← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

النَّبِيِّ ﷺ «أَنْ لَا يَدْخُلَ الطَّاعُونُ مَدِينَتَهُ الشَّرِيفَةَ» قَالُوا: وَمِنْ حِكَمِهِ؛ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ فَلَوْ دَخَلَهَا لَرُبَّمَا أَفْنَى أَهْلَهَا؛ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ لِلْمُسْلِمِ إلَّا مِنْ كَفَرَةِ الْجِنِّ، وَرِوَايَةُ (فَإِنَّهُ طَعْنُ إخْوَانِكُمْ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا أُخُوَّةَ الدِّينِ، عَلَى أَنَّ فِيهَا مَقَالًا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا «قَوْلُهُ: ﷺ مَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ إلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ الطَّعْنُ» فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً، أَوْ يُقَالُ: كَوْنُهُ شَهَادَةً مَحْضَةً إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُمَّلِ الَّذِينَ حُفِظُوا مِنْ الْمُخَالَفَاتِ، وَأَدَامُوا الطَّاعَاتِ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَمَّنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بِكَسْرِ اللَّامِ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ غَيَّرَ الْمَعْنَى؛ إذْ الْعَالَمِينَ بِفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ عَالَمٍ؛ وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَبِكَسْرِهَا جَمْعُ عَالِمٍ، وَهُوَ مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَةُ الْعِلْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى مِنْ أَصْلِهِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ، وَأَيْضًا فَذَلِكَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ يُفْهِمُ مَا حَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَأَوْلَى غَيْرُهُمْ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ - الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الْمَعْنَى لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ - فِيمَا يَظْهَرُ - رَفْعَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْ أَصْلِهِ؛ بَلْ أَنْ يَصِيرَ وَضْعُ الْكَلِمَةِ لَا يُفْهِمُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بِتَمَامِهِ، كَمَا هُنَا. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِمَا لَفْظُهُ: حَيْثُ لَا يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَفَرَغَ مِنْ فَاتِحَتِهِ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ، فَهَلْ يَسْكُتُ، أَوْ يَقْرَأُ، أَوْ يَشْتَغِلُ بِذِكْرٍ وَهَلْ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَهُ، يَسْكُتُ، أَوْ يَشْتَغِلُ بِبَقِيَّةِ التَّشَهُّدِ مَعَ الدُّعَاءِ بَعْدَهُ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا فَرَغَ مِنْ فَاتِحَتِهِ وَلَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ؛ كَأَنْ بَعُدَ عَنْهُ أَوْ سَمِعَ صَوْتًا لَا يَفْهَمُهُ؛ أَوْ كَانَ فِي سِرِّيَّةٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، سُنَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ، أَوْ يَدْعُوَ، وَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَحَلُّهَا، وَلَا يَسْكُتُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا سُكُوتَ فِيهَا إلَّا فِي مَوَاضِعَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا. وَكَذَا إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَ إمَامِهِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعَاءِ لَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ؛ لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَقْلَ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ عَلَى قَوْلٍ وَهُوَ مُبْطِلٌ عَلَى قَوْلٍ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ: إذَا قَامَ الْإِمَامُ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ الْمَأْمُومُ مِنْهُ فَهَلْ يُتَابِعُ الْإِمَامَ أَوْ يُتِمُّهُ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْمُتَابَعَةِ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ يُتِمُّهُ فَفَرَغَ مِنْهُ وَقَامَ، فَهَلْ يَكُونُ كَالْمَسْبُوقِ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَأَتَمَّ فَاتِحَتَهُ، فَهَلْ لَهُ حُكْمُ التَّخَلُّفِ بِعُذْرٍ، أَوْ مَا الْحُكْمُ فِيهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ قَدْ كَثُرَ كَلَامُهُمْ وَاضْطِرَابُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقِيَاسُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ تَرَكَ إمَامُهُ الْقُنُوتَ حَيْثُ قَالُوا: يُسَنُّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ إنْ كَانَ أَدْرَكَهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَفِي الْمَسْبُوقِ حَيْثُ قَالُوا: يُسَنُّ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ إنْ كَانَ ظَنَّ إدْرَاكَ الْفَاتِحَةِ لَوْ أَكْمَلَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْمِلْ الْمَأْمُومُ السُّورَةَ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بَعْضًا، بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ. وَالْمَحْذُورُ إنَّمَا هُوَ التَّخَلُّفُ لِلْإِتْيَانِ بِهِ لَا إتْمَامُهُ، وَإِذَا تَخَلَّفَ لِإِتْمَامِهِ وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَمَسْبُوقٍ اشْتَغَلَ بِنَحْوِ الِافْتِتَاحِ فَرَكَعَ إمَامُهُ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَلَّفَ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَ، فَإِذَا قَرَأَ بِقَدْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَكَعَ مَعَهُ، وَكَانَ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَإِلَّا فَهَلْ يَكُونُ كَالْمُوَافِقِ يَجْرِي عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ، أَوْ يُتَابِعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَالْبَغَوِيِّ الْأَوَّلُ، وَمَشَى عَلَيْهِ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَإِنْ مَشَى جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَتَبِعَهُمْ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ عَلَى الثَّانِي. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - هَلْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ عَدَمُ الْوُجُوبِ، بَلْ قَوْلُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي: أَنَّ مُوَالَاةَ التَّشَهُّدِ وَاجِبَةٌ كَالْفَاتِحَةِ فِيهِ وَقْفَةٌ لَكِنَّهُمْ اعْتَمَدُوهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ الظُّهْرِ مَثَلًا ثُمَّ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ أَوْ مُعَادَةً بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّرَدُّدَ إنْ كَانَ بَيْنَ مُبْطِلَيْنِ، أَوْ مُبْطِلٍ وَمُصَحِّحٍ يَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ طُولِ الزَّمَنِ وَمُضِيِّ رُكْنٍ وَضِدِّهِمَا، وَهُوَ

стр. 142

مَشْهُورٌ كَالشَّكِّ؛ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ؛، أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ صَحِيحَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ؛ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ نَوَاهَا مَثَلًا أَوْ الْعَصْرَ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ نَوَى الْعَصْرَ لَمْ يُؤَثِّرْ شَكُّهُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ طَالَ زَمَنُهُ وَفَعَلَ مَعَهُ أَرْكَانًا، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمُعَادَةُ لِلِاحْتِيَاطِ: تَارَةً تَكُونُ بَاطِلَةً؛ بِأَنْ يَقْصِدَ بِهَا مُجَرَّدَ الِاحْتِيَاطِ وَلَا جَمَاعَةَ يُعِيدُ مَعَهُمْ، فَهَذِهِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ طَلَبِ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا صَلَاةً - بُطْلَانُ فِعْلِهَا؛ وَتَارَةً تَكُونُ صَحِيحَةً بِأَنْ جَرَى فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى قَوْلٌ بِالْبُطْلَانِ، فَيُسَنُّ لَهُ إعَادَتُهَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ. وَالْمُعَادَةُ مَعَ جَمَاعَةٍ: تَارَةً تَكُونُ صَحِيحَةً؛ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْفَرْضَ؛ أَيْ: صُورَةً، أَوْ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْجُمْلَةِ؛ وَتَارَةً تَكُونُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهَا صَلَاةَ الْوَقْتِ فَإِذَا أَعَادَ مَعَ جَمَاعَةٍ وَتَرَدَّدَ بَيْنَ نِيَّتِهِ الْفَرْضَ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ، وَنِيَّتِهِ صَلَاةَ الْوَقْتِ، فَهَذَا تَرَدُّدٌ بَيْنَ صَحِيحٍ وَبَاطِلٍ عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ. وَبَيْنَ صَحِيحَيْنِ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا يَضُرُّ مُطْلَقًا وَإِذَا أَعَادَ وَحْدَهُ وَتَرَدَّدَ هَلْ إعَادَتُهُ لِأَجْلِ جَرَيَانِ قَوْلٍ بِبُطْلَانٍ، أَوْ لَا، أَوْ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِيَاط مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ قَوْلٍ كَذَلِكَ يَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ صَحِيحٍ وَبَاطِلٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قُنُوتِ النَّازِلَةِ هَلْ وَرَدَ فِيهِ أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ مَثَلًا أَوْ لَا وَهَلْ يُقْرَأُ مَعَهُ قُنُوتُ الصُّبْحِ؟ وَهَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ قُنُوتُ الصُّبْحِ مَثَلًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي وَرَدَ فِي ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَدْعُو عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ الْقُرَّاءِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ» ، وَيُقَاسُ بِالْعَدُوِّ غَيْرُهُ. وَالْقَوْلُ بِمَنْعِ الْقُنُوتِ لَهَا، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَفِيهِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ: لَمْ يَقُلْ بِهِ فِيهَا غَيْرُ الشَّافِعِيِّ - غَلَطٌ مِنْهُ بَلْ قَنَتَ عَلِيٌّ ﵁ فِي الْمَغْرِبِ بِصِفِّينَ اهـ. وَصَرَّحَ أَئِمَّتُنَا بِأَنَّ لَفْظَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَالنَّازِلَةِ وَالْوِتْرِ فِي نِصْفِ رَمَضَانَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت. .... إلَخْ (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ تَعَلَّمَ الْفَاتِحَةَ وَفِي حَرْفٍ مِنْهَا خَلَلٌ؛ لِثِقَلٍ فِي اللِّسَانِ هَلْ تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ أَوْ لَا وَهَلْ يَجِبُ التَّعَلُّمُ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ أَوْ لَا وَهَلْ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إذَا لَمْ يَكْمُلْ الْعَدَدُ إلَّا بِهِ مَثَلًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَلَلُ نَحْوَ فَأْفَأَةٍ بِأَنْ صَارَ يُكَرِّرُ الْحَرْفَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ، لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَتَكْمُلُ الْجُمُعَةُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ. وَإِنْ كَانَ لُثْغَةً؛ فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْحَرْفُ صَافِيًا وَإِنَّمَا فِيهِ شَوْبُ اشْتِبَاهٍ بِغَيْرِهِ فَهَذَا أَيْضًا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ وَتَكْمُلُ الْجُمُعَةُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ؛ وَإِنْ كَانَ لُثْغَةً حَقِيقِيَّةً؛ بِأَنْ كَانَ يُبْدِلُ الْحَرْفَ بِغَيْرِهِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ لَا الْقُدْوَةُ بِهِ، إلَّا لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ؛ بِأَنْ اتَّفَقَا فِي الْحَرْفِ الْمُبْدَلِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَدَلِ؛ فَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُبْدِلُ الرَّاءَ لَكِنَّ أَحَدَهُمَا يُبْدِلُهَا لَامًا وَالْآخَرُ عَيْنًا صَحَّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُبْدِلُ الرَّاءَ وَالْآخَرُ يُبْدِلُ السِّينَ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. هَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا فِيهَا فَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْعُبَابِ وَشَرْحِي لَهُ، وَعِبَارَتُهُمَا: لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعُونَ أُمِّيًّا فَقَطْ وَاتَّفَقُوا أُمِّيَّةً بِحَيْثُ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ قَالَ الْبَغَوِيّ وَأَقَرَّهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُمْ الْجُمُعَةُ؛ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ،، أَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعُونَ وَبَعْضُهُمْ - وَلَوْ وَاحِدًا - أُمِّيٌّ وَقَدْ قَصَّرَ فِي التَّعَلُّمِ كَمَا تُفْهِمُهُ الْعِلَّةُ الْآتِيَةُ، فَلَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ لِارْتِبَاطِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَأَشْبَهَ اقْتِدَاءَ قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ، أَمَّا إذَا لَمْ يُقَصِّرْ الْأُمِّيُّ فِي التَّعَلُّمِ فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا، وَكَذَا لَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ إذَا اخْتَلَفُوا أُمِّيَّةً؛ كَأَنْ عَرَفَ بَعْضٌ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْضٌ آخِرَهَا؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، كَمَا عُرِفَ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ. قَالَ الْبَغَوِيّ أَيْضًا: وَلَوْ جَهِلُوا كُلُّهُمْ الْخُطْبَةَ لَمْ تَجُزْ الْجُمُعَةُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا جَهِلَهَا بَعْضُهُمْ، وَمُرَادُهُ بِجَوَازِهَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي مَا يَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ؛ فَإِنَّهُ إذَا عَرَفَهَا وَاحِدٌ مِنْ الْأُمِّيِّينَ الْمُسْتَوِينَ لَزِمَتْهُمْ كَمَا مَرَّ عَنْهُ، ثُمَّ رَأَيْته صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ: لَوْ أَحْسَنَ الْخُطْبَةَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَيْ: وَقَدْ اتَّفَقُوا أُمِّيَّةً كَمَا تَقَرَّرَ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْجُمُعَةِ

стр. 143

فَجَازَ لَهُمْ إقَامَتُهَا بَلْ وَجَبَ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ. وَمَنْ كَانَ بِلِسَانِهِ خَلَلٌ فِي الْفَاتِحَةِ مَثَلًا فَمَتَى رُجِيَ زَوَالُهُ عَادَةً لِتَعَلُّمٍ لَزِمَهُ - وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ - وَمَتَى لَمْ يَرْجُهُ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُبَلِّغِ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً مُصَلِّيًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، يُشْتَرَطُ فِي الْمُبَلِّغِ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَكَذَا الْإِمَامُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى مُجَرَّدِ صَوْتِهِ، إلَّا إنْ كَانَ ثِقَةً، وَكَذَلِكَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى صَوْتِهِ إلَّا إنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِنْ صَحَّ أَذَانُ الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ شَيْئَانِ؛ إظْهَارُ الشِّعَارِ؛ وَالْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ. وَالْأَوَّلُ مَوْجُودٌ فِي أَذَانِ الْفَاسِقِ؛ وَلِذَلِكَ صَحَّ أَذَانُهُ، وَالثَّانِي غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ اعْتِمَادُ صَوْتِهِ وَأَمَّا كَوْنُ الْمُبَلِّغِ مُصَلِّيًا، أَوْ طَاهِرًا فَغَيْرُ شَرْطٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الدَّلَالَةُ عَلَى فِعْلِ الْإِمَامِ حَتَّى يَتْبَعَهُ الْمُقْتَدُونَ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِتَبْلِيغِ الثِّقَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُصَلٍّ وَلَا مُتَطَهِّرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ - هَلْ لِلطَّاعُونِ قُنُوتٌ مَخْصُوصٌ فَتَفَضَّلُوا بِهِ إنْ كَانَ كَانَ وَإِلَّا فَيُجْمَعُ قُنُوتٌ لَهُ، وَهَلْ أَحَدٌ مِنْ الْحُكَمَاءِ ذَكَرَ لَهُ دَوَاءً جُرِّبَ فَنَفَعَ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْقُنُوتِ لِلطَّاعُونِ؛ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْنَتُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُقْنَتُ لَهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَوْنُهُ شَهَادَةً لَا يَمْنَعُ الْقُنُوتَ لَهُ، كَمَا أَنَّ هُجُومَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَقْتَضِي الْقُنُوتَ لَهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْهُمْ شَهِيدًا، عَلَى أَنَّهُ مِنْ النَّوَازِلِ الْعِظَامِ؛ إذْ فِيهِ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَبَقَاءُ الرَّعَاعِ وَالْجَهَلَةِ وَالطَّغَامِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ شَمْلِ الدِّينِ مَا لَا يَخْفَى، فَطُلِبَ صَرْفُهُ لِذَلِكَ؛ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ شَهَادَةً، وَعَلَيْهِ فَلَا قُنُوتَ لَهُ مَخْصُوصٌ، بَلْ يُقْنَتُ فِيهِ بِقُنُوتِ الصُّبْحِ لَكِنْ يَتَعَرَّضُ فِي آخِرِهِ لِسُؤَالِ رَفْعِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ دَعَا بِصَرْفِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَنَقْلِ وَبَائِهَا إلَى الْجُحْفَةِ وَقَدْ ذَكَرَ الْحُكَمَاءُ لَهُ أَدْوِيَةً كَثِيرَةً مِنْ أَعْظَمِهَا شَمُّ الْعَنْبَرِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ الْهَوَاءِ مَا أَمْكَنَ وَاسْتِعْمَالُ الْأَدْوِيَةِ الْقَلِيلَةِ الْكَيْمُوسِ الَّتِي لَا تُورِثُ ثِقَلًا وَلَا تَخْلِيطًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا النَّاسِكُونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لِبَقَاءِ الْإِيمَانِ هَلْ يَنْوِي بِهِمَا بَقَاءَ الْإِيمَانِ مَثَلًا أَوْ مُطْلَقَ فِعْلِ الصَّلَاةِ؟ وَفِيمَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ غَيْرَ سُنَّتِهَا مِنْ صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ وَغَيْرِهَا هَلْ تُضَافُ فِي الْمَغْرِبِ فِي النِّيَّةِ مَثَلًا أَوْ لَا وَكَيْفَ يَنْوِي بِهِ وَفِي سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ أَيَجِبُ تَعْيِينُهَا بِاَلَّتِي قَبْلَهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ، أَوْ لَا؟ إلَّا إذَا أَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ، أَوْ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا وَمَا الرَّاجِحُ وَالْحَرِيُّ بِالِاعْتِمَادِ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِالْوُجُوبِ فَهَلْ يُلْحِقُ بِهَا سُنَّةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْمُتَأَخِّرَةَ، أَوْ لَا؟ وَإِنْ قُلْتُمْ لَا، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الرَّكْعَتَانِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ سُنَّةٌ؛ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ بِنَدْبِ صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ قَالَا: وَتُسَمَّى صَلَاةَ الْغَفْلَةِ لِحَدِيثٍ بِذَلِكَ، وَأَكْمَلُهَا عِشْرُونَ؛ لِخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهَا عِشْرِينَ وَيَقُولُ: هَذِهِ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، فَمَنْ صَلَّاهَا غُفِرَ لَهُ. وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُصَلُّونَهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا دُونَ صَلَاةِ الضُّحَى فِي التَّأْكِيدِ اهـ. وَرُوِيَ فِيهَا أَحَادِيثُ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ، ذَكَرَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْهَا جُمْلَةً، قَالَ جَمْعٌ: وَرُوِيَتْ سِتًّا فَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كُتِبَتْ لَهُ عِبَادَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ لَكِنْ بِزِيَادَةِ «لَا يَتَكَلَّمُ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ» . وَفِي حَدِيثٍ غَرِيبٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَنْدَهْ «غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . وَرُوِيَتْ أَرْبَعًا وَرُوِيَتْ رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا الْأَقَلُّ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ تَيْنِك الرَّكْعَتَيْنِ يُسَمَّيَانِ صَلَاةَ الْغَفْلَةِ وَصَلَاةَ الْأَوَّابِينَ، وَأَمَّا كَوْنُهُمَا لِبَقَاءِ الْإِيمَانِ فَهُوَ لَا أَصْلَ لَهُ؛ إذْ لَمْ نَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ. وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُرِيدَ بِكَوْنِهِمَا لِبَقَاءِ الْإِيمَانِ عَوْدُ بَرَكَتِهِمَا عَلَى مُصَلِّيهِمَا حَتَّى يُحْفَظَ فِي إيمَانِهِ - اُحْتِيجَ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ يُخَصِّصُهُمَا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ بَقِيَّةِ النَّوَافِلِ وَالْفُرُوضِ أَوْ الدُّعَاءَ فِيهِمَا بِخُصُوصِهِمَا بِذَلِكَ، أَوْ الشُّكْرَ بِهِمَا بِخُصُوصِهِمَا عَلَى بَقَائِهِ إلَى

стр. 144

وَقْتِ فِعْلِهِمَا فَهُوَ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، أَوْ إلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ فَذَلِكَ غَيْبٌ لَا يُعْلَمُ فَاتَّضَحَ بُطْلَانُ زَعْمِ أَنَّهُمَا لِبَقَاءِ الْإِيمَانِ، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ صَلَّاهُمَا نَاوِيًا بِهِمَا ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً بَلْ يَنْوِي بِهِمَا سُنَّةَ الْغَفْلَةِ، أَوْ سُنَّةَ صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ فَإِنْ أَطْلَقَ وَقَعَتَا نَافِلَةً مُطْلَقَةً فَلَا يُثَابُ عَلَيْهِمَا إلَّا مِنْ حَيْثُ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ دُونَ خُصُوصِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْحُبَيْشِيِّ الْيَمَانِيِّ أَنَّ تَيْنِك الرَّكْعَتَيْنِ يُفْعَلَانِ لِلْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَذَكَرَ لَهُمَا دُعَاءً فِيهِ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ؛ فَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، وَلَيْسَ الرَّجُلُ بِحُجَّةٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهُ لِخَبَرٍ ضَعِيفٍ فَضْلًا عَنْ صَحِيحٍ بَلْ وَلَا لِأَثَرٍ كَذَلِكَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا شَيْءٌ انْفَرَدَ بِهِ هُوَ؛ إذْ مِثْلُهُ مِمَّنْ لَا يَتَقَيَّدُ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَأَدِلَّتِهِمْ وَإِنَّمَا يَقُولُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ لِقِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الضَّعِيفَةِ فَضْلًا عَنْ الْقَوِيَّةِ، فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُمَا بِنِيَّةِ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِيمَانِ الْآنَ وَلَا إلَى الْمَوْتِ لِمَا قَدَّمْته مَبْسُوطًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ صَلَاةَ الْغَفْلَةِ أَقَلُّهَا وَمَا فَوْقَهُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا كَالْوِتْرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ غَيْرِهَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ رَوَاتِبِهِ؛ فَحِينَئِذٍ لَا تُضَافُ لِلْمَغْرِبِ فَيَنْوِي بِهِمَا سُنَّةَ الْغَفْلَةِ، أَوْ سُنَّةَ صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ، فَإِنْ أَضَافَهَا لِلْمَغْرِبِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ كَمَا لَوْ أَضَافَ الْوِتْرَ لِلْعِشَاءِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَصِحُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ مِنْ الرَّوَاتِبِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ تَقَيُّدِهِ بِوَقْتِ فَرْضٍ هُوَ الْعِشَاءُ لَا بِاعْتِبَارِ إضَافَتِهِ إلَيْهَا، وَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِكَوْنِهَا الْقَبْلِيَّةَ، أَوْ الْبَعْدِيَّةَ سَوَاءٌ أَخَّرَ الْقَبْلِيَّةَ عَنْ الْفَرْضِ أَمْ لَا، وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ كُلُّ رَاتِبَةٍ فِيهَا قَبْلِيَّةٌ وَبَعْدِيَّةٌ؛ كَسُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَسُنَّةِ الْعِشَاءِ. وَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ كَمَا جَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ: وَيَكْفِي سُنَّةُ الظُّهْرِ أَيْ: نِيَّةُ ذَلِكَ فِي رَاتِبَتِهَا الَّتِي قَبْلَهَا، أَوْ الَّتِي بَعْدَهَا، ظَاهِرُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ: كَسُنَّةِ الصُّبْحِ أَوْ الظُّهْرِ، بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي رَاتِبَةِ الظُّهْرِ - وَمِثْلُهَا كُلُّ فَرِيضَةٍ لَهَا رَاتِبَةٌ قَبْلَهَا وَرَاتِبَةٌ بَعْدَهَا - غَيْرُ إضَافَتِهَا إلَى فَرْضِهَا وَهُوَ فَاسِدٌ؛ فَفِي الْمَجْمُوعِ وَفِي الرَّوَاتِبِ تَعَيُّنٌ بِالْإِضَافَةِ فَيَنْوِي سُنَّةَ الصُّبْحِ، أَوْ سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَوْ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ مُطْلَقًا وَتَبِعَهُ السُّبْكِيّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَوَجْهُهُ أَنَّ تَعَيُّنَهُمَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْمِ وَالْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ تُؤَخَّرْ الْمُقَدَّمَةُ، كَمَا يَجِبُ تَعْيِينُ الظُّهْرِ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ بِالْعَصْرِ فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ: لَا وَجْهَ لِاشْتِرَاطِهِ عِنْدَ تَقْدِيمِ الْمُقَدَّمَةِ، لَا فِيهَا وَلَا فِي الْمُؤَخَّرَةِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا اُحْتُمِلَتْ الشَّرْطِيَّةُ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي تَجْرِيدِهِ: الَّذِي يُعْطِيه كَلَامُ الْمَجْمُوعِ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِيهِمَا لَا مَا فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْ: مِنْ الِاشْتِرَاطِ، وَفِي الْمَطْلَبِ مَا يَقْتَضِيه اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ مَعَ تَأَمُّلِ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ الَّتِي ذَكَرْتهَا، انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَبِهَا يُعْلَمُ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْمَنْقُولَ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الَّتِي قَبْلَهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا مُطْلَقًا، أَمَّا إذَا أُخِّرَتْ الْمُقَدَّمَةُ فَوَاضِحٌ؛ لِلِاشْتِبَاهِ الظَّاهِرِ حِينَئِذٍ فِي الِاسْمِ وَالْوَقْتِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُؤَخَّرْ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنِّيَّةِ التَّمْيِيزُ، وَعِنْدَ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ إلَّا بِالْوَصْفِ، فَسُنَّةُ الظُّهْرِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ فَلَا مُمَيِّزَ لِبَعْضِ مَا قَدْ فَاتَهُ عَنْ بَعْضٍ إلَّا بِنَحْوِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَوْ الَّتِي بَعْدَهَا، فَإِنْ قُلْت الَّتِي بَعْدَهَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا إلَى الْآنَ فَكَيْفَ اُحْتِيجَ إلَى تَمْيِيزِهَا؟ قُلْت: قَدْ عَلِمْت أَنَّ سَبَبَ التَّمْيِيزِ الِاشْتِرَاكُ الْوَاقِعُ فِيهَا وَهَذَا حَاصِلٌ سَوَاءٌ قُدِّمَتْ أَوْ أُخِّرَتْ، وَكَوْنُ الْخَارِجِ يُخَصِّصُ النِّيَّةَ بِالْمُقَدَّمَةِ لِعَدَمِ دُخُولِ الْمُؤَخَّرَةِ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَرِينَةٌ خَارِجِيَّةٌ وَالْقَرَائِنُ الْخَارِجِيَّةُ لَا تُخَصَّصُ، سِيَّمَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَنَاطَ النِّيَّةِ الْقَلْبُ، وَلَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِالْقَرِينَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا التَّعْيِينَ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا، وَقَالُوا: لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِالْعَصْرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ بَلْ لَمْ يَكْتَفُوا عَنْ تَعْيِينِهِ بِصَلَاةِ الْوَقْتِ لِصِدْقِهِ بِفَائِتَةٍ تَذَكَّرَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً، أَوْ لَيْسَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَا يَعْتَدُّونَ فِي النِّيَّاتِ بِالْقَرَائِنِ الْخَارِجِيَّةِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إلَى إمْكَانِ الِالْتِبَاسِ بِاعْتِبَارِ صِدْقِ

стр. 145

الِاسْمِ وَإِنْ شَهِدَ الْوَاقِعُ بِخِلَافِهِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ التَّعَقُّبَاتِ: إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ وَضْعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - فَلَا بُدَّ مِنْ الطُّمَأْنِينَةِ بِهَا؛ كَالْجَبْهَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَضَعَهَا حَالَةَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ حَتَّى لَوْ وَضَعَهَا، ثُمَّ رَفَعَهَا، ثُمَّ وَضَعَ الْجَبْهَةَ، أَوْ عَكَسَ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ تَابِعَةٌ لِلْجَبْهَةِ، وَإِذَا رَفَعَ الْجَبْهَةَ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْعُ الْكَفَّيْنِ أَيْضًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا تَسْجُدُ الْجَبْهَةُ، فَإِذَا سَجَدْتُمْ فَضَعُوهُمَا، وَإِذَا رَفَعْتُمْ فَارْفَعُوهُمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ ﵁ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ اهـ. فَصَرَّحَ بِوُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ بِهَا وَبِوُجُوبِ رَفْعِ الْكَفَّيْنِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ، فَهَلْ خَالَفَ غَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، أَوْ خَصَّصَ كَلَامَهُمْ بِمَا ذَكَرَهُ، وَمَا الرَّاجِحُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي وَضْعِ غَيْرِ الْجَبْهَةِ قِيَاسًا عَلَى الْجَبْهَةِ فَظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ: هَلْ يَجِبُ التَّحَامُلُ عَلَيْهَا كَمَا يَجِبُ عَلَى الْجَبْهَةِ، أَوْ لَا يَجِبُ بَلْ يُسَنُّ وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا: الْأَوَّلُ، وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا؛ حَيْثُ جَعَلَا الِاعْتِمَادَ عَلَى بَطْنِ الْقَدَمَيْنِ مِنْ الْأَكْمَلِ، وَاعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ: إنَّ تَعْبِيرَهُمْ بِالْوَضْعِ يُفْهِمُهُ هُوَ الثَّانِي، وَجَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ وَأَطَلْت فِي الِانْتِصَارِ لَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ وَضْعِهَا حَالَةَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ ظَاهِرٌ أَيْضًا كَمَا جَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَعِبَارَتُهُ: وَتَجِبُ مُقَارَنَةُ وَضْعِهَا لِوَضْعِ الْجَبْهَةِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا فَلَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْهَا، أَوْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا لَمْ يَكْفِ، كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْعِمَادِ. بَلْ يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِهَا كُلِّهَا مَعَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَلَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا، أَوْ عَكَسَ وَالْجَبْهَةُ مَوْضُوعَةٌ فِي الْجَمِيعِ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَاجِدًا إلَّا إذَا اجْتَمَعَ وَضْعُ السِّتَّةِ مَعَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ، انْتَهَتْ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ رَفْعِ الْكَفَّيْنِ ضَعِيفٌ، وَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ: وَلَوْ وَضَعَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ حَوْلَهُ فَكَإِرْسَالِهِمَا قَائِمًا، فَإِنْ أَمِنَ الْعَبَثَ بِهِمَا لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَ، نَظِيرُ مَا مَرَّ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يَجِبُ رَفْعُهُمَا وَوَضْعُهُمَا ثَانِيًا، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ بَلْ كَلَامُ الْأَصْحَابِ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَخَبَرُ أَبِي دَاوُد أَنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا - مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِهِمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا فِي حَالِ السُّجُودِ عَلَى مَا هُوَ السُّنَّةُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَا بِإِزَاءِ مَنْكِبَيْهِ؛ إذْ يَتَعَذَّرُ بَقَاؤُهُمَا عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ مَعَ اسْتِوَاءِ جُلُوسِهِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّا لَوْ رَفَعَ الْمُسَبِّحَةَ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ: إلَّا اللَّهُ، فَهَلْ يُسْتَحَبُّ رَفْعُهَا إلَى تَمَامِ الصَّلَاةِ مَثَلًا أَوْ لَا وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ نَصِّ الْمَقْدِسِيِّ أَنَّهُ إذَا رَفَعَ الْمُسَبِّحَةَ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ: إلَّا اللَّهُ يُقِيمُهَا وَلَا يَضَعُهَا. وَقَالَ الْجَوْجَرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ يُعِيدُهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَصْرِيحٌ، فَهَلْ الْأَوْلَى بِالْعَمَلِ قَوْلُ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيِّ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ ﵀، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ: قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كَافِيهِ أَنَّهُ يُقِيمُهَا وَلَا يَضَعُهَا وَلَا يُحَرِّكُهَا اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي بَقَائِهَا مَرْفُوعَةً إلَى السَّلَامِ. وَقَوْلُ جَمْعٍ مُتَأَخِّرَيْنِ: لَمْ نَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعِيدُهَا. بَحْثٌ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ كَمَا عَلِمْت، وَإِنْ تَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، انْتَهَتْ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَمَّنْ رَاءَى بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ؛ وَهُوَ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى مَعَ النِّيَّةِ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ظَاهِرًا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ النِّيَّةَ حَيْثُ كَانَتْ جَازِمَةً مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا الْمُقَرَّرَةِ فِي مَحَلِّهَا، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ مُنْعَقِدَةٌ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ قَارَنَ ذَلِكَ قَصْدٌ دُنْيَوِيٌّ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَئِمَّتُنَا: لَوْ قِيلَ لَهُ: صَلِّ وَلَك دِينَارٌ، فَصَلَّى بِذَلِكَ الْقَصْدِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ. وَقَالُوا أَيْضًا لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا عَنْ غَرِيمٍ يُطَالِبُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ. وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الثَّوَابِ وَقَدْ حَرَّرْت الْكَلَامَ فِيهِ فِي أَوَائِلِ حَاشِيَةِ إيضَاحِ النَّوَوِيِّ فَانْظُرْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا بَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَلَا أَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ مَا جَمَعْته مَعَ

