Полный текст (1 335 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الْعَقْدِ وَيُسَلِّمُهُ فِي الْمَجْلِسِ اهـ وَقِيَاسُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّعَامُلُ فِي بَلَدٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْفُلُوسِ النُّحَاسِ الْعَدَدِيَّةِ أَوْ بِأَنْوَاعٍ وَأَحَدُهَا غَالِبٌ انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ وَكَذَا فِي الثِّيَابِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِعَشْرَةِ أَثْوَابٍ وَأَطْلَقَ وَكَانَ لَهَا عُرْفٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَالنَّقْدَيْنِ فَإِنْ قُلْتَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَا ذُكِرَ فِي الْأُوقِيَّةِ وَالدِّينَارِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ قَالَ بِعْتُك بِوَزْنِ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ نَقْرَة وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا تِبْرٌ أَوْ الْمَضْرُوبَةُ لَمْ يَصِحَّ لِتَرَدُّدِهِ وَلَا يَحْمِلُ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ قُلْتُ هَذَا لَا شَاهِدَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرَ تَيْنِكَ الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِيهِمَا كَمَا مَرَّ أَنَّ الْعُرْفَ اطَّرَدَ بِالتَّعْبِيرِ بِهِمَا عَمَّا مَرَّ.
وَأَمَّا فِي صُورَةِ الْبَغَوِيِّ فَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ الْعُرْفَ اطَّرَدَ بِالتَّعْبِيرِ بِالْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ عَنْ النَّقْرَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا مِنْ التِّبْرِ وَلَا مِنْ الْمَضْرُوبَةِ فَكَانَ فِيهَا إبْهَامًا لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ كُلًّا مِنْهُمَا وَهُمَا مُخْتَلِفَا الْقِيمَةِ وَلَا مُرَجِّحَ فَبَطَلَ الْبَيْعُ وَقَدْ أَشَارَ الْبَغَوِيّ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ عَلَّلَ الْبُطْلَانَ بِقَوْلِهِ لِتَرَدُّدِهِ فَإِنْ قُلْتَ سَلَّمْنَا هَذَا فِي كَلَامِ الْبَغَوِيِّ فَمَا الَّذِي تَقُولُهُ فِي قَوْلِ الْمَطْلَبِ لِابْنِ الرِّفْعَةِ لَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفِ مِثْقَالٍ مِنْ النَّقْدِ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الذَّهَبِ لَمْ يَكْفِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْفِضَّةِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْأُوقِيَّةِ وَالدِّينَارِ مُطْلَقًا قُلْتُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ إنْ سَلَّمَ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُوقِيَّةِ وَالدِّينَارِ أَنَّ النَّقْدَ فِي صُورَتِهِ يَشْمَلُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَمْ يَصْطَلِحُوا عَلَى التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ كَمَا فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
وَإِنَّمَا غَلَبَ عِنْدَهُمْ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ الْفِضَّةِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَيْضًا فَالنَّقْدُ يَشْمَلُ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفِي الْجِنْسَ وَلَا عِبْرَةَ بِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ فِي أَحَدِ الْأَنْوَاعِ كَأَنْ يَقُولُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِي نَوْعٍ مِنْ الْفِضَّةِ فَحِينَئِذٍ يَنْصَرِفُ إلَى ذَلِكَ النَّوْعِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِنْ النَّقْدِ لِأَنَّهُ يُشْمَلُ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَا عِبْرَةَ بِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي أَحَدِهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَغْرَاضَ تَتَفَاوَتُ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ تَفَاوُتًا كَثِيرًا فَلَمْ تَصْلُحْ الْغَلَبَةُ حِينَئِذٍ مُرَجَّحَةً مَعَ شُمُولِ لَفْظِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِأَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ بِخِلَافِهَا بَيْنَ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهَا لَا تَتَفَاوَتُ كَذَلِكَ فَصَحَّ أَنْ تَكُونَ الْغَلَبَةُ مُرَجَّحَةً لِأَحَدِهَا عَلَى الْبَاقِي.
(وَسُئِلَ) فِيمَا إذَا بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ حِصَّةً مِنْ قَرَارِ عَيْنٍ جَارِيَةٍ وَهَذِهِ الْحِصَّةُ قَدْرُهَا سُدُسُ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشْرَ سَهْمًا مُشَاعًا مِنْ جَمِيعِ الْعَيْنِ لَكِنَّ عَيْنَهَا فِي مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ بِمَا يَتَعَارَفُهُ أَهْلُ عُيُونِ بَلْدَةِ الْبَيْعِ مِنْ التَّعْبِيرِ عَنْ أَجْزَاءِ السَّهْمِ مِنْ الْقَرَارِ وَالْمَاءِ الْجَارِي بِهِ بِالسَّاعَاتِ وَعَنْ السَّهْمِ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَجْبَةِ الَّتِي هِيَ اثْنَا عَشْرَ سَاعَةً كَمَا يُعَبَّرُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ بِالْأَصَابِعِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ فِي بَلَدِ الْبَيْعِ كُلِّهِ سَقِيَّةً لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرِيكَ فِي الْقَرَارِ شَرِيكٌ فِي الْمَاءِ النَّابِعِ لَهُ مِنْ أَجْلِ مُشَارَكَته فِي الْقَرَار فَعَبَّرَ كَاتِبُ الشِّرَاءِ عَنْ الْمَبِيعِ الَّذِي هُوَ حِصَّةٌ مِنْ الْقَرَارِ بِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَفِيمَا هُوَ تَابِعٌ لَهُ مِنْ الْمَاءِ وَمُلَخَّصُ عِبَارَةِ مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ بَعْدَ أَنْ أَذِنَ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ فُلَانٌ الشَّافِعِيُّ لِفُلَانٍ الْفُلَانِيِّ فِي شِرَاءِ الْمَبِيعِ الْآتِي ذِكْرُهُ لِنَفْسِهِ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ مِنْ الْبَائِعِ الْآتِي ذِكْرُهُ بِالثَّمَنِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهِ إذْنًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا اشْتَرَى فُلَانٌ الْفُلَانِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ الْمَشْمُولِينَ بِحُجَّةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفَةِ مِنْ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ الْبَائِعِ عَنْ نَفْسِهِ جَمِيعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَمَقَرِّهَا وَمَمَرِّهَا وَشُعُوبِهَا وَذُيُولِهَا وَمَجَارِي مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى اشْتِرَاءً صَحِيحًا شَرْعِيًّا مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ لِثَمَنِ جُمْلَتِهِ كَذَا مَقْبُوضٌ بِيَدِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَتَسَلَّمَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَتَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الْمَبِيعِ الْمَذْكُورِ تَسَلُّمًا شَرْعِيًّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمُعَاقَدَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ الْمَذْكُورِ وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ وَمَاتَ الْحَاكِمُ وَالْمُتَعَاقِدَانِ وَالشَّاهِدَانِ فَهَلْ هَذَا الْحُكْمُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ صَحِيحٌ فَهَلْ يَقْتَضِي صِحَّةَ التَّبَايُعِ الْمَذْكُورِ أَمْ فَسَادَهُ وَهَلْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ الْآنَ نَقْضُ التَّبَايُعِ وَالْحُكْمُ بِهِ أَمْ لَا؟ لَا سِيَّمَا مَعَ
стр. 422
كَوْنِ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَافِرِ وَكَمَالِ النَّظَرِ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُودٌ بِذَلِكَ وَهَلْ يَقْتَضِي صِحَّةُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَوْلُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵁ فِي رَوْضَتِهِ وَلَوْ بَاعَ الْمَاءَ مَعَ قَرَارِهِ نُظِرَ إنْ كَانَ جَارِيًا فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَقُلْنَا الْمَاءُ لَا يُمَلَّكُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلًا تَفْرِيق الصَّفْقَةِ.
وَقَوْلُهُ بَعْد ذَلِكَ بِنَحْوِ أَرْبَعَةِ أَسْطُرٍ وَلَوْ بَاعَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الْبِئْرِ أَوْ الْقَنَاةِ جَازَ مَا يَنْبُعُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ صِحَّةَ مَا ذَكَر وَإِذَا قُلْتُمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ يُرَجِّحُ صِحَّةَ بَيْعِ الْقَرَارِ فَقَطْ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي مُسْتَحِقًّا لِلْمَاءِ النَّابِعِ بِهِ لِكَوْنِهِ نَابِعًا فِي مِلْكِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَأَيْضًا فَهَلْ التَّعْبِيرُ فِي مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ عَنْ الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ مِنْ الْقَرَارِ بِقَوْلِهِ الْحِصَّةُ السَّقِيَّةُ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ مُخْلٍ بِالتَّبَايُعِ أَوْ بِالْحُكْمِ بِهِ أَمْ غَيْرِ مُخْلٍ بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ تَأْوِيلِهَا بِمَا يُصَحِّحُهَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ قَدْ اُسْتُفْتِيَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ نَفْسُهُ بِشَيْءٍ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْجَمَّالَ بْنَ ظَهِيرَةَ قَالَ فِي سُؤَالِهِ لَهُ الْعُيُونُ الَّتِي بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ لَا يُعْرَفُ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهَا غَالِبًا وَإِنَّمَا يَجْرِي فِي مَجَارٍ إلَى أَنْ يَبْرُزَ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي يُسْقَى مِنْهَا وَيَتَبَايَعُونَهُ بِاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ يَشْتَرِي الشَّخْصُ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا وَيَمْلِكُهُ.
ثُمَّ قَالَ السَّائِلُ بَعْدَ أَسْطُرٍ وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ اشْتَرَى فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ سَاعَةً مِنْ قَرَارِ كَذَا فَهَلْ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ الْبُلْقِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَطَالَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الثَّانِي بِشَيْءٍ يَخُصُّهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا الْآنَ وَإِنَّمَا أَجَابَ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ فَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي مِلْكِ مَحَلِّ النَّبْعِ وَالْمَجْرَى وَأَمَّا شِرَاءُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ أَوْ اللَّيْلِ فَهَذَا لَا يَصِحُّ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ وَبَعْدَ فَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي مِلْكِ الثَّانِي فَقَطْ إذَا صَدَرَ بَيْعٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي الْأَرْضِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْأَصْلَ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهُ غَالِبًا جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَالتَّبَايُعُ الْوَاقِعُ بِاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ كُلُّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَاءَ يُمْلَكُ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَا سَبَبٌ يَقْتَضِي مِلْكَ الْمَاءِ اهـ فَهُوَ مُطْلَقٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَاءِ الْمُقَدَّرِ بِسَاعَةٍ مَثَلًا وَغَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِخُصُوصِ مَا إذَا بِيعَتْ سَاعَةً مَثَلًا مِنْ قَرَارِ كَذَا وَإِنْ أَكَّدَ بِكُلٍّ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ بَعْدَهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمِقْدَارِ وَهَذَا الْفَرْضُ الْمَخْصُوصُ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْمِقْدَارِ وَالزَّمَانِ مَعًا فَمَا الْمُعْتَبَرُ مِنْهُمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ فَلَمْ يُجِبْ عَنْ هَذَا الْخُصُوصِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا أُجِيبَ بِكَلَامٍ مُطْلَقٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَعَلَى تَسْلِيمِ شُمُولِهِ لَهُ فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ بَعْدَ مِنْ. أَيْ: مِنْ مَاءِ كَذَا إذْ لَا يَظْهَرُ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي هَذَا الْفَرْضِ الْمَخْصُوصِ إلَّا بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ الْمُضَافِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ إذْ اللَّفْظُ كَمَا يُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُ فَيَبْطُلُ يُحْتَمَلُ عَدَمُ تَقْدِيرِهِ وَارْتِكَابُ مَجَازٍ فِيهِ فَيَصِحُّ بِأَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ قَرَارِ عَيْن كَذَا لِأَنَّ مِنْ هُنَا لَلتَّبْعِيضِ لَا غَيْرُ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ صَرِيحَةٌ فِي اتِّحَادِ مَا قَبْلَهَا مَعَ مَا بَعْدَهَا مَفْهُومًا وَحَقِيقَةً فَهُوَ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ إذْ لَا يُقَالُ سَاعَةٌ مِنْ مَحَلِّ كَذَا إلَّا بِارْتِكَابِ ذَلِكَ التَّجَوُّزِ وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تَصْحِيحِ لَفْظٍ بِتَجَوُّزٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ وَإِبْطَالِهِ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَانَ تَصْحِيحُهُ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ احْتِمَالَ الصِّحَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى احْتِمَالِ الْبُطْلَانِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَاعِدَة أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ غَالِبًا عَمَلًا بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ وَإِنْ كَانَتْ خِلَافَ الْأَصْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنْ الْإِضْمَارِ عَلَى قَوْلٍ قَالَ بِهِ كَثِيرُونَ
стр. 423
وَعَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُمَا سِيَّانِ لِاحْتِيَاجِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى قَرِينَةٍ فَالْمَجَازُ هُنَا أَوْلَى عَمَلًا بِقَاعِدَةِ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ حَيْثُ أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ.
وَقَدْ عَوَّلُوا عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الصُّبْرَةِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَوْ بَيَانٍ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ إلَّا عَلَى بَحْثٍ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ قَيَّدَهُ بِمَا أَرَادَهُ فَلْيُعَوَّلْ عَلَيْهَا هُنَا كَذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنَّ أَرَادَا بِقَوْلِهِمَا سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ مِنْ قَرَار كَذَا جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ الْمَجْرَى الْمَمْلُوكِ صَحَّ الْبَيْعُ نَظِيرَ مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا بَيْعُ ذِرَاعٍ مِنْ أَرْضٍ مَعَ إرَادَةِ الشُّيُوعِ أَوْ التَّعْيِينِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى أَنَّ الشُّيُوعَ لَا يُفْهَمُ مِنْ مُطْلَقِ الذِّرَاعِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَمِنْهَا الْبَيْعُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ إلَّا مَا يَخُصُّ أَلْفًا أَوْ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا وَأَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْقَيِّمَةِ الْمَعْلُومَةِ بَلْ مَسْأَلَتُنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ هَذِهِ لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِمَا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا وَمَا أَرَادَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَتَخَيُّلُ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ.
وَلِذَا جَازَ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَيْر مُؤَثِّرٍ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْمَبِيعِ أَيْضًا كَمَا قَالُوهُ فِي مَسَائِلِ الذِّرَاعِ وَالصَّاعِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَاطَةُ الْحُكْمِ بِهَا لَا تُنَافِي قَاعِدَةً لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُكْتَفَ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةُ الْقِيمَةِ وَنَوَيَا أَحَدَهَا لِأَنَّ اللَّفْظَ هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ بِعَشْرَةٍ مَثَلًا لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ وَضْعًا وَلَا قَرِينَةَ فَلَوْ أَثَّرَتْ النِّيَّةُ مَعَهُ لَكَانَ فِيهِ أَعْمَالٌ لَهَا وَحْدَهَا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِيمَا ذَكَرَهُ شَرْطٌ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَهُوَ دَالٌّ عَلَى الْمَنْوِيِّ بِاعْتِبَارِ مَا قَرَّرْنَاهُ وَمَا سَنُقَرِّرُهُ فَلَيْسَ فِيهَا أَعْمَالٌ لِلنِّيَّةِ وَحْدَهَا بَلْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْمُوَافِقُ لَهَا وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَدْلُولَهُ الْحَقِيقِيَّ مَعَ تَقْدِيرِ مَا بَطَلَ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَشْيَاءَ فَإِنْ اطَّرَدَ فِي عُرْفِهِمَا التَّعْبِيرُ بِالسَّاعَةِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ عَنْ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ صَحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ رَدًّا عَلَى صَاحِبِ الْبَيَانِ وَمَنْ تَبِعَهُ إذَا عَبَّرَ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ صَحَّ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهَا مَجَازًا كَقَوْلِك فِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا هَذِهِ دِينَارٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ صَرْفُهَا أَيْ هَذِهِ صَرْفُ دِينَارٍ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ فِي الثَّمَنِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَهُمْ وَلَوْ غَيْرَ نَقْدٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِعَشْرَةِ أَثْوَابٍ وَأَطْلَقَ وَكَانَ لَهُمَا عُرْفٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَالنَّقْدَيْنِ اهـ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْعُرْفِ تَأْثِيرًا فِي تَخْصِيصِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ بِهِ ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ هُنَا مِنْ الصِّحَّةِ إذَا أُطْلِقَا وَأُطْرِدَ عُرْفُهُمَا كَمَا ذُكِرَ وَإِنْ أُطْلِقَا وَلَمْ يَطَّرِدْ لَهُمَا بِذَلِكَ عُرْفٌ فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ وَالتَّرَدُّدِ وَالْقَاعِدَتَانِ السَّابِقَتَانِ قَاعِدَةُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَقَاعِدَةُ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ مَا أَمْكَنَ يُرَجِّحَانِ الصِّحَّةَ أَيْضًا وَيُعَضِّدُهَا قَوْلُ الْمُوَثَّقِ مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. نَعَمْ إنْ أُطْلِقَا وَأُطْرِدَ عُرْفُهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَعَ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ لَمْ يَبْعُدْ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ حِينَئِذٍ وَلَوْ اخْتَلَفَ النَّاوِيَانِ فِي الْإِرَادَةِ صَدَقَ مُدَّعِي الْفَسَادِ نَظِير مَا قَالُوهُ فِي الذِّرَاعِ لَكِنْ لَا يَتَأَتَّى هَذَا هُنَا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِثُبُوتِ مُوجِبِ الصِّحَّةِ عِنْدَهُ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَنْقُضُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ مُوجِبِ نَقْضِهِ.
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ مُوجِبِهِ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِنَقْضِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْته أَنَّ مُوجِبَ النَّقْضِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَهُ مُحْتَمَلَاتٌ بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا بَاطِلٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نُبْطِلُهُ إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ الْبَاطِلَ هُوَ الْمُرَادُ وَلَمْ نَتَحَقَّقْهُ وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ قَوْلُهُمَا جَمِيعُ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لِإِنَّا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ أَوْ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا مَرَّ صَحَّ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْجُزْءِ سَقِيَّةً لِأَنَّهُ سَبَبُهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُوَثَّقِ بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقِّ قَرَارِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ إلَخْ فَإِنْ قُلْتَ الْقَرَارُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا هُوَ الْمُقِرّ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا وَالْعِبَارَةُ تَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا وَإِنَّ حِصَّةَ السَّقِيَّةِ غَيْرُهُمَا قُلْتُ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَمُقِرَّهَا وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمُقِرّ أَيْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُقِرِّ وَالْمَمَرِّ
стр. 424
وَالْمُرَادُ بِحَقِّهِمَا غَيْرُهُمَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ الْمُوَثَّقَ تَفَنَّنَ فَعَبَّرَ بِالْقَرَارِ ثُمَّ عَبَّرَ ثَانِيًا عَنْهُ بِالْمُقِرِّ وَأَعَادَهُ مُخْتَلِفًا لَفْظُهُ مَعَ اتِّحَادِ مَعْنَاهُ لِبَيَانِ شُمُولِ الْبَيْعِ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِ وَقَوْلِ الْمُوَثَّقِ وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَيَدُلُّ لَهُ التَّعْبِيرُ بِالسَّقِيَّةِ إذْ هِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَيْ سَاقِيَّةٌ إذْ السَّاقِيَّةُ اسْمٌ لِلْقَرَارِ لَا لِلْمَاءِ وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الرَّوْضَةِ لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْبَيْعِ فِيمَا ذُكِرَ إلَّا بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ أَوْ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ قَدْ تَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ وَقَدْ بَيَّنْتُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي جَوَابِ بَعْضِ أَسْئِلَةٍ وَرَدَتْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَعَ الرَّدِّ عَلَى الْبُلْقِينِيُّ فِي اعْتِرَاضَاتِهِ عَلَيْهَا فِي جَوَابِهِ السَّابِقِ بَعْضُهُ وَحَاصِلُ مَا تَجْتَمِعُ بِهِ عِبَارَتُهَا أَنَّ الْمَمْلُوكَ إنْ كَانَ مَحَلُّ النَّبْعِ وَالْقَرَارِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ مِنْهُ إلَى الْأَرَاضِي فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُ مُعَيَّنٍ صَحَّ وَجَرَى فِي دُخُولِ الْمَاءِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْبَيْعِ مَا قَرَّرُوهُ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَمْلُوكُ هُوَ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ الْقَنَاةُ دُونَ مَحَلِّ النَّبْعِ فَإِنْ وَرَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْقَرَارِ صَحَّ أَيْضًا وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُ الْمَاءُ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ فِيهِ الْمُسَمَّى بِالشُّرْبِ وَمُرَادُ الرَّوْضَةِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمَاءِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أُجْرِيَ فِيهَا خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ إلَّا فِي الْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ فِيهَا قَبْلَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهِمَا أَيْ فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَالْمِلْكِ وَفِي الْمَاءِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا خِلَافًا لِمَنْ ظَنَّهُ.
