← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الْآيَةَ عَلَى الذِّكْرِ حَالَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ بِالذِّكْرِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ أَنْ تُرْفَعَ عِنْدَهُ الْأَصْوَاتُ، وَيُقَوِّيه اتِّصَالُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] . . . إلَخْ. قِيلَ: وَكَأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِالْإِنْصَاتِ خَشِيَ مِنْ ذَلِكَ الْإِخْلَادَ إلَى الْبَطَالَةِ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ؛ وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّكُوتِ بِاللِّسَانِ - فَتَكْلِيفُ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ بَاقٍ حَتَّى لَا يَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وَبِأَنَّ السَّادَةَ الصُّوفِيَّةَ قَالُوا: الْأَمْرُ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِهِ ﷺ الْكَامِلُ الْمُكَمَّلُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ - مِمَّنْ هُوَ مَحَلُّ الْوَسَاوِسِ وَالْخَوَاطِرِ الرَّدِيئَةِ - فَمَأْمُورٌ بِالْجَهْرِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي دَفْعِهَا، وَيُؤَيَّدُ بِحَدِيثِ الْبَزَّارِ: «مَنْ صَلَّى مِنْكُمْ بِاللَّيْلِ فَلْيَجْهَرْ بِقِرَاءَتِهِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَتَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ» وَإِنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي الْهَوَاءِ وَجِيرَانَهُ مَعَهُ فِي مَسْكَنِهِ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَيَسْتَمِعُونَ قِرَاءَتَهُ، وَأَنَّهُ يَنْطَرِدُ بِجَهْرِهِ بِقِرَاءَتِهِ عَنْ دَارِهِ، وَعَنْ الدُّورِ الَّتِي حَوْلَهُ - فُسَّاقُ الْجِنِّ وَمَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الِاعْتِدَاءِ فِي ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] بِالْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ - فَمَرْدُودٌ بِأَنَّ الرَّاجِحَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ تَجَاوُزُ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ اخْتِرَاعُ دَعْوَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا. وَصَحَّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ؛ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ» فَهَذَا تَفْسِيرُ صَحَابِيٍّ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَالْآيَةُ فِي الدُّعَاءِ لَا فِي الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ بِخُصُوصِهِ الْأَفْضَلُ فِيهِ الْإِسْرَارُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُهَلِّلُونَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أُرَاكُمْ إلَّا مُبْتَدِعِينَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ بَلْ لَمْ يَرِدْ؛ وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَنْهَى عَنْ الذِّكْرِ؛ مَا جَالَسْتُ عَبْدَ اللَّهِ مَجْلِسًا قَطُّ إلَّا ذَكَرَ اللَّهَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَفْظُهُ: صَحَّتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِأَنَّهُ ﷺ «شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مُسْنَدٍ وَمَرَاسِيلَ النَّهْيُ عَنْهُ، فَمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا وَمَا حُكْمُ كَرَاهَتِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا حَمْلُ كَرَاهَتِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَكَذَا إنْ كَانَ قَاصِدًا الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ مُتَطَهِّرًا، كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ مُسْتَدِلًّا بِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ كَانَ مُصَلِّيًا» . وَحِكْمَةُ الْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ عَبَثٌ لَا يَلِيقُ بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ يُوجِبُ النَّوْمَ الْمُوجِبَ لِلْحَدَثِ، وَمَعَ أَنَّ صُورَتَهُ تُشْبِهُ صُورَةَ الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: «وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» وَحَمْلُ إبَاحَتِهِ عَلَى مَا عَدَا ذَلِكَ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَخْصِيصُ النَّهْيِ بِالصَّلَاةِ لَا غَيْرُ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بِيَدَيْهِ هَكَذَا.» زَادَ الْبَيْهَقِيّ: «وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.» [بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] (وَسُئِلَ) ﵁ وَأَفَاضَ عَلَيْنَا مِنْ مَدَدِهِ -: فِيمَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَشَكَّ الْمَأْمُومُ أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ أَوْ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَشَكَّ أَثَانِيَةٌ هِيَ أَمْ أُولَى؟ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَأْتِي بَعْدَ السَّلَامِ بِبَاقِي صَلَاتِهِ أَمْ لَا يَجُوزُ الْمُتَابَعَةُ فَيَنْتَظِرُهُ قَائِمًا أَوْ يُفَارِقُهُ؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ - بِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِمَّا ذَكَرْته فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ؛ وَلِاشْتِمَالِ عِبَارَتِهِ عَلَى فَوَائِدَ أَحْبَبْت ذِكْرَهَا - وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَةً - وَهِيَ: وَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ لِمَسْبُوقٍ؛ عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّهُ وَعَلِمَ حُرْمَةَ مُتَابَعَتِهِ؛ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ - نَقْلًا عَنْ الْمَجْمُوعِ، فِي الْجَنَائِزِ -: وَلَا انْتِظَارُهُ بَلْ يُسَلِّمُ، وَاسْتَظْهَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَإِنَّهُ فِي انْتِظَارِهِ مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَتِهِ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مُخْطِئًا فِيهِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ عَادَ مِنْ الْقِيَامِ إلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ جَازَ انْتِظَارُهُ؛ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمِنْ أَنَّهُ لَوْ تَنَحْنَحَ إمَامٌ لَمْ تَجِبْ مُفَارَقَتُهُ؛ حَمْلًا عَلَى الْعُذْرِ، وَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَامَ

стр. 177

لِخَامِسَةٍ سَجَدَ إنْ فَارَقَهُ بَعْدَ بُلُوغِ حَدِّ الرَّاكِعِ لَا قَبْلَهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ بِهِ هُنَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي كَالْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَمَا عَلَّلَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ انْتِظَارَهُ لَيْسَ مُتَابَعَةً كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، عَلَى أَنَّ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ: قَوْلُهُ فِي الْكِفَايَةِ: وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَلَا يُتَابِعُهُ فِيهِ - صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَابَعَةِ الْحِسِّيَّةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ؛ وَهِيَ دَوَامُ الْقُدْرَةِ بَلْ لَهُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَنْظُومِ وَيُتَابِعَهُ فِيهِ فَإِنَّ الْقُدْوَةَ تَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ بِفِعْلِ السَّهْوِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ مُفَارَقَتُهُ، وَلَهُ انْتِظَارُهُ إلَّا إذَا أَدَّى إلَى تَطْوِيلِ رُكْنٍ قَصِيرٍ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُ فِي رَدِّ كَلَامِهِ السَّابِقِ لَا يُقَالُ: يُشْكِلُ عَلَى مَا رَجَّحْته مَا يَأْتِي مِنْ وُجُوبِ الْمُفَارَقَةِ عَلَى مَنْ اقْتَدَى فِي الْمَغْرِبِ بِمُصَلِّي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَتْ ثَمَّ؛ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا وَجُلُوسًا لَمْ يُشْرَعْ لِلْإِمَامِ، بِخِلَافِهِ هُنَا ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ - فِيمَا لَوْ سَجَدَ إمَامُهُ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا لِ (ص) أَنَّ لَهُ مُفَارَقَتَهُ وَانْتِظَارَهُ؛ كَمَا لَوْ قَامَ إمَامُهُ إلَى خَامِسَةٍ، وَرَأَيْته فِيهِ أَيْضًا صَرَّحَ بِأَنَّ الْمَسْبُوقَ لَوْ عَلِمَ بِقِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ وَهَذَانِ صَرِيحَانِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِعَيْنِهَا، وَفِي رَدِّ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُتَابَعَةِ وُجُوبُهَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ لِخَامِسَةٍ لَمْ يُعْهَدْ، بِخِلَافِ سُجُودِهِ فَإِنَّهُ مَعْهُودٌ لِسَهْوِ إمَامِهِ. وَأَمَّا مُتَابَعَةُ الْمَأْمُومِينَ لَهُ ﷺ فِي قِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ فَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَحَقَّقُوا زِيَادَتَهَا؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ كَانَ زَمَنَ الْوَحْيِ وَإِمْكَانَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: زِيدَ فِي الصَّلَاةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَلَوْ قَعَدَ إمَامُهُ يَتَشَهَّدُ فِي ثَالِثَةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ظَنِّ الْمَأْمُومِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ مَعَهُ؛ عَمَلًا بِظَنِّ الْإِمَامِ ثُمَّ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ عَمَلًا بِظَنِّهِ أَوْ لَا؛ لِقَوْلِهِمْ: لَا يَجُوزُ مُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ؟ أَوْ يُفَصَّلُ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ خَطَأَهُ فَلَا يَجُوزُ أَوْ يَظُنُّهُ فَيَجُوزُ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ. وَالْأَقْرَبُ الْأَخِيرُ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الرُّويَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ احْتِمَالَيْنِ؛ فِيمَا لَوْ شَكَّ خَلْفَ الْإِمَامِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا هَلْ يُسَبِّحُ لَهُ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الصَّلَاةِ كَالْيَقِينِ بِدَلِيلِ اسْتِوَائِهِمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ؟ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا وَهُوَ لَا يَتَيَقَّنُ خَطَأَهُ فَلَا يُشَكِّكْهُ وَرَجَّحَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ الثَّانِيَ ثُمَّ قَالَ الْقَمُولِيُّ: وَلَوْ فَارَقَهُ حَالًا عَلَى الثَّانِي بَعْدَ مَا سَبَّحَ لَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ إنْ كَانَ شَكَّ خَلْفَ الْإِمَامِ لِلزِّيَادَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ اهـ وَبِتَأَمُّلِ قَوْلِهِ: وَلَوْ فَارَقَهُ. . . إلَخْ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ، فَيَتَأَيَّدُ بِهِ مَا رَجَّحَهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ، لَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَنْوَارِ - لَيْسَ لَهُمْ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فِيمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ، وَتَبْطُلُ بِهَا بَلْ تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ. وَالِانْتِظَارُ فِي رُكْنٍ طَوِيلٍ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْعِلْمِ بِالنَّقْصِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَنَحْوِهَا؛ فَيُوَافِقَ حِينَئِذٍ الثَّالِثَ أَيْضًا، وَخَرَجَ بِتَقْيِيدِي الْمَسْبُوقَ بِمَا مَرَّ - مَا لَوْ جَهِلَ ذَلِكَ فَتَابَعَهُ بِأَنَّ الرَّكْعَةَ تُحْسَبُ لَهُ إنْ قَرَأَ فِيهَا الْفَاتِحَةَ؛ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَحَمَّلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَلَوْ سَجَدَ إمَامُهُ مِنْ قِيَامٍ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ؛ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْخَادِمِ بِمَا إذَا مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ قِرَاءَةُ آيَةِ السَّجْدَةِ وَإِنْ لَمْ يَسَعْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ؛ حَمْلًا عَلَى السَّهْوِ، انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ - كَمَا عَلِمْت - مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَوَابِ مَا فِي السُّؤَالِ الثَّانِي؛ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ خَطَأَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِنْ شَكَّ فِيهِ جَازَ لَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَفِي الْحَالَيْنِ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ قَائِمًا، وَهُنَا زِيَادَةٌ نَفِيسَةٌ يَتَعَيَّنُ تَفَهُّمُهَا وَحِفْظُهَا لِغَرَابَتِهَا نَقْلًا وَتَحْقِيقًا. (وَسُئِلَ) ﵁ فِي شَخْصٍ شَافِعِيٍّ صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ حَنَفِيٍّ، وَتَابَعَهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَرَكَ الْقُنُوتَ؛ خَوْفًا مِنْ عَدَمِ إدْرَاكِهِ فِي السُّجُودِ، وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِتَرْكِ قُنُوتِ نَفْسِهِ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْعَامِّيِّ بِذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ؛ لِخَفَائِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّ مَحْضَ سُجُودِهِ لِتَرْكِ الْإِمَامِ فَقَطْ؛ بِأَنْ قَصَدَ بِهِ جَبْرَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَوْ لِتَرْكِ نَفْسِهِ فَقَطْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا مَا لَا يُشْرَعُ لَهُ فِعْلُهُ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ جَبْرَ الْخَلَلِ الْحَاصِلِ فِي صَلَاتِهِ مِنْ تَرْكِ الْإِمَامِ لَهُ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ سَهْوِهِ اللَّاحِقِ لِلْمَأْمُومِ - لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بَلْ يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 178

بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ مَأْمُومٍ يَتَشَهَّدُ مَعَ الْإِمَامِ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ؛ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْمُفَارَقَةُ مِنْ حِينِ حَدَثَ الشَّكُّ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ - كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ -؟ أَوْ يَتَشَهَّدُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَوْ يَقُومُ وَيُتِمُّ قَائِمًا بِلَا مُفَارَقَةٍ فَرُبَّمَا يَتَذَكَّرُ الْإِمَامُ أَنَّهُ سَهَا، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا مَحَلٌّ لِلتَّشَهُّدِ؛ كَمَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ حَنَفِيٍّ فَسَجَدَ لِ (ص) لَا يَسْجُدُ مَعَهُ بَلْ يُتِمُّ قَائِمًا فَهَلْ مَسْأَلَتُنَا كَذَلِكَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْمُفَارَقَةُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ؛ فَإِنَّهُ حَكَى فِي صُورَةِ السُّؤَالِ عَنْ الرُّويَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ احْتِمَالَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَبِّحُ لِإِمَامِهِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ كَالْيَقِينِ بِدَلِيلِ اسْتِوَائِهِمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ لَا؟ وَالثَّانِي لَا يُسَبِّحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا، وَهُوَ لَا يَتَيَقَّنُ خَطَأَهُ فَلَا يُشَكِّكْهُ. وَلَوْ فَارَقَهُ حَالًا عَلَى الثَّانِي بَعْدَ مَا سَبَّحَ، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَكَّ خَلْفَ الْإِمَامِ لِلزِّيَادَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ اهـ مُلَخَّصًا فَأَفْهَمَ التَّرَدُّدَ فِي التَّسْبِيحِ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَهُ وَلَوْ فَارَقَهُ. . . إلَخْ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ لَا تَجِبُ، وَإِلَّا لَمَا سَاغَ ذَلِكَ التَّرَدُّدُ الثَّانِي؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُسَبِّحُ لَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُصَرِّحٌ بِمَا ذَكَرْته، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: لَوْ قَامَ الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ نَاسِيًا لَمْ يَلْزَمْ الْمَأْمُومَ مُفَارَقَتُهُ بَلْ لَهُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ: يَلْزَمُهُ مُفَارَقَتُهُ، كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْجَنَائِزِ - ضَعِيفٌ وَإِنْ تَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ فِي انْتِظَارِهِ مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَتِهِ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مُخْطِئًا فِيهِ؛ فَفِي الْمَجْمُوعِ: لَوْ سَجَدَ إمَامُهُ الْحَنَفِيُّ لِ (ص) جَازَ لَهُ مُفَارَقَتُهُ وَانْتِظَارُهُ، كَمَا لَوْ قَامَ إمَامُهُ إلَى خَامِسَةٍ. وَفِيهِ أَيْضًا: لَوْ عَلِمَ قِيَامَ إمَامِهِ لِخَامِسَةٍ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ فَهَذَانِ صَرِيحَانِ فِي ضَعْفِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِضَعْفِهِ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: لَوْ عَادَ إمَامُهُ مِنْ الْقِيَامِ إلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ جَازَ لِلْمَأْمُومِ انْتِظَارُهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ تَأْيِيدٌ لِمَا قُلْنَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِالْأَوْلَى؛ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهَا قَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ فِعْلُ السَّهْوِ أَوْ مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ؛ كَسُجُودِ الْحَنَفِيِّ لِ (ص) ، وَلِكَوْنِ جِنْسِ السُّجُودِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مُغْتَفَرًا فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُنْظَرْ هُنَا لِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ؛ نَظِيرُ مَا لَوْ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ فَقَصَّرَ فِيمَا لَمْ يُجَوِّزْهُ الشَّافِعِيُّ، وَإِذَا لَمْ تَجِبْ الْمُفَارَقَةُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ تَحَقُّقِ الْمَأْمُومِ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَجِبَ فِي صُورَتِنَا، فَإِنْ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ الْمُسَاوَاةَ فَضْلًا عَنْ الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي يُنْتَظَرُ فِيهِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ مَحْسُوبٌ لَهُ فَلَمْ يُحْدِثْ مَا يُنَافِي صِحَّةَ صَلَاتِهِ؛ لِاسْتِمْرَارِهِ فِي الْقِيَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَنَفِيِّ وَفِي الْجُلُوسِ فِي غَيْرِهَا، وَهُمَا مَحْسُوبَانِ لَهُ؛ فَهُوَ مُنْتَظِرٌ لِلْإِمَامِ لَا مُتَابِعٌ لَهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ؛ بِخِلَافِهِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: يَنْتَظِرُهُ فِي صُورَةِ الْجُلُوسِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ فِي ظَنِّهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ؛ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مُتَابِعًا لَهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ لَا مُنْتَظِرًا لَهُ، وَمُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ. قُلْت: لَنَا فِي الِانْفِصَالِ عَنْ ذَلِكَ مَسْلَكَانِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّا نَقُولُ لَا يَنْتَظِرُهُ جَالِسًا بَلْ يَقُومُ وُجُوبًا ثُمَّ يَنْتَظِرُهُ فِي الْقِيَامِ إنْ شَاءَ. وَإِنَّمَا أَلْزَمْنَاهُ بِالْقِيَامِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى انْتِظَارِهِ فِي الْجُلُوسِ مَا ذُكِرَ، وَمِنْ تَطْوِيلِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي ظَنِّهَا، وَتَطْوِيلُهَا مُبْطِلٌ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ؛ وَالثَّانِي أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَظِرُهُ جَالِسًا؛ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ؛ فَقَدْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلُ الْكِفَايَةِ: (وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَلَا يُتَابِعُهُ فِيهِ) - صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَابَعَةِ الْحِسِّيَّةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ؛ وَهِيَ دَوَامُ الْقُدْوَةِ بَلْ لَهُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَنْظُومِ وَيُتَابِعَهُ فِيهِ بِأَنَّ الْقُدْوَةَ إنَّمَا تَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ بِفِعْلِ السَّهْوِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ مُفَارَقَتُهُ، وَلَهُ انْتِظَارُهُ؛ إلَّا إنْ أَدَّى إلَى تَطْوِيلِ رُكْنٍ قَصِيرٍ اهـ. وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِإِيجَابِهِمْ الْمُفَارَقَةَ عَلَى مَنْ اقْتَدَى فِي الْمَغْرِبِ بِمُصَلِّي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ ثَمَّ أَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا أَوْ جُلُوسًا لَمْ يُشْرَعْ لِلْإِمَامِ بِخِلَافِهِ هُنَا، فَإِنْ قُلْتَ مَا الَّذِي يَتَّجِهُ؛ هَلْ هُوَ وُجُوبُ الْقِيَامِ عَلَيْهِ إذَا أَرَادَ الِانْتِظَارَ، أَوْ جَوَازُهُ جَالِسًا؟ قُلْتُ: الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِظَارُ جَالِسًا بَلْ يَلْزَمُهُ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّكِّ الْمَذْكُورِ الْقِيَامُ فَوْرًا ثُمَّ إنْ شَاءَ فَارَقَ وَأَتَمَّ لِنَفْسِهِ بِحَسَبِ ظَنِّهِ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَمَّ بِحَسَبِ ظَنِّهِ. وَإِنَّمَا

стр. 179

أَلْزَمْنَاهُ بِالْقِيَامِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى انْتِظَارِهِ فِي الْجُلُوسِ أَنَّهُ مُتَابِعٌ لَا مُنْتَظِرٌ، وَلَا يُنَافِيه مَا قَدَّمْته عَنْ الزَّرْكَشِيّ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَهُ فِي الْجُلُوسِ مُتَابَعَةٌ حِسِّيَّةٌ لَا حُكْمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تَابَعَهُ فِيمَا لَا يُحْسَبُ لَهُ بِخِلَافِ انْتِظَارِهِ لَهُ فِي الْقِيَامِ أَوْ الْجُلُوسِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهَا مَحْضُ مُتَابَعَةٍ حُكْمِيَّةٍ؛ لِتَبَايُنِهِمَا حِسًّا، وَكَذَا انْتِظَارُهُ فِي الْقِيَامِ فِي صُورَتِنَا فَإِنَّهُ مَحْضُ مُتَابَعَةٍ حُكْمِيَّةٍ؛ عَلَى أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ انْتِظَارَهُ فِي الْجُلُوسِ مُتَابَعَةٌ حُكْمِيَّةٌ فَقَطْ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ الزَّرْكَشِيّ قَيَّدَ جَوَازَ الْمُتَابَعَةِ الْحُكْمِيَّةِ بِمَا إذَا لَمْ تُؤَدِّ إلَى تَطْوِيلِ رُكْنٍ قَصِيرٍ، وَهِيَ هُنَا تُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَتَطْوِيلُهَا كَتَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ فِي الْبُطْلَانِ كَمَا مَرَّ؛ فَإِنْ قُلْت: تَطْوِيلُهَا هُنَا لِلْمُتَابَعَةِ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ. قُلْت: هِيَ مُتَابَعَةٌ فِي فِعْلِ السَّهْوِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ امْتِنَاعُهَا، وَيُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْته مِنْ امْتِنَاعِهَا فِي التَّشَهُّدِ - قَوْلُ الْمَجْمُوعِ السَّابِقُ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي امْتِنَاعِهِ فِي صُورَتِنَا فِي التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْته. وَيُؤَيِّدُ وُجُوبَ الْقِيَامِ الَّذِي قُلْنَاهُ قَوْلُهُمْ: لَوْ انْتَصَبَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ بِلَا تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْقِيَامُ، وَإِنْ عَادَ الْإِمَامُ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ أَوْ قَامَ وَعَادَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَكِنْ مَتَى عَلِمَ أَوْ تَذَكَّرَ لَزِمَهُ الْقِيَامُ فَوْرًا، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْإِمَامُ فَمَنْعُهُمْ لَهُ مِنْ الْمُوَافَقَةِ فِي الْجُلُوسِ صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ مِنْهَا فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ شَخْصٍ خُوطِبَ بِسُنَّةٍ فَلَزِمَتْهُ فَرِيضَةٌ مَا صُورَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صُورَتُهُ مَا إذَا سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ نَاسِيًا لَهُ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ الْعَوْدُ إلَى الصَّلَاةِ إنْ قَرُبَ الْفَصْلُ لِأَجْلِ السُّجُودِ، وَبِعَوْدِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الصَّلَاةِ بِسَلَامِهِ؛ وَحِينَئِذٍ فَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ نَحْوِ الْفَاتِحَةِ لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، فَهَذَا خُوطِبَ بِسُنَّةٍ، وَهِيَ سُجُودُ السَّهْوِ فَلَزِمَتْهُ فَرِيضَةٌ؛ وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِرَكْعَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَعُدْ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِلشَّكِّ بَعْدَ السَّلَامِ الَّذِي لَا يُشْرَعُ بَعْدَهُ عَوْدٌ إلَى الصَّلَاةِ فِي تَرْكِ غَيْرِ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَطْرَأَ الشَّكُّ قَبْلَ عَوْدِهِ إلَى السُّجُودِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّا بِالْعَوْدِ نَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَرَّرَ. (وَسُئِلَ) ﵁ أَيْضًا عَنْ شَخْصٍ صَلَّى الظُّهْرَ بِثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَثَمَانِ قِيَامَاتٍ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ قِيَامٍ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، فَمَا صُورَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَرْكَعَ قَبْلَ إمَامِهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَامِدًا سُنَّ لَهُ الْعَوْدُ وَإِلَّا جَازَ، وَعَلَى كُلٍّ فَإِذَا رَجَعَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ صَدَقَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، وَفِي السُّجُودِ يُسَنُّ لَهُ الْعَوْدُ أَيْضًا أَوْ يَجُوزُ. وَعَلَيْهِ فَيُزَادُ عَلَى مَا ذُكِرَ فَيُقَالُ بِثَمَانِ رُكُوعَاتٍ وَثَمَانِ سَجَدَاتٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعَوْدُ ثُمَّ الرُّكُوعُ ثُمَّ الْعَوْدُ. وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ غَيْرِهِ جَوَازُهُ مَرَّةً ثَالِثَةً وَرَابِعَةً مَا لَمْ تَتَوَالَ أَفْعَالُهُ، وَعَلَيْهِ فَيُقَالُ بَدَلُ ثَمَانِ رُكُوعَاتٍ سِتَّةَ عَشَرَ رُكُوعًا أَوْ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سُجُودًا أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا عَادَ إلَى الْقِيَامِ ثُمَّ فَارَقَ إمَامَهُ فَهَلْ يُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ الرُّكُوعُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ رُكُوعٍ ثَانٍ فِيهِ نَظَرٌ؟ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ عَوْدَهُ إلَى الْإِمَامِ فِيهِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ الرُّكُوعِ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ - عَنْ إمَامٍ سَجَدَ إحْدَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَأَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِيهَا ثُمَّ أَحْدَثَ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَسْبُوقُ الثَّانِيَةَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ - هَلْ تَجِبُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ فَوْرًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَجِبُ ذَلِكَ؛ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ وَلَمْ يَسْجُدْ الْمَأْمُومُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَمْ يَأْتِ بِشَرَائِطِ السُّجُودِ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ إنْ طَرَأَ لَهُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالشَّرَائِطِ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِصُورَةِ السَّجْدَةِ فَعَادَ فَوْرًا إلَى الْقُعُودِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَجَدَ قَاصِدًا عَدَمَ الْإِتْيَانِ بِهَا أَوْ طَرَأَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِصُورَةِ السُّجُودِ وَاسْتَمَرَّ فِيهِ وَطَالَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. هَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِمَنْ أَطْلَقَ الصِّحَّةَ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ قَامَ

стр. 180

قَبْلَ إمَامِهِ سَهْوًا مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يُفَرِّقُ بَيْنَ قِيَامِهِ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لِلتَّشَهُّدِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ قَامَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ؛ لِتَقْصِيرِ الْإِمَامِ بِجُلُوسِهِ حِينَئِذٍ أَوْ قَبْلَهُ وَجَبَ الْعَوْدُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ صَلَّى مِنْ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ نَاسِيًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ أُخْرَى لَغَا مَا أَحْرَمَ بِهِ وَبَنَى عَلَى الْأُولَى إنْ قَصُرَ الْفَصْلُ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِصَلَاةٍ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا فَجَدَّدَ الْإِحْرَامَ فَإِنَّهُ يُلْغِي إحْرَامَهُ الثَّانِيَ، وَيَعْتَدُّ بِمَا أَتَى بِهِ فَلِأَيِّ مَعْنًى لَمْ يَعْتَدَّ بِمَا أَتَى بِهِ فِي الْأَوَّلِ كَمَا هُنَا أَوْ لَمْ يُلْغِ مَا هُنَا كَمَا هُنَاكَ؟ (أَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ فِي الْأُولَى أَتَى بِمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْ صَلَاةٍ أُخْرَى مُغَايِرَةٍ لِلْأُولَى فَكَانَ ذَلِكَ صَارِفًا عَنْ الِاعْتِدَادِ بِهِ عَمَّا بَقِيَ مِنْهَا، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَمَا أَتَى بِهِ كَانَ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا فَأَلْغَى إحْرَامَهُ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ سَهْوًا وَاعْتَدَّ بِمَا أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا آخَرَ فَلَا صَارِفَ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ صَلَّى فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّجَافِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ حَصَلَ رِيحٌ كَرِيهٌ أَوْ رُؤْيَةُ مَنْ يَكْرَهُهُ أَوْ نَظَرُ مَا يُلْهِيه فَهَلْ يَكُونُ الصَّفُّ الثَّانِي أَوْ غَيْرُهُ إذَا خَلَا عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَاتِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا - أَنَّ الصَّفَّ الثَّانِيَ أَوْ غَيْرَهُ إذَا خَلَا عَمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ أَوْ نَحْوِهِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ حَصَلَ لَهُ مِنْ نَحْوِ الزَّحْمَةِ وَرُؤْيَةِ مَا ذَكَرَ مَا يَسْلُبُ خُشُوعَهُ أَوْ يُنْقِصُهُ، وَإِلَّا فَفِي كَوْنِ الصَّفِّ الثَّانِي الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالتَّجَافِي أَفْضَلَ مِنْ الْأَوَّلِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِمْ يُسَنُّ الدُّخُولُ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ بَلْ مَا يَسَعُهُ لَوْ تَضَامَّ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ فَوَاتُ التَّجَافِي أَوْ لَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَرِ مَا يُلْهِيه وَنَحْوِهِ أَنَّ نَظَرَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ تَرْكِ التَّجَافِي عَلَى مَا حَقَقْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ حَمْلِ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ يُكْرَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ عَلَى السُّنَنِ الْمُتَأَكَّدَةِ كَالْأَبْعَاضِ أَوْ الَّتِي قِيلَ بِوُجُوبِهَا أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ خِلَافُ الْأَوْلَى. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَبَيَّنَ كَوْنَهُ مُحْدِثًا لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَالِكِيٍّ مَثَلًا فَلَا يُبَسْمِلُ ثُمَّ تَبَيَّنَ فَإِنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ فَمَا الْفَرْقُ مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ فِيهِمَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ﵁ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْحَدَثِ أَنَّهُ لَا يُبْحَثُ عَنْهُ وَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْعَقِيدَةِ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهَا الْبَحْثَ عَنْهَا، وَيُطَّلَعُ عَلَيْهَا غَالِبًا فَكَانَ الْمَأْمُومُ هُنَا صَادِرًا مِنْهُ نَوْعُ تَقْصِيرٍ فَأُمِرَ بِالْإِعَادَةِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِعَادَةِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُكْرَهُ ارْتِفَاعُ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا الْكَرَاهَةُ لَكِنْ اخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَمَهَا أَخْذًا مِنْ نَصٍّ فِي الْأُمِّ وَيُجَابُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ لَهُ نَصٌّ آخَرُ بِكَرَاهَةِ الِارْتِفَاعِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ كَرِهَ ﵁ صَلَاةَ الْإِمَامِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، وَالْمَأْمُومُونَ خَارِجُهَا وَعَلَّلَهُ بِعُلُوِّهِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ تَحَصَّلَ أَنَّ لَهُ نَصَّيْنِ أَخَذَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بِهَذَا النَّصِّ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ وَتَرَكُوا النَّصَّ الْآخَرَ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ؛ إذْ ارْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ يُخِلُّ نِظَامَ تَمَامِ الْمُتَابَعَةِ الْمَطْلُوبَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْأُمِّ لَيْسَ نَصًّا فِي نَفْيِ الْكَرَاهَةِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَهُوَ فِي الْعُلُوِّ لِحَاجَةٍ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِنَفْيِ الْحُرْمَةِ وَنَفْيِ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِعُلُوِّ الْمُؤَذِّنِينَ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى مُخَالَفَةِ إطْلَاقِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. ((وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ إتْيَانِ الْمُصَلِّي بِرُكْنٍ كَالْقِرَاءَةِ حَالَةَ النِّسْيَانِ هَلْ تُحْسَبُ لَهُ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ أَتَى بِهِ حَالَةَ الشَّكِّ، وَلَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ رُبَاعِيَّةٍ فَقَامَ وَأَحْرَمَ بِنَافِلَةٍ نَاسِيًا وَأَتَى بِالسُّجُودِ عَلَى قَصْدِ النَّافِلَةِ هَلْ يُحْسَبُ عَنْ سُجُودِ الرُّبَاعِيَّةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُحْسَبُ مَا قَرَأَهُ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ لَا الشَّكِّ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ لِتَقْصِيرٍ بِخِلَافِ الشَّاكِّ، وَتُحْسَبُ تِلْكَ السَّجْدَةُ، وَإِنْ أَتَى بِهَا

