Полный текст (1 335 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الْمُؤَيَّدِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى وُجُوبِ التَّعْمِيمِ إلَّا إنْ نَظَرُوا لِمَا أَبْدَاهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا مِنْ أَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ لَكِنْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَدَمُ احْتِيَاجِ تَبْيِينِ الْقَرِينَةِ إلَخْ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ وَهِيَ عَدَمُ دَلَالَتِهَا عَلَى إرَادَةِ الْكُلِّ وَالرُّبْعِ وَظُهُورُهَا فِي إرَادَةِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ فَهِيَ الْمُتَيَقَّنَةُ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَمْ يُوجِبْهُ فَأَيُّ قَرِينَةٍ يُطْلَبُ بَيَانُهَا مَعَ ذِكْرِنَا هَذَا هُنَا مُخْتَصَرًا وَفِيمَا مَرَّ مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ مِمَّا لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هُوَ كَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ فَهْمِك لَهُ وَإِحَاطَتِك بِهِ وَرُبَّمَا أُشِيرَ إلَيْهِ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْآيَةِ أَنَّ قِسْمًا يَحْلِقُ وَقِسْمًا يُقَصِّرُ فَأَيُّ دَلِيلٍ فِي الْآيَةِ مِنْ حَيْثُ لَفْظِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْحَلْقَ الْأَفْضَلَ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ بَعْدَ إرَادَتِهِ لَهُ وَعَزْمِهِ عَلَيْهِ إلَى التَّقْصِيرِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّ جَوَازَ التَّقْصِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ بِالْحَلْقِ لِمَنْ أَرَادَهُ لِأَنَّهُ يَحْتَاطُ فِي الْفَاضِلِ مَا لَا يَحْتَاطُ فِي الْمَفْضُولِ وَلِأَنَّ الْحَلْقَ يُشْبِهُ الْعَزِيمَةَ وَالتَّقْصِيرَ يُشْبِهُ الرُّخْصَةَ وَقِيَاسُ تِلْكَ عَلَى هَذِهِ مَمْنُوعٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْ إيضَاحَ رَدِّ جَوَابِ الْبَعْضِ الَّذِي ذَكَرْته مُنْتَصِرًا لَهُ بِمَا لَا يَنْصُرُهُ وَقَوْلُهُ فَفِيهِ أَنَّ الْمَنْعَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى النَّاقِلِ يُقَالُ عَلَيْهِ بَلْ إذَا أَسْنَدَ حُكْمًا إلَى كُتُبِ قَوْمٍ وَلَيْسَ فِيهَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ أَوْ التَّسَاهُلِ فِي النَّقْلِ وَمَذْهَبُنَا لَمْ يَجْرِ فِيهِ قَوْلٌ بِأَنَّ الْبَابَيْنِ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ وَقَوْلُهُ إذْ الْإِشْكَالُ بَاقٍ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِأَنَّا وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْآيَةِ لَا إشْكَالَ فِيهَا بِوَجْهٍ بَعْدَ مَا قَرَّرْنَاهُ بِدَلَائِلِهِ السَّابِقَةِ مِنْ أَنَّ فِيهَا إضْمَارًا وَأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ وَأَنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثٌ فَظَاهِرُهَا لَا يُنَافِي مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَإِنَّمَا يُنَافِي مَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالرُّبْعِ فَإِشْكَالُكُمْ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْنَا بَلْ عَلَيْكُمْ لَكِنْ لَا مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا بَلْ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهِيَ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالرُّبْعِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ لِأَنَّ الشَّعْرَ الْمُضْمَرَ يَشْمَلُ الثَّلَاثَ وَأَكْثَرَ فَقَصْرُهُ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ الثَّلَاثِ وَقَصْرُ الْأَكْثَرِ مِنْهَا عَلَى الرُّبْعِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ.
وَالْقِيَاسُ عَلَى الْجِنَايَةِ فِي الْحَجِّ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالرُّبْعِ فِي الْأَصْلِ مُنَازَعٌ فِيهِ أَيْضًا إذْ لَمْ يَذْكُرُوا دَلِيلَهُ فِيمَا عَلِمْت فَكَيْفَ يَتَأَتَّى الْقِيَاسُ عَلَى أَصْلٍ مُنَازَعٍ فِيهِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ الْمُعْتَرِضُ وَالْمُسْتَدِلُّ وَلَا ظَهَرَ دَلِيلُهُ وَقَوْلُهُ إنَّ تَجْوِيزَ النَّقْلِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْآيَةِ لَا مَعْنَى لَهُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَغَفْلَةٍ عَنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَوْ عَنْ فَهْمِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا مِنْ تَعَارُضِ التَّخْصِيصِ وَالِاشْتِرَاكِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْ مَا وَطِئُوهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ فَيَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ مَزْنِيَّةُ أَبِيهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْ مَا عَقَدُوا عَلَيْهِ فَلَا يَحْرُمُ قَالُوا وَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ الِاشْتِرَاكُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ حَتَّى إنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ لِغَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيَّ أَيْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ نَحْو حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَاشْتِرَاطُ الْوَطْءِ فِي هَذِهِ عُلِمَ مِنْ السُّنَّةِ وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ التَّخْصِيصُ حَيْثُ قَالَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَبُوهُ فَاسِدًا كَالصَّحِيحِ وَقِيلَ لَا فَانْظُرْ إلَى إلْزَامِ الْأَوَّلِ بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ أَنَّهُ قَائِلُ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ لَكِنْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْعَقْدِ صَارَ كَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ فَأُلْزِمَ بِالِاشْتِرَاكِ لِذَلِكَ.
وَمِنْ تَعَارُضِ الْإِضْمَارِ وَالِاشْتِرَاكِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا وَقِيلَ الْقَرْيَةُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَهْلِ كَالْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ تَعَارُضِ الْمَجَازِ وَالنَّقْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أَيْ الْعِبَادَةَ الْمَخْصُوصَةَ فَقِيلَ هِيَ مَجَازٌ فِيهَا عَنْ الدُّعَاءِ بِخَيْرٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ وَقِيلَ نُقِلَ شَرْعًا إلَيْهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْهُ مُؤَيِّدًا لِمَا ذَكَرْته مِنْ احْتِمَالِ الِاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي احْتِمَالِهِمَا تَحَقُّقُهُمَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ إذَا احْتَمَلَ لَفْظٌ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي بَعْضٍ أَنْ يَكُونَ فِي آخَرَ حَقِيقَةً وَمَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً وَمَنْقُولًا فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْ الْمَنْقُولِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ الْمُؤَدِّي إلَى الِاشْتِرَاكِ فَالْأَوَّلُ كَالنِّكَاحِ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ وَقِيلَ الْعَكْسُ وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَهُوَ حَقِيقَةٌ
стр. 387
فِي أَحَدِهِمَا مُحَصِّلٌ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي الْآخَرِ.
وَالثَّانِي كَالزَّكَاةِ حَقِيقَةٌ فِي النَّمَاءِ أَيْ الزِّيَادَةِ مُحْتَمَلٌ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَالِ لَأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أَيْضًا أَيْ لُغَوِيَّةً وَمَنْقُولًا شَرْعًا فَكَذَلِكَ نَقُولُ الرَّأْسُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَشَرَةِ مُحْتَمَلٌ فِي الشَّعْرِ لَأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أَيْضًا أَيْ لُغَوِيَّةً أَوْ مَنْقُولًا شَرْعِيًّا فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَرْيَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ يَظْهَرُ لَك مَا زَعَمَهُ هَذَا الْمُسْتَشْكِلُ سِيَّمَا قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّقْلَ وَضْعٌ ثَانٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الرَّأْسُ مَوْضُوعٌ لِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي زَعَمَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ مِنْ أَنَّ ادِّعَاءَ النَّقْلِ أَوْ الِاشْتِرَاكِ يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ وَضْعِهِمْ لِذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي حَقِيقَةً أَوْ مَنْقُولًا وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا كَمَا عَلِمْته وَقَوْلُهُ هَذَا حَالُ أُصُولِ مُقَدِّمَاتِهِ وَفُرُوعِهَا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ بَانَ أَنَّ كُلَّ مُقَدِّمَةٍ مِنْهَا وَأَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا مَبْنِيٌّ إمَّا عَلَى عَدَمِ الْإِحَاطَةِ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَوْ عَلَى الْوَهْمِ فِي فَهْمِهِ وَإِمَّا عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى كَمَا بَانَ ذَلِكَ وَاتَّضَحَ.
وَقَوْلُهُ فَالْحَقُّ وَالْإِنْصَافُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا زَعَمَهُ وَقَدْ بَانَ وَاتَّضَحَ بُطْلَانُ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ مَعًا فِيمَا سَبَقَ وَفِي هَذَا الثَّانِي أَيْضًا وَأَمَّا قَوْلُهُ وَجْهُ إرَادَةِ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبْعُ إلَخْ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِطَائِلٍ يَنْفَعُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَالْمَسْحُ عَلَى النَّاصِيَةِ لَا يَشْهَدُ لَهُ سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ عَلَى مُؤَكِّدَةً لِلِاسْتِيعَابِ أَوْ زَائِدَةً لِأَنَّ النَّاصِيَةَ لُغَةً وَشَرْعًا مَا بَيْنَ النَّزْعَتَيْنِ وَهُوَ دُونَ نِصْفِ الرُّبْعِ بِكَثِيرٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى الِاحْتِيَاطُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَقَوْلُهُ وَفِعْلُ الْمَسْحِ إذَا عَلِقَ بِالْمَحَلِّ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا مُنَازَعَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا الْمُنَازَعَةُ فِي أَنَّ اسْتِيعَابَ النَّاصِيَةِ يَقْتَضِي التَّحْدِيدَ بِالرُّبْعِ وَهِيَ دُونَ نِصْفِهِ بِكَثِيرٍ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِكَلَامِ الْحُكَمَاءِ فَغَيْرُ نَافِعٍ لَهُ بَلْ هُوَ اخْتِرَاعُ طَرِيقَةٍ لَمْ تُؤْلَفْ قَبْلَهُ وَالْحَامِلُ عَلَيْهِ حُبُّ التَّكَثُّرِ وَالتَّشَيُّعِ وَقَدْ قَالَ ﷺ «الْمُتَشَيِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» وَعَجِيبٌ ظَنُّهُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِكَلَامِ الْحُكَمَاءِ يَنْفَعُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَغَفْلَتُهُ عَنْ أَنَّهُمْ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ سِيَّمَا فِي الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ تُرِكَ ذِكْرُ مَا قَالُوهُ لَكَانَ أَوْلَى بِهَذَا وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلِلَّهِ تَعَالَى أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ عَلَى أَنْ أَبْقَى فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُؤْذِنَةِ حَوَادِثُهَا بِتَغَيُّرِ الْعَالَمِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْدِيَةٍ لِلْفَضْلِ لَمْ تَزَلْ بِالْعُلَمَاءِ عَامِرَةٌ وَرِيَاضُ التَّحْقِيقِ يَانِعَةٌ أَشْجَارُهَا مُثْمِرَةٌ أَجِلَّاءٌ يَتَحَادَثُونَ أَزِمَّةَ الْأَدِلَّةِ وَيَتَجَاوَزُونَ فِي الْبَحْثِ الْأَقْيِسَةِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ مَعَ إبْدَاءِ كُلِّ مَا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ كَدَرٍ بَيْنَهُمْ وَإِنْ سَلَّ كُلٌّ مِنْهُمْ حَدَّهُ لِمَا أَنَّهَا سُيُوفٌ لَا تُسَلّ إلَّا فِي الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا بِحَسَبِ مَا رَأَى كُلٌّ مِنْهُمْ وَاسْتَظْهَرَ وَهِيَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مُؤْتَلِفَةٌ جَحَدَ ذَلِكَ مَنْ جَحَدَهُ وَعَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ أَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْجَوَادَ أَنْ يَمْنَحَنَا رِضَاهُ فِي دَارَيْ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْحَجِّ عَلَيْهِ فَحَجَّ عَنْهُ آخَرُ مُتَطَوِّعًا وَلَمْ يَنْوِ بِحَجِّهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بَلْ نَوَى بِهِ التَّنَفُّلَ عَنْ الْمَيِّتِ ظَنًّا مِنْهُ جَوَازَ ذَلِكَ فَهَلْ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ؟
(فَأَجَابَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِوُقُوعِ الْحَجِّ لِلْمُبَاشِرِ دُونَ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالُ بِوُقُوعِهِ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُوصِهِ بِهِ بَاطِلَةٌ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا وَيَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ نِيَّتِهِ عَنْ الْغَيْرِ وُقُوعُ الْحَجِّ لِنَفْسِهِ فَإِنْ قُلْت الْقِيَاسُ وُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ مَنْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ النَّفَلَ وَعَلَيْهِ فَرْضٌ تَبْطُلُ نِيَّتُهُ وَيَقَعُ حَجُّهُ عَنْ الْفَرْضِ قُلْت هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا وَلَهُ وَجْهٌ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ مُمْكِنٌ بَلْ ظَاهِرٌ فَإِنَّ بُطْلَانَ النِّيَّةِ حَيْثُ وُجِدَ وَالْإِنْسَانُ حَاجٌّ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ صَرْفُ الْحَجِّ حِينَئِذٍ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ الْغَيْرَ وَكَانَ الْقِيَاسُ مَعَ بُطْلَانِ النِّيَّةِ أَنْ لَا يَقَعَ الْحَجُّ عَنْ أَحَدٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ فَرْقٌ وَاضِحٌ هُوَ مَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ التَّعَلُّقِ وَاللُّزُومِ جَعَلُوهُ وَاقِعًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مُسَارَعَةً لِبَرَاءَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ فَسَادُ النِّيَّةِ مُوجِبًا لِإِلْغَائِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ مُلْغِيًا لِخُصُوصِ النَّفْلِ فَحَسْبُ.
وَيَلْزَمُ مِنْ إلْغَاءِ ذَلِكَ وَحْدَهُ الْوُقُوعُ عَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَمَّا الْحَجُّ عَنْ الْغَيْرِ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَإِذَا فَسَدَتْ
стр. 388
النِّيَّةُ فِيهِ لَزِمَ وُقُوعُهُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ عَنْ الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْمُتَعَرِّضَةَ لَهُ قَدْ فَسَدَتْ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ لَهُ شَيْءٌ بِدُونِ نِيَّةٍ وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَجِيرَ لِلْحَجِّ مَثَلًا لَوْ نَوَاهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ انْصَرَفَا جَمِيعًا لِلْأَجِيرِ وَلَمْ يَقَعْ لِلْمُسْتَأْجِرِ مِنْهُمَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ الْحَجَّ لِلْعُمْرَةِ صَارَ نَاوِيًا مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ وَحَيْثُ نَوَى مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ انْقَلَبَ لِلْأَجِيرِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى أَجِيرٌ الْحَجَّ قِرَانًا فَقَطْ لِلْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ وَلِنَفْسِهِ أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لِمُسْتَأْجِرِهِ وَلِنَفْسِهِ فَيَقَعُ لِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا يَقَعُ لِلْمُسْتَأْجِرِ شَيْءٌ لِأَنَّ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ لَهُ وَالنُّسُكَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ فَلَزِمَ الْوُقُوعُ لِلْأَجِيرِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي مَا ذَكَرْته فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قَوْلُهُمْ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَعْضُوبٌ لِنَذْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَنَوَى الْأَجِيرُ النَّذْرَ وَقَعَ لِفَرْضِ الْإِسْلَامِ قُلْت أَجِيرُ الْمَعْضُوبِ نَائِبٌ عَنْهُ فَنَزَلَ مَنْزِلَتَهُ وَأَمَّا الْمُبَاشِرُ فِي صُورَةِ السُّؤْلِ فَلَيْسَ نَائِبًا عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَطَوِّعٌ عَنْهُ وَقَدْ نَوَى مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ هُنَا بِوَجْهٍ فَإِنْ حَجَّ النَّفَلَ عَنْ الْمَيِّتِ الَّذِي عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَكَذَا لَا يَصِحُّ عَمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إلَّا إنْ أَوْصَى بِهِ فَلَمَّا تَعَذَّرَ وُقُوعُ الْمَنْوِيِّ هُنَا عَنْ الْمَيِّتِ لَزِمَ وُقُوعُهُ لِلْمُتَطَوِّعِ وَلَمَّا لَمْ يَتَعَذَّرْ وُقُوعُ النَّذْرِ عَنْ الْمَعْضُوبِ مَعَ كَوْنِ الْحَاجِّ نَائِبُهُ وَقَعَ عَمَّا عَلَى الْمَعْضُوبِ وَهُوَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَأَيْضًا فَالنَّذْرُ مِنْ جِنْسِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ مَانِعَةً لِوُقُوعِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَأْجَرَهُ لِلنَّذْرِ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلْوَاجِبِ الَّذِي عَلَيْهِ الصَّادِقِ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالنُّذُورُ وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ مُقَدَّمَةٌ فَلَغَتْ نِيَّةَ النَّذْرِ وَوَقَعَ مَا أَتَى بِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَحَجَّةُ التَّطَوُّعِ فَمُتَبَايِنَتَانِ فَإِذَا نَوَى النَّفَلَ بَطَلَ وَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُخَلِّفَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لِتَعَذُّرِ وُقُوعِهِ لِلْمَيِّتِ فَوَقَعَ لِلْمُبَاشَرِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْحَجَّ شَدِيدُ التَّشَبُّثِ وَاللُّزُومِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَفْسُدْ بِفَسَادِ نِيَّتِهِ مَعَ تَطَلُّعِ الشَّارِعِ إلَى إسْقَاطِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْغَيْرِ مَا أَمْكَنَ فَمِنْ ثَمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ خُصُوصِ نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ بُطْلَانَ عُمُومِ النِّيَّةِ عَنْ الْغَيْرِ فَلَزِمَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْوُقُوعُ عَنْ الْغَيْرِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ أَبَاحَ التَّبَرُّعَ بِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِذْنِ وَالْقَرَابَةِ إلْحَاقًا لَهُ بِالدُّيُونِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ فِي أَنَّ الْخَطَأَ فِي طَرِيقِ أَدَاءِ الدُّيُونِ لَا يَمْنَعُ إبْرَاءَهَا لِذِمَّةِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْخَطَأُ هُنَا.
وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِيمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَجٍّ فَقَرَنَ وَنَحْوِهِ بِأَنَّ الْمُلْغَى هُنَا نِيَّةُ النُّسُكِ فَقَطْ دُونَ ذَاتِهِ وَهُنَاكَ جُزْؤُهُ لِأَنَّا إذَا أَوْقَعْنَاهُ عَنْ الْغَيْرِ يَلْزَمنَا إمَّا إبْطَالُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ الَّتِي ضَمَّهَا إلَى الْحَجِّ مِنْ أَصْلِهَا وَهَذَا مُتَعَذَّرٌ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالنُّسُكِ فِي الْوَقْتِ الْقَابِلِ لَهُ لَا يَقْبَلُ الْإِلْغَاءَ وَأَمَّا وُقُوعُهَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ تَبَرُّعًا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا فَلَزِمَ وُقُوعُهُمَا لِلْمُبَاشِرِ وَأُلْغِيَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ حِينَئِذٍ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِمَّا قَرَّرَتْهُ وَأَمَّا هُنَا فَلَا يَلْزَمُ عَلَى إلْغَاءِ خُصُوصِ النَّفْلِيَّةِ وَصِحَّةُ عُمُومِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إلَّا إبْطَالُ صِفَةٍ لِلنُّسُكِ دُونَ أَصْلِهِ وَهَذَا لَا مَحْذُورَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَكَّلَ فَقِيهًا بِإِجَارَةِ النُّسُكَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ بَاشَرَهُمَا هَلْ يَكْفِي عِلْمُهُ لَهُمَا بِالْمُطَالَعَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْوَكِيلِ مَعَ عَدَمِ كَوْنِهِ طَرِيقًا لِلْمُطَالَبَةِ بِالْأُجْرَةِ وَإِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُوَكَّلِ أَعْمَالُ النُّسُكَيْنِ أَعْنِي الْوَاجِبَاتِ وَشَيْئًا مِنْ السُّنَنِ لِيَعْقِدَ لِنَفْسِهِ فَعَقَدَ مَا الْحُكْمُ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْبَحْثُ عَمَّنْ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ وَلَمْ يَحُجَّ عَنْهُ وَإِلْزَامُ وَرَثَتِهِ بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْ كَانَ وَهُوَ غَائِبٌ هَلْ الْقَاضِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ وَهَلْ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ تَقْلِيلِ الْأُجْرَةِ مَا أَمْكَنَ وَإِذَا بَادَرَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ فَأَجَّرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ كَانَ حَائِزًا وَلَمْ يُرَاجِعْ الْقَاضِي مَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الشَّرْطُ عِلْمُ الْمُبَاشِرِ لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ بِأَعْمَالِهَا فَيَكْفِي عِلْمُ الْوَكِيلِ بِذَلِكَ وَإِنْ جَهِلَهُ الْمُوَكَّلُ وَطَرِيقُ خَلَاصِ الْوَكِيلِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِالْأُجْرَةِ أَنْ يَعْقِدَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي يَدِ مُوَكِّلِهِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ إذَا بَانَتْ مُسْتَحِقَّةٌ لَا يَكُونُ الْوَكِيلُ طَرِيقًا فِي ضَمَانِهَا وَإِذَا بَيَّنَ لِلْمُوَكَّلِ أَعْمَالَ النُّسُكِ وَاجِبَاتِهِ وَمَسْنُونَاتِهِ وَتَصَوَّرَهَا ثُمَّ عَقَدَ وَهُوَ مُتَصَوِّرٌ لَهَا جَازَ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي بَحْثٌ عَمَّا ذُكِرَ وَلَا إلْزَامٌ بِهِ فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَوْ امْتَنَعَ
стр. 389
الْمَعْضُوبُ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ الْإِذْنِ لِلْمُطِيعِ لَمْ يَقُمْ الْقَاضِي مَقَامَهُ فِي الْإِذْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَإِنْ وَجَبَ الِاسْتِئْجَارُ وَالِاسْتِنَابَةُ فَوْرًا وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ عُضِبَ مُطْلَقًا فِي الِاسْتِنَابَةِ وَبَعْدَ يَسَارِهِ فِي الِاسْتِئْجَارِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي وَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْغَيْرِ فِيهِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ يَلْزَمُهُ بِالْإِنَابَةِ فَنَظَرَ فِيهِ بَلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِهِ وَالْمُدْرَكُ فِي الِاسْتِنَابَةِ وَالِاسْتِئْجَارُ وَاحِدٌ اهـ نَعَمْ قَدْ يُجَابُ عَنْ الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ مَعْنَى لُزُومِهِ بِهَا أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِهَا مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ لَا مِنْ بَابِ إلْزَامِهِ بِذَلِكَ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهِ حَتَّى يُبَاعَ فِيهِ مَالُهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْبَيَانِ فَإِنْ اسْتَأْذَنَ الْمُطِيعُ الْمُطَاعَ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ وَانْدَفَعَ أَيْضًا بِمَا قَرَّرْته قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَا يَظْهَرُ فَرْقِ بَيْنَ إلْزَامِهِ وَأَمْرِهِ وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ إلْزَامَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَجَّ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغَيْرِ فَلَمْ يَتَأَتَّ إلْزَامُهُ بِهِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ فِيهَا حَقْلٌ لِلْغَيْرِ فَتَأَتَّى إلْزَامُهُ بِهَا.
وَأَمَّا أَمْرُهُ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْأَمْرُ بِهِ مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَكَانَ الْحَجُّ قَابِلًا لِأَمْرِهِ لَا لِإِلْزَامِهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَلِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى الْإِحْجَاجَ عَنْ مَيِّتٍ بِلَا وَارِثٍ بَلْ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ خَلَّفَ تَرِكَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَعَنْ مَيِّتٍ عَنْ وَارِثٍ غَائِبٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ وَلِلْوَارِثِ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ التَّرِكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا لَوْ وَجَبَ عَلَى رَجُلٍ الْحَجُّ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ أَنَّ وَارِثَهُ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ الْمُسَمَّى فَإِنْ قُلْتُمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَهَلْ تَكُونُ مِنْ تَرِكَةِ الْهَالِكِ أَوْ تَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ لِمَا أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً فَاسِدَةً؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا وَإِنَّمَا رَأَيْت لِلْقَمُولِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ كَلَامًا يُؤَيِّدُ مَا سَأَذْكُرُهُ وَكَذَلِكَ كَلَامُهُمْ فِي وَكِيلِ الْمَرْأَةِ فِي الْخُلْعِ إذَا خَالَفَ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا وَالْجَامِعِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْمُسْتَأْجَرِ هُنَا وَالْوَكِيلِ ثَمَّ إيقَاعُ الْعَقْدِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ لِجَوَازِ اسْتِبْدَادِ الْأَجْنَبِيِّ بِالْخُلْعِ وَالْحَجِّ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ عَنْ الْغَيْرِ.
وَحَاصِلُ مَا يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَجِيرَ إنْ ظَنَّ فَسَادَ الْإِجَارَةِ وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا أُجْرَةَ لَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَبَرِّعٌ عَنْ الْمَيِّتِ إذْ لَمْ يَدْخُلْ طَامِعًا فِي شَيْءٍ وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَإِنْ ظَنَّ الْوَارِثُ الْفَسَادَ لَزِمَتْهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ مَعَ ظَنِّ الْفَسَادِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَأْجَرًا مِنْ التَّرِكَةِ فَتَجِبُ الْأُجْرَةُ فِي مَالِهِ لَا مِنْ التَّرِكَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دُيُونٌ أَخَذَتْ التَّرِكَةُ جَمِيعَهَا فِيهَا وَإِنْ جُهِلَ الْفَسَادُ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ التَّرِكَةِ مَا لَمْ يَسْتَأْجِرْ مِنْ مَالِهِ أَوْ يُطْلِقْ بِأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَالِهِ وَلَا لِلتَّرِكَةِ لِعُذْرِهِ حِينَئِذٍ فَلَا يُنَاسِبُهُ التَّغْرِيمُ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَوْ أَطْلَقَ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي إضَافَةَ آثَارِهِ إلَى مُبَاشِرِهِ إلَّا لِمَانِعٍ هَذَا مَا يَظْهَرُ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ عَنْ شَخْصٍ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِمِائَةٍ مَثَلًا وَجَعَلَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَجَاعَلَ الْوَصِيُّ شَخْصًا مُعَيَّنًا أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْ ذَلِكَ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَذِنَ لِآخَرَ أَوْ جَاعِله كَذَلِكَ فَهَلْ يَنْزِلُ الْإِذْنُ لِلثَّانِي أَوْ الْمُجَاعَلَةُ لَهُ مَنْزِلَةَ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِذْنِ لِلْأَوَّلِ عَلِمَ الْأَوَّلُ أَوْ جَهِلَ فَلَوْ جَهِلَ وَعَمِلَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ فِي صُورَةِ الْجَهْلِ شَيْئًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الْعُبَابِ كَالرَّوْضِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا جَاعَلَ الْوَصِيُّ آخَرَ لِيَحُجَّ عَنْ الْمُوصِي بِمَا عَيَّنَهُ جَعَالَةً صَحِيحَةً فَعِنْدِي تَرَدُّدٌ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ فَسْخُ تِلْكَ الْجَعَالَةِ لِإِطْلَاقِهِمْ جَوَازَهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ لَا يَجُوزُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَأَقَرُّوهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ الْوَرَثَةُ مَنْ يَحُجُّ عَنْ مُورِثِهِمْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَا ثُمَّ تَقَايَلُوا مَعَ الْأَجِيرِ لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لِمُوَرِّثِهِمْ اهـ أَيْ فَالْحَقُّ فِيهِ عِنْدَ الْإِقَالَةِ لِمُورِثِهِمْ لَا لَهُمْ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَا لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ لِيُفْهَمَ خِلَافُهُ بِالْأَوْلَى فَتَأَمَّلْهُ وَلَعَلَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَتِنَا أَقْرَبُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ.
هَذَا فَإِنْ رَضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ بِالْإِقَالَةِ
стр. 390
يَصِيرُهَا جَائِزَةً كَالْجَعَالَةِ فَإِذَا امْتَنَعَتْ الْإِقَالَةُ فِي مَسْأَلَةِ ابْن الصَّلَاحِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ لِلْمُورِثِ لَا لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ خَلِيفَةَ الْمُورِثِ فَكَذَا يَنْبَغِي مَنْعُ الْفَسْخِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ الْعَقْدَ لِلْمُوصِي لَا لِلْوَصِيِّ وَأَيْضًا فَالْوَصِيُّ بِمُجَاعَلَةِ غَيْرِهِ جَعَالَةً صَحِيحَةً قَدْ فَعَلَ مَا فُوِّضَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ بِلَا مُوجِبٍ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ لِي الْآنَ فَعَلَيْهِ إذْنُهُ أَوْ مُجَاعَلَتُهُ لِلثَّانِي فَاسِدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَقَعُ حَجُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ لِلثَّانِي مَا ذُكِرَ غَيْرُ فَسْخٍ لِلْأَوَّلِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ لِوَاحِدِ رُدَّ عَبْدِي وَلَك كَذَا ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ لِثَانٍ ثُمَّ لِثَالِثٍ فَرَدُّوهُ وَقَصَدَ كُلٌّ نَفْسَهُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُ مَا شُرِطَ لَهُ سَوَاءٌ اتَّفَقَ مَا سَمَّاهُ لِكُلٍّ أَمْ لَا.
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَقَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى صِحَّتِهِ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ لِلثَّانِي ذَلِكَ وَفِي صِحَّةِ الثَّانِي أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ لِلثَّالِثِ ذَلِكَ فَيَكُونُ صَرِيحًا فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّ قَوْلَهُ لِلثَّانِي جَاعَلْتُكَ أَوْ حُجَّ عَنْ فُلَانٍ بِكَذَا غَيْرُ فَسْخٍ لِلْأَوَّلِ وَيَلْزَمُ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى صِحَّتِهِ بُطْلَانُ الثَّانِي لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ إلَّا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَأَيْضًا فَتَوْزِيعُ الْعَمَلِ هُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ بِخِلَافِهِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِهِمْ فِي الْجَعَالَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْجُعْلِ هُوَ الْأَوَّلُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَأَنَّ الثَّانِي لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَإِذَا تَنَزَّلْنَا وَفَرَضْنَا أَنَّ الْوَصِيَّ صَرَّحَ بِفَسْخِ الْأَوَّلِ وَقُلْنَا بِجَوَازِ الْفَسْخِ لَهُ وَنُفُوذِهِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ أَنَّ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ إذَا جَهِلَ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِتَوْرِيطِهِ لَهُ فِي الْعَمَلِ مَعَ عَدَمِ إعْلَامِهِ لَهُ بِالْفَسْخِ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ لِلْعَامِلِ فَالثَّوَابُ لَهُ لِأَنَّ تَقْصِيرَ الْوَصِيِّ أَلْغَى النَّظَرَ إلَى ذَلِكَ كَمَا فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحَاطَ بِأَطْرَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ نَوَى بِطَوَافِهِ النَّفَلَ مُلَازَمَةَ غَرِيمٍ لَهُ هَلْ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا صَرَفَ طَوَافَهُ النَّفَلَ أَوْ الْفَرْضَ إلَى مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ بَطَلَ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ فَقْدُ الصَّارِفِ نَعَمْ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِنِيَّةِ الطَّوَافِ وَلَمْ يَقْصِدْ صَرْفَهُ بَلْ شَرَّكَ مَعَ النِّيَّةِ غَيْرَهَا لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْحَجِّ فَاسِدًا فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا صُورَتُهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ لَوْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ قَرَنَ لَزِمَهُ دَمَانِ وَخَالَفَهُ السُّبْكِيّ فَمَا الْمُعْتَمَدُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ تَكَرَّرَ الدَّمُ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ مَعَ بَسْطِ مَا فِيهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَأَمَّا مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَبَيَّنْته فِي حَاشِيَتِي عَلَى إيضَاحِ النَّوَوِيِّ وَبَيَّنْت فِيهَا أَيْضًا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ تَكَرُّرِ الدَّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا حَاصِلُهُ مَعَ إيضَاحِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ كَوْنُهُ رَبِحَ مِيقَاتًا إذْ لَوْ أَحْرَمَ بِكُلِّ نُسُكٍ عَلَى حِدَتِهِ لَاحْتَاجَ إلَى الْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهِ وَهُوَ مِيقَاتُ بَلَدِهِ وَالْخُرُوجِ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ أَوْ الْعِلَّةِ تَرَفُّهُهُ بِكَوْنِ الْعَمَلَيْنِ صَارَا عَمَلًا وَاحِدًا وَالْعِلَّةُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ كَوْنُهُ رَبِحَ مِيقَاتًا أَيْضًا أَوْ تَرَفَّهَ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فِيمَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَكُلٌّ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَةِ الْبَغَوِيِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَارَ مُتَمَتِّعًا الْآنَ فَلَزِمَهُ الدَّمُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ.