نَعَمْ الْمُشْكِلُ إنَّمَا هُوَ إجْرَاء خِلَاف تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْقَرَارِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ فَائِدَةَ إجْرَائِهِ حَتَّى يَبْطُلَ فِي الْمَاءِ الرُّجُوع بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ لِإِنَّا إنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فِيهِ فَهِيَ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُقَابَلُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا قُوبِلَ بِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلَانَ الْبَيْعِ فِيهِ وَفِي الْأَرْضِ عَلَى الضَّعِيفِ وَفِيهِ وَحْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَاتَّضَحَ وَجْهُ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ أَجْرَيْنَاهُ فِيهَا وَقُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا آنِفًا وَالْكَلَامُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّ قَرَارِ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ دُونَ مَحَلِّ نَبْعِهِ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ بَلْ يَكُونُ الْمَالِكُ أَحَقَّ بِهِ وَأَمَّا مَحَلُّ نَبْعِهِ مَعَ قَرَارِهِ الْمَمْلُوكِ كُلٌّ مِنْهُمَا فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَمِنْ ثَمَّ اضْطَرَبَتْ فِيهِ الْأَفْهَامُ وَكَثُرَتْ فِيهِ السَّقَطَاتُ وَالْأَوْهَامُ فَإِنْ قُلْتَ يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْجَوَابِ قَوْلُ جَمْعٍ رَدًّا لِمَا فِي الرَّوْضَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَجْهُولًا وَبِيعَ مَعَ غَيْرِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ بِالْقِسْطِ وَالْقِسْطُ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِلْجَهَالَةِ.
قُلْتُ إنَّمَا يَتَّضِحُ رَدُّهُمْ أَنْ لَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ دَعْوَى الْجَهَالَةِ بِالْقِسْطِ وَهِيَ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ فَقَدْ قَالَ جَمْعٌ فِي نَحْو الْخَلِّ وَالْخَمْرِ وَالشَّاةِ وَالْكَلْبِ أَوْ الْخِنْزِيرِ أَنَّ الْبَاطِلَ يَقُومُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً كَأَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ هُنَا يُقَدَّرُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً وَيَصِحُّ بَيْعُهُ مُطْلَقًا وَهُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بِمَا يُشَابِهُهُ كَالْخَلِّ وَالْعِتَرِ فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْجَارِي هُنَا بِمَا يُشَابِهُهُ فَيُقَدَّرُ رَاكِدًا وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ مَعَ الْأَرْضِ فَإِنْ قُلْتَ وَمَا حُكْمُ عُيُونِ مَكَّةَ هَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِأَرْبَابِهَا قَرَارًا وَمَنْبَعًا أَوْ قَرَارًا فَقَطْ قُلْتُ بَلْ قَرَارًا وَمَنْبَعًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ حُفِرَ أَيْ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا أَوْ انْخَرَقَ أَيْ فَلَا يَكُونُ مَمْلُوكًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ اهـ عَلَى أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى بِالْمِلْكِ مِنْ صُورَةِ الرَّوْضَةِ لِأَنَّ صُورَتَهَا لَيْسَ فِيهَا قَرِينَةٌ عَلَى الْمِلْكِ غَيْرِ وَضْعِ الْيَدِ.
وَهُنَا مَعَ وَضْعِهَا قَرِينَةٌ أُخْرَى وَهِيَ بِنَاءُ تِلْكَ الْعُيُونِ الَّذِي هُوَ صَرِيحٌ فِي مِلْكِ الْبَانِي لِمَحِلِّ ذَلِكَ الْبِنَاءِ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي تِلْكَ الْعُيُونِ مَنْبَعًا وَقَرَارًا مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمَا قُلْتُ أَمَّا مَا تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ مَجْرَى الْعُيُونِ وَذَيْلِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِهِ لِتَعَذُّرِهِ كَأَسَاسِ الْجِدَارِ كَمَا بُحِثَ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةٍ الْمُسْتَتِرِ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ سَهُلَ بِالْفَتْقِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُشْتَرَطُ
стр. 425
رُؤْيَتُهُ مِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ أَخْذًا مِنْ أَنَّ الْبِئْرَ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِهَا بَلْ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ مِنْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ مِنْ جُدْرَانِهَا وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الْقَنَاةُ الظَّاهِرَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَتِهَا جَمِيعِهَا بِأَنْ يُحْبَسَ الْمَاءُ عَنْهَا وَلَا يَكْفِي رُؤْيَتُهَا مِنْ وَرَائِهِ وَإِنْ كَانَ صَافِيًا ثُمَّ رَأَيْتُ الْبُلْقِينِيُّ تَعَرَّضَ لِمَا فِي السُّؤَالِ فَقَالَ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مُعْتَبَرٍ.
وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ اهـ وَهُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ أَطْلَقَ عَدَمَ الصِّحَّةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَدْلُولَ ذَلِكَ اللَّفْظِ وَلَا مَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ وَنَحْنُ قَدْ فَصَّلْنَا مُحْتَمَلَاتِهِ وَبَيَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَمَا يَدُلُّ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فَلَا يُنَافِي إطْلَاقُهُ تَفْصِيلَنَا بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْوَجْهِ الْبَاطِلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ أَنَّ الْمَبِيعَ الْمَاءَ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ أَوْ أَطْلَقَا وَعُرْفُهُمَا ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَا ذَكَرَهُ دَلِيلًا وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَدِلَّةً مِنْ كَلَامِهِمْ سِيَّمَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مَجْمُوعِ النَّوَوِيِّ وَعَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَلَا يَسَعُ الْبُلْقِينِيُّ أَنْ يَقُولَ إذَا أَرَادَ بِالسَّاعَةِ جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ كَلَامِ أَئِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ بَلْ لَا يَسَعُهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ بِالْبُطْلَانِ إذَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمَا بِالتَّعْبِيرِ بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ عَنْ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ الَّذِي قَدَّمْتُهُ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ مَلْزُومٌ بِالْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِكَلَامِهِ عَلَى بُطْلَانِ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُصَانُ عَنْ النَّقْضِ مَا أَمْكَنَ وَأَنَّهُ لَا يُصَارُ لِنَقْضِهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا مُوجِبَ نَقْضٍ وَلَا يَتَحَقَّقُ مُوجِبُ نَقْضِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَرَادَا بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ حَقِيقَتَهَا مِنْ مَائِهِ أَوْ مِنْ الْقَرَارِ نَفْسِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِنَقْضِهِ كَيْفَ وَلَهُ مُحْتَمَلَاتٌ وَبَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا بَاطِلٌ وَلَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ ذَلِكَ الْبَاطِلِ وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَ الْبُلْقِينِيُّ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ سَبَبَ الْبُطْلَانِ فِي سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ كَذَا لَيْسَ هُوَ ذِكْرُ السَّاعَةِ فَحَسْبُ. بَلْ عَدَمُ إيرَادِ الْبَيْعِ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ النَّبْعِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَصْرِيحِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحَلِّ النَّبْعِ.
فَإِنْ قُلْتَ مَا وَجْهُ صَرِيحِ قَوْلِهِ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ إلَخْ فِي أَنَّ سَبَبَ الْبُطْلَانِ مَا ذُكِرَ قُلْتُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ السَّبَبُ هُوَ ذِكْرُ السَّاعَةِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ إلَخْ مُلَائِمًا لِمَا قَبْلَهُ وَلَا مُرْتَبِطًا بِهِ فَإِنَّ الْبَيْعَ إنْ وَقَعَ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ أَوْ غَيْرِهِ هُوَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا يُنَافِيهِ مَا قَدَّمَهُ نَفْسُهُ أَوَّلَ جَوَابِهِ وَهَذَا مِمَّا يُضَعِّفُ كَلَامَهُ وَيُوجِبُ عَدَمَ اعْتِمَادِ إطْلَاقِهِ الْبُطْلَانَ وَيَبِينُ أَنَّ الْحَقَّ مَا فَصَّلْنَاهُ وَقُلْنَاهُ وَإِنْ كُنَّا مُعْتَرَفِينَ بِنَقْصِ مَقَامِنَا عَنْ مَقَامِهِ إلَّا أَنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ عَلَى أَنَّهُ ﵀ كَانَ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِكَلَامِ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ لِوُصُولِ مَرْتَبَتِهِ مِنْ مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ بَلْ لِأَقْصَاهَا كَمَا قَالَهُ تِلْمِيذُهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَرَى فِي جَوَابِهِ هَذَا عَلَى مُخَالَفَةِ الرَّوْضَةِ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ وَالْحَقُّ فِيهَا مَا فِي الرَّوْضَةِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي جَوَابٍ غَيْرِ هَذَا وَأَشَرْتُ إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَمِنْ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فِيهَا قَوْلُهُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمَاءِ الْجَارِي وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِإِطْلَاقِهِ الْبُطْلَانَ فِي سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ كَذَا إلَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْمَاءَ وَحْدَهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ مَفْهُومُهَا الْحَقِيقِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ فِي قَضِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَقَعَ لَهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ مُلَخَّصُ مَضْمُونِهِ بَعْد أَنْ أَذِنَ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ لِفُلَانٍ الْفُلَانِيِّ فِي شِرَاءِ الْمَبِيعِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ مَحَاجِيرِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ إذْنًا شَرْعِيًّا اشْتَرَى الْمَأْذُونُ لَهُ الْمَذْكُورُ مِنْ فُلَانَةَ الْفُلَانِيَّةِ جَمِيعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ فِي الْوَجْبَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِكَذَا وَعِدَّةُ وَجَابَ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَجْبَةً كُلُّ وَجْبَةٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً كُلُّ سَاعَةٍ قِيرَاطَانِ كَبِيرَانِ بِمَا يَجِبُ لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقٍّ مِنْ
стр. 426
حُقُوقِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَمَقَرُّهَا وَمَمَرُّهَا وَشُعُوبُهَا وَذُيُولُهَا وَمَجَارِي مَائِهَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى اشْتِرَاءً صَحِيحًا شَرْعِيًّا مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ بِثَمَنٍ جُمْلَتُهُ كَذَا وَثَبَتَ ذَلِكَ لَدَى الْحَاكِمِ الْآذِنِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَحَكَمَ بِمُوجِبِهِ فَهَلْ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَهَلْ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهِ نَقْضٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَمْ لَا وَهَلْ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْعَقْد أَمْ لَا وَهَلْ هَذِهِ الصُّورَةُ مُطَابِقَةٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ ﵀ مِنْ بُطْلَانِ الْبَيْعِ فِيهِ أَمْ لَا وَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ بِإِفْتَاءِ عَالِمٍ مِثْلِهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ أَمْ يُحْمَلُ حُكْمُ الْحَاكِمِ عَلَى السَّدَادِ مَا أَمْكَنَ.
(فَأَجَابَ) ﵁ الْمَبِيعُ الْمَذْكُورُ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِيمَا إذَا أَرَادَ الْعَاقِدَانِ بِالسَّاعَةِ جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ أَوْ الْمَجْرَى الْمَمْلُوكِ أَوْ لَمْ يُرِيدَاهُ لَكِنَّهُ عَرَّفَهُمَا حَالَ الْعَقْدِ وَيَبْطُلُ فِيمَا إذَا أَرَادَ بِهَا جُزْءًا مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي وَالْحُكْمُ بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا غَيْرُ صَحِيحٍ وَنَقْضُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى صَحِيح وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ كَمَا هُنَا فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ عَصْرِهِ رَدًّا عَلَى الْقَاضِي ابْنِ خَلِّكَانَ لَمَّا خَالَفَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَلْ نَقَلَ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّاهُ أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَقْضَى لِلضَّرُورَةِ إذَا وَافَقَ مَذْهَبَ الْغَيْرِ لَا يُنْقَضُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ أَيْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيّ وَعِبَارَتُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ الصِّحَّةُ مَصُونَةٌ عَنْ النَّقْضِ كَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَ أَحَطَّ رُتْبَةً مِنْهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَسْتَدْعِي ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَصِحَّةَ صِيغَتِهِ وَكَوْنَ التَّصَرُّفِ فِي مَحَلِّهِ.
وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ يَسْتَدْعِي الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا صِحَّةُ التَّصَرُّفِ وَصِحَّةُ الصِّيغَةِ انْتَهَتْ وَاعْتَمَدَهَا الْكَمَالُ السُّيُوطِيّ فِي جَوَاهِرِهِ وَالتَّنْظِيرُ فِيهَا إنْ سُلِّمَ لَيْسَ لِمَا يَرْجِعُ لِرَدِّ مَا قَالَهُ مِنْ تَضْمِينِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ لِصِحَّةِ الصِّيغَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا يُنَافِيهَا قَوْلُ غَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ إنْ صَحِيحًا فَصَحِيحٌ وَإِنْ فَاسِدًا فَفَاسِدٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ صَحَّ الشَّرْطُ الثَّالِثُ فَصَحِيحٌ وَإِنْ فَسَدَ لِفَقْدِهِ فَفَاسِدٌ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ فَالْحُكْمَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَيْهَا وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ بَيْنهمَا فَرْقًا فَتَصَرُّفُ الْحَاكِمِ بِالْإِذْنِ وَغَيْرِهِ فِي قَضِيَّةٍ رُفِعَتْ إلَيْهِ وَطُلِبَ مِنْهُ فَصْلُهَا. حُكِمَ مِنْهُ بِالصِّحَّةِ فِيهَا عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مُطَابِقَةً لِمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَاتٍ مِنْهَا حُكْمُ الْحَاكِمِ وَإِذْنُهُ فَفِيهَا قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ وَكُلَّ سَاعَةٍ قِيرَاطَانِ إذْ الْمَعْنَى مَعَهُ الَّتِي قَدْرُهَا قِيرَاطَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا.
وَهَذَا مِمَّا لَا يَتَخَيَّلُ فَقِيهٌ الْبُطْلَانَ فِيهِ وَمِنْهَا قَوْلُ الْمُوَثَّقِ مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْبُلْقِينِيُّ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ إذْ لَا يَسَعُهُ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ فِي الْأُولَيَيْنِ أَمَّا الْأُولَى فَلِمَا تَقَرَّرَ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِنَظَائِرِهَا فِي كَلَامِهِمْ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِلتَّصْرِيحِ بِنَظِيرِهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ وَقَاعِدَةُ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ وَأَنَّ دَعْوَى الصِّحَّةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَعْوَى الْفَسَادِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ يُؤَيِّدَانِ مَا حَمْلنَا عَلَيْهِ كَلَامَهُ وَإِذَا تَعَارَضَ حُكْمٌ وَإِفْتَاءٌ فَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ عُلِمَ حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَبِ قُدِّمَ مُوَافِقُهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي حَادِثَةٍ مُوَلَّدَةٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ كَصُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّا لَمْ نَعْلَمْ لِلْبُلْقِينِيِّ فِيهَا سَلَفًا وَلَا خَلْفًا مُوَافِقًا وَلَا مُخَالِفًا فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ وَالِاسْتِنْبَاطِ لَمْ يُنْقَدْ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِإِفْتَاءِ الْمُفْتِي وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي أَعْلَمَ وَإِنْ تَأَهَّلَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي وَحْدَهُ تَعَيَّنَ عَلَى الْحَاكِمِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَإِلَّا تَأَتَّى فِي نَقْضِهِ مَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ عَنْ سُؤَالِهِ صُورَتُهُ رَجُلٌ اشْتَرَى جَمِيعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنٍ كَذَا بِمَرِّ الظُّهْرَانِ مِنْ أَعْمَالِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا أَمْ لَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ جَوَابُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ
стр. 427
الْبُلْقِينِيُّ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَصُورَةُ مَا سُئِلَ عَنْهُ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمَكَّةَ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ اشْتَرَى فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ سَاعَةً مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا فَهَلْ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مُعْتَبَرٍ وَطَرِيقُ الْبِيَعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ وَحُكْمُ الْمَاءِ قَدْ سَبَقَ اهـ فَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْبَيْعَ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا وَجْهُهُ وَلَوْ أَنَّ مُفْتِيًا قَالَ بِالصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءٌ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ فَهَلْ لَهُ وَجْهٌ مَعَ أَنَّ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ فِي سُؤَالِهِ لِلْبُلْقِينِيِّ وَمَا وَجْهُ الْقِيَاسِ عَلَى الصُّبْرَةِ.
فَأَجَابَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ بِمَا صُورَتُهُ إفْرَادُ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ بِالْبَيْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَلِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ وَالْحِيلَةُ فِيمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ مَثَلًا أَوْ سَهْمًا مِنْهُ فَإِذَا مَلَكَ ذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ لِاخْتِلَاطِ الْمَوْجُودِ بِالْحَادِثِ وَلِعَدَمِ إمْكَانِ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا وَقَوْلُهُمْ مَثَلًا اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَا يُرَادُ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ فِي الْعَادَةِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْعُ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ وَلِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ فِي صُورَتِهِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَلَا يُنَافِي عَدَمُ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا قَوْلُهُ مِنْ قَرَارٍ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ. وَكَوْن مِنْ قَرَارٍ ظَرْفًا لَغْوًا وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَهُوَ.
وَإِنْ أَمْكَنَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ عَرَضٌ غَيْرُ قَارٍّ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ جِسْمٌ قَارٌّ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي بَعِيدٌ جِدًّا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ لَا سِيَّمَا وَصْفَ الْحِصَّةِ بِالسَّقِيَّةِ إذْ السَّقِيَّةُ هِيَ الْمَاءُ لَا الْجُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ بَلْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فِي أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَاءُ الْمُقَدَّرُ بِسَاعَتَيْنِ وَعَلَى تَسْلِيمِ إرَادَةِ ذَلِكَ وَقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيمَا يُرَادُ مِنْهُ عَادَةً فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرِ مَرْئِيٍّ بَلْ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ كَمَا ذَكَرَهُ عَالِمُ الْحِجَازِ فِي زَمَنِهِ فِي سُؤَالِهِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ
وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِاَلَّذِي فِيهِ
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ الصُّبْرَةِ فَلَا وَجْهَ لَهُ فِيمَا ظَهَرَ لِي اهـ جَوَابُ هَذَا الْمَكِّيِّ فَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ وَمَا وَجْهُ فَسَادِهِ مُبَيَّنًا مَبْسُوطًا لَيَعْظُمَ النَّفْعُ بِذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ هَذَا الْجَوَابُ اشْتَمَلَ عَلَى وُجُوهٍ مِنْ الْفَسَادِ وَالْمَيْلِ إلَى دَاعِيَةِ التَّهَوُّرِ وَالْعَصَبِيَّةِ وَالْعِنَادِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ هَذَا الْمُجِيبِ وَالْحِيلَةُ فِيمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي أَنَّ الْقَرَارَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ هَذَا تَنَاقُضٌ صَرِيحٌ فَإِنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْقَرَارِ هُنَا بِأَنَّهُ يُشْتَرَى وَفِيمَا يَأْتِي زَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَلَعَلَّ الْمُوقِعَ لَهُ فِي ذَلِكَ الَّذِي لَا يَخْفَى فَسَادُهُ عَلَى صِغَارِ الْمُتَعَلِّمِينَ فَسَادُ النِّيَّةِ فَإِنْ قُلْتَ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى مُطْلَقِ الْقَرَارِ وَفِيمَا يَأْتِي عَلَى قَرَارِ عُيُونِ مَكَّةَ قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَارِ مَمْلُوكٌ إلَّا قَرَارَ عُيُونِ مَكَّةَ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ كَانَ ذَلِكَ أَقْبَحَ فِي الْخَطَإِ لِأَنَّهُ دَعْوَى بَاطِلَةٌ بِلَا مُسْتَنَدٍ لَهَا بَلْ كَلَامُهُمْ صَرِيحٌ فِي رَدِّهَا وَأَنَّ الْقَرَارَ تَارَةً يَكُونُ مَمْلُوكًا وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُيُونِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ مَا يَشْمَلُ قَرَارَ عُيُونِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ.
وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِذَا كَانَ كَلَامُهُ يَقْضِي بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا يَشْمَلُ عُيُونَ مَكَّةَ جَاءَ التَّنَاقُضُ وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا التَّنَاقُضِ غَيْرُ مَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَحَصَّلْ فِي الْقَرَارِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِمْ لِأَنَّ فِيهِ شِبْهَ تَنَاقُضٍ فِي الرَّوْضَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْن الْمُتَنَاقِضَاتِ تَكَلَّمَ فِيهِ بِرَأْيِهِ فَبَدَا لَهُ أَوَّلَ الْجَوَابِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يُشْتَرَى وَأَنَّهُ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْحِيلَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ ثُمَّ بَدَا لَهُ آخِرَ الْجَوَابِ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَمَنْ هَذَا حَالُهُ يَنْبَغِي الْإِعْرَاضُ عَنْ كَلَامِهِ لَوْلَا مَا وَجَبَ مِنْ بَيَانِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَبَاطِيلِ الَّتِي سَتَرَاهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاضِحَةً بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ عُيُونَ مَكَّةَ مَمْلُوكَةٌ عِنْدَ زَعْمِهِ عَدَمَ مِلْكِهَا.
وَقَوْلُهُ
стр. 428
كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ خَطَأٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَنْبَعَ الْمَمْلُوكَ بَطَلَ قَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَنْ يَمْلِكُهُ مَلَكَ الْمَاءَ أَوْ الْمَنْبَعَ غَيْرَ الْمَمْلُوكِ بَطَلَ قَوْلُهُ أَنْ. يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ وَقَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْمَنْبَعَ إذَا كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَائِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا وَإِنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَجْرَى تَأَتَّى فِيهِ بَعْضُ هَذَا الْفَسَادِ وَمَا فِي قَوْلِ الْبُلْقِينِيُّ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَسَادَ وَالتَّنَاقُضَ الْوَاقِعَ لِهَذَا الْمُجِيبِ فِي أَقَلَّ مِنْ سَطْرٍ عَلَى أَنَّ فِي قَوْلِ الْبُلْقِينِيُّ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ مُؤَاخَذَةً. قَدَّمَ فِي كَلَامِهِ مَا يُفْهِمُهَا كَمَا سَتَرَاهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاضِحَةً فِي كِتَابِي الَّذِي وَضَعْتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَمَّيْتُهُ نُزْهَةَ الْعُيُونِ فِي حُكْمِ بَيْعِ الْعُيُونِ وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي عَبَّرُوا بِهِ فِي الْحِيلَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَنَاةَ مَثَلًا أَوْ جُزْءًا مِنْهَا فَيَكُونَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَهَذَا تَعْبِيرٌ صَحِيحٌ وَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُجِيبِ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْبِيرِهِ بِالْقَرَارِ عَبَّرَ بِالْقَرَارِ مُعْتَمِدًا عَلَى تَعْبِيرِ الْبُلْقِينِيُّ بِهِ وَفَاتَهُ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ بَعْضَ كَلَامٍ مِنْ كَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ.
وَهُوَ التَّعْبِيرُ بِالْقَرَارِ مِنْ قَرَارِ الْعُيُونِ وَبَعْضُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَقَعَ فِي وَرْطَةِ التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ وَهَذَا شَأْنُ مَنْ يُلَفِّقُ كَلَامًا مِنْ عِبَارَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَمَّلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالتَّخَالُفِ إذْ الْقَرَارُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَجْرَى وَعَلَى الْمَنْبَعِ الْمَمْلُوكَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْبَعُ الْمَمْلُوكُ كَانَ مِلْكُهُ مُسْتَلْزِمًا لِمِلْكِ الْمَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَجْرَى الْمَمْلُوكُ كَانَ مِلْكُهُ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِمِلْكِ الْمَاءِ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِهِ وَلِذَا لَمَّا عَبَّرُوا بِالْقَنَاةِ وَنَحْوِهَا عَبَّرُوا بِأَحَقِّيَّةِ الْمَاءِ فَلَوْ تَبِعَهُمْ فِي التَّعْبِيرِ بِالْقَنَاةِ أَوْ الْمَجْرَى مَثَلًا لَسَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا وَقَوْلُهُ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ لَا يُفِيدُ عَدَم الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَإِنَّمَا الَّذِي يُفِيدُهُ عَلَى زَعْمِهِ مَا سَيَذْكُرُهُ وَقَوْلُهُ لَا يُرَادُ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ مِنْ الْعَادَةِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْعُ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ يُقَالُ عَلَيْهِ كَأَنَّ هَذَا الْمُجِيبَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى آدَابِ الْمُفْتِي وَقَوْلُهُمْ أَنَّ الْمُفْتِي لَا يَكْتُبُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ فِي الْوَاقِعَةِ بَلْ عَلَى مَا فِي السُّؤَالِ أَوْ يَقُولُ إنْ كَانَ كَذَا فَحُكْمُهُ كَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَا فَحُكْمُهُ كَذَا فَعُلِمَ أَنَّ جَزْمَ هَذَا الْمُفْتِي بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَتَرْتِيبَهُ بَقِيَّةَ جَوَابِهِ عَلَيْهَا خَطَأٌ فَاحِشٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَزِيدُ التَّعَصُّبِ لِصِدِّيقِهِ الَّذِي قَالَ هُوَ عَنْهُ أَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِالْكِتَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ كِتَابَةٌ عَلَى سُؤَالٍ قَطُّ لِمَزِيدِ دَيَّانَتِهِ اهـ.
وَبِحَمْدِ اللَّهِ أَئِمَّةُ الدِّينِ مُتَوَفِّرُونَ قَائِمُونَ بِحِفْظِهِ وَرَدْعِ مَنْ عَانَدَ أَوْ تَعَصَّبَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ لَهُ تَسْلِيمُ مَا قَالَهُ فَالِاحْتِجَاجُ بِهِ هُنَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْعَادَةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا هَذَا الزَّاعِمُ وَقْتَ كِتَابَتِهِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالْعُرْفِ الْمُطَّرَدِ حَالَ وُقُوعِ الْبِيَعِ الْمَذْكُورِ وَلَا يُسْتَدَلُّ بِالْعَادَةِ الَّتِي زَعَمَ وُجُودَهَا الْآنَ عَلَى وُجُودِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الِاسْتِصْحَابِ الْمَقْلُوبِ وَأَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يُحِطْ بِهِ وَلَا بِشُرُوطِهِ أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ ذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ تَخْرِيجِ مَا زَعَمَهُ هُنَا عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَيَنْظُرُ. هَلْ تُنْتِجُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ أَمْ لَا. وَبَسْطُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا سَيُمْلِي عَلَيْك مِنْ كِتَابِي نُزْهَةُ الْعُيُونِ فِي بَيْعِ الْعُيُونِ وَعَلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَنَّ الْعَادَةَ مُطَّرِدَةٌ بِمَا ذَكَرَهُ فَفِي أَيْ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَفْظَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذَا اُحْتُمِلَ مِنْ حَيْثُ وَضْعُهُ أَمْرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ وَاقْتَضَى الْعُرْفُ تَرْجِيحَ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ وَنَوَيَا غَيْرَهُ يُقَدَّمُ الْعُرْفُ عَلَى مَا نَوَيَاهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الَّذِي يَقْتَضِيه الْعُرْفُ مُصَحِّحًا أَوْ مُبْطِلًا فَإِنْ أَتَى هَذَا الْمُجِيبُ بِنَقْلِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ نَوْعٌ مَا مِنْ الْعُذْرِ وَإِلَّا كَانَ الْخَطَأُ أَقْبَحَ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ الْعَادَةِ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا لَا مُسْتَنَدَ لَهُ.
وَفِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ التَّقَوُّلِ عَلَى الدِّينِ مَا نَسْأَلُ اللَّهَ الْإِعَاذَةَ مِنْهُ وَمِمَّا يُبْطِلُ مَا زَعَمَهُ مِنْ الْعَادَةِ مَا هُوَ غَيْرُ خَافٍ عَنْهُ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنْ أَهْلِ عُيُونِ مَكَّةَ مَنْ يَمْلِكُ مَاءً مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَارِ قَطُّ بَلْ كُلُّ مَنْ مَلَكَ الْمَاءَ مَلَكَ قَرَارَهُ بِحَيْثُ إنَّ ذَيْلَ الْعَيْنِ وَمَجْرَاهَا أَوْ مَنْبَعهَا إذَا خَرِبَ وَتَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي عِمَارَتِهَا عَمَّرُوهَا عَلَى حَسْبِ مِلْكِهِمْ لِلْمَاءِ وَلَوْ رَفَعُوا الْأَمْرَ إلَى قَاضِي مَكَّةَ أَوْ أَمِيرِهَا لَحَكَمَ بَيْنهمْ بِذَلِكَ وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَمِمَّا يُبْطِلُ مَا زَعَمَهُ مِنْ
стр. 429
الْعَادَةِ أَنَّ بَعْضَ عُيُونِ مَكَّةَ الْآنَ خَرَابٌ لَا يَجْرِي فِيهَا مَاءٌ مِنْ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ الثِّقَاتِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ أَجْزَاءً وَأَنَّ صُورَةَ مُشْتَرَاهَا اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا فَانْظُرْ إلَى إيقَاعِهِمْ لَفْظَ السَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى عَيْنٍ لَا مَاءَ فِيهَا.
وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ وَأَعْدَلُ شَاهِدٍ عَلَى بُطْلَانِ مَا زَعَمَهُ هَذَا الْمُجِيبُ مِنْ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يُرَادُ إلَّا الْمَاءُ الْمُقَدَّرُ بِزَمَنٍ وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى مَا إذَا أَرَادَا بِالسَّاعَةِ جُزْءًا مِنْ الْمَاءِ أَمَّا إذَا أَرَادَ بِهَا جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ أَوْ أَطْلَقَا وَأُطْرِدَ عُرْفُهُمَا حَالَةَ الْعَقْدِ بِأَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ فَلَا يَتَخَيَّلُ مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ وَفِقْهٍ نَفْسِيٍّ إلَّا الصِّحَّةَ فِيهِمَا أَمَّا الثَّانِيَةُ فَظَاهِرٌ وَقَدْ ذُكِرَ لَهَا نَظَائِرُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا الْأُولَى فَكَذَلِكَ وَقَدْ ذُكِرَ لَهَا نَظَائِرُ فِي كَلَامِهِمْ وَسَتُمْلَى عَلَيْكَ تِلْكَ النَّظَائِرُ جَمِيعُهَا فِي نُزْهَةِ الْعُيُونِ الْمُشَارِ إلَيْهِ آنِفًا وَمِنْ نَظَائِرِ الْأُولَى قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا فَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْمَلْفُوظِ بَطَلَ أَوْ مِنْ الْقِيمَةِ وَعُلِمَتْ صَحَّ وَمَسْأَلَتُنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ هَذِهِ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ إذَا عَوَّلُوا عَلَى إرَادَتِهِمَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْقِيمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَلْفُوظَةٍ وَلَا فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا.
وَصَحَّحُوا الْعَقْدَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهَا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ بَلْ لِصَرِيحِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُعَوِّلُوا عَلَى إرَادَتِهِمَا بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ وَيُصَحِّحُوا الْعَقْدَ بِذَلِكَ وَإِذَا اتَّضَحَ لَك مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى مَا مَرَّ عَلِمْتَ خَطَأَ مَنْ تَمَسَّكَ بِإِطْلَاقِهِ الْبُطْلَانَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُرِيدَا ذَلِكَ أَوْ لَا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَطَّرِدَ عُرْفُهُمَا بِذَلِكَ أَوْ لَا وَلَكِنَّ مُوجِبَ ذَلِكَ الْوُقُوفُ مَعَ ظَوَاهِرِ الْعِبَارَاتِ وَعَدَمُ الْمَلَكَةِ الَّتِي يَقْتَدِرُ بِهَا الْفَقِيهُ عَلَى تَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَبْيِينِ الْمُجْمَلَاتِ وَتَزْيِيفِ الْهَفَوَاتِ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا أَجْمَعِينَ مِمَّنْ رُزِقَ تِلْكَ الْمَلَكَةَ وَصَحِبَهُ إخْلَاصٌ يَنْجُو بِهِ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ آمِينَ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَيْتَك لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مَعْلُومَاتِكَ.
فَإِذَا خَلَطْتَ فِيهِ كُنْتَ بِالتَّخْلِيطِ فِي غَيْرِهِ أَحَقَّ وَأَوْلَى وَبَيَانُ التَّخْلِيطِ الْوَاقِعِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ عَنَى بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ أَيْ مِنْ قَرَارِ كَذَا بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ أَنَّ مِنْ لِلْبَيَانِ وَهَذَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالْبَيَانِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا بَعْدَهُ لَزِمَ عَلَيْهِ فَسَادٌ وَهُوَ أَنَّ مَا بَعْدَ مِنْ، عَيْنُ مَا قَبْلهَا فَيَكُونُ الْمَاءُ عَيْنُ الْقَرَارِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ فَكَيْفَ يُحْمَلُ كَلَامُ الْعُقَلَاءِ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ وَإِنْ عَنَى بِهِ أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى فِي أَيْ الْمَاءِ الَّذِي فِي قَرَارِ كَذَا قِيلَ لَهُ إنَّمَا يَتَأَتَّى هَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّجَوُّزِ وَإِخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْحَقِيقِيِّ إلَى مَعْنًى آخَرَ غَرِيبٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ مِنْهُ إلَّا عِنْدَ مَنْ شَذَّ وَنَدَرَ عَلَى مَا زَعَمْتُهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ وَقَدْ بَانَ فِيمَا مَرَّ بُطْلَانُهُ وَإِذَا بَطَل ذَلِكَ بَطَلَ حَمْلُ مِنْ عَلَى فِي وَاتَّضَحَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ بَقَائِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ التَّبْعِيضُ وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْقَرِينَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ السَّاعَةِ بِمَعْنَى الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ.
وَقَوْلُهُ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِجَمِيعٍ أَوْ لِلْحِصَّةِ تَعَيَّنَ عَلَيْك عُرْفًا وَاصْطِلَاحًا أَنْ تُعَبِّرَ بِأَنَّهُ حَالٌ لَا صِفَةٌ وَلَا يُقَالُ الْحَالُ وَصْفٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذَا اعْتِنَاءٌ لَا يَلِيقُ مِمَّنْ يُطْلَبُ مِنْهُ تَحْرِيرُ الْعِبَارَةِ وَالْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى مُصْطَلَحِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ فَنِّهِ وَلَيْسَتْ أَلْ فِي الْحِصَّةِ هُنَا لِتُعَيِّنَهَا مِثْلُهَا فِي اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي ذَوْقٍ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِقَدْرِهَا أَوْ لِسَاعَتَيْنِ نَافَى قَوْلَكَ أَنَّهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ وَقَوْلُهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ قَدَّرْتَهُ مُفْرَدًا تَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَالِيَّةِ أَوْ جُمْلَةٍ. فَكَذَلِكَ إنْ أَرَدْتَ الْجَرْيَ عَلَى قَوَانِينِ التَّحْقِيقِ ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي مَا الدَّاعِي إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ بِإِخْرَاجِ مِنْ عَنْ ظَاهِرِهَا وَمَوْضُوعِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا فِي مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ مَأْلُوفٍ عِنْدَ مَنْ مَرّ وَبِتَعْلِيقِهَا بِمَحْذُوفٍ مُحْتَمَلٍ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ ظَوَاهِرِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ التَّكْلِيفِ لَوْ كَانَتْ عَلَى عِبَارَةِ سِيبَوَيْهِ لَمْ تَسْلَمْ لِمُتَكَلِّفِهَا إلَّا إنْ ضَاقَ عَلَيْهِ النِّطَاقُ وَبَلَغَتْ رُوحُهُ التَّرَاقِيَ فَقَالَ هَلْ مِنْ رَاقٍ تَاللَّهِ مَا الدَّاعِي لِذَلِكَ إلَّا مَحَبَّةُ حِمَايَةِ حُرْمَةِ هَذَا الصَّدِيقِ وَلَرُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِهَوَى الْهُوِيِّ بِهِ فِي كُلِّ مَكَان سَحِيقٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَجْمَعِينَ آمِينَ.
وَقَوْلُهُ ظَرْفًا لَغْوًا كَأَنَّهُ جَاءَ بِهِ لِيُوهِمَ
стр. 430
أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّغْوِ عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَإِلَّا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا إذْ تَكَلَّفَهُ دُونَ بَعْضِ التَّكَلُّفَاتِ الَّتِي مَرَّتْ عَنْهُ وَإِنَّمَا أَطَلْتُ مَعَهُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ تَأَسِّيًا بِالتَّاجِ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُ لَمَّا نَقَلَ عَنْ الْقَاضِي أَفْضَلِ الدِّينِ الْخُونَجِيِّ حَدَّ التَّرِكَةِ الْمَشْهُورَ وَبَحَثَ مَعَهُ بِمَا زَيَّفَ بِهِ حَدَّهُ قَالَ وَهَذِهِ صِنَاعَاتٌ جَدَلِيَّةٌ حَمَلَنَا عَلَى ذِكْرِهَا عَلَى الْخُونَجِيِّ حَيْثُ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِي الْفِقْهِ صِنَاعَتَهُ الَّتِي هِيَ الْمَنْطِقُ فَأَحْبَبْنَا مُعَارَضَتَهُ اهـ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَقَوْلُهُ لَا يَخْفَى إنْ جَعَلَ الزَّمَانَ الَّذِي هُوَ عَرَضٌ غَيْرُ قَارٍّ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ جِسْمٌ قَارٌّ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنْهُ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] لِأَنَّهُ إذَا فَرَضَ احْتِمَالَ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءٌ مِنْ الْقَرَارِ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا فِيهِ جَعْلُ الزَّمَانِ جُزْءًا مِنْ الْجِسْمِ لِأَنَّا إذَا اسْتَعْمَلْنَا السَّاعَتَيْنِ مُرَادًا بِهِمَا الْجُزْءُ لِلْقَرَائِنِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا صَارَ مَدْلُولُهُمَا الْجُزْءَ مِنْ الْقَرَارِ وَحِينَئِذٍ فَأَيُّ زَمَانٍ جُعِلَ جُزْءًا مِنْ جِسْمٍ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا التَّمْوِيهَ يَتِمُّ لَهُ.
