِ. فَعَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقْتُهُ وَعَذَابُهُ إنْ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْقَبِيحَةِ وَكَيْفَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ فُرُوضَ الْوُضُوءِ عَلَى وَجْهِهَا أَنْ يُفْتِيَ النَّاسَ فِي الْأَبْضَاعِ وَالْفُرُوجِ وَالْأَنْسَابِ وَيَتَجَرَّأَ عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الْخَطَرِ، أَمَا عَلِمَ قَوْلَهُ ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] وَهَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ وَقَدْ ظَهَرَ فِي كَلَامِهِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ مَا قَضَى عَلَى حَالِهِ وَحَكَمَ عَلَى مَقَالِهِ بِالْجَهْلِ الْمُفْرِطِ وَالْغَبَاوَةِ الظَّاهِرَةِ وَبِأَنَّهُ عَامِّيٌّ صِرْفٌ لَا يَهْتَدِي لِضَارٍّ فَيَجْتَنِبُهُ وَلَا لِنَافِعٍ فَيَقْصِدُهُ
بَلْ هُوَ كَالرَّاكِبِ مَتْنَ عَمْيَاءَ وَالْخَابِطِ خَبْطَ عَشْوَاءَ وَمَنْ ذَا الَّذِي سَوَّغَ لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يُفْتِيَ، أَوْ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يَأْمُرُ بِرَدِّ النِّسَاءِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ وَلَوْ جَاءَ هَذَا الْجَاهِلُ مِنْ بِلَادِ الْأَجْلَافِ وَالْهَمَجِ الَّتِي هُوَ فِيهَا إلَى بِلَادِنَا بِلَادِ الْعِلْمِ وَالشَّرْعِ لَأَمَرْنَا حُكَّامَنَا بِأَنْ يُوجِعُوهُ ضَرْبًا وَتَأْدِيبًا وَبِأَنْ يُبَالِغُوا فِي زَجْرِهِ وَتَعْنِيفِهِ بِالْحَبْسِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُنَاسِبُ جَرَاءَتَهُ عَلَى مَنْصِبٍ لَا يَعْرِفُهُ وَتَصَدِّيهُ لِرَدِّ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ الَّتِي جَاءَتْ لِتِلْكَ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ فِي جَوَابِهِ بِأَمْرِهِ بِرَدِّ النِّسَاءِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مُعْتَمِدٌ لِمَسْأَلَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ وَتَوَهَّمَ؛ لِأَنَّ لِمَسْأَلَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ مَعَ ضَعْفِهَا نَقْلًا وَمَعْنًى كَمَا يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا مَبْسُوطًا شُرُوطًا لَمْ يُحِطْ بِهَا هَذَا الرَّجُلُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ عَامِّيٌّ صِرْفٌ وَإِنَّمَا حَفِظَ كَلِمَاتٍ مِنْ بَعْضِ الْمُتَفَقِّهَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاعْتَنَى بِهَا دُونَ بَقِيَّةِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهَا جَلْبٌ لِحُطَامٍ مِنْ الدُّنْيَا وَتَكُونُ نَارًا عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ كَيْفَ وَهُوَ مِمَّنْ صَدَقَ عَلَيْهِ إنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] مَا لَمْ يَتُبْ وَيَرْجِعْ إلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرْهُ وَتَحْسُنْ تَوْبَتُهُ، فَمِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ وَأَجِلَّائِهِمْ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى تَصْحِيحِ الدَّوْرِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ التَّعْلِيقُ مِنْ عَارِفٍ بِمَعْنَاهُ وَمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَالِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ عِلْمًا وَفَهْمًا وَمَعْرِفَةً ابْنُ عُجَيْلٍ ذَكَرَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَبُو بَكْرٍ وَلَدُ الْإِمَامِ مُوسَى بْنِ الزَّيْنِ الصِّدِّيقِيِّ الرَّدَّادِ شَارِحُ الْإِرْشَادِ فِي جَمْعِهِ لِفَتَاوَى وَالِدِهِ فَانْظُرْ إلَى هَذَا الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطُوهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ بَلْ وَلَا لِمُتَفَقِّهٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الدَّوْرِ الْمُوجِبِ لِإِلْغَاءِ الطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ وَكَفَاك دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ مَعَ جَلَالَتِهِ وَوُصُولِهِ إلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الِاجْتِهَادِ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى، فَتَارَةً صَحَّحَ الدَّوْرَ لِظُهُورِ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ
وَتَارَةً أَفْسَدَهُ لِفَسَادِ مَعْنَاهُ، وَتَارَةً رَجَعَ عَنْ هَذَا إلَى الْأَوَّلِ عَلَى مَا قِيلَ وَاعْتَمَدَهُ الْأَصْبَحِيُّ لَكِنَّ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الْآتِي يَرُدُّهُ وَيُصَرِّحُ بِأَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ عَنْ صِحَّةِ الدَّوْرِ إلَى بُطْلَانِهِ وَعَلَى كُلٍّ فَقَدْ وَقَعَ لَهُ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ الْحُكْمِ بِبُطْلَانِهِ تَارَةً وَبِصِحَّتِهِ أُخْرَى مَا لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِدِقَّةِ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَزِيدِ خَفَائِهِ.
стр. 1122
وَمِنْ ثَمَّ اضْطَرَبَتْ فِيهَا أَفْهَامُ الْأَصْحَابِ وَاخْتَلَفَتْ وَتَبَايَنَتْ وَخَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَى بَعْضٍ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ فِي تَصْنِيفِهِ الْمُفْرَدِ فِي بُطْلَانِ الدَّوْرِ أَلْزَمَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهِ بِتَنَاقُضَاتٍ لِلْأُصُولِ وَمُخَالَفَاتٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْضَهُ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَا وَصَفْت لَك مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ الْعَظِيمِ وَتَقَرَّرَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا أَنْ يَصْدُرَ التَّعْلِيقُ مِمَّنْ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ وَمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ الْمُجِيبَ بِمَا مَرَّ لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ وَلَا يَتَصَوَّرُهُ أَدْنَى تَصَوُّرٍ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُجَازَفَاتِ فِي كَلَامِهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَإِيضَاحُهُ فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ وَفَضْلًا عَنْ أَجْلَافِ الْبَوَادِي. فَكَيْفَ سَاغَ لَهُ الْأَمْرُ بِرَدِّ النِّسَاءِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ وَالْإِفْتَاءِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ الْقَائِلِينَ بِالصِّحَّةِ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وَمِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ فِي تَدْرِيبِهِ وَنَاهِيكَ بِالْكِتَابِ وَمُصَنِّفِهِ أَنْ تَمْضِيَ لَحْظَةٌ بَعْدَ التَّعْلِيقِ تَسَعُ الْحُكْمَ بِالْوُقُوعِ أَمَّا لَوْ لَمْ تَمْضِ لَحْظَةٌ كَذَلِكَ بِأَنْ أَعْقَبَ تَعْلِيقَهُ بِالتَّنْجِيزِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الْمُنَجَّزُ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَمِنْهَا كَمَا فِي التَّدْرِيبِ أَيْضًا أَنْ لَا تَطْلُقَ بِطَلَبِهَا فِي الْإِيلَاءِ وَالْحُكْمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ، أَمَّا إذَا طَلَّقَ بِطَلَبِهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ أَيْضًا كَمَا يَقَعُ الْفَسْخُ فِي إنْ فَسَخْت بِعَيْبِك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَمِنْهَا كَمَا فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِلتَّعْلِيقِ الْمُوجِبِ لِإِلْغَاءِ الدَّوْرِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهِ.
أَمَّا لَوْ نَسِيَهُ ثُمَّ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَاسٍ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ أَيْضًا وَإِذَا تَقَرَّرَ لَك أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ عَلَى ضَعْفِهِ مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْكَثِيرَةِ فَكَيْفَ سَاغَ لِهَذَا الزَّهْرَانِيِّ التَّجَرِّي عَلَى الْإِفْتَاءِ بِإِطْلَاقِ صِحَّةِ الدَّوْرِ مِنْ ذِكْرِهِ هَذِهِ الشُّرُوطِ جَمِيعِهَا وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ. وَالْمَجْمُوعِ مَتَى أَطْلَقَ الْمُفْتِي إفْتَاءَهُ فِي مَحَلِّ التَّفْصِيلِ كَانَ مُخْطِئًا وَبِهِ يُعْلَمُ خَطَأُ هَذَا الْمُفْتِي وَأَنَّهُ عَاصٍ آثِمٌ وَلَيْتَهُ اقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ لِكَلَامِ النَّاسِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّذِي تَلَقَّنَهُ مِنْ شَيْخِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَلَمْ يَضُمَّ لِذَلِكَ أَمْرَهُ بِرَدِّ النِّسَاءِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَذَلِكَ أَخَفُّ وَأَمَّا تَصَدِّيهِ لِلْإِفْتَاءِ وَأَمْرُهُ بِرَدِّهِنَّ مَعَ جَهْلِهِ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَخَطَأٌ عَظِيمٌ وَذَنْبٌ قَبِيحٌ جَسِيمٌ. عَلَى أَنَّ شَيْخَهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ حِصَّةٌ وَافِرَةٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ لَهُ مُجَرَّدَ تَعْدَادَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا مِنْ الشُّرُوطِ عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْإِضْلَالُ لِتِلْمِيذِهِ الْمَذْكُورِ وَلِلْعَوَامِّ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ لَهُمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ - وَعَدَّدَ بَعْضَهُمْ - قَائِلُونَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَقْلِيدِهِمْ حَتَّى لَا يَقَعَ عَلَيْهِمْ طَلَاقٌ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ: شَرْطُ عَدَمِ الْوُقُوعِ عِنْدَهُمْ كَذَا أَوْ كَذَا. فَهَلْ هَذَا إلَّا جَهْلٌ مُفْرِطٌ وَضَلَالٌ بَيِّنٌ وَإِطْلَالٌ لِلْعَوَامِّ وَاتِّبَاعٌ لِهَوَى النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ وَوَسْوَسَتِهِ إيثَارًا لِلْعَرْضِ الْفَانِي وَهُوَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الرِّشَا وَالسُّحْتِ الَّذِي يَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فِي قَبْرِهِ فَقَبَّحَ اللَّهُ هَذَا الرَّجُلَ الزَّهْرَانِيَّ وَشَيْخَهُ الْمَذْكُورَ فَإِنَّهُمَا ضَلَّا وَأَضَلَّا ضَلَالًا مُبِينًا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْهَوَى وَإِيثَارِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَغِشِّ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَمِ نُصْحِهِمْ أَنَّهُ ذَكَرَ مُجَرَّدَ تَعْدَادٍ لِبَعْضِ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ اخْتَلَفُوا فِي النَّقْلِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ حَتَّى قَالَ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ وَنَاهِيكَ بِهِ: مَنْ نَقَلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ فَقَدْ وَهَمَ
وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ اخْتَلَفَ جَوَابُهُ فَقَالَ مَرَّةً بِالصِّحَّةِ، وَهِيَ الَّتِي اُشْتُهِرَتْ عَنْهُ، وَقَالَ مَرَّةً بِالْبُطْلَانِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي كَافِيهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ وَلَمْ يُعْرَفْ الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَسَاقُطِهِمَا وَالرُّجُوعِ إلَى مَرْجِعٍ آخَرَ، وَلَا ذَكَرَ لَهُمْ أَيْضًا قَوْلَ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِهِ الشَّامِلِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَجَلِّ كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَخْطَأَ مَنْ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ خَطَأً ظَاهِرًا، وَلَيْسَ هُوَ بِمَذْهَبٍ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَا ذَكَرَ لَهُمْ أَيْضًا.
قَوْلَ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي رَجَعَ فِيهِ عَنْ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ فَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِهِ دَخَلْت بَغْدَادَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَتَوَاتَرَتْ عَلَيَّ الْأَسْئِلَةُ عَنْ دَوْرِ الطَّلَاقِ وَرَأَيْت أَكْثَرَهُمْ.
стр. 1123
قَدْ أَطْبَقَ عَلَى إبْطَالِ الدَّوْرِ وَتَشْدِيدِ النَّكِيرِ عَلَى مَنْ يُصَحِّحُ الدَّوْرَ وَيَحْسِمُ بِهِ بَابَ الطَّلَاقِ مُعَوِّلِينَ فِيهِ عَلَى اعْتِرَاضَاتٍ ضَعِيفَةٍ قَاصِرَةٍ عَنْ إبْطَالِ عُمْدَةِ الْقَوْلِ بِالدَّوْرِ فَابْتَدَأْت فِي تِلْكَ الْمُنَاظَرَاتِ لِأُبْطِلَ اعْتِرَاضَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ وَصَنَّفْت فِيهِ كِتَابًا سَمَّيْته غَايَةُ الْغَوْرِ فِي نِهَايَةِ الدَّوْرِ مُشْتَمِلًا عَلَى تَزْيِيفِ تِلْكَ الِاعْتِرَاضَاتِ وَمُهَيِّئًا لِلْكَلَامِ فِيهِ إلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ. ثُمَّ انْتَشَرَ ذَلِكَ الْكِتَابُ فِي الْأَمْصَارِ وَاسْتَطَارَ الْفَتْوَى بِصِحَّةِ الدَّوْرِ مِنِّي فِي الْأَقْطَارِ، ثُمَّ اتَّفَقَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ فِكْرَةٌ فِي حَقِيقَةِ الدَّوْرِ فَاطَّلَعْت فِيهِ عَلَى غَوْرٍ وَتَغَيَّرَ شَبَهُ الِاجْتِهَادِ وَرَأَيْت إيقَاعَ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدَّوْرِ أَقْرَبَ إلَى السَّدَادِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الدَّوْرِ مِنْ الْفَسَادِ الْمَانِعِ مِنْ الِاعْتِقَادِ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ لِنُعَوِّلَ عَلَيْهِ لَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْفَتْوَى قَبْلَهُ. فَذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي وَعَلَى التَّخْمِينِ وَالِاجْتِهَادِ تُبْنَى فِقْهِيَّاتُ الْمَسَائِلِ، وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ فَأَقُولُ: لَفْظُ الْعَقْدِ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مُحَالٍ وَجَبَ إلْغَاؤُهُ، وَلَفْظُ الدَّوْرِ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُحَالٍ فَيَجِبُ إلْغَاؤُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَطَالَ فِيهِ فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ هَذَا تَجِدْهُ مُصَرِّحًا بِأَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ بَغْدَادَ فِي زَمَنِهِ
وَنَاهِيكَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ مِنْ كَثْرَةٍ وَجَلَالَةٍ عَلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ وَبِأَنَّهُ كَانَ ظَهَرَ لَهُ أَوَّلًا صِحَّتُهُ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ فَسَادُهُ وَبِأَنَّ فَسَادَهُ هُوَ الْحَقُّ وَصِحَّتَهُ هِيَ الْبَاطِلُ لِقَوْلِهِ: وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ. وَلَا ذَكَرَ لَهُمْ أَيْضًا قَوْلَ الْمُتَوَلِّي وَنَاهِيكَ بِجَلَالَتِهِ إنْ كُنْت جَاهِلًا بِمَقَادِيرِ الرِّجَالِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي إبْطَالِ الدَّوْرِ وَلَفْظِهِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ لَمَّا ظَهَرَ مَيْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ إلَى مَسْأَلَةٍ تُعْرَفُ بِالْيَمِينِ الدَّائِرَةِ، وَانْتَشَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَوَامّ الْهَمَجِ فَصَارَ يَلْقَفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْأَسْوَاقِ وَيُفْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بَعْدَهَا وَنُسِبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى الرَّفْضِ لَمَّا وَقَعَ فِي لِسَانِ الْعَامَّةِ أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ، وَصَارَ ذَلِكَ شَنَاعَةً فِي الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى هَذَا مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا لَمْ يَكُونُوا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ لِلْعَوَامِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّنَاعَةِ سَأَلَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي أَنْ أَبْسُطَ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَكْشِفَ عَنْ الشُّبْهَةِ فِيهَا وَأُظْهِرَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ فَأَجَبْته مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ خَيْرُ مُوَفِّقٍ وَمُعِينٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الدَّوْرَ وَأَطَالَ فِي بَيَانِ بُطْلَانِهِ وَمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ مِمَّا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْضُهُ، فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ وَجَزَاهُ خَيْرًا -: وَانْتَشَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَوَامّ الْهَمَجِ، تَجِدْهُ مُصَرِّحًا بِأَنَّهُ لَا يَتَجَاسَرُ عَلَى الْإِفْتَاءِ بِتَصْحِيحِ الدَّوْرِ إلَّا عَوَامُّ الْأَسْوَاقِ الَّذِينَ لَا يُعْبَأُ بِهِمْ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، وَلَعَلَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ مِنْ أُولَئِكَ الْعَوَامّ فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي هَذَا مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ وَعَلَى شَيْخِهِ. وَتَأَمَّلْ أَيْضًا الْفَسَادَ الَّذِي انْجَرَّ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِ أُولَئِكَ الْعَوَامّ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَشَاعُوا ذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا صَارَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَجِلَّاءِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ أَرْفَاضٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ إنَّمَا يُعْزَى إلَى الْأَرْفَاضِ بَلْ إلَى النَّصَارَى كَمَا يَأْتِي. فَقَاتَلَ اللَّهُ أُولَئِكَ الْعَوَامَّ وَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ الْقَبِيحَ.
كَهَذَا الرَّجُلُ وَشَيْخُهُ فَإِنَّهُمْ سَلَّطُوا الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ عَلَى الْخَوْضِ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ بِمَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ فَمَعَاذَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَفُرْسَانُ مَيْدَانِهَا أَنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّ الْإِثْمَ الْعَظِيمَ وَالْعِقَابَ الْأَلِيمَ إنَّمَا هُوَ عَلَى أُولَئِكَ الْعَوَامّ وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَشَابَهَهُمْ، حَيْثُ جَعَلُوا أَئِمَّةَ الدِّينِ وَعُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ هَدَفًا وَعُرْضَةً لِإِلْحَاقِ النَّقَائِصِ الْقَبِيحَةِ بِهِمْ وَلِلْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِهِمْ الزَّكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ بِالثَّلْبِ وَالسَّبِّ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ - بِالضَّرُورَةِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ - مُعَادٍ لَهُمْ، وَقَدْ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» أَيْ: أَعْلَمْته أَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ، وَمَنْ حَارَبَهُ اللَّهُ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: إنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ . هَذَا فِيمَنْ عَادَى وَلِيًّا فَكَيْفَ بِمَنْ عَادَى أَوْلِيَاءً كَثِيرِينَ. وَتَأَمَّلْ أَيْضًا قَوْلَ الْمُتَوَلِّي: وَاَلَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ قُدَمَاءِ
стр. 1124
أَصْحَابِنَا لَمْ يَكُونُوا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ لِلْعَوَامِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَشَاعَةِ تَجِدُهُ صَرِيحًا أَيْضًا فِي امْتِنَاعِ إظْهَارِ ذَلِكَ لِلْعَوَامِّ وَلَوْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهَذَا أَيْضًا قَوْلُ الرُّويَانِيِّ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَلَا وَجْهَ لِتَعْلِيمِ الْعَوَامّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالرَّوْضَةِ يَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِي الْفَتْوَى، وَمَنْ عُرِفَ بِهِ يَحْرُمُ اسْتِفْتَاؤُهُ فَمِنْ التَّسَاهُلِ أَنْ لَا يَتَثَبَّتَ وَيُسْرِعُ بِالْفَتْوَى قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ التَّسَاهُلِ أَنْ تَحْمِلَهُ الْأَغْرَاضُ الْفَاسِدَةُ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ وَالتَّمَسُّكِ بِالشُّبْهَةِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ لِمَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ، أَوْ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ ضُرَّهُ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ الْحِيلَةِ الَّتِي فِيهَا شَبَهٌ وَيُذَمُّ فَاعِلُهَا الْحِيلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ فِي سَدِّ بَابِ الطَّلَاقِ. اهـ.
فَتَأَمَّلْ عِبَارَتَهُ هَذِهِ تَجِدْهَا صَرِيحَةً فِي مَنْعِ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ مِنْ الْإِفْتَاءِ لَوْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ فَكَيْفَ وَهُوَ عَامِّيٌّ صِرْفٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَظْهَرَ هَذِهِ الْحِيلَةَ لِلْعَوَامِّ وَعَلَّمَهَا لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ نِسَائِهِمْ بَعْدَ حِنْثِهِمْ فِيهِنَّ بِالثَّلَاثِ فَعَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَوْ ذَكَرَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي ذَمِّ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ لِلْعَوَامِّ لَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ فِيهَا، وَمِمَّنْ ذَمَّهَا أَيْضًا وَبَالَغَ فِي تَخْطِئَةِ الْقَائِلِينَ بِهَا الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. وَنَاهِيك بِهِ جَلَالَةً وَمِنْ ثَمَّ لُقِّبَ بِسُلْطَانِ الْعُلَمَاءِ وَعِبَارَتُهُ كَمَا حَكَاهُ تِلْمِيذُهُ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ عَنْهُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يَصِحُّ فِيهَا التَّقْلِيدُ وَالتَّقْلِيدُ فِيهَا فُسُوقٌ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إذَا خَالَفَ أَحَدَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْإِجْمَاعَ، أَوْ النَّصَّ، أَوْ الْقَوَاعِدَ، أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَمَا لَا نُقِرُّهُ شَرْعًا إذَا تَأَكَّدَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَنَنْقُضُهُ فَأَوْلَى فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ شَرْعٍ هَلَاكٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ التَّقْلِيدُ فِيهَا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا بَيَانٌ حَسَنٌ ظَاهِرٌ. اهـ. وَأَقَرَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَمِمَّنْ بَالَغَ فِي ذَمِّهَا أَيْضًا الْإِمَامُ ابْنُ الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا فِي فَتَاوِيهِ مِمَّا وَدَّ لَوْ مُحِيَتْ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَمَّا سُئِلَ عَنْ اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ فِيهِ صِحَّةَ الدَّوْرِ تَبَعًا لِابْنِ سُرَيْجٍ
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: ابْنُ سُرَيْجٍ بَرِيءٌ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ وَجَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا إبْطَالُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَنْسَدُّ بَابُ الطَّلَاقِ بَلْ يَقَعُ فِي كَمِّيَّةِ الْوَاقِعِ مِنْهَا. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ الْقَوْلَ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّلَاقِ قَوْلٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ الطَّلَاقَ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ نِكَاحٍ وَمَا مِنْ نِكَاحٍ إلَّا وَيُمْكِنُ فِيهِ الطَّلَاقُ قَالَ وَسَبَبُ الْغَلَطِ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا صِحَّةَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَالُوا: إذَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ وَوُقُوعُ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ مُمْتَنِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ الْكَلَامَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ وَإِذَا كَانَ بَاطِلًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ وُقُوعُ الْمُعَلَّقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا. قَالَ: وَمَا أَدْرِي هَلْ اسْتَحْدَثَ ابْنُ سُرَيْجٍ هَذَا لِلِاحْتِيَالِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ، أَوْ قَالَهُ مِنْ طُرُقِ الْقِيَاسِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ وَاحْتَالَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ. وَالظَّاهِرُ الثَّانِي. اهـ. وَقَالَ فِي الْخَادِمِ أَيْضًا: وَبَالَغَ السُّرَيْجِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ الْقَوْلُ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّلَاقِ يُشْبِهُ مَذْهَبَ النَّصَارَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الزَّوْجَ إيقَاعُ طَلَاقٍ عَلَى زَوْجَتِهِ مُدَّةَ عُمُرِهِ. إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ فَلْتَرْجِعْ إلَى الْكَلَامِ عَلَى الْجَوَابِ عَلَى هَذَا الزَّهْرَانِيِّ وَنَبْنِي عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْمُجَازَفَاتِ وَالْجَهَالَاتِ وَالتَّنَاقُضَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى سُوءِ فَهْمِهِ وَقِلَّةِ عِلْمِهِ، بَلْ وَعَلَى إفْرَاطِهِ فِي الْجَهْلِ وَالتَّسَاهُلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَبَائِحِ الَّتِي سَتَتَّضِحُ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ عَنْ جَوَابِ الْمُفْتِي الَّذِي جَاءَهُ مِنْ مَكَّةَ أَنَّ فِيهِ مَنْ أَلْقَى عَلَى زَوْجَتِهِ بِمَسْأَلَةِ الدَّوْرِ أَنَّهَا تَطْلُقُ بِنَفْسِ الْإِلْقَاءِ كَلَامٌ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ وَلَا يَتَوَهَّمُ هَذَا مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِفِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ كَيْفَ وَذَلِكَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَضْلًا عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ قَوْلُهُ عَنْ شَيْخِهِ مُرَادُ النَّوَوِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الطَّلَاقِ طَلُقَتْ وَلَا تَطْلُقُ بِنَفْسِ الْإِلْقَاءِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا جَهْلٌ إذْ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ كَذَا إلَّا إذَا دَلَّتْ الْعِبَارَةُ عَلَى خِلَافِهِ وَعِبَارَةُ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مُجَرَّدَ التَّعْلِيقِ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ حَتَّى فِي الْمِنْهَاجِ الَّذِي سَاقَ هَذَا الزَّهْرَانِيُّ عِبَارَتَهُ فَقَوْلُهُ: فَطَلَّقَهَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَلُوا النِّسَاءِ عَنْ
стр. 1125
أَزْوَاجِهِنَّ كَذِبٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي جَاءَهُمْ فِيهِ أَنَّ مَنْ عَلَّقَ بِمَسْأَلَةِ الدَّوْرِ ثُمَّ حَنِثَ يَقَعُ عَلَيْهِ مَا أَوْقَعَهُ فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُونَ مِنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِنَفْسِ الْإِلْقَاءِ وَيَعْزِلُونَ مَنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِمْ حِنْثٌ مِنْهُمْ؟ وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ اسْتِظْهَارًا. . . إلَخْ بَاطِلٌ لِأَمْرَيْنِ
أَمَّا أَوَّلًا فَمَنْ ذَا الَّذِي أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ بِالْكَلَامِ فِيهَا وَأَنَّى لَهُ مَعَ جَهْلِهِ بِالتَّجَاسُرِ عَلَى ذَلِكَ؟ وَفِي مَتْنِ الْأَنْوَارِ كَالْعَزِيزِ: أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِدَلَالَةٍ وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ اسْتِظْهَارًا عَلَى مَزِيدِ جَهْلٍ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَفْهَمُهُ، وَلَا يَدْرِي مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ أُصُولِهِ، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمَ بِالْهَذَيَانِ لَكِنْ لَا يُتَعَجَّبُ إلَّا إذَا صَدَرَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ إلْمَامٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْعُلُومِ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ بِهَا جُمْلَةً كَافِيَةً كَهَذَا الزَّهْرَانِيِّ فَلَا يُتَعَجَّبُ مِنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَبَيَانُ مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِوُقُوعِهَا عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ بِهَا، وَإِنَّمَا أُلْهِمَهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ دَلَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا أُلْهِمَ حُكْمَهَا بِأَنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ مَا تَبَلَّجَ لَهُ صَدْرُهُ إذْ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْإِلْهَامِ كَانَ خَطَأً مِنْ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ وَجَهْلًا وَسَفَاهَةً؛ لِأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ نَفْسَهُ، وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْإِلْهَامَاتِ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُعْمَلُ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ هِيَ لَا تُبْنَى عَلَى الْخَوَاطِرِ وَالْإِلْهَامَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ حَتَّى شُرَّاحُ الْمِنْهَاجِ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا أَسْنَدْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ إلَى هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُتَفَقِّهٍ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ لَمْ يَقْرَأْ، مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ بَابَ الطَّهَارَةِ فَضْلًا عَمَّا بَعْدَهُ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَنَاقُضٌ آخَرُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ يَكْتُبُ مَا لَا يَفْهَمُهُ، وَلَا يَتَصَوَّرُهُ إذْ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ تَنَاقُضًا ظَاهِرًا لَا يَخْفَى عَلَى مُتَعَلِّمٍ إلَّا مَنْ أَفْرَطَ جَهْلُهُ وَقَلَّ عَقْلُهُ، وَهُمَا قَوْلُهُ: وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ
وَقَوْلُهُ: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ أَرَادَ بِوُقُوعِهَا عَلَى خَاطِرِهِ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَهَا مِنْ دَلِيلٍ كَانَ تَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ: وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِهِ خَطَأً إذْ لَا يُقَالُ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَنْبِطُهَا الْمُجْتَهِدُ مِنْ الْأَدِلَّةِ إنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْإِلْهَامَاتِ، وَقَوْلُهُ اسْتِظْهَارًا خَطَأٌ مِنْهُ أَيْضًا إذْ الِاسْتِظْهَارُ طَلَبُ ظُهُورِ الْأَمْرِ وَانْجِلَائِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْفُقَهَاءُ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ الِاحْتِيَاطِ. وَمَعْلُومٌ مِمَّا قَدَّمْتُهُ مَبْسُوطًا وَمَا يَأْتِي أَنَّهُ لَا احْتِيَاطَ فِي تَصْحِيحِ الدَّوْرِ، وَإِنَّمَا الِاحْتِيَاطُ فِي بُطْلَانِهِ إذْ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي تَصْحِيحِهِ احْتِيَاطٌ لَمْ يُبَالِغْ الْعُلَمَاءُ فِي ذَمِّهِ وَتَخْطِئَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ كَمَا قَدَّمْت لَك ذَلِكَ عَنْهُمْ مَبْسُوطًا ثُمَّ جَزْمُهُ بِنِسْبَتِهَا لِابْنِ سُرَيْجٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُصُورِ نَظَرِهِ لِمَا مَرَّ لَك أَنَّ الْأَئِمَّةَ اخْتَلَفُوا فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ وَأَنَّ الْمَاوَرْدِيُّ خَطَّأَ مَنْ نَسَبَهَا إلَيْهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ جَوَابَهُ اخْتَلَفَ فِيهَا فَقَالَ مَرَّةً بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَهُوَ الَّذِي اُشْتُهِرَ عَنْهُ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَمَرَّةً قَالَ بِبُطْلَانِهِ مُوَافَقَةً لِجَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَلِعُلَمَاءِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا مَنْ صَحَّحَ مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ فَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَكْثَرُ فَهُوَ - وَإِنْ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ وَمَنْ تَبِعْهُ كَالْفَتَى فِي مُخْتَصَرِهَا وَغَيْرِهِ - مَرْدُودٌ بَلْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَكْثَرُونَ حَتَّى مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ كَمَا قَدَّمْت ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ الْإِسْنَوِيِّ وَجَمِيعِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ لِكَلَامِ هَؤُلَاءِ مَعَ كَلَامِهِ وَعِبَارَتِهِ كَمَا مَرَّ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ وَجَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَنْسَدُّ بَابُ الطَّلَاقِ بَلْ يَقَعُ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: وَجَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا تَعْلَمْ بِهِ بُطْلَانَ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ: إنَّ الْقَوْلَ بِالِانْسِدَادِ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَمِمَّا يُبْطِلُهُ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ فِي شَرْحِ التَّعْجِيزِ نَقَلَ الْقَوْلَ بِوُقُوعِ الْمُنَجَّزِ عَنْ أَكْثَرِ النَّقَلَةِ
وَنَاهِيكَ بِابْنِ يُونُسَ هَذَا فَإِنَّهُ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ بَلَغَ مَرْتَبَةَ أَصْحَابِ الْأَوْجُهِ وَلَهُ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِكَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا لَيْسَ لِلْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَإِذَا تَعَارَضَ نَاقِلَانِ ثِقَتَانِ فِي شَيْءٍ كَانَ
стр. 1126
الرُّجُوعُ لِلْأَعْلَمِ أَوْلَى وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ تَعَارَضَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ الْإِسْنَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ مَعَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ يُونُسَ وَهُمَا أَجَلُّ وَأَدْرَى وَأَحْفَظُ وَأَثْبَتُ وَأَعْلَمُ مِنْ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُ مَا قَالَاهُ عَلَى مَا قَالَهُ غَيْرُهُمَا فَإِنْ قُلْت يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ وَنَاهِيكَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَجَلِّ أَوْ أَجْمَلِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ نَقَلَ الْقَوْلَ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّلَاقِ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ وَفِي الْبَيَانِ أَنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ قُلْت: مَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِي مُتَفَرِّقَاتِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ قَدْ يَنْقُلُ شَيْئًا عَنْ الْأَصْحَابِ، أَوْ مُعْظَمِهِمْ، أَوْ الْأَكْثَرِينَ وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَصْحَابَ، أَوْ مُعْظَمَهُمْ، أَوْ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِهِ كَالْخُرَاسَانِيِّ ن، أَوْ الْعِرَاقِيِّينَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ نَسَبَهُ إلَى جُمْهُورِ الْخُرَاسَانِيِّينَ فَافْهَمْ أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَصْحَابِ مَا عَدَا جُمْهُورَ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى الْقَوْلِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا عَدَا جُمْهُورَ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ الْأَصْحَابِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ بِكَثِيرٍ، نَعَمْ وَافَقَ جُمْهُورَ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَمَعَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَكْثَرِينَ مِنْ سَائِرِ طُرُقِ الْأَصْحَابِ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ الَّتِي ذَكَرْتهَا عَنْ الْإِمَامِ وَمَنْ بَعْدَهُ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ: جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا عَلَى الْوُقُوعِ وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ أَكْثَرُ النَّقَلَةِ عَلَى الْوُقُوعِ فَلَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَأَمْثَالَهُمَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا طَرِيقَةَ يَنْفَرِدُونَ بِالنَّقْلِ عَنْ أَهْلِهَا وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى سَائِرِ الطُّرُقِ يَنْقِلُونَ عَنْ أَرْبَابِهَا بِخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ طَرِيقَةً مُنْفَرِدَةً لَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى مَا سِوَاهَا وَلَا يَنْقُلُونَ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهَا إلَّا نَادِرًا فَكَانَ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ يُونُسَ أَقْرَبَ إلَى إرَادَةِ الْأَكْثَرِينَ فِي سَائِرِ الطُّرُقِ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ وَمَنْ ذَكَرْته مَعَهُ
وَإِذَا كَانَ كَلَامُهُمَا كَذَلِكَ كَمَا بَانَ وَظَهَرَ لَك وَجْهُهُ كَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ فَإِنْ قُلْت: الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَيْضًا قَدْ نَقَلُوا عَنْ الْأَكْثَرِينَ صِحَّةَ الدَّوْرِ فَلِمَ لَا يُعْتَمَدُ نَقْلُهُمْ سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ الْمَنْسُوبَ لِلْأَكْثَرِينَ فِي الطَّرِيقَيْنِ صِحَّةُ الدَّوْرِ قُلْت: لَمَّا عَارَضَهُمْ فِي النَّقْلَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُمْ قَدْرًا وَعِلْمًا وَحِفْظًا وَخِبْرَةً بِالْمَذْهَبِ وَدِرَايَةً بِطُرُقِهِ كَانَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَجَلِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَحَقَّ وَأَوْلَى. وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْأَذْرَعِيِّ الْمَنْسُوبَ إلَى الْأَكْثَرِينَ تَجِدْهُ كَالْمُتَبَرِّي مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ وَصَحَّحَ الشَّيْخَانِ بُطْلَانَهُ كَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِمَا وَاجِبًا مُتَعَيَّنًا إذْ الْمَدَارُ عَلَيْهِمَا فِي التَّرْجِيحِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِمَا فِي التَّصْحِيحِ أَمْرٌ لَازِمٌ وَقَوْلٌ جَازِمٌ وَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ خَالَفَا فِيهَا الْأَكْثَرِينَ بِاتِّفَاقِ النَّقَلَةِ وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ الرَّاجِحُ مَا قَالَاهُ وَرَجَّحَاهُ بَلْ يَقَعُ لَهُمَا فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُمَا يَنْقُلَانِ حُكْمًا عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَيُصَرِّحَانِ بِأَنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرِينَ وَمَعَ ذَلِكَ يُخَالِفَانِهِ وَيُرَجِّحَانِ سِوَاهُ وَيَكُونُ الْحَقُّ مَا رَجَّحَاهُ وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُمَا نَقَلَا حُكْمًا عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَا عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ مُقَابِلَهُ ثُمَّ قَالَا: وَالْحَقُّ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَوَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَا أَحْسَبُ، إذْ مَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ فِي ذَلِكَ غَايَةُ الْإِشْكَالِ لَا يُفْهَمُ لَهُ وَجْهٌ إلَّا بَعْدَ مَزِيدِ تَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ، وَقَدْ أَشَرْت إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْعُبَابِ فَإِنْ أَرَدْت تَحْقِيقَ ذَلِكَ فَعَلَيْك بِهِ مِنْ مَظِنَّتِهِ ثَمَّ وَبَيَّنْت أَيْضًا الرَّدَّ عَلَى الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ يَعْتَرِضُونَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ بِمُخَالَفَتِهِمَا لِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ إلَّا الْمُقَلِّدُ الصِّرْفُ الْقَاصِرُ عَنْ رُتْبَةِ التَّرْجِيحِ وَالتَّصْحِيحِ، وَأَمَّا مَنْ وَصَلَ لِتِلْكَ الْمَرْتَبَةِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ وَبَيَّنْت ثَمَّ أَيْضًا الرَّدَّ عَلَى صَاحِبِ الْعُبَابِ فِي مُخَالَفَتِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِمَا بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ
وَقَدْ أَشَارَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْضًا إلَى الرَّدِّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ وَرَجَّحَ الشَّيْخَانِ بُطْلَانَهُ كَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِمَا حَتْمًا لَازِمًا فَكَيْفَ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى مَا رَجَّحَاهُ كَمَا قَدَّمْته
стр. 1127
لَك وَاضِحًا مُبَيَّنًا مَبْسُوطًا مِمَّا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ وَمِمَّا يَزِيدُهُ بَيَانًا وَوُضُوحًا أَنِّي أُعَدِّدُ لَك الْقَائِلِينَ بِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ بِحَسَبِ مَا رَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَانْظُرْ عَدَدَ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ قَوْلَ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ إنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ كَذِبٌ بَاطِلٌ صُرَاحٌ لَا سَنَدَ لَهُ فِيهِ وَلَا سَلَفَ إلَّا تَجَرِّيهِ عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّسَاهُلِ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ مِنْ سَائِرِ الْمَذْهَبِ غَيْرِ مَذْهَبِنَا عَلَى فَسَادِ الدَّوْرِ وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ كَيْفَ وَشَنَّعَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَوْ كَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّتِهِ لَمْ يُشَنِّعْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ عَلَى الْقَائِلِ بِذَلِكَ وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ الِاتِّفَاقَ عَلَى فَسَادِ الدَّوْرِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ عَنْهُمْ فِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ وَالْمُنَجَّزِ وَحْدَهُ، وَفِي مُغْنِي الْحَنَابِلَةِ لَا نَصَّ لِأَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ تَطْلُقُ بِالْمُنَجَّزِ لَا غَيْرُ. اهـ. فَهُمَا مُتَّفِقَانِ أَيْضًا عَلَى فَسَادِ الدَّوْرِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّ عَلَيْهِ الْجُمْهُورَ يُكَذِّبُهُ فِيهِ قَوْلُهُ أَوَّلًا: إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَابْنُ سُرَيْجٍ إنَّمَا جَاءَ بَعْدَ أَنْ انْقَضَتْ أَعْصُرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَبَقِيَّةِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَسُوغُ لِهَذَا الْجَاهِلِ الْغَبِيِّ أَنْ يَقُولَ: إنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ لَك بُطْلَانُ قَوْلِهِ هَذَا فَلْنَعُدْ إلَى تَعَدُّدِ الْقَائِلِينَ بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَمِنْ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ ابْنُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ أُسْتَاذُ الْقَفَّالِ وَأَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي
وَصَنَّفَ فِيهِ تَصْنِيفًا حَافِلًا أَطَالَ فِيهِ الرَّدَّ عَلَى الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهِ وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ وَالشَّرِيفُ نَاصِرٌ الْيَعْمُرِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي وَالْمَاوَرْدِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَقَالَ: مِنْ نَقَلَ عَنْهُ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ فَقَدْ وَهَمَ لَكِنْ مَرَّ أَنَّهُ اخْتَلَفَ جَوَابُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ وَصَنَّفَ فِيهِ تَصْنِيفًا كَمَا قَدَّمْت بَعْضَهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِلْغَزَالِيِّ مُصَنَّفَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ مُطَوَّلٌ فِي تَصْحِيحِ الدَّوْرِ وَمُخْتَصَرٌ فِي إبْطَالِهِ رَجَعَ عَنْ تَصْحِيحِهِ وَاعْتَذَرَ فِيهِ عَمَّا صَدَرَ مِنْهُ. اهـ. وَكَذَا الْإِمَامُ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَصَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ وَالِانْتِصَارِ وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَتَنُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ تَصْنِيفًا وَالْبَغَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّلَاحِ. فَهَؤُلَاءِ عِشْرُونَ نَفْسًا قَائِلُونَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْوَاقِعِ كَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ بِقَوْلِي وَكَذَا الْإِمَامُ. . . إلَخْ. وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْغَوْرُ فِي الدَّوْرِ إنَّهُ رَأَى أَكْثَرَ عُلَمَاءِ بَغْدَادَ مُطْبِقِينَ عَلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ وَمُشَدِّدِينَ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ يُصَحِّحُهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ذَهَبَ خَلَائِقُ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَى مَا اخْتَارَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ فَقَطْ وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا بُطْلَانُ الدَّوْرِ، وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّقَلَةِ.
وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ الْمُزَنِيّ وَابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَدَّادِ وَالْقَفَّالَانِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ وَأَبُو الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ وَأَبُو يَحْيَى الْبَصْرِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالْإِمَامُ،
وَمَرَّ أَنَّهُ اخْتَارَ الْأَوَّلَ فَلَعَلَّ كَلَامَهُ اخْتَلَفَ كَكَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَصَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَالْقَزْوِينِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَابْنُ أَبِي الْخَلِّ. فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَالْأَوَّلُونَ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعِي أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ وَهَذَا مِمَّا يُعْلِمُك بِصِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: إنَّ جَمَاهِيرَ أَصْحَابِنَا عَلَى بُطْلَانِهِ وَقَوْلِ ابْنِ يُونُسَ: إنَّ أَكْثَرَ النَّقَلَةِ عَلَيْهِ، وَمَا يَرُدُّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ وَمِنْ تَبِعَهُ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ هُمْ الَّذِينَ رَأَيْنَاهُمْ فِي كُتُبِ الشَّيْخَيْنِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ جَمَعْت وَتَقَصَّيْت وَتَفَحَّصْت الْكُتُبَ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذُكِرَ غَيْرَ هَؤُلَاءِ وَبَعْدَ أَنْ جَمَعْتهمْ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ رَأَيْت الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ أَكْثَرَ مِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهِ كَمَا بَانَ لَك ذَلِكَ وَظَهَرَ مِنْ تَعْدَادِهِمْ
стр. 1128
وَإِنَّمَا حَمَلَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَلَى اتِّبَاعِ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى الْأَوَّلِ عَدَمُ إمْعَانِهِمْ فِي تَفْتِيشِ كُتُبِ النَّقَلَةِ عَنْ الْقَائِلِينَ بِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ فَتَّشُوا كَمَا فَتَّشْنَا لَرَأَوْا مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ أَكْثَرُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهِ فَإِنْ قُلْت: أَتْبَاعُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَلَى مَقَالَتِهِ وَهُمْ كَثِيرُونَ إذْ هُوَ شَيْخُ الطَّرِيقَتَيْنِ قُلْت: أَتْبَاعُ الرَّجُلِ لَا يُعَدُّونَ مَعَهُ فَإِنَّهُمْ تَابِعُونَ وَمُقَلِّدُونَ لَهُ فِيمَا قَالَهُ مَعَهُ كَالرَّجُلِ الْوَاحِدِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ فِي أَوَّلِ الْخَادِمِ فَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْته أَنَّا إنْ قَابَلْنَا الرِّجَالَ بِالرِّجَالِ كَانَ الرِّجَالُ الْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ أَكْثَرَ، هَذَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ - إلَّا مَنْ شَذَّ - عَلَى بُطْلَانِهِ فَكَيْفَ إذَا انْضَمَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ إلَى مَنْ قَالَ بِبُطْلَانِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَانْضَمَّ لِذَلِكَ اعْتِمَادُ الشَّيْخَيْنِ. الْمُعَوَّلُ فِي التَّرْجِيحِ وَالتَّصْحِيحِ إنَّمَا هُوَ عَلَيْهِمَا بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمَا إلَّا مَنْ لَا يُعْبَأُ بِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَانْضَمَّ لِذَلِكَ أَيْضًا اعْتِمَادُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمُحَقِّقِيهِمْ لَهُ أَيْضًا كَمَا سَتَعْلَمُهُ
فَهَلْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي اعْتِمَادِ الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ مِنْ شُبْهَةٍ اللَّهُمَّ إلَّا مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ وَحُبُّ الرِّشَا الَّتِي يَأْخُذُهَا مِنْ الْعَوَامّ، فَإِنَّهُ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا يَعْتَمِدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَمَدَهُ لَفَاتَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ مَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْأَمْوَالِ وَمَا عَلَيْهِ أَنَّهَا سُحْتٌ وَنَارٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَوْلُهُ عَنْ كِفَايَةِ الْقَاضِي النَّهَارِيِّ.
وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ. . . إلَخْ مِمَّا يَتَعَقَّبُ النَّهَارِيُّ فِيهِ فَإِنَّهُ نَقَلَ أَنَّ الْإِلْقَاءَ يَنْفَعُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ وَقَدْ مَرَّ لَك بُطْلَانُهُ عَلَى أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ، الْجُمْهُورُ لَيْسُوا عَلَى صِحَّتِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّهَارِيُّ؛ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا بَيَّنَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْإِلْقَاءَ يَنْفَعُ فِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَنْفَعُ الْإِلْقَاءُ فِيهَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْيَمِينِ قَدْ صَحَّ فَلَمْ يَمْلِكْ حَلَّهُ وَلَقَدْ أَطَالَ الْمُتَوَلِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَيَانِ الرَّدِّ عَلَى الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي بُطْلَانِ الدَّوْرِ فَانْظُرْهُ مِنْهُ إنْ شِئْت وَقَوْلُهُ: هَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فَنِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى الشَّافِعِيِّ مَنْظُورٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ التَّعْلِيقَاتِ أَنَّ صَاحِبَ الْإِفْصَاحِ حَكَاهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاعْتَرَضَهُ جَمْعٌ بِأَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ قَالَ تَصَفَّحْت كِتَابَ الطَّلَاقِ مِنْ الْإِفْصَاحِ فَلَمْ أَرَهُ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ مُضَافًا إلَى تَصْنِيفِهِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي ذَلِكَ التَّصْنِيفِ قُلْت: ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ إلَّا أَنَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الرَّافِعِيِّ - وَرَأَيْت فِي بَعْضِ التَّعْلِيقَاتِ فِيهِ نَوْعُ تَبَرٍّ مِنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ - وَقَوْلَ الْمُهِمَّاتِ فِي نَقْلِ الْبَحْرِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَنْثُورِ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ
فَإِنَّ الْعِرَاقِيِّينَ إنَّمَا حَكَوْهُ عَنْ الْمَنْثُورِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْمُزَنِيِّ نَفْسِهِ لَا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَمِمَّا يُوَضِّحُ الرَّدَّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ وَنَاهِيكَ بِهِ وَبِكِتَابِهِ هَذَا فَإِنَّهُ مِنْ أَجَلِّ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنْكَرَ نِسْبَةَ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ: قَدْ أَخْطَأَ مَنْ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ خَطَأً ظَاهِرًا وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ النَّحْوِيِّ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى بِهِ تَقَدَّمَ مَا يُبْطِلُ هَذَا وَيُفْسِدُهُ وَكَيْفَ يَنْبَغِي الْفَتْوَى بِذَلِكَ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّ تَقْلِيدَ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ هُنَا فُسُوقٌ. وَقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ إنَّهُ يَوَدُّ لَوْ مُحِيَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَوْلِ غَيْرِهِمَا إنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَإِنَّهُ يُشْبِهُ مَذْهَبَ النَّصَارَى. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بَسَطَتْ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ فَلَا يَنْبَغِي بَلْ لَا تَجُوزُ الْفَتْوَى بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ وَلَا الْحُكْمُ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَوْلُهُ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ وُقُوعَ الْمُنَجَّزِ يُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَرْهُ بَلْ رَجَّحَهُ كَالرَّافِعِيِّ، وَفَرْقٌ بَيْنَ اخْتَارَ وَرَجَّحَ لَكِنَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُعَبِّرُ بِمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ، وَقَوْلُهُ: تَعْلِيلًا لِصِحَّةِ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ التَّضَادَّ حَاصِلٌ بَيْنَهُمَا. . . إلَخْ كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِفَسَادِ هَذَا الدَّوْرِ وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ بَلْ أَفْسَدُوهُ بِأُمُورٍ طَوِيلَةٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهَا، وَمِنْهَا مَا مَرَّ عَنْ الْخَادِمِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ بَيَانِ أَنَّ هَذِهِ
стр. 1129
الْعِلَّةَ غَلَطٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ بُطْلَانُ هَذَا الدَّوْرِ، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي رَجَعَ فِيهِ إلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ الْكِتَابِ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مُحَالٍ وَجَبَ إلْغَاؤُهُ، وَلَفْظُ الدَّوْرِ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُحَالٍ فَيَجِبُ إلْغَاؤُهُ فَهَاتَانِ مُقَدِّمَتَانِ إذَا سُلِّمَتَا وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ بُطْلَانُ الدَّوْرِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَوَضَّحَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْفُضُولِيَّ إذَا قَالَ اشْتَرَيْت هَذِهِ الدَّارَ لِزَيْدٍ وَلَمْ يَكُنْ وَكِيلًا مِنْ جِهَةِ زَيْدٍ لَا يَقَعُ الشِّرَاءُ عَنْ زَيْدٍ وَهَلْ يَقَعُ مِنْ الْمُشْتَرِي
فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قِيلَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْمُحَالَ قَوْلُهُ لِزَيْدٍ فَيَخْتَصُّ الْإِلْغَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَالُ وَيَبْقَى قَوْلُهُ اشْتَرَيْت صَحِيحًا وَقِيلَ لَا بَلْ يُلْغَى جَمِيعُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يُؤَاخَذُ بِبَعْضِ كَلَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ إذْ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ شَرْحٌ لِأَوَّلِهِ فَقَدْ اتَّفَقَ الطَّرِيقَانِ عَلَى إلْغَاءِ الْمُحَالِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا أَنَّهُ هَلْ يُلْغَى مَعَهُ غَيْرُهُ أَوْ لَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا لَمْ يَشَأْ اللَّهُ قِيلَ تَطْلُقُ إلْغَاءً لِلشَّرْطِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَالُ إذْ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَقِيلَ لَا تَطْلُقُ لِلْمُحَالِ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِصِفَةٍ مُتَعَذَّرَةٍ فَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُحَالَ بَاطِلٌ، فَقَدْ حَصَلَ الْبُرْهَانُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى وَبَيَانُ الْمُقْدِمَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنَّ الدَّوْرَ اشْتَمَلَ عَلَى مُحَالٍ؛ لِأَنَّ ثَلَاثًا مَوْصُوفَةً بِقَبْلِيَّةٍ رَابِعَةٍ مُحَالٌ، وَإِذَا كَانَ مُحَالًا فَإِمَّا أَنْ يُلْغَى أَصْلُ كَلَامِهِ فَيَقَعُ الْمُنَجَّزُ فَقَطْ، وَإِمَّا أَنْ يُلْغَى الْقَدْرُ الْمُحَالُ وَهُوَ قَوْلُهُ قَبْلَهُ فَيَقَعُ الْمُنَجَّزُ وَثِنْتَانِ مِنْ الْمُعَلَّقِ، وَقَدْ قَالَ بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ قَائِلُونَ كَمَا مَرَّ فَعُلِمَ أَنَّ الدَّوْرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُحَالٍ قَطْعًا وَأَنَّ فِي ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ الدَّوْرَ اللَّفْظِيَّ وَيَمْنَعُ حَسْمَ بَابِ الطَّلَاقِ فَإِنْ قِيلَ الِاسْتِحَالَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ إذْ هُوَ جَزَاءٌ وَلَهُ شَرْطٌ وَهُوَ الزَّمَانُ الْمَوْصُوفُ بِالتَّقَدُّمِ عَلَى الطَّلَاقِ مَعْقُولٌ إذْ لَا مَانِعَ لِلطَّلَاقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، فَإِذَا أُوقِعَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُنَجَّزُ بَعْدَهُ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ لَمْ يَكُنْ الزَّمَانُ الْمَوْصُوفُ بِقَبْلِيَّةِ الطَّلَاقِ مَوْجُودًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَقَعُ وَهُوَ مَعْنَى الدَّوْرِ فَالْجَوَابُ أَنْ لَا نُسَلِّمَ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الشَّرْطَ مُفْرَدًا، أَوْ أَخَذَ الطَّلَاقَ مُفْرَدًا عَنْ الشَّرْطِ يَسْتَحِيلُ وَلَكِنْ إذَا أَخَذَ الْمَجْمُوعَ اسْتَحَالَ، وَالتَّعْلِيقُ اشْتَمَلَ عَلَى الْمَجْمُوعِ لِلْمُحَالِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْإِبْطَالُ فَإِنَّ الْمُعَلَّقَ هُوَ طَلَاقٌ وَلَكِنْ عَلَّقَ إيقَاعَهُ بِزَمَانٍ مَوْصُوفٍ بِقَبْلِيَّةِ طَلَاقٍ آخَرَ إذْ لَوْ وَقَعَ غَيْرَ مَوْصُوفٍ بِهَذَا الْوَصْفِ غَيْرُ مَا عَلَّقَهُ وَوَصَفَهُ فَإِنْ وَقَعَ مَوْصُوفًا بِهَذَا الْوَصْفِ كَانَ مُحَالًا فَقَدْ قَصَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ إيقَاعَ مَا هُوَ مُحَالٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَصَدَهُ وَأَوْقَعَهُ فَوَجَبَ أَنَّهُ يَبْطُلُ مِنْهُ الْقَدْرُ الْمُنْحَلُّ بِالْإِيقَاعِ وَهُوَ لَفْظُ الْقَبْلِ.
اهـ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا وَهُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْقِيقِ وَالْبَيَانِ. وَالظَّاهِرُ حَقِيقٌ بِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِرُجُوعِ الْغَزَالِيِّ عَمَّا كَانَ مُعْتَمِدَهُ مِنْ صِحَّةِ الدَّوْرِ فَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى غَيْرِ الْغَزَالِيِّ بِالْأَوْلَى وَالْأَحْرَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ حَكَى التَّاجُ السُّبْكِيّ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ وَعَلَيْهِ مَاتَ وَصَنَّفَ فِيهَا تَصْنِيفًا أَمْلَاهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقَعُ الْمُنَجَّزُ وَمِنْ الْمُعَلَّقِ تَكْمِلَةُ الثَّلَاثِ وَأَنَّهُ رَجَعَ عَمَّا كَانَ صَنَّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي نُصْرَةِ قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ الْحَدَّادِ وَهُمَا تَصْنِيفَانِ سَمَّى أَحَدَهُمَا قِطْفَ النَّوْرِ فِي مَسَائِلِ الدَّوْرِ وَسَمَّى الثَّانِيَ الْغَوْرَ فِي الدَّوْرِ. اهـ. فَوَافَقَ مَا وَقَعَ لَهُ مَا مَرَّ عَنْ الْغَزَالِيِّ مِنْ حَيْثُ الرُّجُوعُ عَنْ صِحَّةِ الدَّوْرِ وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي بُطْلَانِ الدَّوْرِ وَقَدْ سَاقَهُ بِرُمَّتِهِ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ فَمَنْ أَرَادَ الْإِحَاطَةَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْقِيقِ وَالْفَوَائِدِ فَعَلَيْهِ بِهِ فِي مَظِنَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيهِ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِ أَصْحَابِنَا: إنَّ قَوْلَهُ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا مُتَنَاقِضٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَتَصَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي صِفَةٍ لَا تُؤَدِّي إلَى الدَّوْرِ حَتَّى يَظْهَرَ فَسَادُهَا كَإِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، أَمَّا مُنَاقَضَتُهُ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ شَرْطٌ وَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ جَزَاءٌ، وَالْجَزَاءُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَى الشَّرْطِ فَإِذَا قُدِّمَ عَلَيْهِ كَانَ بَاطِلًا فِي الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ جَاءَنِي أَكْرَمْته قَبْلَ أَنْ يَجِيئَنِي، أَوْ مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ عَشْرٌ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ وَهَذَانِ بَاطِلَانِ فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ، وَأَمَّا مُنَاقَضَتُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَهُوَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ شَرْطٌ
стр. 1130
وَأَنْتِ طَالِقٌ جَزَاءٌ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَحْكُمَ بِوُقُوعِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ خَطَأٌ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ، أَوْ بَعْدَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَهُ فِي الزَّمَانِ قَبْلَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ فِي زَمَنٍ مَاضٍ كَمَا لَوْ قَالَ طَلَّقْتُك أَمْسِ يُرِيدُ الْإِنْشَاءَ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ أَسْئِلَةً وَأَجَابَ عَنْهَا وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ إنْ طَلَّقْتُك لَا خِلَافَ أَنَّهُ شَرْطٌ
وَقَوْلُهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ جَزَاءٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وَالْجَزَاءُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ هُنَا الطَّلَاقُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْكُمَ بِوُقُوعِهِ وَإِذَا حَكَمْنَا بِوُقُوعِهِ فَلَوْ رَتَّبْنَا عَلَيْهِ الْجَزَاءَ احْتَجْنَا أَنْ نُبْطِلَ مَا حَكَمْنَا بِوُقُوعِهِ وَالطَّلَاقُ وُقُوعُهُ لَا يَقْبَلُ الرَّفْعَ فَبَقِيَ الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ، فَالطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِصِفَةٍ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بَعْدَ وُجُودِ صِفَتِهِ وَقَدْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُرَدَّ، وَيُحْكَمُ بِوُقُوعِهِ، قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ يَقْبَلُ الرَّدَّ وَإِلَّا بَطَلَ عِنْدَكُمْ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ عَنْ النَّهَارِيِّ، وَأَيْضًا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ يَبْطُلُ حُكْمُهُ بِالْخُلْعِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ فَلَا سَبِيلَ إلَى رَفْعِهِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِيهِ أَيْضًا الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ أَحْكَامٍ ثَابِتَةٍ بَعْضُهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَبَعْضُهَا بِنَصِّ السُّنَّةِ وَبَعْضُهَا بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ بِالْوَطْءِ فَمَتَى قَالَ لِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا: مَتَى اسْتَقَرَّ صَدَاقُكِ عَلَيَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا بِشَهْرٍ وَمَضَتْ ثُمَّ وَطِئَهَا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ خَالَفْتُمْ الْإِجْمَاعَ وَإِنْ قُلْتُمْ يَسْتَقِرُّ طَلُقَتْ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ وَتُشُطِّرَ الصَّدَاقُ وَإِذَا تُشُطِّرَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَسْتَقِرَّ بِهِ وَإِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ بِهِ لَمْ تَطْلُقْ وَإِذَا لَمْ تَطْلُقْ بَقِيَ يَطَؤُهَا مُدَّةً وَلَا يَسْتَقِرُّ صَدَاقُهَا وَمِنْهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ مِنْ الْأُمَّةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ بِالتَّمْكِينِ فَلَوْ قَالَ لَهَا الزَّوْجُ إذَا ثَبَتَ لَك النَّفَقَةُ عَلَيَّ وَطَالَبْتِنِي بِهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا بِشَهْرٍ، ثُمَّ مَكَّنَتْهُ فَوَطِئَهَا إنْ قَالُوا: لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فَقَدْ خَالَفُوا الْإِجْمَاعَ وَإِنْ قَالُوا: تَسْتَحِقُّهَا وَلَا تُطَالِبُ بِهَا فَمُحَالٌ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهَا بِلَا تَأْجِيلٍ وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى الْإِيفَاءِ فَالْمَنْعُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ لَا وَجْهَ لَهُ وَإِنْ قَالُوا تَسْتَحِقُّهَا وَتُطَالِبُ بِهَا فَإِذَا طَالَبَتْهُ طَلُقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا بِشَهْرٍ فَلَا تَثْبُتُ لَهَا النَّفَقَةُ وَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ لَهَا لَمْ تَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ مُطَالَبَتُهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ فَلَزِمَ بَقَاؤُهَا مَعَهُ فِي طَاعَتِهِ مُدَّةً مِنْ غَيْرِ نَفَقَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ وَمِنْهُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَلَوْ قَالَ لِإِحْدَاهَا مَتَى ثَبَتَ حَقُّ الْقَسْمِ فَطَالَبْتِنِي بِهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا بِشَهْرٍ
ثُمَّ بَاتَ عِنْدَ الْأُخْرَى فَإِنْ قَالُوا: إنَّ تِلْكَ لَا تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ فَهُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَإِنْ قَالُوا: تَسْتَحِقُّهُ وَلَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ فَهُوَ مُحَالٌ وَإِنْ قَالُوا: تَسْتَحِقُّ وَتُطَالِبُهُ فَإِذَا طَالَبَتْ طَلُقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا بِشَهْرٍ وَإِذَا طَلُقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَسْتَحِقَّ الْقَسْمَ وَلَمْ تَصِحَّ مُطَالَبَتُهَا وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ مُطَالَبَتُهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ فَتَبْقَى الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا مُدَّةً يَبِيتُ عِنْدَ ضَرَّتِهَا وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ مَعَ عَدَمِ تَقْصِيرٍ مِنْهَا وَسَاقَ مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا كَثِيرَةً أَلْزَمَهُمْ مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ سُؤَالًا مِنْ جِهَتِهِمْ
وَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا فِيهِ طُولٌ ثُمَّ أَوْرَدَ لَهُمْ أَيْضًا مَا أَدَّى ثُبُوتُهُ إلَى سُقُوطِهِ كَانَ سَاقِطًا مِنْ أَصْلِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي دَوْرِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الْإِقْرَارِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَاقِ وَغَيْرِهَا وَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَلَكِنْ إنَّمَا يُؤَدِّي قَوْلُهُ: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا إلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ لَوْ صَحَّ هَذَا التَّعْلِيقُ فَيَقْتَضِي وُقُوعُ الْمُنَجَّزِ وُقُوعَ الْمُعَلَّقِ قَبْلَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ ثُبُوتُهُ إلَى سُقُوطِهِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِذَلِكَ بَلْ الَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تَنْعَقِدُ مِنْ أَصْلِهَا فَيَقَعُ الْمُنَجَّزِ وَلَا يُؤَدِّي ثُبُوتُهُ إلَى سُقُوطِهِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ أَسْئِلَةً
وَأَجَابَ عَنْهَا بِمَا فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ سَبَبَهَا وَهُوَ أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ وَالْمُنَجَّزَ مِلْكًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ مَزِيَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَقَدْ اجْتَمَعَا هَهُنَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَانِعٌ لِلْآخَرِ فَتَعَارَضَا وَتَسَاقَطَا كَمَا لَوْ نَكَحَ أُخْتَيْنِ مَعًا وَكَمَا إذَا تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ ثُمَّ رَدَّ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يَنْفَرِدُونَ بِهِ وَهُوَ انْعِقَادُ هَذِهِ الصِّيغَة وَأَمَّا عِنْدَنَا فَهِيَ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ هُنَا إلَّا الطَّلَاقُ الْمُنَجَّزُ وَهَذِهِ نُبَذٌ
стр. 1131
مِمَّا ذَكَرَهُ وَأَطَالَ فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ - وَلَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: هَذِهِ جُمْلَةٌ كَافِيَةٌ لِمَنْ تَحَقَّقَ وَتَأَمَّلَ فِيهَا حَقِّيَّةَ التَّأَمُّلِ وَقَاطِعَةٌ لِلْعُذْرِ فِي الْمُخَالَفَةِ لِمَنْ أَنْصَفَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ وَقَوْلُهُ وَقَالَ ذَلِكَ أَيْضًا الزَّرْكَشِيُّ فِي مَسَائِلِ الدَّوْرِ فِي قَوَاعِدِهِ وَذَكَرَ فِيهَا كَلَامَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَكَلَامَ غَيْرِهِ هَذَا لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا فَذَكَرَ حَشْوًا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ إلَّا إيهَامَ السَّامِعِينَ أَنَّ الزَّرْكَشِيّ فِي قَوَاعِدِهِ قَائِلٌ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ الْفَتَى عَلَى النَّوَوِيِّ. . . إلَخْ يُقَالُ لَهُ الْفَتَى تَابِعٌ لِلْإِسْنَوِيِّ وَقَدْ مَرَّ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ دَلِيلٍ وَأَوْضَحِهِ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْفَتَى دُونَ مَنْ هُوَ أَجَلُّ بِذَلِكَ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى الْقُصُورِ وَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ هُوَ وَشَيْخُهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ إلَّا عَلَى كَلَامِ جَمْعٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَلَّدَاهُمْ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ لَهُمْ بِمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْإِشْكَالَاتِ وَالتَّنَاقُضَاتِ وَالتَّحْقِيقِ الظَّاهِرِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ لِكُلِّ مُكَابِرٍ كَمَا بَيَّنْت لَك جَمِيعَ ذَلِكَ فِيمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا بَيَّنْت هَذِهِ الْمَقَالَاتِ لِتَعْرِفَ الْأَحْكَامَ وَالْمُخَالَفَاتِ يُقَالُ عَلَيْهِ: لَسْت أَهْلًا لِبَيَانِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَ كَلِمَاتِك فِي هَذَا الْجَوَابِ تَدُلُّ عَلَى جَهْلِك الْمُفْرِطِ وَغَبَاوَتِك الظَّاهِرَةِ وَإِنَّك حَقِيقٌ بِأَنْ تُؤَدَّبَ عَلَى تَصَدِّيك لِمَا لَسْت أَهْلًا لَهُ وَلَيْتَكَ تَأَسَّيْت بِمَا ذَكَرْته عَنْ صَاحِبِ الْمِفْتَاح مِنْ عَدَمِ تَعْلِيمِ الْعَوَامّ وَعَدَمِ الْحُضُورِ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَإِنَّ أَحَدًا إذَا أَدْخَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَمَرْتهمْ بِالرَّدِّ إلَى غَيْرِك لَكِنْ إنَّمَا أَوْجَبَ لَك الدُّخُولَ مَعَهُمْ وَتَعْلِيمَهُمْ وَأَمْرَهُمْ بِرَدِّ نِسَائِهِمْ بَعْدَ حِنْثِهِمْ فِيهِنَّ حُبُّ الْأَمْوَالِ السُّحْتِ الَّتِي تَأْخُذُهَا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ حُبُّ الرِّيَاسَةِ وَالشُّهْرَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَوْلُهُ: إنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ وَعُلَمَاءَهُمْ صَحَّحُوهَا وَأَفْتَوْا بِهَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ مُنْقَسِمُونَ إلَى قِسْمَيْنِ: فَمِنْهُمْ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَمِنْهُمْ الْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِهِ فَمِنْ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِهِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ الْجَلِيلُ قَمَرُ تِهَامَةَ وَقُطْبُهَا إسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ تَصْنِيفًا مُخْتَصَرًا قَالَ فِيهِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ مَا حَاصِلُهُ: الْمُفْتُونَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ حَمَلَهُمْ عَلَى الْإِفْتَاءِ بِهِ تَقْلِيدُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيِّ وَلَوْ طُولِبَ هَؤُلَاءِ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ بَعْدَ التَّعْلِيقِ بِالدَّوْرِ طَلَاقُهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا ذَلِكَ بَلْ يَرَوْنَ أَنَّ كَلَامَ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ كَافٍ فِي الْحُجَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا ضَعْفُ قَوْلِ الْمُخَالِفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمَذْهَبِ كَثِيرٌ وَجَوَابُ هَؤُلَاءِ أَنْ يُقَالَ: قَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ إلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ
وَمِنْهُمْ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِهِ الشَّامِلُ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ قَدْ أَخْطَأَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ خَطَأً كَبِيرًا. وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْكِتَابِ الْجَلِيلِ التَّهْذِيبِ قَالَ: الصَّحِيحُ وُقُوعُهُ. وَكَذَلِكَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي قَطَعَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بَعْدَهُ وَهَذَا الْبَنْدَنِيجِيُّ هُوَ تِلْمِيذُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَاتُ الْجَلِيلَةُ: كِتَابُ الْمُعْتَمَدِ فِي الْخِلَافِ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَكِتَابُ الْكَامِلِ فِي الْمَذْهَبِ بَحْرٌ غَزِيرٌ، وَلَهُ كِتَابُ الْكَافِي فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَكَذَلِكَ الْفَتْوَى لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ رَجَعَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ عَمَّا ذَكَرَهُ فِي وَسِيطِهِ وَوَجِيزِهِ قَالَ: وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ أَوْلَى مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ. فَهَذَا جَوَابُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُقَابَلَةُ الْكُتُبِ بِالْكُتُبِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهَمَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ فِي فُتْيَاهُمْ مَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْحُجَّةِ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ لَزِمَ وُقُوعُ الثَّلَاثِ الْمُعَلَّقَةِ وَإِذَا وَقَعَتْ لَزِمَ أَنْ لَا يَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ لَمْ تَقَعْ الثَّلَاثُ الْمُعَلَّقَةُ فَجَوَابُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ: إذَا وَقَعَتْ الْمُنَجَّزَةُ لَزِمَ أَنْ يَقَعَ الثَّلَاثُ الْمُعَلَّقَةُ لَا يَصِحُّ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ثَلَاثًا بِوَاحِدَةٍ إلَّا مَنْ يَمْلِكُ أَرْبَعًا فَهَذَا التَّعْلِيقُ مُحَالٌ فَلَا يَصِحُّ بَلْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَلِّقَ بِالطَّلْقَةِ إلَّا مَنْ يَمْلِكُ طَلْقَتَيْنِ فَإِذَا عَلَّقَ بِهَا ثَلَاثًا قُلْنَا: إمَّا أَنْ يَبْطُلَ التَّعْلِيقُ كُلُّهُ فَلَا يَقَعُ إلَّا الْمُنَجَّزَةُ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْ الثَّلَاثِ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ طَلْقَتَيْنِ وَقَعَتْ الثَّلَاثُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَقْيَسُ إذَا تَمَّ هَذَا فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي رُجُوعِهِ عَنْ صِحَّةِ الدَّوْرِ إلَى بُطْلَانِهِ وَقَدْ ذَهَبَ لِذَلِكَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَيْضًا فَقَالَ: مَنْ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً ظَاهِرًا
стр. 1132
وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَشْرُوطُ عَلَى الشَّرْطِ لَا يَصِحُّ وَالشَّرْطُ هَهُنَا هُوَ الْوَاحِدَةُ وَالْمَشْرُوطُ الثَّلَاثُ وَالْمَشْرُوطُ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الشَّرْطِ. اهـ
حَاصِلُ كَلَامِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ الْحَضْرَمِيِّ وَمَا ذَكَرَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَفَائِسَ نَبَّهْتُ عَلَى جَمِيعِهَا مَعَ الْبَسْطِ وَالْإِيضَاحِ فِيمَا قَدَّمْتُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَاسْتَمَرَّ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ وَلَدُهُ أَحْمَدُ فَقَالَ مَاتَ وَهُوَ يُفْتِي بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ بَعْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَنَامًا يَقْتَضِي أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهَذَا الْمَنَامُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ النَّائِمُ لَا يَضْبِطُ وَمِنْ ثَمَّ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ طَلِّقْ زَوْجَتَك، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ بِهِ لَكِنْ لَا لِخَلَلٍ فِي الرُّؤْيَةِ فَإِنَّهَا حَقٌّ إذْ الشَّيْطَانُ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ ﷺ وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ الْفَقِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْعَدَ الْوَزِيرِيِّ فَإِنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ طَلَاقِ التَّنَافِي أَيْ الدَّوْرِ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: الَّذِي أُفْتِي بِهِ وَأَخْتَارُهُ نَصِيحَةً مِنِّي لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَبْطُلُ الدَّوْرُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ نَصُّ السُّنَّةِ وَهُوَ مَا أَخْبَرَنِي بِهِ الْفَقِيهَانِ الْأَجَلَّانِ سُلَيْمَانُ وَمُحَمَّدُ الْهَمْدَانِيَّانِ قَالَا: أَخْبَرَنَا الْفَقِيهُ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيُّ سَنَة تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ قَالَ: رَأَيْت سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ النَّبِيَّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ جُلُوسًا مُسْتَقْبِلِينَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ وَعُمَرُ عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ فَسَلَّمْت عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلَامَ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَلَاقُ التَّنَافِي صَحِيحٌ أَمْ بَاطِلٌ فَقَالَ النَّبِيُّ: بَاطِلٌ بَاطِلٌ مَرَّتَيْنِ وَسَكَتَ فِي الثَّالِثَةِ وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْمَنَامِ ثُمَّ قَالَ الْوَزِيرِيُّ: وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ فِي الْخِلَافِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَأَى النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْمَنَامِ مُعْرِضًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَرَاك مُعْرِضًا عَنِّي قَالَ: لِأَنَّك تُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ، فَتَلَقَّاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ بِالْقَبُولِ وَعَمِلَ بِهِ وَذَهَبَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ فِي حَيَاتِهِ ﷺ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ قَالَ الْوَزِيرِيُّ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآهُ حَقًّا وَكَأَنَّمَا رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ
وَالنَّصُّ لَا يُعَارَضُ بِالْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْأُصُولِ كَيْفَ وَقَدْ شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَذَانَ بِرُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَسَنَّ وَأَمَرَ بِهِ وَكَفَى بِهِ دَلِيلًا قَاطِعًا فِي الْمَسْأَلَةِ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى بُطْلَانِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْغَزَالِيُّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ. اهـ كَلَامُ الْوَزِيرِيِّ وَقَدْ أَشَرْت لَك إلَى مَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْلَالِهِ بِذَلِكَ الْمَنَامِ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ لَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوَاعِد الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَقْوِيَةٍ وَاسْتِئْنَاسٍ بِهِ لِلْقَوْلِ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى خَوْفٍ رَجَعَ عَنْ الْعَمَلِ بِالدَّوْرِ وَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْحِكَايَةِ الْآتِيَةِ فَإِنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَاضِحًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ أَيْضًا الْعَلَّامَةُ إسْمَاعِيلُ بْنُ الْمُقْرِي وَنَاهِيكَ بِهِ جَلَالَةً وَعِلْمًا إذْ لَمْ يُخْرِجْ الْيَمَنُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَقِيهًا مِثْلَهُ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ الْكَمَالُ بْنُ الرَّدَّادِ شَارِحُ الْإِرْشَادِ وَعَالِمُ زُبَيْدٍ وَأَعْمَالِهَا فَإِنَّهُ مِمَّنْ اعْتَمَدَ بُطْلَانَ الدَّوْرِ فِي شَرْحِهِ الْكَوْكَبَ الْوَقَّادَ وَكَذَلِكَ فِي فَتَاوِيهِ وَتَبِعَهُ وَلَدُهُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ فِي جَمْعِهَا فَمِنْهَا أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْإِلْقَاءِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي نَوَاحِي الْحِجَازِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَرَادَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ فَهِمَتْ مِنْهُ عَدَمَ الرَّغْبَةِ قَالَتْ لَهُ: أَقِرَّ أَنَّهُ لَا إلْقَاءَ لَك فَيُقِرُّ ثُمَّ يُشْهِدُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا طَلَاقًا مُنَجَّزًا بَائِنًا ثُمَّ إذَا بَدَا لَهُ رَغْبَةٌ فِيهَا قَالَ: أَنَا كَاذِبٌ فِي إقْرَارِي وَجَاءَ لِمَنْ عَقْدُ الدَّوْرِ صَحِيحٌ عِنْدَهُ مِنْ فَقِيهٍ، أَوْ حَاكِمٍ فَيَحْكُمُ لَهُ بِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ وَبِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ وَبُطْلَانِ طَلَاقِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْدُ لَهُ
стр. 1133
رَغْبَةٌ تَزَوَّجَتْ وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مُتَفَقِّهَةِ تِلْكَ النَّوَاحِي زَيْدِيُّهُمْ وَشَافِعِيُّهُمْ وَحَسَمُوا بَابَ الطَّلَاقِ فَهَلْ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ وَالصُّورَةُ هَذِهِ وَرُبَّمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ عَوَامَّ لَا يَفْهَمُ الدَّوْرَ وَهَلْ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ وَبِبُطْلَانِ الطَّلَاقِ بَعْدَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ
وَمَاذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ مَنْ أَفْتَاهُ مَنْ يَعْتَقِدُ فِقْهَهُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَعَدَمِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ. اهـ السُّؤَالُ فَتَأَمَّلْهُ حَتَّى تَتَأَمَّلَ جَوَابَهُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَجَلِّ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ وَذَلِكَ الْجَوَابُ قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَتْوَى وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْمُنَجَّزِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَهُوَ الْقَوِيُّ فِي الدَّلِيلِ وَعَزَاهُ الرَّافِعِيُّ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَوَدُّ لَوْ مُحِيَتْ وَابْنُ سُرَيْجٍ بَرِيءٌ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ فِيهَا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَجَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَنْسَدُّ بَابُ الطَّلَاقِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ قَوْلٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ الطَّلَاقَ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ نِكَاحٍ وَمَا مِنْ نِكَاحٍ إلَّا وَيُمْكِنُ فِيهِ الطَّلَاقُ قَالَ: وَسَبَبُ الْغَلَطِ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا صِحَّةَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَالُوا: إذَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ وَوُقُوعُ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ مُمْتَنِعُ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْكَلَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ وَإِذَا كَانَ بَاطِلًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ وُقُوعُ الْمُعَلَّقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ التَّعْلِيق صَحِيحًا. اهـ. وَبَالَغَ السُّرُوجِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ الْقَوْلُ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّلَاقِ يُشْبِهُ مَذْهَبَ النَّصَارَى وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ: كَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَقُولُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يَصِحُّ فِيهَا التَّقْلِيدُ وَالتَّقْلِيدُ فِيهَا فُسُوقٌ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إذَا خَالَفَ أَحَدَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْإِجْمَاعَ، أَوْ النَّصَّ، أَوْ الْقَاعِدَةَ، أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَمَا لَا يُقَرُّ شَرْعًا إذَا تَأَكَّدَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِنَقْضِهِ فَأَوْلَى إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ، وَإِذَا لَمْ نُقِرَّهُ شَرْعًا حَرُمَ التَّقْلِيدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ شَرْعٍ هَلَاكٌ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخَالَفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ التَّقْلِيدُ فِيهَا، قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا بَيَانٌ حَسَنٌ ظَاهِرٌ ثُمَّ حَكَى عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُمَا
ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ: وَرَجَّحَ عَدَمَ الْوُقُوعِ كَثِيرٌ لَا فِي تَطْلِيقِهِ بِطَلَبِهَا فِي الْإِيلَاءِ وَالْحُكْمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ بَلْ يَقَعُ كَمَا يَقَعُ الْفَسْخُ فِي إنْ فَسَخْت بِعَيْبِك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَلَا فِي حَالِ نِسْيَانِ التَّعْلِيقِ فَيَقَعُ قَبْلَهُ تَخْرِيجًا. اهـ. قَالَ: وَالنَّقْلُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ أَنَّهُ يَقَعُ الْمُنَجَّزُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَتْوَى. اهـ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْقَاضِي الْمُقَلِّدُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِالْقَوْلِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَمْضِيَ مُدَّةُ التَّعْلِيقِ ثُمَّ يُنَجَّزُ الطَّلَاقُ فَإِنْ أَعْقَبَ تَعْلِيقَهُ بِالتَّنْجِيزِ وَقَعَ الْمُنَجَّزُ قَطْعًا وَنَبَّهَ عَلَيْهِ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الْمَذْكُورُ مِنْ مُتَفَقِّهَةٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَسُوغُ، وَفِسْقُهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ ظَاهِرٌ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ وَالْهِدَايَةَ. اهـ جَوَابُ الْفَقِيهِ الرَّدَّادِ فَتَأَمَّلْ حُكْمَهُ عَلَى الْمُتَفَقِّهَةِ الْمَذْكُورِينَ بِفِسْقِهِمْ بِالْعَمَلِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ تَعْلَمْ فِسْقَ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ بِالْعَمَلِ بِهِ وَيَتَّضِحُ لَك صِحَّةُ مَا قَدَّمْته مِنْ شَبَهِهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَفْسِيقِهِ إذْ هُوَ فَاسِقٌ كَمَا حَكَمَ عَلَيْهِ هَذَا الرَّجُلُ الْعَظِيمُ، وَالْفَاسِقُ - سِيَّمَا الْمُتَجَاهِرُ - لَا حُرْمَةَ لَهُ وَلَا تَوْقِيرَ وَلَا مُرَاعَاةَ بَلْ يُعَامَلُ بِالسَّبِّ وَالزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ لَعَلَّهُ يَنْزَجِرُ وَيَتُوبُ عَنْ الْجَرَاءَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَنَصْبِ نَفْسِهِ لِمَقَامِ الْإِفْتَاءِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ وَلَا شَيْخُهُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَيْسَ هَذَا الْمَقَامُ يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، أَوْ يَتَسَوَّرُ سُورَهُ الرَّفِيعَ مَنْ حَفِظَهُ وَتَلَقَّفَ فُرُوعًا لَا يَهْتَدِي لِفَهْمِهَا وَلَا يَدْرِي مَأْخَذَهَا وَلَا يَعْلَمُ مَا قِيلَ فِيهَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَسَوُّرُ ذَلِكَ السُّورِ الْمَنِيعِ مَنْ خَاضَ غَمَرَاتِ الْفِقْهِ حَتَّى اخْتَلَطَ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَصَارَ فَقِيهَ النَّفْسِ بِحَيْثُ لَوْ قَضَى بِرَأْيِهِ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَطَّلِعْ فِيهَا عَلَى نَقْلٍ لَوَجَدَ مَا قَالَهُ سَبَقَهُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا تَمَكَّنَ الْفِقْهُ فِيهِ حَتَّى وَصَلَ لِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ سَاغَ لَهُ الْآنَ أَنْ يُفْتِيَ وَأَمَّا قَبْلَ وُصُولِهِ لِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَلَا يَسُوغُ لَهُ إفْتَاءٌ وَإِنَّمَا وَظِيفَتُهُ
стр. 1134
السُّكُوتُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ وَتَسْلِيمُ الْقَوْسِ إلَى بَارِيهَا إذْ هِيَ مَائِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّطَفُّلَ وَلَا يَصِلُ إلَى حَوْمَةِ حِمَاهَا الرَّحْبِ الْوَسِيعِ إلَّا مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ بِغَايَاتِ التَّوْفِيقِ وَالتَّفَضُّلِ. وَتَأَمَّلْ أَيْضًا قَوْلَهُ إنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَطْبَقُوا عَلَى الْعَمَلِ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ.
وَتَأَمَّلْ أَيْضًا قَوْلَهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدَّمْتُهُ عَنْهُ أَيْضًا: إنَّ التَّقْلِيدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ حَرَامٌ وَفُسُوقٌ وَهَلَاكٌ فَهَلْ بَقِيَ بَعْدَ هَذَا تَشْدِيدٌ وَتَغْلِيظٌ بَلْ جَمَعَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُلَقَّبُ بِسُلْطَانِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ مَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقَلِّدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَائِلَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَلَا يَعْمَلُ بِذَلِكَ وَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُفْتِي بِهِ لَا يُعَلِّمُهُ لِعَامِّيٍّ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ بَاءَ بِعَظِيمِ هَذَا الْإِثْمِ وَازْدَادَ فُسُوقُهُ وَحَقَّ هَلَاكُهُ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ آمِينَ. وَسُئِلَ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ عَنْ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ فَقِيهِ الشَّجَرِ وَعَالِمِهِ باسرومي بِمَا حَاصِلُهُ: قَدْ أَحَاطَ عِلْمُ سَيِّدِي بِاخْتِلَافِهِمْ فِي طَلَاقِ الدَّوْرِ وَالْغَرَضُ بَيَانُ مَا يَتَرَجَّحُ لَكُمْ فِيهِ وَلَوْ حَكَمَ بَعْضُ قُضَاةِ الْعَصْرِ بِصِحَّةِ طَلَاقِ التَّنَافِي، أَوْ بِبُطْلَانِهِ فِي امْرَأَةٍ بِخُصُوصِهَا لِأَجْلِ التَّرَافُعِ عِنْدَهُ فَهَلْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ الْحُكْمَ بِخِلَافِ الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُنْدَرِجٌ فِي الْحُكْمِ بِخِلَافِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ نَعَمْ ذَكَرُوا أَنَّ الْحَاكِمَ يَجْتَهِدُ وَيَحْكُمُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الصَّحِيحِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاجْتِهَادَ قَدْ طُوِيَ بِسَاطُهُ وَقُضَاةُ زَمَانِنَا أَمْرُهُمْ غَيْرُ خَافٍ لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا هُنَا أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْأَقْوَالِ فَهَلْ شَرْطُهُ بُلُوغُ الِاجْتِهَادِ، أَوْ لَا؟
فَأَجَابَ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَتْوَى أَنَّهُ يَقَعُ الْمُنَجَّزُ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنْ أَوْرَدَ مَا قَدَّمْته عَنْ التَّدْرِيبِ وَقَوْلِ صَاحِبِهِ الْإِمَامِ الْبُلْقِينِيُّ: النَّقْلُ الثَّانِي عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ يَقَعُ الْمُنَجَّزُ فَقَطْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَتْوَى وَلَوْ حَكَمَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ حَاكِمٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ أَمَّا الْمُقَلِّدُ لِلشَّافِعِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَحُكْمُهُ كَالْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِخِلَافِ الصَّحِيحِ. اهـ
الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِهِ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ وَالْمُجِيبُ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْمُقَلِّدِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ حُكْمٌ بَاطِلٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ الصَّوَابُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ فَلَا مَحِيدَ عَنْهُ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْحُكَّامِ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ كَانَ آثِمًا وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ السُّبْكِيّ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ حَاكِمٌ يَرَاهُ نَفَذَ حُكْمُهُ مَحَلَّهُ فِي حَاكِمٍ مُجْتَهِدٍ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعَوَّلُ عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا؛ بِدَلِيلِ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَمَعْلُومٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ أَنَّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ قَدْ انْقَطَعَتْ مِنْ مُنْذُ مِئَاتٍ مِنْ السِّنِينَ فَلَيْسَ لِقَاضٍ الْآنَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ بَلَغَ تِلْكَ الرُّتْبَةَ حَتَّى يَجُوزَ حُكْمُهُ بِالضَّعِيفِ بَلْ مَتَى حَكَمَ قَاضٍ بِوَجْهٍ، أَوْ قَوْلٍ ضَعِيفٍ رُدَّ حُكْمُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي وِلَايَتِهِ وَعَدَالَتِهِ إذَا تَقَرَّرَتْ لَك هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ عَلِمْت قَبِيحَ مَا صَنَعَهُ هَذَا الزَّهْرَانِيُّ مِنْ تَجَرُّئِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِرَدِّ النِّسَاءِ وَإِفْتَائِهِ أَزْوَاجَهُنَّ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَبَائِحِهِ الشَّنِيعَةِ كَقَوْلِهِ: إنَّ عُلَمَاءَ الْيَمَنِ صَحَّحُوا الدَّوْرَ وَأَفْتَوْا بِهِ وَقَدْ ظَهَرَ لَك بِمَا سُقْته عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ بُطْلَانُ هَذِهِ الدَّعْوَى الَّتِي ادَّعَاهَا وَأَنَّ عُلَمَاءَ الْيَمَنِ مُخْتَلِفُونَ كَغَيْرِهِمْ وَحِكَايَتُهُ لِلشِّعْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ وَجَهْلِ هَذَا الشَّاعِرِ وَكَذِبِهِمَا وَافْتِرَائِهِمَا وَمُبَالَغَتِهِمَا فِي الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ مِمَّا لَمْ تَخْفَ قَبَاحَتُهُ وَشَنَاعَتُهُ عَلَى أَحَدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الشَّاعِرَ قَالَ: قَدْ حَكَمَتْ بِهَا جَمِيعُ قُضَاةِ الْخَلْقِ وَأَفْتَوْا بِهَا وَفِي هَذَا مِنْ الْكَذِبِ وَالْجَرَاءَةِ مَا يَقْتَضِي فِسْقَ قَائِلِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ كَهَذَا الزَّهْرَانِيِّ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ نَوَاحِيَ مِصْرَ وَالشَّامِ وَنَاهِيكَ بِهَذَيْنِ الْإِقْلِيمَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا مَحَلُّ الْعُلَمَاءِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِمْ فِي تَحْرِيرِ الْمَذْهَبِ وَتَنْقِيحِهِ كُلِّهِمْ قَاطِبَةً عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الدَّوْرِ وَبِحَمْدِ
стр. 1135
اللَّهِ تَعَالَى لَمْ نَسْمَعْ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ قُضَاةِ هَذَيْنِ الْإِقْلِيمَيْنِ أَنَّهُ حَكَمَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَنَّهُ أَفْتَى بِصِحَّتِهِ وَإِنَّمَا كَلَامُهُمْ فِي كُتُبِهِمْ نَاطِقٌ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ فَمَعَ ذَلِكَ كَيْفَ سَاغَ لِهَذَا الشَّاعِرِ هَذَا الْكَذِبُ الصُّرَاحُ أَمَا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْهُ كَذِبٌ وَمُفَسِّقٌ؟ لَكِنْ مَنْ هُتِكَ عِرْضُهُ وَعَدِمَ دِينَهُ وَمُرُوءَتَهُ لَا يُبَالِي بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى أَفْعَالِهِ الْقَبِيحَةِ وَأَقْوَالِهِ الْبَاطِلَةِ الصَّرِيحَةِ وَقَوْلُ هَذَا الشَّاعِرِ أَيْضًا: وَاتَّبَعُوا الْجُمْهُورَ وَقَوْلُهُ فَقَلَّدُوهَا جُمْهُورَنَا قَدْ مَرَّ رَدُّهُ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هُنَا وَقَوْلُهُ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ. . . إلَخْ
وَقَوْلُ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ: إنَّهَا لَمَّا وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يُعْلِمُك أَيْضًا بِجَهْلِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَيُوَضِّحُ لَك مَا انْطَوَيَا عَلَيْهِ مِنْ السَّفَاهَةِ وَالْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ بِالْقَوَاعِدِ وَالْمَآخِذِ وَالْمَقَاصِدِ وَأَنَّهُمَا لَا يَتَأَمَّلَانِ مَا يَقُولَانِهِ وَلَا يَفْهَمَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُمَا بِالْأَنْوَامِ أَشْبَهُ، إذْ لَا يَصْدُرُ هَذَا الْكَلَامُ إلَّا مِمَّنْ عَدِمَ لُبَّهُ وَزَادَ جَهْلُهُ وَاسْتَحْكَمَتْ غَبَاوَتُهُ وَحَقَّتْ شَقَاوَتُهُ، كَيْفَ وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ رُبَّمَا تُؤَدِّي إلَى كُفْرٍ؛ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي اعْتِقَادِ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ فَعَلِمَهَا وَلَمْ يَعْلَمْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ، أَوْ أَجَلَّ مِنْهُ عَلِمَ عِلْمًا حَقًّا وَجَهِلَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ كَافِرًا مُهْدَرَ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَحَدُّهُ الْقَتْلُ إنْ لَمْ يَتُبْ وَيُجَدِّدْ إسْلَامَهُ وَمَنْ اسْتَمَرَّ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَتَأَمَّلْ عَظِيمَ مَا فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ مِنْ الْقَبِيحِ، وَقَوْلُهُ صَدَقَ الْقَلَمُ وَصَدَقَ اللَّوْحُ فَصَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ أَنْزَلْتهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدِ عُلَمَائِي فَإِنَّ هَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ بِأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ أُوحِيَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا عَلَى لِسَانِهِ وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى لِسَانِهِ بِالْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ مَلَكٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهَذَا الِاعْتِقَادُ مِنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ إذْ مَنْ اعْتَقَدَ وَحْيًا مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْكُفْرِ أَشَرْت لَك إلَى بَعْضِهَا وَلَوْ جَاءَ هَذَا الزَّهْرَانِيُّ إلَى مَكَّةَ لَعُومِلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ هَذَا مِنْ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يُجَدِّدْ إسْلَامَهُ وَيَتُبْ وَيَرْجِعْ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْمُجَازَفَاتِ وَلَيْتَهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْمُجَازَفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفِسْقِهِ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ مَعَ ذَلِكَ بَاقٍ وَأَمَّا مُجَازَفَاتٌ تُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ وَالْخُرُوجِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إلَى دِينٍ أَقْبَحَ مِنْ دِينِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمَجُوس فَلَا يُطِيقُ مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ الصَّبْرَ عَلَى ذَلِكَ فَأَسْأَلُ اللَّهَ الْمَنَّانَ بِفَضْلِهِ أَنْ يَتُوبَ عَلَى هَذَا الزَّهْرَانِيِّ، أَوْ يُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْهُ وَمِنْ أَمْثَالِهِ فَإِنَّهُمْ فِتْنَةٌ أَشَدُّ عَلَى الْعَوَامّ مِنْ فِتْنَةِ إبْلِيسٍ وَجُنُودِهِ عَامَلَهُمْ اللَّهُ بِعَدْلِهِ - آمِينَ.