стр. 181

عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا مِنْ النَّافِلَةِ كَمَا قَالَهُ الْعَلَائِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ: لَا تُحْسَبُ وَانْتَصَرَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ النَّفَلَ إنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَرْضِ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالنَّفَلِ الْمُسْتَقِلِّ أَوْلَى بِعَدَمِ الِاحْتِسَابِ مِنْ سَجْدَةِ الِاسْتِرَاحَةِ اهـ وَيُرَدُّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ اشْتِمَالِ النِّيَّةِ عَلَى تِلْكَ السَّجْدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَسِيَ كَانَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْإِحْرَامِ وَمَا بَعْدَهُ لَغْوًا إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَحَلِّ السَّجْدَةِ الْمَتْرُوكَةِ فَتُحْسَبُ لَهُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ أَتَى بِهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ فِي نَافِلَةٍ أُخْرَى لِعُذْرِهِ بِنِسْيَانِهِ الْمُتَسَبِّبِ عَنْهُ هَذَا الظَّنُّ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِأَنَّ هَذِهِ فَعَلَهَا لِعَارِضٍ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ التِّلَاوَةُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ فَكَانَ ذَلِكَ صَارِفًا لِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ تُحْسَبْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ عَنْ سُجُودِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هُنَا صَارِفًا غَيْرَ مَعْذُورٍ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُسْبَانِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ لَحِقَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ مَثَلًا وَسَجَدَ الْإِمَامُ سُجُودَ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ نَاسٍ فَذَكَرَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَسْجُدْ أَوْ سَجَدَ سَجْدَةً وَبَقِيَتْ الثَّانِيَةُ هَلْ يَسْجُدُهَا أَوْ يَسْجُدُ الْجَمِيعَ إذَا لَمْ يَسْجُدْ أَوْ يَتْرُكْ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي فِي شَرْحِي لِلْمِنْهَاجِ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بِفِعْلِ الْإِمَامِ لَهُ يَسْتَقِرُّ عَلَى الْمَأْمُومِ وَيَصِيرُ كَالرُّكْنِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ سَاهِيًا عَنْهُ لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ إنْ قَرُبَ الْفَصْلُ وَإِلَّا تُعَادَ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ مِنْهَا رُكْنًا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِسُجُودِ إمَامِهِ لِلتِّلَاوَةِ إلَّا وَقَدْ فَرَغَ مِنْهُ لَمْ يُتَابِعْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ فَاتَ مَحَلُّهُ بِخِلَافِهِ هُنَا اهـ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ مَأْمُومٍ سَلَّمَ إمَامُهُ فَقَامَ لِإِتْيَانِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَرَأَى فِي قِيَامِهِ سُجُودَ إمَامِهِ لِلسَّهْوِ فَهَلْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلسُّجُودِ لِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ أَوْ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ وَيَسْجُدُ آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلسُّجُودِ لِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ خَطَأَهُ فِي عَوْدِهِ؛ لِأَنَّهُ بِعَوْدِهِ إلَيْهِ بِشَرْطِهِ يَعُودُ إلَى الصَّلَاةِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ سَلَامَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ تَحَلُّلٌ لِمَا قَرَّرُوهُ أَنَّ السَّلَامَ مَتَى شُرِعَ بَعْدَهُ الْعَوْدُ لِسُجُودِ السَّهْوِ بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ سَلَامِ التَّحَلُّلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَادَ لِلصَّلَاةِ بِشَرْطِهِ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ بِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ بَانَ أَنَّهُ لِلتَّحَلُّلِ وَالْمَأْمُومُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ لِلْإِتْيَانِ بِمَا عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِلَّا لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى الْجُلُوسِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ سَلَّمَ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُومُ بِذَلِكَ إلَّا وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً أَوْ أَكْثَرَ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقُعُودِ وَيُلْغِي مَا أَتَى بِهِ ثُمَّ يَقُومُ وَيَأْتِي بِجَمِيعِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ لَوْ قَامَ عَقِبَ سَلَامِ الْإِمَامِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا قَامَ الْإِمَامُ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ بَعْدَ إتْمَامِهِ إيَّاهُ وَالْمَأْمُومُ لَمْ يَفْرُغْ مِنْهُ بَعْدُ أَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ وَتَرْكُ الْبَقِيَّةِ رِعَايَةً لِلْمُتَابَعَةِ أَمْ لَهُ الْقُعُودُ لِلْإِتْمَامِ إتْيَانًا بِمَا أُمِرَ بِهِ أَوْ يُقَالُ إنْ لَمْ يَطُلْ الْمُكْثُ بِقِرَاءَةِ الْبَقِيَّةِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا قِيلَ بِالْجَوَازِ فَهَلْ الْأَوْلَى الْمُتَابَعَةُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: اضْطَرَبَتْ فِي ذَلِكَ فَتَاوَى مَشَايِخِنَا وَأَهْلِ عَصْرِهِمْ، وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةِ التَّخَلُّفِ لِإِتْمَامِهِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ الْقُنُوتُ عِنْدَ تَرْكِ إمَامِهِ لَهُ إذَا لَحِقَهُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى بِجَامِعِ أَنَّهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْإِمَامُ، وَإِنَّمَا أَدَامَ مَا كَانَ فِيهِ الْإِمَامُ فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ فَاحِشَةٌ وَبِهِ فَارَقَ عَدَمَ إتْيَانِهِ بِالتَّشَهُّدِ عِنْدَ تَرْكِ إمَامِهِ لَهُ لِمَا فِيهِ حِينَئِذٍ مِنْ الْمُخَالَفَةِ الْفَاحِشَةِ وَمِنْ ثَمَّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَمَنْ أَتَمَّ التَّشَهُّدَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِالتَّخَلُّفِ لِلْإِتْمَامِ وَالْقَائِلِينَ بِعَدَمِهِ فَلَا يُقَاسُ الْإِتْمَامُ بِأَصْلِ الْإِتْيَانِ فَتَدَبَّرْهُ لِيَظْهَرَ لَك ضَعْفُ مَنْ مَنَعَ التَّخَلُّفَ لِلْإِتْمَامِ كَالتَّخَلُّفِ لِلْإِتْيَانِ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِنَّمَا سَوَّوْا بَيْنَ التَّخَلُّفِ لِقِرَاءَةِ السُّورَةِ وَالتَّخَلُّفِ لِإِتْمَامِهَا فِي امْتِنَاعِهِمَا عِنْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُورَةَ لَهُ بِالْأَصَالَةِ بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْ الْمَأْمُومِ بِالْأَصَالَةِ، وَأَيْضًا فَهُوَ مِنْ الْأَبْعَاضِ وَهِيَ آكَدُ مِنْ السُّورَةِ نَعَمْ قَيَّدَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي فَتَاوِيهِ جَوَازَ التَّخَلُّفِ لِذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ يَسِيرًا وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَوْ تَخَلَّفَ إلَى إنْ قَامَ الْإِمَامُ مِنْ الرُّكُوعِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَخَلُّفِهِ بِتَمَامِ رُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ لِسُنَّةٍ وَالتَّخَلُّفُ بِهِمَا وَلَوْ لِسُنَّةٍ مُبْطِلٌ وَإِذَا قِيلَ بِالْجَوَازِ

стр. 182

فَالْأَوْلَى الْمُتَابَعَةُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ نَعَمْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ لَا يَشْتَغِلُ بِسُنَّةٍ بَعْدَ التَّحَرُّمِ كَالِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ إلَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْفَاتِحَةَ بِكَمَالِهَا قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ أَنَّهُ هُنَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْفَاتِحَةَ بِكَمَالِهَا قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ سُنَّ لَهُ التَّخَلُّفُ لِلْإِتْمَامِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِي الْقُنُوتِ فَإِنْ قُلْت: إذَا تَخَلَّفَ لِلْإِتْمَامِ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُوَافِقِ أَوْ الْمَسْبُوقِ قُلْت إذَا تَخَلَّفَ لِذَلِكَ فَإِنْ أَدْرَكَ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ مِنْ قِرَاءَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ الْمُوَافِقُ فَيَتَخَلَّفُ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ فَهُوَ كَالْمَسْبُوقِ فَيَقْرَأُ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَ نَظِيرُ مَا لَوْ اشْتَغَلَ الْمَسْبُوقُ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ بِجَامِعِ تَقْصِيرِ كُلٍّ بِاشْتِغَالِهِ بِسُنَّةٍ عَنْ فَرْضِ الْمُتَابَعَةِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْفَاتِحَةُ كُلُّهَا مُطْلَقًا فَيَتَخَلَّفُ لَهَا مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ ثُمَّ إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِمَّا لَزِمَهُ فَإِنْ أَتَمَّهُ وَأَدْرَكَ الرُّكُوعَ بِشَرْطِهِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا فَإِنْ فَرَغَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْهُوِيِّ لِلسُّجُودِ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ فَإِنْ رَكَعَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ الْهُوِيَّ لِلسُّجُودِ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي حَقِّهِ وَاجِبَانِ إكْمَالُ مَا فَوَّتَهُ وَمُتَابَعَةُ الْإِمَامِ وَلَا مُخَلِّصَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ فَتَلْزَمُهُ، هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُشْتَغِلَ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مَعْذُورٌ فَيَتَخَلَّفُ بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ، وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ كَالْمُوَافِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ نَقَلَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ إلَى السُّجُودِ أَوْ عَكَسَ هَلْ يُسَنُّ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ لِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَوْ لَا فَرْقَ إلَّا فِي الْأَعْلَى وَالْعَظِيمِ أَوْ لَا وَلَوْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ مَرَّتَيْنِ هَلْ يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ كَمَا فِي الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَمَا الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهَلْ يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ نَقْلَ التَّسْبِيحِ يَقْتَضِي السَّهْوَ، وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا سُجُودَ لِنَقْلِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا لَكِنْ كَلَامُ الْكِفَايَةِ يَقْتَضِي السُّجُودَ وَبِأَنَّهُ لَا يُقَاسُ نَقْلُ نَحْوِ التَّسْبِيحِ عَلَى نَقْلِ نَحْوِ الْقُنُوتِ؛ لِأَنَّ الْأَبْعَاضَ آكَدُ مِنْ بَقِيَّةِ السُّنَنِ، وَإِنَّمَا أُلْحِقَتْ السُّورَةُ بِالْفَاتِحَةِ لِتَأَكُّدِهَا وَشِبْهِهَا بِهَا اهـ. وَلَمَّا ذَكَرْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ قُلْت عَقِبَهُ: قَدْ تَتَبَّعْت مَا نُقِلَ عَنْ الْمَجْمُوعِ فِي مَظَانِّهِ فَلَمْ أَرَهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ فَلَا كَلَامَ، وَإِلَّا فَالْأَوْجَهُ مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ فَنَقْلُ أَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ إلَى غَيْرِ مَحَالِّهَا الْمَطْلُوبَةِ فِيهِ يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْقِيَامَ مَحَلُّ التَّسْبِيحِ فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَالِافْتِتَاحِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ. . . إلَخْ وَلَا كَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ أَوْ بَدَلَهُ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَقْلِ التَّسْبِيحِ الْمُخْتَصِّ بِمَحَلٍّ كَسُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ فِي الرُّكُوعِ، وَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي السُّجُودِ مَثَلًا، وَالْقِيَامُ لَيْسَ مَحَلًّا لِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ، وَمُخْتَلَفٌ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا وَيُبْطِلُ مَا ذَكَرَهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ بِنِيَّتِهِ مُقْتَضٍ لِلسُّجُودِ مَعَ أَنَّ الْقِيَامَ مَحَلٌّ لِلدُّعَاءِ فِي الْجُمْلَةِ فِي دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ بِالنِّيَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي نَقْلِ نَحْوِ التَّسْبِيحِ مِنْ أَنَّهُ يَنْوِي بِهِ أَنَّ هَذَا تَسْبِيحٌ نَحْوُ الرُّكُوعِ كَالْقُنُوتِ بَلْ أَوْلَى ثُمَّ رَأَيْت الْفَتَى وَشَيْخَنَا زَكَرِيَّا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. بَحَثَا ذَلِكَ وَسَوَاءٌ فِي نَقْلِ مَا مَرَّ النَّقْلُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِتَرْكِهِ التَّحَفُّظَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا أَمْرًا مُتَأَكَّدًا كَتَأَكُّدِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ اهـ الْمَقْصُودُ مِنْ عِبَارَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ وَمِنْهَا يُعْلَمُ أَنَّ نَقْلَ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ الْمُخْتَصِّ بِهِ إلَى السُّجُودِ بِنِيَّةِ كَوْنِهِ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ وَعَكْسِهِ يَقْتَضِي السُّجُودَ لِتَرْكِهِ التَّحَفُّظَ الْمَذْكُورَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِي: الْمُخْتَصِّ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ نَقْلٌ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي أَحَدِهِمَا يَقَعُ فِي مَحَلِّهِ. وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَيْضًا أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ أَيْضًا فِي تَكْرِيرِ الْفَاتِحَةِ كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الرَّافِعِيِّ

стр. 183

وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَإِنْ جَزَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِخِلَافِهِ لَكِنْ إنْ كَرَّرَهَا عَمْدًا لِجَرَيَانِ وَجْهٍ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ فَالسُّجُودُ لَهُ أَوْلَى مِنْهُ لِنَقْلِ نَحْوِ السُّورَةِ، وَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُ تَكْرِيرِهَا سَهْوًا أَوْ شَكًّا بِذَلِكَ، وَهُوَ قَرِيبٌ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي نَقْلِ ذَلِكَ لِتَرْكِهِ التَّحَفُّظَ السَّابِقَ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ تَكْرِيرَ التَّشَهُّدِ كَتَكْرِيرِ الْفَاتِحَةِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ وَأَنَّ مَا فِي الْخَادِمِ عَنْ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَهُ نَاسِيًا أَوْ شَكَّ فِيهِ فَأَعَادَهُ لَمْ يَسْجُدْ - فِيهِ نَظَرٌ اهـ. وَمِنْهَا يُعْلَمُ جَوَابُ مَا فِي السُّؤَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابٌ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ] (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ تَكْرِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي التَّرَاوِيحِ هَلْ يُسَنُّ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَهَلْ يُكْرَهُ أَمْ لَا وَقَدْ رَأَيْت فِي الْمُعْلِمَاتِ لِابْنِ شُهْبَةَ أَنَّ تَكْرِيرَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي التَّرَاوِيحِ ثَلَاثًا كَرِهَهَا بَعْضُ السَّلَفِ قَالَ: لِمُخَالَفَتِهَا الْمَعْهُودَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ مَرَّةً فَلْتَكُنْ فِي التِّلَاوَةِ مَرَّةً اهـ فَهَلْ كَلَامُهُ مُقَرَّرٌ مُعْتَمَدٌ أَمْ لَا بَيِّنُوا ذَلِكَ وَأَوْضِحُوهُ لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ (فَأَجَابَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِقَوْلِهِ: تَكْرِيرُ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ أَوْ غَيْرِهَا فِي رَكْعَةٍ أَوْ كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَلَا يُقَالُ: مَكْرُوهٌ عَلَى قَوَاعِدِنَا. لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ مَخْصُوصٌ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ فِي التَّرَاوِيحِ هُوَ التَّجْزِئَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِحَيْثُ يُخْتَمُ الْقُرْآنُ جَمِيعُهُ فِي الشَّهْرِ أَوْلَى مِنْ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ الْقِيَامُ فِيهَا بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَاعْتَمَدَ ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَيُقَاسُ بِذَلِكَ كُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ كَآيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي سُنَّةِ الصُّبْحِ، أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةً فِي رَكْعَتَيْنِ إنْ فَرَّقَهَا لِعُذْرٍ أُثِيبَ عَلَيْهَا ثَوَابَ السُّورَةِ الْكَامِلَةِ. لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ بِالْأَعْرَافِ فِي أَوَّلَتَيْ الْمَغْرِبِ وَأَمَّا سُورَةٌ نَحْوُ ثَلَاثِ أَوْ أَرْبَعِ آيَاتٍ فَتَفْرِيقُهَا خِلَافُ السُّنَّةِ وَفِي الْخَادِمِ عَنْ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الرَّبِيعِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ ﵁ أَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فَقَالَ نَعَمْ وَأَفْعَلُهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَقَدْ عَرَفْت النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ وَيَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْأَقْرَبَ لِلسُّنَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ لَا جَائِزٌ فَقَطْ، وَلَوْ كَرَّرَ السُّورَةَ فِي رَكْعَتَيْنِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحَصِّلُ أَصْلَ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ مَا حُكْمُ الْجَمْعِ عِنْدَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَفِي مَسْجِدِ الْجُنْدِ فِي لَيْلَةِ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا اعْتَادَتْهُ الْعَامَّةُ مِنْ الْقَبَائِحِ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ بِدْعَةٌ شَدِيدَةُ الْقُبْحِ وَالْفُحْشِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِمْ الدِّينَ وَأَزَالَ بِسُيُوفِ عَدْلِهِمْ الْمُفْسِدِينَ مَنْعُ الْعَامَّةِ مِنْ إظْهَارِ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْأَمَاكِنِ الْفَاضِلَةِ وَجَمِيعُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ فِي فَضَائِلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ بَاطِلٌ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَإِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْأَكَابِرِ كَالْإِحْيَاءِ لِلْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ التَّحِيَّةِ هَلْ يُخَاطَبُ بِهَا الْمَارُّ وَهَلْ يَجُوزُ فِعْلُهَا مِنْ قُعُودٍ وَلَوْ دَخَلَ وَقَرَأَ آيَةَ سُجُودٍ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ فِي تَحْصِيلِهِمَا مَعَ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ فَاتَتْ أَوْ صَلَّاهَا فَاتَ السُّجُودُ لِطُولِ الْفَصْلِ وَلَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَةٍ ثُمَّ عَادَ فَهَلْ يُشْرَعُ لَهُ التَّحِيَّةُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَتَّجِهُ. وَذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَخْذًا مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْجُلُوسِ فِي نَحْوِ حَدِيثِ «فَلَا تَجْلِسْ حَتَّى تُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» أَنَّ الْمَارَّ لَا يُخَاطَبُ بِهَا وَنَظَرَ فِيهِ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهَا مُعَلَّقًا عَلَى مُطْلَقِ الدُّخُولِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ، وَأَمَّا فِعْلُهَا مِنْ قُعُودٍ فَيَجُوزُ سَوَاءٌ نَوَى قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ أَوْ قَارَنَتْ نِيَّتُهُ الْجُلُوسَ بِخِلَافِ مَا إذَا جَلَسَ ثُمَّ نَوَى فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ عَمْدًا وَإِنْ قَلَّ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي تَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ أَنْ يُحْرِمَ

стр. 184

بِالرَّكْعَتَيْنِ وَيَقْرَأَ الْآيَةَ فِيهِمَا ثُمَّ يَسْجُدَ وَخَطَّأَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ السُّجُودَ لِقِرَاءَتِهِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ لَا لِتِلْكَ الْمُتَقَدِّمَةِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ أَنْ يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ فَإِذَا جَلَسَ نَوَى قَبْلَ سَلَامِهِ زِيَادَةَ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُومُ فَيُصَلِّيهِمَا؛ لِأَنَّ النَّفَلَ الْمُطْلَقَ يَجُوزُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ اهـ. وَفِي كَوْنِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ نَظَرٌ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِهِمْ لَهُ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ وَهَذَا مُتَقَيِّدٌ بِسَبَبِ الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بِفِعْلِ السُّجُودِ تَفُوتُهُ التَّحِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ قَصِيرٌ لِعُذْرٍ فَهُوَ كَالْجُلُوسِ الْقَصِيرِ نَاسِيًا. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُعْتَكِفِ فَالْأَوْجَهُ فِيهَا أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالتَّحِيَّةِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ اعْتِكَافَهُ بَاقٍ أَمْ لَا لِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهُ فَقَدْ شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ وَالْخَبَرُ وَقَوْلُ ابْنِ الْعِمَادِ إنَّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْقَوَاعِدُ خِلَافُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ حُكْمًا فَهُوَ كَالْقُدْوَةِ الْحُكْمِيَّةِ يُفَارِقُ الْمَأْمُومُ فِيهَا الْإِمَامَ حِسًّا لَا حُكْمًا يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْخُرُوجِ الْحِسِّيِّ سَوَاءٌ أَصَحِبَهُ خُرُوجٌ حُكْمِيٌّ أَمْ لَا بَلْ الْخُرُوجُ هُنَا وَجَدَ حُكْمًا أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْطَعْ الِاعْتِكَافَ؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْعَوْدِ عِنْدَ الْخُرُوجِ بِمَنْزِلَةِ النِّيَّةِ إذَا دَخَلَ فَمِنْ ثَمَّ اكْتَفَى بِهِ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَنَحْوِهِ كَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى حَالَ النِّيَّةِ فَلَمْ تَشْمَلْهُ فَلَا يُقَالُ: الِاعْتِكَافُ فِي حَالِ الْخُرُوجِ بَاقٍ حُكْمًا وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْمَأْمُومِ فِي الْقُدْوَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّا إنَّمَا جَعَلْنَا الْقُدْوَةَ حُكْمِيَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَأْمُومِ مَا يُنَافِيهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّا عَهِدْنَا فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ تَخَلُّفًا عَنْ الْإِمَامِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا، وَبِأَنَّ الَّذِي أَلْجَأَنَا إلَى ذَلِكَ مُرَاعَاةُ مَصَالِحَ تَعُودُ عَلَى الْمَأْمُومِ كَتَحَمُّلِ سَهْوِهِ، وَهُنَا وُجِدَ مَا يُنَافِي الِاعْتِكَافَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ الْخُرُوجُ، وَلَا مَصَالِحَ تَعُودُ عَلَى الْخَارِجِ لَوْ قُلْنَا بِبَقَاءِ اعْتِكَافِهِ حُكْمًا لِأَنَّا وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ نَقُولُ لَا يَنْقَطِعُ اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا لِبَقَاءِ الِاعْتِكَافِ الْحُكْمِيِّ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ خَصَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ بِصَلَاةِ التَّسْبِيحِ فَهَلْ يُكْرَهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُكْرَهُ لِشُمُولِ قَوْلِهِمْ يُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ وَفِعْلُهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ يُمْكِنُ فِي غَيْرِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَمَا حَكَاهُ الدَّمِيرِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ مِنْ أَنَّ وَقْتَهَا لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُهَا غَرِيبٌ فَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِلَيْلَتِهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَمِثْلُ لَيْلَتِهَا يَوْمُهَا فِي أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِهِ لَا فِي أَنَّهَا تُكْرَهُ فِيهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ لَيْلًا وَفِيهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَمْسَيْت أُشْهِدُك. . . إلَخْ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَلْ إذَا قَضَاهُ نَهَارًا يُسَنُّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ الْمَسَاءِ وَنَحْوِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «أَنْ يَقْبَلَنِي فِي هَذِهِ الْغَدَاةِ أَوْ الْعَشِيَّةِ» أَوْ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فَرْقٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَأْتِي بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ عِنْدَ الْقَضَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا لِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيَنْوِي الْمَسَاءَ الْمَاضِيَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي نَحْوِ أَمْسَيْت دُونَ نَحْوِ هَذِهِ الْعَشِيَّةِ إلَّا أَنْ يُنَزِّلَ مَا مَضَى مَنْزِلَةَ الْحَاضِرِ فَيُشِيرَ إلَيْهِ بِإِشَارَتِهِ كَمَا أَشَارُوا إلَى مَا لَمْ يُوجَدْ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْحَاضِرِ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ غَيْرُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ هَلْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ فِيهَا بِأَنْ يَنْوِيَ ثِنْتَيْنِ وَيُصَلِّيَ أَرْبَعًا أَوْ عَكْسُهُ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مُقْتَضَى تَقْيِيدِهِمْ ذَلِكَ بِالنَّفْلِ الْمُطْلَقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ إذْ الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَةِ وُجُوبُ الْبَقَاءِ عَلَى نِيَّتِهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ لِعَدَمِ انْحِصَارِهِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ صَلَّى الْوِتْرَ ثَلَاثًا فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْبَاقِيَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ إذْ مَعْنَى كَوْنِهِ وِتْرًا أَنَّ فِيهِ الْوِتْرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ تَوَسَّطَ الْوِتْرُ أَمْ تَقَدَّمَ أَمْ تَأَخَّرَ. (وَسُئِلَ) ﵁ سُنَّةُ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةُ هَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الظُّهْرِ بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ فِيهَا وَجْهَانِ وَجْهٌ يَحْتَمِلُ تَرْجِيحَ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ إنَّمَا كَانَتْ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ زَالَتْ بِزَوَالِهِ وَوَجْهٌ يَحْتَمِلُ تَرْجِيحَ الْمَنْعِ إجْرَاءً لِمَا بَعْدَ الْوَقْتِ مَجْرَى مَا فِيهِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ يَجُوزُ التَّغْيِيرُ وَالنَّقْصُ فِي الْوِتْرِ وَسُنَّةِ الظُّهْرِ مَثَلًا كَالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَهَلْ يَجُوزُ جَمْعُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ إذْ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْفَرْضِ بِتَسْلِيمَةٍ وَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ عَلَيْهَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ التَّغْيِيرُ وَالنَّقْصُ فِيمَا ذُكِرَ

стр. 185

وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ وَغَيْرِهَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ مَا ذُكِرَ بِتَسْلِيمَةٍ فِي نِيَّةٍ وَإِنْ اقْتَضَتْ عِبَارَةُ بَعْضِهِمْ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَرْبَعَةَ تَقَعُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَلَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ تَقَعُ عَنْ الْقَبْلِيَّةِ وَالْأَخِيرَتَيْنِ تَقَعُ عَنْ الْبَعْدِيَّةِ وَلَا عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْمُتَأَخِّرَتَيْنِ لَا تُقَارِنُ فِعْلَهُمَا حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأَخِيرَةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْجَوَازِ إلْحَاقًا لِمَا بَعْدَ الْوَقْتِ بِمَا فِيهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ التَّبَعِيَّةَ زَالَتْ بِزَوَالِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلٍّ تَابَعَ تَأَخُّرُهُ عَنْ مَتْبُوعِهِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ فَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَاعِدًا فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ وَصَلَّاهَا قَاعِدًا أَجْزَأَتْهُ عَنْ التَّحِيَّةِ، وَإِلَّا فَلَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْجُلُوسَ الْيَسِيرَ عَمْدًا يُفَوِّتُهَا. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ لَوْ نَوَى التَّحِيَّةَ وَالظُّهْرَ حَصَلَا قَطْعًا وَالْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ حَصَلَا عَلَى الْأَصَحِّ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ اقْتَضَى قَوْلُهُمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ حُصُولِ غُسْلِ الْعِيدِ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَعَكْسه وَعَدَمُ حُصُولِ التَّحِيَّةِ أَيْ ثَوَابُهَا بِنِيَّةِ سُنَّةِ الظُّهْرِ مَبْنَى الطِّهَارَاتِ عَلَى التَّدَاخُلِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الطَّهَارَةِ أَوْلَى بِالْقَطْعِ بِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ قِيلَ بِوُجُوبِهِ فَجَرَى فِي انْدِرَاجِهِ نَظَرًا لِتَأَكُّدِهِ وَلِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ فَلَمْ يَكْفِ اقْتِرَانُهُ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ التَّحِيَّةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَكَانَ لَا وَجْهَ لِعَدَمِ انْدِرَاجِهَا مَعَ نِيَّتِهَا. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُؤَكَّدَتَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ وَغَيْرِ الْمُؤَكَّدَتَيْنِ هَلْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَيُقَالُ: مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ يُقَالُ فِيهِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمُؤَكَّدِ، وَمَنْ أَتَى بِالْأَرْبَعِ أَتَى بِالْمُؤَكَّدِ وَغَيْرِ الْمُؤَكَّدِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَمْ الْمُرَادُ غَيْرُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُ الْمُؤَكَّدِ مِنْ غَيْرِهِ بِالنِّيَّةِ كَمَا لَا يَجِبُ تَمْيِيزُ الْقَضَاءِ عَنْ الْأَدَاءِ بَلْ أَوْلَى وَأَنَّهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَقَعَتَا عَنْ الْمُؤَكَّدِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى بِتَأَكُّدِ طَلَبِهِ كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَدَاءً وَقَضَاءً عَلَى صَلَاةٍ تَنْصَرِفُ لِلْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِقُوَّةِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ إنْ صَلَّى الْأَرْبَعَ أُثِيبَ عَلَى الْمُؤَكَّدِ وَغَيْرِهِ، وَلَا فَائِدَةَ لِلتَّمْيِيزِ حِينَئِذٍ لِحُصُولِ الثَّوَابَيْنِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ تُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ بَيْنَ تَسْلِيمَاتِ التَّرَاوِيحِ أَوْ هِيَ بِدْعَةٌ يُنْهَى عَنْهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الصَّلَاةُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِخُصُوصِهِ. لَمْ نَرَ شَيْئًا فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا فَهِيَ بِدْعَةٌ يُنْهَى عَنْهَا مَنْ يَأْتِي بِهَا بِقَصْدِ كَوْنِهَا سُنَّةً فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِخُصُوصِهِ دُونَ مَنْ يَأْتِي بِهَا لَا بِهَذَا الْقَصْدِ كَأَنْ يَقْصِدَ أَنَّهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ سُنَّةٌ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ بَلْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مَا يُؤَيِّدُ الْخُصُوصَ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ كَافٍ فِي الدَّلَالَةِ لِذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ أَنَّ مَنْ قَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَمَجَّدَهُ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَفْتَحَ الْقَوْلَيْنِ فَذَاكَ الَّذِي يَضْحَكُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي قَائِمًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ غَيْرِي. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ سَنَدٌ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ كَبَّرَ عَشْرًا وَسَبَّحَ عَشْرًا وَتَبَرَّأَ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَحْسَنَ الصَّلَاةَ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ مِنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ الدَّيْلَمِيِّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ لَهُ. وَكَذَا الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي رِوَايَةِ مَنْ فِيهِ بَعْضُ الْمَقَالِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ أَوَى إلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ قَرَأَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ وَرَبَّ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَرَبَّ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَرَبَّ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِحَقِّ كُلِّ آيَةٍ أَنْزَلْتهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَلِّغْ رُوحَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ تَحِيَّةً وَسَلَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا فَيَقُولَا لَهُ إنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ يُقْرِئُك السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ فَأَقُولُ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنِّي السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» وَمِمَّا يَشْهَدُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ بَيْنَ تَسْلِيمَاتِ التَّرَاوِيحِ أَنَّهُ يُسَنُّ الدُّعَاءُ عَقِبَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الدَّاعِيَ يُسَنُّ لَهُ

