← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بِالظُّهُورِ، وَالثَّانِيَةَ بِالِاجْتِهَادِ لِقُوَّةِ مَا فِيهَا فَلَوْ نَسَخْنَاهَا بِقَوِيٍّ يَجِيءُ بَعْدَهَا لَزِمَ نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ دَوْرَ الْمَرْأَةِ غَالِبًا شَهْرٌ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ الْأُولَى ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْحَيْضِ بِالظُّهُورِ؛ فَإِذَا جَاءَ بَعْدَهَا مَا يَنْسَخُهَا لِلْقُوَّةِ رَتَّبْنَا الْحُكْمَ عَلَيْهِ فَلَمَّا جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَلِمْنَا أَنَّهَا غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ، وَبَقِيَ لِذَلِكَ تَتِمَّاتٌ ذَكَرْتهَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ قَوْلُهُ: (وَفِيهِ إشْكَالٌ مِنْ وُجُوهٍ) يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ بَانَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ رَدُّ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَلَا يُحْتَاجُ لِاسْتِشْكَالِهِ إذْ لَا عَمَلَ بِقَضِيَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ هِيَ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ مِنْ حِينِ مُجَاوَزَةِ الدَّمِ الثَّانِي لِلْخَمْسَةِ عَشَرَ فَتُبَيِّنَ أَنَّ عَلَيْهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ صَلَوَاتِ مَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَكَذَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، وَهَكَذَا وَإِنْ كَانَتْ تَنْتَقِلُ فِي الدِّمَاءِ مِنْ ضَعِيفٍ إلَى قَوِيٍّ وَمِنْ قَوِيٍّ إلَى أَقْوَى عَلَى أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ وَمَنْ مَعَهُ أَنْ يَرُدُّوا مَا اسْتَشْكَلَ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمْ أَخْذًا مِمَّا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُقَالَ: قَوْلُك مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ فِي مَحَلِّ الْمَنْعِ بَلْ هُوَ عَيْنُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا، وَكَفَى بِنَسْخِ الْأَقْوَى لِلضَّعِيفِ مَانِعًا وَجَعَلَ الْأَصْحَابُ مَا ذَكَرْت لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَا دَلِيلَ وَهُمْ قَدْ قَرَّرُوا الدَّلِيلَ قَوْلُهُ: بَعْدَ الشَّهْرِ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: يُعَاقَبُ لَا لِحَيْضِهَا لِلتَّنَاقُصِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَسِعَ) أَيْ مَا قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (فِيمَنْ رَأَتْ) مُتَعَلِّقٌ بِقُلْنَا. قَوْلُهُ: (وَكَذَا. .. إلَخْ) لَا مَعْنَى لِهَذَا الْكَلَامِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى مُرَادِ قَائِلِهِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ قُبَيْلَهُ، وَقَدْ بَلَغَ أَوَّلَ الثَّالِثِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَيْ وَكَذَا مَا زَادَ عَلَيْهِمَا إذَا اسْتَمَرَّ السَّوَادُ. قَوْلُهُ: جَعَلْنَا لِلثَّالِثِ هُنَا. .. إلَخْ) لَا يُحْتَاجُ إلَى هَذَا كُلِّهِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ السَّابِقَةِ، وَحَاصِلُهُ عِنْدَهُ أَنَّهَا لَوْ رَأَتْ سِتَّةَ عَشَرَ أَحْمَرَ ثُمَّ أَسْوَدَ مُسْتَمِرًّا فَلَا تَمْيِيزَ لَهَا فَتَحِيضُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ، وَبَاقِيه وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ ثُمَّ تَحِيضُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ وَبَاقِيه اسْتِحَاضَةٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ بَلْ هِيَ بَعْدَ الدَّوْرِ الْأَوَّلِ مُعْتَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَقَدْ مَضَى لَهَا دَوْرٌ سِتَّةَ عَشَرَ فَلْيَكُنْ دَوْرُهَا مِنْ السَّوَادِ سِتَّةَ عَشَرَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ ثُمَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ، وَهَكَذَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ قَوْلُهُ: (الثَّانِي. .. إلَخْ) لِلْإِسْنَوِيِّ أَنْ يَقُولَ: لَمْ أَخْتَرِعْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ بِمُقْتَضَى عِلَّتِهِمْ فَكَأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِهِ. قَوْلُهُ: (الثَّالِثُ. .. إلَخْ) لَا يُشْكِلُ هَذَا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ، فَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ لَهُ فِي حَيِّزِ الْإِشْكَالَاتِ عَلَيْهِ فِيهِ اسْتِرْوَاحٌ. قَوْلُهُ: (وَنَسَخَ الْأَقْوَى مَا حُكِمَ بِهِ طُهْرًا بِاسْتِوَاءِ دَمِهِ) هَذَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى مُرَادِ قَائِلِهِ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ. قَوْلُهُ: (هَذَا مَا ظَهَرَ. .. إلَخْ) لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ فِي مَسْأَلَتِهِمَا السَّابِقَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَرَّرْتُهُ فِيهَا سِيَّمَا مَا مَرَّ قَرِيبًا، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ فَسَمْعًا وَطَاعَةً؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَاهُ فَأَيُّ شَيْءٍ خَالَفَ فِيهِ حَتَّى يُطْلَبَ فِيهِ النَّصُّ؟ قَوْلُهُ: (الرَّابِعُ. .. إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ فِيهِ هُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الرَّابِعِ هِيَ صُورَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا فِي الثَّالِثِ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ. .. إلَخْ) هَذِهِ لَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْإِسْنَوِيِّ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ السَّادِسَ عَشَرَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْحُمْرَةِ صَيَّرَتْهَا غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ مِنْ حِينَئِذٍ، وَإِنْ طَرَأَ السَّوَادُ بَعْدَهُ فَيَسْتَمِرُّ لَهَا هَذَا الْحُكْمُ إلَّا إنْ كَانَ بَانَ لَهَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْإِسْنَوِيِّ فَهِيَ بِانْتِقَالِهَا عَنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْحُمْرَةُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا عَدَمُ التَّمْيِيزِ، فَتَرَجَّتْ أَنَّ السَّوَادَ هُوَ الْحَيْضُ فَأَمْسَكَتْ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ فَلَا جَامِعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ حَتَّى يَرِدَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ، وَحِينَئِذٍ انْدَفَعَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ. .. إلَخْ) لِمَا ظَهَرَ مِنْ وُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: (وَإِنْ طَالَ زَمَنُ الْأَخِيرِ. .. إلَخْ) غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا قَدَّمَتْهُ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَالْمَجْمُوعُ مِنْ أَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أَنْ يَتَقَطَّعَ، وَإِلَّا كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ وَلِفَهْمِ الْمُؤَلِّفُ صِحَّةَ هَذَا الَّذِي صَرَّحَ بِهِ بَنَى عَلَى الْإِشْكَالَاتِ فِيمَا مَرَّ، وَقَدْ رَدَدْتهَا ثَمَّ بِهَذَا فَاسْتَحْضِرْهُ لِيَظْهَرَ لَك رَدُّ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِشْكَالُهَا مِنْ فَقْدِ شَرْطِ التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ (فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِهِ إلَخْ) عَجِيبٌ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ يُفْقَدْ، وَإِنَّمَا الْمَفْقُودُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ، وَإِلَّا حُكِمَ بِالتَّمْيِيزِ، وَإِنْ كَانَ الضَّعِيفُ دُونَ أَقَلِّ الطُّهْرِ. قَوْلُهُ: (وَجَوَابُهُ. .. إلَخْ) لَيْسَ الْجَوَابُ مُطْلَقًا لِلْإِشْكَالِ الْمَبْنِيِّ عَلَى.

стр. 107

فَهْمِ غَيْرِ الْمُرَادِ فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ. .. إلَخْ) مَرَّ مَا فِيهِ مَبْسُوطًا وَأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (حَكَوْا الِاتِّفَاقَ) مُرَادُهُ فِي نَحْوِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى اتِّفَاقُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمُخَالِفِهِ، فَإِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ السَّوَادَ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي الْحُمْرَةِ فَابْنُ سُرَيْجٍ يُلْحِقُهَا بِالْأُولَى وَغَيْرُهُ يُلْحِقُهَا بِالثَّانِيَةِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (دَلِيلًا لِلْقُوَّةِ بِالسَّبْقِ) قَصَدَ بِهَذَا الرَّدَّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَمُتَابَعِيهِ وَلَا رَدَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَدَ هُنَا لَمْ يَأْتِ مَا يَنْسَخُهُ فَلَا جَامِعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَهَلَّا كَانَتْ هَذِهِ عِنْدَهُ. .. إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى طَرِيقَتِهِ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ فِي تِلْكَ مَا مَرَّ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ عِنْدَهُ أَيْضًا، لَكِنَّهُ يُثَابِرُ عَلَى تَصْحِيحِ الدَّوْرِ مَا أَمْكَنَ كَمَا مَرَّ فَفِي صُورَتِهِ: لَمَّا رَأَتْ الْأَحْمَرَ سِتَّةَ عَشَرَ مَا أَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَهَا حَيْضًا وَطُهْرًا فَجَعَلَهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا انْتَقَلَتْ إلَى الْأَسْوَدِ حَصَلَ لَهَا نَوْعُ تَمْيِيزٍ بِانْتِقَالِهَا إلَى الْأَقْوَى فَجَعَلَ أَوَّلَهُ حَيْضًا رِعَايَةً لِقُوَّتِهِ، وَأَمَّا هَذِهِ فَإِنَّ الْأَسْوَدَ الْأَقْوَى قَدْ تَقَدَّمَ فِيهَا فَإِذَا جَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ صَارَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، فَمَرَدُّهَا مَرَدُّ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوَّلَ الْأَسْوَدِ، وَلَا نَظَرَ إلَى الْأَحْمَرِ؛ لِأَنَّهُ لِضَعْفِهِ وَتَأَخُّرِهِ عَنْ الْقَوِيِّ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الطُّهْرِ فَلَا مُقْتَضَى لِكَوْنِهِ يَجْعَلُ أَوَّلَهُ حَيْضًا نَظِيرَ مَا فَعَلَ فِي الْأَسْوَدِ؛ لِمَا عَلِمْت أَنَّ ثَمَّ مُقْتَضِيًا هُوَ تَأَخُّرُ الْقَوِيِّ، وَأَنَّ الِانْتِقَالَ إلَيْهِ عَنْ الضَّعِيفِ مَعْهُودٌ، وَلَيْسَ هُنَا نَظِيرُ ذَلِكَ إذْ لَمْ يُعْهَدْ الِانْتِقَالُ مِنْ الْقَوِيِّ إلَى الضَّعِيفِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (أَمَّا عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ) أَيْ مِنْ خِلَافِ مَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: مِنْ أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ. قَوْلُهُ: (وَإِشْكَالُ مَسْأَلَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. .. إلَخْ) لَا تُشْكِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالثَّلَاثِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهَا فِيمَا إذَا اسْتَمَرَّ الْأَسْوَدُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لَهُمْ، وَهُنَّ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ كَمَا قَدَّمْت مِرَارًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَلَقَدْ كَرَّرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْإِشْكَالَ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً عَلَى أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكُلُّهَا غَفْلَةٌ عَمَّا قَدَّمْته عَنْ الْمُتَوَلِّي وَالْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: فَقِيَاسُ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ) مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَ وَجَوَابُهُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ تِلْكَ الثَّلَاثَ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ وَمَسْأَلَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَسْوَدُ وَمِثْلُهُمَا أَحْمَرُ وَهَكَذَا حَتَّى جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ فِيمَا إذَا اسْتَمَرَّ التَّقَطُّعُ كَذَلِكَ وَبِهَذَا انْدَفَعَ فَرْقُهُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا اسْتَنَدَ فِيهِ إلَى تَرَجِّي مَا لَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَهُمْ إذْ مُجَرَّدُ التَّكَرُّرِ لَمْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ تَصْرِيحًا وَلَا تَلْوِيحًا بِخِلَافِ مَا أَجَبْنَا بِهِ فَإِنَّهُمْ عَوَّلُوا عَلَيْهِ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا (قَوْلُهُ: فَلْيُحَرَّرْ) قَدْ عُرِفَ تَحْرِيرُ هَذَا الْمَقَامِ لَكِنْ بِغَيْرِ مَا فَرَّقَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَعَوَّلَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهَا مَسْأَلَةُ مَنْ رَأَتْ إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ كَلَامٌ يُرْجَعُ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهُ إلَيْهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هِيَ أَصْلُ هَذَا الْمَبْحَثِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَالشَّيْخَيْنِ وَاسْتَشْكَلَهُ بِتِلْكَ الْإِشْكَالَاتِ الَّتِي مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهَا ثُمَّ أَعَادَهَا وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي لَا حَاصِلَ لَهُ إلَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: نَعَمْ قُلْنَا إلَخْ وَكَأَنَّهُ لِاسْتِشْعَارِهِ ذَلِكَ قَالَ وَلْيُزِدْ النَّظَرَ فِيهَا. (قَوْلُهُ: فَإِشْكَالُهَا مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُ الْقُوَّةِ بِالسَّبْقِ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مِنْ مَظَانِّ اعْتِبَارِ الْقُوَّةِ بِالسَّبْقِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حَيْثُ اتَّحَدَا فِي الصِّفَاتِ كَأَحْمَرَ ثَخِينٍ وَأَسْوَدَ رَقِيقٍ وَوُجِدَتْ شُرُوطُ التَّمْيِيزِ فِي كُلٍّ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ حَتَّى يُحْتَاجَ إلَى تَكَلُّفِ الْجَوَابِ عَنْهُ. بِمَا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: لَكِنَّهُ هُنَا أَقْوَى فَلِمَ لَمْ تُعْتَبَرْ قُوَّتُهُ فِيهِ تَنَافٍ (قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا مَنْ رَأَتْ إلَخْ) بَسَطَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ بِمَا حَاصِلُهُ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا ثُمَّ اثْنَيْ عَشَرَ نَقَاءً ثُمَّ ثَلَاثَةً دَمًا ثُمَّ انْقَطَعَ فَالثَّلَاثَةُ الْأُولَى حَيْضٌ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ وَالثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ دَمُ فَسَادٍ لَا حَيْضٍ مَعَ الْأُولَى لِمُجَاوَزَتِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَا مُنْفَرِدًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَقَلُّ طُهْرٍ وَهَكَذَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَتْ النَّقَاءَ تَمَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَكْثَرَ دَمًا فَالْأَوَّلُ حَيْضٌ وَالْأَخِيرُ دَمُ فَسَادٍ وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَلَوْ رَأَتْ دَمًا دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَقَاءً تَمَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ دَمًا يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالْأَوَّلُ دَمُ فَسَادٍ وَالثَّانِي حَيْضٌ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ وَلَوْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ دَمًا ثُمَّ تَمَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَقَاءً ثُمَّ نِصْفَ يَوْمٍ دَمًا فَالدَّمَانِ جَمِيعًا دَمُ فَسَادٍ وَلَا حَيْضَ لَهَا اتِّفَاقًا لِعَدَمِ إمْكَانِ ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ لِمُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا بِلَا لَيْلَةٍ دَمًا ثُمَّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَقَاءً ثُمَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا فَقَدْ رَأَتْ.

стр. 108

فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمَيْنِ دَمًا فِي أَوَّلِهَا يَوْمًا وَفِي آخِرِهَا يَوْمًا فَإِنْ قُلْنَا لَا تَلْفِيقَ فَحَيْضُهَا الدَّمُ الثَّانِي كُلُّهُ وَالْأَوَّلُ دَمُ فَسَادٍ وَإِنْ لَفَّقْنَا مِنْ الْعَادَةِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَةَ تُرَدُّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَيْسَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا وَإِنْ لَفَّقْنَا مِنْ مُدَّةِ الْإِمْكَانِ وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنْ قُلْنَا الْمُبْتَدِئَةُ تُرَدُّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَيَّضْنَاهَا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَمِنْ الْخَامِسَ عَشَرَ مِقْدَارَ لَيْلَةٍ لِيَتِمَّ لَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْإِشْكَالُ فِي الْأُولَى إلَخْ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى إشْكَالَاتِهِ السَّابِقَةِ الْمَبْنِيَّةِ كُلِّهَا عَلَى تَوَهُّمِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَقَطِّعِ وَالْمُسْتَمِرِّ. وَلَوْ تَأَمَّلَ قَوْلَهُ كَالْمَجْمُوعِ ثُمَّ ثَلَاثَةً دَمًا وَانْقَطَعَ لَزَالَ عَنْهُ هَذَا الْإِشْكَالُ، وَبَقِيَّةُ الْإِشْكَالَاتِ السَّابِقَةِ وَلَعَلِمَ أَنَّ هَذَا رَدٌّ لِإِشْكَالِهِ وَمُصَرِّحٌ بِمَا قَدَّمْته مِرَارًا عَنْ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ انْقَطَعَ عَمَلٌ بِالتَّمْيِيزِ وَإِنْ نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ وَأَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزَةِ إنَّمَا يَتَأَتَّى لَهَا ذَلِكَ حَيْثُ اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا الدَّمُ (قَوْلُهُ: فَلْيَكُنْ لَهَا إلَخْ) لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِمَا تَقَرَّرَ سِيَّمَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَجْمُوعَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَكَذَا صُرِّحَ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى سَبَقَتْ بِنَفْيِ الْخِلَافِ وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ اسْتِشْكَالُهَا بِمَا ذَكَرَ وَمَرَّ رَدُّ جَمِيعِهَا بِمَا ذَكَرْته هُنَا وَتَصْرِيحُ الْمَرَاغِيِّ يُنْظَرُ فِيهِ. فَإِنْ صَوَّرَ بِالِانْقِطَاعِ كَمَا صَوَّرَ بِهِ الْمَجْمُوعُ فَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اسْتَمَرَّ الدَّمُ فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَظَاهِرُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَتَحَيُّضُهَا الثَّلَاثَ إلَخْ) يُرَدُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ بِالْحَيْضِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ السَّبْقُ بَلْ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ وَحْدَهُ دُونَ الْأَخِيرَةِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إلْغَاءُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَخْ) قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْته آنِفًا عَنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّ صَلَاحِيَّةَ الْأَوَّلِ لِاجْتِمَاعِهِ بِبَعْضِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى الضَّعِيفِ الَّذِي مَرَّ آخِرَ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ السَّابِقَةِ عَنْهُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْأَوْلَوِيَّةِ. بَلْ لَا دَلِيلَ فِيهِ أَيْضًا وَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا الضَّعِيفِ لِأَنَّ صَلَاحِيَتَهُ لِلِاجْتِمَاعِ إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ مُعَارِضٍ لَهُ أَقْوَى بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْإِسْنَوِيِّ الَّذِي يُرِيدُ الْمُصَنِّفُ اسْتِشْكَالَهَا فَإِنَّهُ عَارَضَ الدَّمَ الْأَوَّلَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَتَكُونُ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ) مَحَلُّهُ إنْ كَانَ اسْتَمَرَّ الدَّمُ وَإِلَّا كَانَتْ الْخَمْسَةُ الْحُمْرَةُ ثُمَّ السَّوَادُ ثُمَّ الْخَمْسَةُ الْحُمْرَةُ كُلُّهَا حَيْضًا كَمَا مَرَّ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْمَجْمُوعِ لَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ نِصْفَ يَوْمٍ سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَلَا تَمْيِيزَ لَهَا (قَوْلُهُ وَهُوَ مُشْكِلٌ) قَدْ مَرَّ لَهُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ مِرَارًا وَمَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ كَذَلِكَ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا زَادَ فِي تَكْرِيرِ ذَلِكَ لِقُوَّةِ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: فَتَكُونُ إلَخْ) لَا يُجْدِيه هَذَا شَيْئًا لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ إنْ كَانَ انْقَطَعَ الدَّمُ فِيهَا فَهِيَ مِثْلُ الْأُولَى فِي التَّمْيِيزِ وَإِلَّا فَهِيَ مِثْلُهَا فِي عَدَمِهِ فَزَالَ مَا حَاوَلَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَقْوِيَةَ فِيهِ لِمَا فِي النَّمَطِ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِمَا حَاوَلَهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْأُولَى بِعَدَمِ التَّمْيِيزِ) مُرَادُهُ بِهَا مَنْ رَأَتْ خَمْسَةً أَحْمَرَ ثُمَّ يَوْمًا أَسْوَدَ ثُمَّ خَمْسَةً أَحْمَرَ وَقَدَّمْتُ فِيهَا آنِفًا شَرْطَ عَدَمِ التَّمْيِيزِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ فِيمَا يَأْتِي قَرِيبًا وَبِهِ مَعَ مَا مَرَّ فِي تَقْرِيرِ مَا بَعْدَهَا يَرُدُّ فَرْقَ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَقْتَضِيَهُ عَادَةٌ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ الْمُعْتَادَةِ الْمُمَيِّزَةِ. (قَوْلُهُ: خَمْسَةً أَسْوَدَ) أَيْ ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ (قَوْلُهُ: وَجْهَانِ) أَيْ بَلْ ثَلَاثَةٌ أَصَحُّهَا تَقْدِيمُ التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا وَافَقَ الْعَادَةَ أَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ وَثَانِيهَا تَقْدِيمُ الْعَادَةِ مُطْلَقًا وَثَالِثُهَا إنْ كَانَ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عُمِلَ بِهِمَا وَإِلَّا سَقَطَا وَكَانَتْ كَمُبْتَدِئَةٍ لَا تَمْيِيزَ لَهَا فَفِيمَنْ اعْتَادَتْ خَمْسَةً أَوَّلَ الشَّهْرِ لَوْ رَأَتْ أَوَّلَهُ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ حَيْضُهَا السَّوَادُ بِاتِّفَاقِهِمْ، أَوْ عَشَرَةً سَوَادًا، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَحَيْضُهَا السَّوَادُ كُلُّهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَخَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِهِ عَلَى الثَّانِي، أَوْ خَمْسَةً حُمْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَهُوَ السَّوَادُ عَلَى الْأَوَّلِ وَخَمْسَةُ الْحُمْرَةِ عَلَى الثَّانِي. وَالْعَشَرَةُ عَلَى الثَّالِثِ، أَوْ السَّوَادُ يَوْمًا إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَهُوَ السَّوَادُ مُطْلَقًا عَلَى الْأَوَّلِ وَخَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ مُطْلَقًا عَلَى الثَّانِي وَالْأَكْثَرُ مِنْ التَّمْيِيزِ وَالْعَادَةِ عَلَى الثَّالِثِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ ظَهَرَ الْقَوِيُّ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا) هَذَا عَيَّنَ مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: خَمْسًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَيْ مِنْ أَوَّلِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَى الضَّعِيفِ الْمُقَدَّمِ عَلَى الْعَادَةِ فَحَيْضُهَا خَمْسٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَأَتْ) أَيْ مَنْ عَادَتُهَا الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي آخِرِهِ شَيْءٌ أَسْوَدُ إلَخْ) قَدّ يُنَافِيه.

стр. 109

حَاصِلُ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ فِي هَذِهِ أَعْنِي الْمُعْتَادَةَ خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ لَوْ رَأَتْ عِشْرِينَ حُمْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ كَانَتْ الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ حَيْضًا كَعَادَتِهَا وَأَيَّامُ السَّوَادِ حَيْضٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا طُهْرًا كَامِلًا قَالَ جَمَاعَةٌ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ خِلَافًا اهـ فَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ لَوْ رَأَتْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ أَحْمَرَ، ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ أَنْ يَكُونَ الْأَسْوَدُ الثَّانِي حَيْضًا لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ السَّوَادَيْنِ أَقَلُّ طُهْرٍ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي تِلْكَ قُلْت يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ تَعَارُضٌ، ثُمَّ عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِإِمْكَانِهِ. وَانْتَسَخَ بِذَلِكَ عَادَتُهَا فِي الطُّهْرِ وَأَمَّا هُنَا فَالْعَادَةُ وَافَقَتْ التَّمْيِيزَ فَكَانَتْ عَادَتُهَا فِي الطُّهْرِ وَأَنَّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا فَإِذَا جَاءَ فِيهَا الْأَسْوَدُ ثُمَّ عَقِبَهُ الْأَحْمَرُ الْمُسْتَمِرُّ بَانَ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ فَتَأَمَّلْهُ. (قَوْلُهُ: كَمَا سَبَقَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا) لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذَلِكَ صَرِيحًا بَلْ اقْتِضَاءٌ فَقَطْ. (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَخْتَلِفْ الدَّمُ أَنَّ حَيْضَهَا الْخَمْسُ الْأُوَلُ) هَذَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى مُرَادِ قَائِلِهِ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ صَحِيحٌ وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ هُنَا إذَا اعْتَادَتْ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَجَاوَزَ عَادَتهَا لَزِمَهَا اتِّفَاقًا وَإِنْ جَرَى وَجْهٌ شَاذٌّ فِي الْمُبْتَدِئَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي اسْتِمْرَارِ الْحَيْضِ هُنَا أَنْ تُمْسِكَ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ حَيْضًا، ثُمَّ إنْ كَانَ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ فَأَقَلَّ فَالْكُلُّ حَيْضٌ وَإِنْ جَاوَزَهَا فَمُسْتَحَاضَةٌ فَيَلْزَمُهَا الْغُسْلُ ثُمَّ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ رُدَّتْ لِعَادَتِهَا فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا قَدْرًا وَوَقْتًا وَمَا عَدَاهُ طُهْرٌ تَقْضِي صَلَاتَهُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَوْنُ عَادَتِهَا أَقَلَّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ أَوْ غَالِبَهُمَا، أَوْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَأَقَلَّ الطُّهْرِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ زَمَنُ الطُّهْرِ فَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةً وَتَطْهُرُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَدَوْرُهَا عِشْرُونَ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ فَدَوْرُهَا ثَلَاثُونَ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَأَقَلَّ وَتَطْهُرُ تَمَامَ عَشْرِ سِنِينَ فَدَوْرُهَا عَشْرُ سِنِينَ. خِلَافًا لِفِرْقَةٍ جَعَلُوا غَايَتَهُ تِسْعِينَ الْحَيْضُ مَا يُتَّفَقُ وَالْبَاقِي طُهْرٌ لِأَنَّهَا عِدَّةُ الْآيِسَةِ وَيَبْعُدُ الْحُكْمُ بِالطُّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ. ثُمَّ الْأَصَحُّ بِاتِّفَاقِهِمْ مِنْ أَوْجُهٍ أَرْبَعَةٍ أَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مُطْلَقًا مُبْتَدِئَةً كَانَتْ، أَوْ غَيْرَهَا فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدِئَةٌ أَوَّلَ الشَّهْرِ عَشَرَةً دَمًا وَبَاقِيَهُ طُهْرًا وَفِي ثَانٍ خَمْسَةً وَثَالِثٍ أَرْبَعَةً، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الرَّابِعِ رُدَّتْ لِلْأَرْبَعَةِ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ أَرْبَعَةً ثُمَّ خَمْسَةً، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ رُدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ عَلَى الْأَصَحِّ بَلْ الصَّوَابُ كَمَا تَثْبُتُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا خِلَافًا لِجَمْعٍ. فَلَوْ رَأَتْ بَعْدَ شَهْرِ التَّمْيِيزِ دَمًا مُبْهَمًا اغْتَسَلَتْ بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ أَيَّامِ التَّمْيِيزِ وَفَعَلَتْ مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرُ الْمُسْتَحَاضَةُ نَعَمْ إنْ كَانَ انْقَطَعَ الدَّمُ فِي بَعْضِ الشُّهُورِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ كَانَ جَمِيعُ مَا رَأَتْهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ حَيْضًا فَعُلِمَ أَنَّهَا لَوْ اعْتَادَتْ خَمْسَةً سَوَادًا وَبَاقِيَ الشَّهْرِ حُمْرَةً وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا، ثُمَّ رَأَتْ فِي دَوْرٍ عَشَرَةً سَوَادًا، ثُمَّ بَاقِيَهُ حُمْرَةً، ثُمَّ فِيمَا يَلِيهِ أَطْبَقَ السَّوَادُ، أَوْ دَمٌ مُبْهَمٌ فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةٌ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ لَا الْحُكْمُ وَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدِئَةٌ دَمًا أَحْمَرَ شَهْرًا وَفِي شَهْرٍ ثَانٍ خَمْسَةً سَوَادًا.، ثُمَّ بَاقِيَهُ حُمْرَةً، ثُمَّ رَأَتْ فِي الثَّالِثِ دَمًا مُبْهَمًا وَأَطْبَقَ فَفِي الْأَوَّلِ هِيَ مُبْتَدِئَةٌ لَا تَمْيِيزَ لَهَا تُرَدُّ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي الثَّانِي تُرَدُّ لِلتَّمْيِيزِ وَفِي الثَّالِثِ لِخَمْسَةٍ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ وَيَجُوزُ أَنْ تَنْتَقِلَ الْعَادَةُ فَتَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ وَتَزِيدُ وَتَنْقُصُ وَحِينَئِذٍ فَتُرَدُّ إلَى آخِرِ مَا رَأَتْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ. فَمَنْ اعْتَادَتْ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الشَّهْرِ وَلَوْ رَأَتْ فِي شَهْرٍ الْخَمْسَةَ الْأُولَى دَمًا وَانْقَطَعَ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا وَحَيْضُهَا بِحَالِهِ دُونَ طُهْرِهَا فَإِنَّهُ نَقَصَ وَصَارَ عِشْرِينَ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ.، أَوْ الثَّالِثَةَ، أَوْ الرَّابِعَةَ، أَوْ الْخَامِسَةَ أَوْ السَّادِسَةَ فَحَيْضُهَا بِحَالِهِ أَيْضًا وَلَكِنْ زَادَ طُهْرُهَا، أَوْ الثَّانِيَةَ مَعَ الثَّالِثَةِ زَادَ حَيْضُهَا وَتَأَخَّرَتْ عَادَتُهَا، أَوْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ زَادَ حَيْضُهَا وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا، أَوْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ زَادَ حَيْضُهَا إذْ صَارَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا وَتَأَخَّرَتْ، أَوْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلُّ مِنْ خَمْسَتِهَا الْمُعْتَادَةِ نَقَصَ حَيْضُهَا وَلَمْ تَنْتَقِلْ عَادَتُهَا، أَوْ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأُولَى نَقَصَ حَيْضُهَا وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا، أَوْ مِنْ الْخَمْسَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ مَا بَعْدَهَا نَقَصَ حَيْضُهَا وَتَأَخَّرَتْ عَادَتُهَا، ثُمَّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ الْمُتَّفَقِ.

стр. 110

عَلَيْهَا إذَا اُسْتُحِيضَتْ فَأَطْبَقَ دَمُهَا بَعْدَ عَادَةٍ مِنْ هَذِهِ الْعَادَاتِ رُدَّتْ إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ. وَمِنْ مِثْلِ قَدْرِ الطُّهْرِ إذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ مَا لَوْ رَأَتْ مُعْتَادَةٌ خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ فَقَدْ صَارَ دَوْرُهَا الْمُتَقَدِّمُ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ مِنْهَا خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَثَلَاثُونَ طُهْرٌ بِأَنْ تَكَرَّرَ هَذَا بِأَنْ رَأَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ ثَلَاثِينَ طُهْرًا، ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فِي الْخَمْسَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ وَهَكَذَا، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ وَأَطْبَقَ الدَّمُ الْمُبْهَمُ رُدَّتْ إلَى هَذَا أَبَدًا فَخَمْسَةٌ حَيْضٌ وَثَلَاثُونَ طُهْرٌ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ. بِأَنْ اسْتَمَرَّ الدَّمُ مِنْ أَوَّلِ الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَى الْأَصَحِّ حَيْضُهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْمُبْتَدِئِ وَهِيَ الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ وَيَكُونُ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَثَلَاثُونَ طُهْرٌ وَلَوْ اعْتَادَتْ خَمْسَةً أَوَّلَ الشَّهْرِ فَرَأَتْهُ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ وَانْقَطَعَ، ثُمَّ عَادَ أَوَّلَ الشَّهْرِ الثَّانِي وَانْقَطَعَ صَارَ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَإِنْ تَكَرَّرَ فَوَاضِحٌ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ وَكَذَا إنْ كَانَ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَإِنْ عَادَ فِي الْخَمْسَةِ الْأُولَى وَاسْتَمَرَّ فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ حَيْضٌ اتِّفَاقًا وَالطُّهْرُ عِشْرُونَ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَلَوْ حَاضَتْ خَمْسَتَهَا الْمَعْهُودَةَ أَوَّلَ الشَّهْرِ. ثُمَّ طَهُرَتْ عِشْرِينَ، ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فِي الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَيْضُهَا وَصَارَ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَتُرَدُّ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِأَنْ اسْتَمَرَّ الدَّمُ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ فَتَحِيضُ خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ وَتَطْهُرُ عِشْرِينَ وَهَكَذَا وَلَوْ لَمْ تَطْهُرْ إلَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ عَادَ الدَّمُ وَاسْتَمَرَّ كَانَ يَوْمٌ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْعَائِدِ اسْتِحَاضَةً تَكْمِيلًا لِلطُّهْرِ وَخَمْسَةٌ بَعْدَهُ حَيْضٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ وَصَارَ دَوْرُهَا عِشْرِينَ وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ فَرَأَتْ الدَّمَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَاتَّصَلَ. فَالصَّحِيحُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِمْ. أَنَّ حَيْضَهَا الْخَمْسَةُ الْمُعْتَادَةُ لِأَنَّ الْعَادَةَ ثَبَتَتْ فِيهَا فَلَا تَغَيُّرَ إلَّا بِحَيْضٍ صَحِيحٍ فَعَلَيْهِ يَبْقَى دَوْرُهَا كَمَا كَانَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ حَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَيَنْقُصُ طُهْرُهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَلَوْ طَهُرَتْ هَذِهِ دُونَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ وَاتَّصَلَ بَقِيَتْ عَلَى عَادَتِهَا اتِّفَاقًا وَلَوْ اعْتَادَتْ الْخَمْسَةَ الْأُولَى فَرَأَتْهَا، ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ وَاسْتَمَرَّ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَشَيْخِهِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِمَا حَيْضُهَا خَمْسَةٌ أَوَّلَ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيه طُهْرٌ وَلَا أَثَرَ لِلدَّمِ الْمَوْجُودِ فِيهِ وَقِيلَ الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ الدَّمِ الثَّانِي حَيْضٌ فَيَصِيرُ دَوْرُهَا عِشْرِينَ. وَلَوْ رَأَتْ الْخَمْسَةَ الْمُعْتَادَةَ وَطَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا رُدَّتْ لِخَمْسَتِهَا الْمُعْتَادَةِ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ اتِّفَاقًا وَلَوْ رَأَتْ مُعْتَادَةُ خَمْسَةِ أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً حُمْرَةً أَوَّلَ الشَّهْرِ، ثُمَّ أَطْبَقَ السَّوَادُ إلَى آخِرِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأَسْوَدَ يَرْفَعُ حُكْمَ الْأَحْمَرِ حَيْضُهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ وَقَدْ انْتَقَلَتْ عَادَتُهَا. فَإِنْ لَمْ يُطْبِقْ السَّوَادُ بَلْ رَأَتْهُ بَعْدَ خَمْسَةِ الْحُمْرَةِ خَمْسَةً، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَحَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مَذْكُورٍ فِي الْمُبْتَدِئَةِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْعَادَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنْ كَانَ لَهَا عَادَاتٍ فَقَدْ تَنْتَظِمُ وَقَدْ لَا وَسَيَأْتِي وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ مِنْ عَادَتِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ يُجْمِلُ الْقَوَاعِدَ فَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ مُتَفَرِّعَةٍ عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهَا كَمَا يَنْبَغِي إلَّا بَعْدَ الْإِحَاطَةِ بِأُصُولِهَا وَمَوَادِّهَا فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ بِأُصُولِ مَآخِذِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِنَا (قَوْلُهُ: سِتٌّ مِنْ أَوَّلِهِ) أَيْ الْأَسْوَدُ؛ لِأَنَّهُ حَيْضُهَا بِحُكْمِ التَّمْيِيزِ الْوَاقِعِ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ إذْ مِنْ الْخَامِسِ إلَى آخِرِ الْعَاشِرِ هُوَ حَيْضُهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الْأَقْوَى (قَوْلُهُ: أَشْقَرُ) أَيْ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَحْمَرِ كَالطُّهْرِ. (قَوْلُهُ: فَحَيْضُهَا ثَمَانِيَةُ السَّوَادِ) أَيْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ الْأَحْمَرِ الثَّانِي) أَيْ: مِنْ أَوَّلِهِ (قَوْلُهُ: حَيْضًا ثَلَاثًا إلَخْ) أَيْ: فِي ثَلَاثِ شُهُورٍ مُتَوَالِيَةٍ (قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي الطُّهْرِ إلَخْ) قَدْ مَرَّ فِي كَلَامِ الْمَجْمُوعِ بَسَطَ ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ بِأَوْضَحَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَوْلُهُ: وَتَطْهُرُ آخِرَهُ أَيْ: إلَى آخِرِهِ وَقَوْلُهُ: ثُمَّ طَهُرَتْ ثَلَاثِينَ إلَخْ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى مُرَادِ قَائِلِهِ لِعَدَمِ الْتِئَامِهِ بِمَا قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ: ذَاتُ الْخَمْسِ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: كُلِّ بَلْ هُوَ مُوهِمٌ إذْ الْعَادَةُ فِيهَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي وَقَوْلُهُ: أَوَّلُ الثَّانِي أَيْ: الْيَوْمُ الثَّانِي وَقَوْلُهُ: وَحَيْضَتُهَا دَمًا ضَعِيفًا صَوَابُهُ.