وَتَأَمَّلْ مَزِيدَ جَهْلِهِ وَكَذِبِهِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ فَجَعَلَ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْحِكَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ وَالْفِسْقِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَأَدْنَى الْعُلَمَاءِ بَرِيءٌ مِنْ أَنْ يَقُولَ فِي حِكَايَةٍ إنَّهَا صَحِيحَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لِهَؤُلَاءِ يُعْتَمَدُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مِثْلِهَا مَعَ مَا أَدَّتْ إلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ الْقَبِيحَةِ الشَّنِيعَةِ. وَتَأَمَّلْ أَيْضًا مَزِيدَ جَهْلِهِ فَإِنَّ قَضِيَّةَ سِيَاقِهِ بَلْ صَرِيحِهِ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى لِسَانِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ فَلَمَّا جَرَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ تَبِعَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَتْبَعُوهُ عَلَيْهَا إلَّا لِهَذِهِ الْحِكَايَةِ وَلَوْلَاهَا لَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا كَلَامٌ بِالْخِرَافِ أَشْبَهُ لَكِنْ نُنَبِّهُ أَنَّ قَائِلَهُ وَصَلَ فِي الْجَهْلِ وَالْحُمْقِ إلَى غَايَةٍ قَبِيحَةٍ إذْ كَيْفَ يَنْسُبُ إلَى الْأَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ لِابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُمْ إنَّمَا تَبِعُوهُ لِأَجْلِ حِكَايَةٍ فِيهَا أَنْوَاعُ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمْته لَك أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ كَالْمُزَنِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ عَلَى مَا قِيلَ قَالُوا بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَهَذَا مِمَّا يَزِيدُ لَك إيضَاحَ كَذِبِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ وَأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهَا وَأَنَّ قَائِلَهَا وَالْمُصَدِّقَ بِهَا كَاذِبٌ فَاسِقٌ فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا
стр. 1136
لَمْ تَنْزِلْ إلَّا عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَالَ بِهَا الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ: وَهَذَا الَّذِي حَضَرَنَا مِنْ مَبْحَثِ مَسْأَلَةِ الدَّوْرِ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا الَّذِي حَضَرَكَ عَرَّفَ النَّاسَ بِقَدْرِ مَرْتَبَتِك فِي الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ وَكَذَا الْكُفْرَانِ إنْ اعْتَقَدْتَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ حِكَايَتُك فَلَيْتُك سَكَتّ اتِّقَاءً لِلسُّتْرَةِ عَلَى نَفْسِك وَكَفًّا لَهَا عَمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِهَلَاكِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ عَنْ شَيْخِهِ فَرَدَدْتُ الْجَوَابَ إلَى مُهِمَّاتِ الْمُهِمَّاتِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُصُورِ نَظَرِهِ وَمَزِيدِ تَسَاهُلِهِ فَإِنَّ مَنْ يَرُدُّ مَنْ يُفْتِي بِخِلَافِ الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَيْفَ يَقْنَعُ بِمِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَمَا دَرَى أَنَّ لِأَصْلِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ الْمُهِمَّاتُ تَعَقُّبَاتٌ وَمُلِمَّاتٌ وَمُعَلِّمَاتٌ لِابْنِ الْعِمَادِ وَالْإِمَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَلِلْبَدْرِ ابْنِ شُهْبَةَ اعْتَرَضُوا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ أَكْثَرَ مَا فِي الْمُهِمَّاتِ وَرَدُّوهُ وَبَيَّنُوا مَا فِيهِ مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ
وَكَذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ وَالزَّرْكَشِيُّ فِي خَادِمِهِ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ وَأَكْمَلَهُ
وَقَوْلُهُ: لَكِنْ نَحْنُ وَهُمْ مُتَّبِعُونَ وَمُقْتَدُونَ يُقَالُ عَلَيْهِ: كَذَبْت لَسْت مُتَّبِعًا وَلَا مُقْتَدِيًا فَإِنَّك لَوْ كُنْت كَذَلِكَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَلَمْ تَنْسُبْ إلَيْهِمْ مَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُك السَّابِقُ وَنَبَّهْت عَلَيْهِ فِي مَحَالِّهِ فَأَنْتَ مُبْتَدِعٌ لَا مُتَّبِعٌ وَمُعْتَدٍ لَا مُقْتَدٍ، وَقَوْلُهُ: الْأَمْرُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ وَالضَّرُورِيَّاتُ لَهَا أَحْكَامٌ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ جَهْلِهِ أَيْضًا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا لَيْسَتْ مِنْ جُزْئِيَّاتِ قَاعِدَةِ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهَا وَإِنَّمَا غَايَةُ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ يَحْفَظُ كَلِمَاتٍ لَا يَدْرِي مَا مَعْنَاهَا وَلَا مَا أُرِيدَ بِهَا فَيَنْطَلِقُ بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا وَقَوْلُهُ: وَالتَّقْلِيدُ وَاجِبٌ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ هَذَا كَلَامٌ أَيْضًا مِنْ تَغَالِيهِ فِي الْكَذِبِ وَالْجَهْلِ وَأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ تَقْلِيدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَاجِبٌ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ وَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَقَدْ قَدَّمْت لَك عَنْ أَكَابِرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ التَّقْلِيدَ فِيهِ فُسُوقٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِقَاضٍ مُقَلِّدٍ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَأَنَّهُ مَتَى حَكَمَ بِذَلِكَ فَسَقَ وَكَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا فَمُنِعَ ذَلِكَ كَيْفَ سَاغَ لِهَذَا الْمُجَازِفِ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ التَّقْلِيدَ هَذَا وَاجِبٌ وَلَيْتَهُ اسْتَحَى مِنْ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَحِ مِنْ الْخَلْقِ فَإِنَّهُ كَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى دِينِهِ فَرُبَّمَا يُخْشَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] فَإِنْ قُلْت: قَالَ فِي الْأَنْوَارِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَعْلِيمِ الْعَوَامّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَيُشْبِهُ أَنْ يُسْتَحَبَّ التَّعْلِيمُ وَالْعَمَلُ بِهِ الْآنَ لِوُجُوهٍ حَاصِلُهَا أَنَّ مَنْ لَا يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ الْآنَ قَلِيلٌ وَمَنْ يُحْلِلْ زَوْجَتَهُ إذَا وَقَعَ طَلَاقُهُ مَعْدُومٌ وَإِنَّ النَّاسَ مُنْهَمِكُونَ عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَيَتْرُكُونَ الْحَلِفَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ
وَمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ لَا يَسْمَحُ بِالتَّحْلِيلِ فَيَذْهَبُ إلَى مَنْ لَا مُسْكَةَ لَهُ فِي الدِّينِ فَيُعَلِّمُهُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ التَّحْلِيلِ كَادِّعَاءِ فِسْقِ الْوَلِيِّ، وَكَأَمْرِهِ بِتَقْلِيدِ الْقَوْلِ الشَّاذِّ الْمَدْفُوعِ بِصَرَائِحِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، إنَّ الْعَقْدَ كَافٍ فِي التَّحْلِيلِ وَإِنَّ الْغَافِلَ الْمُتَسَاهِلَ رُبَّمَا عَلَّمَ السُّوقَةَ وَغَيْرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، بَعْدَ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ حِفْظًا لِنِكَاحِهِمْ وَحَذَرًا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحِنْثِ مَعَ جَهْلِهِمْ، بَلْ وَجَهْلِ مُلَقِّنِهِمْ بِشُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَعْنَاهُ فَيُطَلِّقُونَ وَيَسْتَثْنُونَ ظَنًّا أَنْ لَا يَقَعَ مَعَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، فَلَيْتَ شِعْرِي أَنَّ الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ مَعَ نَفْيِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَبِهِ يُخَفَّفُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا الزَّهْرَانِيِّ قُلْت: لَا حُجَّةَ لِهَذَا الزَّهْرَانِيِّ فِي كَلَامِ الْأَنْوَارِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ بَحَثَ اسْتِحْبَابَ التَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ حَتَّى يَتَجَرَّأَ عَلَيْهِ هَذَا الزَّهْرَانِيُّ وَيُفْتِي بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ظَهَرَ لَهُ مِنْ بَحْثِهِ لَكِنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْقُولِ، فَإِنَّ الرُّويَانِيَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ لَا وَجْهَ لِتَعْلِيمِ الْعَوَامّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَبِبُطْلَانِهِ فَهُمْ كَالْمُتَّفِقِينَ عَلَى مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ امْتِنَاعِ التَّعْلِيمِ فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَظْهَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَحْثًا مُخَالِفًا لِاتِّفَاقِهِمْ كَانَ ذَلِكَ
стр. 1137
الْبَحْثُ فِي حَيِّزِ الطَّرْحِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَهَكَذَا كُلُّ بَحْثٍ خَالَفَ الْمَنْقُولَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَإِنْ جَلَّ قَائِلُهُ وَظَهَرَ دَلِيلُهُ هَذَا مَعَ أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ عَلَى بَحْثِهِ هَذَا يُرَدُّ بِأَنَّهُ نَفْسَهُ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ لِمَا ذَكَرَ مِنْ جَهْلِ الْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ كَذَلِكَ شُرُوطَهُ فَإِذَا أَنْكَرَ عَلَى الْمُعَلِّمِينَ لِجَهْلِهِمْ، أَوْ لِجَهْلِ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِكَبِيرِ فِطْنَةٍ وَمَعْرِفَةٍ فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ لِجَهْلِ أَكْثَرِ الْمُتَفَقِّهَةِ فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ بِمَعْنَى الدَّوْرِ هُنَا وَبِبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْتهَا أَوَّلَ هَذَا الْجَوَابِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَهْلِهِمْ بِذَلِكَ تَبَايُنُ اخْتِلَافِ أَفْهَامِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ الدَّوْرِ وَبُطْلَانِهِ وَتَبَايُنُ آرَاءِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ
فَإِنَّهُ يَقُولُ تَارَةً بِصِحَّتِهِ ثُمَّ تَارَةً بِفَسَادِهِ كَمَا قَدَّمْت لَك عَنْ الْغَزَالِيِّ وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ إمَامُهُ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فَإِذَا كَانَتْ أَفْهَامُ الْعُلَمَاءِ مُتَبَايِنَةً فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تَقْبَلُهُ أَفْهَامُ الْعَوَامّ وَشَرْطُ الْعَمَلِ بِالدَّوْرِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَنْ يَصْدُرَ التَّعْلِيقُ مِمَّنْ يَعْرِفُ الدَّوْرَ كَمَا مَرَّ لَك أَوَّلَ هَذَا الْجَوَابِ مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطٍ أُخْرَى لَا يُحِيطُ بِهَا أَكْثَرُ الْمُتَفَقِّهَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ فَكَانَتْ الْمَفَاسِدُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الدَّوْرِ أَعْظَمَ وَأَفْحَشَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الِاسْتِثْنَاءِ فَكَمَا شَنَّعَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ عَلَى الْمُعَلَّمِينَ لَهُ فَكَذَلِكَ نُشَنِّعُ نَحْنُ عَلَى مِنْ يُعَلِّمُ مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ بِعَيْنِ مَا قَالَهُ فَانْدَفَعَ بِنَفْسِ كَلَامِهِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِحَثِّهِ نَدْبَ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَنَّ مَنْ لَا يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ الْآنَ قَلِيلٌ. . . إلَخْ فَيُرَدُّ بِأَنَّا إذَا غَلَّظْنَا عَلَى الْعَوَامّ وَبَيَّنَّا لَهُمْ أَنَّ الدَّوْرَ فَاسِدٌ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَقْلِيدُهُ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ كَمَا قَالَهُ أَكَابِرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَانَ ذَلِكَ زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ كَثْرَةِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ فَإِنَّهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُخَالِطُونَ الْعُلَمَاءَ، أَوْ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ فَهَؤُلَاءِ يَنْتَهُونَ وَيَنْزَجِرُونَ فَزَجَرَهُمْ مِنْ تَعْلِيمِهِمْ الدَّوْرَ، وَقِسْمٌ لَا يُخَالِطُونَ أَحَدًا مِمَّنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ وَهَؤُلَاءِ لَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُ جَمِيعِهِمْ بَلْ إذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُعَلِّمَ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ شَيْئًا فَإِنَّ زَوْجَتَهُ بَانَتْ عَنْ عِصْمَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِلتَّعْلِيمِ حِينَئِذٍ فَاتَّضَحَ مَا قَالُوهُ وَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَقَوْلُهُ: رُدُّوا النِّسَاءَ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ يُقَالُ عَلَيْهِ لَيْسَ هَذَا بِكَثِيرٍ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ أَحْوَالِك الْقَبِيحَةِ وَخِصَالِك الْمَذْمُومَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مُبَالَغَتِك فِي الْكَذِبِ وَالْجَهْلِ وَالْفِسْقِ وَأَنْوَاعِ الْكُفْرِ بِقَيْدِهِ السَّابِقِ، وَمَنْ تَجَرَّأَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فَأَوْلَى أَنْ يَتَجَرَّأَ عَلَى مَا سِوَى ذَلِكَ، لَكِنْ مَا لَمْ يُتَدَارَكْ بِعَفْوٍ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ وَحُسْنِ تَوْبَةٍ نَصُوحٍ وَإِلَّا فَلَكَ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْأَمْرِ الْمُتَضَمِّنِ لِاسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ مَزِيدُ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْفَضِيحَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، وَلَا يَنْفَعُ أَعْوَانٌ وَلَا أَمْوَالٌ. وَقَوْلُهُ: وَقَلِّدُوا جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ يُقَالُ عَلَيْهِ: قَاتَلَك اللَّهُ وَقَبَّحَك مَا أَكْذَبَك وَأَفْسَقَك فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ عَلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ كَمَا قَدَّمْت ذَلِكَ وَاضِحًا مُبِينًا
وَإِنَّمَا الْقَائِلُونَ بِصِحَّتِهِ فِرْقَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَأَفْرَادٌ مِنْ غَيْرِهِمْ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِعْشَارَ عُشْرِ الْعُلَمَاءِ فَكَيْفَ سَاغَ لَك أَنْ تَجْعَلَهُمْ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ تَصِفُهُمْ بِصِفَةٍ تَقْتَضِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ لَيْسُوا وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذْ كَلَامُك وَإِنْ كُنْت لَا تَفْهَمُ وَلَا تَدْرِي مَا تَقُولُ أَنَّ الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَصْفٌ لِلْمُضَافِ وَهُمْ الْجُمْهُورُ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ إذْ لَوْ كَانَ وَصْفًا لِلْمُضَافِ إلَيْهِ لَمْ يُنَاسِبْ مَقْصُودَك وَهُوَ أَنَّك تُبَالِغُ لِلْعَوَامِّ فِي مَدْحِ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ فَجَعَلْت هَذَا الْوَصْفَ مَدْحًا لَهُمْ حَامِلًا عَلَى الْعَمَلِ بِمَا قَالُوهُ مِنْ صِحَّةِ الدَّوْرِ وَمَا دَرَيْت أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ لَيْسُوا وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَإِنْ كُنْت مُعْتَقِدًا ذَلِكَ فَيَكْفِيك هَذَا دَلِيلًا عَلَى فِسْقِك وَمَقْتِك وَعَظِيمِ وَقِيعَتِك فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ فَلْيُحَارِبَنَّكَ اللَّهُ وَلْيُهْلِكَنَّكَ، وَمَنْ حَارَبَهُ اللَّهُ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ: إنَّمَا أَكْثَرْت فِيهِ لِيَعْلَمُوا أُصُولَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَا انْطَوَيْت عَلَيْهِ مِنْ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالْفِسْقِ وَالْمُجَازَفَةِ لِسَوْقِ الْحِكَايَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْكُفْرِ فِي أَنْوَاعٍ
стр. 1138
مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا فَإِنْ كَانَتْ أُصُولُهَا كُلُّهَا مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ فَقَدْ خَسِرْت صَفْقَتَك وَضَاعَ عُمُرُك فِي الضَّلَالِ وَالْهَذَيَانِ فَتَدَارَكْ مَا بَقِيَ مِنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَك فِي آخِرِ عُمُرِك، وَقَوْلُهُ عَنْ شَيْخِهِ وَاَلَّذِي يُفْتِي بِهَا يُقَلِّدُ مَنْ قَالَهَا وَلَا جَرْحَ وَلَا إثْمَ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْ شُرُوطِ الْإِفْتَاءِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِنْ عِنْدِهِ بِحَسَبِ مَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ إذْ لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ إلَّا بِالصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ بُطْلَانِ الدَّوْرِ وَقَدْ تَبِعَهُمَا الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَسُوغُ الْإِفْتَاءُ بِخِلَافِهِ وَمَنْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ - لَا سِيَّمَا بِصِحَّةِ الدَّوْرِ - كَانَ آثِمًا فَاسِقًا كَمَا مَرَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُلْقِي وَالْمُسْتَلْقِي يَعْرِفَانِ الْمَعْنَى يُقَالُ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُكَ ذَلِكَ فِي الْمُلْقِي بَاطِلٌ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْمُسْتَلْقِي الَّذِي هُوَ الزَّوْجُ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ عَامِّيًّا لَا يَعْرِفُ مَعْنَى الدَّوْرِ
وَإِنَّمَا يَعْرِفُ لَفْظَهُ عَلَّمَهُ لِمَنْ عَرَفَ مَعْنَاهُ فَقَالَهُ عَارِفًا مَعْنَاهُ صَحَّ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُلْقِي جَاهِلًا بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُلْقِيَ لَا يُدَارُ عَلَيْهِ حُكْمٌ حَتَّى يُشْتَرَطَ مَعْرِفَتُهُ لِمَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَقَوْلُهُ: إنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ طَلَاقٍ بَعْدَهُ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى جَهْلِك حَتَّى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذْ كَيْفَ تَصَوَّرْت أَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ طَلَاقٍ بَعْدَهُ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ رَدُّ النِّسْوَانِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ وَالظَّاهِرُ أَنَّك لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَبْلِهِ وَبَيْنَ بَعْدِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ عَنْك فَإِنَّ مَزِيدَ جَهْلِك وَغَبَاوَتِك يَقْضِي عَلَيْك بِأَنَّك لَا تَفْهَمُ ذَلِكَ وَلَا مَا هُوَ دُونَهُ فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ تَقُولَ بِشَرْطِ طَلَاقٍ قَبْلَهُ عَلَى أَنَّك لَوْ قُلْت ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ كَلَامُك أَيْضًا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُعَلَّقًا بِطَلَاقٍ قَبْلَهُ لَا يَقْتَضِي الدَّوْرَ وَإِنَّمَا الْمُقْتَضِي لِلدُّورِ كَوْنُهُ مُعَلَّقًا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ قَبْلَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا يَحْتَاجُ لِلثَّلَاثِ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّك لَا تَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا هُنَا، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَقَعْ الْمَشْرُوطُ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى مَزِيدِ جَهْلِهِ وَأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ، وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ تَقُولَ لَمْ يَقَعْ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا كَانَ الشَّرْطُ هُوَ قَوْلُهُ وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي وَالْمَشْرُوطُ قَوْلُهُ: فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَهَذَا الْمَشْرُوطُ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ فِي عِبَارَتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنْ أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ قَبْلَهُ لَمْ يَقَعْ الْمَشْرُوطُ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ هُوَ الْمَشْرُوطُ فَكَيْفَ يَقُولُ لَمْ يَقَعْ الْمَشْرُوطُ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الصَّوَابَ لَمْ يَقَعْ الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ الْمُنَجَّزُ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ. . . إلَخْ وَلَيْتَهُ إذْ كَانَ جَاهِلًا صِرْفًا أَخَذَ لَفْظَ الدَّوْرِ الَّذِي قَالَهُ الْأَئِمَّةُ وَسَطَّرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ لَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَوَقَعَ ثَلَاثٌ قَبْلَهُ وَلَوْ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ قَبْلَهُ لَمَا وَقَعَ هُوَ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ هُوَ لَمْ يَقَعْ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ فَيَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِهِ عَدَمُ وُقُوعِهِ وَإِذَا ظَهَرَ لَكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَا يُحْسِنُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ الدَّوْرِ بِلَفْظٍ مُطَابِقٍ لَهُ ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُ الْإِفْتَاءُ بِصِحَّتِهِ كَيْفَ يُعَلِّمُهُ لِلْعَوَامِّ وَيَأْمُرُهُمْ بِتَقْلِيدِ الْقَائِلِ بِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِمَعْنَاهُ وَقَدْ قَالَ هُوَ نَفْسُهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُلْقِي وَالْمُسْتَلْقِي عَارِفَيْنِ بِمَعْنَى الدَّوْرِ فَقَدْ قَضَى هَذَا الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجَهْلِ الْمُفْرِطِ وَالْحَمَاقَةِ الْمُجَاوِزَةِ لِلْحَدِّ وَالْغَبَاوَةِ الظَّاهِرَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ الْأَوْبَةَ وَيُخْلِصَ التَّوْبَةَ
وَيَرْجِعَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ فَرَطَاتِ الْجَهْلِ وَسَقَطَاتِ اللِّسَانِ، وَعَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ قُدْرَةٌ وَشَوْكَةٌ أَنْ يَمْنَعَ الْأَزْوَاجَ الَّذِينَ حَنِثُوا فِي أَيْمَانِهِمْ عَنْ نِسَائِهِمْ حَتَّى يَتَحَلَّلْنَ لَهُمْ تَحْلِيلًا شَرْعِيًّا سَوَاءٌ كَانُوا أَلْقَوْا عَلَيْهِنَّ إطْلَاقَ الدَّوْرِ أَمْ لَا لِمَا تَقَرَّرَ لَك الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْقَائِلِينَ بِهِ وَأَنَّ التَّقْلِيدَ فِي ذَلِكَ إثْمٌ وَفُسُوقٌ وَأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِذَلِكَ قَاضٍ نُقِضَ حُكْمُهُ وَرُدَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِبُطْلَانِ الدَّوْرِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الرَّجْعَةِ]
(وَسُئِلَ) هَلْ لِلْمُعَاشِرِ لِرَجْعِيَّتِهِ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ عَمَلًا بِعَدَمِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا اعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ
стр. 1139
أَوْ لَا كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ وَالْإِرْشَادِ وَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَمَاتَا، أَوْ أَحَدُهُمَا فَهَلْ يَحْكُمُ بِالتَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِمَا أَطَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ وَمَعَ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمَا لِإِثْمِهِمَا الْعَظِيمِ بِمُعَاشَرَتِهِ لَهَا كَالزَّوْجَةِ مَعَ عَدَمِ رَجْعَتِهِ لَهَا فَاسْتَحَقَّ أَنْ يُعَامَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنَقِيضِ قَصْدِهِ مِنْ بَقَاءِ حُكْمِ الْعِدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ بَقَائِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَا ذَلِكَ كَالرَّجْعَةِ وَالْإِرْثِ لَوْ مَاتَ هُوَ، أَوْ هِيَ وَغَيْرُهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الظِّهَارِ]
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَبِعُلُومِهِ عَمَّنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا عَقِبَ الظِّهَارِ شِرَاءً لَا يَصِيرُ بِهِ عَائِدًا ثُمَّ فَسَخَ الشِّرَاءَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ فَهَلْ يَكُونُ عَائِدًا بِالْفَسْخِ أَمْ لَا بُدَّ بَعْدَهُ مِنْ مُضِيِّ زَمَنٍ تُمْكِنُ فِيهِ الْفُرْقَةُ وَلَمْ يُفَارِقْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ زَمَنٍ بَعْدَ الْفَسْخِ يُمْكِنُ فِيهِ الطَّلَاقُ سَوَاءٌ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ وَالْخِيَارُ لَهُ ثُمَّ فَسَخَ الْبَيْعَ بَقِيَ نِكَاحُهُ لِضَعْفِ مِلْكِهِ الثَّابِتِ لَهُ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لَهُ وَحْدَهُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهَا بِالشِّرَاءِ آيِلَةٌ إلَى دَفْعِ النِّكَاحِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْفَسْخِ وَتَكْلِيفُهُ إيقَاعَ طَلَاقٍ تُحْتَمَلُ صِحَّتُهُ بِتَقْدِيرِ الْفَسْخِ وَعَدَمُهَا بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ فَإِفْتَاءُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُضِيِّ ذَلِكَ الزَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ قَطْعُ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ فَسْخُ الْبَيْعِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَرَّرْته، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْعِدَدِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ امْرَأَةٍ شَكَّتْ فِي كَوْنِهَا حَامِلًا قَبْلَ الْفِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ وَقُلْنَا إنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ إلَى أَشْهُرِ الْحَمْلِ فَمِنْ أَيْنَ ابْتِدَاؤُهَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ مَنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ، أَوْ بِالْأَشْهُرِ وَهِيَ مُرْتَابَةٌ بِالْحَمْلِ لِمَا تَجِدُهُ مِنْ نَحْوِ ثِقَلٍ، أَوْ حَرَكَةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْكِحَهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ لَزِمَتْهَا بِيَقِينٍ فَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، فَإِنْ نَكَحَتْ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا أَيْ: فِي الظَّاهِرِ حَتَّى لَوْ بَانَ عَدَمُ الْحَمْلِ صَحَّ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا، أَمَّا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ ارْتَابَتْ فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
وَإِنَّمَا صَحَّ الْحُكْمُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ظَاهِرًا فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ تَأْتِ بِوَلَدٍ، أَوْ أَتَتْ بِهِ لَكِنَّهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ أَمَّا إذَا أَتَتْ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ فَإِنَّا نَتَبَيَّنُ بُطْلَانَ النِّكَاحِ الثَّانِي وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِالْأَوَّلِ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ فِي امْرَأَةٍ شَكَّتْ. . . إلَخْ وَإِيضَاحُهُ أَنَّ شَكَّهَا فِي الْحَمْلِ قَبْلَ الْفِرَاقِ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى شَكِّهَا فِيهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهُ فَفِي الْحَالِ الثَّانِي يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَفِي الْحَالِ الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا حَتَّى يَزُولَ الشَّكُّ مَا لَمْ يَمْضِ أَرْبَعُ سِنِينَ فَأَكْثَرُ مِنْ وَقْتِ إمْكَانِ الِاجْتِمَاعِ قُبَيْلَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ لَمْ يَلْحَقْ الْوَلَدُ الْمُطَلِّقَ فَلَا وَجْهَ لِتَرَبُّصِهَا حِينَئِذٍ بِلَا نِكَاحٍ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْعِدَّةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ انْقِضَاؤُهَا عَلَى انْفِصَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا مَا دَامَتْ شَاكَّةً لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ حَمْلَهَا مِنْ ذِي الْعِدَّةِ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ فَوَجَبَ التَّرَبُّصُ حَتَّى تَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْمُعْتَدَّةِ إذَا اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ وَفِي الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ بَيْتٌ آخَرُ فِي أَعْلَاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ وَمَعَ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ لَا يُفَارِقُهَا وَالدُّخُولُ إلَى الْبَيْتِ الْأَعْلَى مِنْ بَابِ بَيْتِ الْمَرْأَةِ هَلْ يَجُوزَ لِصَاحِبِهَا أَيْ الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا وَيَسْلَمُ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَإِنَّ الْبَيْتَ بَعِيدٌ عَنْ مَنْزِلِهَا بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يَسْمَعُهَا إذَا تَكَلَّمَتْ أَيْ الْمُعْتَدَّةُ أَمْ لَا يَجُوزُ وَهَلْ إذَا أَوْفَتْ الْعِدَّةَ وَكَانَتْ الطَّلْقَةُ الْأُولَى لَهَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ
стр. 1140
الزَّوْجُ الْأَوَّلُ فِي نِكَاحِهَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ بَعْضُ اطِّلَاعٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَكُونُ أَهْلًا لِلتَّحْكِيمِ أَمْ لَا يَجُوزُ اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ وَلَوْ أَعْمَى مُسَاكَنَةُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ مَا لَمْ تَتَّسِعْ الدَّارُ وَسَكَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي حُجْرَةٍ مِنْهَا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْكُنَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي حُجْرَةٍ بِشَرْطِ.
أَنْ تَتَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْأُخْرَى بِمَرَافِقَ كَمَطْبَخٍ وَمُسْتَرَاحٍ وَبِئْرٍ وَمَمَرٍّ وَمِصْعَدٍ لِلسَّطْحِ وَأَنْ يُغْلَقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ بَابٍ، أَوْ يُسَدَّ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَمَرُّ أَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى فَإِنْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إلَّا إنْ كَانَ هُنَاكَ مَحْرَمٌ لَهَا، أَوْ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ وَيَكْفِي الْمُرَاهِقُ الْمُتَيَقِّظُ وَيُغْنِي عَنْهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ يَحْتَشِمُهَا لِحَيَاءٍ، أَوْ خَوْفٍ. هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ فِي الدَّارِ زِيَادَةٌ عَلَى سُكْنَى مِثْلِهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ مُسَاكَنَتُهَا مُطْلَقًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ عَنْهَا وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ قَرِيبٌ، أَوْ مُعْتَقٌ يُزَوِّجُهَا وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَاكِمٌ يُزَوِّجُهَا جَازَ لَهَا أَنْ تُحَكِّمَ عَدْلًا فِي تَزْوِيجِهَا مِنْ كُفْءٍ سَوَاءٌ مُطَلِّقُهَا وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ وَهِيَ مُرْتَابَةٌ بِالْحَمْلِ حَرُمَ نِكَاحُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ زَوَالُ الرِّيبَةِ هَلْ هُوَ انْقِضَاءُ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ كَمَا تَقْتَضِيهِ الْعِلَّةُ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ مُوَضَّحًا وَلَكُمْ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الرِّيبَةَ بِالْحَمْلِ مَتَى كَانَتْ لِقَرِينَةٍ كَثِقَلٍ وَحَرَكَةٍ اُعْتُبِرَ زَوَالُ تِلْكَ الْقَرِينَةِ فَإِذَا زَالَتْ زَالَ سَبَبُ الرِّيبَةِ فَيَجُوزُ نِكَاحُهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا أَكْثَرُ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الرِّيبَةُ وَهِيَ إنَّمَا تَنْشَأُ عَنْ قَرِينَةٍ فَإِذَا زَالَتْ تِلْكَ الْقَرِينَةُ زَالَتْ الرِّيبَةُ وَانْتَفَى الْمَانِعُ وَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ الْحَمْلِ وَإِنْ زَالَتْ تِلْكَ الْقَرِينَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَكَانَ الْقِيَاسُ تَقْدِيمَ هَذَا الْأَصْلِ عَلَى تِلْكَ الْقَرِينَةِ وَأَنْ لَا يُلْتَفَتَ إلَيْهَا لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْأَصْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى الْعِيَانِ وَهَذَا كَذَلِكَ لَكِنَّ مَزِيدَ الِاحْتِيَاطِ لِلْإِبْضَاعِ الَّذِي كَثُرَ تَشَوُّفُ الشَّارِعِ إلَيْهِ أَوْجَبَ تَقْدِيمَ الظَّاهِرِ هُنَا عَلَى الْأَصْلِ مُطْلَقًا فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ الظَّاهِرُ بِزَوَالِ سَبَبِهِ مِنْ نَحْوِ الثِّقَلِ وَالْحَرَكَةِ عَمِلَ الْأَصْلُ عَمَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ حِينَئِذٍ فَاتَّضَحَ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِزَوَالِ الرِّيبَةِ زَوَالُ سَبَبِهَا الْمُوجِبِ لَهَا لَا تَيَقُّنُ خُلُوِّ الْجَوْفِ عَنْ الْوَلَدِ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ، أَوْ الْأَشْهُرِ وَهِيَ مُرْتَابَةٌ بِالْحَمْلِ حَرُمَ نِكَاحُهَا عَلَى آخَرَ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَزِمَتْهَا بِيَقِينٍ فَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ قُلْت: لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْيَقِينِ زَوَالُ التَّرَدُّدِ بِزَوَالِ سَبَبِهِ الَّذِي قَدَّمْته لَا الْيَقِينُ الْعَقْلِيُّ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُهُمْ تَعْبِيرُ الشَّيْخَيْنِ بِقَوْلِهِمَا فَإِنْ نُكِحَتْ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ لِلتَّرَدُّدِ فِي انْقِضَائِهَا.
فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُبْطِلَ هُوَ التَّرَدُّدُ فَحَيْثُ وُجِدَ الْأَمَارَةُ مَنَعَ صِحَّةَ النِّكَاحِ وَحَيْثُ انْتَفَى لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الْأَمَارَةِ صَحَّ النِّكَاحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ زَيْنِ الدِّينِ الْمَرَاغِيِّ فِي تَكْمِلَةِ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ إذَا قَالَتْ لَنَا امْرَأَةٌ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَجَبَ أَنْ نَسْأَلَهَا عَنْ حَالِهَا كَيْفَ الطُّهْرُ وَالْحَيْضُ وَنُحَلِّفُهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ هَلْ يُحَلِّفُهَا الْمُنْكِحُ أَمْ يَخْتَصُّ التَّحْلِيفُ بِالْحَاكِمِ وَكَيْفَ صُورَةُ التَّحْلِيفِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ مِنْ وُجُوبِ السُّؤَالِ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِيمَنْ يَعْلَمُ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهَا أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مَعْنَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ بِخِلَافِ الْمُخَالِطَةِ لِلْعَارِفِينَ بِذَلِكَ فَإِذَا قَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي بِالْأَقْرَاءِ مَثَلًا، أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَنَازَعَهَا الْمُطَلِّقُ مَثَلًا صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا وَإِنْ قَالَتْ انْقَضَتْ بِالْأَشْهُرِ صُدِّقَ هُوَ بِيَمِينِهِ وَيَجِبُ التَّحْلِيفُ عِنْدَ التَّنَازُعِ سَوَاءٌ اُتُّهِمَتْ أَمْ لَا وَعِنْدَ التَّنَازُعِ لَا يَكُونُ الْيَمِينُ إلَّا بَيْنَ يَدَيْ قَاضٍ، أَوْ مُحَكَّمٍ وَكَيْفِيَّتُهَا: وَاَللَّهِ إنِّي حِضْتُ ثَلَاثَ حِيَضٍ، أَوْ وَلَدْت، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَأَرَادَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَالَتْ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتِي بَعْدُ مِنْ الثَّانِي فَتَوَقَّفَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَعْنِي الْأَوَّلَ ثُمَّ ادَّعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ لَمْ يَطَأْهَا فَقَالَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ لَا أُصَدِّقُك؛ لِأَنَّك قُلْت حِينَ أَرَدْت نِكَاحَك لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتِي أَيْ مِنْ الثَّانِي فَقَالَتْ ظَنَنْت أَنَّ الْخَلْوَةَ وَاللَّمْسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَكْفِي فِي التَّحْلِيلِ
стр. 1141
فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهَا إنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ أَنْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ وَبَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ بِالْأَوَّلِ وَبَعْدَ مُضِيِّ التَّحْلِيلِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالْأَوَّلِ أَمْ بَعْدَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهَا ذَلِكَ قُبِلَ قَوْلُهَا وَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَتَحَلَّلَ مِنْهُ تَحْلِيلًا صَحِيحًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ فِي دَمِ النِّفَاسِ فَلَمَّا طَهُرَتْ مِنْ ذَلِكَ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ فَأَقَامَتْ مَعَهُ مُدَّةً يَسِيرَةً ثُمَّ نَشَزَتْ عَنْهُ إلَى بَيْتِ أَبِيهَا وَادَّعَتْ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بِهِ فِي الْعِدَّةِ وَأَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ وَأَرَادَتْ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَامْتَنَعَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْفَتْوَى حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ جَوَابُهَا فَهَلْ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَمْ لَا، وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى بِخَطِّ جَدِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فِي تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ إذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَمْ لَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّ الْعِدَّةَ كَانَتْ مُنْقَضِيَةً، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْ الْعَزِيزِ وَالرَّوْضَةِ لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً لَا يَعْلَمُ أَهِيَ مُعْتَدَّةٌ أَمْ لَا لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. اهـ. فَهَلْ مَا نَقَلَهُ جَدُّهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا مَكَّنَتْ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ الْمُخْتَارَةُ الزَّوْجَ مِنْ نَفْسِهَا ثُمَّ ادَّعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا إلَّا لِتَحْلِيفِهِ فَإِذَا حَلَفَ فَنِكَاحُهُ بَاقٍ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ وَلَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَمَتَى فَعَلَتْ ذَلِكَ تَرَتَّبَ التَّعْزِيرُ الشَّدِيدُ وَغَيْرُهُ مِمَّا لَا يَخْفَى وَمَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي عِدَّةِ زَوْجٍ ثُمَّ وَطِئَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ الزَّوْجِ وَشَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ أَرَادَ ذُو الشُّبْهَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَضِيَّةِ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ فِي بَابِ الْعِدَدِ وَلَا حَمْلَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِوَاحِدٍ مِمَّا سَبَقَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا أَنَّ لِذِي الشُّبْهَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ بَلْ هِيَ عَيْنُهَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَعْجَلَتْ حَيْضَهَا بِدَوَاءٍ فَهَلْ تَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهَا لَوْ اسْتَعْجَلَتْهُ لَمْ تَقْضِ صَلَاةَ أَيَّامِهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ فَسْخِ النِّكَاحِ بَعْدَ غَيْبَةٍ طَوِيلَةٍ هَلْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا حَالًا فَقَدْ وَجَدْنَا نَقْلًا يُنْسَبُ إلَى الْأُمِّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا فَسَخَتْ النِّكَاحَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا التَّزَوُّجُ فِي الْحَالِ فَهَلْ هَذَا النَّقْلُ صَحِيحٌ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَعَاذَ اللَّهُ أَنْ يَصِحَّ هَذَا النَّقْلُ بِإِطْلَاقِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا فَضْلًا عَنْ إمَامِهِمْ بَلْ إمَامُ الْأَئِمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَإِنَّمَا مَحَلُّ ذَلِكَ أَنَّ فَرْضَ وُجُودِهِ فِي الْأُمِّ عَلَى فَسْخٍ وَقَعَ قَبْلَ الْوَطْءِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ اسْتِدْخَالِ الْمَنِيِّ الْمُحْتَرَمِ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْفَسْخُ بَعْدَ الْوَطْءِ، أَوْ نَحْوِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِدَّةٍ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا قَبْلَهُ غَيْبَةً طَوِيلَةً وَلَيْسَ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ مَذْهَبِنَا، بَلْ غَيْرُنَا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ قَائِلُونَ بِذَلِكَ وَهَذَا ظَاهِرٌ جَلِيٌّ لَا يَحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ الْبَارِزِيُّ مِنْ أَنَّ ذَاتَ الْقُرْءِ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا تَتَزَوَّجَ بَعْدَ أَنْ تَتَرَبَّصَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ هَلْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بَيْتُ الْمَالِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي غَيْرِهِ بَلْ يُنْظَرُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَإِنْ قَالَ بِهَا مُجْتَهِدٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا جَازَ تَقْلِيدُهُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَسُئِلَ) فِي الرَّوْضَةِ فِي النِّكَاحِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مُسْتَحَبَّةٌ وَفِي الْعِدَدِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَمَا الْمُعْتَمَدُ؟ ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْأَوَّلَ فِيمَا إذَا ادَّعَتْ ذَلِكَ لَا عَلَى الزَّوْجِ بَلْ لِتَتَزَوَّجَ فَهِيَ مُؤْتَمَنَةٌ وَلَا مُنَازِعَ لَهَا فَسُنَّ تَحْلِيفُهَا، وَالثَّانِي فِيمَا إذَا نَازَعَهَا الزَّوْجُ فَيَجِبُ تَحْلِيفُهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ امْرَأَةٍ طَلُقَتْ فَلَزِمَهَا أَرْبَعُ عِدَدٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هِيَ أَمَةٌ لَمْ تَبْلُغْ اعْتَدَّتْ بِالْأَشْهُرِ فَحَاضَتْ أَثْنَاءَهَا فَانْتَقَلَتْ لِلْأَقْرَاءِ فَعَتَقَتْ فَانْتَقَلَتْ لِعِدَّةِ الْحَرَائِرِ فَمَاتَ الزَّوْجُ فَانْتَقَلَتْ لِعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1142
[بَابُ الْقَذْفِ وَاللِّعَانِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي شَخْصَيْنِ تَخَاصَمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ يَا مَأْبُونُ يَا مُخَنَّثُ يَا فَرْخَ الزِّنَا يَا وَلَدَ الزِّنَا وَعَنْ شَخْصٍ قَالَ لِشَاهِدَيْنِ اشْهَدَا عَلَيَّ إذَا أَبْرَأَتْنِي زَوْجَتِي فُلَانَةُ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَغَيْرِهَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا مُطْلَقًا فَهِيَ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً فَذَكَرَا لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ بِصَرِيحِ لَفْظِهَا هُوَ الْبَرِيءُ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ شَيْءٍ فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا لِكَوْنِهِ عَلَّقَ عَلَى مَجْهُولٍ وَأَبْرَأَتْ مِنْ مَجْهُولٍ وَإِذَا قُلْتُمْ يَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَةً وَلَا إبْرَاءَ فَهَلْ يَكُونُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْأُبْنَةُ دَاءٌ يَحْدُثُ فِي أَسَافِلِ الْمَعِدَةِ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ أَفْعَالٌ خَبِيثَةٌ غَالِبًا وَحِينَئِذٍ فَمَأْبُونٌ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْقَذْفِ بَلْ كِنَايَة فِيهِ وَكَذَلِكَ مُخَنَّثٌ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ ذُو الْخُنُوثَةِ فُتِحَتْ نُونُهُ أَوْ كُسِرَتْ وَهِيَ التَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ الْمُحْتَمِلُ لَمَا هُوَ قَذْفٌ وَغَيْرُهُ فَيَكُونُ كِنَايَةً أَيْضًا وَأَمَّا فَرْخٌ فَهُوَ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِ النَّاسِ بِمَعْنَى وَلَدِ الزِّنَا وَلَيْسَ ذَلِكَ مَفْهُومَهُ وَضْعًا وَلَا عُرْفًا عَامًّا بَلْ وَلَا هُوَ أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِهِ الْوَضِيعَةِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكِنَايَةٍ لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّهَا عَلَيْهِ لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ التَّعْزِيرُ كَأَحَدِ الْأَوَّلَيْنِ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الْقَذْف وَأَمَّا وَلَدُ الزِّنَا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي قَذْفِ الْأُمِّ فَيُحَدُّ لَهَا حَدَّ الْقَذْفِ وَلَيْسَ فِيهِ قَذْفٌ وَلَا سَبٌّ لِلْأَبِ وَالْمُعَلِّقُ عَلَى الْبَرَاءَةِ إلَّا أَطْلَقَ أَوْ أَرَادَ الْبَرَاءَةَ الصَّحِيحَةَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ وَإِنْ أَرَادَ تَلَفُّظَهَا بِالْبَرَاءَةِ طَلَقَتْ رَجْعِيًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا شَيْطَانُ هَلْ يُعَزَّرُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ أَرَادَ تَشْبِيهَهُ بِهِ فِي الْفَسَادِ عُزِّرَ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ مَا نَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا تَعْزِيرَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى الْحَذْقِ وَجَوْدَةِ الْفَهْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَثَبَتَ افْتِرَاشُهُ لَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ ثُبُوتِ افْتِرَاشِهَا أَوْ لَا؟ فَهَلْ يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ بِذَلِكَ وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إلَّا بِاللِّعَانِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرِ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِذَلِكَ فَمِنْ أَيْنَ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؟ فَإِنَّ بَعْضَ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ مِنْ أَهْلِ جِهَتِنَا أَفْتَى بِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ الزَّوْجَ شَرْعًا إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرِ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ.