стр. 186

الصَّلَاةُ أَوَّلَ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا فَلْيَبْدَأْ بِمَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَسْأَلُ بَعْدُ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُنَجَّحَ أَوْ يُصِيبَ» وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «الدُّعَاءُ كُلُّهُ مَحْجُوبٌ حَتَّى يَكُونَ أَوَّلُهُ ثَنَاءً عَلَى اللَّهِ وَصَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو فَيُسْتَجَابُ لِدُعَائِهِ» وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ وَالتَّيْمِيُّ وَأَبُو الْيُمْنِ بْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ بَشْكُوَالَ وَغَيْرُهُمْ وَفِي سَنَدِهِ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ دُعَاءٍ إلَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ حِجَابٌ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ انْخَرَقَ ذَلِكَ الْحِجَابُ وَدَخَلَ الدُّعَاءُ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ رَجَعَ الدُّعَاءُ» . وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَالتَّيْمِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالضِّيَاءُ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالدَّيْلَمِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ قِيلَ: وَمَا قَدَحُ الرَّاكِبِ قَالَ: إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ صَبَّ فِي قَدَحِهِ مَاءً فَإِنْ كَانَ لَهُ إلَيْهِ حَاجَةٌ تَوَضَّأَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَهُ، وَإِلَّا أَهْرَاقَهُ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ» وَالْقَدَحُ بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ كَالْهَرَوِيِّ أَرَادَ ﷺ لَا تُؤَخِّرُونِي فِي الذِّكْرِ وَالرَّاكِبُ يُعَلِّقُ قَدَحَهُ فِي آخِرِ رَحْلِهِ وَيَجْعَلُهُ خَلْفَهُ وَالْهَاءُ فِي أَهْرَاقَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ هَرَاقَ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَمْزَةِ أَرَاقَ يُقَالُ أَرَاقَ الْمَاءَ يُرِيقُهُ وَأَهْرَاقَهُ يُهَرِيقهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ هِرَاقَةً وَيُقَالُ فِيهِ أَهَرَقْت الْمَاءَ أُهْرِيقُهُ إهْرَاقًا فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ فِيمَا مَرَّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَمْ يَلْقَ أَخَاهُ وَيُصَافِحُهُ إلَّا حِينَئِذٍ خَبَرُ «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ » . وَفِي رِوَايَةٍ «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ وَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُمَا ذُنُوبُهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا، وَمَا تَأَخَّرَ» أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ لَهُ وَابْنُ بَشْكُوَالَ وَغَيْرُهُمْ وَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ اللَّهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ «مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا ثُمَّ قَامُوا مِنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا كَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ تِرَةً» أَيْ بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَرَاءٍ مُخَفَّفَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ تَاءٍ - حَسْرَةً وَنَدَامَةً كَمَا فِي رِوَايَةٍ «إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ الثَّوَابِ» . وَفِي أُخْرَى إلَّا قَامُوا عَنْ أَنْتَنِ جِيفَةٍ وَرِجَالُهَا رِجَالُ الصَّحِيحِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ الْحَلِيمِيِّ ﵁ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ أَنْ تُصَلَّى بَعْدَ رُبْعِ اللَّيْلِ قَالَ: وَأَمَّا إقَامَتُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ الْعِشَاءِ فَمِنْ بِدَعِ الْكُسَالَى وَالْمُتْرَفِينَ وَلَيْسَ مِنْ الْقِيَامِ الْمَسْنُونِ فِي شَيْءٍ إنَّمَا الْقِيَامُ الْمَسْنُونُ مَا كَانَ فِي وَقْتِ النَّوْمِ فَمَنْ قَامَ لَا فِي وَقْتِ النَّوْمِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْمُتَطَوِّعِينَ اهـ فَمَا ذَكَرَهُ هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ غَيْرِهِ أَوْ لَا وَهَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ أَوْ لَا وَعَلَى قَوْلِهِ فَهَلْ الْأَوْلَى لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْجَمَاعَةَ إلَّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ التَّعْجِيلُ لِتَحْصِيلِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ أَوْ التَّأْخِيرُ لِيَكُونَ آتِيًا بِالْقِيَامِ الْمَسْنُونِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ ذَكَرْت الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَعِبَارَتُهُ أَمَّا وَقْتُ التَّرَاوِيحِ الْمُخْتَارُ فَقَالَ الْحَلِيمِيُّ يَدْخُلُ بِمُضِيِّ رُبْعِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُمْ أَيْ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ كَانُوا يَنَامُونَهُ وَيَقُومُونَ رُبْعَيْنِ وَيَنْصَرِفُونَ فِي الرَّابِعِ لِسُحُورِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ قَالَ وَأَمَّا فِعْلُهَا عَقِبَ الْعِشَاءِ فَمِنْ بِدَعِ الْكُسَالَى وَالْمُتْرَفِينَ، وَلَيْسَ مِنْ الْقِيَامِ الْمَسْنُونِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ قِيَامًا لِاسْتِدْعَائِهِ الْقِيَامَ مِنْ الْمَضْجَعِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْمُتَطَوِّعِينَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا اهـ. وَظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ وَقْتَهَا عِنْدَهُ يَدْخُلُ بِفِعْلِ الْعِشَاءِ فَفَهْمُ الْأَذْرَعِيِّ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ بِمُضِيِّ الرُّبْعِ بَعِيدٌ مُنَافٍ لِكَلَامِهِ كَمَا عَلِمْت، وَمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ وَقْتَ اخْتِيَارِهَا ذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ اعْتَمَدَهُ جَمْعٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَرُدُّ مَا احْتَجَّ بِهِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أُبَيًّا فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵄ -

стр. 187

كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنَامُوا، وَبِهِ يَتَّجِهُ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، وَهُوَ وَقْتُ الْوِتْرِ الْمُخْتَارُ، وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ كَالْعِشَاءِ، وَمَحَلُّهُ فِيمَنْ لَمْ يُرِدْ التَّهَجُّدَ أَمَّا مَنْ يُرِيدُهُ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ النَّوْمِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّرَاوِيحَ أَوْ الْوِتْرَ قَبْلَ النَّوْمِ امْتَدَّ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ فِي حَقِّهِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَمَنْ أَرَادَ أَحَدَهُمَا بَعْدَهُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوِتْرِ آخِرَ اللَّيْلِ، وَفِي التَّرَاوِيحِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْحَلِيمِيِّ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ إنَّمَا بَنَى كَلَامَهُ عَلَى مَا حَكَاهُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ الرُّبْعَ الْأَوَّلَ وَيَقُومُونَ رُبْعَيْنِ بَعْدَهُ وَأَنَّ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ النَّوْمِ فَبِهَذَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْأَصْحَابَ أَلْحَقُوا التَّرَاوِيحَ بِالْعِشَاءِ فِي الْوَقْتِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ تَقْدِيمَهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا خَالَفَهُمْ الْحَلِيمِيُّ لِظَنِّهِ صِحَّةَ مَا حَكَاهُ عَنْ الصَّحَابَةِ مِمَّا ذُكِرَ وَقَدْ بَانَ عَدَمُ صِحَّتِهِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَلَوْ تَعَارَضَ فِعْلُهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ فِي جَمَاعَةٍ، وَفِعْلُهَا أَثْنَاءَهُ بَعْدَ النَّوْمِ بِلَا جَمَاعَةٍ فَالْأَفْضَلُ رِعَايَةُ الْجَمَاعَةِ إنْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى آدَابِهَا وَمُعْتَبَرَاتِهَا لَا كَمَا اُعْتِيدَ مِنْ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَاتِ الْمُقْتَرِنَةِ بِقَبَائِحَ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ. بَلْ وَالْمُفْسِدَاتِ فَهَذِهِ الْجَمَاعَةُ وَالصَّلَاةُ الَّتِي مَعَهَا لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ الْكَمَالِ فَيَنْبَغِي لِلْمُوَفَّقِ أَنْ يَتَنَبَّهَ لِذَلِكَ لِئَلَّا يَضِيعَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَرْضَاتِهِ آمِينَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ هَلْ هِيَ مِنْ الضُّحَى أَوْ لَا وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْهَا مَنْ بَعْدَ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ﵃ أَجَعَلُوهَا مِنْ الضُّحَى أَمْ كَيْفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَنْوِي بِهَا، وَإِذَا مَضَى وَقْتُهَا فَهَلْ يُصَلِّيهَا أَوْ لَا، وَكَيْفَ يَنْوِي بِهَا حِينَئِذٍ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الضُّحَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحُجَّةُ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَرَكْعَتَا الْإِشْرَاقِ غَيْرُ الضُّحَى وَوَقْتُهَا عِنْدَ الِارْتِفَاعِ لِلشَّمْسِ كَرُمْحٍ قَالَ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] أَيْ يُصَلِّينَ اهـ وَفِي جَعْلِهِ لَهَا غَيْرَ الضُّحَى نَظَرٌ فَفِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهَا هِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَهِيَ صَلَاةُ الضُّحَى وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخَبَرِ «لَا يُحَافِظُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى إلَّا أَوَّابٌ» وَهِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَحِينَئِذٍ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ إذَا لَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى وَهُوَ مُتَّجِهٌ لِمَا عَلِمْت انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا غَيْرُ الضُّحَى، وَغَيْرُهُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا مِنْ الضُّحَى، وَأَنَّ هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّ مُغَايَرَتَهَا لِلضُّحَى لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ، وَمَبْنَى الصَّلَوَاتِ عَلَى التَّوْقِيفِ مَا أَمْكَنَ وَكَأَنَّ هَذَا الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ مِمَّا يُضَعِّفُ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ أَكْثَرِ مَنْ بَعْدَهُ لَهُ وَعَدَمِ تَعْوِيلِهِمْ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ الْحُجَّةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى فَعَلَى كَلَامِ الْغَزَالِيِّ يَنْوِي بِهَا سُنَّةَ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ وَإِنْ قَضَاهَا لَيْلًا مَثَلًا كَمَا يَنْوِي بِصَلَاةِ الضُّحَى سُنَّةَ صَلَاةِ الضُّحَى، وَإِنْ قَضَاهَا لَيْلًا أَيْضًا وَعَلَى مَا قَالَهُ غَيْرُ الْغَزَالِيِّ يَنْوِي بِهَا سُنَّةَ صَلَاةِ الضُّحَى وَلَا يَزِيدُ بِهَا الضُّحَى عَلَى الثَّمَانِ بَلْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَتِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّمَانِ أَكْثَرُهَا، وَعَلَى أَنَّ أَكْثَرَهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ هِيَ أَعْنِي صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الثِّنْتَيْ عَشْرَةَ وَسَوَاءٌ جَعَلْنَاهَا هِيَ أَوْ غَيْرُهَا يُسَنُّ قَضَاؤُهَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَيَنْوِي بِهَا مَا مَرَّ مِنْ سُنَّةِ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ عَلَى مَقَالَةِ الْغَزَالِيِّ أَوْ سُنَّةِ صَلَاةِ الضُّحَى عَلَى مَقَالَةِ غَيْرِهِ الَّتِي هِيَ أَوْجَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا كَانَ عَلَى شَخْصٍ فَائِتَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَهَا مَعَ رَاتِبَتِهَا فَهَلْ يُقَدِّمُ الرَّاتِبَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْفَرْضِ أَوْ يُؤَخِّرُهَا عَنْهُ أَوْ لَا يَقْضِي الرَّوَاتِبَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْفَرَائِضِ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ كَثِيرَةٌ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ النَّوَافِلَ مَعَ قَضَاءِ تِلْكَ الْفَوَائِتِ أَمْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّوَاتِبِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ أَوْ لَا وَبَيْنَ رَوَاتِبِ الْفَائِتَةِ وَالْحَاضِرَةِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي رَجَّحْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُ الْبَعْدِيَّةِ

стр. 188

عَلَى الْفَائِتِ كَالْحَاضِرِ وَعِبَارَتُهُ: وَلَوْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ فَهَلْ لَهُ قَضَاءُ الْوِتْرِ قَبْلَهَا وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ أَوْجَهُهُمَا كَمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَدَعْوَى قُصُورِ التَّبَعِيَّةِ عَلَى الْوَقْتِ تَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ وَمُحَشِّيهَا رَجَّحَا مَا رَجَّحْته وَبَعْضُ شُرَّاحِ الْإِرْشَادِ رَجَّحَ مُقَابِلَهُ. وَاسْتَنَدَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى الْمَرْدُودَةِ، وَابْنُ عُجَيْلٍ رَجَّحَ مَا رَجَّحْته أَيْضًا فَقَالَ: الْقِيَاسُ فِي الرَّوَاتِبِ الْمُتَأَخِّرَةِ يَقْضِي بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّرْتِيبِ فِي الْقَضَاءِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ فَإِنَّ تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ اُسْتُحِقَّ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ وَبِخِلَافِ صَوْمِ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ وَصَوْمِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا هَلْ كَانَ فِي الْأَدَاءِ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ أَوْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِهِ وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ، وَلَا يُشْرَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ اهـ. وَاعْتَمَدَهُ الرِّيمِيُّ فِي تَفْقِيهِهِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهَا عُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي عَلَيْهِ ابْنُ عُجَيْلٍ وَالرِّيمِيُّ وَبَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ وَبَعْضُ مُحَشِّيهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُتَأَخِّرَةِ عَلَى الْفَرْضِ بِمَا تَقَرَّرَ، وَأَنَّ مَنْ رَجَّحَ جَوَازَ تَقْدِيمِهَا زَاعِمًا قُصُورَ التَّبَعِيَّةِ عَلَى الْوَقْتِ يَحْتَاجُ لِإِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ الزَّعْمِ، وَلَنْ نَجِدَهُ بَلْ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِهِمْ رَدُّهُ وَمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ فَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً بِعُذْرٍ جَازَ لَهُ قَضَاءُ النَّوَافِلِ مَعَهَا سَوَاءٌ الرَّاتِبَةُ وَغَيْرُهَا؛ إذْ مِنْ الْمُقَرَّرِ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُسَنُّ قَضَاءُ النَّوَافِلِ الْمُؤَقَّتَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَإِنْ لَمْ تُشْرَعْ لَهَا جَمَاعَةٌ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَإِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ وَإِنَّ عَلَيْهِ عَامَّةَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا الْمُسْتَقِلَّةَ كَالْعِيدِ دُونَ الرَّاتِبَةِ. وَفِي آخَرَ ضَعِيفٍ قَالَ بِهِ الْقَفَّالُ أَنَّ التَّرَاوِيحَ لَا تُقْضَى نَعَمْ لَا يُقْضَى ذُو سَبَبٍ كَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّحِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُفْعَلُ لِعَارِضٍ زَالَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لِذَلِكَ الْعَارِضِ وَقَدْ زَالَ، وَلَوْ اعْتَادَ صَلَاةً، وَلَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ فَفَاتَتْهُ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ: وَقَدْ يُنْدَبُ قَضَاءُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ كَأَنْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ. وَإِنْ كَانَتْ فَاتَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ قَبْلَ قَضَائِهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَوْرًا وَبِصَرْفِ الزَّمَنِ لِلنَّوَافِلِ تَفُوتُ الْفَوْرِيَّةُ فَلَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ لِقَضَائِهَا، وَهِيَ لَا تُوجَدُ إلَّا إنْ صَرَفَ لَهَا جَمِيعَ زَمَنِهِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ زَمَنِهِ إلَى قَضَائِهَا، وَلَا يَسْتَثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الزَّمَنَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى صَرْفِهِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ نَحْوِ نَوْمِهِ وَتَحْصِيلِ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا كَانَ مُخَاطَبًا بِهِ خِطَابًا إيجَابِيًّا إلْزَامِيًّا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ فَمَا اُضْطُرَّ لِصَرْفِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِعُذْرٍ فِي التَّأْخِيرِ بِقَدْرِهِ. وَمَا لَمْ يُضْطَرَّ لِصَرْفِهِ فِي شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْهِ صَرْفُهُ فِي ذَلِكَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ الْفَوْرِيِّ، وَإِلَّا كَانَ عَاصِيًا آثِمًا بِالتَّأْخِيرِ كَمَا أَنَّهُ عَاصٍ آثِمٌ بِالتَّرْكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ يُرِيدُ التَّهَجُّدَ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَفُوتُهُ فَيَقْضِيه فَهَلْ الْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ وِتْرًا إنْ قُلْنَا التَّهَجُّدُ هُوَ الْوِتْرُ أَوْ لَا فَيَقْضِيه وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ فِيهَا فَهَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُقَدِّمَهُ وِتْرًا أَوْ لَا وَهَلْ الْأَفْضَلُ إذَا قَضَاهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إنْ وَسِعَ الْوَقْتُ أَوْ يَجُوزُ بَعْدَهَا قَبْلَ مُضِيِّ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ أَوْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا فَاتَهُ تَهَجُّدٌ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهُ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ الْوِتْرَ هُوَ التَّهَجُّدُ أَمْ غَيْرُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي صَلَاةِ بَعْدِ النَّوْمِ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ وَانْفِرَادِ الْوِتْرِ بِصَلَاةِ قَبْلِ النَّوْمِ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ وَانْفِرَادِ التَّهَجُّدِ بِصَلَاةِ بَعْدِ النَّوْمِ لَا بِنِيَّةِ الْوِتْرِ، وَإِذَا أَرَادَ التَّهَجُّدَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ نِيَّةِ الْوِتْرِ بِهِ فَإِنَّمَا يُسَنُّ ذَلِكَ لِمَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ؛ إذْ هَذَا هُوَ وَقْتُ التَّهَجُّدِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ، وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ وَثِقَ بِيَقَظَتِهِ سُنَّ لَهُ تَأْخِيرُ وِتْرِهِ إلَى مَا بَعْدَ يَقَظَتِهِ؛ لِأَنَّهُ الِاتِّبَاعُ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَحْوَالِهِ ﷺ الْغَالِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِذَلِكَ سُنَّ لَهُ تَقْدِيمُ وِتْرِهِ قَبْلَ نَوْمِهِ، وَإِذَا قَضَاهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُبَادِرَ بِهِ كَمَا أَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِقَضَاءِ الْفَرَائِضِ الَّتِي فَاتَتْ بِعُذْرٍ سُنَّةٌ، وَإِذَا سُنَّ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ فَالْأَوْلَى قَضَاؤُهُ قَبْلَ

стр. 189

فِعْلِ الصُّبْحِ إنْ وَسِعَ الْوَقْتُ، وَإِلَّا فَبَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ جَازَ فِعْلُهُ فِيهِ لِأَنَّهُ ذُو سَبَبٍ مَا لَمْ يَتَحَرَّ بِهِ الْوَقْتَ الْمَكْرُوهَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ حَيْثُ قِيلَ بِاسْتِحْبَابِهَا عَلَى الرَّاجِحِ عَلَى مَا فِي أَحَادِيثِهَا مِنْ الضَّعْفِ هَلْ هِيَ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ أَوْ الْمُقَيَّدَةِ بِالْيَوْمِ أَوْ الْجُمُعَةِ أَوْ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ أَوْ الْعُمُرِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ» إلَخْ وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهَا مِنْ النَّوَافِلِ الْمُقَيَّدَةِ يَكُونُ قَضَاؤُهَا مُسْتَحَبًّا، وَتَكْرَارُهَا فِي الْيَوْمِ أَوْ اللَّيْلَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهَا مِنْ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ يَكُونُ قَضَاؤُهَا غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ، وَتَكْرَارُهَا فِي الْيَوْمِ مُسْتَحَبٌّ أَمْ لَا، وَهَلْ التَّسْبِيحُ فِيهَا فَرْضٌ أَوْ بَعْضٌ أَوْ هَيْئَةٌ، وَعَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ لَوْ نَوَاهَا، وَلَمْ يُسَبِّحْ أَوْ عَكَسَ تَكُونُ صَلَاةَ تَسْبِيحٍ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابُهَا أَوْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ فِي تَرْكِ التَّسْبِيحِ بَيْنَ الْعَمْدِ أَوْ السَّهْوِ أَمْ لَا وَهَلْ إذَا سَهَا عَنْ التَّسْبِيحِ فِي رُكْنٍ وَانْتَقَلَ إلَى مَا بَعْدَهُ وَتَذَكَّرَ يَرْجِعُ إلَيْهِ لِيُسَبِّحَ فِيهِ وَيُلْغِيَ مَا بَعْدَهُ أَوْ يَتَدَارَكَ مَا فَاتَهُ مِنْ التَّسْبِيحِ فِي حَالِ سَهْوِهِ سَوَاءٌ كَانَ تَسْبِيحَ رُكْنٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَأْتِي بِهِ فِي مَحَلِّ التَّذَكُّرِ مَعَ تَسْبِيحِ ذَلِكَ الرُّكْنِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ أَمْ لَا. وَهَلْ التَّسْبِيحُ فِيهَا تَابِعٌ لِلْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ أَمْ يُسَرُّ بِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَسَائِرِ أَذْكَارِ الصَّلَوَاتِ وَهَلْ تَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَتَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِ الْمَنْذُورَةِ أَمْ لَا، وَهَلْ الْفَصْلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أَمْ الْوَصْلُ أَفْضَلُ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ أَفْتُونَا وَابْسُطُوا الْجَوَابَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِكَرْمِهِ آمِينَ؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ اللَّهُمَّ هِدَايَةً لِلصَّوَابِ، الْحَقُّ فِي حَدِيثِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ أَنَّهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ فَمَنْ أَطْلَقَ تَصْحِيحَهُ كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمِ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْيِ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ يُسَمَّى لِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ صَحِيحًا، وَمَنْ أَطْلَقَ ضَعْفَهُ كَالنَّوَوِيِّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ مُفْرَدَاتُ طُرُقِهِ. وَمَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ حَسَنٌ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ مَا قُلْنَاهُ فَحِينَئِذٍ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ الْمُخْتَلِفَةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى إنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَتَنَاقَضُ كَلَامُهُ فِي كُتُبِهِ فَيَقُولُ فِي بَعْضِهَا حَسَنٌ وَفِي بَعْضِهَا ضَعِيفٌ كَالنَّوَوِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْعَسْقَلَانِيِّ. وَمَحْمَلُ ذَلِكَ النَّظَرُ لِمَا قَرَّرْته فَاعْلَمْهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فَتَحْرُمُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَوَجْهُ كَوْنِهَا مِنْ الْمُطْلَقِ أَنَّهُ الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ وَهَذِهِ كَذَلِكَ لِنَدْبِهَا كُلَّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ مَا عَدَا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ لِحُرْمَتِهَا فِيهِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَعِبَارَةُ الرُّويَانِيِّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَادَهَا فِي كُلِّ حِينٍ، وَلَا يَتَغَافَلَ عَنْهَا، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ يَنْبَغِي الْحِرْصُ عَلَيْهَا وَمَا يَسْمَعُ بِعَظِيمِ فَضْلِهَا وَيَتَهَاوَنُ فِيهَا إلَّا مُتَهَاوِنٌ بِالدِّينِ وَعُلِمَ مِنْ كَوْنِهَا مُطْلَقَةً أَنَّهَا لَا تُقْضَى لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ حَتَّى يُتَصَوَّرَ خُرُوجُهَا عَنْهُ وَتُفْعَلُ خَارِجَهُ لِمَا أَفَادَهُ الْخَبَرُ. وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ غَيْرَ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَقْتٌ لَهَا وَأَنَّهُ يُسَنُّ تَكْرَارُهَا، وَلَوْ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالتَّسْبِيحَاتُ فِيهَا هَيْئَةٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ بَلْ أَوْلَى فَلَا يُسْجَدُ لِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ نَوَاهَا وَلَمْ يُسَبِّحْ فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُطَوِّلَ الِاعْتِدَالَ وَلَا الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَا جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ إذْ الْأَصَحُّ الْمَنْقُولُ أَنَّ تَطْوِيلَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ مُبْطِلٌ كَمَا حَرَّرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ. وَإِنَّمَا اشْتَرَطْت أَنْ لَا يُطَوِّلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُغْتُفِرَ تَطْوِيلُهَا بِالتَّسْبِيحِ الْوَارِدِ فَحَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِهِ امْتَنَعَ التَّطْوِيلُ، وَصَارَتْ نَافِلَةً مُطْلَقَةً بِحَالِهَا لَكِنَّهَا لَا تُسَمَّى صَلَاةَ تَسْبِيحٍ، فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَنْوِي صِفَةً ثُمَّ يَتْرُكُهَا؟ قُلْت: لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ كَمَالٌ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ بِنِيَّتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ نَوَى سُجُودَ السَّهْوِ فَسَجَدَ وَاحِدَةً ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا جَازَ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الِاقْتِصَارَ عَلَى سَجْدَةٍ ابْتِدَاءً لِنِيَّتِهِ مَا لَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ. فَإِنْ قُلْت: قَضِيَّةُ هَذَا الْأَخِيرِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، وَفِي عَزْمِهِ حَالَ النِّيَّةِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالتَّسْبِيحِ عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاتِهِ قُلْت يُفَرَّقُ أَنَّهُ هُنَا نَوَى مُبْطِلًا، وَهُوَ سَجْدَةٌ فَرَدَّهُ، وَهِيَ لَا تُسَمَّى سُجُودَ سَهْوٍ، وَإِنَّمَا جَازَ الِاقْتِصَارُ

стр. 190

عَلَيْهَا إذَا طَرَأَ بَعْدَ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَفْلٌ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَأَمَّا ثَمَّ أَعْنِي فِي صُورَةِ التَّسْبِيحِ فَهُوَ لَمْ يَنْوِ مُبْطِلًا. وَإِنَّمَا نَوَى تَرْكَ كَمَالٍ فَلَمْ تَبْطُلْ بِنِيَّتِهِ؛ إذْ غَايَتُهُ أَنَّ نَافِلَتَهُ حِينَئِذٍ لَا تُسَمَّى صَلَاةَ تَسْبِيحٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِصِحَّةِ السُّنَّةِ نَعَمْ إنْ نَوَى صَلَاةَ التَّسْبِيحِ نَاوِيًا أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ، وَأَنَّهُ يُطَوِّلُ رُكْنًا قَصِيرًا بِغَيْرِ تَسْبِيحٍ فَالْبُطْلَانُ وَاضِحٌ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ نَوَى مُبْطِلًا حِينَئِذٍ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ أَوْ عَكَسَ جَازَ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ مَا لَمْ يُطِلْ بِهِ رُكْنًا قَصِيرًا؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ انْعَقَدَتْ نَافِلَةً لَا تُسَمَّى صَلَاةَ تَسْبِيحٍ، وَهُمْ لَمْ يَغْتَفِرُوا تَطْوِيلَ الْقَصِيرِ إلَّا فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ اتِّبَاعًا لِلْوَارِدِ مَا أَمْكَنَ، وَلَوْ سَهَا عَنْ التَّسْبِيحِ فِي رُكْنٍ وَانْتَقَلَ لِمَا بَعْدَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ عَامِدًا عَالِمًا فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِ تَدَارَكَهُ فِيمَا يَلِيهِ إنْ كَانَ غَيْرَ قَصِيرٍ كَتَسْبِيحِ الِاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ. فَإِنْ كَانَ قَصِيرًا كَأَنْ تَرَكَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ وَاعْتَدَلَ لَمْ يَتَدَارَكْهُ فِي الِاعْتِدَالِ لِأَنَّهُ لَا يُطَوِّلُهُ عَنْ الْوَارِدِ بَلْ فِي السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ طَوِيلٌ ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالسُّنَّةُ الْإِسْرَارُ بِتَسْبِيحِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَأَمَّا قِرَاءَتُهَا فَفِي النَّهَارِ يُسِرُّهَا وَفِي اللَّيْلِ يَتَوَسَّطُ فِيهَا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ وَتَجِبُ بِالنَّذْرِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي بَابِ النَّذْرِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يَجِبُ بِالنَّذْرِ. وَإِذَا نُذِرَتْ صَارَتْ وَاجِبَةً فَيُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْوَاجِبِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ النَّذْرَ نَفْسَهُ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِقَوْلِهِ ﷺ إنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ أَوْ مَنْدُوبٌ إنْ كَانَ غَيْرَ نَذْرِ لَجَاجٍ، وَهُوَ الَّذِي يُعْتَمَدُ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ وَيَجُوزُ فِيهَا الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُهُمَا لَكِنْ اسْتَحْسَنَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ إذَا صَلَّاهَا فِي النَّهَارِ وَصَلَهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنْ صَلَّاهَا فِي اللَّيْلِ فَصَلَهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ أَيْ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ: صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى، وَكَأَنَّ الْغَزَالِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا أَخَذَ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَشْهَرُ هَذَا مَا تَيَسَّرَ الْآنَ وَنَحْنُ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ مَعَ فَقْدِ الْكُتُبِ لَا سِيَّمَا شَرْحِي لِلْعُبَابِ الَّذِي جَمَعَ فَأَوْعَى وَشَرْحِي لِلْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ ذَكَرْت فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مِنْ الْأَبْحَاثِ وَالْفَوَائِدِ مَا لَا يَسْتَغْنِي فَاضِلٌ عَنْ مُرَاجَعَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ فَاتَهُ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّكْبِيرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَيَأْتِي بِهَا عِنْدَ أَخْذِ الْمَضْجَعِ هَلْ تَتَأَدَّى بِهِ السُّنَّتَانِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ سَلَامِهِ مِنْ الْعِشَاءِ وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ عُرْفًا ذَلِكَ الذِّكْرُ إلَى الصَّلَاةِ فَاتَتْهُ سُنَّةُ ذَلِكَ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ إذْ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ مُرَادَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ أَنَّ الْأَذْكَارَ الَّتِي تُسَنُّ بَعْدَ سَلَامِ الصَّلَاةِ إنَّمَا تَحْصُلُ سُنَّتُهَا حَيْثُ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا طُولًا تَخْرُجُ بِهِ الْأَذْكَارُ عَنْ أَنْ تُنْسَبَ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ وَقُصِدَ بِهِ الْإِتْيَانُ لَهُمَا اُحْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ تَحْصُلُ لَهُ السُّنَّتَانِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ وُقُوعُ النَّوْمِ عَلَى ذِكْرٍ، فَإِذَا أَتَى بِهِ لِلصَّلَاةِ وَلَهُ كُفِيَ لَهُمَا، وَلَوْ أَتَى بِهِ بِقَصْدِ الصَّلَاةِ فَقَطْ أَوْ بِقَصْدِ النَّوْمِ فَقَطْ حَصَلَ مَا نَوَاهُ، وَلَمْ يُثَبْ عَلَى الْآخَرِ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ عَنْهُ طَلَبُهُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذَا صَلَّى غَيْرَهَا أَنَّهُ لَا يُحَصِّلُ فَضْلَهَا إلَّا إنْ نَوَيْت، وَإِلَّا سَقَطَ طَلَبُهَا عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا بَسَطْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا هُنَا أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا أَنْ لَا يُنْتَهَكَ الْمَسْجِدُ بِالْجُلُوسِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَكَانَ قِيَاسُهُ حُصُولَ فَضْلِهَا كَمَا قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ لَكِنْ خَبَرُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» يَرُدُّهُ. فَجَمْعُنَا يَجْعَلُ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ سُقُوطُ الطَّلَبِ فَيَحْصُلُ بِأَيِّ صَلَاةٍ كَانَتْ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ فَيُتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ، وَالْقَصْدُ هُنَا وُقُوعُ النَّوْمِ عَلَى ذِكْرٍ وَخَتْمُ الصَّلَاةِ بِهِ فَأُعْطِيَ حُكْمَ التَّحِيَّةِ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُمَا إنْ نُوِيَا حُصِّلَا وَإِلَّا حَصَّلَ مَا نَوَى فَقَطْ، وَسَقَطَ طَلَبُ الْآخَرِ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا طَالَ الْفَصْلُ وَقُلْنَا بِنَدْبِ قَضَاءِ مِثْلِ هَذَا الذِّكْرِ فَإِذَا أَتَى بِهِ فِي مَضْجَعِهِ نَاوِيًا بِهِ الْقَضَاءَ