стр. 111

دَمًا قَوِيًّا وَإِلَّا فَلَا تَمْيِيزَ وَقَوْلُهُ: وَتَكَرَّرَتْ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا عَلِمْت مِمَّا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَقَوْلُهُ: فَفِيهَا وَجْهَانِ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ حَيْثُ حِكَايَةُ الْخِلَافِ وَمِنْ حَيْثُ قَوْلُهُ: فِي الثَّانِي أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ كَمَا مَرَّ حَاصِلُهَا أَمَّا إذَا حَاضَتْ خَمْسَتَهَا الْمَعْهُودَةَ أَوَّلَ الشَّهْرِ، ثُمَّ طَهُرَتْ عِشْرِينَ، ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فِي الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَيْضُهَا وَصَارَ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ رَأَتْ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ دَمًا وَانْقَطَعَ، ثُمَّ طَهُرَتْ عِشْرِينَ.، ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ خَمْسَةً، ثُمَّ طَهُرَتْ عِشْرِينَ وَهَكَذَا مَرَّاتٍ، أَوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ رُدَّتْ إلَى ذَلِكَ وَجُعِلَ دَوْرُهَا أَبَدًا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِأَنْ اسْتَمَرَّ الدَّمُ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَحَاصِلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ طُرُقِ الْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا تَحِيضُ خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ وَتَطْهُرُ عِشْرِينَ وَهَكَذَا أَبَدًا وَالثَّانِي تَحِيضُ خَمْسَةً وَتَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَالثَّالِثُ تَحِيضُ عَشَرَةً مِنْ هَذَا الدَّمِ وَتَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ تُحَافِظُ عَلَى دَوْرِهَا الْقَدِيمِ وَالرَّابِعُ أَنَّ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ اسْتِحَاضَةٌ وَتَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً وَتَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ. عَلَى عَادَتِهَا الْقَدِيمَةِ انْتَهَتْ بِلَفْظِهَا وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي رَدِّ مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي رَدِّ قَوْلِهِ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ الرَّابِعِ الضَّعِيفِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَقَوْلِ الْمَجْمُوعِ بَعْدَهَا بِأَسْطُرٍ: أَمَّا إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا الْخَمْسَةَ الْأُولَى فَرَأَتْهَا، ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهَا عَلَى عَادَتِهَا فَحَيْضُهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيه طُهْرٌ وَلَا أَثَرَ لِلدَّمِ الْمَوْجُودِ فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْخَمْسَةَ الْأُولَى مِنْ الدَّمِ الثَّانِي حَيْضٌ فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ دَوْرُهَا عِشْرِينَ خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ وَبَيَّنَ فِي الْمُهَذَّبِ. أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ لِابْنِ سُرَيْجٍ قُلْت هَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ صُورَةُ وَجْهَيْ الْمُصَنِّفِ اللَّذَيْنِ سَبَقَا عَنْهُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ فَهُوَ إمَّا وَاهِمٌ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ نَظَرُهُ فَأَجْرَى فِي تِلْكَ الصُّورَةِ حُكْمَ هَذِهِ وَهَذَا أَقْرَبُ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ لِلْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَوْ قَايَسَ قِيَاسًا غَيْرَ صَحِيحٍ فَأَجْرَى حُكْمَ هَذِهِ فِي تِلْكَ مَعَ فَرْقِهِمْ بَيْنَهُمَا حُكْمًا وَخِلَافًا ثُمَّ رَأَيْت الْمُصَنِّفَ نَفْسَهُ نَقَلَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الصَّوَابِ فِيمَا يَأْتِي وَأَشَارَ إلَى إشْكَالٍ وَسَأَذْكُرُ حَلَّهُ مَعَ حَلِّ هَذَا الْإِشْكَالِ أَيْضًا بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَعُونَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ. (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ مُسْتَمِرًّا بَعْدَ عِشْرِينَ نَقَاءً) . هَذِهِ هِيَ الصُّورَةُ الَّتِي حَكَى فِيهَا الْوَجْهَيْنِ وَقَدْ نَاقَضَ نَفْسَهُ فَحَكَى فِيهَا فِيمَا مَرَّ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ إنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّ حَيْضَهَا لَيْسَ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ بَلْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ عَمَلًا بِعَادَتِهَا وَجَزَمَ فِيهَا هُنَا بِأَنَّ الْحَيْضَ خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْعَائِدِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ كَمَا قَدَّمْته عَنْ الْمَجْمُوعِ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: إذَا تَكَرَّرَ) لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْعَادَةِ الْمُنْتَظِمَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: يَعْنِي بَعْد أَنْ رَأَتْ دَوْرَ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ دَمًا مَرَّةً وَنَقَاءً مَرَّةً وَاحِدَةً) هَذَا لَيْسَ مُرَادُهُمْ بَلْ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ مُصَرِّحٌ بِمَا يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ وَقَدْ سُقْته بِلَفْظِهِ قَرِيبًا. فَرَاجِعْهُ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِأَنْ اسْتَمَرَّ الدَّمُ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ إذْ قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ فِيهِ إثْبَاتُ تَكَرُّرِهِ مَعَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ عَدَمُ تَكَرُّرِهِ فَكَيْفَ يَلْتَئِمَانِ؟ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ مَا يَأْتِي مِنْ الْإِشْكَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ التَّخَالُفِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ فِيمَا مَرَّ وَهُنَا حَيْثُ حَكَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوَّلًا وَجْهَيْنِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ مِنْهُمَا إلْغَاءُ الدَّمِ فِي الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ، ثُمَّ بَعْدَ أَسْطُرٍ جَزَمَ فِيهَا بِأَنَّ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ حَيْضٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا التَّأْوِيلِ.، ثُمَّ بَعْدَ أَسْطُرٍ ذَكَرَ فِيهَا ذَلِكَ مَعَ هَذَا التَّأْوِيلِ وَذَلِكَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ اسْتَشْكَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ إلَخْ) لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ لَهَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْعَادَةَ فِي الطُّهْرِ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ كَالْحَيْضِ وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا طَهُرَتْ بَعْدَ خَمْسَتِهَا عِشْرِينَ، ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ رَأَتْهُ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ فَجُعِلَ حَيْضًا وَيَلْزَمُ مَنْ جَعَلَهُ حَيْضًا أَنَّ مَا قَبْلَهُ طُهْرٌ صَحِيحٌ فَقَدْ اسْتَقَرَّ لَهَا طُهْرٌ صَحِيحٌ وَقَعَتْ عَقِبَهُ الِاسْتِحَاضَةُ فَرُدَّتْ إلَيْهِ فِي الطُّهْرِ كَمَا رُدَّتْ إلَى مِثْلِ خَمْسَتِهَا فِي الْحَيْضِ وَحِينَئِذٍ لَزِمَ أَنَّ أَوَّلَ الدَّمِ الْعَائِدِ خَمْسَةٌ حَيْضًا وَعِشْرُونَ.

стр. 112

طُهْرًا عَمَلًا فِي الْحَيْضِ بِالْعَادَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ مِنْ جِهَةِ الْقَدْرِ لَا الزَّمَنِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا وَفِي الطُّهْرِ بِالْعَادَةِ الْأَخِيرَةِ الثَّابِتَةِ بِمَرَّةِ الَّتِي وَلِيَتْهَا الِاسْتِحَاضَةُ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ السَّابِقَةُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تُرَدُّ إلَى آخِرِ الْعَادَاتِ الَّتِي وَلِيَهَا شَهْرُ الِاسْتِحَاضَةِ هَذَا جَوَابُ هَذَا الْإِشْكَالِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الدَّوْرُ حَدَثَ فِي زَمَنِ الِاسْتِحَاضَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ فَقَدْ أَثْبَتِنَا عَادَةَ الِاسْتِحَاضَةِ مَعَ دَوَامِ الِاسْتِحَاضَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُمَيِّزَةَ ثَبَتَتْ لَهَا بِالتَّمْيِيزِ عَادَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا اهـ. وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَسَيَأْتِي جَوَابُهُ فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: تَحَكُّمًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ) كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْهُ مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي حَقِّ النَّوَوِيِّ التَّابِعِ لِلْأَصْحَابِ فِيمَا ذَكَرَهُ وَإِنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مُشْكِلٌ وَنَحْوُهُ عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي دَلِيلُهُ (قَوْلُهُ: وَقِيَاسُهُ إلَخْ) سَيَأْتِي فِي تِلْكَ الْعِبَارَةِ مَا يَرُدُّ هَذَا الْقِيَاسَ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَنَبَّهْ أَحَدٌ إلَخْ) قَدْ تَنَبَّهْت لِذَلِكَ بِمَعُونَةِ اللَّهِ وَإِلْهَامِهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَأَجَبْت بِمَا تَقَرُّ بِهِ الْعَيْنُ حَسَبَ جَهْدِي عَمَّا أَبْدَيْتُهُ فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ بَيْنَ مَسَائِلَ مِنْهَا هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ. وَمَسَائِلَ أُخْرَى كُلُّهَا فِي الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: وَرَأَوْا الرَّدَّ إلَخْ) هَذَا الرَّأْيُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مُخَالَفَةَ صَرِيحِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ لَا تَجُوزُ وَإِنْ خَالَفَ الْقَوَاعِدَ فِي ظَنِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ وَغَيْرُهُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ وَالِاسْتِمْسَاكُ بِهَدْيِهِمْ وَآرَائِهِمْ وَإِنْ ظَنَّهَا مُخَالِفَةً لِلْقَوَاعِدِ بِحَسَبِ تَصَوُّرِهِ (قَوْلُهُ: وَظَهَرَ لِي مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ إلَخْ) سَيَظْهَرُ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ إيضَاحُ كَلَامِهِمَا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا سَقَطَ فِيهِ بِوَجْهٍ عَلَى أَنَّ دَعْوَى السَّقَطِ مِنْهُ. وَأَنَّهُمَا وَمَنْ بَعْدَهُمَا غَفَلُوا عَنْ ذَلِكَ فِيهَا الْجَرَاءَةُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ بَعْدَهُمَا بِالْغَلَطِ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي لِمَنْ قَامَ عِنْدَهُ إشْكَالُ شَيْءٍ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقُصُورِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فَإِنَّ الْفِقْهَ مِنْهُ مُشْكِلٌ وَمِنْهُ غَيْرُ مُشْكِلٌ وَغَايَةُ الْعُلَمَاءِ الْآنَ وَقَبْلَهُ أَنْ يَفْهَمُوا نَحْوَ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَيُقَرِّرُونَهُ عَلَى وَجْهِهِ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّ فِيهِ مُشْكِلَاتٍ تَحْتَاجُ إلَى تَمَحُّلَاتٍ حَتَّى يَقْرُبَ فَهْمُهَا وَيَتَّضِحَ عِلْمُهَا وَمِنْ ثَمَّ أَعْرَضُوا عَنْ مُغَلِّطِيهِمَا وَالْمُعْتَرِضِينَ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ وَإِنْ جَلَّتْ مَرَاتِبُهُمْ وَكَذَلِكَ الشَّيْخَانِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَ الْأَصْحَابِ. فَإِنَّهُمَا يَنْقُلَانِ عَنْهُمْ غَرَائِبَ يُقِرَّانِ أَكْثَرَهَا وَلِذَلِكَ قَدْ يَعْرِضُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لِلتَّغْلِيطِ وَأَمَّا الْمَجْمُوعُ فَهُوَ فِيهِ كَالْمُجْتَهِدِ فَلِذَا أَكْثَرَ فِيهِ مِنْ التَّغْلِيطِ وَلَا دَلَالَةَ لِلْمُصَنِّفِ فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَمَا بَعْدَهُ إذْ لَيْسَ فِيهِ دَعْوَى سَقَطٍ عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُحَقِّقِينَ قَالُوا إنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْعُبَابِ وَغَيْرِهِمَا وَكَذَا مَا فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيّ وَغَيْرُهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا حَمْلُ عِبَارَتِهَا عَلَى أَنَّهَا مُفَرَّعَةٌ عَلَى ضَعِيفٍ وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا لِلْمُتَكَلِّمِينَ عَلَيْهَا وَعَلَى أَصْلِهَا أَنَّهُمْ يُفَرِّعُونَ مَا فِيهَا عَلَى ضَعِيفٍ لِأَدِلَّةٍ قَامَتْ عِنْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: وَلَعَلَّ مَا ظَنَنَّاهُ إلَخْ لَا يَتِمُّ لَهُ إلَّا لَوْ رَأَى مَا ظَنَّهُ سَاقِطًا مِنْ الرَّوْضَةِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْعَزِيزِ كَمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ وَأَمْثَالِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يَحْكُمُونَ عَلَى الرَّوْضَةِ بِذَلِكَ إلَّا وَيَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلَى أَنَّ هَذَا السَّاقِطَ مِنْهَا مَوْجُودٌ فِي نُسَخِ الْعَزِيزِ الْمُعْتَمَدَةِ فَحِينَئِذٍ يَسُوغُ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُ تَبِعَهُ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ لِلسَّقَطِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ قَدْ يَنْتَصِرُونَ لِمَا فِيهَا وَإِنْ خَالَفَ مَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ أَصْلِهَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي شُغْلِ الِارْتِحَالِ مِنْ مِنًى كَمَا بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ الْكُبْرَى وَغَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ: وَلْنُبَيِّنْ مَا بَنَيْتُ عَلَيْهِ الْوُجُوهَ إلَخْ قَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَلَى وَجْهٍ أَظْهَرَ وَأَمَتْنَ مِمَّا ذَكَرَهُ كَمَا يُعْلَمُ بِتَدَبُّرِ عِبَارَتِهِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ أُسْبَقُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّنِي وَالْمُؤَلِّفَ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا وَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةٌ فِي قَلِيلٍ مِنْهُ فَعَلَى النَّاظِرِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُمْعِنَ التَّأَمُّلَ فِيهِ فَإِنَّ هَذَا الْمَحَلَّ مَزَلَّةُ قَدَمٍ فِي الْمَجْمُوعِ كَمَا ذَكَرْته فِي تِلْكَ الْعِبَارَةِ وَلَفْظِهَا مَعَ الْمَتْنِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ (وَمَنْ عَادَتُهَا الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ فَرَأَتْهُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَجَاوَزَ) نِصْفَهُ (وَاسْتُحِيضَتْ) بِأَنْ اسْتَمَرَّ (فَحَيْضُهَا) عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ.

стр. 113

وَغَيْرِهِمْ الْخَمْسَةُ (الثَّانِيَةُ) لِأَنَّ الْعَادَةَ ثَبَتَتْ بِهَا فَلَا تَغَيُّرَ إلَّا بِحَيْضٍ صَحِيحٍ (وَ) عَلَى هَذَا يَبْقَى (دَوْرُهَا كَمَا كَانَ) عَمَلًا بِعَادَتِهَا الَّتِي وَلِيَهَا شَهْرُ الِاسْتِحَاضَةِ وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ حَيْضُهَا خَمْسَةُ الشَّهْرِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِهَا فِي وَقْتٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَعَلَيْهِ نَقَصَ طُهْرُهَا خَمْسَةً وَصَارَ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ (وَلَوْ رَأَتْ) هَذِهِ (خَمْسَتَهَا) الْمُعْتَادَةَ وَهِيَ الثَّانِيَةُ (وَطَهُرَتْ دُون أَقَلِّهِ) أَيْ: الطُّهْرِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَأَنْ طَهُرَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ (ثُمَّ اتَّصَلَ) الدَّمُ (فَهِيَ عَلَى عَادَتِهَا) بِلَا خِلَافٍ وَوَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ، ثُمَّ قُلْت (وَمَنْ عَادَتُهَا الْخَمْسَةُ الْأُولَى) مِنْ الشَّهْرِ (لَوْ حَاضَتْهَا، ثُمَّ) بَعْدَ طُهْرِهَا عِشْرِينَ حَاضَتْ الْخَمْسَةَ (الْأَخِيرَةَ) مِنْهُ (فَدَوْرُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ) ؛ لِأَنَّ حَيْضَهَا تَقَدَّمَ عَنْ وَقْتِهِ بِخَمْسَةٍ (فَتُرَدُّ إلَيْهِ إذَا اُسْتُحِيضَتْ) سَوَاءٌ أَطَهُرَتْ بَعْدَ الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ عِشْرِينَ أَيْضًا ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ أَمْ لَمْ تَطْهُرْ بَعْدَهَا بَلْ اسْتَمَرَّ الدَّمُ (فَتَحِيضُ) عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَوْجُهٍ أَرْبَعَةٍ (خَمْسَةٍ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْمُسْتَمِرِّ وَخَمْسَةٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ وَهَكَذَا) أَبَدًا وَقِيلَ تَحِيضُ خَمْسَةً وَتَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَقِيلَ تَحِيضُ عَشَرَةً مِنْ هَذَا الدَّمِ وَتَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ تُحَافِظُ عَلَى دَوْرِهَا الْقَدِيمِ وَقِيلَ الْخَمْسَةُ الْأَخِيرَةُ اسْتِحَاضَةٌ وَتَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً وَتَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ عَلَى عَادَتِهَا الْقَدِيمَةِ (وَإِنْ رَأَتْ) مَنْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةً أَوَّلَ الشَّهْرِ وَتَطْهُرُ بَاقِيَهُ (خَمْسَتَهَا وَطَهُرَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ) بِأَنْ عَادَ الدَّمُ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَاسْتَمَرَّ فَالْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ خَمْسَتِهَا وَالدَّمُ نَاقِصٌ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا تُكْمِلُ أَقَلَّ الطُّهْرِ لِاسْتِحَالَةِ الْحُكْمِ بِالْحَيْضِ قَبْلَ أَقَلِّهِ فَلِذَا (كَمُلَ طُهْرُهَا بِيَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ الْعَائِدِ وَتَحِيضُ خَمْسَةً بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِدُخُولِ وَقْتِ إمْكَانِ الْحَيْضِ حِينَئِذٍ (وَخَمْسَةَ عَشَرَ) مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ بَعْدَ الْخَمْسَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا بِالْحَيْضِ (طُهْرُهَا) أَيْ: تُجْعَلُ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ (فَدَوْرُهَا عِشْرُونَ) وَقِيلَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ الْعَائِدِ اسْتِحَاضَةٌ، ثُمَّ بَاقِي هَذَا الشَّهْرِ وَهُوَ عَشَرَةٌ مَعَ خَمْسَةٍ مِمَّا يَلِيه حَيْضٌ، ثُمَّ تَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ تَمَامَ الشَّهْرِ وَتُحَافِظُ عَلَى دَوْرِهَا الْقَدِيمِ وَقِيلَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ الْعَائِدِ اسْتِحَاضَةٌ وَبَعْدَهُ خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ طُهْرٌ وَهَكَذَا أَبَدًا وَقِيلَ جَمِيعُ الدَّمِ الْعَائِدِ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ اسْتِحَاضَةٌ وَتَفْتَتِحُ دَوْرَهَا الْقَدِيمَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي (أَوْ) رَأَتْ خَمْسَتَهَا (وَطَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَوْ عَشَرَةً، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ) بِأَنْ عَادَ الدَّمُ وَاسْتَمَرَّ (فَعَادَتُهَا بِحَالِهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْأُولَى عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ وَغَيْرِهِمَا. وَبِالِاتِّفَاقِ فِي الثَّانِيَةِ فَحِينَئِذٍ (خَمْسَةٌ مَنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ حَيْضٌ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَاقِي الشَّهْرِ طُهْرًا وَلَا أَثَرَ لِلدَّمِ الْمَوْجُودِ فِيهِ اهـ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَكَثِيرٌ مِنْهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا سِيَّمَا مَسْأَلَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّتِي فِيهَا الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ فَإِنْ قُلْت وَقَعَ فِي كَلَامِهِ تَنَاقُضٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ آنِفًا وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَتَهَا وَطَهُرَتْ دُونَ أَقَلِّهِ، ثُمَّ اتَّصَلَ فَهِيَ عَلَى عَادَتِهَا يُنَافِي قَوْلَهُ هُنَا وَإِنْ رَأَتْ خَمْسَتَهَا وَطَهُرَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ إلَخْ إذْ الصُّورَةُ فِي الْحَالَيْنِ وَاحِدَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بَلْ وَحُكِيَ فِيهِ الِاتِّفَاقُ فِي الْأُولَى وَالْخِلَافُ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَوْلُهُ: هُنَا، أَوْ عَشْرَةٌ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَمُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا فِي الْحُكْمِ وَالْخِلَافِ أَيْضًا قُلْت هُوَ كَذَلِكَ وَزَادَ الْإِشْكَالَ جَمْعُ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَذَلِكَ بَلْ وَزَادَ فِي الْإِيهَامِ بِمُخَالَفَتِهِ أُسْلُوبَ الْمَجْمُوعِ وَإِدْرَاجِهِ مَسْأَلَةَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَالْعَشَرَةِ مَعَ مَا قَبْلَهَا مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهَا عَقِبَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذْ الثَّلَاثَةُ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ كَمَا صَنَعَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَدْ كُنْت اُسْتُفْتِيتُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ نَوَاحِي الْيَمَنِ فَكَتَبْت فِيهِ مُؤَلَّفًا شَافِيًا وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي وَاَلَّذِي يَتَّضِحُ بِهِ هَذَا الْمَحَلُّ. وَإِنْ كَانَ مَزَلَّةَ قَدَمٍ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةَ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَتَهَا وَطَهُرَتْ دُونَ أَقَلِّهِ إلَخْ وَقَوْلُهُ: أَوْ عَشَرَةً، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ إلَخْ مَفْرُوضَانِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ فِي الْأُولَى فِيمَا إذَا تَكَرَّرَتْ عَادَتُهَا بِمَا وَقَعَ فِيمَا قَبْلَ شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ بِأَنْ كَانَ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ وَبَقِيَّةُ الشَّهْرِ مَعَ الْخَمْسَةِ الْأُولَى طُهْرٌ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِلْخِلَافِ.

стр. 114

لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمُتَكَرِّرَةَ يُرْجَعُ إلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ وَلَا نَظَرَ لِمَا وَقَعَ فِي شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ مَا وَقَعَ مُتَكَرِّرًا فِيمَا قَبْلَ شَهْرِهَا مَعَ ضَعْفِ الطُّهْرِ الَّذِي فِي شَهْرِهَا بِمَجِيءِ الدَّمِ قَبْلَ إمْكَانِهِ وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنْ رَأَتْ خَمْسَتَهَا وَطَهُرَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ إلَخْ فَمَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا لَمْ تَتَكَرَّرْ عَادَتُهَا كَأَنْ رَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً أَوَّلَهُ وَطَهُرَتْ بَاقِيَهُ، ثُمَّ فِي الَّذِي يَلِيه رَأَتْ الْخَمْسَةَ الْأُولَى وَطَهُرَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ وَاسْتَمَرَّ وَكَأَنْ حَاضَتْ الْخَمْسَةَ الْأُولَى وَطَهُرَتْ عِشْرِينَ، ثُمَّ حَاضَتْ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ، ثُمَّ طَهُرَتْ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فَهَذِهِ هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ يُكْمِلُ الطُّهْرَ بِيَوْمٍ مِنْ هَذَا الدَّمِ، ثُمَّ يَجْعَلُ خَمْسَةً حَيْضًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ فِيهِ عَمَلًا بِعَادَتِهَا الثَّابِتَةِ فِي شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ وَإِعْرَاضًا عَنْ عَادَتِهَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَتَكْمِيلُ الطُّهْرِ بِيَوْمٍ لِضَرُورَةِ الْإِمْكَانِ لَا يُنَافِي جَعْلَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا لَهَا وَأَنَّهَا هِيَ عَادَتُهَا الَّتِي تَرْجِعُ إلَيْهَا دُونَ عَادَتِهَا السَّابِقَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْعَادَةَ الَّتِي تَلِيهَا الِاسْتِحَاضَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتْ الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ فَيَقُولُ إنَّهَا تَرْجِعُ لِدَوْرِهَا الْقَدِيمِ وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَتْ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهَا وَيُوَجَّهُ هَذَا أَيْضًا بِأَنَّ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهَا بِمَرَّةٍ لَا يُعَوِّلُ عَلَى مَا فِي هَذَا الشَّهْرِ بَلْ إمَّا يَنْظُرُ لِعَادَتِهَا الْقَدِيمَةِ فَيُجْرِيهَا عَلَيْهَا فِيمَا بَعْدَ هَذَا الشَّهْرِ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي وَالرَّابِعُ، أَوْ فِيهِ أَيْضًا وَهُوَ الثَّالِثُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الثَّانِي وَالرَّابِعُ فِيهِ لِأَنَّ الثَّانِي نَظَرَ لِإِمْكَانِ جَعْلِ الْعَائِدِ حَيْضًا فَجَعَلَ مِنْهُ بَعْدَ الْيَوْمِ الْمُكَمِّلِ لِلطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ حَيْضًا وَخَمْسَةً طُهْرًا تَمَامَ الشَّهْرِ، ثُمَّ تُحَافِظُ عَلَى دَوْرِهَا الْقَدِيمِ وَالرَّابِعُ أَعْرَضَ عَمَّا فِيهِ فَجَعَلَهُ اسْتِحَاضَةً مُحَافَظَةً عَلَى حِكَايَةِ دَوْرِهَا الْقَدِيمِ. بِاسْتِفْتَاحِهِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَإِنْ قُلْت الْفَرْضُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَكَيْفُ تَرْجِعُ إلَيْهِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ؟ قُلْت قَدْ يُقَالُ إنَّمَا رَجَعَتْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ قَوِيٌّ بِمُوَافَقَتِهِ لِلْإِمْكَانِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ مُخَالَفَةَ مَا فِيهِ لِلْإِمْكَانِ أَضْعَفَتْهُ فَلَمْ يُعْمَلْ بِمَا فِيهِ بَلْ بِمَا قَبْلَهُ لِقُوَّتِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ قُلْت فَلِمَ قَطَعُوا بِبَقَائِهَا عَلَى عَادَتِهَا فِيمَا إذَا رَأَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَوْ عَشَرَةً مَثَلًا كَمَا مَرَّ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ رَأَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ قُلْت يَتَعَيَّنُ فَرْضُ صُورَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ هَذِهِ فِيمَا إذَا تَكَرَّرَتْ عَادَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا فِي شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ كَمَا فَرَضْنَا الْآخَرِينَ كَذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَيُوَجَّهُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ بِأَنَّ طُهْرَ شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ قَوِيٌّ فِيهَا بِكَوْنِ الدَّمِ لَمْ يَأْتِ إلَّا بَعْدَ إمْكَانِهِ فَسَاغَ لِلْوَجْهِ الضَّعِيفِ أَنْ يُجْعَلَ الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ هَذَا الدَّمِ حَيْضًا فَيَصِيرُ دَوْرُهَا عِشْرِينَ لِتَنْتَقِلَ عَادَتُهَا تَنَقُّلًا صَحِيحًا وَمَعَ التَّنَقُّلِ الصَّحِيحِ لَا نَظَرَ لِتَكَرُّرِ الْعَادَةِ السَّابِقَةِ وَعَدَمِ تَكَرُّرِهَا وَأَمَّا الْوَجْهُ الصَّحِيحُ فَيَنْظُرُ إلَى أَنَّ هَذَا التَّنَقُّلَ ضَعُفَ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ الْجَائِيِّ قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ فَرَجَعَ بِهَا إلَى عَادَتِهَا الْمُسْتَقِرَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَقْوَى وَأَمَّا الصُّورَتَانِ الْأُخْرَيَانِ أَعْنِي صُورَةَ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَالْعَشَرَةِ الْمَقْطُوعَ فِيهِمَا بِبَقَائِهِمَا عَلَى عَادَتِهَا الْمُسْتَقِرَّةِ. قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا لَمْ يَجْرِ فِيهِمَا الْخِلَافُ لِضَعْفِ طُهْرِ شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ بِكَوْنِ الدَّمِ جَاءَ قَبْلَ إمْكَانِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يُعَارِضْ الْعَادَةَ الْمُتَكَرِّرَةَ قَبْلَ شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ إلَّا ضَعِيفٌ فَلَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ أَحَدٌ وَقَالُوا كُلُّهُمْ بِالرُّجُوعِ لِتِلْكَ الْعَادَةِ الْقَوِيَّةِ الْمُتَكَرِّرَةِ فَإِنْ قُلْت فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ رُؤْيَتِهَا مِنْ الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ وَاسْتَمَرَّ حَيْثُ جُعِلَتْ حَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ وَرُؤْيَتُهَا مِنْ بَعْدِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَاسْتَمَرَّ حَيْثُ أُلْغِيَ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ مَعَ أَنَّ الْفَاصِلَ فِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ طُهْرٌ صَحِيحٌ إذْ هُوَ عِشْرُونَ فِي الْأُولَى وَخَمْسَةَ عَشَرَ فِي الثَّانِيَةِ. قُلْت يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّنَقُّلَ الْقَرِيبَ يُغْتَفَرُ فِيهِ لِوُقُوعِهِ كَثِيرًا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي التَّنَقُّلِ الْبَعِيدِ لِنُدْرَتِهِ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ نَادِرَ الْوُقُوعِ يُلْحَقُ بِكَثِيرِهِ، أَوْ غَالِبِهِ بِخِلَافِ كَثِيرِهِ لَا يُلْحَقُ بِشَيْءٍ بَلْ يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَعَوْدُ الدَّمِ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيدٌ مِنْ أَوَّلِ الْعَادَةِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الشَّهْرِ وَبَيْنَهُمَا فَاصِلٌ وَهُوَ الْخَمْسَةُ الْأَخِيرَةُ فَلَمْ يُجْعَلْ حَيْضًا مُسْتَقِلًّا بَلْ أَلْغَوْهُ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ لِضَعْفِهِ بِنُدْرَتِهِ فَلَمْ يَقْوَ عَلَى تَقَدُّمِهِ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ وَأَمَّا عَوْدُهُ مِنْ أَوَّلِ الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ أَوَّلِ الْعَادَةِ وَمُتَّصِلٌ بِهِ فَجُعِلَ.