وَحِينَ أَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ مَعًا لَزِمَهُ دَمٌ آخَرُ لِأَنَّهُ رَبِحَ مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ الَّتِي قَرَنَهَا بِالْحَجِّ وَتَرَفَّهَ بِانْدِرَاجِ عَمَلِهَا فِي عَمَلِ الْحَجِّ فَوَجَبَ الدَّمَانِ وَلَمْ يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَر لِاخْتِلَافِ الْمُوجِبِ كَمَا عَرَفْته مِمَّا تَقَرَّرَ وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لَزِمَهُ الدَّمُ أَيْ دَخَلَ سَبَبُ لُزُومِهِ إذْ لَا يُتِمُّ لُزُومُهُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَعِلَّةُ لُزُومِهِ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِهِ رَبِحَ مِيقَاتَ الْحَجِّ أَوْ تَرَفَّهَ بِالْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَعُمْرَتِهِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَهَكَذَا لَمْ تَكُنْ سَبَبًا فِي رِبْحِ مِيقَاتِ الْحَجِّ وَلَا فِي تَرَفُّهِهِ فَأَيُّ مُوجِبٍ لِلدَّمِ فِيهَا وَمَا أَظُنُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِالتَّكَرُّرِ إلَّا وَهِمَ كَمَا تَبَيَّنَ لَك مِمَّا قَرَّرْته.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْحَجِّ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا
стр. 391
فَإِنْ قُلْتُمْ الْجَاعِلَ فَبِمَ فَارَقَ الْمُسْتَأْجِرَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُصَدَّقُ الْجَاعِلِ بِيَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَجْعُولَ لَهُ لَمْ يَحُجَّ كَمَا حَكَاهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالْغَزِّيُّ عَنْ الدَّبِيلِيِّ وَأَقَرَّاهُ وَفَارَقَ الْمُسْتَأْجَرَ بِأَنَّهُ يَرُومُ بِدَعْوَاهُ إسْقَاطَ أُجْرَةٍ الْتَزَمَهَا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ السُّقُوطِ وَالْجَاعِلُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الْجَعَالَةِ وَإِنَّمَا الْمَجْعُولُ لَهُ يُحَاوِلُ بِدَعْوَاهُ إلْزَامَ ذَلِكَ وَالْأَصْلُ عَدَمُ لُزُومِهِ وَبِأَنَّ الْأَجِيرَ قَدْ الْتَزَمَ الْحَجَّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا الْتَزَمَهُ وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا قَبُولُ قَوْلِهِ إذْ لَا مَطْلَعَ لِلشُّهُودِ عَلَى النِّيَّةِ وَالْمَجْعُولُ لَهُ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَرُومُ إثْبَاتَ عَمَلٍ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْجُعْلِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَعَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ فَكَلَّفَ الْبَيِّنَةَ بِمَا يَدَّعِيه قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْغَزِّيُّ وَلَعَلَّ مُرَادَ الدَّبِيلِيِّ بِالْبَيِّنَةِ هُنَا أَنَّهُ رُئِيَ فِي مَوَاطِنِ النُّسُكِ فِي السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا أَنَّهُ حَجَّ عَنْهُ فَقَدْ قُدِّمَ أَنَّ تَصْحِيحَ الْحَجِّ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُمْكِنُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا فِقْهٌ غَرِيبٌ أَيْ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمَجْعُولِ لَهُ أَيْضًا.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَجَّةٍ إجَارَةَ عَيْنٍ أَوْ ذِمَّةٍ فَهَلْ لَهُ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ أَمَّا سَفْرُ التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَطَرٌ كَرُكُوبِ الْبَحْرِ أَيْ وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِمَا لَهُ عَدَمُ جَوَازِ سَفَرِهِ بِلَا إذْنٍ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ إذْ لَا مَحِيصَ عَنْهُ دُونَ إجَارَةِ الذِّمَّةِ إنْ أَيَسَرَ وَأَمْكَنَهُ اسْتِئْجَارُ غَيْرِهِ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ مَنْدُوحَةٌ عَنْ السَّفَرِ.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ يَجِبُ إتْمَامُ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ يَجِبُ وَغَلَّطَهُمْ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَبَحَثَ الْبَارِزِيُّ حَمْلَ الْأَوَّلِ عَلَى طَوَافِ النُّسُكِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ عِنْدِي عَدَمُ حُرْمَةِ الْقَطْعِ مُطْلَقًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَلِمَنْ شَرَعَ فِيهَا أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَأْتِي بِهَا مِنْ أَوَّلِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِقْرَاءُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ قَطْعِ الْفَرْضِ إذَا كَانَ الْمَاضِي مِنْهُ يَبْطُلُ بِالْقَطْعِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ أَمَّا إذَا كَانَ مَا مَضَى مِنْهُ لَا يَبْطُلُ بِالْقَطْعِ فَلَا يَحْرُمُ كَالْقِرَاءَةِ وَالطَّوَافِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ الْإِعْرَاضِ عَلَى مَنْ أَنِسَ مِنْ نَفْسِهِ التَّبَحُّرَ فِي الْعُلُومِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مُنْفَصِلَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا لِأَنَّ تَعْلِيلَهُمْ عَدَمَ الْحُرْمَةِ بِالِانْفِصَالِ مُتَأَتٍّ فِي نَحْوِ الْقِرَاءَةِ وَالطَّوَافِ إذْ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُمَا مُنْفَصِلٌ عَمَّا قَبْلَهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُكْرَهُ شِرَاءُ الْجَوَارِي لِلْمُحْرِمِ وَلَوْ بِقَصْدِ التَّسَرِّي؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ عَرَضِيٌّ لَا ذَاتِيٌّ بِخِلَافِهِ فِي النِّكَاحِ وَلِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ بِخِلَافِهِ فِي النِّكَاحِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ قَصْدُهُ.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صَوَّرْته هَلْ إذَا اسْتَطَاعَ إنْسَانٌ الْحَجَّ وَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَخَلَّفَ تَرِكَةً وَقُلْتُمْ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ فَقَالَتْ الْوَرَثَةُ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ عَلَيْهِ لِزِيَادَةِ الْمَرَاحِلِ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يَعْرِفْ الْمَسْأَلَةَ وَإِذَا عَلِمَ إنْسَانٌ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَمْ يَهْتَدُوا لِلْحَجِّ عَنْهُ لِعَدَمِ فِعْلِ ذَلِكَ بِبَلَدِهِمْ وَعَدَمِ إقَامَةِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَتَحَكُّمِ الْعَادَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لِيَخِفَّ عَنْهُمْ الْإِثْمُ وَإِذَا كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يَعْرِفْ الْمَسْأَلَةَ وَأَخَّرَ الْحَجَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ عَاصِيًا وَهَلْ تَجْرِي الْمَسْأَلَةُ فِي الْمَعْضُوبِ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا اسْتَطَاعَ إنْسَانٌ الْحَجَّ وَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَزِيَادَةُ السَّفَرِ عَلَى السَّيْرِ الْمُعْتَادِ إنَّمَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَالْعِصْيَانَ بِالْمَوْتِ لَا الِاسْتِقْرَارِ فِي الذِّمَّةِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ قَادِرًا أَوْ يُعْضَبَ قَبْلَ مَوْتِهِ لَكِنْ مَتَى تَمَكَّنَ الْمَعْضُوبُ مِنْ الِاسْتِنَابَةِ فَأَخَّرَهَا مَاتَ عَاصِيًا فَاسِقًا وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَعْلَمُ الْجَوَابَ عَنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
(وَسُئِلَ) ﵁ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ بِمَا صُورَتُهُ الطَّوَافُ تَحِيَّةً لِلْبَيْتِ أَوْ لِلْمَسْجِدِ وَإِذَا طَافَ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ لِأَنَّهُ لِرُؤْيَةِ الْبَيْتِ لَا لِدُخُولِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَأَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ تَحِيَّةٌ لِلْبَيْتِ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَإِنَّمَا
стр. 392
نَأْمُرُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ بِصَلَاةِ التَّحِيَّةِ لِأَجْلِ الْمَسْجِدِ لِدُخُولِهَا فِي سُنَّةِ الطَّوَافِ كَمَا لَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً وَلِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ لَاهِيًا فَإِذَا طَافَ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنْ قِيلَ هَلَّا أَسْقَطْتُمْ سُنَّةَ الطَّوَافِ إذَا بَدَأَ بِالْفَرْضِ فِيهِ مَعَ جَمَاعَةٍ كَمَا تَسْقُطُ التَّحِيَّةُ بِذَلِكَ قُلْت لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالطَّوَافَ جِنْسَانِ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا وَرَكْعَتَا التَّحِيَّةِ وَالْمَكْتُوبَةِ جِنْسٌ فَتَدَاخَلَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَعَلَى مَا مَرَّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ مَعَهُ التَّحِيَّةِ أَيْ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُهَا قَالَ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ بَعْدَ الطَّوَافِ مِنْ غَيْرِ صَلَاةِ فَاتَتْ التَّحِيَّةُ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَلَا وَجْهَ لِلنَّظَرِ حَيْثُ سَلِمَ مَا ذَكَرُوهُ مِمَّا مَرَّ قَالَ وَلَوْ طَافَ وَصَلَّى ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَهَلْ نَقُولُ حَصَلَتْ تَحِيَّتُهَا بِالطَّوَافِ لِتَعْلِيلِهِمْ السَّابِقِ أَمْ لَا بَلْ ذَاكَ تَحِيَّةُ رُؤْيَتِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَحِيَّةٍ لِدُخُولِهَا فِيهِ نَظَرٌ وَرَجَّحَ فِي قَوَاعِدِهِ الْأَوَّلَ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْوَاحِدِ وَقَدْ صَلَّى عَنْ الْأَوَّلِ فَلَا يُصَلِّي لِلثَّانِي قَالَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ تَحِيَّةٌ لِلرُّؤْيَةِ عَجِيبٌ وَإِنَّمَا هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْأَجِيرِ فِي الْحَجِّ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ مِنْ بَلَدِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَهَلْ قَالَ أَحَدٌ أَنَّ الْمَكِّيَّ أَوْ الْآفَاقِيَّ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا فِي الْحَجِّ عَنْ مَيِّتٍ غَائِبٍ عَنْ بَلَدِ الْأَجِيرِ وَهَلْ لِلْآفَاقِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ الْعَيْنِيَّةِ فِي الْحَجِّ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَجِيرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْإِجَارَةِ بِبَلَدِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَقَطْعُ الْمَسَافَةَ حِينَئِذٍ إلَى الْمِيقَاتِ ضَرُورِيٌّ وَإِنْ كَانَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْحَجُّ وَهُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ فَهُوَ مِنْ عَمَلِ الْأَجِيرِ فَلَوْ أَسَاءَ الْأَجِيرُ فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَزِمَهُ الْحَطُّ مِنْ الْأُجْرَةِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْأُجْرَةَ مُوَزَّعَةٌ عَلَى السَّيْرِ وَأَعْمَالِ الْحَجِّ التَّفَاوُتُ بَيْنَ حَجَّةِ مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ إحْرَامُهَا مِنْ الْمِيقَاتِ وَحَجَّةٍ مِنْهَا إحْرَامُهَا مِنْ مَكَّةَ فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ الْأُولَى مِائَةٌ وَالثَّانِيَةِ ثَمَانِينَ حُطَّ خُمْسُ الْمُسَمَّى وَنَظَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِيمَا إذَا صَرَفَ الْأَجِيرُ السَّيْرَ إلَى مَقْصِدٍ لَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ هَلْ يَحُطُّ مِنْ الْأُجْرَةِ مَا يُقَابِلُ السَّيْرَ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ مُوَزَّعَةٌ عَلَى السَّيْرِ وَالْعَمَلِ أَمْ لَا وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا وَلَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِمَنْ رَجَّحَ الثَّانِي.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ عَنْ نَفْسِهِ وَبِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ عَنْ مُسْتَأْجِرِهِ حُسِبَ لَهُ فِي التَّوْزِيعِ قَطْعُ الْمَسَافَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ الْحَجُّ مِنْ الْمِيقَاتِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الْعُمْرَةُ اهـ فَظَاهِرُ عِلَّتِهِمْ أَنَّهُ لَوْ مَحْضُ قَصْدِهِ لِعُمْرَتِهِ لَمْ تُحْسَبْ لَهُ الْمَسَافَةُ إلَى الْمِيقَاتِ وَقِيَاسُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا مَا ذَكَرْنَاهُ وَكَوْنُ السَّيْرِ إلَى مَا قَبْلَ الْمِيقَاتِ تَابِعًا لَا يَقْتَضِي عَدَمَ النَّظَرِ إلَيْهِ بَلْ هُوَ مَنْظُورٌ إلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ أَدْخَلُوهُ فِي التَّوْزِيعِ فَاشْتُرِطَ أَنْ لَا يَصْرِفَهُ الْأَجِيرُ إلَى غَرَضِ غَيْرِ غَرَضِ الْمُسْتَأْجِرِ فَاتُّجِهَ تَرْجِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْمِيقَاتِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ قَطْعُ الْمَسَافَةِ مِنْ مَحِلِّهِ فَقَطْ وَلَمْ نَعْلَمْ قَائِلًا بِمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَعَيُّنِ مِيقَاتِ بَلَدِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَحَاصِلُ مَا فِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ إذَا سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ بَلَدِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مِيقَاتُ طَرِيقِهِ أَبْعَدَ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا أَوْ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّرْعَ سَوِيٌّ بَيَّنَ الْمَوَاقِيتَ قِيلَ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَا يُوَافِقُهُ لَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيه كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا خِلَافُهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ فَعَلَيْهِ لَوْ اُسْتُؤْجِرَ مَكِّيٌّ عَنْ آفَاقِيٍّ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِيقَاتًا فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ أَسَاءَ وَلَزِمَهُ دَمٌ وَتَوْكِيلُ الْآفَاقِيِّ الْمَذْكُورِ صَحِيحٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إنْ تَمَكَّنَ الْمُوَكَّلُ مِنْهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا وَقَبْلَهَا إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ وَقْتَ اعْتِيَادِ النَّاسِ السَّفَرَ وَأَمْكَنَ سَيْرُ الْمُوَكَّلِ مَعَهُمْ بِأَنْ تَيَسَّرَ إعْلَامُهُ قَبْلَ سَفَرِهِمْ أَوْ عَيَّنَ هُوَ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِيَعْقِدَ لَهُ فِيهِ وَيَأْخُذَ هُوَ فِي التَّأَهُّبِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ وَرَدَ: «يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرُونَ وَمِائَةُ رَحْمَةٍ سِتُّونَ مِنْهَا لِلطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ وَأَرْبَعُونَ لِلْعَاكِفِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ إلَى الْبَيْتِ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ «يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ مَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ عِشْرُونَ وَمِائَةٌ» الْحَدِيثُ لَكِنْ قَالَ فِيهِ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَلَمْ يَقُلْ لِلْعَاكِفِينَ أَخْرَجَهُ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ فَمَا الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ وَهَلْ
стр. 393
الْقِسْمَةُ بِحَسَبِ قِلَّةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَتِهِ وَهَلِ الْمُرَادُ الْمُصَلِّينَ سُنَّةَ الطَّوَافِ أَوْ أَعُمَّ اُبْسُطُوا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ غَيْرِهِ مِمَّا يُفْهِمُهُ الْحَدِيثَانِ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ الْبَيْتُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى مَسْجِدًا وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالتَّنْزِيلِ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ التَّنْزِيلُ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَلِهَذَا قُسِمَتْ عَلَى أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الْكَائِنَةِ فِيهِ وَقَوْلُهُ سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ إلَخْ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ حَيْثُ أَتَى كُلٌّ مِنْهُمْ بِمُسَمَّى الطَّوَافِ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ النَّظَرِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى قِلَّةِ الْعَمَلِ أَوْ كَثْرَتِهِ وَمَا زَادَ فَلَهُ ثَوَابٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَيُحْتَمَلُ قِسْمَتُهَا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ.
وَالْمُتَّجَهُ عِنْدِي الْأَوَّلُ لِأَنَّ الطَّائِفِينَ مَثَلًا جَمْعٌ مُحَلَّى بِأَلْ فَهُوَ عَامٌّ وَمَدْلُولُهُ كُلِّيَّةً أَيْ مَحْكُومٌ فِيهَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَالسِّتُّونَ مَحْكُومٌ بِهَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ الطَّائِفِينَ فَحَيْثُ أَتَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِمُسَمَّى الطَّوَافِ شَرْعًا حَصَلَ لَهُ السِّتُّونَ لَكِنْ مَنْ أَتَى بِالْأَكْثَرِ أَوْ قَارَنَ عَمَلَهُ كَمَالٌ خَلَى عَنْهُ عَمَلُ الْآخِرِ تَكُونُ رَحَمَاتُهُ أَكْمَلُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ الْخَمْسَةَ أَوْ السَّبْعَةَ وَالْعِشْرِينَ دَرَجَةً الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ تَحْصُلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ فِي جَمَاعَةٍ قُلْت أَوْ كَثُرَتْ لَكِنْ دَرَجَاتِ الْأَكْثَرِ أَكْمَلُ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُصَلِّينَ وَالنَّاظِرِينَ ثُمَّ الرَّحَمَاتُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ كَالْمَغْفِرَةِ وَالْحِفْظِ وَالرِّضَا وَالْقُرْبِ إذْ الرَّحْمَةُ الْعِطْفُ فَتَارَةً تَكُونُ بِإِسْدَاءِ نِعْمَةٍ وَتَارَةً تَكُونُ بِدَفْعِ نِقْمَةٍ وَكِلَاهُمَا يَتَنَوَّعَانِ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته قَوْلُ الْقُطْبِ الْقَسْطَلَّانِيِّ.
وَلَيْسَ هَذَا الْعَدَدُ جُزْءًا مِنْ الرَّحْمَةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْأَرْضِ الْمَقْسُومَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ بَلْ هُوَ غَيْرُهَا فَإِنَّهُ يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ تَشْرِيفًا لِأَهْلِ الْحَرَمِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ قَالَ ثُمَّ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ هَلْ يَتَجَزَّأُ عَلَى كُلِّ عَامِلٍ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْعَمَلِ وَقِلَّتِهِ أَوْ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُقِلُّ وَالْمُكْثِرُ فَيَحْصُلُ لِلطَّائِفِ وَلَوْ أُسْبُوعًا وَمُصَلٍّ وَلَوْ رَكْعَةً وَنَاظِرٍ وَلَوْ لَمْحَةً وَهَلْ يَتَكَرَّرُ الْعَمَلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَوْقَاتِ أَمْ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ عَمَلٍ وَالْبَاقِي تَابِعٌ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى طَوَافِ النُّسُكِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْوَافِدِينَ الَّذِي يَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ كُلُّ عَامِلٍ مِنْ سَابِقٍ وَلَاحِقٍ وَمُقِلٍّ وَمُكْثِرٍ وَمُقْرِنٍ وَمُفْرِدٍ فَيَنَالُ كُلٌّ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْعَدَدَ الْمُعَيَّنَ عَلَى الْعَمَلِ الْمُعَيَّنِ وَمَنْ زَادَ مِنْهُمْ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ زِيَادَةِ عَمَلِهِ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا اهـ.
الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِهِ لَا يُقَالُ الْحَدِيثُ يَقْتَضِي فَضْلُ الطَّوَافِ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّا نَقُولُ ظَاهِرَهُ وَإِنْ اقْتَضَى ذَلِكَ وَأَخَذَ بِهِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ مَتْرُوكٌ بِالْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ وَالْقَوْلِ بِأَنَّ الطَّوَافَ يُسَمَّى صَلَاةً فَهُوَ دَاخِلٌ فِيهَا يُرَدُّ بِأَنَّ هَذِهِ تَسْمِيَةٌ مَجَازِيَّةٌ وَقَعَتْ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ كَالصَّلَاةِ فَحُذِفَ حَرْفُ التَّشْبِيهِ مُبَالَغَةً فِي الْمُشَابَهَةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَجْهُ الْقِسْمَةِ كَمَا ذُكِرَ أَنَّ الرَّحَمَاتِ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ قُسِمَتْ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ جُزْءٌ لِلنَّاظِرِينَ وَجُزْءَانِ لِلْمُصَلِّينَ لِأَنَّ الْمُصَلِّي نَاظِرٌ غَالِبًا فَجُزْءٌ لِلنَّظَرِ وَجُزْءٌ لِلصَّلَاةِ وَالطَّائِفُ لَمَّا كَانَ نَاظِرًا طَائِفًا مُصَلِّيًا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ اهـ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِفَضْلِ شَيْءٍ مِنْ النَّظَرِ وَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ عَلَى شَيْءٍ وَنَظَرَ فِيهِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْأَعْمَى الطَّائِفَ وَالْمُصَلِّي وَكَذَا الْمُتَعَمِّدَ تَرْكَ النَّظَرِ يَنَالُهُمَا مَا ثَبَتَ لِلطَّائِفِ وَالْمُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يَنْظُرَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَمَا نُظِرَ بِهِ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِمْ غَالِبًا فَيَلْحَقُ بِهِ مَا جَاءَ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ إلْحَاقًا لِشَاذِّ الْجِنْسِ بِهِ.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا لَفْظُهُ قَالُوا إنَّهُ ﷺ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالُوا أَيْضًا إنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ إذْ لَوْ فُرِضَ كَمَالُ الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ كَانَ ثَانِي رَبِيعٍ الْأَحَدِ فَكَيْفَ إذَا فُرِضَ نَقْصُهَا أَوْ نَقْصُ أَحَدِهَا فَهَلْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَفْرِضَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ رَأَوْا هِلَالَ الْحِجَّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ رَأَوْهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاتَّفَقَا فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَرَبِيعٍ فَقَوْلُهُمْ وَقَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِاعْتِبَارِ حِسَابِ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَوْلُهُمْ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ بِاعْتِبَارِ
стр. 394
حِسَابِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ أَفْضَلُ مِنْ الذَّكَرِ غَيْرِ الْمَأْثُورِ وَالْمَأْثُورُ أَفْضَلُ مِنْهَا مَا الْمُرَادُ بِالْمَأْثُورِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِهِ كَمَا قِيلَ مَا أُثِرَ عَنْهُ ﷺ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ لَكِنْ فِي كَوْنِ الْمَأْثُورِ عَنْ صَحَابِيٍّ مَثَلًا أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ لَمَّا كَانَ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ أَلِيقَ مِنْهُ بِالْقِرَاءَةِ وَلِذَا كَرِهَهَا بَعْضُهُمْ فِيهِ مُطْلَقًا قَدَّمُوا الْمَأْثُورَ وَلَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ عَلَيْهَا رِعَايَةً لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَأْثُورَ عَنْهُ ﷺ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَصِحَّ سَنَدُهُ أَوْ لَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوع.
(وَسُئِلَ) نَفَّعَ اللَّه بِهِ عَمَّنْ نَذَرَ الْحَجّ مَاشِيًا فَرَكِّبْ لَزِمَهُ دَم مَعَ أَنَّهُ فَعَلَ الْأَفْضَل فَمَا وَجْه ذَلِكَ وَمَا الْمُرَاد بِالدَّمِ هُنَا وَلَمْ وَجَبَ مَعَ أَنَّ مُخَالِفَة الْمَنْذُور فِي غَيْر ذَلِكَ تَقْتَضِي الْإِثْم فَقَطْ وَهَلْ يَتَكَرَّر الدَّم بِتَكَرُّرِ الرُّكُوب قِيَاسًا عَلَى اللُّبْس فِي حَقّ الْمُحْرِم أَوْ يُفَرَّق؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّمَا لَزِمَهُ الدَّم وَإِنَّ فَعَلَ الْأَفْضَل لِأَنَّ الْمَشْي فِيهِ مَشَقَّة مَقْصُودَة لِلشَّارِعِ أَيْضًا فَوَجَبَتْ رِعَايَتهَا لِأَنَّ الْأَفْضَل خَلَا عَنْهَا بَلْ وَرَدَ فِي فَضْلهَا مَا اقْتَضَى ذَهَابَ كَثِيرٍ إلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ وَأَيْضًا فَأَفْضَلِيَّةُ الرُّكُوبِ لَيْسَتْ لِذَاتِهِ بَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْحُضُورِ فِي الْأَذْكَارِ وَالْعِبَادَاتِ فَوَجَدَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَقْصُودٍ لَيْسَ فِي الْآخَرِ فَلَمْ يُجَزِّئ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَإِذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ حَقَّ التَّأَمُّلِ ظَهَرَ لَك الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ تُجْزِئهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ هُنَا اشْتَمَلَ عَلَى مَا فِي الْمَفْضُولِ وَزِيَادَةٍ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ وَالْمُرَادُ بِالدَّمِ هُنَا شَاةٌ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ الدَّمُ هُنَا مَعَ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ صِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنُّسُكِ فَاقْتَضَتْ مُخَالَفَتُهَا لُزُومَ الدَّمِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا رَكِبَ لِغَيْرِ عُذْرٍ تَكَرَّرَ الدَّمُ مُطْلَقًا أَوْ لِعُذْرٍ فَإِنْ اسْتَمَرَّ الْعُذْرُ لَمْ يَتَكَرَّرْ الدَّمُ بِتَكَرُّرِ الرُّكُوبِ وَإِنْ زَالَ ثُمَّ حَدَثَ عُذْرٌ آخَرُ تَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الْعُذْرِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ فِي مَسْأَلَةِ اللُّبْس بِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ مُمْكِنَةٌ غَالِبًا فَلَا عُذْرَ فِي تَكَرُّرِهِ فَاقْتَضَى تَكَرُّرَ الدَّمَ بِشَرْطِهِ وَأَمَّا اسْتِدَامَةُ الرُّكُوبِ فَغَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَنَظَرْنَا لِلْعُذْرِ وَلَمْ نَنْظُرْ إلَيْهَا لِاسْتِحَالَتِهَا غَالِبًا.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ مَا قَوْلُكُمْ فِي حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَحُجَّ وَلَمْ يَحُجَّ مَاتَ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» اهـ فَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ مَوْضُوعٌ وَهَلْ هُوَ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الْبَعِيدِ مِنْهُمْ وَالْقَرِيبِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ أَمْ لَا وَإِذَا كَانَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَكَانَ الْمَكَانُ بَعِيدًا وَالشَّخْصُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَحْمِلُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَبَقِيَ عَنْ الْحَجِّ إلَى أَنْ مَاتَ فَهَلْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا وَبَقِيَ عَنْ الْحَجِّ إلَى أَنْ مَاتَ فَهَلْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِهِ الْحَجَّ وَيَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ عَنْ عُمَرَ ﵁ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْي فَلَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ فِي بَعْضِهَا مَقَالٌ وَقَدْ أَخْطَأَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي عَدِّهِ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ وَعَامٌّ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ بِشَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ وَمِنْ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ الْعَجْزُ عَنْ دَابَّةٍ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ وَكَذَا إذَا كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا فَإِذَا تَرَكَ الْحَجَّ لِأَجْلِ تِلْكَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ إذَا جَاعِل رَجُلٌ آخَرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ عَنْ مَيِّتِهِ بِمِائَةٍ مِثْلًا فَفَعَلَ وَجَاعَلَهُ أَيْضًا عَلَى أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ عِنْدَهُمْ فَاسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِي الزِّيَارَةِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ مَا سَمَّى لَهُ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ يَسْتَحِقُّ فَهَلْ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَشْرِطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَزُورَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُطْلِقُوا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا يَسْتَحِقُّ إذَا شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَزُورَ بِنَفْسِهِ فَهَلْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ تُمْكِنَهُ الزِّيَارَةُ أَوْ لَا تُمْكِنَهُ كَأَنْ تَمْرَضَ أَوْ يُكْمِلَ نَفَقَتَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا جُوعِلَ
стр. 395
عَلَى الدُّعَاءِ عِنْدِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَرْتَبِطَ الْعَقْدُ بِعَيْنِهِ لِجَاعِلَتِك أَوْ اسْتَأْجَرْتُك لِتَدْعُوَ لِي أَوْ لِمَيِّتِي عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ سَوَاءٌ أَقَالَ بِنَفْسِك أَمْ لَمْ يَقُلْهُ وَإِمَّا أَنْ يَرْبِطَ بِذِمَّتِهِ كَأَلْزَمْتُ ذِمَّتَك تَحْصِيلَ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ فَفِي الْأَوَّلِ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ السَّنَة أَوْ يُطْلِقَ فَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ سِنِي إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَى الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ كَاسْتِئْجَارِ الدَّارِ لِلشَّهْرِ الْقَابِلِ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْقِسْمِ قُدْرَةُ الْأَجِيرِ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ مَانِعٌ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ كَخَوْفٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَاتِّسَاعِ الْوَقْتِ لِلْعَمَلِ وَأَنْ يُوجَدَ الْعَقْدُ حَالَ الْخُرُوجِ.
فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ عَامِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ فَلَوْ ذَهَبَ فِي الْعَامِ الثَّانِي مَثَلًا إلَى الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وَدَعَا لَهُ وَقَعَ عَنْ الْمَعْقُودِ لَهُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَقَدْ فَعَلَ لَكِنَّهُ أَسَاءَ هَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَيَصِحُّ سَوَاءٌ أَعَيَّنَ السَّنَةَ الْحَاضِرَةَ أَوْ سَنَةً مُسْتَقْبَلَةً فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا حُمِلَ عَلَى الْحَاضِرَةِ فَيَبْطُلُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَا يُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى السَّفَرِ بِنَفْسِهِ بَلْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَمَتَى أَخَّرَ الشُّرُوعَ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ عَنْ الْعَامِ الَّذِي تَعَيَّنَ لَهُ تَخَيَّرَ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُجَاعَلُ لَهُ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ إلَى الْعَامِ الثَّانِي وَيَجِبُ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَ أَوْ جَاعَلَ بِمَالِ مَيِّتٍ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَبِمَا تَقَرَّرَ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ تَرْدِيدَاتِ السَّائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ أَوْصَى بِحَجَّةٍ ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ هَلْ تَنْزِلُ وَصِيَّتُهُ عَلَيْهَا مَعَ الْإِطْلَاقِ فَتَسْقُطُ بِفِعْلِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ تَقِيِّ الدِّينِ الْفَتَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَنْزِلُ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ أَفْتَى فِيمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِعَشْرَةٍ مَثَلًا فَحَجَّ عَنْهُ آخَرُ تَبَرُّعًا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ وَتَرْجِعُ الْوَرَثَةُ بِمَا أَوْصَى بِهِ وَيُحْمَلُ لَفْظُهُ عَلَى الْفَرْضِ وَقَدْ تَعَذَّرَ تَنْجِيزُهَا فَلَغَتْ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ فِي مَبْحَثِ الرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ أَنَّ الْحَجَّةَ الْمُوصَى بِهَا بَاقِيَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَمْثِلَةً لِلرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى مَعْنَيَيْنِ إمَّا زَوَالُ الِاسْمِ أَوْ الْإِشْعَارُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْوَصِيَّةِ.
وَوَاضِحٌ أَنَّ زَوَالَ الِاسْمِ لَمْ يُوجَدْ وَأَمَّا الْإِشْعَارُ بِالْإِعْرَاضِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَا أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَمَا اقْتَضَاهُ فَحْوَى كَلَامِهِمْ إلَّا إذَا وَقَعَ التَّصَرُّفُ فِي عَيْنِ الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ هُنَا لَمْ يَقَعْ فِي عَيْنِ الْمُوصَى بِهِ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْحَجَّةِ يَشْمَلُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَغَيْرَهَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي عَيْنِ الْمُوصَى بِهِ وَلَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُؤَثِّرْ نَحْوَ التَّجْفِيفِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْإِيجَارِ وَالِاسْتِعْمَالِ لِأَنَّهُ إمَّا انْتِفَاعٌ أَوْ اسْتِصْلَاحٌ مَحْضٌ وَكِلَاهُمَا لَيْسَ قَوِيًّا فِي الْإِشْعَارِ بِالْإِعْرَاضِ فَكَذَلِكَ حَجُّهُ هُنَا لَيْسَ قَوِيًّا فِي ذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ كَثِيرًا مَا يَقْصِدُونَ إكْثَارَ الْحَجِّ وَإِنْفَاقَ أَمْوَالِهِمْ فِيهِ وَإِنْ حَجُّوا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا وَمَا أَفْتَى بِهِ الْفَتَى بِأَنَّ الْمُوصِي فِيهَا مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ فَوَجَبَ حِينَئِذٍ انْصِرَافُ الْوَصِيَّةِ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِتَعَيُّنِهَا وَعَدَمِ جَوَازِ غَيْرِهَا عَنْهُ قَبْلَهَا فَلَمَّا تَبَرَّعَ عَنْهُ بِهَا سَقَطَتْ عَنْهُ وَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ بِهَا فَأُلْغِيَتْ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ حَجَّ بِنَفْسِهِ وَالْمُوصَى بِهِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَانْصَرَفَ الْمُوصَى بِهِ إلَى غَيْرِهَا وَوَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِهِ مُسَارَعَةً لِغَرَضِهِ مِنْ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْقُرْبَةِ الْعَظِيمَةِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحَجِّ مُفْرِدًا إجَارَةً عَيْنِيَّةً وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَالُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَقَرَنَ مَثَلًا فَهَلْ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُسْتَأْجِرِ بِذَلِكَ مِنْ النُّسُكَيْنِ إذَا أَتَى الْأَجِيرُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ أَوْ لَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ شَيْئًا لِلشَّكِّ فِي حُصُولِ الْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ فِي الْإِجَارَةِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَتْ عَيْنُهُ لِيُفْرِدَ فَقَرَنَ فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَنْ حَيٍّ انْفَسَخَتْ فِي النُّسُكَيْنِ مَعًا لِأَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ لِاتِّحَادِ الْإِحْرَامِ وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُ مَا لَمْ يَأْمَرْ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ مَيِّتٍ وَقَعَ لِلْمَيِّتِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ التَّبَرُّعُ عَنْهُ بِهَا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَلَا إذْنٍ قَالَ السُّبْكِيّ وَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعِ عَنْ الْفَرْضِ وَأَمَّا
стр. 396
كَوْنُهُ عَنْ جِهَةِ الْإِجَارَةِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ كَالْحَيِّ وَبَيَّنَ فَائِدَةَ ذَلِكَ وَمَا يُنَاسِبُهُ كَمَا ذَكَرْته مُوَجِّهًا لَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَتْ عَيْنُهُ لِلْإِفْرَادِ فَأَحْرَمَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا ثُمَّ جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِمَيِّتٍ بَرِئَ مِنْ الْحَجِّ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ دُونَ الْعُمْرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا فَلَا تَدْخُلُ الْعُمْرَةُ عَلَيْهِ فَإِذَا أَحْرَمَ عَنْهُ بِهَا بَعْدَ فَرَاغِ مَا هُوَ فِيهِ وَقَعَتْ لَهُ أَيْضًا وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ وَهُوَ الْإِفْرَادُ عَلَى احْتِمَالٍ أَوْ لَا يَسْتَحِقُّهَا لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّهُ أَتَى بِالْعَمَلِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ لَهُ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ وَلَعَلَّ الْأَوْجَهَ الْأَوَّلُ لِأَنَّا قَدْ تَحَقَّقْنَا انْعِقَادِ الْإِجَارَةِ ثُمَّ شَكَكْنَا بَعْدَ قِرَانِهِ هَلْ وُجِدَ الْقِرَانُ حَقِيقَةً بِأَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِهِمَا أَوَّلًا أَوْ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْحَجَّ فَتَنْفَسِخ الْإِجَارَةُ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ الْأُجْرَةِ لِمَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَمْ لَمْ يُوجَدْ بِأَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا فَلَا يَنْفَسِخُ وَالثَّانِي أَقْرَبُ لِأَنَّ الْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِ خُصُوصِ الْقِرَانِ وَدَوَامُ الْإِجَارَةِ إذْ الِانْفِسَاخُ طَارِئٌ عَلَى الْعَقْدِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ طَرَّوْهُ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ أَجِيرَ الْعَيْنِ إنَّمَا يَحْرُمُ بِمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ لَا بِغَيْرِهِ فَهَذَا كُلُّهُ يُرَجِّحُ الِاسْتِحْقَاقَ.