فَقَالَ أَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي أَوَائِلَ كِتَابِ اللِّعَان مِنْ الرَّوْضَةِ فِي أَثْنَاءِ فَصْلٍ وَهَذَا نَصُّ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ الَّتِي فَهِمَ مِنْهَا الْمُفْتِي ذَلِكَ وَإِذَا لَمْ تَعْرِفْ وَقْتَ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لَمْ يَلْحَقْ بِهِ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ عَلَى فِرَاشِهِ وَالْإِمْكَانُ لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهَا وَلَدَتْهُ فِي نِكَاحِهِ لِزَمَانِ الْإِمْكَانِ اهـ لَفْظُ الرَّوْضَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْمَمْلُوكِ وَجْهُ مَا أَفْتَى بِهِ هَذَا الْفَقِيهُ الْمَذْكُورُ وَلَا أَخَذَ الْمَسْأَلَةَ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ بَلْ يَظْهَرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي كَلَامِ الرَّوْضَةِ غَيْرُ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ بَعْضَ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ الْمَوْجُودِينَ الْآنَ مِنْ أَهْلِ زُبَيْدٍ أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي جَوَابٍ لَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَحَاصِلُ جَوَابِهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ الزَّوْجَ عِنْدَ جَهْلِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَلَفْظُهُ فِي آخِرِ جَوَابِهِ وَإِذَا جَهِلَتْ الْمُدَّةَ فَلَمْ يَدْرِ هَلْ وَلَدَتْهُ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ أَوْ لِدُونِهَا قَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ.
فَهَذِهِ لَمْ أَرَهَا مَنْقُولَةً وَلِلنَّظَرِ فِيهَا مَجَالٌ وَلَعَلَّ الْأَرْجَحَ أَنَّهُ يَلْحَقُ لِثُبُوتِ كَوْنِهَا فِرَاشًا ثُمَّ سَاقَ كَلَامًا آخَرَ لِلْبُلْقِينِيِّ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَمَا الرَّاجِحُ يَا سَيِّدِي فِي ذَلِكَ وَمَا الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَيُعْتَمَدُ فِيهَا مِنْ الْجَوَابَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بَيَّنُوا لَنَا ذَلِكَ وَأَوْضِحُوهُ لَا زِلْتُمْ مَصَابِيحَ الظَّلَامِ وَهُدَاةَ الْأَنَامِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ قَدْ تَعَقَّبْت وَتَصَفَّحْت عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيَّامًا حَتَّى رَأَيْت فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَاب أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ إلَّا إنْ ثَبَتَتْ وِلَادَتُهُ عَلَى فِرَاشِهِ لِزَمَانِ الْإِمْكَانِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَانِ مِنْ حِينِ إمْكَانِ الِاجْتِمَاع بَعْدَ النِّكَاحِ وَعِبَارَة النَّصِّ وَلَوْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا فَقَالَ لَيْسَ هَذَا بِابْنِي فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ حَتَّى يُفَسِّر فَإِنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ قَذْفَهَا وَلَمْ تَلِدُهُ مِنِّي أَوْ وَلَدَتْهُ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ قَبْلِي وَعَرَفَ نِكَاحَهَا قَبْلَهُ فَلَا يَلْحَقُهُ إلَّا بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ
стр. 1143
يَشْهَدْنَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ وَهِيَ زَوْجَةٌ لَهُ وَلِوَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ فِيهِ مِنْهُ لِأَقَلِّ الْحَمْلِ وَإِنْ سَأَلَتْ يَمِينَهُ أَحَلَفْنَاهُ وَبَرِئَ فَإِنْ نَكَلَ أَحَلَفْنَاهَا وَلَحِقَهُ وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ لَمْ يَلْحَقْهُ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي وَلَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ وَلَمْ أُصِبْهَا قِيلَ لَهُ قَدْ تَخَطَّى فَلَا يَكُونُ حَمْلًا وَيَكُونُ صَادِقًا وَهِيَ غَيْرُ زَانِيَةٍ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ فَمَتَى اسْتَيْقَنَا أَنَّهُ حَمْلٌ قُلْنَا لَهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَأْخُذَ نُطْفَتَك فَتُدْخِلُهَا فَتَحْمِلُ مِنْكَ فَتَكُونُ صَادِقًا بِأَنَّك لَمْ تُصِبْهَا وَهِيَ صَادِقَةٌ بِأَنَّهُ وَلَدُك وَإِنْ قُذِفَتْ لَاعَنَتْ وَإِنْ نَفَى وَلَدَهَا وَقَالَ لَا أُلَاعِنُهَا وَلَا أَقْذِفُهَا لَمْ يُلَاعِنْهَا وَلَزِمَهُ الْوَلَدُ
وَإِنْ قَذَفَهَا لَاعَنَهَا لِأَنَّهُ إذَا لَاعَنَهَا بِغَيْرِ قَذْفٍ فَإِنَّمَا يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ تَلِدْهُ وَقَدْ عَلِمَتْ بِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ اللِّعَانَ بِالْقَذْفِ فَلَا يَجِبُ بِغَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ لَمْ تَزْنِ وَلَكِنَّهَا غَصَبَتْهُ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ إلَّا بِاللِّعَانِ فَإِذَا الْتَعَنَ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَلَا يَلْحَقُهُ إلَّا بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ يَشْهَدْنَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ وَهِيَ زَوْجَةٌ لَهُ وَلِوَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ فِيهِ مِنْهُ لِأَقَلِّ الْحَمْلِ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ طُرُقِ الْحَصْرِ تَجِدهُ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ إلَّا إنْ ثَبَتَتْ وِلَادَتُهُ عَلَى فِرَاشِهِ لِزَمَنِ الْإِمْكَانِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُشْتَمِلٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ قَالَ عَقِبَهُ وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا سُئِلَ فَقَالَ لَمْ أُرِدْ قَذْفَهَا وَإِنَّمَا الْتَقَطَتْهُ أَوْ اسْتَعَارَتْهُ وَلَمْ تَلِدْ عَلَى فِرَاشِي فَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ بِالْوِلَادَةِ عَلَى فِرَاشِهِ وَهِيَ شَاهِدَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ أَرْبَع نِسْوَة وَلَوْ طَلَبَتْ يَمِينه أُحْلِفَ فَإِنْ حَلَفَ فَذَاكَ وَإِنْ نَكَلَ أُحْلِفَتْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِهِ: فَتَحْلِفُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ عَلَى فِرَاشِهِ لَا عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهَا وَلَا يَنْتَفِي وَإِنَّمَا التَّدَاعِي بَيْنَهُمَا فِي الْوِلَادَةِ عَلَى الْفِرَاشِ وَفِي أَنَّهَا وَلَدَتْهُ أَمْ لَا وَلِذَا إنَّمَا يَحْلِفُ الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهَا لَمْ تَلِدْهُ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ وَلَمْ يَذْكُر ابْنُ الْعِمَادِ الرَّافِعِيِّ غَيْرَهُ وَقَالَ الْفُورَانِيُّ إنْ نَفَى وِلَادَتَهُ عَلَى فِرَاشِهِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَإِنْ قَالَ لَيْسَ هُوَ بِوَلَدٍ لِي حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ ثُمَّ إنَّمَا يَلْحَقُهُ إذَا حَلَفَتْ عَلَى الْوِلَادَةِ بِشَرْطِ الْإِمْكَانِ فَإِنْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يُحْلِفْهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُدُوثُهُ عَلَى الْفِرَاشِ أَيْ وَلِأَنَّ يَمِينَ الرَّدِّ لَا تُرَدُّ اهـ.
الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ شَرْحًا لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ ثُمَّ إنَّمَا يَلْحَقُهُ إذَا حَلَفَتْ عَلَى الْوِلَادَةِ بِشَرْطِ الْإِمْكَانِ تَجِدُهُ مُصَرِّحًا بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا صَرَّحَ بِهِ النَّصُّ وَهُوَ مَا ذَكَرْته أَوَّلًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَيْضًا الثَّانِيَةُ أَيْ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ الْمَذْكُورُ إذَا قَالَ لَمْ أُرِدْ قَذْفَهَا بَلْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنِّي بَلْ مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلِي فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَاذِفًا وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ كَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَجَمَاعَةُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ كَالْبَنْدَنِيجِيِّ وَسُلَيْمٌ فِي الْمُجَرَّدِ وَالتَّقْرِيبِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَنَصَّ الْمَقْدِسِيُّ فِي التَّهْذِيبِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَ ذَلِكَ قِيلَ هَذَا الْبَيَانُ غَيْرُ مَقْبُول فَبَيَّنَهُ بِمَا يُمْكِنُ لِيُقْبَل وَإِنْ عُرِفَ لَهَا زَوْجٌ فَإِمَّا أَنْ يُعْرَفَ وَقْتُ طَلَاقِهِ وَعَقْدُ الثَّانِي وَوَقْتُ الْوِلَادَةِ، أَوْ لَا يُعْرَفُ فَإِنْ عَرَفْنَا جَمِيعَ ذَلِكَ فَإِنْ أَمْكَنَ إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ أُلْحِقَ بِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمَا عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ أَيْ عَلَى قَوْلِ الْأَصَحِّ خِلَافُهُ وَهُوَ أَنَّهُ لِلثَّانِي لِانْقِطَاعِ فِرَاشِ الْأَوَّلِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْعِدَدِ وَإِنْ جُهِلَ وَقْتُ طَلَاقِ الْأَوَّلِ وَعَقْدُ الثَّانِي وَوَقْتُ الْوِلَادَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ وَفِي كَيْفِيَّتِهَا وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي أَحَدُهُمَا يَحْلِفُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَالثَّانِي أَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِزَمَانٍ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ مِنْهُ أَيْ فَتُخَيِّرُهُ بَيْنَهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يُعْتَرَضُ لِكَوْنِهِ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَإِذَا حَلَفَ انْتَفَى عَنْهُ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ كَمَا سَبَقَ عَنْ نَصِّهِ اهـ.
الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ قَوْلَ أُولَئِكَ الْأَئِمَّةِ الْمَاوَرْدِيُّ وَمَنْ مَعَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَهُ قِيلَ هَذَا الْبَيَانُ إلَخْ أَيْ: قَوْلُك لَيْسَ مِنِّي مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تُبَيِّنَ سَبَبَ انْتِفَائِهِ
стр. 1144
عَنْ فِرَاشِك مِنْ عَدَمِ وِلَادَتِهِ عَلَيْهِ، أَوْ عَدَمِ إمْكَانِهِ مِنْك لِكَوْنِهَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ مُدَّةِ أَقَلّ الْحَمْلِ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ حَتَّى تُقْبَلَ دَعْوَاك أَنَّهُ لَيْسَ مِنْك فَإِذَا فَهِمَتْ أَنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ كَانَ كَلَامُهُمْ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ لِدُونِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ يُقْبَلُ وَعَلَى الْمَرْأَةِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِزَمَنِ الْإِمْكَانِ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا قَوْلَهُمْ الْمُوَافِق لِعِبَارَةِ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ وَعِبَارَة أَصْلِهَا أَظْهَرُ مِنْ عِبَارَتِهَا فِي ذَلِكَ إذَا جَهِلَ وَقْتَ طَلَاق الْأَوَّلِ وَوَقْت عَقْدِ الثَّانِي وَوَقْتَ الْوِلَادَة فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، أَوْ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِزَمَانِ يَسْتَحِيلُ كَوْنه مِنْهُ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا وَوَجْهُ صَرَاحَتِهِ أَنَّ فِرَاشَ الْأَوَّلِ قَدْ انْقَطَعَ بِالنِّكَاحِ الثَّانِي كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَالْفِرَاشُ لَيْسَ إلَّا لِلثَّانِي وَقَدْ جَهِلْنَا أَنَّ وِلَادَةَ هَذَا الْوَلَد عَلَيْهِ لِزَمَنٍ يُمْكِنُ كَوْنه مِنْهُ، أَوْ لَا فَيُصَدَّقُ حِينَئِذٍ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، أَوْ فِي أَنَّهُ وُلِدَ لِزَمَنٍ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لِدُونِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ مَثَلًا فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُدَّةَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْوِلَادَةِ إذَا جُهِلَتْ لَا تَكُونُ الْوِلَادَةُ عَلَى الْفِرَاشِ سَبَبًا لِلْإِلْحَاقِ بِذِي الْفِرَاشِ إلَّا إنْ ثَبَتَتْ أَنَّهَا لِمُدَّةِ أَقَلِّ الْحَمْلِ فَأَكْثَرُ وَصَرَاحَةُ مَا تَقَرَّرَ ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ لَا تَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْته وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ الَّتِي فِي السُّؤَالِ شَرْحُهَا مَا ذَكَرْته بِقَوْلِي عَنْهُمْ إذَا جَهِلَ وَقْتَ طَلَاق الْأَوَّلِ وَوَقْتَ عَقْدِ الثَّانِي وَوَقْتَ الْوِلَادَةِ إلَخْ وَعِبَارَةُ أَصْلهَا أَظْهَرُ فِي ذَلِكَ مِنْ عِبَارَتهَا وَهِيَ وَإِذَا لَمْ نَعْرِفْ وَقْتَ فِرَاقِ الْأَوَّلِ وَنِكَاحِ الثَّانِي فَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ بِهِ لِأَنَّ الْوَلَدَ عَلَى فِرَاشِهِ وَحُصُولُ الْإِمْكَانِ شَرْطٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا وَلَدَتْهُ فِي نِكَاحِهِ لِزَمَانِ الْإِمْكَان أَيْ فَحِينَئِذٍ يَلْحَقُهُ وَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُحْصَنَاتُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَلَهَا تَحْلِيفُهُ فَإِنْ نَكَلَ تَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ انْتَهَتْ مُلَخَّصَةً
وَقَوْلُهُ: فَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ بِهِ أَيْ بِالثَّانِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ وَقَوْله لِأَنَّ الْوَلَدَ إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّ إمْكَانَ الْوِلَادَةِ مِنْهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَهَذَا نَصُّ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلِمْت أَنَّ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرَهُمَا قَرَّرُوا أَنَّ الْوَلَدَ عَلَى فِرَاشِ الثَّانِي وَأَنَّ حُصُولَ الْإِمْكَانِ مَعَ كَوْنِ الْوَلَدِ عَلَى الْفِرَاش شَرْطٌ فِي لُحُوقِهِ بِذَلِكَ الْفِرَاشِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْإِمْكَانَ الْمُشْتَرَطَ عِنْدَ الْجَهْلِ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَد وَإِنْ كَانَ عَلَى فِرَاشِهِ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا قَدَّمْته عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمُوَافِقِ لِمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ جِهَةِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمَا وَبِمَا قَرَّرَتْهُ فِيهِ عَلِمْت دَلَالَتَهُ الْوَاضِحَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ تَعَارَضَ هُنَا فِرَاشَانِ فَإِذَا نُفِيَ عَنْ الثَّانِي كَمَا ذَكَرَ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ بِخِلَافِ صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ فِرَاش الزَّوْجِ ضَيَاعُ نَسَبِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ لَهُ مَا أَمْكَنَ قُلْت إذَا تَأَمَّلْت قَوْلَهُمْ السَّابِقَ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَتَعَرَّضُ لِكَوْنِهِ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ عَلِمْت أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ خَيَالٌ لَا اعْتِبَارَ بِهِ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ جَهِلَ وَقْت طَلَاقِ الْأَوَّلِ فَالْإِلْحَاقُ بِهِ مُسْتَحِيلٌ لِلْجَهْلِ بِوَقْتِ طَلَاقِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ الِانْتِفَاءِ عَنْ الثَّانِي هُنَا الْإِلْحَاقُ بِالْأَوَّلِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَسَاوَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ صُورَةَ السُّؤَالِ فِي أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْ ذِي الْفِرَاشِ فِيهِمَا وَإِنْ شَاعَ نَسَبُهُ وَقَدْ صَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ لِلُّحُوقِ بِالْفِرَاشِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ قَالُوا لَوْ قَالَ هَذَا وَلَدِي مِنْ أَمَتِي وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِي فَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ فَإِنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ لَا بِالْإِقْرَارِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِمْكَانُ وَإِنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً فَالْوَلَدُ لِلزَّوْجِ عِنْدَ إمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُ صَرَائِحُ بَيِّنَةٌ فِي أَنَّ الْفِرَاشَ وَحْدَهُ لَيْسَ بِكَافٍ فِي الْإِلْحَاقِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ تَحَقُّقِ إمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ لِمَا عَلِمْت مِنْ عِبَارَاتِهِمْ هَذِهِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ وَالشُّرُوطُ لَا بُدَّ مِنْ تَيَقُّنِهَا أَوْ ظَنِّهَا الْمُسْتَصْحَبِ بَعْدَ تَيَقُّنِ وُجُودِهَا وَعِنْدَ وُجُودِ الْفِرَاشِ وَالشَّكِّ فِي أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ
أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مُوجِبُ الْإِلْحَاقِ أَصْلًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْفِرَاشَ وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ وَأَنَّ الْإِمْكَانَ عِنْدَ الشَّكِّ غَيْرُ مَوْجُودٍ يَقِينًا وَلَا ظَنَّا وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُمْ الْقَاعِدَةُ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ الشَّكُّ فِي الشَّرْطِ لَا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ وَالْمُرَادُ الشَّكُّ فِي أَصْلِ وُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَمَا نَقَلَهُ فِي السُّؤَالِ
стр. 1145
عَنْ السَّيِّدِ السَّمْهُودِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَجِيبٌ مَعَ سَعَةِ اطِّلَاعِهِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ كَمَا عَلِمْت مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَصْحَاب رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ هِيَ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ أَيْضًا كَالتَّنْبِيهِ وَعِبَارَته بَابُ مَا يَلْحَقُ مِنْ النَّسَبِ وَمَا لَا يَلْحَق وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ لَحِقَهُ نَسَبُهُ وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إلَّا بِاللِّعَانِ وَفَسَّرَ شُرَّاحَهُ ابْن الرِّفْعَةِ وَابْن النَّقِيبِ وَغَيْرُهُمَا زَمَنَ الْإِمْكَانِ بِمَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ وِلَادَتُهُ لِأَقَلّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَالزَّوْجُ مِمَّنْ يُحْبِلُ وَأَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُ بِالزَّوْجَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ أَيْ وَلَا نَظَرَ لِإِمْكَانِ وِلَادَته لِأَقَلّ مِدَّةِ الْحَمْلِ وَالزَّوْجُ مِمَّنْ يُحْبِلُ وَأَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُ بِالزَّوْجَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ أَيْ وَلَا نَظَرَ لِإِمْكَانِ اسْتِدْخَالِهَا مَنِيّه لِنُدْرَةِ الْحَبَلِ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ أَعْنِي التَّنْبِيهَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَيْ بِأَنْ تُوجَدَ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِيمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي اللُّحُوقِ بِالْفِرَاشِ مِنْ تَحَقُّقِ الْإِمْكَانِ الْمَذْكُورِ وَيَلْزَمُ عَلَى بَحْثِ السَّيِّدِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ وَشَكَّ فِي إمْكَانِ اجْتِمَاعِهِ بِهَا، أَوْ لَا أَوْ فِي أَنَّهُ مَمْسُوحٌ، أَوْ لَا أَوْ فِي أَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلّ مُدَّةِ الْحَمْلِ، أَوْ لَا، أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ آخِر اجْتِمَاعِهِ مَعَهَا، أَوْ لَا أَوْ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِهَذَا الشَّكِّ وَأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ الشَّكِّ وَكَلَامُهُمْ طَافِحٌ بِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ جَمِيعِ ذَلِكَ لَمَا عَرَفْت أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الشُّرُوطَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا بِالْمَعْنَى السَّابِقِ حَتَّى يُوجَدَ الْمَشْرُوطُ وَإِلَّا لَمْ يُوجَدْ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُ الْمَشْرُوطِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ الْخِلَاف الْمَشْهُور بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي أَنَّ مَنْ نَكَحَ وَطَلَّقَ ثُمَّ أَتَتْ زَوْجَتُهُ بِوَلَدٍ فَعِنْدَنَا لَا نُلْحِقُهُ إلَّا إنْ تَحَقَّقْنَا تَخَلُّل زَمَنٌ بَيْنَ الْعَقْدِ
وَالطَّلَاقِ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ بِالزَّوْجَةِ فِيهِ عَادَةً وَعِنْدَهُ يَلْحَقُ النَّسَبُ وَإِنْ طَلَّقَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَهِيَ بِالْمَشْرِقِ وَهُوَ بِالْمَغْرِبِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَأْخَذَ مَا قَدَّمْته عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ مُضِيِّ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ عَلَى الْفِرَاشِ مَعَ تَحَقُّقِ الشُّرُوطِ الْأُخَر الْبَاقِيَة فَإِنْ قُلْت مَا قَرَّرْته مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الْإِمْكَانِ ظَاهِر فِيمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ، أَوْ نَحْوُهُ مَوْجُودًا وَتَنَازَعَ مَعَ الزَّوْجَةِ، أَوْ نَحْوِهَا وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا أَمَّا إذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَنَحْوُهُ مَثَلًا ثُمَّ رَأَيْنَا زَوْجَتَهُ وَلَدَتْ عَلَى فِرَاشِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِكَوْنِهِ وَلَدًا لَهُ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ وُجُودِ تِلْكَ الشُّرُوطِ أَوَّلًا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ مِنْ الْفِرَاشِ وَهُوَ الْإِلْحَاقُ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بَحْثُ السَّيِّدِ السَّابِقِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ نِسْبَتِهِ وَانْتِسَابِهِ إلَى مَنْ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْعَارِ بِضَيَاعِ نَسَبِهِ وَلِأُمِّهِ عَنْ الْعَارِ بِرَمْيِهَا بِالزِّنَا وَنَحْوِهِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ نَازَعَهُ فِي انْتِسَابِهِ إلَى ذِي الْفِرَاشِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ بَيِّنَةٍ وَلَوْ أَرْبَعَ نِسْوَة فِيمَا يُقْبَلْنَ فِيهِ تَشْهَدُ بِوُجُودِ جَمِيعِ تِلْكَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، أَوْ فِيمَا نُوزِعَ فِيهِ مِنْهَا حَتَّى يَنْدَفِعُ النِّزَاعُ فِيهِ الْمُعْتَضِدُ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ أُبُوَّةِ ذِي الْفِرَاشِ لَهُ حَتَّى تَتَحَقَّقُ مُقْتَضَيَاتُ الْإِلْحَاقِ وَيُوَافِقُ مَا قَدَّمْته أَوَّلًا أَيْضًا قَوْل ابْنِ الْوَكِيلِ وَأَقَرُّوهُ لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ إلَّا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ هَذَا لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَلَدِ الْكَامِلِ أَمَّا النَّاقِص كَأَنَّ جُنِيَ عَلَى حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ أَبَوَيْهِ وَتَكُونُ الْغُرَّةُ لَهُمَا وَكَذَا لَوْ أَجْهَضَتْهُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ كَانَتْ مُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ وَكَفَنِهِ عَلَى أَبِيهِ وَإِنَّمَا يَتَقَيَّدُ بِالسِّتَّةِ أَشْهُرٍ الْوَلَدُ الْكَامِلُ دُونَ النَّاقِصِ فَتَأَمَّلْ هَذَا تَجِدْهُ أَيْضًا مُوَافِقًا لَمَا قَدَّمْته عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ مُضِيِّ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ قَبْل الْوِلَادَةِ عَلَى الْفِرَاشِ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ أَيْضًا أَطْبَاقُهُمْ فِي أَنَّ مَنْ اسْتَلْحَقَ مَجْهُولًا بِأَنْ قَالَ هَذَا ابْنِي لَا يَلْحَقُهُ إلَّا إنْ تَحَقَّقَ إمْكَانُ كَوْنِهِ مِنْهُ فَلَوْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ لَمْ نُلْحِقْهُ بِهِ فَكَذَا هُنَا لِأَنَّ غَايَةَ الْفِرَاشِ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ هَذَا وَلَدِي فَإِنْ قُلْت قَدْ يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ: فِي أَنَّ الْوِلَادَةَ لِدُونِ زَمَنِ الْإِمْكَانِ جَعْلُهُمْ الْقَوْلَ قَوْلَ الزَّوْجَةِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا لَوْ اخْتَلَفَتْ الْبَائِنُ وَالزَّوْجُ فِي وَقْتِ الْوَضْعِ فَقَالَتْ وَضَعْت الْيَوْمَ وَطَالَبْته بِنَفَقَةِ شُهُورٍ وَقَالَ بَلْ وَضَعْت مِنْ شَهْرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِوَقْتِ
стр. 1146
الْوِلَادَةِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوِلَادَةِ وَبَقَاءُ النَّفَقَةِ
قُلْت لَا يُنَافِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُمَا هُنَا مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ وَعَلَى أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ قَبْلَ وَضْعِهِ فَكَانَ قَوْلُهُ: وَضَعْت مِنْ شَهْرٍ مُتَضَمِّنًا لِإِسْقَاطِ مَا وَجَبَ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ وُجُوبِهَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُسْقَطُ وَهُوَ الْوَضْعُ فَلِاعْتِضَادِ قَوْلِهَا بِهَذَا الْأَصْلِ وَمُخَالَفَةِ قَوْلِهِ لَهُ احْتَاجَ إلَى الْبَيِّنَةِ وَلَمْ تَحْتَجْ هِيَ إلَيْهَا وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا أَصْلَ فِيهَا مَعَهَا بَلْ الْأَصْلُ وَهُوَ عَدَمُ أُبُوَّتِهِ مَعَهُ فَلَمْ يَحْتَجْ هُوَ إلَى بَيِّنَةٍ لَدَعْوَاهُ وِلَادَتِهَا لِدُونِ الْإِمْكَانِ لِمُوَافَقَتِهَا أَصْلِ الْعَدَمِ وَاحْتَاجَتْ هِيَ إلَى بَيِّنَةٍ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِلْإِمْكَانِ لِأَنَّ قَوْلَهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فَإِنْ قُلْت قَالَ الْغَزِّيُّ لَوْ قَالَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبِلْنَا قَوْلهَا فَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْعَلُوقُ بِهِ فِي النِّكَاحِ السَّابِقِ لَحِقَ الزَّوْج إلَّا إذَا تَزَوَّجَتْ وَاحْتَمَلَ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْ الثَّانِي فَلَوْ قَالَ الْمُطَلِّقُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرِي وَهَذَا الْوَلَدُ مِنْهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا النِّكَاحُ فَلَا نَقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْله بِلَا بَيِّنَةٍ لِأَجْلِ حَقِّ الْوَلَدِ اهـ.
فَلِمَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْله هُنَا إلَّا بِبَيِّنَتِهِ بِخِلَافِ مَا مَرَّ قُلْت لِأَنَّا تَحَقَّقْنَا فِرَاشَهُ وَتَحَقَّقْنَا الْإِمْكَانَ مِنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ زَوْجِ غَيْرِهِ فَقَوْلُهُ: نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرِي وَهَذَا الْوَلَدُ مِنْهُ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ الْمُعْتَضَد بِتَحَقُّقِ الْإِمْكَانِ مِنْهُ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْله إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَجْلِ مَا ثَبَتَ لِلْوَلَدِ مِنْ تَحَقُّقِ الْإِمْكَانِ الْمُقْتَضِي لِلُّحُوقِ بِهِ هَذَا مَا فَتْح اللَّهُ بِهِ عَلَى أَقَلّ عَبِيدِهِ وَأَحْوَجِهِمْ إلَى عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
[بَابُ النَّفَقَةِ]
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ سَافَرَ وَتَرَكَ زَوْجَتَهُ بِمَنْزِلِ طَاعَتِهِ وَأَمَرَهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهَا إلَى حِينِ عَوْدِهِ وَأَمَرَ وَالِدَتَهُ أَنْ تَصْرِفَ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي مَنْزِل الطَّاعَةِ فَأَقَامَتْ أَيَّامًا قَلَائِلَ ثُمَّ سَافَرَ أَهْلُهَا إلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَةِ فَسَافَرَتْ مَعَهُمْ وَلَمَّا عَادَتْ سَكَنَتْ عِنْدَهُمْ وَاسْتَمَرَّتْ وَالِدَةُ الزَّوْجِ تَدْفَعُ لَهَا دَرَاهِمَ نَقْدًا إلَى أَنْ قَدِمَ وَلَدُهَا مَعَ عَدَمِ إذْنِهِ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْمَذْكُورَ نَفَقَتُهَا مَعَ وُجُودِ سَفَرِهَا وَخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ الطَّاعَةِ أَمْ لَا وَهَلْ لِوَالِدَتِهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْهُ مِنْهَا أَمْ لَا وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا تَسْتَحِقُّ الزَّوْجَةُ الْمَذْكُورَةُ نَفَقَةً مِنْ حِينِ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِ الزَّوْجِ فَمَا أَعْطَتْهُ لَهَا وَالِدَتُهُ يَرْجِعُ هُوَ عَلَيْهَا بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِي صَرْفِهِ إلَّا مَا دَامَتْ فِي مَنْزِلِهِ فَإِذَا أَعْطَتْهَا شَيْئًا خَارِجَهُ كَانَتْ الْوَالِدَةُ مُقَصِّرَةً فَضَمِنَتْ لِوَلَدِهَا مَا فَرَّطَتْ فِيهِ وَإِذَا غَرِمَهَا وَلَدُهَا رَجَعَتْ عَلَى زَوْجَتِهِ بِمَا غَرِمَتْهُ لَهُ إنْ أَعْطَتْهُ لَهَا بِظَنِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ وَلَدِهَا وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَ مَنْزِلِهِ أَمَّا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَهِيَ مُتَبَرِّعَةٌ عَلَيْهَا بِمَا أَعْطَتْهُ لَهَا فَلَا تَرْجِعُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ بِشَيْءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُج مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا لِلِاسْتِفْتَاءِ وَالتَّكَسُّب وَنَحْو ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَهَا الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنٍ لِلضَّرُورَةِ كَخَوْفِ هَدْمٍ وَعَدُوّ وَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَلِلْحَاجَةِ لِلتَّكَسُّبِ بِالنَّفَقَةِ إذَا لَمْ يَكْفِهَا الزَّوْجُ وَلِلْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَالِاسْتِفْتَاءِ وَنَحْوِهِ إلَّا أَنْ يُفْتِيهَا الزَّوْجُ أَوْ يَسْأَل لَهَا لَا لِعِيَادَةِ مَرِيض وَإِنْ كَانَ أَبَاهَا وَلَا لِمَوْتِهِ وَشُهُودِ جِنَازَتِهِ قَالَهُ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ امْرَأَةً اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عِيَادَةِ أَبِيهَا وَكَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اتَّقِي اللَّهَ وَأَطِيعِي زَوْجَك فَلَمْ تَخْرُج وَجَاءَ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِأَبِيهَا بِطَاعَتِهَا لِزَوْجِهَا» .
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ عَقَدَ بِجُدَّةَ لِشَخْصٍ عَلَى بِنْتٍ لَهُ بِكْرٍ وَهِيَ أَيْ الْبِنْتُ الْمَذْكُورَةُ بِأَبِي عَرِيشٍ ثُمَّ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَطْلُبْهَا الزَّوْج مِنْ أَبِيهَا بَلْ سَافَرَ إلَى مِصْرَ وَسَافَرَ أَبُوهَا إلَى الْيَمَنِ ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَ سِنِينَ وَطَالَبَ الزَّوْجَ أَبُوهَا بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ وَالْكِسْوَةِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى الْآنَ فَهَلْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ الْمَاضِيَةُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا تَلْزَمهُ نَفَقَةٌ وَلَا كِسْوَةٌ لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ لِانْتِفَاءِ عِرْضِهَا، أَوْ عِرْضِ وَلِيِّهَا عَلَى الزَّوْجِ عِنْدَ حُضُورِهِ وَعَلَى الْحَاكِمِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَمَسَ زَوْجَتَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ لَهَا مَاءُ الْوُضُوءِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَام الرَّافِعِيِّ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ
стр. 1147
لَهَا ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِر وَعَلَيْهِ فَهَلْ يُقَاسُ بِهَا أَجْنَبِيَّةٌ لَمَسَهَا عَمْدًا، أَوْ عَكْسه، أَوْ لَا إلَّا الْأَوْجَهُ لَا لِأَنَّ تَمْكِين الزَّوْجِ وَاجِبٌ فَجَعَلَ الشَّارِعَ لَهَا فِي مُقَابَلَتِهِ مَاءَ طَهَارَتِهَا وَإِلَّا لَكَانَ فِي تَكْلِيفِهَا مَاءُ الطُّهْرِ مَعَ وُجُوبِ التَّمْكِينِ عَلَيْهَا عُسْرُ وَمَشَقَّة لَا تُطَاقُ بِخِلَافِ مَسِّهَا لِزَوْجِهَا إذْ لَا وُجُوب حَتَّى يَجْعَلْ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ كَافِيَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَلَا تَخْرُجُ عَلَى الْإِتْلَافَاتِ لِأَنَّ النَّقْضَ حُكْمٌ مِنْ الشَّارِعِ لَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ سَبَبًا فِيهِ وَإِنَّمَا لَزِمَ شَاهِدَ الزُّورِ الْغُرْمُ مَعَ كَوْنِ التَّغْرِيمُ لَيْسَ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ فِيهِ لِأَنَّهُ أَلْجَأَ الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ وَاللَّامِسُ هُنَا لَا إلْجَاءَ مِنْهُ وَأَيْضًا فَرُجُوعُ الشَّاهِدِ هُوَ الْمُقْتَضِي لِغُرْمِهِ لِأَنَّهُ رَافِعٌ لِلْحُكْمِ الْوَاقِعِ وَاللَّامِسُ هُنَا لَمْ يَرْفَعْ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِمَا صُورَتُهُ أَجْنَبَتْ الزَّوْجَةُ بِاحْتِلَامٍ ثُمَّ وَطِئَهَا الزَّوْجُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَاءِ غُسْلِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ بِسَبَبِهِ حِينَئِذٍ.