стр. 115

حَيْضًا مُسْتَقِلًّا لِأَنَّ هَذَا التَّقَدُّمَ وَالنَّقْلَ فِي عَادَاتِ الْحَيْضِ كَثِيرٌ فَقَوِيَ عَلَى تَقَدُّمِهِ عَلَى الْعَادَةِ وَصَارَ لِاتِّصَالِهِ بِهَا كَأَنَّهُ هِيَ فَلِذَا حَكَمُوا عَلَى الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ بِأَنَّهَا حَيْضٌ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِخِلَافِ الْمَرْئِيِّ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُ دَمُ فَسَادٍ عَلَى مَا مَرَّ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي التَّقَطُّعِ أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ دَمَانِ فَدَمُ أَقْرَبِهِمَا إلَى أَوَّلِ الْعَادَةِ وَلَيْسَ مَلْحَظُهُ إلَّا مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ مَا قَرُبَ إلَيْهَا كَانَ إلَى كَوْنِهِ حَيْضًا أَقْرَبَ مِنْ الْأَبْعَدِ عَنْهَا لِكَثْرَةِ تَنَقُّلِهَا فِي الْقُرْبِ وَنُدْرَتِهِ فِي الْبُعْدِ فَإِنْ قُلْت هَذَا الْفَرْقُ ظَاهِرٌ لَكِنْ هَلْ لِكَوْنِ الْخِلَافِ فِي الْأَوَّلِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ. وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهَيْنِ مُدْرَكٌ يُنَاطُ بِهِ قُلْت نَعَمْ لِذَلِكَ مُدْرَكٌ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ فَأَمَّا مُدْرَكُ الْأَصَحِّ فِيهِمَا فَقَدْ تَقَرَّرَ وَأَمَّا مُدْرَكُ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْأُولَى فَهُوَ أَنَّ ثَانِيَهَا نَظَرَ لِإِمْكَانِ الْحَيْضِ كَمَا نَظَرَ إلَيْهِ الْأَصَحُّ وَأُبْقِيَ طُهْرُهَا عَلَى حَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ وَثَالِثُهَا عَمِلَ بِقَضِيَّةِ الْإِمْكَانِ وَالْعَادَةِ فَجَعَلَ الْعَشَرَةَ حَيْضًا وَأَبْقَى طُهْرَهَا عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ وَثَالِثُهَا عَمِلَ بِقَضِيَّةِ الْإِمْكَانِ وَالْعَادَةِ فَجَعَلَ الْعَشَرَةَ حَيْضًا وَأَبْقَى الطُّهْرَ عَلَى حَالِهِ لِمَا ذُكِرَ وَالرَّابِعُ قَدَّمَ الْعَادَةَ عَلَى الدَّمِ الْعَائِدِ قَبْلَهَا لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْهُ وَنَظَرَ فِي الطُّهْرِ. إلَى مَا نَظَرَ إلَيْهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَأَمَّا مُدْرَكُ الْوَجْهِ الثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ فَهُوَ أَنَّهُ نَظَرَ لِمُجَرَّدِ إمْكَانِ الْحَيْضِ وَلِعَدَمِ اتِّصَالِ الْعَادَةِ بِهِ انْتَفَى الثَّالِثُ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْحَيْضَ عَشَرَةٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَجْرِ نَظِيرُ الثَّانِي هَذَا مِنْ بَقَاءِ الطُّهْرِ بِحَالِهِ لِإِمْكَانِهِ ثُمَّ لِأَنَّهُ إذَا حَيَّضَهَا الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ التَّالِي لَهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ طُهْرًا فَلَمْ يَقُلْ بِالتَّنَقُّلِ فِيهِ لِإِمْكَانِ بَقَائِهِ عَلَى أَصْلِهِ إذْ لَا مُعَارِضَ لَهُ بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَأَمَّا هُنَا فَلَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّ مَنْ يُحَيِّضُهَا مِنْ ابْتِدَاءِ الدَّمِ يَرَى أَنَّهَا يَوْمُ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ طَاهِرَةٌ فَانْتَسَخَ الطُّهْرُ الْأَوَّلُ بِكَوْنِ بَعْضِهِ. صَارَ لِهَذَا الْحَيْضِ الطَّارِئِ وَإِذَا زَالَ مِنْهُ لِهَذَا الطَّارِئِ خَمْسَةٌ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا عِشْرُونَ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجْرِ قَوْلٌ بِأَنَّ حَيْضَهَا خَمْسَةٌ مِنْ الدَّمِ الْعَائِدِ وَطُهْرَهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ كَمَا جَرَى نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْأُولَى لِمَا عَلِمْت مِنْ بَقَاءِ الطُّهْرِ، ثُمَّ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فَنَظَرَ الثَّانِي إلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الْحَيْضِ يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ الطُّهْرِ وَأَمَّا هُنَا فَلَمْ يَبْقَ عَلَى أَصْلِهِ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ لَهُ فَلَمْ يَجْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخَمْسَةَ مِنْ الدَّمِ الْعَائِدِ حَيْضٌ خِلَافٌ فِي الطُّهْرِ لِذَلِكَ الْمُعَارِضِ الَّذِي قَدَّمْته فَعُلِمَ أَنَّ الرَّابِعَ وَالثَّانِيَ فِي تِلْكَ لَا يُمْكِنُ جَرَيَانُهُمَا هُنَا وَأَنَّ لِإِجْرَائِهِمْ ثَمَّ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ وَهُنَا وَجْهَيْنِ فَقَطْ مُدْرَكًا ظَاهِرًا عُثِرَ عَلَيْهِ كَمَا قَبِلَهُ الْفِكْرُ الْفَاتِرُ الْقَاصِرُ لَكِنْ بِعَوْنِ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ الْقَادِرِ وَكَيْفَ لَا وَمُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا بَلْ وَلَا أَشَارُوا لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْته فِي هَذَا الْمَقَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى غَايَةٍ مِنْ فَرْطِ الْخَفَاءِ وَالتَّنَاقُضِ الظَّاهِرِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ إلَى أَنْ صَارَ مَضَلَّةً لِلْأَفْهَامِ وَمَزَلَّةً لِلْأَقْدَامِ فَاعْتَنِ بِتَحْرِيرِهِ لِتَسْلَمَ مِنْ وَصْمَةِ الْحَيْرَةِ وَالتَّوَقُّفِ عِنْدَ تَقْرِيرِهِ فَإِنْ قُلْت هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الرَّاجِحُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْعَائِدَ حَيْضٌ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ أَيْضًا وَلَا نَظَرَ إلَى ذَلِكَ الْفَرْقِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ تَعَسُّفٍ وَتَمَحُّلٍ قُلْت نَعَمْ يُمْكِنُ ذَلِكَ بَلْ يُتَّجَهُ؛ لِأَنَّ مَا مَرَّ فِي الْأُولَى اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ صَرِيحًا وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمْعٍ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِاعْتِمَادِهِ بَلْ أَشَارَ إلَى نَوْعٍ تَبْرَأَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ وَغَيْرِهِمَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ حَكَى مُقَابِلَهُ أَنَّ الْعَائِدَ حَيْضٌ وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَالَ فِيهِ كَالرَّافِعِيِّ قُبَيْلَهَا إنَّهُ الْأَصَحُّ وَيَكُونُ النَّوَوِيُّ إنَّمَا تَرَكَ الِاعْتِرَاضَ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي تِلْكَ لِلْعِلْمِ بِضَعْفِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ كَالرَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ قِيلَ تِلْكَ انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ بِلَفْظِهَا إلَّا بَعْضَ تَغْيِيرٍ بِبَسْطٍ فِي آخِرِهَا. (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَأَتْ الْخَمْسَ الْمُعْتَادَةَ ثُمَّ نَقَاءً خَمْسَةَ عَشَرَ إلَخْ) لَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ صُورَةُ الْفُورَانِيِّ وَمَنْ مَعَهُ الْمَذْكُورَةُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ وَإِنَّمَا صُورَتُهُمْ الْمَذْكُورَةُ فِيهِمَا مَا دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُ الْمَجْمُوعِ الْمُوَافِقُ لِعِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَلَوْ رَأَتْ أَيْ: مَنْ عَادَتُهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ عِشْرِينَ حُمْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَقَالَ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ عَلَى عَادَتِهَا وَأَيَّامُ السَّوَادِ حَيْضٌ آخَرُ وَمَا بَيْنَهُمَا طُهْرٌ قَالُوا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَجْرَى الرَّافِعِيُّ نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ فِيهَا خِلَافًا اهـ. الْمَقْصُودُ.

стр. 116

مِنْهَا وَبَيْنَ هَذِهِ وَصُورَةِ الْمُصَنِّفِ فَرْقٌ ظَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ مُدْرَكِ الْخِلَافِ وَوَجْهُ جَرَيَانِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْتِيَ إلَّا بِصُورَةِ الْأَصْحَابِ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا مَرَّ فِيمَا لَوْ رَأَتْ خَمْسَتَهَا الْمَعْهُودَةَ ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ وَاسْتَمَرَّ مِنْ أَنَّ الْعَائِدَ دَمُ فَسَادٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهَيْنِ قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هُنَا تَمْيِيزًا وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْعَادَةِ مُطْلَقًا فَلَمْ يُمْكِنْ إلْغَاؤُهُ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَارِضْ الْعَادَةَ ثَمَّ شَيْءٌ مَعَ مَا قَرَّرْنَاهُ فِيهَا فَأُلْغِيَ الدَّمُ الْعَائِدُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُعْتَادًا) لَمْ يُصَرِّحْ شَرْحُ الْمُهَذَّبِ هَكَذَا وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ. (قَوْلُهُ: فَحَيْضُهَا هُنَا خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ) أَيْ: وَقَدْ انْتَقَلَتْ عَادَتُهَا (قَوْلُهُ: فِي الْأُولَى عِشْرِينَ) وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ بِخَطِّهِ قَبْلُ عِشْرِينَ مَعَ الْخَمْسِ وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ: خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ) أَيْ:؛ لِأَنَّ حَيْضَهَا تَأَخَّرَ خَمْسَةً فَتُضَمُّ إلَى دَوْرِهَا وَهُوَ ثَلَاثُونَ فَصَارَ مَجْمُوعُهُ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ فَتَجْرِي عَلَيْهِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: حُكْمُهُمَا) صَوَابُهُ حُكْمُهُ أَيْ: النَّقَاءِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُ بَيَانَ حُكْمِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ الَّذِي) أَيْ: أَوْ كَالنَّقَاءِ الَّذِي بَيْنَ دَمَيْ مَنْ جَاوَزَهَا (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَظْهَرِ) مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي نَقَاءٍ لَا يَبْقَى مَعَهُ دَمٌ فِي الْفَرْجِ بِحَيْثُ لَوْ أَدْخَلَتْ الْقُطْنَةُ خَرَجَتْ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً. أَمَّا إذَا خَرَجَتْ وَبِهَا أَثَرُ دَمٍ وَلَوْ كُدْرَةً فَهُوَ حَيْضٌ قَطْعًا طَالَ زَمَنُهُ، أَوْ قَصُرَ (قَوْلُهُ: فِيمَا حُكِمَ بِهِمَا حَيْضًا) صَوَابُهُ إذَا حُكِمَ بِكَوْنِهِمَا حَيْضًا وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: (بَيْنَ) أَنَّ غَيْرَ الْمُتَخَلِّلِ دَمُ فَسَادٍ كَأَنْ يَنْقَطِعَ يَوْمًا وَيَوْمًا إلَى تَمَامِ الثَّالِثَ عَشَرَ وَيَعُودُ فِي السَّادِسَ عَشَرَ فَالرَّابِعَ عَشَرَ وَتَالِيهِ طُهْرٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ النَّقَاءَ فِيهِمَا لَمْ يَتَعَقَّبْهُ دَمٌ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَقَطَّعَ أَحْمَرَ فَقَطْ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ اسْتَمَرَّ التَّقَطُّعُ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا أَسْوَدَ وَمِثْلَهُمَا أَحْمَرَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّهَا فَاقِدَةُ شَرْطِ تَمْيِيزٍ وَهُوَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الدَّمُ الْقَوِيُّ خَمْسَةَ عَشَرَ فَلَا تَكُونُ مُمَيِّزَةً فِي الْحُكْمِ. وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهَا صُورَةَ مُمَيِّزَةٍ (قَوْلُهُ: بِصِفَةٍ) أَيْ وَاحِدَةٍ، أَوْ صِفَتَيْنِ وَفَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ (قَوْلُهُ: الْمَرَدُّ السَّابِقُ) أَيْ: مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِمُبْتَدِئَةٍ غَيْرِ مُمَيِّزَةٍ وَعَادَةٍ لِمُعْتَادَةٍ وَتَمْيِيزٍ لَهُمَا (قَوْلُهُ: أَوْ أَثْنَائِهِ إنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْهُمَا الْأَوَّلُ) يُرْجَعُ فِيهِ لِمُرَادِ قَائِلِهِ إذْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُ كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الدَّمِ أَقَلَّهُ فَحِينَئِذٍ يُحْسَبُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ سَوَاءٌ أَبَلَغَ أَقَلَّهُ أَمْ لَا. (قَوْلُهُ: فَلَوْ تَقَطَّعَ الدَّمُ بِأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كُلُّهُ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِهَذَا الْقِسْمِ بَلْ لَا بُدَّ فِي سَائِرِ أَقْسَامِ التَّقَطُّعِ. أَنْ لَا يَنْقُصَ مَجْمُوعُ الدِّمَاءِ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَإِلَّا فَالْكُلُّ دَمُ فَسَادٍ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهَا) أَيْ: فِي الْحَيْضِ لَا الطُّهْرِ فَإِنَّ مُعْتَادَةَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ حَيْضًا قَدْ يَكُونُ طُهْرُهَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ عَادَتُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَوْ رَأَتْ فِي شَهْرٍ يَوْمًا دَمًا وَلَيْلَةً نَقَاءً وَهَكَذَا حَتَّى جَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَيْضٌ وَإِلَّا لَزِمَ كَوْنُ حَيْضِهَا أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَدِّهَا، أَوْ كَوْنُ النَّقَاءِ الَّذِي لَمْ يَحْتَوِشْ بِدَمَيْ الْحَيْضِ حَيْضًا وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ ذَلِكَ) الْأَوْلَى أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ أَيْ: الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَخْ) الْأَوْضَحُ قَوْلُ غَيْرِهِ وَيَثْبُتُ انْتِقَالُ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ وَأَمَّا طُهْرُهَا إلَى الْحَيْضَةِ الْأُخْرَى فَإِنْ انْطَبَقَ الدَّمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى أَوَّلِ الدَّوْرِ فَظَاهِرٌ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ مِنْهُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ جُعِلَ أَوَّلُ دَوْرِهَا أَقْرَبَ نُوَبِ الدَّمِ إلَى الدَّوْرِ تَقَدَّمَتْ، أَوْ تَأَخَّرَتْ فَإِنْ اسْتَوَيَا تَقَدَّمَا، أَوْ تَأَخَّرَا فَأَوَّلُ الدَّوْرِ النَّوْبَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ (فَرَأَتْهَا، ثُمَّ رَأَتْ سِتًّا آخِرَهُ) الْمُرَادُ فَرَأَتْهَا، ثُمَّ سِتًّا نَقَاءً وَسِتًّا دَمًا آخِرَهُ وَنَقَاءً أَوَّلَ الشَّهْرِ الثَّانِي (قَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَ حَيْضُهَا) أَيْ: مَنْ عَادَتُهَا السِّتُّ الْأُوَلُ مِنْ الشَّهْرِ. (قَوْلُهُ:، ثُمَّ يَوْمًا دَمًا، ثُمَّ يَوْمًا دَمًا) صَوَابُهُ ثُمَّ يَوْمًا دَمًا، ثُمَّ يَوْمًا نَقَاءً وَكَلَامُهُ بَعْدَهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ) اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي ذَاتِ التَّقَطُّعِ بَالَغَ فِي اخْتِصَارِهِ بِذِكْرِ صُوَرٍ مِنْهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولٍ مَبْسُوطَةٍ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَطْمَعُ فِي إيضَاحِهِ إلَّا بِمُرَاجَعَةِ أُصُولِهِ لِيَتَبَيَّنَ بِهَا مَا فِيهِ وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْإِطَالَةِ لَبَسَطْتُ ذَلِكَ عَلَى أَنِّي بَسَطْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ. (قَوْلُهُ: فَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةِ) قَدْ أَجْحَفَ الْمُصَنِّفُ فِي اخْتِصَارِ مَسَائِلِهَا أَيْضًا مَعَ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ أَنَّ مَسَائِلَهَا هِيَ عَوِيصُ بَابِ الْحَيْضِ بَلْ هِيَ مُعْظَمُهُ وَهِيَ كَثِيرَةُ

стр. 117

الصُّوَرِ وَالْفُرُوعِ وَالْقَوَاعِدِ وَالتَّمْهِيدَاتِ وَالْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَاتِ. وَقَدْ غَلَّطَ الْأَصْحَابُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَاهْتَمُّوا بِهَا حَتَّى صَنَّفَ الدَّارِمِيُّ فِيهَا مُجَلَّدَةً ضَخْمَةً لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ مَسْأَلَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ وَتَصْوِيرُهَا وَتَحْقِيقُ أُصُولِهَا وَاسْتِدْرَاكَاتٌ كَثِيرَةٌ اسْتَدْرَكَهَا هُوَ عَلَى الْأَصْحَابِ. وَقَدْ كُنْتُ اخْتَصَرْتُ مَقَاصِدَ تِلْكَ الْمُجَلَّدَةِ فِي نَحْوِ خَمْسِ كَرَارِيسَ وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَعْتَنِيَ بِحِفْظِ ضَوَابِطِهَا وَأُصُولِهَا فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ جَمِيعُ مَا يَرَاهُ مِنْ صُوَرِهَا اهـ مُلَخَّصًا وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ بَعْدَ أَنْ أَفْرَدَ هَذَا الْبَابَ بِالْكِتَابَةِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَا وَيَبْسُطُ فِيهَا وَلَوْ أَدْنَى بَسْطٍ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا مُعْظَمُهُ وَأَشْكَلُهُ وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ أَيْضًا مُحَيِّرَةً بِكَسْرِ الْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا حَيَّرَتْ الْفَقِيهَ فِي أَمْرِهَا. (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) هَذِهِ أَصَحُّ الطُّرُقِ وَأَشْهُرُهَا وَقَطَعَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا جَمْعٌ فَالطُّرُقُ ثَلَاثَةٌ. (قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا إلَخْ) زَعَمَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ فَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ وَلَا عَمَلَ (قَوْلُهُ: فَمِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ) أَيْ:؛ لِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ الْأَهِلَّةُ وَعُلِّلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُزَيَّفٌ مَرْدُودٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ بَعْدَ أَنَّ عَلَّلَهُ بِذَلِكَ. قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ مُزَيَّفٌ لَا أَصْلَ لَهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ مَتَى أَطْلَقْنَا الشَّهْرَ فِي الْمُسْتَحَاضَاتِ أَرَدْنَا بِهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا سَوَاءٌ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ أَمْ لَا وَلَا يَعْنِي بِهِ الشَّهْرَ الْهِلَالِيَّ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (قَوْلُهُ: الْوَطْءُ وَنَحْوُهُ) أَيْ: وَإِنْ وَصَلَتْ لِسِنِّ الْيَأْسِ خِلَافًا لِأَبِي شُكَيْل؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي احْتِمَالَ الْحَيْضِ الَّذِي الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ (قَوْلُهُ: وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) أَيْ: وَإِنْ خَافَتْ النِّسْيَانَ؛ لِأَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِإِجْرَائِهَا عَلَى قَلْبِهَا وَبِالنَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ جَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ لَهَا الْقِرَاءَةُ خَوْفَ النِّسْيَانِ. (قَوْلُهُ: لِجَمَاعَةِ الصَّلَاةِ) أَيْ: وَلِفِعْلِهَا فِيهِ وَلَوْ مُنْفَرِدَةً أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّاشِيِّ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) مَمْنُوعٌ بَلْ الْأَصَحُّ خِلَافُهُ كَمَا بَيَّنْتُهُ، ثُمَّ (قَوْلُهُ: أَيْ: قَضَاءُ صَلَاةٍ مُبْهَمَةٍ لِكُلِّ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَذَا عَجِيبٌ مَعَ قَوْلِهِمْ إنْ كَانَتْ تُصَلِّي أَوَّلَ الْوَقْتِ دَائِمًا لَمْ يَلْزَمْهَا لِكُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَّا صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ أَوَّلَهُ كَذَلِكَ لَزِمَهَا لِكُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ صَلَاةُ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ وَوَجَّهُوا ذَلِكَ بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ (قَوْلُهُ: أَوَّلُ دَمِهَا) أَيْ: أَوَّلُ حَيْضِهَا. (قَوْلُهُ: وَمَنْ عَرَفَتْ قَدْرَهَا وَجَهِلَتْ وَقْتَهَا بِالْكُلِّيَّةِ) . يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: عَقِبَهُ مَكَثَتْ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ قَدْرَ الْعَادَةِ لِأَنَّهَا إذَا عَرَفَتْ أَوَّلَ الدَّمِ أَيْ: الْحَيْضِ لَمْ تَجْهَلْ الْوَقْتَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ تَكُونُ حَافِظَةً لِلْقَدْرِ وَالْوَقْتِ فَلَا تَكُونُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُتَحَيِّرَةِ وَالْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ وَجَهِلَتْ وَقْتَهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَنَّهُ أَرَادَ بِأَوَّلِ الدَّمِ مَعْرِفَتَهَا بِأَوَّلِ طُرُوِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُ حَيْضٌ، أَوْ لَا لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَسَادُ الْحُكْمِ الَّذِي رَتَّبَهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ لَمْ تَجْهَلْ الْوَقْتَ بِالْكُلِّيَّةِ وَاَلَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ هُنَا إذَا ذَكَرَتْ الْقَدْرَ دُونَ الْوَقْتِ فَمَا تَيَقَّنَتْهُ مِنْ حَيْضٍ فَلَهُ حُكْمُهُ، أَوْ طُهْرٍ فَلَهُ حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ. وَمَا شَكَّتْ فِيهِ تَكُونُ فِيهِ كَالْمُتَحَيِّرَةِ فَتُجْعَلُ فِي الْعِبَادَاتِ كَطَاهِرٍ وَفِي نَحْوِ الِاسْتِمْتَاعِ كَحَائِضٍ وَإِنَّمَا تَخْرُجُ عَنْ التَّحَيُّرِ الْمُطْلَقِ بِحِفْظِ قَدْرِ الدَّوْرِ وَأَوَّلِهِ فَإِنْ قَالَتْ كَانَ حَيْضِي أَكْثَرَهُ وَأَضْلَلْته فِي دَوْرِي وَلَمْ تَعْرِفْ غَيْرَ هَذَا أَوْ كَانَ حَيْضِي أَكْثَرَهُ، وَأَوَّلُ دَوْرِي يَوْمُ كَذَا وَلَمْ تَعْرِفْ قَدْرَ دَوْرِهَا فَهِيَ فِيهَا مُتَحَيِّرَةٌ وَنَازَعَ الْقُونَوِيُّ فِي الثَّانِيَةِ بِامْتِنَاعِ احْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ فِيهَا قَبْلَ مُضِيِّ قَدْرِ الْحَيْضِ مِنْ ابْتِدَاءِ مَا عَيَّنَتْهُ، أَوْ قَالَتْ كَانَ حَيْضِي خَمْسَةً مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ وَلَمْ تَعْرِفْ ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً وَلَا فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ الشَّهْرِ فَمُتَحَيِّرَةٌ كَذَلِكَ إلَّا فِي الصِّيَامِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ. فَإِنْ ذَكَرَتْ قَدْرَ الدَّوْرِ وَأَوَّلَهُ فَقَدْ يَحْصُلُ يَقِينُ حَيْضٍ وَيَقِينُ طُهْرٍ وَشَكٌّ يَحْتَمِلُ الِانْقِطَاعَ وَشَكٌّ لَا يَحْتَمِلُهُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ لَهَا يَقِينُهُمَا وَقَدْ يَحْصُلُ يَقِينُ طُهْرٍ لَا حَيْضٍ وَيَسْتَحِيلُ عَكْسُهُ وَبَسْطُ ذَلِكَ فِي الْمُطَوَّلَاتِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فَإِنْ لَمْ تَدْرِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ كَالْمُتَحَيِّرَةِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ التَّحَيُّرِ الْمُطْلَقِ إلَّا إذَا عَرَفَتْ قَدْرَ الدَّوْرِ وَأَوَّلَهُ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ مُطْلَقِ أَوَّلِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَقَدْرُ الْعَادَةِ يُفِيدُهَا شَيْئًا فَإِنْ قُلْتَ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُفِيدَهَا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ.

стр. 118

الْقُونَوِيِّ قُلْت لَا؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْقُونَوِيِّ فِيمَا إذَا عَرَفَتْ أَوَّلَ دَوْرِهَا وَقَدْرَ حَيْضِهَا وَجَهِلَتْ قَدْرَ الدَّوْرِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ لَيْسَ فِيهِ بِقِسْمَيْهِ إلَّا مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْعَادَةِ وَهَذَا لَا يُفِيدُهَا خُرُوجًا عَنْ التَّحَيُّرِ الْمُطْلَقِ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ زَمَنٍ يَمُرُّ عَلَيْهَا مُحْتَمِلٌ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالِانْقِطَاعِ وَلَا نَظَرَ لِحِفْظِهَا قَدْرَ الْعَادَةِ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهَا تَجْهَلُ وَقْتَهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ لِتَعْلَمَ بِهِ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَتَزِيدُ بِتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ) هَذَا سَهْوٌ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا دَاخِلٌ فِيمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ (قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) هُوَ سَهْوٌ أَيْضًا.؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ (قَوْلُهُ: وَعُبُورُ الْمَسْجِدِ إلَخْ) لَا يَخْتَصُّ بِهَا بَلْ كُلُّ ذِي نَجَاسَةٍ يُخْشَى مِنْهَا تَلْوِيثُهُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: نَظَرَ عَوْرَتَهَا) أَيْ: إلَّا بِشَهْوَةٍ كَمَا اقْتَضَاهُ تَعْبِيرُهُ كَالنَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا بِالِاسْتِمْتَاعِ بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ بِالْمُبَاشَرَةِ الْوَاقِعِ فِي عِبَارَةِ جَمَاعَةٍ كَالتَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ النَّظَرَ مُطْلَقًا فَيُحَلُّ وَيُدْخِلُ اللَّمْسَ مُطْلَقًا فَيُحَرَّمُ وَعَلَى الْعِبَارَةِ الْأُولَى لَا يَحْرُمُ اللَّمْسُ كَالنَّظَرِ إلَّا بِشَهْوَةٍ وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّهْوَةِ. وَفِي ذَلِكَ مَزِيدٌ بَسَطْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) عِبَارَتِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَبَحْثِ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّ تَمَتُّعَهَا بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ كَعَكْسِهِ وَاعْتَرَضَهُ كَثِيرُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ حَتَّى يَلْحَقَ بِهَا فَمَسُّهَا لِذَكَرِهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِكَفِّهَا وَهُوَ جَائِزٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ وَفِي الْكُلِّ نَظَرٌ إذْ الدَّمُ لَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي عِلَّةِ حُرْمَةِ تَمَتُّعِهِ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا وَإِنَّمَا عِلَّتُهُ مَا مَرَّ نَعَمْ نَظَرَ فِيهِ بِأَنَّهُ خِلَافُ قَضِيَّةِ كَلَامِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَبَاحُوا لَهُ التَّمَتُّعَ بِذَكَرِهِ فِي كَفِّهَا مَثَلًا وَيَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ بِتَمَتُّعِهَا بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ. وَحِينَئِذٍ فَالْفَرْقُ أَنَّ تَمَتُّعَهُ هُوَ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا أَقْوَى فِي الدِّعَايَةِ إلَى الْوَطْءِ مِنْ عَكْسِهِ فَانْدَفَعَ بِذَلِكَ مَا فِي الْإِسْعَادِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَيْلِ إلَى مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ الْحُكْمُ بِحِلِّ تَمَتُّعِهِ بِذَكَرِهِ فِي كَفِّهَا وَحُرْمَةِ تَمَتُّعِهَا بِكَفِّهَا فِي ذَكَرِهِ مَعَ أَنَّهُمَا سَبَبَانِ فِي الدِّعَايَةِ لِلْوَطْءِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَعَ ذَلِكَ تَحَكُّمٌ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ زِيَادَةٌ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فَلَا بَأْسَ بِسَوْقِ عِبَارَتِهِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِدِ وَهِيَ (وَ) يَحْرُمُ (الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) إنْ كَانَ وَقَعَ (بِلَا حَائِلٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَشَرَةِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ الْحَيْضِ وَيَدُلُّ لَهُ اتِّفَاقُهُمْ أَنَّهُ الْمُرَادُ أَوَّلَ الْآيَةِ، أَوْ زَمَنُهُ، أَوْ مَحَلُّهُ وَهُوَ الْفَرْجُ وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَخَصَّ بِمَفْهُومِهِ عُمُومَ خَبَرِ مُسْلِمٍ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ وَيُحْتَمَلُ جَعْلُ هَذَا مُخَصِّصًا لِمَفْهُومِ ذَلِكَ فَلَا يَحْرُمُ إلَّا الْوَطْءُ وَاخْتَارَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي عِدَّةٍ مِنْ كُتُبِهِ وَنَقَلَ عَنْ الْقَدِيمِ لَكِنْ اسْتَحْسَنَ فِي الْمَجْمُوعِ وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ وَثِقَ بِتَرْكِ الْوَطْءِ لِوَرَعٍ، أَوْ قِلَّةِ شَهْوَةٍ جَازَ. وَإِلَّا فَلَا. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الْأَحْوَطِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَأَيْضًا فَدَعْوَى تَخْصِيصِ الثَّانِي لِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ مَمْنُوعَةٌ لِأَنَّ مَنْطُوقَ الْأَوَّلِ حِلُّ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَمَفْهُومُهُ حُرْمَةُ مَا تَحْتَهُ الشَّامِلُ لِلنِّكَاحِ وَمَنْطُوقُ الثَّانِي حِلُّ مَا عَدَا النِّكَاحَ وَمَفْهُومُهُ حُرْمَةُ النِّكَاحِ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَخْصِيصُ مَفْهُومِ الْأَوَّلِ بِمَفْهُومِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُ بِخِلَافِ مَنْطُوقِ الثَّانِي بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ إذْ هُوَ وَلَيْسَ مِنْ أَفْرَادِهِ إذْ حُكْمُهُ الْحُرْمَةُ وَحُكْمُ الثَّانِي الْحِلُّ فَحِينَئِذٍ مَنْطُوقُهُ يُخَصَّصُ بِأَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا مُتَّصِلٌ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالثَّانِي مُنْفَصِلٌ وَهُوَ مَفْهُومُ الْأَوَّلِ فَظَهَرَ بِذَلِكَ رُجْحَانُ دَلِيلِ الْمَذْهَبِ وَتَعْبِيرُهُ بِالِاسْتِمْتَاعِ الشَّامِلِ لِلَّمْسِ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ لَا بِغَيْرِهَا فِيهِمَا هُوَ مَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّهُ عَبَّرَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ بِالْمُبَاشَرَةِ وَمُقْتَضَاهَا تَحْرِيمُ اللَّمْسِ بِلَا شَهْوَةٍ دُونَ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ قَالَ شَيْخُنَا ﵀ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَنُوطٌ بِالْمُبَاشَرَةِ وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ بِخِلَافِ النَّظَرِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ وَلَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِنْ تَقْبِيلِهَا فِي وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ

стр. 119

وَالْأَوْجَهُ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّمَتُّعِ إذْ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ أَنَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ أَقْوَى فِي الْإِفْضَاءِ إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَحْصُلُ الْإِفْضَاءُ إلَى ذَلِكَ إلَّا مَعَ الشَّهْوَةِ فَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِنْ تَقْبِيلِهَا فِي وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ لِمَا مَرَّ مِنْ خَبَرِ مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ تَمَتُّعَهَا بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ كَعَكْسِهِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَبُو زُرْعَةَ بَلْ قَالَ مَا قَالَهُ غَلَطٌ عَجِيبٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ حَتَّى يُلْحَقَ بِهَا فَمَسُّهَا لِذَكَرِهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِكَفِّهَا وَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا وَبِأَنَّهَا إذَا لَمَسَتْ ذَكَرَهُ. فَقَدْ اسْتَمْتَعَ بِمَا فَوْقَ سُرَّتِهَا وَهُوَ جَائِزٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِاللَّمْسِ بِيَدِهِ، أَوْ بِسَائِرِ بَدَنِهِ، أَوْ بِلَمْسِهَا لَهُ وَبِأَنَّهُ كَانَ الصَّوَابُ فِي نَظْمِ الْقِيَاسِ أَنْ يَقُولَ كُلُّ مَا مَنَعْنَاهُ مِنْهُ نَمْنَعُهَا أَنْ تَلْمَسَهُ بِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْمَسَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ سَائِرَ بَدَنِهَا إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهَا مِنْ لَمْسِهِ بِمَا مَسَّهَا قَالَ شَيْخُنَا وَفِيمَا اعْتَرَضَ بِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّ وُجُودَ الدَّمِ بِالْفِعْلِ لَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْعَلِيَّةِ فَبَطَلَ مَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ الَّذِي يُتَّجَهُ خِلَافُ مَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ لَا لِمَا ذَكَرُوهُ بَلْ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ. إنَّمَا هِيَ وُجُودُ التَّمَتُّعِ فِي مَظِنَّةِ الدَّمِ، أَوْ حِمَاهَا وَذَلِكَ مَوْجُودٌ عِنْدَ تَمَتُّعِهِ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا بِخِلَافِ تَمَتُّعِهَا هِيَ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لَمْسُ مَظِنَّةِ دَمٍ وَلَا حِمَاهَا فَكَانَ الْأَوْجَهُ جَوَازُهُ وَجَوَازُ تَمْكِينِهِ لَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو لِلْوِقَاعِ كَدِعَايَةِ لَمْسِهِ هُوَ لِمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا ضَرُورَةُ تَمْيِيزِ الْحَيِّ عَنْ غَيْرِهِ وَدَعْوَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ خَشْيَةُ الْوُقُوعِ فِي الْجِمَاعِ الْمُحَرَّمِ مَمْنُوعَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهَا تَحْرِيمُ التَّمَتُّعِ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ إذَا خُشِيَ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ. مَا بِهِ مِنْ الْأَذَى وَتَحْرِيمُ غَيْرِهِ خَوْفَ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْهُ وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ تَضَمُّخَهُ بِالْأَذَى بَعْدَ انْفِصَالِهِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ لَهُ وَوَطْءُ حَائِضٍ لَا أَذَى بِفَرْجِهَا بِوَجْهٍ مُحَرَّمٍ وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْأَذَى بِالْفِعْلِ بَلْ إنَّهُ مَظِنَّةٌ لَهُ وَمَا نِيطَ بِالْمَظِنَّةِ لَا يَضُرُّ فِيهِ التَّخَلُّفُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَمَعْنَى قَوْلِ الْإِمَامِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ أَيْ: تَحْرِيمَ الْحَيْضِ الْمُقْتَضِي لِكَوْنِهِ كَبِيرَةً فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ حَرَامٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقْصِدَ هِيَ اللَّمْسَ الْمُحَرَّمَ، أَوْ يَقْصِدُهُ هُوَ إلَّا أَنَّهُ إذَا مَنَعَهَا لَمْسَ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ حَرُمَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا. وَإِذَا مَنَعَتْهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ إلَّا لِمُوجِبٍ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَجِمَاعُ الْحَيْضِ يُورِثُ عِلَّةً مُؤْلِمَةً لِلْمُجَامِعِ وَجُذَامًا فِي الْوَلَدِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ (وَقَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ: الْوَطْءِ فَحَيْثُ يُحْكَمُ بِطُهْرِهَا أَيْ: بِأَنْ كَانَ تَحَيُّرُهَا نِسْبِيًّا لَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) عِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ يَجُوزُ عِنْدَنَا وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الزَّمَنِ الْمَحْكُومِ بِأَنَّهُ طُهْرٌ وَإِنْ كَانَ الدَّمُ جَارِيًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَنَقَلَهُ جَمْعٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَتْ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْأَصَحِّ لَعَلَّهُ أَرَادَ حِكَايَةَ الْخِلَافِ الْحَالِيِّ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهَا إلَخْ) لَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْمُتَحَيِّرَةِ وَلَا بِالْمُعْتَادَةِ. بَلْ كُلُّ مَنْ رَأَتْ دَمًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ حَيْضًا يَلْزَمُهَا أَنْ تُمْسِكَ إلَى أَنْ يُجَاوِزَ خَمْسَةَ عَشَرَ (قَوْلُهُ: صَلَاتُهُ) أَيْ: الزَّائِدِ عَلَى مَرَدِّهَا (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَقَدْ صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَالرَّوْضَةِ وَنَقَلَهُ فِيهَا عَنْ ظَاهِرِ نَصِّ الْأُمِّ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ والخراسانيي ن وَأَيَّدَهُ بِنَصِّ الْأُمِّ وَلَمْ يَنْقُلْ الثَّانِي إلَّا عَنْ تَصْحِيحِ الرَّافِعِيِّ وَقَطْعِ صَاحِبِ الْحَاوِي فَقَطْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَحْشُوهُ) الْوَجْهُ فَتَحْشُوهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْحَشْوِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَصْبِ وَبَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَالْوُضُوءِ وَبَيْنَ أَفْعَالِهِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ لَمْ يُؤْذِهَا الدَّمُ) . أَيْ: إيذَاءً شَدِيدًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً وَلَمْ تَكُنْ مُفْطِرَةً بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ (قَوْله كَفَتْ الْعِصَابَةُ) أَيْ: نَهَارًا لَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَيُبَادِرَانِ) أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةُ وَالسَّلِسُ وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَرِّحَ بِمُسَاوَاتِهِمَا فِي الْحَشْوِ وَالْعَصْبِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ فِي الْكُلِّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَضُرَّ) أَيْ: وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ (قَوْلُهُ: وَيَنْوِيَانِ إلَخْ) حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمُتَيَمِّمِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرُوهُ فِيهِ وَيَلْزَمُهَا أَيْضًا تَجْدِيدُ الِاحْتِيَاطِ لِكُلِّ فَرْضٍ وَإِنْ لَمْ تُزِلْ الْعِصَابَةَ عَنْ مَحَلِّهَا وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ بِجَوَانِبِهَا.