وَمَا دَرَى أَنَّ الْحُدُودَ إلَى الْآنَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْحِفْظِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُخْلِ الْأَرْضَ مِنْ أَئِمَّةٍ نُقَّادٍ يُمَيِّزُونَ الزَّيْفَ عَنْ الْجَيِّدِ وَالْخَبِيثَ عَنْ الطَّيِّبِ وَلَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ بَلْ الصَّدِيقُ بَلْ الْوَالِدُ عِنْدَهُمْ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ فَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ وَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَقَوْلُهُ إذْ السَّقِيَّةُ هِيَ الْمَاءُ بَاطِلٌ صِرَاحٌ وَإِنَّمَا هِيَ لُغَةً: اسْمٌ لِنَبْتٍ فَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ حَيْثُ مَدْلُولُهَا لَفْظًا كَانَتْ فَعِيلَةَ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَيْ سَاقِيَةٍ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ صَرِيحَةً فِي مُدَّعَانَا إذْ السَّاقِيَةُ لُغَةً: مَحَلُّ الْمَاءِ الْجَارِي وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى تَفْسِيرِ السَّقِيَّةِ بِمَا ذَكَرَ نَعَمْ لَهُ حَامِلٌ عَلَيْهِ أَيْ حَامِلٌ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ السَّقِيَّةَ هُنَا إنْ أَرَدْنَا بِهَا مَعْنَاهَا اللُّغَوِيَّ كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَاءِ أَوْ فِي مَحَلِّهِ مَجَازًا فَلَا يَكُونُ فِيهَا دَلَالَةٌ لِأَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَإِنْ أَرَدْنَا بِهَا مَعْنَاهَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ لِلَّفْظِ كَانَتْ صَرِيحَةً فِي مُدَّعَانَا كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ قَالَ السَّقِيَّةُ عُرْفًا اسْمٌ لِلْمَاءِ قُلْنَا عَادَ النِّزَاعُ السَّابِقُ فِي السَّاعَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ أَيْضًا لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فَبَطَلَ قَوْلُهُ بَلْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ ذُكِرَتْ أَوَّلًا الْحِيلَةُ فِي شِرَائِهِ فَكَيْفَ يَشْتَرِي وَهُوَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ فَانْظُرْ أَيُّ التَّنَاقُضَيْنِ تَخْتَارُهُ وَمِمَّا يُبْطِلُ قَوْلَكَ مَا فِي السُّؤَالِ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ أَنَّ طَرِيقَ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ مَحَلَّ النَّبْعِ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا طَرِيقًا لِبَيْعِ عُيُونِ مَكَّةَ بِالذَّاتِ لِأَنَّهَا هِيَ مَحَطُّ السُّؤَالِ فَعَلِمْنَا مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْبِئْرِ وَأَيُّ فَارِقٍ بَيْنَ قَعْرِهَا وَمَا اسْتَتَرَ مِنْ جُدْرَانِهَا بِالْمَاءِ وَبَيْنَ الْمَنْبَعِ وَمَا اسْتَتَرَ مِنْ الْمَجْرَى بِالْأَرْضِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَالْبِئْرُ يُمْكِنُ غَالِبًا رُؤْيَةُ قَعْرِهَا وَجُدْرَانِهَا بِنَزْحِ مَائِهَا فَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطُوا رُؤْيَةَ ذَلِكَ مِنْهَا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَشْتَرِطُوهُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ كَلَامَ الْبُلْقِينِيُّ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ وَكَذَلِكَ كَلَامُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ اتَّضَحَ بُطْلَانُ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْئِيٍّ
وَقَوْلُهُ وَلَا مَمْلُوكٍ بَاطِلٌ صُرَاحٌ أَيْضًا فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ حُفِرَ أَيْ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا أَوْ انْخَرَقَ أَيْ فَلَا يَكُونُ مَمْلُوكًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ اهـ وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى بِالْمِلْكِ مِنْ صُورَةِ الرَّوْضَةِ لِأَنَّ صُورَتَهَا لَيْسَ فِيهَا قَرِينَةٌ عَلَى الْمِلْكِ غَيْرَ وَضْعِ الْيَدِ وَهُنَا مَعَ وَضْعِهَا قَرِينَةٌ أُخْرَى أَتَمُّ مِنْهَا وَهِيَ بِنَاءُ تِلْكَ الْعُيُونِ الَّذِي هُوَ صَرِيحٌ فِي مِلْكِ الْبَانِي لِمَحَلِّ ذَلِكَ الْبِنَاءِ وَقَدْ قَدَّمَ هَذَا الْمُجِيبُ الْحِيلَةَ فِي صِحَّةِ شِرَاءِ الْقَرَارِ وَهَذَا مُسْتَلْزِمٌ لِمِلْكِهِ فَوَقَعَ فِي التَّنَاقُضِ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا بَاطِلٌ صُرَاحٌ أَيْضًا لِمَا عَلِمْتَهُ مَنْ عِبَارَةِ الشَّيْخَيْنِ وَأَنَّ الْجَهْلَ بِأَصْلِهِ لَا يَمْنَعُ مِلْكَهُ وَقَوْلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ عَالِمُ الْحِجَازِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا كَذِبٌ فَإِنَّ الْجَمَالَ إنَّمَا قَالَ غَالِبًا وَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ الْغَالِبِ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي سَوَّغَ لَك أَوْ لِغَيْرِك أَنْ تَأْخُذَ كَلَامَ سَائِلٍ أَبْرَزَهُ فِي مَقَامِ السُّؤَالِ
стр. 431
وَتَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ سِيَّمَا وَشَيْخُهُ الْبُلْقِينِيُّ الْمَسْئُولُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي سُؤَالِهِ بِكَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا الَّذِي قَدَّمْتُهُ بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ عَالِمَ الْحِجَازِ هَذَا صَرَّحَ فِي تَصْنِيفٍ أَوْ إفْتَاءٍ بِخِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ صَرِيحًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ فِي بَيْعِ النَّاسِ الْآنَ مَا حَقِيقَتُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَهَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ وَهَلْ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ فِي مَذْهَبِ السَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلنَّاذِرِ أَنْ يَنْقُلَ الْمَبِيعَ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهَلْ يَلْحَقُهُ النَّذْرُ أَمْ لَا إذَا نَقَلَهُ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ إنْ أُرِيدَ بِبَيْعِ النَّاسِ مَا اُعْتِيدَ مِنْ أَنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى بَيْعِ عَيْنٍ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهَا وَأَنَّ الْبَائِعَ إذَا جَاءَ بِالثَّمَنِ رَدُّوا إلَيْهِ عَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ شَرْطٌ فِي صُلْبِ الْعَقْد يُفْسِدُهُ فَالْبَيْعُ حِينَئِذٍ صَحِيحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَإِذَا جَاءَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ تَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَهُ وَأَنْ لَا يَقْبَلَهُ لَكِنْ يَبْقَى عَلَيْهِ إثْمُ الْغِشِّ وَالْغُرُورِ فَإِنَّ الْبَائِعَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُهُ لَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ وَمَتَى نَذَرَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ أَنَّهُ مَتَى جَاءَهُ الْبَائِعُ بِقَدْرِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ فُسِخَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ أَوْ أَنْ يُقِيلَهُ مَتَى جَاءَ طَالِبًا لِلْإِقَالَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ النَّذْرُ عَلَى الْأَوْجَهِ مِنْ خِلَافٍ طَوِيلٍ وَقَعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْيَمَنِ لِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مُطْلَقًا أَمَّا الْفَسْخُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ سُنَّةً إلَّا فِي النَّادِمِ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عُلِّقَ النَّذْرُ بِالنَّدَمِ كَأَنْ قَالَ إنْ نَدِمْت فِي الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ وَطَلَبْت مِنِّي الْإِقَالَةَ فِيهِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ إقَالَتُك فِيهِ فَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ حِينَئِذٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ إذَا نَدِمْت فِيهِ وَطَلَبْت مِنِّي الْفَسْخَ فِيهِ فَعَلَيَّ فَسْخُهُ فَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ أَيْضًا لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِهِ قُرْبَةً فَلَزِمَهُ وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ أَطْلَقَ الْإِفْتَاءَ بِانْعِقَادِ النَّذْرِ نَظَرًا إلَى أَنَّ إقَالَةَ النَّادِمِ سُنَّةً وَمَنْ أَطْلَقَ عَدَمَ انْعِقَادِهِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ النَّاذِرَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْفَسْخِ وَإِنْ طَلَبَ خَصْمُهُ إذْ الْعِبْرَةُ بِهِ فَإِطْلَاقُ الِانْعِقَادِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آخِرًا وَإِطْلَاقُ عَدَمِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَمَتَى عَلَّقَ النَّذْرَ بِصِفَةٍ ثُمَّ بَاعَ الْعَيْنَ الْمَنْذُورَ بِهَا قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ صَحَّ الْبَيْعُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْفَتَى وَغَيْرُهُ وَمَا فِي كَلَامِ الْبَغَوِيِّ مِمَّا يُخَالِفُهُ ضَعِيفٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ طَوِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَحَّلَ بَسْطِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ لِذَلِكَ مِنْ الْمَنْقُولِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُهُ ثُمَّ قَالَ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَعَلَيَّ عِتْقُهُ فَفِيهِ مَقَالَاتٌ.
وَالرَّاجِحُ انْعِقَادُ النَّذْرِ الثَّانِي بَعْدَ النَّذْرِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ حُكِمَ بِعِتْقِهِ عَنْهُ وَلَا نُوجِبُ لِلْآخَرِ شَيْئًا وَإِنْ وَقَعَا مَعًا أَقُرِعَ بَيْنهمَا وَحِينَئِذٍ فَبَيْعُ الْعَيْنِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا النَّذْرُ صَحِيحٌ كَمَا صَحَّ النَّذْرُ الثَّانِي وَوَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ السَّابِقِ بِجَامِعِ بَقَاءِ الْمِلْكِ لِلرَّقَبَةِ فِيهِمَا فَكَمَا صَحَّ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالنَّذْرِ الثَّانِي فَلْيَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ مَأْخَذَ الصِّحَّةِ بَقَاءُ الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ فَحَسْب فَانْدَفَعَ مَا يُتَوَهَّم مِنْ أَنَّ مُلَخَّصَهَا أَنَّ النَّذْرَ قُرْبَةٌ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْمُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ يَجُوزُ وَقْفُهُ وَلَا يُعْتَقُ لَوْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ بَعْدَ وَقْفِهِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْقُوفِ لِلَّهِ تَعَالَى هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ خِلَافًا لِلْبَغَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ مَا حُكْم عَطَايَا أَرْبَابِ وِلَايَاتِ زَمَانِنَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عَطَايَا الْوُلَاةِ قَبِلَهَا قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ وَتَوَرَّعَ عَنْهَا آخَرُونَ فَيَجُوزُ قَبُولُهَا مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ كَمَكْسٍ أَوْ نَحْوه فَلَا يَجُوزُ قَبُولُهُ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ التَّحَقُّقِ فَالْقَبُولُ جَائِزٌ وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ لَا يَجُوزُ مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ فَضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَلْ الْمُعْتَمَدُ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِ وَالْأَكْلُ مِمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ حُرْمَتُهُ مِنْ مَالِهِ وَإِذَا أَكَلَ إنْسَانٌ شَيْئًا فَبَانَ أَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ فَهَلْ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْقِيَامَةِ قَالَ الْبَغَوِيّ إنْ كَانَ ظَاهِرُ مَطْعَمِهِ الْخَيْرَ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ الْآكِلُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ خِلَافَ ذَلِكَ أَيْ كَأَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ طُولِبَ أَيْ لِعَدَمِ عُذْرِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْهُجُومُ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ الْوُلَاةِ وَإِنْ جَازَ بِقَيْدِهِ السَّابِقِ بَلْ يَنْبَغِي التَّنَزُّهُ عَنْهُ حَذَرًا مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ فَيُطَالَبُ بِهِ الْآكِلُ فِي الْآخِرَة.
(وَسُئِلَ) اشْتَرَى أَمَةً ثُمَّ رَهَنَهَا عِنْدَ آخَر ثُمَّ تَقَايَلَ الْمُتَبَايِعَانِ
стр. 432
فِيهَا ثُمَّ أَخَذَهَا الْبَائِعُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مُدَّةً ظَانًّا أَنَّهَا مِلْكُهُ ثُمَّ بَانَ فَسَادُ الْإِقَالَةِ بِمُقْتَضَى الرَّهْنِ السَّابِقِ فَانْتَزَعَهَا الْمُشْتَرِي وَأَعْطَاهَا لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ لَمْ يُعْطِهَا لَهُ بِأَنْ كَانَ الرَّهْنُ انْفَكَّ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْبَائِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِسُؤَالِهِ الْإِقَالَةَ مِنْهُ مَعَ رَهْنِهِ إيَّاهَا وَجَهْلِ الْبَائِعِ بِذَلِكَ أَوَّلًا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ وَأَقَرُّوهُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَعَمَّرَهَا وَأَدَّى خَرَاجَهَا أَوْ عَبْدًا وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا كَانَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَلَا يَرْجِعُ بِالْخَرَاجِ وَلَا بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْد عَلَى أَنْ يَضْمَنَهَا وَلَا يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ اهـ فَهَذَا رُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ بِالنَّفَقَةِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ لَكِنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ لِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا إلَّا إذَا قُلْنَا إنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ لِمُسَاوَاتِهَا لِتِلْكَ حِينَئِذٍ فِي عِلَّتِهَا السَّابِقَةِ وَهِيَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ النَّفَقَةَ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا اهـ.
أَمَّا إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَا عَقْدٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَضْمَنُ النَّفَقَةَ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا وَإِنَّمَا الَّذِي هُنَا أَنَّهُ بِالْإِقَالَةِ ظَنَّ عَوْدَهَا لِمِلْكِهِ الْأَصْلِيِّ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا بِهَذَا الظَّنِّ الَّذِي هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ فَآثَرَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا أَنْفَقَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي وَرَّطَهُ فِي ذَلِكَ بِطَلَبِهِ الْإِقَالَةَ مِنْهُ مَعَ فِعْلِهِ لِلرَّهْنِ السَّابِقِ عَلَى الْإِقَالَةِ الْمَانِعِ مِنْ صِحَّتِهَا وَيَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِالنَّفَقَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَمِنْ الْفَرْقِ بَيْنهَا وَبَيْنَ صُورَةِ الْبَغَوِيِّ السَّابِقَةِ مَا فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ مِنْ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَنْفَقَ عَلَى قِنِّهِ ثُمَّ بَانَ مَا يُوجِبُ عِتْقَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى أَنَّهُ عَبْدُهُ فَهَذِهِ كَمَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عَقْدٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ بِدُخُولِهِ فِيهِ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى النَّفَقَةِ وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهَا أَنَّهُ أَنْفَقَ بِظَنِّ الْمِلْكِ الْأَصْلِيِّ ثُمَّ بَانَ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ ذَلِكَ الْمِلْكِ الَّذِي ظَنَّهُ كَمَا قَالَ فِي الْمُهَذَّبِ بِالرُّجُوعِ فِي مَسْأَلَتِهِ كَذَلِكَ قُلْنَا بِالرُّجُوعِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِمَا عَلِمْتُ مِنْ اتِّحَادِهِمَا عِلَّةً وَجَامِعًا.
فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ الْفَرْقَ بَيْنهمَا بِأَنَّهُ إنَّمَا رَجَعَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُهَذَّبِ لِأَنَّهُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ أَنْفَقَ عَلَى حُرٍّ فَلَزِمَ الْحُرَّ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِأَخْذِهِ لِلنَّفَقَةِ مِنْ السَّيِّدِ مُلْتَزِمٌ لِغُرْمِ بَدَلِهَا لَهُ إذَا بَانَ أَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ لَهُ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى جَارِيَةِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَنَفَقَةُ الْعَبْدِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَالسَّيِّدِ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ الْمُنْفِقِ حَتَّى نَقُولَ إنَّهُ بِالْأَخْذِ يَكُونُ مُلْتَزِمًا لِغُرْمِ الْبَدَلِ فَافْتَرَقَا قُلْت لَا أَثَرَ لِهَذَا الْفَرْقِ بَلْ هُوَ خَيَالٌ لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِمَا يُبْطِلُهُ حَيْثُ قَالُوا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ بَائِنًا لَا سُكْنَاهَا بِنَفْيِ الزَّوْجِ الْحَمْلَ فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ الْإِرْضَاعِ وَبِبَدَلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا قَبْلَ الْوَضْعِ وَعَلَى وَلَدِهَا وَإِنْ كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِرْضَاعِ لِأَنَّهَا أَدَّتْ ذَلِكَ بِظَنِّ وُجُوبِهِ عَلَيْهَا فَإِذَا بَانَ خِلَافُهُ رَجَعْت كَمَا لَوْ أَدَّى دَيْنًا ظَنَّهُ عَلَيْهِ فَبَانَ خِلَافُهُ يَرْجِعُ بِهِ وَكَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ بِظَنِّ إعْسَارِهِ فَبَانَ مُوسِرًا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُتَبَرِّعِ وَلَا يُنَافِي رُجُوعَهَا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ كَوْنُهَا لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِفَرْضِ الْقَاضِي لِتَعَدِّي الْأَبِ هُنَا بِنَفْيِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبٌ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ فَلَمَّا أَكْذَبَ نَفْسَهُ رَجَعَتْ حِينَئِذٍ اهـ. فَتَأَمَّلْ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ.
هَذَا تَجِدُهُ صَرِيحًا فِي تَزْيِيفِ ذَلِكَ الْفَرْقِ لِأَنَّهُمْ هُنَا جَوَّزُوا لَهَا الرُّجُوعَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ مَعَ سُقُوطِ نَفَقَتِهِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِتَعَدِّي الْأَبِ بِالنَّفْيِ مَعَ عَدَمِ الطَّلَبِ لَهَا فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ فَلَمَّا أَكْذَبَ نَفْسَهُ رَجَعَتْ حِينَئِذٍ فَرُجُوعُهَا لِمَا ذُكِرَ صَرِيحٌ فِي الرُّجُوعِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِجَامِعِ أَنَّ الْمُشْتَرِي مُتَعَدٍّ بِفِعْلِ الْإِقَالَةِ مَعَ سَبْقِ الرَّهْنِ مِنْهُ الْمُقْتَضِي لِبُطْلَانِهَا وَالثَّانِي لَا تَعَدِّي مِنْهُ بِوَجْهٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَالُ الْإِنْفَاقِ طُلِبَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ فَلَمَّا بَانَ تَعَدِّي الْمُشْتَرِي وَعَدَمُ تَعَدِّي الْبَائِعِ اقْتَضَى ذَلِكَ الرُّجُوعَ فِي مَسْأَلَتِنَا أَيْضًا وَكَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَسْأَلَتِهِمْ إلَى سُقُوطِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ لِلْمَلْحَظِ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ تَعَدِّي الزَّوْجِ وَعَدَمِ تَعَدِّي الزَّوْجَةِ الْمُنْفِقَةِ كَذَلِكَ لَا يُنْظَرُ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَى أَنَّ نَفَقَةَ الرَّقِيقِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ لِوُجُودِ نَظِيرِ مَلْحَظِهِمْ الْمَذْكُورِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَهُوَ تَعَدِّي الْمُشْتَرِي بِفِعْلِهِ الْإِقَالَةَ مَعَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ الرَّهْنِ الْمُقْتَضِي لِبُطْلَانِ الْإِقَالَةِ وَلِتَوْرِيطِ الْبَائِعِ فِي الْإِنْفَاقِ فَعَلِمْنَا مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ سُقُوطَ النَّفَقَةِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ
стр. 433
أَمْرٌ طَرْدِيٌّ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْفَرْقِ فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَلَا التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى اعْتِبَارِهِ مِنْ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ الَّذِي ذَكَرْتُهُ.