стр. 191

وَذِكْرَ النَّوْمِ حُصِّلَا، وَإِلَّا حَصَّلَ مَا نَوَاهُ فَقَطْ هَذَا حَاصِلُ مَا يَظْهَرُ فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِشَيْءٍ مِنْهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْقَصْدَ وُقُوعُ النَّوْمِ عَلَى الذِّكْرِ وَخَتْمُ الصَّلَاةِ بِهِ وَهُمَا حَاصِلَانِ بِوَاحِدٍ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ قَضَى الْفَرْضَ مَعَ رَاتِبَتِهِ فَهَلْ تُقَدَّمُ الرَّاتِبَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ عَلَى فَرْضِهَا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي رَجَّحْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَدَعْوَى قُصُورِ التَّبَعِيَّةِ عَلَى الْوَقْتِ تَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَسَبَقَنِي لِذَلِكَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ وَبَعْضُ مُحَشِّيهَا وَابْنُ عُجَيْلٍ وَالرِّيمِيُّ فِي تَفْقِيهِهِ فَرَجَّحُوا مَا رَجَّحْته أَيْضًا، وَعِبَارَةُ ابْنِ عُجَيْلٍ الْقِيَاسُ فِي الرَّوَاتِبِ الْمُتَأَخِّرَةِ يَقْضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّرْتِيبِ فِي الْقَضَاءِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ فَإِنَّ تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ اُسْتُحِبَّ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ وَبِخِلَافِ صَوْمِ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ وَصَوْمِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا هَلْ كَانَ فِي الْأَدَاءِ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ أَوْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِهِ. وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ وَلَا يَسُوغُ فِيهِ خِلَافٌ اهـ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قِرَاءَةِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ تُسَنُّ فِي كَمْ نَافِلَةً؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: تُسَنُّ فِي سُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَالطَّوَافِ وَالِاسْتِخَارَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ وَفِي سُنَّةِ الْإِحْرَامِ وَقِيسَ بِهَا التَّحِيَّةُ وَالضُّحَى وَسُنَّةُ الزَّوَالِ وَنَحْوُهَا وَتُسَنُّ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ لِلْمُسَافِرِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَكَذَا فِي مَغْرِبِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَتُسَنُّ فِي عِشَاءِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ أَوْ سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَتُسَنُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي كُلٍّ مِنْ أَوَّلَتَيْ الْوِتْرِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا يُسَنُّ لِلرَّجُلِ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ وَدَخَلَ بِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُسَنُّ لَهُ إذَا دَخَلَ بِهَا أَنْ يَأْخُذَ بِنَاصِيَتِهَا وَيَقُولَ بَارَكَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنَّا فِي صَاحِبِهِ ثُمَّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ» وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهِيَ أَيْضًا خَلْفَهُ وَتَقُولُ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي وَبَارِكْ لِأَهْلِي فِي وَارْزُقْنِي مِنْهُمْ اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا مَا جَمَعْت فِي خَيْرٍ وَفَرِّقْ بَيْنَنَا إذَا فَرَّقْت فِي خَيْرٍ» وَيُسَنُّ لِمَنْ اشْتَرَى خَادِمًا أَوْ بَهِيمَةً أَنْ يَأْخُذَ بِنَاصِيَتِهِ وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ» . (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ أَحْرَمَ بِسُنَّةِ الظُّهْرِ أَوْ الْوِتْرِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ مَثَلًا بِالتَّعْيِينِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ عَكَسَ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا غَيَّرَ النِّيَّةَ كَمَا فِي النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ أَوْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الصُّورَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَقَدْ رَأَيْت فِي فَتَاوَى ابْنِ الْعِرَاقِيِّ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ الزِّيَادَةَ مَا هَذَا لَفْظُهُ: الَّذِي يَتَبَيَّنُ وَيُفْهَمُ مِنْ نُصُوصِهِمْ نَصًّا وَتَعْلِيلًا أَنَّ ذَلِكَ لَا تَتَأَدَّى بِهِ السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ وَحَسْبُك مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً غَيْرَ رَاتِبَةٍ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَمَا قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ذَلِكَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ، وَمَنْعُ الْإِجْمَالِ، وَبَحْثُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ هَذَا لَفْظُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ مُرَادُهُ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَلَعَلَّ فِي الْكَلَامِ سَقْطًا بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ وَهَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْفَرْضِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ فِي تَسْلِيمَةٍ إذَا أَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ تَرَدَّدَ الْإِسْنَوِيُّ فِيمَا لَوْ نَوَى الْوِتْرَ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ هَلْ يَلْغُو لِإِبْهَامِهِ أَوْ يَصِحُّ، وَيُحْمَلُ عَلَى رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ أَوْ عَلَى ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ رَكْعَتَيْنِ مَعَ صِحَّةِ الرَّكْعَةِ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ لِأَنَّهَا الْغَايَةُ فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ صَبِيبَ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَأَسْكَنَهُ أَعْلَى فَرَادِيسِ الْجِنَانِ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ شَفْعًا كَأَرْبَعٍ وَيُسَلِّمَ مِنْهَا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى الْوِتْرَ وَهُوَ حَقِيقَةٌ

стр. 192

لَا تَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْوِتْرِ دُونَ الشَّفْعِ، وَإِنَّمَا جَازَ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ أَنْ يَنْوِيَ بِكُلِّ شَفْعٍ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُمَا مِنْ سُنَّةٍ هِيَ وِتْرٌ نَعَمْ لَوْ لَمْ يَنْوِ الْوِتْرَ بَلْ نَوَى مِنْ الْوِتْرِ فَظَاهِرٌ أَنَّ لَهُ تَعْيِينَ الشَّفْعِ كَالْأَرْبَعِ وَيُسَلِّمُ مِنْهَا حِينَئِذٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَرْبَعَ تُسَمَّى مِنْ الْوِتْرِ، وَلَا تُسَمَّى الْوِتْرَ فَلَزِمَهُ فِي نِيَّةِ الْوِتْرِ أَنْ يُعَيِّنَ عَدَدًا هُوَ وِتْرٌ حَقِيقَةً بِخِلَافِهِ فِي نِيَّةٍ مِنْ الْوِتْرِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ شَفْعًا هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِنِيَّةِ سُنَّةِ الظُّهْرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ فَإِنْ قُلْنَا فِيهَا بِجَوَازِ الْوَصْلِ كَالْوِتْرِ يَأْتِي فِيهَا نَظِيرُ مَا سَبَقَ فِي الْوِتْرِ، وَإِنْ قُلْنَا فِيهَا بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ لَزِمَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَجَرَى عَلَيْهِ فِي مَجْمُوعِهِ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ تَصِحُّ نِيَّةُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْأَرْبَعِ الْقَبْلِيَّةِ أَوْ الْبَعْدِيَّةِ بِتَسْلِيمَةٍ بِتَشَهُّدٍ أَوْ تَشَهُّدَيْنِ. وَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَأَبُو شُكَيْل أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَفَرَّقَ النَّوَوِيُّ ﵀ بَيْنَ هَذِهِ، وَامْتِنَاعِ جَمْعِ أَرْبَعٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ فِي تَسْلِيمَةٍ بِأَنَّ التَّرَاوِيحَ أَشْبَهَتْ الْفَرْضَ بِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ فَلَا تَغَيُّرَ عَمَّا وَرَدَ فِيهَا، وَأَيْضًا فَجِنْسُ الرَّاتِبَةِ وَرَدَ فِيهِ الْوَصْلُ كَالْوِتْرِ بَلْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ الْوَصْلُ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ وَسُنَّةِ الْعَصْرِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّ الْوَصْلَ هُنَا أَفْضَلُ لَكِنْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْفَصْلَ هُنَا أَفْضَلُ كَالْوِتْرِ، وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنِيَّةُ الْعَدَدِ لَا تَجِبُ فَيَجُوزُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ نِيَّةُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ أَوْ الْبَعْدِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ثُمَّ عَلَى الْأَوَّلِ الْمُعْتَمَدِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمَ، وَأَنْ يُصَلِّيَ الْأَرْبَعَ بِتَسْلِيمَةٍ وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا. هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا، وَأَمَّا إذَا عَيَّنَ عَدَدًا كَرَكْعَتَيْنِ مِنْ إحْدَى الرَّوَاتِبِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا عَيَّنَهُ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ ذَاكَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَدَدًا وَفَوَّضَهُ إلَى خِيرَةِ الْمُتَعَبِّدِ كَانَ أَمْرُهُ أَخَفَّ مِنْ غَيْرِهِ فَجَازَ لِمَنْ نَوَى مِنْهُ عَدَدًا أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُنْقِصَ عَنْهُ بِشَرْطِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. وَأَمَّا غَيْرُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ مِنْ الرَّوَاتِبِ وَغَيْرِهَا فَمَتَى نَوَى عَدَدًا مِنْهُ لَا يَجُوزُ نَقْصُهُ، وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَمَا نُقِلَ فِي السُّؤَالِ عَنْ ابْنِ الْعِرَاقِيِّ كَلَامٌ إجْمَالِيٌّ يَصِحُّ تَنْزِيلُهُ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إذَا أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ أَنَّهُمَا مِنْ الرَّاتِبَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: لَا يَتَأَدَّى بِهِ السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ أَيْ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَلَيْهِمَا جَاهِلًا وَقَعَ لَهُ جَمِيعُ مَا أَتَى بِهِ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَلَمْ يُحْسَبْ لَهُ عَنْ الرَّاتِبَةِ. وَإِنْ زَادَ عَالِمًا بِعَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ بَطَلَ جَمِيعُ مَا أَتَى بِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ الرَّاتِبَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ مِنْ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ صَحَّ كَلَامُهُ أَيْضًا بِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ زِيَادَةُ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْمَنْوِيَّتَيْنِ، وَلَا يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ عَنْ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَتِهَا وَقَوْلُهُ: وَمَا قَبِلَ أَيْ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ذَلِكَ كَلَامٌ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ، وَقَوْلُهُ: فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَيْ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ هَذَا اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ، وَمَنْعُ الْإِجْمَالِ كَلَامٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ لَمَّا اكْتَفَى فِي النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ بِنِيَّةِ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ أَفْهَمَ أَنَّ الرَّاتِبَةَ وَنَحْوَهَا لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ التَّعْيِينِ، وَأَخْذُ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ حَتَّى فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَاسْتِنْبَاطُهُ مِمَّا ذُكِرَ قُصُورٌ أَيُّ قُصُورٍ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِمَا مَهَّدَهُ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَتَبَيَّنُ إلَخْ. وَإِذَا أَخَّرَ الرَّاتِبَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ إلَى مَا بَعْدَ الْفَرْضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَأَخِّرَةِ فِي نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ اتِّفَاقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَمَّا عِنْدَ الْمَانِعِينَ لِجَمْعِ الْأَرْبَعِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُجَوِّزِينَ لَهُ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ النِّيَّةَ ثَمَّ وَاحِدَةٌ فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ، وَأَمَّا النِّيَّةُ هُنَا فَمُخْتَلِفَةٌ؛ إذْ لَا بُدَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يُعَيِّنَ فِي نِيَّةِ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْمُتَأَخِّرَةَ اتِّفَاقًا، وَإِذَا اُشْتُرِطَ تَعْيِينُ كُلٍّ اسْتَحَالَ الْجَمْعُ؛ إذْ مِنْ الْبَيِّنِ إلْغَاءُ قَوْلِهِ: أُصَلِّي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْمُتَأَخِّرَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ جَازَ لَكَانَتْ الثَّمَانِيَةُ بِجَمِيعِ.

стр. 193

أَجْزَائِهَا وَاقِعَةً عَنْ الْقَبْلِيَّةِ عَلَى حِدَتِهَا وَعَنْ الْبَعْدِيَّةِ عَلَى حِدَتِهَا، وَهَذَا مُبْطِلٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْقَبْلِيَّةِ بِثَمَانٍ وَالْبَعْدِيَّةِ بِثَمَانٍ، وَهُوَ تَلَاعُبٌ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا إذَا دَخَلَ شَخْصٌ الْمَسْجِدَ بِقَصْدِ الطَّوَافِ وَقُلْتُمْ بِسُقُوطِ التَّحِيَّةِ عَنْهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ التَّحِيَّةِ هَلْ تَنْعَقِدُ أَمْ لَا لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا سَبَبَ لَهَا؟ (فَأَجَابَ) أَدَامَ اللَّهُ وُجُودَهُ بِقَوْلِهِ: تَنْعَقِدُ بِلَا رَيْبٍ وَدَعْوَى أَنَّهُ لَا سَبَبَ لَهَا لَيْسَتْ فِي مَحَلِّهَا بَلْ سَبَبُهَا بَاقٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَعِبَارَةُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا لَمْ يَبْدَأْ بِهَا ثُمَّ بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ الْبَيْتُ؛ وَتَحِيَّتُهُ إنَّمَا هِيَ الطَّوَافُ فَبُدِئَ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ تَنْدَرِجُ فِي رَكْعَتَيْهِ فَالْبُدَاءَةُ بِهِ لَا تُفَوِّتُهَا بِخِلَافِ عَكْسِهِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِأَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بِلَا صَلَاةٍ بَعْدَ الطَّوَافِ قَبْلَ الْجُلُوسِ فَقَدْ فَوَّتَ التَّحِيَّةَ أَيْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ كَمَا لَوْ جَلَسَ فِيهِ بَعْدَ الطَّوَافِ بِلَا صَلَاةٍ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ لَا تُسَنُّ لَهُ التَّحِيَّةُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الطَّوَافُ تَحِيَّةُ رُؤْيَتِهَا فَيُسَنُّ لَهُ تَحِيَّةُ دُخُولِهَا رَكْعَتَانِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَقَوْلُ جَمْعٍ: الطَّوَافُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ دُونَ الْبَيْتِ مَرْدُودٌ بِتَصْرِيحِ كَثِيرِينَ بِخِلَافِهِ اهـ وَاعْتَرَضَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ الطَّوَافُ تَحِيَّةُ الرُّؤْيَةِ عَجِيبٌ. وَإِنَّمَا هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَلَا تُسَنُّ التَّحِيَّةُ عِنْدَ دُخُولِ الْبَيْتِ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْوَاحِدِ، وَقَدْ صَلَّى عَنْ الْأَوَّلِ فَلَا يُصَلِّي لِلثَّانِي اهـ وَرُدَّ مَا قَالَهُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ لَا عَجَبَ فِيهِ؛ إذْ الْعِبَارَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَمَا قَالَهُ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ نَفْسِهِ فِي خَادِمِهِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالطَّوَافِ أَوَّلًا تَحِيَّةً لِلْبَيْتِ وَهُوَ مَعَ الْمَسْجِدِ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا وَهُمَا كَمَسْجِدَيْنِ؛ وَلِهَذَا فُضِّلَتْ النَّافِلَةُ دَاخِلَهُ عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ خَارِجَهُ اهـ فَكَوْنُهُمَا كَمَسْجِدَيْنِ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَمَانِعٌ لِقِيَاسِ الزَّرْكَشِيّ لَهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ الْمُتَلَاصِقَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ عَنْ قَوْلِهِ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَإِلَيْك الْمَصِيرُ عِنْدَ تَرْكِ السُّجُودِ لِآيَةِ السَّجْدَةِ لِحَدَثٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ السُّجُودِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ عِنْدَنَا هَلْ يَقُومُ الْإِتْيَانُ بِهَا مَقَامَ السُّجُودِ كَمَا قَالُوا بِذَلِكَ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا ﵀ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُجُودِهِ سُجُودِهِ سَجَدَ وَجْهِي الْفَانِي لِوَجْهِك الْبَاقِي هَلْ لِذَلِكَ سَنَدٌ مُعْتَبَرٌ أَوْ يُقَالُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُنَاسَبَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ. فَلَا يَقُومُ مَقَامَ السَّجْدَةِ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَلَا يُتَمَسَّكُ بِمَا فِي الْإِحْيَاءِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ يَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ بِفَرْضِ صِحَّتِهِ فَكَيْفَ مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَسَاغٌ؛ لِأَنَّ قِيَامَ لَفْظٍ مَفْضُولٍ مَقَامَ فِعْلٍ فَاضِلٍ مَحْضٍ فَضْلٌ فَإِذَا صَحَّ فِي صُورَةٍ لَمْ يَجُزْ قِيَاسُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا ثَالِثًا فَتِلْكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي التَّحِيَّةِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ فِيهَا فَضَائِلُ وَخُصُوصِيَّاتٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْهَا أَنَّهَا صَلَاةُ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ وَمِنْهَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَمِنْهَا أَنَّهَا الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ وَمِنْهَا أَنَّهَا الْقَرْضُ الْحَسَنُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] . وَمِنْهَا أَنَّهَا الذِّكْرُ الْكَثِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وَمَا اُعْتِيدَ مِنْ قَوْلِ الْعَامَّةِ فِي السُّجُودِ سَجَدَ وَجْهِي الْفَانِي لِوَجْهِك الْبَاقِي لَا أَصْلَ لَهُ فِيمَا أَعْلَمُ فَيَتَأَكَّدُ تَرْكُهُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ صَحَّ أَوْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى التَّرَاوِيحَ عِشْرِينَ رَكْعَةً؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ بَلْ الْأَمْرُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَدَدٍ، وَصَلَاتُهُ ﷺ بِهِمْ صَلَاةٌ لَمْ يُذْكَرْ عَدَدُهَا لَيَالِيَ ثُمَّ تَأَخَّرَ فِي رَابِعِ لَيْلَةٍ خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ.

стр. 194

وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ (فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ) فَهُوَ شَدِيدُ الضَّعْفِ اشْتَدَّ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي أَحَدِ رُوَاتِهِ تَجْرِيحًا وَذَمًّا وَمِنْهُ أَنَّهُ يُرْوَى فِي الْمَوْضُوعَاتِ كَحَدِيثِ مَا هَلَكَتْ أُمَّةٌ إلَّا فِي إدَارٍ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا فِي إدَارٍ وَأَنَّ حَدِيثَهُ هَذَا الَّذِي فِي التَّرَاوِيحِ مِنْ جُمْلَةِ مَنَاكِيرِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ السُّبْكِيّ بِأَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ أَنْ لَا يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ قَالَ الذَّهَبِيُّ وَمَنْ يُكَذِّبُهُ مِثْلُ شُعْبَةَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى حَدِيثِهِ وَمِمَّا يَرُدُّهُ مَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ يَزِدْ ﷺ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ نِعْمَت الْبِدْعَةُ أَيْ التَّرَاوِيحُ. فَهُوَ صَرِيحٌ فِي حُدُوثِهَا بَعْدَهُ ﷺ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَتَبِعُوهُ لَكِنَّهَا بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ، نَعَمْ رَوَى ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّهُ « ﷺ صَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ انْتَظَرُوهُ فِي الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ» . (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ نَسِيَ قِرَاءَةَ سَبِّحْ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فِي الْوِتْرِ فَهَلْ يَقْرَؤُهُ إذَا تَذَكَّرَ ذَلِكَ فِي الثَّالِثَةِ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ وَصَلَهَا فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَتَدَارَكُ ذَلِكَ فِي الثَّالِثَةِ. نَظِيرُ مَا لَوْ تَرَكَ سُورَتَيْ أُولَيَيْ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّهُ يَتَدَارَكُهُمَا فِي ثَالِثَتِهَا، وَأَمَّا إذَا فَصَلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَدَارَكُ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأُولَى صَارَتْ الثَّلَاثَةُ فِيهَا صَلَاةً وَاحِدَةً فَلَحِقَ بَعْضَهَا نَقْصُ بَعْضٍ فَشُرِعَ فِيهَا التَّدَارُكُ جَبْرًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الثَّالِثَةَ بِالْفَصْلِ صَارَتْ كَأَجْنَبِيَّةٍ عَنْ الْأُولَيَيْنِ فَلَمْ يُشْرَعْ تَدَارُكٌ فِيهَا. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَا مُلَخَّصُ مَا لِلنَّاسِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ جَمَعَ التَّقِيُّ السُّبْكِيّ فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا نَافِعًا سَمَّاهُ إشْرَاقَ الْمَصَابِيحِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ. فَانْظُرُوهُ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ تَلْخِيصِهِ إلَّا ضِيقُ الْوَقْتِ وَكَثْرَةُ الِاشْتِغَالِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صَلَاةَ الضُّحَى مُحْتَجًّا بِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «مَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» وَبِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى قَالَتْ لَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» فَالْقَصْدُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مُقَدِّمِينَ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثَ الْمُثْبِتَةَ لَهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مِمَّا يُثْبِتُهَا حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرُ أُمُّ هَانِئٍ. فَإِنَّهَا قَالَتْ: إنَّهُ ﷺ «دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فَلَمْ أَرَ صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» . وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ «نُزُولَهُ ﷺ كَانَ بِأَعْلَى مَكَّةَ وَأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الثَّمَانِ سَأَلَتْهُ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ قَالَ صَلَاةُ الضُّحَى» وَرَوَى مُسْلِمٌ «كَانَ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ» وَصَحَّ عَنْ أَنَسٍ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ فَمَا تَرَكَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ» وَفِي أُخْرَى سَنَدُهَا حَسَنٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى» وَفِي أُخْرَى عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ «خَرَجَ ﷺ إلَى حَرَّةِ بَنِي مُعَاوِيَةَ وَتَبِعْت أَثَرَهُ فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ طَوَّلَ فِيهِنَّ ثُمَّ انْصَرَفَ» وَفِي أُخْرَى لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الضُّحَى بِبَقِيعِ الزُّبَيْرِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَقَالَ إنَّهَا صَلَاةُ رَغَبٍ وَرَهَبٍ» وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى فَقَامُوا وَرَاءَهُ فَصَلَّوْا» وَفِي أُخْرَى لِلْبَزَّارِ وَابْنِ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ يَوْمَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ وَبِالْفَتْحِ» وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ «عَنْ عَائِذِ بْنِ عُمَرَ وَكَانَ فِي النَّافِلَةِ فَتَوَضَّأَ ﷺ ثُمَّ صَلَّى بِنَا الضُّحَى» وَفِي أُخْرَى سَنَدُهَا ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ ﷺ لَا يَتْرُكُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي سَفَرٍ وَلَا غَيْرِهِ» وَفِي أُخْرَى رِجَالُهَا ثِقَاتٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ «كَانَ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى» وَفِي أُخْرَى عَنْهُ.

стр. 195

رَوَاهَا جَمْعٌ «كَانَتْ الشَّمْسُ إذَا ارْتَفَعَتْ قَيْدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَمْهَلَ حَتَّى ارْتَفَعَ الضُّحَى صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» وَفِي أُخْرَى لِابْنِ مَنْدَهْ وَابْنِ شَاهِينَ عَنْ قُدَامَةَ وَحَنْظَلَةَ الثَّقَفِيَّيْنِ ﵄ قَالَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَذَهَبَ كُلُّ أَحَدٍ، وَانْقَلَبَ النَّاسُ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا ثُمَّ يَنْصَرِفُ» . وَفِي أُخْرَى لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا «كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْت بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ؛ إذْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهَا وَالتَّرْغِيبُ فِيهَا مِنْ رِوَايَةِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا مِنْ ذَلِكَ خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ. «مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ» وَخَبَرُ أَبِي الشَّيْخِ «رَكْعَتَانِ مِنْ الضُّحَى تُعْدَلَانِ عِنْدَ اللَّهِ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مُتَقَبَّلَتَيْنِ» وَخَبَرُ الْأَصْبَهَانِيِّ وَغَيْرِهِ «يَا أَنَسُ صَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ» . وَخَبَرُ الْأَصْبَهَانِيِّ «مَنْ صَلَّى الضُّحَى فَقَرَأَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَشْرًا وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ عَشْرًا اسْتَوْجَبَ رِضْوَانَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمِضُ الْفِصَالُ أَيْ تَبْرُكُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْأَرْضِ فِي أَخْفَافِهَا وَذَلِكَ إذَا مَضَى رُبُعُ النَّهَارِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ هَذَا أَفْضَلَ أَوْقَاتِهَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. وَخَبَرُ الدَّيْلَمِيِّ «الْمُنَافِقُ لَا يُصَلِّي الضُّحَى وَلَا يَقْرَأُ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «عَلَى كُلِّ سُلَامَى أَيْ مِفْصَلٍ مِنْ ابْنِ آدَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ وَيُجْزِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى» وَخَبَرُ أَحْمَدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ فَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِقُرْبِ مَغْزَاهُمْ وَكَثْرَةِ غَنِيمَتِهِمْ وَقُرْبِ رَجْعَتِهِمْ فَقَالَ ﷺ «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَقْرَبَ مِنْهُمْ مَغْزًى وَأَكْثَرَ غَنِيمَةً وَأَوْشَكَ رَجْعَةً مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ لِسُبْحَةِ الضُّحَى فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ مَغْزًى وَأَكْثَرُ غَنِيمَةً وَأَوْشَكَ رَجْعَةً» وَخَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ثُمَّ ثَبَتَ فِيهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الضُّحَى كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ تَامٍّ لَهُ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَنِيعٍ وَالْبَيْهَقِيِّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَلْقَمَهُ أَوْ تَطْعَمَهُ. وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيّ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى بِسُورَتَيْهِمَا الشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالضُّحَى» وَخَبَرُ أَحْمَدَ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «ابْنَ آدَمَ لَا تَعْجِزْ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوَّلَ النَّهَارِ أَكْفِك آخِرَهُ» وَخَبَرُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَحَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ.» وَخَبَرُ جَمَاعَةٍ فِي مَسَانِيدِهِمْ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَصَلَّيْت الضُّحَى قَالَ لَا قَالَ قُمْ فَصَلِّ الضُّحَى فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ» وَخَبَرُ أَبِي نُعَيْمٍ «صَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَبْرَارِ» . وَخَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ انْقَلَبَ بِأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «أَوْصَانِي حَبِيبِي بِثَلَاثٍ لَا أَدْعُهُنَّ مَا عِشْت أَوْصَانِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ» وَخَبَرُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَخَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ «مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ. وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مَعَ الْعَابِدِينَ وَمَنْ صَلَّى سِتًّا كُفِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَخَبَرُ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ لَا يُحَافِظُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى إلَّا أَوَّابٌ قَالَ: وَهِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، وَخَبَرُ أَبِي يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فَقَعَدَ فِي مَقْعَدِهِ فَلَمْ يَلْغُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَيَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُصَلِّيَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ» . وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ الضُّحَى قَالَ نَعَمْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي أَرْبَعَةً مِنْهُمْ مَنْ يَمُدُّ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ عَنْ خَبَرِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ أَنَّ ذَلِكَ نَفْيٌ مِنْهَا فَتُقَدَّمُ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الْمُثْبِتَةُ لَهَا عَلَى أَنَّ قَوْلَهَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ فِيهِ إثْبَاتٌ مِنْهَا لَهَا لَا يُقَالُ: لَوْ فَعَلَهَا لَمْ يَخْفَ عَلَى عَائِشَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُلَازِمًا لِعَائِشَةَ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ.