стр. 146

تَحْرِيرِهِ وَتَنْقِيحِهِ. وَوَقَعَ لِلْكَمَالِ الدَّمِيرِيِّ وَالسَّرَّاجِ بْنِ الْمُلَقِّنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ وَأَقَرُّوهُ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] : أَجْمَعَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ عَبَدَ وَدَعَا لِأَجْلِ الْخَوْفِ مِنْ الْعَذَابِ وَالطَّمَعِ فِي الثَّوَابِ لَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، وَأَنَّهُ جَزَمَ فِي أَوَائِلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أُصَلِّي لِثَوَابِ اللَّهِ أَوْ الْهَرَبِ مِنْ عِقَابِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ اهـ. . وَالْعَجَبُ فِي تَقْرِيرِ أُولَئِكَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِ الْأَصْحَابِ الَّذِي قَدَّمْته فِيمَنْ صَلَّى بِقَصْدِ حُصُولِ الدُّنْيَا لَهُ، أَوْ دَفْعِ الْغَرِيمِ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ مُرَادَ الْفَخْرِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مَا إذَا لَاحَظَ فِي عِبَادَتِهِ الْخَوْفَ، أَوْ الطَّمَعَ مَعَ ضَمِّهِ إلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ مَا عَبَدَهُ وَحِينَئِذٍ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إسْلَامِ مَنْ جَرَّدَ قَصْدَهُ إلَى ذَلِكَ فَحَسْبُ، لَا أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ اسْتِحْقَاقَ اللَّهِ لِلطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ لِذَاتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ جَزْمًا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ هَذَا لَا يَقْصِدُهُ مُسْلِمٌ. وَإِنَّمَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ النَّاسَ يَرْجُونَ بِعِبَادَتِهِمْ حُصُولَ الثَّوَابِ وَالنَّجَاةَ مِنْ الْعَذَابِ. وَهَذَا الرَّجَاءُ، أَوْ الْخَوْفُ لَا يُنَافِي حُصُولَ الثَّوَابِ، كَيْفَ؟ وَاَللَّهُ ﵎ أَعْلَمُ بِخَلْقِهِ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ نَيْلِ الدَّرَجَاتِ وَإِسْبَاغِ الْهِبَاتِ فِي مُقَابَلَةِ امْتِثَالِهِمْ لِأَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِهِمْ لِنَوَاهِيهِ. وَذِكْرُ فَوَائِدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ رِعَايَةُ تِلْكَ الْفَوَائِدِ وَرَجَاءُ حُصُولِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِحْيَاءِ فِي مَوَاضِعَ بِحُصُولِ الثَّوَابِ وَصِحَّةِ النِّيَّةِ وَإِنْ قَارَنَتْ الرَّجَاءَ وَالْخَوْفَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْته؛ فَقَالَ - فِي أَوَاخِرِ مَبْحَثِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ -: غَايَةُ مَنْ مَالَ قَلْبُهُ إلَى الدُّنْيَا وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَذَكَّرَ النَّارَ وَيُحَذِّرَ نَفْسَهُ عِقَابَهَا، أَوْ نَعِيمَ الْجَنَّةِ وَيُرَغِّبَ نَفْسَهُ فِيهَا، فَرُبَّمَا تَنْبَعِثُ لَهُ دَاعِيَةٌ ضَعِيفَةٌ فَيَكُونُ ثَوَابُهُ بِقَدْرِ رَغْبَتِهِ وَنِيَّتِهِ، وَالطَّاعَةُ عَلَى نِيَّةِ إجْلَالِ اللَّهِ - لِاسْتِحْقَاقِهِ الطَّاعَةَ وَالْعُبُودِيَّةَ - لَا تَتَيَسَّرُ لِلرَّاغِبِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذِهِ أَعَزُّ النِّيَّاتِ وَأَعْلَاهَا، وَيَعِزُّ مَنْ يَفْهَمُهَا فَضْلًا عَمَّنْ يَتَعَاطَاهَا. وَنِيَّاتُ النَّاسِ أَقْسَامٌ؛ إذْ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَمَلُهُ إجَابَةً لِبَاعِثِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ يَتَّقِي النَّارَ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ إجَابَةً لِبَاعِثِ الرَّجَاءِ وَهُوَ الرَّغْبَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ نَازِلًا بِالْإِضَافَةِ إلَى قَصْدِ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ لِذَاتِهِ وَجَلَالِهِ لَا لِأَمْرٍ سِوَاهُ - فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ النِّيَّاتِ الصَّحِيحَةِ لِأَنَّهُ مَيْلٌ إلَى الْمَوْجُودِ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَأْلُوفِ فِي الدُّنْيَا اهـ. كَلَامُ الْغَزَالِيِّ، وَهُوَ كَمَا تَرَى جَازِمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ النِّيَّاتِ الصَّحِيحَةِ، وَإِنَّمَا خِلَافُهُ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يَجُوزُ ضَمُّ رَاءِ (أَكْبَرُ) مِنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَجُوزُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ، بَلْ قَوْلُهُمْ: لَوْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ، صَحَّ كَالصَّرِيحِ فِيهِ؛؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ ضَمُّ الرَّاءِ، وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ كَالنَّجْمَيْنِ الْأَصْفُونِيِّ وَالطَّبَرِيِّ وَالسَّرَّاجِ بْنِ الْمُلَقِّنِ، وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ - ضَعِيفٌ وَإِنْ تَبِعَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَالدَّمِيرِيُّ وَالنَّاشِرِيُّ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي خَبَرِ التَّكْبِيرِ جَزْمٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَزْمُ الْقَلْبِ لَا اللَّفْظِ؛؛ لِأَنَّ الْجَزْمَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَفْعَالِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَمَّنْ أَبْدَلَ هَمْزَةَ (أَكْبَرُ) وَاوًا فَهَلْ يَصِحُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَوْجَهِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْعِمَادِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْمُنِيرِ الْمَالِكِيِّ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ قَدْ تُبْدَلُ وَاوًا كَإِشَاحٍ وَوِشَاحٍ غَيْرُ بَعِيدٍ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ بَعِيدٌ؛ إذْ الْمَدَارُ فِي لَفْظِ التَّكْبِيرِ عَلَى الِاتِّبَاعِ مَا أَمْكَنَ، وَكَذَا لَوْ أَبْدَلَ الْكَافَ هَمْزَةً. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَقُومُ (أَعْظَمُ) مَقَامَ (أَكْبَرُ) وَمَعْنَاهُمَا كَالْجَلِيلِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَقُومُ مَقَامَ (أَكْبَرُ) شَيْءٌ لِلِاتِّبَاعِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ - تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ -: لَا يَقُومُ (أَعْظَمُ) مَقَامَ (أَكْبَرُ) ؛؛ لِأَنَّ الرِّدَاءَ أَشْرَفُ مِنْ الْإِزَارِ أَيْ: الْمُشَارِ إلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ ﷺ عَنْ اللَّهِ «الْعَظَمَةُ إزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَصَمْته» وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّجَمُّلَ يَكُونُ بِالرِّدَاءِ. وَهَذَا تَمْثِيلٌ كُنِّيَ بِهِ عَنْ الصِّفَةِ، وَالثَّوْبِ يُكَنَّى بِهِ عَنْ الصِّفَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] . قَالَ الْغَزَالِيُّ وَمَعْنَى الْكَبِيرِ: ذُو الْكِبْرِ، وَالْكِبْرِيَاءُ: كَمَالُ الذَّاتِ، وَأَعْنِي بِكَمَالِ الذَّاتِ كَمَالَ الْوُجُودِ؛ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: دَوَامُهُ أَزَلًا وَأَبَدًا، فَكُلُّ مَوْجُودٍ مَقْطُوعٍ بِعَدَمِ سَابِقٍ، أَوْ لَاحِقٍ فَهُوَ نَاقِصٌ. وَالثَّانِي:

стр. 147

أَنَّ وُجُودَهُ هُوَ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ كُلُّ مَوْجُودٍ. قَالَ: وَالْجَلِيلُ: الْمَوْصُوفُ بِنُعُوتِ الْجَلَالِ الَّتِي هِيَ الْعِزُّ وَالْمُلْكُ وَالْقُدْسُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ، وَغَيْرُهَا مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فَالْجَامِعُ لِجَمِيعِهَا هُوَ الْجَلِيلُ الْمُطْلَقُ، فَالْجَلِيلُ الْمُطْلَقُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَطْ. فَكَأَنَّ الْكَبِيرَ يَرْجِعُ إلَى كَمَالِ الذَّاتِ، وَالْجَلِيلَ إلَى كَمَالِ الصِّفَاتِ وَالْعَظِيمَ إلَى كَمَالِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ جَمِيعًا. قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى أَفْعَلْ التَّفْضِيلِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى النَّعْتُ؛ فَأَكْبَرُ بِمَعْنَى كَبِيرٍ؛ إذْ لَا مُسَاوِيَ لَهُ تَعَالَى فِي كَمَالِ الْوُجُودِ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ أَنَّ مَا خَطَرَ بِبَالِ الْعَبْدِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ وَتَمَامِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْقُدْسِ - فَاَللَّهُ تَعَالَى مِنْ وَرَاءِ مَا خَطَرَ لَهُ إذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَبِيرَ يَرْجِعُ إلَى كَمَالِ الذَّاتِ وَالْجَلِيلَ إلَى كَمَالِ الصِّفَاتِ، وَالْعَظِيمَ إلَى كَمَالِهِمَا. وَسُئِلَ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ أَوَّلِ مَا نَطَقَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَآخِرِ مَا نَطَقَ بِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَوَّلُ مَا نَطَقَ بِهِ ﷺ (اللَّهُ أَكْبَرُ) كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَافِظُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَأَمَّا آخِرُ مَا نَطَقَ بِهِ فَهُوَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى، كَمَا فِي الصَّحِيحِ، قِيلَ: وَهُوَ أَعْلَى الْمَنَازِلِ كَالْوَسِيلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، فَمَعْنَاهُ أَسْأَلُك يَا اللَّهُ أَنْ تُنِيلَنِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أُرِيدُ أَلْقَاك يَا رَفِيقُ يَا أَعْلَى، وَالرَّفِيقُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ» فَكَأَنَّهُ طَلَبَ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَعْلَى صِفَاتِ الرِّفْقِ وَاللُّطْفِ بِهِ وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ وَارِثِيهِ وَحَشَرَنَا مَعَهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجِبُ فِي السُّجُودِ وَضْعُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ مَعًا مَثَلًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَجِبُ اجْتِمَاعُهُمَا بِقَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ، سَوَاءٌ وَضَعَهَا وَرَفَعَهَا مَعًا أَمْ مُرَتِّبًا صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ النَّحْوِيِّ وَغَيْرُهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ وَعِلْمِ عَدَمِ وُرُودِهِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ حَرْفَيْنِ فَإِنْ جَهِلَ، أَوْ نَسِيَ لَمْ تَبْطُلْ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَمَّنْ يَدْعُو بِنَحْوِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَمَا يَزِيدُ إحْسَانِي سُلْطَانَك وَلَا تُقَبِّحُ إسَاءَتِي مُلْكَك، وَنَحْوِ ذَلِكَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا مَنْعَ فِي ذَلِكَ، حَيْثُ اعْتَقَدَ الدَّاعِي أَنَّ اللَّهَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَالْأَوْلَى فِي الْمُنَاجَاةِ الْإِقْرَارُ بِالذَّنْبِ، وَالتَّضَرُّعُ فِي سُؤَالِ الْغُفْرَانِ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ حُجَّةٍ وَلَا تَعْلِيلٍ، فَذَلِكَ أَوْلَى بِالْمُذْنِبِ الْمَمْلُوكِ مَعَ مَوْلَاهُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ، الْفَاعِلِ لِمَا يَشَاءُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ شَخْصٍ سَبَّحَ بِنَحْوِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ. .. إلَخْ، هَلْ الْمَرَّةُ مِنْهُ أَفْضَلُ مِمَّنْ يُسَبِّحُ بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَيُعَدِّدُ مِنْ ذَلِكَ أَلْفَ مَرَّةٍ مَثَلًا. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، هُوَ أَفْضَلُ مِنْ أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ؛ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَعِنْدَهَا حَصَوَاتٌ كَثِيرَةٌ سَبَّحَتْ بِهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً عَدَلَتْ جَمِيعَ مَا قُلْتِ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ» الْحَدِيثَ، وَلَمَّا سُئِلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ نَحْوِ مَا فِي السُّؤَالِ قَالَ: قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَذْكَارِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ لِعُمُومِهَا وَشُمُولِهَا لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، فَيَكُونُ الْقَلِيلُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَفْضَلَ مِنْ الْكَثِيرِ؛ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَاءَ نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» وَلِهَذَا قَالَ ﵊ بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِيهِمَا قَدْ أَفَادَتْ الِاتِّصَافَ بِكُلِّ جَلَالٍ وَكَمَالٍ، فَأَعْطَتْ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ فِي الْإِكْرَامِ وَالْجَلَالِ. فَإِذًا لَا إكْرَامَ إلَّا مِنْهُ وَلَا جَلَالَ وَكَمَالَ إلَّا وَقَدْ اتَّصَفَ بِهِ اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِبَعْضِ نِسَائِهِ - حِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا تُسَبِّحُ بِالْحَصَى -: «أَدُلُّك عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، فَقُولِي: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا فِي السَّمَوَاتِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا فِي الْأَرْضِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ مِثْلَ ذَلِكَ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَبِهِ تُقَاسُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَدَدَ خَلْقِك كُتِبَ لَهُ

стр. 148

صَلَوَاتٍ بِعَدَدِ الْخَلْقِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَمِنَّتِهِ، وَمِنْ مَزِيدِ كَرَمِهِ وَسَابِغِ مِنَّتِهِ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: تَعْدِلُ ثُلُثَهُ بِلَا تَضْعِيفٍ. وَقِيلَ: إنَّهَا ثُلُثُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَحْكَامُ وَالْقَصَصُ وَالتَّوْحِيدُ. وَقِيلَ: تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِمَنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا هِيَ وَيَمْنَعُهُ مِنْ تَعَلُّمِ غَيْرِهَا مَانِعٌ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِمَا لَفْظُهُ: مَا حُكْمُ مَنْ يُنْكِرُ الدُّعَاءَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: لَا يُنْكِرُ الدُّعَاءَ إلَّا كَافِرٌ مُكَذِّبٌ بِالْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَ عِبَادَهُ بِهِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ، وَوَعَدَهُمْ بِالِاسْتِجَابَةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثَةٍ؛ إمَّا اسْتِجَابَةٌ أَوْ ادِّخَارٌ، أَوْ يُكَفِّرُ عَنْهُ. وَفِيهِ أَنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ لَا تُرَدُّ مَا لَمْ تَكُنْ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ؛ فَفِي إحْدَى الثَّلَاثَةِ اسْتِجَابَةٌ وَفِي الْآخَرَيْنِ تَعْوِيضُ الِاسْتِجَابَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْتَلِي الْعَبْدَ وَهُوَ يُحِبُّهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ» . وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يَعْزِمَ الْمَسْأَلَةَ؛ فَلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ إنْ شِئْت، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الِاسْتِغْنَاءِ وَعَدَمِ الِافْتِقَارِ. وَالدُّعَاءُ إنَّمَا وُضِعَ لِمَزِيدِ التَّذَلُّلِ وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ وَالِاحْتِيَاجِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ» أَيْ: بَلْ يَنْبَغِي الْإِلْحَاحُ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» ، وَلَا تَيْأَسْ مِنْ الْإِجَابَةِ وَلَا تَسْأَمْ مِنْ الرَّغْبَةِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُحْرَمْ مِنْ إحْدَى تِلْكَ الثَّلَاثِ. وَمَنْ أَدْمَنَ قَرْعَ بَابِ الْكَرِيمِ يُوشِكُ أَنْ يَفْتَحَ لَهُ، قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: قَوْلُهُ: يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ، يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَالْجَوَازَ؛ فَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ الْأَوَّلَ - فَلَا بُدَّ مِنْ إحْدَى الثَّلَاثِ فَإِذَا عَجِلَ بَطَلَ وُجُوبُ أَحَدِهَا، وَتَعَرَّى الدُّعَاءُ عَنْ جَمِيعِهَا. وَعَلَى الْجَوَازِ تَكُونُ الْإِجَابَةُ بِفِعْلِ مَا دَعَا وَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِعْجَالُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ وَهُوَ مُوقِنٌ بِالْإِجَابَةِ وَبِقَلْبٍ حَاضِرٍ لِخَبَرٍ بِذَلِكَ رَوَاهُ الْخَطِيبُ، وَهُوَ: «اُدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَسْتَجِيبُ الدُّعَاءَ مِنْ قَلْبٍ لَاهٍ» . وَآكَدُ آدَابِ الدُّعَاءِ أَكْلُ الْحَلَالِ وَلُبْسُهُ، وَلَهُ آدَابٌ كَثِيرَةٌ بَيَّنْتهَا مَعَ شُرُوطِهِ وَوَاجِبَاتِهِ وَحُرُمَاتِهِ وَمُكَفِّرَاتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ - بِمَا لَمْ يُجْمَعْ مِثْلُهُ فِيمَا أَحْسِبُ فَاطْلُبْ ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ مُهِمٌّ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ دَاءِ الْوَسْوَسَةِ هَلْ لَهُ دَوَاءٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَهُ دَوَاءٌ نَافِعٌ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا جُمْلَةً كَافِيَةً. وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْسِ مِنْ التَّرَدُّدِ مَا كَانَ - فَإِنَّهُ مَتَى لَمْ يَلْتَفِتْ لِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ بَلْ يَذْهَبُ بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ كَمَا جَرَّبَ ذَلِكَ الْمُوَفَّقُونَ، وَأَمَّا مَنْ أَصْغَى إلَيْهَا وَعَمِلَ بِقَضِيَّتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَزْدَادُ بِهِ حَتَّى تُخْرِجَهُ إلَى حَيِّزِ الْمَجَانِينِ بَلْ وَأَقْبَحَ مِنْهُمْ، كَمَا شَاهَدْنَاهُ فِي كَثِيرِينَ مِمَّنْ اُبْتُلُوا بِهَا وَأَصْغَوْا إلَيْهَا وَإِلَى شَيْطَانِهَا الَّذِي جَاءَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «اتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ» أَيْ: لِمَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ اللَّهْوِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي شَرْحِ مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ، وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ فَلْيَعْتَقِدْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ. فَتَأَمَّلْ هَذَا الدَّوَاءَ النَّافِعَ الَّذِي عَلَّمَهُ مَنْ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى لِأُمَّتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ حُرِمَهُ فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ مِنْ الشَّيْطَانِ اتِّفَاقًا، وَاللَّعِينُ لَا غَايَةَ لِمُرَادِهِ إلَّا إيقَاعُ الْمُؤْمِنِ فِي وَهْدَةِ الضَّلَالِ وَالْحَيْرَةِ وَنَكَدِ الْعَيْشِ وَظُلْمَةِ النَّفْسِ وَضَجَرِهَا إلَى أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ. وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاِتَّخِذُوهُ عَدُوًّا. وَجَاءَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ فِيمَنْ اُبْتُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ فَلْيَقُلْ: آمَنْت بِاَللَّهِ وَبِرُسُلِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ اسْتَحْضَرَ طَرَائِقَ رُسُلِ اللَّهِ سِيَّمَا نَبِيُّنَا ﷺ وَجَدَ طَرِيقَتَهُ وَشَرِيعَتَهُ سَهْلَةً وَاضِحَةً بَيْضَاءَ بَيِّنَةً سَهْلَةً لَا حَرَجَ فِيهَا وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ وَآمَنَ بِهِ حَقَّ إيمَانِهِ ذَهَبَ عَنْهُ دَاءُ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِصْغَاءِ إلَى شَيْطَانِهَا. وَفِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ: ﵂ «مَنْ بُلِيَ بِهَذَا الْوَسْوَاسِ فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِرُسُلِهِ ثَلَاثًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُهُ عَنْهُ» وَذَكَرَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ نَحْوَ مَا قَدَّمْته فَقَالُوا: دَوَاءُ الْوَسْوَسَةِ أَنْ

стр. 149

يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ خَاطِرٌ شَيْطَانِيٌّ، وَأَنَّ إبْلِيسَ هُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُقَاتِلُهُ، فَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ الْمُجَاهِدِ؛ لِأَنَّهُ يُحَارِبُ عَدُوَّ اللَّهِ، فَإِذَا اسْتَشْعَرَ ذَلِكَ فَرَّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ مِمَّا اُبْتُلِيَ بِهِ نَوْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ أَوَّلِ الزَّمَانِ وَسَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِحْنَةً لَهُ؛ لِيُحِقَّ اللَّهُ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي فَقَالَ: ذَلِكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْهُ وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِك ثَلَاثًا، فَفَعَلْت فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي. وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: ضَاقَ صَدْرِي لَيْلَةً لِكَثْرَةِ مَا صَبَبْت مِنْ الْمَاءِ، وَلَمْ يَسْكُنْ قَلْبِي فَقُلْت: يَا رَبِّ عَفْوَك، فَسَمِعْت هَاتِفًا يَقُولُ: الْعَفْوُ فِي الْعِلْمِ؛ فَزَالَ ذَلِكَ عَنِّي اهـ. وَبِهِ تَعْلَمُ صِحَّةَ مَا قَدَّمْته أَنَّ الْوَسْوَسَةَ لَا تُسَلَّطُ إلَّا عَلَى مَنْ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ وَالْخَبَلُ وَصَارَ لَا تَمْيِيزَ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الِاتِّبَاعِ وَلَا يَمِيلُ إلَى الِابْتِدَاعِ. وَأَقْبَحُ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُوَسْوَسُونَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ مَالِكٌ ﵀ عَنْ شَيْخِهِ رَبِيعَةَ - إمَامِ أَهْلِ زَمَنِهِ -: كَانَ رَبِيعَةُ أَسْرَعَ النَّاسِ فِي أَمْرَيْنِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَالْوُضُوءِ، حَتَّى لَوْ كَانَ غَيْرَهُ - قُلْت: مَا فَعَلَ. وَكَانَ ابْنُ هُرْمُزَ بَطِيءَ الِاسْتِبْرَاءِ وَالْوُضُوءِ، وَيَقُولُ: مُبْتَلًى لَا تَقْتَدُوا بِي. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ ﵀ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ بُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ فِي الْوُضُوءِ، أَوْ الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ الذِّكْرَ خَنَسَ؛ أَيْ: تَأَخَّرَ وَبَعُدَ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ - رَأْسُ الذِّكْرِ وَلِذَلِكَ اخْتَارَ صَفْوَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ - مِنْ أَصْحَابِ التَّرْبِيَةِ وَتَأْدِيبِ الْمُرِيدِ - قَوْلَ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) لِأَهْلِ الْخَلْوَةِ، وَأَمَرُوهُمْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا، وَقَالُوا: أَنْفَعُ عِلَاجٍ فِي دَفْعِ الْوَسْوَسَةِ الْإِقْبَالُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا شَكَوْت إلَى الدَّارَانِيِّ الْوَسْوَسَةَ فَقَالَ: إذَا أَرَدْت قَطْعَهُ فَمَتَى أَحْسَسْت بِهِ فَافْرَحْ فَإِذَا فَرِحْت انْقَطَعَ عَنْك فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَى الشَّيْطَانِ مِنْ سُرُورِ الْمُؤْمِنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ إنَّمَا يُبْتَلَى بِهِ مَنْ كَمُلَ إيمَانُهُ؛ فَإِنَّ اللِّصَّ لَا يَسْرِقُ مِنْ بَيْتِ لِصٍّ مِثْلِهِ اهـ. وَهَذَا إنْ سَلِمَ فَهُوَ فِي الْوَسْوَاسِ فِي الْعَقَائِدِ؛ لِمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَحْضُ الْإِيمَانِ. عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ عَرَفَةَ قَالَ إنَّمَا يُبْتَلَى بِهِ فِي الدِّينِ مَنْ أَخَذَهُ تَقْلِيدًا دُونَ مَنْ عَرَفَ بَرَاهِينَهُ؛ لِأَنَّ الْوَسْوَاسَ شَكٌّ وَهُوَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ الْمُسْتَنِدِ إلَى دَلِيلٍ لِكَوْنِهِ ضِدَّهُ. وَقَالَ الْعَارِفُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ: إذَا كَثُرَ عَلَيْك الْوَسْوَاسُ فَقُلْ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْخَلَّاقِ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] ، أَذْهَبَ اللَّهُ عَنَّا سَائِرَ الْمَضَارِّ وَالْمَخَاوِفِ وَالْفِتَنِ، وَأَنَالَنَا كُلَّ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ وِلَايَةِ أَهْلِ النِّعَمِ وَالْمِنَنِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِمَا لَفْظُهُ ذَكَرَ: الشَّيْخُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَوَى مُعْتَدِلًا بَعْدَ رُكُوعِهِ أَرْسَلَ يَدَيْهِ إرْسَالًا خَفِيفًا إلَى تَحْتِ صَدْرِهِ فَقَطْ. وَقَالَ غَيْرُهُ بِإِرْسَالِهِمَا فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُرْسِلُهُمَا وَلَا يَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ بَعْدَ قَوْلِهِ (فَإِذَا انْتَصَبَ أَرْسَلَهُمَا) : وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ أَوْهَمَ إطْلَاقُهُمْ جَعْلَهُمَا تَحْتَهُ فِي الْقِيَامِ خِلَافَهُ، ثُمَّ رَأَيْتهمْ صَرَّحُوا بِمَا ذَكَرْته؛ فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقُنُوتِ فَقَالَ كَثِيرُونَ: لَا يَرْفَعُ كَدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: بَلْ يَرْفَعُ، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ لِيَدَيْهِ ثَمَّ وَظِيفَةً أَيْ: وَهِيَ جَعْلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ وَلَا وَظِيفَةَ لَهُمَا هُنَا اهـ. فَقَوْلُهُمْ: لَا وَظِيفَةَ لَهُمَا هُنَا صَرِيحٌ فِي إرْسَالِهِمَا، وَأَنَّهُ لَا يُنْدَبُ جَعْلُهُمَا تَحْتَ الصَّدْرِ وَإِلَّا لَمْ يَتَأَتَّ الْفَرْقُ بِمَا ذُكِرَ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ فِي السَّلَامِ: يَنْوِي بِهِ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ؛ فَلَوْ دَخَلَ عَلَى الْمُصَلِّي دَاخِلٌ حِينَئِذٍ فَهَلْ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ لِسَلَامِ الْمُصَلِّي أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا ذُكِرَ عَنْ الْأَئِمَّةِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّدِّ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَعِبَارَتُهُ: اُعْتُرِضَ قَوْلُهُمْ يَنْوِي السَّلَامَ عَلَى مَنْ ذُكِرَ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ؛ فَإِنَّ الْخِطَابَ كَافٍ فِي الصَّرْفِ إلَيْهِمْ، فَأَيُّ مَعْنًى

стр. 150

لِلنِّيَّةِ؛ وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَبِأَنَّ كَلَامَ جَمْعٍ يَقْتَضِي حُصُولَ السُّنَّةِ بِالْخِطَابِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، كَمَا لَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُ خَارِجَ الصَّلَاةِ إلَى نِيَّةٍ فِي أَدَاءِ السُّنَّةِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ لَهُ مَعْنًى وَاضِحًا؛ فَإِنَّ السَّلَامَ هُنَا جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ حَقِيقَةً أَوْ تَبَعًا، فَلَمْ يَصِحَّ التَّخَاطُبُ الْعَادِيُّ بِهِ فَاحْتَاجَ فِي صَرْفِهِ لِذَلِكَ إلَى نِيَّةٍ، وَبِهِ فَارَقَ السَّلَامَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، أَوْ نَقُولُ مَا فِيهِ مِنْ الْخِطَابِ صَيَّرَهُ مُغَايِرًا لِبَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَاحْتَاجَ صَرْفُهُ إلَيْهَا إلَى نِيَّةٍ لِيُثَابَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مِنْ أَجْزَائِهَا لَا لِيَصْلُحَ لِلتَّخَاطُبِ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ؛ وَبِهَذَا يَقْرُبُ احْتِمَالُ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى غَيْرِ مُصَلٍّ خُوطِبَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الْوُجُوبِ أَوْجَهَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُصَلٍّ غَيْرُ مُتَأَهِّلٍ لِلْخِطَابِ الْعَادِيِّ، وَلَكِنْ بِهِ يُؤْمَنُ غَيْرُهُ بِسَلَامَتِهِ مِنْهُ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ لَهُ السَّلَامُ بِوَجْهٍ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ. وَنُقِلَ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ أَفْتَى بِوُجُوبِ الرَّدِّ فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَوَجْهُهُ مَا أَشَرْت إلَيْهِ، لَكِنِّي مَعَ ذَلِكَ لَا أَعْتَمِدُهُ؛ لِمَا ذَكَرْته، فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قُنُوتِهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَعْدَائِهِ هَلْ كَانَ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالْقُنُوتِ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا. .. إلَخْ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَالَ الْحَافِظُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ: لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ بَلْ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي قُنُوتِهِ عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَنْ حَدِيثِ: لَا تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ هَلْ لَهُ أَصْلٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا أَصْلَ لَهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ وَرَدَ أَنَّ بِلَالًا أَوْ غَيْرَهُ أَذَّنُوا بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ إلَّا فِي أَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَنَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤَذِّنْ قَبْلَهَا بِلَالٌ وَلَا غَيْرُهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: إنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ الْعُطَاسَ وَالنُّعَاسَ وَالتَّثَاؤُبَ فِي الصَّلَاةِ. وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، هَلْ يُعَارِضُهُ الْخَبَرُ الضَّعِيفُ أَيْضًا الْمَوْقُوفُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ وَيُحِبُّ الْعُطَاسَ فِي الصَّلَاةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامَانِ: مَقَامُ إطْلَاقٍ وَمَقَامٌ نِسْبِيٌّ؛ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ التَّثَاؤُبَ وَالنُّعَاسَ كِلَاهُمَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِذَا وَقَعَا فِي الصَّلَاةِ مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ الشَّيْطَانِ فَالْعُطَاسُ فِي الصَّلَاةِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ التَّثَاؤُبِ فِيهَا، وَالتَّثَاؤُبُ فِيهَا أَكْرَهُ إلَيْهِ مِنْ الْعُطَاسِ فِيهَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَثَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى تَفَاوُتِ رُتَبِ بَعْضِ الْمَكْرُوهِ عَلَى بَعْضٍ. كَذَا قِيلَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي الْجَوَابِ حَمْلُ الْعُطَاسِ الْمَحْبُوبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَلِيلِهِ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِخُشُوعِهَا وَالْمَكْرُوهِ فِيهَا عَلَى كَثِيرِهِ الَّذِي يُخِلُّ بِخُشُوعِهَا. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَبْعٌ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَذَكَرَ مِنْهَا شِدَّةَ الْعُطَاسِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ حَدِيثِ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، مَنْ خَرَّجَهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا أَصْلَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَفَسَّرَهُ أَوْ الرَّاوِي عَنْهُ أَوْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْمُخَرِّجُ لَهُ عَنْهُ؛ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُمَدُّ، وَفَسَّرَهُ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي الْعَزِيزِ كَابْنِ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَجَمَاعَةٍ، وَبِهِ رُدَّ تَفْسِيرُ آخَرِينَ لَهُ بِأَنَّهُ تَسْكِينُ الرَّاءِ. عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ الْجَزْمِ عَلَى حَذْفِ الْحَرَكَةِ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِي زَمَنِ النَّخَعِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ بَعْدَهُ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَخَبَرُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْطِقْ بِالتَّكْبِيرِ إلَّا مَجْزُومًا، قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ: لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ ﷺ لِأَنَّ فَصَاحَتَهُ الْعَظِيمَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ. وَأَخْذُ جَمْعٍ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطَ جَزْمِ الرَّاءِ - وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ - ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ لَحْنٌ، وَهُوَ إذَا لَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى لَا يُبْطِلُ فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا؛ مَعَ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَصْرِيحٍ بِالْحَرَكَةِ فِي حَالِ الْوَقْفِ وَهُوَ دُونَ اللَّحْنِ؛ وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَ تَعَمُّدُ هَذَا هُنَا، وَحَرُمَ تَعَمُّدُ اللَّحْنِ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ اشْتِرَاطَ الْجَزْمِ فَقَدْ اسْتَرْوَحَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي النَّدْبِ لَا غَيْرُ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ ذَلِكَ مَعَ مَسْأَلَةِ الْمَدِّ. وَمَدُّ التَّكْبِيرِ لَا يُبْطِلُ بِلَا خِلَافٍ، وَحَذْفُهُ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ. وَنَصُّ الْأُمِّ عَلَى جَزْمِهِ مُرَادُهُ بِهِ حَذْفُهُ وَعَدَمُ