(وَسُئِلَ) هَلْ لِلزَّوْجَةِ الِامْتِنَاعُ حَتَّى يُسَلِّمُهَا الْكِسْوَةَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا يَجُوز لَهَا الِامْتِنَاعُ لِتَسْلِيمِ النَّفَقَة الْمَاضِيَةِ الَّتِي صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْج كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْوَاجِبَةِ لَهَا عَلَيْهِ وَأَمَّا الْكِسْوَةُ الْقَائِمَةُ فَمِنْ شَرْطِ وُجُوبِهَا التَّمْكِينُ فَإِذَا مُنِعَتْ مِنْهُ سَقَطَ وُجُوبُهَا وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ لَوْ اخْتَارَتْ امْرَأَةُ الْمُعْسِر الْمَقَامَ مَعَهُ لَمْ يَلْزَمْهَا التَّمْكِينُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ أَنَّ لَهَا الِامْتِنَاعُ هُنَا أَيْضًا قَالَ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ ذَلِكَ لِامْرَأَةِ الْمُعْسِر الْمَعْذُورِ فَبِالْأَوْلَى جَوَازُهُ لِامْرَأَةِ الْمُوسِرِ اهـ وَقَدْ يُفَرِّقُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ فَهَرَبَ الْعَبْدُ وَتَضَرَّرَتْ بِذَلِكَ فَمَا الْحِيلَةُ فِي الْفَسْخِ عَلَيْهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّه ﵎ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَعْتِقَهَا، أَوْ يُكَاتِبَهَا ثُمَّ يُمَلِّكَهَا إيَّاهُ بِنَذْرٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ شِرَاءَ إنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا إذَا مَلَكَتْهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَإِنْ فُسِخَتْ كِتَابَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ سَكَنَ مَعَهَا فِي بَيْتِهَا مَثَلًا أَوْ اسْتَعْمَلَ أَوَانِيَهَا وَهِيَ سَاكِتَةً عَلَى جَارِي الْعَادَةِ هَلْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِ نَعَمْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ ذَلِكَ وَنَقْصُ أَرْشِ الْأَوَانِي.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ أَرَادَ الزَّوْجُ سَفَرًا طَوِيلًا فَهَلْ لِزَوْجَتِهِ مُطَالَبَتُهُ بِنَفَقَتِهَا لِمُدَّةِ ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ لَهَا ذَلِكَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ قَالَ كَمَا لَا يَخْرُجُ لِلْحَجِّ حَتَّى يَتْرُكَ هَذَا الْقَدْرَ وَاسْتَشْكَلَ بِجَوَازِ سَفَرِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَحِلُّ قَبْلَ رُجُوعِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ غَرِيمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ وَفَاءً وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنْ أَرَادَ الْبَغَوِيّ لُزُومَ دَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهَا فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ فَهُوَ بَعِيدٌ إذْ كَيْفَ يُلْزَمُ بِأَدَاءِ مَا لَمْ يَجِبْ وَقَدْ يَجِبُ مِنْ بَعْدُ وَقَدْ لَا يَجِبُ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ لَهَا الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ كَرَبِّ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ يَعْتَرِضُ عَلَى مَدْيُونه إلَّا أَنْ يَدْفَعَ لَهُ وَفَاءَ، أَوْ كَفِيلًا مَلِيًّا فَذَاكَ فِي الْمُؤَجَّلِ الْقَرِيبِ الْحُلُولِ عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ فِيهِ وَالْمُرَجَّحُ عَدَمُ التَّحَجُّر وَالنَّفَقَةِ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّحَجُّرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ شَيْءٌ بِخِلَافِ الدَّيْنِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَحَسَنٌ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِهِ وَقَدْ يُقَرِّبُهُ تَشْبِيهُهُ بِالْخُرُوجِ لِلْحَجِّ إذْ لَا نَعْلَمُ مَنْ قَالَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي الظَّاهِرِ بِذَلِكَ هُنَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهَا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرِ اهـ.
وَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ هُوَ الْمَنْقُولُ إذْ لَا يُعْلَمُ مُخَالِفٌ لَهُ مِنْ الْأَصْحَاب مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَجِّ الْمُصَرَّح بِهَا فِي كُتُبِهِمْ يَشْهَدُ لَهُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَمُسْتَحِقِّ الدَّيْن الْمُؤَجَّلِ بِأَنَّهَا تَحْتَ حِجْرِ الزَّوْجِ وَمَحْبُوسَةٌ لِأَجَلِهِ فَلَوْ لَمْ نُمَكِّنْهَا مِنْ مُطَالَبَتِهِ بِذَلِكَ لَزِمَ ضَيَاعُهَا وَمَزِيدُ تَضَرُّرِهَا بِخِلَافِ الدَّائِنِ فَإِنَّهُ لَا حِجْرَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فَلَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ مَا يَلْحَقُ الزَّوْجِ.
فَجَازَ أَنْ تَخْتَصَّ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا مِنْ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِهَا يُعْلَمُ بِذَلِكَ دَفْعُ الْإِشْكَالِ السَّابِقِ وَإِذَا مَكَّنَاهَا مِنْ مُطَالَبَتِهِ بِذَلِكَ فَظَاهِرٌ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَلْزَمُهُ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهَا بَلْ يَدْفَعُهُ لِعَدْلٍ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْهُ وَيَصْرِفُ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ لَهَا كُلُّ يَوْمٍ وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْته يَنْدَفِعُ جَمِيعُ التَّرْدِيدَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأَذْرَعِيُّ وَكَذَا يُقَالُ بِذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجّ وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ إذْ لَا نَعْلَمُ إلَخْ يُجَابُ
стр. 1148
عَنْهُ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَقَرَّتْ بِدَيْنٍ فَحُبِسَتْ فِيهِ فَهَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا تَجِبُ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَيَظْهَرُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إذَا شَهِدَتْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ فَأَنْكَرَتْ وَحُكِمَ عَلَيْهَا بِالْحَبْسِ لَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ نَفَقَتُهَا وَإِنْ صَدَقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَسَبَّبْ فِي ذَلِكَ فَهُوَ كَمَرَضِهَا.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ نَشَزَتْ أَثْنَاءَ الْفَصْلِ هَلْ تَسْقُطُ كِسْوَتُهَا كَنَفَقَتِهَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ الْكِسْوَةُ كَالنَّفَقَةِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا نَشَزَتْ وَلَهَا كِسْوَةٌ دَخَلَتْ فِي مِلْكِ الزَّوْج بِمُجَرَّدِ النُّشُوزِ فَإِنْ عَادَتْ لِلطَّاعَةِ تُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهَا إيَّاهَا وَبَيْنَ أَنْ يُبْدِلَهَا بِكِسْوَةٍ تَكْفِي لِبَقِيَّةِ الْمُدَّةِ ذَكَرَهُ ابْنُ عُجَيْلٍ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاء الْفَصْلِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا كِسْوَتَهَا لَمْ أَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا وَيَبْعُدُ كُلّ الْبُعْدِ أَنْ يَنْكِح الرَّجُلُ امْرَأَةً وَيُطَلِّقُ فِي يَوْمِهِ وَنُوجِبُ عَلَيْهِ كِسْوَةُ فَصْلٍ كَامِلٍ وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ تَوَزَّعَ الْكِسْوَةُ عَلَى أَيَّامِ الْفَصْلِ وَيَجِبُ لَهَا مِنْ قِيمَةِ الْكِسْوَةِ مَا يُقَابِلُ زَمَنَ النِّكَاح.
وَكَلَام الشَّيْخَيْنِ يَقْتَضِيَهُ حَيْثُ قَالَا تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهَا تَمْلِيكٌ فَلَوْ مَضَتْ مُدَّةٌ وَلَمْ يَكْسُهَا صَارَتْ دَيْنًا أَيْ كِسْوَةُ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَلَا يُقَاسُ ذَلِكَ بِمَا إذَا قَبَضَتْهَا أَوَّلَ الْفَصْل وَبَانَتْ مِنْهُ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْقَبْضِ فَلَمْ يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا طَرَأَ بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ فِي الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ وَلَا يُقَاسُ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا إذَا مَاتَ أَثْنَاءَ الْيَوْمِ قَبْلَ قَبْضِ نَفَقَتِهَا فَإِنَّ نَفَقَةُ الْيَوْمِ تَجِبُ لَهَا لِأَنَّ أَجْزَاءَهُ مُتَقَارِبَةٌ وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذُكِرَ أَوْجُهٌ مِنْ قَوْلِ الْبَارِزِيّ لَمَّا سَأَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِمَا صُورَته هَلْ يُقَالُ تَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ بِدَلِيلِ مَا إذَا أَقْبَضَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَا رُجُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ إذْ لَوْ لَمْ تَسْتَحِقَّ لَرَجَعَ، أَوْ يُقَالُ تَسْتَحِقُّ بِالْقِسْطِ لَيْسَ إلَّا وَلَيْسَ نَظِيرُ مَا إذَا أَقْبَضَهَا لِأَنَّ هُنَاكَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْقَبْضِ لَمْ يُؤَثِّرْ مَا يَطْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ نَقَلَ مَوْثُوقٌ بِهِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَأَظُنُّهُ صَاحِبَ الْإِفْصَاحِ مَا يُوَافِق الثَّانِي إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَلَى الْمَرْجُوحِ فِي الرُّجُوع عِنْدَ الْقَبْضِ فَالْمَسْئُول الْأَنْعَام فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهَا وَقَعَتْ وَاضْطَرَبَتْ فِيهَا الْآرَاء فَأَجَابَهُ الْبَارِزِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا صُورَتُهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا كِسْوَتَهُ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ اهـ.
وَنَصَّ أَيْضًا أَنَّ الْكِسْوَةَ كَالنَّفَقَةِ فَقَالَ وَأَصَحُّهُمَا وَنَسَبَ إلَى النَّصّ يَجِبُ تَمْلِيكُهَا كَالنَّفَقَةِ وَالْأَدَمِ وَسَوَّى بَيْنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ تَسْلِيمُ النَّفَقَةِ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ وَالْكِسْوَةِ أَوَّلَ كُلِّ صَيْفٍ وَشِتَاءٍ فَنَقُولُ كَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ بَعْدَ قَبْضِهَا الْكِسْوَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي رُجُوعه عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ طَلَاقُهَا فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ قَبْلَ الْكِسْوَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ ذَلِكَ مِنْ ذِمَّتِهِ كَنَفَقَةِ الْيَوْمِ اهـ.
وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا ذَكَرَهُ عَلِمْت أَنَّ مُسْتَنَدَهُ لَيْسَ إلَّا قِيَاسُ الْكِسْوَةِ عَلَى النَّفَقَةِ وَقَدْ عَلِمْت الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيمَا مَرَّ وَكَوْنُ الشَّيْخَيْنِ سَوَّيَاهَا بِهَا فِي كَوْنِهَا تَصِيرُ دَيْنًا وَفِي وَقْتِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ لَا يَسْتَلْزِمُ قِيَاسُهَا بِهَا فِي غَيْر ذَلِكَ لِوُجُودِ الْفَارِق مَعَ تَصْرِيحِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ بِالْفَرْقِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ يَحْتَمِلُ إلَى آخِر مَا مَرَّ عَنْهُ فِي سُؤَاله مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ جَوَابٌ عَلَى الصَّحِيحِ لِمَا مَرَّ
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ غَابَ زَوْجُهَا فَأَثْبَتَتْ إعْسَارَهُ وَفَسَخَتْ ثُمَّ عَادَ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ مَالًا خَفِيَ عَلَى بَيِّنَة الْإِعْسَارِ فَهَلْ يُقْبَل؟
(فَأَجَابَ) بِمَا صُورَتُهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ إلَّا إنْ ادَّعَى عَلَيْهَا أَنَّهَا تَعْلَمُهُ وَتَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيَبْطُل الْفَسْخُ إذَا أَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا أَرَادَ الزَّوْج نَقْلَ زَوْجَتِهِ وَعَلَيْهَا دَيْنٌ فَامْتَنَعَتْ حَتَّى يَرْضَى الدَّائِنُ فَهَلْ تُجْبَرُ عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَة؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ تُجْبَرُ إذَا كَانَتْ مُعْسِرَةٌ، أَوْ كَانَ لَهَا مَالٌ عَلَى الزَّوْجِ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَإِلَّا لَمْ تُجْبَرْ حَتَّى يَأْذَنَ الدَّائِن أَوْ تَقْضِيَهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهَا عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى إجْبَارِهَا عَلَى السَّفَرِ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهَا الدَّائِنُ أَوْ أَمَرَ الدَّائِن بِمُطَالَبَتِهَا، أَوْ الْإِذْنُ لَهَا فِي السَّفَرِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي النُّشُوزِ فَمِنْ
стр. 1149
الْمُصَدِّقُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّمْكِينِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ لَكِنْ قَالَ الْجِيلِيُّ هَذَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَأَمَّا بَعْدَهُ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَالنَّفَقَةَ وَاجِبَانِ بِالْعَقْدِ وَالتَّمْكِينِ وَالزَّوْجُ يَدَّعِي النُّشُوزَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَعَدَمُ سُقُوط النَّفَقَةِ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ مُتَّجَهٌ.
(وَسُئِلَ) عَنْ امْرَأَةٍ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَفَسَخَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِإِعْسَارِهِ فَحَضَرَ وَادَّعَى أَنَّهُ أَرْسَلَ لَهَا بِنَحْوِ النَّفَقَةِ قَبْلَ الْفَسْخِ وَأَنْكَرَتْ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنُ بِتَصْدِيقِ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ نُفُوذِ الْفَسْخِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِإِسْقَاطِ نَحْو النَّفَقَة وَمَشَى عَلَى ذَلِكَ الْبُوشَنْجِيُّ لَكِنْ خَالَفَهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْمَرْوَزِيُّ فَجَزَمَا بِأَنَّهَا تُصَدَّقُ فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنْ عَدَمِ وُصُولِ النَّفَقَةِ وَهَذَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّلَاحُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ ثُمَّ أَذِنَ لَهَا فِي غَيْبَتِهَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْإِذْنِ لِأَنَّهَا قَدْ تُنْكِرُ فَلَا يُصَدَّقُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا امْتَنَعَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ تَمْكِينِ الزَّوْجِ لِتَشَعُّثِهِ وَكَثْرَةِ أَوْسَاخِهِ هَلْ تَكُونُ نَاشِزَةً؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَكُونُ نَاشِزَةٌ بِذَلِكَ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى إزَالَتِهِ أَخْذًا مِمَّا فِي الْبَيَانِ عَنْ النَّصِّ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إزَالَتُهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا طَلَبَ الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ عِنْدَ الْجِمَاعِ رَفْعَ الْفَخِذَيْنِ وَالتَّحْرِيكَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَتَكُونُ نَاشِزَةٌ إذَا امْتَنَعَتْ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ الْوَاجِبُ عَلَيْهَا هُوَ التَّمْكِينُ مِنْ الْوَطْءِ بِحَيْثُ يَسْهُلُ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَزِيدُ قُوَّةٍ لِهِمَّةِ الرَّجُل وَتَنْشِيطٌ لِلْجِمَاعِ هَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهَا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِنْزَالُ، أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ ضَرَرٌ لِلرَّجُلِ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ لَا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الْجِمَاعِ إلَّا مُسْتَلْقِيًا فَسَأَلَهَا أَنْ تَرْكَبَهُ وَتَكُونُ هِيَ الْفَاعِلَةُ لَمْ يَلْزَمْهَا ذَلِكَ وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا إذَا امْتَنَعَتْ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) عَنْ طِفْلَةٍ أَعْسَرَ زَوْجُهَا وَلَيْسَ لَهَا مَالٌ وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَهَلْ هِيَ قَرْضٌ حَتَّى يَرْجِعُوا عِنْدَ الْيَسَارِ أَوْ لَا قَضِيَّةُ مَا ذَكَرُوهُ فِي اللَّقِيطِ وَالْمُضْطَرِّ الْأَوَّلِ وَقَضِيَّةُ مَا أَطْلَقُوهُ فِي السَّيْرِ الثَّانِي.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَة إذَا لَمْ يُسْكِنْهَا الزَّوْجُ فِي بَيْتِهِ بَلْ كَانَتْ سَاكِنَةً هِيَ وَهُوَ فِي بَيْتِهَا مَثَلًا أَوْ بَيْتِ أَبِيهَا أَوْ أَحَدِهِمَا هَلْ يَلْزَمُهَا مُلَازَمَةِ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ فَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ تَكُونُ نَاشِزَةً، أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لِلْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ عِبَارَتَانِ إحْدَاهُمَا بَيْتُ الزَّوْجِ وَالثَّانِيَةُ سَكَنُهَا وَبِهَذِهِ الثَّانِيَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُرَادَ مَنْ عَبَّرَ بِبَيْتِ الزَّوْجِ، أَوْ مَنْزِلِهِ مَا لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْإِسْكَانِ لِكَوْنِهِ مَالِكَهُ أَوْ مُسْتَأْجِرَهُ أَوْ مُسْتَعِيرَهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ الْمَنْزِلُ لِغَيْرِ الزَّوْجِ فَأُزْعِجَتْ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نُشُوزًا فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ لِغَيْرِ الزَّوْجِ وَاشْتِرَاطَهُمْ فِي عَدَمٍ بِسُقُوطِ نَفَقَتهَا بِالْخُرُوجِ مِنْهُ أَنْ تُزْعَجَ مِنْهُ بِأَنْ يُخْرِجُهَا مِنْهُ مَالِكُهُ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِ آخَرِينَ بِأَنَّ مِنْ الْأَعْذَارِ إزْعَاجَ الْمَالِكِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِلْكَ الزَّوْجِ وَأَنَّهَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ سَكَنِهَا الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لِإِخْرَاجِ مَالِكِهِ لَهَا مِنْهُ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا وَإِلَّا سَقَطَتْ.
وَوَقَعَ فِي قُوتِ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّ مِنْ الْأَعْذَارِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فَتَخْرُجُ مِنْهُ وَمُرَادُهُ بِدَلِيلِ عِبَارَةِ الْبَاقِينَ خُرُوجُهَا مِنْهُ لِإِخْرَاجِ مَالِكِهِ وَنَحْوه وَأَمَّا خُرُوجُهَا مِنْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فَنُشُوزٌ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ نَفْسِهِ بَعْدَ تِلْكَ الصُّورَةِ وَصُوَرٍ أُخَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعُدُّ الْخُرُوجُ بِهِ عُذْرًا فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ، أَوْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ فَتَخْرُجُ مِنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عُذِرَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ وَبَحَثَ فِيهِ أَنَّهَا لَوْ جَرَتْ عَلَى مُقْتَضَى الْعُرْفِ الْمُعْتَادِ فِي حَقّهَا وَحَقِّ أَمْثَالِهَا بِالْخُرُوجِ فِي حَوَائِجِهَا لِتَعُودَ عَنْ قُرْبٍ، أَوْ لِجَامٍ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ بِنُشُوزٍ لِلْعُرْفِ فِي رِضَا أَمْثَالِهِ بِهِ وَفِيمَا بَحَثَهُ نَظَرٌ ظَاهِرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ مُنَابِذُ لِإِطْلَاقِهِمْ سُقُوطِ النَّفَقَةِ بِالْخُرُوجِ بِلَا إذْنِهِ بِأَنَّهَا فِي
стр. 1150
قَبْضَتِهِ وَبَانَ لَهُ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ فِي مُقَابَلَةِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْعُرْفَ هُنَا غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِأَنَّ رِضَا الزَّوْجِ بِخُرُوجِ زَوْجَتِهِ وَعَدَمِهِ يَرْجِعُ إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْغَيْرَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِي النَّاسِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَكَمْ مَنْ يَرْضَى بِالْخُرُوجِ وَلَوْ مَعَ الرِّيبَةِ وَكَمْ مَنْ لَا يَرْضَى بِهِ وَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ الرِّيبَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ نِكَاحِهِ تَعْتَادُهُ أَمْ لَا.
فَالْوَجْهُ خِلَافُ مَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهِ الَّذِي رَضِيَ بِسُكْنَاهَا فِيهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مِلْكُهُ أَمْ غَيْرُ مِلْكِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ سَوَاءٌ اعْتَادَتْ الْخُرُوجَ أَمْ لَا نَعَمْ جَوَّزُوا لَهَا الْخُرُوجَ لِإِعْذَارٍ كَخَوْفٍ مِنْ نَحْوِ انْهِدَامٍ، أَوْ فَسَقَةٍ وَكَخَرَابِ الْمَحَلَّةِ حَوْلَ بَيْتِهَا حَتَّى صَارَ مُنْفَرِدًا وَكَإِزْعَاجِ مَالِك الْمَنْزِلِ كَمَا مَرَّ وَكَالْخُرُوجِ لِاسْتِفْتَاءٍ لَمْ يَكْفِهَا الزَّوْجُ مُؤْنَته وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ كَمَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ عَنْ الْوَلَدِ الْمَحْضُونِ إذَا كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ كَأَنْ كَانَتْ أُمُّهُ تَحْضُنُهُ وَنَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ فَطَلَبَتْ الْأُمُّ تَسْلِيمَ نَفَقَةِ الْوَلَدِ الْمَحْضُونِ إلَيْهَا وَامْتَنَعَ الْأَبُ أَنْ يَجِيءَ الْوَلَدُ إلَيْهِ وَيَأْكُلُ عِنْدَهُ فَمَنْ الْمُجَابُ مِنْهُمَا.
؟ وَهَلْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمَحْضُونُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَبَيْنَ مَا قَبْلَ سِنِّ التَّمْيِيزِ وَمَا بَعْدَهُ حَيْثُ اخْتَارَ الْأُمَّ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ إذَا أَمْكَنَ الْوَلَدَ الذَّكَرَ الْمَجِيءُ إلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَالْأَكْلُ عِنْدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُ النَّفَقَةِ إلَيْهِ إلَى بَيْتِ أُمِّهِ وَإِنْ ثَبَتَ لَهَا الْحَضَانَةُ بَلْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى فِي الْأَبِ مَعَ الْوَلَدِ فَقَالَ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ النَّفَقَةِ بَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ كُلٌّ مَعِي وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا فِي حَقِّ الْأَبِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ فَإِنْ حَضَرَ الْوَلَدُ إلَيْهِ فَذَاكَ اهـ.
وَتُوقِفُهُ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ هُنَا عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ النَّفَقَة لِلْقَرِيبِ لَيْسَتْ تَمْلِيكًا وَإِنَّمَا هِيَ إمْتَاعٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِوَضٍ بَلْ مَعُونَةٍ وَمُوَاسَاةٍ وَإِذَا كَانَتْ إمْتَاعًا لَا تَمْلِيكًا فَلَا يُلْزَمُ الْمُتَبَرِّعُ بِذَلِكَ الْإِمْتَاعِ وَالْمُوَاسَاةِ نَقَلَهَا إلَى مَحَلِّ الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ بَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ ائْتِ إلَى عِنْدِي لِأُوَاسِيَك.
وَوَاضِحٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا سَهُلَ عَلَى الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُنْفِقَ إرْسَالُهَا إلَى مَحَلِّ الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّازِمَ لَهُ الْكِفَايَةُ وَلَا تَتِمُّ إلَّا بِإِيصَالِهَا إلَيْهِ وَإِنَّمَا نَظَرْنَا إلَى هَذَا عِنْدَ نَحْوِ عَجْزِ الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ بِخِلَافِهِ عِنْدَ السُّهُولَةِ فَإِنَّهُ لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِي مَجِيئِهِ إلَى قَرِيبِهِ وَلَا يُكَلَّفُ حِينَئِذٍ قَرِيبُهُ الْحَمْلَ إلَيْهِ رِعَايَةً لِكَوْنِهِ مُوَاسِيًا وَمُتَبَرِّعًا هَذَا تَوْجِيهُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ كَانَ لِتَوَقُّفِ الْإِمَامِ فِي الْأَبِ وَجْهٌ وَجِيهُ إذْ اللَّائِقُ بِطَلَبِ مَزِيدِ احْتِرَامِهِ وَبِرِّهِ أَنْ لَا يُكَلَّفُ الْمَجِيءَ صَبَاحًا وَمَسَاءً إلَى بَيْتِ ابْنِهِ وَأَمَّا الْأُنْثَى فَيَلْزَمُ الْأَبَ نَقُلْ كِفَايَتُهَا إلَى بَيْتِ أُمِّهَا الثَّابِتِ لَهَا حَضَانَتُهَا أَصَالَةً، أَوْ بِاخْتِيَارِهَا بَعْدَ تَمْيِيزِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ الْأُمَّ تَكُونُ عِنْدَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فَيَزُورُهَا الْأَبُ وَلَا يَطْلُبُ إحْضَارَهَا عِنْدَهُ بَلْ يُلَاحِظُهَا بِقِيَامِهِ بِتَأْدِيبِهَا وَتَعْلِيمِهَا وَتَحَمُّلِ مُؤْنَتِهَا قَالُوا وَالصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَالْمَجْنُونُ كَذَلِكَ فَيَكُونَانِ عِنْدَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَيَزُورُهُمَا الْأَبُ وَيُلَاحِظُهُمَا بِمَا ذَكَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَرَادَتْ إثْبَاتَ إعْسَارِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ لِفَسْخِ النِّكَاحِ أَنَّ الْحِيلَةَ أَنْ تَدَّعِيَ عَلَى رَجُلٍ إنَّك ضَمِنْت لِي عَنْ زَوْجِي عَشْرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ جِهَةِ النَّفَقَةِ فَيُنْكِرُ فَتُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إثْبَاتِ الضَّمَانِ وَالنِّكَاحِ فَإِذَا ثَبَتَ النِّكَاحُ فَالْقَاضِي إنْ وَجَدَ مَالًا فَرَضَ النَّفَقَةَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَلَهَا الْفَسْخُ ثُمَّ قَالَ قُلْت وَفِي دَعْوَى الدَّرَاهِمِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ تَدَّعِي نَفْسَ الطَّعَامِ اهـ. فَهَلْ ذَلِكَ مُعْتَمَد، أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ خِلَافُ ظَاهِرِ ذَلِكَ فَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَجَهِلَ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَلَا فَسْخَ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ غَابَ مُعْسِرًا فَلَا فَسْخَ أَيْضًا كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ النِّكَاحِ فَلَوْ شَهِدَتْ بِإِعْسَارِ الْغَائِبِ الْآنَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ جَازَ لَهَا ذَلِكَ إذَا لَمْ تَعْلَمْ زَوَالَهُ وَجَازَ الْفَسْخُ حِينَئِذٍ وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ إذَا ثَبَتَ إعْسَارُ الْغَائِبِ عِنْدَ حَاكِمٍ بَلَدِ الزَّوْجَةِ جَازَ الْفَسْخُ إذْ صُورَتُهُ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِإِعْسَارِهِ فِي الْحَالِ وَذَكَرَ دَعْوَى الضَّمَانِ فِي
стр. 1151
عِبَارَة الْقَاضِي إنَّمَا هُوَ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ عِنْده لِإِثْبَاتِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ الَّذِي هُوَ فَرْعُ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ لِتَقُومَ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ إنْكَارِ مُنْكِرٍ فَيُثْبِتُ مُقْتَضَاهَا فَيُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى الْفَسْخِ لَا أَنَّهَا تُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِالْعَجْزِ عَنْ الْفِقْهِ الْمَضْمُونَةِ الْمَاضِيَةِ وَلَا بِعَجْزِ الضَّامِنِ إذْ لَا قَائِلَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: فَيُنْكِرُ فَتُقِيمُ الْبَيِّنَةَ ظَاهِرَةً تُوقَفُ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةُ عَلَى إنْكَارِ مُنْكِرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِإِسْقَاطِ حَقٍّ لَهُ كَالْإِبْرَاءِ مِنْ دِينِهِ فَإِنَّ الْقَاضِي لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بِالْبَرَاءَةِ لَكِنَّ حِيلَتَهُ أَنْ يَدَّعِيَ إنْسَانٌ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَحَالَهُ بِهِ فَيَعْتَرِفُ بِذَلِكَ وَيَدَّعِي الْبَرَاءَةَ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ حِينَئِذٍ وَبَيِّنَتُهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ فَغَابَ عَنْهَا فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ثُمَّ عَادَتْ إلَى طَاعَتِهِ وَتَعَذَّرَ إنْهَاءُ الْخَبَرِ إلَيْهِ لِفَقْدِ مُؤْنَةِ الْبَعْثِ هَلْ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ أَوْ لَا وَهَلْ يَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ النَّاشِزَ إذَا غَابَ زَوْجُهَا لَا تَعُودُ نَفَقَتُهَا بِعَوْدِهَا إلَى الطَّاعَةِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيَقْضِيَ بِطَاعَتِهَا ثُمَّ يُرْسِلُ يُخْبِرُ الزَّوْجَ بِذَلِكَ فَإِذَا رَجَعَ هُوَ، أَوْ وَكِيلُهُ وَتَسَلَّمَهَا عَادَتْ النَّفَقَةُ وَإِنَّ عَلِمَ وَلَمْ يَرْجِعْ هُوَ وَلَا وَكِي لَهُ عَادَتْ إذَا مَضَى زَمَنُ إمْكَانِ عَوْدِهِ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مَوْضِعُهُ فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْمُتَوَلِّي أَنَّ الْحَاكِمَ يَكْتُبُ إلَى حَاكِمِ الْبِلَادِ الَّتِي تَرِدُهَا الْقَوَافِلُ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فِي الْعَادَةِ لِيَطْلُبَ وَيُنَادِي بِاسْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ وَأَخَذَ مِنْهَا كَفِيلًا بِمَا يَصْرِفُ إلَيْهَا لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ، أَوْ طَلَاقِهِ اهـ.
وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَحِلٍّ لَا يُمْكِنُ وُصُولُ الْخَبَرِ مِنْ الْحَاكِمِ إلَيْهِ إمَّا لِخَوْفِ طَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِهِ فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ وَأَخَذَ مِنْهَا كَفِيلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَإِنْ شَاءَ اقْتَرَضَ لَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الْقَرْضِ، أَوْ فَرَضَ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ لِيُوَفِّيَهَا إذَا حَضَرَ وَذَكَرَ الْغَزِّيُّ أَنَّهَا إذَا بَذَلَتْ الطَّاعَةَ وَهُوَ غَائِبٌ وَأَعْلَمُهُ الْقَاضِي فَقَصَّرَ فِي تَسَلُّمِهَا فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ يَسَارُهُ، أَوْ تَوَسُّطُهُ اهـ.
وَأَمَّا فَسْخُ النِّكَاحِ فَالْمُعْتَمَدُ مِنْ اضْطِرَابٍ طَوِيلٍ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزَ إلَّا إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ الْآنَ مُعْسِرٌ عَاجِزٌ عَنْ أَقَلّ وَاجِبِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَلَا يَكْفِي فَقْدُ خَبَره وَلَا امْتِنَاعُهُ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَلَا غَيْبَتُهُ مُعْسِرًا.
فَكُلُّ هَذِهِ وَنَحْوُهَا لَا يَجُوزُ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ بَلْ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ بِمَا ذَكَرَ وَلَا تَسْأَل مِنْ أَيْنَ لَك أَنَّهُ مُعْسِرٌ الْآنَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ الْقَرَائِنِ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْيَقِينِ فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ فِي الْجَزْمِ بِالشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ لَوْ صَرَّحَ بِمُسْتَنَدِهِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ عَنْ رَضِيعٍ حَضَنَتْهُ حَاضِنَةٌ شَرْعِيَّةٌ أُمٌّ مَثَلًا أَوْ غَيْرُهَا وَغَابَ وَالِدُهُ مَثَلًا أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فِيمَا يَلْزَمهُ شَرْعًا مِنْ أُجْرَتِي حَضَانَةٍ وَرِضَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِمِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ غِنَاهُ فَفَرَضَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ مَالًا مَعْلُومًا بِاجْتِهَادِهِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ وَأَذِنَ لِحَاضِنَتِهِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا أَوْ بِالِاقْتِرَاضِ عَلَيْهِ لِتَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى مَالِ وَالِدِهِ فَإِذَا اقْتَرَضَتْ أَوْ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ مُدَّةً طَوِيلَةً تَبَيَّنَ فِيهَا فَقْرُ وَالِدِهِ، أَوْ مَوْتُهُ هَلْ يَلْزَمُهَا مَا اقْتَرَضَتْ عَلَيْهِ وَيَفُوتُ عَلَيْهَا مَا أَنْفَقَتْهُ عَلَيْهِ مَجَّانًا، أَوْ تَرْجِعُ عَلَى مَالِ الْوَلَدِ الْمَحْضُونِ إذَا حَصَلَ لَهُ مَالٌ فِي حَالِ صِغَرِهِ، أَوْ كِبْره أَوْ عَلَى الْأَقْرَبِ مِنْ أَجْدَادِهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا.