стр. 196

مُسَافِرًا أَوْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يُصَادِفْ وَقْتَ الضُّحَى عِنْدَهَا إلَّا نَادِرًا، وَمَا رَأَتْهُ صَلَّاهَا فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ النَّادِرَةِ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْته وَلَا يُنَافِيه أَنْ يَبْلُغَهَا بِإِخْبَارِهِ أَوْ إخْبَارِ غَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّاهَا، وَلِذَلِكَ وَرَدَ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّاهَا. وَمِمَّا يَتَّضِحُ بِهِ هَذَا الْمَقَامُ خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يَدَعُهَا وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا فَمَنْ نَفَى لَمْ يَطَّلِعْ إلَّا عَلَى تِلْكَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي كَانَ يَتْرُكُهَا فِيهَا» وَأَمَّا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ دَخَلْت الْمَسْجِدَ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ. فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ فَقَالَ بِدْعَةٌ. فَأَجَابَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ ﵀ كَعِيَاضٍ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ إظْهَارَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالِاجْتِمَاعَ لَهَا هُوَ الْبِدْعَةُ لَا أَنَّ أَصْلَ صَلَاتِهَا بِدْعَةٌ وَلَمَّا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ مَا جَاءَ فِيهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا صَحِيحٌ غَيْرُ مُتَدَافِعٍ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ رَآهُ ﷺ صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ فِي حَالِ فِعْلِهِ ذَلِكَ فَقَطْ وَرَآهُ غَيْرُهُ فِي حَالٍ أُخْرَى صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ وَرَآهُ غَيْرُهُ فِي حَالَةٍ أُخْرَى صَلَّاهَا سِتًّا وَهَكَذَا أَوْ سَمِعَهُ وَاحِدٌ يَحُثُّ عَلَى عَدَدٍ. وَآخَرُ عَلَى عَدَدٍ آخَرَ فَأَخْبَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَمَّا رَأَى وَعَمَّا سَمِعَ وَكَذَلِكَ مَنْ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَطُّ إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ عَمَّا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَلَا يُدْفَعُ قَوْلُ مَنْ عَلِمَهُ يُصَلِّيهَا بِرُؤْيَتِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَمْ يُصَلِّهَا لَيْسَ خَبَرًا مِنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَمْ أُصَلِّهَا قَطُّ، وَلَا أُصَلِّيهَا، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ خَبَرُ «مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ وَمَنْ صَلَّاهَا أَرْبَعًا» الْحَدِيثُ السَّابِقُ وَفِي رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الضُّحَى يَوْمًا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَوْمًا أَرْبَعًا ثُمَّ يَوْمًا سِتًّا ثُمَّ يَوْمًا ثَمَانِيًا ثُمَّ تَرَكَ يَوْمًا.» فَقَدْ أَبَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ احْتِمَالِ خَبَرِ كُلِّ مُخْبِرٍ أَنْ يَكُونَ إخْبَارُهُ عَلَى قَدْرِ مَا شَاهَدَهُ أَوْ سَمِعَهُ اهـ. (سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ إنَّ الْإِيتَارَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَفْضَلُ مِنْ الْإِيتَارِ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ كَمَا قَالَ فَمَا سَبَبُ قِلَّةِ الْفَضِيلَةِ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ وَفِي الْحَدِيثِ «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» فَهَلْ يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ أَفْضَلُ أَوْ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ. (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِقَوْلِهِ: مَا ذُكِرَ مِنْ تَفْضِيلِ الثَّلَاثِ عَلَى الْخَمْسِ مَثَلًا. لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى إطْلَاقِهِ وَكَأَنَّ قَائِلَهُ نَظَرَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ لَا يَصِحُّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَفْضِيلُ الثَّلَاثِ عَلَى الْأَحَدَ عَشَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ بَلْ صَحَّ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ وَأَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَلَا تُشَبِّهُوا الْوِتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» وَبِهَذَا يُعْلَمُ ضَعْفُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ تَعْيِينِ الثَّلَاثِ وَكَوْنِهَا مَوْصُولَةً لِمُخَالَفَتِهِ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَلِمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ الْإِيتَارِ بِخَمْسٍ وَبِسَبْعٍ وَبِتِسْعٍ مَوْصُولَةٍ وَمَفْصُولَةٍ وَبِثَلَاثٍ، وَأَخَذَ السُّبْكِيّ وَتَبِعَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَسَبَقَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الثَّلَاثِ. أَنَّهُ يُكْرَهُ الْإِيتَارُ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَالْفَصْلُ فِي كُلِّ عَدَدٍ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ قَالَ السُّبْكِيّ: وَحِينَئِذٍ فَالثَّلَاثُ الْمَوْصُولَةُ أَدْنَى مَرَاتِبِ أَعْدَادِ الْوِتْرِ فِي الْفَضِيلَةِ وَالْإِحْدَى عَشْرَ الْمَفْصُولَةُ أَعْلَاهَا وَكُلُّ عَدَدٍ مَفْصُولٍ أَفْضَلُ مِنْهُ وَمِمَّا دُونَهُ مَوْصُولًا وَلَوْ تَعَارَضَتْ زِيَادَةُ الْعَدَدِ وَالْفِعْلِ كَخَمْسٍ مَوْصُولَةٍ مَعَ ثَلَاثٍ مَفْصُولَةٍ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي النَّظَرُ إلَى زِيَادَةِ الرَّكَعَاتِ دُونَ الْفَصْلِ فَتُرَجَّحُ الْخَمْسُ الْمَوْصُولَةُ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ اهـ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَعَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ. وَضَعَّفَ قَوْلَ الْمَجْمُوعِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ، وَالْخِلَافُ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَصْلِ بِثَلَاثٍ أَمَّا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا فَالْفَصْلُ أَفْضَلُ قَطْعًا اهـ وَأَقُولُ الْأَوْجَهُ أَنَّ الْخَمْسَ الْمَوْصُولَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ الْعَمَلِ.

стр. 197

وَالثَّلَاثُ الْمَفْصُولَةُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ الْفَصْلُ الْأَكْثَرُ مِنْ أَحْوَالِهِ ﷺ وَمَعَ التَّقَابُلِ لَا شَكَّ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْأُولَى أَكْثَرُ ثَوَابًا، وَمُجَرَّدُ التَّفَاوُتِ فِي مُوَافَقَةِ الْأَكْثَرِ لَا تَقْتَضِي أَنْ يَعْدِلَ زِيَادَةَ الرَّكْعَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلِاتِّبَاعِ كَصَلَاةِ الضُّحَى ثَمَانِيًا فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَكْثَرِ الَّذِي لَا يُوَافِقُهُ كَصَلَاتِهَا اثْنَيْ عَشَرَ؛ لِأَنَّ فِي زِيَادَةِ الِاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَى زِيَادَةِ الْعَمَلِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَدْ يَكُونُ قَلِيلُ الْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ وَخَفِيفُهُ أَفْضَلَ مِنْ كَثِيرِهِ وَثَقِيلِهِ كَتَفْضِيلِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهَا الْوُسْطَى، وَلَوْ كَانَ الثَّوَابُ عَلَى قَدْرِ التَّعَبِ لَمَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَمَا فُضِّلَتْ رَكْعَةُ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اهـ. وَقَالَ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ: لَا يَصِحُّ الْإِيتَارُ بِالثَّلَاثِ الْمَوْصُولَةِ مِنْ الْمُتَعَمِّدِ الْعَالِمِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وِتْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ يُعَيِّنُ الثَّلَاثَ الْمَوْصُولَةَ وَيُبْطِلُ مَا عَدَاهَا مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ الْمَفْصُولِ وَالْمَوْصُولِ، وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ يُبْطِلُونَ مَا عَيَّنَهُ وَبِمَا قَرَّرْته عُلِمَ أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ مِنْ تَسَاوِي الْكُلِّ فِي الْفَضْلِ غَيْرُ مُرَادٍ. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ التَّسَاوِي فِي الْجَوَازِ، وَعَلَيْهِ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ بَلْ هُوَ مَدْلُولُهُ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْهُ. [بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ] (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ تَعَدَّدَ قِرَاءَةُ آيَةِ السَّجْدَةِ أَوْ سَمَاعُهَا هَلْ الْمَشْرُوعُ حِينَئِذٍ سَجْدَةٌ أَوْ سَجْدَتَانِ مِنْ الْقَارِئِ وَغَيْرِهِ أَوْ لَا فَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ لِلشَّيْخِ زَكَرِيَّا وَالْخَادِمِ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ تَفَضَّلُوا بِبَيَانِ الْمُعْتَمَدِ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَفَسَّحَ فِي مُدَّتِهِ: أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ تَحْرِيرِ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَالْخَادِمِ فَوَجَدْتنِي ذَكَرْت فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ حَاصِلَ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ مَتْنِهِ وَشَرْحِهِ فِي ذَلِكَ وَيَتَكَرَّرُ السُّجُودِ بِسَمَاعِ آيَةٍ وَقِرَاءَتِهَا فِيمَا يَظْهَرُ لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْخَادِمِ اعْتَمَدَ ذَلِكَ، وَكَذَا بِقِرَاءَةٍ أُخْرَى وَبِتَكَرُّرِ قِرَاءَةِ آيَةٍ. وَلَوْ كَانَ تَكْرِيرُهَا بِصَلَاةٍ فِي رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ سَوَاءٌ أَقَرُبَ الْفَصْلُ، أَوْ طَالَ اتَّحَدَ الْمَكَانُ أَوْ اخْتَلَفَ خِلَافًا لِمَا فِي الْبَيَانِ وَالْمَجْمُوعِ لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ بَعْدَ تَوْفِيَةِ حُكْمِ الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يُكَرِّرُهَا لِلْحِفْظِ فَيَكْفِيه مَرَّةٌ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ قِرَاءَتِهِ وَحِفْظِهِ وَمَنْ يُكَرِّرُهَا لِلتَّدَبُّرِ وَالْإِيمَانِ فَيُعِيدُهُ اهـ وَهُوَ قَرِيبٌ لَكِنْ كَلَامُهُمْ يُخَالِفُهُ فَلَا فَرْقَ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْجُدَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ إلَّا مَرَّةً وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ كَثْرَةِ الْجَمْعِ وَالْحَوَائِلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيشِ وَالتَّطْوِيلِ وَالِابْتِدَاعِ وَيَجِبُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي السِّرِّيَّةِ اهـ. وَوَاضِحٌ مِمَّا يَأْتِي أَنَّ مَحَلَّ سَنِّ التَّكْرِيرِ بَلْ السُّجُودِ إذَا أَمِنَ التَّشْوِيشَ وَإِلَّا لَمْ يُسَنَّ السُّجُودُ فَأَوْلَى التَّكْرِيرُ وَأَمَّا الْحُرْمَةُ فَلَا وَجْهَ لَهَا لِأَنَّهُمْ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يُفَارِقُوهُ وَكَفَى لِلْكُلِّ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ الشَّارِحُ أَيْ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا فِي شَرْحِهِ لِلْأَصْلِ، وَهُوَ الرَّوْضُ: وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِمْ بِكَفَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعَدُّدُهَا وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ وَبِمُقْتَضَى هَذَا النَّظَرِ أَخَذَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْإِرْشَادِ فَجَزَمَ كَالْوَلِيِّ الْعِرَاقِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَسْجُدُ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا مِنْهُمْ غَفْلَةٌ عَمَّا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ طَافَ أَسَابِيعَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَقِبَ كُلِّ سُنَّةٍ سُنَّ فَضْلًا عَنْ الْجَوَازِ أَنْ يُوَالِيَ رَكَعَاتِهَا كَمَا وَالَاهَا. فَكَذَا يُقَالُ بِمِثْلِهِ هُنَا وَبِهَذَا يُعْلَمُ الرَّاجِحُ مِنْ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ وَهَلْ الْمَشْرُوعُ سَجَدَاتٌ وَتَرْجِعُ إلَى وَاحِدَةٍ أَوْ لَا تُشْرَعُ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ فِيهِ احْتِمَالَانِ اهـ فَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى وَاحِدَةٍ أَنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُ بِهَا لَا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لَهُ غَيْرُهَا وَإِلَّا كَانَ هُوَ الثَّانِي ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْأَصْلِ أَيْ ابْنَ الْمُقْرِي مَشَى عَلَى مَا رَجَّحْته أَوَّلًا انْتَهَتْ عِبَارَةُ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَبِهَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - هَلْ الْمَشْرُوعُ إلَخْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا لَفْظُهُ سَجَدَ إمَامُهُ الْحَنَفِيِّ لِلشُّكْرِ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ إذَا لَمْ يُتَابِعْهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِانْتِظَارِهِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ صَدَرَ مِنْهُ وَقَدْ نَزَلَ مَنْزِلَةَ السَّهْوِ فَيَحْمِلُهُ إمَامُهُ بَلْ يَسْجُدُ لِسُجُودِ إمَامِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّهْوِ إذَا كَانَ الْقِيَاسُ وُجُوبَ الْمُفَارَقَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَتِهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ

стр. 198

السُّجُودُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ سُومِحَ فِيهِ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ السَّهْوِ، وَالْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ فَيَسْجُدُ لَهُ الْمَأْمُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْته مِنْ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ وَمُخَالَفَتِهِ قَوْلَهُمْ: لَوْ نَوَى مُسَافِرَانِ شَافِعِيٌّ وَحَنَفِيٌّ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ بِوُصُولِهَا سَفَرُ الشَّافِعِيِّ فَقَطْ وَجَازَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْحَنَفِيِّ مَعَ اعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ لِقَصْرِهِ فِي الْحَضَرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي اعْتِبَارِ اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ وَاجِبًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يُجَوِّزُهُ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقًا بِخِلَافِهِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ وَالسُّجُودُ فِي الْجُمْلَةِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ لَا يَضُرُّ اعْتِقَادُ الْمُخَالِفِ حَيْثُ أَتَى بِصُورَةِ الْوَاجِبِ كَوْنُهُ نَفْلًا بِخِلَافِ الْإِمَامِ الْمُوَافِقِ لِعِلْمِ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِهَا عِنْدَهُمَا. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّنْ سَجَدَ إمَامُهُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَهُوَ نَاسٍ فَذَكَرَ بَعْدَ مَا رَفَعَ الْإِمَامُ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَهْوِيَ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي الْإِمَامُ فِيهِ أَمْ لَا؟ . (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: لَا يَلْزَمُهُ هُوِيٌّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْهُوِيَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلسُّجُودِ فَحَيْثُ سَقَطَ عَنْهُ السُّجُودُ سَقَطَ عَنْ تَابِعِهِ. [كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ هَلْ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ سَوَاءٌ أَكَانَ بِهِ خَلَلٌ مِنْ نَحْوِ سَارِيَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِلًا بِالصُّفُوفِ أَمْ لَا فَإِنَّ بَعْضَ مَشَايِخِ الْيَمَنِ يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ هُوَ السَّالِمُ مِنْ الْخَلَلِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَلَوْ كَانَ الصَّفَّ الْأَخِيرَ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّل هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ وَإِنْ تَخَلَّلَهُ مِنْبَرٌ أَوْ مَقْصُورَةٌ أَوْ أَعْمِدَةٌ أَوْ غَيْرُهَا سَوَاءٌ جَاءَ صَاحِبُهُ مُتَقَدِّمًا أَمْ مُتَأَخِّرًا وَقِيلَ الْأَوَّلُ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُ شَيْءٌ وَإِنْ تَأَخَّرَ وَقِيلَ هُوَ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا، وَإِنْ صَلَّى فِي صَفٍّ مُتَأَخِّرٍ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. وَهَذَانِ غَلَطٌ صَرِيحٌ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا فِي السُّؤَالِ عَنْ بَعْضِ الْيَمَنِيِّينَ غَلَطٌ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَغْتَرَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ أَنَّهُ قَدْ كَثُرَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ خُرُوجُ النِّسَاءِ إلَى الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ لِسَمَاعِ الْوَعْظِ وَلِلطَّوَافِ وَنَحْوِهِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ عَلَى هَيْئَاتٍ غَرِيبَةٍ تَجْلِبُ إلَى الِافْتِتَانِ بِهِنَّ قَطْعًا، وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ يَتَزَيَّنَّ فِي خُرُوجِهِنَّ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُهُنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ وَالْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ كَالْخَلَاخِيلِ وَالْأَسْوِرَةِ وَالذَّهَبِ الَّتِي تُرَى فِي أَيْدِيهِنَّ وَمَزِيدِ الْبَخُورِ وَالطَّيِّبِ وَمَعَ ذَلِكَ يَكْشِفْنَ كَثِيرًا مِنْ بَدَنِهِنَّ كَوُجُوهِهِنَّ وَأَيْدِيهِنَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَتَبَخْتَرْنَ فِي مِشْيَتِهِنَّ بِمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ قَصْدًا أَوْ لَا عَنْ قَصْدٍ. فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ مَنْعُهُنَّ وَكَذَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْوِلَايَاتِ وَالْقُدْرَةِ حَتَّى مِنْ الْمَسَاجِدِ وَحَتَّى مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُنَّ الْإِتْيَانُ بِالطَّوَافِ خَارِجَهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ وَمَا الَّذِي يَتَلَخَّصُ فِي ذَلِكَ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ أَوْضِحُوا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ بِهِنَّ قَدْ عَمَّتْ، وَطُرُقُ الْخَيْرِ عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ وَالْمُتَدَيَّنِينَ قَدْ انْسَدَّتْ أَثَابَكُمْ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ جَزِيلَ الْمِنَّةِ وَرَقَّاكُمْ إلَى أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ آمِينَ. (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَدْعِي طُولًا وَبَسْطًا لَا يَلِيقُ لَا بِتَصْنِيفٍ مُسْتَقِلٍّ. فِي الْمَسْأَلَةِ، وَحَاصِلُ مَذْهَبِنَا أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ سَافِرَةَ الْوَجْهِ وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ وَاعْتُرِضَ بِنَقْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ ذَلِكَ. وَأَجَابَ الْمُحَقِّقُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ وَالثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَنَحْوِهِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ افْتِتَانِ النَّاسِ بِهِنَّ. وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ ذَكَرَ مَنْعَ النِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ مُطْلَقًا إذَا فَعَلْنَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِمَّا يَجُرُّ إلَى الِافْتِتَانِ بِهِنَّ انْجِرَارًا قَوِيًّا. عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَقْصِدْ كَشْفَهُ لِيُرَى أَوْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ أَمَّا إذَا كَشَفَتْهُ لِيُرَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا قَصَدَتْ التَّسَبُّبَ فِي وُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ وَكَذَا لَوْ عَلِمَتْ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ، وَإِلَّا كَانَتْ مُعِينَةً لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِدَوَامِ كَشْفِهِ الَّذِي هِيَ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى

стр. 199

الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَكْشِفَ لِلذِّمِّيَّةِ مَا لَا يَحِلُّ لَهَا نَظَرُهُ مِنْهَا هَذَا مَعَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ مِثْلُهَا فَكَيْفَ بِالْأَجْنَبِيِّ، وَتَخَيُّلُ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ وَبِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ السَّتْرُ عَنْ الْمُرَاهِقِ مَعَ جَوَازِ نَظَرِهِ فَكَيْفَ بِالْبَالِغِ الَّذِي يَحْرُمُ نَظَرُهُ فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِهِ الْمَعْلُوم لِمَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ حَمْلُ كَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى مَا قَدَّمْته فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَجِبُ مَنْعُهُنَّ إذَا فَعَلْنَ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ حَتَّى مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ إذَا قَصَدَتْ الطَّوَافَ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى لَهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ وَقَدْ يَكُونُ فَرْضًا عَلَيْهِنَّ قُلْت: لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِح. وَلِأَنَّهُنَّ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْمَجِيءِ إلَيْهِ فِي ثِيَابٍ رَثَّةٍ بِحَيْثُ لَا يُخْشَى مِنْهُنَّ افْتِتَانٌ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الطَّوَافُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزًا أَوْ شَابَّةً فَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا مُكِّنَتْ مِنْ الْإِتْيَانِ لِفِعْلِهِ إذَا كَانَتْ فِي ثِيَابٍ رَثَّةٍ وَكَذَا مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ لَا خَشْيَةَ فِتْنَةٍ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَزَبَةً أَوْ مُتَزَوِّجَةً فَإِنْ كَانَتْ عَزْبَةً فَلَا ضَرُورَةَ عَلَيْهَا فِي تَأْخِيرِهِ إلَى وَقْتِ خُلُوِّ الْمَطَافِ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ فَتَفْعَلُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً وَأَمَرَهَا الزَّوْجُ بِهِ وَخَشِيَتْ الْفِتْنَةَ بِخُرُوجِهَا وَلَوْ فِي ثِيَابٍ رَثَّةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ وَحْدَهَا. بَلْ تَقُولُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَخْرُجَ مَعِي إلَى أَنْ أُؤَدِّيَهُ هُوَ وَالسَّعْيَ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَأْمُرَنِي بِهِ فَحِينَئِذٍ اسْتَوَى الطَّوَافُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرُوا لِخُرُوجِهَا لِلْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا شُرُوطًا تَأْتِي فِي خُرُوجِهَا لِلْأَسْوَاقِ، وَغَيْرُهَا بِالْأَوْلَى فَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ ذَلِكَ وَنَقْلِهِ مَبْسُوطًا لِيُعْلَم مِنْهُ مَا أَشَارَ السَّائِلُ إلَيْهِ ثُمَّ نَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِنَا لِيُعْلَمَ مُوَافَقَتُهُمْ لَنَا أَوْ عَدَمُهَا فَنَقُولُ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجِدِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مُتَطَيِّبَةً وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ مَا أَحْسَنَهُ فِيمَا قَدَّمْته مِنْ وُجُوبِ الْمَنْعِ حَيْثُ تَرَتَّبَتْ الْفِتْنَةُ عَلَى خُرُوجِهِنَّ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» هَذَا وَشَبَهُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ الْمَسْجِدِ لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاء مَأْخُوذَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَهِيَ أَنْ لَا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً وَلَا مُتَزَيِّنَةً ذَاتَ خَلَاخِل يُسْمَعُ صَوْتُهَا وَلَا ثِيَابًا فَاخِرَةً وَلَا مُخْتَلِطَةً بِالرِّجَالِ وَلَا شَابَّةً وَنَحْوَهَا مِمَّنْ يُفْتَتَنُ بِهَا وَأَنْ لَا يَكُونَ بِالطَّرِيقِ مَا يُخَافُ بِهِ مَفْسَدَةٌ وَنَحْوُهَا وَهَذَا النَّهْيُ عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْ الْخُرُوجِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَوُجِدَتْ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ حَرُمَ الْمَنْعُ إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ اهـ فَافْهَمْ قَوْلُهُ لَكِنْ بِشُرُوطِ إلَخْ إنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ لِعَدَمِ الْمَنْعِ، وَأَنَّهُ حَيْثُ فُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهَا مُنِعَتْ لَكِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْمَنْعِ أَوْ وُجُوبَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ سَاكِتٌ عَنْ التَّعَرُّض لِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُهُ بِالْوُجُوبِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ السَّابِقُ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْخُرُوجِ أَيْ لِجَوَازِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَحَيْثُ حَرُمَ الْخُرُوجُ وَجَبَ الْمَنْعُ وَلِيَكُنْ عَلَى ذِكْرٍ مِنْك جَعْلُهُ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا يُخَافُ بِهِ مَفْسَدَةٌ، وَأَنْ لَا تَخْتَلِطَ بِالرِّجَالِ. وَيُؤَيِّدُ الْمَنْعَ أَيْضًا قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيل لَكِنَّ كَلَامَهَا مُحْتَمِلٌ أَيْضًا لِوُجُوبِ الْمَنْعِ وَلِجَوَازِهِ، وَاحْتِمَالِهِ لِوُجُوبِهِ أَقْرَبُ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا الْمُلَازَمَةُ الْمَذْكُورَةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ الْقَوَاعِد الدِّينِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحَسْمِ مَوَادِّ الْفَسَادِ وَيُؤَيِّدُ مَا اسْتَنْبَطْتُهُ قَوْلُ مَالِكٍ ﵁ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ فَتَاوَى بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ وَإِنَّمَا نُسِبَ لِمَالِكٍ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ يَقُولُونَ بِذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى مِنْ مَذَاهِبِهِمْ وَمَنْ تَخَيَّلَ أَنَّ هَذَا مِنْ التَّمَسُّكِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي يَقُولُ بِهَا مَالِكٌ وَهِيَ مُبَايِنَةٌ لِلشَّرِيعَةِ فَقَدْ وَهِمَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَا أَرَادَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ مِنْ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ أَمْرًا يَقْتَضِي أُصُولُ الشَّرِيعَةِ فِيهِ غَيْرَ مَا اقْتَضَتْهُ قَبْلَ حُدُوثِ ذَلِكَ الْأَمْرِ يُجَدَّدُ لَهُ حُكْمٌ بِحَسَبِ مَا أَحْدَثَهُ لَا بِحَسَبِ مَا كَانَ قَبْلَ إحْدَاثِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَقَوْلُهَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ لَا مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْمُخْتَلَفِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً لِأَنَّهَا اطَّلَعَتْ مِنْهُ ﷺ أَنَّهُ إذَا اطَّلَعَ عَلَى مَا أَحْدَثَتْ النِّسَاءُ لِمَنْعِهِنَّ وَيُؤَيِّدُ.

стр. 200

ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ عَنْهَا «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إذْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مُزَيَّنَةٌ تَرْفُلُ فِي زِينَةٍ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْهَوْا نِسَاءَكُمْ عَنْ لِبْسِ الزِّينَةِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمْ الزِّينَةَ وَتَبَخْتَرُوا فِي الْمَسَاجِدِ» قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِتَحْرِيمِ الْفِعْلِ لِتَرَتُّبِ اللَّعْنِ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا تَخْرُجُ إلَّا كَذَلِكَ مُنِعَتْ اهـ وَاعْتَذَرَ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ أَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ بَلَى وَاَللَّهِ لَنَمْنَعَهُنَّ فَضَرَبَ صَدْرَهُ وَغَضِبَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَإِنَّمَا اسْتَجْرَأَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لِعِلْمِهِ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا غَضِبَ عَلَيْهِ لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِالْمُخَالَفَةِ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ اهـ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي اعْتِمَادِ مَا مَرَّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي تَمَسُّكِ بَعْضِهِمْ فِي مَنْعِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ ظَنَّتْهُ فَقَالَتْ لَوْ رَأَى لَمَنَعَ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ حَتَّى أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْعَ. وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ سُبْحَانَهُ مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إلَى نَبِيِّهِ ﷺ بِمَنْعِهِنَّ وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ لَكَانَ مَنْعُهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا أَوْلَى وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاثُ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ لَا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْعُ فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ فَلْيَجْتَنِبْ لِإِشَارَتِهِ ﷺ إلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَكَذَا التَّقَيُّد بِاللَّيْلِ كَمَا سَبَقَ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ إنَّمَا سَاقَهُ هَذَا كُلَّهُ رَدًّا عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ مَنْعَ النِّسَاءِ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ فُرِضَ دَلَالَةُ كَلَامِهَا عَلَى ذَلِكَ. فَصَرِيحُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة يُخَالِفُ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهَا مَنْعَ النِّسَاءِ مِنْ الْمَسَاجِدِ مُطْلَقًا إذْ لَا مَعْنَى لِمَنْعِ عَجُوزٍ هَرِمَةٍ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ إلَخْ أَيْ: إنْ فَهِمْت أَيُّهَا الْقَائِلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا فَالشَّرْطُ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ لَمْ يُحْدِثْنَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَالْإِحْدَاثُ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ وَلَمْ يَرِدْ رَدُّ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهَا مِنْ مَنْعِ مَنْ أَحْدَثَ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاعْتِمَادِهِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ كَمَا عَلِمْت وَمَعْنَى قَوْلِهِ كَلَامُهَا يُشْعِرُ بِالْمَنْعِ أَيْ: مُطْلَقًا مِنْ حَيْثُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى النِّسَاءِ الَّذِي هُوَ مُحَلَّى بِاللَّامِ الْمُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادًا لَهَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَكَانَ مَنْعُهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا أَوْلَى أَيْ: عِنْدَك أَيُّهَا الْقَائِلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مِنْ الْمَسَاجِدِ دُونَ غَيْرِهَا أَيْ: وَهَذَا تَحَكُّمٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ مِنْ الْأَسْوَاق وَنَحْوِهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا لِمَا هُوَ جَلِيٌّ فَكَيْفَ لَا يَقُولُ بِالْمَنْعِ فِيهِ مُطْلَقًا وَيَقُولُ بِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا بَيَّنْت مُرَادَهُ ﵀؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهِ غَيْرَ الْمُرَادِ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يُجْدِي وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْته مِنْ وُجُوبِ الْمَنْعِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ وَاعْتِمَادِ كَلَامِ عَائِشَة ﵂ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاء فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْمَأْلُوفَةِ وَيَجِبُ أَنْ يُضْرَبَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ النَّظَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَظِنَّةُ الْفَسَادِ وَيَجِبُ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِد لِلصَّلَاةِ وَلِمَجَالِس الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ إذَا خِيفَتْ الْفِتْنَةُ بِهِنَّ فَقَدْ مَنَعَتْهُنَّ عَائِشَةُ ﵂ فَقِيلَ لَهَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا مَنَعَهُنَّ مِنْ الْجَمَاعَاتِ فَقَالَتْ لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثْنَ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ اهـ وَيُوَافِقهُ قَوْلُ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانَتْ تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَإِذَا كَانَتْ أَفْضَلَ فَاَلَّذِي يُخْرِجُهَا مِنْ بَيْتِهَا إمَّا الرِّيَاءُ أَوْ السُّمْعَةُ وَهُوَ حَرَامٌ وَإِمَّا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنْ أَغْرَاضِ النَّفْسِ مِنْ تَفَرُّجٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مُخْرِجٌ لِلْعَمَلِ عَنْ الْإِخْلَاص وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ أَوْ يَأْذَنَ فِي تَرْكِ الْإِخْلَاص اهـ وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دِرَايَةٌ بِالْمَذْهَبِ وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ جَمَاعَةَ الْكَبِيرِ وَمِنْ أَكْبَرِ الْمُنْكَرَاتِ مَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْعَوَامّ فِي الطَّوَافِ مِنْ مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ

стр. 201

بِأَزْوَاجِهِمْ سَافِرَات عَنْ وُجُوهِهِنَّ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ وَبِأَيْدِيهِمْ الشُّمُوعُ مُتَّقِدَةٌ وَمِنْ الْمُنْكَرَاتِ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ نِسَاءُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُنَّ عِنْدَ إرَادَةِ الطَّوَافِ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مِنْ التَّزَيُّن وَاسْتِعْمَالِ مَا تَقْوَى رَائِحَتُهُ مِنْ الطِّيبِ بِحَيْثُ يُشَمُّ عَلَى بُعْدٍ فَتُشَوِّشُ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَيَجْتَلِبْنَ بِسَبَبِهِ اسْتِدْعَاء النَّظَرِ إلَيْهِنَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِد نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُلْهِمَ وَلِيَّ الْأَمْرِ إزَالَةَ الْمُنْكَرَاتِ آمِينَ اهـ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي وُجُوبِ الْمَنْعِ حَتَّى مِنْ الطَّوَافِ عِنْدَ ارْتِكَابهنَّ دَوَاعِي الْفِتْنَةِ فَيَتَأَيَّدُ بِهِ مَا قَدَّمْته. وَحَدِيثُ «كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ» «وَالْمَرْأَة إذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا» مَعْنَى زَانِيَةٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ» قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمِنْ الْبِدَعِ مَا يَقَعُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ نَوْمُ النِّسَاءِ فِي الْجَامِعِ وَدُخُولهنَّ مَعَ الرِّجَالِ الْمَرَافِقَ فَذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَرْضَى بِهِ لِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا قَلِيلُ النَّخْوَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَرْضَى بِهِ أَحَدٌ لِامْرَأَتِهِ وَكَيْفَ لَا يَجِبُ مَنْعُهَا وَكَيْفَ يُقَالُ بِوُجُوبِ الْمَنْعِ وَيَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ هَذَا لَا يَكُونُ فِي الشَّرْعِ. قَالَ وَمِنْ الْمُحَرَّمَاتِ مُزَاحَمَتُهُنَّ الرِّجَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَالطَّرِيقِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ قَالَ ﷺ «لَأَنْ يَزْحَمَ رَجُلًا خِنْزِيرٌ مُتَلَطِّخٌ بِطِينٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَزْحَمَ مَنْكِبَيْهِ امْرَأَةٌ لَا تَحِلُّ لَهُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَأَبِي شَامَةَ مِنَّا أَنَّهُمَا أَنْكَرَا ذَلِكَ وَبَالَغَا فِيهِ وَأَنَّهُ مِنْ الْفُسُوقِ وَأَنَّ مَنْ تَسَبَّبَ فِيهِ يُفَسَّقُ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت أَتَقُولُ بِمَنْعِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجِد وَالْمَوَاعِيد وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ غَيْرَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْت: كَيْفَ لَا أَقُولُ بِهِ وَقَدْ صَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِ جَوَازِ الْخُرُوجِ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَهُوَ التُّقَى وَالْعَفَافُ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الشَّيْخَانِ الْإِمَامَانِ الزَّاهِدَانِ الْوَرِعَانِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْحِصْنِيُّ وَشَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّجَّارِيُّ تَغَمَّدَهُمَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَفِيمَا ذَكَرَاهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَرَكَ هَوَاهُ وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ وَادِّعَاءَ الِاتِّفَاق عَلَى الْمَنْعِ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَعَلَى مَا أَذْكُرُ كَلَامًا مَجْمُوعًا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ يُوَضِّحُ مُرَادَهُمَا وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيمَا قَالَاهُ وَأَنَّ مَنْ يُخَالِفُهُمَا فَلِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا عَلِمَاهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الِاطِّلَاع لِلْبَعْضِ الْعَدَمُ لِلْكُلِّ. فَمَا ذَكَرَاهُ أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْعُ خُرُوجِهِنَّ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ إلَّا غَبِيٌّ تَابِعٌ لِهَوَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَام تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ أَهْلِ الزَّمَانِ وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَذَاهِبِ الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ قَالَ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي خُرُوجِهِنَّ لِلْعِيدَيْنِ فَرَأَى جَمَاعَةٌ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِنَّ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَابْنُهُ وَغَيْرُهُمْ ﵃ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَجَازَهُ مَرَّةً وَمَنَعَهُ أُخْرَى، وَفِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ: وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ فِي الشَّابَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ كَانَ الْأَمْرُ بِخُرُوجِهِنَّ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَام لِيَكْثُر الْمُسْلِمُونَ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ اهـ. وَفِي شَرْحِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَهْلُ الْإِسْلَام فِي حَيِّزِ الْقِلَّةِ فَاحْتِيجَ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إخْرَاجِ الْعَوَاتِق وَذَوَات الْخُدُورِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ الْعَطَّارِ وَيَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا بَلْ تَلْزَمُ قَعْرَهُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا عَوْرَةٌ وَالْعَوْرَة يَجِبُ سَتْرُهَا وَأَمَّا الْخُرُوجُ إلَى الْمَسَاجِد فِي الْغَلَسِ عِنْدَ أَمْنِ الضَّرَرِ وَالْفِتْنَة فَقَدْ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَزَمَانَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ. ثُمَّ مُنِعَ مِنْهُ لِمَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ مِنْ الِافْتِتَان بِهِنَّ وَالتَّبَهْرُجِ وَالتَّطَيُّب وَفِتْنَتهنَّ بِالرِّجَالِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي مَنْعِهِنَّ ثُمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا أَنْ لَا تَتَزَيَّنَ وَلَا تَتَطَيَّبَ وَلَا تَمْشِي وَسَطَ الطَّرِيقِ وَأَنْ لَا يَكُونَ خُرُوجُهَا لِحَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُعِينَ زَوْجَتَهُ وَلَا امْرَأَةً مِمَّنْ يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الْإِعَانَة عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ الْإِذْنُ لَهُنَّ يَوْمَ الْعِيدِ وَالْخُرُوجُ إلَى الْمُصَلَّى مُتَلَفِّعَات بِمُرُوطِهِنَّ حَتَّى الْحُيَّضُ

стр. 202

لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ مُنِعَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَزْمَان لِمَا فِي حُضُورِهِنَّ مِنْ الْمَفَاسِد الْمُحَرَّمَةِ قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَام فِي الْإِحْيَاءِ وَقَدْ كَانَ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ فِي حُضُورِ الْمَسَاجِد وَالصَّوَابُ الْآنَ الْمَنْعُ إلَّا الْعَجَائِز بَلْ اسْتُصْوِبَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَة ﵃ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْهَا وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَجِبُ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِد لِلصَّلَاةِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ إذَا خِيفَتْ الْفِتْنَةُ بِهِنَّ فَهَذِهِ أَقَاوِيلُ الْعُلَمَاء فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِيهَا بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ. وَأَهْلُ الْأَقَاوِيلِ الْمَذْكُورَةِ هُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاء مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَئِمَّة الْمُتَّقِينَ وَالْفُقَهَاءِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ الْمُمَهِّرِينَ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِأَقَاوِيلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَمُ الْأُمَّةِ وَاخْتِيَارُهُمْ لَنَا خَيْرٌ مِنْ اخْتِيَارِنَا لِأَنْفُسِنَا وَمَنْ خَالَفَهُمْ فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ غَيْرِ مَنْ مَرَّ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يُرِيدُوا كَرَاهَةَ التَّحْرِيم مَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى خُرُوجِهِنَّ خَشْيَةُ فِتْنَةٍ وَأَمَّا إذَا تَرَتَّبَ ذَلِكَ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا شَكٍّ كَمَا مَرَّ نَقْلُهُ عَمَّنْ ذُكِرَ وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ الزِّنَا وَمُقَدِّمَاته مِنْ النَّظَرِ وَالْخَلْوَة وَاللَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ أَطْلَقُوا الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِدُونِ ذِكْرِ مُحَرَّمٍ يَقْتَرِنُ بِالْخُرُوجِ وَأَمَّا عِنْدَ اقْتِرَانِ مُحَرَّمٍ بِهِ أَوْ لُزُومِهِ لَهُ فَالصَّوَابُ الْقَطْعُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ فَقِيهٌ وَيَتَّضِحُ الْأَمْرُ بِذِكْرِ تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْخُرُوجِ فَمِنْهَا أَنَّ خُرُوجَهَا مُتَبَرِّجَة أَيْ: مُظْهِرَةً لِزِينَتِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالنَّصِّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى سُرُجٍ كَأَشْبَاهِ الرِّجَالِ يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ الْعَنُوهُنَّ. فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ وَفِيهِ فَإِنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا» وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الصِّفَات لَا تَحْصُلُ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي بَيْتِهَا بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فِيهَا وَخَوْفِ الِافْتِتَان بِهَا وَلِذَلِكَ شَرَطَ الْعُلَمَاء لِخُرُوجِهَا أَنْ لَا تَكُونَ بِزِينَةٍ وَلَا ذَاتَ خَلَاخِل يُسْمَعُ صَوْتُهَا فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُرَخِّصَ فِي سَبَبِ اللَّعْنِ، وَحِرْمَانُ الْجَنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَذْهَب الْقَائِلُ بِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ يُخَافُ مِنْهَا الِافْتِتَان حَرَامٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّبَرُّج حَرَامٌ وَمِنْهَا تَحْرِيمُ نَظَرِ الْأَجَانِب إلَيْهَا وَنَظَرِهَا إلَيْهِمْ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَمِنْهَا مُزَاحَمَةُ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطَّرِيقِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنِّسَاءِ اسْتَأْخَرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تُحَفِّفْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ» قَالَ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُلْصَقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى أَنَّ ثَوْبَهَا لَيَعْلَقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيث دَالَّةٌ عَلَى مَنْعِ الْمُزَاحَمَة بَيْنَ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ وَالْمَرْأَةِ. انْتَهَى كَلَامُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مُلَخَّصًا وَمَا أَحْسَنَهُ وَأَحَقَّهُ بِالصَّوَابِ وَفِي الْأَنْوَارِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ الْمُنْكَرَاتُ الْمَأْلُوفَةُ أَنْوَاعٌ؛ الْأَوَّلُ مُنْكَرَاتُ الْمَسَاجِد، قَالَ وَلَوْ كَانَ الْوَاعِظُ شَابًّا مُتَزَيِّنًا كَثِيرَ الْأَشْعَار وَالْحَرَكَات وَالْإِشَارَاتِ وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ النِّسَاءُ وَجَبَ الْمَنْعُ فَإِنَّ فَسَادَهُ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاحِهِ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسَلَّمَ الْوَعْظُ إلَّا لِمَنْ ظَاهِرُهُ الْوَرَعُ وَهَيْئَتُهُ السَّكِينَة وَالْوَقَارُ وَزِيُّهُ زِيُّ الصَّالِحِينَ وَإِلَّا فَلَا يَزْدَادُ النَّاسُ بِهِ إلَّا تَمَادِيًا فِي الضَّلَالِ فَيَجِبُ أَنْ يُضْرَبَ بَيْنَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءِ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ النَّظَرِ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ. وَيَجِبُ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِد لِلصَّلَاةِ وَلِمَجَالِس الذِّكْرِ إذَا خِيفَتْ الْفِتْنَةُ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا أَيْضًا فِيمَا قَدَّمْته وَفِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلِأَنَّهَا أَيْ: الْمَرْأَةُ لَا تَخْتَلِطُ بِالرِّجَالِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي حُرْمَةِ الِاخْتِلَاط وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا مَرَّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْحِصْنِيِّ كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ أَبِي شُجَاعٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ

стр. 203

أَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْقَطْعُ فِي زَمَانِنَا بِتَحْرِيمِ خُرُوجِ الشَّابَّات وَذَوَات الْهَيْئَات لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ وَالْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِلْخُرُوجِ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ قَدْ زَالَ وَأَيْضًا فَكُنَّ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ وَيَغْضُضْنَ أَبْصَارهنَّ وَكَذَا الرِّجَالُ وَمَفَاسِدُ خُرُوجِهِنَّ الْآنَ مُحَقَّقَةٌ وَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَنَقَلَهُ عَنْ غَيْرِهَا أَيْضًا مِمَّنْ مَرَّ ذِكْرُهُمْ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي مَنْعِهِنَّ إلَّا غَبِيٌّ جَاهِلٌ قَلِيلُ الْبِضَاعَة فِي مَعْرِفَةِ أَسْرَارِ الشَّرِيعَة قَدْ تَمَسَّك بِظَاهِرِ دَلِيلٍ حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ فَهْمِ مَعْنَاهُ مَعَ إهْمَالِهِمْ فَهْمَ عَائِشَةَ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهَا وَمَعَ إهْمَالِ الْآيَات الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ إظْهَارِ الزِّينَةِ وَعَلَى وُجُوبِ غَضِّ الْبَصَرِ فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ وَالْفَتْوَى بِهِ اهـ. وَهَذَا حَاصِلُ مَذْهَبِنَا وَاحْذَرْ مِنْ إنْكَارِ شَيْءٍ مِمَّا مَرَّ قَبْلَ التَّثَبُّت فِيهِ وَلَا تَغْتَرّ بِمَنْ تَمَوَّهَ بِلِسَانِهِ وَتَفَوَّهَ بِمَا لَا خِبْرَةَ لَهُ بِهِ فَإِنَّ الْعِلْمَ أَمَانَةٌ وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيق وَالْإِعَانَة سُئِلَ ﵁ بِمَا صُورَتُهُ مَا حَدُّ جَارِ الْمَسْجِدِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ جِوَارُهُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. كَمَا فِي الْوَصِيَّة وَقَالَ غَيْرُهُ أَخْذًا مِنْ الْأَحَادِيث هُوَ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَيْ: إذَا كَانَ الْمُنَادِي فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ هُنَا لِتَسْمِيَةِ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ جَارًا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرِ نِدَاءٌ حَيْثُ يُؤَذِّنُ كَعَادَتِهِ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِيهِمْ وَالْأَصْوَات هَادِيَةٌ وَالرِّيَاحُ رَاكِدَةٌ وَأَنْ يَكُونَ الْمُصْغِي لِلنِّدَاءِ مُعْتَدِلَ السَّمْعِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ حَرُمَ عَلَى الْإِمَامِ الِانْتِظَارُ هَلْ هُوَ مُشْكِلٌ بِكَرَاهَةِ الِانْتِظَارِ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالِانْتِظَارِ فِي الصَّلَاةِ يَحْصُلُ لِلْمَأْمُومِينَ فِي مُقَابَلَةِ تَضَرُّرِهِمْ بِهِ عِبَادَةٌ بِخِلَافِ الِانْتِظَارِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ فِي مُقَابَلَته شَيْءٌ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ يُسَنُّ انْتِظَارُ الْمَأْمُوم فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّد الْأَخِيرِ هَلْ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُزَادُ عَلَيْهِ الْمَزْحُوم فَيُسَنُّ انْتِظَاره فِي الْقِرَاءَة وَالْمُوَافِق الْبَطِيءُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ انْتِظَاره فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَة وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُلْحَقَ بِالْمَزْحُومِ الْمُوَافِق إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ. ثُمَّ جَرَى هُوَ جَهْلًا عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ فَيُسَنُّ انْتِظَاره فِي الْقِيَامِ أَيْضًا. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا كَالْجَامِعِ عِنْدَنَا بِالشَّحْنِ وَلَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ مُتَوَلِّي وَظِيفَةَ الْإِمَامَة عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ فَهَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَ الْجَمَاعَة فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الْإِمَامُ الْمَذْكُور وَعِبَارَةُ سَيِّدِنَا الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِنْ حَضَرُوا وَالْإِمَامُ لَمْ يَحْضُرْ فَإِنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ قَرِيبٌ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُبْعَثَ إلَيْهِ لِيَحْضُر؛ لِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ افْتِيَاتًا وَإِفْسَادًا لِلْقُلُوبِ. وَإِنْ خُشِيَ فَوَاتُ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ يَنْتَظِرُوا؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ذَهَبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَحَضَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُنْكِرْ» . قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِهِ لِلْمُهَذَّبِ حَدِيثُ قِصَّةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأَصْحَاب إذَا حَضَرَتْ الْجَمَاعَة وَلَمْ يَحْضُرْ إمَامٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ قَامَ وَاحِدٌ وَصَلَّى بِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا بَعَثُوا إلَيْهِ مَنْ يَسْتَعْلِمُ خَبَرَهُ لِيَحْضُر أَوْ يَأْذَنَ لِمَنْ يُصَلِّي بِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِي مَوْضِعِهِ. فَإِنْ عَرَفُوا مِنْ حُسْنِ خُلُقِهِ أَنَّهُ لَا يَتَأَذَّى بِتَقَدُّمِ غَيْرِهِ وَلَا تَحْصُلُ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ وَيُصَلِّي بِهِمْ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَيُحْفَظُ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ وَأَحَبُّهُمْ إلَى الْإِمَامِ فَإِنْ خَافُوا أَذَاهُ أَوْ فِتْنَةً انْتَظَرُوهُ وَإِنْ طَالَ الِانْتِظَارُ وَخَافُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ كُلِّهِ صَلَّوْا جَمَاعَةً هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَاب اهـ. كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِحُرُوفِهِ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِنْ حَضَرَ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ كُرِهَ

стр. 204

لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ فِيهِ الْجَمَاعَة؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ قَصَدَ الْكِيَادَ وَالْإِفْسَادَ فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي السُّوقِ أَوْ مَمَرِّ النَّاسِ لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يَسْتَأْنِفَ فِيهِ الْجَمَاعَة؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرُ الْكِيَادَ وَالْإِفْسَادَ فَإِنْ حَضَرَ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَنْ صَلَّى اُسْتُحِبَّ لِمَنْ حَضَرَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ لِتَحْصُل لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى» مَعَهُ اهـ. لَفْظُ الْمُهَذَّبِ بِحُرُوفِهِ قَالَ فِي شَرْحِهِ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ إنَّ الْمَسْجِدَ الْمَطْرُوق لَا تُكْرَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَة فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ هُوَ مَطْرُوقًا كُرِهَ لِغَيْرِهِ إقَامَةُ الْجَمَاعَة فِيهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ فَوَاتِ مَجِيءِ إمَامِهِ وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ كُرِهَ أَيْضًا جَمَاعَةٌ أُخْرَى فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. إذًا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُور وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا أَوْ غَيْرَ مَطْرُوقٍ وَلَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ لَمْ يُكْرَهْ إقَامَةُ الْجَمَاعَة الثَّانِيَة فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ اهـ لَفْظُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِحُرُوفِهِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَلَوْ حَضَرَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ. فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إمَامُهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُبْعَثَ إلَيْهِ لِيَحْضُر وَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ أَوَّلِ الْوَقْتِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ غَيْرُهُ. قُلْت تَقَدُّمُ غَيْرِهِ مُسْتَحَبٌّ إنْ لَمْ يُخَفْ فِتْنَةٌ فَإِنْ خِيفَ صَلَّوْا فُرَادَى وَيُسْتَحَبّ لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا مَعَهُ إذَا حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ فِي آخِرِ الْبَابِ وَلَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ كُرِهَ لِغَيْرِهِ إقَامَةُ الْجَمَاعَة فِيهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا فَلَا بَأْسَ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي بَابِ الْأَذَانِ اهـ لَفْظُهُ هُنَا بِحُرُوفِهِ وَكَلَامُهُ هُنَا فِي الرَّوْضَةِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَطْرُوقًا لَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَة الْأُولَى فِيهِ. وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ السَّابِقِ يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْجَمَاعَةِ الثَّانِيَة وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَابُ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَة مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إذَا تَأَخَّرَ الْإِمَامُ فِيهِ حَدِيثُ تَقَدُّمِ أَبِي بَكْرٍ وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵄ وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَأَخَّرَ عَنْ الصَّلَاةِ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ إذَا لَمْ يُخَفْ فِتْنَةٌ وَإِنْكَارٌ مِنْ الْإِمَامِ اهـ وَهَذَا يُخَالِفُهُ أَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي الْمَطْرُوق وَفِي شَرْحِ التَّنْبِيه لِلْأَزْرَقِيِّ بَعْدَ قَوْلِ التَّنْبِيه إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ كُرِهَ لِغَيْرِهِ إقَامَةُ الْجَمَاعَة فِيهِ مَا لَفْظُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلْإِمَامِ حَالَيْنِ فَذَكَرَ الْحَالَ الْأَوَّلَ وَالْخِلَافَ فِيهِ ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالْمَطْرُوقِ. ثُمَّ قَالَ الْحَالَةُ الثَّانِيَة إنْ كَانَ الْإِمَامُ لَمْ يَصِلْ وَذَكَرَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمَطْرُوقِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ الْحَالَةَ الْأُولَى وَأَمَّا الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَقَالَ فِيهِ فِي آخِرِ الْبَابِ بَعْدَ قَوْلِ الرَّوْضِ وَيُكْرَهُ أَنْ تُقَامَ جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ بِغَيْرِ إذْنِ إمَامِهِ الرَّاتِبِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ إلَّا إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا فَلَا يُكْرَهُ إقَامَتُهَا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِ الرَّوْضِ وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ وَيُبْعَثُ لَهُ فَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَأُمِنَتْ الْفِتْنَةُ أَمَّ غَيْرُهُ وَإِلَّا صَلَّوْا فُرَادَى قَالَ فِي شَرْحِهِ ثُمَّ مَحَلُّ ذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ مَطْرُوقٍ. وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلُّوا أَوَّلَ الْوَقْتِ جَمَاعَةً كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ اهـ فَأَخَذَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِظَاهِرِ إطْلَاقِ الرَّوْضَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى مُخَالَفَةِ كَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِهَذَا الظَّاهِرِ وَلَا نَظَرَ أَيْضًا إلَى كَلَامِ شَرْحِ مُسْلِمٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّا إذَا اعْتَمَدْنَا هَذَا الظَّاهِرَ كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِكَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمُهَذَّبِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ وَكَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَتَأَمَّلُوا حَفِظَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَهَلْ لِعِبَارَتِهِ هَذِهِ مَحْمَلٌ آخَرُ وَفِي الْمُنْتَقَى لِلنَّشَائِيِّ وَلَوْ حَضَرَ قَوْمٌ بِمَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ فَهُوَ أَوْلَى فَإِنْ غَابَ نُدِبَ طَلَبُهُ إنْ أُمِنَ وَقْتُ الْفَضِيلَة وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ غَيْرُهُ قُلْت بِأَمْنِ الْفِتْنَةِ وَإِلَّا صَلَّوْا فُرَادَى وَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ إقَامَةِ الْجَمَاعَة لَمْ يُكْرَهْ لَهُمْ إقَامَتُهَا. إذَا لَمْ يَكُنْ رَاتِبٌ أَقُولُ وَفِيهِ وَجْهٌ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ فِي الْأَذَانِ يُكْرَهُ قُلْت وَلَا كَرَاهَةَ بِالْمَطْرُوقِ كَيْفَ خُصِّصَ الْمَطْرُوق بِالصُّورَةِ الثَّانِيَة وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ آخِرَ الْبَابِ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعْلِيل بِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ افْتِيَاتًا وَإِفْسَادًا لِلْقُلُوبِ يَشْمَلُ الْمَطْرُوق وَغَيْرَهُ ` فَتَأَمَّلُوا ذَلِكَ حَفِظَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى تَأَمُّلًا شَافِيًا وَأَوْضِحُوا الْجَوَابَ وَاذْكُرُوا النَّقْلَ فِي الْمَسْأَلَة إنْ كَانَ. وَإِنْ كَانَ

стр. 205

لِلْمُتَأَخِّرِينَ كَلَامٌ فِيهَا فَاسْتَوْعِبُوهُ مَأْجُورِينَ لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ بَلْ صَرَّحَتْ بِهِ وَأَقَرَّهَا الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْمَطْرُوق لَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَة فِيهِ قَبْلَ الْإِمَامِ وَلَا بَعْدَهُ بَلْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ الْجَمَاعَة الثَّانِيَة وَجَزَمَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِأَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَة مَعَهُ كَذَلِكَ وَلَّى مُدَّة طَوِيلَة أَتَطْلُبُ لَهُ صَرِيحًا مِنْ كَلَامِهِمْ فَلَمْ أَجِدْهُ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يُسْتَدَلُّ لَهُ بِهِ عُمُومُ إطْلَاقهمْ أَنَّ الْمَطْرُوق يُخَالِفُ غَيْرَهُ لَكِنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ بَحْثٍ وَوَجْهُ عَدَمِ كَرَاهَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْمَطْرُوق. انْتِفَاءُ السَّبَبِ الَّذِي كُرِهَ لِأَجْلِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ يُورِثُ قَدْحًا فِي الْإِمَامِ وَطَعْنًا فِيهِ وَإِنَّمَا يَقْوَى ذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ غَيْرَ مَطْرُوقٍ بِخِلَافِ الْمَطْرُوق فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُ وُرُودُهُمْ عَلَيْهِ فَلَا يُتَخَيَّلُ فِي تَعَدُّدِ الْجَمَاعَاتِ حِينَئِذٍ قَدْحٌ فِي الْإِمَامِ نَعَمْ إنْ أَلِفَ ذَلِكَ إلَّا مِنْ مُتَصَدٍّ لَهُ بِحَيْثُ يُقْطَعُ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ مُضَادَّةَ الْإِمَامِ وَالطَّعْنَ فِيهِ فَلَا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ وَإِنْ تُخُيِّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَيَّدُوا بِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرِ الْمَطْرُوق لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ النَّصِّ. وَاعْتَمَدُوهُ أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ إقَامَةِ الْجَمَاعَة بَعْدَهُ فِي غَيْرِ الْمَطْرُوق مَا إذَا كَانُوا يُعَادُونَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْعَدَاوَةِ وَالِاخْتِلَافِ فَيُفَوِّتُ مَقْصُودَ الْجَمَاعَة وَاعْتَمَدَ صَاحِبُ الْوَافِي أَيْضًا ذَلِكَ فَقَالَ مَحَلُّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَطْرُوق فِي جَمْعِ مَخْصُوصِينَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إفْسَادهمْ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ لِأَعْذَارٍ خَلَّفَتْهُمْ عَنْهُ فَلَا يُكْرَهُ وَكَذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ وَيُشْبِهُ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا أُقِيمَتْ الْجَمَاعَة بَعْدَهُ مُرَاغَمَةً لَهُ أَوْ إظْهَارًا لِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَالْأَصْحَاب مَا يُعَضِّدُهُ اهـ لَكِنْ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلهمْ الْكَرَاهَة بِمَا ذُكِرَ الْكَرَاهَة فِي مَسْأَلَتنَا أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ مَفْرُوضَةً فِي غَيْرِ الْمَطْرُوق وَمَسْأَلَتنَا مَفْرُوضَةٌ فِي الْمَطْرُوق وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَ تَعَارُضَ الْعِلَّةِ وَالْمُعَلَّلِ وَيَأْخُذُونَ بِقَضِيَّةِ الْعِلَّةِ تَارَةً وَالْمُعَلَّلِ أُخْرَى بِحَسَبِ الْمُدْرَكِ وَالْعَمَلُ هُنَا بِقَضِيَّةِ الْعِلَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَهُ مَزِيدُ اعْتِنَاءٍ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى وُقُوعِ الْأُلْفَةِ وَعَدَمِ التَّنَافُر وَإِظْهَارِ الْعَدَاوَة بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا مَا يَتَلَخَّصُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَبَعْدَ ذَلِكَ نَرْجِعُ إلَى مَا فِي السُّؤَالِ فَنَقُولُ قَوْلَ الْمَجْمُوع. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَاب إذَا حَضَرَتْ الْجَمَاعَة وَلَمْ يَحْضُرْ إمَامٌ إلَخْ مَحَلُّهُ فِي الْمَطْرُوق لِمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ وَالتَّقْيِيدِ فِي قَوْلِهِ وَخَافُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ كُلِّهِ. إنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُسَنُّ لَهُمْ التَّجَمُّع وَإِنْ خَافُوا فِتْنَتَهُ كَمَا بَسَطْته فِي بُشْرَى الْكَرِيمِ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْجَمَاعَةِ الثَّانِيَة يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَلْ صَرَّحَ فِيهِ بِمَسْأَلَةِ الْجَمَاعَة الْأُولَى أَيْضًا حَيْثُ قَالَ كَمَا حَكَى فِي السُّؤَال قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ هُوَ مَطْرُوقًا كُرِهَ لِغَيْرِهِ إقَامَةُ الْجَمَاعَة ابْتِدَاءً إلَخْ فَقَيَّدَ كَرَاهَةَ الْجَمَاعَة الْأُولَى قَبْلَ الْإِمَامِ بِغَيْرِ الْمَطْرُوق فَأَفْهَمَ أَنَّ الْمَطْرُوق لَا تُكْرَهُ فِيهِ الْجَمَاعَة الْأُولَى قَبْلَ الْإِمَامِ ثُمَّ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ فِيهِ الْجَمَاعَة الثَّانِيَة أَيْضًا. فَلَا مُخَالَفَةَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُكْرَهْ إقَامَةُ الْجَمَاعَة الثَّانِيَة فِيهِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْأُولَى بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَلَك حَمْلُ قَوْلِهِ الثَّانِيَة عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنَّهَا ثَانِيَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتَشْمَلُ الْمُتَقَدِّمَة عَلَيْهَا وَالْمُتَأَخِّرَة عَنْهَا فَحِينَئِذٍ لَا مُخَالَفَةَ أَيْضًا بَلْ يَكُونُ مُصَرِّحًا بِالْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ. وَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ مُخَالَفَةِ مُسْلِمٍ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمَطْرُوق عَلَى مَا فِيهِ لَا نُسَلِّمُ الْمُخَالَفَةَ فَإِنَّهُ قَيْدٌ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ بِمَا إذَا لَمْ تُخَفْ فِتْنَةٌ وَنَحْنُ نَلْتَزِمُ أَنَّهُ فِي الْمَطْرُوق لَوْ خُشِيَ مِنْ تَقَدُّمِ غَيْرِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ الْقَرِيبَة فِتْنَةٌ كُرِهَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا بَلْ قَدْ يَنْتَهِي الْأَمْرُ إلَى الْحُرْمَةِ بِحَسَبِ تَفَاقُمِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَعَدَمِهِ وَفَرْقٌ بَيْنَ الْفِتْنَةِ الَّتِي هِيَ نَحْوُ الضَّرْبِ وَمُجَرَّدِ تَشَاحُنٍ أَوْ تَقَاطُعٍ وَمَا ذُكِرَ عَنْ الْأَزْرَقِيِّ وَهُوَ كَوْنُهُ لَمْ يُقَيَّدْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُ السَّائِلِ فَأَخَذَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِظَاهِرِ إطْلَاقِ الرَّوْضَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى مُخَالَفَةِ كَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَخْ عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْهُ مِمَّا مَرَّ وَأَنَّ كَلَامَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مُوَافِقٌ لَا مُخَالِفٌ. وَقَوْلُهُ