وَتَأَمَّلْ أَيْضًا قَوْلَهُمْ الْمَذْكُورَ لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ بِظَنِّ إعْسَارِهِ فَبَانَ يَسَارُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِلسُّقُوطِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دَخَلَ فِي مَنْعِ الرُّجُوعِ لَمْ يَرْجِعْ هُنَا وَإِنْ ظَنَّ إعْسَارَهُ لِأَنَّ إنْفَاقَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ يَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ أَيْضًا فَلَوْ نَظَرْنَا لِذَلِكَ لَقُلْنَا لَا رُجُوعَ لِلْمُنْفِقِ لِأَنَّ الْمُنْفَقَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ الْإِنْفَاقِ شَيْءٌ فَهُوَ كَاَلَّذِي أَنْفَقَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ بَانَ حُرًّا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ وَكَالْجَارِيَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ سَيِّدَهَا لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مُدَّةَ زَمَنِ الْإِنْفَاقِ فَلَزِمَ عَلَى النَّظَرِ لِذَلِكَ سُقُوطُ الرُّجُوعِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ إنْ نَظَرْنَا لِذَلِكَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَصْرِيحِهِمْ فِي مَسْأَلَتَيْ الْأَبِ وَالْحُرِّ بِالرُّجُوعِ فَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ فِيهِمَا وَإِذَا لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ فِيهِمَا وَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته تَبَيَّنَ لَك أَنَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقَالَةِ لَا يَخْتَصُّ بِهَا بَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ أَسْبَابِ الْفَسْخِ إذَا بَانَ بُطْلَانُ الْفَسْخِ
فَإِذَا عَادَ الْمَبِيعُ إلَى بَائِعه بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسْخِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ ثُمَّ بَانَ بُطْلَانُ الْفَسْخِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَهُ لِمَا قَدَّمْته وَاضِحًا مَبْسُوطًا فَإِنْ قُلْت إذَا رَجَعَ بِالنَّفَقَةِ هَلْ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ اسْتِخْدَامِهِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ قُلْتُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَرْجِعُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَمَا غَرِمَ النَّفَقَةَ يَغْنَمُ الرِّيعَ وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَالَ لَا رُجُوعَ لَهُ إنْ عُلِمَ بِفَسَادِ الْفَسْخِ دُونَ الْبَائِعِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِفَسَادِهِ وَتَرْكَ الْمَبِيع فِي يَدِ الْبَائِعِ حِينَئِذٍ مُسْتَلْزِمٌ لِتَبَرُّعِهِ عَلَيْهِ بِاسْتِخْدَامِهِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا أَقْرَبُ نَعَمْ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا إنْ وَطِئَهَا سَوَاءٌ أُعْلِمَ بِفَسَادِ الْفَسْخِ أَمْ لَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ التَّبَرُّعَ فَلَمْ يَفِدْ الْعِلْمُ فِيهِ شَيْئًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْفَوَائِدِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّبَرُّعَ بِهِ فَأَثَّرَ فِيهِ الْعِلْمُ فَإِنْ قُلْتَ إنَّمَا تَبَرَّعَ بِالْفَوَائِدِ فِي مُقَابَلَةِ النَّفَقَةِ فَإِذَا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ فَلَا تَبَرُّعَ مِنْهُ فَيَرْجِعُ قُلْتُ هَذِهِ مُقَابَلَةٌ فَاسِدَةٌ لَمْ يَرْضَ بِهَا الْمُنْفِقُ حَتَّى نُلْزِمَهُ بِقَضِيَّتِهَا فَكَانَ الْقِيَاسُ إلْغَاءَ قَصْدِ الْمُشْتَرِي لِتِلْكَ الْمُقَابَلَةِ وَتَغْرِيمَهُ النَّفَقَةَ وَعَدَمَ رُجُوعِهِ بِتِلْكَ الْفَوَائِدِ لِتَعَدِّيهِ بِتَرْكِهِ لِمِلْكِهِ تَحْتَ يَدِ غَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ فِيمَنْ اشْتَرَى شَاةً فَذَبَحَهَا فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا فَهَلْ هُوَ عَيْبٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ هُوَ عَيْبٌ لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِهِمْ فِي إحْدَاثِ مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْقَدِيمِ إلَّا بِهِ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى حَمْلِهَا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ امْتَنَعَ رَدُّهُ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ اشْتَرَى دَارًا خَرِبَةً فَعَمَّرَهَا وَجَدَّدَ فِيهَا بُيُوتًا وَسَكَنَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْبَائِعِ وَادَّعَى أَنَّ الْخَرِبَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقْفٌ فَهَلْ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَأَرَادَ الْوَارِثُ هَدْمَ الْبِنَاءِ يُجَابُ إلَى ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ يُجَابُ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ أُجْرَةُ سَكَنِهِ فِيمَا عَمَّرَهُ أَمْ لَا وَهَلْ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُ أَخْشَابِهِ وَأَحْجَارِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُجَابُ الْوَارِثُ إلَى هَدْمِ الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ وَلِلْمُشْتَرِي سَوَاءٌ أَطَلَبَ الْوَارِثُ أَمْ لَا أَخْذُ بِنَائِهِ أَيْ آلَاتِهِ مِنْ حَجَرٍ وَخَشَبٍ وَغَيْرِهِمَا وَإِذَا أَخَذَ ذَلِكَ بِطَلَبِ الْوَارِثِ أَوْ بِغَيْرِ طَلَبِهِ لَزِمَ الْبَائِعَ أَرْشُ نَقْصِ تِلْكَ الْأَبْنِيَةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مَبْنِيَّةً وَمَقْلُوعَةً وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي زَوَّقَ بِطِينٍ أَوْ جِبْسٍ فَلِلْوَارِثِ تَكْلِيفُهُ نَزْعَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِنَقْصِهِ عَلَى الْبَائِعِ فَيُؤْخَذُ مِنْ تِرْكَتِهِ وَأَمَّا لُزُومُهُ أُجْرَةَ مَا سَكَنَهُ فِيمَا عَمَّرَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنُ وَهُوَ أَنَّ مَا بَنَاهُ فِي تِلْكَ الْخَرِبَةِ إنْ كَانَ مِنْ تُرَابِهَا أَيْ بِأَنْ كَانَتْ جَمِيعُ الْآلَاتِ مِنْهُ لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ الدَّارِ كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا وَعَلَّمَهُ صَنْعَةً يَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ صَانِعًا وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا أَيْ كَأَنْ حَصَّلَ الْآلَاتِ مِنْ خَارِجٍ وَعَمَّرَهَا بِهَا لَزِمَهُ نِصْفُ أُجْرَةِ مِثْلِ الدَّارِ تَغْلِيظًا قَالَ الْقَمُولِيُّ وَفِي هَذَا أَيْ مَا ذَكَرَهُ آخِرًا مِنْ لُزُومِ النِّصْفِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ قَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَقَدْ وَافَقَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ فَقَالَ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِ الْعَرْصَةِ اهـ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الْمُدْرَكُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ لِخَفَاءِ وَجْهِهِ وَظُهُورِ وَجْهِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ
стр. 434
إنَّمَا اسْتَعْمَلَ الْعَرْصَةَ وَأَمَّا مَا كَانَ يُظِلُّهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ الْأَبْنِيَةِ فَهُوَ مِلْكُهُ فَكَيْفَ يَقُومُ عَلَيْهِ فِي الْأُجْرَةِ حَتَّى يُجْعَلَ فِي مُقَابَلَتِهِ النِّصْفُ سَاقِطًا وَيُؤْخَذَ مِنْهُ نِصْفُ أُجْرَةِ الدَّارِ بِاعْتِبَارِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَبْنِيَةِ فَهَذَا بَعِيدٌ قِيَاسًا وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مَذْهَبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ بَاعَ بَيْعًا وَهُوَ مَنْزُولٌ بِهِ بَاعَ مَثَلًا يَوْمَ الْأَحَدِ وَمَاتَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ وَلَمْ يَسْتَوْفِ لَيْلَتَهُ وَلَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ ثَمَنٌ هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ ذِهْنُ الْبَائِعِ الْمَذْكُورِ حَاضِرًا بِأَنْ كَانَ يَفْهَمُ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ صَحَّ بَيْعُهُ وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ وَلَا قَبَضَ الثَّمَنَ وَلَا أَقْبَضَ الْمَبِيعَ فَيَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي إقْبَاضِ الْمَبِيعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ بَاعَ بُقْعَةً بِخَمْسِينَ أَوْ بِمِثْلِ مَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ بُقْعَتَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِكَمْ بَاعَ بِهِ فُلَانٌ بُقْعَتَهُ بَلْ هُوَ مَجْهُولٌ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِهَذَا وَقَدْ دَخَلَهُ الشَّرْطُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِخَمْسِينَ حَتَّى يُبَيِّنَ جِنْسَهَا وَنَوْعَهَا وَصِفَتَهَا وَلَا الْبَيْعُ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ حَتَّى يَعْلَمَهُ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَحِينَئِذٍ فَالْبَيْعُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ بَاطِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا ذَبَحَ الشَّخْصُ دَابَّةً وَجَعَلَهَا أَقْسَامًا أَوْ قَسَّمَ هُوَ شَيْئًا وَقَسَّمَ غَيْرُهُ شَيْئًا آخَرَ مِنْهَا وَيَأْتِي الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ بِعْنِي هَذَا بِحِسَابِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِحِسَابِهِ فَقَطْ فَيَقُولُ الْبَائِعُ بِعْتُك وَهُمَا عَالِمَانِ بِالثَّمَنِ أَوْ الْمُشْتَرِي عَالِمٌ أَوْ غَيْرُ عَالِمٍ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّهُ مَا يُقَسِّمُ الدَّابَّةَ كُلَّهَا بَلْ يَفُوزُ ذَابِحُهَا وَهُوَ الْبَائِعُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا فِي مُقَابَلَةِ ذَبْحِهِ وَغَيْرُهُ أَوْلَى فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ بِلَا حَطِّ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ عَمَّنْ اشْتَرَى هَذِهِ وَقَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ الْعَادَةِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ التَّقْوَى مَا حُكْمُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَحْتَاجُ إلَى تَمْهِيدٍ وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَصِحُّ بَيْعُ لَحْمِ الْمُذَكَّاةِ أَوْ جِلْدِهِ أَوْ هُمَا قَبْلَ سَلْخِهِ إلَّا إذَا كَانَ يُؤْكَلُ مَعَهُ كَالشِّوَاءِ الْمَسْمُوطِ وَالسَّخْلَةِ الصَّغِيرَةِ وَالدَّجَاجَةِ الْمَذْبُوحَةِ فَيَصِحُّ بَيْعُهَا فِي جِلْدِهَا وَلَوْ قَبْلَ السَّمْطِ وَالشِّوَاءِ لِأَنَّ جِلْدَهَا مِنْ جُمْلَةِ لَحْمِهَا لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ مَعَهُ وَلَا بَيْعُ الْمَسْلُوخِ مِنْ غَيْرِ الْجَرَادِ وَالسَّمَكِ وَزْنًا قَبْلَ تَنْقِيَةِ جَوْفِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بِيعَ جُزَافًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ بِيعَ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَزْنًا أَوْ جُزَافًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَوْ قَبْلَ تَنْقِيَةِ مَا فِي جَوْفِهِ لِقِلَّةِ مَا فِيهِ وَقَالُوا لَوْ بَاعَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَعَادَتُهُمْ التَّعْبِيرُ بِهَا عَنْ تِسْعَةِ دَوَانِقَ صَحَّ وَلَزِمَهُ الْمُعْتَادُ.
وَقَالُوا مَا كَانَ مُعَيَّنًا مِنْ الْعِوَضَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا يَكْفِي مُشَاهَدَتُهُ عَنْ الْعِلْمِ بِقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ وَمَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ بِقَدْرِهِ وَجِنْسِهِ وَصِفَتِهِ وَصَرَّحَ الْبَغَوِيّ وَتَبِعُوهُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ حَيٍّ قَالَ بِخِلَافِ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مُذَكَّاةٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَيْ بِالتَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِي بَيْعِ الْمَذْبُوحَةِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَإِذَا عَيَّنَ لَهُ جُزْءًا مِنْهَا بَعْدَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ حَيْثُ اشْتَرَطَ وَبَاعَهُ لَهُ بِحِسَابِهِ وَعَادَتُهُمْ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ عَنْ رُبْعِ الثَّمَنِ مَثَلًا وَعَلِمَا جُمْلَةَ الثَّمَنِ صَحَّ الْبَيْعُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مُعَيَّنٌ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ بِالنِّسْبَةِ وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ اسْتِوَائِهَا وَاخْتِلَافِهَا وَلَا أَنْ يَأْخُذَ الْبَائِعُ مِنْ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ أَوَّلًا لَكِنَّهُ يَأْثَمُ إذَا أَوْهَمَ غَيْرَهُ اسْتِوَاءَ الْأَجْزَاءِ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّهُ غَاشٌّ لَهُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ بِعْتُك هَذَا بِحِسَابِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَادَتُهُمْ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ عَنْ شَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ أَوْ كَانَ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ وَجَهِلَا أَوْ أَحَدُهُمَا جُمْلَةَ الثَّمَنِ فَإِنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاخْتِلَالِ بَعْضِ شُرُوطِهِ وَهُوَ عِلْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ بِعْنِي ثَمَنَ هَذِهِ الدَّابَّةِ بِحِصَّتِهِ أَوْ بِحِسَابِهِ مِنْ الثَّمَنِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُمَا حَيْثُ عَلِمَا جُمْلَةَ الثَّمَنِ وَأَرَادَا بِقَوْلِهِمَا بِحِسَابِهِ تَوْزِيعَ جُمْلَتِهِ عَلَى أَجْزَائِهَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ أَطْلَقَا بِأَنْ لَمْ يُرِيدَا هَذَا وَلَا غَيْرَهُ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَا لَا يَعْرِفَانِ أَنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِمَا بِحِسَابِهِ تَقْسِيمُ جُمْلَةِ الثَّمَنِ عَلَى جُمْلَةِ الْأَجْزَاءِ بِالسَّوِيَّةِ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْبُيُوعِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَمَفْهُومَاتهَا الصَّحِيحَةُ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِمَا هُنَا بِحِسَابِهِ صَحِيحٌ مَعْلُومٌ وَلَوْ لِغَيْرِهِمَا فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ جَهْلٌ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي مَسَائِلِ الصُّبْرَةِ وَبَيْعِ الْمُرَابَحَةِ وَمَسَائِلِ الدُّورِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ مَا يُصَرِّحُ
стр. 435
بِالصِّحَّةِ حَيْثُ ذَكَرَا مَا يُعْلَمُ بِهِ مِقْدَارُ الْجُمْلَةِ بَعْدَ التَّأَمُّلِ بِالطَّرَائِقِ الْحِسَابِيَّةِ وَإِنْ عَسِرَ عُلِمَ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِدَيْنِ بَلْ وَعَلَى أَهْلِ بَلَدِهِمَا كَبِعْتُك بِخُمُسِ سُدْسِ سُبْعِ ثُمْنِ تُسْعِ عُشْرِ دِينَارٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ أَعْهَدَ رَجُلٌ نَخْلَةً بِعِشْرِينَ ثُمَّ بَاعَهَا الْمُتَعَهِّدُ لِآخَرَ بِعَشْرَةٍ وَفَكَّهَا الْمُعْهَدُ الْأَوَّلُ بِعَشْرَةٍ هَلْ تَكُونُ الْعَشَرَةُ الْأُخْرَى وَاقِعَةً لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ أَوْ تَبْقَى فِي النَّخْلَةِ وَلَوْ بَاعَهَا الْمُتَعَهِّدُ الثَّانِي بِثَلَاثِينَ وَفَكَّ الْأَوَّلُ فَهَلْ يَأْتِي فِي الزَّائِدِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ شَرْطِ الْفِكَاكِ وَأَنَّهُ قَبْلَ الْحَصَادِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ بَيْعَ الْعُهْدَةِ الْمَذْكُورَ لَا أَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ عَلَى التَّعْيِينِ وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْبَيْعَ إنْ اقْتَرَنَ بِهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُك هَذَا بِعَشْرَةٍ فَإِذَا رَدَدْتهَا إلَيْك رَدَدْته إلَيَّ فَيَقُولُ الْآخَرُ قَبِلْت أَوْ يَقُولُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْته مِنْك بِهَذَا الشَّرْطِ فَيَقُولُ لَهُ بِعْتُك كَانَ فَاسِدًا فَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْمَبِيعِ عَنْ مَالِكِهِ وَلَا فِي الثَّمَنِ عَنْ مَالِكه بَلْ هُمَا بَاقِيَانِ عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ قِيمَةَ الْمَبِيع أَوْ الثَّمَنِ زَادَتْ كَانَتْ الْقِيمَةُ وَزِيَادَتُهَا لِمَالِك تِلْكَ الْأَصْلِيِّ لَا لِمَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّغْلِيظُ عَلَى كُلِّ مَنْ انْتَقَلَتْ الْعَيْنُ إلَيْهِ.
فَإِنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ ضَمِنَهَا بِأَقْصَى قِيمَتِهَا وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَاتٍ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْطِي أَحْكَامَ الْغَاصِبِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ كَأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُهُ هَذِهِ الْعَيْنَ بِعَشْرَةٍ مَثَلًا فَإِذَا رَدَّهَا إلَيْهِ رَدَّ الْعَيْنَ إلَيْهِ ثُمَّ يُعْقَدُ الْبَيْعُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ صَحِيحَيْنِ لَكِنَّهُمَا يُضْمِرَانِ الْوَفَاءَ بِمَا تَوَافَقَا عَلَيْهِ فَالْبَيْعُ حِينَئِذٍ صَحِيحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَائِرُ أَحْكَامِ الْبُيُوعَاتِ الصَّحِيحَةِ الْخَالِيَةِ عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِأَنَّهُمْ يُقِيمُونَ الشَّرْطَ الْمُضْمَرَ مَقَامَ الشَّرْطِ الْمَأْتِيِّ بِهِ فِي صَلْبِ الْعَقْدِ فَيُبْطِلُونَ الْبَيْعَ الْمُقْتَرِنَ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا وَالشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يُبْطِلُ إلَّا الْمُقْتَرِنَ بِهِ الشَّرْطُ الْمَلْفُوظُ دُونَ الشَّرْطِ الْمُضْمَرِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ التَّرْدِيدَاتِ الَّتِي ذَكَرهَا السَّائِلُ حَفِظَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ أَنَّهُ أَفْتَى بِصِحَّةِ بَيْعِ الْعُهْدَةِ وَبَعْضُهُمْ أَفْتَى بِبُطْلَانِهِ وَاخْتِلَافُهُمْ عَجِيبٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ عِنْد اقْتِرَانِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِالْعَقْدِ وَبِعَدَمِهَا عِنْد إضْمَارِهِ قَوْلٌ سَاقِطٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بَلْ الْمَنْقُولُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْتَدُّ بِهِ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا قَرَرْته فَاعْتَمِدْهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا سِوَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُعْهَدُ وَالْمُتَعَهِّدُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَنَكَلَا هَلْ يُقَرُّ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُتَعَهِّدِ إلَى أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ أَحَدَهُمَا وَعَنْ مَالٍ مُعْهَدٍ مُشْتَرَكٍ اشْتَرَى آخَرُ ذَلِكَ الْمُعْهَدَ شِرَاءً صَحِيحًا فَهَلْ لِلشَّرِيكِ الْقَدِيمِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْمُعْهَدِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ جَوَابَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعْلُومٌ مِمَّا بَسَطْته فِي السَّابِقَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ حَيْثُ صَحَّ الْبَيْعُ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا ثُمَّ إنْ تَوَافَقَا وَإِلَّا فُسِخَ الْعَقْدُ فَإِنْ نَكَلَا أَعْرَضَ الْحَاكِمُ عَنْهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا وَحَيْثُ صَحَّ أَيْضًا ثَبَتَ لِلشَّرِيكِ الْقَدِيمِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ عَنْ الشَّرِيكِ الْحَادِثِ وَمَنْ مَلَكَ مِنْهُ وَأَمَّا حَيْثُ فَسَدَ فَلَا أَثَرَ لِنِزَاعِهِمَا فِي الثَّمَنِ وَلَا يَثْبُت أَخْذٌ بِشُفْعَةٍ لِبَقَاءِ مِلْك الْبَائِعِ عَلَى حَالِهِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى حَالِهِ كَمَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى عَيْنًا بِثَلَاثِينَ أُوقِيَّةً خَمْس] عَمْرَاوِيٍّ بِوَزْنِ صَنْجَةٍ خَمْسَ أَوَاقٍ مَنْسُوبَةٌ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْخُمُسَ الْمَذْكُورَ هَلْ هِيَ عَلَى خُمُسِ الْبَلَد أَيْ صَنْجَة الْبَلَدِ الَّتِي هِيَ خَمْسُ أَوَاقٍ أَمْ زَائِدَةٌ أَمْ نَاقِصَةٌ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ فَهَلْ يُوزَنُ الثَّمَنُ بِالْخُمْسِ خَمْسًا خَمْسًا أَمْ الْخِيرَةُ لِلْبَائِعِ أَمْ لِلْمُشْتَرِي؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّ مَنْ عَيَّنَ قَدْرًا فَتَارَةً يَكُونُ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ مُعَيَّنَيْنِ وَتَارَةً يَكُونُ وَهْمًا أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الذِّمَّةِ وَحُكْمُ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ بِعْتُك مِلْءَ أَوْ بِمِلْءِ هَذَا الْكُوزِ أَوْ الْبَيْتِ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ أَوْ زِنَةَ أَوْ بِزِنَةِ هَذِهِ الْحَصَاةِ مِنْ هَذَا الذَّهَبِ صَحَّ لِإِمْكَانِ الْأَخْذِ مِنْ
стр. 436
الْمُعَيَّنِ قَبْل تَلَفِهِ وَالْعِلْمُ بِالْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ لَا يُشْتَرَطُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُك مِلْءَ أَوْ بِمِلْءِ هَذَا الْبَيْتِ صُبْرَةً فِي ذِمَّتِي صِفَتهَا كَذَا وَزِنَة أَوْ بِزِنَةِ هَذِهِ الصَّنْجَةِ ذَهَبًا فِي ذِمَّتِي صِفَته كَذَا وَقَدْ جَهِلَا أَوْ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ وَجِنْسِهِ وَصِفَتِهِ.
هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُهُمْ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَقَالُوا فِي بَابِ السَّلَمِ لَوْ عُيِّنَ فِي الْبَيْع مِكْيَالٌ أَوْ صَنْجَةٌ أَوْ مِيزَانٌ أَوْ ذِرَاعٌ فَإِنْ كَانَ مُعْتَادًا بِأَنْ عُرِفَ قَدْرُ مَا يَسَعُ صَحَّ الْعَقْدُ وَلَغَا التَّعْيِينُ الْمَذْكُورُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا غَرَضَ فِيهَا وَيَقُومُ مِثْلُ الْمُعَيَّنِ مَقَامَهُ فَإِنْ شَرَطَ عَدَمَ إبْدَالِهِ بَطَل الْعَقْدُ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْمَكَايِيلُ أَوْ الْمَوَازِينُ وَالذُّرْعَانِ وَجَبَ تَعْيِينُ نَوْعٍ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَغْلِبَ نَوْعٌ مِنْهَا فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَجْهُولٍ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا كَكُوزٍ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَا يَسَعُ وَالْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ بَطَلَ الْعَقْدُ حَالًا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ غَرَرًا لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ قَبْل قَبْضِ مَا فِي الذِّمَّةِ فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ بِخِلَافِ بَيْعِ مِائَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِعَدَمِ الْغَرَرِ اهـ وَبِهَذَا مَعَ مَا قَبْله تَعْلَمُ أَنَّ شِرَاءَ الثَّلَاثِينَ أُوقِيَّةً بِخَمْسِ عَمْرٍو أَيْ بِصَنْجَتِهِ الَّتِي هِيَ خَمْسُ أَوَاقٍ إنْ كَانَ وَالْمَبِيعُ مُعَيَّنٌ كَاشْتَرَيْت كَذَا بِثَلَاثِينَ أُوقِيَّةً مِنْ هَذَا الْخُمُسِ عَمْرٍو صَحَّ.
وَإِنْ جَهِلَا قَدْرَ تِلْكَ الصَّنْجَةِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ وَعَلِمَا قَدْرَ تِلْكَ الصَّنْجَةِ صَحَّ وَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ قَبْلَ قَبْضِ مَا فِي الذِّمَّةِ وَحَيْثُ صَحَّ بِأَنْ عَلِمَا قَدْرَ الصَّنْجَةِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنَّ الْمُشْتَرِي يَعْلَمُ أَنَّهَا قَدْرُ صَنْجَةِ بَلَدِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ تَتَعَيَّنْ تِلْكَ الصَّنْجَةُ بَلْ يَجُوزُ الْوَزْنُ بِهَا وَبِمِثْلِهَا فَلَا يُجَابُ مَنْ طَلَبَ الْوَزْنَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ نَعَمْ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ طَلَبَ الْوَزْنَ بِهَا أَوْ بِمِثْلِهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى تَكْمُلَ الثَّلَاثُونَ وَطَلَبَ الْبَائِعُ الْوَزْنَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِصَنْجَةٍ وَزْنُهَا ثَلَاثُونَ وَتُعَادِلُ صَنْجَةَ عَمْرٍو وَسِتَّ مَرَّاتٍ أُجِيبَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِتَكَرُّرِ الْوَزْنِ وَاتِّحَادِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلِأَنَّ مَا طَلَبَهُ الْمُشْتَرِي أَقْرَبُ إلَى قَوْلِهِمْ لَا تَتَعَيَّنُ الصَّنْجَةُ بَلْ يُوزَنُ بِهَا أَوْ بِمِثْلِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ صَنْجَةَ ثَلَاثِينَ لَا تُمَاثِل صَنْجَةَ خَمْسَةٍ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَتْ تُمَاثِلُهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُتَكَرِّرَ بِهَا سِتًّا يُمَاثِلُ الْمَوْزُونَ بِتِلْكَ مَرَّةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ ابْتَاعَ وَجْبَةً مَا مِنْ عَيْنِ السَّلَامَةِ مَثَلًا وَصَرَفَ بِبَيْعِ عَدَدٍ وَاسْتَمَرَّتْ بِحَيْثُ يَوْمَيْنِ وَفِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَحِقَ الْعَيْنَ عِمَارَةٌ وَصَرَفَ الْمُبْتَاعُ فِي عِمَارَةِ الْعَيْنِ مَا يَنُوبُ الْوَجْبَةَ الْمُشْتَرَاةَ مِنْ الْعِمَارَةِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ بَائِعُ الْوَجْبَةِ فِكَاكَهَا مِنْ مُشْتَرِيهَا حَسِبَ عَلَيْهِ الْعِمَارَةَ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ الْعِمَارَة عَلَيْك لِأَنَّك الَّذِي اسْتَغْلَيْت الْوَجْبَةَ وَسَقَيْتهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَنَفْعُهَا وَضَرَرُهَا عَلَيْك وَهِيَ فِي يَدِك إلَى أَنْ آتِيك بِالثَّمَنِ الْمَعْلُومِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي هِيَ فِي يَدِك وَمَا لِي إلَّا مَنْفَعَةٌ لَا صَرْفُهُ فَهَلْ مَا نَابَ الْوَجْبَةَ فِي زَمَنِ الْعِمَارَةِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَلْزَمُ الْمَالِك لِلْمَنْفَعَةِ أَمْ يَلْزَمُ مَالِكَ الرَّقَبَةِ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ لَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي بِمَا صَرَفَهُ فِي الْعِمَارَةِ عَلَى بَائِعِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنْ كَانَ صَحِيحًا بِأَنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ خَارِجَةً عَنْ الْعَقْدِ فَقَدْ صَرَفَ عَلَى مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا بِأَنْ شَرَطَا الْعِدَّةَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِمَا صُرِفَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ اصْطِلَاحِ بَيْعِ النَّاسِ فِي بَيْعِ الْعِدَّةِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بَيْعَ النَّاسِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِثَمَنٍ مَبْلَغُهُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت ثُمَّ يَكْتُبُ بَيْنَهُمْ كَاتِبٌ أَوْ حَاكِمٌ يَحْكُمُ بِصُورَةِ بَاعَ فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ كَذَا بِثَمَنٍ مَبْلَغُهُ كَذَا وَكَذَا بَيْعًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا وَلَا يَذْكُرُ غَيْرَ هَذَا وَمَقْصُودُهُمْ أَنَّهُ يَكُونُ كَالْمَرْهُونِ لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي يَسْتَغِلُّ الْأَرْضَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ رَهْنًا وَيُطَالِبُ بِأُجْرَةِ الْأَرْضِ أَمْ بَيْعًا وَلَا يَسْتَرِدُّهَا الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَّا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ جَدِيدٍ أَمْ هَذَا اصْطِلَاحٌ اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَصَحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَتَكُونُ الْأَرْضُ كَالْمَرْهُونَةِ وَالثَّمَرَةِ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ وَلَا يُطَالِبُ بِهَا بَيِّنُوا لَنَا مَا يَصِحُّ صَحَّحَ اللَّهُ آمَالَكُمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بَيْعُ النَّاسِ الْمَشْهُورِ الْآنَ هُوَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى بَيْعِ عَيْنٍ بِدُونِ قِيمَتِهَا وَعَلَى أَنَّ الْبَائِعَ مَتَى جَاءَ بِالثَّمَنِ رَدَّ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بَيْعَهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ ثُمَّ يَعْقِدَانِ عَلَى
стр. 437
ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرِطَا ذَلِكَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْوَفَاءُ بِمَا وَعَدَ بِهِ الْبَائِعُ وَلَا يُرْجَعُ لِلْبَائِعِ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَيَمْلِكُ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الْغَلَّةِ فِي زَمَنِ مِلْكِهِ وَلَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِئْرَ مَاءٍ أَوْ أَرْضًا مَعَ شُرْبِهَا مِنْ الْقَنَاةِ أَوْ سَهْمِهَا مِنْهَا مَعَ جَرْيِ الْمَاءِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ وَمَا يَشْتَرِطُ الرُّؤْيَةَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمَاءِ مَذْكُورَةٌ فِي الرَّوْضَةِ قُبَيْلَ الرِّبَا وَقَبْلَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَفِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَكَلَامُهُ فِي ذَلِكَ مُشْكِلٌ عَلَى السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ مِنْ فَضْلِكُمْ إزَالَةُ إشْكَالِهِ بِأَمْثِلَةٍ مُفِيدَةٍ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي بِئْرٍ أَوْ نَحْوِ نَهْرٍ أَوْ قَنَاةٍ وَذَلِكَ الْقَرَارُ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَنْبُعُ مِنْهُ أَوْ يَصِلُ إلَيْهِ ثُمَّ تُسْقَى مِنْهُ الْأَرَاضِي فَالْأَوَّلُ إنْ مَلَكَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ كَانَ الْمَاءُ مَمْلُوكًا لَهُمْ عَلَى حَسْبِ الشَّرِكَةِ فِي الْقَرَارِ وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ هُنَا إنْ قُدِّرَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ كَالنِّصْفِ أَوْ بِنَحْوِ مِائَةِ رِطْلٍ لَا بِنَحْوِ سَاعَةٍ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ وَلَا يُنَافِيهِ ذِكْرُهُمْ فِي قِسْمَةِ مَاءِ الْقَنَاةِ الْمُهَيَّأَةِ بِالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ يُتَسَامَحُ فِيهَا مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي الْبَيْع وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَحَلَّ النَّبْعِ أَحَدٌ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْمَمْلُوكُ الْمَحَلَّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ فَالْمَاءُ الْوَاصِلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إبَاحَتِهِ ثُمَّ إذَا صَدَرَ بَيْعٌ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ الْمَمْلُوكِ أَوْ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ مَعْلُومٍ صَحَّ وَلَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ الْمَوْجُودُ عِنْد الْبَيْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهِ وَمَحَلُّ النَّبْعِ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ وَكَانَ مَحَلُّ النَّبْعِ مَجْهُولًا كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ لَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ فِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنَّمَا الَّذِي يَصِحُّ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ فِيهِ الْمُسَمَّى بِالشُّرْبِ وَمِمَّا يُحْكَمُ فِيهِ بِمِلْكِ مَحَلِّ النَّبْعِ أَوْ الْقَرَارِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ يَدٌ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ لَهُ وَلِلْمَاءِ النَّابِعِ مِنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى كَمَا يَفْهَمُهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا تُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ حَفْرٌ أَوْ انْخَرَقَ حُكْمُنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ وَخَرَجَ بِقَوْلِي فِيمَا مَرَّ وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ الْمَاءُ الْجَارِي فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا بَيْعُ نَصِيبِهِ مِنْهُ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ وَلِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ وَلِأَنَّ الْجَارِي.
وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ لِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِهِ فَطَرِيقُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَمْلِكَهُ أَوْ يَسْتَحِقَّهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَحَلَّ النَّبْعِ أَوْ الْقَنَاةَ أَوْ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا مَلَك الْأُلَى مَلَكَ الْمَاء وَإِذَا مَلَكَ الثَّانِي كَانَ أَحَقَّ بِهِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلْنَعُدْ الْآنَ إلَى بَيَانِ كَلَامِ الرَّوْضَةِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ فَنَقُولُ قَدْ ذُكِرَ فِيهَا بَيْعُ الْمَاءِ قُبَيْلَ الرِّبَا وَآخِرَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ حَيْثُ قُلْت وَحَاصِلُ عِبَارَتِهَا فِي الْأَوَّلِ وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَا اُعْتِيدَ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ النَّهْرِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ كَوْنُ الْمَبِيعِ غَيْرَ مَعْلُومِ الْقَدْرِ وَكَوْنُ الْجَارِي غَيْرَ مَمْلُوكٍ وَفِي الثَّانِي قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَفْرَدَ مَاءَ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ بِالْبَيْعِ فَإِنْ بَاعَهُ مَعَ الْأَرْضِ بِأَنْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ شُرْبِهَا مِنْ الْمَاءِ فِي نَهْرٍ أَوْ وَادٍ صَحَّ وَدَخَلَ الْمَاءُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا.
وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ أَوْ حَوْضٍ مَثَلًا مُجْتَمِعًا فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ مُنْفَرِدًا وَتَابِعًا وَحَاصِلُ عِبَارَتِهَا فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْقَنَاةِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ وَيَزِيدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِطُ وَيَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ وَإِنْ بَاعَ مِنْهُ آصُعًا فَإِنْ كَانَ جَارِيًا لَمْ يَصِحَّ إذَا لَمْ يَمْلِكْ رَبْطَ الْعَقْدِ بِمِقْدَارٍ وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا وَقُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ قُلْنَا مَمْلُوكٌ فَقَالَ الْقَفَّالُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَزِيدُ فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ كَبَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَقَلِيلَةٌ فَلَا يَضُرُّ كَمَا لَوْ بَاعَ الْقَتَّ فِي الْأَرْضِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَكَمَا لَوْ
стр. 438
بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ وَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً أُخْرَى فَإِنَّ الْبَيْعَ بِحَالِهِ وَيَبْقَى الْبَيْعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ مِنْ الصُّبْرَةِ وَلَوْ بَاعَ الْمَاءَ مَعَ قَرَارِهِ نَظَرَ إنْ كَانَ جَارِيًا فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَقُلْنَا الْمَاءُ لَا يُمْلَكُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاء وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيق الصَّفْقَةِ اهـ وَلَا تَنَافِي بَيْن الْمَوْضِعَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَإِنْ تَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ أَيْ صَاحِبُ الْعُبَابِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فَقَالَ وَلَا فِي قَرَارِهِ خِلَافًا لِلشَّيْخَيْنِ بَلْ يُحْمَلُ مَا قَالَهُ فِي الثَّانِي مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَالْمِلْكِ وَفِي الْمَاءِ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَدَخَلَ الْمَاءُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا هَذَا إنْ كَانَتْ الصُّورَةُ فِي مَحَلِّ قَرَارِ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ أَمَّا إذَا أُرِيدَ مَحَلُّ النَّبْعِ فِيهِمَا بِطَرِيقِ الْقَصْدِ أَوْ مَحَلُّ النَّبْعِ أَوْ الْقَرَارُ غَيْرُ الْمَمْلُوكِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِمَا وَمَا قَالَهُ فِي الثَّالِثِ مِنْ صِحَّتِهِ فِي الْأَرْضِ فَقَطْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ إلَّا فِي الْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهَا لِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِهِ وَالْحِيلَةُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا أَنْ يَعْقِدَ عَلَى الْقَرَارِ فَيَشْتَرِيَ نَفْسَ الْقَنَاةِ أَوْ سَهْمًا مِنْهَا فَإِذَا مَلَكَ الْقَرَارَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ انْتَهَتْ وَعِبَارَةُ الْبَيَانِ لَا يَصِحُّ بَيْعُ سَهْمٍ مِنْ مَاءِ كَذَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَكَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك اللَّيْلَةَ أَوْ يَوْمًا مِنْ مَاءِ كَذَا لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَكِنَّ الْحِيلَةَ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَاءَ الْعَيْنِ أَوْ سَهْمًا مِنْهَا أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَيْنَ نَفْسَهَا أَوْ سَهْمًا مِنْهَا هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا انْتَهَتْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ الْقَنَاةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا أَوْ لَا وَإِنَّمَا الْمَمْلُوكُ الْمَحَلُّ الَّذِي يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى قَرَارِ شُرْبِهَا الْمَذْكُورِ أَوْ الْقَنَاةِ كُلِّهِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ مُعَيَّنٍ صَحَّ وَكَانَ فِي دُخُولِ الْمَاءِ الْمَوْجُودِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَإِنْ شَرَطَ دُخُولَهُ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ وَفِي الثَّانِي إذَا وَرَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى الْقَرَارِ صَحَّ بَيْعُ الْأَرْضِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ فِيهِ الْمُسَمَّى بِالشُّرْبِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ فِي الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَلَا تَدْخُلُ مَسَائِلُ الْمَاءِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ مَعَ شُرْبهَا مِنْ الْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ إلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ أَوْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا لِأَنَّ هَذَا كَمَا تَرَى فِي الشُّرْبِ الْمَمْلُوكِ وَمَا مَرَّ فِي الشُّرْبِ الْغَيْرِ الْمَمْلُوكِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الْحَاشِيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَكَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى كِتَابَةِ مَا فِيهَا كَافِيًا فِي جَوَابِ السُّؤَالِ لَكِنْ أَحْبَبْت زِيَادَةَ الْإِيضَاحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهَا مُهِمَّةٌ وَمِنْ ثَمَّ لَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ إلَى أَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْهَا أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ اعْتَرَضَ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فَقَالَ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي بَيْعِ مَاءِ الْبِئْرِ مِنْ تَعْلِيلِ عَدَمِ الْجَوَازِ بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَإِنَّ الْجَهَالَةَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا تَضُرُّ كَبَيْعِ الصُّبَرِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهَا اهـ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ فَإِنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْجَهْلِ فَقَطْ بَلْ قَالَ وَيَزِيدُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَخْ وَبِهِ انْدَفَعَ تَشْبِيهُ الْبُلْقِينِيُّ لِمَاءِ الْبِئْرِ بِالصُّبْرَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الصُّبْرَةَ يُحِيطُ الْعِيَانُ بِجَوَانِبِهَا وَيُمْكِنُ حَزْرُهَا فَيَقِلُّ الضَّرَرُ فِيهَا بِخِلَافِ مَاءِ الْبِئْرِ الْمُتَزَايِدِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِنَّ الْعِيَانَ لَا يُحِيطُ بِهِ فَيَكْثُرُ الضَّرَرُ هَذَا وَاضِحٌ لَا خِفَاءَ فِيهِ وَسَيَأْتِي عَنْ الْبُلْقِينِيُّ نَفْسِهِ مَا يُصَرِّحُ بِهِ وَقَالَ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَيَزِيدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِطُ فَيَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ. يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي صُورَةِ الْقَفَّالِ خِلَاف مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلشَّرْحِ لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ هُنَاكَ مَاءً آخَرَ يَنْبُعُ وَيَخْتَلِطُ بِالرَّاكِدِ وَالنَّبْعُ مُسْتَمِرٌّ وَلَا يَقَعُ الْبَيْعُ إلَّا مُقَارِنًا لِلِاخْتِلَاطِ اهـ وَمَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
فَإِنَّ الشَّيْخَيْنِ صَحَّحَا خِلَافَهُ وَالْمُعَوَّلُ فِي التَّرْجِيحِ لَيْسَ إلَّا عَلَيْهِمَا
إذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
وَمِنْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي صُورَةِ الْقَفَّالِ يَرِدُ بِوُضُوحٍ الْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّ الْمَاءَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مَجْهُولٌ كَمَا مَرَّ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَا جَهْلَ فِيهِ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ رَاكِدٌ وَالْمَبِيعُ
стр. 439
إنَّمَا هُوَ آصُعٌ مَعْلُومَةٌ مِنْهُ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا اخْتِلَاطُ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ الَّذِي نَظَرَ إلَيْهِ الْقَفَّالُ وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ وَقَالَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى بَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ الصُّبْرَةَ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَزِيدُ فِيهَا بِخِلَافِ صُورَة الْمَاءِ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الصُّبْرَةَ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ وَهُنَاكَ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِهَا يَنْزِلُ عَلَيْهَا مِنْ السَّقْفِ أَوْ مِنْ ثَقْبٍ فِي الْحَائِطِ وَنَحْو ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْمُخْتَلَطُ فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمُخْتَلَطُ وَبَاعَ مِنْ غَيْرِهِ صَحَّ اهـ وَقَوْلُهُ لَا يَسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ وَلَا نَظَرَ لِفَرْقِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَزِيدُ بِخِلَافِهِ هُنَا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ الزِّيَادَةَ قَلِيلَةٌ فَلَا تَضُرُّ فَكَأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَا كَلَا زِيَادَةٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اتَّضَحَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِصُورَةِ الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ.
وَقَوْلُهُ فَإِنْ فُرِضَ إلَخْ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَيْهِ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْكَلَامَ فِي صُورَةٍ لَمْ تَحْصُلْ فِيهَا زِيَادَةٌ وَأَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ نَظِيرَةُ مَسْأَلَتِنَا وَقَالَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْقَتِّ لَا يَسْتَقِيمُ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْقَتِّ مِنْ عَيْنِهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالصُّبْرَةِ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ آخَرُ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَأَيْضًا فَقَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْقَتِّ كَثِيرَةً وَقَدْ أَطْلَقُوا ثُبُوتَ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ فِي صُورَةِ الْقَتِّ وَلَا يَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي اهـ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَقْصِدْ التَّشْبِيهَ بَيْنَهُمَا إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الزِّيَادَةَ فِي كُلٍّ مِنْ الْقَتِّ وَالْمَاءِ الْمَذْكُورِ قَلِيلَةٌ تَافِهَةٌ لَا يُنْظَرُ إلَيْهَا فِي الْغَالِبِ وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ مُمَاثِلٍ لِتِلْكَ الْعَيْنِ فَانْدَفَعَ نَظَرُهُ لِذَلِكَ فِي الْفَرْقِ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ هُنَاكَ كَبِيرُ مَعْنًى وَقَوْلُهُ قَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْقَتِّ كَثِيرَةٌ يُرَدُّ بِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِبِ وَفِيمَا مِنْ شَأْنِهِ وَمِنْ شَأْنِهَا فِي الْقَتِّ وَالْغَالِبِ فِيهَا أَنَّهَا قَلِيلَةٌ فَلَا يَنْظُرُ إلَى أَنَّهَا قَدْ تَكْثُرُ.