стр. 151

مَدِّهِ وَتَمْطِيطِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ لِلسُّبْحَةِ أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، وَقَدْ أَلَّفَ فِي ذَلِكَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ؛ فَمِنْ ذَلِكَ مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بِيَدِهِ.» وَمَا صَحَّ عَنْ صَفِيَّةَ: ﵂ «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهِنَّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا بِنْتَ حُيَيٍّ. قُلْت: أُسَبِّحُ بِهِنَّ، قَالَ: قَدْ سَبَّحْت مُنْذُ قُمْت عَلَى رَأْسِك أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، قُلْت: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: قُولِي سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ مِنْ شَيْءٍ. » وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ التَّوْحِيدَ، وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ وَمُسْتَنْطَقَاتٌ.» وَجَاءَ التَّسْبِيحُ بِالْحَصَى وَالنَّوَى وَالْخَيْطِ الْمَعْقُودِ فِيهِ عُقَدٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مَرْفُوعًا: نِعْمَ الْمُذَكِّرُ السُّبْحَةُ. وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: عَقْدُ التَّسْبِيحِ بِالْأَنَامِلِ أَفْضَلُ مِنْ السُّبْحَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إنْ أَمِنَ الْمُسَبِّحُ الْغَلَطَ كَانَ عَقْدُهُ بِالْأَنَامِلِ أَفْضَلَ وَإِلَّا فَالسُّبْحَةُ أَفْضَلُ؟ (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّا قِيلَ إنَّ أَكْثَرَ قِرَاءَتِهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ بِقِرَاءَةِ نَافِعٍ هَلْ لَهُ أَصْلٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ لَا أَصْلَ لِذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَلْبَتَّةَ، وَلَا خَرَّجَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا بِإِسْنَادٍ غَيْرِ صَحِيحٍ؛ بَلْ كَانَ يَقْرَأُ بِجَمِيعِ الْأَحْرُفِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ. وَفِي الذَّخِيرَةِ لِلْقَرَافِيِّ: يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ حَسَنٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ؛ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ لُغَتَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وَلُغَتُهُمْ تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرِيَّةُ قِرَاءَتِهِ؛ بَلْ كَانَ تَارَةً يَقْرَأُ بِتَسْهِيلِهَا الَّذِي هُوَ لُغَتُهُ، وَتَارَةً بِتَحْقِيقِهَا الَّذِي هُوَ لُغَةُ غَيْرِ قُرَيْشٍ، وَتَارَةً بِتَرْكِ الْإِمَالَةِ كَلُغَةِ الْحِجَازِ، وَبِالْإِمَالَةِ كَلُغَةِ تَمِيمٍ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَمَّا قِيلَ إنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّرْقِيقِ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ لِإِذْهَابِهَا الْخُشُوعَ، صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ إذْ لَا بُدَّ لِلْكَرَاهَةِ مِنْ نَهْيٍ خَاصٍّ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ، وَزَعْمُ إذْهَابِهَا الْخُشُوعَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْفِكْرِ فِي أَدَاءِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ - فَجَمِيعُ هَيْئَاتِ الْأَدَاءِ كَذَلِكَ. وَالْفِكْرُ فِي أَدَاءِ الْأَلْفَاظِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهَا لَا يُنَافِي الْخُشُوعَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْمُنَافِي لِلْخُشُوعِ الْفِكْرُ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَيْضًا الْقِرَاءَةُ بِالْأَحْرُفِ الثَّابِتَةِ فِي السَّبْعَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، فَكَيْفَ يُوصَفُ مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ؟ وَكَأَنَّ مَا فِي السُّؤَالِ تَوَهُّمٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ﵁: وَأَكْرَهُ التَّرْقِيقَ وَالتَّفْخِيمَ وَالرَّوْمَ وَالْإِشْمَامَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا تُشْغِلُ عَنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ قَدْ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ عَلَى الْإِرْشَادِيَّةِ الَّتِي لَا ثَوَابَ فِي تَرْكِهَا وَلَا قُبْحَ فِي فِعْلِهَا. وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: ﵁ وَأَنَا أَكْرَهُ الْإِمَامَةَ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَأَنَا أَكْرَهُ سَائِرَ الْوِلَايَاتِ لَمْ يُرِدْ الْكَرَاهَةَ الشَّرْعِيَّةَ لِأَنَّهَا مِنْ قِسْمِ الْقَبِيحِ. وَالْإِمَامَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِتَوَقُّفِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَيْهَا بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ الدُّخُولَ فِيهَا وَلَا يَخْتَارُهُ، وَلَا أَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهَا إذْ الْكَرَاهَةُ وَالثَّوَابُ لَا يَجْتَمِعَانِ؛ فَكَذَلِكَ مُرَادُ مَالِكٍ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَحَبَّ وَاخْتَارَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ لَا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيِّزِ الْقَبِيحِ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تُوصَفُ بِذَلِكَ قَطْعًا. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ يُصَلِّي وَيَقُولُ فِي الْفَاتِحَةِ: وَلَا الظَّالِّينَ، هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ بِالْمُسْلِمِينَ؟ وَهَلْ يَكُونُ آثِمًا فِي إمَامَتِهِ أَمْ مُثَابًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا صَلَاتُهُ فَلَا تَصِحُّ إلَّا إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ النُّطْقِ بِالضَّادِ، وَيَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ لِلنُّطْقِ بِهَا مَا أَمْكَنَهُ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ، وَمَتَى تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ وَيُعَزَّرُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الزَّاجِرَ لَهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْقَبَائِحِ الَّتِي يُفَسَّقُ مُرْتَكِبُهَا. وَأَمَّا إمَامَتُهُ لِلنَّاسِ فَلَا تَصِحُّ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهَا أَيْضًا؛ إلَّا إنْ كَانَ الْمُؤْتَمُّ بِهِ مِثْلَهُ فِي الْعَجْزِ عَنْ النُّطْقِ بِالضَّادِ فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَضَاعُوا حُقُوقَ الْقُرْآنِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ تَعَلُّمِ إخْرَاجِ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا فَأَثِمُوا بَلْ فَسَقُوا وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ وَشَهَادَتُهُمْ؛ فَيَتَعَيَّنُ

стр. 152

عَلَيْهِمْ السَّعْيُ فِيمَا قُلْنَاهُ، وَبَذْلُ الْجُهْدِ فِي التَّعَلُّمِ مَا أَمْكَنَهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ: تُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ وَمُتَوَالِيًا، فَإِذَا شُرِعَتْ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ جَهْرًا مَثَلًا، وَقُلْتُمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْكُتَ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بِقَدْرِ مَا يَقْرَؤُهَا الْمَأْمُومُ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ فِي سُكُوتِهِ الْقِرَاءَةُ؛ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي سُكُوتِهِ الْأَوَّلِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ سِرًّا؛ لِاتِّصَالِهَا بِمَا يَقْرَؤُهُ جَهْرًا مِنْ سُورَةِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَمَا الَّذِي يَقْرَؤُهُ فِي السُّكُوتِ الثَّانِي؟ هَلْ يَقْرَأُ سُورَةَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا؟ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَكْرِيرٌ مُحَافَظَةً عَلَى النَّمَطِ السَّابِقِ أَوْ الْحُكْمُ غَيْرُ ذَلِكَ؟ وَمَا هُوَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَأَدَامَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ السَّابِغَةَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْوَجْهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ النَّاسَ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا. وَلَا نَظَرَ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَكْرِيرِ قِرَاءَتِهَا؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِإِذَا زُلْزِلَتْ مَرَّتَيْنِ كُلُّ مَرَّةٍ فِي رَكْعَةٍ فَلَا مُخَالَفَةَ فِي ذَلِكَ لِلسُّنَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَلَّ بِتَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ أَوْ الْمُوَالَاةِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ. هَذَا إنْ فُرِضَ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا جَهْرًا كَمَا فِي السُّؤَالِ، وَكَذَا يُقَالُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ وَسَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك، فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ فَفِي الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ هَلْ أَتَاك فِي سُكُوتِهِ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ يَقْرَأُ السُّورَةَ بِكَمَالِهَا وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ التَّكْرِيرِ؛ لِمَا تَقَرَّرَ. أَمَّا إذَا لَمْ يُسَنَّ الْجَهْرُ فِيهِمَا بِخُصُوصِهِمَا فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي السُّكُوتِ الثَّانِي قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ يَقْرَأُ جَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ؛ كَمَا إذَا قَرَأَ جَهْرًا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ بِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ، فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِأَوَّلِ الْبَقَرَةِ، كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ. وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ يُلْزَمُ عَلَى قِرَاءَةِ النَّاسِ؛ إمَّا تَطْوِيلُ الثَّانِيَةِ إنْ أَكْمَلَ الْبَقَرَةَ؛ وَإِمَّا عَكْسُ التَّرْتِيبِ إنْ قَرَأَ بِغَيْرِهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خِلَافُ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ، وَإِنَّمَا نَأْمُرُهُ بِقِرَاءَةِ نَحْوِ آيَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، كَمَا أَفْهَمَهُ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّمَا آثَرُوا هَذَا لِلِاضْطِرَارِ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. وَهَذَا أَخَفُّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ؛ إذْ تَطْوِيلُ الثَّانِيَةِ الَّذِي لَمْ يَرِدْ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ فَارْتِكَابُ بَعْضِ السُّورَةِ أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ ﷺ فِي تَفْرِيقِهِ الْأَعْرَافَ عَلَى رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ وَقِرَاءَتِهِ آيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ. وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ عَلَى عَكْسِ تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ أَيْضًا؛ فَكَانَ ارْتِكَابُ بَعْضِ السُّورَةِ أَوْلَى مِنْهُ. وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ ﷺ فِي رَكْعَةٍ بِالْبَقَرَةِ ثُمَّ بِالنِّسَاءِ ثُمَّ بِآلِ عِمْرَانَ - فَهُوَ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ آلَ عِمْرَانَ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، أَوْ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَأَمَّا أَمْرُهُ ﷺ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ فِي أُولَى الْجُمُعَةِ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي ثَانِيَتِهَا فَهُوَ إنَّمَا هُوَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ؛ وَهِيَ إعْلَامُهُ بِأَنْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ الْمَقْصُودَتَيْنِ لِذَاتِهِمَا، وَأَيْضًا تَرْتِيبُ السُّوَرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَقِرَاءَةُ سُورَةٍ كَامِلَةٍ ثَبَتَ اجْتِهَادًا فَكَانَتْ مُخَالَفَةُ هَذَا الثَّانِي بِقِرَاءَةِ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ أَخَفَّ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَوَّلِ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهَا، فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ الْإِحْضَارِ الْمَذْكُورِ مِنْ شَرَائِطِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلنِّيَّةِ حَتَّى تَتِمَّ أَوْ شَيْءٌ آخَرُ؟ وَهَلْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ فَيُحْضِرُهُ؛ أَيْ مَا يَجِبُ قَصْدُهُ حَتْمًا وَيَتَلَفَّظُ بِهِ نَدْبًا، ثُمَّ يَقْصِدُهُ مُقَارِنًا لِأَوَّلِ التَّكْبِيرِ أَنَّ النِّيَّةَ وَالْإِحْضَارَ شَيْئَانِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْإِحْضَارُ الْمَذْكُورُ شَرْطٌ لِلِاعْتِدَادِ بِالنِّيَّةِ، فَهُوَ غَيْرُهَا، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ حَيْثُ قَالُوا مَا حَاصِلُهُ: الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ تَجِبُ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى جَمِيعِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ قَصْدِ الْفِعْلِ أَوْ وَالتَّعْيِينِ أَوْ وَالْفَرْضِيَّةِ أَوْ وَالْقَصْرِ أَوْ وَالِاقْتِدَاءِ أَوْ وَالْإِمَامَةِ فِي الْجُمُعَةِ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ بِأَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي ذِهْنِهِ ذَاتَ الصَّلَاةِ. وَمَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ فِيهَا مِمَّا ذُكِرَ، ثُمَّ يَقْصِدُ إلَى فِعْلِ هَذَا الْمَعْلُومِ، وَيَجْعَلُ قَصْدَهُ هَذَا مُقْتَرِنًا بِأَوَّلِ التَّكْبِيرَةِ، وَيَسْتَدِيمُ اسْتِحْضَارَ قَصْدِهِ لِتِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهَا النِّيَّةُ فِي قَلْبِهِ حَتَّى يُفْرِغَ الرَّاءَ مِنْ (أَكْبَرُ) . قَالَ بَعْضُهُمْ: وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الْإِدَامَةِ اسْتِمْرَارًا لِلنِّيَّةِ مَجَازٌ؛ إذْ اسْتِحْضَارُ النِّيَّةِ غَيْرُهَا؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَصْدِ عَلَى ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ. وَقِيلَ: يَجِبُ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي تَوْزِيعُهُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَبْتَدِئَهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ

стр. 153

وَيُنْهِيَهُ مَعَ انْتِهَائِهِ؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ خُلُوِّ مُعْظَمِ التَّكْبِيرِ عَنْ تَمَامِ النِّيَّةِ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الْأَنْوَارِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ النِّيَّةَ أَيْ الْقَصْدَ إلَى تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى التَّكْبِيرِ. وَلَوْ قَدَّمَ فَالِاعْتِبَارُ بِالْمُقَارَنِ بَلْ الْوَاجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِحْضَارُ فِي الذِّهْنِ ثُمَّ الْقَصْدُ إلَى الْمَعْلُومِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ النِّيَّةَ بِالْقَلْبِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ بِاللِّسَانِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا مَعَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْبِيرِ اهـ. وَقِيلَ: يَكْفِي ذَلِكَ التَّوْزِيعُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ - مُتَعَقِّبًا قَوْلَ إمَامِهِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ -: حَقِيقَةُ الْمُقَارَنَةِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا تَحْوِيهِ الْقُدْرَةُ الْبَشَرِيَّةُ اهـ. وَأَمْرُ هَذِهِ الْمُقَارَنَةِ سَهْلٌ، وَإِنَّمَا سَبَبُ عُسْرِهِ الْوَسْوَسَةُ أَوْ الْجَهْلُ بِحَقِيقَتِهَا، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَطَالَ فِيهِ بِمَا بَيَّنْت مَا فِيهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ تَرَكَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يُعِيدُهُ فِي الثَّانِي كَمَا فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ تُجْبَرُ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ؟ وَإِذَا سَبَّحَ فِي الْأُولَى مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَهَلْ يُعِيدُ الْبَاقِيَ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الَّتِي فِيهَا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَا تَرَكَهُ سَوَاءٌ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ فِي مُمَاثِلِهِ الَّذِي يَلِيه مِنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَعْقُبُ الْمَتْرُوكَ فِيهَا، وَالسُّجُودِ الَّذِي يَلِي الْمَتْرُوكَ فِيهِ مِنْ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ بِأَنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْهُ السُّجُودَ الْأَوَّلَ أَوْ رَكْعَةٍ أُخْرَى؛ بِأَنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْهُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، سَوَاءٌ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا؛ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِمْ: لَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ سَبِّحْ مِنْ أُولَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا قَرَأَهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ أَوْ هَلْ أَتَاك فِي الثَّانِيَةِ. وَإِنْ لَزِمَ تَطْوِيلُهَا عَلَى الْأُولَى؛ لِأَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَتِهِ إذَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَهُنَا وَرَدَ بِهِ إذْ الْمُنَافِقُونَ وَالْغَاشِيَةُ أَطْوَلُ مِنْ الْجُمُعَةِ أَوْ سَبِّحْ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ: وَلِأَنَّ تَرْكَهُ أَدَبٌ لَا يُقَاوِمُ فَضْلَهُمَا. وَنَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّ الْجُمُعَةُ فَاتَ مَحَلُّهَا مَعَ مُخَالَفَةِ سُنَّةِ التَّرْتِيبِ وَمَعَ التَّطْوِيلِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَيُرَدُّ بِمَنْعِ فَوَاتِ مَحَلِّهَا لِقَوْلِهِمْ: الْقَصْدُ أَنْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهُمَا، وَبِأَنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ. وَالتَّطْوِيلُ إنَّمَا يُذَمُّ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ بِخُصُوصِهِ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُمْ مُطْلَقًا، وَلَوْ قَرَأَ الثَّانِيَةَ فِي الْأُولَى قَرَأَ الْأُولَى فَقَطْ فِي الثَّانِيَةِ؛ كَيْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهُمَا كَمَا تَقَرَّرَ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُسَنُّ لَهَا سُورَتَانِ مَخْصُوصَتَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ مُطْلَقًا؛ قِيَاسًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ التَّكْبِيرَاتِ السَّبْعَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ لَمْ يَتَدَارَكْهَا فِي الثَّانِيَةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ. وَقَوْلُ الْعُبَابِ: إنَّهُ يَتَدَارَكُهَا فِي الثَّانِيَةِ مَعَ تَكْبِيرِهَا - سَهْوٌ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِهِ، وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرَاتِ لَمْ يَتَدَارَكْ الْفَائِتَ نَدْبًا فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ قَالُوا: وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَبَّرَ مَعَهُ خَمْسًا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا فَقَطْ؛ لِأَنَّ فِي قَضَاءِ ذَلِكَ تَرْكَ سُنَّةٍ أُخْرَى، وَبِهِ فَارَقَ مَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ، وَفَارَقَ مَا يَأْتِي فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ؛ بِأَنَّ السُّنَّةَ عَدَمُ السَّبْعِ فِي الثَّانِيَةِ. وَلَيْسَتْ السُّنَّةُ عَدَمَ السُّورَةِ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ بَلْ لَا تُسَنُّ فِيهِمَا. وَفَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَرْبِعَاءَ لَا يُسَنُّ صَوْمُهُ مَعَ أَنَّ مَنْ صَامَهُ أُثِيبَ؛ لِإِتْيَانِهِ بِعِبَادَةٍ، وَبِأَنَّ السُّنَّةَ فِي تَكْبِيرِ الْعِيدِ الْجَهْرُ، فَلَوْ أَتَى بِالتَّكْبِيرَةِ السَّادِسَةِ أَوْ السَّابِعَةِ جَهْرًا غَيَّرَ شِعَارَ الثَّانِيَةِ، بِخِلَافِ السُّوَرِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ الْإِسْرَارُ بِهَا فَلَيْسَ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا تَغْيِيرُ شِعَارِ الْأَخِيرَتَيْنِ. وَقِيَاسًا أَيْضًا عَلَى مَا لَوْ تَرَكَ رَمَلَ الطَّوَافِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لَا يَأْتِي بِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا الْمَشْيُ، وَعَلَى مَا لَوْ فُقِدَتْ يَمِينُهُ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِيَسَارِهِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِيهِ بِيَمِينِهِ؛ لِفَوَاتِ سُنَّةِ بَسْطِ الْيَسَارِ، وَيُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ فَيَأْتِي بِذَلِكَ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَأْتِي بِهِ؛ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِمْ: لَوْ فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ أُوِّلَتَا الرُّبَاعِيَّةِ - قَرَأَ السُّورَةَ سِرًّا فِي أَخِيرَتَيْهِمَا؛ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْهُمَا، فَلَمْ يَقُولُوا بِنَدْبِ التَّدَارُكِ هُنَا إلَّا لِلْمَعْذُورِ دُونَ غَيْرِهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَوْ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ رُبَاعِيَّتِهِ وَأَمْكَنَتْهُ السُّورَةُ فِي أُولَيَيْهِ تَرَكَهَا فِي الْبَاقِي، وَإِنْ تَعَذَّرَتْ فِي ثَانِيَتِهِ دُونَ ثَالِثَتِهِ قَرَأَهَا، وَلَا يَقْرَؤُهَا فِي الرَّابِعَةِ اهـ. فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ ظَهَرَ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثِ وَجْهًا وَسَنَدًا مِنْ كَلَامِهِمْ، فَمَا الَّذِي يَتَرَجَّحُ مِنْهَا؟ قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ إمَامَ

стр. 154

غَيْرِ الْمَحْصُورِينَ لَا يُتَدَارَكُ؛ لِأَنَّهُ يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ بِمَا لَمْ يَرِدْ؛ إذْ السُّنَّةُ لَهُ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَهُ قِرَاءَةُ تَيْنِك السُّورَتَيْنِ، وَإِنْ طَوَّلَ عَلَيْهِمْ؛ لِوُرُودِهِمَا فِيهَا بِخُصُوصِهِمَا. وَالْمَأْمُومُ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ تَطْوِيلًا وَضِدَّهُ. وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ وَإِمَامُ الْمَحْصُورِينَ الرَّاضِينَ بِشَرْطِهِمْ فَيُتَدَارَكُ كُلٌّ مِنْهُمَا إنْ عُذِرَ؛ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُسَنُّ فِي الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَبِمَا فَوَّتَهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ شَيْءٌ بِخُصُوصِهَا، فَتَأَكَّدَتْ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَوَّلَ أَوْ أَخَلَّ بِالتَّرْتِيبِ أَوْ تَعَمَّدَ التَّرْكَ كَمَا مَرَّ. وَالسُّجُودُ وَالرُّكُوعُ لَمْ يَرِدْ فِيهِمَا شَيْءٌ خَاصٌّ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ؛ فَكَانَتْ أَذْكَارُهُمَا أَشْبَهَ بِمُطْلَقِ السُّورَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَيَأْتِي فِيهِمَا مَا فِيهَا، وَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي الْعِيدِ وَالطَّوَافِ وَالتَّشَهُّدِ بِأَنَّ التَّدَارُكَ ثَمَّ يَلْزَمُهُ فَوَاتُ شِعَارٍ مَنْدُوبٍ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّا صُورَتُهُ: ذَكَرُوا أَوَائِلَ بَابِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِيمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ، هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؟ وَذَكَرُوا فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ مَا قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ حَيْثُ قَالُوا - وَاللَّفْظُ لِلْعُبَابِ -: وَإِذَا أَحْدَثَ وَمَسَحَ وَصَلَّى عَقِبَهُ صَلَوَاتٍ، إلَى قَوْلِهِ: وَفِي الْمَسْحِ بِأَنَّهُ لِزَمَنٍ يَسَعُ أَرْبَعًا اهـ فَإِنَّ فِي هَذَا إلْزَامًا بِالْقَضَاءِ بِالشَّكِّ بَعْدَ الْوَقْتِ، كَمَا لَا يَخْفَى؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْأُولَى كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ أَنْ يَشُكَّ: هَلْ لَزِمَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ ذِمَّتَهُ أَوْ لَا؟ وَعَدَمُ اللُّزُومِ فِي هَذِهِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَغْلُ الذِّمَّةِ بِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ: هَلْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ؟ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ هُنَا تَيَقَّنَ لُزُومَهَا لِذِمَّتِهِ، وَشَكَّ فِي أَدَائِهَا فَلَزِمَهُ، وَكَذَا فِيمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَقْضِيَّةَ لَزِمَتْ ذِمَّتَهُ يَقِينًا ثُمَّ شَكَّ فِي بَعْضِهَا: هَلْ فَعَلَهُ أَوْ لَا؟ فَلَزِمَهُ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلِهِ لَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: شَكُّهُ فِي أَنَّهَا هَلْ لَزِمَتْ ذِمَّتَهُ شَكٌّ فِي أَنَّهُ هَلْ صَلَّاهَا أَوْ لَا؟ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: مَمْنُوعٌ بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي اللُّزُومِ شَكٌّ فِي طَارِئٍ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَالشَّكُّ فِي الْفِعْلِ شَكٌّ فِي مُسْقِطٍ لِمَا لَزِمَ الذِّمَّةَ، وَكَوْنُ مَا حَصَلَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ قَدْ يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ لَا نَظَرَ إلَيْهِ؛ لِبُعْدِهِ وَعَدَمِ تَبَادُرِهِ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ رَأَيْتُنِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ ذَكَرْتُ حَاصِلَ مَا مَرَّ مَعَ نَقْلِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَعِبَارَتُهُ: قَالَ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا - وَأَقَرَّهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ -: وَمَنْ تَرَدَّدَ فِيمَا مَضَى مِنْ صَلَاةِ شَهْرٍ مَثَلًا؛ أَيْ هَلْ هِيَ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ لَمْ يُؤَثِّرْ قَطْعًا اهـ وَيُؤَيِّدُهُ - بَلْ يُصَرِّحُ بِهِ - قَوْلُ الْمَجْمُوعِ: لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ؟ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا، فَإِنْ قَضَاهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَمْ تُجْزِئْهُ اتِّفَاقًا اهـ وَجَرَى عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ صَلَّى أَوْ لَا؟ لَزِمَتْهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ؛ لِمَا فِي كُلٍّ مِنْ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ؛ إذْ هُوَ فِي الْأُولَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَدَمُ فِعْلِهَا. وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ اتِّحَادَهُمَا؛ فَنَقَلَ فِي هَذِهِ عَنْ الْمَجْمُوعِ عَدَمَ اللُّزُومِ، وَهُوَ غَفْلَةٌ عَمَّا ذَكَرْتُهُ مِنْ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا؛ إذْ الَّذِي فِيهِ إنَّمَا هُوَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ الثَّانِيَةُ مِثْلَهَا كَمَا عَلِمْتَ. نَعَمْ، نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شَكَّ هَلْ قَضَى الْفَائِتَةَ الَّتِي عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا اهـ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ. وَلَا يُنَافِي مَا فِي الْمَتْنِ قَوْلُ الْقَفَّالِ لَوْ لَمْ يَدْرِ عَدَدَ فَائِتَتِهِ؛ فَإِنْ ذَكَرَ الْيَوْمَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ؛ كَأَنْ قَالَ: أَنَا شَاكٌّ فِي أَنِّي تَرَكْت الصَّلَاةَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ لَمْ أَتْرُكْ إلَّا صَلَوَاتِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ - لَزِمَهُ قَضَاءُ صَلَوَاتِ جَمِيعِ الْعَشْرِ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ شَكَّ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَشُكُّ هَلْ هِيَ عَشْرُ صَلَوَاتٍ مِنْ الشَّهْرِ أَوْ جَمِيعُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْأَقَلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ الْوَقْتَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ اهـ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْهُ أَوَّلَ الْفَرْعِ. وَقِيَاسُ مَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَا عَدَمُ التَّرْكِ، فَهُوَ كَأَصْلِ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ ثَمَّ، وَهُنَا فِي صُورَتِهِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ فِيهَا، وَلَا الْأَقَلُّ؛ لِلْأَصْلِ الَّذِي قُلْنَاهُ، وَمَعَ النَّظَرِ إلَيْهِ لَا تَظْهَرُ تَفْرِقَتُهُ الْمَذْكُورَةُ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْرِفَ وَقْتَ الشَّكِّ وَأَنْ لَا. وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَيْضًا ضَعْفُ قَوْلِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ وَنَقْدٌ فَشَكَّ هَلْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ أَوْ الْكُلِّ؟ لَزِمَهُ الْكُلُّ، أَوْ هَلْ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ مِنْ جُمْلَةِ الزَّكَاةِ أَوْ أَرْبَعُونَ

стр. 155

دِرْهَمًا وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَ ذَلِكَ الْمَالِ؟ لَزِمَهُ الدِّرْهَمُ فَقَطْ اهـ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَرْبَعُونَ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هِيَ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ لَزِمَاهُ؛ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ التَّصْوِيرُ بِمَا إذَا لَزِمَهُ الْأَمْرَانِ وَأَخْرَجَ أَحَدَهُمَا وَشَكَّ فِيهِ، أَمَّا إذَا لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ وَشَكَّ فِي عَيْنِهِ فَيَتَّجِهُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ. وَنُقِلَ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فِي كِيسٍ وَمِثْلُهُمَا فِي آخَرَ، وَشَكَّ هَلْ بَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي مِائَتَيْنِ فِي كِيسٍ بِعَيْنِهِ هَلْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ أَوْ لَا؟ فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا وَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا. وَمِثْلُهُ لَوْ لَزِمَهُ كَفَّارَاتٌ فَأَعْتَقَ ثُمَّ شَكَّ فِي بَقَاءِ شَيْءٍ عَلَيْهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ كَفَّرَ عَنْ ظِهَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَثَلًا اهـ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْخَمْسَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَيْضًا، وَالتَّكْفِيرُ عَمَّا لَمْ يَتَيَقَّنْ التَّكْفِيرَ عَنْهُ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ مَتَى لَزِمَهُ شَيْءٌ وَشَكَّ هَلْ أَخْرَجَهُ أَوْ لَا - لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ؛ لِتَيَقُّنِ شَغْلِ الذِّمَّةِ بِهِ، فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِتَيَقُّنِ إخْرَاجِهِ، وَمَتَى شَكَّ هَلْ لَزِمَهُ كَذَا، أَوْ لَا؟ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَشَكَّ فِي قَدْرِهِ لَزِمَهُ إخْرَاجُ الْيَقِينِ فَقَطْ، قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَشْتَغِلَ الذِّمَّةُ بِالْأَصْلِ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ؛ كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ، عَلَى مَا مَرَّ عَنْهُ أَوَّلَ الْفَرْعِ، إلَى قَوْلِهِ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَوَائِتُ لَا يَدْرِي قَدْرَهَا وَعَدَدَهَا؛ كَأَنْ عَلِمَ تَرْكَ صَلَوَاتٍ مِنْ شَهْرٍ مَثَلًا وَجَهِلَ قَدْرَهَا، قَضَى مَا لَا يَتَيَقَّنُ فِعْلَهُ مِنْهَا، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَصَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ. وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ لِمَنْ قَالَ: عَلَيَّ فَوَائِتُ لَا أَذْكُرُ عَدَدَهَا - نَرُدُّكَ إلَى زَمَنِ بُلُوغِك: فَمَا تَتَحَقَّقُ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِك أَنَّك قَدْ فَعَلْته فَذَاكَ، وَمَا شَكَكْت فِيهِ وَجَبَ عَلَيْك قَضَاؤُهُ اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَفَّالِ: يَلْزَمُهُ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَهُ، وَمَا شَكَّ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَعْدَ تَيَقُّنِ التَّرْكِ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْجَمِيعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ أَدَائِهِ لَهُ فَلَزِمَهُ قَضَاءُ مَا شَكَّ فِي أَدَائِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رَدِّ الْقَاضِي لَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ فَرْضٍ بَعْدَ السَّلَامِ لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ ذَاكَ هُوَ الْأَصَحُّ حَيْثُ كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ غَيْرَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ. وَأَمَّا تَضْعِيفُهُ - أَعْنِي الْقَفَّالَ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا لَا يَتَذَكَّرُ صَلَاةَ أُسْبُوعٍ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى التَّضْيِيقِ، فَيُرَدُّ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُسْرٌ وَمَشَقَّةٌ اهـ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ فَكَّ الْإِدْغَامَ عَمْدًا مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْحَرْفَيْنِ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَجَرَيْتُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ الْبُطْلَانُ، وَعِبَارَتُهُ: أَوْ خَفَّفَ حَرْفًا مُشَدَّدًا بِحَذْفِ الشَّدَّةِ أَوْ فَكَّ الْمُدْغَمَ، كَذَا قِيلَ. وَالثَّانِي غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ فَكَّهُ حَذْفٌ لَهَا بِلَا عُذْرٍ؛ أَيْ بِأَنْ قَدَّرَ أَوْ قَصَّرَ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ؛ لِتَغْيِيرِهِ النَّظْمَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ: وَمَحَلُّ بُطْلَانِ الْقِرَاءَةِ دُونَ الصَّلَاةِ بِتَخْفِيفِ الْمُشَدَّدِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ الْمَعْنَى وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَمَا قَالَ - تَبَعًا لِلْأَنْوَارِ - وَلَوْ تَرَكَ تَشْدِيدَ الْجَلَالَةِ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ، أَيْ مَثَلًا، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ أَيْ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى بَلْ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ وَإِلَّا يَتْرُكُهُ عَمْدًا. فَقِرَاءَتُهُ هِيَ الَّتِي تَبْطُلُ فَيُعِيدُهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، أَوْ تَرَكَ تَشْدِيدَ إيَّاكَ عَمْدًا عَالِمًا بِمَعْنَاهُ كَفَرَ؛ لِأَنَّ الْإِيَا ضَوْءُ الشَّمْسِ. هَذَا إنْ قَصَدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ، وَأَنَّ إيَّا إنَّمَا خُفِّفَتْ لِكَرَاهَةِ ثِقَلِ تَشْدِيدِهَا بَعْدَ كَسْرَةٍ؛ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ عَدَمُ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَتَغَيَّرْ عِنْدَ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ الْقَصْدِ، وَيُحْتَمَلُ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْحَرْفِ فِي الشَّاذَّةِ مُبْطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَعْنَى. وَتَرْكُ الشَّدَّةِ كَتَرْكِ الْحَرْفِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ؛ لِمَا يَأْتِي مِنْ رَدِّ عِلَّةِ الثَّانِي، أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ اهـ وَبِمَا ذَكَرَهُ فِي إيَّاكَ صَرَّحَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَيُوَافِقُ مَا قَالُوهُ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ مَا يَأْتِي عَنْ التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ وَقَوْلُ الْكِفَايَةِ: وَحَيْثُ بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْقَاعِدَةِ الْآتِيَةِ: إنَّ مَا أَبْطَلَ عَمْدُهُ يُسْجَدُ لِسَهْوِهِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ؛ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْإِبْدَالَ وَتَخْفِيفَ الشَّدَّةِ بِلَا عُذْرٍ يُبْطِلَانِ الْقِرَاءَةَ لَا الصَّلَاةَ، يُرَدُّ بِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ ذَلِكَ - كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ - عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَعْنَى بِدَلِيلِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ

стр. 156

كَالْأَصْحَابِ فِي اللَّحْنِ الْمُغَيِّرِ لِلْمَعْنَى كَ (أَنْعَمْت) بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ؛ إنْ تَعَمَّدَهُ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ، انْتَهَتْ. وَمِنْهَا فِي مَوَاضِعَ يُعْلَمُ نَقْلُ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ فَكَّ الْمُدْغَمِ مُبْطِلٌ لِلْقِرَاءَةِ، تَارَةً بِأَنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَعْنَى، وَلِلصَّلَاةِ أُخْرَى بِأَنْ تَغَيَّرَ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ بُطْلَانِ الْقِرَاءَةِ بِفَكِّ الْإِدْغَامِ مَعَ عَوْدِ حَرْفٍ بَدَلَ الشَّدَّةِ فَلَمْ يَفُتْ شَيْءٌ قُلْتُ: وَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَرْفَ الْمُدْغَمَ صَارَ نَسْيًا مَنْسِيًّا، أَلْغَى الشَّارِعُ اعْتِبَارَهُ وَجَعَلَ الشَّدَّةَ بَدَلَهُ، فَإِذَا حَذَفَهَا صَارَ تَارِكًا لِحَرْفٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِلْحَرْفِ الْعَائِدِ بِحَذْفِهَا؛ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّارِعَ أَعْرَضَ عَنْهُ وَأَلْغَى اعْتِبَارَهُ بِدَلِيلِ حُرْمَةِ تَعَمُّدِهِ ذَلِكَ بِلَا عُذْرٍ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَإِطْبَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ تَخْفِيفَ الْمُشَدَّدِ مُبْطِلٌ لِلْقِرَاءَةِ تَارَةً، وَلِلصَّلَاةِ أُخْرَى دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ؛ أَنَّهُمْ أَلْغَوْا اعْتِبَارَ ذَلِكَ الْحَرْفِ الْمُدْغَمِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِعَوْدِهِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَمَّنْ اقْتَدَى فِي ثَانِيَةِ صُبْحِ الْجُمُعَةِ هَلْ يَقْرَأُ إذَا قَامَ إلَى ثَانِيَتِهِ الم تَنْزِيلُ أَوْ هَلْ أَتَى أَوْ غَيْرَهُمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُؤْخَذُ حُكْمُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ تَرَكَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ سَبِّحْ فِي أُولَى الْجُمُعَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا وَقَرَأَ بَدَلَهَا الْمُنَافِقِينَ أَوْ الْغَاشِيَةَ - قَرَأَ الْجُمُعَةَ أَوْ سَبِّحْ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يُعِيدُ الْمُنَافِقِينَ وَلَا الْغَاشِيَةَ؛ لِتَقَدُّمِ قِرَاءَتِهَا فِي الْأُولَى، وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَى الْجُمُعَةَ وَلَا سَبِّحْ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ الْجُمُعَةَ وَالْمُنَافِقِينَ أَوْ سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةَ؛ كَيْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهُمَا. وَلَا نَظَرَ لِتَطْوِيلِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِخِلَافِهِ كَمَا هُنَا؛ إذْ الْمُنَافِقُونَ وَالْغَاشِيَةُ أَطْوَلُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَسَبِّحْ اهـ فَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ - إنْ قَرَأَ فِي أُولَاهُ الَّتِي مَعَ الْإِمَامِ بِأَنْ لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ - هَلْ أَتَى قَرَأَ فِي ثَانِيَتِهِ الم تَنْزِيلُ وَلَا يُعِيدُ هَلْ أَتَى، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي أُولَاهُ شَيْئًا أَوْ قَرَأَ غَيْرَ الم تَنْزِيلُ وَهَلْ أَتَى قَرَأَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ؛ كَيْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهُمَا. وَلَا نَظَرَ لِتَطْوِيلِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا هُنَا أَطْوَلُ مِنْ الْأُولَى ضَرُورَةَ أَنَّ هَلْ أَطْوَلُ مِنْ الم تَنْزِيلُ، وَلَوْ سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فِي أُولَاهُ - أَعْنِي الْمَأْمُومَ - فَهُوَ كَقِرَاءَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَرَأَ هَلْ أَتَى قَرَأَ الْمَأْمُومُ فِي ثَانِيَتِهِ الم تَنْزِيلُ. وَإِنْ كَانَ قَرَأَ غَيْرَهَا قَرَأَ الْمَأْمُومُ الم تَنْزِيلُ وَهَلْ أَتَى؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ الَّتِي سَمِعَهَا الْمَأْمُومُ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَتِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِ الْأُولَى فَكَمَا لَوْ لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا فَيَقْرَأُ الم تَنْزِيلُ وَهَلْ أَتَى فِي الثَّانِيَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ كَيْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهُمَا، هَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، وَلَمْ يَقْرَأْ السُّورَةَ فِي أُولَيَيْهِ قَضَى السُّورَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ بِأَنْ يَقْرَأَهُمَا فِي أَخِيرَتَيْهِ؛ لِئَلَّا تَخْلُوَ مِنْهُمَا صَلَاتُهُ، وَلِأَنَّ إمَامَهُ لَمْ يَقْرَأْهُمَا فِيهِمَا، وَفَاتَهُ فَضْلُهُمَا فَيَتَدَارَكُهُمَا فِي الْبَاقِي كَسُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي أُولَى الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ قَرَأَ السُّورَةَ فِي أُولَيَيْهِ فَلَا يَقْرَؤُهَا فِي أَخِيرَتَيْهِ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَعَلَى هَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي ثَانِيَةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَتَمَكَّنَ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي أُولَيَيْهِ لَا يَقْرَؤُهَا فِي الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا فِي ثَانِيَتِهِ وَتَمَكَّنَ مِنْهَا فِي ثَالِثَتِهِ قَرَأَهَا فِيهَا، ثُمَّ لَا يَقْرَؤُهَا فِي رَابِعَتِهِ اهـ وَأَقَرَّهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، وَتَعَقَّبْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَقُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ الثَّانِيَةَ الَّتِي أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ لَا يَقْضِي سُورَتَهَا؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَحَلَّ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ وَأَنْ لَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أُولَيَيْهِ وَلَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ لَا يَقْضِيهَا فِي ثَالِثَتِهِ وَرَابِعَتِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَكَذَا هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِيَةِ. وَأَمَّا ثَانِيَتُهُ الَّتِي هِيَ ثَالِثَةُ الْإِمَامِ فَيَقْرَؤُهَا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَفِيمَا بَعْدَهَا، وَلَوْ رَابِعَةَ نَفْسِهِ؛ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْ السُّورَةِ الَّتِي طُلِبَتْ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِيَةِ فَتَأَمَّلْهُ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ. وَبِتَمَامِهَا مَعَ مَا قَدَّمْته يَتَّضِحُ مَا ذَكَرْته فِي جَوَابِ السُّؤَالِ؛ فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أُولَيَيْهِ وَلَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ لَا يَقْضِيهَا فِي ثَالِثَتِهِ وَرَابِعَتِهِ، وَهَذَا قَدْ يُنَافِي مَا قَدَّمْته، قُلْتُ: لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقْرَأَ، فَلَمَّا تَرَكَ فَوَّتَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ قَضَاءٌ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ الْأَوْلَى قِرَاءَةُ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ سِرًّا؟ وَكَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ ﷺ ؟ وَإِذَا جَهَرَ بِهَا فِي مَسْجِدٍ وَثَمَّ مُصَلُّونَ

стр. 157

يُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ هَلْ يُمْنَعُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: السُّنَّةُ فِي أَكْثَرِ الْأَدْعِيَةِ وَالْأَذْكَارِ الْإِسْرَارُ إلَّا لِمُقْتَضٍ، وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ مَعَ مَتْنِهِ: وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ سِرًّا، وَيَجْهَرُ بِهِمَا بَعْدَ السَّلَامِ الْإِمَامُ لِتَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ، فَإِذَا تَعَلَّمُوا أَسَرُّوا. وَمَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الذِّكْرِ الْجَهْرُ لَا الْإِسْرَارُ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّصِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ السُّنَّةَ الْإِسْرَارُ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: السُّنَّةُ فِي سَائِرِ الْأَذْكَارِ الْإِسْرَارُ إلَّا التَّلْبِيَةَ وَالْقُنُوتَ لِلْإِمَامِ وَتَكْبِيرَ لَيْلَتَيْ الْعِيدِ، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْأَنْعَامِ فِي عَشْرِ الْحِجَّةِ، وَبَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ مِنْ الضُّحَى إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرَ السُّوقِ الْوَارِدَ؛ أَيْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. . . إلَخْ، وَعِنْدَ صُعُودِ الْهَضَبَاتِ وَالنُّزُولِ مِنْ الشُّرُفَاتِ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ التَّعْلِيمَ. وَفِي كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ مَا يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ رَفْعِ الْجَمَاعَةِ الصَّوْتَ بِالذِّكْرِ، دَائِمًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ؛ أَيْ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: وَإِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ - أَيْ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ - كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَفِي النَّفْسِ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ﵁ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي مَحْصُورِينَ. وَأَمَّا الْمَسْجِدُ الَّذِي عَلَى الشَّارِعِ مَثَلًا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَطْرُقُهُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْهُ قَبْلُ، فَهُوَ كَمَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ كَانَتْ تَرِدُهُ الْأَعْرَابُ وَأَهْلُ الْبَوَادِي، فَفِيهِ يَظْهَرُ نَدْبُ إدَامَةِ الرَّفْعِ؛ لِيَتَعَلَّمَ كُلَّ مَرَّةٍ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ فِيمَا قَبْلَهَا اهـ وَلَا شَيْءَ فِيهِ، فَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْأُمِّ عَلَى نَدْبِ الْإِسْرَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَبِأَنَّ غَالِبَ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ تَهْلِيلٌ وَلَا تَكْبِيرٌ؛ أَيْ فَحُمِلَ مَا فِيهِ الْجَهْرُ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُ لِطَلَبِ الْإِسْرَارِ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ «وَقَالَ: إنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّهُ مَعَكُمْ، إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ - أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ - آخِرًا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي طَلَبِ الشَّافِعِيِّ الْجَهْرَ لِتَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ ظَاهِرَ مَا مَرَّ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِمَظِنَّةِ وُجُودِ مَنْ يَتَعَلَّمُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ، وَكَلَامُ الزَّرْكَشِيّ صَرِيحٌ فِي اعْتِمَادِ الْأَوَّلِ، بَلْ جَعَلَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْجَهْرِ أَنْ يُرِيدَ تَأْمِينَهُمْ عَلَى دُعَائِهِ فَيَجْهَرَ حَتَّى يَعْلَمُوا مَا يُؤَمِّنُونَ عَلَيْهِ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ. وَالْجَهْرُ بِحَضْرَةِ نَحْوِ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ مَكْرُوهٌ، كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يَشْتَدَّ الْأَذَى، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي تَحْرِيمُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - نَقَلَ التَّاجُ السُّبْكِيّ فِي طَبَقَاتِهِ الْكُبْرَى عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مُذْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي رَكْعَتَيْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ مَا تَرَكْتُ قِرَاءَتَهُمَا فِيهِمَا، هَلْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ أَوْ لَا؟ وَلَمْ نَرَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ إنَّهُ يَقْرَأُ فِيهِمَا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، فَأَيُّهُمَا أَصَحُّ وَأَوْفَقُ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عِبَارَتِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي عِشَاءِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَفِي مَغْرِبِهَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً، وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ التَّاجُ السُّبْكِيّ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ مُدَّةَ إمَامَتِهِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا وَهُوَ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا، انْتَهَتْ. وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ تَحْرِيفٌ مِنْ النَّاسِخِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَهْوًا مِنْ الْمُؤَلِّفِ، وَأَنَّ الْفُقَهَاءَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ هُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ، عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي اعْتِمَادُ الْإِمَامِ أَبِي عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ وَالتَّاجِ السُّبْكِيّ وَغَيْرِهِمَا، وَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ لَا يَذْكُرُهَا أَوْ يَعْتَمِدُهَا إلَّا وَاحِدٌ وَيَكُونُ مَا قَالَهُ فِيهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ] (وَسُئِلَ) ﵁ وَنَفَعَنَا بِعُلُومِهِ - عَنْ الرُّطُوبَةِ الْمُنْفَصِلَةِ بِقَتْلِ الْعَقْرَبِ مِنْهَا أَيُعْفَى عَنْهَا أَمْ لَا؟

стр. 158

(فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِأَنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ تِلْكَ الرُّطُوبَةِ كَقَلِيلِ دَمِ الْقَمْلَةِ الْمَقْتُولَةِ عَمْدًا؛ أَخْذًا مِنْ إلْحَاقِهِمْ بِالْبَرَاغِيثِ كُلَّ مَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ، وَالْعَقْرَبُ مِمَّا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ، فَحُكْمُ رُطُوبَتِهَا حُكْمُ دَمِ نَحْوِ الْبَرَاغِيثِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْهَا عَمْدًا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فَكَذَلِكَ الْعَقْرَبُ الْمَقْتُولَةُ عَمْدًا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ رُطُوبَتِهَا. نَعَمْ، سُمُّهَا لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ جَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا إذَا لَاقَتْهَا رُطُوبَةٌ هَلْ يُعْفَى عَنْهَا أَمْ لَا؟ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ دَمٌ قَلِيلٌ ثُمَّ بَلَّهُ الْحَالِقُ وَحَلَقَهُ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ أَمْ لَا فَإِنَّ هَذِهِ كَثِيرَةُ الْبَلْوَى. (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَبِعُلُومِهِ - بِقَوْلِهِ: إذَا لَاقَى النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا رُطُوبَةٌ صَارَتْ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا. نَعَمْ، إنْ كَانَتْ مُلَاقَاةُ تِلْكَ الرُّطُوبَةِ ضَرُورِيَّةً أَوْ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا؛ كَمُلَاقَاةِ مَلْبُوسِهِ الَّذِي فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ مَثَلًا لِبَدَنِهِ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَكَمُلَاقَاةِ مَا يَتَقَاطَرُ مِنْ نَحْوِ وُضُوئِهِ أَوْ مِنْ حِلَاقَةِ رَأْسِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِثَوْبِهِ عُفِيَ عَنْهُ؛ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - مَتَّعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ - عَمَّنْ خَرَجَ مِنْ لِثَتِهِ دَمٌ قَلِيلٌ فَبَزَقَ حَتَّى صَفَا أَوْ لَمْ يَصْفُ وَبَلَعَ رِيقَهُ، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُفْطِرُ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ، فَهَلْ يُعْفَى عَنْهُ لَوْ لَمْ يَبْلَعْهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، وَأَمَّا الْعَفْوُ عَنْهُ لَوْ لَمْ يَبْتَلِعْهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ كَمَا ذَكَرْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ مَعَ تَحْرِيرِ الْمُعْتَمَدِ مِنْهُ، وَعِبَارَتِي: ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْمَنَافِذِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَطَالَمَا تَوَقَّفْت فِي ذَلِكَ حَتَّى رَأَيْت فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ رُعِفَ الْإِمَامُ مَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهِ أَنَّ الْأَصْحَابَ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الرُّعَافِ، وَهَذَا قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ، وَكَأَنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ - أَيْ الْقَائِلَيْنِ بِالْعَفْوِ وَبِعَدَمِهِ - غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ لِذِكْرِهِ لَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. وَرَأَيْت فِي الْمَجْمُوعِ أَيْضًا مَا لَفْظُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَدِلَّتِهِمْ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَيْ وَهُوَ قَوْلُهَا: مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَصْته أَيْ أَذْهَبْته بِهِ. أَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الدَّمِ الْيَسِيرِ لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ بَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَيَكُونُ عَفْوًا، وَلَمْ تُرِدْ عَائِشَةُ غَسْلَهُ وَتَطْهِيرَهُ بِالرِّيقِ؛ وَلِهَذَا لَمْ تَقُلْ: كُنَّا نَغْسِلُهُ بِالرِّيقِ، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ إذْهَابَ صُورَتِهِ لِقُبْحِ مَنْظَرِهِ، فَبَقِيَ الْمَحَلُّ نَجِسًا كَمَا كَانَ وَلَكِنَّهُ مَعْفُوٌّ فِيهِ لِقِلَّتِهِ اهـ. لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي الْعَفْوِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْفَرْجِ وَمَعَ اخْتِلَاطِهِ بِالرِّيقِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ، وَفِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ فَقَطْ بَلْ عَلَى مَذْهَبِنَا أَيْضًا، فَهَلْ بَقِيَ بَعْدَ هَذَا رِيبَةٌ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَلِيلِ مِنْ دَمِ الْمَنَافِذِ؟ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْعَفْوِ عَنْهَا أَيْضًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ، وَعِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ الذَّكَرِ، فَإِطْلَاقُهُمْ وُجُوبَ الِاسْتِنْجَاءِ فِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ هَذَا، فَانْظُرْ كَيْفَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْغَفْلَةِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِهِمْ لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقَلِيلِ مِنْ دَمِ جَمِيعِ الْمَنَافِذِ هُوَ الْمَنْقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَاعْتَمَدَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهِ كَمَا عَرَفْتَ. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْعِمَادِ الَّذِي قَدَّمْته فِي الِاسْتِنْجَاءِ أَنَّ مَحَلَّ الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ خَارِجًا مِنْ مَعْدِنِ النَّجَاسَةِ؛ كَالْمَثَانَةِ وَمَحَلِّ الْغَائِطِ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مُلَاقَاتُهُ لِمَجْرَاهَا؛ لِأَنَّ الْبَاطِنَ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ وَلِأَنَّ مُلَاقَاتَهُ ضَرُورِيَّةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالدَّمِ فِي ذَلِكَ نَحْوُهُ مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: إذَا غَسَلَ فَمَهُ الْمُتَنَجِّسَ فَلْيُبَالِغْ فِي الْغَرْغَرَةِ، وَلَا يَبْتَلِعْ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا قَبْلَ غَسْلِهِ لِئَلَّا يَكُونَ آكِلًا نَجَاسَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَنَجِّسٌ بِدَمِ لِثَتِهِ مَثَلًا، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيُحْمَلُ عَلَى دَمِ اللِّثَةِ الْكَثِيرِ بِدَلِيلِ كَلَامِهِ السَّابِقِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ وَيَكُونَ مَحَلُّ الْعَفْوِ إذَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِمَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى اخْتِلَاطِهِ بِهِ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورَةُ، وَهِيَ مُوفِيَةٌ لِلْغَرَضِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَلِرَبِّنَا سُبْحَانَهُ أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 159

بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ - عَمَّنْ صَلَّى عَلَى السَّطْحِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّطْحِ أَيْ الْجَانِبِ الَّذِي إلَى الشَّارِعِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَلَا حَائِطَ عَلَى السَّطْحِ مُرْتَفِعٌ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، فَهَلْ يُغْنِي عَنْ السُّتْرَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَا ذُكِرَ لَا يُغْنِي عَنْ السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ السُّتْرَةِ دَفْعُ الشَّيْطَانِ وَالْمَارِّ حَتَّى لَا يَقْطَعَا عَلَيْهِ صَلَاتَهُ بِاشْتِغَالِهِ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهَا تَقْوَى وَتَزِيدُ عِنْدَ عَدَمِ السُّتْرَةِ وَبِمُرُورِ الْمَارِّ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ: إنَّهُ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا فِي أَمَامِهِ» . وَصَحَّ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» وَقَالَ ﷺ «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِي بِمَا مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ» وَقَالَ «اسْتَتِرُوا فِي صَلَاتِكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» وَقَالَ «يُجْزِي مِنْ السُّتْرَةِ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ وَلَوْ بِدِقَّةِ شَعْرَةٍ» وَأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا» . فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَاتِرٍ بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي؛ حَتَّى يَمْتَنِعَ بِسَبَبِهِ النَّاسُ مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَشْتَغِلَ بِهِمْ وَالشَّيْطَانُ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ، فَيَقْطَعُ صَلَاتَهُ بِوَسْوَسَتِهِ لِقُوَّتِهَا حِينَئِذٍ كَمَا مَرَّ، وَأَنَّ قُرْبَهُ مِنْ السَّطْحِ الْمَذْكُورِ لَا يُغْنِي عَنْ السُّتْرَةِ وَإِنْ امْتَنَعَ بِسَبَبِهِ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَادَةً لِبَقَاءِ مُرُورِ الشَّيْطَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ. وَالْمَحْذُورُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى مُرُورِهِ أَقْوَى مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُرُورِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْحَاصِلَةَ بِوَسْوَسَتِهِ أَسْرَعُ وُقُوعًا وَأَقْبَحُ جِنْسًا وَنَوْعًا. وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ؛ إذْ حَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ مِنْهُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى نَحْوِ جِدَارٍ أَوْ عَمُودٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَإِلَى شَاخِصٍ طُولُهُ ثُلُثَا ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرْضٌ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَإِلَى مُصَلًّى يَفْتَرِشُهُ كَسَجَّادَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَإِلَى خَطٍّ يَخُطُّهُ مِنْ قَدَمَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ طُولًا لَا عَرْضًا، وَمَتَى عَدَلَ عَنْ رُتْبَةٍ إلَى دُونِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَانَتْ كَالْعَدَمِ. وَسَكَتُوا عَنْ قَدْرِ الْمُصَلَّى وَالْخَطِّ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُمَا كَالشَّاخِصِ وَيُسَنُّ أَنْ يُمِيلَ السُّتْرَةَ عَنْ وَجْهِهِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَيَجِبُ أَنْ لَا يُبْعِدَهَا عَنْ قَدَمَيْهِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، وَمَتَى اسْتَتَرَ بِسُتْرَةٍ مُعْتَبَرَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَرَهَا مُقَلِّدُ الْمَارِّ فِيمَا يَظْهَرُ حَرُمَ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَلَوْ لِضَرُورَةٍ، وَلَوْ بَعْدَ إزَالَتِهَا فِي الْأَثْنَاءِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مَا لَمْ يُقَصِّرْ الْمُصَلِّي بِنَحْوِ وُقُوفٍ بِقَارِعَةِ طَرِيقٍ أَوْ شَارِعٍ أَوْ دَرْبٍ ضَيِّقٍ أَوْ بَابِ مَسْجِدٍ أَوْ بِالْمَطَافِ وَقْتَ طَوَافِ النَّاسِ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِمْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ طَرَفِ السَّطْحِ الْمَذْكُورِ لَا يُغْنِي عَنْ السَّتْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (سُئِلَ) - مَتَّعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ - عَمَّا لَوْ وُجِدَ إمَامُ الْجَامِعِ أَوْ شَخْصٌ آخَرُ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، هَلْ يُنْدَبُ لِمَنْ يُصَلِّي مُقْتَدِيًا بِمَنْ ذُكِرَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْ سُتْرَةٍ وَإِنْ أَدَّى إلَى الِانْفِرَادِ عَنْ الصَّفِّ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ، فَهَلْ يُرَاعَى التَّرْتِيبُ الْمَذْكُورُ فِي الشَّاخِصِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَبْسُطَ مُصَلًّى وَيَقْرَبَ مِنْ الْأَوَّلِ لَا يَعْدِلُ إلَيْهِ حَتَّى لَا يَجِدَ حَائِطًا أَوْ سَارِيَةً وَإِنْ بَعُدَتْ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخَطُّ فِي الْمَسْجِدِ لِكَوْنِهِ مُجَصَّصًا، هَلْ لَهُ أَنْ يَخُطَّ فِيهِ بِمِدَادٍ وَنَحْوِهِ؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - بِقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ لِي أَنَّهُ حَيْثُ تَعَارَضَ السُّتْرَةُ وَالِانْفِرَادُ فِي الصَّلَاةِ؛ بِأَنْ كَانَ لَوْ اسْتَتَرَ السُّتْرَةَ الْمُعْتَبَرَةَ وَقَفَ مُنْفَرِدًا، وَلَوْ وَقَفَ فِي الصَّفِّ وَقَفَ بِلَا سُتْرَةٍ - قَدَّمَ الْوُقُوفَ فِي الصَّفِّ؛ لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ بِهِ أَكْثَرُ بِدَلِيلِ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي أَنَّ مَنْ وَقَفَ مُنْفَرِدًا عَنْ الصَّفِّ مَعَ إمْكَانِ الدُّخُولِ فِيهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا؛ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ عِنْدَهُمْ، بَلْ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ لَكِنْ أَجَبْتُ عَنْهُ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ بِمَا ظَهَرَ بِهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وُضُوحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَئِمَّتُنَا، بِخِلَافِ مَنْ صَلَّى بِلَا سُتْرَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ خِلَافٌ، كَذَلِكَ وَمَا جَرَى خِلَافٌ فِي الْإِبْطَالِ بِفَقْدِهِ أَوْلَى مِمَّا لَمْ يَجْرِ فِي فَقْدِهِ خِلَافٌ، بَلْ مَا جَرَى فِي الْإِبْطَالِ بِفَقْدِهِ خِلَافٌ قَوِيٌّ أَوْلَى مِمَّا جَرَى فِي الْإِبْطَالِ بِفَقْدِهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ؛ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُتَفَرِّقَاتُ

стр. 160

كَلَامِهِمْ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لَوْ تَعَارَضَ إدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ؛ بِأَنْ دَخَلَ مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةُ الظُّهْرِ مَثَلًا. وَرَأَى الْجَمَاعَةَ فِي الْعَصْرِ قَدَّمَ التَّرْتِيبَ؛ فَيُصَلِّي الْفَائِتَةَ وَحْدَهُ، وَإِنْ خَشِيَ عَدَمَ إدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَنَا وَفَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ أَحْمَدَ لَكِنْ الْقَائِلُ بِذَلِكَ لَا يَرَى بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِفَقْدِهَا، وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يَقُولُ بِهِ أَنَّ مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَثِمَ، بِخِلَافِ تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِفَرْضِيَّتِهِ فَإِنَّهُ يَرَى بُطْلَانَ الصَّلَاةِ عِنْدَ فَقْدِهِ. قَالُوا: فَكَانَتْ رِعَايَتُهُ آكَدَ مِنْ رِعَايَةِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ فَقُدِّمَ عَلَيْهَا، وَإِنْ خَشِيَ أَوْ عَلِمَ فَوْتَهَا. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّ فَقْدَهَا مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ فَهُوَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، بِخِلَافِ الْإِبْطَالِ بِفَقْدِ التَّرْتِيبِ فَإِنَّهُ مُتَّفِقٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهِ عَلَى أَنَّ فَقْدَهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؛ فَثَبَتَ أَنَّهُ آكَدُ مِنْ الْجَمَاعَةِ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته الرَّدُّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ ذَلِكَ تَقَرَّرَ مَا فِي الْجَمَاعَةِ وَالتَّرْتِيبِ، وَعَلِمْت أَنَّ الْأَصَحَّ تَقْدِيمُ التَّرْتِيبِ لِمَا ذَكَرْته. وَظَهَرَ لَك مِمَّا مَرَّ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّفِّ مَعَ عَدَمِ السُّتْرَةِ أَوْلَى مِنْ الْوُقُوفِ مُنْفَرِدًا مَعَ وُجُودِهَا. نَعَمْ، مَنْ أَحْرَمَ بِلَا سُتْرَةٍ وَأَمْكَنَهُ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ - أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ إلَى سُتْرَةٍ مُعْتَبَرَةٍ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ خُرُوجُهُ مِنْ الصَّفِّ - كَانَ الْأَوْلَى لَهُ التَّقْدِيمَ أَوْ التَّأْخِيرَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ سُنَّةٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: يُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ سَعَةً إذَا أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا أَنْ يَجُرَّ فِي الْقِيَامِ آخَرَ مِنْ الصَّفِّ إلَيْهِ؛ لِيَصْطَفَّ مَعَهُ، وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ.» وَمِنْ ثَمَّ قُلْتُ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْإِمَامِ إذَا فَعَلَ أَحَدٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ خِلَافَ السُّنَّةِ أَنْ يُرْشِدَهُ إلَيْهَا بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا، لَكِنْ إنْ وَثِقَ مِنْهُ بِالِامْتِثَالِ. وَقِيَاسُ الْمَأْمُومِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنَى أَيْضًا مِنْ كَرَاهَةِ الْفِعْلِ الْقَلِيلِ، ثَمَّ رَأَيْته فِي الْمُهَذَّبِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ عَلَّمَهُ الْإِمَامُ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ عَبَّاسٍ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته لَكِنْ ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْجَاهِلِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ قَضِيَّةُ قَوْلِ شَرْحِهِ: فَإِنْ لَمْ يَتَحَوَّلْ الْمَأْمُومُ اُسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَهُ، وَقَوْلُ التَّحْقِيقِ: فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ خَلْفَهُ نُدِبَ التَّحَوُّلُ إلَى الْيَمِينِ، وَإِلَّا فَلْيُحَوِّلْهُ الْإِمَامُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ تَرَدُّدٌ فِي كُلِّ صَفٍّ هَلْ هُوَ سُتْرَةٌ لِمَا خَلْفَهُ إذَا كَانَ بَيْنَ كُلِّ صَفَّيْنِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ؟ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ سُتْرَةٌ؛ وَمِنْ ثَمَّ قُلْتُ: فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ: قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: وَلَا يُسْتَحَبُّ السَّتْرُ بِآدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ؛ لِشَبَهِهِ بِعِبَادَةِ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ. وَفِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ إلَيْهَا فَيُصَلِّي إلَيْهَا» ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْ الشَّافِعِيَّ وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهِ؛ إذْ لَا مُعَارِضَ لَهُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ بِذَلِكَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ يُكْرَهُ إنْ اسْتَقْبَلَ الْآدَمِيُّ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَرَاءَهُ. وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ كُلَّ مَا كُرِهَ اسْتِقْبَالُهُ كَجِدَارٍ نَجِسٍ أَوْ مُزَوَّقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ السَّتْرُ بِهِ فَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ، وَأَنَّ كُلَّ صَفٍّ يَكُونُ سُتْرَةً لِمَا خَلْفَهُ إنْ قَصَدُوا الِاسْتِتَارَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ فِيهِ شَبَهٌ بِمَا مَرَّ عَنْ التَّتِمَّةِ اهـ. وَحَيْثُ قُلْنَا: يُنْدَبُ لِمَنْ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَقْرُبَ مِنْ السُّتْرَةِ، فَلْيُرَاعِ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرُوهُ، وَهُوَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْجِدَارَ أَوْ نَحْوَهُ كَالْعَمُودِ؛ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا فَالشَّاخِصُ مِنْ نَحْوِ عَصًا أَوْ مَتَاعٍ يَجْمَعُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ طُولُهُ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ افْتَرَشَ مُصَلًّى كَسَجَّادَةٍ؛ فَإِنْ عَجَزَ خَطَّ خَطًّا مِنْ قَدَمَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ طُولًا لَا عَرْضًا كَمَا رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ السُّتْرَةَ لَا تَحْصُلُ إذَا جَعَلَهُ عَرْضًا مِنْ يَمِينِهِ إلَى يَسَارِهِ أَوْ عَكْسِهِ لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْحَاوِي وَفُرُوعِهِ حُصُولُهَا. وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ، وَحَمَلَ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ عَلَى الْأَكْمَلِ، وَعِبَارَةَ غَيْرِهَا عَلَى حُصُولِ أَصْلِ السُّنَّةِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَمَا ذَكَرْته