وَإِنْ كَانَتْ لِحَيٍّ لَمْ يَقَعْ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ النُّسُكَيْنِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ فِيمَا يَظْهَرُ أَيْضًا لِأَنَّا لَمَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ مَا أَحْرَمَ بِهِ الْأَجِيرُ كُنَّا بَعْدَ قِرَانِهِ شَاكِّينَ فِي أَنَّهُ أَتَى بِالْعَمَلِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا فَيَكُونَ قِرَانُهُ لَغْوًا أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَتَنْفَسِخَ الْإِجَارَةُ وَيَقَعَانِ لَهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ إتْيَانِهِ بِمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ وَلَا يُعَارِضُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْأَصْلِ لِأَنَّ بَقَاءَهَا مَعَ عَدَمِ تَيَقُّنِ إتْيَانِ الْأَجِيرِ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا وَفَارَقَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ صُورَةَ الْمَيِّتِ السَّابِقَةِ بِأَنَّا هُنَاكَ تَيَقَّنَّا وُقُوعَ النُّسُكَيْنِ لِلْمُسْتَأْجَرِ لَهُ وَشَكَكْنَا هَلْ عَرَضَ مَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْأَجِيرِ لِلْأُجْرَةِ وَهُوَ الْقِرَانُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ عُرُوضِهِ وَلَمْ يُعَارِضْ هَذَا الْأَصْلَ ثَمَّ شَيْءٌ يُقَاوِمُهُ وَهُنَا لَمْ يُتَيَقَّنْ وُقُوعُهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ بَلْ شَكَكْنَا هَلْ وَقَعَ لَهُ أَوْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُقُوعِهِمَا وَلَمْ يُعَارِضْ هَذَا الْأَصْلَ مَا يُقَاوِمُهُ فَعَلِمْنَا بِأَقْوَى الْأَصْلَيْنِ فِي الصُّورَتَيْنِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي الْآنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا شَرَطَ الْمُحْرِمُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ التَّحَلُّلَ بِنَفْسِ الْمَرَضِ فَبِمَاذَا يَصِيرُ حَلَالًا بِمُبِيحِ التَّيَمُّمِ أَوْ بِمُبِيحِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ أَوْ بِمَا لَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ مَعَهُ مِنْ أَعْمَالِ النُّسُكِ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ قَدْ بَيَّنْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّ ضَابِطَ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَاحِدٌ وَمِثْلُهُمَا التَّحَلُّلُ بِهِ لِمَنْ شَرَطَهُ فَمَتَى وُجِدَ مُبِيحُ التَّيَمُّمِ جَازَ التَّحَلُّلُ وَمَتَى لَا فَلَا.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مَقَالَةٍ صَدَرَتْ مِنْ بَعْضِ مُتَفَقِّهَةِ الْيَمَنِ بِأَنْ قَالَ إنَّ بِقَاعَ الْأَرْضِ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِنَّ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ مِثْلَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ عَلَى مَقَالَتِهِ فَتَعَيَّنَ الْبَحْثُ عَمَّا هُوَ الْحَقُّ فَهَلْ بِقَاعُ الْأَرْضِ يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضِ أَمْ لَا وَهَلْ مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى شُرِّفَتْ لِذَاتِهَا أَمْ لِمَاذَا وَهَلْ طِيبَةُ شُرِّفَتْ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَمْ بِمَاذَا وَهَلِ الْمُدُنُ أَيْ الْأَمْصَارُ تُفَضَّلُ عَلَى الْقُرَى أَمْ لَا وَهَلْ أَمَاكِنُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِثْلُ الْمَدَارِسِ وَالزَّوَايَا وَالرُّبُطُ تَلْتَحِقُ بِالْمَسَاجِدِ فِي الْفَضْلِ وَالِاحْتِرَامِ أَمْ دُونَهَا أَمْ لَا فَضْلَ لَهَا وَهَلِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي نَزَلَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ كَقُبَاءَ وَبَدْرٍ وَسَائِرِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي نَزَلَهَا دَائِمَةُ الْفَضْلِ أَمْ ارْتَفَعَ الْفَضْلُ وَالْحُرْمَةُ لَهَا بِارْتِحَالِهِ مِنْهَا وَهَلْ إذَا شُرِّفَتْ الْبُقْعَةُ لِأَجْلِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهَا يَرْتَفِعُ فَضْلُهَا أَمْ لَا وَهَلْ تَعَبُّدُنَا بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِمَزِيدِ فَضْلِهَا أَمْ لِمَاذَا وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَمَاكِنِ النُّسُكِ كَالْمَوَاقِيتِ الَّتِي لِلْإِحْرَامِ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَغَيْرِهَا أَفْتَوْنَا بِمَا أَمْكَنَ مِنْ الدَّلَائِلِ وَالتَّعْلِيلِ فَالْقَضِيَّةُ وَاقِعَةٌ.
(فَأَجَابَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِقَوْلِهِ مَا نُسِبَ لِذَلِكَ الْقَائِلِ قَدْ خَالَفَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَاتَّصَفَ بِسَبَبِهِ بِأَقْبَحِ الْكَذِبِ وَالِابْتِدَاعِ وَلِمَ لَا وَتَفْضِيلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى مَا عَدَاهُمَا أَوْضَحُ مِنْ الشَّمْسِ بَلْ وَأَظْهَرُ وَأَشْهُرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ وَمَكَّةُ هِيَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ
стр. 397
- ﵁ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ عِنْدَ مِنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ عِنْدَ فِرَاقِهِ لِمَكَّةَ «وَاَللَّهِ إنَّكِ لَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيَّ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك قَهْرًا مَا خَرَجَتْ» .
وَمِنْهَا «صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَصَلَاةٌ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وَقَدْ أَخَذْت مِنْ ذَلِكَ مَا حَرَّرْته فِي حَاشِيَةِ مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا عَدَا مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى وَنَصُّ كَثِيرِينَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ اسْتِرْوَاحٍ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ الْأَحَادِيثِ فَاسْتَفِدْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ نَفِيسٌ وَفِيهِ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى ذَلِكَ الْمُعَانِدِ بِزَعْمِهِ أَنَّ الْبِقَاعَ كُلَّهَا مُسْتَوِيَةٌ وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَ تَفْضِيلِ مَكَّةَ كَثْرَةُ مُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا بَلْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَوْ الْحَسَنِ أَنَّ «حَسَنَةَ الْحَرَمِ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ» أَيْ غَيْرِ الصَّلَاةِ لِمَا مَرَّ فِيهَا.
ثُمَّ الْخِلَافُ فِي غَيْرِ التُّرْبَةِ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا هِيَ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ إجْمَاعًا بَلْ وَمِنْ السَّمَوَاتِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ نَعَمْ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْعَارِفِينَ أَعْنِي الشِّهَابَ السُّهْرَوَرْدِيَّ صَاحِبَ الْعَوَارِفِ إنَّ الطُّوفَانَ مَوَّجَ تِلْكَ التُّرْبَةَ الْمَكْرُمَةَ مِنْ مَحَلِّ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَرْسَاهَا بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَكَّةَ وَتَشْرِيفِ طِيبَةَ بَلْ وَتَحْرِيمُ حَرَمِهَا وَإِثْبَاتُ جَمِيعِ مَا لَهُ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ إنَّمَا هُوَ بِسُؤَالِهِ ﷺ لِرَبِّهِ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا مَكَّةُ فَقِيلَ أَنَّ تَحْرِيمَ حَرَمِهَا إنَّمَا هُوَ بِسُؤَالِ إبْرَاهِيمَ ﷺ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَالْأَصَحُّ
كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمْ تَزَلْ حَرَامًا مُعَظِّمَةً مِنْ يَوْمِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْمَدَنُ مُفَضَّلَةٌ عَلَى الْقُرَى وَالْقُرَى عَلَى الْبَوَادِي مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الدِّينِ وَتَيَسُّرِ تَعْلِيمِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَفِعْلُ الْعِبَادَاتِ فِي تِلْكَ أَكْثَرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ فِي بَابِ اللَّقِيطِ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ مُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فَلَا لِمَا مَرَّ أَنَّ مَا عَدَا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ لَا تُضَاعَفُ فِيهِ الصَّلَاةُ نَعَمْ صَحَّ أَنَّ رَكْعَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ بِعُمْرَةٍ وَلَا يُلْحَقُ بِالْمَسْجِدِ غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ نَعَمْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُ احْتِرَامِ نَحْوِ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَمَحَالُّ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَكُلُّ مَحَلٍّ عُلِمَ أَنَّهُ ﷺ نَزَلَهُ أَوْ صَلَّى فِيهِ فَلَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى مَمَرِّ الدَّهْرِ فَيَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِتَحَرِّي نُزُولِهِ وَالتَّبَرُّكِ بِهِ كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ ﵃ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
ﷺ وَحِكْمَةُ وُجُوبِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بَلْ وَأَنَّهُ الْحَجُّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَيْ مُعْظَمُهُ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ آدَمَ ﷺ وَحَوَّاءَ وَتَعَارُفِهِمَا بِهَا أَوْ مِنْ تَعْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ إبْرَاهِيمَ ﷺ الْمَنَاسِكَ بِهَا فَلِوُقُوعِ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ وُجُودِ هَذَا الْعُنْصُرِ الْإِنْسَانِيِّ أَوْ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ لِتِلْكَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ شَرَفِ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْخُرُوجَ مِنْ حَرَمِهِ وَأَمْنِهِ إلَى الْوُقُوفِ بِذَلِكَ الْبَابِ الْجَلِيلِ لِيَبْتَهِلُوا إلَيْهِ فِي إمْدَادِ أَشْبَاحِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ بِحَيَاتِهِ وَمَعَارِفِهِ الْأَزَلِيَّةِ الْأَبَدِيَّةِ الَّتِي مَا شُرِّفَ عُنْصُرُ الْإِنْسَانِ حَتَّى عَلَى عُنْصُرِ الْمَلَائِكَةِ إلَّا بِهَا فَلِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْمَوْهِبَةِ الْجَسِيمَةِ كَانَ الْوُقُوفُ بِمَحَلِّهَا أَعْظَمُ الْأَرْكَانِ لِلْحَجِّ وَكَانَ كَأَنَّهُ كُلُّ الْحَجِّ فَمِنْ ثَمَّ «قَالَ ﷺ الْحَجُّ عَرَفَةَ» فَيَنْبَغِي لِلْوَاقِفِ بِهَا أَنْ يَسْتَحْضِرَ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعَ وَذَلِكَ التَّعْرِيفَ لَعَلَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الِاجْتِمَاعُ الْأَكْبَرُ عَلَى رَبِّهِ الْمُسْتَلْزِمِ لَأَنْ يَمُدَّهُ بِعِظَمِ مَوَاهِبِهِ اللَّدُنِّيَّةِ وَمَعَارِفِهِ الْإِلَهِيَّةِ وَقُرْبِهِ الْأَقْدَسِ وَكَرْمِهِ الْأَنْفَسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ قَائِلًا «لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته صِرْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرَجُلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» .
وَأَمَّا مَبِيتُ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيُ الْجِمَارِ فَحِكْمَتُهَا إحْيَاءُ مَحَالِّ الْأَنْبِيَاءِ وَمَآثِرِهِمْ أَلَا تَرَى «أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﷺ لَمَّا أَرَادَ ذَبْحَ وَلَدِهِ عِنْدَ مَحَلِّ
стр. 398
الْجَمْرَةِ الْأُولَى ظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ اللَّعِينُ لِيُثْنِيَ عَزْمَهُ عَنْ ذَلِكَ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى غَابَ عَنْهُ ثُمَّ انْتَقَلَ إبْرَاهِيمُ إلَى مَحَلِّ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَبَرَزَ لَهُ اللَّعِينُ وَرَمَاهُ بِسَبْعٍ إلَى أَنْ غَابَ فِي الْأَرْضِ أَيْضًا ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَحَلِّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَبَرَزَ لَهُ فَرَمَاهُ بِسَبْعٍ حَتَّى غَابَ فِي الْأَرْضِ أَيْضًا» كَمَا جَاءَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي حَدِيثٍ فَلِذَا وَجَبَ الرَّمْيَ إحْيَاءً لِتِلْكَ الْمَنْقَبَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِأَبِينَا إبْرَاهِيمَ لِنَتَذَكَّرَهُ وَنُحْيِيَ مَعَالِمَهُ وَنَتَأَسَّى بِهِ فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ بِكُلِّ مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ بَرَزَ لَنَا لَحَصَبْنَاهُ كَمَا حَصَبَهُ أَبُونَا.
وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ الرَّمْيِ أَنْ يَتَذَكَّرَ ذَلِكَ وَظَهَرَ بِمَا تَقَرَّرَ حِكْمَةُ وُجُوبِ رَمْيِ الْحِجَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ أَنَّ ذَلِكَ تَعَبُّدٌ وَنَظِيرُهُ وُجُوبِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ إظْهَارًا لِتَعْظِيمِهِ وَلِإِحْيَاءِ شِعَارِ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُمْ طَافُوا بِهِ أَلْفَيْ سَنَةٍ قَبْلَ آدَمَ ﷺ وَشِعَارُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا حَجَّ الْبَيْتَ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَثْنَى هُودًا وَصَالِحًا.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - وَأَمَّا الْمَوَاقِيتُ فَحِكْمَتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي مُلُوكِ الدُّنْيَا أَنَّهُ إذَا وَفَدَ عَلَيْهِمْ عَبِيدُهُمْ أَوْ عُصَاةُ عَبِيدهمْ يَكُونُونَ عَلَى غَايَة مِنْ الذِّلَّة وَالْخُضُوع وَالشُّعْثِ وَالْغَبَرَةِ رَجَاءً لِرِضَا سَادَاتِهِمْ إذَا رَأَوْهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ الَّذِي كُلُّ مَنْ رَأَى صَاحِبَهُ رَحِمَهُ فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَاصِدِي الدُّخُولِ إلَى حَضْرَتِهِ الْعُظْمَى الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ حَضَرَاتِ الدُّنْيَا إذْ اجْتِمَاعُ النَّاسِ بِعَرَفَةَ كَاجْتِمَاعِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ وَدُخُولُهُمْ إلَى حَرَمِهِ وَأَمْنِهِ كَدُخُولِهِمْ إلَى الْجَنَّةِ أَنْ لَا يَأْتُوهَا إلَّا وَهُمْ غُبْرٌ شُعْثٌ عُرَى عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ كَمَا يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ فِي الْمَحْشَرِ كَذَلِكَ لِيَتَحَقَّقُوا بِمَا يُنِيلُهُمْ خَيْرَ مَا عِنْدَهُ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِهِ وَإِنَّمَا كَانَ مِيقَاتُهُ ﷺ أَبْعَدَهَا لِمَزِيدِ فَضْلِهِ وَلِيُنَاسَبَ إكْمَالَ الْأَكْبَرِ الَّذِي أُوتِيَهُ وَكَانَتْ الْجُحْفَةُ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا الَّتِي تَلِيه بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمَوَاقِيتِ فَلِذَا اسْتَوَتْ وَهَذَا الْمَحَلُّ يَحْتَاجُ إلَى مَزِيدِ بَسْطٍ لَكِنْ ضَاقَ الْقِرْطَاسُ عَنْهُ وَقَدْ أَشَرْت إلَى أُصُولِهِ بِمَا لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَنِي إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ شَخْصٍ أَحْرَمَ إحْرَامًا مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّنَ شَيْئًا وَأَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يَقْضُوا عَنْهُ مَا أَفْسَدَهُ أَيَقْضُونَ عَنْهُ حَجًّا وَعُمْرَةً وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِغَيْرِ هَذَا لِأَنَّهُ اشْتَغَلَتْ ذِمَّتُهُ بِإِحْرَامٍ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمَا فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِقَضَائِهِمَا كَمَا لَوْ شَكَّ مَنْ عَلَيْهِ خَمْسُ دَرَاهِمَ وَشَاةٍ هَلْ أُخْرِجُ أَحَدَهُمَا أَمْ لَا فَإِنَّهُ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ إلَّا بِقَضَائِهِمَا أَمْ يَقْضُونَ عَنْهُ أَحَدَهُمَا وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِهِ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَتْ ذِمَّتُهُ بِإِحْرَامٍ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِأَحَدِهِمَا وَإِذَا فَعَلُوا أَحَدَهُمَا كَانَ الْآخَرُ كَالْمَشْكُوكِ وَالْمَشْكُوكُ كَالْمَعْدُومِ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ عَلَيْهِ خَمْسُ دَرَاهِمَ أَوْ شَاةٍ فَقَضَى أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدَّمَةٍ غَفَلَ عَنْهَا السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَهِيَ أَنَّ إفْسَادَ الْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ لَا يَقْتَضِي تَعْيِينَهُ بَلْ هُوَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ فَإِنْ عَيَّنَهُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ لِحَجٍّ كَانَ مُفْسِدًا لَهُ أَوْ لِعُمْرَةٍ كَانَ مُفْسِدًا لَهَا أَوْ لَهُمَا وَإِنَّ الْوَارِثَ هَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ مُورِثُهُ فِي التَّعْيِينِ أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ خَلِيفَتُهُ أَوَّلًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ النِّيَّاتِ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ النِّيَابَةَ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ هُوَ الثَّانِي فَقَدْ صَرَّحُوا بِنَظِيرِهِ فِي قَوْلِهِمْ لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَمَاتَ قَبْلَ اخْتِيَارِ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرِ مِنْهُنَّ لَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَلَمْ يَقْصِدْ مُعَيَّنَةً مِنْهُمَا وَمَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ لَمْ يُعَيَّنْ وَارِثُهُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ وَتَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَتَبِعَهُ الْحَاوِي مِنْ أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ كَالْبَيَانِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَوَّلِ الْمُعْتَمِدِ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبَيَانَ إخْبَارٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِخَبَرٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَالتَّعَيُّنُ اخْتِيَارٌ يَصْدُرُ عَنْ شَهْوَةٍ فَلَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِيهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
وَوَجْهُ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَهَذَيْنِ أَنَّ التَّعْيِينَ فِيهَا اخْتِيَارٌ يُصْدَرُ عَنْ شَهُوّهُ أَيْضًا لِأَنَّ مَنْ أَحْرَمَ إحْرَامًا مُطْلَقًا يُفَوَّضُ التَّعْيِينُ إلَى اخْتِيَارِهِ وَشَهْوَتِهِ فَهُمَا عَيْنُهُ مِنْهُمَا لَزِمَهُ الْجَرْيُ عَلَى أَحْكَامِهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَأَنَّ الْوَارِثَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ
стр. 399
الْمُطْلَقِ لَمْ يَتَأَتَّ مَا قَالَهُ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ كَانَ مُفْسِدًا لِإِحْرَامِ مُطْلَقٍ وَالْإِحْرَامُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَعْيِينُهُ يَتَعَذَّرُ بِهِ الْإِتْيَانُ فَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ قَضَاءٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِتَعْذِرْهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الَّذِي فَسَدَ إحْرَامٌ مُطْلَقٌ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدِ الْإِفْسَادِ مِنْ التَّعْيِينِ حَتَّى يَقَعَ الْقَضَاءُ لِمَاهِيَّتِه وَأَنَّ التَّعْيِينَ مِنْ الْوَارِثِ مُتَعَذِّرٌ وَأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ التَّعْيِينُ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ لِتَعْذِرْ قَضَاءِ الْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ.
هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْوَارِثُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ فَلَا يَتَأَتَّى مَا ذَكَرَهُ السَّائِلَ أَيْضًا لِأَنَّا إذَا فَوَّضْنَا التَّعْيِينَ إلَى الْوَارِثِ فَإِنَّ عَيَّنَ حَجًّا لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ أَوْ عُمْرَةً لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا أَوْ حَجًّا وَعُمْرَةً لَزِمَهُ قَضَاؤُهُمَا كَمَا أَنَّ الْمُوَرَّثَ الْمُفْسِدَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا عَيَّنَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرَةُ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ فِيمَنْ اشْتَغَلَتْ ذِمَّتُهُ بِخَمْسِ دَرَاهِمَ وَشَاةٍ ثُمَّ شَكَّ فِي إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا لِتَيَقُّنِ شَغْلِ ذِمَّتِهِ فِي هَذِهِ بِشَيْئَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ ثُمَّ شَكَّ فِي سُقُوطِ أَحَدِهِمَا وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَذِمَّتُهُ لَمْ تَشْتَغِلْ إلَّا بِإِحْرَامٍ مُطْلَقٍ فَإِنْ قُلْنَا يَتَعَذَّرُ تَعْيِينُهُ عَلَى الْوَارِثِ فَوَاضِحٌ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ فِيهِ فَلَا يَجِبُ وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ تَعَذُّرِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ يُعَيِّنُ مَا شَاءَ وَيَقْضِيه.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ قَالَ أَصْحَابُنَا الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا الْإِدْخَالُ وَلَا يَصِيرُ قَارِنًا مَعَ أَنَّهُ الْوَاقِعُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ ﷺ إنَّمَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لِحَاجَةٍ هِيَ إعْلَامُهُ لِمُنْكَرِي الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِجَوَازِهَا فِيهَا فَآثَرَ ﷺ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا لِفَضْلِهِ ثُمَّ ظَهَرَتْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ بِإِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ لِيُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ فِي هَذَا الْمَجْمَعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ نَظِيرُهُ جَوَازَهَا رَدًّا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ عَدِّهَا فِيهَا مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ وَإِنْ كَانَ بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْحَاجَةَ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا هُوَ سَبَبُ الْخُصُوصِيَّةِ وَدَلِيلُهَا فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِمُجِيزِ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِعْلِيَّةٌ وَهِيَ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَال سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهَا فَمَا بَالُك بِهَذِهِ الَّتِي قَامَتْ الْأَدِلَّةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ هَذَا الْغَرَضِ فَظَهَرَ بِذَلِكَ دَلِيلُ الْمَذْهَبِ وَأَنَّهُ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ وَأَدَامَ النَّفْعَ بِهِ عَمَّنْ أَحْرَمَ وَبِيَدِهِ صَيْدٌ مَرْهُونٌ أَوْ أَحْرَمَ الْوَلِيُّ عَنْ الصَّبِيِّ وَبِمِلْكِ الصَّبِيِّ صَيْدٌ مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَزُولُ مِلِكُهُ عَنْ الصَّيْدِ الَّذِي أَحْرَمَ وَهُوَ مَرْهُونٌ كَمَا ذَكَرْته فِي شَرْح الْعُبَابِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِ الصَّبِيِّ صَيْدٌ فَهَلْ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ إرْسَالُهُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَمَا يَغْرَمُ النَّفَقَةَ الزَّائِدَةَ بِالسَّفَرِ فِيهِ احْتِمَالَانِ اهـ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ تَرْجِيحُهُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَّطَهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) مَتَّعَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِحَيَاتِهِ عَمَّنْ وَكَّلَ آخَرَ لِيَسْتَأْجِرَ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْ مَيِّتِ الْمُوَكِّلِ فَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَحَجَّ الْأَجِيرُ ثُمَّ طَلَبَ أُجْرَتَهُ فَقَالَ الْمُوَكِّلُ أَنَا عَزَلْت الْوَكِيلَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ وَمَعَهُ بَيِّنَةٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ لِكَوْنِهِ أَلْجَأَ الْوَكِيلَ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ وَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْوَكِيلُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ وَلَا تَعْزِيرَ وَأَمَّا الْمُوَكِّلُ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ عَلَى الْعَزْلِ لَزِمَهُ الْمُسَمَّى فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَادِلَةً أَنَّهُ عَزَلَ وَكِيلَهُ قَبْلَ الِاسْتِئْجَارِ بَانَ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ لَكِنَّهُ قَدْ غَرَّ الْأَجِيرَ وَوَقَعَ الْحَجُّ لِلْمَيِّتِ وَإِنْ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِلْأَجِيرِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قِيَاسًا أَوْلَوِيًّا عَلَى قَوْلِهِمْ إذَا لَمْ نُجَوِّزْ الِاسْتِئْجَارَ لِلتَّطَوُّعِ وَقَعَ الْحَجُّ عَنْ الْأَجِيرِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُسَمَّى بَلْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَيُوَجِّهُ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ غَيْرَ مُضْطَرٍّ لِلِاسْتِئْجَارِ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ عَلِمَ امْتِنَاعَهُ لِلتَّطَوُّعِ فَلَمْ يُعَارِضْ تَعْزِيرَهُ لِلْأَجِيرِ شَيْءٌ فَلَزِمَهُ لَهُ مُقَابِلُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَنَافِعِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا الْمُوَكِّلُ قَدْ غَرَّ الْأَجِيرَ وَلَمْ يُعَارِضْ تَغْرِيرَهُ شَيْءٌ فَيَلْزَمهُ لَهُ مُقَابِلُ مَنَافِعِهِ الَّتِي أَتْلَفَهَا وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فِي مَسْأَلَتِنَا وَقَعَ لِمُوَرِّثِ الْمُوَكِّلِ وَفِي صُورَةِ الْأَصْحَابِ وَقَعَ لِلْأَجِيرِ نَفْسِهِ
стр. 400
فَإِذَا أَوْجَبُوا لَهُ مَعَ ذَلِكَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ كَمَا قُلْنَا أَوْ نَحْوَهُ فَأَوْلَى أَنْ يُوجِبُوهَا لَهُ هُنَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ اهـ مَا مُرَادُهُ فَإِنَّ الْحَجَّ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ وَلَمْ يَحُجَّ ﷺ إلَّا سَنَةَ عَشْرٍ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَاعْتَمَرَ أَرْبَعًا لَكِنْ هَلْ هَذِهِ الْعُمَرُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِالْحَجِّ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا صُورَتُهُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهَا إلَى أَنْ فُرِضَ الْحَجُّ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ أَقْوَالٌ بَلْ مَا مِنْ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ إلَّا قِيلَ أَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ فِيهَا وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ أُذِنَ ﷺ لِأَمِيرِ مَكَّةَ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ فِي الْحَجِّ بِالنَّاسِ فَحَجَّ بِهِمْ وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أُذِنَ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ فَحَجَّ بِهِمْ ثُمَّ بَعَثَ فِي أَثَرِهِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لِيُؤَذِّنَ بِسُورَةٍ بَرَاءَةٍ فِي الْمَوْسِمِ لِأَنَّ الْعَادَةَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ نَبْذَ الْعُهُودِ وَنَحْوَهُ لَا يَبْلُغُهُ عَنْ الْكَبِيرِ إلَّا رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِهِ وَجِلْدَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَهَذَا هُوَ حِكْمَةُ بَعْثِ عَلِيٍّ ﵁.
وَلَمْ يَكُنْ لِعَلِيٍّ دَخْلٌ فِي الْإِمَارَةِ تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ حَجَّ ﷺ بِنَفْسِهِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ مَعَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ فِي الْأَشْهُرِ وَفِيهَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فَاسْتَشْعَرَ ﷺ مِنْ ذَلِكَ قُرْبَ أَجْلِهِ إذْ الْكَمَالُ عَلَامَةٌ عَلَى الزَّوَالِ فَوَدَّعَ أَصْحَابَهُ فِي خُطْبَتِهِ بِمِنًى وَقَالَ لَهُمْ «بَلِّغُوا عَنِّي فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ» وَكَانَ كَذَلِكَ وَلَا زَالَ ﷺ يُشِيرُ إلَيْهِمْ إلَى أَنْ وَصَلَ وَهُوَ رَاجِعٌ لِلْمَدِينَةِ إلَى غَدِيرِ خُمٍّ قُرْبَ رَابِغٍ فَأَمَرَ بِجَمْعِهِمْ ثُمَّ خَطَبَهُمْ وَوَصَّاهُمْ بِالِاسْتِمْسَاكِ بِالْقُرْآنِ وَبِأَهْلِ بَيْتِهِ.
وَقَالَ فِي حَقِّ عَلِيٍّ «مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلَاهُ وَقَالَ لَهُ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ثُمَّ لَمَّا وَصَلَ الْمَدِينَةَ أَقَامَ بِهَا شَهْرَ الْمُحْرِمِ وَشَهْرَ صَفَرٍ فَوَعَكَ فِي أَوَاخِرِهِ فَرَقَى الْمِنْبَرَ وَخَطَبَ وَأَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ لَكِنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ الصَّحَابَةُ الْإِشَارَةَ إلَى ذَلِكَ إلَّا خَلِيفَتُهُ الْأَكْبَرُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَكَرَّمَ وَجْهَهُ فَحِينَئِذٍ أَثْنَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَأَعْلَمَهُمْ بِغُرَرِ فَضَائِلِهِ وَأَشَارَ لَهُمْ إلَى أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ الْحَقُّ بَعْدَهُ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِسَدِّ الْخَوْخِ النَّافِذَةِ لِلْمَسْجِدِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ فَسُدَّتْ كُلُّهَا حَتَّى خَوْخَةَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ وَزَادَ فِي تَأْكِيدِهِ إلَى أَنْ قَرَّبَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِتَقْدِيمِهِ لِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ حَاوَلَتْهُ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ﵄ مِرَارًا عَلَى تَقْدِيمِ غَيْرِهِ كَعُمَرَ ﵁ فَلَمْ يَلْتَفِتْ ﷺ لِذَلِكَ بَلْ زَجَرَهُمَا وَعَنَّفَهُمَا أَعْنِي عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﵄ ثُمَّ قَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ثُمَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ حَتَّى عَلِيٌّ وَأَهْلُ الْبَيْتِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
وَأَمَّا عُمَرُهُ ﷺ فَهِيَ سِتٌّ عُمْرَةٌ فِي رَجَبَ وَأُخْرَى فِي شَوَّالٍ وَأَرْبَعَةٌ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أُولَاهَا سَنَةَ سِتٍّ وَهِيَ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ فَصُدَّ ﷺ عَنْ الْبَيْتِ لِلصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا فَتَحَلَّلَ وَرَجَعَ ثُمَّ عَادَ فِي الْقَعْدَةِ وَأَحْرَمَ فِي بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَنْ قَالَ كَالرَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَذِهِ مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَقَدْ غَلِطَ ثُمَّ جَاءَ وَدَخَلَ مَكَّةَ وَتُسَمَّى عُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةُ وَلَمَّا قَضَوْا أَفْعَالَ عُمْرَتِهِمْ خَرَجُوا مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثَالِثُهَا عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ فَإِنَّهُ ﷺ أَذِنَ لَهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فَفَتَحَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَجَعَ بِغَنَائِمِهِمْ إلَى الْجِعْرَانَةِ وَأَقَامَ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا لَيْلًا مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ وَرَابِعُهَا الْعُمْرَةُ الَّتِي أَدْخَلَهَا عَلَى حَجِّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ قَالُوا فِي بَابِ الْحَجِّ وَأَهْمَلَ
стр. 401
بَعْضُهُمْ شَرْطًا خَامِسًا لِلْحَجِّ وَهُوَ سَعَةُ الْوَقْتِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ السَّيْرِ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْوَقْتِ هَلْ هُوَ مُدَّةُ السَّنَةِ بِأَنْ يَبْقَى مِنْهَا قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى مَكَّةَ فَيُشَكَّل بِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَوْقَ سَنَةٍ أَوْ فَوْقَ السَّنَةِ وَالْوَقْتُ وَاسِعٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَبْقَى مِنْ الزَّمَانِ عِنْدَ وُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ السَّيْرُ بِأَنْ لَا يَحْتَاجَ أَنْ يَقْطَعَ كُلَّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ مُرَحِّلَةٍ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الزَّمَانِ وَلَا يَخْفَى الْإِشْكَالُ السَّابِقُ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ لِوُضُوحِ الْمُرَادِ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّا نَعْتَبِرُ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ حَتَّى تَجِبَ الْمُبَاشَرَةُ وَيَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ وَيُقْضَى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ بِشُرُوطِهِمَا وَقْتَ خُرُوجِ قَافِلَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا وَقَدْ بَقِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إدْرَاكِ وُقُوفِ عَرَفَةَ زَمَنَ يَصِلُونَ فِيهِ لَوْ سَارُوا السَّيْرَ الْمُعْتَادَ بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُونَ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ كُلَّ يَوْمٍ فَمِنْ بَيْنِ بَلَدِهِ وَمَكَّةَ مَسَافَةُ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ أَوْ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرِ أَوْ أَقَلَّ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ أَنْ يُتَمَكَّنَ مِنْهُ بِأَنْ تُوجَدَ فِيهِ شُرُوطُهُ أَوَّلُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ سِنِينَ مَثَلًا وَتَمَكَّنَ فِي زَمَنٍ ثُمَّ مَضَى عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ ثَلَاثَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ حَكَمْنَا بِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ سَافَرَ أَوَّلَ مَا تَمَكَّنَ أَدْرَكَ الْحَجَّ.