وَقَالَ أَيْضًا وَقَوْلُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ وَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً أُخْرَى فَإِنَّ الْبَيْعَ بِحَالِهِ قِيَاسٌ مَرْدُودٌ فَإِنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى الصَّاعِ مِنْ الصُّبْرَةِ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ وَصَحَّ وَفِي صُورَةِ الْمَاءِ وَنَحْوهَا وَقَعَ الْبَيْعُ مُقَارِنًا لِلِاخْتِلَاطِ فَلَمْ يَصِحَّ اهـ وَلَيْسَ الْقِيَاسُ مَرْدُودًا كَمَا زَعَمَهُ بَلْ هُوَ مَقْبُولٌ فَإِنَّ حُدُوثَ الْخَلْطِ وَلَوْ فِي مَجْلِسِ الْبَيْعِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ مَعَ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَاقِعِ فِي الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ مُقَارَنَتُهُ لِلْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ لَا تَمْنَعُهُ وَاعْتَرَضَ أَيْضًا قَوْلَهُ وَيَبْقَى الْبَيْعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ مِنْ الصُّبْرَةِ بِاعْتِرَاضٍ أَعْرَضْتُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَاعْتَرَضَ أَيْضًا قَوْلَ الرَّوْضَةِ وَلَوْ بَاعَ الْمَاءَ مَعَ قَرَارِهِ نَظَرَ إنْ كَانَ جَارِيًا إلَخْ فَقَالَ وَهُوَ كَلَامٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِي صُورَةِ الْجَارِي فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْجَرَيَانِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ بَيْعِ الْمَاءِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمَذْكُورَ مَمْلُوكٌ إذَا كَانَ الْجَرَيَانُ يَنْتَهِي إلَى مَقْطَعٍ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يَنْتَهِي إلَى نُزُولٍ فِي بَحْرٍ وَنَحْوه فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِيهِ.
وَمَا نَزَلَ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ كَتَلَفِ بَعْضِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ اهـ وَقَوْلُهُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِمَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ وَقَوْلُهُ مُجَرَّدُ الْجَرَيَانِ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِمَا مَرَّ مِنْ الْجَهْلِ بِقَدْرِهِ وَعَدَمِ إمْكَانِ تَسْلِيمِهِ وَكَوْنُهُ يَنْتَهِي إلَى مَقْطَعٍ يُمْكِنُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ لِنُدْرَةِ إمْكَانِ ذَلِكَ وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَا تَلِفَ بِنُزُولِهِ إلَى نَحْوِ بِئْرٍ كَتَلَفِ بَعْضِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأَنَّ الصُّورَةَ فِي تَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّهُ كَانَ تَسَلَّمَهُ قَبْلَ تَلَفِهِ حِينَ الْبَيْعِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ هُنَا وَمِنْهَا أَنِّي ذَكَرْت الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا مَرَّ وَعِبَارَتُهُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَاءِ بِئْرٍ أَوْ قَنَاةٍ دُونَهُمَا لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَيَزِيدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ وَيَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَخْذِهِ الْآنَ صَحَّ.
وَكَذَا يَصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ مَاءِ بِئْرٍ أَوْ قَنَاةٍ رَاكِدٍ لِقِلَّةِ زِيَادَتِهِ فَلَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الْجَارِي إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَبْطُ الْعَقْدِ بِمِقْدَارٍ مَضْبُوطٍ مِنْهُ لِعَدَمِ وُقُوفِهِ وَبَيْع بِئْرٍ مَعَ مَائِهَا الظَّاهِرِ أَوْ جُزْئِهَا الشَّائِعِ إنْ عُرِفَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عُمْقُهَا وَمَا يَنْبُعُ فِي الثَّانِيَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَإِنْ اشْتَرَاهَا أَوْ جُزْأَهَا الشَّائِعَ دُونَ الْمَاءِ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءُ وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا لَوْ بَاعَ مَاءَ الْقَنَاةِ مَعَ قَرَارِهِ وَالْمَاءُ جَارٍ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَرَدُّهُ
стр. 440
جَمَعَ بِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعه إذَا كَانَ مَجْهُولًا وَبِيعَ مَعَ غَيْرِهِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ بِالْقِسْطِ وَالْقِسْطُ غَيْرُ مُمْكِنٌ لِلْجَهَالَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُشْكِلَ إنَّمَا هُوَ إجْرَاءٌ خِلَاف تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْقَرَارِ وَأَمَّا عَدَمُ الصِّحَّةِ فِي الْمَاءِ فَمُرَادُهُ بِذَاتِهِ لَا يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ إلَّا فِي الْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَمِنْ ثَمَّ صُرِّحَ فِيهَا قُبَيْلَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهِمَا أَيْ فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَالْمِلْكِ وَفِي الْمَاءِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا خِلَافًا لِمَنْ ظَنَّهُ وَالْكَلَامُ فِي مَحَلِّ قَرَارِ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ.
أَمَّا مَحَلُّ نَبْعِهِ الْمَمْلُوكُ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا بِطَرِيقِ الْقَصْدِ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ وَأَمَّا مَحَلُّ نَبْعِهِ أَوْ قَرَارُهُ غَيْرُ الْمَمْلُوكِ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا وَخَرَجَ بِقَوْلِ الشَّيْخَيْنِ جَار الْوَاقِف فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِ أَيْضًا إنْ عُرِفَ الْعُمْقُ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ نَصِيبِهِ مِنْ مَاءٍ جَارٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَحْوَ الْقَنَاةِ أَوْ بَعْضِهَا لِيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَمِنْهَا أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الشُّرْبُ مِنْ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ وَجَوَابُهُ أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ مَرَّ أَنَّ الْمَاءَ إنْ مُلِّكَ مَحَلُّ نَبْعِهِ كَانَ مَمْلُوكًا أَوْ مَحَلُّ وُصُولِهِ وَقَرَارِهِ كَانَ مُسْتَحَقًّا وَإِنْ لَمْ يُمَلَّكْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا فَالشُّرْبُ مِنْ الثَّالِثِ ظَاهِرٌ وَكَذَا مِنْ الثَّانِي وَيَجُوزُ دُخُولُ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لِأَخْذِهِ وَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ اُعْتِيدَ دُخُولُ النَّاسِ لَهُ قَالَهُ الْعَبَّادِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَإِطْلَاقُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُدْلِيَ فِيهِ دَلْوًا ضَعِيفٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ دَارَ إنْسَانٍ أَوْ مِلْكِهِ الَّذِي لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنَّ النَّاسَ يَطْرُقُونَهُ فَإِنَّ الدُّخُولَ لَهُ حِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْمَالِكِ.
وَأَمَّا الشُّرْبُ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَفِلُ بِهِ مُلَّاكُهُ وَاطَّرَدَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَحَدًا جَازَ الشُّرْبُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي مُلَّاكِهِ مَنْ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ كَصَغِيرٍ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَأَلْحَقَ بِهِ الْتِقَاطَ السَّنَابِلِ فَيَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مَالِكُهَا صَغِيرًا وَنَحْوه قَالَ بِخِلَافِ الْإِعْرَاضِ عَنْ كِسْرَةٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إعْرَاضُهُ وَعَلَى تَسْلِيمِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْتِقَاطِ السَّنَابِلِ وَالْإِعْرَاض عَنْ الْكِسْرَةِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ السَّنَابِلَ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهَا بِالْأَخْذِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سُقُوطِ شَيْءٍ مِنْهَا فَبَعْضُهَا فَائِتٌ عَلَى الْمَالِكِ ضَرُورَة فَحِينَئِذٍ لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ فِي مَالِكهَا بَيْنَ صِحَّةِ إعْرَاضِهِ وَعَدَمِهَا لِأَنَّ الْآخِذَ مِنْهَا لَيْسَ مَلْحَظُهُ الْإِعْرَاضَ عَنْهَا حَتَّى نَعْتَبِرَ فِي الْمَالِكِ أَهْلِيَّةَ الْإِعْرَاضِ بِخِلَافِ الْكِسْرَةِ فَإِنَّ سَبَبَ أَخْذِهَا الْإِعْرَاضُ فَاعْتُبِرَ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمُعْرِضُ مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْإِعْرَاضِ وَمِنْهَا أَنَّ مَا يُسْقَى مِنْ الْعُيُونِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الشِّرَاءُ هَلْ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَاءَ إنْ وَصَلَ إلَى زَرْعِهِ أَوْ نَخْلِهِ مِنْ غَيْرِ شِرَاءٍ وَلَا ضَمَانٍ وَجَبَ فِيهِ الْعُشْرُ.
وَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ بِشِرَاءٍ صَحِيحٍ فَإِنْ صَدَرَ عَلَى الْقَرَارِ دَخَلَ الْمَاءُ فِي الْبَيْعِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عَلَى الْمَاءِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ وَجَبَ فِيمَا يَزْرَعُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْعُشْرِ لِحُصُولِ الْمَاءِ الَّذِي لِلزَّرْعِ بِالْمُؤْنَةِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَمَا يُزْرَعُ بَعْد ذَلِكَ فَيَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ وَإِنْ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِمَّا قَابَلَ الْمَاءَ فَالْوَاجِبُ مِمَّا يُزْرَع بِالْمَاءِ الْمَذْكُورِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يَتَنَاوَلُ كَلَامُ ابْنِ كَجٍّ الْآتِي مَا إذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ وَالْمَاءِ الْمَوْجُود لِأَنَّ الْمَاءَ وَإِنْ قَابَلَهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ حَيْثُ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَاءِ تُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ فِي الزِّرَاعَةِ الثَّانِيَةِ وَنَحْوهَا وَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ ضَمِنَ الْمَاءَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ فَكُلُّ مَا يَسْقِيه بِهِ يَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَحَيْثُ تَوَجَّهَ الشِّرَاءُ إلَى الْمَاءِ وَحْدَهُ فِي كُلِّ زَرْعَةٍ وَجَبَ نِصْفُ الْعُشْرِ وَحَيْثُ لَمْ يَمْلِكْ مَحَلَّ النَّبْعِ لَمْ يَصِحَّ شِرَاءُ الْمَاءِ الَّذِي لَا مِلْكَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ فَإِنْ اشْتَرَاهُ وَزَرَعَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْعُشْرُ وَرَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ.
بِخِلَافِ مَنْ زَرَعَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَمْلُوكٍ اشْتَرَاهُ فَاسِدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْعُشْرِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَاءَ فِيهِمَا وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ خِلَافٍ طَوِيلٍ فِي الْمَسْقِيِّ
стр. 441
بِمَاءِ الْقَنَوَاتِ وَالسَّوَّاقِي مِنْ النَّهْرِ الْعَظِيمِ أَنَّ فِيهِ الْعُشْرَ وَلَا نَظَرَ لِمُؤْنَةِ الْقَنَوَاتِ وَإِنْ كَثُرَتْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا إصْلَاحُ الضَّيْعَةِ وَالْأَنْهَارِ تُشَقُّ لِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ وَإِذَا تَهَيَّأَتْ وَصَلَ الْمَاءُ إلَى الزَّرْعِ مَرَّةً بَعْد أُخْرَى بِخِلَافِ السَّقْي بِنَحْوِ النَّوَاضِحِ فَإِنَّ مُؤْنَتَهُ تَتَحَمَّلُ لِنَفْسِ الزَّرْعِ وَمِنْهَا أَنَّ السَّائِلَ ذَكَر أَنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ ذَكَرَ بَيْعَ الْمَاءِ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ أَيْضًا وَعِبَارَتُهَا فِيهِ لَا تُدْخِلُ مَسَايِلَ الْمَاءِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شُرْبُهَا مِنْ الْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ إلَّا أَنْ يَشْرِطَ أَوْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا وَفِي وَجْهٍ لَا يَكْفِي ذِكْرُ الْحُقُوقِ فَرْعٌ) لَوْ كَانَ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ بِئْرُ مَاءٍ دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ وَالْمَاءُ الْحَاصِلُ فِي الْبِئْرِ حَالَ الْبَيْعِ لَا يَدْخُلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي وَجْهٍ يَدْخُلُ كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ لِلْفَرْقِ وَإِنْ شَرَطَ دُخُولَهُ فِي الْبَيْعِ صَحَّ عَلَى قَوْلنَا الْمَاءُ مَمْلُوكٌ بَلْ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ دُون هَذَا الشَّرْطِ وَإِلَّا اخْتَلَطَ الْمَاءُ الْمَوْجُودُ لِلْبَائِعِ بِمَا يَحْدُثُ لِلْمُشْتَرِي وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ.
قُلْت فَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ صَحَّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا بَلْ لَا يَجُوزُ شَرْطُهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِهِ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ تَوَحَّلَ صَيْدٌ فِي أَرْضِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذِكْرُ الْخِلَافِ فِي الْمَاءِ وَفُرُوعِهِ يَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَتْ عِبَارَتُهَا وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَمْ تُسَقْ لِبَيَانِ حُكْمِ الْمَاءِ بَلْ لِبَيَانِ أَنَّهُ يَجِبُ شَرْطُ دُخُولِهِ أَوَّلًا ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا اُسْتُشْكِلَ بِقَوْلِهِمْ صَحَّ بَيْعُ دَارٍ بِدَارٍ وَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ بِئْرٍ مَاءٌ وَلَا إشْكَالَ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَاءِ تَابِعًا بِالْإِضَافَةِ لَا يُنَافِيه كَوْنُهُ مَقْصُودًا فِي نَفْسه حَتَّى يَشْتَرِطَ التَّعَرُّضَ لَهُ فِي الْبَيْعِ كَمَا ذُكِرَ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَابِعٌ بِالْإِضَافَةِ اُغْتُفِرَ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ اُعْتُبِرَ التَّعَرُّضُ لَهُ فِي الْبَيْعِ لِيَدْخُلَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ وَمَا يَشْتَرِطُ الرُّؤْيَة مِنْهُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَاءَ حَيْثُ كَانَ مَمْلُوكًا وَوَرَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ الْمَعْلُومِ مِمَّا مَرَّ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ حَالَ الْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ تَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِهَا وَكَذَا سَائِرُ الْمُتَمَاثِلَاتِ وَالْمَاء مِنْهَا فَتَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِ الْمَاءِ الْمَوْجُودِ فِي الْبِئْرِ وَنَحْوهَا وَقَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ لَا تُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ ضَعِيفٌ وَإِنْ أَفْتَى بِهِ جَمْعٌ وَكَذَلِكَ تُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَحَلِّهِ فَفِي الْبِئْرِ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ مَا يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ بِهِ عِنْد أَهْلِ الْخِبْرَةِ مِنْ جُدْرَانِهَا وَنَحْوهَا وَفِي نَحْوِ الْقَنَاةِ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَتِهَا جَمِيعًا بِأَنْ يُحْبَسَ الْمَاءُ عَنْهَا وَلَا تَكْفِي رُؤْيَتُهَا مِنْ وَرَائِهِ وَإِنْ كَانَ صَافِيًا بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْإِجَارَةِ كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ هَذَا مَا تَيَسَّرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الطَّوِيلَةِ الذَّيْل، وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ فِي شَخْصٍ وَجَدَ جَارِيَةً ذَاهِبَةً فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً وَصَارَ يَبْحَثُ عَنْ مَالِكهَا فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ ثُمَّ إنَّهُ تَضَرَّرَ بِسَبَبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا فَرَفَعَ أَمْرَهَا إلَى قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ شَافِعِيٍّ وَأَخْبَرَهُ بِالْقَضِيَّةِ ثُمَّ إنَّ الْقَاضِي اقْتَضَى رَأْيُهُ الْكَرِيمُ أَنْ يَبِيعَهَا عَلَيْهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَيَجْعَلهُ تَحْت يَدِ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ لِأَمَانَتِهِ وَدِينِهِ فَأَرْسَلَ إلَى أَرْبَابِ الْخِبْرَةِ مِنْ الدَّلَّالِينَ وَثَمَّنُوا الْجَارِيَةَ الْمَذْكُورَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَأَذِنَ الْقَاضِي لِلشَّخْصِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَدْفَع ثَمَنَ الْجَارِيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِمَالِكِهَا إذَا وَجَدَهُ أَوْ لِوَكِيلِهِ أَوْ لِقَيِّمٍ شَرْعِيٍّ عَنْهُ فَاسْتَمَرَّتْ الْجَارِيَةُ الْمَذْكُورَةُ تَحْت يَدِ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ الْوَطْءُ صَحِيحٌ جَائِزٌ وَالْأَوْلَادُ مِنْهَا أَحْرَارٌ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ وَهَلْ يَبْرَأُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الْقَاضِي الْمَذْكُورِ بَعْد مَوْتِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ وَحَكَمَ بِالْقَضِيَّةِ الْمَشْرُوحَةِ أَعْلَاهُ فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ وَإِذَا تَعَذَّرَ شَاهِدٌ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هَلْ يَكْفِي يَمِينُ الشَّخْصِ مَعَ الْوَاحِدِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) إذَا تَوَفَّرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي بَيْع الْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ فَبَاعَهَا الْقَاضِي بَيْعًا صَحِيحًا بِشُرُوطِهِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ حَالًا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ مَلَكهَا الْمُشْتَرِي وَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا فَالْأَوْلَادُ مِنْهَا أَحْرَار وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ فَلَيْسَ لِمَالِكِهَا أَخْذُهَا مِنْهُ وَإِنَّمَا لَهُ الثَّمَنُ فَقَطْ وَإِذَا وَافَقَ ظَاهِرُ الْأَمْر بَاطِنَهُ الْمَذْكُورَ كَانَ الْمُشْتَرِي بَرِيئًا فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْقَاضِي بِمَا ذُكِرَ إلَّا بِعَدْلَيْنِ وَلَا يَكْفِي عَدْلٌ وَيَمِينٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ اشْتَرَى دَارًا وَقَبَضَهَا ثُمَّ أَسْكَنَهَا شَخْصًا آخَرَ ثُمَّ بَعْد
стр. 442
مُدَّةٍ أَقَرَّ بِأَنَّ الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ مِلْكٌ مِنْ أَمْلَاكِ السَّاكِنِ الْمَذْكُورِ وَصَدَّقَهُ السَّاكِنُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ مُسْتَمِرًّا عَلَى سُكْنَاهُ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمُقِرُّ الْمَذْكُورُ فَادَّعَى بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَعْنِي الْمُقِرَّ الْمَذْكُورَ أَنَّ الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ حَالَ الْإِقْرَارِ مَبِيعَةٌ لِشَخْصٍ مَعْلُومٍ بَيْعَ عِدَّةٍ وَأَمَانَةٍ فَهَلْ تُسْمَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْ الْوَارِثِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى الْمُشْتَرِي أَوْ تُسْمَعُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِذَا سُمِعَتْ الدَّعْوَى مِمَّنْ يُسَوِّغُ وَثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ فَهَلْ تُنْزَعُ الدَّارُ مِنْ السَّاكِن أَوْ لَا وَإِذَا اُنْتُزِعَتْ فَعَادَتْ إلَى الْوَارِثِ بِإِقَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ أَوْ لَا وَهَلْ عَوْدُهَا إلَى الْوَارِثِ بِغَيْرِ إقَالَةٍ كَعَوْدِهَا بِهَا أَمْ لَا وَأُجْرَة الْمِثْلِ مُدَّةَ السُّكْنَى بِالدَّارِ الْمَذْكُورَةِ تَلْزَمُ السَّاكِنَ إذَا قُلْتُمْ بِفَسَادِ الْإِقْرَارِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بَيْعُ الْعِدَّةِ الْخَالِي عَنْ الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ صَحِيحٌ عِنْدنَا فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ الدَّعْوَى بِهِ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَمَحِّضٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ.