وَإِذَا اقْتَرَضَتْ الْحَاضِنَةُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ هَلْ يَصِيرُ دَيْنًا لَهَا كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ أَوَّلًا كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ وَإِذَا قُلْتُمْ يَصِيرُ دَيْنًا لَهَا كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ كَيْفَ صُورَةُ الِاقْتِرَاضِ تَقُولُ اقْتَرَضْتُ هَذَا الْمَالَ فِي ذِمَّتِي وَمَالِي لِأُنْفِقَهُ عَلَى الْوَلَدِ الْمَحْضُونِ، أَوْ فِي ذِمَّةِ الْمَحْضُونِ وَمَالِهِ، أَوْ وَالِدِهِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا غَنِيًّا فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَخِيرِ فَهَذَا يُشْكِلُ بِالِاقْتِرَاضِ عَلَى ذِمَّةِ الْغَيْرِ وَكَيْفَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ وَهَلْ لِلْحَاضِنَةِ أَخْذُ الرَّضَاع نَفَقَةٌ كَنَفَقَةِ زَوْجَةِ مُوسِرٍ مَثَلًا أَوْ مُتَوَسِّطٍ مَثَلًا أَوْ مُعْسِرٍ وَلَهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُسَمًّى غَيْرُ أُجْرَة الرَّضَاعِ وَإِذَا انْفَصَلَ الرَّضَاعُ هَلْ تَسْتَحِقُّ نَفَقَةً أَوْ أُجْرَةً إذَا قُلْتُمْ بِهَا لِحَضَانَتِهَا وَتَعَهُّدِهَا لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ وَالتَّخْيِيرِ أَمْ تَسْقُطُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ
стр. 1152
وَلَا يَلْزَمُ فِيهَا وَالِدُهُ غَيْر نَفَقَةِ وَلَدِهِ وَلَوَازِمه الشَّرْعِيَّة فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَتْ الْحَاضِنَةُ أُمًّا أَمْ أَجْنَبِيَّةً وَإِذَا امْتَنَعَتْ الْأُمُّ مِنْ إرْضَاعِ وَلَدِهَا بَعْدَ سَقْيِهِ اللِّبَأَ وَاسْتَأْجَرْنَا لَهُ مُرْضِعَة ذَات لَبَن وَوَلَد لِلْإِرْضَاعِ فَقَطْ وَاشْتَرَتْ لِلْمَحْضُونِ لَبَنًا وَسَقَتْهُ هَلْ يَقُومُ مَقَام لَبَنِهَا إذَا غُذِّيَ بِهِ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهَا سَقْيُهُ مِنْ لَبَنِهَا وَهَلْ هَذِهِ الْإِجَارَة لِلْإِرْضَاعِ فَقَطْ صَحِيحَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْجَهَالَةِ بِلَبَنِهَا وَعَدَمِ رُؤْيَتِهِ وَاشْتِرَاكِهِ بَيْنَ الْمَحْضُونِ وَوَلَدِهَا لِأَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً كَالْمَبِيعِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَبَيْعِ الْمَاءِ الدَّاخِلِ فِي الْمَبِيعِ بِالتَّبَعِيَّةِ وَهَذِهِ إجَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالْإِرْضَاعِ فَقَطْ فَمَا وَجْهُ الصِّحَّةِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْمُسْتَأْجِرَةِ أَنْ تُضِيفَ إلَى اللَّبَنِ سَمْنًا وَإِذَا اسْتَكْثَرَ الْمُنْفِقُ مِنْ الْقَرْضِ الَّذِي فَرَضَهُ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ عَلَيْهِ لِحَطِّ الْأَسْعَارِ
أَوْ اسْتَقَلَّتْ الْحَاضِنَةُ مِنْهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْأَسْعَارِ هَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ الْأَوَّلَ وَيَزِيدُ، أَوْ يُنْقِصُ فِيمَا فَرَضَهُ أَمْ لَا وَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَبًا كَانَ أَوْ وَصِيًّا، أَوْ قَيِّمًا أَنْ يُمَوِّنَ الْمَحْضُونَ الَّذِي غَيْرَ مُمَيِّزٍ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرُهُ أَمَدُ الرَّضَاعِ لِيَشْتَرِيَ لَهُ مِنْ اللَّبَنِ وَالسَّمْنِ مَا يَكْفِيَهُ وَيَسْقِيَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهَا، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُمَوِّنَهُ أَيْضًا بَعْدَ أَمَدِ الرَّضَاعِ إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ وَالتَّخْيِيرِ بِأَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ الْعَيْشِ وَالْأُدُمِ فِي بَيْتِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ كَالْأَوَّلِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهَا هَلْ لَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَرَضِيَتْ أَمْ كَرِهَتْ بِهَا عُذْرٌ كَمَرَضٍ أَمْ لَا وَهَلْ لِلْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ فِي بَيْتِ الْحَاضِنَةِ مِنْ الرِّجَالِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ وَغَيْرِهَا هَلْ لَهُ نَزْعُهُ مِنْهَا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَحْضُونُ أُنْثَى لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْغَيْرَةِ وَتَسْقُطُ حَضَانَتُهَا بِذَلِكَ وَتَنْتَقِلُ عَنْهَا بَلْ قَالُوا بِإِسْقَاطِ حَضَانَتِهَا فِيمَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ بِتَزْوِيجِهَا عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ لِلْمَحْضُونَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ عَلَى أُمِّهَا أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ وَهَلْ لِلزَّوْجِ مَنْعُ وَلَدِ زَوْجَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مُمَيِّزًا أَمْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ مَنْزِلِهَا إذَا تَبَرَّعَتْ لَهُ بِالسُّكْنَى حَاضِرًا كَانَ، أَوْ غَائِبًا مُقِيمًا، أَوْ مُسَافِرًا فَإِذَا أَدْخَلَتْهُ فِي حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ هَلْ تَكُونُ نَاشِزًا وَيَسْقُطُ مَا لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَاللَّوَازِمِ الشَّرْعِيَّةِ أَمْ لَا لِدُخُولِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى فِرَاشِهِ أَمْ يَأْثَم بِذَلِكَ وَلَا نُشُوزَ فَإِذَا قُلْتُمْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الدُّخُول فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ هَلْ يَأْثَمُ بِذَلِكَ، أَوْ لَا فَإِذَا أَخْرَجَهُ إلَى رَحْبَةِ مَنْزِلِهِ أَوْ غَيْرِهَا وَكَانَ غَيْرُ مُمَيِّزٍ وَحَصَلَ عَلَيْهِ عَاطِلٌ بِوَطْءِ دَابَّةٍ، أَوْ غَيْرِهَا هَلْ يَضْمَنُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ أَوَجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْهُ أَمْ لَا أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وُضُوحًا شَافِيًا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ لَا تَصِيرُ نَفَقَةُ الْفَرْعِ، أَوْ الْأَصْلِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دَيْنًا وَإِنْ تَعَدَّى مَنْ لَزِمَتْهُ بِالِامْتِنَاعِ نَعَمْ إنْ فَرَضَهَا الْقَاضِي، أَوْ أَذِنَ فِي اقْتِرَاضِهَا صَارَتْ دَيْنًا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَاعْتِرَاضُ كَثِيرِينَ عَلَيْهَا بِأَنَّ مَا قَالَاهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى رَدِّهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَفِيمَا إذَا امْتَنَعَ مَنْ لَزِمَتْهُ
أَوْ غَابَ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ لِمُسْتَحِقِّ النَّفَقَةِ أَخَذَهَا مِنْهُ وَكَذَا لِلْأُمِّ أَخَذُهَا لِنَحْوِ طِفْلٍ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ قَاضٍ ثُمَّ إنْ وَجَدَ فِي مَالِهِ جِنْسَ الْوَاجِبِ لَمْ يَأْخُذْ غَيْره وَإِلَّا أَخَذَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَّ مَالٌ أَذِنَ الْقَاضِي فِي الِاقْتِرَاضِ عَلَيْهِ إنْ تَأَهَّلَ وَإِلَّا أَذِنَ لِلْأُمِّ فِي ذَلِكَ إنْ تَأَهَّلَتْ أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَاضٍ فَاقْتَرَضَا عَلَى الْغَائِبِ وَمِثْلُهُ الْمُمْتَنِعُ وَأَشْهَدَا بِذَلِكَ رَجَعَا عَلَيْهِ بِمَا اقْتَرَضَاهُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنَا مِنْ الْإِشْهَادِ رَجَعَا أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ أَنْفَقَتْ الْأُمُّ عَلَى طِفْلِهَا الْمُوسِرِ مِنْ مَالِهِ بِلَا إذْنِ أَبٍ مَثَلًا أَوْ قَاضٍ جَازَ وَقَيَّدَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِمَا إذَا امْتَنَعَ الْأَبُ، أَوْ غَابَ قَالَ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا لِتَرْجِعَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى أَبِيهِ إنَّ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ لَمْ تَرْجِعْ عَلَى الْأَوْجَهِ إلَّا إنْ عَجَزَتْ عَنْ الْقَاضِي وَأَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهَا الْإِشْهَادُ وَلَوْ غَابَ الْأَبُ لَمْ يَسْتَقِلَّ الْجَدُّ بِالِاقْتِرَاضِ عَلَيْهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ قَاضٍ لَهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَالْإِشْهَادُ إنْ أَمْكَنَ أَيْضًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ثُمَّ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ لَا تَقْدِيرَ لَهَا إلَّا بِالْكِفَايَةِ فَلِلطِّفْلِ مُؤْنَةُ إرْضَاعِ حَوْلَيْنِ وَلِنَحْوِ شَيْخٍ وَفَطِيمٍ مَا يَلِيقُ بِهِ وَيُعْتَبَرُ حَالُهُ فِي سِنِّهِ وَزَهَادَتِهِ وَرَغْبَتِهِ وَيَجِب إشْبَاعُهُ لَا الْمُبَالَغَةُ فِيهِ وَالْأُدُمُ وَخَادِمٌ احْتَاجَهُ وَكِسْوَتُهُ وَسُكْنَى لَائِقَيْنِ بِهِ وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَثَمَنُ أَدْوِيَةٍ وَأُجْرَةُ خِتَانٍ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِمْتَاعِ لَا التَّمْلِيكِ قَالَ
стр. 1153
الْإِمَامَ وَمِنْ ثَمَرَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ النَّفَقَةِ إلَيْهِ فَلَوْ قَالَ كُلٌّ مَعِي كَفَى وَلَوْ أَعْطَاهُ نَفَقَةً، أَوْ كِسْوَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهَا لِغَيْرِهِ وَمُؤْنَة خَادِمِ الْقَرِيبِ كَمُؤْنَتِهِ فِيمَا ذُكِرَ نَعَمْ لَوْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ مُدَّةً لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ كَمَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَالْفَرْقُ أَنَّ تِلْكَ عِوَضً عَنْ الْخِدْمَةِ وَالْخِدْمَةُ قَدْ اُسْتُوْفِيَتْ فَوَجَبَ مُقَابِلُهَا بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ فَإِنَّهَا مَحْضُ مُوَاسَاةٍ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ وَهَذَا الْفَرَعُ مِنْ النَّوَادِرِ لِأَنَّ التَّابِعَ فِيهِ زَادَ عَلَى الْمَتْبُوعِ وَعَلَى الْأُمِّ إرْضَاعُ وَلَدِهَا اللِّبَأَ
وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا لِأَنَّهُ لَا يَعِيشُ وَلَا يَقْوَى غَالِبًا إلَّا بِهِ وَهُوَ اللَّبَنُ النَّازِلُ أَوَّلَ الْوِلَادَةِ وَمُدَّتُهُ يَسِيرَةٌ وَالْأَوْجَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ وَلَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ إرْضَاعِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَ غَيْرَهَا وَلَهَا طَلَبُ الْأُجْرَةِ مِنْ أَبِيهِ وَلَوْ لِلِبَإٍ إنْ كَانَ لِمِثْلِهِ أُجْرَةُ نَعَمْ إنْ وَجَدَ مُتَبَرِّعَةً، أَوْ مَنْ تَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْهَا جَازَ لَهُ نَزْعُهُ مِنْهَا وَهَذِهِ الْأُجْرَةُ تَجِبُ فِي مَالِ الطِّفْلِ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَعَلَى الْأَبِ ثُمَّ الْجَدِّ ثُمَّ الْأُمِّ كَالنَّفَقَةِ وَلَا تُزَادُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِلْإِرْضَاعِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا إنْ كَانَتْ وَإِلَّا فَعَلَى الْأَبِ ثُمَّ الْجَدِّ ثُمَّ الْأُمِّ كَالنَّفَقَةِ وَلَا تَزْدَادُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِلْإِرْضَاعِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ وَإِنْ أَخَذَتْ الْأُجْرَةَ نَعَمْ عِنْدَ أَخْذِهَا تَسْقُط نَفَقَتُهَا إنْ نَقَصَ الِاسْتِمْتَاعُ بِإِرْضَاعِهَا وَإِلَّا فَلَا وَمُؤْنَة الْحَضَانَةِ فِي مَالِ نَحْوِ الطِّفْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْأَبِ ثُمَّ الْجَدِّ ثُمَّ الْأُمِّ كَالنَّفَقَةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَسْبَابِ الْكِفَايَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ تَرْدِيدَاتِ السَّائِلِ فِي السُّؤَالِ الْأَوَّلِ بِأَطْرَافِهِ وَلْنُصَرِّحْ بِحُكْمِ كُلٍّ أَيْضًا زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ فَنَقُول مَا اقْتَرَضَتْهُ الْأُمُّ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لَا يَضِيعُ عَلَيْهَا مَجَّانًا بَلْ إنْ كَانَ لِلْوَلَدِ مَالٌ حَالَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُقْتَرَضِ فَهُوَ فِي مَالِ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ مَالٌ فَهُوَ فِي مَالِ الْأَبِ فَإِنْ أَعْسَرَ، أَوْ مَاتَ فَفِي مَالِ الْجَدِّ فَإِنْ أَعْسَرَ، أَوْ مَاتَ فَعَلَى الْأُمِّ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ غَائِبٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْأَبُ قَرْضًا فَإِذَا وَصَلَ مَالُهُ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ وَبِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ بِالْإِنْفَاقِ الرُّجُوعَ رَجَعَ سَوَاءٌ أَنْفَقَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، أَوْ بِلَا إذْنٍ فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ قُدُومِهِ سَقَطَ عَنْ الْوَلَدِ مَا أَنْفَقَهُ بَعْدَ تَلَفِ الْمَالِ دُونَ مَا أَنْفَقَ قَبْلَهُ بَلْ يَبْقَى عَلَيْهِ يَرْجِعُ بِهِ إذَا أَيْسَرَ وَكَذَا حَكَمَ مَنْ يَسْتَغْنِي بِكَسْبِهِ وَصُورَةُ الْإِذْنِ مِنْ الْقَاضِي فِي الِاقْتِرَاضِ أَنْ يَقُولَ لَهَا أَذِنْتُ لَكِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِكِ مِنْ مَالِكِ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا، أَوْ فِي الِاقْتِرَاضِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُقْتَرَضِ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِذَا أَرَادَتْ تَقْتَرِضُ قَالَتْ لِمَنْ يُرِيدُ إقْرَاضَهَا أَقْرِضْنِي كَذَا لِأُنْفِقَهُ عَلَى وَلَدِي أَوْ اقْتَرَضْت كَذَا، أَوْ تَنْوِي ذَلِكَ فَلَا يُحْتَاجُ لِقَوْلِهَا فِي ذِمَّتِي بَلْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يَصِيرُ فِي ذِمَّتِهَا إلَّا إنْ بَانَ أَنَّ الْإِنْفَاقَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا لِفَقْدِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ كَمَا تَقَرَّرَ وَلَا لِقَوْلِهَا فِي ذِمَّةِ الْوَلَدِ
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لِأَنَّ نِيَّتَهَا كَوْنُ الِاقْتِرَاضِ لَهُ كَافٍ إذْ هِيَ حِينَئِذٍ نَائِبَةٌ عَنْ الْقَاضِي فِي الِاقْتِرَاضِ لِلْوَلَدِ، وَالْوَلِيُّ إذَا اقْتَرَضَ لِمُوَلِّيهِ لَا يَحْتَاجُ لِلتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ بَلْ يَكْفِي نِيَّتُهُ فَانْدَفَعَ قَوْلُ السَّائِلِ فَهَذَا يُشْكِلُ إلَخْ وَاَلَّذِي تَسْتَحِقُّهُ الْحَاضِنَةُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ الْمَحْضُونِ هُوَ أُجْرَةُ إرْضَاعِهَا إنْ كَانَ رَضِيعًا وَإِلَّا فَأُجْرَةُ خِدْمَتِهَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ زَمَنُ الْحَضَانَةِ بِاخْتِيَارِ غَيْرِهَا أَوْ الْبُلُوغُ مَعَ صَلَاحِ الدُّنْيَا قَالُوا وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِلْحَضَّانَةِ حِفْظُ الطِّفْلِ وَتَعَهُّدُهُ بِغَسْلِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَتَطْهِيرِهِ وَتَدْهِينِهِ وَتَكْحِيلِهِ وَإِضْجَاعِهِ فِي نَحْوِ مَهْدٍ وَرَبْطِهِ وَتَحْرِيكِهِ لِلنَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِاقْتِضَاءِ اسْمِ الْحَضَانَةِ عُرْفًا لِذَلِكَ وَلَا تَسْتَتْبِعُ الْحَضَانَةُ الْإِرْضَاعَ فِي الْإِجَارَةِ وَعَكْسِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْحَضَانَةُ لِلْأُمِّ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُنْفِقٍ غَيْرُهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَحْضُونِ لَازِمَة لَهَا حِينَئِذٍ وَنَقَلَ الْأَزْرَقُ فِي نَفَائِسِهِ عَنْ الْإِمَامِ الْعَامِرِيِّ أَنَّ الْقَاضِي لَوْ قَالَ لِلْأُمِّ أَرْضِعِي الطِّفْلَ وَاحْضُنِيهِ وَلَك الرُّجُوعُ عَلَى الْأَبِ رَجَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عَقْدِ إجَارَةٍ وَنَقَلَ فِيهَا خِلَافًا بَيْنَ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْيَمَنِ فِيمَا إذَا حَضَنَتْ مَنْ لَهَا حَقُّ الْحَضَانَةِ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ وَأَشْهَدَتْ عَلَيْهِ وَمَضَى زَمَنٌ وَلَمْ تُطَالِبُ بِهَا وَلَا رَفَعَتْ أَمَرَهَا لِحَاكِمٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ تَسْقُطُ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْقُطُ وَصَوَّبَهُ الْأَزْرَقُ قَالَ وَاخْتَارَهُ فِي الشَّامِلِ وَالْوَجْهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته أَوَّلًا أَنَّ السُّقُوطَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا وَتَيَسَّرَتْ مُطَالَبَتُهُ فَتَرَكْتُهُمَا وَإِنْ عَدِمَهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَائِبًا وَتَعَذَّرَ الرَّفْعُ إلَى الْقَاضِي ثُمَّ الْإِشْهَادُ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ مَا مَرَّ عَنْ
стр. 1154
الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ لَا سُقُوطَ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مَنْ اُسْتُؤْجِرَتْ لِلْإِرْضَاعِ شِرَاءُ لَبَنٍ لِلطِّفْلِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِإِرْضَاعِهِ فَأَرْضَعَتْ مَعَهُ آخَرَ
فَإِنْ نَقَصَ مَا هُوَ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ ثَبَتَ الْفَسْخُ وَإِلَّا فَلَا وَقَوْلُهُمْ لَوْ عَقَدَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْإِرْضَاعِ وَالْحَضَانَةِ فَانْقَطَعَ اللَّبَنُ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ وَحْدَهُ وَسَقَطَ قِسْطُهُ مِنْ الْأُجْرَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَقْصُودٌ وَفِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ أَنَّ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْغِذَاءَ بِمَا يُدِرُّ لَبَنَهَا وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يُطَالِبَهَا بِأَكْلِ مَا يُدِرُّهُ فَأَفْهَمَتْ عِبَارَاتُهُمْ هَذِهِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ إرْضَاعِهَا شِرَاؤُهَا لَبَنًا وَسَقْيُهُ إيَّاهُ وَإِنْ قَرَضَ الِاغْتِذَاءَ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ السَّقْيَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْإِرْضَاعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ بَلْ رُبَّمَا أَوْجَبَ سَقْيُ اللَّبَنِ الْمُشْتَرَى لِلْوَلَدِ ضَرَرًا ظَاهِرًا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إرْضَاعٍ وَالْإِجَارَة لِلْإِرْضَاعِ وَحْدَهُ صَحِيحَة كَمَا مَرَّ وَتُقَدَّرُ بِالزَّمَانِ فَقَطْ لِأَنَّ تَقْدِيرَ اللَّبَنِ وَمَا يَسْتَوْفِيهِ الصَّبِيُّ كُلَّ مَرَّةٍ وَضَبْطُ الْمَرَّاتِ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِالزَّمَنِ لَا غَيْرُ وَتَجِبُ رُؤْيَة الصَّبِيِّ وَتَعْيِينُ مَوْضِعِ الْإِرْضَاعِ أَهُوَ بَيْتُهُ أَمْ بَيْتُهَا لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ وَكَذَا صَرَّحُوا بِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ السَّائِلِ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ إلَخْ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْإِرْضَاعِ أَنْ تُضِيفَ إلَى لَبَنِهَا الَّذِي تُرْضِعُ بِهِ الْوَلَدَ سَمْنًا وَلَا غَيْرَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ بَلْ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَاهَا وَلِلْحَاكِمِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ فِيمَا فَرَضَهُ لِلْوَلَدِ وَأَنْ يَنْقُصَ عَنْهُ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِمَّا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا نَقْضًا لِتَقْدِيرِهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ فَإِذَا بَانَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي خِلَافِهَا انْتَهَى الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لِانْتِهَائِهَا بِمَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي غَيْرِهَا وَمَرَّ أَنَّ نَفَقَة الْقَرِيبِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ وَأَنَّهَا الْكِفَايَةُ فَلِلْمُنْفِقِ حِينَئِذٍ بَذْلُهَا عَلَى أَيِّ كَيْفِيَّةٍ شَاءَ حَيْثُ لَا مَانِعَ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَكِيلُهُ وَكَذَا الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ وَالْحَاكِمُ فَإِنْ شَاءَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِ حَاضِنَتِهِ، أَوْ فِي بَيْتِ نَفْسِهِ وَلِلْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ حُكْمُ مُخَالِفِ الْحُكْمِ لَهُ بِمَا قَرَّرْنَاهُ نَعَمْ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالْأُنْثَى الْمُمَيِّزَةُ إذَا اخْتَارَتْ الْأُمَّ فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ يَكُونُونَ عِنْدَ الْأُمِّ لَيْلًا وَنَهَارًا لِاسْتِوَاءِ الزَّمَانِ فِي حَقِّهِمْ فَيَزُورُهُمْ الْأَبُ عَلَى الْعَادَةِ
وَلَا يَطْلُبُ إحْضَارَهُمْ عِنْدَهُ وَيَتَفَقَّدُ حَالَهُمْ وَيُلَاحِظُهُمْ بِتَحَمُّلِ مُؤْنَتِهِمْ وَتَأْدِيبِ الْأُنْثَى وَتَعْلِيمِهَا وَفِي الْجَوَاهِرِ إذَا طَلُقَتْ مَنْ لَهَا الْحَضَانَةُ وَهِيَ فِي مَنْزِلِهَا فَلَهَا إرْضَاعُهُ فِي الْحَالِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَأَرْضَعَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَقَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ عِنْدِي أَنَّهَا كَاَلَّتِي فِي صُلْبِ النِّكَاحِ غَلَّطَهُ الْإِمَامُ فِيهِ وَحُكْمُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا قُلْنَا تَسْتَحِقّ السُّكْنَى حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ اخْتَارَ أُمَّهُ فَعَلَى أَبِيهِ مُؤْنَةُ كَفَالَتِهِ كَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ الْحَضَانَةِ وَهِيَ أَقَلُّ غَالِبًا؟ قَالَ الْإِمَامُ وَإِنَّمَا تَجِبُ مُؤْنَةُ الْحَضَانَةِ إذَا لَمْ يَقُمْ بِهَا بِنَفْسِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ الَّذِي يَظْهَرُ وُجُوبُ أُجْرَتِهَا وَأَنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى تَوَلِّيهَا بِنَفْسِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ احْتَاجَ الْوَلَدُ إلَى خِدْمَةٍ فِي الْحَضَانَةِ، أَوْ الْكَفَالَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأُولَى إلَى التَّمْيِيزِ وَالثَّانِيَةَ مِنْهُ إلَى الْبُلُوغِ أَيْ وَقَالَ غَيْرُهُ تُسَمَّى حَضَانَةً أَيْضًا وَمِثْلُهُ مِمَّنْ يَخْدُمُ قَامَ الْأَبُ بِاسْتِئْجَارِ خَادِمٍ أَوْ ابْتِيَاعِهِ عَلَى حَسَبِ عَادَةِ أَمْثَالِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْأُمَّ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا حَضَانَتُهُ أَنْ تَقُومَ بِخِدْمَتِهِ إذَا كَانَ مِثْلُهَا لَا يَخْدِمُ سَوَاءُ فِي ذَلِكَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ اهـ.
وَمَا أَفْهَمُهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الْأُمَّ الْمُعْتَادَةَ لِلْخِدْمَةِ تَلْزَمُهَا الْخِدْمَةُ وَهُوَ بَعِيدٌ بَلْ غَيْرُ مُرَادٌ بَلْ هِيَ عَلَى الْأَبِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُ أَوَّلًا لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ كِفَايَتِهِ فَإِنْ وَجَبَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأُمّ لَزِمَهَا الْخِدْمَةُ بِنَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا سَوَاءٌ اعْتَادَتْهَا أَمْ لَا وَمِنْ شُرُوطِ الْحَضَانَةِ عَدَالَةُ الْحَاضِنَةِ الْعَدَالَةَ الظَّاهِرَةَ فَلَا حَضَانَةَ لِفَاسِقَةٍ وَصَغِيرَةٍ وَسَفِيهَةٍ وَمُغَفَّلَةٍ فَإِنْ وَقَعَ تَنَازُعٌ فِي ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْوَلَدِ لَمْ يُنْزَعْ مِمَّنْ تَسَلَّمَهُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَإِنْ تَنَازَعَا فِي ثُبُوتِهَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنْ أَثْبَتَ فِي حَاضِنَةِ بِنْتِهِ نَحْوَ فِسْقٍ انْتَزَعَهَا مِنْهَا وَإِلَّا فَلَا لَكِنْ لَهُ مَنْع مَنْ يَدْخُلُ عَلَى بِنْتِهِ مِمَّنْ يَخْشَى مِنْهُ الرِّيبَةَ
وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ مَنْعُ وَلَدِ الزَّوْجَةِ مِنْ الدُّخُول إلَيْهَا إلَّا كَانَتْ سَاكِنَةً بِمَحَلٍّ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ دُونَ مَا إذَا كَانَتْ سَاكِنَةٌ بِمِلْكِهَا إنْ تَبَرَّعَتْ لَهُ بِالسُّكْنَى فِيهِ وَسَوَاءٌ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى كَانَ الزَّوْجُ الْمَانِعُ غَائِبًا أَمْ حَاضِرًا فَإِنْ أَدْخَلَتْهُ
стр. 1155
بِغَيْرِ رِضَاهُ أَثِمَتْ وَلَا تَكُونُ نَاشِزَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ نَعَمْ إنْ كَانَ إخْرَاجُهُ لِغَيْرِ الْمُمَيَّزِ يَضُرُّهُ لَزِمَهُ رَفْعُ الْأَمْرِ لِلْقَاضِي فَإِنْ تَعَدَّى وَأَخْرَجَهُ فَكَسَرَهُ، أَوْ قَتَلَهُ جَانٍ آخَرُ أَثِمَ الزَّوْجُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْجَانِي أَوْ مَالِكِهِ الْمُقَصِّرِ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِمَا صُورَتُهُ هَلْ لِلْوَلِيِّ مَثَلًا أَوْ لِلْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يَسْتَأْجِر لِلْوَلَدِ امْرَأَةً لِرَضَاعِهِ وَامْرَأَةً أُخْرَى لِحَضَانَتِهِ إذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْوَلَدِ سَوَاءٌ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أُمًّا، أَوْ كَانَتَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ فَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا فِي هَذَا مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْوَلَدِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ كُلُّ امْرَأَةِ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ عَنْ صَاحِبَتِهَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْحَاضِنَةُ ذَاتَ لَبَنٍ لِتُرْضِعَهُ مَرَّةً وَتَحْضُنَهُ أُخْرَى أَمْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الْحَاضِنَةُ الشَّرْعِيَّةُ غَيْرَ ذَاتِ لَبَنٍ هَلْ تَسْقُط حَضَانَتُهَا أَمْ تَحْضُنُهُ وَيَشْتَرِي لَهُ لَبَنًا وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلِيُّهُ الشَّرْعِيُّ أَمْ تَنْتَقِلُ الْحَضَانَة عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْحَاضِنَاتِ بَعْدَهَا إذَا كَانَتْ ذَاتَ لَبَنٍ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ الْأُمُّ مَتَى اسْتَحَقَّتْ الْحَضَانَةُ وَكَانَتْ مُرْضِعَةً وَرَضِيَتْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ تَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ غَيْرِهَا لِحَضَانَةٍ وَلَا لِرَضَاعٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي السُّؤَالِ الْأَوَّلِ لِاسْتِحْقَاقِهَا لَهُمَا فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُمَا إلَى غَيْرِهَا بِدُونِ رِضَاهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ لَبُونٍ، أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ إرْضَاعِهِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ حَاضِنَةٌ جَازَ اسْتِئْجَارُ وَاحِدَةٍ لِلْإِرْضَاعِ وَأُخْرَى لِلْحَضَانَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ ثُمَّ أَيْضًا وَلَا عُسْرَ فِي ذَلِكَ لِسُهُولَةِ اجْتِمَاعِ الْمُسْتَأْجَرَتَيْنِ فِي مَحَلِّ وَاحِدٍ وَاَلَّذِي أَفْهَمَهُ كَلَامَ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَنَقَلَهُ فِي الْمُحَرَّرِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ كَوْنُهَا مُرْضِعَةً لِطِفْلٍ اُحْتِيجَ إلَى إرْضَاعِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ الْإِرْضَاعِ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا لِعُسْرِ اسْتِئْجَارِ مُرْضِعَةٍ تَتْرُك مَنْزِلَهَا وَتَنْتَقِلُ إلَى مَسْكَنِ الْمَرْأَةِ وَنَظَرَ فِيمَنْ لَا لَبَنَ لَهَا بِأَنَّ غَايَتَهَا أَنْ تَكُونَ كَالْأَبِ وَبِأَنَّ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا ذَاتَ لَبَنٍ.