стр. 161

مِنْ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالْخَطِّ هُوَ مَا فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ: الْحَقُّ مَا فِي الْإِقْلِيدِ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ وَإِنَّمَا قَاسُوهُ عَلَى الْخَطِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ - مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمَقِيسَ قَدْ يَكُونُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ؛ نَظَرًا لِلْمَقْصُودِ كَمَا فِي الْخَطِّ مَعَ الْإِيتَاءِ فِي الْكِتَابَةِ، وَبِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَوْلَى نَظَرًا لِلْمَعْنَى - وَهُوَ ظُهُورُ السَّتْرِ - لَكِنْ الْخَطُّ خَالَفَ فِيهِ كَثِيرُونَ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَمْنَعُوا الْمُصَلِّيَ؛ لِمَا ذُكِرَ وَلَوْ عَجَزَ عَمَّا عَدَا الْخَطِّ أَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخُطَّ فِيهِ خَطًّا كَأَنْ يَكُونَ بِمَسْجِدٍ مُجَصَّصٍ ثُمَّ خَطَّ بَيْنَ يَدَيْهِ طُولًا أَوْ عَرْضًا عَلَى مَا مَرَّ خَطًّا بِمِدَادٍ، أَوْ جَعَلَ مَحَلَّ الْخَطِّ عَلَامَةً أُخْرَى؛ كَأَنْ كَانَ مَعَهُ عَصًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ نَصْبُهَا فَبَسَطَهَا عَلَى هَيْئَةِ الْخَطِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْخَطِّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ إشْعَارُ الْمَارِّ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَبِأَنَّ الْقَصْدَ بِالسُّتْرَةِ لَيْسَ دَفْعَ الْمَارِّ فَحَسْبُ، بَلْ دَفْعُ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمُصَلِّي الْمُسَبَّبِ مِنْ عَدَمِ السُّتْرَةِ، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ مَا صَحَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْخَطِّ فَلَا تَحْصُلُ سُنَّةُ السَّتْرِ بِذَلِكَ، وَيَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّ السَّتْرَ بِهِ غَيْرُ مُعْتَادٍ فِي الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ الْمَارُّ مَعَ وُجُودِهِ مَعْذُورًا. وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ هُوَ الْأَوَّلُ فَيَحْصُلُ بِهِ سُنَّةُ السَّتْرِ بِذَلِكَ. وَيَحْرُمُ الْمُرُورُ عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ سُتْرَةٌ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السُّتْرَةَ يُشْتَرَطُ اعْتِيَادُهَا؛ فَإِنَّ الْخَطَّ نَفْسَهُ لَمْ يُعْتَدَّ السَّتْرُ بِهِ إلَّا نَادِرًا، فَتَكُونُ هَذِهِ مُلْحَقَةً بِهِ بِجَامِعِ عَدَمِ ظُهُورِ السُّتْرَةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْخَطَّ لَيْسَ فِيهِ سُتْرَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ الْخِلَافُ الْقَوِيُّ لَوْلَا صِحَّةُ الْحَدِيثِ بِهِ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ. وَمَعَ عَدَمِ ظُهُورِ السُّتْرَةِ فِيهِ جَعَلُوهُ سُتْرَةً؛ تَبَعًا لِلْحَدِيثِ وَأَلْحَقُوا بِهِ الْمُصَلِّيَ الْأَوْلَى مِنْهُ بِالْحُكْمِ؛ لِظُهُورِ السُّتْرَةِ فِيهِ كَمَا مَرَّ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ظُهُورَ السُّتْرَةِ لَيْسَ شَرْطًا، وَعَلَى أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْخَطِّ لَيْسَ تَعَبُّدًا بَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ إشْعَارُ الْمَارِّ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُرُورِ وَالشَّيْطَانِ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّسَلُّطِ عَلَى الْمُصَلِّي؛ لِقَطْعِ صَلَاتِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي وَضْعِ الْعَصَا عَلَى هَيْئَةِ الْخَطِّ بِالْمِدَادِ السَّابِقِ وَنَحْوِهِمَا فَظَهَرَ إلْحَاقُهُمَا بِهِ وَالِاعْتِدَادُ بِهِمَا فِي السُّتْرَةِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ هُمَا فِي مَرْتَبَةِ الْخَطِّ؛ لِأَنَّهُمَا مُلْحَقَانِ بِهِ أَوْ فِي مَرْتَبَةِ الْمُصَلِّي؟ الَّذِي يَتَّجِهُ - الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ فِيهِ مِنْ ظُهُورِ السُّتْرَةِ مَا لَيْسَ فِيهَا فَكَانَ إلْحَاقُهُمَا بِالْخَطِّ وَجَعْلُهُمَا فِي مَرْتَبَتِهِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ فَتْحِ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ الَّذِي غَلِطَ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ تَوَقَّفَتْ عَلَيْهِ هَلْ تَبْطُلُ بِهِ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ إذَا قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَمْ لَا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ كَالدَّمِيرِيِّ وَابْنِ الْعِمَادِ وَمَا الَّذِي يُفْتَى بِهِ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ وَهَلْ نَصَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمُونَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ قَصْدُ الْقِرَاءَةِ مُخْتَصٌّ بِالْفَاتِحَةِ إذَا تَوَافَقَ مَحَلُّ قِرَاءَتِهَا أَمْ لَا؟ وَالتَّسْبِيحُ لِلتَّنْبِيهِ وَالْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ لِلْإِعْلَامِ كَالْفَتْحِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ بَيِّنُوا لَنَا بَيَانًا شَافِيًا؟ (فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِقَوْلِهِ: أَمَّا مَسْأَلَةُ الْفَتْحِ وَالتَّنْبِيهِ وَالْإِعْلَامِ بِالتَّكْبِيرِ فَفِيهَا اضْطِرَابٌ، وَحَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْ نَبَّهَ غَيْرَهُ بِقُرْآنٍ أَوْ ذِكْرٍ؛ كَأَنْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ اسْتَأْذَنُوا فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ: اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ قَصَدَ التَّنْبِيهَ وَحْدَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَمَا فِي تَحْقِيقِ النَّوَوِيِّ وَدَقَائِقِهِ، وَبَحَثَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ إنْ كَانَ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهِ إلَى تِلْكَ الْآيَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَإِلَّا بَطَلَتْ وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، بَلْ حَيْثُ وُجِدَ صَارِفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا يَأْتِي، وَيَأْتِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالذِّكْرِ؛ كَأَنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ نَحْوُ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ فِي التَّشَهُّدِ فَقَالَهَا الْمَأْمُومُ، وَفِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ الْمُبَلِّغِ فَإِنْ قَصَدَ الْقُرْآنَ أَوْ الذِّكْرَ أَوْ التَّكْبِيرَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ قَصْدِ الْإِعْلَامِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَصَدَ الْإِعْلَامَ وَحْدَهُ أَوْ أَطْلَقَ بَطَلَتْ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا لَا يَصْلُحُ لِتَخَاطُبِ النَّاسِ بِهِ مِنْ نَظْمِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَمَا يَصْلُحُ، خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ؛

стр. 162

لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصَّلَاةِ الْخُضُوعُ لِلْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَمُنَاجَاتُهُ بِتِلَاوَةِ كِتَابِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْخَاصِّ الْمَشْرُوعِ كَمَا أَرْشَدَ إلَيْهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» ، فَقَصْدُ التَّنْبِيهِ أَوْ الْفَتْحِ مَثَلًا مَعَ قَصْدِ الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ تَابِعٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَلَا يُؤَثِّرُ، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ قَصْدِ التَّنْبِيهِ أَوْ الْفَتْحِ أَوْ الْإِعْلَامِ لِصَرْفِهِ الذِّكْرَ أَوْ الْقُرْآنَ عَنْ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ الْأَصْلِيِّ إلَى مَعْنَى مَا يُتَخَاطَبُ بِهِ، فَأَشْبَهَ كَلَامَ النَّاسِ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُمْ؛ إذْ (سُبْحَانَ اللَّهِ) حِينَئِذٍ بِمَعْنَى تَنْبِيهٍ (وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) بِمَعْنَى رَكَعَ الْإِمَامُ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا لِلْإِسْنَوِيِّ هُنَا، ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّسْوِيَةِ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ مِنْ الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَرَّرَ، هُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَنَازَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ كَابْنِ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِ بِأُمُورٍ طَوِيلَةٍ بَيَّنْتُ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِي لِلرَّوْضَةِ أَنَّهَا كُلَّهَا مَرْدُودَةٌ، وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْفَتْحَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ سُنَّةً قَصْدُ الْقِرَاءَةِ فَلَا بِدَعَ عِنْدَ انْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي الْإِبْطَالِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ الْإِفْهَامُ الْمُجَرَّدُ مِنْهُ أَشْبَهَ كَلَامَ الْبَشَرِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِالنَّذْرِ أَوْ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إفْهَامَ أَحَدٍ وَإِنَّمَا هُوَ إنْشَاءُ قُرْبَةٍ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَصَدَ بِهِ إفْهَامَ الْغَيْرِ الْعِتْقَ أَوْ الْتِزَامَ الصَّدَقَةِ بِحَيْثُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْإِنْشَاءِ إلَى الْإِخْبَارِ أَبْطَلَ بِلَا شَكٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُ ثَدْيَ الْمُرْضِعَةِ مِنْ رِيقِ الرَّضِيعِ الْمُتَنَجِّسِ؛ كَقَيْءٍ أَوْ ابْتِلَاعِ نَجَاسَةٍ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - يُعْفَى عَنْ فَمِ الصَّغِيرِ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَقَالَ: يُعْفَى عَمَّا اتَّصَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْوَاهِ الصِّبْيَانِ مَعَ تَحَقُّقِ نَجَاسَتِهَا، وَأَلْحَقَ بِهِ غَيْرُهُ أَفْوَاهَ الْمَجَانِينِ وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ نَقْلُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ، وَاعْتَمَدَهُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ جِرَّةِ الْبَعِيرِ فَلَا يَنْجُسُ مَا يُشْرَبُ مِنْهُ، وَيُعْفَى عَمَّا تَطَايَرَ مِنْ رِيقِهِ الْمُتَنَجِّسِ، وَأَلْحَقَ بِهِ فَمَ مَا يُجْتَرُّ مِنْ وَلَدِ الْبَقَرِ وَالضَّأْنِ إذَا الْتَقَمَ أَخْلَافَ أُمِّهِ؛ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمُخَالِطِ لَهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ أَنَّهُ يُعْفَى عَمَّا تَحَقَّقَ إصَابَةُ بَوْلِ ثَوْرِ الدِّيَاسَةِ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (سُئِلَ) ﵁ هَلْ يُعْفَى فِي حَقِّ مَنْ تَحْضُنُ الطِّفْلَ عَنْ الْقَلِيلِ مِنْ بَوْلِهِ وَغَائِطِهِ وَقَيْئِهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) لَا يُعْفَى عَمَّا ذُكِرَ لَا لِلْحَاضِنَةِ وَلَا لِغَيْرِهَا. (وَسُئِلَ) أَيْضًا مَا حُكْمُ النَّعْلِ الْمُسَلَّمَةِ إلَى الْإِسْكَافِيِّ الطَّهَارَةُ أَوْ النَّجَاسَةُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حُكْمُ النَّعْلِ الْمُسَلَّمَةِ لِمَنْ ذُكِرَ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ. (وَسُئِلَ) أَيْضًا هَلْ يُعْفَى عَنْ عَرَقِ الرِّجْلِ فِي النِّعَالِ الْمُتَنَجِّسَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُ الرِّجْلَ مِنْ النِّعَالِ الْمُتَنَجِّسَةِ بِوَاسِطَةِ الْعَرَقِ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي فِي النِّعَالِ مَعْفُوًّا عَنْهَا؛ وَإِلَّا لَمْ يُعْفَ عَنْ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) أَيْضًا ﵁ عَنْ حِيَاضِ الْبِرَكِ وَالْآبَارِ الَّتِي يَشْرَبُ فِيهَا الْكِلَابُ وَيَعْسُرُ تَطْهِيرُهَا؛ لِكَثْرَةِ شُرْبِ الْكِلَابِ مِنْ مَائِهَا، وَكَذَلِكَ الْآنِيَةُ الْمَوْضُوعَةُ فِي الْبُيُوتِ لِشُرْبِ نَحْوِ الدَّجَاجِ وَالْكِلَابِ يُشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَيَعْسُرُ تَطْهِيرُهَا بَعْدَ كُلِّ مَرَّةٍ، هَلْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ لِلْمَشَقَّةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يُعْفَى عَمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ الْكِلَابُ مِمَّا مَاؤُهُ قَلِيلٌ بَلْ هُوَ نَجِسٌ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَنْ يَغْسِلَ الْمَحَلَّ الَّذِي أَصَابَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهَا بِالتُّرَابِ الطَّهُورِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ لِشُرْبِ الدَّجَاجِ أَوْ غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) أَيْضًا عَنْ الشَّارِعِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِينٌ وَفِيهِ سِرْجِينُ وَعَذِرَةُ الْآدَمِيِّينَ وَزِبْلُ الْكِلَابِ هَلْ يُعْفَى إذَا حَصَلَ الْمَطَرُ عَمَّا يُصِيبُ الثَّوْبَ وَالرِّجْلَ مِنْهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُعْفَى عَمَّا ذُكِرَ فِي الشَّارِعِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ عَمَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ، وَلَمْ يُنْسَبْ صَاحِبُهُ إلَى سَقْطَةٍ وَلَا إلَى كَبْوَةٍ وَقِلَّةِ تَحَفُّظٍ. (وَسُئِلَ) أَيْضًا عَنْ الْأَوَانِي الَّتِي عَلَيْهَا وَنِيمُ الذُّبَابِ إذَا لَمَسَهَا مَعَ رُطُوبَةِ يَدِهِ أَوْ هِيَ هَلْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُعْفَى عَنْ لَمْسِ الْآنِيَةِ الَّتِي عَلَيْهَا وَنِيمُ الذُّبَابِ، وَلَوْ مَعَ رُطُوبَةِ يَدِهِ، لَكِنْ بِعَرَقٍ وَنَحْوِهِ لَا مُطْلَقًا وَلَا مَعَ رُطُوبَةِ الْآنِيَةِ. (وَسُئِلَ) أَيْضًا عَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ فِي أَمَاكِنِ الصَّلَاةِ الْمُهَيَّأَةِ لَهَا غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، وَفِي الْآبَارِ، وَالْبِرَكِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ، وَالسِّقَايَاتِ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُعْفَى عَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ فِي أَمَاكِنِ

стр. 163

الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَسَاجِدَ، وَمَنْ عَبَّرَ بِالْمَسَاجِدِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَيُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ وَأَرْضَاهُ عَنْ قَوْلِهِمْ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِحَرْفٍ مُفْهِمٍ؛ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُفْهِمًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ مُفْهِمًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ لُغَتِهِ. (فَأَجَابَ) - أَبْقَاهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَتَّجِهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَتَعْلِيلِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُفْهِمًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصْلُحُ لِلتَّخَاطُبِ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِمُعْتَقِدِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُفْهَمْ عِنْدَهُ، وَإِنْ أَفْهَمَ عِنْدَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بِحَسَبِ ظَنِّهِ مَا يَقْتَضِي قَطْعَ نَظْمِ الصَّلَاةِ؛ وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَمَّا يُورَدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي شُرُوطِ الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا، أَمَّا مُبْطِلَاتُهَا فَالْمَدَارُ فِيهَا عَلَى مَا يَقْطَعُ نَظْمَ الصَّلَاةِ، وَالْكَلَامُ لَا يَقْطَعُ نَظْمَهَا إلَّا إنْ كَانَ مُفْهِمًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِنْ جَهِلَ الْإِفْهَامَ بِمَا هُوَ مُفْهِمٌ تَأَتَّى فِيهِ مَا قَالُوهُ فِي الْجَهْلِ؛ لِحُرْمَةِ الْكَلَامِ مِنْ أَنَّهُ إنْ عُذِرَ فِي ذَلِكَ لِقُرْبِ إسْلَامِهِ أَوْ نَشْئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عُذِرَ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ الْوَشْمِ هَلْ يَجِبُ كَشْطُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَرِيحُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ وَاجِبٌ حَيْثُ لَمْ يَخْشَ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَقَضِيَّةُ مَا فِي الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ وَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ وُجُوبُ إزَالَتِهِ مُطْلَقًا، وَعَلَى كُلٍّ فَمَحَلُّهُ إذَا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَمَجْلِيٌّ فِي الذَّخَائِرِ فِي نَزْعِ الْعَظْمِ أَمَّا إذَا فُعِلَ بِهِ مُكْرَهًا أَوْ فَعَلَهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلَا تَجِبُ إزَالَتُهُ مُطْلَقًا، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَتْ خَشْيَةُ مَحْذُورِ التَّيَمُّمِ فَأَيُّ عُذْرٍ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ؟ وَلَوْ وَشَمَ الْكَافِرُ نَفْسَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ نَزْعُهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ: كَثِيرٌ مِنْ الْمُوَسْوَسِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُبَسْمِلَ يَقُولُ: بِسْ، وَيُكَرِّرُهَا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْقِرَاءَةَ لَمْ تَبْطُلْ، وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُمْ: إنَّ الْوَسْوَسَةَ فِي الْقِرَاءَةِ لَيْسَتْ بِعُذْرٍ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ يُمْكِنُهُ الْمُفَارَقَةُ، فَرَبْطُهُ صَلَاتَهُ بِصَلَاتِهِ مَعَ فُحْشِ التَّخَلُّفِ تَقْصِيرٌ؛ فَأَبْطَلَ بِخِلَافِهِ هُنَا؛ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ. فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ بِالْبُطْلَانِ هُنَا فِيهِ نَظَرٌ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ الْمُصَلِّي إذَا قَالَ فِي دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ: وَجَّهْت وَجْهِي وَأَسْلَمْت قَلْبِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِزِيَادَةِ (وَأَسْلَمْت قَلْبِي) ؟ . (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَذْكَارِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ أَسْلَمْت وَجْهِي إلَيْك.» (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَحْرِيكِ الْأَجْفَانِ وَاللِّسَانِ ثَلَاثًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُهَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَأَمَّا الْحَرَكَاتُ الْخَفِيفَةُ إذَا كَثُرَتْ وَتَوَالَتْ فَلَا تَضُرُّ، فَشَمِلَ حَرَكَةَ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ خَفِيفَةٌ؛ إذْ الْمُرَادُ خِفَّةُ الْعُضْوِ الْمُتَحَرِّكِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَضْغَ وَحْدَهُ فِعْلٌ يُبْطِلُ كَثِيرُهُ مَعَ خِفَّةِ الْمَضْغِ، لَكِنْ آلَتُهُ، وَهِيَ اللَّحْيُ عُضْوٌ غَيْرُ خَفِيفٍ. نَعَمْ، أَفْتَى غَيْرُهُ بِالْبُطْلَانِ بِتَحْرِيكِ الْأَجْفَانِ، وَقِيَاسُهُ الْبُطْلَانُ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ أَتَتْ نُخَامَةٌ مُصَلِّيًا؛ إنْ لَفَظَهَا ظَهَرَ حَرْفَانِ، وَإِنْ تَرَكَهَا نَزَلَتْ لِجَوْفِهِ، فَمَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ جَوَازَ لَفْظِهَا: وَإِنْ ظَهَرَ حَرْفَانِ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الصَّوْمِ؛ أَيْ وَلَوْ نَفْلًا؛ أَيْ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لِحَدِّ الظَّاهِرِ مِنْ الْفَمِ؛ وَهُوَ مَخْرَجُ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهَا إلَّا بِظُهُورِ حَرْفَيْنِ مَثَلًا، فَيُغْتَفَرُ أَنَّ لَهُ خَشْيَةً مِنْ نُزُولِهَا لِلْبَاطِنِ فَيَفْسُدُ صَوْمُهُ. وَظَاهِرٌ أَنَّ مُرَادَهُ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَجُوَبُهُ إنْ كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ رِعَايَةِ تَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الصَّوْمِ عَلَى الصَّلَاةِ - قَوْلُهُمْ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الصَّائِمَةِ إنَّهَا تَتْرُكُ الْحَشْوَ نَهَارًا؛ رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الصَّوْمِ دُونَ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْت: يُشْكِلُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُنْظَرِ وَالْمُنْظَرِ بِهِ تَقْدِيمُهُمْ مَصْلَحَةَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّوْمِ فِيمَنْ ابْتَلَعَ بَعْضَ خَيْطٍ قَبْلَ الْفَجْرِ وَطَرَفُهُ خَارِجٌ، ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا فَإِنَّهُ إنْ ابْتَلَعَ بَاقِيَهُ أَوْ نَزَعَهُ أَفْطَرَ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَطَرِيقُهُ فِي صِحَّتِهِمَا أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنْهُ وَهُوَ غَافِلٌ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى نَزْعِهِ وَلَا يُفْطِرُ؛ كَالْمُكْرَهِ. قَالَ: وَلَوْ قِيلَ: لَا يُفْطِرُ وَإِنْ نَزَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَبْعُدْ؛ تَنْزِيلًا لِإِيجَابِ الشَّرْعِ مَنْزِلَةَ

стр. 164

الْإِكْرَاهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَهَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ الْوَطْءِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَحَلَّ تَنْزِيلِ إيجَابِ الشَّرْعِ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ إذَا كَانَ لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي نُظِرَ بِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ لَهُ مَنْدُوحَةً عَنْ تَعَمُّدِ النَّزْعِ بِرَفْعِ أَمْرِهِ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ بِالنَّزْعِ مِنْهُ وَهُوَ غَافِلٌ. نَعَمْ، إنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا وَلَا مَنْ يَنْزِعُهُ وَهُوَ غَافِلٌ اتَّضَحَ حِينَئِذٍ مَا بَحَثَهُ، قُلْت: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْخَيْطِ وَالْحَشْوِ الْمُنْظَرِ بِهَا بِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ، فَالظَّاهِرُ دَوَامُهَا، فَلَوْ رُوعِيَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا؛ لَتَعَذَّرَ قَضَاءُ الصَّوْمِ لِلْحَشْوِ؛ وَلِأَنَّ الْمَحْذُورَ فِيهَا لَا يَنْتَفِي بِالْكُلِّيَّةِ - فَإِنَّ الْحَشْوَ يَتَنَجَّسُ، وَهِيَ حَامِلَتُهُ بِخِلَافِهِ ثَمَّ، وَلَك أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْخَيْطِ وَمَسْأَلَةِ النُّخَامَةِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عُهِدَ فِيهَا اغْتِفَارُ الْكَلَامِ الْقَلِيلِ، وَلَوْ مَعَ التَّعَمُّدِ وَالْعِلْمِ وَالِاخْتِيَارِ، وَلِلْعُذْرِ كَالتَّنَحْنُحِ لِلْجَهْرِ بِأَذْكَارِ الِانْتِقَالَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى سَمَاعِ الْمَأْمُومِينَ، كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ، وَكَالتَّنَحْنُحِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْبَلْغَمِ بِحَلْقِهِ إذَا خَشِيَ أَنْ يَخْتَنِقَ، كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَكَالضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ وَالْأَنِينِ وَالتَّنَحْنُحِ مَعَ الْغَلَبَةِ. قَالُوا: لِأَنَّ الْكَثِيرَ يَقْطَعُ نَظْمَهَا دُونَ الْقَلِيلِ، وَكَالتَّلَفُّظِ فِيهَا بِقُرْبَةٍ كَنَذْرٍ وَعِتْقٍ حَيْثُ لَا تَعْلِيقَ وَلَا خِطَابَ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُغْتَفَرُ فِيهِ إدْخَالُ شَيْءٍ إلَى الْجَوْفِ، وَلَا إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْهُ مَعَ التَّعَمُّدِ وَالْعِلْمِ وَالِاخْتِيَارِ، وَلَوْ لِعُذْرٍ، فَعَلِمْنَا انْقِطَاعَ نَظْمِهِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ، فَلَمْ يُغْتَفَرْ لِلصَّائِمِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَعَدَمُ انْقِطَاعِ نَظْمِ الصَّلَاةِ بِالْكَلَامِ الْقَلِيلِ لِلْعُذْرِ فَاغْتَفَرْنَاهُ، وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ فِي الْفَرْضِ، وَأَبَحْنَا لَهُ فِي التَّنَفُّلِ التَّنَخُّمَ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ مَثَلًا، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا مَرَّ عَنْ الزَّرْكَشِيّ فِي التَّنَخُّمِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْته فِي الْخَيْطِ؛ لَوْلَا مُلَاحَظَةُ هَذَا الْفَرْقِ الْجَلِيِّ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ عَارٍ مُتَنَجِّسٍ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مُتَنَجِّسًا لَا يُمْكِنُهُ تَطْهِيرُهُ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَتَطَهَّرُ بِهِ، هَلْ يُصَلِّي عَارِيًّا أَوْ يَلْبَسُ الثَّوْبَ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ؛ فَقَدْ قِيلَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّهُ يَلْبَسُ الثَّوْبَ؛ تَخْرِيجًا عَلَى قَاعِدَةِ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الْأَمْرَيْنِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمَذْكُورِ؛ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ يُصَلِّي عَارِيًّا؛ إذْ ظَاهِرٌ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ بَدَنُهُ طَاهِرًا أَمْ نَجِسًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: فِي كَلَامِهِمْ إشَارَةٌ إلَى كُلٍّ مِنْ الرَّأْيَيْنِ؛ لَكِنَّهُ إلَى الثَّانِي أَمْيَلُ، وَبَيَانُهُ تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ وَاجِبَانِ أَوْ حَرَامَانِ قُدِّمَ آكَدُهُمَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا تَعَارَضَ حَرَامَانِ: لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ، وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ، فَيُقَدَّمُ آكَدُهُمَا؛ وَهُوَ عَدَمُ اللُّبْسِ. وَوَجْهُ آكَدِيَّتِهُ قَوْلُهُمْ: هَلْ يُصَلِّي الْعَارِي قَائِمًا وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مُحَافَظَةً عَلَى الْأَرْكَانِ؟ أَوْ يُصَلِّي قَاعِدًا مُومِيًا مُحَافَظَةً عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ؟ أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا أَوْجُهٌ ثَلَاثَةٌ؟ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ؛ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَمَامَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ آكَدُ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ صَرَّحُوا فِيمَنْ جَلَسَ عَلَى نَجَاسَةٍ مُمَاسَّةٍ لِبَعْضِ بَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا - أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهَا قَائِمًا حَتْمًا، وَيَلْزَمُهُ خَفْضُ رَأْسِهِ لِلسُّجُودِ إلَى حَيْثُ لَوْ زَادَ أَصَابَهَا. وَلَا يَجُوزُ لَهُ إصَابَتُهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّنْقِيحِ وَالتَّحْقِيقِ. وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ آكَدُ مِنْ اسْتِيفَاءِ السُّجُودِ؛ إذْ قَدْ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ مَعَ الْإِيمَاءِ بِخِلَافِهِ مَعَهَا، فَإِذَا كَانَتْ آكَدَ مِنْ اسْتِيفَاءِ السُّجُودِ كَانَتْ آكَدَ مِنْ السَّتْرِ بِالْأَوْلَى؛ لِمَا عَلِمْت أَوَّلًا أَنَّ اسْتِيفَاءَ السُّجُودِ آكَدُ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِذَا قَدَّمَ اجْتِنَابَهَا عَلَى الْآكَدِ مِنْ السَّتْرِ فَلَأَنْ تُقَدَّمَ عَلَى السَّتْرِ أَوْلَى، لَا يُقَالُ: هُوَ يَلْزَمُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَمَا فَائِدَةُ اجْتِنَابِهَا؟ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ - وَإِنْ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ - صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ مُخْرِجَةٌ لِلْعُهْدَةِ عَنْ إثْمِ إخْرَاجِهَا عَنْ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ وَتَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ إنْ اُجْتُنِبَتْ النَّجَاسَةُ فِيهَا مَهْمَا أَمْكَنَ. وَلَيْسَ مِنْ أَعْذَارِ الْمُتَضَمِّخِ بِالنَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ؛ فَقَدْ عَدُّوا مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِكَشْفِهَا فِي الصَّلَاةِ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مُتَنَجِّسًا، فَوُجُودُ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ مُبِيحٌ لِلْكَشْفِ، وَتَنَجُّسُ بَعْضِ الْبَدَنِ لَيْسَ مُبِيحًا لِلُبْسِ الثَّوْبِ النَّجِسِ، فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْأَوْجَهَ بَلْ الْمُصَرَّحُ بِهِ كَمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي عَارِيًّا - وَإِنْ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ - فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ - فِي حَاضِرٍ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَكْفِي لِلْحَدَثِ أَوْ النَّجَاسَةِ بِبَدَنِهِ - أَنَّهُ

стр. 165

يَتَخَيَّرُ بَيْنَ صَرْفِهِ لَهَا أَوْ لِلْحَدَثِ؛ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، قُلْت: لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ فَبَيْنَهُمَا نَوْعُ تَسَاوٍ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا صَرْفَهُ لَهَا حِينَئِذٍ لَكَانَ مُصَلِّيًا مَعَ الْحَدَثِ فَلَمْ يُفِدْ الْوُجُوبُ شَيْئًا، وَأَمَّا مَا يُتَخَيَّلُ مِنْ أَنَّهُ يُفِيدُ تَخْفِيفًا فَإِنَّهُ لَوْ صُرِفَ لَهَا صَلَّى بِحَدَثٍ عَنْهُ بَدَلٌ؛ وَهُوَ التَّيَمُّمُ، وَلَوْ صُرِفَ لَهُ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ لَيْسَ عَنْهَا بَدَلٌ، فَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ تَقَارُبَهُمَا فِي الشَّرْطِيَّةِ - مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ - اقْتَضَى الْمُسَامَحَةَ لَهُ حَتَّى خُيِّرَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا التَّخَيُّلُ هُوَ مَلْحَظَ مَا فِي بَعْضِ كُتُبِ النَّوَوِيِّ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ مِنْ إطْلَاقِ وُجُوبِ تَقْدِيمِهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ ذَرْقِ الذُّبَابِ إذَا وَقَعَ فِي الدَّوَاةِ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي النُّكَتِ بِأَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ: مَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ تَحَرَّكَ فِي الصَّلَاةِ حَرَكَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، ثُمَّ أَرَادَ حَرَكَةً لِشَيْءٍ مَسْنُونٍ فِي الصَّلَاةِ؛ كَأَنْ رَأَى بَيْنَ قَدَمَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ شِبْرٍ وَأَرَادَ تَقْرِيبَهُمَا، أَوْ رَآهُمَا زَائِلَتَيْنِ عَنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ وَأَرَادَ تَوَجُّهَهُمَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ خَطَا بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ نَقَلَ الْأُخْرَى إلَى مُحَاذَاتِهَا لَا يُعَدُّ خُطْوَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، فَهَلْ حُكْمُ كُلِّ مَسْنُونٍ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ؟ وَلَوْ زَالَتْ الْأَقْدَامُ وَأَطْرَافُهَا عَنْ مَحَلِّهَا حَالَ الْقِيَامِ عِنْدَ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ هَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ حَرَكَاتٍ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ تَصْفِيقَ الْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَدَفْعَ الْمُصَلِّي لِلْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَةٍ مَعَ كَوْنِهِمَا مَنْدُوبَتَيْنِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْبُطْلَانُ فِيمَا لَوْ تَحَرَّكَ حَرَكَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ عَقَّبَهُمَا بِحَرَكَةٍ أُخْرَى مَسْنُونَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ لَا تُغْتَفَرُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِنِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ مَعَ الْعُذْرِ، فَأَوْلَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَشَرْطُ الْحَرَكَةِ الَّتِي تُبْطِلُ ضَمُّ حَرَكَتَيْنِ إلَيْهَا - أَنْ تَكُونَ بِعُضْوٍ مُسْتَقِلٍّ فَلَا أَثَرَ لِحَرَكَةِ نَحْوِ الْأَصَابِعِ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْكَافِي بِأَنَّ الذَّهَابَ وَالْعَوْدَ فِي الْحَكِّ وَالرَّفْعِ وَالْوَضْعِ مُغَايَرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحِينَئِذٍ فَيُعْرَفُ حُكْمُ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ زَوَالِ أَطْرَافِ الْأَقْدَامِ أَوْ نَفْسِهَا عَنْ مَحَلِّهَا. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ: ذَكَرُوا أَنَّ مَحَلَّ الْعَفْوِ فِي النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا مَا لَمْ يُبَاشِرْهَا مَائِعٌ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ «مَا كَانَ لِأَحَدِنَا إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ» . . . إلَخْ - فِيهِ الرِّيقُ، وَهُوَ مَائِعٌ، فَهَلْ يُقَالُ: هُوَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَةِ - يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي التَّنْجِيسِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالْمَائِعِ وَلَا عَلَى عَدَمِهِ، وَلَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ الِاخْتِلَاطُ بِهِ أَوْ يُؤَثِّرُ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ إنَّهَا صَلَّتْ فِي الثَّوْبِ الَّذِي أَصَابَهُ، ذَلِكَ قَبْلَ تَطْهِيرِهِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَهُوَ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ، وَهُوَ غَيْرُ حُجَّةٍ عِنْدَنَا. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ؛ مِنْ السَّلَسِ وَغَيْرِهِ، اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ سَلَسَ الْبَوْلِ وَالْمَذْيَ وَغَيْرَهُمَا كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِسَلَسٍ هُوَ عَادَةٌ وَمَرَضٌ، أَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ مَذْيٌ بِسَبَبٍ حَادِثٍ كَنَظَرٍ وَقُبْلَةٍ فَلَهُ حُكْمُ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِلنَّفْلِ وَالْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِ سَلَسِ الْبَوْلِ فِي الثَّوْبِ وَالْعِصَابَةِ بِالنِّسْبَةِ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ الْآتِيَةِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ أَوْ تَجْفِيفُهُ وَغَسْلُ الْعِصَابَةِ أَوْ تَجْدِيدُهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَيُعْفَى عَنْ كَثِيرِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْحَشْوُ لِتَأَذِّيهَا بِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ بَوْلِ السَّلَسِ فِي الثَّوْبِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ التَّنْبِيهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ اعْتِمَادُهُ، لَكِنْ تَفْرِقَتُهُ فِي الْعَفْوِ بَيْنَ بَوْلِ السَّلَسِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ فِيهَا نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْعَفْوِ؛ عَنْ قَلِيلِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِلثَّوْبِ؛ وَعَنْ كَثِيرِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِصَابَةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ: وَأَصْلُهَا الضَّرْبُ السَّادِسُ؛ أَيْ مِنْ النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا فِي أَنْوَاعٍ مُتَفَرِّقَةٍ، مِنْهَا النَّجَاسَةُ الَّتِي تَسْتَصْحِبُهَا الْمُسْتَحَاضَةُ، وَسَلَسُ الْبَوْلِ، فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْعَفْوِ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ بَحَثَ الْعَفْوَ عَنْ قَلِيلِ الْبَوْلِ مِنْ الصَّحِيحِ، قَالَ: لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِهِ أَغْلَبُ وَأَعَمُّ مِنْ الدَّمِ.