فَلَمَّا تَرَكَ إلَى أَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُقَصِّرٌ وَحَكَمْنَا بِفِسْقِهِ فِي هَذَا الْمِثَالِ مِنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ التَّمَكُّنِ إلَى مَوْتِهِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلُ لَهُ تَمَكُّنٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَشَمَلَهُ قَوْلُهُمْ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ مِنْ آخِرِ سِنِي التَّمَكُّنِ أَيْ مِنْ آخِرِ أَوْقَاتِهِ مِنْهَا وَالثَّلَاثُ فِي مِثَالِنَا بِمَنْزِلَةِ أَوَاخِرِ شَوَّالٍ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ مِصْرَ وَنَحْوِهِمْ فَاتَّضَحَ الْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ مَا فِي السُّؤَالِ وَأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مَكِّيٍّ خَرَجَ لِزِيَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَزَارَ ثُمَّ وَصَلَ ذَا الْحُلَيْفَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا لِأَنَّ مِنْ الْغَالِبِ أَنَّ الْمَكِّيَّ الْمُقِيمَ بِمَكَّةَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ فَكَانَ كَقَاصِدِ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ فِي مَوَاضِعَ حَيْثُ قَالَ إذَا حَجَّ وَاعْتَمَرَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ لَا تَتَكَرَّرُ كَزِيَارَةِ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ كَانَ مَكِّيًّا سَافَرَ فَأَرَادَ دُخُولَهَا عَائِدًا مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ دُونَ مَكَّةَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ اهـ مُلَخَّصًا وَقَالَ أَيْضًا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مَرِيدًا حَجَّ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ وَأَحْرَمَ مِنْهَا فِيهَا فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ وَجْهَانِ أَوْ حَجَّ الْأُولَى فَحَجَّ الثَّانِيَةَ فَلَا دَمَ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ اهـ.
وَقَالَ أَيْضًا وَلَوْ مَرَّ مُسْلِمٌ بِالْمِيقَاتِ مَرِيدًا لِلْحَجِّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ الْوَجْهَانِ كَالْكَافِرِ اهـ وَالْمُرَجَّحُ فِي الْكَافِرِ لُزُومُ الدَّمِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأَرْجَحَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ فِي الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ لُزُومُ الدَّمِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي الْخِلَافِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهَا الِاتِّحَادُ فِي التَّرْجِيحِ لَكِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ مَرِيدًا نُسُكًا وَلَوْ فِي سَنَةٍ آتِيَةٌ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِنُسُكٍ مِنْ الْمِيقَاتِ إمَّا حَجٌّ إنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ أَوْ عُمْرَةٌ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ بِمَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّهُ بِإِرَادَتِهِ لِلنُّسُكِ الْآتِي عِنْدَ مُجَاوَزَةٍ الْمِيقَاتِ صَارَ قَاصِدًا الْحَرَمَ بِمَا وَضَعَ لَهُ فَلَزِمَهُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ حَرِيمَهُ وَهُوَ الْمِيقَاتُ إلَّا بِالتَّلَبُّسِ بِمَا نَوَاهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَبِنَظِيرِهِ رِعَايَةً لِتَعْظِيمِ الْحَرَمِ الَّذِي وَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ لِأَجْلِهِ مَا أَمْكَنَ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ قَدْ لَا يَفْعَلُ النُّسُكَ إلَّا فِي الَّذِي نَوَاهُ فَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ إذَا شَرَطَ لُزُومَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا قَصَدَهُ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ.
وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ لِلْمِيقَاتِ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلُزُومِ الدَّمِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِصْيَانِ بِالْمُجَاوَزَةِ فَلَا نَظَرَ إلَّا إلَى نِيَّتِهِ فَحَسْب كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَبِمَا تَقَرَّرَ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَجْمُوعَيْ عِبَارَتَيْ الْمَجْمُوعِ الْأَخِيرَتَيْنِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى فِي الْمَكِّيِّ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ النُّسُكَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ سَيَحُجُّ غَالِبًا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَكِّيِّ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ أَنَّهُ إنْ كَانَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ قَاصِدًا نُسُكًا حَالًّا أَوْ مُسْتَقْبَلًا لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ بِذَلِكَ النُّسُكِ أَوْ بِنَظِيرِهِ وَإِلَّا أَثِمَ وَلَزِمَهُ الدَّمُ بِشَرْطِهِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ قَاصِدًا وَطَنَهُ أَوْ غَيْرَهُ وَلَمْ يَخْطِرْ لَهُ قَصْدُ مَكَّةَ لِنُسُكٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا
стр. 402
جَاءَ الْحَجُّ وَهُوَ بِمَكَّةَ حَجَّ أَوْ أَنَّهُ رُبَّمَا خَطَرَتْ لَهُ الْعُمْرَةُ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَيَفْعَلُهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ قَاصِدًا الْحَرَمَ بِمَا وَضَعَ لَهُ مِنْ النُّسُكِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاصِدُهُ لِأَمْرٍ آخَرَ وَاحْتِمَالُ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدُ لَا نَظَرَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصْدَهُ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ لِنُسُكٍ حَاضِرٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنَّهُ قَاصِدُهُ لِمَا وُضِعَ لَهُ فَلَزِمَهُ تَعْظِيمُهُ بِهِ أَوْ بِنَظِيرِهِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَ الْإِحْرَامُ لِأَجْلِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ فِيهِ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ مَا ذَكَرْته لَك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَلَقَدْ زَلَّ فِيهِ نَظَرُ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَجْمُوعِ الَّتِي ذَكَرْتهَا فَأَفْتَى بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا أَوْصَى بِحَجَّةٍ مِنْ بَلَدِهِ وَجَاوَزَ وَارِثُهُ الْمِيقَاتَ وَاسْتَأْجَرَ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ فَهَلْ الدَّمُ وَالْمَحْطُوطُ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى الْوَارِثِ أَوْ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْوَارِثَ لَمَّا اسْتَأْجَرَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّ شَرَطَ الْإِحْرَامَ مِنْهَا أَوْ مِنْ دُونَ مِيقَاتِ الْمَيِّتِ الشَّرْطِيِّ أَوْ الشَّرْعِيِّ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ إلَّا أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَالدَّمُ عَلَى الْوَارِثِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَالدَّمُ وَالْحَطُّ عَلَى الْأَجِيرِ لِتَقْصِيرِهِ بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ كَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ لَا الْمُبَاشِرِ وَقَالَ آخَرُونَ الْعِبْرَةُ بِمِيقَاتِ الْمُبَاشِرِ كَمَكَّةَ لِلْمَكِّيِّ فَعَلَيْهِ لَا دَمَ وَلَا حَطَّ مُطْلَقًا إلَّا إنْ عَيَّنَ الْمُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ أَنَّهُ يُحْرِمُ عَنْهُ مِنْ مَوْضِعِ مُعَيَّنٍ قَبْلَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ اتِّفَاقًا وَمَتَى خَالَفَهُ الْأَجِيرُ لَزِمَهُ الدَّمُ وَالْحَطُّ إنْ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ وَإِلَّا لَزِمَهُ الدَّمُ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ مَا لَمْ يَشْرِطْ الْوَارِثُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَالدَّمُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَرَّرَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا مَاتَ مَنْ لَمْ تَلْزَمْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ وَلَمْ يُوصِ بِهَا فَحَجَّ عَنْهُ وَارِثُهُ هَلْ يَقَعُ عَنْهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يَقَعُ لَهُ كَمَا حَرَّرْته مَعَ اسْتِيعَابِ مَا فِيهِ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي حَاشِيَةِ إيضَاحِ النَّوَوِيِّ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَحْضُ نُسُكٍ نَفْلٍ حَتَّى يُقَالَ بِامْتِنَاعِهِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يُوصِ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ حَجَّ إذَا وَقَعَ يَقَعُ فَرْضًا إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ حَجٌّ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا أَنْ كَانَ هَذَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ خَرَجَ عَنْ مُشَابَهَتِهِ النَّفَلَ نَظَرًا لِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ تَوْسِيعًا لِتَحْصِيلِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِعَظْمِ نَفْعِهَا وَإِنْ لَمْ يُشَابِهْهُ مِنْ حَيْثِيَّةِ عَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْوَارِثِ وَإِنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ تَرِكَةً.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ أَلْزَمْت ذِمَّتَك حَجَّةً عَنْ فُلَانٍ بِنَفْسِك هَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا هُنَا عَنْ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ صِحَّةِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَنِيبُ فَتَكُونُ إجَارَةَ عَيْنٍ وَقَوْلُ الْإِمَامِ يَبْطُلُ ضَعِيفٌ وَإِنْ تَبِعَاهُ فِي الْإِجَارَةِ وَمَالَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجَّ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ يَتَعَيَّنُ الِاحْتِيَاطُ فِي أَدَائِهَا مَا أَمْكَنَ وَأَغْرَاضُ النَّاسِ فِي عَيْنِ مَنْ يُحَصِّلُ هَذِهِ الْقُرْبَةَ مُتَفَاوِتَةٌ تَفَاوُتًا كَثِيرًا وَحِينَئِذٍ فَلَمَّا عَقَبَ إلْزَامَ ذِمَّتِهِ بِقَوْلِهِ لِتَحُجَّ بِنَفْسِك عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْإِجَارَةِ الذِّمِّيَّةِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَلُّقَهُ بِعَيْنِهِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَإِنْ وُجِدَتْ الْعَدَالَةُ فِي الْكُلِّ وَبَقِيَ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ مُهِمٌّ بَسَطْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَقُلْتُمْ يَلْزَمُهُ التَّحَلُّلُ هَلْ يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةُ التَّحَلُّلِ قِيَاسًا عَلَى الْمُحْصَرِ أَمْ لَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَهَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلٌ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نَقْلٌ عَنْ أَحَدٍ فِيهَا فَبَيَّنُوهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ كَغَيْرِهِ وَيَتَحَلَّلُ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ وَقَضَيْته أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِنِيَّةِ الْعُمْرَةِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ وَهُوَ كَذَلِكَ انْتَهَتْ وَوَجْهُهُ اتِّفَاقُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ عُمْرَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا حَقَقْته فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا وَأَنَّ لِذَلِكَ وَجْهًا وَاضِحًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ لِمَ قُلْتُمْ بِسُقُوطِ الدَّمِ عَنْ الْقَارِنِ بِعَوْدِهِ إلَى الْمِيقَاتِ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ مَعَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَمْ يَرْبَحْ أَحَدَ الْعَمَلَيْنِ وَالْقَارِنُ رَبِحَهُ فَكَانَ الْقِيَاسُ لُزُومُ الدَّمِ لَهُ مَا لَمْ يَعُدْ لِلْمِيقَاتِ وَيُكَرِّرُ الْأَعْمَالَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَرْبَحْ شَيْئًا فَيَكُونُ نَظِيرَ الْمُتَمَتِّعِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ يَقْتَصِرُوا فِي إيجَابِ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ بِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ فَقَطْ حَتَّى يَرُدَّ مَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّهُ ﷺ «ذَبَحَ
стр. 403
عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ وَكُنَّ قَارِنَاتٍ» .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدَّمَ الْوَاحِدَ كَافٍ فِي الْقِرَانِ مَعَ التَّرَفُّهِ فِيهِ بِشَيْئَيْنِ تَرْكِهِ الْمِيقَاتِ وَتَرْكِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ إذَا وُجِدَ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَإِلَّا لَمْ يَجْبُرهُمَا دَمٌ وَاحِدٌ وَإِذَا لَمْ يُنْظَرْ لِكُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ فَإِمَّا أَنْ يُنْظَرَ لَهُمَا مَعًا أَوْ لِأَقْوَاهُمَا لَكِنَّهُمْ آثَرُوا النَّظَرَ لِأَقْوَاهُمَا وَهُوَ رِبْحُ الْمِيقَاتِ لِأَنَّهُ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ فِي إيجَابِ دَمِ التَّمَتُّعِ فَمِنْ ثَمَّ جَعَلُوا التَّمَتُّعَ أَصْلًا لِلْقِرَانِ فِي هَذَا كَمَا أَنَّهُ أَصْلٌ لَهُ فِي سُقُوطِ دَمِهِ إذَا كَانَ فَاعِلُهُ مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ عَلَى أَنَّ قِيَاسَ الدُّونِ حُجَّةٌ وَهُوَ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي أَصْلِهِ مَظْنُونَةٌ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهَا كَقِيَاسِ التُّفَّاحِ عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْكَيْلُ أَوْ صَلَاحِيَّةُ الِادِّخَارِ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَمَا هُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ كَوْنَ الْعِلَّةِ فِي التَّمَتُّعِ رِبْحُ الْمِيقَاتِ مَظْنُونَةً لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا تُمَتِّعُهُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَمَا قِيلَ بِهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي سُقُوطِ الدَّمِ بِالْعَوْدِ إلَى الْمِيقَاتِ قَصْدُ الْعَوْدِ لِأَجْلِ سُقُوطِ الدَّمِ أَوْ يَكْفِي بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَلَوْ لِشُغْلٍ كَمَا فِي الْوُقُوفِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَكْفِي هَذَا الْأَخِيرُ كَالْوُقُوفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ حَيْثُ قَالَا لَوْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ وَعَادَ لِمِيقَاتِهَا لِشُغْلٍ لَا لِأَجْلِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ سَقَطَ الدَّمُ زَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَخْرِيجَهُ عَلَى الْوُقُوفِ فَافْهَمْ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ لَا يَتَأَثَّرُ بِالصَّارِفِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الْقَصْدَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ مُحْرِمًا.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ إحْرَامِ مِصْرِيٍّ مَثَلًا جَاوَزَ رَابِغًا مُرِيدًا النُّسُكَ مِنْ رَابِغٍ ثُمَّ عَادَ مِنْ عُسْفَانَ إلَى رَابِغٍ مُحْرِمًا هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِذَلِكَ أَوْ يَحْتَاجُ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ عُسْفَانَ إلَى رَابِغٍ ثُمَّ رُجُوعُهُ وَدُخُولُهُ مَكَّةَ إلَى عَوْدِهِ إلَى عُسْفَانَ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَالْإِفْتَاءُ بِالثَّانِي لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى مَكَّةَ مُحْرِمًا وَهُوَ حَاصِلٌ بِعَوْدِهِ مِنْ عُسْفَانَ لِلْمِيقَاتِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ مَرَّ بِمِيقَاتِهِ مَرِيدًا لِلنِّسْكَيْنِ بِلَا إحْرَامٍ إلَى أَنْ دَخَلَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِهِمَا فِيهَا فَهَلْ يَكْفِي لِإِسْقَاطِ الدَّمِ عَوْدُهُ لِلْمِيقَاتِ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْوَجْهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْعَوْدِ مَرَّةً لِأَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ مُنْغَمِرَةٌ فِي حَجِّهِ صِحَّةً وَفَسَادًا وَغَيْرَهُمَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ مَرْهُونٌ أَوْ أَحْرَمَ الْوَلِيُّ عَنْ الصَّبِيِّ وَفِي مِلْكِ الصَّبِيِّ صَيْدٌ مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي رَجَحْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُ صَيْدٍ بِمِلْكِهِ لَكِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ كَالرَّهْنِ لِأَنَّهُ بِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ صَارَ عَاجِزًا عَنْ إرْسَالِهِ وَإِنْ أَيْسَرَ بِقِيمَتِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالْعِتْقِ حَيْثُ يَصِحُّ مِنْ الرَّاهِنِ الْمُوسَرِ وَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ بِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ لِلْعِتْقِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِ الصَّبِيِّ صَيْدٌ فَهَلْ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ إرْسَالُهُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَمَا يَغْرَمُ النَّفَقَةَ الزَّائِدَةَ بِالسَّفَرِ فِيهِ احْتِمَالَانِ اهـ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَّطَهُ فِي كَمَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدِّمَاءِ الَّتِي لَزِمَتْ الصَّبِيَّ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَّطَهُ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ وَكَّلَ آخَرَ فِي اسْتِئْجَارِ مَنْ يَحُجُّ عَنْ مَيِّتِهِ فَاسْتَأْجَرَ الْوَكِيلُ وَسَافَرَ الْأَجِيرُ لِلْحَجِّ وَعَادَ وَطَلَبَ أُجْرَتَهُ فَقَالَ الْمُوَكِّلُ كُنْت عَزَلْت وَكِيلِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَك وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ لِإِلْجَائِهِ الْوَكِيلَ لِذَلِكَ أَوْ لَا فَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ لِإِلْجَائِهِ الْأَجِيرَ لِذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا شَيْءٌ لِأَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ لِلْأَجِيرِ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَقَعْ سَعْيُهُ عَبَثًا بَلْ حَصَلَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ وُقُوعُ الْحَجِّ لَهُ وَهُوَ فَائِدَةٌ أَيُّ فَائِدَةٍ.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ ﵀ كَانَ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ اهـ مَا مُرَادُهُ فَإِنَّ الْحَجَّ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ وَلَمْ يَحُجَّ ﷺ إلَّا سَنَةَ عَشْرٍ حَجَّةَ الْوَدَاع وَاعْتَمَرَ أَرْبَعًا وَهَلْ هَذِهِ الْعُمَرُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ مَقَالَةٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَاَلَّذِي صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إلَّا الْمَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَايَعَ فِيهِمَا الْأَنْصَارَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ ثُمَّ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ مَعَ قُرَيْشٍ مَوَاسِمَ حَجِّهِمْ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَ بِصُورَتِهِ
стр. 404
وَكَانَ يُعْلِنُ فِيهِمْ النِّدَاءَ بِرِسَالَتِهِ وَالدُّعَاءَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ فَتَسْمِيَتُهُ ذَلِكَ حَجًّا إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَأَمَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ فَقِيلَ فُرِضَ أُولَى سِنِيهَا وَقِيلَ ثَانِيَةَ سِنِيهَا وَقِيلَ ثَالِثَتَهَا وَقِيلَ رَابِعَتَهَا وَقِيلَ خَامِسَتَهَا وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ سَادِسَتَهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ سَابِعَتَهَا وَقِيلَ ثَامِنَتَهَا وَقِيلَ تَاسِعَتَهَا وَقِيلَ عَاشِرَتَهَا وَالْمُرَاد بِعُمَرِهِ الْأَرْبَعِ الَّتِي صَحَّتْ عَنْهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ لَمَّا وَصَلُوا الْحُدَيْبِيَةَ صَدَّهُ عَنْهَا أَهْلُ مَكَّةَ فَتَحَلَّلَ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فِي الْحُدَيْبِيَةِ قُرْبَ الْحَرَمِ أَوْ بَعْضُهَا فِيهِ لَمَّا وَقَعَ الصُّلْحُ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ لِئَلَّا تُعَيِّرَ الْعَرَبُ أَهْلَ مَكَّةَ بِدُخُولِهِمْ لَهَا قَهْرًا عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَأْتُونَ السَّنَةَ الْقَابِلَةَ لِلْقَضَاءِ فَرَجَعُوا وَتَرْكُهُ ﷺ لِلْقِتَالِ حِينَئِذٍ كَانَ تَوَاضُعًا وَتَفْوِيضًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَمُنَّ عَلَيْهِ بِالْفَتْحِ الْأَكْبَرِ الَّذِي هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ.
فَكَانَ ذَلِكَ الصُّلْحُ سَبَبًا لِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ نَقَضُوا بَعْضَ مَا فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ فَعُلِمَ ﷺ حِينَئِذٍ أَنَّ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى الْإِذْنِ لَهُ فِي إغْزَائِهِمْ وَالتَّمْكِينِ مِنْهُمْ فَقَصَدَهُمْ ﷺ وَأَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ إلَى أَنْ دَخَلَ مَكَّةَ فِي غَايَةٍ مِنْ الْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ وَأَهْلُهَا فِي غَايَةِ الْخَوْفِ وَالْمَذَلَّةِ حَتَّى آمَنَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ لَمْ يُخْرِجْ مَنْ عِنْدَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِمْ إلَّا مَنْ هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى قُرْبِ أَجْلِهِ ﷺ كَمَا فَهِمَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَلَمَّا رَجَعَ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ رَجَعَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ إلَى قَضَاءِ عُمْرَتِهِ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَيْضًا ثُمَّ دَخَلُوا مَكَّةَ وَتَحَلَّلُوا مِنْ نُسُكِهِمْ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا وَقَعَ الشَّرْطُ عَلَيْهِ فِي الصُّلْحِ فَهَذِهِ هِيَ الْعُمْرَةُ الثَّانِيَةُ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ سَنَةَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ خَرَجَ مِنْهَا إلَى حَرْبِ هَوَازِنَ وَالطَّائِفِ ثُمَّ جَاءَ إلَى الْجِعْرَانَةِ لِقَسْمِ الْغَنَائِمِ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا فَفِي لَيْلَةِ ثَامِنِ عَشْرِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ خَرَجَ ﷺ هُوَ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ مُحْرِمِينَ بِالْعُمْرَةِ حَتَّى دَخَلُوا مَكَّةَ وَتَحَلَّلُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلَى أَنْ جَاءُوا الْجِعْرَانَةِ وَأَصْبَحَ ﷺ فِيهَا كَبَائِتٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعُمْرَتِهِ إلَّا جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلِذَا أَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ ثُمَّ رَجَعَ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَحُجَّ تِلْكَ السَّنَةِ لِيُعْلِمَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى التَّرَاخِي وَأَمَّرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْحَجِّ أَمِيرَ مَكَّةَ وَهُوَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ ﵁ ثُمَّ أَمَّرَ عَلَى الْحَجِّ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أَبَا بَكْرٍ ﵁.
ثُمَّ أَرْسَلَ بَعْدَهُ عَلِيًّا ﵁ لِيُؤَذِّنَ هُوَ وَجَمْعٌ فِي النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ بِمِنًى بِسُورَةِ بَرَاءَةٍ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ عَنْهُمْ إلَّا مَنْ هُوَ مِنْ جِلْدَتِهِمْ وَقَرَابَتِهِمْ ثُمَّ فِي سَنَةِ عَشْرٍ حَجَّ بِنَفْسِهِ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَأَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ بِالْحَجِّ ثُمَّ بِالْعُمْرَةِ فَكَانَ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ صَارَ قَارِنًا فَهَذِهِ هِيَ عُمْرُهُ الْأَرْبَعِ وَكُلُّهَا كَانَتْ فِي الْقَعْدَةِ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﷺ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَائِشَةُ ﵂ وَغَلَّطَتْهُ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ مِنْ شَرَائِطِ الْحَجِّ أَمْنُ الطَّرِيقِ فَهَلْ هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي غَالِبِ الْجِهَاتِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ إذْ الْمُرَادُ بِهِ الْأَمْنُ ظَنًّا لَا يَقِينًا أَمْنًا لَائِقًا بِالسَّفَرِ لَا بِالْحَضَرِ عَلَى مَا يُخَلِّفُهُ أَوْ يَسْتَصْحِبُهُ لَكِنْ مِمَّا يَحْتَاجُهُ لِسَفَرِهِ فَقَطْ دُونَ نَحْوٍ خَطِيرٍ مَعَهُ لِتِجَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَى اسْتِصْحَابِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَرْكُهُ فِي الْحَضَرِ لِعَدَمِ أَمْنِهِ اُشْتُرِطَ الْأَمْنُ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ لِاضْطِرَارِهِ لِاسْتِصْحَابِهِ حِينَئِذٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا مَاتَ الْعَامِلُ الْمُجَاعِلُ عَلَى حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَزِيَارَةٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ فَرَاغِ الْأَعْمَالِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْجُعْلِ كَالْإِجَارَةِ أَوْ لَا وَهَلْ يُقَسَّطُ الْجُعْلُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالْأَعْمَالِ أَوْ لَا وَكَيْفَ صِفَةُ التَّقْسِيطِ هَلْ هُوَ كَالْإِجَارَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بَلْ
стр. 405
صَرِيحُهُ فِي بَابِ الْجَعَالَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا أَصْلًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا فِيمَا إذَا مَاتَ الْعَامِلُ قَبْلَ الْفَرَاغِ أَنْ يُتَمِّمَ الْوَارِثُ قَالُوا وَإِذَا تَمَّمَ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا قِسْطَ مَا عَمِلَهُ مُورِثُهُ دُونَ مَا عَمِلَهُ هُوَ لِانْفِسَاخِ الْجَعَالَةِ بِمَوْتِ الْعَامِلِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى عَمَلِ الْغَيْرِ فِي النُّسُكِ مُتَعَذِّرٌ فَتَتْمِيمُ الْوَارِثِ مُتَعَذِّرٌ وَيَلْزَمُ مِنْ تَعَذُّرِهِ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لِقِسْطِ مَا عَمِلَهُ مُوَرِّثُهُ إذْ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْجَعَالَةِ لِكَوْنِهَا عَقْدًا جَائِزًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ إنَّمَا هُوَ بِفَرَاغِ الْعَمَلِ لَا بِبَعْضِهِ إلَّا إنَّ وَقَعَ مُسَلِّمًا لِلْمَالِكِ وَبِهَذَا الَّذِي قَرَرْته اتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَعَالَةِ وَالْإِجَارَةِ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلِ الْقَمُولِيُّ فِي جَوَاهِرِهِ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَامِلُ الْمُعَيَّنُ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الرَّدِّ فَإِنْ رَدَّهُ وَارِثُهُ إلَى الْمَالِكِ اسْتَحَقَّ مِنْ الْجُعْلِ الْمُعَيَّنِ بِقَدْرِ عَمَلِ مُوَرِّثِهِ دُونَ عَمَلِهِ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا لِعَمَلِ مُوَرِّثِهِ عَلَى الصَّحِيحِ ثُمَّ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ مَا حَاصِلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ شَيْئًا مِنْ الْجُعْلِ إلَّا بِالْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ نَعَمْ لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَثْنَاءَ التَّعْلِيمِ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ مَا عَمِلَ وَكَذَا إذَا تَلِفَ الثَّوْبُ الَّذِي خَاطَ بَعْضَهُ أَوْ الْجِدَارُ الَّذِي بَنَى بَعْضَهُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لِلْمَالِكِ وَكَذَا لَوْ مَنَعَ الصَّبِيَّ أَبُوهُ مِنْ التَّعْلِيمِ أَيْ لِوُقُوعِ الْعَمَلِ مُسَلِّمًا بِقَبْضِ الْمَالِكِ لِلثَّوْبِ وَالْجِدَارِ وَبِتَعْلِيمِ الْحُرِّ مَعَ عَدَمِ تَقْصِيرٍ مِنْ الْعَامِلِ وَبِهَذَا ظَهَرَ إيضَاحُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَصُورَةِ السُّؤَالِ لِأَنَّ بَعْضَ النُّسُكِ لَمْ يَقَعْ مُسَلَّمًا لِمَنْ وَقَعَتْ الْجَعَالَةُ لَهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فَتَأَمَّلْهُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ رَجُلٍ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَبِهِ سَلَسُ بَوْلٍ لَا يَسْتَمْسِكُ إلَّا بِالشَّدِّ فَشَدَّ ذَكَرَهُ حِرْصًا عَلَى طَهَارَتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْطًا لِطَوَافِهِ وَصَلَاتِهِ وَصَوْنًا لِبَدَنِهِ وَإِزَارِهِ عَنْ نَجَاسَتِهِ سِيَّمَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِبَادَتِهِ فَهَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَأُفِيدُونَا الْجَوَابِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ شَافِعِيٌّ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي إفْتَائِهِ بِنَفْيِ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ زَاعِمًا أَنَّ انْتِفَاءَهَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ انْتِفَائِهَا فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ كَلَامِهِمْ السَّابِقِ مِنْ ذَلِكَ مَا جَوَّزَهُ لِلْمُحْرِمِ مِنْ لُبْسِ الْخُفِّ بِشَرْطِهِ قَاصِدِينَ بِذَلِكَ حَسْمَ الْأَذَى عَنْ الْقَدَمِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ.
وَالْعِبَادَةُ بِذَلِكَ أَوْلَى إذْ لِأَجْلِهَا خُلِقَ الْمُكَلَّفُ وَمِنْهُ لُبْسُ السِّرْوَالِ بِشَرْطِهِ وَالْقَصْدُ بِهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ بَلْ فِيهِ زَائِدٌ عَلَيْهَا وَبِأَنَّ السِّرْوَالَ قُصِدَ بِهِ الْحِفْظُ عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ دُونَ فَاقِدِ السُّتْرَةِ وَكَمَا وَجَبَ السَّتْرُ خَارِجَ الصَّلَاةِ حُرِّمَ التَّضَمُّخُ بِالنَّجَاسَةِ خَارِجَهَا وَإِنْ قَلَّ وُقُوعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا سَاتِرَ ذَكَرِهِ وَجَبَ وَلَا فَدِيَةَ إذْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا فِي سَاتِرِ الْعَوْرَةِ فَفِيمَا ذُكِرَ أَوْلَى أَخْذًا مِنْ مَزِيدِ الِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ وَمِنْهُ شَدُّ الْمِنْطَقَةِ وَالْهِمْيَانِ عَلَى وَسَطِهِ وَالْقَصْدُ مِنْهُ تَيَسُّرُ أَمْرِ السَّفَرِ سَيْرًا وَحَلًّا وَارْتِحَالًا وَمَصْلَحَةُ الدِّينِ أَعْلَى وَقَدْ أَعْطَوْا بَعْضَ الْعِوَضِ حُكْمَ كُلِّهِ كَمَا فِي سَتْرِ بَعْضِ الرَّأْسِ بِنَحْوِ عِصَابَةٍ وَكَمَا فِي حَلْقِ بَعْضِ شَعْرِ الرَّأْسِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ الْفِدْيَةُ فِي الْبَعْضِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْإِحْرَامِ وَفِي مَعْنَى السَّتْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْحَلْقَ الْمَذْكُورَ إتْلَافٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَعَيُّنِ الْوَسَطِ لِلْهِمْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ كَذَلِكَ بَلْ ذَكَرُوهُ بِمَا يَحْتَمِلُ الْمِثَالَ وَالْمِثَالُ لَا يُخَصَّصُ فَيَصْدُقُ بِرَبْطِهِ عَلَى الذَّكَرِ وَالِاحْتِيَاجُ بِمَفْهُومِ الْمَجْرُورِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْهُمْ بِانْتِفَاءِ الْفِدْيَةِ فِيمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مَعَ احْتِيَاطِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا لَمْ يَحْتَطْ الشَّافِعِيَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمِنْهُ تَجْوِيزُهُمْ إزَالَةَ مَا ضَرَّ مِنْ الشَّعْرِ دَاخِلَ الْجَفْنِ مَعَ أَنَّهُ إتْلَافٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِمَّا لَا يَخْفَى وَإِذَا تَحَمَّلَ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ نَحْوِ كَيْسِ اللِّحْيَةِ وَلَفِّ شَيْءٌ عَلَى السَّاقِ وَالْيَدِ وَرَبْطِهِ مِنْ كُلِّ مَا أَحَاطَ بِالْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ السَّتْرِ عُرْفًا عَلَى الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ عَدُّ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ حِينَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُ.
وَأَمْثِلَتُهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - دُونَ الْبَاطِنَةِ كَاللِّسَانِ وَالذَّكَرِ بَلْ لِإِزَالَةِ مَا كَانَ دَاخِلَ الْعَيْنِ كَمَا مَرَّ وَلِأَنَّ الشُّعُوثَةَ وَالْغَبَرَةَ الْمَقْصُودُ بِهِمَا تَرْكُ التَّرَفُّهِ الْمُسْتَفَادِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْمُحْرِمُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ» إنَّمَا يُلَاقِيَانِ الظَّاهِرَ فَكَانَ التَّرَفُّهُ مِنْ حَيْثُ اللِّبَاسُ خَاصًّا بِهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لِذَلِكَ فَحَسْبُنَا جَهْلُ السَّائِلِ بِحُكْمِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ بِدَلِيلِ اسْتِفْتَائِهِ هَذِهِ
стр. 406
عِبَارَةُ الْمُفْتِي الْمَذْكُورَةِ إفَادَةً مُسَايِرَةً لِجَوَابِهِ عَنْ جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهُ مِنْ الْجَوَابِ لَفْظَةٌ.