стр. 120

وَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ التَّجْدِيدُ لَوْ أَحْدَثَتْ حَدَثًا خَاصًّا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَوْ زَالَتْ الْعِصَابَةُ، أَوْ أَحْكَامُهَا فَخَرَجَ دَمٌ أَوْ زَادَ، أَوْ خَرَجَ دَمٌ لِتَقْصِيرِهِ فِي الْحَشْوِ بَطَلَ الْوُضُوءُ وَكَذَا لَوْ شُفِيَتْ إنْ كَانَ خَرَجَ الدَّمُ أَثْنَاءَ الْوُضُوءِ، أَوْ بَعْدَهُ وَإِلَّا لَمْ يَبْطُلْ بِلَا خِلَافٍ (قَوْلُهُ: لَا بَعْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ) هُوَ مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ بِأَنَّ حَدَثَهَا مُتَجَدِّدٌ وَنَجَاسَتَهَا مُتَزَايِدَةٌ لَكِنْ صَوَّبَ فِي الرَّوْضَةِ عَدَمَ الْفَرْقِ. فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا لَفْظُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ) لَيْسَ لَفْظَهُ وَلَا قَرِيبًا مِنْهُ بَلْ فِيهِ تَحْرِيفٌ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ قَوْلَهُ دُونَ أَقَلِّ الطُّهْرِ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ فِي حِكَايَةِ هَذَا الْوَجْهِ الرَّابِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْإِمَامُ أَطْلَقَ الْأَيَّامَ فَقَيَّدَهَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ بِأَنَّ مَحَلَّهَا حَيْثُ كَانَتْ دُونَ أَقَلِّ الطُّهْرِ (قَوْلُهُ: عَلَى سَقَمٍ فِي نُسَخِهِ) أَيْ:؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ فِيهِ فِي حِكَايَةِ الرَّابِعِ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ الْوِلَادَةِ لَا مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ وَاَلَّذِي فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْهُ عَكْسُ ذَلِكَ لَكِنْ كِلَاهُمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّ نُسَخَ الْعَزِيزِ فِي بَعْضِهَا حِكَايَةُ الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي رَآهُ حَالَ تَأْلِيفِهِ لِلْمَجْمُوعِ. وَفِي بَعْضِهَا حِكَايَةُ الْآخَرِ وَهُوَ الَّذِي رَآهُ حَالَ تَأْلِيفِ الرَّوْضَةِ فَلَا سَقَمَ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَجْهَيْنِ حَكَاهُ الْإِمَامُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَحَّحَ أَنَّهُ مِنْ الدَّمِ لَكِنَّهُ أَحَالَ فِيهِ، ثُمَّ عَلَى مَا فِيهِ هُنَا مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّخَالُفِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ رَأَتْهُ) أَيْ: قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ الْوِلَادَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ فَحَذْفُ الْمُصَنِّفِ لِذَلِكَ مِنْ عِبَارَتِهِ غَيْرُ حَسَنٍ. (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ إلَخْ) سَيَنْقُلُهُ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ فَإِنَّ كَلَامَ الْبُلْقِينِيُّ مَرْدُودٌ وَالتَّنَاقُضُ ظَاهِرٌ وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ مَعَ الْمَتْنِ (أَوَّلَ وَقْتِهِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَلَدِ) . وَقَبْلَ أَقَلِّ الطُّهْرِ (وَلَوْ) كَانَ الْوَلَدُ (عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً قَالَ الْقَوَابِلُ هِيَ مُبْتَدَأُ آدَمِيٍّ، أَوْ) عَطْفٌ عَلَى مَا بَعْدَ لَوْ (تَأَخَّرَ خُرُوجُ الدَّمِ عَنْ الْوَضْعِ، ثُمَّ رَأَتْهُ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَوَّلُهُ حِينَئِذٍ مِنْ الْخُرُوجِ لَا مِنْ الْوِلَادَةِ) كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَمَوْضِعٍ مِنْ الْمَجْمُوعِ وَيَدُلُّ لَهُ تَعْرِيفُهُ السَّابِقُ بِأَنَّهُ الدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَقِيلَ مِنْهَا وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمَجْمُوعِ وَقَضِيَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ زَمَنَ النَّقَاءِ لَا يُحْسَبُ مِنْ السِّتِّينَ لَكِنْ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ بِخِلَافِهِ فَقَالَ ابْتِدَاءُ السِّتِّينَ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَزَمَنُ النَّقَاءِ لَا نِفَاسَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَحْسُوبًا مِنْ السِّتِّينَ. وَلَمْ أَرَ مَنْ حَقَّقَ هَذَا اهـ. وَرُدَّ بِأَنَّ حُسْبَانَ النَّقَاءِ مِنْ السِّتِّينَ مِنْ غَيْرِ جَعْلِهِ نِفَاسًا فِيهِ تَدَافُعٌ بِخِلَافِ جَعْلِ ابْتِدَائِهَا مِنْ الدَّمِ (قَوْلُهُ: كَمَا قُلْنَا) أَيَّدَ بِهِ مَقَالَةَ الْبُلْقِينِيُّ وَلَا تَأْيِيدَ فِيهِ لَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: قَلَّ، أَوْ كَثُرَ) الْأَنْسَبُ أَوْ أَكْثَرُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إلَخْ) أَيْ: بِأَنْ لَمْ تَرَ بَعْدَ وِلَادَتِهَا دَمًا إلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ رَأَتْهُ قَوِيًّا، ثُمَّ ضَعِيفًا فَلَا نِفَاسَ وَمَا رَأَتْهُ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ إنْ كَانَ وَجَدَتْ فِيهِ شُرُوطَ تَمْيِيزِ الْحَيْضِ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَهِيَ فَاقِدَةُ شَرْطِ تَمْيِيزٍ فِي الْحَيْضِ فَتَحِيضُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَتَطْهُرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ (قَوْلُهُ: فَقِيَاسُ كَوْنِ الضَّعِيفِ طُهْرًا إلَخْ) . هَذَا الْقِيَاسُ مَمْنُوعٌ وَالْوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ وَيَنْبَغِي إلَخْ لَكِنْ لَا لِمَا ذَكَرَهُ فَحَسْبُ بَلْ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ هُنَا صَرِيحٌ فِيهِ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُمَيِّزَةَ إذَا لَمْ يُجَاوِزْ دَمُهَا الْقَوِيُّ السِّتِّينَ تُرَدُّ إلَيْهِ عَمَلًا بِالتَّمْيِيزِ وَصَرَّحُوا مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الضَّعِيفِ فَحِينَئِذٍ هُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْأَسْوَدَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ هُوَ النِّفَاسُ لِوُجُودِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا هُنَا فِيهِ وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ نِفَاسًا أَنَّ مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ لِاسْتِحَالَةِ الْحُكْمِ بِالنِّفَاسِ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَيُحْكَمُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا طُهْرٌ. وَلِأَجْلِ هَذِهِ الِاسْتِحَالَةِ فَارَقَ نَظِيرَهُ فِي الْحَيْضِ. فِيمَا لَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا، ثُمَّ حُمْرَةً مُسْتَمِرَّةً مِنْ أَنَّ الْحَيْضَ هُوَ الْأَسْوَدُ وَالْحُمْرَةُ الْأُولَى دَمُ فَسَادٍ إذْ لَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ وَالْقَوِيُّ إنَّمَا يَسْتَتْبِعُ مَا بَعْدَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَيَجْرِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْته فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ بَعْدَهُ كَمَا لَوْ رَأَتْ عَقِبَ الْوِلَادَةِ عِشْرِينَ أَشْقَرَ ثُمَّ أَرْبَعِينَ، أَوْ ثَلَاثِينَ أَسْوَدَ، ثُمَّ أَحْمَرَ فَالْأَسْوَدُ هُوَ النِّفَاسُ وَاسْتَتْبَعَ مَا قَبْلَهُ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ نَظَرًا لَتِلْكَ الِاسْتِحَالَةِ أَيْضًا وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الضَّعِيفِ الْمُجَاوِزِ طُهْرٌ فَإِنْ قُلْت أَيُّ فَرْقٍ هُنَا بَيْنَ الضَّعِيفِ وَالنَّقَاءِ إذْ لَوْ رَأَتْ عَقِبَ الْوِلَادَةِ نَقَاءً خَمْسَةَ عَشَرَ كَانَ مَا بَعْدَهَا.

стр. 121

حَيْضًا لَا نِفَاسًا فَلِمَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي الضَّعِيفِ مَعَ حُكْمِهِمْ بِاسْتِوَائِهِمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ؟ قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ فَإِنَّ النَّقَاءَ فَاصِلٌ حِسِّيٌّ فَلِذَا أَوْجَبَ لِلسَّوَادِ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ حَيْضٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِتَمْيِيزٍ وَلَا لِعَدَمِهِ. وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنْ جِنْسِ مَا بَعْدَهُ وَفِيهِ صِفَةٌ تَقْتَضِي تَقَدَّمَهُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ عَلَى قَوْلٍ وَهِيَ الْأَوَّلِيَّةُ فَبَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ فَقَدَّمْنَا اللَّوْنَ مَثَلًا؛؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ السَّبْقِ وَإِذَا قُدِّمَ فَتَارَةً يُمْكِنُ إلْغَاءُ السَّابِقِ كَمَا قَالُوهُ فِي الْحَيْضِ وَتَارَةً لَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ هُوَ الِاسْتِحَالَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا هُنَا فَوَجَبَ انْدِرَاجُهُ فِي الْقَوِيِّ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا حَكَمْنَا عَلَى النَّقَاءِ الْحَقِيقِيِّ بِذَلِكَ لِضَرُورَةِ السَّحْبِ عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا بُعْدَ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّهَا فَاقِدَةٌ لِشَرْطِ التَّمْيِيزِ هُنَا وَهُوَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الْقَوِيُّ السِّتِّينَ وَحِينَئِذٍ فَتُرَدُّ إلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدِئَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ لَوْ رَأَتْ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ ضَعِيفًا، ثُمَّ يَوْمًا قَوِيًّا وَجَاوَزَ كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَهِيَ مَنْ كَانَ دَمُهَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ بِصِفَتَيْنِ وَتَأَخَّرَ حَتَّى جَاوَزَ السِّتِّينَ (قَوْلُهُ: وَالْمَسْأَلَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى إلَخْ) هَذَا ذَكَرَهُ تَأْيِيدًا. مَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ لِمَا عَلِمَتْ أَنَّهَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَمْ تَفْقِدْ شَرْطَ التَّمْيِيزِ فَحَكَمْنَا عَلَيْهَا بِهِ بِخِلَافِهَا هُنَا فَإِنَّهَا بِمُجَاوَزَةِ الْقَوِيِّ الْمَرْئِيِّ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَوْ بَعْدَهَا فَقَوِيَّةٌ فَكَانَ الْوَجْهُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدِئَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ وَقَوْلُهُ لِإِطْلَاقِهِمْ: إنَّ الدَّمَ إلَخْ مَمْنُوعٌ إذْ لَمْ يُطْلِقُوا كَذَلِكَ بَلْ فَصَّلُوا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ فُرِضَ إطْلَاقُ أَحَدٍ مِنْهُمْ كَذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُهُ: أَيْضًا أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ كَلَامَهُمْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ. (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَأَتْ قَوِيًّا ثُمَّ ضَعِيفًا إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا وَفِي الْحَيْضِ نَعَمْ قَوْلُهُ: أَوْلَى كَمَا رَأَيْنَاهُ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ السَّابِقِ عَلَى الْقَوِيِّ وَالْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ وَأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ فِي الْحَيْضِ أَنْ يَكُونَ السَّابِقُ دَمَ فَسَادٍ لَوْلَا مَا عَارَضَهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ: رُدَّتْ بَعْدَ الْمَجَّةِ إلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ طُهْرًا) وَجْهُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طُهْرٍ بَيْنَ النِّفَاسِ وَالْحَيْضِ لَا جَائِزٌ أَنْ يُعْتَبَرَ طُهْرُهَا؛ لِأَنَّهُ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ بِعَارِضِ الْوِلَادَةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ الْعَارِضُ وَلَا أَنْ يُعْتَبَرَ أَقَلُّ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ لَهَا. فَتَعَيَّنَ إدَارَةُ الْأَمْرِ عَلَى كَوْنِهَا مُبْتَدِئَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ فِي النِّفَاسِ فَرُدَّتْ إلَى طُهْرِهَا وَهُوَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ. (قَوْلُهُ: النَّقَاءُ الْمَذْكُورُ) أَيْ: دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْجَارِيَ عَلَى الْقَاعِدَةِ هُوَ الْأَوَّلُ) هُوَ كَمَا قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعَارِضِ مَرَضٍ، أَوْ دَوَاءٍ سِنِينَ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ أَوْ حَاضَتْ كَانَ ذَلِكَ الطُّهْرُ الْمُتَطَاوِلُ طُهْرًا تُرَدُّ إلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ هُنَا وَقَرَأَ فِي الثَّانِي كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ وَفَّقَنَا اللَّهُ لِطَاعَتِهِ وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ إلَيْهِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ أَفْضَلَ صَلَاةٍ وَأَكْمَلَ سَلَامٍ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ عَدَدَ مَعْلُومَاتِك وَمِدَادَ كَلِمَاتِك كُلَّمَا ذَكَرَك. وَذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَكُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِك وَذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ سُبْحَانَ رَبِّك رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ اُبْتُلِيَ بِتَقْطِيرِ الْبَوْلِ بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَلَيْسَ بِسَلَسٍ فِي الْحَقِيقَةِ لِضَعْفٍ فِي الْمَثَانَةِ هَلْ يُعْفَى عَنْ هَذَا التَّقْطِيرِ أَوْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَهَلْ قَالَ أَحَدٌ بِالْعَفْوِ عَنْهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، أَوْ لَا؟ وَهَلْ تَقْطِيرُهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَعَ الْقِلَّةِ جِدًّا حَسْبَمَا يُرَطِّبُ الْمَجْرَى نَاقِضٌ، أَوْ لَا فَيُعْفَى عَنْهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّلَسِ الَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ مِنْ قَطْرِ بَوْلِهِ مَثَلًا لِضَعْفِ الْمَثَانَةِ بَلْ مَنْ لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ زَمَنٌ بِلَا خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ حِينِ دُخُولِ الْوَقْتِ إلَى.

стр. 122

خُرُوجِهِ يَسَعُ أَقَلَّ مُجْزِئٍ مِنْ وَاجِبِ الطُّهْرِ وَالصَّلَاةِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَمَنٌ كَذَلِكَ فَهُوَ السَّلَسُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وَفِي التَّنْبِيهِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ حَدَثِ السَّلَسِ الَّذِي يُصِيبُ غَيْرَ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ بَدَنٍ، أَوْ ثَوْبٍ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ سَوَاءٌ أَخَرَجَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ أَمْ بَعْدَهَا قَالَا بَلْ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ السَّلَسِ وَكَثِيرِهِ وَفَارَقَ وُجُوبَ تَجْدِيدِ الْعِصَابَةِ بِأَنَّهَا لَا مَالِيَّةَ لَهَا لِاِتِّخَاذِهَا غَالِبًا مِنْ الْخِرَقِ الْبَالِيَةِ فَلَا مَشَقَّةَ فِي تَجْدِيدِهَا بِخِلَافِ غَسْلِ الثَّوْبِ كُلَّ سَاعَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهُ وَيُبْلِيه وَهُوَ بَحْثٌ لَائِقٌ بِالرُّخْصَةِ. وَأَمَّا مَنْ يَمْضِي لَهُ زَمَنٌ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَحَرَّى ذَلِكَ الْوَقْتَ لِيُوقِعَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ فِيهِ وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ يُصِيبُهُ نَعَمْ لِمَالِكٍ قَوْلٌ مَشْهُورٌ يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ وَالْعَمَلُ بِهِ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ سُنَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ هَذَا الْقَوْلِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَلْتَزِمَ أَحْكَامَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵁ وَإِلَّا جَاءَ تَلْفِيقُ التَّقْلِيدِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الدَّمِ الَّذِي عِنْدَ الطَّلْقِ وَعِنْدَ خُرُوجِ الْوَلَدِ تَارَةً يَتَّصِلُ بِدَمٍ قَبْلَهُ يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ وَتَارَةً يَنْقَطِعُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَلَدِ، أَوْ بِتَمَامِهِ وَتَارَةَ يَسْتَمِرُّ، فَفِي أَيِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَفِي أَيِّ حَالٍ يَكُونُ دَمَ فَسَادٍ؟ حَرِّرُوا لَنَا ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَمُنَازَعَةٌ نَشَأَتْ مِنْ عِبَارَةِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَعِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَنَحْوِهِمَا. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا خَرَجَ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِدَمٍ مَحْكُومٍ بِأَنَّهُ حَيْضٌ عِنْدَ أَوَّلِ الطَّلْقِ إلَى تَمَامِ خُرُوجِ الْوَلَدِ دَمُ فَسَادٍ وَمَا اتَّصَلَ بِحَيْضٍ يَسْتَمِرُّ حُكْمُ الْحَيْضِ عَلَيْهِ إلَى تَمَامِ خُرُوجِ الْوَلَدِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ نِفَاسًا وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ وَالدَّمُ وَالْخَارِجُ مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ حَالَ الطَّلْقِ دَمُ فَسَادٍ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ آثَارِ الْوِلَادَةِ وَلِأَنَّ انْزِعَاجَ الْبَدَنِ بِالطَّلْقِ يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَا لِلْجِبِلَّةِ وَلَا نِفَاسَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى خُرُوجِ الْوَلَدِ نَعَمْ الْمُتَّصِلُ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْضِهَا الْمُتَقَدِّمِ حَيْضٌ انْتَهَتْ وَمَا فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ يَقْضِي عَلَى الْمُطْلَقِ وَتَعَيَّنَ حَمْلُ إطْلَاقِهِ عَلَى أَحَدِ ذَيْنِك الشِّقَّيْنِ فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نِفَاسًا وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ اتِّصَالِهِ بِدَمِ الْحَيْضِ يُصَيِّرُهُ حَيْضًا وَبِدَمِ النِّفَاسِ لَا يُصَيِّرهُ نِفَاسًا. قُلْت فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ جَعْلِ الْمُتَأَخِّرِ تَابِعًا لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ تَأَخُّرَهُ عَنْهُ مُقْتَضٍ لِتَبَعِيَّتِهِ لَهُ دُونَ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ إذْ تَبَعِيَّتُهُ يَأْبَاهَا تَقَدُّمُهُ فَجُعِلَ غَيْرَ تَابِعٍ لِلنِّفَاسِ وَتَابِعًا لِلْحَيْضِ. وَأَيْضًا فَفَاصِلُ النِّفَاسِ عَمَّا قَبْلَهُ مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَهُوَ تَمَامُ خُرُوجِ الْوَلَدِ فَلَمْ يُمْكِنْ التَّبَعِيَّةُ مَعَهُ بِخِلَافِ ذَاكَ فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الطَّلْقِ خَفِيٌّ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْمَرْأَةُ فَلَمْ يَكُنْ فَاصِلًا حَقِيقِيًّا بَيْنَ مَا خَرَجَ عِنْدَهُ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الْحَيْضِ قَبْلَهُ فَحَكَمْنَا عَلَى الْكُلِّ بِأَنَّهُ حَيْضٌ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَالدَّمِ الْخَارِجِ بَعْدَ خُرُوجِ عُضْوٍ مِنْ وَلَدٍ مُجْتَنٍّ دُونَ بَاقِيه فَإِنَّهُ حَيْضٌ بِشَرْطِهِ؟ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّهُ ثَمَّ وُجِدَ صَارِفٌ عَنْ كَوْنِهِ دَمَ جِبِلَّةً وَهُوَ وُجُودُ الطَّلْقِ وَالْوِلَادَةِ فَكَانَ دَمَ فَسَادٍ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا إذْ لَا طَلْقَ هُنَا وَلَا وِلَادَةَ وَمَا يُقَارِنُ خُرُوجَ الْعُضْوِ مِنْ الْوَجَعِ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ خَفِيفٌ. فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُنَاطَ بِهِ خُرُوجُ الْجِبِلَّةِ عَنْ قَضِيَّتِهَا. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ امْرَأَةٍ عَادَتُهَا تَحِيضُ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ الشَّهْرِ فَرَأَتْ الدَّمَ فِي شَهْرٍ مِنْ الشُّهُورِ فِي الْعِشْرِينَ الْأُولَى مِنْهُ ثُمَّ انْقَطَعَ وَلَمْ يَعُدْ هَلْ تَحِيضُ وَمَا تَحِيضُ تَحِيضُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا رَأَتْهُ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ حُكِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْعَادَةِ بِأَنَّهُ حَيْضٌ بِشَرْطِهِ سَوَاءٌ أَبَلَغَ خَمْسًا أَمْ لَا وَهَذَا وَاضِحٌ وَلَعَلَّ فِي السُّؤَالِ خَلَلًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فِي الْعِشْرِينَ الْأُولَى فَإِنَّ هَذَا بِظَاهِرِهِ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ [كِتَابُ الصَّلَاةِ] [بَابُ الْمَوَاقِيتِ] (كِتَابُ الصَّلَاةِ) (بَابُ الْمَوَاقِيتِ) (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ أَخَّرَ الْمَرِيضُ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ زَالَ مَرَضُهُ قَبْلَ أَدَاءِ الظُّهْرِ فَهَلْ يَكُونُ ظُهْرُهُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً (فَأَجَابَ) : ﵁ بِأَنَّ الْجَمْعَ بِالْمَرَضِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ فِي مَذْهَبِنَا، وَاخْتَارَ جَمْعٌ جَوَازَهُ وَعَلَيْهِ فَإِذَا زَالَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَقَبْلَ فِعْلِ الَّتِي خَرَجَ وَقْتُهَا

стр. 123

صَارَتْ قَضَاءً لَكِنَّهُ لَا إثْمَ فِيهِ، نَظِيرُ: مَا لَوْ أَخَّرَ الْمُسَافِرُ الظُّهْرَ مَثَلًا عَلَى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا، ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ مَنْزِلِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَوْجَهِ، كَمَا بَيَّنْته فِي حَاشِيَةِ مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ الْكُبْرَى؛ رَادًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ خِلَافَهُ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ فِعْلَهَا فِي السَّفَرِ إنَّمَا يَحْصُلُ وَصْفُ الْأَدَاءِ فَقَطْ. بِخِلَافِ فِعْلِهَا فِي الْحَضَرِ، فَإِنَّهُ يُزِيلُ ذَلِكَ الْوَصْفَ وَيَجْعَلُهَا قَضَاءً، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّا وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا قَضَاءٌ لَا إثْمَ فِيهِ؛ إذْ الْقَضَاءُ الَّذِي فِيهِ الْإِثْمُ أَنْ يَتَعَمَّدَ خُرُوجَهَا عَنْ الْوَقْتِ لَا لِعُذْرٍ، وَهَذَا إنَّمَا تَعَمَّدَ خُرُوجَهَا عَنْهُ لِعُذْرِ السَّفَرِ. فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ مَدَّ فِيهَا بِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا، وَلَمْ يُوقِعْ مِنْهَا رَكْعَةً فِيهِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ مَقْضِيَّةً وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَالسَّفَرُ وَإِنْ جَعَلَ الْوَقْتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِتَسْمِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُؤَدَّاةً وَإِنْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِ الْأُخْرَى، لَا بِالنِّسْبَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ إيقَاعُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ حَتَّى تَكَادَ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، هَلْ يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَمْ هُوَ فِي الْوَقْتِ مَا لَمْ تَغْرُبْ؟ وَهَلْ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ هَذَا طُولَ عُمُرِهِ يَكُونُ عَدْلًا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ -: بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِشَرْطِ أَنْ يُوقِعَهَا جَمِيعَهَا فِي الْوَقْتِ قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ بِالتَّأْخِيرِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ وَيَكُونُ عَدْلًا وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَيَنْقُرُهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَمُتِّعَ بِحَيَاتِهِ -: هَلْ يُوجَدُ ضَابِطٌ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ فِي مَعْرِفَةِ أَوَّلِ وَقْتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَتَفَضَّلُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ فِي مَعْرِفَةِ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ السَّنَةِ الرُّومِيَّةِ؛ فَقَدْ كَثُرَتْ الضَّوَابِطُ فِي ذَلِكَ، وَكَثُرَ اخْتِلَافُهَا (فَأَجَابَ) : - أَمَدَّنِي اللَّهُ مِنْ مَدَدِهِ وَحَشَرَنِي فِي زُمْرَتِهِ -: الضَّابِطُ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَعَلُّمِ عِلْمِ الْمِيقَاتِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ وَفَسَحَ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ قَوْلِهِمْ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَإِذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ يَمُرُّ فِيهِ السَّيْلُ، وَهُوَ طَرِيقٌ أَيْضًا؛ فَأُقِيمَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ لِلصَّلَاةِ فَهَلْ هِيَ مَكْرُوهَةٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: هِيَ مَكْرُوهَةٌ. فَمَا تَعْلِيلُ الْكَرَاهَةِ؛ وَقَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: الْكَرَاهَةُ تُجَامِعُ الثَّوَابَ؟ وَهَلْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يُجْرِي ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا يُكْرَهُ أَمْ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ (فَأَجَابَ) - مَتَّعَنِي اللَّهُ بِحَيَاتِهِ وَنَفَعَنِي بِمَعْلُومَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ -: بِأَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ اشْتِغَالُ الْقَلْبِ بِالْمَارَّةِ فَيَنْتَفِي الْخُشُوعُ أَوْ كَمَالُهُ؛ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَدَارَ فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا يُشَوِّشُ الْخُشُوعَ؛ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي الْبُنْيَانِ لَا مَارَّةَ فِيهَا وَفِي الصَّحْرَاءِ فِيهَا مَارَّةٌ؛ كُرِهَتْ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي بِالصَّحْرَاءِ دُونَ الَّتِي فِي الْبُنْيَانِ؛ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَإِنَّمَا أَطْلَقُوا الْكَرَاهَةَ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى؛ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ؛ وَهُوَ أَنَّ طَرِيقَ الْبُنْيَانِ لَا يَخْلُو عَنْ مَارٍّ بِخِلَافِ طَرِيقِ الصَّحْرَاءِ؛ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّرِيقِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا الْمُرُورُ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ خَارِجِهِ بَلْ كُلُّ مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْمُرُورُ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقًا - تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ حَالَ مُرُورِ النَّاسِ؛ كَمَنْ يُصَلِّي فِي الْمَطَافِ وَقْتَ طَوَافِ النَّاسِ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَارَّةِ؛ كَالْمُصَلِّي فِي الطَّرِيقِ فِي الْبُنْيَانِ، وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ أَيْضًا فِي مَحَلِّ مُرُورِ السَّيْلِ إذَا غَلَبَ مُرُورُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِهِ إذَا مَرَّ؛ لِلْخَوْفِ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي الْخُشُوعُ أَيْضًا. ثُمَّ الْكَرَاهَةُ فِي الصَّلَاةِ تَارَةً تَكُونُ ذَاتِيَّةً وَهَذِهِ تُنَافِي انْعِقَادَ الصَّلَاةِ فَضْلًا عَنْ ثَوَابِهَا؛ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا ذَاتِيَّةً؛ أَنَّ الْكَرَاهَةَ بِسَبَبِ كَوْنِهَا صَلَاةً، وَتَارَةً تَكُونُ غَيْرَ ذَاتِيَّةٍ؛ بِأَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا أَمْرًا خَارِجًا عَنْ كَوْنِهَا صَلَاةً، فَهَذِهِ لَا تُنَافِي الثَّوَابَ مِنْ أَصْلِهِ وَإِنَّمَا تُنَافِي كَمَالَهُ، فَمِنْهَا: الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَرَفْعُ الْبَصَرِ فِيهَا إلَى السَّمَاءِ، وَالْبُصَاقُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ مَعَهُ حَرْفَانِ قُبَالَتَهُ، أَوْ عَنْ

стр. 124

يَمِينِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ فِي الصَّلَاةِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا؛ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْأُمِّ - فِي أَقَلِّ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ؛ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ؛ لَا أَنَّ ذَاتَه مَكْرُوهَةٌ وَكَذَا قَوْلُهُمْ: إنَّ صَلَاةَ الْوِتْرِ رَكْعَةً مَكْرُوهَةٌ، مَعْنَاهُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا مَكْرُوهٌ فَيُثَابُ عَلَيْهَا وَعَلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا مِنْ حَيْثُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَلِكَ وَتَرْكُهُ لِلْأَكْمَلِ، لَا مِنْ حَيْثُ الصَّلَاةُ. نَعَمْ، الصَّلَاةُ الَّتِي لَا خُشُوعَ فِيهَا مَكْرُوهَةٌ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِفَقْدِ الْخُشُوعِ؛ لِتَأَكُّدِ شَأْنِهِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ كَثِيرُونَ: إنَّهُ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ شَرْطٌ فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ فِي جُزْءٍ مِنْهَا كَانَتْ بَاطِلَةً عِنْدَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْفَائِتُ بِفَقْدِ الْخُشُوعِ إنَّمَا هُوَ ثَوَابُ الْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ وَتَدَبُّرُ أَذْكَارِهَا وَأَفْعَالِهَا مَا عَدَا ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ فِي رَجُلٍ صَلَّى فِي مَقَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فَإِنْ كَانُوا أَحْيَاءً فَهَلْ حَيَاتُهُمْ كَحَيَاتِنَا، فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَلْبَسُونَ وَهَلْ هُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، أَوْ بِعِبَادَةِ أُخْرَى. (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ -: تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِحَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - حَيَاةً كَحَيَاتِنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى يَقْتَضِيَ الِاحْتِيَاجَ إلَى نَحْوِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَالتَّكْلِيفَ بِنَحْوِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا أَنَّهَا كَحَيَاةِ الْمَلَائِكَةِ؛ فِي عَدَمِ احْتِيَاجِهَا إلَى ذَلِكَ؛، أَوْ فِي أَنَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَقَعُ مِنْهُمْ إنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ التَّلَذُّذِ بِخِطَابِ الْحَقِّ وَشُهُودِهِ فِي تَعَاطِي صُوَرِ مَا عَظُمَ شَأْنُهُ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ فِي ذَلِكَ أَجَلُّ وَأَكْمَلُ. فَمِنْ ثَمَّ خُصُّوا بِجَرَيَانِ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ عَلَى أَجْسَامِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ الْبَاقِيَةِ الْأَبَدِيَّةِ تَخْصِيصًا لَهُمْ بِاتِّسَاعِ مَوَاطِنِ الْقُرْبِ، وَإِتْحَافًا لَهُمْ بِإِسْبَاغِ سَوَابِقِ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ، وَإِعْلَامًا لِغَيْرِهِمْ بِأَنَّ مَوَائِدَ الْإِنْعَامِ وَمَزِيدَ الْإِكْرَامِ لَمْ تَزَلْ مُنَزَّلَةً عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ لَهَا عَنْهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) : ﵁ كَثِيرُ الْوَسْوَسَةِ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِغَالِبِ ظَنِّهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ لِتَعَسُّرِ الْيَقِينِ مِنْهُ؟ (فَأَجَابَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ -: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي إعْدَادِ الصَّلَاةِ مِنْ الْيَقِينِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْفَاتِحَةِ فِيهَا فَلَا يَضُرُّ الشَّكُّ فِيهَا بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَكَذَا سَائِرُ أَرْكَانِهَا، كَمَا أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلشَّكِّ فِي غَيْرِ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَأَمَّا الشُّرُوطُ فَلَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُهَا بَلْ يَكْفِي ظَنُّهَا؛ وَمِنْ ثَمَّ جَازَ لِمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا نَظَرَ لِشَكِّهِ عَمَلًا بِأَصْلِ اسْتِصْحَابِ الطَّهَارَةِ. وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَإِنْ شَكَّ فِي بَعْضِ أَرْكَانِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ أَوْ قَبْلَ فَرَاغِهِ أَثَّرَ، وَيَكْتَفِي فِي غَسْلِ نَحْوِ الْوَجْهِ بِظَنِّ عُمُومِ الْمَاءِ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُ ذَلِكَ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ شَكَّ فِي اسْتِيعَابِهِ قَبْلَ فَرَاغِ غَسْلِهِ أَثَّرَ، أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ غَسْلِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلْت) مَا الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ وَجَعْلِ الْمَثْنَى فِي وَقْتِهَا وَغَيْرِهَا فِي وَقْتِهَا؟ (فَأَجَبْت) : يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ الْحِكَمِ فِي جَعْلِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ فِي وَقْتِهَا الْمَعْرُوفِ؛ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَقِبَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ النَّوْمِ - وَذَلِكَ وَقْتٌ يَغْلِبُ فِيهِ التَّكَاسُلُ، أَوْ عَدَمُ النَّشَاطِ - نَاسَبَ أَنْ يُخَفَّفَ فِي وَظِيفَتِهِ بِجَعْلِهَا أَقَلَّ الْفُرُوضِ عَدَدًا. وَأَيْضًا فَالْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يَسْبِقُ مِنْ أَوَّلِ نَهَارِهِ - وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي إلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ - كَبِيرُ فَرَطَاتٍ وَزَلَّاتٍ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى كَبِيرِ عَمَلٍ يَتَدَارَكُهَا بِهِ. وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ التَّعَدُّدَ مَقْصُودٌ كَمَا يَأْتِي، وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَبْدَؤُهُ فَضُمَّ إلَيْهِ مِثْلُهُ فَصَارَ إلَى مَرْتَبَةِ أَقَلِّ الْعَدَدِ. وَأَيْضًا فَالتَّعَبُّدُ بِالرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَلَا مَأْلُوفٍ حَتَّى عِنْدَ ذَوِي الْبَطَالَاتِ وَالتَّكَاسُلِ عَنْ الْعِبَادَاتِ؛ فَلَمْ يُجْعَلْ الصُّبْحُ رَكْعَةً لِذَلِكَ بَلْ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ جَلَاءِ الْقَلْبِ، وَطَهَارَةِ السِّرِّ مَا لَا يَخْفَى؛ فَنَاسَبَ طَلَبَ تَكْرَارِ ذَلِكَ أَوَّلَ النَّهَارِ إشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ - أَعْنِي التَّطْهِيرَ - مِنْ التَّكْرَارِ وَلَوْ بِأَقَلِّ مَرَاتِبِهِ وَهُوَ الِاثْنَانِ، فَاتَّضَحَتْ حِكْمَةُ كَوْنِهَا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي

стр. 125

ذَلِكَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَخْذًا مِنْ السُّنَّةِ؛ أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي الصُّبْحِ لِلْمُنْفَرِدِ وَإِمَامِ الْمَحْصُورِينَ بِشُرُوطِهِ تَطْوِيلُهَا عَلَى سَائِرِ الْخَمْسِ، وَمَا ذَكَرْته لَا يَتَأَتَّى مَعَ ذَلِكَ؛ قُلْت: كَلَامُنَا أَوَّلًا إنَّمَا هُوَ فِي حِكْمَةِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا التَّطْوِيلُ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَالتَّطْوِيلُ صِفَةٌ تَابِعَةٌ وَهِيَ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ فِي هَذَا السُّؤَالِ؛ وَهُوَ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ عَلَى أَنَّ لَهُ حِكْمَةً ظَاهِرَةً هِيَ أَنَّ الْقَلْبَ لَمْ يَتِمَّ شَغْلُهُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ إلَى الْآنَ خَالٍ مِنْ سَائِرِ الْأَشْغَالِ؛ لِمَا عَلِمْت مِنْ قُرْبِ الْعَهْدِ بَيْنَ يَقِظَتِهِ مِنْ النَّوْمِ وَبَيْنَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي هَذَا الزَّمَنِ لَمْ يُعَانِ مِنْ الِاشْتِغَالِ مَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ عَمَّا يُوَجِّهُهُ إلَيْهِ، فَكَانَتْ الْقَابِلِيَّةُ فِيهِ هُنَا إلَى التَّطْوِيلِ مُتَوَفِّرَةً، بِخِلَافِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنَّهُ عَانَى الِاشْتِغَالَ وَبَاشَرَهَا وَارْتَبَكَ فِيهَا؛ فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ مِنْ الْفَرَاغِ مَا يَتِمُّ لَهُ فِي الصُّبْحِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ تَطْوِيلُ غَيْرِ الصُّبْحِ مِثْلُ مَا طُلِبَ مِنْهُ تَطْوِيلُهَا. وَمِنْ الْحِكَمِ فِي جَعْلِ الظُّهْرِ أَرْبَعًا فِي وَقْتِهَا الْمَخْصُوصِ؛ أَنَّهَا بَعْدَ مُضِيِّ نَحْوِ نِصْفِ النَّهَارِ الْمُبْتَدِئِ أَوَّلُهُ بِرَكْعَتَيْنِ لِلْحِكْمَةِ السَّابِقَةِ فَضُوعِفَتَا بِأَقَلِّ مَرَاتِبِ التَّضْعِيفِ - وَهُوَ مَرَّةٌ -؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا لِمَا وَقَعَ مِنْ الْهَفَوَاتِ وَالْمُخَالَفَاتِ مِنْ انْقِضَاءِ الصُّبْحِ إلَى الشُّرُوعِ فِي الظُّهْرِ وَلَمْ يُضَاعَفَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَبْنَى هَذَا الدِّينِ عَلَى السُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ مَا أَمْكَنَ، فَحَيْثُ أَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِمَرْتَبَةٍ لَمْ يُنْتَقَلْ عَنْهَا إلَى أَشَقَّ مِنْهَا، وَقَدْ عُلِمَ الِاكْتِفَاءُ بِتَضْعِيفِ الثِّنْتَيْنِ مَرَّةً حَتَّى يَصِيرَا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ كَافِيَةٌ فِيمَا قُصِدَتْ الصَّلَاةُ لَهُ مِنْ تَكْفِيرِ الزَّلَّاتِ تَارَةً وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ أُخْرَى، وَأَيْضًا فَالصُّبْحُ أَوَّلُ رُبْعِ النَّهَارِ الْأَوَّلِ، وَالظُّهْرُ آخِرُ رُبْعِ النَّهَارِ الثَّانِي تَقْرِيبًا، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الظُّهْرُ ضِعْفَ عَدَدِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّهَا خَاتِمَةُ رُبْعِ النَّهَارِ فَتَكَرَّرَ فِيهَا الرُّبْعُ مَرَّتَيْنِ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرُّبْعَ الْأَوَّلَ اُبْتُدِئَ بِرَكْعَتَيْنِ فَلْيُخْتَمْ الرُّبْعُ الثَّانِي بِأَرْبَعٍ؛ نَظَرًا إلَى اشْتِمَالِ هَذَا الْخَتْمِ عَلَى ذَيْنِك الرُّبْعَيْنِ تَقْدِيرًا. وَأُخِّرَتْ الظُّهْرُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ؛ لِتَقَعَ خَاتِمَةَ هَذَا النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّهَارِ. وَالْخَوَاتِيمُ يُحْتَاطُ لَهَا؛ لِأَنَّ بِهَا قِوَامَ الْأَشْيَاءِ، وَعَلَيْهَا مَدَارُ حَقِيقَتِهَا، فَمِنْ ثَمَّ زِيدَ فِي عَدَدِهَا ضِعْفُ مَا بِهِ الِابْتِدَاءُ؛ إشَارَةً لِهَذَا الِاعْتِنَاءِ بِالْخَاتِمَةِ، وَلَمْ يُجْعَلْ خَاتِمَةُ رُبْعِ النَّهَارِ الْأَوَّلِ وَاجِبًا اكْتِفَاءً بِمَا وَقَعَ ابْتِدَاؤُهُ بِهِ مَعَ تَمَامِ التَّفَرُّغِ وَالْإِقْبَالِ. فَكَانَ تَمَيُّزُهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا عَدَاهُ قَائِمًا مَقَامَ خَاتِمَةِ هَذَا الرُّبْعِ، عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لَهُ خَاتِمَةً لَكِنْ مَنْدُوبَةً وَهِيَ الضُّحَى؛ فَإِنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ إذَا مَضَى رُبْعُ النَّهَارِ؛ حَتَّى لَا يَخْلُوَ خَتْمُ كُلِّ رُبْعٍ مِنْ النَّهَارِ عَنْ صَلَاةٍ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْت الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا الرُّبْعِ وَالرُّبْعِ الثَّانِي وَالرُّبْعِ الثَّالِثِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ خُتِمَ بِصَلَاةٍ وَاجِبَةٍ إذْ الظُّهْرُ آخِرُ الرُّبْعِ الثَّانِي وَالْعَصْرُ آخِرُ الرُّبْعِ الثَّالِثِ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا؛ أَنَّ الْعَصْرَ لَمَّا كَانَتْ الْوُسْطَى وَكَانَ فِيهَا مِنْ الْفَضَائِلِ مَا يَفُوقُ الصُّبْحَ، وَكَانَتْ مِثْلَهَا فِي أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهَا أَوَّلُ رُبْعٍ كَانَتْ غَنِيَّةً عَنْ أَنْ تَحْتَاجَ لِخَاتِمَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرُّبْعَ الْأَوَّلَ لَمَّا اُبْتُدِئَ بِالصُّبْحِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى خَاتِمَةٍ، فَكَذَلِكَ الرُّبْعُ الْأَخِيرُ لَمَّا اُبْتُدِئَ بِالْعَصْرِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى خَاتِمَةٍ. وَلَمَّا تَرَاخَتْ الصُّبْحُ عَنْ الْعَصْرِ فِي الْفَضْلِ نُدِبَ لِرُبْعِهَا خَاتِمَةٌ وَهِيَ الضُّحَى، بِخِلَافِ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْدَبْ لِرُبْعِهَا خَاتِمَةٌ إشْعَارًا بِأَنَّهَا غَنِيَّةٌ عَنْ الِاحْتِيَاجِ إلَى جَبْرِ غَيْرِهَا لَمَّا ابْتَدَأَتْ بِهِ، بَلْ زِيدَ فِي الْإِشْعَارِ بِهَذَا الِاسْتِغْنَاءِ؛ فَحَرُمَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا بَعْدَهَا إلَى آخِرِ رُبْعِهَا؛ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْكَامِلَ قَدْ يَمْنَعُ النَّاقِصَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ مَعَهُ فِي مَرْتَبَتِهِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْكَامِلِ فَإِنَّ النَّاقِصَ قَدْ يَجْتَمِعُ بِهِ وَقَدْ يَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِهِ؛ وَبِهَذَا ظَهَرَتْ الْحِكْمَةُ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ مِنْ فِعْلِ الْعَصْرِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَهِيَ الْمَغْرِبُ، وَلَمْ تَمْتَدَّ فِي الصُّبْحِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا - وَهِيَ الظُّهْرُ - بَلْ انْقَضَى وَقْتُ الْكَرَاهَةِ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ كَرُمْحٍ، وَشُرِعَ لَهُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ التَّطَوُّعُ بِالضُّحَى جَبْرًا لِمَا عَسَاهُ لَمْ يَنْجَبِرْ بِالصُّبْحِ؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَصْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوُسْطَى الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ إنَّمَا هِيَ الْعَصْرُ. وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَمِنْ الْحِكَمِ فِي جَعْلِ الْعَصْرِ أَرْبَعًا أَيْضًا؛ أَنَّهَا آخِرُ نَحْوِ الرُّبْعِ الثَّالِثِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خَاتِمَةُ النَّهَارِ. فَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ أَيْضًا عَلَى رُبْعَيْهِ الْبَاقِيَيْنِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعًا

стр. 126

كَالظُّهْرِ؛ لِمَا تَقَرَّرَ فِيهَا أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى رُبْعَيْهِ الْأَوَّلَيْنِ بِالِاعْتِبَارِ السَّابِقِ، فَكَذَلِكَ الْعَصْرُ لَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَى رُبْعَيْهِ الْأَخِيرَيْنِ بِالِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ وَأُلْحِقَتْ بِالظُّهْرِ فِي الْعَدَدِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ذَلِكَ الِاشْتِمَالِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْرَعْ بَعْدَ الْعَصْرِ صَلَاةٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ حُرْمَةِ، أَوْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا حَذَرًا مِنْ التَّشْبِيهِ بِعُبَّادِ الشَّمْسِ فِي سُجُودِهِمْ لَهَا عِنْدَ غُرُوبِهَا كَطُلُوعِهَا؛ فَاتَّضَحَ بِمَا قَرَّرْته أَنَّ كُلَّ رُبْعٍ مِنْ النَّهَارِ مُقَابَلٌ بِرَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ الْعَصْرَ آخِرُ النَّهَارِ، وَأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى رُبْعَيْهِ الْأَخِيرَيْنِ حَقِيقَةً، وَاتَّضَحَ أَيْضًا كَوْنُهَا الْوُسْطَى لِانْتِفَاءِ هَذَا الِاشْتِمَالِ الْحَقِيقِيِّ عَنْ الظُّهْرِ وَالصُّبْحِ. وَأَيْضًا فَهِيَ لَمْ تَأْتِ إلَّا وَقَدْ امْتَلَأَ الْقَلْبُ بِالْأَغْيَارِ وَمُعَانَاةِ الْمَشَاقِّ وَالْأَشْغَالِ وَوَرَطَاتِ الْأَوْهَامِ وَالْخَوَاطِرِ فَاحْتِيجَ إلَى مَا هُوَ أَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِ ذَلِكَ وَإِزَالَتِهِ وَتَكْفِيرِ نَقَائِصِهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْآلَةُ الْمُزِيلَةُ لِذَلِكَ أَكْمَلَ الْآلَاتِ وَأَحَدَّهَا وَأَقْطَعَهَا، فَتَفَضَّلَ اللَّهُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ - وَجَعْلُ الْعَصْرِ كَذَلِكَ لِتَصْلُحَ مُزِيلَةً لِمَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ، مِنْ ذَلِكَ الِاشْتِغَالِ الْكُلِّيِّ الْمُحْتَاجِ إلَى أَبْلَغِ مُطَهِّرٍ وَأَكْمَلِهِ؛ وَبِهَذَا اتَّضَحَ كَوْنُ الْوُسْطَى لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَوَاتِ اللَّيْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ الِاشْتِغَالُ وَإِنَّمَا هُوَ مَحَلُّ رَاحَةٍ وَتَخَلٍّ عَنْ الْعَنَاءِ؛ وَمِنْ ثَمَّ خُصَّ بِأَوْقَاتِ التَّجَلِّي وَالْقُرْبِ وَشُهُودِ جَمَالِ الْحَقِّ وَإِنْعَامِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى خَوَاصِّهِ فِيهِ؛ فَهُوَ وَقْتُ تَحَلٍّ بِالْكَمَالَاتِ النَّاشِئَةِ عَنْ ذَلِكَ الْقُرْبِ الْأَعْظَمِ، بِخِلَافِ النَّهَارِ فَإِنَّهُ وَقْتُ تَخَلٍّ لِذَلِكَ الْعَنَاءِ الصِّرْفِ وَالِارْتِبَاكِ بِحَضْرَةِ الْأَغْيَارِ الْمَانِعَةِ لِاسْتِجْلَاءِ أَنْوَارِ الشُّهُودِ. فَاحْتِيجَ فِيهِ إلَى مَزِيدٍ لِذَلِكَ؛ فَشُرِعَتْ الْوُسْطَى فِيهِ لِتَتَكَفَّلَ بِتِلْكَ الْإِزَالَةِ وَكَانَتْ الْعَصْرَ لِأَنَّهَا الْأَحَقُّ بِتِلْكَ الْإِزَالَةِ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ النَّهَارِيَّةِ؛ لِمَا قَرَّرْته وَأَوْضَحْته، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي التَّكْلِيفِ بِالصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ مَشَقَّةُ التَّكْلِيفِ بِهَا فِي النَّهَارِ؛ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْأَشْغَالِ وَاللَّهْوِ وَعُرُوضِ مَا يُضَادُّ الْعِبَادَةَ وَالشُّرُوعَ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ؛ مِنْ تَتَابُعِ الْأَغْيَارِ وَالْوُقُوعِ فِي مَهَامِهِ الْأَخْطَارِ، فَكَانَ فِي الْإِتْيَانِ بِالْعَصْرِ مَعَ ذَلِكَ الَّذِي يَكْثُرُ فِي وَقْتِهَا كَثْرَةٌ لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا فِي وَقْتَيْ الظُّهْرِ وَالصُّبْحِ؛ مِنْ إظْهَارِ الطَّاعَةِ وَعَدَمِ تَأْثِيرِ الْقَوَاطِعِ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا؛ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَيْضًا حِكْمَةُ كَوْنِ الصَّلَوَاتِ النَّهَارِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ اللَّيْلِيَّةِ؛ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الِامْتِحَانَ وَالْمَشَقَّةَ فِي تِلْكَ أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ، فَطُلِبَ مِنْ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ بِالنَّهَارِ أَكْثَرَ مِنْهُ بِاللَّيْلِ؛ لِيَعْظُمَ أَجْرُهُ وَيَظْهَرَ طَوْعُهُ وَيَطْهُرَ سِرُّهُ وَيَخْرُجَ عَنْ مَأْلُوفَاتِهِ وَقَوَاطِعِهِ وَعَادَاتِهِ. ثُمَّ لَمَّا انْقَضَى النَّهَارُ افْتَتَحَ اللَّيْلَ بِثَلَاثٍ بِزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى مَا افْتَتَحَ بِهِ النَّهَارَ؛ إشَارَةً لِمَا مَرَّ أَنَّ اللَّيْلَ هُوَ مَحَلُّ التَّجَلِّي الْأَعْظَمِ وَالْقُرْبِ الْأَكْمَلِ الْأَتَمِّ، فَنَاسَبَ أَنْ يُشَارَ إلَى تَمْيِيزِهِ عَنْ النَّهَارِ بِذَلِكَ بِأَدْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّمْيِيزُ وَهُوَ رَكْعَةٌ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَبْنَى هَذَا الدِّينِ عَلَى السُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ مَا أَمْكَنَ، وَأَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ لَمْ يَتَجَاوَزْ إلَى أَشَقَّ مِنْهَا، فَاتَّضَحَتْ حِكْمَةُ كَوْنِ الْمَغْرِبِ ثَلَاثًا لَمَّا كَانَتْ النَّفْسُ مَجْبُولَةً عَلَى حُبِّ النَّوْمِ وَمَطْبُوعَةً عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ، خُفِّفَ عَنْهَا بَعْضَ التَّخْفِيفِ؛ فَسُومِحَتْ فِي تَرْكِ ثُمُنِ اللَّيْلِ بِلَا مُقَابِلٍ، وَعُمِلَ لَهَا وَقْتُ الْعِشَاءِ وَجُعِلَتْ أَرْبَعًا؛ لِتَكُونَ مُقَابِلَ رُبْعَيْنِ مِنْ اللَّيْلِ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَإِنَّهَا مُقَابِلَةٌ لِرُبْعِهِ وَثُمُنِهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي فُرُوضِ النَّهَارِ أَنَّ كُلَّ مِنْهُ رُبْعٍ مُقَابَلٌ بِرَكْعَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ اللَّيْلُ لَكِنْ مَعَ الْمُسَامَحَةِ بِثُمُنِهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُقَابَلْ بِشَيْءٍ لِمَا عَلِمْت وَلِتَمْيِيزِ النَّهَارِ - كَمَا أَوْضَحْته فِيمَا سَبَقَ - لَمْ يُجْعَلْ مَا اُفْتُتِحَ بِهِ مُقَابِلًا لِشَيْءٍ مِنْهُ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِمَا مَرَّ أَنَّ الظُّهْرَ مُقَابِلٌ لِرُبْعَيْهِ الْأُولَيَيْنِ وَالْعَصْرَ مُقَابِلٌ لِرُبْعَيْهِ الْأَوَّلَيْنِ. وَأَمَّا الصُّبْحُ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَبْدَأٌ وَمُهَيِّئٌ لِقَطْعِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ وَالْمَشَاقِّ التَّكْلِيفِيَّةِ النَّهَارِيَّةِ؛ الَّتِي هِيَ أَشَقُّ وَأَبْلَغُ مِنْ التَّكْلِيفَاتِ اللَّيْلِيَّةِ إذْ النَّفْسُ تَسْمَحُ أَنْ تَقُومَ لَيْلَةً، وَلَا تَسْمَحُ أَنْ تَتْرُكَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهَا مَا يُقَابِلُ فَلْسًا وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ فِي صِفَةِ الْأَبْدَالِ أَنَّ اللَّهَ بِهِمْ يُحْيِي وَبِهِمْ يُمِيتُ وَبِهِمْ يُغِيثُ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ؛ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا ذَلِكَ بِكَبِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ؛ وَإِنَّمَا نَالُوهُ بِالسَّخَاءِ وَالنَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَعَلِمْنَا أَنَّ السَّخَاءَ أَعْظَمُ وَأَشَقُّ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ صِيَامِ النَّهَارِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَلِذَلِكَ احْتَاجَتْ التَّكْلِيفَاتُ النَّهَارِيَّةِ إلَى

стр. 127

مُهَيِّئٍ يَعُودُ عَلَيْهَا بِالْإِغَاثَةِ وَالتَّسْهِيلِ، وَهُوَ افْتِتَاحُهَا بِرَكْعَتَيْ الصُّبْحِ. وَلَمْ تَحْتَجْ التَّكْلِيفَاتُ اللَّيْلِيَّةُ إلَى ذَلِكَ فَكَانَ مَا اُفْتُتِحَتْ بِهِ مَحْسُوبًا مِنْهَا مُقَابِلًا لِرُبْعِ اللَّيْلِ وَثُمُنِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَدَّمْته فِي حِكْمَةِ كَوْنِهَا ثَلَاثًا، مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ اللَّيْلَ هُوَ مَحَلُّ ذَلِكَ التَّجَلِّي وَالْقُرْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ لَيْسَتْ عَامَّةً لِكُلِّ أَحَدٍ؛ بَلْ خَاصَّةٌ بِمَنْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى وَاجِبَةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ بَلْ أَتَى بِهِمَا فِي وَقْتِهِمَا وَضَمَّ إلَيْهِمَا التَّطَوُّعَ وَالتَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ بِقِيَامِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَتَى بِوَاجِبَاتِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَضَمَّ إلَيْهَا ذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يُشَارَ لَهُ فِي تَمَيُّزِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَضُمَّ لِتِلْكَ الْوَاجِبَاتِ شَيْئًا. وَذَلِكَ التَّمَيُّزُ يَحْصُلُ بِتَمْيِيزِ زَمَنِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ؛ وَهُوَ اللَّيْلُ، فَهُوَ مُتَمَيِّزٌ عَلَى النَّهَارِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ الْمُشِيرَةِ إلَى مَا اُخْتُصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ التَّجَلِّي الْأَقْدَسِ وَالْقُرْبِ الْأَنْزَهِ الْأَنْفَسِ، وَكَوْنُهُ مَحَلًّا لِذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّ وَاجِبَهُ أَفْضَلُ مِنْ وَاجِبَاتِ النَّهَارِ؛ لِمَا قَدَّمْته مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ بَلْ مَزَايَا لَا تُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّيْلَ مُتَمَيِّزٌ مِنْ حَيْثُ النَّوَافِلُ الَّتِي لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ حَتَّى يَصِيرَ مَحْبُوبًا، ثُمَّ سَمْعًا وَبَصَرًا وَيَدًا وَرِجْلًا؛ كِنَايَةً عَنْ مَزِيدِ الْقُرْبِ وَالتَّوَلِّي وَتَمَامِ الْخِلَافَةِ وَالِاسْتِنَابَةِ وَنِهَايَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْعِنَايَةِ بِأُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ وَحِفْظِهَا عَنْ الْأَغْيَارِ وَالْأَخْطَارِ، وَأَنَّهُ صَارَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ، لَوْ أُرِيدَ التَّعْبِيرُ عَنْ كُنْهِهَا لَمْ يُمْكِنْ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ إلَّا بِنَحْوِ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ فَهُوَ مِنْ الْكِنَايَةِ، أَوْ مَجَازِ التَّمْثِيلِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ مَارَسَ فُنُونَ الْبَلَاغَةِ وَأَسَالِيبَ الْفَصَاحَةِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ مُشِيرًا لِحُلُولٍ وَلَا اتِّحَادٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُمَا الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ أَهْلِ الظَّاهِرِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَهَذَا مَا يَسَّرَهُ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ الْحَقِيرِ؛ مَعَ أَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَإِلَيْهِ تَعَالَى أَتَوَسَّلُ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يُسْبِلَ عَلَيَّ ذَيْلَ سَتْرِهِ، وَأَنْ يَمْنَحَنِي مِنْ خَزَائِنِ كَرَمِهِ وُجُودِهِ وَفَضْلِهِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَأَنْ يَعْصِمَنِي مِنْ كُلِّ زَلَّةٍ وَفِتْنَةٍ وَمِحْنَةٍ إلَى أَنْ أَلْقَاهُ وَهُوَ رَاضٍ عَنِّي، وَأَنْ يَكْفِيَنِي مَا أَهَمَّنِي وَمَا لَا أَهْتَمُّ لَهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا مَأْمُولَ إلَّا خَيْرُهُ، لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ الْحَكِيمَ التِّرْمِذِيَّ تَكَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَتَطَلَّبْتُهُ فَلَمْ أَرَهُ، فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالْمُخَالَفَةُ فِي ذَلِكَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَوْجُودَاتِ مُتَعَدِّدَةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَإِنَّمَا يَمْنَحُ اللَّهُ كُلَّ مَنْ أَلْهَمَهُ الْكَلَامَ فِيهَا بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهِ وَقُوَّتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى صِيَاحِ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ الثِّقَةِ يَوْمَ الْغَيْمِ مَعَ أَنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ الدِّيكِ، فَمَا وَجْهُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: وَجْهُهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ الْمَذْكُورَ مُجْتَهِدٌ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِي مَسْأَلَةِ الدِّيكِ؛ لِأَنَّ صِيَاحَهُ مُجَرَّدُ عَلَامَةٍ، وَالْمُجْتَهِدُ إنَّمَا هُوَ السَّامِعُ فَجَازَ لَهُ اعْتِمَادُهَا كَالْوِرْدِ وَنَحْوِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَته: لِمَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ الِاجْتِهَادُ؛ وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْيَقِينُ بِأَنْ يَخْرُجَ فَيَرَى الشَّمْسَ مَثَلًا، وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْمِيَاهِ وَامْتِنَاعِهِ فِي الْقِبْلَةِ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى الْيَقِينِ فِي كُلٍّ؛ بِأَنَّ الْيَقِينَ فِي الْقِبْلَةِ حَاصِلٌ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، بِخِلَافِهِ فِي الْمَاءِ فَهَلَّا امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ فِي الْوَقْتِ أَيْضًا كَالْقِبْلَةِ لِأَنَّ الْيَقِينَ فِيهِ أَيْضًا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْوَقْتِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ بِأَنَّ الْأَمَارَاتِ الْمُحَصِّلَةَ لِلظَّنِّ بِدُخُولِ الْوَقْتِ أَقْوَى مِنْ أَمَارَاتِ الْقِبْلَةِ؛ فَكَانَ الظَّنُّ فِي الْوَقْتِ أَقْوَى، فَأُلْحِقَ فِيهِ بِالْيَقِينِ لِقُوَّتِهِ وَلَمْ يُلْحَقْ فِي الْقِبْلَةِ بِالْيَقِينِ لِضَعْفِهِ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - هَلْ يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ فِي الصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ فِي الْخَادِمِ: إذَا قُلْنَا: الْعِبْرَةُ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ فِي الصَّوْمِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى إذَا غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي بَلْدَةٍ، وَكَانَ صَاحِبُ خُطْوَةٍ فَحَضَرَ مَطْلِعًا آخَرَ لَمْ تَغْرُبْ فِيهِ بَعْدَ مَا صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْبَلَدِ الْأَوَّلِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا كَالصَّوْمِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ

стр. 128

وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا صَلَّى أَوَّلَ الْوَقْتِ، ثُمَّ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَبْلَهُ قَدْ أَسْقَطَتْ الْفَرْضَ، فَكَذَلِكَ هُنَا، هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ الْفَرْضُ بِالْفِعْلِ فَلَأَنْ يَسْقُطَ بِالْغُرُوبِ أَوْلَى اهـ. وَمَا رَجَّحَهُ فِي الْخَادِمِ مُتَّجِهٌ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ أَيْضًا بِأَنَّ الَّذِي وَجَبَ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ الْإِمْسَاكِ مُوَافَقَةً لِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَلَيْسَ بِصَوْمٍ حَقِيقِيٍّ، وَمِثْلُ هَذَا الْإِمْسَاكِ قَدْ عُهِدَ وُجُوبُهُ فِي الصَّوْمِ فِي نَحْوِ مَنْ أَصْبَحَ وَقَدْ نَسِيَ النِّيَّةَ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ وُلِدَ أَصَمَّ أَعْمَى أَخْرَسَ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَرَّحَ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا وَغَيْرُهُمْ؛ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بَعْدَ عِلْمٍ فَحَيْثُ انْتَفَى عَنْ هَذَا الْعِلْمُ بِالشَّرْعِ مِنْ أَصْلِهِ، فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. [بَابُ الْأَذَانِ] (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ نَصَّ أَحَدٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلَ الْإِقَامَةِ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ - بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِنَدْبِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَوَّلَ الْإِقَامَةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ عَقِبَ الْإِقَامَةِ كَالْأَذَانِ، ثُمَّ بَعْدَهُمَا: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ. .. إلَخْ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ؛ فَإِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك، وَأَبْلِغْهُ دَرَجَةَ الْوَسِيلَةِ فِي الْجَنَّةِ، دَخَلَ فِي شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ نَالَتْهُ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ وَالنُّمَيْرِيُّ وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُسْتَجْمِعَةِ الْمُسْتَجَابِ لَهَا، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَزَوِّجْنَا مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، قُلْنَ الْحُورُ الْعِينُ: مَا كَانَ أَزْهَدَك فِينَا. رَوَاهُ الدِّينَوَرِيُّ فِي الْمُجَالَسَةِ وَالنُّمَيْرِيُّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ جَمَاعَةٍ مُقِيمِينَ بِبَعْضِ الْقُرَى يُقِيمُونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِمَسْجِدِهَا، وَيُؤَذِّنُ بَعْضُهُمْ قُبَيْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَةٍ مَثَلًا، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْأَذَانَ يَجُوزُ فِي الْوَقْتِ الْمَعْرُوفِ مِنْ اللَّيْلِ، فَهَلْ يُجْزِئُ - أَيْ: ذَلِكَ الْأَذَانُ الثَّانِي - عِنْدَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَإِذَا أَذَّنَ أَحَدُ الْجَمَاعَةِ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ هَلْ تَحْصُلُ لَهُ الْفَضِيلَةُ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ - مَعَ أَنَّهُمْ لَوْ سَمِعُوهُ مَا حَضَرَ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا قُبَيْلَ الصُّبْحِ - ؟ وَإِذَا أَذَّنَ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْجَمَاعَةِ يُجْزِيه أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ؛ كَمَا وَرَدَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَهَلْ تَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ لِلْأَوَّلِ وَالْآخِرِ جَمِيعًا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِقَوْلِهِ: يُجْزِيه الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَذَانِ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُؤَذِّنَ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً قَبْلَ الْفَجْرِ، وَمَرَّةً بَعْدَهُ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ. وَإِذَا أَذَّنَ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ؛ فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمُقِيمِينَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَطْ كَفَاهُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ فِي الْأُولَى وَإِسْمَاعُ الْحَاضِرِينَ فِي الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يُؤَذِّنُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ بِصَوْتٍ عَالٍ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْأَذَانَ مَنْ أَصْغَى إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانُوا لَوْ سَمِعُوهُ لَحَضَرُوا أَمْ لَا. وَاَلَّذِي وَرَدَ عَنْ بِلَالٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُؤَذِّنِيهِ ﷺ أَنَّ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ الْأَذَانَ لِإِسْمَاعِ النَّاسِ كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَمَّا لَوْ سَمِعَ بَعْضَ الْأَذَانِ هَلْ يُجِيبُ فِيهِ فِيهِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ؛ فَإِذَا سَمِعَ مِنْ آخِرِهِ فَهَلْ يُجِيبُ فِيهِ ثُمَّ يُعِيدُ جَوَابَ مَا مَضَى، ثُمَّ يَدْعُو، أَوْ يَبْتَدِئُ الْجَوَابَ مِنْ أَوَّلِهِ حَتَّى يُتِمَّهُ، ثُمَّ يَدْعُوَ؟ وَكَيْفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَإِذَا سَمِعَ الْمُتَوَضِّئُ الْأَذَانَ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِجَابَةُ حِينَئِذٍ، أَوْ لَا وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا فَهَلْ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِ دُعَاءِ الْأَعْضَاءِ، أَوْ لَا وَهَلْ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَسْنُونَةٌ قَبْلَ الْأَذَانِ كَمَا هِيَ بَعْدَهُ، أَوْ لَا وَهَلْ الْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ فِي سَنِّهَا، أَوْ لَا وَهَلْ يُسَنُّ أَنْ يُقَالَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْأَذَانِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَوْ لَا وَهَلْ يُنْهَى عَنْهُ وَعَنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ -

стр. 129

قَبْلَ الْأَذَانِ، أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عِبَارَتِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَوْ سَمِعَ بَعْضَهُ أَجَابَ فِيهِ، وَفِيمَا لَا يَسْمَعُهُ تَبَعًا فِيمَا يَظْهَرُ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرُوهُ فِي إجَابَتِهِ فِي التَّرْجِيعِ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ، انْتَهَتْ، وَظَاهِرُ عَطْفِهِمْ بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِمْ: أَجَابَ فِيهِ وَفِيمَا لَا يَسْمَعُهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُجِيبَ فِيمَا سَمِعَهُ آخِرًا، ثُمَّ يُعِيدَ جَوَابَ مَا مَضَى، ثُمَّ يَدْعُوَ، وَأَنْ يُجِيبَ فِيمَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَوَّلِهِ، ثُمَّ يُتِمَّهُ فَتَحْصُلَ السُّنَّةُ بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ تَبَعًا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَشْتَغِلَ حَالَ الْإِجَابَةِ بِشَيْءٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ مِنْ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَثَلًا، ثُمَّ أَجَابَ مَا قَبْلَهَا حِينَئِذٍ كَانَ مُشْتَغِلًا عَنْ إجَابَةِ مَا يَسْمَعُهُ بِغَيْرِهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَغَلَ بِإِجَابَةِ مَا يَسْمَعُهُ إلَى أَنْ فَرَغَ، ثُمَّ أَجَابَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ الْأَكْمَلَ حِينَئِذٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنَّهُ يُجِيبُ مَا سَمِعَهُ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ أَجَابَ، مَا لَمْ يَسْمَعْهُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ. .. إلَخْ وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِيمَنْ وَافَقَ فَرَاغُ وُضُوئِهِ فَرَاغَ الْمُؤَذِّنِ: بِأَنَّهُ يَأْتِي بِذِكْرِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي فَرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ بِذِكْرِ الْأَذَانِ قَالَ: وَحَسُنَ أَنْ يَأْتِيَ بِشَهَادَتَيْ الْوُضُوءِ، ثُمَّ بِدُعَاءِ الْأَذَانِ لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ بِالدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ اهـ. ، وَمَا ذَكَرَهُ فِيمَا بَعْدَ فَرَاغِهِمَا كَمَا عَلِمْت، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِجَابَةِ حَالَ الْوُضُوءِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَقْطَعُ الْوُضُوءَ وَيُجِيبُ إلَى أَنْ يَفْرُغَ، ثُمَّ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الطَّوَافِ؛ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ لِلطَّائِفِ؛ كَالتَّالِي، وَالْمُدَرِّسِ قَطَعَ مَا هُوَ فِيهِ لِلْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ، وَالْإِجَابَةُ تَفُوتُ. وَوَجْهُ قِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى الطَّوَافِ؛ أَنَّ كُلًّا لَهُ أَذْكَارٌ فِي أَثْنَائِهِ؛ بِنَاءً عَلَى نَدْبِ دُعَاءِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ، فِيهِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ نَدْبِهِ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُ لَا تَخْلُو عَنْ كَذَّابٍ، أَوْ مُتَّهَمٍ بِالْكَذِبِ، وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ إذَا اشْتَدَّ ضَعْفُهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ كُلَّهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَالْإِرْشَادِ فَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ الْمُتَّفَقُ عَلَى نَدْبِ ذِكْرِهِ يُسَنُّ لَهُ قَطْعُهُ إلَى فَرَاغِ الْإِجَابَةِ، فَأَوْلَى الْوُضُوءُ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهُ فَهَلْ يُرَاعِي ذِكْرَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَدْبِهِ، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى الْإِجَابَةِ،، أَوْ يُرَاعِيهَا فَيُقَدِّمُهَا؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ الْأَوْجَهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا آكَدُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى نَدْبِهَا بِخِلَافِ أَذْكَارِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنْ قُلْت: قَضِيَّةُ تَعْلِيلِ الْبُلْقِينِيُّ السَّابِقِ بِأَنَّ ذِكْرَ الْوُضُوءِ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي فَرَغَ مِنْهَا تَقْدِيمُ ذِكْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى الْإِجَابَةِ، قُلْت: لَيْسَ قَضِيَّتُهُ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ، فَإِنَّ الذِّكْرَ عَقِبَ الْوُضُوءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، كَالذِّكْرِ عَقِبَ الْأَذَانِ فَإِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ مَا هُوَ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي فَرَغَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهَا بِكَمَالٍ آخَرَ عَقِبَ فَرَاغِهَا، وَهُوَ أَكْمَلُ مِمَّا لَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ؛ وَأَمَّا ذِكْرُ الْأَذَانِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الْمَزِيَّةُ؛ فَلِذَا أَخَّرَهُ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ ذِكْرِ الْوُضُوءِ؛ وَأَمَّا ذِكْرُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَمُخْتَلَفٌ فِي نَدْبِهِ؛ بَلْ الرَّاجِحُ عَدَمُ نَدْبِهِ كَمَا مَرَّ فَإِذَا تَعَارَضَ هُوَ وَالْإِجَابَةُ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ كَمَا تَقَرَّرَ؛ وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَإِنَّهُمَا مَنْدُوبَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا. وَمِمَّا جَاءَ بِهِ ذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ وَالْأَرْبَعَةِ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا،، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ تَعَالَى لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ هُوَ أَنَا، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ سَأَلَهَا لِي حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَخَبَرُ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا: «مَنْ قَالَ - حِينَ يُنَادِي الْمُنَادِي -: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَارْضَ عَنْهُ رِضًا لَا سَخَطَ بَعْدَهُ؛ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ.» وَفِي رِوَايَةٍ - فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ -: «مَنْ قَالَ - حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ -: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك، وَأَعْطِهِ الْوَسِيلَةَ وَالشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي.» وَخَبَرُ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ - إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُقِيمُ - اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآتِهِ سُؤْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَكَانَ يُسْمِعُهَا مَنْ حَوْلَهُ، وَيُحِبُّ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ

стр. 130

ذَلِكَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ؛ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ وَالْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَلَفْظُهُ: «كَانَ ﷺ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك، وَاجْعَلْنَا فِي شَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: ﷺ مَنْ قَالَ عِنْدَ هَذَا النِّدَاءِ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِيهِمَا صَدَقَةُ السَّمِينُ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. وَخَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ فِيهِ لِينٌ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَبَلِّغْهُ دَرَجَةَ الْوَسِيلَةِ عِنْدَك، وَاجْعَلْنَا فِي شَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَبَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي: مَنْ قَالَ حِينَ يُنَادِي الْمُنَادِي، وَفِي الْخَبَرِ الثَّالِثِ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ. أَنَّهُ يَأْتِي بِالذِّكْرِ الْمَذْكُورِ حَالَ سَمَاعِهِ الْأَذَانُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِفَرَاغِهِ مِنْهُ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ نَصٌّ فِي أَنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي بِذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَذَانِ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ وَمُقَيَّدٌ وَهُمَا مُطْلَقَانِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِمَا، وَمَعْنَى حَلَّتْ: وَجَبَتْ، كَمَا صَحَّ فِي عِدَّةِ رِوَايَاتٍ. فَمُضَارِعُهُ: تَحِلُّ؛ بِكَسْرِ الْحَاءِ،، أَوْ اسْتَحَقَّتْ، أَوْ نَزَلَتْ بِهِ، فَمُضَارِعُهُ بِضَمِّهَا؛ لَا مِنْ الْحِلِّ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَلَامُ " لَهُ " بِمَعْنَى: عَلَى؛ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ: حَلَّتْ عَلَيْهِ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِقَائِلِ ذَلِكَ؛ أَعْظَمُهَا - أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ شَفَاعَتَهُ ﷺ إنَّمَا تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَّتِهِ ﷺ عَلَى أَنَّ هَذِهِ شَفَاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ إذْ شَفَاعَتُهُ ﷺ الْعَامَّةُ تَشْمَلُ مُذْنِبِي أُمَّتِهِ قَبْلُ، وَلَا يَنَالُ هَذَا الثَّوَابَ إلَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُخْلِصًا مُسْتَحْضِرًا إجْلَالَهُ ﷺ ، لَا مَنْ قَصَدَ بِهِ مُجَرَّدَ الثَّوَابِ وَنَحْوِهِ. وَرَدَّهُ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْحُفَّاظِ بِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَلَوْ أَخْرَجَ الْغَافِلَ اللَّاهِي لَكَانَ أَشْبَهَ. وَفَائِدَةُ طَلَبِ الْوَسِيلَةِ لَهُ ﷺ مَعَ أَنَّهُ يَرْجُوهَا، وَرَجَاؤُهُ لَا يَخِيبُ - عَوْدُ ثَمَرَةِ ذَلِكَ عَلَيْنَا؛ بِامْتِثَالِ مَا أُمِرْنَا بِهِ فِي جِهَتِهِ الْكَرِيمَةِ، وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَبِأَنَّهُ ﷺ فِي غَايَةِ الْخُضُوعِ وَالتَّوَاضُعِ لِلَّهِ؛ حَيْثُ يَسْأَلُهُ وَيَطْلُبُ مِنْهُ طَلَبَ الْعَبْدِ الْمُحْتَاجِ. وَكَذَا يُقَالُ فِي صَلَاتِنَا عَلَيْهِ ﷺ ؛ فَإِنَّهَا لِهَذِهِ الْأَغْرَاضِ الْجَلِيلَةِ؛ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَاعْتَنِ بِحِفْظِهِ وَتَحْقِيقِهِ. وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ أُخَرُ بِنَحْوِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَلَمْ نَرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا التَّعَرُّضَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَذَانِ، وَلَا إلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَهُ وَلَمْ نَرَ أَيْضًا فِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا تَعَرُّضًا لِذَلِكَ أَيْضًا، فَحِينَئِذٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ فِي مَحَلِّهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، فَمَنْ أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ مُعْتَقِدًا سُنِّيَّتَهُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ نُهِيَ عَنْهُ وَمُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيعٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ وَمَنْ شَرَّعَ بِلَا دَلِيلٍ يُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ وَيُنْهَى عَنْهُ. (فَائِدَةٌ) قَدْ أَحْدَثَ الْمُؤَذِّنُونَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَقِبَ الْأَذَانِ لِلْفَرَائِضِ الْخَمْسِ؛ إلَّا الصُّبْحَ وَالْجُمُعَةَ فَإِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ ذَلِكَ فِيهِمَا عَلَى الْأَذَانِ؛ وَإِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ غَالِبًا لِضِيقِ وَقْتِهَا، وَكَانَ ابْتِدَاءُ حُدُوثِ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ وَبِأَمْرِهِ فِي مِصْرَ وَأَعْمَالِهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ الْمَخْذُولَ لَمَّا قُتِلَ أَمَرَتْ أُخْتُهُ الْمُؤَذِّنِينَ أَنْ يَقُولُوا فِي حَقِّ وَلَدِهِ السَّلَامُ عَلَى الْإِمَامِ الطَّاهِرِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ السَّلَامُ عَلَى الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ إلَى أَنْ أَبْطَلَهُ صَلَاحُ الدِّينِ الْمَذْكُورُ وَجَعَلَ بَدَلَهُ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَنِعْمَ مَا فَعَلَ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا وَلَقَدْ اُسْتُفْتِيَ مَشَايِخُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ بَعْدَ الْأَذَانِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْمُؤَذِّنُونَ فَأَفْتَوْا بِأَنَّ الْأَصْلَ سُنَّةٌ وَالْكَيْفِيَّةُ بِدْعَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته مِنْ الْأَحَادِيثِ (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ مَسْجِدٍ أُقِيمَتْ فِيهِ جَمَاعَتَانِ مُتَرَتِّبَتَانِ بِأَذَانٍ سَابِقٍ لَهُمَا فَهَلْ يَحْصُلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَضِيلَةُ الْأَذَانِ أَمْ لَا وَهَلْ يَنْقَدِحُ أَنْ يُقَالَ يُنْظَرُ إلَى قَصْدِ الْمُؤَذِّنِ، أَوْ دُخُولِهِ فِي الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنْ قَصَدَ الْأُولَى مَثَلًا، أَوْ صَلَّى مَعَهَا حَصَلَ لَهُ فَضِيلَةُ الْأَذَانِ، أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي مَقَامَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: سُقُوطُ

стр. 131

الطَّلَبِ الْمُسْتَلْزِمِ لِسُقُوطِ الْكَرَاهَةِ الْمُتَرَتَّبَةِ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ، وَالثَّانِي: حُصُولُ فَضِيلَةِ الْأَذَانِ؛ فَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ فَيَكْفِي أَذَانٌ وَاحِدٌ عَنْ جَمِيعِ الْجَمَاعَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ؛ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِي فَلَا يَكْفِي الْأَذَانُ الْوَاحِدُ إلَّا عَنْ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَلِيهِ. وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِالْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ: تَحْصُلُ سُنَّةُ الْأَذَانِ بِظُهُورِهِ مِنْ نَحْوِ بَلَدٍ صَغِيرٍ، أَوْ مَوَاضِعَ مِنْ كَبِيرٍ؛ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ أَصْغَى لَهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ لِيَنْتَشِرَ فِي جَمِيعِ أَهْلِهِ؛ قَالَ الْقَمُولِيّ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ أَذَّنَ وَاحِدٌ فِي جَانِبٍ فَقَطْ حَصَلَتْ السُّنَّةُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَفِي الْمَجْمُوعِ - عَنْ جَمْعٍ -: أَنَّا إذَا قُلْنَا بِفَرْضِيَّتِهِ سَقَطَ بِفِعْلِهِ لِصَلَاةٍ مِنْ الْخَمْسِ، ثَمَّ صَوَّبَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ؛ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ثَمَّ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ سُنَّةٌ حَصَلَ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ إذَا قُلْنَا إنَّهُ فَرْضٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ فِي الْخَادِمِ فَارِقًا بِأَنَّ الشِّعَارَ الْمَفْرُوضَ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ، وَالْإِعْلَامَ الْمَنْدُوبَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْخَمْسِ، فَإِنْ قُلْت: مُقْتَضَى هَذَا مَعَ مَا يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ؛ مِنْ أَنَّهَا لَوْ أُقِيمَتْ بِمَحَلٍّ مِنْ بَلَدٍ كَبِيرٍ وَلَمْ يَظْهَرْ الشِّعَارُ لَمْ يَكْفِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَحْصُلُ هُنَا فِي الْجَانِبِ الَّذِي أَذَّنَ فِيهِ فَقَطْ، وَقَدْ مَرَّ حُصُولُهَا، قُلْت: الْقَصْدُ بِظُهُورِ الشِّعَارِ فِي الْجَمَاعَةِ تَعَدُّدُهَا بِمَحَالٍّ؛ بِحَيْثُ يَسْهُلُ حُضُورُهَا عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَهَا؛ إذْ لَا يَتَأَتَّى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الْأَذَانِ؛ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى حِدَتِهِ لِتَأَتِّيه مِنْهُ؛ فَلِذَا حَصَلَتْ سُنَّتُهُ وَسَقَطَ فَرْضُهُ عَنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْجَانِبِ فَقَطْ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَمَاعَةِ. وَاسْتُشْكِلَ قَوْلُ النَّوَوِيِّ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَفِي الْجَمَاعَةِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ مَعَ أَنَّهُمَا وَسِيلَةٌ إلَيْهَا، وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ. وَأَيْضًا مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَيُرَدُّ بِمَنْعِ كَوْنِهِمَا وَسِيلَةً، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَالْجَمَاعَةُ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ عَلَيْهِمَا، عَلَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّ الْأَذَانَ حَقٌّ لِلْجَمَاعَةِ. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا نَظِيرُ ذَلِكَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَإِنْ قُلْت: تَعْبِيرُهُمْ بِحُصُولِ سُنَّةِ الْأَذَانِ بِمَا تَقَرَّرَ يُنَافِي مَا اسْتَدْلَلْت بِهِ عَلَيْهِ مِنْ سُقُوطِ الطَّلَبِ فَقَطْ قُلْت: لَا يُنَافِيه بَلْ هُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ تَحْصُلُ سُنَّةُ التَّحِيَّةِ بِفَرْضٍ، أَوْ نَفْلٍ آخَرَ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْحُصُولِ ثَمَّ سُقُوطُ الطَّلَبِ تَارَةً وَحُصُولُ الْفَضِيلَةِ وَالثَّوَابِ أُخْرَى، فَكَذَا هُنَا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي مِنْ نَدْبِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ وَإِنْ سَمِعَ أَذَانَ غَيْرِهِ. وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَيْضًا - بَعْدَ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ -: يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَفَرَّعَ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ. وَفِي السِّيَرِ أَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ وَاحِدٌ لِجَمْعٍ لَمْ يُسَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَذِّنَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ نَدْبُهُ لِكُلٍّ، كَمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْأَكْلِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ. وَإِذَا أَتَى بِهَا أَحَدُ الْآكِلِينَ لَا نَقُولُ لِلْبَقِيَّةِ لَا يُسَنُّ لَكُمْ الْإِتْيَانُ بِهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يُقَالُ لَهُمْ - كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ -: سَقَطَ عَنْكُمْ حَرَجُ تَرْكِهَا فَقَطْ، وَفَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ. وَفِيهَا كَاَلَّذِي قَبْلَهَا أَوْضَحُ شَاهِدٍ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ سُقُوطِ الطَّلَبِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ عَنْ جَمِيعِ الْجَمَاعَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ بَلْ وَالْقَرِيبِ مِنْهُ؛ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ الْمُصْغِي إلَيْهِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِالثَّانِي - أَعْنِي أَنَّ الْأَذَانَ لَا تَحْصُلُ فَضِيلَتُهُ وَثَوَابُهُ إلَّا لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي تَلِيهِ - قَوْلُهُمْ - وَالْعِبَارَةُ لِشَرْحِ الْعُبَابِ -: وَيُشْرَعُ الْأَذَانُ لِجَمَاعَةٍ ثَانِيَةٍ أُرِيدَ إقَامَتُهَا فِي مَوْضِعِ مَسْجِدٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَمْكِنَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ مَطْرُوقًا وَأُقِيمَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ، أَوْ صَلَّوْا فُرَادَى وَانْصَرَفُوا؛ فَيُسَنُّ حِينَئِذٍ الْأَذَانُ لَكِنْ بِلَا مُبَالَغَةٍ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ؛ أَيْ: لَا يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُوهِمَ السَّامِعِينَ دُخُولُ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى لَا سِيَّمَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ، وَتَبِعَ فِي نَفْيِ الْمُبَالَغَةِ دُونَ أَصْلِ الرَّفْعِ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ كَمَا فِي الْخَادِمِ. وَكَذَا الْأَذْرَعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ بِلَا رَفْعٍ بَالِغٍ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ شَرْطٌ فِي الْأَذَانِ لِلْجَمَاعَةِ اهـ. وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ التَّحْقِيقِ: وَحَيْثُ لَا يَرْفَعُ. قَالَ الْأَصْحَابُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَالْإِمَامَ مِنْ عِنْدِهِ، لَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُنْفَرِدِ، وَلَا قَوْلُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَيُسِرُّ مُؤَذِّنُ الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إسْمَاعِ وَاحِدٍ؛ لِمَا يَأْتِي أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي الْأَذَانِ لِلْجَمَاعَةِ. أَمَّا إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِمَّا ذُكِرَ فَيُسَنُّ لَهُ الرَّفْعُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ انْتَهَى حُكْمُهُ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ الْأُولَى؛ وَلَا إيهَامَ، وَحَيْثُ

стр. 132

سُنَّ الرَّفْعُ فِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُكْرَهَ؛ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْرُوقٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ لَمْ يَأْذَنْ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِفَايَةِ، أَوْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَاسْتِشْكَالُ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ لِلْأُولَى وَقَوْلُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسَنَّ الْأَذَانُ لَهَا، وَكَيْفَ يُسَنُّ الدُّعَاءُ إلَيْهَا مَعَ كَرَاهَتِهَا وَمَعَ أَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ وَإِنْ كَانَ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ؛ إذْ الْأَذَانُ لِلْجَمَاعَةِ لَا يُجْزِئُ مَعَ الْإِسْرَارِ بِشَيْءٍ مِنْهُ - مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا لَيْسَتْ لِذَاتِ الْجَمَاعَةِ؛ بَلْ الْأَمْرُ خَارِجٌ عَنْهَا، كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْآتِي مَعَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَمْ يَدْعُ إلَيْهَا غَائِبًا. وَإِنَّمَا يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ فَيَكْفِي إسْمَاعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَمَا مَرَّ وَبِأَنَّ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُ نَدْبَ الْأَذَانِ لَهَا كَمَا لَوْ أُقِيمَتْ فِي نَحْوِ حَمَّامٍ، وَبِأَنَّ الْأَذَانَ حَقٌّ لِلْوَقْتِ عَلَى الْجَدِيدِ وَلِلصَّلَاةِ عَلَى الْقَدِيمِ الْمُعْتَمَدِ؛ وَعَلَيْهِمَا فَلَيْسَ وَسِيلَةً لِلْجَمَاعَةِ، أَوْ حَقًّا لِلْجَمَاعَةِ، عَلَى مَا فِي الْإِمْلَاءِ؛ وَعَلَيْهِ يَنْبَنِي مَا ذَكَرُوهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِانْصِرَافِهِمْ هُوَ مَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ. فَيُسَنُّ الرَّفْعُ قَبْلَهُ لِعَدَمِ خَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِمْ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ حَذَفَهُ لِتَنْظِيرِ الْإِسْنَوِيِّ فِيهِ بِأَنَّهُ يُوهِمُ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ. قَالَ: وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِوُقُوعِ جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ لَهُ الْأَذَانُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ بِالْأَوَّلِ وَلَمْ يَنْتَهِ حُكْمُهُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمْ إنَّمَا قَيَّدُوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى ثَانِيَةً إلَّا إنْ كَانَ سَبَقَتْهَا جَمَاعَةٌ أُولَى؛ عَلَى أَنَّهُ مَرَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا؛ بَلْ لَوْ صَلَّوْا فُرَادَى كَانَ كَذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ) أَغْرَبَ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَطَعَ بِتَحْرِيمِ إقَامَةِ جَمَاعَةٍ بَعْدَ جَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ بِوِلَايَةِ سُلْطَانٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّقَاطُعِ وَشَقِّ الْعَصَا وَتَفْرِيقِ الْجَمَاعَاتِ وَتَشْتِيتِ الْكَلِمَةِ اهـ. كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ جَمْعٌ، وَعِبَارَتُهُ: لَمْ يَجُزْ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا بِحَمْلِهَا عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لِيُوَافِقَ كَلَامَ غَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَطْرُوقِ؛ أَمَّا الْمَطْرُوقُ كَمَسَاجِدِ الْأَسْوَاقِ وَكَالْجَوَامِعِ فَلَا يُكْرَهُ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا مِرَارًا. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ، بَلْ صَرَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ - وَأَقَرَّهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ -: بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْمَطْرُوقِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَسُقْتهَا مَعَ طُولِهَا؛ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِدِ سِيَّمَا الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ فَتَأَمَّلْهَا تَجِدْهَا مَعَ النَّظَرِ لِمَا قَدَّمْته فِي بَيَانِ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ ظَاهِرَةً فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ نَدْبَ الْأَذَانِ ثَانِيًا وَثَالِثًا. وَهَكَذَا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ سُقُوطَ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ بِالْأَوَّلِ؛ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ حُصُولُ الثَّوَابِ، وَتَأَمَّلْ أَيْضًا رَدَّ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِوُقُوعِ جَمَاعَةٍ. .. إلَخْ تَجِدْهُ ظَاهِرًا فِي ذَلِكَ أَيْضًا. وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُهُمْ - وَالْعِبَارَةُ لِشَرْحِ الْعُبَابِ أَيْضًا - (وَيُسَنُّ الْأَذَانُ لِلْمُنْفَرِدِ) وَفِي الْقَدِيمِ - عَلَى نِزَاعٍ فِي ثُبُوتِهِ - بَلْ غَلِطَ فِي التَّنْقِيحِ مَنْ أَثْبَتَهُ، لَا يُسَنُّ، وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِقَوْلِهِ - أَيْ: الْقَدِيمِ - بِنَدْبِهِ لِلْفَائِتَةِ، وَيُجَابُ: بِأَنَّهُ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ عَمَلٌ بِقَضِيَّةِ الْأَذَانِ؛ إذْ هُوَ الدُّعَاءُ لِلصَّلَاةِ فَوَقَعَ أَذَانُ الْغَيْرِ مُجْزِئًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَهُ بِخِلَافِهِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ، فَإِنَّهُ فِي الْفَائِتَةِ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَلَمْ يَقَعْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْهُ وَهَذَا أَوْلَى وَأَوْضَحُ مِمَّا فَرَّقَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ؛ وَأَمَّا حَمْلُ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ قَوْلَهُ بِنَدْبِهِ لِلْفَائِتَةِ عَلَى مَا إذَا فُعِلَتْ جَمَاعَةً؛ قَالَ: لِيُجَامِعَ الْقَدِيمَ فِي الْمُؤَدَّاةِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَذِّنْ الْمُنْفَرِدُ لَهَا؛ فَالْفَائِتَةُ أَوْلَى، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، كَيْفَ وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ قَائِلٌ بِنَدْبِهِ لِلْفَائِتَةِ؛ حَتَّى مِنْ الْمُنْفَرِدِ فَإِنَّهُ حَكَى مُقَابِلَهُ قَوْلَيْنِ؛ عَدَمُ الْأَذَانِ مُطْلَقًا، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ وَالِانْفِرَادِ (وَإِنْ سَمِعَ أَذَانَ غَيْرِهِ) كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالتَّنْقِيحِ، وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُنَافِيه قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ؛ فِيمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَبْلَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْدَهُ يُجْزِئُهُ أَذَانُ الْمُؤَذِّنِ وَإِقَامَتُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهِ مِنْ الْإِجْزَاءِ حَتَّى لَا يُكْرَهَ لَهُ تَرْكُهُمَا؛ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي نَدْبِهِمَا لَهُ، وَلَا تَعَرُّضَ مِنْهُمْ لِنَفْيِهِ، لَكِنْ صَحَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ أَذَانَ الْجَمَاعَةِ لَا يَشْرَعُ وَقَوَّاهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ، وَالْأَوَّلُ خِلَافُهُ، ثَمَّ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ قَالَ وَتَبِعَهُ الْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُ: مَنْ حَضَرَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ بِمَحَلِّ إقَامَةِ الصَّلَاةِ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ بَلَغَهُ النِّدَاءُ فَحَضَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ

стр. 133

أَوْ بَعْدَهَا وَأَدْرَكَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ مُجِيبٌ فَلَا مَعْنَى إذًا لِإِتْيَانِهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْجَمَاعَةِ، ثَمَّ حَكَى خِلَافَ ذَلِكَ وَضَعَّفَهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته. وَكَالْمُنْفَرِدِ فِي ذَلِكَ الْجَمَاعَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا مَرَّ. انْتَهَتْ، وَفِيهِ أَيْضًا: وَيُسَنُّ الْأَذَانُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَإِنْ تَقَارَبَتْ وَسَمِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَغَيْرِهِ؛ وَوُجِّهَ بِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءً لَهَا بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِي كُلِّهَا. وَسَيَأْتِي عَنْ الْقَاضِي أَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ فِي جَمِيعِهَا أَفْضَلُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ فِي بَعْضِهَا؛ لِأَنَّ فِي تَكْثِيرِهَا تَكْثِيرًا لِإِقَامَةِ الشِّعَارِ. انْتَهَتْ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْأَصْحَابِ: يُجْزِئُهُ أَذَانُ الْمُؤَذِّنِ وَإِقَامَتُهُ وَحُمِلَ الْإِجْزَاءُ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ التَّرْكِ. وَتَأَمَّلْ أَيْضًا مَا جَمَعْتُ بِهِ بَيْنَ مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ - تَجِدْ ذَلِكَ كُلَّهُ صَرِيحًا فِيمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ كَلَامَهُمْ فِي مَقَامَيْنِ: إسْقَاطُ الطَّلَبِ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ؛ وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ مُتَفَرِّقَاتُ كَلِمَاتِهِمْ الْمُوهِمَةُ لِلتَّنَافِي عِنْدَ مَنْ لَمْ يُمْعِنْ النَّظَرَ فِي سِيَاقِهَا وَمَدَارِكِهَا، فَإِنْ قُلْت صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي إيجَازِهِ بِأَنَّ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَأَجَابَهُ وَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَا يُجِيبُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْعُوٍّ بِهَذَا الْأَذَانِ، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا مَرَّ مِنْ إسْقَاطِ الطَّلَبِ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ، وَغَيْرُ مُوَافِقٍ لِمَا مَرَّ مِنْ نَدْبِ تَكْرَارِ الْأَذَانِ لِلْجَمَاعَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ قُلْت: كَلَامُ الرَّافِعِيِّ مَرْدُودٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ اخْتِيَارٌ لَهُ، وَالْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ. وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّ نَدْبَ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ يَخْدِشُهُ؛ أَيْ: لِأَنَّ قِيَاسَ طَلَبِ الْجَمَاعَةِ ثَانِيًا يَقْتَضِي نَدْبَ الْأَذَانِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ بِالثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ الْإِعَادَةُ مَعَهُمْ، وَلَا يُنَافِيه عَدَمُ نَدْبِ الْأَذَانِ لِلْمُعَادَةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ لَهُ قَصْدًا؛ وَكَلَامُنَا هُنَا فِيمَنْ يُؤَذِّنُ لِجَمَاعَةٍ غَيْرِ مُعَادَةٍ لَكِنْ سَمِعَهُ مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ فَهَلْ هَذَا الْأَذَانُ مُعْتَدٌّ بِهِ فِي حَقِّهِ أَيْضًا حَتَّى يُسَنَّ لَهُ إجَابَتُهُ، أَوْ لَا وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ الِاعْتِدَادُ بِهِ لَهُ مِنْ حَيْثُ تَبَعِيَّتُهُ لِغَيْرِهِ لَا اسْتِقْلَالًا؛ فَتَأَمَّلْهُ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلِي فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا، فَإِنْ قُلْت: كَانَ قِيَاسُ الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْفَرْضِ تَكْرِيرُ الْأَذَانِ لِلْفَوَائِتِ أَيْ الْمُتَوَالِيَةِ وَالْمَجْمُوعَتَيْنِ أَيْ: الْمُتَوَالِيَتَيْنِ، قُلْت: عَارَضَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَالَى بَيْنَهُمَا كَانَ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ تَابِعًا لَهُ فَلَمْ يُفْرَدْ بِأَذَانٍ ثَانٍ، ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمَجْمُوعِ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَبَدَأَ بِالظُّهْرِ لِمَ لَا يُؤَذَّنُ لِلْعَصْرِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَهَا. فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ؛ أَنَّ الْعَصْرَ فِي حُكْمِ التَّابِعَةِ لِلظُّهْرِ هُنَا. قَالَ: وَالْوَجْهُ الْقَائِلُ بِنَدْبِ الْأَذَانِ لِلْكُلِّ غَلَطٌ. فَانْدَفَعَ مَا فِي الْخَادِمِ هُنَا، وَفِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا. وَنَظَرُ الْإِسْنَوِيُّ فِي نَدْبِ الْأَذَانِ فِي وَقْتِ الْأُولَى؛ أَيْ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ إذَا نَوَى جَمْعَ التَّأْخِيرِ، قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَيَظْهَرُ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَقْتِ، أَوْ الصَّلَاةِ؛ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَذَّنَ وَإِلَّا فَلَا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَدِيمِ الْمُعْتَمَدِ حَقٌّ لِلصَّلَاةِ أَيْ: الْمَفْرُوضَةِ، وَفِي الْجَدِيدِ غَيْرِ الْإِمْلَاءِ حَقٌّ لِلْوَقْتِ، وَفِي الْإِمْلَاءِ حَقٌّ لِلْجَمَاعَةِ. وَتُقَاسُ الْفَوَائِتُ بِالْمَجْمُوعَتَيْنِ اهـ. فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ حَقًّا لِلْفَرْضِ لَا لِلْجَمَاعَةِ فَكَيْفَ تَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الْجَمَاعَةِ؟ قُلْت: لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِلْجَمَاعَةِ فِي الْفَرْضِ؛ بَلْ نَفْيُ تَقَيُّدِهِ بِالْجَمَاعَةِ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُنْفَرِدُ، وَإِثْبَاتُ تَقَيُّدِهِ بِالْفَرْضِ حَتَّى تَخْرُجَ الْمُعَادَةُ؛ وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يَنْقَدِحُ. .. إلَخْ فَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُنْقَدِحٍ عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمَدَارَ بِالنِّسْبَةِ لِإِسْقَاطِ الطَّلَبِ عَلَى ظُهُورِ الشِّعَارِ وَعَدَمِ ظُهُورِهِ. وَبِالنِّسْبَةِ لِلثَّوَابِ عَلَى وُقُوعِ الْأَذَانِ مِنْ كُلٍّ سَوَاءٌ الْمُنْفَرِدُ وَالْجَمَاعَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ إلَّا فِيمَا مَرَّ فِيمَنْ سَمِعَ أَذَانَ غَيْرِهِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْجَمْعِ بِمَا قَدَّمْته. وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ مَدَارَ الْإِسْقَاطِ وَالثَّوَابِ عَلَى مَا ذُكِرَ اُتُّجِهَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِقَصْدِ الْمُؤَذِّنِ وَلَا بِدُخُولِهِ فِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي أَذَّنَ لَهَا، نَعَمْ، الظَّاهِرُ أَنَّ أَذَانَهُ لَا يَقَعُ لِلْجَمَاعَةِ حَتَّى يُثَابُوا عَلَيْهِ؛ حَتَّى يَأْمُرُوهُ بِالْأَذَانِ لَهُمْ، أَوْ يَتَسَبَّبُوا فِيهِ وَيُؤَذِّنُ بِقَصْدِهِمْ؛ أَمَّا لَوْ أَذَّنَ بِقَصْدِ نَفْسِهِ فَقَطْ أَوْ بِقَصْدِهِمْ وَلَمْ يَتَسَبَّبُوا فِي تَأْذِينِهِ لَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَا فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ، أَوْ تَسَبَّبَ فِيهِ. وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْكَلَامِ عَلَى حُصُولِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِغَيْرِهَا مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ. فَإِنْ قُلْت قَدْ

стр. 134

اعْتَبَرُوا قَصْدَ الْمُؤَذِّنِ حَيْثُ قَالُوا: إنْ كَانَ أَذَّنَ لِجَمَاعَةٍ اُشْتُرِطَ إسْمَاعُ وَاحِدٍ جَمِيعَ كَلِمَاتِهِ مَا عَدَا التَّرْجِيعَ؛؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ مَعَ أَنَّ الْقَصْدَ الْإِعْلَامُ، وَإِنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ اُشْتُرِطَ إسْمَاعُ نَفْسِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ الذِّكْرُ لَا الْإِعْلَامُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْقِدَاحِ مَا قَالَهُ السَّائِلُ، قُلْت: لَا نُسَلِّمُ دَلَالَته عَلَى ذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِيمَا يَرْجِعُ لِلصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا إنَّمَا هُوَ بِاعْتِقَادِ الْفَاعِلِ دُونَ غَيْرِهِ، فَاعْتِبَارُهُمْ الْقَصْدَ هُنَا لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ قَصْدِهِ مُطْلَقًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ وَاحِدٌ فِي مَحَلٍّ صَغِيرٍ، أَوْ مُتَعَدِّدُونَ فِي كَبِيرٍ سَقَطَ الطَّلَبُ عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُؤَذِّنُ إلَّا نَفْسَهُ، وَسِرُّهُ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ إنَّمَا هُوَ عَلَى ظُهُورِ الشِّعَارِ وَعَدَمِهِ. وَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إنْ كَانَ نُصِّبَ لِلْأَذَانِ اُشْتُرِطَ لِصِحَّةِ أَذَانِهِ مَعْرِفَتُهُ بِالْوَقْتِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُنَصَّبْ لَهُ، أَوْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ صَلَّى فِي فَضَاءٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ مُنْفَرِدًا فَهَلْ يَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَيَبَرُّ لَوْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَن جَمَاعَةً وَيَنْوِي الْإِمَامَةَ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: وَقَعَ فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمَلَائِكَةِ أَيْضًا، قَالَ: وَقَدْ وَجَدْت ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ صَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فِي فَضَاءٍ مُنْفَرِدًا، مُنْفَرِدًا ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ: صَلَّتْ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ صُفُوفًا» فَإِذَا حَلَفَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِنَظِيرِهِ؛ فِيمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ فِي حَلْقَةِ ذِكْرٍ ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَرَادَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَذَا لَوْ جَلَسَ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ وَحَلَفَ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ وَأَرَادَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ ﷺ بِكَوْنِ الرَّوْضَةِ مِنْ الْجَنَّةِ. أَمَّا لَوْ أَطْلَقَ فَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِ أَرَادَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ ﷺ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْأَيْمَانِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْعُرْفِ وَهُوَ قَاضٍ بِأَنَّ الْمُصَلِّي فِي الْفَضَاءِ وَالْجَالِسِ فِي الْحَلْقَةِ، أَوْ الرَّوْضَةِ لَيْسَ فِي جَمَاعَةٍ وَلَا فِي الْجَنَّةِ؛ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا حَقِيقَةُ صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ خَلْفَهُ؛ هَلْ هُوَ مَعَ اقْتِدَائِهِمْ بِهِ فِي عَيْنِ تِلْكَ الصَّلَاةِ أَوْ يَتَعَبَّدُونَ وَرَاءَهُ لِتَعُودَ عَلَيْهِ بَرَكَةُ صَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ، أَوْ يَدْعُونَ لَهُ؟ إذْ الصَّلَاةُ لُغَةً: الدُّعَاءُ؛ فَلَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْنَا دَرْكُ ذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ نَزَّلْنَاهُ مُنْفَرِدًا. وَقُلْنَا: لَيْسَ لَك أَنْ تَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فَإِنْ فَعَلْت بَطَلَتْ صَلَاتُك؛ لِأَنَّك مُنْفَرِدٌ يَقِينًا، وَالِاقْتِدَاءُ بِك مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ لَك نِيَّةُ الْإِمَامَةِ مَعَ الشَّكِّ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَنِي اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَنْ الْجَمَاعَةِ أَوْ الْمُنْفَرِدِ إذَا صَلَّوْا بِأَذَانِ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الْجَمَاعَةُ هَلْ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْأَذَانُ؛ أَخْذًا مِنْ. قَوْلِ الْإِسْنَوِيّ؟ (وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِوُقُوعِ جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ لَهُ الْأَذَانُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ بِالْأَوَّلِ وَلَمْ يَنْتَهِ حُكْمُهُ) أَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْأَذَانُ. وَإِنَّمَا يُقَالُ: إنَّهُمْ مَدْعُوُّونَ بِالْأَوَّلِ إذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا إذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ وَحْدَهُمْ فَيُسَنُّ لَهُمْ الْأَذَانُ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا أَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَجَاءَ شَخْصٌ وَصَلَّى مُنْفَرِدًا قَبْلَ أَنْ يُصَلُّوا الْجَمَاعَةَ بِأَذَانِهِمْ أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى تَجْدِيدِ أَذَانٍ، وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَأْخُذُ حُكْمَ أَذَانِهِمْ، فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْجَوَابُ عَنْهُ يَحْتَاجُ لِمُقَدِّمَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا: هَلْ الْأَذَانُ حَقٌّ لِلْوَقْتِ، أَوْ الصَّلَاةِ، أَوْ الْجَمَاعَةِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا: الثَّانِي؛ وَمِنْ ثَمَّ يُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ؛ وَإِنْ سَمِعَ أَذَانَ غَيْرِهِ، كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالتَّنْقِيحِ. وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُنَافِيه قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ؛ فِيمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَبْلَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْدَهَا يُجْزِئُهُ أَذَانُ الْمُؤَذِّنِ وَإِقَامَتُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهِ مِنْ الْإِجْزَاءِ حَتَّى لَا يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُمَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي نَدْبِهِمَا وَلَا تَعَرُّضَ مِنْهُمْ لِنَفْيِهِ بَلْ لِإِثْبَاتِهِ؛ إذْ هَذَا هُوَ شَأْنُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ كَفَرْضِهَا، وَخَالَفَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ صَحَّحَ فِيهِ أَنَّهُ: إنْ كَانَ سَمِعَ أَذَانَ الْجَمَاعَةِ لَا يَشْرَعُ وَقَوَّاهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ. وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ لَا يَتَأَكَّدُ حَتَّى لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ، أَوْ عَلَى مَا إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ، وَالْأَوَّلُ عَلَى خِلَافِهِ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ قَالَ وَتَبِعَهُ الْقَمُولِيّ وَغَيْرُهُ: مَنْ حَضَرَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ بِمَحَلِّ إقَامَةِ الصَّلَاةِ

стр. 135

لَمْ يُسْتَحَبَّا لَهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ بَلَغَهُ النِّدَاءُ فَحَضَرَ قَبْلَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا وَأَدْرَكَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ مُجِيبٌ، فَلَا مَعْنَى إذًا لِإِتْيَانِهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ حَكَى خِلَافَ ذَلِكَ وَضَعَّفَهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ الْجَمْعِ الثَّانِي بَيْنَ تَنَاقُضِ كُتُبِ النَّوَوِيِّ وَكَالْمُنْفَرِدِ فِي ذَلِكَ: الْجَمَاعَةُ الثَّانِيَةُ فِي نَدْبِ الْإِتْيَانِ بِالْأَذَانِ مُطْلَقًا. وَإِنَّمَا التَّفْصِيلُ فِي نَدْبِ الرَّفْعِ لَهُمْ، فَإِنْ انْصَرَفَ الْأَوَّلُونَ فَلَا رَفْعَ لِلْإِيهَامِ، وَإِلَّا سُنَّ. وَاعْتِرَاضُ الْإِسْنَوِيّ التَّقْيِيدَ بِانْصِرَافِهِمْ بِأَنَّهُ يُوهِمُ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ - يُرَدُّ بِأَنَّ الْإِيهَامَ فِي حَقِّهِمْ أَشَقُّ لِحُضُورِهِمْ، فَرُوعُوا دُونَ غَيْرِهِمْ. وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِوُقُوعِ جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ لَهُ الْأَذَانُ قَبْلَهُ؛؛ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ بِالْأَوَّلِ وَلَمْ يَنْتَهِ حُكْمُهُ، إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى مَا تَقَرَّرَ عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ ضَعِيفٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْته، وَالْوَجْهُ أَنَّهُمْ إنَّمَا قَيَّدُوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى ثَانِيَةً إلَّا إنْ كَانَ سَبَقَتْهَا جَمَاعَةٌ أُولَى، عَلَى أَنَّهُ تَقَرَّرَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ شَرْطٍ؛ بَلْ لَوْ صَلَّوْا فُرَادَى كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ. وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَغَيْرِهِ يُسَنُّ الْأَذَانُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَإِنْ تَقَارَبَتْ الْمَسَاجِدُ، وَسَمِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ أَيْ: لَا يُنْدَبُ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا إحْيَاءً لَهُ وَتَكْثِيرًا لِإِقَامَةِ الشِّعَارِ، إذَا تَقَرَّرَ لَك هَذَا، وَأَحَطْت بِهِ اتَّضَحَ لَك أَنَّهُ: إذَا صَلَّى بِأَذَانِ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ جَمَاعَةٌ، أَوْ وَاحِدٌ سُنَّ لِلْبَاقِينَ الْأَذَانُ ثَانِيًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَإِنْ تَرَكُوهُ وَصَلَّوْا بِالْأَوَّلِ وَقَدْ سَمِعُوهُ لَمْ يُكْرَهْ لَهُمْ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَدْعُوُّونَ بِالْأَوَّلِ، وَلَمْ يَنْتَهِ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ لِدَفْعِهِ لِلْكَرَاهَةِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ، وَإِنْ انْتَهَى حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصَلِّينَ. وَاتَّضَحَ لَك أَيْضًا ضَعْفُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَأَنَّ قَوْلَ السَّائِلِ وَإِنَّمَا يُقَالُ. .. إلَخْ صَحِيحٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَدْعُوُّونَ بِالْأَوَّلِ مُطْلَقًا. لَكِنْ إنْ كَانَ صَلَّوْا مَعَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَتَأَكَّدْ لَهُمْ؛ فَلَا يُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُهُ وَإِلَّا تَأَكَّدَ لَهُمْ، وَكُرِهَ لَهُمْ تَرْكُهُ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِحُكْمِ أَذَانِ غَيْرِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا الْوَجْهُ الْمَفْهُومُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ نَفْسَهُ إنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ الْأَذَانَ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ تَرْكُهُ وَإِلَّا كُرِهَ. وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَيُسَنُّ لَهُمْ الْأَذَانُ ثَانِيًا وَلَا يُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُهُ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْإِمَامُ بِأَخْذِ حُكْمِ أَذَانِهِمْ نَدْبَهُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي تَرْكِهِمْ لَهُ اتَّجَهَ مَا قَالَهُ هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلصَّلَاةِ، أَمَّا عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَقْتِ فَحَيْثُ وُجِدَ أَجْزَأَ عَمَّنْ سَمِعَهُ وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْجَمَاعَةِ فَلَا يُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ، وَلَا تُؤَثِّرُ صَلَاتُهُ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] سُئِلَ - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ السَّفَرِ الْمُجَوِّزِ لِلتَّنَفُّلِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، مَا حَدُّهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حَدَّهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِمِيلٍ، أَوْ نَحْوِهِ وَالْبَغَوِيُّ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى مَكَان لَا يَسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءَ. وَبَيْنَهُمَا تَقَارُبٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْجَهُ الثَّانِي، لَا يُقَالُ مُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْقَصْرِ مِنْ جَوَازِهِ بِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ السُّورِ، أَوْ الْعُمْرَانِ جَوَازُ التَّنَفُّلِ بِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ سَفَرُهُ مِيلًا وَلَا مَحَلًّا لَا يُسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءُ، وَلَا مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ بِخُطًى يَسِيرَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا اشْتِبَاهٌ فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقْصِدِ الَّذِي يُسَافِرُ إلَيْهِ، فَفِي نَحْوِ الْقَصْرِ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَرْحَلَتَيْنِ، وَفِي نَحْوِ التَّنَفُّلِ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَلَى مِيلٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْبَلَدِ، وَأَمَّا جَوَازُ الْقَصْرِ بِمُجَاوَزَةِ مَا ذُكِرَ - فَمِثْلُهُ جَوَازُ التَّنَفُّلِ بِمُجَاوَزَتِهِ، فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ بِالنِّسْبَةِ لِمُجَاوَزَةِ السُّورِ وَنَحْوِهِ، وَيَخْتَلِفَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقْصِدِ فَبَطَل مَا تُوُهِّمَ مِنْ الِاشْتِبَاهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْأَعْمَى أَنْ يَمَسَّ الْقِبْلَةَ إذَا أَمْكَنَهُ أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَيْهَا أَوْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ؛ بِأَنْ أَخْبَرَهُ جَمَاعَةٌ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حَيْثُ قَدَرَ عَلَى مَسِّ الْكَعْبَةِ، أَوْ الْمِحْرَابِ الْمُعْتَمَدِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ، وَلَوْ عَنْ عِلْمٍ؛ مَا لَمْ يَصِلْ لِعَدَدِ التَّوَاتُرِ، أَوْ يَكُونُ نَشَأَ بِمَكَّةَ، أَوْ بِذَلِكَ الْمَسْجِدِ، وَارْتَسَمَ فِي ذِهْنِهِ مِنْ الْأَمَارَاتِ مَا يَحْصُلُ لَهُ الْيَقِينُ الْجَازِمُ فَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَسُّ أَخْذًا مِنْ قُوَّةِ كَلَامِهِمْ؛ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: لِلضَّرِيرِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الرُّجُوعُ إلَى خَبَرِ الْمُعَايِنِ لِلْكَعْبَةِ إنْ كَانَ جَمْعًا يَبْلُغُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ.