стр. 166

لَكِنْ أَجَابَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُمْ لَمَحَوَا فِيهِ زِيَادَةَ الِاسْتِقْذَارِ. وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الدَّمَ لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ مَخْصُوصٌ، وَلَا يَخْرُجُ بِالِاخْتِيَارِ غَالِبًا؛ فَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْبَوْلِ. وَاعْتَمَدَ الْأَذْرَعِيُّ الْبَحْثَ لَا عَلَى إطْلَاقِهِ فَقَالَ: (لَا يَبْعُدُ إلْحَاقُ يَسِيرِ الْبَوْلِ بِالدَّمِ الْيَسِيرِ فِي الْعَفْوِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْهَرِمِ وَالشَّيْخَةِ، وَمَنْ اسْتَرْخَى ظَهْرُهُ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ إحْلِيلُهُ لِعُنَّةٍ أَوْ شَلَلٍ؛ فَإِنَّ تَحَفُّظَهُ مِمَّا يَبْقَى فِي الْمَخْرَجِ عَسِرٌ أَوْ مُتَعَذَّرٌ، وَإِنْ اسْتَبْرَأَ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ تَنَجَّسَ بَعْضُ ثَوْبِهِ وَانْبَهَمَ فَمَسَّ بَعْضَهُ رَطْبٌ لَمْ يَتَنَجَّسْ بِهِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى بَعْضِهِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْفَرْقُ أَنَّ الصَّلَاةَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا ظَنُّ طَهَارَةِ الثَّوْبِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَالنَّجَاسَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَحَقُّقِ مُمَاسَّةِ الْمَحَلِّ النَّجِسِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَاخْتَلَفَ مَأْخَذُهُمَا. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: يَجُوزُ أَكْلُ دُودِ الطَّعَامِ وَرَوْثِ الْجَرَادِ وَنَحْوِهِ مَعَهُ، هَلْ الْعَفْوُ عَنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَكْلِ فَقَطْ أَوْ مُطْلَقًا حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ غَسْلُ فَمِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ إذَا أَكَلَهُ لَيْلًا وَأَصْبَحَ صَائِمًا، وَلَمْ يَغْسِلْ فَمَهُ وَازْدَرَدَ رِيقَهُ، أَوْ مَا الْحُكْمُ فِيهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ فِي دُودِ نَحْوِ الْخَلِّ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ مَا هُوَ فِيهِ مِمَّا نُشُوءُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا؛ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ. وَصَرِيحُ هَذَا أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَلَا لِلصَّوْمِ وَلَا لِغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ جَوَازِ أَكْلِ رَوْثِ الْجَرَادِ وَنَحْوِهِ مَعَهُ - فَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فِي صِغَارِ السَّمَكِ، وَأَلْحَقَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ الْجَرَادَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْقَمُولِيِّ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَتَنَجَّسُ الْفَمُ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ لِلصَّلَاةِ وَلَا لِغَيْرِهَا، نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الدُّودِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ تَنَحْنَحَ؛ لِتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ، فَهَلْ يُعْذَرُ وَإِنْ ظَهَرَ بِهِ حُرُوفٌ كَثِيرَةٌ عُرْفًا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ؛ كَمَا إذَا غَلَبَهُ الضَّحِكُ وَنَحْوُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ وَالرَّوْضَةِ؛ وَأَصْلِهَا أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِي التَّنَحْنُحِ لِلذِّكْرِ الْوَاجِبِ إلَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ بِهِ حُرُوفٌ كَثِيرَةٌ عُرْفًا؛ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَاهُ فِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ لِلْغَلَبَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ. نَعَمْ، لَوْ تَعَذَّرَ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ الْقَوْلِيِّ إلَّا بِتَنَحْنُحٍ كَثِيرٍ - فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْبُطْلَانِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَحْوِ الْغَلَبَةِ بِأَنَّ هَذَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ ذَاكَ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ الْإِشَارَةِ بِالْعَيْنِ أَوْ الرَّأْسِ وَفِي تَحْرِيكِ الْأَجْفَانِ وَاللِّسَانِ فِي الصَّلَاةِ، هَلْ هِيَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْخَفِيفَةِ حَتَّى لَا تَبْطُلَ الصَّلَاةُ بِكَثِيرِهَا، أَوْ لَا حَتَّى تَبْطُلَ بِثَلَاثٍ؟ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْعَيْنِ أَوْ الْيَدِ أَوْ الرَّأْسِ قَلِيلٌ، وَهَلْ الْمُرَادُ الْإِشَارَةُ الْوَاحِدَةُ أَوْ أَعَمُّ؟ وَهَلْ الْيَدُ وَالرَّأْسُ وَالْعَيْنُ مِنْ الْأَعْضَاءِ الصِّغَارِ حَتَّى لَا تَبْطُلَ بِكَثِيرٍ مِنْهَا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا تَحْرِيكُ الرَّأْسِ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً - فَمُبْطِلٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَأَمَّا تَحْرِيكُ الْأَجْفَانِ وَاللِّسَانِ فَقَدْ ذَكَرْت حُكْمَهُمَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ، وَعِبَارَتُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمِنْ الْقَلِيلِ إدَامَةُ تَحْرِيكِ الْأَجْفَانِ، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَلَا تَبْطُلُ بِإِدَامَةِ تَحْرِيكِ الْأَجْفَانِ فِي الْأَصَحِّ اهـ وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ بِالْحَرَكَةِ، فَهِيَ كَالْأَصَابِعِ وَيَتَّجِهُ إلْحَاقُ اللِّسَانِ بِهَا فِي ذَلِكَ، انْتَهَتْ. وَوَجْهُ الْإِلْحَاقِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِالْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَحَرَّكَ لَا يَتَحَرَّكُ كُلُّهُ بَلْ بَعْضُهُ فَهُمَا كَالْأَصَابِعِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّكُ كُلُّهُ، وَبِخِلَافِ الْيَدِ مَثَلًا فَإِنَّهَا كَذَلِكَ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: شَرْطُ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِتَحْرِيكِ الْأَصَابِعِ أَنْ لَا يَتَحَرَّكَ كَفُّهُ بِالذَّهَابِ وَالْإِيَابِ، كَمَا فِي الْكَافِي. وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ تَحْرِيكُهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْبَدَنِ سَاكِنٌ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِسُكُونِ أَكْثَرِ الْبَدَنِ مَعَ اسْتِقْلَالِ الْعُضْوِ الْمُتَحَرِّكِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى الْعُرْفِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُرْفَ يَعُدُّ تَحَرُّكَ الْيَدِ وَحْدَهَا الْمُتَوَالِي ثَلَاثًا كَثِيرًا، فَأَبْطَلَ لِمُنَافَاتِهِ لِلصَّلَاةِ؛ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ سَاكِنًا. وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ مُرَادَ الْأَنْوَارِ بِقَوْلِهِ: الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ أَوْ الرَّأْسِ قَلِيلٌ، تَحْرِيكُ أَحَدِهِمَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا غَيْرَ مُتَوَالِيَةٍ؛ أَمَّا الثَّلَاثُ الْمُتَوَالِيَةُ بِأَحَدِهِمَا فَلَا شَكَّ بِالْبُطْلَانِ بِهِ؛ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. (وَسُئِلَ) - أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ - عَمَّا لَوْ عَرَضَتْ لِلْمُصَلِّي نُخَامَةٌ وَبِإِخْرَاجِهَا يَظْهَرُ حَرْفَانِ، هَلْ يُخْرِجُهَا وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ يَبْتَلِعُهَا وَإِنْ بَطَلَتْ

стр. 167

صَلَاتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عِبَارَتِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ إذَا تَرَاكَمَ الْبَلْغَمُ بِحَلْقِهِ أَوْ غَصَّ بِرِيقِهِ، وَخَشِيَ أَنْ يَنْخَنِقَ إنْ لَمْ يَتَنَحْنَحْ فَتَنَحْنَحَ لِلضَّرُورَةِ لَمْ يَضُرَّ. وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَائِمًا وَحَصَلَتْ نُخَامَةٌ - إنْ تَنَحْنَحَ - خَرَجَتْ فَيَصِحُّ صَوْمُهُ أَنَّهُ يَلْفِظُهَا وَإِنْ لَزِمَ إظْهَارُ حَرْفَيْنِ، وَوَجْهُهُ مَا فِيهِ مِنْ تَصْحِيحِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ إذْ يُبْطِلُهَا مَا يُبْطِلُهُ؛ لِأَنَّ إظْهَارَ الْحَرْفَيْنِ إذَا اُغْتُفِرَ لِتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ - فَلْيُغْتَفَرْ لِصَوْنِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَنْ الْإِبْطَالِ سِيَّمَا إنْ كَانَا فَرْضَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُ لَفْظِهَا إنْ كَانَ الصَّوْم وَاجِبًا، وَكَذَا الصَّلَاةُ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ. وَبِمَا وَجَّهْته بِهِ يُرَدُّ عَلَى مَنْ نَازَعَ فِيهِ. وَأَفْتَى الشَّرَفُ الْمُنَاوِيُّ بِأَنَّ مَنْ عَرَضَتْ لَهُ نُخَامَةٌ فَوَصَلَتْ لِحَدِّ الظَّاهِرِ؛ وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَجُّهَا إلَّا بِالتَّنَحْنُحِ وَإِلَّا وَصَلَتْ لِلْبَاطِنِ - يَتْرُكُهَا تَنْزِلُ إلَيْهِ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ وَصَلَتْ لِحَدِّ الظَّاهِرِ لِعُذْرِهِ بِسَبَبِ إبْطَالِ الصَّلَاةِ بِالتَّنَحْنُحِ حَالًا اهـ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ. (سُئِلْت) عَمَّا لَوْ عَرَضَتْ لَهُ نُخَامَةٌ؛ إنْ قَطَعَهَا وَمَجَّهَا ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَإِنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ وَأَفْطَرَ، فَمَا الَّذِي يَرْتَكِبُهُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمَفْسَدَتَيْنِ؟ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ يَرْتَكِبُ التَّرْكَ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ اهـ. وَلَك رَدُّ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ وُصُولَهَا لِلْبَاطِنِ بَعْدَ خُرُوجِهَا لِحَدِّ الظَّاهِرِ مُبْطِلٌ، وَكَذَا التَّنَحْنُحُ لِإِخْرَاجِهَا عَلَى مَا زَعَمَهُ، فَمَا الْمُرَجِّحُ لِاغْتِفَارِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي؛ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِتَخْيِيرِهِ بَيْنَ تَرْكِ التَّنَحْنُحِ حَتَّى تَنْزِلَ، وَفِعْلِهِ لِإِخْرَاجِهَا؛ لِتَعَارُضِ مُبْطِلَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ. أَوْ يُقَالُ بِالْبُطْلَانِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ بِاغْتِفَارِ التَّنَحْنُحِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ عُهِدَ اغْتِفَارُ تَعَمُّدِهِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ فِي الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ تَعَمُّدِ الْمُفْطِرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ. وَالثَّانِي بِأَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ التَّرْكَ؛ فَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: يُقَدَّمُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ - سَاوَى كَلَامَ الْمُنَاوِيِّ فَيُرَدُّ بِمَا رَدَدْته بِهِ؛ وَإِنْ قَالَ بِإِبْطَالِهَا، فَالْقِيَاسُ تَخْيِيرُهُ لَا تَعَيُّنُ التَّرْكِ. ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ فِي مُفْطِرٍ، أَمَّا الصَّائِمُ فَأَمْرُهُ بِالتَّرْكِ الْمُؤَدِّي لِإِفْطَارِهِ وَبُطْلَانِ صَلَاتِهِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي، وَلِإِفْطَارِهِ فَقَطْ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ - لَا وَجْهَ لَهُ. ثُمَّ رَأَيْت أَخَاهُ صَالِحًا قَالَ: مَحَلُّهُ فِي الْمُفْطِرِ، وَإِلَّا ارْتَكَبَ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ، وَلَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَالتَّرْكُ يُبْطِلُهُمَا اهـ. وَدَعْوَاهُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ إذَا مَجَّ فَظَهَرَ حَرْفَانِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ بِوُجُوبِ الْمَجِّ، فَإِنْ تَرَكَهُ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ لَزِمَ إظْهَارُ حَرْفَيْنِ لِتَصْحِيحِ الصَّوْمِ، وَكَذَا الصَّلَاةُ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ إظْهَارَهُمَا لَا يَضُرُّ لِضَرُورَةٍ؛ كَتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهُنَا صَوْنُ الصَّوْمِ عَنْ الْإِبْطَالِ وَاجِبٌ، وَقَلْعُ النُّخَامَةِ مِنْ الظَّاهِرِ مُبْطِلٌ، وَكَانَ لَفْظُهَا ضَرُورِيًّا فَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ؛ وَإِنْ تَضَمَّنَ إظْهَارَ حَرْفَيْنِ اهـ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَمَّا فِي السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ سَتَرَ وَرِكَهُ الَّذِي يَلِي الْأَرْضَ بِهَا فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا انْكَشَفَ بَعْضُ وَرِكِهِ فِي تَشَهُّدِهِ مَثَلًا فَسَتَرَهُ فَوْرًا بِإِلْصَاقِهِ بِالْأَرْضِ، فَالظَّاهِرُ - وِفَاقًا لِبَعْضِهِمْ - أَنَّهُ يَكْفِي كَالسَّتْرِ بِيَدِهِ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي حُفْرَةٍ ضَيِّقَةِ الرَّأْسِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قَوْلِ الْمُصَلِّي: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَنَحْوِهَا، لِدَاخِلٍ، وَقَوْلِ غَيْرِهِ لِذَلِكَ؛ لِلْإِعْلَامِ بِفَرَاغِ مُدَّةِ قِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ، هَلْ تَحْرُمُ أَوْ تُكْرَهُ؟ وَهَلْ قَالَ أَحَدٌ إنَّ ذَلِكَ شِرْكٌ، كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ؟ . (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بَلْ، وَلَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَوْ يَجِبُ، كَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ: مِنْ أَنَّ التَّنْبِيهَ فِي الصَّلَاةِ بِنَحْوِ تَسْبِيحٍ أَوْ تَصْفِيقٍ إنْ كَانَ لِوَاجِبٍ فَوَاجِبٌ، أَوْ لِمُسْتَحَبٍّ فَمُسْتَحَبٌّ، أَوْ لِحَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ. وَإِذَا جَرَى هَذَا فِي الْمُصَلِّي جَرَى فِي غَيْرِهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى. وَتَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الْإِعْلَامَ وَالذِّكْرَ فِي الصَّلَاةِ جَازَ - صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَصْدَ الْإِعْلَامِ وَحْدَهُ لِغَيْرِ الْمُصَلِّي لَا يَحْرُمُ، بَلْ وَكَذَا لِلْمُصَلِّي إنْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهَا. وَحُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْفَرْضِ لَيْسَ إلَّا لِكَوْنِ تَعَمُّدِ قَطْعِهِ حَرَامًا، وَتَوَهُّمُ اغْتِفَارِ قَصْدِ الْإِعْلَامِ مَعَ الذِّكْرِ لِلْمُصَلِّي إنَّمَا هُوَ لِحُرْمَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ يُبْطِلُهُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْإِفْهَامِ بِالْإِشَارَةِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْجُنُبَ لَوْ

стр. 168

قَرَأَ آيَةً بِقَصْدِ الْإِعْلَامِ وَحْدَهُ جَازَ، فَإِذَا جَازَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَيْقَظَ النَّبِيَّ ﷺ بِقَوْلِهِ؟ (اللَّهُ أَكْبَرُ) رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ؛ بِقَصْدِ الْإِعْلَامِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إيقَاظُهُ بِنَحْوِ يَدِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَعَلَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلَ الْمُضِيفِ لِلضَّيْفِ؟ (بِسْمِ اللَّهِ) قَرِينَةً لَفْظِيَّةً عَلَى الْإِذْنِ فِي الْأَكْلِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي جَوَازِهَا بِقَصْدِ الْإِعْلَامِ بِهَا أَنَّهُ أَذِنَ فِي الْأَكْلِ وَلَمْ يُحْفَظْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ إنَّ ذَلِكَ شِرْكٌ، فَيُؤَدَّبُ مَنْ يَقُولُ عَلَى الْعُلَمَاءِ مَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ النُّخَامَةِ الْعَارِضَةِ لِلْمُصَلِّي هَلْ قَطْعُهَا أَوْ بَلْعُهَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَتَى لَمْ تَصِلْ لِحَدِّ الظَّاهِرِ لَا يَتَعَرَّضُ لَهَا؛ فَإِنَّ نُزُولَهَا لِلْجَوْفِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُبْطِلٍ، فَإِنْ تَعَرَّضَ لَهَا وَظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمَتَى وَصَلَتْ لِحَدِّ الظَّاهِرِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ قَطْعُهَا وَمَجُّهَا فَكَذَلِكَ، وَمَتَى وَصَلَتْ لَهُ وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ جَازَ لَهُ قَطْعُهَا؛ وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ نَحْوُ حَرْفَيْنِ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ صَوْنًا لِلصَّلَاةِ عَنْ الْإِبْطَالِ فَإِنْ قُلْت: كُلٌّ مِنْ الْحَرْفَيْنِ وَنُزُولِ أَجْنَبِيٍّ إلَى الْجَوْفِ مُبْطِلٌ، فَلِمَ اغْتَفَرْتُمْ الْحَرْفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؟ قُلْت: لِأَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا النُّطْقَ بِهِمَا فِي مَوَاضِعَ دُونَ تَعَمُّدِ نُزُولِ شَيْءٍ إلَى الْجَوْفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَغْتَفِرُوهُ كَذَلِكَ، فَكَانَتْ مُنَافَاةُ هَذَا لَهَا أَشَدَّ؛ فَلَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَعُفِيَ عَنْ النُّطْقِ بِنَحْوِ حَرْفَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ صَلَّى ثُمَّ بَانَ فِي ثَوْبِهِ قَمْلَةٌ أَوْ بَقَّةٌ مَيْتَةٌ، هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا. نَعَمْ، صِئْبَانُ الْقَمْلِ الْمَحْشُوُّ فِي الْخِيَاطَةِ الْمُتَعَذَّرُ الْإِخْرَاجَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْفَى عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِهِ - هَلْ يُعْفَى عَنْ كُلِّ مَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَطِينِ الشَّارِعِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ بِتَفْصِيلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ الْمَبْسُوطَةِ، وَاسْتِيعَابُهُ يَطُولُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - حَيْثُ جَاءَ ذِكْرُ الْعِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَمَا حَدُّهَا الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْفَضِيلَةُ وَالْإِجْزَاءُ؟ وَهَلْ صَحَّ كَمْ كَانَ قَدْرُ عِمَامَةِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ وَأَيْضًا فَحَيْثُ قِيلَ بِاسْتِحْبَابِ الْعِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يَقُومُ مَقَامَهَا عِنْدَ عَدَمِهَا أَوْ وُجُودِهَا غَيْرُهَا مِنْ قَلَنْسُوَةٍ أَوْ شِبْهِهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِلْدٍ، وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يُسَمُّونَ ذَلِكَ خُوذَةً، وَأَيْضًا فَحَيْثُ قِيلَ بِاسْتِحْبَابِ التَّخَتُّمِ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ فَهَلْ يَكْفِي فِي إحْرَازِ الْفَضِيلَةِ التَّخَتُّمُ بِالْحَلْقَةِ وَمَا شَابَهَهَا مِمَّا يَكُونُ فِي مَعْنَاهَا أَمْ لَا، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَدْرَ عِمَامَتِهِ ﷺ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؟ . (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حَدُّ الْعِمَامَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْفَضِيلَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِحَدِيثِ «صَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِلَا عِمَامَةٍ» - الْعُرْفُ؛ فَمَا سَمَّاهُ الْعُرْفُ عِمَامَةً - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - حَصَلَتْ بِهِ الْفَضِيلَةُ، وَمَا لَا فَلَا. وَتَحْدِيدُهَا بِنَحْوِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ الْحَاجِّ الْمَالِكِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَدْخَلِهِ: وَإِذَا كَانَتْ الْعِمَامَةُ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ فِعْلِ سُنَنٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا؛ مِنْ تَنَاوُلِهَا بِالْيَمِينِ وَالتَّسْمِيَةِ وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ - إنْ كَانَتْ مِمَّا لُبِسَ جَدِيدًا - وَامْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي صِفَةِ التَّعْمِيمِ مِنْ فِعْلِ التَّحْنِيكِ وَالْعَذَبَةِ وَتَصْغِيرِ الْعِمَامَةِ - يَعْنِي سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا - يُخْرِجُونَ مِنْهَا التَّحْنِيكَ وَالْعَذَبَةَ، فَإِنْ زَادَ فِي الْعِمَامَةِ قَلِيلًا؛ لِأَجْلِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيُتَسَامَحُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] : فَعَلَيْك أَنْ تَتَسَرْوَلَ قَاعِدًا، وَتَتَعَمَّمَ قَائِمًا، وَنَحْوُ الْقَلَنْسُوَةِ لَا تُحَصِّلُ فَضِيلَةَ الْعِمَامَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى عِمَامَةً. وَصَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ سُنَّةَ التَّخَتُّمِ بِالْفِضَّةِ تَحْصُلُ بِلُبْسِ الْخَاتَمِ بِفَصٍّ وَبِدُونِ فَصٍّ، وَمَنْ اشْتَرَطَ فِي حِلِّ لُبْسِ الْخَاتَمِ الْفَصَّ فَقَدْ سَهَا. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ الْمُصَلِّي الْمُتَقَمِّصِ إذَا كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، هَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَتَعَمَّمَ بِهِ أَوْ يَرْتَدِيَ بِهِ أَوْ يَتَّزِرَ بِهِ أَوْ يَجْعَلَهُ مُصَلًّى أَوْ مَاذَا يَفْعَلُ بِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ أَنْ يُتَزَيَّنَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ إذَا صَلَّى، وَلَا يَشْتَمِلْ اشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ» وَأَنْ

стр. 169

يَتَقَمَّصَ وَيَتَعَمَّمَ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لِمَا يُرْوَى عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ عِمَامَةٍ» وَيَتَطَيْلَسُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَأَقَرُّوهُ، بَلْ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ يَنْبَغِي تَفْضِيلُهُ عَلَى الرِّدَاءِ؛ أَيْ لِصَوْنِهِ الْبَصَرَ عَنْ جِهَةِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي الصَّلَاةِ وَيَرْتَدِي وَيَتَّزِرُ أَوْ يَتَسَرْوَلُ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَوْبَيْنِ فَالْأَفْضَلُ قَمِيصٌ مِنْ رِدَاءٍ أَوْ مَعَ إزَارٍ أَوْ مَعَ سَرَاوِيلَ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ: وَأَفْضَلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْقَمِيصُ مَعَ الرِّدَاءِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الرِّدَاءِ يَعُمُّ، وَخَالَفَهُ أَبُو زُرْعَةَ فَقَالَ: الْقَمِيصُ مَعَ مِثْلِهِ أَوْ مَعَ إزَارٍ أَوْلَى مِنْ الْقَمِيصِ مَعَ الرِّدَاءِ؛ لِأَنَّ ذَيْنِك أَبْلَغُ فِي السَّتْرِ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: قَوْلُهُمْ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَالْأَوْلَى قَمِيصٌ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْبَدَنِ، ثُمَّ رِدَاءٌ - وَهُوَ مَا عَلَى الْكَتِفِ - لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَيَفْضُلُ مِنْهُ مَا يَكُونُ عَلَى الْكَتِفِ، ثُمَّ إزَارٌ ثُمَّ سَرَاوِيلُ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الرِّدَاءُ سَابِغًا؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ مَصْلَحَةَ الْإِزَارِ وَزِيَادَةً. وَكَلَامُ أَبِي زُرْعَةَ فِي الْإِزَارِ أَوْ السَّرَاوِيلِ - عَلَى مَا إذَا كَانَ الرِّدَاءُ لَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، فَكُلٌّ مِنْ الْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الرِّدَاءِ؛ لِأَنَّ رِعَايَةَ الْمُبَالَغَةِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ مُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ بِالرِّدَاءِ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ الَّذِي مَعَ الْمُتَقَمِّصِ - إنْ كَانَ يَعُمُّ عَوْرَتَهُ إذَا ارْتَدَى بِهِ - فَالِارْتِدَاءُ أَفْضَلُ مِنْ الِاتِّزَارِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعُمُّهَا فَالِاتِّزَارُ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الِارْتِدَاءِ بِهِ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْ الِارْتِدَاءِ وَالِاتِّزَارِ أَفْضَلُ مِنْ التَّعَمُّمِ. وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فِي الْعِمَامَةِ لَمْ يَثْبُتْ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فَقَدْ حَكَمَ الْحُفَّاظُ عَلَى حَدِيثِ: «صَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ تَعْدِلُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَجُمُعَةٌ بِعِمَامَةٍ تَعْدِلُ سَبْعِينَ جُمُعَةً» ، وَحَدِيثِ: «الصَّلَاةُ فِي الْعِمَامَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ حَسَنَةٍ» بِأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ بَاطِلَانِ؛ فَلَوْ وَرَدَ ذَلِكَ اللَّفْظُ لَذَكَرُوهُ. وَلَمْ يُطْلِقُوا الْحُكْمَ بِالْوَضْعِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالُوا: وَمِنْ الْمَوْضُوعِ أَيْضًا: «صَلَاةٌ بِخَاتَمٍ تَعْدِلُ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ خَاتَمٍ.» ثُمَّ رَأَيْت الدَّيْلَمِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ، وَلَفْظُهُ: «رَكْعَتَانِ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا عِمَامَةٍ.» وَفِي أَحَادِيثِ الدَّيْلَمِيِّ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا مَا هُوَ مَشْهُورٌ. وَقَوْلُ ابْنِ الْعِمَادِ (يَنْبَغِي تَفْضِيلُ الطَّيْلَسَانِ عَلَى الرِّدَاءِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الرِّدَاءِ أَعْظَمُ، فَالْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مِنْ تَفْضِيلِ الرِّدَاءِ. هَذَا كُلُّهُ إنْ وَجَدَ سُتْرَةً فِي صَلَاتِهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْهَا وَلَا أَمْكَنَهُ الْخَطُّ الْمُحَصِّلُ لِفَضْلِهَا فَهَلْ الْأَوْلَى جَعْلُهُ سُتْرَةً يُصَلِّي إلَيْهِ أَوْ زِيَادَةُ التَّجَمُّلِ بِهِ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ. وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْأَحَادِيثَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَضَعْ السُّتْرَةَ ضَرَّهُ مَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَقْصِيرِهِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَعَلَّ سَبَبَ هَذَا الضَّرَرِ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ، وَأَنَّهُ يَأْثَمُ؛ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّهُ - بِتَرْكِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا - مُعِينٌ عَلَى حَرَامٍ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَوْ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ وَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارٌّ - أَثِمَا جَمِيعًا إلَّا إنْ وَقَفَ بِطَرِيقٍ فَيَأْثَمُ الْمُصَلِّي فَقَطْ اهـ وَفِيهِ - أَعْنِي مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ نَظَرٌ. وَالْوَجْهُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قَطْعُ الصَّلَاةِ بِالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبِالضَّرَرِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْأَحَادِيثِ قَطْعُ الْخُشُوعِ. وَضَرَرُ الِاشْتِغَالِ بِالْمَارِّ بَلْ وَتَمَكُّنُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ بِالْوَسْوَسَةِ وَالْمُخَادَعَةِ وَإِلْفَاتِهِ عَمَّا هُوَ فِيهِ؛ حَتَّى لَا يَعْقِلَ مِنْ صَلَاتِهِ شَيْئًا أَوْ إلَّا أَقَلَّهَا فَيَفُوتَ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، فَكُلُّ ذَلِكَ هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ أَنَّ جَعْلَ الثَّوْبِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ سِتْرَةً - إذَا لَمْ يَجِدْ سِتْرَةً غَيْرَهُ يُصَلِّي إلَيْهَا - أَوْلَى مِنْ الِارْتِدَاءِ وَالتَّعَمُّمِ وَالِاتِّزَارِ بِهِ؛ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ، بَلْ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ: «اسْتَتِرُوا فِي صَلَاتِكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» ، يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ هَذَا الْخِلَافِ، فَكَانَتْ رِعَايَتُهُ أَوْلَى. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ (إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا) : «كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ» وَقَالَ لِلنِّسَاءِ: «لَا تَرْفَعْنَ رُؤْسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا» اهـ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّمَا نُهِينَ عَنْ الرَّفْعِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَلْمَحْنَ شَيْئًا مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ اهـ فَهَلْ يُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِانْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْ الْعَوْرَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، أَوْ لِضِيقِ ثَوْبٍ

стр. 170

أَوْ لِقِلَّتِهِ، أَوْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ أَمْرُ الشَّرْعِ، أَوْ لَا؟ وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا، فَأَيُّ مَعْنًى لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ» عَنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ الَّتِي هِيَ آكَدُ الْأُمُورِ فِي الْقُدْوَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا» فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ الِانْكِشَافِ، فَهَلْ يُمْنَعُ عَنْ السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِلِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَمْ لَا؟ . وَهَلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ بِهِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُصَلِّي سَتْرُ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ فِي الْأَعْلَى فَهَلْ يَجِبُ سَتْرُ الْمَوْضِعِ الْمُنْخَفِضِ عِنْدَ فَقَارِ الظَّهْرِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَهُ انْخِفَاضٌ كَثِيرٌ هُنَاكَ، وَإِذَا اتَّزَرَ هَذَا لَمْ يُلْصِقْ ثَوْبَهُ إلَى فَقَارِ الظَّهْرِ وَيَكُونُ هُنَاكَ فُرْجَةٌ فَهَلْ يَجِبُ سَتْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ - إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَمِيصٌ - أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِانْكِشَافِ عَوْرَاتِهِمْ بَلْ بِخَشْيَةِ انْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْهَا وَأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ لَا يَضُرُّ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِذَلِكَ؛ فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ مَنْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ فَسَتَرَهَا فَوْرًا - بِأَنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ مَحْسُوسٌ عُرْفًا - لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ الِانْكِشَافُ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ. وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ رُؤْيَةَ الْعَوْرَةِ مِنْ الْأَسْفَلِ لَا تَضُرُّ؛ حَتَّى قَالُوا: لَوْ وَقَفَ عَلَى سَطْحٍ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ مِنْ تَحْتِهِ وَيَنْظُرُونَ إلَى عَوْرَتِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَخَالَفَهُمْ الْإِمَامُ فَاخْتَارَ بُطْلَانَهَا. قَالَ: لِأَنَّهُ مُنْهَتِكٌ لَا مُسْتَتِرٌ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ انْكِشَافُ شَيْءٍ مِنْ عَوْرَاتِهِمْ فِي سُجُودِهِمْ - كَانَ غَيْرَ ضَارٍّ؛ إمَّا لِأَنَّهُ انْكَشَفَ وَرَدُّوهُ فَوْرًا؛ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ انْكِشَافًا مِنْ الْأَسْفَلِ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا؛ وَحِينَئِذٍ فَمِنْ الْوَاضِحِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ بِوَجْهٍ لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ يُغْتَفَرُ ظُهُورُ رُبْعِ الْعَوْرَةِ أَوْ نِصْفِهَا أَوْ دُونَ دِرْهَمٍ مِنْ السَّوْأَتَيْنِ، وَعَلَى مُدَّعِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْآرَاءِ الثَّلَاثَةِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُ سَتْرِ جَمِيعِهَا، فَدَعْوَى اغْتِفَارِ ظُهُورِ بَعْضِهَا تَخْصِيصٌ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ. وَمَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ مِنْ أَنَّ حِكْمَةَ نَهْيِهِنَّ عَنْ الْمُبَادَرَةِ بِالرَّفْعِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَلْمَحْنَ شَيْئًا مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ عِنْدَ الرَّفْعِ - صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَصَالِحِ، وَوُقُوعُ نَظَرِهِنَّ عَلَى بَعْضِ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ - بِفَرْضِ وُقُوعِهِ - مِنْ بَابِ الْمَفَاسِدِ وَأَيِّ الْمَفَاسِدِ وَقَدْ قَرَّرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، فَطُلِبَ مِنْهُنَّ عَدَمُ الْمُبَادَرَةِ بِالرَّفْعِ؛ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ فَاتَ بِهِ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ؛ تَقْدِيمًا لِمَا هُوَ أَخْطَرُ وَأَعْظَمُ. عَلَى أَنَّ لَنَا أَنْ نَمْنَعَ أَنَّ أَمْرَهُنَّ بِالْمُكْثِ إلَى ارْتِفَاعِ الرِّجَالِ يُفَوِّتُ الْمُتَابَعَةَ؛ إذْ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّهَا لَا تَفُوتُ إلَّا بِالتَّقَدُّمِ بِرُكْنٍ أَوْ بِالتَّخَلُّفِ بِهِ أَوْ بِمَا تَفْحُشُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ؛ كَمَا بَسَطُوهُ فِي مَبْحَثِهَا. وَلَيْسَ فِي تَأَخُّرِهِمْ أَدْنَى زَمَنٍ إلَى رَفْعِ الرِّجَالِ تَفْوِيتُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ وَلَا كَمَالُ الْمُتَابَعَةِ، بَلْ كَمَالُهَا حَاصِلٌ لَهُنَّ - وَإِنْ تَأَخَّرْنَ كَمَا أُمِرْنَ - لِأَنَّ التَّخَلُّفَ عَنْ الْإِمَامِ بِعُذْرٍ لَا يَمْنَعُ كَمَالَ الْمُتَابَعَةِ، وَهَذَا تَخَلُّفٌ بِعُذْرٍ؛ وَهُوَ امْتِثَالُ النَّهْيِ عَنْ الْمُبَادَرَةِ بِالرَّفْعِ. عَلَى أَنَّ هَذَا تَأَخُّرٌ يَسِيرٌ جِدًّا، وَهُوَ مُغْتَفَرٌ لَوْ فُرِضَ أَنْ لَا عُذْرَ فَكَيْفَ مَعَ الْعُذْرِ؟ فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يُقَدَّمُ الْمَوْهُومُ مِنْ خَشْيَةِ النَّظَرِ عَلَى الْمُحَقَّقِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ؟ قُلْت: بِمَا قَرَّرْتُهُ مِنْ حُصُولِ الْمُتَابَعَةِ مَعَ ذَلِكَ التَّأَخُّرِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ هُنَا مَوْهُومٌ عَلَى مُحَقَّقٍ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَالْمَوْهُومُ - بِفَرْضِ وُقُوعِهِ - قَدْ تَعْظُمُ مَفْسَدَتُهُ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُحَقَّقِ الَّذِي لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ. وَقَوْلُ السَّائِلِ - زَادَ تَوْفِيقُهُ وَالنَّفْعُ بِهِ - فَهَلْ يَجِبُ سَتْرُ الْمَوْضِعِ الْمُنْخَفِضِ. . . إلَخْ - جَوَابُهُ: نَعَمْ، يَجِبُ عَلَيْهِ مَتَى كَانَ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَى مِنْهُ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ مِنْ الْأَعْلَى بِسَائِرِ جِهَاتِهِ، وَمِنْ الْجَوَانِبِ بِسَائِرِ جِهَاتِهَا؛ فَحَيْثُ كَانَتْ تُرَى مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ لِأَحَدِ الْجَوَانِبِ وَجَبَ سَتْرُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ ثَوْبٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْلَمُ مَحَلُّهَا، فَوَضَعَ الْمُصَلِّي يَدَهُ عَلَيْهِ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ كَالْبِسَاطِ، أَمْ لَا؛ كَالْيَدِ الرَّطْبَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ، وَفَارَقَ عَدَمُ تَنَجُّسِ مُمَاسِّ الرَّطْبِ لِبَعْضِهِ بِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ظَنِّ الطَّهَارَةِ، وَبِمَسِّ ذَلِكَ الْبَعْضِ زَالَ ذَلِكَ الظَّنُّ، وَفِي النَّجَاسَةِ عَلَى تَيَقُّنِ مُمَاسَّتِهَا وَلَمْ يُوجَدْ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَمَّنْ احْتَجَمَ وَوَصَلَ مَحَلَّ الْحَجْمِ مَاءٌ أَوْ دُهْنٌ بِسَبَبِ الْحَجْمِ، هَلْ يُعْفَى عَنْهُ لِلْحَاجَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ)