(فَأَجَابَ) أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ مَدَدِهِ بِقَوْلِهِ لَا فَدِيَةَ عَلَيْهِ بِالشَّدِّ الْمَذْكُورِ لِأُمُورٍ مِنْهَا قَوْلُهُمْ كُلُّ مَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ فِيهِ الْفِدْيَةِ إلَّا نَحْوَ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَوِقَايَةُ الرِّجْلِ مِنْ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهِمَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فَخُفِّفَ فِيهَا اهـ وَمِنْهَا قَوْلِي فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ لَوْ لَبِسَ عِمَامَةً لِضَرُورَةٍ وَاحْتَاجَ لِكَشْفِ كُلِّ رَأْسِهِ لِلْغُسْلِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَوْ لِبَعْضِهِ لِنَحْوِ مَسْحِهِ فِي الْوُضُوءِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْفِدْيَةَ لَا تَتَعَدَّدُ بِذَلِكَ وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ فَقَدَ الْإِزَارَ جَازَ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُبَاشَرَةِ الْجَائِزِ نَفْيُ الضَّمَانِ.
وَأَيْضًا فَإِيجَابُ الْكَشْفِ عَلَيْهِ يُصَيِّرُهُ مُكْرَهًا عَلَيْهِ شَرْعًا وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَالْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ هُنَا حِسًّا عَلَى الْكَشْفِ لَا يَتَعَدَّدُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَكَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ شَرْعًا فَإِنْ قُلْت قَدْ جَوَّزُوا لَهُ اللُّبْسَ لِنَحْوِ حَرٍّ وَمَرَضٍ مَعَ الدَّمِ قُلْت ذَاكَ فِيهِ تَرَفُّهٌ وَحَظٌّ لِلنَّفْسِ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ صِحَّةُ عِبَادَتِهِ فَهُوَ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ بِالسَّرَاوِيلِ أَشْبَهُ اهـ وَهَذَا كُلُّهُ يَأْتِي فِي صُورَةِ شَدِّ السَّلَسِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَمِنْهَا قَوْلُ الْمَجْمُوعِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ جِرَاحَةٌ فَشَدَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً فَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ فَلَا فَدِيَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الرَّأْسِ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ اهـ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْمُرَادُ بِالشَّدِّ هُنَا هُوَ مُجَرَّدُ اللَّفِّ لَا الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الشَّدِّ الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ شَدِّ الْهِمْيَانِ وَالْخَيْطِ عَلَى الْإِزَارِ اهـ وَفِي حَاشِيَتِي لِلْإِيضَاحِ عَقِبَ ذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلْعَقْدِ لِلِاسْتِمْسَاكِ عَلَى الْجِرَاحَةِ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ جَوَازُ الْعَقْدِ أَيْضًا لَكِنْ مَعَ الْفِدْيَةِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْعَقْدِ عَقْدُ الْخِرْقَةِ نَفْسِهَا أَمَّا لَوْ شَدَّ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ الرَّأْسِ خَيْطًا وَرَبَطَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى عَقْدًا فَلَا يَحْرُمُ وَلَا فَدِيَةَ فِيهِ اهـ وَبِهِ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّدِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ عَقْدُ الْخِرْقَةِ الْمُتَعَيِّنُ لِدَفْعِ النَّجَاسَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ خَيْطًا يَشُدُّهُ عَلَيْهَا أَمَّا لَوْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ دَفْعَ النَّجَاسَةِ مُمْكِنٌ بِشَدِّ الْخَيْطِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَقْدِ أَنَّ الْعَقْدَ يُصَيِّرُ الْمَعْقُودَ مُسْتَمْسِكًا بِنَفْسِهِ فَوَجَدَ فِيهِ حَقِيقَةَ الْإِحَاطَةِ الْمُمْتَنِعَةَ وَلَا كَذَلِكَ الْمَشْدُودُ عَلَيْهِ خَيْطٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمْسِكٍ بِنَفْسِهِ فَلَا يُسَمَّى مَخِيطًا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَقُّ إزَارِهِ وَلَفُّ كُلِّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ إنْ عَقَدَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ وَشَدِّهِ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدُهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّدِّ وَالْعَقْدِ وَمِنْ ثَمَّ عَلَّلُوا الْحُرْمَةَ بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ يُشْبِهُ الْمَخِيطَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُسْتَمْسِكٌ بِنَفْسِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَدِيَةَ عَلَيْهِ بِالشَّدِّ مُطْلَقًا وَلَا بِالْعَقْدِ الْمُتَعَيَّنِ لِدَفْعِ النَّجَاسَةِ وَأَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ الشَّدُّ بِنَحْوِ خَيْطٍ أَوْ لَفِّ الْخِرْقَةِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ لَمْ يَجُزْ بِهِ الْعَقْدُ وَلَزِمَتْهُ بِهِ الْفِدْيَةُ وَفِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ السَّائِلُ مِمَّا لَا مَرْجِعَ لِمَا قُلْنَاهُ مُنَاقَشَاتٌ يَضِيقُ عَنْهَا الْقِرْطَاسُ مَعَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا بَعْدَ تَأَمُّلِ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَمَا أُخِذَ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ عَاقِلٌ بَالِغٌ رَشِيدٌ فَأَرَادَ الْوَلَدُ التَّرَدُّدَ إلَى الْفُقَهَاءِ لِقِرَاءَةِ الْعِلْمِ وَاسْتِعَارَةِ الْكُتُبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ طَالِبُ الْعِلْمِ وَكَذَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ أَوْ زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْبِ فَمَنَعَهُ الْوَالِدُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِالْقُعُودِ فِي الْبَيْتِ وَعُلِّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَخْشَى عَلَيْهِ مِنْ صُحْبَةِ الْأَشْرَارِ وَالْوَلَدُ لَا يَرْتَابُ فِي حَالِهِ أَنَّهُ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَحْتَرِزُ مِنْهُ فَهَلْ لِلْوَلَدِ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا أَرَادَ الْوَلَدُ السَّفَرِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ لِمَا لَا يَخْفَى أَنَّ مُعَاشَرَةَ الْأَهْلِ وَنَحْوِهِمْ تُخِلُّ بِهِ وَالْوَالِدُ تَشُقُّ عَلَيْهِ الْمُفَارِقَةُ فَهَلْ لِلْوَلَدِ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا أَرَادَ الْوَلَدُ التَّقَشُّفَ وَالزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا وَغَيْرِهَا فَكَرِهَ الْوَالِدُ ذَلِكَ فَهَلْ لِلْوَلَدِ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا أَمَرَهُ وَالِدُهُ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَالِدِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْوَلَدَ امْتِثَالُهُ وَإِذَا أَمَرَهُ بِمَا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَكَانَتْ عَقِيدَةُ الْوَلَدِ فِي ذَلِكَ مُخَالِفَةٌ لِعَقِيدَةِ وَالِدِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ امْتِثَالُهُ اعْتِبَارًا بِعَقِيدَةِ الْوَالِدِ أَمْ يَحْرُمُ اعْتِبَارًا بِعَقِيدَةِ نَفْسِهِ فَإِنْ قُلْتُمْ يَجِبُ فَهَلْ
стр. 407
يَفْعَلُهُ مَعَ اعْتِقَادِ خِلَافِهِ أَمْ يَلْزَمُهُ اعْتِقَادُ حَلِّ ذَلِكَ وَمَا حَدُّ الْبِرِّ وَالْعُقُوقِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا ثَبَتَ رُشْدُ الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمَالِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَنْعِهِ مِنْ السَّعْيِ فِيمَا يَنْفَعُهُ دِينًا أَوْ دُنْيَا وَلَا عِبْرَةَ بِرِيبَةٍ يَتَخَيَّلُهَا الْأَبُ مَعَ الْعِلْمِ بِصَلَاحِ دِينِ وَلَدِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ فَجَرَةٌ يَأْخُذُونَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُرْدِ إلَى السُّوقِ مَثَلًا قَهْرًا عَلَيْهِمْ تَأَكَّدَ عَلَى الْوَلَدِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ لَا يَخْرُجَ حِينَئِذٍ وَحْدَهُ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ الْوُقُوعِ فِي مَوَاطِنِ التُّهَمِ فَأَمْرُ الْوَالِدِ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ مَعَ الْخَوْفِ يُعْذَرُ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ مُخَالَفَتُهُ إذَا تَأَذَّى الْوَالِدُ بِذَلِكَ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ وَلَمْ يَضْطَرَّ الْوَلَدُ لِلْخُرُوجِ وَلَا يَجُوزُ لِلْأَمْرَدِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي قَطْعِ صَلَاةِ النَّفْلِ السَّفَرَ وَلَوْ لِلْعِلْمِ إلَّا مَعَ نَحْوِ مَحْرَمٍ وَرَجَاءِ حُصُولِ تَعَلُّمٍ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهِ وَحِينَئِذٍ لَا نَظَرَ لِكَرَاهَةِ الْوَالِدِ لَهُ حَيْثُ لَا حَامِلَ عَلَيْهَا إلَّا مُجَرَّدَ فِرَاقِ الْوَلَدِ لِأَنَّ ذَلِكَ حُمْقٌ مِنْهُ وَحَيْثُ نَشَأَ أَمْرُ الْوَالِدِ أَوْ نَهْيُهُ عَنْ مُجَرَّدِ الْحُمْقِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي أَمْرِهِ لِوَلَدِهِ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي إرَادَةِ الْوَلَدِ لِنَحْوِ الزُّهْدِ وَمَنْعِ الْوَالِدِ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ شَفَقَةِ الْأُبُوَّةِ فَهُوَ حُمْقٌ وَغَبَاوَةٌ فَلَا يَلْتَفِتُ لَهُ الْوَلَدُ فِي ذَلِكَ وَأَمْرُهُ لِوَلَدِهِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ لَا مَشَقَّةَ عَلَى الْوَلَدِ فِيهِ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلَدِ امْتِثَالُ أَمْرِهِ إنْ تَأَذَّى أَذًى لَيْسَ بِالْهَيِّنِ إنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ وَمَحَلَّهُ أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يَقْطَعْ كُلُّ عَاقِلٍ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَبِ مُجَرَّدَ حُمْقٍ وَقِلَّةِ عَقْلٍ لِأَنِّي أُقَيِّدُ حِلّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِلْعُقُوقِ بِأَنْ يَفْعَلَ مَعَ وَالِدِهِ مَا يَتَأَذَّى بِهِ إيذَاءً لَيْسَ بِالْهَيِّنِ بِمَا إذَا كَانَ قَدْ يُعْذِرُ عُرْفًا بِتَأَذِّيه بِهِ أَمَّا إذَا كَانَ تَأَذِّيه بِهِ لَا يَعْذُرُهُ أَحَدٌ بِهِ لِإِطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ سُوءِ خُلُقٍ وَحِدَةِ حُمْقٍ وَقِلَّةِ عَقْلٍ فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ التَّأَذِّي وَإِلَّا لَوَجَبَ طَلَاقُ زَوْجَتِهِ لَوْ أَمَرَهُ بِهِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ.
فَإِنْ قُلْت لَوْ نَادَاهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ إجَابَتِهِ وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهَا فِي نَفْلٍ إنْ تَأَذَّى التَّأَذِّي الْمَذْكُورَ وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ التَّأَذِّي وَلَوْ مِنْ طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ أَوْ زُهْدِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرَبِ لَزِمَهُ إجَابَتُهُ قُلْت هَذِهِ الْقَضِيَّةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا ذَكَرْته إنَّ شَرْط ذَلِكَ التَّأَذِّي أَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْ مُجَرَّدِ الْحُمْقِ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَرَّرَ وَلَقَدْ شَاهَدْت مِنْ بَعْضِ الْآبَاءِ مَعَ أَبْنَائِهِمْ أُمُورًا فِي غَايَةِ الْحُمْقِ الَّتِي أَوْجَبَتْ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَعْذُرَ الْوَلَدَ وَيُخَطِّئَ الْوَالِدَ فَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ امْتِثَالُ أَمْرِ وَالِدِهِ بِالْتِزَامِ مَذْهَبِهِ لِأَنَّ ذَاكَ حَيْثُ لَا غَرَضَ فِيهِ صَحِيحٌ مُجَرَّدُ حُمْقٍ وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلْيَحْتَرِزْ الْوَلَدُ مِنْ مُخَالَفَةِ وَالِدِهِ فَلَا يَقْدُمُ عَلَيْهَا اغْتِرَارًا بِظَوَاهِرِ مَا ذَكَرْنَا بَلْ عَلَيْهِ التَّحَرِّي التَّامُّ فِي ذَلِكَ وَالرُّجُوعُ لِمَنْ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَكَمَالِ عَقْلِهِمْ فَإِنْ رَأَوْا لِلْوَالِدِ عُذْرًا صَحِيحًا فِي الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَرَوْا لَهُ عُذْرًا صَحِيحًا لَمْ يَلْزَمْهُ طَاعَتُهُ لَكِنَّهَا تَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا نَقْصُ دِينِ الْوَلَدِ وَعِلْمِهِ أَوْ تَعَلُّمِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُخَالِفَةَ الْوَالِدِ خَطِيرَةٌ جِدًّا فَلَا يُقْدِمْ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ إيضَاحِ السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ لَهَا عِنْدَ ذَوِي الْكَمَالِ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته حَدُّ الْبِرِّ وَالْعُقُوقِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْ مَيِّتٍ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَجِيرِ إذَا أَحْرَمَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِحْرَامَ عَنْ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ أَوْ يَكْفِيه الْإِطْلَاقُ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِلْمُسْتَأْجَرِ وَإِنْ كَانَتْ إجَارَةَ عَيْنٍ وَقَدْ وَقَعَتْ صَحِيحَةً فِي وَقْتِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يَصْرِفَ الْإِحْرَامَ لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ وَإِنْ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِيَقَعَ عَنْ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ قَالَ وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا ذَكَرُوهُ فِي خَلْعِ الزَّوْجَةِ فِيمَا إذَا وَكَّلَتْ الزَّوْجَةُ مَنْ يُخَالِعُ عَنْهَا أَنَّ الْوَكِيلَ لَهُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْ نَفْسِهِ فَهَلْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِلْمُسْتَأْجَرِ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ إجَارَةَ عَيْنٍ وَقَدْ وَقَعَتْ صَحِيحَةً فَلَا يُشْتَرَطُ بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يُصْرَفَ الْإِحْرَامُ لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجَر لَهُ وَإِنْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً إلَخْ فَهَلْ كَلَامُهُ هَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَهَلِ اسْتِشْكَالُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَمْ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَكَالَةِ وَمَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ بِصِحَّةِ كَلَامِ الْقَائِلِ بِذَلِكَ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ فِي غُنْيَةِ الْفَقِيرِ فِي أَحْكَامِ الْأَجِيرِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ
стр. 408
إجَارَةً بَلْ جَعَالَةً فَهَلْ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا فِي الْإِجَارَةِ أَفْتَوْنَا وَقَدْ نُقِلَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ آنِفًا أَنَّ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ تَعْيِينُ مَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ النُّسُكَ شَرْطٌ فِي إجْزَاءِ الْحَجِّ دُونَ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ فِيمَا بَعْدُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْعَقْدِ صَحَّ وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ الْإِحْرَامُ إلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ إلَخْ وَالْمَسْأَلَةُ وَاقِعَةٌ لِبَعْضِ الْيَمْنَةِ وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَنَسَى فَهَلْ يَكُونُ النِّسْيَانُ عُذْرًا أَمْ لَا وَهَلْ هَذَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ النِّسْيَانُ أَوْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَيُؤَثِّر فِيهِ النِّسْيَانُ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ اعْتَرَضَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْوَجْهَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ الْإِحْرَامَ عَنْ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ وَاضِحٌ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْأَجِيرَ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ لَوْ صَرَفَ الْحَجَّ لِنَفْسِهِ وَقَعَ لَهُ فَإِذَا أَطْلَقَ تَعَارَضَ أَصْلُ وُقُوعِ الْعِبَادَةِ مِنْ الْمُبَاشِرِ وَأَصْلُ وُقُوعِ الْعَمَلِ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ عَنْ الْمُسْتَأْجَرِ وَلَا مُرَجِّحَ فَوَجَبَ التَّمْيِيزُ بِالنِّيَّةِ مُطْلَقًا وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِشْكَالِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ كَمَا لَهُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْ نَفْسِهِ كَذَلِكَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فَهُمَا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِأَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَتَعَارَضْ فِي حَقِّهِ أَصْلَانِ حَتَّى يَحْتَاجَ لِلتَّمْيِيزِ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ الْأَجِيرِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنِيَةِ الْأَجِيرِ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ الَّذِي كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ الْمَذْكُورُ فِيهِ فَفِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ خِلَافٌ طَوِيلٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَحَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهِ فِي النِّيَّةِ بِوَجْهٍ مَا وَبِهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَنْ أَطْلَقَ اشْتِرَاطَ الْمَعْرِفَةِ وَمَنْ أَطْلَقَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي الطَّوَافِ وَالْقِرَاءَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي الطَّوَافِ اسْتِقْلَالًا وَلَا فِي الْقِرَاءَةِ إلَّا مِمَّنْ اُسْتُؤْجِرَ لَهُمَا بِشَرْطِهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ تَطَوُّعًا ثُمَّ مَاتَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ نَحْوَ طَوَافِ الرُّكْنِ فَهَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ مِنْ تَرِكَتِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْفَوَاتُ أَوْ الْإِفْسَادُ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا هُنَا وَتَقْصِيرُهُ بِتَأْخِيرِ نَحْوِ الطَّوَافِ لَوْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ تَقْصِيرًا لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ هَلْ الْأَفْضَلُ لِشَخْصٍ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي هَذَا الْحَرَمِ الشَّرِيفِ أَنْ يَمْكُثَ مَكَانَهُ وَيَشْتَغِلَ بِالذِّكْرِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَسْجِدِ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ لِمَا عَلِمَ مِنْ الْفَضْلِ الْحَاصِلِ لِمَنْ اشْتَغَلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ مَكَانَهُ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَمْ الْأَفْضَلُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالطَّوَافِ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى عِبَادَةٍ أَفْضَلَ مِنْ الْعِبَادَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ إنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ أَنَّ الْأَفْضَلَ قَطْعُ الصَّلَاةِ بِشَرْطِهِ لِيُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ وَأَنَّ مَنْ أُقِيمَتْ صَلَاةٌ وَهُوَ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا نُدِبَ قَطْعُهَا بِشَرْطِهِ لِيُصَلِّيَهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي السَّعْيِ أَوْ الطَّوَافِ وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ نُدِبَ لَهُ قَطْعُ السَّعْيِ وَنَحْوِهِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي طَوَافِ نَفْلٍ وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ نُدِبَ لَهُ قَطْعُهُ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ غَيْرِ الصَّلَاةِ بَلْ صَرَّحَ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ عُلُومًا كَثِيرَةً مُخْتَصَرَةً بِأَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَعِبَارَتُهُ وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ أَيْ الطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ حَتَّى مِنْ الْعُمْرَةِ وَقِيلَ الْعُمْرَةُ أَفْضَلُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي تَأْلِيفٍ لَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ وَأَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَيْهِ مُخَالِفَةُ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَكْرَارُهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ بَعْدَهُ بَلْ كَرِهَ مَالِكٌ ﵁ تَكْرَارَهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الطَّوَافِ اهـ كَلَامُهُ وَنُقِلَ عَنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ مَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ ﵀ عَنْ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ أَمْ لَا.
وَنُقِلَ عَنْ عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ
стр. 409
لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ أَجْمَعَ لِهَمِّهِ وَأَصْلَحَ لَهُ هَلْ يَمْشِي هَذَا عَلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ أَمْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ مُعَامَلَاتِ الْقُلُوبِ؟
(فَأَجَابَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ نَقَلْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَفْضَلِيَّةِ الِاشْتِغَالِ بِالطَّوَافِ ثُمَّ رَدَدْته بِمَا هُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى تَمَايُزِ الْعِبَادَاتِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِمَا وَرَدَ فِي ثَوَابِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ثَوَابِ هَذِهِ الْجِلْسَةِ مِنْ الثَّوَابِ مَا لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ فِي الطَّوَافِ بَلْ لَك أَنْ تَقُولَ إنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لَهُ ثَوَابُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا عَلَى خُصُوصِ الطَّوَافِ لِأَنَّهَا إذَا سَاوَتْ الْحَجَّةَ وَالْعُمْرَةَ التَّامَّتَيْنِ.
الطَّوَافُ بَعْضُ أَجْزَائِهِمَا لَزِمَ زِيَادَتُهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَإِنَّمَا كَانَ الْأَفْضَلُ قَطْعُ الصَّلَاةِ فِيمَا ذُكِرَ أَوَّلًا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَ الِاسْتِمْرَارَ فِيهَا وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ وَثَانِيًا لِفَوَاتِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْلِهَا وَالطَّوَافُ هُنَا لَا يَفُوتُ لِإِمْكَانِ فِعْلِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ حِينَئِذٍ فِيهِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَنُدِبَ قَطْعُهُ كَالسَّعْيِ لِلْجَمَاعَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَيْضًا أَعْنِي بَقَاءَ تَدَارُكِهِمَا بِخِلَافِهَا وَكَذَا يُقَالُ فِي طَوَافِ النَّفْلِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ إلَخْ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْته بِفَرْضِ تَسْلِيمِهِ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي التَّفْضِيلِ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لَا بِاعْتِبَارِ الْإِفْرَادِ.
أَلَا تَرَى إلَى تَفْضِيلِهِمْ الصَّلَاةَ عَلَى الصَّوْمِ ثُمَّ قَالُوا الْمُرَادُ الْجِنْسُ فَلَا يُقَالُ أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ فَكَذَا هُنَا سَلَّمْنَا أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِمَّا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْجِلْسَةِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لَا لِخُصُوصِ هَذَا الْفَرْدِ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْجِلْسَةِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ وَحَبْسِهَا عَلَيْهَا مَا لَا يُوجَدُ فِي الطَّوَافِ غَالِبًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَزَعَمَ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الْعُمْرَةِ مَرْدُودٌ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ كَيْفَ وَهِيَ لَا تَقَعُ إلَّا فَرْضًا بِخِلَافِهِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَغَيْرِهِ وَعَدَمُ نَقْلِ تُكَرِّرْهَا لَا يُنَاسَبُ قَوَاعِدَنَا فَاسْتِدْلَالُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ بِهِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.
وَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَجْمُوعِ لَمْ يَحْضُرْنِي الْآنَ لَكِنَّ وَجْهَهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ مَخْصُوصٍ يَكُونُ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْقِرَاءَةِ وَمَا نُقِلَ عَنْ عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ اخْتِيَارٌ لَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ خِلَافُهُ فَيَلْزَمُ مَوْضِعَهُ ثُمَّ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ الْحُضُورَ وَالْإِخْلَاصَ مَا أَمْكَنَهُ لِأَنَّ هَذَا أَشُقُّ عَلَيْهَا مِنْ الِانْتِقَالِ وَالْمَدَارُ فِي تَهْذِيبِ أَخْلَاقِهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى تَجْرِيعِهَا مَرَارَةَ الصَّبْرِ عَلَى أَنْ تَأْتِي بِالْمَأْمُورَاتِ عَلَى وَجْهِهَا مَا أَمْكَنَهَا وَحَاصِلُ مَا مَرَّ أَنَّ مَنْ تَأَمَّلَ إجْمَاعَهُمْ عَلَى طَلَبِ هَذِهِ الْجِلْسَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي طَلَبِ الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ عَلِمَ أَفْضَلِيَّتَهَا عَلَيْهِ وَأَنَّ قَطْعَ النَّظَرِ عَمَّا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا يَشْهَدُ لِفَضْلِهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْمَرْمَى فِي الْجِمَارِ الثَّلَاثِ هَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْأَعْلَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَنْصُوبَةِ مِنْ جِهَاتِهَا الْأَرْبَعِ حَتَّى يُجْزِئَ الرَّمْيُ فِيهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلرَّامِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَجْعَلَ الْجَمْرَةَ عَنْ يَمِينِهِ أَمْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ الْجَادَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُحَقَّقُ إذْ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَمَا عَدَاهُ مَظْنُونٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الشَّاخِصِ مَوْضُوعًا فِي مُنْتَهَى الْمَرْمَى مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ لَا فِي وَسَطِهِ حَتَّى يُجْزِئُ الرَّمْيُ فِيمَا إذَا اسْتَقْبَلَ الْجَمْرَةَ وَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ مَثَلًا أَمْ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَيَكُونُ فِيهِمَا مُحِيطًا بِالشَّاخِصَيْنِ وَفِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ خَاصًّا بِجِهَةِ الْجَادَّةِ وَهَلْ ضَبْطُ الْمَرْمَى بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجَمَالُ الطَّبَرِيُّ مُعْتَمَدٌ أَمْ يُرْجَعُ فِي تَحْدِيدِهِ إلَى الْعُرْفِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْجَمْرَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ فَهِيَ لَيْسَ لَهَا إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ مَا بِأَسْفَلِهَا عَلَى الْجَادَّةِ دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهَا وَأَمَّا الْجَمْرَتَانِ الْآخِرَتَانِ فَيُرْمَى إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ كَمَا يُومِئُ إلَيْهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَغَيْرِهِ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ الْجَمْرَةُ مُجْتَمَعُ الْحَصَى لَا مَا سَالَ مِنْهُ فَمَنْ أَصَابَ مُجْتَمِعَهُ أَجُزْأَهُ أَوْ سَائِلَهُ فَلَا وَالْمُرَادُ مُجْتَمِعُهُ فِي زَمَنِهِ ﷺ دُونَ مَا حُوِّلَ عَنْهُ وَلَوْ نَحَّاهُ
стр. 410
مِنْ مَوْضِعِهِ الشَّرْعِيِّ وَرَمَى إلَى نَفْسِ الْأَرْضِ أَجُزْأَهُ لِأَنَّهُ رَمَى فِي مَوْضِع الرَّمْيِ انْتَهَتْ مُلَخَّصَةً وَعِبَارَةُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ عَنْ النَّصِّ أَيْضًا.
وَالْعِبْرَةُ بِمُجْتَمِعِ الْحَصَى لَا مَا سَالَ عَنْهُ وَلَا الشَّاخِصِ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْمَرْمَى حَدًّا مَعْلُومًا غَيْرَ أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ عَلَيْهَا عَلَمٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ تَحْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يُبْعِدُ عَنْهُ احْتِيَاطًا اهـ وَحَدَّ الْجَمَالُ الطَّبَرِيُّ مُجْتَمَعَ الْحَصَى بِأَنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِ الْجَمْرَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَقَطْ وَهُوَ مِنْ تَفَقُّهِهِ وَكَأَنَّهُ قَرَّبَ بِهِ مُجْتَمِعَ الْحَصَى غَيْرَ السَّائِلِ وَالْمُشَاهَدَةُ تُؤَيِّدُهُ فَإِنَّ مُجْتَمِعَهُ غَالِبًا لَا يَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ فَعَدَمُ تَخْصِيصِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَالْأَصْحَابِ مُجْتَمِعَ الْحَصَى الْمَذْكُورِ بِجِهَةٍ مَعَ تَخْصِيصِهِمْ لَهُ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ بِمَا بِأَسْفَلِ الْوَادِي صَرِيحٌ فِي تَعْمِيمِ جِهَاتِ الْأَوَّلِينَ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ أَعْنِي الْجَمَالَ لَا يُشْتَرَط لِصِحَّةِ الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ الرَّامِي فِي مَكَان مَخْصُوصٍ أَيْ جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْأَوَّلِينَ وَأَسْفَلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ أَيْضًا مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلرَّامِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إلَخْ إذْ صَرِيحُهُ جَوَازُ مَا عَدَا ذَلِكَ الِاسْتِقْبَالِ الشَّامِلِ لِلرَّمْيِ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ.
ثُمَّ تَحْدِيدُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَالْأَصْحَابِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى زَمَانِنَا ﵃ الْمَرْمَى بِمُجْتَمِعِ الْحَصَى صَرِيحٌ أَيْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُجْمِعَ الْحَصَى الْمَعْهُودِ الْآنَ بِسَائِرِ جَوَانِبِ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَتَحْتَ شَاخِصِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ حَتَّى يُعْرَفَ خِلَافُهُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ السَّائِلِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُحَقَّقُ إلَخْ وَكَوْنُ الْجَمْرَةِ كَانَتْ عَلَى نَحْوِهِ لَا يُنْتِجُ لَهُ هَذِهِ الدُّعَى كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى آثَارَ نَبِيِّهِ ﷺ وَمَعَالِمَ دِينِهِ أَنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهَا تَغْيِيرٌ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَهُوَ إمَامُ النَّاسِ وَقُدْوَتُهُمْ فِي أَمْكِنَةِ الْمَنَاسِكِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَكَانَتْ الْجَمْرَةُ أَيْ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ زَائِلَةً عَنْ مَحَلِّهَا أَزَالَهَا جُهَّالُ النَّاسِ بِرَمْيِهِمْ الْحَصَى وَغُفِلَ عَنْهَا حَتَّى ارْتَخَتْ مِنْ مَوْضِعِهَا شَيْء يَسِيرًا مِنْهَا وَمِنْ فَوْقِهَا فَرَدَّهَا بَعْضُ رُسُلِ الْمُتَوَكِّلِ الْعَبَّاسِيِّ إلَى مَوْضِعِهَا الَّتِي لَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ وَبَنَى مِنْ وَرَائِهَا جِدَارًا أَعْلَاهُ عَلَمُهَا وَمَسْجِدًا مُتَّصِلًا بِذَلِكَ الْجِدَارِ لِئَلَّا يَصِلَ إلَيْهَا مَنْ يُرِيدُ الرَّمْيَ مِنْ أَعْلَاهَا اهـ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ إطْبَاقَ النَّاسِ عَلَى الرَّمْيِ إلَى الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَعَدَمُ تَعَرُّضِ الْمُلُوكِ لِمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَهَذَا مِمَّا لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ مَا حُكْمُ أَهْلِ مِنًى لَوْ أَرَادُوا النَّفَرَ الْأَوَّلَ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُمْ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ أَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ إلَّا إنْ فَارَقُوا مِنًى بِنِيَّةِ عَدَمِ الْعَوْدِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى زَوَالِ الثَّالِثِ فَمَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ وَمَنْ لَا لَزِمَهُ الْمَبِيتُ وَرَمَى الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ هَذَا مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَعْنَى يُفَارِقُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ مُتَوَطِّنُونَ فَلَا يُسْقِطُ كَوْنُهُمْ مِنْ أَهْلِ مِنًى خُرُوجَهُمْ وَلَوْ بِنِيَّةِ ذَلِكَ فَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُمْ لَا يُقَالُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ بِمُفَارِقَتِهِمْ مِنًى انْقَطَعَتْ عَنْهُمْ الْعَلَائِقُ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ تَعْلِيلًا لِلسُّقُوطِ قُلْت هَذَا وَاضِحُ الْمَعْنَى لَوْلَا أَنَّ سُكُوتَهُمْ عَنْ اسْتِثْنَائِهِمْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِمْ وَيُوَجَّهُ عَلَى مَا فِيهِ بِأَنَّ التَّوَطُّنَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ اعْتِبَارِ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ الْمَبِيتُ بِالْفِعْلِ وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِهِمْ مُتَوَطِّنِينَ الَّذِي لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ نَاظِرٌ لَقَالَ الْمَبِيتُ لِأَنَّ تَوَطُّنَهُمْ يُحَصِّلُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ مِنْ وُجُوبِ الْمَبِيتِ عَلَى غَيْرِهِمْ لَكَانَ لَهُ وَجْهُ عَدَمِ اعْتِبَارِ التَّوَطُّنِ مَا أَشَرْت إلَيْهِ أَنَّهُ أَمْرٌ خَارِجٌ حُكْمِيٌّ مُسْتَحَبٌّ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَنَاسِكِ مُبَاشَرَةُ الْحَجِّ وَإِحْرَامُهُ وَوَاجِبَاتُهُ بِالْفِعْلِ فَلَا يُغْنِي عَنْهُ غَيْرُهُ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْمَبِيتُ عَلَيْهِمْ مَعَ تَوَطُّنِهِمْ وَكَذَلِكَ رَمْيُ الثَّالِثِ وَمَبِيتُهُ حَيْثُ لَا نَفْرَ وَسَقَطَ عَنْهُمْ النَّفْرُ كَغَيْرِهِمْ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّا وَقَعَ فِي مَوْسِمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ بَيْنَ صَاحِبِ مَكَّةَ وَأَمِيرِ الْحَاجِّ مِنْ فِتْنَةٍ اقْتَضَتْ خَوْفَ النَّاسِ كُلِّهِمْ مِنْ أَعْرَابِ
стр. 411
الْبَوَادِي وَغَيْرِهِمْ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إنْ أَقَامُوا بِمِنًى لِلْمَبِيتِ أَوْ الرَّمْيِ ثُمَّ تَزَايَدَتْ وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ إلَى أَنْ رَحَلَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ مِنًى وَتَرَكُوا الْمَبِيتَ وَرَمْيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَتَعَذَّرَتْ الِاسْتِنَابَةُ وَلَمْ يَبْقَ بِهَا إلَّا الْمُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَكَثُرَ سُؤَالُ النَّاسِ عَنْ حُكْمِ تَرْكِهِمْ لِهَذَيْنِ فَمَا حُكْمُ اللَّهُ فِيهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا تَرْكُ الْمَبِيتِ فَسُقُوطُهُ وَعَدَمُ الدَّمِ فِيهِ وَاضِحٌ وَإِنَّمَا الْمُشْكِلُ حُكْمُ الرَّمْيِ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِيهِ وَلَوْ مَعَ هَذَا الْعُذْرِ الْعَامِّ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ كَتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ بِخِلَافِ الْمَبِيتِ وَلِأَنَّ الْمَبِيتَ تَابِعٌ لَهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْمَبِيتِ بِمَا ذَكَرُوهُ سُقُوطُ الرَّمْيِ بِهِ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي التَّابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعِ.
وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ عِنْدِي مَعَ أَنِّي ذَبَحْت احْتِيَاطًا لِمَا ذَكَرْته مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي خُصُوصِ هَذِهِ الصُّورَةِ عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُمْ شَبَّهُوا الرَّمْيَ بِأَصْلِ الْحَجِّ فِي وُجُوبِ الْإِنَابَةِ فِيهِ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُ وَفِي اعْتِبَارِ ظَنِّ الْيَأْسِ عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ وَفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ النَّائِبِ لَيْسَ عَلَيْهِ رَمْيٌ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي النَّائِبِ ثَمَّ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ حَجٌّ وَفِي أَنَّهُ إذَا اسْتَنَابَ مَنْ عَلَيْهِ رَمْيٌ وَقَعَ لِلنَّائِبِ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ اسْتَنَابَ مَنْ عَلَيْهِ حَجٌّ وَقَعَ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ بِخِلَافِهِ ثُمَّ قَالُوا لِأَنَّ الرَّمْيَ تَابِعٌ وَتَرْكُهُ قَابِلٌ لِلْجَبْرِ بِالدَّمِ بِخِلَافِ الْحَجِّ فِيهِمَا.
وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مِثْلُ الْحَجِّ فِيمَا ذُكِرَ فَلْيَكُنْ مِثْلُهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأَصْحَابُ فِيهِ مِنْ أَنَّ الْخَوْفَ إذَا عَمَّ مَنَعَ وُجُوبَهُ لِتَعَذُّرِ فِعْلِهِ مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِنَابَةِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا عَدَا هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ فِعْلُهُ لَمْ تَتَعَذَّرْ الِاسْتِنَابَةُ فَإِذَا تَرَكَهُمَا لَزِمَهُ الدَّمُ لِتَقْصِيرِهِ وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي ذِكْرِهِمْ أَعْذَارًا كَثِيرَةً فِي الْمَبِيتِ وَلَمْ يَذْكُرُوا نَظِيرَهَا فِي الرَّمْيِ مَعَ كَوْنِ الْخَبَرِ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْعُذْرِ وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ وَكَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ صَرِيح فِيهِ وَمَنْ عُذْرُهُ كَعُذْرِ الرُّعَاةِ أَوْ أَهْلِ السِّقَايَةِ جَازَ لَهُمْ مَا جَازَ لَهُمْ اهـ وَإِذَا لَحِقَتْ تِلْكَ الْأَعْذَارُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إلَّا مُجَرَّدَ مَصْلَحَةٍ لِلنَّفْسِ أَوْ الْغَيْرِ بِالْمَنْصُوصِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ وَالدَّمِ أَيْ فِي الْمَبِيتِ فَأُولَى أَنْ يُلْحَقَ بِذَلِكَ هَذَا الْعُذْرُ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُطِقْ أَحَدٌ الصَّبْرَ مَعَهُ عَلَى الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ فِي عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ كَالْإِثْمِ وَمِنْهَا مَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ وَجَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الرَّمْيَ كَالْمَبِيتِ فِي سُقُوطِهِ لِلْعُذْرِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَعَجِّلِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ مَعَ الْمَتْنِ (فَرْعٌ مَنْ نَفَرَ مِنْ مِنًى) النَّفْرُ الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ (فِي ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ رَمْيِهِ) الْوَاقِعِ بَعْدَ الزَّوَالِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ظَرْفٌ لِنَفْرٍ قُصِدَ بِهِ الْإِيضَاحُ وَإِلَّا فَهُوَ قَدْ فُهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ أَعْنِي الْمَجْرُورَ بِفِي (فَإِنْ كَانَ قَدْ بَاتَ مَا) أَيْ اللَّيْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ (قَبْلَهُ وَرَمَى) الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ أَيْضًا (أَوْ سَقَطَ مَبِيتُهُ) وَرَمْيُهُ (لِعُذْرٍ كَمَا مَرَّ جَازَ وَسَقَطَ عَنْهُ بَاقِي الْمَبِيتِ وَالرَّمْيُ) فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا إثْمَ إجْمَاعًا انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ سَقَطَ مَبِيتُهُ وَرَمْيُهُ لِعُذْرٍ إلَخْ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِيمَا مَرَّ أَنَّ الْعُذْرَ قَدْ يُسْقِطُ الرَّمْيَ.
فَإِنْ قُلْت هَذَا كُلُّهُ مُسَلَّمٌ لَوْلَا تَصْرِيحُ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ بِمَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ ثُمَّ صُدَّ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرَّمْيِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَا مَعْنَى لَأَنْ يَتَحَلَّلَ وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ مِنْ الْوَطْءِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَبِيتِ طَافَ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أُحْصِرَ قَبْلَ الرَّمْيِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَحْبَبْت أَنْ يَثْبُتَ عَلَى إحْرَامِهِ فَإِنْ فَعَلَ أَرَاقَ دَمًا لِتَرْكِ الْجِمَارِ وَلَيَالِي مِنًى فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَبِيتِ طَافَ وَسَعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى وَقَدْ أَجْزَأَتْهُ حَجَّتُهُ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَحَلَّلَ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِينَ سَوَاءٌ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِأَجْلِ التَّحَلُّلِ وَلَوْ كَانَتْ مَحَالَّهَا فَكَانَ قَدْ أُحْصِرَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مِنًى وَالرَّمْيِ فَقُلْنَا لَهُ لَك أَنْ تَتَحَلَّلَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى.
فَقَدْ حَصَلَ مُتَحَلِّلًا وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِلرَّمْيِ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أُحْصِرَ فَيَمْتَنِع مِنْ الْوَطْءِ إلَى أَنْ يَطُوفَ هَذَا لَفْظُهُ اهـ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَذَكَرَ قَبْلَهُ مَا لَفْظُهُ الْإِحْصَارُ الْمُجَوَّزُ لِلتَّحَلُّلِ هُوَ الْمَنْعُ عَنْ الْأَرْكَانِ فَلَوْ مَنَعَ مِنْ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى لَمْ يَجُزْ التَّحَلُّلُ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ
стр. 412
التَّحَلُّلِ بِالطَّوَافِ وَالْحَلْقِ وَيَقَعُ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَيُجْبَرُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ بِالدَّمِ اهـ وَقَالَ غَيْرُهُ إذَا لَمْ لَمْ يَتَحَلَّلْ حَتَّى فَاتَهُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ بِمِنًى فَعَلَيْهِ الدَّمُ لِفَوَاتِ الرَّمْيِ كَغَيْرِ الْمُحْصَرِ فَيَحْصُلُ عَلَى الْأَصَحِّ بِالدَّمِ وَالْحَلْقُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ ثُمَّ يَطُوفُ مَتَى أَمْكَنَهُ لِبَقَائِهِ عَلَيْهِ وَيَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى وَتَمَّ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ ثَانٍ لِلْمَبِيتِ بِمِنًى لِفَوَاتِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ إنْ فَاتَهُ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَزِمَهُ دَمٌ ثَالِثٌ.
وَفِي الْخَادِمِ بَعْدَ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَإِنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ حَتَّى فَاتَهُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ فَهُوَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى وُجُوبِ الدَّمِ بِفَوَاتِهِمَا كَغَيْرِ الْمُحْصَرِ أَيْ وَلَا يُفِيدُ الْإِحْصَارُ إلَّا عَدَمَ الْإِثْمِ فَإِنَّ الْأَيَّامَ إذَا مَضَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَجَلِ تَرْكِ الرَّمْيِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ تُرِكَ ذَلِكَ بِدُونِ الْحُصْرِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّمْيِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الدَّمُ لِتَرْكِ الْمَبِيتِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ غَيْرُ السِّقَايَةِ وَالرَّعْيِ هَلْ يَلْحَقُ بِهِمَا إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْمَبِيتِ أَمْ لَا فَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بِهِمَا لَمْ يَجِبْ هُنَا شَيْءٌ وَإِلَّا وَجَبَ اهـ قُلْت وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ أُحْصِرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أُحِبُّ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى إحْرَامِهِ فَإِنْ فَعَلَ أَرَاقَ دَمًا لِتَرْكِ الْجِمَارِ وَلَيَالِي مِنًى فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْبَيْتِ طَافَ وَسَعَى اهـ كَلَامُ الْخَادِمِ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ لَوْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَمُنِعَ مَا سِوَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَتَمَكَّنَ مِنْهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالْإِحْصَارِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِالطَّوَافِ وَالْحَلْقِ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرْكِ الرَّمْيِ وَيُجْزِئُهُ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ اهـ فَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِي الْوَاقِعَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ فِيهَا أَنَّهُمْ كَالْمُحْصَرِينَ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيهِمْ وُجُوبُ الدَّمِ فِي الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ قُلْت لَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ لِعُذْرٍ لَا دَمَ فِيهِ مَعَ قَوْلهمْ هُنَا بِوُجُوبِهِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِهِ فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ مَلْحَظَ وُجُوبِ الدَّمِ هُنَا غَيْرُ مَلْحَظِهِ فِي صُورَتِنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا الْإِحْصَارُ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَإِنَّمَا فِيهَا مُجَرَّدُ خَوْفٍ مِنْ الْإِقَامَةِ لِلرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ وَبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِحْصَارَ فِيهِ صَدٌّ عَنْ نَفْسِ الْحَجِّ أَوْ بَعْضِ أَرْكَانِهِ بِالْقَصْدِ لَا بِطَرِيقِ اللَّازِمِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ أَصْلًا.
وَأَيْضًا الْإِحْصَارُ مُجَوِّزٌ لِلْخُرُوجِ عَنْ أَصْلٍ الْحَجَّ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ الدَّمُ فَكَانَ مَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِهِ الَّذِي هُوَ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ إذَا أُحْصِرَ عَنْهُمَا فَمِنْ ثَمَّ أَوْجَبُوا فِي الْمَبِيتِ الدَّمَ هُنَا وَإِنْ أُحْصِرَ عَنْهُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اسْتِشْكَالُ ابْنِ الرِّفْعَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَبِيتِ وَيُعْلَمُ أَنَّ مَلْحَظَ مَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ هُنَا مِنْ وُجُوبِ الدَّمِ فِيهِ غَيْرُ مَلْحَظٍ مَا ذَكَرُوهُ ثُمَّ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْخَائِفِ وَنَحْوِهِ إذَا تَرَكَهُ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّمْيِ حَيْثُ سَقَطَ بِهَذَا الْخَوْفِ الْعَامِّ عَلَى مَا ذَكَرْت وَبَيْنَ تَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ وَإِنْ تَرَكَ لِذَلِكَ قُلْت قَدْ أَشَرْت لِلْفَرْقِ فِيمَا مَرَّ بِأَنَّ الرَّمْيَ لَمَّا دَخَلَتْهُ الْإِنَابَةُ دَخَلَتْهُ الْأَعْذَارُ وَأَثَّرَتْ فِي سُقُوطِهِ بِالْأُولَى كَأَصْلِ الْحَجِّ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَمْ تَدْخُلْهُ نِيَابَةً فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الْعُذْرُ بِالسُّقُوطِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنَّ قُلْت هُنَا صُورَةٌ تَتَعَذَّرُ فِيهَا الْإِنَابَةُ وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ فِيهَا الدَّمُ فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتِنَا كَذَلِكَ وَتِلْكَ الصُّورَةُ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ الْإِغْمَاءُ أَوْ الْجُنُونُ وَلَمْ يَأْذَنْ لِغَيْرِهِ فِي الرَّمْيِ عَنْهُ أَوْ أَذِنَ لَهُ وَلَيْسَ بِعَاجِزٍ آيِسٍ إذْ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ إلَّا إنْ كَانَ عَاجِزًا آيِسًا كَأَنْ كَانَ مَرِيضًا آيِسًا فَأَذِنَ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ كَمَا ذُكِرَ لَمْ يُجْزِئ عَنْهُ الرَّمْيُ وَعَلَيْهِ دَمٌ إذَا أَفَاقَ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالرَّمْيِ هُوَ وَلَا نَائِبِهِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ عَمَّنْ تَأَمَّلَهُ مَا فِي الْخَادِمِ وَإِذَا تَقَرَّرَ الدَّمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَصُورَتُنَا مِثْلُهَا بَلْ أَوْلَى قُلْت هَذِهِ لَا تَرِدُ عَلَيْنَا لِمَا قَرَّرْنَاهُ مُوَضَّحًا أَنَّهُمْ غَلَبُوا فِي أَحْكَامِ الرَّمْيِ مُشَابَهَتَهُ لِأَصْلِ الْحَجِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَصْلَ الْحَجِّ يَسْقُطُ دَوَامًا كَمَا فِي بَعْضِ صُوَرِ الْحَصْرِ وَابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ بِالْخَوْفِ الْعَامِّ بَلْ الْخَاصِّ عَلَى مَا فِيهِ وَلَا كَذَلِكَ الْجُنُونُ أَوْ الْإِغْمَاءُ وَكَانَ سِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ وَقَدْ يَقَعُ فِيهِ هَتْكُ حَرِيمٍ أَوْ نَفْسٍ فَوَسِعَ فِيهِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ.
وَلَمَّا فَرَغَ ذَلِكَ أَخْبَرَنِي بَعْضُ مُسِنِّي مَكَّةَ وَأَصْلَابُهُمْ أَنَّهُ كَانَ وَقَعَ نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَنَةَ إمْسَاكِ قِيتِ الرَّجَا الْمَرْسُولِ مِنْ جِهَةِ سُلْطَانِ مِصْرَ الْغُورِيِّ لِسُلْطَانِ
стр. 413
مَكَّةَ الشَّرِيفِ بَرَكَاتِ بْنِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَأَنَّ عُلَمَاءَ مِصْرَ وَمَكَّةَ اسْتَفْتَوْا فِيهَا فَاخْتَلَفُوا وَأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا ﵀ وَآخَرُونَ فَسُرِرْت لِذَلِكَ إنْ صَحَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَا وَجْهُ أَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ لِثَالِثِ مِنًى مَعَ أَنَّ الْآيَةَ مُخَيِّرَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعْجِيلِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَمَّا الْآيَةُ فَلِأَنَّ فِيهَا التَّعْبِيرَ بِالتَّعْجِيلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْعَجَلَةِ الْمَذْمُومِ جِنْسُهَا ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَكَانَ فِيهِ نَوْعُ إشْعَارٍ بِتَقْدِيمِ الشَّيْءِ عَلَى وَقْتِهِ الْأَصْلِيِّ أَوْ الْفَاضِلِ وَكَأَنَّ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ السَّبَبُ عَنْ الْعُدُولِ عَمَّا يَقْتَضِيه نَظْمُ الْآيَةِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّهُ الْمُقَابِلُ لِلتَّأْخِيرِ الْمَذْكُورِ فِيهَا فَلَمَّا كَانَ التَّقْدِيمُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَلْ رُبَّمَا أَفَادَهُ ضِدُّهُ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِلْعِبَادَةِ فَيَكُونُ أَفْضَلُ لَمْ يَحْسُنْ الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِنْ اقْتَضَتْهُ الْمُقَابِلَةُ بَلْ بِالتَّعْجِيلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ مَفْضُولٌ وَأَنَّ التَّأْخِيرَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ تَعْرِضُ لَهُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَنْفِرْ النَّفْرَ الْأَوَّلَ بَلْ مَكَثَ فِي مِنًى إلَى أَنَّ نَفَرَ النَّفْرُ الثَّانِي وَمِنْ ثَمَّ أَخَذَ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُتَوَلِّي أَمْرِ الْحَاجِّ أَنْ يَنْفِرَ بِهِمْ النَّفْرَ الثَّانِي إلَّا لِعُذْرٍ كَغَلَاءٍ وَخَوْفٍ
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ قَالَ إنَّ حَدِيثَ «الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مَاءِ زَمْزَمَ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الْحُفَّاظُ كَالْبَدْرِ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ هُوَ مُخْطِئٌ أَشَدَّ الْخَطَإِ وَمَا قَالَهُ خَطَأٌ قَبِيحٌ فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَاذِنْجَانِ كَذِبٌ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَالذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرُهُمَا وَحَدِيثُ زَمْزَمَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قِيلَ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ بِإِسْنَادٍ قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ إنَّهُ عَلَى رَسْمِ الصَّحِيحِ وَقِيلَ حَسَنٌ وَقِيلَ ضَعِيفٌ فَأَدْنَى دَرَجَاتِهِ الضَّعْفُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ فِي حَدِّ الْوَضْعِ وَقَدْ أَطَالَ النَّفَسَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ زَمْزَمَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْأَذْكَارِ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ صَحَّحَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ حَسَنٌ لِشَوَاهِدِهِ ثُمَّ أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ ثُمَّ قَالَ وَلَهُ شَوَاهِدُ أُخَرُ مَرْفُوعَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ تَرَكْتهَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ وَلِمَا نَظَرَ الْمُنْذِرِيُّ وَالدِّمْيَاطِيُّ إلَى كَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ مَعَ جُودَةِ بَعْضِ طُرُقِهِ حَكَمَا لَهُ بِالصِّحَّةِ وَوَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا عَنْ مُعَاوِيَةَ مَوْقُوفًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ لَا عِلَّةَ فِيهِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ خَبَرِ «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَشَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ» مَنْ رَوَاهُ وَمَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ هَلْ وَرَدَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ حَجُّوا الْبَيْتَ إلَّا هُودًا وَصَالِحًا لِتَشَاغُلِهِمَا بِأَمْرِ قَوْمِهِمَا حَتَّى قَبْضِهِمَا وَمَنْ حَلَقَ رَأْسَ آدَمَ لَمَّا حَجَّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوَّلُ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَإِ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ ﵃ أَنَّ جِبْرِيلَ حَلَقَ رَأْسَ آدَمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِين حَجَّ بِيَاقُوتَةٍ مِنْ الْجَنَّةِ
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ إلَيَّ» وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» مَا الْجَوَابُ عَنْهُ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَهَلْ عَلَى تَفْسِيرِ الرُّوحِ بِالنُّطْقِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ اعْتِرَاضٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ مَا فِيهِ ذَكَرْته فِي كِتَابِي الْجَوْهَرُ الْمُنَظَّمُ فِي زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ وَكِتَابِي الدُّرُّ الْمَنْضُودُ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَحَاصِلُ الْأَجْوِبَةِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فَيُقَدَّرُ فِيهَا قَدْ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي وُقُوعِ الْمَاضِي حَالًا فَيَكُونُ الرَّدُّ سَابِقًا عَلَى السَّلَامِ الْوَاقِعِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَحَتَّى
стр. 414
لَيْسَتْ تَعْلِيلِيَّةً بَلْ عَاطِفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي قَبْلَ ذَلِكَ وَأَرُدُّ عَلَيْهِ وَقَدْ صُرِّحَ بِقَدْ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ فَمُرَادُ الْحَدِيثِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرُدُّ إلَيْهِ رُوحَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَصِيرُ حَيًّا عَلَى الدَّوَامِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ رَدَّ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْحَيَاةِ فِيهِ دَائِمًا جَاءَ الْإِشْكَالُ مِنْ ظَنِّ أَنَّ حَتَّى تَعْلِيلِيَّةً وَجُمْلَةُ رَدَّ بِمَعْنَى الْحَالِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَكَرُّرُ الرَّدِّ عِنْدَ تَكَرُّرِ السَّلَامِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ مِنْ تَكْرَارِ الرَّدِّ تَكْرَارُ الْمُفَارَقَةِ الْمُوجِبِ لِنَوْعِ أَلَمٍ.
وَالْمُخَالِفُ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مَوْتَتَانِ أَوْ لَفْظُ الرَّدِّ لَيْسَ لِلْمُفَارِقَةِ بَلْ كِنَايَةً عَنْ مُطْلَقِ الصَّيْرُورَةِ كَمَا فِي ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٩] أَيْ صِرْنَا لِاسْتِحَالَةِ الْكُفْرِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَوْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِرَدِّ الرُّوحِ عَوْدُهَا بَعْدَ مُفَارِقَةِ الْبَدَنِ وَإِنَّمَا هُوَ ﷺ مَشْغُولٌ فِي الْبَرْزَخِ بِأَحْوَالِ الْمَلَكُوتِ مُسْتَغْرِقٌ فِي شُهُودِ رَبِّهِ فَعَبَّرَ عَنْ إفَاقَتِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالرَّدِّ وَنَظِيرُهُ جَوَابُهُمْ عَمَّا وَقَعَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ فَاسْتَيْقَظْت وَأَنَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِيقَاظُ مِنْ نَوْمٍ لِأَنَّ الْإِسْرَاءَ لَمْ يَكُنْ مَنَامًا بَلْ الْإِفَاقَةُ مِمَّا خَامَرَهُ مِنْ عَجَائِبِ الْمَلَكُوتِ أَوْ الرَّدُّ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِمْرَارَ إذْ لَا يَخْلُو مِنْ مُسَلِّمٍ عَلَيْهِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ أَوْ الْمُرَادُ بِالرُّوحِ هُنَا النُّطْقُ مَجَازًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَيَاتِهِ عَلَى الدَّوَامِ نُطْقُهُ.
وَعَلَاقَةُ الْمَجَازِ اسْتِلْزَامُ النُّطْقِ لِلرُّوحِ وَعَكْسُهُ بِالْفِعْلِ أَوْ الْقُوَّةِ فَعَبَّرَ بِأَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ ﷺ مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا يُمْنَعُ عَنْهُ النُّطْقُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ سَلَامِ الْمُسَلِّمِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّقْلِ لِمَا فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ فِي قَبْرِهِ يَنْطِقُ بِمَا شَاءَ لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ النُّطْقَ فِي قَبْرِهِ إلَّا مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَلِلْعَقْلِ لِأَنَّ الْحَصْرَ عَنْ النُّطْقِ وَإِنْ قَلَّ زَمَنُهُ نَوْع حَصْر وَهُوَ ﷺ مُبَرَّأٌ عَنْ ذَلِكَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّدِّ الِاسْتِمْرَارُ مِنْ غَيْرِ مُفَارِقَةٍ فَالْمَجَازُ فِي لَفْظِ الرَّدِّ وَالرُّوحِ فَالْأَوَّلُ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ وَالثَّانِي مَجَازٌ مُرْسَلٌ أَوْ.
الْمُرَادُ بِالرُّوحِ السَّمْعُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمُسَلِّمَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَإِنْ بَعُدَ أَوْ الْمُوَافِقُ لِلْعَادَةِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِرَدِّهِ إفَاقَتَهُ مِنْ الِاسْتِغْرَاقِ الْمَلَكُوتِيِّ أَوْ الْمُرَادُ بِالرُّوحِ الْفَرَاغُ مِنْ الشُّغْلِ مِمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ فِي الْبَرْزَخِ مِنْ النَّظَرِ فِي أَعْمَالِ أُمَّتِهِ وَالِاسْتِغْفَارُ لِمُسِيئِهِمْ وَالدُّعَاءُ بِكَشْفِ الْبَلَاء عَنْهُمْ وَالتَّرَدُّدُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ بِحُلُولِ الْبَرَكَةِ فِيهَا أَوْ حُضُورُ جِنَازَةِ صَالِحِي أُمَّتِهِ كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ وَالْأَخْبَارُ فَلَمَّا كَانَ السَّلَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْأَعْمَالِ خُصَّ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ بِأَنْ يُفْرِغَ لَهُ مِنْ أَشْغَالِهِ الْمُهِمَّةِ لَحْظَةً يَرُدُّ عَلَيْهِ فِيهَا تَشْرِيفًا لَهُ وَمُجَازَاةً أَوْ الْمُرَادُ بِالرُّوحِ الِارْتِيَاحُ أَوْ الرَّحْمَةُ عَلَى حَدِّ قِرَاءَةِ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يَحْصُلُ لَهُ بِسَلَامِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ ارْتِيَاحٌ وَفَرْحَةٌ لِحُبِّهِ لِذَلِكَ مِنْ أُمَّتِهِ أَوْ مِنْهُ رَحْمَةً لَهُ فَيَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَدًّا مَخْصُوصًا (تَنْبِيهٌ رِوَايَةُ عَلَيَّ بِمَعْنَى إلَيَّ فَإِنَّ (رَدَّ) يُعَدَّى بِعَلَى فِي الْإِهَانَةِ وَبِإِلَى فِي الْإِكْرَامِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ رَجُلٍ مُقِيمٍ بِمِصْرٍ نَذَرَ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَحُجَّ فِي عَامِهِ هَذَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ وَفَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ كَانَ آثِمًا لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حَجًّا مُعَيَّنًا قَصَدَ مَكَّةَ لِأَدَائِهِ أَمْ يَكْفِيه أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا وَيُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ أَفْتَوْنَا مَأْجُورِينَ وَابْسُطُوا الْجَوَابَ وَهَلِ الْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ أَوْ لَا فَاخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُهَا وَأَجِلَّاؤُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِلَّا فَالْإِثْمُ وَالدَّمُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِلنَّقْصِ الْحَاصِلِ فِي الْحَجِّ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ وَقَالَ آخَرُونَ الْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ فِي مَحَلِّهَا فَمَا الَّذِي تَرَوْنَهُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ لَا كَمَا قِيلَ فِي السُّؤَالِ بَلْ يَحِلُّ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ
وَلَا إثْمَ وَلَا دَمَ مِنْ حَيْثُ مُخَالَفَةِ الْمَنْذُورِ وَعِبَارَةُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ يُخْرِجُ النَّاذِرَ عَنْ حَجِّ النَّذْرِ بِالْإِفْرَادِ وَبِالتَّمَتُّعِ وَبِالْقِرَانِ وَإِذَا نَذَرَ الْقِرَانَ فَقَدْ الْتَزَمَ النُّسُكَيْنِ فَإِنْ أَتَى بِهِمَا مُفْرَدَيْنِ فَقَدْ أَتَى بِالْأَفْضَلِ وَخَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ وَإِنْ تَمَتَّعَ فَكَذَلِكَ وَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مُفْرَدَيْنِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ فَهُوَ كَمَا
стр. 415
إذَا نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا وَقُلْنَا الْمَشْيُ أَفْضَلُ فَحُجَّ رَاكِبًا انْتَهَتْ وَكَانَ الْمَوْقِعُ فِي ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ أَنَّ صَاحِبَ الرَّوْضَةِ حَذَفَ مِنْ أَصْلِهِ قَوْلَهُ وَيَخْرُجُ عَنْ حَجِّ النَّذْرِ بِالْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَلَمْ يُنَبِّهْ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ عَلَى إسْقَاطِهِ لِهَذَا الْحُكْمِ الْمُهِمِّ مِنْ أَصْلِهِ فَظَنَّ مَنْ أَفْتَى بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَنْقُولَةٍ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا فِي الْأَمْرَيْنِ كَمَا يَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ وَتَحْقِيقُهُ فَفَرِّغْ ذِهْنَك لَهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا نَذَرَ الْحَجَّ مُطْلَقًا أَجْزَأَهُ أَنْ يَحُجَّ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا
لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَجٌّ صَحِيحٌ وَلَوْ نَذَرَ الْقِرَانَ كَانَ مُلْتَزِمًا لِلنُّسُكَيْنِ فَإِنْ أَتَى بِهِمَا مُفْرَدَيْنِ أَجْزَأَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ وَكَذَا إنْ تَمَتَّعَ وَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مُفْرَدَيْنِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ فَهُوَ كَمَا إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَاشِيًا وَقُلْنَا الْمَشْيُ أَفْضَلُ فَحَجَّ رَاكِبًا وَإِذَا نَذَرَ الْقِرَانَ فَأَفْرَدَهُمَا لَزِمَهُ دَمُ الْقِرَانِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ فَلَا يَسْقُطُ انْتَهَتْ فَعُلِمَ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ أَنَّهُمَا مَفْرُوضَتَانِ فِي عَيْنِ صُورَةِ السُّؤَالِ وَهُوَ نَذْرُ الْحَجِّ مُطْلَقًا أَيْ مِنْ غَيْرِ ضَمِّ نُسُكٍ آخَرَ إلَيْهِ وَأَنَّهُمَا صَرِيحَتَانِ فِي جَوَازِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّمَتُّعِ بَلْ وَفِي أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ لَا بِنِيَّةِ الْإِفْرَادِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَبِأَنَّ ذَلِكَ تَصْرِيحٌ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مَنْ نَذَرَ الْقِرَانَ أَجْزَأَهُ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَفْضَلَ مِمَّا الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ وَهُوَ الْقِرَانُ مَعَ أَنَّ فِي الْإِفْرَادِ تَأْخِيرَ الْعُمْرَةِ الْمُلْتَزَمَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ عَنْهُ وَفِي التَّمَتُّعِ تَأْخِيرُ الْحَجِّ الْمُلْتَزَمِ مِنْهُ عَنْهُ أَيْضًا
وَلَمْ يَنْظُرُوا لِهَذَا التَّأْخِيرِ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ الْحَاصِلَةُ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ فَكَذَلِكَ لَا نَظَرَ فِي مَسْأَلَتِنَا لِتَأْخِيرِ الْحَجِّ الْمُلْتَزَمِ مِنْ الْمِيقَاتِ عَنْهُ لِوُجُودِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فِي كُلٍّ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ الْفَاضِلَيْنِ عَلَيْهِ بِعَيْنِ مَا قَرَّرُوهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ جَلِيٌّ وَوَجْهُهُ أَعْنِي مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى وَاجِبِ الشَّرْعِ وَوَاجِبُهُ أَنَّ الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ فَكَانَا فِي النَّذْرِ كَذَلِكَ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمْ لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِفِضَّةٍ لَمْ يَكْفِ الذَّهَبُ قُلْت لَا يُنَافِيه لِأَنَّ الذَّهَبَ جِنْسٌ مُغَايِرٌ لِلْفِضَّةِ ذَاتًا وَصِفَةً وَلَيْسَ وُجُوهُ النُّسُكَيْنِ كَذَلِكَ بَلْ جِنْسُهُمَا مُتَّحِدٌ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْكَيْفِيَّةِ لَا غَيْرُ وَإِذَا عَلِمْت أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ فِي النُّسُكِ بِأَفْضَلِيَّةِ غَيْرِ الْمَنْذُورِ الْمَذْكُورِ حَمْلًا لِلنَّذْرِ عَلَى الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ عَلِمْت أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ بِجَوَازِ كُلٍّ مِنْ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَأَنَّهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَتَى بِالْأَفْضَلِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ وَحْدَهُ فَلَزِمَ بِمُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ جَوَازُ كُلٍّ مِنْهَا وَإِجْزَاؤُهُ عَنْهُ وَأَنَّهُ الْأَفْضَلُ فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِ الرَّوْضَةِ بِيَخْرُجُ وَالْمَجْمُوعُ بِأَجْزَأَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ
قُلْت بَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَنْ سَبَرَ كُتُبَهُمْ عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ أَحَدَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ أَعْنِي الْخُرُوجَ وَالْإِجْزَاءَ إلَّا فِي الْجَائِزِ وَبِتَسْلِيمِ أَنَّهُمْ قَدْ يَسْتَعْمِلُونَ أَحَدَهُمَا فِي الْحَرَامِ كَانَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُبَيِّنُوا حُرْمَتَهُ وَإِلَّا كَانَ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْأَفْهَام لَا يَتَبَادَرُ إلَيْهَا مِنْ إطْلَاقِ الْخُرُوجِ بِشَيْءٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَإِجْزَائِهِ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ.
ثَانِيهِمَا: مَا ذَكَرُوهُ مِنْ جَوَازِ كُلٍّ مَنْ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ عَنْ الْقِرَانِ الْمُلْتَزَمِ بَلْ أَفْضَلِيَّتُهُ مَعَ مَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ تَأْخِيرِ بَعْضِ الْمُلْتَزَمِ مِنْ الْمِيقَاتِ عَنْهُ لَكِنَّ الْجَائِزَ أَقْوَى كَمَا قَدَّمْته مَعَ بَيَانِ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَظِيرُ ذَلِكَ التَّأْخِيرِ إلَّا أَنَّهُ لِجَائِزٍ أَقْوَى أَيْضًا فَسَاوَى مَا قَالُوهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ وَهَذَا صَرِيحٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ يَخْرُجُ فِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى وَأَجْزَأَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بَلْ أَفْضَلُ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِجَوَازِ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ
وَأَمَّا دَمُ الْعُدُولِ عَنْ الْمَنْذُورِ فَهَلْ يَجِبُ وَإِنْ عَدَلَ إلَى الْأَفْضَلِ كَمَا لَوْ عَدَلَ عَنْ الْمَشْيِ الْمُلْتَزَمِ فِي نَذْرِ النُّسُكِ إلَى الرُّكُوبِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ أَفْضَلَ أَوْ لَا يَجِبُ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ وَاَلَّذِي جَرَيْت عَلَيْهِ كَشَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ صَيِّبَ الرِّضْوَانِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ الثَّانِي وَعِبَارَتُهُ أَوْ نَذَرَ قِرَانًا أَوْ تَمَتُّعًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ فَأَفْرَدَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَيَلْزَمُهُ إنْ أَفْرَدَ دَمُ الْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ لِالْتِزَامِهِ لَهُ بِالنَّذْرِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْعُدُولِ عَنْهُ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الْحَجِّ اهـ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْقَمُولِيُّ
стр. 416
وَغَيْرُهُ وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ تَفَرُّدِ الْقَمُولِيِّ فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ دَمَ الْقِرَانِ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْتِزَامِهِ بَلْ بِفِعْلِهِ يُرَدُّ بِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا بَلْ يَجِبُ بِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَكَلَامُهُمْ يُشْعِرُ بِأَنْ لَا دَمَ عَلَيْهِ لِلْعُدُولِ أَيْ عَنْ الْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ إلَى الْإِفْرَادِ قَالَ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا وَهُوَ ظَاهِرٌ اكْتِفَاءً بِالدَّمِ الْمُلْتَزَمِ مَعَ كَوْنِ الْأَفْضَلِ الْمَأْتِيِّ بِهِ مِنْ جِنْسِ الْمَنْذُورِ وَبِهَذَا كُلِّهِ فَارَقَ لُزُومَهُ بِالْعُدُولِ مِنْ الْمَشْيِ إلَى الرُّكُوبِ.
وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ جَامَعَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا ثُمَّ أَفْرَدَ فَإِنَّهُ لَا يُسْقِطُ الدَّمَ بِعُدُولِهِ إلَى الْإِفْرَادِ بِأَنَّهُ ثَمَّ تَلَبُّسٌ بِمُوجِبِ الدَّمِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا فَلَمْ يُفِدْهُ الْعُدُولُ بِخِلَافِهِ هُنَا انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّيْخِ وَهُوَ ظَاهِرٌ اكْتِفَاءً بِالدَّمِ الْمُلْتَزَمِ مَعَ كَوْنِ الْأَفْضَلِ إلَخْ وُجُوبُ الدَّمِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِلْعُدُولِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلُ أَيْضًا لَكِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ دَمًا يُغْنِي عَنْهُ قُلْت مَسْأَلَتُنَا انْتَفَى فِيهَا دَمُ الْعُدُولِ لِمَعْنَى آخَرَ هُوَ أَنَّ فِيهَا جَابِرًا لِلْعُدُولِ وَهُوَ النُّسُكُ الْمَزِيدُ عَلَى مَا نَذَرَهُ كَمَا أَنَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ الْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ إلَى الْإِفْرَادِ جَابِرًا هُوَ الدَّمُ الْمُلْتَزَمُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْمُلْتَزَمِ فِيهِ الدَّمُ إلَّا أَنْ يَخْلُفَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ فِي مَسْأَلَتِنَا زِيَادَةُ نُسُكٍ آخَرَ وَفِي تِلْكَ الدَّمُ الْمُلْتَزَمُ وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَمَسْأَلَةِ الْعُدُولِ عَنْ الْمَشْيِ إلَى الرُّكُوبِ لِأَنَّ الرُّكُوبَ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلُ إلَّا أَنَّهُ لَا جَابِرَ فِيهِ بَلْ فِيهِ تَفْوِيتُ مَشَقَّةٍ مَقْصُودَةٍ مِنْ نَذْرِ الْمَشْيِ لِتَعْظِيمِ ثَوَابِهِ وَمِنْ ثَمَّ فَضَّلَهُ عَلَى الرُّكُوبِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ فَحِينَئِذٍ جَبَرَهُ الْأَئِمَّةُ بِالدَّمِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا فَتَأَمَّلْهُ.
فَإِنْ قُلْت قِيَاسُ مَا مَرَّ أَنَّ مَنْ نَذَرَ قِرَانًا فَتَمَتَّعَ أَوْ عَكْسه لَزِمَهُ دَمَانِ دَمٌ لِلْمُلْتَزِمِ وَآخَرُ لِمَا فَعَلَهُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ وَمَسْأَلَتُنَا قُلْت الْفَرْقُ وَاضِحٌ فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ دَمًا مُلْتَزَمًا بِالنَّذْرِ وَدَمًا مُلْتَزَمًا بِالْفِعْلِ وَمَسْأَلَتُنَا لَيْسَ فِيهَا دَمٌ مُلْتَزَمٌ بِالنَّذْرِ وَهَذَا وَاضِحٌ وَأَمَّا الْفِعْلُ فَإِنْ اقْتَضَى دَمًا كَالتَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ وَجَبَ دَمُهُ وَإِلَّا كَالْإِفْرَادِ فَلَا فَإِنْ قُلْت صَرَّحُوا بِأَنَّ الرُّكُوبَ مَعَ كَوْنِهِ أَفْضَلُ يَأْثَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرِ نَاذِرِ الْمَشْيِ فَقِيَاسُهُ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ الْإِثْمُ بِكُلٍّ مِنْ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلُ قُلْت قَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْته آنِفًا أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ فَوَاتُ الْمَشَقَّةِ الْمَقْصُودَةِ فِي الْمَشْيِ بِالرُّكُوبِ لَا إلَى بَدَلٍ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مِنْ اسْتِشْكَالِ جَمْعٍ أَنَّ الرُّكُوبَ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ إلَّا إنْ قُلْنَا بِأَفْضَلِيَّتِهِ بِخِلَافِ الْمَشْيِ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ وَإِنْ قُلْنَا بِمَفْضُولِيَّتِهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَشْيَ مَقْصُودٌ وَأَفْضَلِيَّةُ الرُّكُوبُ إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ الِاتِّبَاعِ وَمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ تَحَمُّلِ الْمُؤْنَةِ فِي الْعِبَادَةِ وَإِيضَاحُهُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ النَّفْسُ تَمِيلُ لِلرُّكُوبِ طَبْعًا كَانَ الْتِزَامُهَا لَهُ وَتَحَمُّلُهَا لِمُؤْنَتِهِ مُحْتَمَلٌ أَنَّهُ لِإِيثَارِ رَاحَتِهِ وَأَنَّهُ لِأَفْضَلِيَّتِهِ فَلَمَّا تَرَدَّدَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنِ الْجَزْمُ بِلُزُومِهِ إلَّا إنْ قِيلَ بِأَفْضَلِيَّتِهِ وَأَمَّا الْمَشْيُ فَإِنَّهَا تَنْفِرُ عَنْهُ طَبْعًا أَيْضًا فَلَمْ يَكُنِ الْتِزَامُهُ إلَّا لِكَسْرِ نَفْسِهِ وَإِيثَارِ ثَوَابِهِ فَلَزِمَ وَإِنْ قُلْنَا بِمَفْضُولِيَّتِهِ.
فَإِنْ قُلْت فَلِمَ وَجَبَ الدَّمُ فِي الْمَشْيِ الْبَدَلُ عَنْ الرُّكُوبُ قُلْت لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْأَفْضَلِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ أَشُقُّ فَإِنْ قُلْت فَهَلْ فِيهِ إثْمٌ أَيْضًا قُلْت الْقِيَاسُ نَعَمْ نَظَرًا لِذَلِكَ التَّفْوِيتِ وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ جَارٍ نَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَفْضَلُ وَأَشَقُّ مِنْ مُجَرَّدِ الْحَجِّ فَجَازَ كُلٌّ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ وَأَجْزَأَ مِنْ غَيْرِ دَمٍ نَظَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ نُسُكٍ وَمَشَقَّةٍ عَلَى الْحَجِّ الْمُلْتَزَمِ وَمِنْ الْأَفْضَلِيَّةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ بِوَجْهٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى فَوَّتَ بِالْعُدُولِ الْأَفْضَلِيَّةَ فَالدَّمُ وَالْإِثْمُ وَمَتَى لَمْ يُفَوِّتْهَا بِأَنْ أَتَى بِالْأَفْضَلِ فَإِنْ فَوَّتَ مَشَقَّةً مَقْصُودَةً فَالدَّمُ وَالْإِثْمُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ قَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلَوْ حَلَّ الْحَلْقُ لِلْمُحْرِمِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ فَهَلْ يُفْعَلُ عَنْهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا مَكْرُوهٌ لَكِنْ فِي الْأَسْنَى وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ إذَا مَاتَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ لِيَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِانْقِطَاعِ تَكْلِيفِهِ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ حَلْقٌ وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ طَوَافٌ أَوْ سَعْيٌ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْإِسْعَادِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ﵁ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَعِبَارَتُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ بَعْدَ
стр. 417
التَّحَلُّلِ الْأَوَّل وَبَقِيَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ لَمْ يُفْعَلْ بِهِ لِيَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَلَمْ يُبَالِ بِقَوْلِ شَيْخِهِ الْأَذْرَعِيِّ يُنْدَبُ حَلْقُهُ قَالَ أَعْنِي الزَّرْكَشِيّ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِحْرَامِ بَاقٍ وَتَبِعَهُ الدَّمِيرِيّ وَغَيْرُهُ وَمِنْ ثَمَّ اسْتَظْهَرَهُ شَيْخُنَا لِانْقِطَاعِ تَكْلِيفِهِ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ حَلْقٌ وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ طَوَافٌ أَوْ سَعْيٌ انْتَهَتْ وَيُؤَيِّدُ مَا اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ أَنَّ مَبْنَى أَفْعَالِ الْحَجِّ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ عَنْ الْغَيْرِ وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ تَحْرِيمَ الْبِنَاءِ فِيهِ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ وَهَذَا فِيهِ بِنَاءٌ فَكَانَ حَرَامًا بِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ إذْ الْمَسْأَلَةُ إذَا دَخَلَتْ فِي عُمُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ كَانَتْ مَنْقُولَةً كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْبَيْعِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ فِي شَخْصٍ بَاعَ جَمَلًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْمِلَ مَثَلًا سِتِّينَ صَاعًا فَهَلْ الْبَيْعُ صَحِيحٌ كَبَيْعِ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أَنَّهَا حَامِلٌ وَالْعَبْدِ بِشَرْطِ أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَبَيْعِ الشَّاةِ بِشَرْطِ أَنْ تَحْلُبَ كُلَّ يَوْمٍ مَثَلًا رِطْلَيْنِ لَبَنًا وَإِذَا قُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ فَعَجَزَ الْجَمَلُ عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ فَهَلْ لَلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ وَهَلْ يَكْفِي فِي عَدَمِ الرَّدِّ حَمْلُهُ لَهَا ابْتِدَاءً أَوْ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ لَهَا فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ كُلَّ وَصْفٍ مَقْصُودٍ مُنْضَبِطٍ فِيهِ مَالِيَّةٌ لِاخْتِلَافِ الْقَيِّمِ بِوُجُودِهِ وَعَدَمِهِ يَصِحُّ شَرْطُهُ فِي الْبَيْعِ وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بِفَوَاتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَ الدَّابَّةِ تُطِيقُ حَمْلَ مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ وَصْفٌ مَقْصُودٌ مُنْضَبِطٌ فِيهِ مَالِيَّةٌ فَيَصِحُّ شَرْطُهُ وَفَارِقُ اشْتِرَاطِ حَلْبِهَا كُلَّ يَوْمٍ كَذَا بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُنْضَبِطٍ فَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ.
فَإِنْ قُلْت هَلْ يَشْتَرِطُ فِي الْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ هُنَا أَنْ لَا يُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ فَلَا يَصِحُّ بِشَرْطِ حَمْلِهَا لِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُؤَدِّي لِذَلِكَ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي السَّلَمِ قُلْتُ الْقِيَاسُ غَيْرُ بَعِيدٍ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنهمَا أَقْرَبُ وَهُوَ أَنَّ السَّلَمَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا فِي الذِّمَّةِ فَلَوْ جَوَّزْنَا فِيهِ اشْتِرَاطَ مَا يُؤَدِّي لِعِزَّةِ الْوُجُودِ لَكُنَّا مُضَيِّقِينَ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ طُرُق التَّحْصِيلِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَنَازُعِ الْمُتَعَاقِدِينَ فِيمَا لَا غَايَةَ لَهُ وَإِلَى الْخُرُوجِ عَنْ مَوْضُوعِ السَّلَمِ بِخِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ هُنَا فَإِنَّهُ وَارِدٌ عَلَى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِذَا اُشْتُرِطَ فِيهَا وَصَفٌّ مُنْضَبِطٌ مَقْصُودٌ صَحَّ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤَدِّي لِعِزَّةِ الْوُجُودِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ هُنَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِوَجْهٍ لِأَنَّ تِلْكَ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ إنْ وُجِدَ فِيهَا ذَلِكَ الْوَصْفُ مَعَ نُدْرِهِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَإِلَّا تَخَيَّرَ ثُمَّ رَأَيْتَ ابْنَ الرِّفْعَةِ قَالَ هُنَا عَقِبَ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ قَدْ يُتَخَيَّلُ فَرْقٌ بَيْنَ الْبَيْعِ النَّاجِزِ وَالسَّلَمِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قُلْتُ وَبِهَذَا قَطَعَ بَعْضُهُمْ فِي الْبَيْعِ أَيْ بَيْعِ الشَّاةِ بِشَرْطِ أَنَّهَا لَبُونٌ بِالصِّحَّةِ وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ فِي السَّلَمِ.
وَعِبَارَةُ الْمَرْعَشِيِّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ شَرْطٌ يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ إذَا كَانَ عَيْنًا وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ سَلَمًا وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ شَاةً أَوْ بَقَرَةً عَلَى أَنَّهَا لَبُونٌ يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ مُسَلَّمًا فَقَوْلَانِ اهـ وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا فَرَّقْتُ بِهِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يُؤَدِّي لِعِزَّةِ الْوُجُودِ فَإِنْ قُلْتَ قَضِيَّةَ مَا تُقَرِّرُ صِحَّةَ بَيْعِهَا بِشَرْطِ أَنَّهَا تَحْلُبُ رِطْلَيْنِ قُلْتُ وَبِهِ نَقُولُ لِأَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ كُلَّ يَوْمٍ فَقَدْ أَزَالَ مَا بِهِ عَدَمُ الِانْضِبَاطِ وَيَلْزَمُ مِنْ إزَالَتِهِ الصِّحَّةُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَلْحَظَ الْبُطْلَانِ فِيمَا إذَا قَالَ كُلَّ يَوْمٍ إلَّا عَدَمَ الِانْضِبَاطِ ثُمَّ إذَا عَلِمَ صِحَّةَ اشْتِرَاطِ طَاقَتِهَا لِحَمْلِ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ثُمَّ إنَّ طَاقَتَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَوْ مَرَّةً فَلَا خِيَارَ وَإِلَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّكَ أَقْرَرْتَ أَنَّ مَا عَادَ لِي عِنْدَك شَيْءٌ أَوْ أَنَّكَ صَالَحْتَنِي عَلَى كَذَا أَوْ أَنَّكَ بِعْتَنِي ذَا بِكَذَا أَوْ أَنَّكَ أَقْرَرْتَ أَنَّ لِي عِنْدَكَ كَذَا فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعْتُكَ مُكْرَهًا أَوْ صَالَحْتُكَ مُكْرَهًا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِي السُّؤَالِ وَأَقَامَ عَلَى الْإِكْرَاهِ بَيِّنَةً فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَوْ الْمُحَكِّمِ أَنْ يَسْتَفْصِلَ الشُّهُودَ عَلَى الْإِكْرَاهِ وَهَلْ عَلَى الشُّهُودِ أَنْ يُبَيِّنُوا لَهُ الْإِكْرَاهَ أَمْ لَا يَجِبُ عَلَى الشُّهُودِ وَلَا عَلَى الْحَاكِمِ وَلَا عَلَى الْمُحَكِّمِ أَنْ يَفْصِلُوا حَيْثُ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ لَا يَعْرِفُ حَدَّ الْإِكْرَاهِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُ حَدَّ الْإِكْرَاهِ بَيَّنُوا لَنَا ذَلِكَ وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي فَتَاوِيهِ إذَا قَالَ الشُّهُودُ نَشْهَدُ إنَّهُ بَاعَ مُكْرَهًا هَلْ يَلْزَمُهُمْ التَّعَرُّضُ لِصِفَةِ الْإِكْرَاهِ الَّتِي عَلَيْهَا حَالَةُ الْبَيْعِ الْجَوَابُ أَنَّ الرَّأْيَ لِلْقَاضِي فِيهِ فَإِنْ
стр. 418
جَوَّزَ أَنْ يَسْتَبْهِمَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الشُّهُودِ فَلَهُ السُّؤَالُ وَإِذَا سَأَلَ فَعَلَيْهِمْ التَّفْصِيلُ فَإِنْ عَلِمَ مِنْ حَالِ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ عَارِفُونَ لِحَدِّ الْإِكْرَاهِ وَلَا يَشْهَدُونَ بِهِ إلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ فَلَهُ أَنْ لَا يُكَلِّفهُمْ التَّفْصِيلَ اهـ جَوَابُهُ.
وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ فِي التَّوَسُّطِ (فَرْعٌ) قَالَ لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ أَوْ تَقْصِيرِهِ فِي الرَّدِّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي قُلْتُ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَعْلَمُ مَا يَكُونُ تَقْصِيرًا وَمَا لَا يَكُونُ تَقْصِيرًا وَإِلَّا فَقَدْ يَعْتَقِدُ جَهْلًا مَا يَكُونُ تَقْصِيرًا لَيْسَ بِتَقْصِيرٍ فَهَلْ نَقُولُ إذَا عَلِمَ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسْتَفْسِرُهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى سُؤَالِ الْبَائِعِ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَفْسِرَهُ اهـ الْمَقْصُودُ فَهَلْ يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ مَا نُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ يَجْرِي عَلَى مَا نُقِلَ فِي السُّؤَالِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَذَاكَ وَإِنْ قُلْتُمْ نَعْلَمُ فَإِذَا لَمْ يَسْتَفْسِرْ الْمُحَكِّمُ الشُّهُودَ فَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُهُ حَيْثُ كَانَ الْحَالُ مَا ذُكِرَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ بِالْإِكْرَاهِ مِنْ التَّفْصِيلِ بِأَنْ يَذْكُرَ الشُّهُودُ صُورَةَ الْوَاقِعِ حَتَّى يَنْظُرَ الْحَاكِمُ أَوْ الْمُحَكِّمُ فِيهَا هَلْ هِيَ إكْرَاهٌ أَوْ لَا لِأَنَّ شُرُوطَ الْإِكْرَاهِ كَثِيرَةٌ وَفِيهَا خِلَافٌ مُنْتَشِرٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ حَتَّى بَيْنَ أَئِمَّةِ مَذْهَبِنَا وَالْعَامَّةُ يَعْتَقِدُونَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً إكْرَاهًا وَغَيْرَ إكْرَاهٍ وَالْحُكْمُ بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُونَ فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يُفَصِّلَ فِي شَهَادَتِهِ بِالْإِكْرَاهِ فَإِنْ شَهِدَ بِهِ وَأَطْلَقَ فَتَارَةً يَثِقُ الْمَشْهُودُ عِنْدَهُ بِعِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِجَمِيعِ شُرُوطِ الْإِكْرَاهِ وَإِتْقَانِهِ لَهَا فَلَا يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى اسْتِفْصَالِهِ وَإِذَا اسْتَفْصَلَهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْهُ بِذَلِكَ لَزِمَهُ اسْتِفْصَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمُدَّعِي سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَاكِمُ وَالْمُحَكِّمُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَضَى مُسْتَنِدًا إلَى شَهَادَتِهِ كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْغَزَالِيُّ صَحِيحٌ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ إمَامِهِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَأَقَرَّاهُ حَيْثُ قَالَا الْفَرْعُ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ يُبَيِّنُ جِهَةَ التَّحَمُّلِ ثُمَّ قَالَا قَالَ الْإِمَامُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ الْجَهْلُ بِطُرُقِ التَّحَمُّلِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ وَوَثِقَ بِهِ الْقَاضِي جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ بِكَذَا وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ وَجَبَ هَذَا الْمَالُ وَهَلْ أَخْبَرَك بِهِ الْأَصْلُ اهـ نَعَمْ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فَلَهُ السُّؤَالُ مُوهِمٌ وَلَوْ قَالَ لَزِمَهُ السُّؤَالُ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِفْصَالَ عِنْدَ عَدَمِ الْوُثُوقِ بِدِينِ الشَّاهِدِ وَعِلْمِهِ وَإِتْقَانِهِ وَاجِبٌ وَأَمَّا مَا تَرَدَّدَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ فَالْأَوْجَهُ فِيهِ أَنَّ الْقَاضِي إنْ وَثِقَ بِعِلْمِ الْمُشْتَرِي اكْتَفَى بِقَوْلِهِ لَمْ أُقَصِّرْ وَيُحَلِّفُهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا لَزِمَهُ اسْتِفْسَارُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْبَائِعُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ نَفْسِهِ بَعْد قَوْلِ الرُّويَانِيِّ لَوْ قَالَ السَّكْرَانُ بَعْد مَا طَلَّقَ إنَّمَا شَرِبْتُ الْخَمْرَ مُكْرَهًا أَيْ وَثَمَّ قَرِينَةٌ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ اهـ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَعَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَسْتَفْسِرَ فَإِنْ ذَكَرَ مَا يَكُونُ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا فَذَاكَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ إكْرَاهًا اهـ.
قَالَ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا ﵀ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ فِيمَنْ لَا يَعْرِفُ الْإِكْرَاهَ اهـ فَهَذَا يَزِيدُ اتِّجَاهَ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لَهَا نَظَائِرَ يَجِبُ فِيهَا التَّفْصِيلُ مِنْهَا الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ عَلَى خِلَافٍ طَوِيلٍ فِيهِ وَبِالسَّرِقَةِ وَبِأَنَّ نَظَرَ الْوَقْفِ الْفُلَانِيِّ لِفُلَانٍ فَيَجِبُ بَيَانُ سَبَبِهِ وَالشَّهَادَةُ بِأَنَّ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ جِهَةِ إرْثِهِ مِنْ أُخُوَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَيَقُولُ هَذَا أَخُوهُ وَوَارِثُهُ وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ أَخٌ شَقِيقٌ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ وَالشَّهَادَةُ بِبَرَاءَةِ الْمَدِينِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ وَبِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ وَبِالرُّشْدِ وَبِأَنَّ الْعَقْد كَانَ يَوْمَ الْعَقْدِ زَائِلُ الْعَقْلِ وَبِالْجَرْحِ وَبِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَبِالرَّضَاعِ وَالنِّكَاحِ وَبِالْقَتْلِ وَبِأَنَّهُ بَلَغَ بِالسِّنِّ فَيُبَيِّنُهُ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّهُ بَلَغَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَا بَلَغَ بِهِ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ مُطَلَّقَةً وَبِأَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ لِأَنَّ الْحَالَ يَخْتَلِفُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ وَالتَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ وَبِأَنَّهُ اشْتَرَى الْعَيْنَ الَّتِي بِيَدِ خَصْمِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَهَا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَالشَّهَادَةُ بِأَنَّ فُلَانًا وَقَفَ دَارِهِ الْفُلَانِيَّةَ وَهُوَ يَمْلِكُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مُصَرِّفِ الْوَقْفِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّ فُلَانًا أَوْصَى إلَى فُلَانٍ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ الْمُصَرِّفُ وَلَا الْمُوَصَّى بِهِ لِأَنَّ الْغَرَضَ ثُبُوتُ وِلَايَةِ الْوَصِيِّ.
(وَسُئِلَ)
стр. 419
- ﵁ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ آخَر دَابَّةً ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ تَبَيَّنَ بِهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْبَائِعِ وَفَسَخَهَا الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ الْعَيْبِ فَهَلْ لَهَا أُجْرَةٌ وَيَلْحَقُ بِمَا إذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ الْبَيْعِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَمْ لَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ وَالْفَائِتُ مَا لَهُ أُجْرَةٌ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّهُ حَيْثُ صَحَّ الْبَيْعُ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوْ أَجَرَهُ وَأَخَذَ أُجْرَتَهُ أَوْ أَخَذَ صُوفَهُ أَوْ لَبَنَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ زَوَائِدِهِ الْمُنْفَصِلَةِ فَازَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَتِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ الْبَيْعُ مَلَكَ الْمَبِيعَ فَيَمْلِكُ زَوَائِدَهُ فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ زَوَائِدَهُ ثُمَّ فَسَخَ الْبِيَعَ بِإِقَالَةٍ أَوْ عَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الْبَائِعُ بِشَيْءٍ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ إلَّا زَوَائِدَ مِلْكِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ إلَّا عَلَى مِلْكِهِ إذْ الْفَسْخُ لَا يَرْفَعُ الْعَقْدَ إلَّا مِنْ حِينِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى الْمَبِيعِ تَعَدِّيًا فَلِأَجْلِ ذَلِكَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ الْغَصْبِ مِنْ ضَمَانِهِ إنْ تَلِفَ بِأَقْصَى الْقِيَمِ وَضَمَانِ زَوَائِدِهِ سَوَاءٌ اسْتَوْفَاهَا أَمْ لَمْ يَسْتَوْفِهَا بِأَنْ فَاتَتْ فِي يَدِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ إذَا قَصَّرَ الْمُشْتَرِي بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِأَنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَى الْفَوْرِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْبَائِعِ أَرْشُ الْعَيْبِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُشْتَرِي مَتَى سَقَطَ رَدُّهُ بِتَقْصِيرٍ صَدَرَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْبِ لِتَقْصِيرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ أَرْضٍ اشْتَرَاهَا شَخْصٌ مِنْ مَالِكهَا. وَبَاعَ لِنَاسٍ وَبِالْأَرْضِ أَشْجَارٌ وَمَزَارِعُ فَاسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي مُدَّةً مَدِيدَةً يَزْرَعُهَا وَيَأْكُلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَثْمَارِهَا فَجَاءَ قَوْمٌ وَخَرَّبُوا الْأَرْضَ الْمَذْكُورَةَ فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْمَذْكُورِ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) حَيْثُ صَحَّ الْبَيْعُ بِأَنْ اتَّفَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ وَإِذَا جَاءَهُ الثَّمَنُ رَدَّ عَلَيْهِ أَرْضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ لَهُ بَيْعًا صَحِيحًا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ شَرْعِيَّيْنِ وَلَمْ يَشْرِطَا ذَلِكَ الَّذِي تَوَافَقَا عَلَيْهِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَلَا فِي مَجْلِسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ الْمِلْكُ فِي الْأَرْضِ لَهُ وَانْقَطَعَتْ الْعُلْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فَالْأَرْضُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ تَحْتَ يَدِهِ عَيْنٌ فَبَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَيْنَ مِلْكِي وَأَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ رَهْنًا بِكَذَا وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً فَهَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ أَمْ لَا وَحَيْثُ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بَلْ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهَا رَهْنٌ قَبْلَ الْبَيْعِ فَهَلْ يَغْرَمُ لِلرَّاهِنِ قِيمَةَ الْعَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ وَأَقَرَّ لَهُ الْبَائِعُ بِمَا ذَكَرَ لَهُ غَرِمَ قِيمَتَهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ بَاعَ عَيْنًا لِشَخْصٍ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ خِيَارِهِ أَوْ خِيَارِهِمَا بِبَيْعِهَا لِآخَرَ أَوْ بَعْضِهَا مِنْهُ لَمْ يَبْطُلْ بَيْعُهُ الْأَوَّلُ وَغَرِمَ قِيمَتَهَا لِلثَّانِي لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِتَصَرُّفِهِ وَإِقْبَاضِهِ وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى عِوَضَهُ وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَعَدَمِ قَبْضِهِ وَقَضِيَّةُ الثَّانِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ يَتَقَيَّدُ بِقَبْضِهِ وَبِالْأَوَّلِ صَرَّحَ الْقَاضِي فَهُوَ الْأَوْجَهُ وَإِنَّ اقْتَضَى كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ مَا الْمُفْتَى بِهِ فِي التَّمْلِيكِ هَلْ يَكُونُ بَيْعًا كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي بَابِهِ أَوْ يَجْرِي بِهِ مَجْرَى الْعَادَةِ بِكَوْنِهِ هِبَةً كَمَا مَشَى عَلَيْهِ قُضَاةُ بَلَدِنَا وَهَلْ الْمُفْتَى بِهِ فِي شِرَاءِ الدَّابَّةِ رُؤْيَةُ بَاطِنِ الْخُفِّ لِتَفَاوُتِ الْأَغْرَاضِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَثْبُت الْخِيَارُ لِمَنْ اعْتَبَرَ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْحَاصِلَ فِي لَفْظِ التَّمْلِيكِ كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ بَيَانِ مَا فِيهِ مِنْ رَدٍّ وَنَقْضٍ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَإِذَا ذَكَرَ مَعَهُ الْعِوَضَ أَوْ نَوَى كَانَ بَيْعًا وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَكُونُ هِبَةً وَأَمَّا مَنْ يَجْعَلُهُ صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً فِي الرَّهْنِ فَهُوَ مُخْطِئٌ لِأَنَّ وَضْعَهُ يُنَافِي وَضْعَ الرَّهْنِ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً وَقَدْ اُبْتُلِيَ النَّاسُ بِمَنْ لَا يَفْهَمُ مَوْضُوعَاتِ الْأَلْفَاظِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ عَلَى أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِمَا لَوْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ لَمَا قَبِلُوهُ وَلَبَالَغُوا فِي زَجْرِهِ وَتَعْنِيفِهِ وَالِانْتِقَامِ مِنْهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَالنَّظَرُ إلَى الْعَادَةِ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ لَوْ سُئِلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَظَرُوا إلَيْهَا عَنْ شَرْطٍ مِنْهَا لَمْ يَعْرِفُوهُ فَكَيْف مَعَ ذَلِكَ يُسَوَّغُ لَهُمْ أَنْ يُخَالِفُوا صَرِيحَ كَلَامِ
стр. 420
الْأَصْحَابِ نَظَرًا لَهَا. مَا هَذِهِ إلَّا بَلِيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ أَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدَّابَّةِ رُؤْيَةُ مُقَدَّمِهَا وَمُؤَخَّرِهَا وَقَوَائِمِهَا وَرَفْعِ السَّرْجِ وَالْإِكَافِ وَالْجُلِّ، لَا جَرْيَ الْفَرَسِ مَثَلًا بَيْن يَدَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَسِيرَهَا وَلَا رُؤْيَةُ اللِّسَانِ وَالْأَسْنَانِ وَلَوْ مِنْ رَقِيقٍ اهـ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ بَاطِنِ خُفِّهَا لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَشْتَرِطُوا رُؤْيَةَ اللِّسَانِ وَالْأَسْنَانِ مَعَ تَفَاوُتِ الْأَغْرَاضِ بِاخْتِلَافِ أَلْوَانِ الْأَلْسِنَةِ سِيَّمَا فِي الرَّقِيقِ وَبِالْأَسْنَانِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتِهَا عَلَى صِغَرِ السِّنِّ وَكِبَرِهِ غَالِبًا فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَشْتَرِطُوا رُؤْيَةَ بَاطِنِ الْخُفِّ لِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَغْرَاضَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِهِ لَكِنْ لَيْسَ كَاخْتِلَافِهَا بِرُؤْيَةِ اللِّسَانِ وَالْأَسْنَانِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُمَا فَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَا دُونَهُمَا وَهُوَ بَاطِنُ الْخُفِّ وَاخْتِلَافُ الْأَغْرَاضِ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِ إذَا قَوِيَ وَأَطْرَدَ وَإِلَّا لَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ وَوَاضِحٌ أَنَّ اخْتِلَافَهَا بِرُؤْيَةِ بَاطِنِ الْخُفِّ ضَعِيفٌ وَغَيْرُ مُطَّرِدٍ فَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) بَاعَ شَخْصٌ دَارًا وَفِيهَا بَيْتٌ دَاخِلٌ فِي تَرْبِيعِهَا لَكِنَّهُ غَيْرُ نَافِذٍ إلَيْهَا بَلْ إلَى الشَّارِعِ مَثَلًا فَهَلْ يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ بَيْعِهَا أَوْ لَا يَدْخُلُ لِانْفِصَالِهِ عَنْهَا كَمَا فِي نَظَائِرِهَا فِي كَلَامِهِمْ فِي الْأَيْمَانِ وَالْمَسَاجِدِ فِي بَابِ الْقُدْوَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مِنْ الْوَاضِحِ عَدَمَ دُخُولِ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ فِي بَيْعِ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا انْفَرَدَ بِبَابٍ مُسْتَقِلٍّ وَلَمْ يَنْفُذْ إلَى مَا دَخَلَ فِي تَرْبِيعِهَا صَارَ يُسَمَّى دَارًا ثَانِيَةً وَصَارَتْ الدَّارُ الَّتِي دَخَلَ فِي تَرْبِيعهَا لَا تَشْمَلُهُ لِأَنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ بَيْنهمَا فِي الِاسْمِ وَلَا فِي الْمَعْنَى وَدُخُولُهُ فِي تَرْبِيعِهَا لَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَهَا لَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْحَدّ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ فَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ مِنْ هَذَا الْخَطِّ إلَى هَذَا الْخَطِّ لَمْ يَدْخُلْ الْخَطَّانِ مَعَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْغَايَةِ يَدْخُلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ إذْ يَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ إدْخَالًا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَقَطْ فَإِذَا كَانَ الْحَدُّ نَفْسُهُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَبِيعِ، فَأَوْلَى الْبَيْتُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِيمَا لَوْ بَاعَ عَيْنًا بِأُوقِيَّةٍ مَثَلًا هَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ حَيْثُ اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِذَلِكَ أَيْ بِأَنَّ مِقْدَارَ الْأُوقِيَّةِ كَذَا وَكَذَا دَرَاهِمَ أَوْ لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ بَاعَ بِعَشْرَةٍ حَتَّى يَقُولَ بِأُوقِيَّةِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْبَيْعِ أَنَّهُ حَيْثُ اطَّرَدَ عُرْفُ أَهْلِ بَلَدٍ أَوْ نَاحِيَةٍ بِأَنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ بِالْأُوقِيَّةِ عَنْ مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْغَالِبَةِ فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ صَحَّ الْبَيْعُ بِالْأُوقِيَّةِ مَثَلًا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْمُتَبَايِعَانِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ رَدًّا عَلَى صَاحِبِ الْبَيَانِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا عَبَّرَ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ صَحَّ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِهَا عَنْهَا مَجَازًا كَقَوْلِكَ فِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا هَذِهِ دِينَارٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ صَرْفَهَا أَيْ هَذِهِ صَرْفُ دِينَارٍ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ اهـ وَبِمَا تَقَرَّرَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ اصْطَلَحَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى أَنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ بِالدِّينَارِ عَنْ مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ كَمَا فِي جِهَتِكُمْ.