стр. 136

وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَشَرْطُنَا الِاسْتِقْبَالُ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وَاسْتَقْبَلَ بِكُلِّ بَدَنِهِ إلَّا أَنَّ طَرَفَ ثَوْبِهِ خَارِجٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَضُرُّ طَرَفُ ثَوْبِهِ الْخَارِجُ حَتَّى لَا يَصِحَّ هَذَا الِاسْتِقْبَالُ، أَوْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا بِحَرَكَتِهِ كَمَا فِي السُّجُودِ أَوْ لَا يُفَرَّقَ كَمَا فِي النَّجَاسَةِ، أَوْ لَا يَضُرُّ طَرَفَ ثَوْبِهِ الْخَارِجُ بَلْ الْمُعْتَبَرُ بَدَنُهُ خَاصَّةً (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ كَلَامَهُمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِالْبَدَنِ لَا بِالثَّوْبِ، فَلَا يَضُرُّ خُرُوجُهُ عَنْ سَمْتِ الْكَعْبَةِ مُطْلَقًا؛ فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي هَذَا مَا ذَكَرْته فِي حَاشِيَةِ مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ ﵀ أَنَّ الثَّوْبَ كَالْبَدَنِ فِي مُحَاذَاةِ هَوَاءِ الْبَيْتِ حَتَّى يَبْطُلَ طَوَافُهُ؛ قُلْت: لَا يُنَافِيه لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِالْمُسَامَتَةِ؛ وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ بِالْبَدَنِ لَا بِغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْعِبْرَةُ فِي الطَّوَافِ فَهِيَ بِخُرُوجِ الطَّائِفِ وَمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ عَنْ الْبَيْتِ وَهَوَائِهِ، وَالثَّوْبُ مِمَّا يُنْسَبُ إلَيْهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الْمُسْتَقْبِلَ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ عَنْ السَّمْتِ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْهَوَاءَ لَمْ يَكْفِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، بِخِلَافِ الطَّائِفِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ دُخُولُ يَدِهِ وَلَوْ فِي هَوَاءِ الْبَيْتِ، وَمَا هُوَ مِنْهُ وَلَوْ ظَنًّا كَالشَّاذَرْوَانِ، أَوْ غَيْرَ ظَنِّيٍّ كَهَوَاءِ حَائِطِ الْحَجَرِ فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ فَرْقُ مَا بَيْنَ الطَّوَافِ وَالِاسْتِقْبَالِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَطُولِهَا وَعَرْضِهَا - زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا وَتَعْظِيمًا - وَمَنْ تَعَدَّى وَفَعَلَ هَلْ يُهْدَمُ مَا فَعَلَهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهَا لَا تُغَيَّرُ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ الْحَجَّاجِ؛ أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِنَاحِيَةِ الْحِجْرِ وَتَعْلِيَةِ بَابِ الْبَيْتِ وَسَدِّ بَابِهِ الْغَرْبِيِّ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَجَّاجُ فِيهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ فَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا لَا تُغَيَّرُ عَنْ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي حُرْمَةِ تَغْيِيرِهَا؛ وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سَأَلَ الرَّشِيدُ مَالِكًا ﵁ فِي تَغْيِيرِ بِنَاءِ الْحَجَّاجِ. قَالَ مَالِكٌ: نَشَدْتُك اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَجْعَلْ هَذَا الْبَيْتَ مِلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ، لَا يَشَاءُ أَحَدٌ إلَّا نَقَضَهُ وَبَنَاهُ؛ فَتَذْهَبُ هَيْبَتُهُ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ. وَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ هَذَا مِنْ مَالِكٍ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ بِهِ؛ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ تَغْيِيرِ بِنَائِهَا؛ بَلْ نُقِلَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَرَادَ هَدْمَ بِنَاءِ الْحَجَّاجِ - لَمَّا بَلَغَهُ وَصَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ هُوَ الْحَقُّ الْمُوَافِقُ لِمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَوْلَا حِدْثَانُ قُرَيْشٍ بِكُفْرٍ لَنَقَضْت الْكَعْبَةَ وَجَعَلْتهَا عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، فَمَنَعَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ ذَلِكَ نَظِيرُ مَنْعِ مَالِكٍ الرَّشِيدَ. وَمَنْ تَعَدَّى وَزَادَ فِي الطُّولِ، أَوْ الْعَرْضِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ تَيَسَّرَ هَدْمُ مَا زَادَهُ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ وَلَا إخْلَالٍ بِبِنَائِهَا الْأَوَّلِ وَجَبَ وَإِلَّا امْتَنَعَ؛ وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي امْتِنَاعِ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَغْيِيرِ بِنَاءِ الْحَجَّاجِ. وَفِي مُفْهِمِ الْقُرْطُبِيِّ: مَا فَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَانَ صَوَابًا، وَقَبَّحَ اللَّهُ الْحَجَّاجَ وَعَبْدَ الْمَلِكِ؛ لَقَدْ جَهِلَا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ - حِينَ بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ -: لَوْ سَمِعْت ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُهْدَمَ لَتَرَكْته عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا بِالتَّثَبُّتِ فِي السُّؤَالِ وَلَمْ يَفْعَلْ فَاسْتَعْجَلَ، فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ وَمُجَازِيهِ، وَلَقَدْ اجْتَرَأَ عَلَى بَيْتِ اللَّهِ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِ اهـ. (وَسُئِلَ) ﵁ لِمَ أَحَبَّ ﷺ التَّوَجُّهَ لِلْكَعْبَةِ مَعَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالتَّوَجُّهِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَعَ أَنَّهُ يَجِبُ الرِّضَا بِالْمَأْمُورِ وَمَحَبَّتُهُ؛ وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ الدُّعَاءُ بِتَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّمَا أَحَبَّ ﷺ ذَلِكَ لِمَصَالِحَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ؛ وَهِيَ كَوْنُهَا قِبْلَةَ أَبِيهِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَسَلَّمَ - وَكَوْنُ الْعَرَبِ يُعَظِّمُونَهَا؛ فَرَجَا إسْلَامَهُمْ بِهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَكَوْنُ الصَّلَاةِ إلَيْهَا أَفْضَلَ، عَلَى مَا اسْتَنْبَطَهُ السُّبْكِيّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا أَطْوَلُ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكُلَّمَا كَانَ طَلَبُهُ أَكْثَرَ كَانَ أَفْضَلَ؛ وَلِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالنَّاسِخُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنْسُوخِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ فِي مَحَبَّتِهِ ﷺ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا قَبْلَ وُجُوبِهِ وَنَسْخِهِ لِغَيْرِهِ، فَالْأَحْسَنُ: الْجَوَابُ الثَّانِي، وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ أَنْ يُقَالَ: لِمَ لَا. أَحَبَّ ﷺ الرُّجُوعَ إلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا عِنْدَنَا أَفْضَلُ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ

стр. 137

بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّ صَلَاتَهُ كَالْمُهَاجِرِينَ فِي الْمَدِينَةِ كَفَضْلِهَا بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْهَا كُرْهًا؛ فَاسْتَمَرَّ لَهُمْ ثَوَابُ حَسَنَاتِهَا أَخْذًا مِنْ خَبَرِ: «إذَا سَافَرَ الْعَبْدُ، أَوْ مَرِضَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ صَحِيحًا مُقِيمًا» . وَزَوَالُ الْإِكْرَاهِ بِفَتْحِ مَكَّةَ لَا يَقْتَضِي طَلَبَ الرُّجُوعِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تُرِكَتْ لِلَّهِ وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَرْجِعُ فِيهِ. وَوُجُوبُ الرِّضَا بِالْمَأْمُورِ وَمَحَبَّتُهُ الْمَذْكُورَيْنِ فِي السُّؤَالِ لَا يَمْنَعَانِ طَلَبَ الْأَفْضَلِ مِنْ حَيْثِيَّةِ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْقُرْبِ، وَامْتِنَاعُ طَلَبِ تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ مَحِلُّهُ فِي زَمَنٍ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ؛ كَمَا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ بِخِلَافِهِ قَبْلَهُ؛ لِجَوَازِ النَّسْخِ، فَلَمْ تَمْتَنِعْ إرَادَةُ التَّغْيِيرِ لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ السَّابِقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ] (وَسُئِلَ) ﵁ وَحَشَرَنِي فِي زُمْرَتِهِ - عَنْ تَقْبِيلِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ كُلِّ دُعَاءٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ هَلْ لَهُ أَصْلٌ كَمَسْحِ الْوَجْهِ بِهِمَا أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ، أَوْ خَبَرُهُ ضَعِيفٌ (فَأَجَابَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ -: بِأَنِّي لَمْ أَرَ لَهُ أَصْلًا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا بَعْدَ مَزِيدِ الْبَحْثِ وَالتَّفْتِيشِ؛ فَلَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ. (وَسُئِلَ) - أَمَدَّنَا اللَّهُ مِنْ مَدَدِهِ -: عَنْ وُجُوبِ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ، هَلْ الْكَافِي مُقَارَنَةُ الْمَجْمُوعِ مِنْ النِّيَّةِ بِالْمَجْمُوعِ مِنْ التَّكْبِيرِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ مُقَارَنَةِ الْمَجْمُوعِ مِنْهَا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ فَإِذَا قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَهَلْ الْمُرَادُ بِالْإِجْزَاءِ الْإِجْزَاءُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، أَوْ الْإِجْزَاءُ الْأَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَمْ لَا فَإِذَا قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَهَلْ تُعْتَبَرُ حُرُوفُ: اللَّهُ أَكْبَرُ تِسْعَةً أَمْ ثَمَانِيَةً، بِعَدِّ الْمُدْغَمِ وَاحِدًا؛ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِحْضَارُ النِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ التِّسْعَةِ، أَوْ الثَّمَانِيَةِ، فَتَكُونُ النِّيَّةُ مُسْتَحْضَرَةً ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ، أَوْ تِسْعَ مَرَّاتٍ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُ الْقَصْدِ وَاحِدًا ثَابِتًا؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ اسْتِحْضَارِهِ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ مُتَعَدِّدٌ، فَهَلْ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَهُ السَّائِلُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ مَا يُعْتَبَرُ فِي النِّيَّةِ مِنْ قَصْدِ الْفِعْلِ وَالتَّعْيِينِ وَنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَيَجْعَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ حَاضِرَةً فِي قَلْبِهِ ثَمَّ يَنْطِقُ بِ (اللَّهُ أَكْبَرُ) بِحَيْثُ تَقَعُ جَمِيعُهَا وَتِلْكَ الثَّلَاثَةُ حَاضِرَةٌ فِي قَلْبِهِ لَمْ يَعْزُبْ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَكْفِي مُقَارَنَةُ الْمَجْمُوعِ مِنْ النِّيَّةِ بِالْمَجْمُوعِ مِنْ التَّكْبِيرِ وَلَا بِجَمِيعِهِ، وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ حُرُوفِ التَّكْبِيرِ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً وَأَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ مُسْتَحْضَرَةً ثَمَانِ مَرَّاتٍ وَلَا تِسْعَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْقَصْدَ وَمَا مَعَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ مَوْجُودًا مُسْتَحْضَرًا مِنْ حِينِ النُّطْقِ بِالْهَمْزَةِ إلَى النُّطْقِ بِالرَّاءِ، وَمَتَى عَزَبَ وَاحِدٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثَمَّ عَادَ - وَلَوْ عَلَى الْفَوْرِ - وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ عَادَ قَبْلَ مُضِيِّ حَرْفٍ مِنْ التَّكْبِيرِ - كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ - لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ. وَهَذَا عَسِرٌ جِدًّا إلَّا عَلَى مَنْ صَفَا قَلْبُهُ وَنَارَ سِرُّهُ؛ فَإِنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْجَبَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ سَهْلٌ، وَأَنَّ الْقُلُوبَ بِهَا مِنْ الصَّفَا مَا بِقَلْبِهِ، لَكِنْ لَمَّا اخْتَبَرَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِهِ الْقُلُوبَ وَعَالَجُوهَا، رَأَوْا ذَلِكَ يَكْبُرُ عَلَيْهَا وَيَشُقُّ فَاخْتَارُوا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ الِاكْتِفَاءَ بِالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ بِحَيْثُ يُعَدُّ عُرْفًا أَنَّهُ مُسْتَحْضِرٌ لِلصَّلَاةِ؛ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمُقَارَنَتِهَا لِأَوَّلِ التَّكْبِيرِ. وَقَدْ بَالَغَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الِانْتِصَارِ لِهَذَا وَالْقَدْحِ فِي الْأَوَّلِ حَتَّى زَعَمَ أَنَّهُ مُحَالٌ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ عَلَى الْعُمُومِ إذْ لَا يَسْتَحِيلُ إلَّا فِي حَقِّ قُلُوبٍ لَمْ تَتَحَلَّ بِحِلْيَةِ الصَّفَاءِ وَلَمْ تَخْلُ مِنْ الْأَغْيَارِ وَالْوَسَاوِسِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَهَذَا مَقَامٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عِظَمِ مَقَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ أَوَّلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْمُصَلِّي إذَا عَزَبَتْ النِّيَّةُ قَبْلَ قَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَهَلْ يَرْجِعُ لِابْتِدَائِهِ مَرَّةً أَوْ تُجْزِئُهُ إذَا تَذَكَّرَهَا فِي آخِرِ الْإِحْرَامِ؟ وَإِذَا أَرَادَ هَذَا الْمُصَلِّي أَنْ يَقْنُتَ عِنْدَ حُدُوثِ بَعْضِ النَّوَازِلِ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرُوا وَأَتَى بِالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ، ثُمَّ ثَنَّى عَلَى أَثَرِهِ بِقِرَاءَةِ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ نُوحٍ، ﷺ هَلْ ذَكَرَ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا سَأَلْت نَقْلٌ يُنَصُّ بِهِ عَلَى قِرَاءَتِهِ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] فَإِذَا لَمْ يَقْرَأْهَا فِي الصَّلَاةِ لِعَدَمِ النَّقْلِ فِيهَا فَهَلْ إذَا دَعَا بِقَوْلِهِ:

стр. 138

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّك كُنْت غَفَّارًا فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ وَجَمِيعِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ قَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَمَتَى عَزَبَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النِّيَّةِ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ حُرُوفِ اللَّهُ أَكْبَرُ لَمْ تَنْعَقِدْ الصَّلَاةُ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ الِاكْتِفَاءَ بِالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ بِحَيْثُ يُعَدُّ أَنَّهُ مُسْتَحْضِرٌ لِلصَّلَاةِ؛ فَعَلَيْهِ لَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا عِنْدَ بَعْضِ حُرُوفِ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ الْقُنُوتِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك. .. إلَخْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - فِي أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ: أُصَلِّي فَرْضَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَهَلْ فِي هَذَا خِلَافٌ وَمَا الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ فَرْضِ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَفَرْضِ الظُّهْرِ، فَقَالَ: إنَّ الْأُولَى صَحِيحَةٌ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ اسْمٌ لِلْوَقْتِ لَا لِلْعِبَادَةِ وَهُوَ فَرْقٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَمَا عُلِّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَمَّا لَوْ نَسِيَ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ فِي الْأُولَى مِنْ صُبْحِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، الْجُمُعَةِ أَوْ سُبِقَ بِالْأُولَى، هَلْ يُسَنُّ لَهُ قِرَاءَتُهَا فِي الثَّانِيَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - أَمَدَّنِي اللَّهُ مِنْ مَدَدِهِ -: بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعْلُومَةٌ مِمَّا قَالُوهُ فِي نَظِيرِهَا؛ وَهُوَ قِرَاءَةُ الْجُمُعَةِ، أَوْ سَبِّحْ فِي أُولَى الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقُونَ، أَوْ الْغَاشِيَةُ فِي ثَانِيَتِهَا، مِنْ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ قِرَاءَةَ الْجُمُعَةُ فِي الْأُولَى فَإِنْ قَرَأَ بَدَلَهَا الْمُنَافِقُونَ قَرَأَ الْجُمُعَةُ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِذَا قَرَأَ غَيْرَهَا قَرَأَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ سَوَاءٌ نَسِيَ ذَلِكَ أَمْ تَعَمَّدَهُ؛ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ مِنْ جَمْعِهِمَا فِي الثَّانِيَةِ تَطْوِيلُهَا عَنْ الْأُولَى - وَهُوَ مَكْرُوهٌ. قُلْنَا: مَحَلُّ كَرَاهَتِهِ إذَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ وَهُنَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ؛ إذْ الْمُنَافِقُونَ أَطَوَلُ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَأَيْضًا فَفَضِيلَةُ تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ لَا تُقَاوِمُ فَضِيلَةَ السُّورَتَيْنِ، كَمَا قَالُوهُ وَأَفْهَمُ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُمَا فِي الثَّانِيَةِ؛ وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَرَأَهُ فِي الْأُولَى بَعْدَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ خِلَافًا لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا قَرَأَ مَا قَبْلَهُمَا؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةُ تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ وَأَنْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فَقَدَّمَ الثَّانِي لِمَصْلَحَتِهِ الْخَاصَّةِ. هَذَا مَا ذَكَرُوهُ فِيمَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِيمَا يُقْرَأُ فِي صُبْحِهَا؛ فَيُقَالُ: إذَا تَرَكَ قِرَاءَةَ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] السَّجْدَةَ فِي الْأُولَى وَقَرَأَ غَيْرَهَا مِمَّا فَوْقَهَا، أَوْ تَحْتَهَا قَرَأَهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهَا، وَيَأْتِي مَا مَرَّ مِنْ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ، وَكَتَرْكِهَا مِنْ الْأُولَى مَا لَوْ سَبَقَ بِهَا فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ؛ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ قِرَاءَتُهَا فِي الثَّانِيَةِ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهَا. وَوَاضِحٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي مَأْمُومٍ يُنْدَبُ لَهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ بِأَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ الْإِمَامِ لَا يَسْمَعُهُ، أَوْ يَسْمَعُ صَوْتًا لَا يَفْهَمُهُ، أَمَّا الْمَأْمُومُ الَّذِي يَسْمَعُ إمَامَهُ فَإِنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالسُّورَةِ. نَعَمْ، إذَا سَبَقَ هَذَا فَثَانِيَةُ الْإِمَامِ الَّتِي يَقْرَأُ فِيهَا هَلْ أَتَى، أُولَاهُ؛ فَإِذَا قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ لِيَأْتِيَ بِثَانِيَتِهِ فَهَلْ يَقْرَأُ فِيهَا هَلْ أَتَى وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ أُولَاهُ قَرَأَ فِيهَا الْإِمَامُ، وَقِرَاءَتُهُ قَائِمَةٌ مَقَامَ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الَّذِي يَسْمَعُهُ، أَوْ الْجُمُعَةَ وَهَلْ أَتَى؛ لِأَنَّ أُولَاهُ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا هُوَ وَلَا مَنْ يَقُومُ قِرَاءَتُهُ مَقَامَ قِرَاءَتِهِ الْجُمُعَةُ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَرَأَ هَلْ أَتَى فِي أُولَاهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا فِي أُولَاهُ يُسَنُّ لَهُ قِرَاءَتُهُمَا فِي الثَّانِيَةِ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالثَّانِي هُوَ الْأَقْرَبُ فَيُسَنُّ لَهُ قِرَاءَتُهُمَا فِي الثَّانِيَةِ؛ لِئَلَّا تَخْلُو صَلَاتُهُ عَنْهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَمَتَّعَ بِوُجُودِهِ الْمُسْلِمِينَ - هَلْ يَضَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ حِينَ يَأْتِي بِذِكْرِ الِاعْتِدَالِ كَمَا يَضَعُهُمَا بَعْدَ التَّحَرُّمِ أَوْ يُرْسِلُهُمَا (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ - أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ فِي الِاعْتِدَالِ كَمَا يَضَعُهُمَا بَعْدَ التَّحَرُّمِ وَعَلَيْهِ جَرَيْت فِي شَرْحِي عَلَى الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجِبُ وَضْعُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ دَفْعَةً وَاحِدَةً؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - ذَكَرَ جَمْعٌ وُجُوبَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ حَرَّكَ الشَّخْصُ يَدَيْهِ مَعًا فِي الصَّلَاةِ، هَلْ تُحْسَبُ حَرَكَتُهُمَا إذَا وَقَعَتَا مَعًا فِيهَا حَرَكَةً أَمْ حَرَكَتَيْنِ وَكَذَا الرِّجْلَانِ

стр. 139

حُكْمُهُمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ أَنَّ حَرَكَةَ الْيَدَيْنِ تُحْسَبُ حَرَكَتَيْنِ سَوَاءٌ وَقَعَتَا مَعًا أَمْ مُرَتَّبًا، حَتَّى لَوْ حَرَّكَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَفْعَالٍ مُتَوَالِيَةٍ وَعَلَى ذَلِكَ جَرَيْت فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعِبَارَتُهُ: كَثَلَاثِ خُطُوَاتٍ - بِضَمِّ الْخَاءِ - وَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ خُطْوَةٍ مُغْتَفَرَةٍ وَثَلَاثِ مَضَغَاتٍ وَتَحْرِيكِ يَدَيْهِ وَرَأْسِهِ، وَلَوْ مَعًا؛ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا فَرْقَ عِنْدَ كَثْرَةِ الْأَفْعَالِ بَيْنَ كَوْنِهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَكْثَرَ انْتَهَتْ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ عَلَيْهِ فَوَائِتُ كَثِيرَةٌ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَهَا مَعَ مُؤَدَّيَاتِهِ؛ لِعُسْرِ تَوَالِيهَا عَلَيْهِ، فَهَلْ يُسَنُّ لَهُ تَقْدِيمُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى الْمُؤَدَّاةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهَا، وَلَا يَفُوتُهُ بِذَلِكَ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِذَا أَخَّرَهَا عَنْ الصُّبْحِ، أَوْ الْعَصْرِ تَكُونُ مَكْرُوهَةً لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ تَأْخِيرَ فَائِتَةٍ؛ لِيَقْضِيَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ نَدْبُ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ عَلَيْهَا؛ إذْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَوْلَى مِنْهَا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ مَنْ وَجَدَ إمَامًا يُصَلِّي الْحَاضِرَةَ وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ صَلَّى الْفَائِتَةَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ إنْ كَانَ أَدْرَكَ الْحَاضِرَةَ مَعَهُمْ فَذَاكَ، وَإِلَّا صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا أَيْضًا اهـ. فَإِذَا قُدِّمَتْ الْفَائِتَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَتَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ أَوْلَى. وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِهِ لَكِنْ لَوْ قِيلَ مَحَلُّهُ فِيمَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِهَا قَبْلَ الْوَقْتِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَإِذَا قَضَاهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، أَوْ الصُّبْحِ لَمْ تُكْرَهْ. وَمُرَادُ الرَّافِعِيِّ بِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مَا إذَا أَخَّرَ الْفَائِتَةَ لِأَجْلِ إيقَاعِهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ وَقْتَ كَرَاهَةٍ، وَهُنَا لَمْ يَقْصِدْ مُؤَخِّرُهَا إلَّا التَّخْفِيفَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُرَاغَمَةٌ لِلشَّرْعِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ﴾ [الفلق: ١] ، عَلَى نِيَّةِ أَنْ يُكْمِلَ سُورَةَ الْفَلَقِ فَطَرَأَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] فَبَنَى عَلَى مَا أَتَى بِهِ مِمَّا ذَكَرَ فَهَلْ تَحْصُلُ لَهُ قِرَاءَةُ سُورَةٍ كَامِلَةٍ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، تَحْصُلُ لَهُ لِاتِّفَاقِ السُّورَتَيْنِ فِي هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي أَتَى بِهِ، وَقَصْدُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ قُرْآنٍ إلَى غَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ صَارِفًا بَلْ مِنْ قُرْآنٍ إلَى قُرْآنٍ آخَرَ وَهُوَ لَا يَضُرُّ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ: وَرَدَ قِرَاءَةُ النَّظَائِرِ فِي تَهَجُّدِهِ ﷺ وَهِيَ عِشْرُونَ سُورَةً عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِ مُصْحَفِ الْإِمَامِ، فَهَلْ الْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ قِرَاءَتَهَا فِي تَهَجُّدِهِ اتِّبَاعُ مَا وَرَدَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ التَّوَالِي عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْوَارِدُ عَدُّهَا بِالْوَاوِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ وَقَعَ سَرْدُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الرَّحْمَنُ وَالنَّجْمُ فِي رَكْعَةٍ، وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّةُ فِي رَكْعَةٍ، وَالطُّورُ وَالذَّارِيَاتُ فِي رَكْعَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالدُّخَانُ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ فِي رَكْعَةٍ، وَذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ آخِرَهُنَّ مِنْ الْحَوَامِيمِ حم الدُّخَانُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَقَالَ أَيْضًا عَنْ الْأَعْمَشِ هُنَّ عِشْرُونَ سُورَةً؛ أُولَاهُنَّ: الرَّحْمَنُ؛ وَآخِرُهُنَّ: الدُّخَانُ. وَقَالَ أَيْضًا: وَالذَّارِيَاتُ وَالطُّورُ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَالدُّخَانُ اهـ. وَلَا يُنَافِيه قِرَاءَةُ السُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الطُّورُ وَالذَّارِيَاتُ مَثَلًا فِي رَكْعَةٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِتَقْدِيمِ الذَّارِيَاتِ وَتَأْخِيرِهَا. وَالْحَدِيثُ لَا يُنَافِيه لَكِنْ إذَا قُدِّمَتْ الذَّارِيَاتُ حَصَلَ سُنَّتَا التَّرْتِيبِ وَالتَّوَالِي الْمَعْهُودُ فِي الْمُصْحَفِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قُدِّمَتْ الطُّورُ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا التَّوَالِي وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُ الرَّحْمَنِ عَلَى النَّجْمِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَتَأْخِيرُ الدُّخَانِ فِي الْأَخِيرَةِ لِقَوْلِهِ: أُولَاهُنَّ: الرَّحْمَنُ، وَآخِرُهُنَّ: الدُّخَانُ. وَأَمَّا التَّوَالِي فَلَا يُمْكِنُ إلَّا فِي بَعْضِ السُّوَرِ؛ لَا فِي الرَّحْمَنِ وَالنَّجْمِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَاصِلًا لَكِنَّ عَدَمَ التَّوَالِي مَعْهُودٌ لِقِرَاءَةِ السَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ فِي أَمَاكِنِهِمَا الْمَعْرُوفَةِ، فَتُسَنُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعِشْرِينَ سُورَةً فِي التَّهَجُّدِ؛ لِلِاتِّبَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَوَالٍ قِيَاسًا عَلَى مَا ذُكِرَ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ رَدَّدَ كَلِمَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِأَجْلِ مَخْرَجِ حَرْفٍ، هَلْ يَسْتَأْنِفُ الْقِرَاءَةَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حَيْثُ رَدَّدَ الْكَلِمَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثَلَاثًا، أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَبْطُلْ قِرَاءَتُهُ وَلَا مُوَالَاتُهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَمَّنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ هَلْ يُصَلِّيهَا فِيهِ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَنْ

стр. 140

أَفْسَدَ صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ - وَلَوْ تَعَدِّيًا - أَعَادَهَا فِيهِ أَدَاءً لَا قَضَاءً؛ خِلَافًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا شَرْعًا، وَالْقَضَاءُ بِخِلَافِهِ، وَهَذِهِ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا شَرْعًا، فَلَا وَجْهَ لِتَسْمِيَتِهَا قَضَاءً إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْقَاضِي بِذَلِكَ أَنَّهَا كَالْقَضَاءِ فِي الْعِصْيَانِ؛ بِجَامِعِ الْإِثْمِ بِالْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ التَّأْخِيرُ. وَالْإِثْمُ بِهَذِهِ أَوْلَى مِنْ حَيْثُ الْقَطْعِ فَحِينَئِذٍ يَتَّجِهُ كَلَامُهُ نَوْعَ اتِّجَاهٍ، وَيَلْزَمُهُ إنْ كَانَ أَرَادَ بِالْقَضَاءِ حَقِيقَتَهُ - أَنَّهُمْ لَوْ شَرَعُوا فِي الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أَفْسَدُوهَا فِي الْوَقْتِ، وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ لَا يُعِيدُونَهَا جُمُعَةً بَلْ ظُهْرًا؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَا أَظُنُّ الْقَاضِي يَلْتَزِمُهُ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَمَّنْ مَضَى عَلَيْهِ عِشْرُونَ سَنَةً مَثَلًا وَهُوَ يُصَلِّي الظُّهْرَ قَبْلَ وَقْتِهَا؛ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ عِشْرِينَ سَنَةً سَنَةً أَوْ قَضَاءُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْبَارِزِيُّ الثَّانِي؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ؛؛ لِأَنَّ صَلَاةَ كُلِّ يَوْمٍ تَكُونُ قَضَاءً لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، لَكِنْ مَشَى ابْنُ الْمُقْرِي عَلَى خِلَافِهِ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ نَوَى كُلَّ يَوْمٍ فِعْلَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاَلَّتِي ظَنَّ الْآنَ دُخُولَ وَقْتِهَا تَعَيَّنَ مَا قَالَهُ الْبَارِزِيُّ؛ إذْ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَيَصِحُّ أَحَدُهُمَا بِنِيَّةِ الْآخَرِ عِنْدَ الْجَهْلِ كَغَيْمٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتَغَلَتْ ذِمَّتُهُ بِمَقْضِيَّةٍ وَمُؤَدَّاةٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ كَالظُّهْرِ فَنَوَى الظُّهْرَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ صَحَّ خِلَافًا لِمَا اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَحَصَلَتْ لَهُ إحْدَاهُمَا، ثَمَّ تَحْصُلُ لَهُ الْأُخْرَى بِنِيَّةٍ كَذَلِكَ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ؛ تَفْرِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ نَوَى كُلَّ يَوْمٍ الْفَرْضَ الَّذِي ظَنَّ الْآنَ دُخُولَ وَقْتِهِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَدَاءِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ يَنْوِي كُلَّ يَوْمٍ صَلَاةً لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا وَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ دُخُولَهُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي. وَإِنَّمَا لَمْ تَقَعْ صَلَاتُهُ هَذِهِ عَنْ مِثْلِهَا الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَهَا عَنْ ذَلِكَ بِقَصْدِهِ بِهَا الَّتِي ظَنَّ دُخُولَ وَقْتِهَا، فَحَيْثُ بَطَلَتْ لِتَبَيُّنِ خَطَإِ ظَنِّهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ عَمَّا عَلَيْهِ. وَفِي التَّتِمَّةِ: تَعْيِينُ الْيَوْمِ الَّذِي فَاتَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَلَوْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْفِعْلِ أَيْ: الْقَضَاءَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لَهُ بِالشَّرْعِ وَإِنَّمَا يَقْضِي عَنْ ذِمَّتِهِ وَاَلَّتِي عَلَيْهِ مَا نَوَاهَا، وَاَلَّتِي نَوَاهَا فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ، وَأَوْرَدَهُ فِي الْخَادِمِ - كَابْنِ الرِّفْعَةِ - عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ. وَصِحَّةُ كُلٍّ بِنِيَّةِ الْآخَرِ إلْزَامًا عَلَى ابْنِ الصَّبَّاغِ وَأَجَابَ عَنْهُ نَقْلًا عَنْ صَاحِبِ الْوَافِي بِمَا يُحَقِّقُ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَتَأَمَّلْهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ: يُمْكِنُ الْتِزَامُ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ قَوْلِهِمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ النَّظَرِ لِمَا يُلْهِي كَثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ هَلْ الْمُرَادُ مَا يُلْهِي بِالْفِعْلِ، أَوْ مَا مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ فَيَلْتَهِي بِهِ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِعَمًى، أَوْ تَغْمِيضِ عَيْنَيْهِ أَوْ نَحْوِ اسْتِغْرَاقِهِ فِي مَعَانِي مَتْلُوِّهِ فَلَا كَرَاهَةَ، عَلَى مَا فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ وَقْفَةٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «قَالَ - لَمَّا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ -: أَلْهَتْنِي أَعْلَامُهُ» وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُقُوعَ اللَّهْوِ بِهَا قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكْرُوهِ بَلْ مَعْصُومٌ مِنْ وُقُوعِهِ مِنْهُ مَكْرُوهًا؛ فَالْمُرَادُ قَارَبَتْ أَنْ تُلْهِيَنِي، أَوْ أَلْهَانِي التَّحَفُّظُ عَنْ اللَّهْوِ بِهَا عَمَّا كُنْت بِصَدَدِهِ مِمَّا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ لَهُ ﷺ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ يَنْظُرُ ذَلِكَ كُرِهَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّظَرِ إلَيْهِ اللَّهْوَ بِهِ، فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يُقْنَتُ لِلْوَبَاءِ وَالطَّاعُونِ وَالطَّاعُونِ أَوْ لَا؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الطَّاعُونُ أَخَصُّ مِنْ الْوَبَاءِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُقْنَتُ لِرَفْعِ الْوَبَاءِ الْخَالِي عَنْ الطَّاعُونِ وَلَا يُقْنَتُ لِرَفْعِ الطَّاعُونِ، عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ بِهِ بَلْ وَفِي زَمَنِهِ - وَإِنْ لَمْ يَمُتْ بِهِ - بَلْ وَفِي غَيْرِ زَمَنِهِ إذَا مَكَثَ فِي بَلَدِهِ أَيَّامَهُ؛ صَابِرًا مُحْتَسِبًا رَاضِيًا بِمَا يَنْزِلُ بِهِ - يَكُونُ شَهِيدًا. وَالشَّهَادَةُ لَا يُسْأَلُ رَفْعُهَا بِخِلَافِ الْمَيِّتِ بِمُطْلَقِ الْوَبَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَهِيدًا؛ فَلِذَا شُرِعَ الْقُنُوتُ لِرَفْعِهِ. وَقَالَ جَمْعٌ: وَيَدُلُّ لَهُ كَلَامُ شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ: يُقْنَتُ لِرَفْعِهِ وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يُفْنِي الْعُلَمَاءَ وَالصُّلَحَاءَ حَتَّى يَخْتَلَّ نِظَامُ الدِّينِ، فَفِي رَفْعِهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ سُؤَالُ