стр. 171

بِقَوْلِهِ: يُعْفَى عَمَّا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِيهَا كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ طَافَ وَهُوَ حَامِلٌ مَائِعًا فِيهِ مَيْتَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا هَلْ يَبْطُلُ طَوَافُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ - الَّذِي حَرَّرْته فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ - أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ حَمْلِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ فِي صَلَاةٍ وَلَا طَوَافٍ، لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، لَكِنَّهُ خَصَّهُ بِأَيَّامِ الِابْتِلَاءِ بِكَثْرَةِ الذُّبَابِ كَثْرَةً يَتَعَسَّرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْ مُمَاسَّتِهَا لِمَحْمُولِهِ أَوْ مُمَاسِّهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا سَجَدَ الْمُصَلِّي وَخَرَجَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ ذَيْلِ ثَوْبِهِ؛ بِحَيْثُ إنَّ الَّذِي وَرَاءَهُ يَنْظُرُهَا هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا تَضُرُّ رُؤْيَةُ الْعَوْرَةِ مَا دَامَتْ تُسَمَّى مَسْتُورَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْكَشَفَ الثَّوْبُ عَنْهَا وَلَمْ يُرَدَّ فَوْرًا. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّا إذَا فَتَحَ الْمَأْمُومُ عَلَى إمَامِهِ بِقَصْدِ الرَّدِّ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ؟ أَمْ لَا كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَالدَّمِيرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ: الْبُطْلَانُ؛ حَتَّى فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ فَضْلًا عَنْ قَصْدِ الرَّدِّ وَحْدَهُ. وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ لَكِنْ بِمَا هُوَ أَبْسَطُ وَأَوْضَحُ. وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ: (وَلَوْ أَعْلَمَ) غَيْرَهُ غَرَضًا (بِنَظْمِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ) وَقَدْ رَأَى عَجَبًا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، أَوْ وَقَدْ قَعَدَ إمَامُهُ فِي الثَّانِيَةِ مَثَلًا ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ؛ لِقُعُودِ إمَامِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ أَوْ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أَوْ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] . (لِمُسْتَأْذِنٍ) عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ أَوْ فِي أَخْذِ شَيْءٍ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ: وَهُوَ وَاضِحٌ (أَوْ حَمِدَ اللَّهَ لِعُطَاسٍ أَوْ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ أَوْ اسْتَرْجَعَ لِمُصِيبَةٍ) قَالَ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ. وَأَصْلِهَا: أَوْ نَبَّهَ إمَامَهُ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ فَتَحَ عَلَى مَنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ (فَإِنْ قَصَدَ) فِي الْكُلِّ (الْإِعْلَامَ وَحْدَهُ بَطَلَتْ بِلَا خِلَافٍ وَلَا نَظَرٍ إلَى كَوْنِهِ فِي نَحْوِ التَّنْبِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، خِلَافًا لِجَمْعٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ كَلَامَ الْبَشَرِ، وَهُوَ يُبْطِلُهَا، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَتِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ (أَوْ أَطْلَقَ بَطَلَتْ) أَيْضًا كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالدَّقَائِقِ، وَقَالَ: هِيَ نَفِيسَةٌ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ بَيَانِهَا وَزَادَ فِي التِّبْيَانِ فَنَسَبَ ذَلِكَ لِلْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - أَيْ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ - الْبُطْلَانُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهِ إلَيْهَا فَلَا تَبْطُلُ، أَوْ لَا فَتَبْطُلُ. وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ أَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقُرْآنِ، أَوْ كَانَ ذِكْرًا مَحْضًا فَلَا تَبْطُلُ بِهِ قَطْعًا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، قَالَ: وَلْيَنْظُرْ فِيمَا لَوْ أَطْلَقَ فِي الْمُحْتَمَلِ، وَلَا قَرِينَةَ تَنْصَرِفُ إلَيْهَا؛ بِأَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وَنَحْوَهَا ثُمَّ رَكَعَ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ اهـ وَفِيمَا اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَبَحَثَهُ - نَظَرٌ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ لَمَّا بَحَثَ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: وَدَلِيلُ إطْلَاقِ الْبُطْلَانِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي تَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ - أَنَّ مِثْلَ هَذَا النَّظْمِ لَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ، فَإِذَا أَطْلَقَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا لَا يَحْرُمُ اهـ. فَهَذَا التَّقْرِيرُ مِنْهُ - أَعْنِي الْمَجْمُوعَ - صَرِيحٌ فِي اعْتِمَادِهِ الْبُطْلَانَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُطْلَقًا. وَفَرَّقَ الْمَطْلَبُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالْجُنُبِ بِأَنَّ كَوْنَهُ فِي الصَّلَاةِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ ذَلِكَ لِلْقُرْآنِ؛ لِامْتِنَاعِ كَلَامِ الْآدَمِيِّ فِيهَا، وَالْجَنَابَةُ تَصْرِفُهُ لِغَيْرِ الْقِرَاءَةِ؛ لِتَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ مَعَهَا يُرَدُّ بِأَنَّ الْقَرِينَةَ الْعَارِضَةَ كَالِاسْتِئْذَانِ أَقْوَى فِي الصَّرْفِ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ إلَيْهَا، فَاحْتِيجَ حِينَئِذٍ إلَى نِيَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ. عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ قَرِينَتَيْهِ خَفِيَّةٌ فَلَا تَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ صَارِفٌ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَصْدُ وَلَوْ فِي الْمُحْتَمَلِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُنُبِ بِأَنَّ هُنَا قَرِينَةً ظَاهِرَةً تَصْرِفُهُ إلَى الْقُرْآنِيَّةِ، وَهِيَ تَلَبُّسُهُ بِالصَّلَاةِ الْمَوْضُوعَةِ بِخِلَافِهِ فِي الْجُنُبِ، وَحَيْثُ وُجِدَ صَارِفٌ اُشْتُرِطَ قَصْدُ الْقُرْآنِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمُحْتَمَلِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ؛ نَظَرًا إلَى الصَّارِفِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عَنْ الْمَجْمُوعِ. وَيُرَدُّ اعْتِمَادُ جَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ عَدَمَ الْبُطْلَانِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ، وَلَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ، وَيُوَافِقُهُ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ حِينَئِذٍ لِلْجُنُبِ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ؛ مِنْ الْحِنْثِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا، وَأَتَى بِآيَةٍ يَفْهَمُ

стр. 172

مِنْهَا زَيْدٌ مُرَادَهُ بِلَا قَصْدٍ فَثَبَتَ لَهُ مَعَ الْإِطْلَاقِ حُكْمُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ فَأُبْطِلَ هُنَا، وَأُبِيحَ لِلْجُنُبِ، وَحَنِثَ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ. وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ عُذْرَ عَامِّيٍّ جَهِلَ الْإِبْطَالَ بِالْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ، وَلَوْ مَعَ قَصْدِ الْإِعْلَامِ فَقَطْ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ وَمَا بَحَثَهُ غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِمَا وَرَدَ فِي التَّنَحْنُحِ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَصَدَ الْقُرْآنَ أَوْ الذِّكْرَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ التَّنْبِيهِ فَلَا تَبْطُلُ؛ سَوَاءٌ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهِ إلَيْهَا أَمْ أَنْشَأَهَا حِينَئِذٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، قَالَ: لِعُمُومِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ السَّابِقِ، وَعِبَارَتُهُمَا - أَعْنِي مَتْنَ الْعُبَابِ وَشَرْحِي لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ -: (لَا إنْ فَتَحَ) الْمَأْمُومُ مَثَلًا (عَلَى مَنْ) أَيْ إمَامٍ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ (أُرْتِجَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَعَ تَخْفِيفِ الْجِيمِ، وَتَشْدِيدُهَا قَلِيلٌ لَا لَحْنٌ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ؛ فَقَدْ نَقَلَهَا ابْنُ هِشَامٍ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ عَنْ الْمُبَرِّدِ؛ أَيْ أُغْلِقَ (عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَوْ نَبَّهَ نَاسِيًا لِذِكْرِ) آخِرِ كَلِمَةٍ فِي التَّشَهُّدِ (أَوْ جَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ بِالتَّسْمِيعِ) أَيْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلَوْ لِمَحْضِ الْإِعْلَامِ؛ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ عَلَى مَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ، وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِخَبَرِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيّ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ يُلَقِّنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّلَاةِ وَاحْتَجَّ لَهُ ابْنُ الْمُقْرِي بِمَا يَأْتِي مَعَ رَدِّهِ. وَزَعَمَ الدَّمِيرِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْفَتْحِ، وَنُقِلَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَا مَرَّ، قَالَ: وَبِهِ صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا؛ حَيْثُ قَالَ: لَوْ صَلَّى حَالِفٌ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا خَلْفَهُ فَفَتَحَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةً فُهِمَ مِنْهَا مَقْصُودُهُ - لَمْ يَحْنَثْ إنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَإِلَّا حَنِثَ اهـ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ. أَمَّا نَفْيُهُ الْخِلَافَ فِيهِ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِمَا عَلِمْت وَسَتَعْلَمُهُ. وَأَمَّا مَا قَالَاهُ فِي الْأَيْمَانِ فَمَحْمُولٌ كَقَوْلِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَوْ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ وَقَصَدَ إعْلَامَ النَّاسِ لَمْ تَبْطُلْ؛ عَلَى مَا قَرَّرَاهُ هُنَا مِنْ التَّفْصِيلِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْته عَنْهُمَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّنْبِيهِ. وَقَدْ اعْتَمَدَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ - حَتَّى الْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ - التَّفْصِيلَ السَّابِقَ فِيمَا لَوْ أُعْلِمَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ، وَبِهِ - أَعْنِي الْفَتْحَ - صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ فَإِنَّهُ أَدْرَجَهُ مَعَ مَا مَرَّ فِيمَنْ أُعْلِمَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ، وَاسْتَدَلَّ لِلْإِطْلَاقِ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ بِمَا قَدَّمْته عَنْهُ؛ فَإِنْ قَصَدَ الْقُرْآنَ أَوْ الذِّكْرَ أَوْ التَّكْبِيرَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ قَصْدِ الْفَتْحِ أَوْ التَّبْلِيغِ - لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ وَحْدَهُ أَوْ أَطْلَقَ بَطَلَتْ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُحَرَّرِ وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمَا أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ يَجْرِي، وَلَوْ فِيمَا لَا يَصْلُحُ لِتَخَاطُبِ النَّاسِ بِهِ؛ مِنْ نَظْمِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ إذْ الْقَصْدُ مِنْ الصَّلَاةِ الْخُضُوعُ لِلْحَقِّ وَمُنَاجَاتُهُ بِتِلَاوَةِ كِتَابِهِ وَذِكْرُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْخَاصِّ الْمَشْرُوعِ كَمَا أَرْشَدَ إلَيْهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» . فَقَصْدُ التَّنْبِيهِ أَوْ الْفَتْحِ أَوْ التَّبْلِيغِ مَعَ قَصْدِ الذِّكْرِ تَابِعٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، بِخِلَافِ قَصْدِ مُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ مَثَلًا؛ لِصَرْفِهِ الْقُرْآنَ أَوْ الذِّكْرَ عَنْ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ الْأَصْلِيِّ إلَى مَعْنَى مَا يُتَخَاطَبُ بِهِ، فَأَشْبَهَ كَلَامَ النَّاسِ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ تَعْلِيلُهُمْ؛ إذْ (سُبْحَانَ اللَّهِ) مَثَلًا بِمَعْنَى تَنَبَّهْ، (وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) بِمَعْنَى رَكَعَ الْإِمَامُ، وَكَذَا إذَا قَصَدَ الْفَتْحَ فَقَطْ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْإِمَامِ: الَّذِي نَسِيتَهُ كَذَا، وَصَوَابُ التِّلَاوَةِ كَذَا. فَأَشْبَهَ كَلَامَ النَّاسِ، فَانْدَفَعَ بِهَذَا قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ الْمُتَّجِهُ اخْتِصَاصُ التَّفْصِيلِ بِمَا يَصْلُحُ لِتَخَاطُبِ النَّاسِ بِهِ؛ مِنْ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ نَحْوُ (سُبْحَانَ اللَّهِ) وَإِنْ تَجَرَّدَ لِقَصْدِ الْإِفْهَامِ. كَمَا صَرَّحَ بِهَذَا التَّخْصِيصِ الْمَاوَرْدِيُّ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُهَذَّبِ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا تَعْلِيلُهُمْ الْبُطْلَانَ فِي نَحْوِ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] بِأَنَّهُ يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ اهـ وَانْدَفَعَ بِهِ أَيْضًا تَأْيِيدُ ابْنِ الْمُقْرِي لِمَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِ الشَّامِلِ: إذَا أَفْهَمَ الْآدَمِيِّينَ بِالتَّسْبِيحِ وَالْقُرْآنِ لَمْ تَبْطُلْ، وَبِتَعْلِيلِهِمْ الْبُطْلَانَ فِي ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] بِأَنَّهُ يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ وَإِنْ وَافَقَ نَظْمَ الْقُرْآنِ، قَالَ: وَاَلَّذِي يَفْتَحُ لَمْ يَنْطِقْ بِكَلَامِنَا وَلَا قَصَدَهُ، وَبِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا عَلَى مَنْ سَبَّحَ لِمَا نَابَهُ، وَلَا عَلَى إمَامٍ جَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ بِنِيَّةِ الذِّكْرِ أَوْ التَّكْبِيرِ؛ مَعَ أَنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ الْفَاتِحِ؛ لِقَصْدِهِ بِالْقُرْآنِ تَفْهِيمَ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ هَذَا، وَبِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَكَيْفَ تَبْطُلُ وَكَيْفَ يَنْوِي بِفِعْلِهَا غَيْرَهَا؟ وَبِمَا يَأْتِي مِنْ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِالنَّذْرِ وَنَحْوِهِ؛ لِتَضَمُّنِهِ الْقُرْبَةَ، وَإِنْ كَانَ صَرِيحَ كَلَامِنَا فَكَيْفَ تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ أَتَى بِكَلَامِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَامْتِثَالِ

стр. 173

الْأَمْرِ اهـ وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ كَلَامَ الشَّامِلِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ مَعَ الْإِفْهَامِ التَّسْبِيحَ وَالْقِرَاءَةَ، أَوْ الْبَاءُ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ؛ لِيُوَافِقَ كَلَامَ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: الَّذِي يَفْتَحُ. . . إلَخْ مَمْنُوعٌ عِنْد تَجْرِيدِ الْقَصْدِ لِلْإِفْهَامِ فَقَطْ. وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ كَمَنْ قَصَدَ بِنَحْوِ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] الْإِذْنَ بِعَيْنِ مَا قَالُوهُ فِي تَعْلِيلِ الْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِنَا وَإِنْ وَافَقَ نَظْمَ الْقُرْآنِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (لَمْ يَشْتَرِطُوا. . . إلَخْ) مَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ فَقَدْ جَزَمَ الْإِسْنَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِيمَنْ سَبَّحَ لِمَا نَابَهُ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ فِي الْجَوَاهِرِ كَمَا قَدَّمْته. وَشَرْطُ كَوْنِ الْفَتْحِ سُنَّةً قَصْدُ الْقِرَاءَةِ، فَلَا بِدَعَ عِنْدَ انْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي الْإِبْطَالِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِحُصُولِ الْإِفْهَامِ الْمُجَرَّدِ مِنْهُ أَشْبَهَ كَلَامَ الْبَشَرِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَنْ جَرَّدَ قَصْدَهُ لِإِفْهَامِ الْآيَةِ عَنْ الْقِرَاءَةِ قَدْ امْتَثَلَ الْأَمْرَ فِي الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ حِينَئِذٍ خَارِجٌ عَنْ سُنَنِ الْقُرْآنِ وَالْقِرَاءَةِ وَعَمَّا قَصَدَ لَهُ، وَمَا يَأْتِي بِهِ فِي نَحْوِ النَّذْرِ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إفْهَامَ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إنْشَاءُ قُرْبَةٍ، فَهُوَ بِالتَّسْبِيحِ أَشْبَهُ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَصَدَ بِهِ إفْهَامَ الْغَيْرِ الْعِتْقَ أَوْ الْتِزَامَ الصَّدَقَةِ؛ بِحَيْثُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْإِنْشَاءِ إلَى الْإِخْبَارِ أَبْطَلَ بِلَا شَكٍّ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته غَرَابَةُ قَوْلِ جَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ: لَا يَضُرُّ قَصْدُ الْإِفْهَامِ وَالتَّنْبِيهِ وَالتَّبْلِيغِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصٌ لِلَّهِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنَى الذِّكْرِ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ - بِحَمْدِ اللَّهِ - عَلَى نَفَائِسَ وَتَحْقِيقَاتٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، فَلْيَتَأَمَّلْهَا السَّائِلُ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - فَإِنَّهُ إذَا تَأَمَّلَهَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا - التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ نَحْوَ الْإِعْلَامِ أَوْ الْفَتْحِ، أَوْ لَا يَقْصِدَ شَيْئًا؛ فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ؛ وَبَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الْقُرْآنَ أَوْ الذِّكْرَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْإِعْلَامِ أَوْ الْفَتْحِ مَثَلًا فَلَا تَبْطُلُ؛ لِمَا ظَهَرَ وَتَقَرَّرَ وَاتَّضَحَ وَتَحَرَّرَ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِطَاعَتِهِ؛ إنَّهُ هُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ وَصْلِ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا بِشَعْرٍ نَجِسٍ أَوْ شَعْرِ آدَمِيٍّ؛ هَلْ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ الْوَصْلِ وَصْلَ كُلِّ شَعْرَةٍ لَهَا بِشَعْرَةٍ مِنْ الْخَارِجِ، أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ نِسَاءُ مِليِبَارَ؛ فَإِنَّهُنَّ يَفْتِلْنَ شُعُورَهُنَّ وَتَكُونُ مُرْسَلَةً عَلَى حَالِهَا، ثُمَّ يَجْمَعْنَ شُعُورًا أَوْ حَرِيرًا أَوْ صُوفًا عَلَى حِدَةٍ فِي مِثْلِ نِصْفِ حَجْمِ شُعُورِهِنَّ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ يَضَعْنَ ذَلِكَ مَعَ الشُّعُورِ وَيَرْبِطْنَهَا مَعًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ؛ فَهَلْ هَذَا مِنْ الْوَصْلِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَحْرُمُ وَصْلُ الشَّعْرِ بِشَعْرٍ نَجِسٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ رُطُوبَةٌ، وَلَا وَصَلَتْ فِيهِ، وَكَذَا بِشَعْرِ آدَمِيٍّ وَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ. وَيَحْرُمُ أَيْضًا بِشَعْرِ غَيْرِهِمَا وَبِصُوفٍ وَخِرَقٍ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْحَلِيلُ، وَخَرَجَ بِالْوَصْلِ رَبْطُهُ بِخَيْطِ حَرِيرٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ؛ إذْ لَا وَصْلَ فِيهِ، كَذَا ذَكَرَهُ أَئِمَّتُنَا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى تَمَيَّزَ ذَلِكَ الْحَرِيرُ أَوْ نَحْوُهُ؛ كَالشَّعْرِ لِلْأَجْنَبِيِّ عَنْ شَعْرِ الرَّأْسِ؛ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِهِ - كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ وَصْلٍ فَلَا نَهْيَ عَنْهُ، وَمَتَى اتَّصَلَ بِهِ كَانَ وَصْلًا وَإِنْ تَمَيَّزَ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ كُرِهَ رَدُّهُ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَهَذَا لَفْظُهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْفِعْلُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مَكْرُوهٌ إلَّا لِوُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَفْعَلَهُ نَاسِيًا، الثَّانِي: أَنْ يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ مَقْصُودَةٍ، الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ؛ كَقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهِمَا؛ وَكَدَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالصَّائِلِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ - فِي بَابِ الْخُطْوَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ -: إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ. وَقَالَ أَيْضًا فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ (الَّذِي سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَجَعَلُوا - يَعْنِي الصَّحَابَةَ - يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ؛ يَعْنِي فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُسْكِتُوهُ) : وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ اهـ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِسُقُوطِ الرِّدَاءِ انْكِشَافُ الْعَاتِقِ فَالرَّدُّ مُسْتَحَبٌّ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ الَّذِي سَبَقَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِسُقُوطِهِ انْكِشَافُ الْعَاتِقِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَاجَةِ الْمَقْصُودَةِ، وَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي بَلْ لَوْ قِيلَ

стр. 174

بِالِاسْتِحْبَابِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ كَخُطْوَتَيْنِ إنَّمَا يُكْرَهُ تَعَمُّدُهُ إنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَقْصُودَةٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ عَبَثٌ، وَالْفِعْلُ الْخَفِيفُ؛ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ بِسُبْحَةٍ أَوْ عَدِّ فِعْلِهِ بِلَا حَاجَةٍ لِذَلِكَ - خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْعَبَثَ فِي الْقَلِيلِ أَفْحَشُ؛ لِأَنَّ كَثِيرَهُ مُبْطِلٌ بِخِلَافِ الْخَفِيفِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ أَنَّهُ: لَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ كُرِهَ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَدِّهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ] (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا صُورَتُهُ: عَمَّرَ إنْسَانٌ مَسْجِدًا وَلَمْ يُوقِفْ آلَتَهُ فَهَلْ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ؟ وَلَوْ الْتَمَسَ مِنْ النَّاسِ آلَةً لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فَهَلْ يَصِيرُ مَسْجِدًا بِنَفْسِ الْبِنَاءِ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: قَالَ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَحْرِ: إنَّ الْآلَةَ فِي الْأُولَى عَارِيَّةٌ يَرْجِعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ، وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي الثَّانِيَةِ: إنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى إنْشَاءِ وَقْفٍ؛ كَمَا لَوْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَجَعَلَهَا مَسْجِدًا فَإِنَّهَا تَصِيرُ مَسْجِدًا بِالنِّيَّةِ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ الْبَحْرِ مُتَّجِهٌ، وَأَمَّا كَلَامُ الْعَبَّادِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَمُقْتَضَى اسْتِثْنَائِهِمْ مِنْ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ فِي الْوَقْفِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا فَقَطْ؛ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ فِي مَسْأَلَتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ إمَّا عَلَى مِلْكِ مُعْطِيهَا أَوْ آخِذِهَا، وَعَلَى كُلٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَلَفُّظِ مَالِكِهَا بِالْوَقْفِ، وَإِلَّا فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ. قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَيُشْكِلُ عَلَى الْعَبَّادِيِّ مَا فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ أَنَّ مُرِيدَ الصُّوفِيَّةِ إذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَسْأَلَ فَيُعْطَى؛ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ يُوصِلُهُ لَهُمْ مِلْكُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَلَا يُشَارِكُونَهُ فِيهِ، قَالَ: وَقِيَاسُهُ مِلْكُ هَذَا؛ لِمَا أَخَذَهُ لِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ دَافِعَ الْآلَاتِ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهَا جُمْلَةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَنْتَفِعُ بِالْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ، وَأَيْضًا فَمُلْتَمِسُ الْآلَاتِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَبْنِي بِهَا مَسْجِدًا فَأُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَزَعِيمُ الصُّوفِيَّةِ لَمْ يُصَرِّحْ بِشَيْءٍ. نَعَمْ، إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ خَاصَّةٌ عَلَى قَصْدِ الْمَالِكِ لَهُ وَلَهُمْ أَوْ قَالَ الْمَالِكُ: نَوَيْت ذَلِكَ - اشْتَرَكُوا فِيهِ؛ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ: لَوْ أُعْطِيَ دَنِسُ الثِّيَابِ صَابُونًا لِغَسْلِهَا تَعَيَّنَ لَهَا، وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُهُ فِي الشَّهَادَاتِ: لَهُ الصَّرْفُ فِيمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى قَصْدِ الْمَالِكِ التَّصَرُّفَ فِي غَسْلِ الثِّيَابِ لَا غَيْرُ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ تَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ رَمْيُ الْقَمْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ حَيَّةً وَمَيْتَةً، وَقَتْلُهَا فِي الصَّلَاةِ؟ وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ خَبَثٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِيهِ هَلْ يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ؟ وَإِذَا وَقَعَ وَنِيمُ الذُّبَابِ عَلَى الْوَرَقِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ؟ وَإِذَا كَانَ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دَمُ بَرَاغِيثَ لَمْ يَزُلْ بِالْمَاءِ وَلَا يَمْنَعُ وُصُولَهُ الْبَشَرَةَ هَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَيَجِبُ غَسْلُ الدَّمِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ رَمْيُ الْقَمْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ مَيْتَةً، وَرَمْيُهَا فِيهِ حَيَّةً خِلَافُ الْأَوْلَى، خِلَافًا لِجَمْعٍ؛ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَابْنُ الْعِمَادِ، وَيَجُوزُ قَتْلُهَا فِي الصَّلَاةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَلْزَم مِنْهُ إمْسَاكُ جِلْدِهَا فِيهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعِمَادِ، وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ خَبَثٌ فِي الْمَسْجِدِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَطْهِيرُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ، وَكَذَا إنْ رَآهُ فِيهِ حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ. وَيُعْفَى عَنْ الْوَنِيمِ الْمَذْكُورِ. وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَيُعْفَى عَنْ اخْتِلَاطِ مَائِهِ بِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِاللَّبِنِ الْمَعْجُونِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمِنْ قَوْلِهِ: (بِنَاءُ الْمَسْجِدِ) يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ بَنَى بِهِ ثُمَّ وَقَفَهُ مَسْجِدًا لَمْ يَحْرُمْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدِيَّةَ تَأَخَّرَتْ عَنْ الْبِنَاءِ وَهُوَ مُتَّجِهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ مِنْ أَنْ تُنْشَدَ الضَّالَّةُ فِي الْمَسْجِدِ هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَا إذَا ضَلَّ مِنْ الْمَسْجِدِ؟ أَوْ هُوَ عَامٌّ فِيمَا ضَلَّ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هُوَ عَامٌّ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِوَضْعِ الْمَسْجِدِ؛ سَوَاءٌ كَانَ الْإِضْلَالُ فِيهِ أَمْ فِي غَيْرِهِ، وَلِكَوْنِ الْعِلَّةِ ذَلِكَ نُدِبَ أَنْ يُقَالَ لَهُ زَجْرًا وَتَأْدِيبًا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ عَلِمَ بِنَجَاسَةٍ بِمَسْجِدٍ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْلَامُ النَّاسِ بِهَا أَوْ مَنْ قَصَدَ مَكَانَهَا فَقَطْ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَجِبُ عَلَيْهِ هُوَ إزَالَتُهَا فَوْرًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ بِهَا، وَعِبَارَتِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ:

стр. 175

وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ إزَالَةُ بُصَاقٍ رَآهُ فِي الْمَسْجِدِ؛ كَمَنْ رَأَى نَجَاسَةً فِيهِ أَيْ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا كَذَرْقِ الطَّيْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا إزَالَتُهَا فَوْرًا؛ لِأَنَّهَا أَفْحَشُ، انْتَهَتْ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ مَسْجِدٍ لَا مُرْتَفَقَ لَهُ إلَّا مَحَلٌّ بِرَحْبَتِهِ يَبُولُ النَّاسُ فِيهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ هَذَا حَادِثٌ مَمْنُوعٌ عَنْهُ أَوْ أَصْلِيٌّ اسْتَثْنَاهُ الْوَاقِفُ، وَإِنَّمَا الَّذِي عُرِفَ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا يَفْعَلُونَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ فَهَلْ يَسُوغُ اسْتِمْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، يَجُوزُ بَقَاءُ ذَلِكَ عَلَى مَا اطَّرَدَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّا لَوْ رَأَيْنَا جُذُوعًا عَلَى جِدَارِهِ وَلَمْ نَعْلَمْ هَلْ وُضِعَتْ بِحَقٍّ أَوْ لَا - أَبْقَيْنَاهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَضْعُهَا بِحَقٍّ، فَلَا تُزَالُ إلَّا إنْ عُرِفَ تَعَدِّي وَاضِعِهَا، وَلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ حَكَمُوا فِيهَا بِبَقَاءِ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ وَلَمْ يَثْبُتْ تَعَدِّي وَاضِعِهِ، فَكَذَا هَذَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ، وَلَمْ يُعْلَمْ تَعَدِّي النَّاسِ بِذَلِكَ فَيُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَفْتَى أَبُو مَخْرَمَةَ بِأَنَّ الْجِرَارَ وَالْخَوَابِيَ الَّتِي عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فِيهَا الْمَاءُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ لِلشُّرْبِ أَوْ الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ - يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى مَا عُهِدَ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَمَحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ، وَكَأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ كَذَلِكَ اهـ وَأَفْتَى النَّوَوِيُّ ﵀ بِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ مَسْجِدٌ فِيهِ قَنَاةٌ تَحْتَ الْأَرْضِ يَجْرِي فِيهَا مَاءٌ إلَى أَمَاكِنَ، وَفِيهِ مَكَانٌ تَصْلُحُ مِنْهُ الْقَنَاةُ بِوَضْعِ الزِّبْلِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْقَنَاةَ عُمِّرَتْ قَبْلَ الْمَسْجِدِ أَوْ بَعْدَهُ - فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عُمِّرَتْ قَبْلَهُ؛ فَلَيْسَ لِنَاظِرِهِ تَغْيِيرُ ذَلِكَ، وَلَا الْمَنْعُ مِنْ إدْخَالِ الزِّبْلِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يُكَلَّفُ أَصْحَابُ الْقَنَاةِ الْبَيِّنَةَ بَلْ يَكْفِي اسْتِمْرَارُ الِانْتِفَاعِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ عُدْوَانٌ اهـ فَتَأَمَّلْ تَعْوِيلَهُ عَلَى الْقَرِينَةِ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُ فِي الرَّوْضَةِ: لَوْ مَرَّ مُسَافِرٌ بِخَابِيَةِ مَاءٍ مُسَبَّلٍ تَيَمَّمَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَحُكْمُ الْقَرِينَةِ هُنَا؛ إذْ الظَّاهِرُ مِنْ وَضْعِ الْخَابِيَةِ بِطَرِيقِ الْمُسَافِرِ أَنَّهُ لِشُرْبِهِ لَا لِوُضُوئِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ عَلِمَ بِنَجَاسَةٍ بِمَسْجِدٍ هَلْ يَلْزَمُهُ إعْلَامُ النَّاسِ بِهَا أَوْ بِمَحَلِّهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَنْ عَلِمَ بِنَجَاسَةٍ فِي الْمَسْجِدِ لَزِمَهُ إزَالَتُهَا فَوْرًا، وَمَتَى قَصَّرَ فِي ذَلِكَ أَوْ تَرَاخَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَثِمَ، وَمَنْ رَأَى مُصَلِّيًا بِنَجَسٍ لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ مَكَانِهِ - لَزِمَهُ إعْلَامُهُ، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ نَاسٍ لَهُ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ - أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: يُسَنُّ إيقَاظُ النَّائِمِ لِلصَّلَاةِ، وَلَا يَجِبُ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ - أَنَّهُ لَا يَجِبُ إعْلَامُهُ بَلْ يُسَنُّ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا اعْتَادَهُ الصُّوفِيَّةُ مِنْ عَقْدِ حِلَقِ الذِّكْرِ وَالْجَهْرِ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ هَلْ فِيهِ كَرَاهَةٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ أَحَادِيثَ اقْتَضَتْ طَلَبَ الْجَهْرِ نَحْوَ: «وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْته فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَاَلَّذِي فِي الْمَلَإِ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ جَهْرٍ، وَكَذَا حِلَقُ الذِّكْرِ وَطَوَافُ الْمَلَائِكَةِ بِهَا، وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيّ: «مَرَّ بِرَجُلٍ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَائِيًا، قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ أَوَّاهٌ وَأُخْرَى اقْتَضَتْ طَلَبَ الْإِسْرَارِ؛» بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، كَمَا جَمَعَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِذَلِكَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الطَّالِبَةِ لِلْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالطَّالِبَةِ لِلْإِسْرَارِ بِهَا؛ فَحِينَئِذٍ لَا كَرَاهَةَ فِي الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ أَلْبَتَّةَ؛ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ بَلْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ إمَّا صَرِيحًا أَوْ الْتِزَامًا، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ خَبَرَ الذِّكْرِ الْخَفِيِّ، كَمَا لَا يُعَارَضُ أَحَادِيثُ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ بِخَبَرِ «السِّرُّ بِالْقُرْآنِ كَالسِّرِّ بِالصَّدَقَةِ» ، وَقَدْ جَمَعَ النَّوَوِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِخْفَاءَ أَفْضَلُ حَيْثُ خَافَ الرِّيَاءَ أَوْ تَأَذَّى بِهِ مُصَلُّونَ أَوْ نِيَامٌ. وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَكْثَرُ؛ وَلِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَتَعَدَّى لِلسَّامِعِينَ؛ وَلِأَنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ وَيَجْمَعُ هَمَّهُ إلَى الْفِكْرِ وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إلَيْهِ وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَيَزِيدُ النَّشَاطَ؛ فَكَذَلِكَ الذِّكْرُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] الْآيَةَ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ كَآيَةِ الْإِسْرَاءِ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] وَقَدْ نَزَلَتْ حِينَ كَانَ ﷺ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فَيَسْمَعُهُ الْمُشْرِكُونَ؛ فَيَسُبُّونَ الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ، فَأُمِرَ بِتَرْكِ الْجَهْرِ؛ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَمَا نُهِيَ عَنْ سَبِّ الْأَصْنَامِ كَذَلِكَ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى، أَشَارَ لِذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَبِأَنَّ بَعْضَ شُيُوخِ مَالِكٍ وَابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِمَا حَمَلُوا