стр. 206

فَانْظُرْ كَيْفَ خَصَّ الْمَطْرُوق بِالصُّورَةِ الثَّانِيَة إلَخْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عِبَارَتَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَا قَبْلُ قُلْت فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَة بَلْ عِبَارَتُهُ تَقْضِي بِإِطْلَاقِهَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الْمَطْرُوق مُطْلَقًا وَعَلَى التَّنَزُّل فَهُوَ حَاكٍ لِعِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَعِبَارَتُهَا صَرِيحَةٌ فِي الْإِطْلَاق فَلَا نَظَرَ لِعِبَارَتِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعْلِيل أَنَّ فِي تَفْوِيتِ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ إلَخْ قَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ. (سُئِلَ) ﵁ عَنْ مَسْبُوقٍ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ وَشَكَّ فِي رُكُوعِهِ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء هَلْ يَنْوِي فِيهِ الِاقْتِدَاء كَالْمُوَافِقِ أَوْ لَا حَتَّى يَعُودَ إلَى الْقِيَامِ وَإِذَا عَلَّقَ الْمَأْمُوم إبْطَالَ الْمُتَابَعَةِ بِشَيْءٍ هَلْ تَبْطُلُ بِهِ الْمُتَابَعَةُ أَوْ لَا حَتَّى يُوجَدَ الْمُعَلَّق عَلَيْهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَد كَمَا حَرَّرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء صَارَ كَالْمُنْفَرَدِ فَإِنْ تَابَعَهُ بَعْدَ أَنْ انْتَظَرَهُ كَثِيرًا لِذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَفَرَّقْت ثَمَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّكِّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا أَثَّرَ لِكَوْنِهِ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ قِصَرِ الزَّمَنِ لِكَثْرَةِ عُرُوض مِثْلِ ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يُغْتَفَرْ قَلِيلُهُ لَشَقَّ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ. وَإِنْ شَكَّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء هُوَ فِي الْحَقِيقَة فِي صَلَاةٍ فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِ. فَلَا فَرْقَ وَلَا بُدَّ مِنْ مُبْطِلٍ وَهُوَ مَا مَرَّ مِنْ الْمُتَابَعَةِ مَعَ الِانْتِظَارِ الْكَثِيرِ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ بِالشَّكِّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء يَصِيرُ مُنْفَرِدًا فَإِذَا كَانَ مَسْبُوقًا وَعَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي رُكُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُتِمّ الْفَاتِحَة لَزِمَهُ بِمُجَرَّدِ عُرُوضِهِ لَهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ وَإِكْمَالِ الْفَاتِحَة؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَة لَا تَسْقُطُ إلَّا عَنْ مَسْبُوقٍ مُتَحَقِّقٍ نِيَّة الْقُدْوَةِ لِيَتَحَمَّل عَنْهُ الْإِمَامُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَعَ الشَّكِّ فَلَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ بِالشَّكِّ صَارَ مُنْفَرِدًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْعُبَابُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْرِنْ نِيَّةَ الِاقْتِدَاء بِالْإِحْرَامِ صَارَ مُنْفَرِدًا فَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ فَوَاضِحٌ. وَإِنْ تَابَعَهُ بِلَا تَجْدِيدِ نِيَّةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ انْتَظَرَهُ كَثِيرًا عُرْفًا وَإِلَّا فَلَا قُلْت فِي شَرْحِ ذَلِكَ تَقْيِيدًا لَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ نَقْلًا عَنْ الْمُعْتَمَد وَالذَّخَائِرِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُخِلَّ تَرْتِيبَ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَيَقْرَأَ حَالَ قِيَامِهِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ بِحُكْمِ الِانْفِرَادِ فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَتَحَمَّلهُ الْإِمَامُ بَطَلَتْ قَطْعًا اهـ. وَهُوَ وَاضِحٌ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا ذَكَرْته فِي مَسْأَلَتنَا أَنَّ الْمَسْبُوق بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ لِلْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الْفَاتِحَة ثُمَّ بَعْدَ إتْمَامِهَا إنْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ لَزِمَهُ مُوَافَقَته وَإِلَّا اسْتَمَرَّ عَلَى حُكْمِ الِانْفِرَادِ. وَبِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء يَصِيرُ مُنْفَرِدًا يُعْلَمُ أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ نِيَّةَ قَطْعِهَا عَلَى شَيْءٍ يُحْتَمَلُ وُجُودُهُ وَلَوْ نَادِرًا بَطَلَتْ نِيَّةُ اقْتِدَائِهِ وَصَارَ مُنْفَرِدًا لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ التَّعْلِيق يُنَافِي الْجَزْمَ فَهُوَ بَعْدَهُ كَالشَّاكِّ بِجَامِعِ فَوَاتِ الْجَزْمِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ يَصِيرُ مُنْفَرِدًا لِفَوَاتِ الْجَزْمِ الْمُشْتَرَطِ فِي النِّيَّات فَكَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ التَّعْلِيق الْمَذْكُور يَصِيرُ مُنْفَرِدًا لِفَوَاتِ الْجَزْمِ الْمَذْكُور وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَعْلِيقِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ مَا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْته. (وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ جَمَاعَةٍ هَلْ تَتَقَيَّدُ بِمَرَّةٍ كَمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ أَوْ لَا كَمَا فِي التَّعَقُّبَاتِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا مَرَّةً ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً ثَالِثَةً فَاَلَّذِي يَظْهَرُ الِاسْتِحْبَابُ كَالثَّانِيَةِ وَهَكَذَا أَبَدًا اهـ. فَإِنْ قُلْتُمْ تَتَقَيَّدُ بِمَرَّةٍ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ بِالْكَرَاهَةِ أَوْ الْبُطْلَانِ وَالتَّحْرِيمِ وَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيث الَّتِي رَأَيْنَاهَا مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِمَرَّةٍ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَكْرَارٍ وَلَا عَلَى مَرَّةٍ وَالْحُكْمُ الْمُرَتَّب عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِب يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِهِ فَيَتَكَرَّر الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ عِلَّتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا وَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَة وَمَا وَجْهُ التَّقْيِيد بِالْمَرَّةِ وَهَلْ وَرَدَ شَيْءٌ بِالتَّقْيِيدِ. أَوْ بِالْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَة أَوْ لَا أَلَيْسَ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ» كَقَوْلِهِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى التَّكْرَار هُنَا وَالتَّقْيِيدِ ثَمَّ بِالْمَرَّةِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا ﵀ تَعْلِيلًا وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِغْرَاق ذَلِكَ لِلْوَقْتِ اهـ فَلَوْ اسْتَغْرَقَهُ مُتَجَرِّدٌ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ أَدَاءِ جَمِيعِ نَوَافِلِ الْوَقْتِ آدَابِهَا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ وَهَلْ يُمْنَعُ فَاعِلُهُ أَوْ لَا مَعَ أَنَّ

стр. 207

الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَة وَالذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِمَا. وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا بِمَا لَا يَلِيقُ طَلَبًا لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ وَالتَّحْقِيقِ وَلِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فَالْمَسْئُول كَشَفَ ذَلِكَ بِمَا هُوَ الْأَلْيَقُ لِلْمُتَجَرِّدِ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ أَدَاءِ نَوَافِلِ الْوَقْتِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَتِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَإِنَّمَا تُسَنُّ الْإِعَادَة مَرَّةً فَقَطْ فَفِي الْخَادِمِ كَالتَّوَسُّطِ أَنَّ الْإِمَامَ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْإِعَادَة إنَّمَا تُسَنُّ مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَ يَعْنِي الْإِمَام وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِغْرَاق الْوَقْتِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ قَالَ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ يُفْهَمُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁. وَعِبَارَته وَيُصَلِّي الرَّجُلُ قَدْ صَلَّى مَرَّةً مَعَ الْجَمَاعَة كُلَّ صَلَاةٍ فَقَوْلُهُ ﵁ مَرَّةً ظَاهِرٌ فِي الِاحْتِرَاز عَمَّنْ صَلَّى مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَبِهَذَا يُعْلَمُ تَزْيِيفُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ التَّقْيِيد بِمَرَّةٍ لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَمْ يَعْتَمِدْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ سِوَى الْأَذْرَعِيِّ وَالْمُعْتَمَد اسْتِحْبَاب الْإِعَادَة مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّات اهـ. فَقَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ إلَخْ يَرُدُّهُ وُجُودُهُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ وَظُهُورُ النَّصِّ فِيهِ وَقَوْلُهُ لَمْ يَعْتَمِدْهُ إلَخْ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَهُ وَرَدَّهُ وَكَفَى بِاعْتِمَادِ الْأَذْرَعِيِّ لَهُ مَعَ قَوْلِهِ إنَّ قُوَّةَ كَلَامِ الْإِمَامِ يُرْشِدُ إلَيْهِ. عَلَى أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ حَكَى عَنْ الْأَصْحَاب مَا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّقْيِيد بِالْمَرَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ لِلْوَجْهِ الْقَائِلِ بِمَنْعِ الْإِعَادَة لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ دَلِيلًا وَتَعْلِيلًا أَمَّا الدَّلِيلُ فَخَبَرُ أَبِي دَاوُد «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» وَأَمَّا التَّعْلِيل فَهُوَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْإِعَادَة لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَة وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ. وَلَوْ قِيلَ بِالْإِعَادَةِ لَقِيلَ إنَّهُ يُعِيدُهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَرَابِعَةً وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ اهـ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمُلَازَمَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالْأَصَحِّ تَجِدْهَا مَعَ رِعَايَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ غَالِبًا إلَّا فِي مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ صَرِيحَةً فِي امْتِنَاعِ الْإِعَادَة أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَاب الْقَائِلِينَ بِالْأَصَحِّ وَمُقَابِله وَإِلَّا لَمْ تَحْسُنْ الْمُلَازَمَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا حُجَّةٌ. قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَتَصْوِيرُهُمْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا تُسْتَحَبُّ إذَا حَضَرَ فِي الثَّانِيَة مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْأُولَى وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِغْرَاق ذَلِكَ لِلْوَقْتِ وَقَدْ يُقَالُ بِالِاسْتِحْبَابِ إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَئِمَّة اهـ وَقَدْ نُظِرَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقُولَ تُسَنُّ الْإِعَادَة مَرَّةً فَقَطْ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ فَلَا مَعْنَى لِمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِغْرَاق وَإِنْ قَالَ بِالثَّانِي فَالِاسْتِغْرَاقُ لَازِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَعَجِيبٌ مِنْ شَيْخِنَا حَيْثُ اعْتَمَدَ نَدْبَ الْإِعَادَة مَرَّةً فَقَطْ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ عَقِبَ ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ مَحَلَّ سَنِّهَا حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهَا مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا وَإِلَّا فَقَدْ تَحْرُمُ وَقَدْ تُكْرَهُ وَقَدْ تَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَمِنْهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمَنْقُول الْمَنْصُوص عَلَيْهِ أَنَّ الْإِعَادَة لَا تُسَنُّ إلَّا مَرَّةً أَمَّا كَوْنُهُ الْمَنْقُول فَلِأَنَّ الْأَصْحَاب الْمَذْكُورِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرْته وَأَمَّا كَوْنُهُ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ فَلِقَوْلِهِ السَّابِقِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ قَدْ صَلَّى مَرَّةً مَعَ الْجَمَاعَة كُلَّ صَلَاةٍ فَقَوْلُهُ قَدْ صَلَّى مَرَّةً لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ وَإِلَّا كَانَ لَغْوًا. وَالشَّافِعِيُّ مِنْ أَعْلَامِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِلُغَاتِهِمْ فَلَا يَقَعُ مِنْهُ هَذَا التَّقْيِيد وَهُوَ قَوْله مَرَّةً إلَّا لِفَائِدَةٍ هِيَ تَقْيِيدُ نَدْبِ الْإِعَادَة بِالْمَرَّةِ حَتَّى لَوْ صَلَّى مَرَّتَيْنِ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ الثَّالِثَة فَصَحَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ التَّقْيِيد بِالْمَرَّةِ هُوَ الْمَنْقُول عَلَيْهِ وَيُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ أَيْضًا أَنَّ التَّعْلِيل بِاسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ لَا مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا ﵀ خِلَافًا لِمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدّ عَلَيْهِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ مِنْ اسْتِشْكَاله بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ ضَمِيمَةً تُوَضِّحُ الْمُرَادَ. وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ أَيْ: مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ أَحْوَالهمْ الْعَلِيَّة وَهِمَمِهِمْ الزَّكِيَّة وَمُثَابَرَتِهِمْ عَلَى أَنْوَاعِ الْعِبَادَات سِيَّمَا الصَّلَوَات فَلَوْ كَانَتْ الْإِعَادَة أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ مَشْرُوعَةً لَبَادَرُوا إلَيْهَا وَلَفَعَلُوهَا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَنْهَا جُمْلَةً كَانَ فِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا فَحِينَئِذٍ مَعْنَى التَّعْلِيل بِاسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَوْ طُلِبَتْ إعَادَةٌ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ لَطُلِبَ مِنْ الشَّخْصِ اسْتِغْرَاق الْوَقْتِ بِهَا وَهَكَذَا فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّك إذَا فَرَضْته صَلَّى الظُّهْرَ أَوَّلَ وَقْتِهَا سُنَّ لَهُ إعَادَتُهَا إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ

стр. 208

فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ سُنَّ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِهَا ثُمَّ إعَادَتُهَا إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ فَعَلَ كَذَلِكَ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ فَعَلَ كَذَلِكَ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصُّبْحِ فَعَلَ كَذَلِكَ فَلَزِمَ اسْتِغْرَاق جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ وَفَاتَتْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَطْلُوبَاتِهِ وَمُهِمَّاتِهِ وَالْإِعَادَةُ لَيْسَتْ مِنْ السُّنَنِ الْمُتَأَكَّدَةِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي امْتِنَاعِهَا فَلَا يَفُوتُ لِأَجْلِهَا مَطْلُوبَاتٌ أَهَمُّ مِنْهَا وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ الْأَذْرَعِيُّ سَنَّ الْإِعَادَة مَعَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِنَدْبِهَا إلَّا مَرَّةً بِمَا إذَا لَمْ يُعَارِضْهَا مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ تَحْرُمُ وَقَدْ تُكْرَهُ وَقَدْ تَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى اهـ. فَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ الِاسْتِغْرَاقُ إنَّمَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلْمَنْعِ فِي حَقٍّ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ لِلْعِبَادَةِ لَا شُغْلَ لَهُ غَيْرُهَا أَمَّا هُوَ فَمَا وَجْهُ الْمَنْعِ فِيهِ قُلْتُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مِنْ السُّنَنِ الَّتِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَصْلِ جَوَازِهَا فَضْلًا عَنْ تَكْرِيرِهَا فَالْأَوْلَى بِالتَّعَبُّدِ الْمَذْكُورِ الْإِعْرَاض عَنْهَا وَالِاشْتِغَالُ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا حَتَّى مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَهِيَ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ إذْ الِاشْتِغَالُ بِهَا وَاسْتِغْرَاقُ غَيْرِ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَة بِهَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ بَلْ نَدْبِهِ فَكَانَ اللَّائِقُ بِهِ أَنْ يُمْنَعَ مِمَّا فِي جَوَازِهِ الْخِلَافُ الْقَوِيُّ وَيُؤْمَرُ بِالِاشْتِغَالِ بِمَا لَا خِلَافَ فِي فَضْلِهِ وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ وَهُوَ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ وَنَحْوُهَا فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِأَحَدٍ إلَى أَنْ تُبَاحَ لَهُ الْإِعَادَة أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. فَتَأَمَّلْهُ لِيُفْهَمَ مِنْهُ حِكْمَةُ مَنْعِ الْإِعَادَة أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ بِالْكَرَاهَةِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّا حَيْثُ قَيَّدْنَا بِالْمَرَّةِ قُلْنَا إنَّ الزِّيَادَة عَلَيْهَا مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَتَى انْتَفَى الطَّلَبُ عَنْهَا لِذَاتِهَا كَانَتْ فَاسِدَةً فَيَحْرُمُ التَّلَبُّسُ بِهَا عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ التَّلَبُّسَ بِالْعِبَادَةِ الْفَاسِدَة حَرَامٌ بَلْ لَوْ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ كَانَتْ فَاسِدَةً أَيْضًا نَظِيرَ مَا قَالُوهُ فِي الصَّلَاة الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوه أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْكَرَاهَة لِلتَّنْزِيهِ وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ نَحْوَ ذَلِكَ. فَقُلْتُ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِل كَثِيرَةٍ أَبْدَيْتُهَا هُنَا لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يُوَافِقُ مَا أَبْدَيْتُهُ. سَادِسُهَا أَنَّهُ لَوْ أَعَادَ مُنْفَرِدًا لَمْ تَنْعَقِدْ إذْ لَا عُذْرَ لَهُ وَالْأَصْلُ مَنْعُ الْإِعَادَة إلَّا لِسَبَبٍ وَلَمْ يُوجَدْ. وَأَمَّا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْمُزَنِيّ مِنْ إعَادَةِ الَّتِي تَفُوتُهُ مَعَ الْجَمَاعَة خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً فَهُوَ إنْ صَحَّ عَنْهُ اخْتِيَارٌ لَهُ وَهَلْ مِنْ السَّبَبِ وُجُودُ قَوْلٍ بِالْبُطْلَانِ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْإِسْنَوِيَّ قَالَ أَوَّلَ هَذَا الْكِتَابِ وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرَائِضِ عَنْ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا بِسَبَبٍ مَا كَالشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْجَمَاعَة لَا تَجِبُ فِيهَا قَطْعًا. وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَحَبُّ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي سَنِّ الْإِعَادَة وَحْدَهُ إذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى خَلَلٌ وَمِنْهُ جَرَيَانُ خِلَافٍ فِي بُطْلَانِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَاضِي لَوْ تَلَبَّسَ بِحَاضِرَةٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَائِتَةً أَتَمَّهَا ثُمَّ يُصَلِّي الْفَائِتَة ثُمَّ يُعِيدُ الْحَاضِرَةَ اهـ. وَلَا مَلْحَظَ لِإِعَادَةِ الْحَاضِرَةِ حِينَئِذٍ إلَّا الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيب بَلْ صَرَّحَ الْأَصْحَاب بِذَلِكَ حَيْثُ حَمَلُوا أَمْرَهُ ﷺ لِمَنْ رَآهُ يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ بِالْإِعَادَةِ عَلَى النَّدْبِ وَهَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ أَحْمَدَ وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ بَلْ عُمُومُ كَلَامِهِمْ رُبَّمَا يَقْتَضِي سَنَّ الْإِعَادَة وَلَوْ مُنْفَرِدًا لِكُلِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا. وَإِنْ لَمْ يَجْرِ خِلَافٌ فِي الْبُطْلَانِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا اهـ. وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي الْإِعَادَة مِنْ السُّنَّةِ إثْبَاتًا وَمَنْعًا «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ رَأَى فِي آخِرِ الْقَوْمِ رَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمَا فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا أَيْ: جَمْعُ فَرِيصَةٍ وَهِيَ لَحْمَةٌ عِنْدَ الْقَلْبِ تَضْطَرِبُ لِلْخَوْفِ فَقَالَ مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا فَقَالَ إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَاهَا مَعَهُمْ. فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَنَّ مُعَاذًا ﵁ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ صَلَاتِهِ الْعَصْرَ رَجُلٌ إلَى الْمَسْجِدِ مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ فَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَهَذَا الْمُتَصَدِّقُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ كَمَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ

стр. 209

صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً فَلِيُصَلِّ إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ» أُعِلَّ بِالْوَقْفِ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الَّذِي وَصَلَهُ ثِقَةٌ اهـ وَيُجَابُ بِأَنَّ خَبَرَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ السَّابِقِينَ أَصَحُّ فَقُدِّمَا وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَمَا مَرَّ لَكِنْ بِلَفْظِ «أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَلَى الْبَلَاطِ أَيْ: مَحَلٍّ بِالْمَدِينَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَقُلْت أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ قَالَ قَدْ صَلَّيْت إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْعِ أَصْلِ الْإِعَادَة مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمَنْعِ الْإِعَادَة مَعَ الْجَمَاعَة إلَّا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ. وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمُصَرِّحَةِ بِنَدْبِهَا وَكَأَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ ابْنَ عُمَرَ وَمَنْ وَافَقَهُ فَأَخَذُوا بِالْعُمُومِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ «يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ جِئْت وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسْت وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَانْصَرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى يَزِيدَ جَالِسًا فَقَالَ أَلَمْ تُسْلِمْ يَا يَزِيدُ قُلْت بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَسْلَمْتُ قَالَ فَمَا مَنَعَك أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ قَالَ كُنْتُ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي وَأَنَا أَحْسَبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ فَقَالَ إذَا جِئْت إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْت النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإِنْ كُنْت قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَك نَافِلَةً وَهَذِهِ مَكْتُوبَةٌ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ» وَبِهَذَا كَالْأَحَادِيثِ السَّابِقَة يَتَّضِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَهَذِهِ مَكْتُوبَةٌ الْأُولَى لَا الثَّانِيَة خِلَافًا لِمَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْمُعَادَة هِيَ الْفَرْضُ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِعَادَة وَبَيَانِ الْحُجَّةِ فِيهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ مِنْ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ الْإِعَادَة؛ لِأَنَّهُ رَتَّبَهَا عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِب فَلْتَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِهِ وَقِيَاسًا عَلَى خَبَرِ إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ. وَعَلَى الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَجَوَابُهُ مَنْعُ مَا عَلَّلَ بِهِ وَمَنْعُ قِيَاسِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَحَلَّ تَكَرُّرِ الْمُسَبَّب بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ التَّكَرُّرِ مَانِعٌ وَهُنَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ الْإِعَادَة عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا سَبَبٌ يَتَكَرَّرُ كَمَا سَيَتَّضِحُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ الْإِعَادَة هُوَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ قَالُوا بِامْتِنَاعِهَا عَمَلًا بِذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُوَافِقِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْضًا امْتِنَاعُ الْإِعَادَة مَعَ الِانْفِرَادِ كَمَا مَرَّ وَامْتِنَاعُهَا لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ عَلَى وَجْهٍ قَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِعَادَة عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَأَنَّ الْأَصْلَ امْتِنَاعُهَا لَكِنْ لَمَّا وَرَدَ بِهَا النَّصُّ فِيمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً اسْتَنْبَطَ الْأَئِمَّةُ لِذَلِكَ سَبَبًا فَقَالُوا وَإِنَّمَا سُنَّتْ الْإِعَادَة فِيمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَة فِي فَرِيضَةِ الْوَقْتِ حَتَّى كَأَنَّهَا فُعِلَتْ كَذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَفِيمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لِاحْتِمَالِ اشْتِمَالِ الثَّانِيَة عَلَى فَضِيلَةٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الْأُولَى وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَكْمَلُ فِي الظَّاهِرِ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ دَالًّا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي الْأَوَّلِ هُوَ تَحْصِيلُ الْجَمَاعَة فِي فَرْضِهِ وَفِي الثَّانِي هُوَ رَجَاءُ مَا ذُكِرَ وَهَذَا غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ.؛ لِأَنَّهُ بِإِعَادَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حَصَلَتْ لَهُ الْجَمَاعَة فِي فَرْضِهِ وَالرَّجَاءُ الْمَذْكُورُ فَإِذَا أَعَادَهَا مَرَّةً أُخْرَى كَانَتْ هَذِهِ الْإِعَادَة وَاقِعَةً بِلَا سَبَبٍ؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْجَمَاعَة فِي فَرْضِهِ وَالرَّجَاءَ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَتَكَرَّرَانِ وَقَدْ مَرَّ لَنَا أَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ الْإِعَادَة إلَّا لِسَبَبٍ وَلَا سَبَبَ هُنَا لِلْإِعَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فَامْتَنَعَتْ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ السَّابِقَةَ مُطْلِقَةٌ لِلْإِعَادَةِ وَمُرَتِّبَة لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ الْأُولَى مَعَ الِانْفِرَادِ أَوْ الْجَمَاعَة وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ يَسْتَنْبِطُ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ أَوْ يُعَمِّمُهُ وَلَا يَسْتَنْبِطُ مِنْهُ نَصًّا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ. فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ تَشْمَلُ تَكَرُّرَ الْإِعَادَة بِطَرِيقِ الْعُمُومِ لِكَوْنِهَا وَقَائِعَ قَوْلِيَّةً لَكَانَتْ تِلْكَ الْعِلَلُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مُوجِبَةً لِتَخْصِيصِهَا بِالْمَرَّةِ الْأُولَى كَمَا بَيَّنْته قَرِيبًا بِقَوْلِي فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ إلَخْ فَاتَّضَحَ وَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَة وَوَجْهُ التَّقْيِيد بِالْمَرَّةِ وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي مَنْعَ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ وَالْآيَةِ الْمَذْكُورَيْنِ فَلِأَنَّ الْأَدِلَّة فِي تِينِكَ قَامَتْ عَلَى التَّكَرُّرِ صَرِيحًا وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ بِخِلَافِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ الْإِذْعَانُ لِمَا قَالَهُ بِذِكْرِ مِثْلِهِ وَهَذَا لَا يَتَقَيَّدُ بِأَوَّلَ

стр. 210

وَلَا بِغَيْرِهِ فَسُنَّ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الْآيَةُ فَالْأَمْرُ فِيهَا مُعَلَّقٌ بِسَبَبٍ هُوَ الْجَنَابَةُ فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ إجْمَاعًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ لَا يَقْتَضِي فَوْرًا وَلَا تَكْرَارًا لَكِنَّهُ إذَا عُلِّقَ بِسَبَبٍ فَتَارَةً يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ كَسَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ وَالْجَنَابَةِ فَيَتَكَرَّرُ الْمُسَبِّب وَهُوَ الْإِجَابَةُ وَالتَّطَهُّرُ لِشَهَادَةِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ لِلتَّكَرُّرِ وَتَارَةً يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَكَرُّرِ السَّبَبِ بِمُقْتَضَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا تَكَرُّرَ فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ أَخْبَارِ الْإِعَادَة وَأَخْبَارِ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَنَحْوِهَا وَانْدَفَعَ مَا رَتَّبَ السَّائِلُ إشْكَالَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ تَكَرَّرَ فِي أَخْبَارِ الْإِعَادَة فَاقْتَصَرْنَا بِهَا عَلَى الْأَمْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فَقَطْ وَلَمْ نُجَوِّزْهَا فِي غَيْرِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ الَّذِي أَقَمْنَا عَلَيْهِ الدَّلَائِل السَّابِقَةِ فَلْيَتَأَمَّلْ السَّائِلُ وَفَّقَهُ اللَّهُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْجَوَابُ حَقَّ التَّأَمُّلِ فَإِنَّهُ يَتَّضِحُ لَهُ الصَّوَابُ وَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ وَرْطَةِ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّنْ سَجَدَ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ لِتِلَاوَةِ إمَامِهِ مَعَهُ فَلَمَّا عَادَ مِنْ السُّجُودِ اسْتَأْنَفَ الْفَاتِحَةَ مِنْ أَوَّلِهَا إمَّا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُوَسْوَسًا فَرَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْفَاتِحَةَ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ. وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَعَمَّنْ انْتَظَرَ سَكْتَةَ الْإِمَامِ لِيَقْرَأ فِيهَا الْفَاتِحَةَ فَرَكَعَ الْإِمَامُ عَقِبَ فَاتِحَتِهِ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ وَلَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا. وَقَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ كَالنَّاسِي خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ فِي سُقُوطِ الْفَاتِحَةِ اهـ. هَلْ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَالنَّاسِي أَوْ لَا كَالْمُشْتَغِلِ بِسُنَّةٍ حَتَّى يَقْرَأَ قَدْرَ السَّكْتَةِ وَيُعْذَر؛ لِأَنَّ هَذِهِ السَّكْتَةَ سُنَّةٌ وَمَا مُرَادُ الزَّرْكَشِيّ بِسُقُوطِ الْفَاتِحَةِ أَهُوَ إذَا كَانَ مَسْبُوقًا أَوْ لَا وَمَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَلَى أَيِّ الْعَمَلِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ أَدْرَكَ مِنْ قِيَامِ الْإِمَامِ قَبْلَ رُكُوعِهِ سَوَاءٌ مَا قَبْلَ السُّجُودِ وَمَا بَعْدَهُ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ بِالنِّسْبَةِ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي وَأَطَلْتُ الِاسْتِدْلَالَ لَهُ وَلِتَزْيِيفِ غَيْرِهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ مُوَافِقٌ فَيَتَخَلَّف وُجُوبًا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَإِلَّا لَغَتْ رَكْعَتُهُ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ مَا لَمْ يَقُمْ الْإِمَامُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَة وَيَجْلِسُ إنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ أَوْ يَتِمُّ انْتِصَابُهُ قَائِمًا إنْ أَرَادَ الْقِيَامَ فَمَتَى وَصَلَ لِذَلِكَ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْفَاتِحَةَ تَابَعَهُ وُجُوبًا وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ. وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ كُلَّهَا. كَمَا ذُكِرَ فَهُوَ مَسْبُوقٌ فَمَتَى فَاتَهُ إدْرَاكُ الرُّكُوعِ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَمَتَى تَخَلَّفَ بَعْدَ قِيَامِ إمَامِهِ مِنْ الرُّكُوعِ لِإِتْمَامِ فَاتِحَتِهِ إلَى أَنْ هَوَى إمَامُهُ لِلسُّجُودِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا كُلُّهُ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَأَمَّا الْمُوَسْوِسُ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَعَادَ الْفَاتِحَةَ لِمُوجِبٍ بِأَنْ شَكَّ فِي بَعْضِهَا فَكَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُتَخَلِّفٌ لِوَاجِبٍ إذْ الشَّكُّ فِي بَعْضِهَا قَبْلَ فَرَاغِهَا يُوجِبُ إعَادَةَ مَا مَضَى مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ يُكَرِّرُ أَلْفَاظَهَا أَوْ يُعِيدُهَا لِغَيْرِ مُوجِبٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّأَخُّرُ إلَّا لِتَمَامِ رُكْنَيْنِ الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ فَإِنْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ. قَبْلَ هُوِيِّهِ لِلسُّجُودِ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا رَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَلَحِقَهُ وَأَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ الْهُوِيَّ لِلسُّجُودِ وَهُوَ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَزِمَتْهُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِي حَقِّهِ وَاجِبَانِ إتْمَامُ الْفَاتِحَةِ وَمُتَابَعَة الْإِمَامِ وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَزِمَهُ السَّعْيُ فِي تَصْحِيحِ صَلَاتِهِ وَهُوَ هُنَا لَا يُمْكِنُهُ إلَّا نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ فَلَزِمَتْهُ وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرَأَ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَ فَإِنْ فَرَغَ مِنْهُ قَبْلَ فَوَاتِ الرُّكُوعِ رَكَعَ وَأَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِلَّا كَمَّلَ إلَى أَنْ يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ الْمُفَارَقَةُ أَيْضًا لِمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِهِمْ. وَاطْرُدْهُ فِيمَا يُشَابِهُهُ كَالْمُشْتَغِلِ بِنَحْوِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذِ وَالْأَوْجَهُ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ. وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْبَحِيُّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُنْتَظِرَ سَكْتَةَ الْإِمَامِ لِيَقْرَأ فِيهَا الْفَاتِحَةَ فَرَكَعَ إمَامُهُ عَقِبَهَا أَنَّهُ كَالنَّاسِي بِجَامِعِ عُذْرِهِمَا فَيَكُونُ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَة حَتَّى يَتَخَلَّفَ لِقِرَاءَتِهَا مَا لَمْ يُتِمَّ انْتِصَابَهُ أَوْ جُلُوسَهُ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ بِسُقُوطِهَا عَنْهُ بَعِيدٌ إذْ غَايَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ مَعْذُورٌ بِفِعْلِ السُّنَّةِ وَقَدْ صَرَّحُوا فِي الْمَعْذُور وَالْمُدْرِكِ لِزَمَنٍ يَسَعُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَنَّهُ يَتَخَلَّفُ لِقَرَاءَتِهَا مَا لَمْ يَقُمْ الْإِمَامُ أَوْ يَجْلِسْ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَعْذُور كَالْمُوَسْوِسِ السَّابِقِ وَكَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا

стр. 211

حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فَيَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا كَمَا يُصَرِّحُ بِالْأَوَّلِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَكَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَاضِي وَأَقَرُّوهُ أَنَّهُ يُفَارِقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْ: إنْ خُشِيَ التَّخَلُّف عَنْهُ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ فَحِينَئِذٍ الْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِقِرَاءَتِهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ بِهِمَا فَحِينَئِذٍ تَلْزَمُهُ مُفَارَقَته بِالنِّيَّةِ كَمَا مَرَّ هَذَا حَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا قَالَهُ السَّائِلُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا كَالْمُشْتَغِلِ بِسُنَّةٍ إلَخْ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَافِقِ فَحَيْثُ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَقْرَأْ لَزِمَهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ كُلِّهَا فَإِنْ فَرَغَ مِنْهَا قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ أَوْ جُلُوسِهِ وَإِلَّا وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ. وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ الْمُنْتَظِرُ السَّكْتَةَ مَسْبُوقًا تَخَلَّفَ لِقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا أَدْرَكَ فَإِنْ فَرَغَ مِنْهُ وَأَدْرَكَ الرُّكُوعَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ حَتَّى يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ فَحِينَئِذٍ يُفَارِقُهُ كَمَا مَرَّ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِي إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِي الْمُوَافِقِ بِدَلِيلِ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَة أَنَّ الزَّرْكَشِيّ يَقُولُ بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمُوَافِقِ وَإِذَا قَالَ بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمُوَافِقِ فَالْمَسْبُوقُ أَوْلَى. (وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مُدَافَعَةِ الْحَدَثِ إذَا خِيفَ مَعَهَا فَوَاتُ الصَّلَاةِ الْمَسْنُونَةِ كَالرَّوَاتِبِ أَوْ فَوْتُ الْجَمَاعَة مَا الَّذِي يُقَدِّمُهُ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا رَجَا قَضَاءَهَا أَوْ لَا. وَبَيْنَ مَوْضِعٍ يَقِلُّ فِيهِ الْمَاءُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ مَتَى خَافَ مِنْ الْمُدَافَعَةِ ضَرَرًا شَدِيدًا فَهِيَ عُذْرٌ فِي إخْرَاجِ النَّافِلَةِ بَلْ وَالْفَرِيضَةُ عَنْ وَقْتِهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِهَا إلَّا مَا يَسَعُهَا وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ لَكِنَّهُ خَشِيَ مِنْ حَبْسِ نَحْوِ رِيحٍ دَافَعَهُ ضَرَرًا قُدِّمَ تَفْرِيغُ نَفْسِهِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ خَشْيَةً مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا فَالْأَوْلَى لَهُ تَفْرِيغُ نَفْسِهِ وَإِنْ خَشِيَ فَوْتَ الْجَمَاعَة خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ مَعَ مُدَافَعَةِ الْحَدَثِ وَإِذَا قُدِّمَ تَفْرِيغُ النَّفْسِ عَلَى الْجَمَاعَة مَعَ كَوْنِهَا فَرْضًا فَأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى النَّافِلَةِ وَإِنْ خَشِيَ خُرُوجَ وَقْتِهَا سَوَاءٌ أَرَجَا قَضَاءَهَا أَمْ لَا سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَوْضِعٍ يَقِلُّ فِيهِ الْمَاءُ أَمْ لَا. (وَسُئِلَ أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ بِمَا صُورَتُهُ. نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاء أَنَّ الْأَجْذَمَ وَالْأَبْرَصَ يُمْنَعَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَمِنْ الْجُمُعَةِ وَمِنْ اخْتِلَاطِهِمَا بِالنَّاسِ فَهَلْ الْمَنْعُ مِمَّا ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَهَلْ يَكُونُ مَا ذُكِرَ عُذْرًا لَهُمَا مُسْقِطًا عَنْهُمَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِاحْتِيَاجِهِمَا إلَى الْمَسْجِدِ وَالِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ أَمْ لَا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِعَدَمِ تَكَرُّرِهِمَا دُونَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ حَجُّ التَّطَوُّعِ كَالْفَرْضِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء يَنْبَغِي إذَا عُرِفَ أَحَدٌ بِالْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ أَنَّهُ يُجْتَنَبُ لِيُحْتَرَز مِنْهُ وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ مَنْعُهُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَيَأْمُرُهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ وَيَرْزُقُهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا. فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ ﵁ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ مِنْ الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافٌ اهـ. وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ فِي نَحْوِ الْمَجْذُومِ خَشْيَةَ ضَرَرِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمَنْعُ وَاجِبًا فِيهِ وَفِي الْعَائِنِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِالْأَوْلَى حَيْثُ أَوْجَبُوا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ عَلَى الْمُحْتَسِبِ الْأَمْرَ بِنَحْوِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَمَنْع الْخَوَنَةِ مِنْ مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِح الْعَامَّة وَأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْمَنْع عَلَى الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ فَلَا مَنْعَ مِنْ دُخُولِ مَسْجِدٍ وَحُضُورِ جُمُعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ لَا اخْتِلَاطَ فِيهِ بِهِمْ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ عَدَمُ عَدِّ ذَلِكَ عُذْرًا فِي نَدْبٍ أَوْ وُجُوبِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ كِفَايَةً لِإِمْكَانِ فِعْلِهِمَا مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ وَبِفَرْضِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا مَعَ ذَلِكَ يُجَابُ بِأَنَّ وُجُوبَ النُّسُكِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّ ذَلِكَ عُذْرًا فِيهَا فَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا اعْتَمَدْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ خَبَثَ الرِّيحِ عُذْرٌ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعُوا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَقْبَرَةٍ فَمَرُّوا بِآيَةِ سَجْدَةٍ وَفِيهِمْ كَثِيرٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بَلْ مِنْ أَهْلِهِ. فَلَمْ يَسْجُدُوا ظَنًّا أَنَّ كَرَاهَةَ نَحْوِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ رَفَعَتْ عَنْهُمْ الْخِطَابَ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَهَلْ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاء أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَنَحْوِهَا مَا لَمْ يُخَفْ خُرُوجُ الْوَقْتِ،

стр. 212

وَإِلَّا وَجَبَتْ فِيهَا إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً وَسُنَّتْ إنْ كَانَتْ سُنَّةً وَحِينَئِذٍ فَالْمُجْتَمِعُونَ عَلَى الْقِرَاءَة إنْ كَانَ فِي عَزْمِهِمْ عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَوْرًا سُنَّ لَهُمْ السُّجُودُ وَيَكُونُ خَوْفُ خُرُوجِ وَقْتِ السُّجُودِ بِطُولِ الْفَصْلِ رَافِعًا لِكَرَاهَتِهِ فِي الْمَقْبَرَةِ كَمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي عَزْمِهِمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا فَوْرًا سُنَّ لَهُمْ تَأْخِيرُ السُّجُودِ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا وَكُرِهَ لَهُمْ فِيهَا إذْ لَا عُذْرَ حِينَئِذٍ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ حَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» صَحِيحٌ أَوْ ضَعِيفٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ النَّفْيِ فِي خَبَرِ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ هَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِمَعْنَى نَفْيِ الْكَمَالِ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَصِحُّ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ أَيْ: لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ حِينَئِذٍ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ أَوْ لَا تُصَلُّوا إلَّا الْمَكْتُوبَةَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَبْعَدَ بَلْ وَهِمَ وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ صَلَاةَ غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مُنْعَقِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَة تَنْزِيهِيَّةٌ لَا لِذَاتِ الصَّلَاةِ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا وَهُوَ تَفْوِيتُ فَضِيلَةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَام وَغَيْرِهَا مَعَ الْإِمَامِ. فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ النَّفْيُ لِلْكَمَالِ تُؤْخَذُ الْكَرَاهَة الَّتِي ذَكَرُوهَا مِنْ أَيْنَ قُلْت تُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِنَفْيِ الْكَمَالِ إلَّا ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ النَّاهِي لِمَنْ أَرَادُوا بَيْعَ دُورِهِمْ لِبُعْدِهَا عَنْ الْمَسْجِدِ مَعَ تَرْغِيبِهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةٌ وَحَدِيثِ الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا هَلْ يُعَارِضَانِ حَدِيثَ أَحْمَدَ فَضْلُ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى الدَّارِ الشَّاسِعَةِ كَفَضْلِ الْغَازِي عَلَى الْقَاعِدِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُعَارِضَانِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مَفْرُوضٌ فِي حَالَةٍ تَخُصُّهُ فَالْأَوَّلَانِ فِيمَا إذَا اُحْتِيجَ لِلْبُعْدِ لِحِرَاسَةِ الْبَلَدِ. أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَالْأَخِيرُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي سُكْنَى الْبَعِيدِ حَاجَةٌ وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمَّا وَرَدَتْ فِي تَفْضِيلِ مَيَامِنِ الصُّفُوفِ رَغِبَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَعَطَّلُوا مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ قَدْ تَعَطَّلَتْ فَقَالَ مَنْ عَمَّرَ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ كُتِبَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ الْأَجْرِ فَأَعْطَى أَهْلَ الْمَيْسَرَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ضِعْفَ مَا لِأَهْلِ الْمَيْمَنَةِ مِنْ الْأَجْرِ وَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ. وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لَمَّا تَعَطَّلَتْ تِلْكَ الْجِهَةُ فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ الْأَصْلُ تَفْضِيلُ الْقَرِيبَة مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى الْبَعِيدَةِ مِنْهُ فَلَمَّا ثَبَتَ لَهَا هَذَا الْفَضْلُ رَغِبَ كُلٌّ مِنْ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. حَتَّى «أَرَادَ بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يُعَرُّوا ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ وَيَقْرُبُوا مِنْ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَ ﷺ ذَلِكَ وَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ الْفَضْلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] فَقَالَ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ الْآيَةُ يَا بَنِي سَلَمَةَ دِيَارُكُمْ تَكْتُبُ آثَارَكُمْ» وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ تَأْيِيدُ مَا كُنْتُ دَائِمًا أَبْحَثُهُ وَأُقْرِرْهُ أَنَّ مَحَلَّ أَفْضَلِيَّةِ أَيْمَنِ الصُّفُوفِ مَا إذَا جَاءَ الْمَأْمُومُ وَرَأَى الصُّفُوفَ قَدْ صُفَّتْ أَوْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى الْمُسَابَقَةِ لِذَلِكَ خُلُوُّ مَيَاسِرِ الصُّفُوفِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَفْضُولًا لِئَلَّا يَرْغَبَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنْهُ وَيُقَاسُ بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا. أَنَّ صُفُوفَ الْجِنَازَةِ الثَّلَاثَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ مُتَسَاوِيَة فِي الْفَضْلِ لِئَلَّا يَرْغَبَ النَّاسُ عَنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ فَيَفُوتَ عَلَى الْمَيِّتِ فَضِيلَةُ جَعْلِ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ وَلِمَا اسْتَدْرَكْتُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ مَا ذَكَرَهُ فِيمَنْ جَاءَ أَوَّلًا. أَمَّا مَنْ جَاءَ وَقَدْ صُفَّتْ الثَّلَاثَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَحَرَّى أَوَّلُهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ السَّابِقَةِ آنِفًا. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ يَكُونُ إمَامًا لَا مَأْمُومًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ أَعْمَى أَصَمُّ لَيْسَ بِإِزَائِهِ أَحَدٌ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِغَيْرِهِ وَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْغَيْرِ بِهِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ قَالَ التَّاجُ فِي أَلْغَازِهِ وَقَائِلٍ لَا قِصَاصَ فِي الشُّعُورِ بَلَى ... إنَّ الْقِصَاصَ لَفِي شَعْرٍ وَفِي ظُفْرٍ ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوَّلُ فِي نَحْوِ الْجَائِفَةِ وَغَيْرِ الْمُوضِحَةِ وَالثَّانِي الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ قَصَّ الشَّعْرَ يَقُصُّهُ وَفِي الْحَدِيثِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ» وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح مُنْتَهَى شَعْرِ الرَّأْسِ حَيْثُ يُؤْخَذُ بِالْمِقَصِّ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّا إذَا لَحِقَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ ثُمَّ خَرَجَ إمَامُهُ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ لِمُلَاقَاةِ نَجَاسَةٍ لَهُ.

стр. 213

مَثَلًا حِينَئِذٍ هَلْ يَكُونُ الْمُقْتَدِي بِهِ الْمَذْكُورُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ لَا لِعَدَمِ حُسْبَانِ رُكُوعِهِ وَهَلْ يُقَالُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ رُكُوعُهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ وَهَلْ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَاقَى النَّجَاسَةَ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ أَوْ آخِرِهَا سَوَاءٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَكُونُ الْمُقْتَدِي مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ حَيْثُ طَرَأَ لِإِمَامِهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ كَحَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا أَمْ آخِرِهَا فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي إدْرَاكِ الْمَأْمُومِ الرَّكْعَةَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رُكُوعًا مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ. ثُمَّ قُلْت وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَدَثَهُ بَعْدَ أَنْ لَحِقَهُ الْمَأْمُومُ فِي الرُّكُوعِ وَاطْمَأَنَّ كَذَلِكَ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ: وَهُوَ كَوْنُهُ أَدْرَكَ رُكُوعًا مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ وَقْتَ إدْرَاكِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَاضِيَ الْحُسَيْنَ صَرَّحَ بِمَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَاكِعًا فَاقْتَدَى بِهِ ثُمَّ فَارَقَهُ عِنْدَ قِيَامِهِ حُسِبَتْ لَهُ الرَّكْعَةُ اهـ قَالَ غَيْرُهُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّحَمُّل بَقَاؤُهُ مَأْمُومًا بِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التَّحَمُّل قَدْ وُجِدَ وَهُوَ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الرُّكُوعِ كَمَا لَوْ بَطَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صَلَاةُ الْإِمَامِ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته اهـ. كَلَامُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَذَكَرَ فِيهِ إثْرَ ذَلِكَ كَلَامًا لِابْنِ الْعِمَادِ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا فِي ذَلِكَ وَبَيَّنْتُ مَا فِيهِ بِكَلَامٍ مَبْسُوطٍ أَعْرَضْت عَنْهُ هُنَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا إذَا قَامَ إمَامُهُ لِخَامِسَةٍ هَلْ الْأَوْلَى انْتِظَاره أَوْ فِرَاقُهُ وَفِيمَا إذَا كَانَ مَسْبُوقًا هَلْ هُوَ كَغَيْرِهِ أَوْ لَا حَتَّى تَجُوزَ مُفَارَقَته؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْلَى انْتِظَاره وَسَوَاءٌ الْمَسْبُوقُ وَغَيْرُهُ وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ لَوْ قَامَ الْإِمَامُ لِزِيَادَةٍ كَخَامِسَةٍ سَهْوًا لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَته وَإِنْ كَانَ شَاكًّا فِي فِعْلِ رَكْعَةٍ أَوْ مَسْبُوقًا عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّهُ فَإِنْ تَابَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَلَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ عَلِمَ الْحَالَ أَوْ ظَنَّهُ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُوَافِقًا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ يَقِينًا أَوْ غَيْرَ مُوَافِقٍ فَهِيَ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ لِلْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ مُتَابَعَته فِي فِعْلِ السَّهْوِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَالْإِسْنَوِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمَجْمُوع فِي الْجَنَائِزِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ انْتِظَاره بَلْ يُسَلِّمُ فَإِنَّهُ فِي انْتِظَاره مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَته فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مُخْطِئًا فِيهِ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُ مَا قَالَاهُ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ فَفِي الْمَجْمُوع نَفْسِهِ لَوْ سَجَدَ إمَامُهُ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا لص جَازَ لَهُ مُفَارَقَته وَانْتِظَاره كَمَا لَوْ قَامَ إمَامُهُ إلَى خَامِسَةٍ وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ عَلِمَ الْمَسْبُوقُ بِقِيَامِ إمَامِهِ لِخَامِسَةٍ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ وَصَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ كَابْنِ الْعِمَادِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَرَكَ فَرْضًا جَازَ لِلْمَأْمُومِ انْتِظَاره حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمُنْتَظِمِ وَيُتَابِعهُ فِيهِ فَإِنَّ الْقُدْوَةَ إنَّمَا تَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِفِعْلِ السَّهْوِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ مُفَارَقَته اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ قَوْلِهِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ فِي انْتِظَاره مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَته إلَخْ وَإِنَّمَا حَرَّمُوا عَلَيْهِ الْمُتَابَعَةَ هُنَا وَأَوْجَبُوهَا عَلَيْهِ فِيمَا إذَا سَجَدَ إمَامُهُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَبَبَهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ لِخَامِسَةٍ لَمْ يُعْهَدْ بِخِلَافِ سُجُودِهِ لِلسَّهْوِ فَإِنَّهُ مَعْهُودٌ لِسَهْوِ إمَامِهِ وَأَمَّا مُتَابَعَتُهُمْ لَهُ ﷺ فِي قِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَهُوَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتَحَقَّقُوا زِيَادَتَهَا؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ كَانَ زَمَنَ الْوَحْيِ وَإِمْكَانِ الزِّيَادَة وَالنَّقْصِ وَلِهَذَا قَالُوا فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَخَرَجَ بِتَقْيِيدِي الْمَسْبُوقَ بِمَا مَرَّ مَا لَوْ جَهِلَ ذَلِكَ فَتَابَعَهُ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ تُحْسَبُ لَهُ لَكِنْ إنْ قَرَأَ فِيهَا الْفَاتِحَةَ كَمَا فِي الْمَجْمُوع؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَحَمَّلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مُصَلٍّ وَقْتَ تَرَائِي الْهِلَالِ هَلْ يَنْظُرُ إلَى مَحَلِّ سُجُودِهِ فِي صَلَاتِهِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِهِمْ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ أَوْ إلَى مَطْلَعِ الْهِلَالِ؛ لِأَنَّ تَرَائِيه فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْقِيَاسُ عَلَى رُؤْيَةِ الْمُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ إلَيْهَا عِنْدَ مَنْ اخْتَارَهُ قِيَاسُ أَوْلَى إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا؛ لِأَنَّ نَظَرَهَا سُنَّةٌ وَالتَّرَائِي فَرْضُ كِفَايَةٍ حَتَّى لَوْ قِيلَ بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ نَظَرِ الْمُصَلِّي مَحَلَّ السُّجُودِ وَلَوْ عِنْدَهَا لَمْ يَكُنْ يُعِيدُ الْفَرِيضَة التَّرَائِي أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ تَرَائِي الْهِلَالِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ تَفْرِقَةٌ لَيْسَتْ فِي نَظَرِ الْكَعْبَةِ وَيَزِيدُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوا حَالَةَ التَّرَائِي.

стр. 214

فِي عُمُومِ قَوْلِهِمْ يَنْظُرُ إلَى مَحَلِّ السُّجُودِ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لَا تَعْزُبُ عَنْهُمْ وَهُوَ الَّذِي يَتَبَادَرُ إلَى رَأْيِ الْفَقِيهِ بَلْ الْمُتَفَقِّهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: النَّظَرُ لِلسَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ إلَّا لِحَاجَةٍ فَإِنْ فُرِضَ احْتِيَاجُهُ لِتَرَائِيِ الْهِلَالِ لِانْحِصَارِهِ فِيهِ مَثَلًا لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ انْحِصَاره فِيهِ فَلَمْ تَعُمّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَلَوْ تَرَكَ هَذَا الْمُسْتَحَبَّ هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا لَوْ سَاوَاهُ فِي الْمَوْقِفِ وَحِينَئِذٍ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة كَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا أَمْ لَا تَفُوتُ كَمَا قَالَ بِهِ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ صَفَّ صَفًّا ثَانِيًا قَبْلَ إكْمَالِ الْأَوَّلِ هَلْ يَكُونُ كَذَلِكَ مَكْرُوهًا تَفُوتُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كُلُّ مَا ذُكِرَ مَكْرُوهٌ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَة فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوع السُّنَّةُ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَمَنْ خَلْفَهُ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ تَقْرِيبًا كَمَا بَيْنَ كُلِّ صَفَّيْنِ أَمَّا النِّسَاءُ فَيُسَنُّ لَهُمْ التَّخَلُّف كَثِيرًا وَفِي الْمَجْمُوع اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَاب الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَيَمِينِ الْإِمَامِ وَسَدِّ فُرَجِ الصُّفُوفِ وَإِتْمَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ مَا يَلِيه وَهَكَذَا وَلَا يُشْرَعُ فِي صَفٍّ حَتَّى يَتِمّ مَا قَبْلَهُ. وَفِي شَرْحِي لِلْعُبَابِ كُلُّ مَا قِيلَ بِنَدْبِهِ فِي هَذَا الْبَابِ تُكْرَهُ مُخَالَفَته كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمَجْمُوع فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْمَوْقِفِ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا كُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ وَمُخَالَفَتُهُ مَكْرُوهَةٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْكَامٍ أُخَرَ لِلْمَوْقِفِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَوَاقِف الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنْ خَالَفَهَا كُرِهَ اهـ. وَمِنْ هُنَا قَالَ السُّبْكِيّ تَكَرَّرَ مِنْ النَّوَوِيِّ إطْلَاقُ الْكَرَاهَة عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي جَمِيعِ مَا اُسْتُحِبَّ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَابْنِ الْعِمَادِ وَسَبَقَهُمَا الْأَحْنَفُ عَصْرِيٍّ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسَاوَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة كَمَا لَوْ قَارَنَهُ فِي الْأَفْعَال اهـ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُسَاوَاةِ بِذَلِكَ بَلْ سَائِرُ الْمَكْرُوهَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ كَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي مَبْسُوطًا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَكْرُوهًا مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَة يَمْنَعُ فَضْلَهَا انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَنَّ الْمُقَارَنَةَ أَوْ التَّقَدُّم الْغَيْرَ الْمُبْطِلِ مَكْرُوهٌ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَة وَاعْتَرَضَهُ كَثِيرُونَ بِمَا رَدَّهُ آخَرُونَ مِنْهُمْ أَبُو زُرْعَةَ. قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا فَاتَتْ الْجَمَاعَة بَلْ فَاتَ فَضْلُهَا فَهِيَ جَمَاعَةٌ صَحِيحَةٌ لَكِنْ لَا ثَوَابَ فِيهَا. وَفَائِدَةُ صِحَّتِهَا مَعَ انْتِفَاءِ الثَّوَابِ فِيهَا سُقُوطُ الْإِثْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهَا عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً وَالْكَرَاهَةُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا لِقِيَامِ الشِّعَارِ الظَّاهِرِ وَمِنْهُمْ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ لِأَنَّ الصِّحَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الثَّوَابَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حُصُولِهَا مَعَ انْتِفَاءِ فَضْلِهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَلَّى جَمَاعَةً فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَكَوْنِ الْمُدْرِكِ لَهَا فِي التَّشَهُّد فِي جَمَاعَةٍ قَطْعًا وَمَعَ ذَلِكَ قِيلَ لَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُهَا وَالْبَغَوِيُّ إنَّمَا نَفَى فَضْلَهَا وَلَمْ يَقُلْ بَطَلَتْ فَدَلَّ عَلَى بَقَائِهَا حَتَّى يَتَحَمَّلَ عَنْهُ السَّهْوَ وَغَيْرَهُ قَالَ وَالْعَجَبُ مِنْ أُولَئِكَ الْمَشَايِخ أَيْ: الْمُعْتَرِضِينَ كَيْفَ غَفَلُوا عَنْ هَذَا وَتَتَابَعُوا عَلَى هَذَا الْفَسَادِ. وَأَنَّ فَوَاتَ الْفَضِيلَة يَسْتَلْزِمُ الْخُرُوجَ عَنْ الْمُتَابَعَةِ مَعَ وُضُوحِ عَدَمِ التَّلَازُم بَيْنَهُمَا وَجَزْمُ الْبَارِزِيِّ بِحُصُولِ ثَوَابِهَا أَعْجَبُ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوه لَا ثَوَابَ فِيهِ وَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ حُصُولُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ الْآتِيَةَ تُفَوِّتُ الْفَضِيلَة وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي مُسَاوَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَوْقِفِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ. وَالضَّابِطُ أَنَّهُ حَيْثُ فَعَلَ مَكْرُوهًا مَعَ الْجَمَاعَة أَيْ: بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ حَالَةَ الِانْفِرَادِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَأْمُور بِالْمُوَافَقَةِ وَالْمُتَابَعَةِ فَاتَهُ فَضْلُهَا إذْ الْمَكْرُوه لَا ثَوَابَ فِيهِ اهـ. الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ مُلَخَّصًا وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَنْ كَانَ مَسْبُوقًا. وَسَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ السَّجْدَةَ الْأُولَى وَلَمْ يَسْجُدْ الثَّانِيَة حَتَّى قَامَ الْإِمَامُ هَلْ يَسْجُدُهَا أَوْ يَقُومُ مُوَافِقًا لِلْإِمَامِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ الْمَأْمُوم سَجَدَ الثَّانِيَة. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْمَأْمُوم إذَا أَطَالَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقَامَ فَرَكَعَ الْإِمَامُ هَلْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَة وَيُعْذَرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ أَوْ يُتَابِعُهُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ أَوْ يُفَارِقُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا

стр. 215

فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ لِعُذْرِهِ بِالتَّخَلُّفِ فَقَالَ إنَّهُ كَمَنْ سَهَا فِي السُّجُودِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَإِنَّهُ يَقُومُ وَيَرْكَعُ وَتَسْقُطُ الْفَاتِحَة عَنْهُ قَالَ فَكَذَا هَذَا لَمَّا نُدِبَ لَهُ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد كَانَ مَعْذُورًا فَإِذَا أَكْمَلَهُ وَقَامَ فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا رَكَعَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَة وَإِلَّا قَرَأَ بِقَدْرِ مَا لَحِقَ وَرَكَعَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْبَقِيَّة كَالْمَسْبُوقِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُنْدَبُ لَهُ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِهِ ثُمَّ يَقُومُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَة فَإِنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ فَذَاكَ وَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِيهَا كَمَّلَهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ وَيُغْتَفَرُ لَهُ التَّخَلُّف بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِإِدْرَاكِهِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَة كُلَّهَا مَعَ الْإِمَامِ بِالْقُوَّةِ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ تَخَلُّفُهُ لِإِتْمَامِ التَّشَهُّدِ وَهُوَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ بِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لَهُ، وَفَارَقَ الْمَسْبُوقَ إذَا تَخَلَّفَ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ لِكَوْنِهِ اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ وَهَذَانِ الِاثْنَانِ بَعِيدَانِ وَأَوَّلُهُمَا أَغْرَبُ وَأَبْعَدُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ السَّاهِيَ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ الْمُتَخَلِّفِ لِإِتْمَامِ التَّشَهُّد فَإِنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ نَوْعُ تَقْصِيرٍ فَلَمْ يَصِحّ لَهُ ذَلِكَ الْقِيَاسُ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ مِنْ نَدْبِ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد إنَّمَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ إنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ يُطِيلُ حَتَّى يُكْمِلَ وَيَلْحَقَهُ وَيُدْرِكَ كُلَّ الْفَاتِحَة قَبْلَ رُكُوعِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الْجَائِي بَعْدَ إحْرَامِ الْإِمَامِ. فَقَالُوا وَلَا يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوق بِسُنَّةٍ بَعْدَ التَّحَرُّم إلَّا إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُدْرِكُ الْفَاتِحَة قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِبُّوا لَهُ الْإِتْيَانَ بِالِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذ إلَّا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور مَعَ أَنَّهُ فِي مَحَلِّهِمَا هُوَ وَالْإِمَامُ فَمَنْ فِي التَّشَهُّد يَكُونُ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ بِقِيَامِ الْإِمَامِ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى تَقْصِيرِهِ بِإِكْمَالِ التَّشَهُّد مُطْلَقًا. وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْمَسْبُوق يَشْتَغِلُ بِمَا ذُكِرَ بِشَرْطِهِ وَالْفَرْقُ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ فَوَاتِ مَحَلِّ التَّشَهُّد هُنَا بِقِيَامِ الْإِمَامِ عَنْهُ بِخِلَافِهِ فِي الْمَسْبُوق وَبِهَذَا يَتَّضِحُ تَقْصِيرُ هَذَا الْمُتَخَلِّفِ لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد وَأَمَّا ادِّعَاءُ أَنَّ هَذَا مُوَافِقٌ. وَالْمُوَافِقُ وَإِنْ قَصَّرَ يَتَخَلَّفُ لِإِكْمَالِ الْفَاتِحَة مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَر مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ فَمَمْنُوعٌ كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَسْبُوق هُوَ مَنْ يُدْرِكُ مِنْ قِيَامِ الْإِمَامِ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَة وَالْمُتَخَلِّفُ لِلتَّشَهُّدِ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَهُوَ مَسْبُوقٌ لَا مُوَافِقٌ وَإِذَا كَانَ مَسْبُوقًا تَعَيَّنَ إلْحَاقُهُ بِالْمَسْبُوقِ إذَا اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَإِذَا اتَّضَحَ أَنَّهُ كَالْمَسْبُوقِ تَعَيَّنَ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ مَا قَالُوهُ فِيمَا إذَا اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ فَرَكَعَ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَلَّفَ وَقَرَأَ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْفَاتِحَة وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يُعْذَرُ بِالتَّخَلُّفِ بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ كَالْمُوَافِقِ لِعُذْرِهِ. بِوُجُوبِ التَّخَلُّف عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعْذَرُ إلَّا بِرُكْنَيْنِ فِيهِ خِلَافٌ وَعَلَى كُلٍّ كَثِيرُونَ وَعَلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ جَمْعٍ مُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنْ فَرَغَ مِمَّا لَزِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ وَقَدْ آنَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَهْوِيَ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي حَقِّهِ وَاجِبَانِ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بِأَكْثَر مِنْ رُكْنَيْنِ وَالتَّخَلُّفُ لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ وَلَا مُخَلِّصَ لَهُ عَنْ هَذَيْنِ الْوَاجِبَيْنِ إلَّا بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ فَيَلْزَمُهُ وَحِينَئِذٍ فَيُكْمِلُ الْفَاتِحَة وَيَمْشِي عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُنْسَبُ كُلٌّ مِنْ الْمُشْتَغِلِ بِإِكْمَالِ التَّشَهُّد وَبِالِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذ إلَى تَقْصِيرٍ مَعَ نَدْبِ تَخَلُّفِهِ وَاشْتِغَاله بِذَلِكَ وَوُجُوبِ تَخَلُّفِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ قُلْت النَّدْبُ لَهُ لَا يُنَافِي نِسْبَةً إلَى تَقْصِيرٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نُدِبَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَة أَيْ: فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْفَاتِحَة بَانَ أَنْ لَا تَقْصِيرَ وَإِلَّا بَانَ أَنَّ ثَمَّ تَقْصِيرًا أَوْجَبَ لَهُ احْتِيَاطًا فَهُوَ تَقْصِيرٌ عَادَ عَلَى عِبَادَتِهِ بِالِاحْتِيَاطِ لَا بِالتَّسَاهُلِ أَوْ الْإِبْطَال وَحِينَئِذٍ فَذَلِكَ التَّقْصِير مُنَاسِبٌ لِلنَّدْبِ لَا أَنَّهُ مُنَافٍ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّا وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَى الْمَسْبُوق الْمَذْكُور التَّخَلُّف لِقِرَاءَةِ كُلِّ الْفَاتِحَة هُوَ مُقَصِّرٌ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْإِيجَابَ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي نِسْبَتَهُ لِلتَّقْصِيرِ وَزَعْمُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَفَرُّدِ الْمُتَوَلِّي مَمْنُوعٌ بَلْ لَوْ سَلِمَ كَانَ كَافِيًا فِي الْحُجَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ بِالْأَوْلَى مِنْ أَنَّ وُجُوبَ التَّخَلُّف لِنَقْصِ الْفَاتِحَة لَا يَمْنَعُ مِنْ نِسْبَةِ تَقْصِيرٍ إلَيْهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْمُشْتَغِلَ
следующие страницы →