وَقَالَ أَحَدُهُمْ بِعْتُك بِدِينَارٍ صَحَّ وَانْصَرَفَ الثَّمَنُ إلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الدِّينَارُ شَرْعًا لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى مِثْقَالٍ مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ إنَّمَا هُوَ بِعُرْفِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِخِلَافِ نَحْو الْإِقْرَارِ وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْخَلْعِ أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ فِي الْبَلَدِ دَرَاهِمُ عَدَدِيَّةٌ نَاقِصَةُ الْوَزْنِ أَوْ زَائِدَتُهُ نَزَلَ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ وَالتَّعْلِيقِ وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَوْ قَالَ بِعْتُك بِمِائَةِ دِرْهَمٍ صَرْفُ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ صَرْفُ الْبَلَد كَذَلِكَ وَكَذَا مَا جَرَّتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْبَيْعِ بِدِينَارٍ وَمُرَادُهُمْ بِهِ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَبِعَ فِي الْأَوَّلِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا مَرَّ وَقَاسَ عَلَيْهِ الثَّانِي وَإِذَا بَطَلَ حُكْمُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بَطَلَ حُكْمُ الْمَقِيسِ.
وَقَدْ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ كَأَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ مِنْ جِنْس الْعُرُوضِ نَوْعٌ انْصَرَفَ الذِّكْرُ إلَيْهِ عَنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْعَقْدِ كَالنَّقْدِ. قَالَ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَبِيعَ صَاعًا مِنْ الْحِنْطَةِ بِصَاعٍ مِنْهَا أَوْ بِشَعِيرٍ فِي الذِّمَّة وَتَكُونُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ الْمَوْجُودَانِ فِي الْبَلَدِ صِنْفًا وَاحِدًا غَالِبًا فِي الْبَلَدِ لَا يَخْتَلِفُ ثُمَّ يُحْضِرُهُ بَعْدَ
стр. 421
الْعَقْدِ وَيُسَلِّمُهُ فِي الْمَجْلِسِ اهـ وَقِيَاسُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّعَامُلُ فِي بَلَدٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْفُلُوسِ النُّحَاسِ الْعَدَدِيَّةِ أَوْ بِأَنْوَاعٍ وَأَحَدُهَا غَالِبٌ انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ وَكَذَا فِي الثِّيَابِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِعَشْرَةِ أَثْوَابٍ وَأَطْلَقَ وَكَانَ لَهَا عُرْفٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَالنَّقْدَيْنِ فَإِنْ قُلْتَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَا ذُكِرَ فِي الْأُوقِيَّةِ وَالدِّينَارِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ قَالَ بِعْتُك بِوَزْنِ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ نَقْرَة وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا تِبْرٌ أَوْ الْمَضْرُوبَةُ لَمْ يَصِحَّ لِتَرَدُّدِهِ وَلَا يَحْمِلُ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ قُلْتُ هَذَا لَا شَاهِدَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرَ تَيْنِكَ الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِيهِمَا كَمَا مَرَّ أَنَّ الْعُرْفَ اطَّرَدَ بِالتَّعْبِيرِ بِهِمَا عَمَّا مَرَّ.
وَأَمَّا فِي صُورَةِ الْبَغَوِيِّ فَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ الْعُرْفَ اطَّرَدَ بِالتَّعْبِيرِ بِالْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ عَنْ النَّقْرَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا مِنْ التِّبْرِ وَلَا مِنْ الْمَضْرُوبَةِ فَكَانَ فِيهَا إبْهَامًا لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ كُلًّا مِنْهُمَا وَهُمَا مُخْتَلِفَا الْقِيمَةِ وَلَا مُرَجِّحَ فَبَطَلَ الْبَيْعُ وَقَدْ أَشَارَ الْبَغَوِيّ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ عَلَّلَ الْبُطْلَانَ بِقَوْلِهِ لِتَرَدُّدِهِ فَإِنْ قُلْتَ سَلَّمْنَا هَذَا فِي كَلَامِ الْبَغَوِيِّ فَمَا الَّذِي تَقُولُهُ فِي قَوْلِ الْمَطْلَبِ لِابْنِ الرِّفْعَةِ لَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفِ مِثْقَالٍ مِنْ النَّقْدِ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الذَّهَبِ لَمْ يَكْفِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْفِضَّةِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْأُوقِيَّةِ وَالدِّينَارِ مُطْلَقًا قُلْتُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ إنْ سَلَّمَ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُوقِيَّةِ وَالدِّينَارِ أَنَّ النَّقْدَ فِي صُورَتِهِ يَشْمَلُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَمْ يَصْطَلِحُوا عَلَى التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ كَمَا فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
وَإِنَّمَا غَلَبَ عِنْدَهُمْ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ الْفِضَّةِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَيْضًا فَالنَّقْدُ يَشْمَلُ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفِي الْجِنْسَ وَلَا عِبْرَةَ بِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ فِي أَحَدِ الْأَنْوَاعِ كَأَنْ يَقُولُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِي نَوْعٍ مِنْ الْفِضَّةِ فَحِينَئِذٍ يَنْصَرِفُ إلَى ذَلِكَ النَّوْعِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِنْ النَّقْدِ لِأَنَّهُ يُشْمَلُ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَا عِبْرَةَ بِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي أَحَدِهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَغْرَاضَ تَتَفَاوَتُ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ تَفَاوُتًا كَثِيرًا فَلَمْ تَصْلُحْ الْغَلَبَةُ حِينَئِذٍ مُرَجَّحَةً مَعَ شُمُولِ لَفْظِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِأَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ بِخِلَافِهَا بَيْنَ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهَا لَا تَتَفَاوَتُ كَذَلِكَ فَصَحَّ أَنْ تَكُونَ الْغَلَبَةُ مُرَجَّحَةً لِأَحَدِهَا عَلَى الْبَاقِي.
(وَسُئِلَ) فِيمَا إذَا بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ حِصَّةً مِنْ قَرَارِ عَيْنٍ جَارِيَةٍ وَهَذِهِ الْحِصَّةُ قَدْرُهَا سُدُسُ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشْرَ سَهْمًا مُشَاعًا مِنْ جَمِيعِ الْعَيْنِ لَكِنَّ عَيْنَهَا فِي مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ بِمَا يَتَعَارَفُهُ أَهْلُ عُيُونِ بَلْدَةِ الْبَيْعِ مِنْ التَّعْبِيرِ عَنْ أَجْزَاءِ السَّهْمِ مِنْ الْقَرَارِ وَالْمَاءِ الْجَارِي بِهِ بِالسَّاعَاتِ وَعَنْ السَّهْمِ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَجْبَةِ الَّتِي هِيَ اثْنَا عَشْرَ سَاعَةً كَمَا يُعَبَّرُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ بِالْأَصَابِعِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ فِي بَلَدِ الْبَيْعِ كُلِّهِ سَقِيَّةً لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرِيكَ فِي الْقَرَارِ شَرِيكٌ فِي الْمَاءِ النَّابِعِ لَهُ مِنْ أَجْلِ مُشَارَكَته فِي الْقَرَار فَعَبَّرَ كَاتِبُ الشِّرَاءِ عَنْ الْمَبِيعِ الَّذِي هُوَ حِصَّةٌ مِنْ الْقَرَارِ بِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَفِيمَا هُوَ تَابِعٌ لَهُ مِنْ الْمَاءِ وَمُلَخَّصُ عِبَارَةِ مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ بَعْدَ أَنْ أَذِنَ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ فُلَانٌ الشَّافِعِيُّ لِفُلَانٍ الْفُلَانِيِّ فِي شِرَاءِ الْمَبِيعِ الْآتِي ذِكْرُهُ لِنَفْسِهِ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ مِنْ الْبَائِعِ الْآتِي ذِكْرُهُ بِالثَّمَنِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهِ إذْنًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا اشْتَرَى فُلَانٌ الْفُلَانِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ الْمَشْمُولِينَ بِحُجَّةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفَةِ مِنْ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ الْبَائِعِ عَنْ نَفْسِهِ جَمِيعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَمَقَرِّهَا وَمَمَرِّهَا وَشُعُوبِهَا وَذُيُولِهَا وَمَجَارِي مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى اشْتِرَاءً صَحِيحًا شَرْعِيًّا مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ لِثَمَنِ جُمْلَتِهِ كَذَا مَقْبُوضٌ بِيَدِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَتَسَلَّمَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَتَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الْمَبِيعِ الْمَذْكُورِ تَسَلُّمًا شَرْعِيًّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمُعَاقَدَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ الْمَذْكُورِ وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ وَمَاتَ الْحَاكِمُ وَالْمُتَعَاقِدَانِ وَالشَّاهِدَانِ فَهَلْ هَذَا الْحُكْمُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ صَحِيحٌ فَهَلْ يَقْتَضِي صِحَّةَ التَّبَايُعِ الْمَذْكُورِ أَمْ فَسَادَهُ وَهَلْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ الْآنَ نَقْضُ التَّبَايُعِ وَالْحُكْمُ بِهِ أَمْ لَا؟ لَا سِيَّمَا مَعَ
стр. 422
كَوْنِ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَافِرِ وَكَمَالِ النَّظَرِ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُودٌ بِذَلِكَ وَهَلْ يَقْتَضِي صِحَّةُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَوْلُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵁ فِي رَوْضَتِهِ وَلَوْ بَاعَ الْمَاءَ مَعَ قَرَارِهِ نُظِرَ إنْ كَانَ جَارِيًا فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَقُلْنَا الْمَاءُ لَا يُمَلَّكُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلًا تَفْرِيق الصَّفْقَةِ.
وَقَوْلُهُ بَعْد ذَلِكَ بِنَحْوِ أَرْبَعَةِ أَسْطُرٍ وَلَوْ بَاعَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الْبِئْرِ أَوْ الْقَنَاةِ جَازَ مَا يَنْبُعُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ صِحَّةَ مَا ذَكَر وَإِذَا قُلْتُمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ يُرَجِّحُ صِحَّةَ بَيْعِ الْقَرَارِ فَقَطْ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي مُسْتَحِقًّا لِلْمَاءِ النَّابِعِ بِهِ لِكَوْنِهِ نَابِعًا فِي مِلْكِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَأَيْضًا فَهَلْ التَّعْبِيرُ فِي مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ عَنْ الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ مِنْ الْقَرَارِ بِقَوْلِهِ الْحِصَّةُ السَّقِيَّةُ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ مُخْلٍ بِالتَّبَايُعِ أَوْ بِالْحُكْمِ بِهِ أَمْ غَيْرِ مُخْلٍ بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ تَأْوِيلِهَا بِمَا يُصَحِّحُهَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ قَدْ اُسْتُفْتِيَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ نَفْسُهُ بِشَيْءٍ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْجَمَّالَ بْنَ ظَهِيرَةَ قَالَ فِي سُؤَالِهِ لَهُ الْعُيُونُ الَّتِي بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ لَا يُعْرَفُ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهَا غَالِبًا وَإِنَّمَا يَجْرِي فِي مَجَارٍ إلَى أَنْ يَبْرُزَ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي يُسْقَى مِنْهَا وَيَتَبَايَعُونَهُ بِاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ يَشْتَرِي الشَّخْصُ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا وَيَمْلِكُهُ.
ثُمَّ قَالَ السَّائِلُ بَعْدَ أَسْطُرٍ وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ اشْتَرَى فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ سَاعَةً مِنْ قَرَارِ كَذَا فَهَلْ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ الْبُلْقِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَطَالَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الثَّانِي بِشَيْءٍ يَخُصُّهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا الْآنَ وَإِنَّمَا أَجَابَ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ فَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي مِلْكِ مَحَلِّ النَّبْعِ وَالْمَجْرَى وَأَمَّا شِرَاءُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ أَوْ اللَّيْلِ فَهَذَا لَا يَصِحُّ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ وَبَعْدَ فَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي مِلْكِ الثَّانِي فَقَطْ إذَا صَدَرَ بَيْعٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي الْأَرْضِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْأَصْلَ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهُ غَالِبًا جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَالتَّبَايُعُ الْوَاقِعُ بِاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ كُلُّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَاءَ يُمْلَكُ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَا سَبَبٌ يَقْتَضِي مِلْكَ الْمَاءِ اهـ فَهُوَ مُطْلَقٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَاءِ الْمُقَدَّرِ بِسَاعَةٍ مَثَلًا وَغَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِخُصُوصِ مَا إذَا بِيعَتْ سَاعَةً مَثَلًا مِنْ قَرَارِ كَذَا وَإِنْ أَكَّدَ بِكُلٍّ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ بَعْدَهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمِقْدَارِ وَهَذَا الْفَرْضُ الْمَخْصُوصُ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْمِقْدَارِ وَالزَّمَانِ مَعًا فَمَا الْمُعْتَبَرُ مِنْهُمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ فَلَمْ يُجِبْ عَنْ هَذَا الْخُصُوصِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا أُجِيبَ بِكَلَامٍ مُطْلَقٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَعَلَى تَسْلِيمِ شُمُولِهِ لَهُ فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ بَعْدَ مِنْ. أَيْ: مِنْ مَاءِ كَذَا إذْ لَا يَظْهَرُ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي هَذَا الْفَرْضِ الْمَخْصُوصِ إلَّا بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ الْمُضَافِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ إذْ اللَّفْظُ كَمَا يُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُ فَيَبْطُلُ يُحْتَمَلُ عَدَمُ تَقْدِيرِهِ وَارْتِكَابُ مَجَازٍ فِيهِ فَيَصِحُّ بِأَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ قَرَارِ عَيْن كَذَا لِأَنَّ مِنْ هُنَا لَلتَّبْعِيضِ لَا غَيْرُ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ صَرِيحَةٌ فِي اتِّحَادِ مَا قَبْلَهَا مَعَ مَا بَعْدَهَا مَفْهُومًا وَحَقِيقَةً فَهُوَ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ إذْ لَا يُقَالُ سَاعَةٌ مِنْ مَحَلِّ كَذَا إلَّا بِارْتِكَابِ ذَلِكَ التَّجَوُّزِ وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تَصْحِيحِ لَفْظٍ بِتَجَوُّزٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ وَإِبْطَالِهِ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَانَ تَصْحِيحُهُ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ احْتِمَالَ الصِّحَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى احْتِمَالِ الْبُطْلَانِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَاعِدَة أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ غَالِبًا عَمَلًا بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ وَإِنْ كَانَتْ خِلَافَ الْأَصْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنْ الْإِضْمَارِ عَلَى قَوْلٍ قَالَ بِهِ كَثِيرُونَ
стр. 423
وَعَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُمَا سِيَّانِ لِاحْتِيَاجِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى قَرِينَةٍ فَالْمَجَازُ هُنَا أَوْلَى عَمَلًا بِقَاعِدَةِ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ حَيْثُ أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ.
وَقَدْ عَوَّلُوا عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الصُّبْرَةِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَوْ بَيَانٍ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ إلَّا عَلَى بَحْثٍ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ قَيَّدَهُ بِمَا أَرَادَهُ فَلْيُعَوَّلْ عَلَيْهَا هُنَا كَذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنَّ أَرَادَا بِقَوْلِهِمَا سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ مِنْ قَرَار كَذَا جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ الْمَجْرَى الْمَمْلُوكِ صَحَّ الْبَيْعُ نَظِيرَ مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا بَيْعُ ذِرَاعٍ مِنْ أَرْضٍ مَعَ إرَادَةِ الشُّيُوعِ أَوْ التَّعْيِينِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى أَنَّ الشُّيُوعَ لَا يُفْهَمُ مِنْ مُطْلَقِ الذِّرَاعِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَمِنْهَا الْبَيْعُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ إلَّا مَا يَخُصُّ أَلْفًا أَوْ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا وَأَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْقَيِّمَةِ الْمَعْلُومَةِ بَلْ مَسْأَلَتُنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ هَذِهِ لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِمَا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا وَمَا أَرَادَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَتَخَيُّلُ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ.
وَلِذَا جَازَ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَيْر مُؤَثِّرٍ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْمَبِيعِ أَيْضًا كَمَا قَالُوهُ فِي مَسَائِلِ الذِّرَاعِ وَالصَّاعِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَاطَةُ الْحُكْمِ بِهَا لَا تُنَافِي قَاعِدَةً لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُكْتَفَ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةُ الْقِيمَةِ وَنَوَيَا أَحَدَهَا لِأَنَّ اللَّفْظَ هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ بِعَشْرَةٍ مَثَلًا لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ وَضْعًا وَلَا قَرِينَةَ فَلَوْ أَثَّرَتْ النِّيَّةُ مَعَهُ لَكَانَ فِيهِ أَعْمَالٌ لَهَا وَحْدَهَا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِيمَا ذَكَرَهُ شَرْطٌ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَهُوَ دَالٌّ عَلَى الْمَنْوِيِّ بِاعْتِبَارِ مَا قَرَّرْنَاهُ وَمَا سَنُقَرِّرُهُ فَلَيْسَ فِيهَا أَعْمَالٌ لِلنِّيَّةِ وَحْدَهَا بَلْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْمُوَافِقُ لَهَا وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَدْلُولَهُ الْحَقِيقِيَّ مَعَ تَقْدِيرِ مَا بَطَلَ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَشْيَاءَ فَإِنْ اطَّرَدَ فِي عُرْفِهِمَا التَّعْبِيرُ بِالسَّاعَةِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ عَنْ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ صَحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ رَدًّا عَلَى صَاحِبِ الْبَيَانِ وَمَنْ تَبِعَهُ إذَا عَبَّرَ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ صَحَّ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهَا مَجَازًا كَقَوْلِك فِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا هَذِهِ دِينَارٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ صَرْفُهَا أَيْ هَذِهِ صَرْفُ دِينَارٍ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ فِي الثَّمَنِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَهُمْ وَلَوْ غَيْرَ نَقْدٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِعَشْرَةِ أَثْوَابٍ وَأَطْلَقَ وَكَانَ لَهُمَا عُرْفٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَالنَّقْدَيْنِ اهـ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْعُرْفِ تَأْثِيرًا فِي تَخْصِيصِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ بِهِ ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ هُنَا مِنْ الصِّحَّةِ إذَا أُطْلِقَا وَأُطْرِدَ عُرْفُهُمَا كَمَا ذُكِرَ وَإِنْ أُطْلِقَا وَلَمْ يَطَّرِدْ لَهُمَا بِذَلِكَ عُرْفٌ فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ وَالتَّرَدُّدِ وَالْقَاعِدَتَانِ السَّابِقَتَانِ قَاعِدَةُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَقَاعِدَةُ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ مَا أَمْكَنَ يُرَجِّحَانِ الصِّحَّةَ أَيْضًا وَيُعَضِّدُهَا قَوْلُ الْمُوَثَّقِ مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. نَعَمْ إنْ أُطْلِقَا وَأُطْرِدَ عُرْفُهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَعَ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ لَمْ يَبْعُدْ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ حِينَئِذٍ وَلَوْ اخْتَلَفَ النَّاوِيَانِ فِي الْإِرَادَةِ صَدَقَ مُدَّعِي الْفَسَادِ نَظِير مَا قَالُوهُ فِي الذِّرَاعِ لَكِنْ لَا يَتَأَتَّى هَذَا هُنَا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِثُبُوتِ مُوجِبِ الصِّحَّةِ عِنْدَهُ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَنْقُضُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ مُوجِبِ نَقْضِهِ.
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ مُوجِبِهِ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِنَقْضِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْته أَنَّ مُوجِبَ النَّقْضِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَهُ مُحْتَمَلَاتٌ بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا بَاطِلٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نُبْطِلُهُ إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ الْبَاطِلَ هُوَ الْمُرَادُ وَلَمْ نَتَحَقَّقْهُ وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ قَوْلُهُمَا جَمِيعُ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لِإِنَّا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ أَوْ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا مَرَّ صَحَّ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْجُزْءِ سَقِيَّةً لِأَنَّهُ سَبَبُهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُوَثَّقِ بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقِّ قَرَارِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ إلَخْ فَإِنْ قُلْتَ الْقَرَارُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا هُوَ الْمُقِرّ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا وَالْعِبَارَةُ تَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا وَإِنَّ حِصَّةَ السَّقِيَّةِ غَيْرُهُمَا قُلْتُ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَمُقِرَّهَا وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمُقِرّ أَيْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُقِرِّ وَالْمَمَرِّ
стр. 424
وَالْمُرَادُ بِحَقِّهِمَا غَيْرُهُمَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ الْمُوَثَّقَ تَفَنَّنَ فَعَبَّرَ بِالْقَرَارِ ثُمَّ عَبَّرَ ثَانِيًا عَنْهُ بِالْمُقِرِّ وَأَعَادَهُ مُخْتَلِفًا لَفْظُهُ مَعَ اتِّحَادِ مَعْنَاهُ لِبَيَانِ شُمُولِ الْبَيْعِ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِ وَقَوْلِ الْمُوَثَّقِ وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَيَدُلُّ لَهُ التَّعْبِيرُ بِالسَّقِيَّةِ إذْ هِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَيْ سَاقِيَّةٌ إذْ السَّاقِيَّةُ اسْمٌ لِلْقَرَارِ لَا لِلْمَاءِ وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الرَّوْضَةِ لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْبَيْعِ فِيمَا ذُكِرَ إلَّا بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ أَوْ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ قَدْ تَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ وَقَدْ بَيَّنْتُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي جَوَابِ بَعْضِ أَسْئِلَةٍ وَرَدَتْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَعَ الرَّدِّ عَلَى الْبُلْقِينِيُّ فِي اعْتِرَاضَاتِهِ عَلَيْهَا فِي جَوَابِهِ السَّابِقِ بَعْضُهُ وَحَاصِلُ مَا تَجْتَمِعُ بِهِ عِبَارَتُهَا أَنَّ الْمَمْلُوكَ إنْ كَانَ مَحَلُّ النَّبْعِ وَالْقَرَارِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ مِنْهُ إلَى الْأَرَاضِي فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُ مُعَيَّنٍ صَحَّ وَجَرَى فِي دُخُولِ الْمَاءِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْبَيْعِ مَا قَرَّرُوهُ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَمْلُوكُ هُوَ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ الْقَنَاةُ دُونَ مَحَلِّ النَّبْعِ فَإِنْ وَرَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْقَرَارِ صَحَّ أَيْضًا وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُ الْمَاءُ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ فِيهِ الْمُسَمَّى بِالشُّرْبِ وَمُرَادُ الرَّوْضَةِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمَاءِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أُجْرِيَ فِيهَا خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ إلَّا فِي الْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ فِيهَا قَبْلَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهِمَا أَيْ فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَالْمِلْكِ وَفِي الْمَاءِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا خِلَافًا لِمَنْ ظَنَّهُ.
نَعَمْ الْمُشْكِلُ إنَّمَا هُوَ إجْرَاء خِلَاف تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْقَرَارِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ فَائِدَةَ إجْرَائِهِ حَتَّى يَبْطُلَ فِي الْمَاءِ الرُّجُوع بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ لِإِنَّا إنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فِيهِ فَهِيَ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُقَابَلُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا قُوبِلَ بِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلَانَ الْبَيْعِ فِيهِ وَفِي الْأَرْضِ عَلَى الضَّعِيفِ وَفِيهِ وَحْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَاتَّضَحَ وَجْهُ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ أَجْرَيْنَاهُ فِيهَا وَقُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا آنِفًا وَالْكَلَامُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّ قَرَارِ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ دُونَ مَحَلِّ نَبْعِهِ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ بَلْ يَكُونُ الْمَالِكُ أَحَقَّ بِهِ وَأَمَّا مَحَلُّ نَبْعِهِ مَعَ قَرَارِهِ الْمَمْلُوكِ كُلٌّ مِنْهُمَا فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَمِنْ ثَمَّ اضْطَرَبَتْ فِيهِ الْأَفْهَامُ وَكَثُرَتْ فِيهِ السَّقَطَاتُ وَالْأَوْهَامُ فَإِنْ قُلْتَ يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْجَوَابِ قَوْلُ جَمْعٍ رَدًّا لِمَا فِي الرَّوْضَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَجْهُولًا وَبِيعَ مَعَ غَيْرِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ بِالْقِسْطِ وَالْقِسْطُ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِلْجَهَالَةِ.
قُلْتُ إنَّمَا يَتَّضِحُ رَدُّهُمْ أَنْ لَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ دَعْوَى الْجَهَالَةِ بِالْقِسْطِ وَهِيَ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ فَقَدْ قَالَ جَمْعٌ فِي نَحْو الْخَلِّ وَالْخَمْرِ وَالشَّاةِ وَالْكَلْبِ أَوْ الْخِنْزِيرِ أَنَّ الْبَاطِلَ يَقُومُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً كَأَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ هُنَا يُقَدَّرُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً وَيَصِحُّ بَيْعُهُ مُطْلَقًا وَهُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بِمَا يُشَابِهُهُ كَالْخَلِّ وَالْعِتَرِ فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْجَارِي هُنَا بِمَا يُشَابِهُهُ فَيُقَدَّرُ رَاكِدًا وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ مَعَ الْأَرْضِ فَإِنْ قُلْتَ وَمَا حُكْمُ عُيُونِ مَكَّةَ هَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِأَرْبَابِهَا قَرَارًا وَمَنْبَعًا أَوْ قَرَارًا فَقَطْ قُلْتُ بَلْ قَرَارًا وَمَنْبَعًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ حُفِرَ أَيْ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا أَوْ انْخَرَقَ أَيْ فَلَا يَكُونُ مَمْلُوكًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ اهـ عَلَى أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى بِالْمِلْكِ مِنْ صُورَةِ الرَّوْضَةِ لِأَنَّ صُورَتَهَا لَيْسَ فِيهَا قَرِينَةٌ عَلَى الْمِلْكِ غَيْرِ وَضْعِ الْيَدِ.
وَهُنَا مَعَ وَضْعِهَا قَرِينَةٌ أُخْرَى وَهِيَ بِنَاءُ تِلْكَ الْعُيُونِ الَّذِي هُوَ صَرِيحٌ فِي مِلْكِ الْبَانِي لِمَحِلِّ ذَلِكَ الْبِنَاءِ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي تِلْكَ الْعُيُونِ مَنْبَعًا وَقَرَارًا مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمَا قُلْتُ أَمَّا مَا تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ مَجْرَى الْعُيُونِ وَذَيْلِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِهِ لِتَعَذُّرِهِ كَأَسَاسِ الْجِدَارِ كَمَا بُحِثَ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةٍ الْمُسْتَتِرِ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ سَهُلَ بِالْفَتْقِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُشْتَرَطُ
стр. 425
رُؤْيَتُهُ مِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ أَخْذًا مِنْ أَنَّ الْبِئْرَ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِهَا بَلْ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ مِنْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ مِنْ جُدْرَانِهَا وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الْقَنَاةُ الظَّاهِرَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَتِهَا جَمِيعِهَا بِأَنْ يُحْبَسَ الْمَاءُ عَنْهَا وَلَا يَكْفِي رُؤْيَتُهَا مِنْ وَرَائِهِ وَإِنْ كَانَ صَافِيًا ثُمَّ رَأَيْتُ الْبُلْقِينِيُّ تَعَرَّضَ لِمَا فِي السُّؤَالِ فَقَالَ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مُعْتَبَرٍ.
وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ اهـ وَهُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ أَطْلَقَ عَدَمَ الصِّحَّةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَدْلُولَ ذَلِكَ اللَّفْظِ وَلَا مَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ وَنَحْنُ قَدْ فَصَّلْنَا مُحْتَمَلَاتِهِ وَبَيَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَمَا يَدُلُّ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فَلَا يُنَافِي إطْلَاقُهُ تَفْصِيلَنَا بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْوَجْهِ الْبَاطِلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ أَنَّ الْمَبِيعَ الْمَاءَ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ أَوْ أَطْلَقَا وَعُرْفُهُمَا ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَا ذَكَرَهُ دَلِيلًا وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَدِلَّةً مِنْ كَلَامِهِمْ سِيَّمَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مَجْمُوعِ النَّوَوِيِّ وَعَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَلَا يَسَعُ الْبُلْقِينِيُّ أَنْ يَقُولَ إذَا أَرَادَ بِالسَّاعَةِ جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ كَلَامِ أَئِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ بَلْ لَا يَسَعُهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ بِالْبُطْلَانِ إذَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمَا بِالتَّعْبِيرِ بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ عَنْ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ الَّذِي قَدَّمْتُهُ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ مَلْزُومٌ بِالْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِكَلَامِهِ عَلَى بُطْلَانِ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُصَانُ عَنْ النَّقْضِ مَا أَمْكَنَ وَأَنَّهُ لَا يُصَارُ لِنَقْضِهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا مُوجِبَ نَقْضٍ وَلَا يَتَحَقَّقُ مُوجِبُ نَقْضِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَرَادَا بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ حَقِيقَتَهَا مِنْ مَائِهِ أَوْ مِنْ الْقَرَارِ نَفْسِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِنَقْضِهِ كَيْفَ وَلَهُ مُحْتَمَلَاتٌ وَبَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا بَاطِلٌ وَلَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ ذَلِكَ الْبَاطِلِ وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَ الْبُلْقِينِيُّ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ سَبَبَ الْبُطْلَانِ فِي سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ كَذَا لَيْسَ هُوَ ذِكْرُ السَّاعَةِ فَحَسْبُ. بَلْ عَدَمُ إيرَادِ الْبَيْعِ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ النَّبْعِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَصْرِيحِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحَلِّ النَّبْعِ.
فَإِنْ قُلْتَ مَا وَجْهُ صَرِيحِ قَوْلِهِ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ إلَخْ فِي أَنَّ سَبَبَ الْبُطْلَانِ مَا ذُكِرَ قُلْتُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ السَّبَبُ هُوَ ذِكْرُ السَّاعَةِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ إلَخْ مُلَائِمًا لِمَا قَبْلَهُ وَلَا مُرْتَبِطًا بِهِ فَإِنَّ الْبَيْعَ إنْ وَقَعَ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ أَوْ غَيْرِهِ هُوَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا يُنَافِيهِ مَا قَدَّمَهُ نَفْسُهُ أَوَّلَ جَوَابِهِ وَهَذَا مِمَّا يُضَعِّفُ كَلَامَهُ وَيُوجِبُ عَدَمَ اعْتِمَادِ إطْلَاقِهِ الْبُطْلَانَ وَيَبِينُ أَنَّ الْحَقَّ مَا فَصَّلْنَاهُ وَقُلْنَاهُ وَإِنْ كُنَّا مُعْتَرَفِينَ بِنَقْصِ مَقَامِنَا عَنْ مَقَامِهِ إلَّا أَنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ عَلَى أَنَّهُ ﵀ كَانَ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِكَلَامِ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ لِوُصُولِ مَرْتَبَتِهِ مِنْ مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ بَلْ لِأَقْصَاهَا كَمَا قَالَهُ تِلْمِيذُهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَرَى فِي جَوَابِهِ هَذَا عَلَى مُخَالَفَةِ الرَّوْضَةِ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ وَالْحَقُّ فِيهَا مَا فِي الرَّوْضَةِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي جَوَابٍ غَيْرِ هَذَا وَأَشَرْتُ إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَمِنْ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فِيهَا قَوْلُهُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمَاءِ الْجَارِي وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِإِطْلَاقِهِ الْبُطْلَانَ فِي سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ كَذَا إلَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْمَاءَ وَحْدَهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ مَفْهُومُهَا الْحَقِيقِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ فِي قَضِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَقَعَ لَهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ مُلَخَّصُ مَضْمُونِهِ بَعْد أَنْ أَذِنَ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ لِفُلَانٍ الْفُلَانِيِّ فِي شِرَاءِ الْمَبِيعِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ مَحَاجِيرِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ إذْنًا شَرْعِيًّا اشْتَرَى الْمَأْذُونُ لَهُ الْمَذْكُورُ مِنْ فُلَانَةَ الْفُلَانِيَّةِ جَمِيعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ فِي الْوَجْبَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِكَذَا وَعِدَّةُ وَجَابَ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَجْبَةً كُلُّ وَجْبَةٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً كُلُّ سَاعَةٍ قِيرَاطَانِ كَبِيرَانِ بِمَا يَجِبُ لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقٍّ مِنْ
следующие страницы →