стр. 176

الْآيَةَ عَلَى الذِّكْرِ حَالَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ بِالذِّكْرِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ أَنْ تُرْفَعَ عِنْدَهُ الْأَصْوَاتُ، وَيُقَوِّيه اتِّصَالُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] . . . إلَخْ. قِيلَ: وَكَأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِالْإِنْصَاتِ خَشِيَ مِنْ ذَلِكَ الْإِخْلَادَ إلَى الْبَطَالَةِ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ؛ وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّكُوتِ بِاللِّسَانِ - فَتَكْلِيفُ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ بَاقٍ حَتَّى لَا يَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وَبِأَنَّ السَّادَةَ الصُّوفِيَّةَ قَالُوا: الْأَمْرُ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِهِ ﷺ الْكَامِلُ الْمُكَمَّلُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ - مِمَّنْ هُوَ مَحَلُّ الْوَسَاوِسِ وَالْخَوَاطِرِ الرَّدِيئَةِ - فَمَأْمُورٌ بِالْجَهْرِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي دَفْعِهَا، وَيُؤَيَّدُ بِحَدِيثِ الْبَزَّارِ: «مَنْ صَلَّى مِنْكُمْ بِاللَّيْلِ فَلْيَجْهَرْ بِقِرَاءَتِهِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَتَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ» وَإِنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي الْهَوَاءِ وَجِيرَانَهُ مَعَهُ فِي مَسْكَنِهِ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَيَسْتَمِعُونَ قِرَاءَتَهُ، وَأَنَّهُ يَنْطَرِدُ بِجَهْرِهِ بِقِرَاءَتِهِ عَنْ دَارِهِ، وَعَنْ الدُّورِ الَّتِي حَوْلَهُ - فُسَّاقُ الْجِنِّ وَمَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الِاعْتِدَاءِ فِي ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] بِالْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ - فَمَرْدُودٌ بِأَنَّ الرَّاجِحَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ تَجَاوُزُ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ اخْتِرَاعُ دَعْوَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا. وَصَحَّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ؛ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ» فَهَذَا تَفْسِيرُ صَحَابِيٍّ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَالْآيَةُ فِي الدُّعَاءِ لَا فِي الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ بِخُصُوصِهِ الْأَفْضَلُ فِيهِ الْإِسْرَارُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُهَلِّلُونَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أُرَاكُمْ إلَّا مُبْتَدِعِينَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ بَلْ لَمْ يَرِدْ؛ وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَنْهَى عَنْ الذِّكْرِ؛ مَا جَالَسْتُ عَبْدَ اللَّهِ مَجْلِسًا قَطُّ إلَّا ذَكَرَ اللَّهَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَفْظُهُ: صَحَّتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِأَنَّهُ ﷺ «شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مُسْنَدٍ وَمَرَاسِيلَ النَّهْيُ عَنْهُ، فَمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا وَمَا حُكْمُ كَرَاهَتِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا حَمْلُ كَرَاهَتِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَكَذَا إنْ كَانَ قَاصِدًا الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ مُتَطَهِّرًا، كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ مُسْتَدِلًّا بِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ كَانَ مُصَلِّيًا» . وَحِكْمَةُ الْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ عَبَثٌ لَا يَلِيقُ بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ يُوجِبُ النَّوْمَ الْمُوجِبَ لِلْحَدَثِ، وَمَعَ أَنَّ صُورَتَهُ تُشْبِهُ صُورَةَ الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: «وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» وَحَمْلُ إبَاحَتِهِ عَلَى مَا عَدَا ذَلِكَ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَخْصِيصُ النَّهْيِ بِالصَّلَاةِ لَا غَيْرُ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بِيَدَيْهِ هَكَذَا.» زَادَ الْبَيْهَقِيّ: «وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.» [بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] (وَسُئِلَ) ﵁ وَأَفَاضَ عَلَيْنَا مِنْ مَدَدِهِ -: فِيمَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَشَكَّ الْمَأْمُومُ أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ أَوْ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَشَكَّ أَثَانِيَةٌ هِيَ أَمْ أُولَى؟ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَأْتِي بَعْدَ السَّلَامِ بِبَاقِي صَلَاتِهِ أَمْ لَا يَجُوزُ الْمُتَابَعَةُ فَيَنْتَظِرُهُ قَائِمًا أَوْ يُفَارِقُهُ؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ - بِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِمَّا ذَكَرْته فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ؛ وَلِاشْتِمَالِ عِبَارَتِهِ عَلَى فَوَائِدَ أَحْبَبْت ذِكْرَهَا - وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَةً - وَهِيَ: وَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ لِمَسْبُوقٍ؛ عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّهُ وَعَلِمَ حُرْمَةَ مُتَابَعَتِهِ؛ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ - نَقْلًا عَنْ الْمَجْمُوعِ، فِي الْجَنَائِزِ -: وَلَا انْتِظَارُهُ بَلْ يُسَلِّمُ، وَاسْتَظْهَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَإِنَّهُ فِي انْتِظَارِهِ مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَتِهِ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مُخْطِئًا فِيهِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ عَادَ مِنْ الْقِيَامِ إلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ جَازَ انْتِظَارُهُ؛ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمِنْ أَنَّهُ لَوْ تَنَحْنَحَ إمَامٌ لَمْ تَجِبْ مُفَارَقَتُهُ؛ حَمْلًا عَلَى الْعُذْرِ، وَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَامَ

стр. 177

لِخَامِسَةٍ سَجَدَ إنْ فَارَقَهُ بَعْدَ بُلُوغِ حَدِّ الرَّاكِعِ لَا قَبْلَهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ بِهِ هُنَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي كَالْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَمَا عَلَّلَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ انْتِظَارَهُ لَيْسَ مُتَابَعَةً كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، عَلَى أَنَّ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ: قَوْلُهُ فِي الْكِفَايَةِ: وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَلَا يُتَابِعُهُ فِيهِ - صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَابَعَةِ الْحِسِّيَّةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ؛ وَهِيَ دَوَامُ الْقُدْرَةِ بَلْ لَهُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَنْظُومِ وَيُتَابِعَهُ فِيهِ فَإِنَّ الْقُدْوَةَ تَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ بِفِعْلِ السَّهْوِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ مُفَارَقَتُهُ، وَلَهُ انْتِظَارُهُ إلَّا إذَا أَدَّى إلَى تَطْوِيلِ رُكْنٍ قَصِيرٍ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُ فِي رَدِّ كَلَامِهِ السَّابِقِ لَا يُقَالُ: يُشْكِلُ عَلَى مَا رَجَّحْته مَا يَأْتِي مِنْ وُجُوبِ الْمُفَارَقَةِ عَلَى مَنْ اقْتَدَى فِي الْمَغْرِبِ بِمُصَلِّي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَتْ ثَمَّ؛ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا وَجُلُوسًا لَمْ يُشْرَعْ لِلْإِمَامِ، بِخِلَافِهِ هُنَا ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ - فِيمَا لَوْ سَجَدَ إمَامُهُ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا لِ (ص) أَنَّ لَهُ مُفَارَقَتَهُ وَانْتِظَارَهُ؛ كَمَا لَوْ قَامَ إمَامُهُ إلَى خَامِسَةٍ، وَرَأَيْته فِيهِ أَيْضًا صَرَّحَ بِأَنَّ الْمَسْبُوقَ لَوْ عَلِمَ بِقِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ وَهَذَانِ صَرِيحَانِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِعَيْنِهَا، وَفِي رَدِّ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُتَابَعَةِ وُجُوبُهَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ لِخَامِسَةٍ لَمْ يُعْهَدْ، بِخِلَافِ سُجُودِهِ فَإِنَّهُ مَعْهُودٌ لِسَهْوِ إمَامِهِ. وَأَمَّا مُتَابَعَةُ الْمَأْمُومِينَ لَهُ ﷺ فِي قِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ فَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَحَقَّقُوا زِيَادَتَهَا؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ كَانَ زَمَنَ الْوَحْيِ وَإِمْكَانَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: زِيدَ فِي الصَّلَاةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَلَوْ قَعَدَ إمَامُهُ يَتَشَهَّدُ فِي ثَالِثَةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ظَنِّ الْمَأْمُومِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ مَعَهُ؛ عَمَلًا بِظَنِّ الْإِمَامِ ثُمَّ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ عَمَلًا بِظَنِّهِ أَوْ لَا؛ لِقَوْلِهِمْ: لَا يَجُوزُ مُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ؟ أَوْ يُفَصَّلُ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ خَطَأَهُ فَلَا يَجُوزُ أَوْ يَظُنُّهُ فَيَجُوزُ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ. وَالْأَقْرَبُ الْأَخِيرُ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الرُّويَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ احْتِمَالَيْنِ؛ فِيمَا لَوْ شَكَّ خَلْفَ الْإِمَامِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا هَلْ يُسَبِّحُ لَهُ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الصَّلَاةِ كَالْيَقِينِ بِدَلِيلِ اسْتِوَائِهِمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ؟ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا وَهُوَ لَا يَتَيَقَّنُ خَطَأَهُ فَلَا يُشَكِّكْهُ وَرَجَّحَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ الثَّانِيَ ثُمَّ قَالَ الْقَمُولِيُّ: وَلَوْ فَارَقَهُ حَالًا عَلَى الثَّانِي بَعْدَ مَا سَبَّحَ لَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ إنْ كَانَ شَكَّ خَلْفَ الْإِمَامِ لِلزِّيَادَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ اهـ وَبِتَأَمُّلِ قَوْلِهِ: وَلَوْ فَارَقَهُ. . . إلَخْ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ، فَيَتَأَيَّدُ بِهِ مَا رَجَّحَهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ، لَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَنْوَارِ - لَيْسَ لَهُمْ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فِيمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ، وَتَبْطُلُ بِهَا بَلْ تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ. وَالِانْتِظَارُ فِي رُكْنٍ طَوِيلٍ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْعِلْمِ بِالنَّقْصِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَنَحْوِهَا؛ فَيُوَافِقَ حِينَئِذٍ الثَّالِثَ أَيْضًا، وَخَرَجَ بِتَقْيِيدِي الْمَسْبُوقَ بِمَا مَرَّ - مَا لَوْ جَهِلَ ذَلِكَ فَتَابَعَهُ بِأَنَّ الرَّكْعَةَ تُحْسَبُ لَهُ إنْ قَرَأَ فِيهَا الْفَاتِحَةَ؛ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَحَمَّلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَلَوْ سَجَدَ إمَامُهُ مِنْ قِيَامٍ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ؛ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْخَادِمِ بِمَا إذَا مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ قِرَاءَةُ آيَةِ السَّجْدَةِ وَإِنْ لَمْ يَسَعْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ؛ حَمْلًا عَلَى السَّهْوِ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ - كَمَا عَلِمْت - مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَوَابِ مَا فِي السُّؤَالِ الثَّانِي؛ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ خَطَأَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِنْ شَكَّ فِيهِ جَازَ لَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَفِي الْحَالَيْنِ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ قَائِمًا، وَهُنَا زِيَادَةٌ نَفِيسَةٌ يَتَعَيَّنُ تَفَهُّمُهَا وَحِفْظُهَا لِغَرَابَتِهَا نَقْلًا وَتَحْقِيقًا. (وَسُئِلَ) ﵁ فِي شَخْصٍ شَافِعِيٍّ صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ حَنَفِيٍّ، وَتَابَعَهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَرَكَ الْقُنُوتَ؛ خَوْفًا مِنْ عَدَمِ إدْرَاكِهِ فِي السُّجُودِ، وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِتَرْكِ قُنُوتِ نَفْسِهِ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْعَامِّيِّ بِذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ؛ لِخَفَائِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّ مَحْضَ سُجُودِهِ لِتَرْكِ الْإِمَامِ فَقَطْ؛ بِأَنْ قَصَدَ بِهِ جَبْرَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَوْ لِتَرْكِ نَفْسِهِ فَقَطْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا مَا لَا يُشْرَعُ لَهُ فِعْلُهُ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ جَبْرَ الْخَلَلِ الْحَاصِلِ فِي صَلَاتِهِ مِنْ تَرْكِ الْإِمَامِ لَهُ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ سَهْوِهِ اللَّاحِقِ لِلْمَأْمُومِ - لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بَلْ يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 178

بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ مَأْمُومٍ يَتَشَهَّدُ مَعَ الْإِمَامِ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ؛ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْمُفَارَقَةُ مِنْ حِينِ حَدَثَ الشَّكُّ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ - كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ -؟ أَوْ يَتَشَهَّدُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَوْ يَقُومُ وَيُتِمُّ قَائِمًا بِلَا مُفَارَقَةٍ فَرُبَّمَا يَتَذَكَّرُ الْإِمَامُ أَنَّهُ سَهَا، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا مَحَلٌّ لِلتَّشَهُّدِ؛ كَمَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ حَنَفِيٍّ فَسَجَدَ لِ (ص) لَا يَسْجُدُ مَعَهُ بَلْ يُتِمُّ قَائِمًا فَهَلْ مَسْأَلَتُنَا كَذَلِكَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْمُفَارَقَةُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ؛ فَإِنَّهُ حَكَى فِي صُورَةِ السُّؤَالِ عَنْ الرُّويَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ احْتِمَالَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَبِّحُ لِإِمَامِهِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ كَالْيَقِينِ بِدَلِيلِ اسْتِوَائِهِمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ لَا؟ وَالثَّانِي لَا يُسَبِّحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا، وَهُوَ لَا يَتَيَقَّنُ خَطَأَهُ فَلَا يُشَكِّكْهُ. وَلَوْ فَارَقَهُ حَالًا عَلَى الثَّانِي بَعْدَ مَا سَبَّحَ، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَكَّ خَلْفَ الْإِمَامِ لِلزِّيَادَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ اهـ مُلَخَّصًا فَأَفْهَمَ التَّرَدُّدَ فِي التَّسْبِيحِ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَهُ وَلَوْ فَارَقَهُ. . . إلَخْ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ لَا تَجِبُ، وَإِلَّا لَمَا سَاغَ ذَلِكَ التَّرَدُّدُ الثَّانِي؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُسَبِّحُ لَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُصَرِّحٌ بِمَا ذَكَرْته، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: لَوْ قَامَ الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ نَاسِيًا لَمْ يَلْزَمْ الْمَأْمُومَ مُفَارَقَتُهُ بَلْ لَهُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ: يَلْزَمُهُ مُفَارَقَتُهُ، كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْجَنَائِزِ - ضَعِيفٌ وَإِنْ تَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ فِي انْتِظَارِهِ مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَتِهِ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مُخْطِئًا فِيهِ؛ فَفِي الْمَجْمُوعِ: لَوْ سَجَدَ إمَامُهُ الْحَنَفِيُّ لِ (ص) جَازَ لَهُ مُفَارَقَتُهُ وَانْتِظَارُهُ، كَمَا لَوْ قَامَ إمَامُهُ إلَى خَامِسَةٍ. وَفِيهِ أَيْضًا: لَوْ عَلِمَ قِيَامَ إمَامِهِ لِخَامِسَةٍ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ فَهَذَانِ صَرِيحَانِ فِي ضَعْفِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِضَعْفِهِ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: لَوْ عَادَ إمَامُهُ مِنْ الْقِيَامِ إلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ جَازَ لِلْمَأْمُومِ انْتِظَارُهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ تَأْيِيدٌ لِمَا قُلْنَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِالْأَوْلَى؛ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهَا قَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ فِعْلُ السَّهْوِ أَوْ مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ؛ كَسُجُودِ الْحَنَفِيِّ لِ (ص) ، وَلِكَوْنِ جِنْسِ السُّجُودِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مُغْتَفَرًا فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُنْظَرْ هُنَا لِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ؛ نَظِيرُ مَا لَوْ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ فَقَصَّرَ فِيمَا لَمْ يُجَوِّزْهُ الشَّافِعِيُّ، وَإِذَا لَمْ تَجِبْ الْمُفَارَقَةُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ تَحَقُّقِ الْمَأْمُومِ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَجِبَ فِي صُورَتِنَا، فَإِنْ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ الْمُسَاوَاةَ فَضْلًا عَنْ الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي يُنْتَظَرُ فِيهِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ مَحْسُوبٌ لَهُ فَلَمْ يُحْدِثْ مَا يُنَافِي صِحَّةَ صَلَاتِهِ؛ لِاسْتِمْرَارِهِ فِي الْقِيَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَنَفِيِّ وَفِي الْجُلُوسِ فِي غَيْرِهَا، وَهُمَا مَحْسُوبَانِ لَهُ؛ فَهُوَ مُنْتَظِرٌ لِلْإِمَامِ لَا مُتَابِعٌ لَهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ؛ بِخِلَافِهِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: يَنْتَظِرُهُ فِي صُورَةِ الْجُلُوسِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ فِي ظَنِّهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ؛ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مُتَابِعًا لَهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ لَا مُنْتَظِرًا لَهُ، وَمُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ. قُلْت: لَنَا فِي الِانْفِصَالِ عَنْ ذَلِكَ مَسْلَكَانِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّا نَقُولُ لَا يَنْتَظِرُهُ جَالِسًا بَلْ يَقُومُ وُجُوبًا ثُمَّ يَنْتَظِرُهُ فِي الْقِيَامِ إنْ شَاءَ. وَإِنَّمَا أَلْزَمْنَاهُ بِالْقِيَامِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى انْتِظَارِهِ فِي الْجُلُوسِ مَا ذُكِرَ، وَمِنْ تَطْوِيلِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي ظَنِّهَا، وَتَطْوِيلُهَا مُبْطِلٌ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ؛ وَالثَّانِي أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَظِرُهُ جَالِسًا؛ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ؛ فَقَدْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلُ الْكِفَايَةِ: (وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَلَا يُتَابِعُهُ فِيهِ) - صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَابَعَةِ الْحِسِّيَّةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ؛ وَهِيَ دَوَامُ الْقُدْوَةِ بَلْ لَهُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَنْظُومِ وَيُتَابِعَهُ فِيهِ بِأَنَّ الْقُدْوَةَ إنَّمَا تَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ بِفِعْلِ السَّهْوِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ مُفَارَقَتُهُ، وَلَهُ انْتِظَارُهُ؛ إلَّا إنْ أَدَّى إلَى تَطْوِيلِ رُكْنٍ قَصِيرٍ اهـ. وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِإِيجَابِهِمْ الْمُفَارَقَةَ عَلَى مَنْ اقْتَدَى فِي الْمَغْرِبِ بِمُصَلِّي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ ثَمَّ أَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا أَوْ جُلُوسًا لَمْ يُشْرَعْ لِلْإِمَامِ بِخِلَافِهِ هُنَا، فَإِنْ قُلْتَ مَا الَّذِي يَتَّجِهُ؛ هَلْ هُوَ وُجُوبُ الْقِيَامِ عَلَيْهِ إذَا أَرَادَ الِانْتِظَارَ، أَوْ جَوَازُهُ جَالِسًا؟ قُلْتُ: الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِظَارُ جَالِسًا بَلْ يَلْزَمُهُ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّكِّ الْمَذْكُورِ الْقِيَامُ فَوْرًا ثُمَّ إنْ شَاءَ فَارَقَ وَأَتَمَّ لِنَفْسِهِ بِحَسَبِ ظَنِّهِ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَمَّ بِحَسَبِ ظَنِّهِ. وَإِنَّمَا

стр. 179

أَلْزَمْنَاهُ بِالْقِيَامِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى انْتِظَارِهِ فِي الْجُلُوسِ أَنَّهُ مُتَابِعٌ لَا مُنْتَظِرٌ، وَلَا يُنَافِيه مَا قَدَّمْته عَنْ الزَّرْكَشِيّ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَهُ فِي الْجُلُوسِ مُتَابَعَةٌ حِسِّيَّةٌ لَا حُكْمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تَابَعَهُ فِيمَا لَا يُحْسَبُ لَهُ بِخِلَافِ انْتِظَارِهِ لَهُ فِي الْقِيَامِ أَوْ الْجُلُوسِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهَا مَحْضُ مُتَابَعَةٍ حُكْمِيَّةٍ؛ لِتَبَايُنِهِمَا حِسًّا، وَكَذَا انْتِظَارُهُ فِي الْقِيَامِ فِي صُورَتِنَا فَإِنَّهُ مَحْضُ مُتَابَعَةٍ حُكْمِيَّةٍ؛ عَلَى أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ انْتِظَارَهُ فِي الْجُلُوسِ مُتَابَعَةٌ حُكْمِيَّةٌ فَقَطْ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ الزَّرْكَشِيّ قَيَّدَ جَوَازَ الْمُتَابَعَةِ الْحُكْمِيَّةِ بِمَا إذَا لَمْ تُؤَدِّ إلَى تَطْوِيلِ رُكْنٍ قَصِيرٍ، وَهِيَ هُنَا تُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَتَطْوِيلُهَا كَتَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ فِي الْبُطْلَانِ كَمَا مَرَّ؛ فَإِنْ قُلْت: تَطْوِيلُهَا هُنَا لِلْمُتَابَعَةِ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ. قُلْت: هِيَ مُتَابَعَةٌ فِي فِعْلِ السَّهْوِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ امْتِنَاعُهَا، وَيُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْته مِنْ امْتِنَاعِهَا فِي التَّشَهُّدِ - قَوْلُ الْمَجْمُوعِ السَّابِقُ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي امْتِنَاعِهِ فِي صُورَتِنَا فِي التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْته. وَيُؤَيِّدُ وُجُوبَ الْقِيَامِ الَّذِي قُلْنَاهُ قَوْلُهُمْ: لَوْ انْتَصَبَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ بِلَا تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْقِيَامُ، وَإِنْ عَادَ الْإِمَامُ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ أَوْ قَامَ وَعَادَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَكِنْ مَتَى عَلِمَ أَوْ تَذَكَّرَ لَزِمَهُ الْقِيَامُ فَوْرًا، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْإِمَامُ فَمَنْعُهُمْ لَهُ مِنْ الْمُوَافَقَةِ فِي الْجُلُوسِ صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ مِنْهَا فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ شَخْصٍ خُوطِبَ بِسُنَّةٍ فَلَزِمَتْهُ فَرِيضَةٌ مَا صُورَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صُورَتُهُ مَا إذَا سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ نَاسِيًا لَهُ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ الْعَوْدُ إلَى الصَّلَاةِ إنْ قَرُبَ الْفَصْلُ لِأَجْلِ السُّجُودِ، وَبِعَوْدِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الصَّلَاةِ بِسَلَامِهِ؛ وَحِينَئِذٍ فَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ نَحْوِ الْفَاتِحَةِ لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، فَهَذَا خُوطِبَ بِسُنَّةٍ، وَهِيَ سُجُودُ السَّهْوِ فَلَزِمَتْهُ فَرِيضَةٌ؛ وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِرَكْعَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَعُدْ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِلشَّكِّ بَعْدَ السَّلَامِ الَّذِي لَا يُشْرَعُ بَعْدَهُ عَوْدٌ إلَى الصَّلَاةِ فِي تَرْكِ غَيْرِ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَطْرَأَ الشَّكُّ قَبْلَ عَوْدِهِ إلَى السُّجُودِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّا بِالْعَوْدِ نَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَرَّرَ. (وَسُئِلَ) ﵁ أَيْضًا عَنْ شَخْصٍ صَلَّى الظُّهْرَ بِثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَثَمَانِ قِيَامَاتٍ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ قِيَامٍ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، فَمَا صُورَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَرْكَعَ قَبْلَ إمَامِهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَامِدًا سُنَّ لَهُ الْعَوْدُ وَإِلَّا جَازَ، وَعَلَى كُلٍّ فَإِذَا رَجَعَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ صَدَقَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، وَفِي السُّجُودِ يُسَنُّ لَهُ الْعَوْدُ أَيْضًا أَوْ يَجُوزُ. وَعَلَيْهِ فَيُزَادُ عَلَى مَا ذُكِرَ فَيُقَالُ بِثَمَانِ رُكُوعَاتٍ وَثَمَانِ سَجَدَاتٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعَوْدُ ثُمَّ الرُّكُوعُ ثُمَّ الْعَوْدُ. وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ غَيْرِهِ جَوَازُهُ مَرَّةً ثَالِثَةً وَرَابِعَةً مَا لَمْ تَتَوَالَ أَفْعَالُهُ، وَعَلَيْهِ فَيُقَالُ بَدَلُ ثَمَانِ رُكُوعَاتٍ سِتَّةَ عَشَرَ رُكُوعًا أَوْ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سُجُودًا أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا عَادَ إلَى الْقِيَامِ ثُمَّ فَارَقَ إمَامَهُ فَهَلْ يُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ الرُّكُوعُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ رُكُوعٍ ثَانٍ فِيهِ نَظَرٌ؟ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ عَوْدَهُ إلَى الْإِمَامِ فِيهِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ الرُّكُوعِ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ - عَنْ إمَامٍ سَجَدَ إحْدَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَأَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِيهَا ثُمَّ أَحْدَثَ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَسْبُوقُ الثَّانِيَةَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ - هَلْ تَجِبُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ فَوْرًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَجِبُ ذَلِكَ؛ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ وَلَمْ يَسْجُدْ الْمَأْمُومُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَمْ يَأْتِ بِشَرَائِطِ السُّجُودِ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ إنْ طَرَأَ لَهُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالشَّرَائِطِ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِصُورَةِ السَّجْدَةِ فَعَادَ فَوْرًا إلَى الْقُعُودِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَجَدَ قَاصِدًا عَدَمَ الْإِتْيَانِ بِهَا أَوْ طَرَأَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِصُورَةِ السُّجُودِ وَاسْتَمَرَّ فِيهِ وَطَالَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. هَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِمَنْ أَطْلَقَ الصِّحَّةَ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ قَامَ

стр. 180

قَبْلَ إمَامِهِ سَهْوًا مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يُفَرِّقُ بَيْنَ قِيَامِهِ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لِلتَّشَهُّدِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ قَامَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ؛ لِتَقْصِيرِ الْإِمَامِ بِجُلُوسِهِ حِينَئِذٍ أَوْ قَبْلَهُ وَجَبَ الْعَوْدُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ صَلَّى مِنْ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ نَاسِيًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ أُخْرَى لَغَا مَا أَحْرَمَ بِهِ وَبَنَى عَلَى الْأُولَى إنْ قَصُرَ الْفَصْلُ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِصَلَاةٍ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا فَجَدَّدَ الْإِحْرَامَ فَإِنَّهُ يُلْغِي إحْرَامَهُ الثَّانِيَ، وَيَعْتَدُّ بِمَا أَتَى بِهِ فَلِأَيِّ مَعْنًى لَمْ يَعْتَدَّ بِمَا أَتَى بِهِ فِي الْأَوَّلِ كَمَا هُنَا أَوْ لَمْ يُلْغِ مَا هُنَا كَمَا هُنَاكَ؟ (أَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ فِي الْأُولَى أَتَى بِمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْ صَلَاةٍ أُخْرَى مُغَايِرَةٍ لِلْأُولَى فَكَانَ ذَلِكَ صَارِفًا عَنْ الِاعْتِدَادِ بِهِ عَمَّا بَقِيَ مِنْهَا، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَمَا أَتَى بِهِ كَانَ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا فَأَلْغَى إحْرَامَهُ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ سَهْوًا وَاعْتَدَّ بِمَا أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا آخَرَ فَلَا صَارِفَ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ صَلَّى فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّجَافِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ حَصَلَ رِيحٌ كَرِيهٌ أَوْ رُؤْيَةُ مَنْ يَكْرَهُهُ أَوْ نَظَرُ مَا يُلْهِيه فَهَلْ يَكُونُ الصَّفُّ الثَّانِي أَوْ غَيْرُهُ إذَا خَلَا عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَاتِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا - أَنَّ الصَّفَّ الثَّانِيَ أَوْ غَيْرَهُ إذَا خَلَا عَمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ أَوْ نَحْوِهِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ حَصَلَ لَهُ مِنْ نَحْوِ الزَّحْمَةِ وَرُؤْيَةِ مَا ذَكَرَ مَا يَسْلُبُ خُشُوعَهُ أَوْ يُنْقِصُهُ، وَإِلَّا فَفِي كَوْنِ الصَّفِّ الثَّانِي الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالتَّجَافِي أَفْضَلَ مِنْ الْأَوَّلِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِمْ يُسَنُّ الدُّخُولُ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ بَلْ مَا يَسَعُهُ لَوْ تَضَامَّ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ فَوَاتُ التَّجَافِي أَوْ لَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَرِ مَا يُلْهِيه وَنَحْوِهِ أَنَّ نَظَرَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ تَرْكِ التَّجَافِي عَلَى مَا حَقَقْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ حَمْلِ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ يُكْرَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ عَلَى السُّنَنِ الْمُتَأَكَّدَةِ كَالْأَبْعَاضِ أَوْ الَّتِي قِيلَ بِوُجُوبِهَا أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ خِلَافُ الْأَوْلَى. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَبَيَّنَ كَوْنَهُ مُحْدِثًا لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَالِكِيٍّ مَثَلًا فَلَا يُبَسْمِلُ ثُمَّ تَبَيَّنَ فَإِنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ فَمَا الْفَرْقُ مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ فِيهِمَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ﵁ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْحَدَثِ أَنَّهُ لَا يُبْحَثُ عَنْهُ وَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْعَقِيدَةِ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهَا الْبَحْثَ عَنْهَا، وَيُطَّلَعُ عَلَيْهَا غَالِبًا فَكَانَ الْمَأْمُومُ هُنَا صَادِرًا مِنْهُ نَوْعُ تَقْصِيرٍ فَأُمِرَ بِالْإِعَادَةِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِعَادَةِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُكْرَهُ ارْتِفَاعُ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا الْكَرَاهَةُ لَكِنْ اخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَمَهَا أَخْذًا مِنْ نَصٍّ فِي الْأُمِّ وَيُجَابُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ لَهُ نَصٌّ آخَرُ بِكَرَاهَةِ الِارْتِفَاعِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ كَرِهَ ﵁ صَلَاةَ الْإِمَامِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، وَالْمَأْمُومُونَ خَارِجُهَا وَعَلَّلَهُ بِعُلُوِّهِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ تَحَصَّلَ أَنَّ لَهُ نَصَّيْنِ أَخَذَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بِهَذَا النَّصِّ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ وَتَرَكُوا النَّصَّ الْآخَرَ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ؛ إذْ ارْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ يُخِلُّ نِظَامَ تَمَامِ الْمُتَابَعَةِ الْمَطْلُوبَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْأُمِّ لَيْسَ نَصًّا فِي نَفْيِ الْكَرَاهَةِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَهُوَ فِي الْعُلُوِّ لِحَاجَةٍ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِنَفْيِ الْحُرْمَةِ وَنَفْيِ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِعُلُوِّ الْمُؤَذِّنِينَ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى مُخَالَفَةِ إطْلَاقِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. ((وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ إتْيَانِ الْمُصَلِّي بِرُكْنٍ كَالْقِرَاءَةِ حَالَةَ النِّسْيَانِ هَلْ تُحْسَبُ لَهُ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ أَتَى بِهِ حَالَةَ الشَّكِّ، وَلَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ رُبَاعِيَّةٍ فَقَامَ وَأَحْرَمَ بِنَافِلَةٍ نَاسِيًا وَأَتَى بِالسُّجُودِ عَلَى قَصْدِ النَّافِلَةِ هَلْ يُحْسَبُ عَنْ سُجُودِ الرُّبَاعِيَّةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُحْسَبُ مَا قَرَأَهُ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ لَا الشَّكِّ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ لِتَقْصِيرٍ بِخِلَافِ الشَّاكِّ، وَتُحْسَبُ تِلْكَ السَّجْدَةُ، وَإِنْ أَتَى بِهَا
следующие страницы →