وَالْأَوْجَهُ وِفَاقًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِ اسْتِحْقَاقُ مَنْ لَا لَبَنَ لَهَا بَلْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقَهَا وَأَمَّا مَنْ لَهَا لَبَنٌ وَامْتَنَعَتْ مِنْ إرْضَاعِهِ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا وَهُوَ مَحْمَلُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَالْأَكْثَرِينَ
(وَسُئِلَ) عَنْ إعْفَافِ الْأَصْلِ هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِ الْفَرْعِ وَقُوتِ زَوْجَتِهِ فَقَطْ كَالنَّفَقَةِ أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ الْوَجْه أَنَّ الْيَسَارَ هُنَا مُعْتَبَرٌ بِمَا ذَكَرُوهُ فِي النَّفَقَةِ وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْإِرْشَادِ لِأَنَّهُ مِنْ وُجُوهِ حَاجَاتِهِ الْمُهِمَّةِ فَوَجَبَ عَلَى ابْنِهِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْقُدْرَةِ هُنَا بِمَا يَأْتِي فِي النَّفَقَةِ وَكَلَامُ التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ وَإِمْكَانُ الْفَرْقِ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا لِإِمْكَانِ الصَّبْرِ عَنْهُ بِخِلَافِهَا لَا يُؤَثِّر هُنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ وَلَمْ يَتْرُكْ مُؤْنَتَهَا فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ وَمَا شُرُوطُهُ وَمَا كَيْفِيَّةُ لَفْظِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ لَهَا الْفَسْخُ بِشَرْطِ أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً عَادِلَةً تَشْهَدُ عِنْدَ قَاضٍ بِإِعْسَارِهِ عَنْ أَقَلِّ نَفَقَتِهَا وَعَنْ أَقَلِّ مَسْكَنٍ يَجِبُ لَهَا وَعَنْ أَقَلِّ كِسْوَتِهَا وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَذْكُرَ الْبَيِّنَةُ إعْسَارَهُ حَالَ شَهَادَتِهَا وَلَا يَكْفِي قَوْلُهَا غَابَ مُعْسِرًا وَلَهَا أَنْ تَعْتَمِدَ فِي الشَّهَادَةِ بِإِعْسَارِهِ فِي الْحَالِ اسْتِصْحَابَ حَالَتِهِ الَّتِي غَابَ عَلَيْهَا وَإِنْ أَمْكَنَ خِلَافُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَا تُصَرِّحُ الْبَيِّنَةُ بِالِاسْتِصْحَابِ فِي شَهَادَتِهَا الْمُوهِمِ لِلتَّرَدُّدِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِيَ رَدَّ الشَّهَادَةِ فَإِذَا ثَبَتَ إعْسَارُهُ عِنْدَ الْقَاضِي فَسَخَ هُوَ بِأَنْ يَقُولَ فَسَخْتُ نِكَاحَ فُلَانٍ لِفُلَانَةَ، أَوْ أَذِنَ لَهَا حَتَّى تَفْسَخَ هِيَ بِأَنْ تَقُولَ فَسَخْتُ نِكَاحَ فُلَانٍ لِي فَإِنْ اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ بِلَا إذْنِ قَاضٍ لَمْ يَنْفُذْ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا وَلَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ مَالًا فِي الْبَلَدِ لَمْ تَعْلَمْهُ بَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ فَسْخِ الْقَاضِي نَعَمْ إنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَعْلَمُهُ وَتَقْدِرُ عَلَيْهِ بَانَ بُطْلَانُ الْفَسْخِ لِأَنَّهُ بَانَ عَدَم وُجُودِ شَرْطِهِ الْمُجَوِّزِ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَ لَمْ أَجِدْهَا بِكْرًا وَآذَاهَا وَوَالِدَيْهَا بِذَلِكَ فَخَرَجَتْ مِنْ كَثْرَةِ أَذَاهُ مِنْ بَيْتِهِ وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً فَهَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا وَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ وَقَالَتْ لَمْ أَخْرُجْ إلَّا لِإِيذَائِهِ فَقَطْ مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ خَرَجَتْ إلَى الْحَاكِمِ لِتَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ إيذَائِهَا
стр. 1156
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نُشُوزًا فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَلَا كِسْوَتُهَا وَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ كَانَتْ نَاشِزَةً فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا مُدَّةَ إقَامَتِهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا سَلَّمَتْ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا إلَى الزَّوْجِ وَمَكَّنَتْهُ ثُمَّ ادَّعَى الزَّوْجُ عَدَمَ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ هَلْ هُوَ كَدَعْوَى النُّشُوزِ فَهُوَ الْمُطَالَبُ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ لَا وَقَالُوا فِي بَابِ الْبَيِّنَاتِ لَوْ ادَّعَتْ التَّمْكِينَ فَأَنْكَرَ صَدَقَ بِيَمِينِهِ وَلَعَلَّ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ التَّمْكِينِ أَمَّا بَعْدَ التَّمْكِينِ الْأَوَّلِ فَلَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ عَدَمُ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ وَنَحْوِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ النُّشُوزِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرُوهُ فِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لَهُ بِشَخْصِهِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ اخْتَلَفَا فِي النُّشُوزِ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَبَقَاءُ التَّمْكِينِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ وَبَقَاءُ التَّمْكِينِ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُصَدَّقَ فِي دَوَامِ التَّمْكِينِ هِيَ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ وَقَدْ صَرَّحُوا كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ بِأَنَّهُ هُوَ الْمُصَدَّقُ فِي عَدَم التَّمْكِينِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ وَبِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا عَلِمْت وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ لِقَوْلِ السَّائِلِ وَلَعَلَّ هَذَا إلَخْ لِأَنَّهُ لَوْ أَمْعَنَ النَّظَرَ وَأَنْعَمَهُ فِي كَلَامِهِمْ لَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْقُول كَمَا تَقَرَّرَ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى بَحْثِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ أَنَّ الشَّخْص يُخَاصِمُ زَوْجَ بِنْتِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَيَحْبِسُهَا عَنْهُ وَلَيْسَ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَالزَّوْجُ عَاجِزٌ عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَإِسْكَانِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ خَوْفًا مِنْ أَبِيهَا وَهِيَ مُتَضَرِّرَةٌ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَإِذَا زَنَتْ امْرَأَةٌ فَعَلِمَ زَوْجُهَا فَهَرَبَتْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهَا وَاضْطَرَّتْ لِلنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَا فَسْخَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ نَادِرٌ جِدًّا وَكَذَا عَدَمُ وُصُولِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ بِسَبَبِ مَا ذَكَرَ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الزَّوْجَ الْمُوسِرَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاق عَلَى الزَّوْجَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ بِذَلِكَ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ بِالسُّلْطَانِ، أَوْ نَائِبِهِ ثُمَّ قَالُوا فَإِنْ فُرِضَ عَجْزُ السُّلْطَانِ فَهُوَ أَمْرٌ نَادِرٌ وَالْأُمُورُ النَّادِرَةُ تُلْحَقُ بِالْغَالِبِ وَلَا تُفْرَد بِحُكْمٍ يَخُصُّهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَجْزُهُ عَنْ النَّفَقَةِ، أَوْ الْكِسْوَةِ مَثَلًا لِإِعْسَارِهِ وَثَبَتَ إعْسَارُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ يَفْسَخُ عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّ الْإِعْسَارَ أَمْرٌ يَغْلِبُ وُقُوعُهُ فَلَوْ مَنَعْنَا الْفَسْخَ بِهِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَأَضْرَرْنَا بِحَالِ أَكْثَرِ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَقَعُ لِأَزْوَاجِهِنَّ الْإِعْسَارُ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ النِّكَاحَ يُحْتَاطُ لِحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا مَنْ الْعِصْمَةُ بِيَدِهِ وَهُوَ الزَّوْجُ فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ مَزِيدِ ضَرُورَةٍ يَغْلِبُ سَبَبُ وُقُوعِهَا وَلَمَّا نَظَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - إلَى ذَلِكَ الِاحْتِيَاطِ بَالَغَ فِيهِ فَمَنَعَ الْفَسْخَ فِي النِّكَاحِ حَتَّى بِالْإِعْسَارِ وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَهُ أَبَوَانِ مُحْتَاجَانِ إلَّا اكْتَسَبَ لِإِنْفَاقِهِمَا فَاتَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الْمَرْجُوِّ مِنْهُ تَحْصِيلُهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهِ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِهِ ضَاعَا أَوْ صَارَا كَلًّا عَلَى النَّاسِ فَمَنْ يُقَدَّمُ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ إنْ أُرِيدَ بِالْعِلْمِ الْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ قُدِّمَ الْكَسْبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فَوْرِيٌّ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ وُجُوب الْكَسْبِ لَهُمَا وَإِنْ قَدَرَا عَلَى الْكَسْبِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْكَسْبُ لَهُمَا هُنَا مَعَ قُدْرَتِهِمَا عَلَى الْكَسْبِ وَإِنْ فَاتَهُ الْعِلْمُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ الْفَوْرِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، أَوْ الْوَاجِبِ عَيْنًا فَوْرًا كَتَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَيْنِيٌّ فَوْرِيٌّ وَقَدْ تَعَارَضَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الْأَبَوَيْنِ رِعَايَةً لَحَقِّهِمَا الْمُتَأَكِّدِ وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ التَّعَلُّمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ تَعَارَضَ شِرَاءُ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ لَهَا قُدِّمَ الثَّانِي لِدَوَامِ نَفْعِهِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ التَّعَلُّمِ لِدَوَامِ نَفْعِهِ وَأَيْضًا فَحَقُّ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ كَمَا قَالُوهُ فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ مُضْطَرًّا وَالْأَقْدَمُ الْكَسْبُ لَهُ لِقَوْلِهِمْ لَوْ تَعَارَضَ نَحْوُ إنْقَاذِ غَرِيقٍ وَإِخْرَاجُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا لَزِمَهُ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُتَدَارَكُ لَوْ فَاتَ وَالصَّلَاة تُتَدَارَكُ
стр. 1157
لَوْ فَاتَتْ وَهَلْ غَيْرُ الْأَصْلِ لَوْ اضْطَرَّ كَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي مَبْحَثِ الِاضْطِرَارِ لَا وَذَلِكَ أَنَّ كَلَامَهُمْ ثَمَّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ إنْقَاذُ الْمُضْطَرِّ بِالْكَسْبِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ مَعَهُ طَعَام بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَالِكُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ حَالًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْحَضَانَةِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا وَلَهُ مِنْهَا بِنْتٌ سِنُّهَا خَمْسُ سِنِينَ وَزَوَّجَهَا وَالِدُهَا بِشَخْصِ وَأَرَادَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنْ وَالِدَتِهَا وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا وَيُرَبِّيهَا عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ مَثَلًا أَوْ عِنْدَ مَنْ يَخْتَار فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ وَتَسْقُطُ حَضَانَةُ الْأُمِّ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا تَسْقُطُ حَضَانَةُ الْأُمِّ بِذَلِكَ لِأَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ مِنْ جَمِيعِ الْأَقَارِبِ حَيْثُ كَانَ لَهُ بِالزَّوْجَةِ اسْتِمْتَاعٌ بِأَنْ تُطِيقَ الْوَطْءَ وَإِلَّا لَمْ تُسَلَّم لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ أُمِّهَا وَيُسْكِنَهَا بِقُرْبِهِ وَإِنْ كَانَ بَلَدُهُ شَاسِعًا عَنْ بَلَدِ الْأُمِّ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ انْتِزَاعُ بِنْتِ عَمِّهِ مِنْ أُمِّهَا الَّتِي لَا حَضَانَةَ لَهَا وَيُسْكِنُهَا عِنْدَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْلُوَ بِهَا بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ زَوْجَتُهُ، أَوْ أَمَتُهُ، أَوْ بَعْضُ مَحَارِمِهِ أَوْ مَحَارِمِهَا سَوَاء أَبَعُدَتْ بَلَده عَنْ بَلَدِ الْأُمِّ أَمْ لَا وَهَذَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ رِيبَةٌ وَإِلَّا سَكَنَتْ حَيْثُ شَاءَتْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ رَضِيعٌ وَوَجَدَ لَهُ مُرْضِعَةً مُتَبَرِّعَةً وَطَلَبَتْ الْأُمُّ الْأُجْرَة فَهَلْ يَلْزَمُهُ لَهَا أُجْرَة وَهَلْ لَهُ نَزْعُهُ مِنْهَا غَصْبًا عَلَيْهَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ أُجْرَةٍ لَهَا مَعَ وُجُودِ مُرْضِعَةٍ مُتَبَرِّعَةٍ وَإِذَا لَمْ تَرْضَ الْأُمُّ إلَّا بِالْأُجْرَةِ وَتَبَرَّعَتْ غَيْرُهَا وَكَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ إدْرَارِ الْأُمِّ جَازَ لِلْأَبِ نَزْعُ الْوَلَدِ مِنْهَا كُرْهًا وَإِعْطَاؤُهُ لِلْمُتَبَرِّعَةِ.
وَسُئِلَ عَنْ الْأُمِّ الْحَاضِنَةِ إذَا طَلَبَتْ أُجْرَةَ الْمَسْكَنِ الَّذِي تَحْضُنُ فِيهِ أَوْلَادَهَا هَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ اسْتِئْجَارُ الْمَسْكَنِ أَوْ لَا وَهَلْ تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْكَنٌ أَمْ لَا وَهَلْ يَدْخُلُ فِي مُؤْنَةِ الْحَضَانَةِ أُجْرَةُ الْمَسْكَنِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْأُمُّ الْحَاضِنَةُ إنْ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ الزَّوْجِ الْأَبِ فَالْإِسْكَانُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهَا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ فَتَسْتَأْجِرُ مِنْهَا مَسْكَنًا إنْ شَاءَتْ وَلَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا بِعَدَمِ مِلْكِهَا، أَوْ نَحْوه لِمَسْكَنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ إلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
[كِتَابُ الْجِرَاحِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ سَفِينَةً مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ لِشَحْنِهَا بِبَنْدَرِ السُّوَيْسِ إلَى بَنْدَرِ جُدَّةَ الْمَعْمُورَةِ وَعَاقَدَ جَمَاعَةً لِلرُّكُوبِ فِيهَا بِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْأَحْمَالِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ عِدَّةٌ مَعْلُومَةٌ بِوَرَقَةٍ تَخْتَصُّ بِهِ ثُمَّ إنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ الْمُشَارَ إلَيْهِ عَيَّنَ شَخْصًا لِلتَّوَجُّهِ فِي السَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ لِإِعَانَةِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمَذْكُورِ فِي شَحْنِهَا وَعَمَلِ مَصَالِحِهَا وَالذَّبِّ عَنْهَا وَعَنْ رَكْبَتِهَا وَكَتَبَ لَهُ مِثَالًا كَرِيمًا بِذَلِكَ وَمِنْ مَضْمُونِهِ التَّأْكِيدُ فِي شَحْنِهِ جَمِيعُ مَا عَيَّنَ لِلْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ مِنْ الْحِمْلِ الْمُعَيَّنِ بِأَوْرَاقِهِمْ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ إنَّ الشَّخْصَ الْمَذْكُورَ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْتَثِلْهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ شَحْنِهِ جَمِيعَ مَا عَيَّنَ لِلْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي أَوْرَاقِهِمْ وَلَمْ يَشْحَنْ لَهُمْ مِنْهَا إلَّا الْبَعْضَ خَاصَّةً وَالْحَالُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْمَذْكُورَ جَعَلَ لِلْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ جَعَالَةً مُعَيَّنَةً لِلتَّكَلُّمِ عَلَيْهِ فِي الشِّحْنَةِ الْمَذْكُورَةِ بِهَذِهِ السَّفِينَةِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ الْمُعَيَّنِ أَعْلَاهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ شَحْنِ بَقِيَّةِ حِمْلِ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ بِطَرِيقِ الِافْتِيَاتِ وَالتَّعَدِّي وَأَشْحَنَ بِالسَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ حِمْلَهُ حَمَلَ مَنْ اخْتَارَهُ وَبَارَزَ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَضَرَبَ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَسَرَ ذِرَاعَهُ وَضَرَبَ غَيْرَهُ أَيْضًا كُلُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالضَّرَرِ وَالطُّغْيَانِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَا مُوجِبٍ وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ وَلَا عُرْفِيٌّ ثُمَّ إنَّ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ تَلَطَّفُوا بِالْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ وَقَالُوا لَهُ أَنْتَ الْآنَ رَاعٍ وَنَحْنُ رَعِيَّتُك وَقَدْ قَالَ ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
فَقَالَ أَنَا لَا أَعْتَبِرُ هَذَا الْكَلَامَ وَلَا أَعْمَلُ بِهِ فَقِيلَ إنَّ هَذَا حَدِيثُ
стр. 1158
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ صَرِيحًا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَأَكْفُرَ فِيكُمْ وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ الْخِنْزِيرِ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ فَإِنَّهُ عِنْدِي أَشْرَفَ مِنْكُمْ وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى الْعُمُومِ ثُمَّ إنَّهُ أَخَذَ فِي التَّكَلُّمِ عَلَى سَفِينَةٍ ثَانِيَةٍ غَيْرِ السَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ وَشَحَنَ بِهَا بِالْيَدِ وَالْقُوَّةِ بَقِيَّةَ حِمْلِ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ الْمُتَأَخِّرِ شَحْنُهُ بِالْمَرْكَبِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَأَرْكَبَهُمْ بِهَا وَأَخَذَ مِنْهُمْ أُجْرَةَ ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ بِالْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ وَالتَّغَلُّبِ وَالِافْتِيَاتِ ثُمَّ إنَّ الْمَرْكَبَ الثَّانِيَةَ الْمَذْكُورَةَ سَارَتْ قَلِيلًا وَغَرِقَتْ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْمَالِ وَالرِّكَابِ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إلَّا الْقَلِيلُ وَكَانَ هَذَا التَّلَفُ وَالضَّيَاعُ بِمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ وَافْتِيَاتِهِ وَتَعَدِّيهِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَاذَا يَلْزَمُ الْمَأْمُورَ الْمَذْكُورَ وَمُخَالَفَةَ وَلِيِّ الْأَمْرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَالِامْتِنَاعَ مِنْ شَحْنِهِ بَقِيَّةَ حِمْلِ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ بِالْمَرْكَبِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي رَدِّ الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ عَلَى قَائِلِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِمَا ذَكَرَهُ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي مُقَالَتِهِ إنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ الْخِنْزِيرِ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ وَأَنَّ ذَلِكَ أَشْرَفُ مِنْكُمْ وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى الْعُمُومِ وَعَمَّا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ السَّبِّ وَالضَّرْبِ وَكَسْرِ ذِرَاعِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ وَهَلْ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ بَقِيَّةِ الْحِمْلِ الْمَذْكُورِ الَّذِي أَشَحَنَهُ بِالْمَرْكَبِ الثَّانِيَةِ وَتَلِفَ بِغَرَقِهَا وَلَمْ يَصِلْ إلَى مَحَلِّهِ وَقِيمَةُ مَا تَلِفَ بِالْمَرْكَبِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْحِمْلِ الَّذِي أَشَحَنَهُ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالْقُوَّةِ كَرْهًا عَلَى أَصْحَابِهِ أَمْ لَا وَمَاذَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا فِيمَنْ غَرِقَ مِنْ الرُّكَّابِ بِالْمَرْكَبِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ إكْرَاهِهِمْ عَلَى الرُّكُوبِ فِيهَا وَهَلْ تَسْقُطُ الْجَعَالَةُ الْمُعَيَّنَةُ لِلْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْرُوحَةِ أَمْ لَا وَمَاذَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا بِمُخَالَفَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اشْتَمَلَ مَا حُكِيَ عَنْ هَذَا الظَّالِمِ الْفَاسِقِ الْمُتَمَرِّدِ عَلَى قَبَائِحَ وَمَثَالِبَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَقَصَمَ بِسَيْفِ عَدْلِهِ الطُّغَاةَ وَالْمُلْحِدِينَ أَنْ يُقَابِلَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ إنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِمَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ الْأَكِيدَةِ الْبَلِيغَةِ الزَّاجِرَةِ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْعَظَائِمِ حَسْبَمَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ وَالْمَحَجَّةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا وَنَهَارُهَا كَلَيْلِهَا فَلَا يَزِيغُ عَنْهَا إلَّا هَالِكٌ وَبَيَانُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ يَسْتَدْعِي الْكَلَامَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُ فَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنْ النَّظَرِ فِيمَا ذُكِرَ بِالْمَصْلَحَةِ وَالرِّفْقِ إلَى الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِيهَا الْعُقُوبَةُ الْعَظِيمَةُ الْمُنَاسَبَةُ لِقَبِيحِ حَالِهِ وَعَظِيمِ جَرَاءَتِهِ حَتَّى عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ بِمُخَالَفَتِهِ لَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ وَمُبَارِزَتِهِ لِأَوَامِرِهِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ النَّاسِ امْتِثَالُهَا وَالْإِذْعَانُ لَهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ تَشْتَدُّ وَتَتَضَاعَفُ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ حَتَّى يُزْجَرَ النَّاسُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ الْقَبِيحَةِ وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ مِنْ شَحْنِهِ بَقِيَّةَ حِمْلِ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِينَ وَشَحْنِهِ بِمَالِهِ وَمَالِ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُهُ فِيهِ أَيْضًا التَّعْزِيرُ الْبَلِيغُ وَأُجْرَةُ مَا شَحَنَهُ فِيهِ فِي مَرْكَبِهِمْ الَّتِي اسْتَحَقُّوا مَنَافِعَهَا وَأَمَّا الْجَعَالَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ التَّكَلُّمِ عَلَى السَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ بِالْمَصْلَحَةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُ عَيْنُ الْمَفْسَدَةِ وَالْجَوْرِ الْمُسَوِّدَيْنِ لِوَجْهِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُقْتَضَيَيْنِ لِتَعْمِيلِ حُلُولِ سَطَوَاتِ الِانْتِقَامِ بِهِ وَأَمَّا سَبُّهُ وَضَرْبُهُ وَشَتْمُهُ لِمَنْ ذُكِرَ فَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ الْعِقَابَ الشَّدِيدَ حَتَّى يَنْزَجِرَ عَنْهُ وَعَنْ أَمْثَالِهِ مِنْ قَبَائِحِهِ وَأَمَّا كَسْرُ ذِرَاعِ مَنْ ذُكِرَ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَيَلْزَمُهُ فِيهِ الْحُكُومَةُ بَلْ قَطْعُ يَدِهِ، أَوْ الدِّيَةُ أَنْ يَعْرِفُوا شُرُوطَ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَلَى قَائِلِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَنَّهُ لَا يُتَبَّرُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ فَقَرِينَةُ حَالِهِ قَاضِيَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ السُّخْرِيَةَ وَالِاسْتِهْزَاءَ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَافِرًا مُرْتَدًّا مُرَاقَ الدَّمِ مُهْدَرَهُ لَا يُسَاوِي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى جَنَاحَ بَعُوضَةٍ فَيُضْرَبُ عُنُقَهُ إنْ لَمْ يَتُبْ
وَكَذَا إنْ تَابَ عَلَى رَأْيٍ قَالَ بِهِ كَثِيرُونَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ لَأَكْفُرَ فِيكُمْ فَإِنْ أَرَادَ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ عَلَى عَدَمِ انْتِهَائِهِمْ، أَوْ التَّرَدُّدِ فِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ كُفْرٌ فِي الْحَالِ فَيُضْرَبُ عُنُقُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ أَيْضًا وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ الْخِنْزِيرِ إلَخْ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرَ الْأَكِيدَ الْبَلِيغَ الشَّدِيدَ
стр. 1159
الْمُنَاسِبَ لِمَا فِي هَذَا الْكَلَامِ الصَّادِرِ مِنْهُ مِنْ الْقُبْحِ وَالْفَظَاعَةِ وَالْقَسَاوَةِ وَالْجَلَافَةِ وَمَزِيدِ التَّجَرُّؤِ عَلَى اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَئِمَّةِ دِينِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا شَحْنُهُ بَقِيَّةَ حِمْلِ الْمُسْتَأْجِرِينَ فِي السَّفِينَةِ فَإِنَّهُ يُضَمِّنُهُ الْمِثْلِيَّ مِنْهُ بِمِثْلِهِ وَالْمُتَقَوَّمَ بِقِيمَةِ وَأَمَّا أَخْذُهُ الْأَجْرَ مِمَّنْ أَرْكَبَهُ، أَوْ شَحَنَ مَالَهُ كَرْهًا فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا وَتُنْزَعُ مِنْهُ تِلْكَ الْأُجْرَةُ وَتُرَدُّ لِأَرْبَابِهَا إذْ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ سَلِمُوا هُمْ وَأَحْمَالُهُمْ وَأَمَّا جَبْرُ مَنْ غَرِقَ مِنْ أَهْلِ السَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّذِينَ أَكْرَهَهُمْ عَلَى الرُّكُوبِ فِيهَا فَإِنْ سَيَّرَهَا بِهِمْ وَقَصَّرَ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَرِقَتْ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا قُتِلَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ إنْ مَاتُوا مَعًا وَإِلَّا فَبِأَوَّلِهِمْ مَوْتًا وَيَلْزَمُهُ دِيَاتُ الْبَاقِينَ، أَوْ بِمَا لَا يُقْتَلُ غَالِبًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ حِينَئِذٍ دِيَاتُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يُقْتَلُ مَنْ يُصَلِّي بِتَارِكِ الصَّلَاةِ فَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْأَصْلِ وَلِلْمُضْطَرِّ قَتْلُ حَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وَمَنْ لَهُ عَلَيْهِ قِصَاصٌ لِيَأْكُلَهُ وَكَذَا الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُحَارِبُ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْإِمَامُ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ مُسْتَحَقٌّ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا إذْنَهُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ تَأَدُّبًا مَعَهُ وَحَالَةُ الضَّرُورَةِ لَيْسَ فِيهَا رِعَايَةُ أَدَبٍ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ الْمُصَلِّي بِتَارِكِ الصَّلَاةِ الَّذِي كَانَ تَرْكُهُ سَبَبًا لِإِهْدَارِ دَمِهِ بِأَنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِهْدَارِ الْمَذْكُورَةُ فِي بَابِ قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ حَجَرًا فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَزَالَ عَيْنَ آخَرَ مَا الْحُكْمُ فِيهِ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ مَنْ ضَرَبَ حَجَرًا فَخَرَجَ مِنْهُ قِطْعَةٌ فَأَصَابَتْ عَيْنَ آخَرَ فَأَذْهَبَتْهَا لَزِمَ عَاقِلَتَهُ دِيَتُهَا وَهِيَ خَمْسُونَ بَعِيرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ الْيَمِينِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِالدَّمِ فَهَلْ تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ وَتَكُونُ خَمْسِينَ يَمِينًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأَصْحَابُ فِي الْقَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيَّةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ لَوْثًا أَمْ غَيْرَ لَوْثٍ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ أَنَّ الْمَنْقُولَ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ كَوْنَ الْيَمِينِ تَتَعَدَّدُ خَمْسِينَ لَا يَخْتَصُّ بِاللَّوْثِ بَلْ تَجِبُ الْخَمْسُونَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِلَا لَوْثٍ وَعَلَى مُدَّعٍ لَهُ مَعَهُ شَاهِدٌ وَفِي الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَلَوْ فِي غَيْرِ اللَّوْثِ مِنْ الْمُدَّعِي، أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ الْمُدَّعِي حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِنِسْبَةِ حَقِّهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ لَا يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ مَا يُثْبِتُهُ الْوَاحِدُ لَوْ انْفَرَدَ بَلْ يَثْبُتُ بَعْضُ الْأَرْشِ فَيَحْلِفُ بِقَدْرِ الْحِصَّةِ بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَنْفِي مَا يَنْفِيهِ الْوَاحِدُ لَوْ انْفَرَدَ وَيَمِينُ الْجِرَاحَاتِ وَإِنْ قَلَّتْ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالنَّفْسِ فَيَكُونُ فِيهَا خَمْسُونَ يَمِينًا بِتَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ مَرِضَ فَأَرْسَلَ إلَى حَكِيمٍ فَجَاءَ إلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِشَرْبَةٍ فَشَرِبَهَا فَتَعِبَ لَهَا تَعَبًا شَدِيدًا بِحَيْثُ قَارَبَ الْمَوْتَ ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِبَعْضِ شَيْءٍ مِنْ الْعَافِيَةِ ثُمَّ اشْتَدَّ الْمَرَضُ فَقَالَ لِوَرَثَتِهِ مَا أَنَا لَكُمْ بِصَاحِبٍ وَسَبَبُ ذَلِكَ الشَّرْبَةُ الَّتِي أَسْقَانِيهَا فُلَانٌ ثُمَّ مَاتَ فَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ عَلَى الطَّبِيبِ الْمَذْكُورِ بِمُجَرَّدِ أَمْرِهِ لِلْمَرِيضِ الْمَذْكُورِ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ الْمَذْكُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمُسْلِمِينَ سُؤَالًا صُورَتُهُ سُئِلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَمَّا إذَا جَرَحَ بَهِيمَةَ غَيْرِهِ مَثَلًا أَوْ عَبْدَهُ ثُمَّ انْدَمَلَتْ الْجِرَاحَةُ وَبَقِيَ أَثَرُهَا وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْ قِيمَتِهَا شَيْءٌ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ وَفِي الْعَبْدِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ أَيْضًا شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَهَلْ جَوَابُكُمْ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ أَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ وَهُوَ أَنَّ الْبَهِيمَةَ حَيْثُ انْدَمَلَ جُرْحُهَا وَلَا نَقْصَ فِيهَا لَا يَجِبُ عَلَى جَارِحِهَا إلَّا التَّعْزِيرُ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ الْفُورَانِيِّ الْحَيَوَانُ يُخَالِفُ الْجَمَادَ فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ إلَّا بَعْدَ الِانْدِمَالِ وَالْجَمَادُ يُضْمَنُ فِي الْحَالِ بِمَا نَقَصَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ فَقَالَ لَوْ فَقَأَ إحْدَى عَيْنَيْ حِمَارٍ لَمْ يَجِبْ فِي الْحَالِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْدَمِلَ ثُمَّ يَجِبُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحَ
стр. 1160
الْعَيْنِ وَمَفْقُوءَهَا قَالَ وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ لَا أُدَاوِيهِ حَتَّى يَمُوتَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ أَيْ عَلَى مُدَاوَاتِهِ وَلَوْ قَالَ الْجَانِي مَكِّنِي مِنْ مُدَاوَاتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّمْكِينُ مِنْهُ.
وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ مَا يُقَدَّرُ فِي الْحُرِّ كَالْيَدِ لَزِمَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ فِي هَذَا الْمِثَالِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَبَرِئَ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ أَمْ نَقَصَتْ بِقَدْرِ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَمْ أَقَلَّ أَمْ أَكْثَرَ وَإِنْ جُرِحَ جُرْحًا لَا مُقَدَّرَ لَهُ فِيهِ مِنْ الْحُرِّ فَبَرِئَ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ كَأَنْ قَطَعَ مِنْهُ أُصْبُعًا زَائِدَةً فَبَرِئَ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَلْزَمُهُ مَا نَقَصَ وَيُقَوَّمُ قَبْلَ الْبُرْءِ وَالدَّمُ سَائِلٌ لِلضَّرُورَةِ.
وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِقَوْلِهِمْ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ أَنَّ أَثَرَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنْ ضَعْفٍ، أَوْ شَيْنٍ إذَا بَقِيَ بَعْدَ الْبُرْءِ وَجَبَتْ الْحُكُومَةُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جُرْحًا، أَوْ كَسْرًا وَلَمْ يَنْقُصْ بَعْدَ الِانْدِمَالِ شَيْءٌ مِنْ مَنْفَعَةٍ أَوْ جَمَالٍ كَقَلْعِ سِنٍّ، أَوْ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ اعْتَبَرَ أَقْرَبَ نَقْصٍ إلَى الِانْدِمَالِ ثُمَّ مَا قَبْلَهُ وَهَكَذَا إلَى حَالِ سَيَلَانِ الدَّمِ حَتَّى تَنْقُصَ الْقِيمَةُ لِتَأَثُّرِهَا بِالْخَوْفِ وَالْخَطَرِ فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ شَيْءٌ وَلَا حَالَ سَيَلَانِ الدَّمِ فَهَلْ يُعَزَّرُ فَقَطْ، أَوْ يُعَزَّرُ وَيَفْرِضُ الْقَاضِي عَلَيْهِ شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ وَجْهَانِ رَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ الثَّانِيَ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ غَيْرَ جُرْحٍ وَلَا كَسْرٍ كَإِزَالَةِ الشُّعُورِ وَاللَّطْمَةِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ سِوَى التَّعْزِيرِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهُ قَاضٍ بِتَرْجِيحِ كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ فَعُلِمَ أَنَّ إطْلَاقَ بَعْضِ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الْعَبْدِ إطْلَاقٌ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِمَا لَفْظُهُ إذَا قُلْتُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأَبَ وَإِنْ عَلَا وَالِابْنَ وَإِنْ سَفَلَ وَالْقَاتِلَ لَيْسُوا هُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ وَلَا يَحْمِلُونَ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا وَإِذَا قُلْتُمْ أَيْضًا أَنَّ الدِّيَةَ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الْقَتْلِ وَأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفُ دِينَارٍ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبُعٌ وَأَنَّهَا عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَأَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ الَّتِي فِي بَلَدِ الْجَانِي وَمَنْ كَانَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فِي إقْلِيمٍ آخَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ غَنِيًّا وَالْعَاقِلَةُ فُقَرَاءَ أَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ فُقَرَاءَ فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَمْ تَسْقُطُ أَمْ إلَى الْيَسَارِ أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَإِذَا كَانَ الْقَرِيبُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْجَانِي وَالْأَبْعَدُ فِي بَلَدِهِ هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُمَا، أَوْ تَلْزَمُهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا وَإِذَا كَانَ الْقَرِيبُ فِي حَالِ الْجِنَايَةِ فِي إقْلِيمٍ آخَرَ ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَهَا إلَى بَلَدِ الْجَانِي هَلْ تَلْزَمُهُ أَمْ لَا تَلْزَمُهُ.
وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهَا مِنْ حِينِ الْقَتْلِ وَإِذَا كَانَ الْقَرِيبُ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَثَلًا مُوسِرِينَ أَوْ مُتَوَسِّطِينَ كَيْفَ تَسْقُطُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؟ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُوسِرَ أَلْزَمَتْهُمُوهُ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَالْمُتَوَسِّطَ رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيطَ لَا يَفِي فِي مُدَّةِ ثَلَاثِ سِنِينَ بِالدِّيَةِ فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ وَالدِّيَةُ بَاقِيَةٌ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَكَيْفَ تَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ الدَّنَانِيرُ وَالْحَالُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ الْإِبِلُ الْمَعْلُومَاتُ فِي الْخَطَإِ وَهِيَ مِائَةٌ مُخَمَّسَةٌ وَلَيْسَ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَّا بِالصُّلْحِ فَإِذَا امْتَنَعَتْ أَصْحَابُ الدَّمِ مِنْ الصُّلْحِ فَكَيْفَ تُوَزَّعُ الْإِبِلُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً أَوْ أَقَلَّ؟ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ وُضُوحًا شَافِيًا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ اخْتِصَاصِ الضَّرْبِ بِعَاقِلَةِ بَلَدِ الْجَانِي عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِهِ هَكَذَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا يُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفَاصِيلُ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ إنْ كَانُوا حَاضِرِينَ بِبَلَدِ الْجِنَايَةِ ضُرِبَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ الْمَعْرُوفِ وَإِنْ غَابُوا وَلَهُمْ ثَمَّ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ وَإِلَّا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى حَاكِمِ بَلَدِهِمْ لِيَأْخُذَهَا مِنْهُمْ وَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِالْقَتْلِ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِهَا وَيَأْخُذَهَا مِنْهُمْ وَإِنْ حَضَرَ بَعْضُهُمْ بِهَا وَغَابَ بَعْضُهُمْ فَإِنْ اسْتَوَى الْجَمِيعُ دَرَجَةً فَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ حَضَرَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَعَمْ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِقُرْبِ الْمَكَانِ فَهُمْ كَالْمُخْتَصِّينَ بِقُرْبِ الْقَرَابَةِ وَلِأَنَّ النُّصْرَةَ الَّتِي هِيَ مَلْحَظُ التَّحَمُّلِ إنَّمَا هِيَ بِهِمْ وَلِأَنَّ فِي الضَّرْبِ عَلَى الْغَائِبِينَ مَشَقَّةً وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - تُضْرَبُ عَلَى الْكُلِّ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْعُصُوبَةِ وَالْمِيرَاثِ وَعَلَى هَذَا فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ حَضَرُوا جَمِيعًا أَوْ غَابُوا جَمِيعًا فِيمَا مَرَّ وَعَلَى الضَّعِيفِ إذَا لَمْ يَفِ الْحَاضِرُونَ ضُرِبَ عَلَى الْغَائِبِينَ وَيَكْتُبُ الْقَاضِي كَمَا مَرَّ وَعَلَيْهِ أَيْضًا إذَا اخْتَلَفَتْ
следующие страницы →