стр. 141

النَّبِيِّ ﷺ «أَنْ لَا يَدْخُلَ الطَّاعُونُ مَدِينَتَهُ الشَّرِيفَةَ» قَالُوا: وَمِنْ حِكَمِهِ؛ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ فَلَوْ دَخَلَهَا لَرُبَّمَا أَفْنَى أَهْلَهَا؛ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ لِلْمُسْلِمِ إلَّا مِنْ كَفَرَةِ الْجِنِّ، وَرِوَايَةُ (فَإِنَّهُ طَعْنُ إخْوَانِكُمْ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا أُخُوَّةَ الدِّينِ، عَلَى أَنَّ فِيهَا مَقَالًا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا «قَوْلُهُ: ﷺ مَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ إلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ الطَّعْنُ» فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً، أَوْ يُقَالُ: كَوْنُهُ شَهَادَةً مَحْضَةً إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُمَّلِ الَّذِينَ حُفِظُوا مِنْ الْمُخَالَفَاتِ، وَأَدَامُوا الطَّاعَاتِ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَمَّنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بِكَسْرِ اللَّامِ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ غَيَّرَ الْمَعْنَى؛ إذْ الْعَالَمِينَ بِفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ عَالَمٍ؛ وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَبِكَسْرِهَا جَمْعُ عَالِمٍ، وَهُوَ مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَةُ الْعِلْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى مِنْ أَصْلِهِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ، وَأَيْضًا فَذَلِكَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ يُفْهِمُ مَا حَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَأَوْلَى غَيْرُهُمْ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ - الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الْمَعْنَى لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ - فِيمَا يَظْهَرُ - رَفْعَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْ أَصْلِهِ؛ بَلْ أَنْ يَصِيرَ وَضْعُ الْكَلِمَةِ لَا يُفْهِمُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بِتَمَامِهِ، كَمَا هُنَا. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِمَا لَفْظُهُ: حَيْثُ لَا يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَفَرَغَ مِنْ فَاتِحَتِهِ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ، فَهَلْ يَسْكُتُ، أَوْ يَقْرَأُ، أَوْ يَشْتَغِلُ بِذِكْرٍ وَهَلْ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَهُ، يَسْكُتُ، أَوْ يَشْتَغِلُ بِبَقِيَّةِ التَّشَهُّدِ مَعَ الدُّعَاءِ بَعْدَهُ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا فَرَغَ مِنْ فَاتِحَتِهِ وَلَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ؛ كَأَنْ بَعُدَ عَنْهُ أَوْ سَمِعَ صَوْتًا لَا يَفْهَمُهُ؛ أَوْ كَانَ فِي سِرِّيَّةٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، سُنَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ، أَوْ يَدْعُوَ، وَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَحَلُّهَا، وَلَا يَسْكُتُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا سُكُوتَ فِيهَا إلَّا فِي مَوَاضِعَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا. وَكَذَا إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَ إمَامِهِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعَاءِ لَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ؛ لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَقْلَ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ عَلَى قَوْلٍ وَهُوَ مُبْطِلٌ عَلَى قَوْلٍ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ: إذَا قَامَ الْإِمَامُ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ الْمَأْمُومُ مِنْهُ فَهَلْ يُتَابِعُ الْإِمَامَ أَوْ يُتِمُّهُ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْمُتَابَعَةِ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ يُتِمُّهُ فَفَرَغَ مِنْهُ وَقَامَ، فَهَلْ يَكُونُ كَالْمَسْبُوقِ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَأَتَمَّ فَاتِحَتَهُ، فَهَلْ لَهُ حُكْمُ التَّخَلُّفِ بِعُذْرٍ، أَوْ مَا الْحُكْمُ فِيهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ قَدْ كَثُرَ كَلَامُهُمْ وَاضْطِرَابُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقِيَاسُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ تَرَكَ إمَامُهُ الْقُنُوتَ حَيْثُ قَالُوا: يُسَنُّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ إنْ كَانَ أَدْرَكَهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَفِي الْمَسْبُوقِ حَيْثُ قَالُوا: يُسَنُّ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ إنْ كَانَ ظَنَّ إدْرَاكَ الْفَاتِحَةِ لَوْ أَكْمَلَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْمِلْ الْمَأْمُومُ السُّورَةَ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بَعْضًا، بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ. وَالْمَحْذُورُ إنَّمَا هُوَ التَّخَلُّفُ لِلْإِتْيَانِ بِهِ لَا إتْمَامُهُ، وَإِذَا تَخَلَّفَ لِإِتْمَامِهِ وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَمَسْبُوقٍ اشْتَغَلَ بِنَحْوِ الِافْتِتَاحِ فَرَكَعَ إمَامُهُ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَلَّفَ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَ، فَإِذَا قَرَأَ بِقَدْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَكَعَ مَعَهُ، وَكَانَ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَإِلَّا فَهَلْ يَكُونُ كَالْمُوَافِقِ يَجْرِي عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ، أَوْ يُتَابِعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَالْبَغَوِيِّ الْأَوَّلُ، وَمَشَى عَلَيْهِ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَإِنْ مَشَى جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَتَبِعَهُمْ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ عَلَى الثَّانِي. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - هَلْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ عَدَمُ الْوُجُوبِ، بَلْ قَوْلُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي: أَنَّ مُوَالَاةَ التَّشَهُّدِ وَاجِبَةٌ كَالْفَاتِحَةِ فِيهِ وَقْفَةٌ لَكِنَّهُمْ اعْتَمَدُوهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ الظُّهْرِ مَثَلًا ثُمَّ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ أَوْ مُعَادَةً بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّرَدُّدَ إنْ كَانَ بَيْنَ مُبْطِلَيْنِ، أَوْ مُبْطِلٍ وَمُصَحِّحٍ يَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ طُولِ الزَّمَنِ وَمُضِيِّ رُكْنٍ وَضِدِّهِمَا، وَهُوَ

стр. 142

مَشْهُورٌ كَالشَّكِّ؛ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ؛، أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ صَحِيحَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ؛ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ نَوَاهَا مَثَلًا أَوْ الْعَصْرَ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ نَوَى الْعَصْرَ لَمْ يُؤَثِّرْ شَكُّهُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ طَالَ زَمَنُهُ وَفَعَلَ مَعَهُ أَرْكَانًا، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمُعَادَةُ لِلِاحْتِيَاطِ: تَارَةً تَكُونُ بَاطِلَةً؛ بِأَنْ يَقْصِدَ بِهَا مُجَرَّدَ الِاحْتِيَاطِ وَلَا جَمَاعَةَ يُعِيدُ مَعَهُمْ، فَهَذِهِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ طَلَبِ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا صَلَاةً - بُطْلَانُ فِعْلِهَا؛ وَتَارَةً تَكُونُ صَحِيحَةً بِأَنْ جَرَى فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى قَوْلٌ بِالْبُطْلَانِ، فَيُسَنُّ لَهُ إعَادَتُهَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ. وَالْمُعَادَةُ مَعَ جَمَاعَةٍ: تَارَةً تَكُونُ صَحِيحَةً؛ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْفَرْضَ؛ أَيْ: صُورَةً، أَوْ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْجُمْلَةِ؛ وَتَارَةً تَكُونُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهَا صَلَاةَ الْوَقْتِ فَإِذَا أَعَادَ مَعَ جَمَاعَةٍ وَتَرَدَّدَ بَيْنَ نِيَّتِهِ الْفَرْضَ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ، وَنِيَّتِهِ صَلَاةَ الْوَقْتِ، فَهَذَا تَرَدُّدٌ بَيْنَ صَحِيحٍ وَبَاطِلٍ عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ. وَبَيْنَ صَحِيحَيْنِ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا يَضُرُّ مُطْلَقًا وَإِذَا أَعَادَ وَحْدَهُ وَتَرَدَّدَ هَلْ إعَادَتُهُ لِأَجْلِ جَرَيَانِ قَوْلٍ بِبُطْلَانٍ، أَوْ لَا، أَوْ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِيَاط مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ قَوْلٍ كَذَلِكَ يَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ صَحِيحٍ وَبَاطِلٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قُنُوتِ النَّازِلَةِ هَلْ وَرَدَ فِيهِ أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ مَثَلًا أَوْ لَا وَهَلْ يُقْرَأُ مَعَهُ قُنُوتُ الصُّبْحِ؟ وَهَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ قُنُوتُ الصُّبْحِ مَثَلًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي وَرَدَ فِي ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَدْعُو عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ الْقُرَّاءِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ» ، وَيُقَاسُ بِالْعَدُوِّ غَيْرُهُ. وَالْقَوْلُ بِمَنْعِ الْقُنُوتِ لَهَا، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَفِيهِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ: لَمْ يَقُلْ بِهِ فِيهَا غَيْرُ الشَّافِعِيِّ - غَلَطٌ مِنْهُ بَلْ قَنَتَ عَلِيٌّ ﵁ فِي الْمَغْرِبِ بِصِفِّينَ اهـ. وَصَرَّحَ أَئِمَّتُنَا بِأَنَّ لَفْظَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَالنَّازِلَةِ وَالْوِتْرِ فِي نِصْفِ رَمَضَانَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت. .... إلَخْ (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ تَعَلَّمَ الْفَاتِحَةَ وَفِي حَرْفٍ مِنْهَا خَلَلٌ؛ لِثِقَلٍ فِي اللِّسَانِ هَلْ تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ أَوْ لَا وَهَلْ يَجِبُ التَّعَلُّمُ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ أَوْ لَا وَهَلْ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إذَا لَمْ يَكْمُلْ الْعَدَدُ إلَّا بِهِ مَثَلًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَلَلُ نَحْوَ فَأْفَأَةٍ بِأَنْ صَارَ يُكَرِّرُ الْحَرْفَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ، لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَتَكْمُلُ الْجُمُعَةُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ. وَإِنْ كَانَ لُثْغَةً؛ فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْحَرْفُ صَافِيًا وَإِنَّمَا فِيهِ شَوْبُ اشْتِبَاهٍ بِغَيْرِهِ فَهَذَا أَيْضًا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ وَتَكْمُلُ الْجُمُعَةُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ؛ وَإِنْ كَانَ لُثْغَةً حَقِيقِيَّةً؛ بِأَنْ كَانَ يُبْدِلُ الْحَرْفَ بِغَيْرِهِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ لَا الْقُدْوَةُ بِهِ، إلَّا لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ؛ بِأَنْ اتَّفَقَا فِي الْحَرْفِ الْمُبْدَلِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَدَلِ؛ فَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُبْدِلُ الرَّاءَ لَكِنَّ أَحَدَهُمَا يُبْدِلُهَا لَامًا وَالْآخَرُ عَيْنًا صَحَّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُبْدِلُ الرَّاءَ وَالْآخَرُ يُبْدِلُ السِّينَ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. هَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا فِيهَا فَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْعُبَابِ وَشَرْحِي لَهُ، وَعِبَارَتُهُمَا: لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعُونَ أُمِّيًّا فَقَطْ وَاتَّفَقُوا أُمِّيَّةً بِحَيْثُ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ قَالَ الْبَغَوِيّ وَأَقَرَّهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُمْ الْجُمُعَةُ؛ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ،، أَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعُونَ وَبَعْضُهُمْ - وَلَوْ وَاحِدًا - أُمِّيٌّ وَقَدْ قَصَّرَ فِي التَّعَلُّمِ كَمَا تُفْهِمُهُ الْعِلَّةُ الْآتِيَةُ، فَلَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ لِارْتِبَاطِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَأَشْبَهَ اقْتِدَاءَ قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ، أَمَّا إذَا لَمْ يُقَصِّرْ الْأُمِّيُّ فِي التَّعَلُّمِ فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا، وَكَذَا لَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ إذَا اخْتَلَفُوا أُمِّيَّةً؛ كَأَنْ عَرَفَ بَعْضٌ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْضٌ آخِرَهَا؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، كَمَا عُرِفَ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ. قَالَ الْبَغَوِيّ أَيْضًا: وَلَوْ جَهِلُوا كُلُّهُمْ الْخُطْبَةَ لَمْ تَجُزْ الْجُمُعَةُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا جَهِلَهَا بَعْضُهُمْ، وَمُرَادُهُ بِجَوَازِهَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي مَا يَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ؛ فَإِنَّهُ إذَا عَرَفَهَا وَاحِدٌ مِنْ الْأُمِّيِّينَ الْمُسْتَوِينَ لَزِمَتْهُمْ كَمَا مَرَّ عَنْهُ، ثُمَّ رَأَيْته صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ: لَوْ أَحْسَنَ الْخُطْبَةَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَيْ: وَقَدْ اتَّفَقُوا أُمِّيَّةً كَمَا تَقَرَّرَ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْجُمُعَةِ

стр. 143

فَجَازَ لَهُمْ إقَامَتُهَا بَلْ وَجَبَ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ. وَمَنْ كَانَ بِلِسَانِهِ خَلَلٌ فِي الْفَاتِحَةِ مَثَلًا فَمَتَى رُجِيَ زَوَالُهُ عَادَةً لِتَعَلُّمٍ لَزِمَهُ - وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ - وَمَتَى لَمْ يَرْجُهُ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُبَلِّغِ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً مُصَلِّيًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، يُشْتَرَطُ فِي الْمُبَلِّغِ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَكَذَا الْإِمَامُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى مُجَرَّدِ صَوْتِهِ، إلَّا إنْ كَانَ ثِقَةً، وَكَذَلِكَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى صَوْتِهِ إلَّا إنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِنْ صَحَّ أَذَانُ الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ شَيْئَانِ؛ إظْهَارُ الشِّعَارِ؛ وَالْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ. وَالْأَوَّلُ مَوْجُودٌ فِي أَذَانِ الْفَاسِقِ؛ وَلِذَلِكَ صَحَّ أَذَانُهُ، وَالثَّانِي غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ اعْتِمَادُ صَوْتِهِ وَأَمَّا كَوْنُ الْمُبَلِّغِ مُصَلِّيًا، أَوْ طَاهِرًا فَغَيْرُ شَرْطٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الدَّلَالَةُ عَلَى فِعْلِ الْإِمَامِ حَتَّى يَتْبَعَهُ الْمُقْتَدُونَ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِتَبْلِيغِ الثِّقَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُصَلٍّ وَلَا مُتَطَهِّرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ - هَلْ لِلطَّاعُونِ قُنُوتٌ مَخْصُوصٌ فَتَفَضَّلُوا بِهِ إنْ كَانَ كَانَ وَإِلَّا فَيُجْمَعُ قُنُوتٌ لَهُ، وَهَلْ أَحَدٌ مِنْ الْحُكَمَاءِ ذَكَرَ لَهُ دَوَاءً جُرِّبَ فَنَفَعَ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْقُنُوتِ لِلطَّاعُونِ؛ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْنَتُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُقْنَتُ لَهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَوْنُهُ شَهَادَةً لَا يَمْنَعُ الْقُنُوتَ لَهُ، كَمَا أَنَّ هُجُومَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَقْتَضِي الْقُنُوتَ لَهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْهُمْ شَهِيدًا، عَلَى أَنَّهُ مِنْ النَّوَازِلِ الْعِظَامِ؛ إذْ فِيهِ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَبَقَاءُ الرَّعَاعِ وَالْجَهَلَةِ وَالطَّغَامِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ شَمْلِ الدِّينِ مَا لَا يَخْفَى، فَطُلِبَ صَرْفُهُ لِذَلِكَ؛ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ شَهَادَةً، وَعَلَيْهِ فَلَا قُنُوتَ لَهُ مَخْصُوصٌ، بَلْ يُقْنَتُ فِيهِ بِقُنُوتِ الصُّبْحِ لَكِنْ يَتَعَرَّضُ فِي آخِرِهِ لِسُؤَالِ رَفْعِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ دَعَا بِصَرْفِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَنَقْلِ وَبَائِهَا إلَى الْجُحْفَةِ وَقَدْ ذَكَرَ الْحُكَمَاءُ لَهُ أَدْوِيَةً كَثِيرَةً مِنْ أَعْظَمِهَا شَمُّ الْعَنْبَرِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ الْهَوَاءِ مَا أَمْكَنَ وَاسْتِعْمَالُ الْأَدْوِيَةِ الْقَلِيلَةِ الْكَيْمُوسِ الَّتِي لَا تُورِثُ ثِقَلًا وَلَا تَخْلِيطًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا النَّاسِكُونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لِبَقَاءِ الْإِيمَانِ هَلْ يَنْوِي بِهِمَا بَقَاءَ الْإِيمَانِ مَثَلًا أَوْ مُطْلَقَ فِعْلِ الصَّلَاةِ؟ وَفِيمَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ غَيْرَ سُنَّتِهَا مِنْ صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ وَغَيْرِهَا هَلْ تُضَافُ فِي الْمَغْرِبِ فِي النِّيَّةِ مَثَلًا أَوْ لَا وَكَيْفَ يَنْوِي بِهِ وَفِي سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ أَيَجِبُ تَعْيِينُهَا بِاَلَّتِي قَبْلَهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ، أَوْ لَا؟ إلَّا إذَا أَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ، أَوْ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا وَمَا الرَّاجِحُ وَالْحَرِيُّ بِالِاعْتِمَادِ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِالْوُجُوبِ فَهَلْ يُلْحِقُ بِهَا سُنَّةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْمُتَأَخِّرَةَ، أَوْ لَا؟ وَإِنْ قُلْتُمْ لَا، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الرَّكْعَتَانِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ سُنَّةٌ؛ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ بِنَدْبِ صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ قَالَا: وَتُسَمَّى صَلَاةَ الْغَفْلَةِ لِحَدِيثٍ بِذَلِكَ، وَأَكْمَلُهَا عِشْرُونَ؛ لِخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهَا عِشْرِينَ وَيَقُولُ: هَذِهِ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، فَمَنْ صَلَّاهَا غُفِرَ لَهُ. وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُصَلُّونَهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا دُونَ صَلَاةِ الضُّحَى فِي التَّأْكِيدِ اهـ. وَرُوِيَ فِيهَا أَحَادِيثُ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ، ذَكَرَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْهَا جُمْلَةً، قَالَ جَمْعٌ: وَرُوِيَتْ سِتًّا فَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كُتِبَتْ لَهُ عِبَادَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ لَكِنْ بِزِيَادَةِ «لَا يَتَكَلَّمُ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ» . وَفِي حَدِيثٍ غَرِيبٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَنْدَهْ «غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . وَرُوِيَتْ أَرْبَعًا وَرُوِيَتْ رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا الْأَقَلُّ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ تَيْنِك الرَّكْعَتَيْنِ يُسَمَّيَانِ صَلَاةَ الْغَفْلَةِ وَصَلَاةَ الْأَوَّابِينَ، وَأَمَّا كَوْنُهُمَا لِبَقَاءِ الْإِيمَانِ فَهُوَ لَا أَصْلَ لَهُ؛ إذْ لَمْ نَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ. وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُرِيدَ بِكَوْنِهِمَا لِبَقَاءِ الْإِيمَانِ عَوْدُ بَرَكَتِهِمَا عَلَى مُصَلِّيهِمَا حَتَّى يُحْفَظَ فِي إيمَانِهِ - اُحْتِيجَ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ يُخَصِّصُهُمَا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ بَقِيَّةِ النَّوَافِلِ وَالْفُرُوضِ أَوْ الدُّعَاءَ فِيهِمَا بِخُصُوصِهِمَا بِذَلِكَ، أَوْ الشُّكْرَ بِهِمَا بِخُصُوصِهِمَا عَلَى بَقَائِهِ إلَى

стр. 144

وَقْتِ فِعْلِهِمَا فَهُوَ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، أَوْ إلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ فَذَلِكَ غَيْبٌ لَا يُعْلَمُ فَاتَّضَحَ بُطْلَانُ زَعْمِ أَنَّهُمَا لِبَقَاءِ الْإِيمَانِ، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ صَلَّاهُمَا نَاوِيًا بِهِمَا ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً بَلْ يَنْوِي بِهِمَا سُنَّةَ الْغَفْلَةِ، أَوْ سُنَّةَ صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ فَإِنْ أَطْلَقَ وَقَعَتَا نَافِلَةً مُطْلَقَةً فَلَا يُثَابُ عَلَيْهِمَا إلَّا مِنْ حَيْثُ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ دُونَ خُصُوصِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْحُبَيْشِيِّ الْيَمَانِيِّ أَنَّ تَيْنِك الرَّكْعَتَيْنِ يُفْعَلَانِ لِلْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَذَكَرَ لَهُمَا دُعَاءً فِيهِ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ؛ فَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، وَلَيْسَ الرَّجُلُ بِحُجَّةٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهُ لِخَبَرٍ ضَعِيفٍ فَضْلًا عَنْ صَحِيحٍ بَلْ وَلَا لِأَثَرٍ كَذَلِكَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا شَيْءٌ انْفَرَدَ بِهِ هُوَ؛ إذْ مِثْلُهُ مِمَّنْ لَا يَتَقَيَّدُ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَأَدِلَّتِهِمْ وَإِنَّمَا يَقُولُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ لِقِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الضَّعِيفَةِ فَضْلًا عَنْ الْقَوِيَّةِ، فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُمَا بِنِيَّةِ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِيمَانِ الْآنَ وَلَا إلَى الْمَوْتِ لِمَا قَدَّمْته مَبْسُوطًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ صَلَاةَ الْغَفْلَةِ أَقَلُّهَا وَمَا فَوْقَهُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا كَالْوِتْرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ غَيْرِهَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ رَوَاتِبِهِ؛ فَحِينَئِذٍ لَا تُضَافُ لِلْمَغْرِبِ فَيَنْوِي بِهِمَا سُنَّةَ الْغَفْلَةِ، أَوْ سُنَّةَ صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ، فَإِنْ أَضَافَهَا لِلْمَغْرِبِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ كَمَا لَوْ أَضَافَ الْوِتْرَ لِلْعِشَاءِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَصِحُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ مِنْ الرَّوَاتِبِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ تَقَيُّدِهِ بِوَقْتِ فَرْضٍ هُوَ الْعِشَاءُ لَا بِاعْتِبَارِ إضَافَتِهِ إلَيْهَا، وَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِكَوْنِهَا الْقَبْلِيَّةَ، أَوْ الْبَعْدِيَّةَ سَوَاءٌ أَخَّرَ الْقَبْلِيَّةَ عَنْ الْفَرْضِ أَمْ لَا، وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ كُلُّ رَاتِبَةٍ فِيهَا قَبْلِيَّةٌ وَبَعْدِيَّةٌ؛ كَسُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَسُنَّةِ الْعِشَاءِ. وَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ كَمَا جَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ: وَيَكْفِي سُنَّةُ الظُّهْرِ أَيْ: نِيَّةُ ذَلِكَ فِي رَاتِبَتِهَا الَّتِي قَبْلَهَا، أَوْ الَّتِي بَعْدَهَا، ظَاهِرُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ: كَسُنَّةِ الصُّبْحِ أَوْ الظُّهْرِ، بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي رَاتِبَةِ الظُّهْرِ - وَمِثْلُهَا كُلُّ فَرِيضَةٍ لَهَا رَاتِبَةٌ قَبْلَهَا وَرَاتِبَةٌ بَعْدَهَا - غَيْرُ إضَافَتِهَا إلَى فَرْضِهَا وَهُوَ فَاسِدٌ؛ فَفِي الْمَجْمُوعِ وَفِي الرَّوَاتِبِ تَعَيُّنٌ بِالْإِضَافَةِ فَيَنْوِي سُنَّةَ الصُّبْحِ، أَوْ سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَوْ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ مُطْلَقًا وَتَبِعَهُ السُّبْكِيّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَوَجْهُهُ أَنَّ تَعَيُّنَهُمَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْمِ وَالْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ تُؤَخَّرْ الْمُقَدَّمَةُ، كَمَا يَجِبُ تَعْيِينُ الظُّهْرِ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ بِالْعَصْرِ فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ: لَا وَجْهَ لِاشْتِرَاطِهِ عِنْدَ تَقْدِيمِ الْمُقَدَّمَةِ، لَا فِيهَا وَلَا فِي الْمُؤَخَّرَةِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا اُحْتُمِلَتْ الشَّرْطِيَّةُ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي تَجْرِيدِهِ: الَّذِي يُعْطِيه كَلَامُ الْمَجْمُوعِ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِيهِمَا لَا مَا فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْ: مِنْ الِاشْتِرَاطِ، وَفِي الْمَطْلَبِ مَا يَقْتَضِيه اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ مَعَ تَأَمُّلِ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ الَّتِي ذَكَرْتهَا، انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَبِهَا يُعْلَمُ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْمَنْقُولَ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الَّتِي قَبْلَهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا مُطْلَقًا، أَمَّا إذَا أُخِّرَتْ الْمُقَدَّمَةُ فَوَاضِحٌ؛ لِلِاشْتِبَاهِ الظَّاهِرِ حِينَئِذٍ فِي الِاسْمِ وَالْوَقْتِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُؤَخَّرْ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنِّيَّةِ التَّمْيِيزُ، وَعِنْدَ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ إلَّا بِالْوَصْفِ، فَسُنَّةُ الظُّهْرِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ فَلَا مُمَيِّزَ لِبَعْضِ مَا قَدْ فَاتَهُ عَنْ بَعْضٍ إلَّا بِنَحْوِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَوْ الَّتِي بَعْدَهَا، فَإِنْ قُلْت الَّتِي بَعْدَهَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا إلَى الْآنَ فَكَيْفَ اُحْتِيجَ إلَى تَمْيِيزِهَا؟ قُلْت: قَدْ عَلِمْت أَنَّ سَبَبَ التَّمْيِيزِ الِاشْتِرَاكُ الْوَاقِعُ فِيهَا وَهَذَا حَاصِلٌ سَوَاءٌ قُدِّمَتْ أَوْ أُخِّرَتْ، وَكَوْنُ الْخَارِجِ يُخَصِّصُ النِّيَّةَ بِالْمُقَدَّمَةِ لِعَدَمِ دُخُولِ الْمُؤَخَّرَةِ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَرِينَةٌ خَارِجِيَّةٌ وَالْقَرَائِنُ الْخَارِجِيَّةُ لَا تُخَصَّصُ، سِيَّمَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَنَاطَ النِّيَّةِ الْقَلْبُ، وَلَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِالْقَرِينَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا التَّعْيِينَ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا، وَقَالُوا: لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِالْعَصْرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ بَلْ لَمْ يَكْتَفُوا عَنْ تَعْيِينِهِ بِصَلَاةِ الْوَقْتِ لِصِدْقِهِ بِفَائِتَةٍ تَذَكَّرَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً، أَوْ لَيْسَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَا يَعْتَدُّونَ فِي النِّيَّاتِ بِالْقَرَائِنِ الْخَارِجِيَّةِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إلَى إمْكَانِ الِالْتِبَاسِ بِاعْتِبَارِ صِدْقِ

стр. 145

الِاسْمِ وَإِنْ شَهِدَ الْوَاقِعُ بِخِلَافِهِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ التَّعَقُّبَاتِ: إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ وَضْعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - فَلَا بُدَّ مِنْ الطُّمَأْنِينَةِ بِهَا؛ كَالْجَبْهَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَضَعَهَا حَالَةَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ حَتَّى لَوْ وَضَعَهَا، ثُمَّ رَفَعَهَا، ثُمَّ وَضَعَ الْجَبْهَةَ، أَوْ عَكَسَ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ تَابِعَةٌ لِلْجَبْهَةِ، وَإِذَا رَفَعَ الْجَبْهَةَ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْعُ الْكَفَّيْنِ أَيْضًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا تَسْجُدُ الْجَبْهَةُ، فَإِذَا سَجَدْتُمْ فَضَعُوهُمَا، وَإِذَا رَفَعْتُمْ فَارْفَعُوهُمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ ﵁ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ اهـ. فَصَرَّحَ بِوُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ بِهَا وَبِوُجُوبِ رَفْعِ الْكَفَّيْنِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ، فَهَلْ خَالَفَ غَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، أَوْ خَصَّصَ كَلَامَهُمْ بِمَا ذَكَرَهُ، وَمَا الرَّاجِحُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي وَضْعِ غَيْرِ الْجَبْهَةِ قِيَاسًا عَلَى الْجَبْهَةِ فَظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ: هَلْ يَجِبُ التَّحَامُلُ عَلَيْهَا كَمَا يَجِبُ عَلَى الْجَبْهَةِ، أَوْ لَا يَجِبُ بَلْ يُسَنُّ وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا: الْأَوَّلُ، وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا؛ حَيْثُ جَعَلَا الِاعْتِمَادَ عَلَى بَطْنِ الْقَدَمَيْنِ مِنْ الْأَكْمَلِ، وَاعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ: إنَّ تَعْبِيرَهُمْ بِالْوَضْعِ يُفْهِمُهُ هُوَ الثَّانِي، وَجَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ وَأَطَلْت فِي الِانْتِصَارِ لَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ وَضْعِهَا حَالَةَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ ظَاهِرٌ أَيْضًا كَمَا جَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَعِبَارَتُهُ: وَتَجِبُ مُقَارَنَةُ وَضْعِهَا لِوَضْعِ الْجَبْهَةِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا فَلَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْهَا، أَوْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا لَمْ يَكْفِ، كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْعِمَادِ. بَلْ يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِهَا كُلِّهَا مَعَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَلَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا، أَوْ عَكَسَ وَالْجَبْهَةُ مَوْضُوعَةٌ فِي الْجَمِيعِ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَاجِدًا إلَّا إذَا اجْتَمَعَ وَضْعُ السِّتَّةِ مَعَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ، انْتَهَتْ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ رَفْعِ الْكَفَّيْنِ ضَعِيفٌ، وَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ: وَلَوْ وَضَعَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ حَوْلَهُ فَكَإِرْسَالِهِمَا قَائِمًا، فَإِنْ أَمِنَ الْعَبَثَ بِهِمَا لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَ، نَظِيرُ مَا مَرَّ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يَجِبُ رَفْعُهُمَا وَوَضْعُهُمَا ثَانِيًا، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ بَلْ كَلَامُ الْأَصْحَابِ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَخَبَرُ أَبِي دَاوُد أَنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا - مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِهِمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا فِي حَالِ السُّجُودِ عَلَى مَا هُوَ السُّنَّةُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَا بِإِزَاءِ مَنْكِبَيْهِ؛ إذْ يَتَعَذَّرُ بَقَاؤُهُمَا عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ مَعَ اسْتِوَاءِ جُلُوسِهِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّا لَوْ رَفَعَ الْمُسَبِّحَةَ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ: إلَّا اللَّهُ، فَهَلْ يُسْتَحَبُّ رَفْعُهَا إلَى تَمَامِ الصَّلَاةِ مَثَلًا أَوْ لَا وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ نَصِّ الْمَقْدِسِيِّ أَنَّهُ إذَا رَفَعَ الْمُسَبِّحَةَ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ: إلَّا اللَّهُ يُقِيمُهَا وَلَا يَضَعُهَا. وَقَالَ الْجَوْجَرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ يُعِيدُهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَصْرِيحٌ، فَهَلْ الْأَوْلَى بِالْعَمَلِ قَوْلُ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيِّ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ ﵀، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ: قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كَافِيهِ أَنَّهُ يُقِيمُهَا وَلَا يَضَعُهَا وَلَا يُحَرِّكُهَا اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي بَقَائِهَا مَرْفُوعَةً إلَى السَّلَامِ. وَقَوْلُ جَمْعٍ مُتَأَخِّرَيْنِ: لَمْ نَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعِيدُهَا. بَحْثٌ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ كَمَا عَلِمْت، وَإِنْ تَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، انْتَهَتْ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَمَّنْ رَاءَى بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ؛ وَهُوَ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى مَعَ النِّيَّةِ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ظَاهِرًا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ النِّيَّةَ حَيْثُ كَانَتْ جَازِمَةً مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا الْمُقَرَّرَةِ فِي مَحَلِّهَا، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ مُنْعَقِدَةٌ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ قَارَنَ ذَلِكَ قَصْدٌ دُنْيَوِيٌّ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَئِمَّتُنَا: لَوْ قِيلَ لَهُ: صَلِّ وَلَك دِينَارٌ، فَصَلَّى بِذَلِكَ الْقَصْدِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ. وَقَالُوا أَيْضًا لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا عَنْ غَرِيمٍ يُطَالِبُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ. وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الثَّوَابِ وَقَدْ حَرَّرْت الْكَلَامَ فِيهِ فِي أَوَائِلِ حَاشِيَةِ إيضَاحِ النَّوَوِيِّ فَانْظُرْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا بَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَلَا أَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ مَا جَمَعْته مَعَ
следующие страницы →