فَإِنْ أَثْبَتَ الشِّرَاء مِنْ الْمَيِّتِ قَبْلَ إقْرَارِهِ انْتَزَعَ الْعَيْنَ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ وَيَلْزَمُهُ لِلْمُشْتَرِي أُجْرَةُ مِثْلِهَا مُدَّةَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا وَهِيَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَحَيْثُ عَادَتْ لِلْوَارِثِ فَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا لِمُوَرِّثِهِ فِي إقْرَارِهِ انْتَزَعَهَا الْمُقَرّ لَهُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُوَرِّثِهِ فَإِنْ كَانَ يَسْلُبُ الْعَوْدَ إلَيْهِ إرْثه كَالْإِقَالَةِ انْتَزَعَهَا مِنْهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ مُوَرِّثِهِ أَوَّلًا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَمْ يَنْتَزِعْهَا مِنْهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلهمْ لَوْ تَزَوَّجَ بِمَجْهُولَةٍ فَاسْتَلْحَقَهَا أَبُوهُ وَلَمْ يَصْدُقهُ لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ لَهُ ضَيْعَةٌ بِهَا شِرْبٌ مِنْ الْمَاءِ فَبَاعَهَا مِنْ آخَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ الشِّرْبَ فَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ أَبِعْهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ لِي وَقَالَ الْمُشْتَرِي مَا بَذَلْت الْمَالَ الْكَثِيرَ إلَّا لِلضَّيْعَةِ وَشِرْبهَا مَا الْحُكْمُ وَإِذَا قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُكهَا وَأَبَحْت لَك شُرْبهَا بِكَذَا فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ قَالَ أَرَدْنَا بِهَذَا اللَّفْظِ الْبَيْعَ فِي الْجَمِيعِ فَقَالَ الْبَائِعُ بَلْ فِي الْأَرْضِ فَقَطْ وَإِذَا قَالَ بِعْتُكهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَبِعْتُكَ شِرْبَهَا بِخَمْسِينَ أَوْ وَأَبَحْته لَك بِخَمْسِينَ فَقَالَ قَبِلْتُ بِمِائَةٍ مَا الْحُكْمُ وَلَوْ بَاعَ بِكِنَايَةٍ ثُمَّ مَاتَ أَوْ غَابَ وَلَمْ تُعْلَم نِيَّتُهُ مَا حُكْمُهُ وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ ضَيْعَةً فَأَحْدَثَ فِيهَا عِمَارَةً عَيْنًا وَأَثَرًا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ عَلَى الْبَائِعِ وَأَخْذُ الْعَيْنِ أَمْ لَا وَمَنْ اشْتَرَى ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ وَعَكْسُهُ مِنْ الْمُصَدِّقِ.
(فَأَجَابَ) الْمَنْقُولُ أَنَّ بَيْعَ الْأَرْضِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَسِيلُ الْمَاءِ وَلَا شِرْبُهَا بِكَسْرِ الشِّين أَيْ نَصِيبَهَا مِنْ الْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ حَتَّى يَشْتَرِطَ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُ بِعْتُك الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا أَوْ بِشِرْبِهَا قَالَ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ وَمَحَلُّ هَذَا فِي الْخَارِجِ مِنْ ذَلِكَ عَنْ الْأَرْضِ أَمَّا الدَّاخِلُ فِيهَا فَلَا رَيْبَ فِي دُخُولِهِ اهـ وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرُوهُ هُنَا قَوْلُهُمْ لَوْ اكْتَرَى أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ أَوْ غِرَاسٍ دَخَلَ الشِّرْبُ وَنَحْوه مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَأْجَر لَهَا ثُمَّ لَا تَتِمُّ بِدُونِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ إلَّا بِالشَّرْطِ بِقَيْدِهِ الْمَذْكُور إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَحَيْثُ اتَّفَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى عَدَمِ ذِكْرِ الشِّرْبِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ إنْ كَانَ دَاخِلًا فِي الْأَرْضِ مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي وَلَا نَظَرَ لِكَلَامِ الْبَائِعِ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْك الْبَائِعِ وَلَا حَقَّ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ وَإِنْ قَالَ إنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ الْمَاءَ فِي مُقَابَلَةِ الْأَرْضِ مَعَهُ لِأَنَّ الْقُصُودَ وَالنِّيَّاتِ لَا تُعْتَبَرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِمَّا الْمَدَارُ فِيهِ عَلَى اللَّفْظِ وَحْدَهُ وَلَا تَأْثِيرَ فِيهِ لِلنِّيَّةِ وَحْدَهَا فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتنِي الْأَرْض مَعَ شِرْبِهَا وَقَالَ الْبَائِع إنَّمَا بِعْتُك الْأَرْضَ وَحْدَهَا تَحَالُفًا حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا أَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَمِينًا يَجْمَعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
ثُمَّ إنْ اسْتَمَرَّ نِزَاعُهُمَا فَسَخَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ الْحَاكِمُ وَقَوْلُ السَّائِلِ وَإِذَا قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُكهَا وَأَبَحْت لَك شِرْبَهَا بِكَذَا إلَخْ يَحْتَاجُ الْجَوَابُ عَنْهُ إلَى مُقَدِّمَةِ أَنْ أَبَحْتك إيَّاهُ بِكَذَا هَلْ هُوَ مِنْ كِنَايَاتِ الْبَيْعِ وَفِيهَا خِلَافٌ حَرَّرْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعِبَارَتُهُ وَلَيْسَ مِنْهَا أَيْ الْكِنَايَةِ أَبَحْتُك إيَّاهُ بِكَذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْإِبَاحَةِ مَجَّانًا فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهَا اهـ قَالَ شَيْخُنَا أَيْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِلَّا أُشْكِلَ بِانْعِقَادِهِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ الْمُصَرَّح فِيهِ بِأَنَّهُ مَعَ ذِكْرِ الْعِوَضِ صَرِيحٌ فِي الْبَيْعِ اهـ وَيُجَاب بِأَنَّ اقْتِرَانَ الْعِوَضِ بِالْهِبَةِ يَمْنَعُ انْصِرَافَهَا لِمَعْنَاهَا مِنْ التَّمَكُّنِ مَجَّانًا وَيَصْرِفُهَا إلَى التَّمْلِيكِ بِعِوَضٍ بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ
стр. 443
لَهَا مَعْنًى مُسْتَقِرٌّ حَتَّى يَكُونَ ذِكْرُ الثَّمَنِ صَارِفًا لَهُ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الِانْتِفَاعِ لَا فِي تَمْلِيكِ الْعَيْنِ كَمَا حَقَّقْته فِي بَعْض الْفَتَاوَى أَخْذًا مِنْ كَلَامهمْ ثُمَّ أَنْ تَأْتِيَ الِانْتِفَاعَ بِغَيْرِ اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ كَانَتْ كَالْإِعَارَةِ وَإِلَّا كَانَتْ كَالضِّيَافَةِ فَيَمْلِكُ قُبَيْلَ الِازْدِرَاءِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْكِنَايَةِ هُنَا لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ ابْتِدَاءً بِوَجْهٍ انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ لَفْظَ الْإِبَاحَةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كِنَايَاتِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِعْتُك الْأَرْضَ وَأَبَحْتُكَ شِرْبَهَا بِكَذَا مُشْتَمِلًا عَلَى مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهُوَ الْأَرْضُ وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعه وَهُوَ الشِّرْبُ مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْإِبَاحَةِ فِيهِ فَتَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْأَرْضِ وَيَبْطُلُ فِي الشِّرْب وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إنْ جَهِلَ مَا ذُكِرَ فِي الْإِبَاحَةِ فَإِنْ أَجَازَ الْبَيْعَ أَوْ عَلِمَ حُكْمَ الْإِبَاحَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قِسْطُ الْأَرْضِ مِنْ الثَّمَنِ بِاعْتِبَارِ تَوْزِيعِهِ عَلَى قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الشِّرْبِ فَإِذَا قِيلَ قِيمَتُهَا مِائَةٌ وَقِيمَةُ الشِّرْبِ عِشْرُونَ خَصَّهَا مِنْ الثَّمَنِ خَمْسَة أَسْدَاسِهِ وَبَطَلَ الْبَيْعُ فِي سُدُسِهِ الْمُقَابِلِ لِلشُّرْبِ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الثَّمَنِ فَقَطْ وَقَوْلُ الْبَائِعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَعْنِي قَوْله بِعْتُكهَا وَأَبَحْت لَك شِرْبهَا بِكَذَا إنَّمَا أَرَدْت الْبَيْعَ فِي الْأَرْضِ فَقَطْ أَيْ حَتَّى يَجِبَ كُلّ الثَّمَنِ وَيَأْخُذَ الشِّرْبَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِأَنَّ لَفْظَهُ يُنَاقِضُ مَنْوِيَّهُ فَيَلْغُو وَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْأَرْضِ بِقِسْطِهَا مِنْ الثَّمَنِ فِي الشِّرْبِ وَمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا تَقَرَّرَ وَقَوْلُ السَّائِلِ وَإِذَا قَالَ بِعْتُكَهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا إلَخْ يُحْتَاجُ لِمُقَدَّمَةٍ أَيْضًا هِيَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا خِلَافًا فِي عَكْسِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ قَبِلْت نِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَنِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي هَذِهِ فَقَالَ قَبِلْت نِصْفه بِخَمْسِمِائَةٍ وَنِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ أَيْ فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَا أَشْعُرُ بِهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَمَال إلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ لَكِنْ أَقَرَّ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ الْمُتَوَلِّي عَنْ الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ مَعَ تَسْلِيمِهِ اسْتِشْكَالَ الرَّافِعِيِّ لَهَا بِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ عَقْدًا فَقَبِلَ عَقْدَيْنِ لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ وَلَوْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَلَا تَنَافِي خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ لِأَنَّهُ سَلَّمَ الصِّحَّةَ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ وَالِاسْتِشْكَالَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ نَوَى تَفْصِيلَ مَا أَجْمَله الْبَائِعُ دُونَ تَعَدُّدِ الْعَقْدِ صَحَّ وَإِنْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى تَعَدُّدَ الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْكَلَامَانِ ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُمْ الصَّفْقَةُ تَتَعَدَّدُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا وَقَعَ التَّفْصِيلُ مِنْ جِهَةِ مَنْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ كَ (بِعْتُكَ) بِهَذَا نِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَنِصْفه بِخَمْسِمِائَةٍ فَيَقُولُ قَبِلْت أَوْ قَبِلْته بِأَلْفٍ لِأَنَّ الْقَبُولَ حِينَئِذٍ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِيجَابِ الْمُفَصَّلِ فَوَقَعَ مُفَصَّلًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَجْمَلَ الْبَائِعُ أَوَّلًا وَفَصَّلَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ أَوْجَدَ مَا يُنَافِي الْإِجْمَالَ فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقَالَ إنَّ قَبُولَهُ وَقَعَ مُجْمَلًا فَفَصَّلْنَا فِيهِ بَيْن أَنْ يَقْصِد تَفْصِيل ذَلِكَ فَيَصِحّ أَوَّلًا فَيَبْطُل.
أَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ التَّفْصِيل مِنْ حَيْثُ هُوَ يُنَافِي الْإِجْمَال وَقَضِيَّة كَلَامه خِلَافًا لِلشَّارِحِ أَيْ الْجَوْجَرِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِدِرْهَمٍ وَهَذَا بِدِينَارٍ فَقَالَ قَبِلْت أَحَدَهُمَا صَحَّ أَوْ بِعْتُك هَذَيْنِ بِأَلْفٍ كُلّ وَاحِدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ فَقَبِلَ أَحَدَهُمَا صَحَّ لِلتَّوَافُقِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ صَفْقَتَيْنِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَفِي بِعْتُك سَالِمًا وَغَانِمًا هَذَيْنِ بِأَلْفٍ يَصِحُّ قَبُولُهُمَا بِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَالِمًا مِنْ غَانِمٍ بِخِلَافِ سَالِمٍ بِأَلْفٍ وَغَانِمٍ بِخَمْسِمِائَةٍ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى قَبُولِ أَحَدِهِمَا هُنَا جَائِزٌ فَاشْتَرَطَ أَنْ يَعْرِفَهُمَا حَتَّى يَقْبَلهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا وَثَمَّ يَتَعَيَّنُ قَبُولُهُمَا مَعًا أَوْ تَرْكُهُمَا مَعًا فَلَا فَائِدَةَ لِمَعْرِفَتِهِمَا انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَمِنْهَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُكهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَشِرْبهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَقَالَ قَبِلْت بِمِائَةٍ صَحَّ فِيهِمَا وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُكهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَأَبَحْت لَك شِرْبهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَقَالَ قَبِلْت بِمِائَةٍ صَحَّ فِي الْأَرْضِ بِخَمْسِينَ وَلَا يَصِحُّ فِي الشِّرْب وَالْحُكْمِ فِي هَذِهِ وَاضِحٌ مِمَّا قَدَّمْته فِي بِعْتُكهَا وَأَبَحْت لَك شِرْبَهَا بِكَذَا.
وَأَمَّا الْأُولَى فَوَجْهُ الصِّحَّةِ فِيهَا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَرْته فِي بِعْتُك هَذَا بِدِرْهَمٍ وَهَذِهِ بِدِينَارٍ أَنَّهُ فِي صُورَتِنَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَبُولِ الْأَرْضِ وَالشِّرْب مَعًا وَقَبُول أَحَدِهِمَا وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ قَبُولَهُمَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ
стр. 444
يَقُولَ قَبِلْت الْأَرْضَ بِخَمْسِينَ وَالشِّرْبَ بِخَمْسِينَ أَوْ يَقُولَ قَبِلْتهمَا بِمِائَةٍ لِمَا عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْته فِي نِصْفِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَنِصْفِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ أَنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ تَعَدَّدَتْ بِتَفْصِيلِ الْبَائِعِ لِكَوْنِهِ ابْتَدَأَ بِالتَّفْصِيلِ فَيَكُون الْقَبُولُ عَلَى وَفْقِهِ سَوَاءٌ أَوَقَعَ مُفَصَّلًا مِثْله أَمْ مُجْمَلًا كَمَا بَيَّنْته فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِي وَقَوْلِهِمْ الصَّفْقَةُ تَتَعَدَّدُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ يَحْمِلُ عَلَى مَا إذَا وَقَعَ التَّفْصِيلُ مِنْ جِهَةِ مَنْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ إلَخْ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّ فِيهِ الْفَرْقَ بَيْن صُورَتِنَا هَذِهِ الْمَذْكُورَةَ فِي السُّؤَالِ وَعَكْسَهَا الَّتِي هِيَ صُورَةُ الْخِلَافِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ آنِفًا وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ بِالْكِنَايَةِ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ نَوَى بِهَا الْبَيْعَ أَوْ الشِّرَاءَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا وَكَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُحَقَّقُ فَلَا يُعْدَل عَنْهُ إلَّا بِيَقِينٍ وَأَمَّا إذَا غَابَ فَيَنْتَظِرُ إلَى أَنْ يَحْضُرَ أَوْ يُرْسَلَ إلَيْهِ حَتَّى تُعْلَمَ نِيَّتُهُ.
[تَنْوِيرُ الْبَصَائِرِ وَالْعُيُونِ بِإِيضَاحِ حُكْمِ بَيْعِ سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ الْعُيُونِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا بِجَوَابٍ مُخْتَصَرٍ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ الْمُفْتِينَ أَفْتَى فِيهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ فَصَنَّفَ فِيهَا تَصْنِيفًا سَمَّاهُ بِتَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ وَالْعُيُونِ بِإِيضَاحِ حُكْمِ بَيْعِ سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ الْعُيُونِ وَقَدْ أَرَدْت أَنْ أَذْكُرَهُ بِرُمَّتِهِ هُنَا وَإِنْ كَانَ تَصْنِيفًا مُسْتَقِلًّا لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْفَتَاوَى بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ وَذَلِكَ التَّصْنِيفُ (أَحْمَدُك) اللَّهُمَّ أَنْ أَبْقَيْت فِي هَذَا الْعَالَمِ طَائِفَةً ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ إلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَنْجُو بِهَا مِنْ أَنْ أُنْظَمَ فِي سِلْكِ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ لِمَا أَنَّهُ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ قَاصِمًا لِظُهُورِ الْمُعَانِدِينَ بِحُجَّةِ مَنْطِقِهِ وَفَحْوَاهُ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَمْ يَخْشَوْا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِمَا سِوَاهُ مَا قَامَ بِنُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ مَنْ فَرَغَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وَرَاقَبَهُ فِي سِرِّهِ وَنَجَوَاهُ (أَمَّا بَعْدُ) .
فَإِنَّ الْعِلْمَ بِحَمْدِ اللَّهِ لَمْ تَزُلْ أَنْدِيَتُهُ غَاصَّةً بِأَهْلِهَا وَرِيَاضُهُ مُغْدِقَةً بِوَبْلِهَا وَحَدَائِقُهُ بِهَا حَدَقُ التَّحْقِيقِ مُحَدِّقَةٌ وَرُبُوعُهُ مَحْفُوظَةٌ بِلَوَامِعِ الْحُجَجِ الْمُوَثَّقَةِ وَعَرَائِسُهُ سَافِرَةُ النِّقَابِ لِمَنْ بَذَلَ لَهَا مِلْكَ نَفِيسَهُ مَصُونَةَ الْحِجَابِ عَمَّنْ تَطَاوَلَ إلَيْهَا بِمُجَرَّدِ تَمَنِّيه وَهَوِيسه وَأَهْلُهُ هُمْ قِوَامُ الدِّينِ وَقِوَامُهُ وَبِهِمْ ائْتِلَافُهُ وَانْتِظَامُهُ وَعَلَيْهِمْ الْمُعَوَّلُ فِي عَقْلِ الشَّوَارِدِ وَتَقْيِيدِ الْأَوَابِد بِمُحَكِّمِ الْبُرْهَانِ وَوَاضِحِ التِّبْيَانِ لِمَا أَنَّ اللَّهَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقَ أَنْ يُبَيِّنُوهُ وَلَا يَكْتُمُوهُ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا كَاَلَّذِينَ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَطَرَحُوهُ فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِقَ بِأَذْيَالِهِمْ وَدَخَلَ تَحْت نِعَالِهِمْ وَتَأَسَّى بِأَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَتَأَهَّلَ لِفَهْمِ عِبَارَاتهمْ وَأَحَاطَ بِإِشَارَاتِهِمْ أَنْ لَا يَجْمُدَ عَلَى ظَوَاهِرِ الْعِبَارَاتِ وَأَنْ لَا يَرْكَنَ إلَى الْبِدْعَةِ وَالْعِنَادِ أَوْ الْجَهْلِ أَوْ الْبَطَالَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَكَفِّلٌ بِالْحِرْمَانِ وَقَاضٍ بِالْخِذْلَانِ نَسْأَلُ اللَّهَ النَّجَاةَ مِنْ الْمَهَالِكِ وَأَنْ يَسْلُكَ بِنَا أَوْضَحَ الْمَسَالِكِ أَنَّهُ بِكُلِّ خَيْرٍ كَفِيلِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
هَذَا وَالدَّاعِي لِي الْآن ثَالِثُ رَجَب أَسْأَلُ اللَّهَ نَيْلَ الْإِرْبَ إلَى تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُحْتَوِي عَلَى غَايَةٍ مِنْ التَّحْقِيقِ وَفَصْل الْخِطَابِ الْمَوْسُومِ (بِتَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ وَالْعُيُونِ بِإِيضَاحِ حُكْمِ بَيْعِ سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ الْعُيُونِ) أَنَّهُ رُفِعَ إلَيَّ فِي أَثْنَاءِ شَهْرِ جَمَادِي الْآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَةِ شَوَّال فِي بَيْعِ سَاعَتَيْنِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا فَأَجَبْت عَنْهُ بِجَوَابٍ طَوِيلٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رُفِعَ إلَيَّ السُّؤَالُ ثَانِيًا بِأَخْصَرَ مِنْ الْأَوَّلِ وَطُلِبَ مِنِّي اخْتِصَارُ الْجَوَابِ فَاخْتَصَرْته ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ جَمْعًا خَالَفُونِي فِي ذَلِكَ تَشَبُّثًا بِإِطْلَاقِ الْإِمَامِ الْبُلْقِينِيُّ مَعَ أَنِّي بَيَّنْت فِي كُلٍّ مِنْ ذَيْنِك الْجَوَابَيْنِ مَعْنَاهُ وَمُجْمَلَهُ وَاسْتَدْلَلْت عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَقَوَاعِدِهِمْ فَلَمْ يَسْمَعُوا لِذَلِكَ قِيلًا بَلْ أَفْتَوْا بِمَا سَيُنَبِّئُك عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وَكَيْفَ وَالْعُمْرُ قَدْ ذَهَبَ إمَّا فِي اللَّهْوِ وَالطَّرِبِ أَوْ فِي تَفَهُّمِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَوْ فِي تَحْصِيلِ الْحُطَامِ مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ أَوْ مِنْ حَرَامٍ وَأَنِّي لِمَنْ هَذَا وَسْمُهُ وَتَأَسَّسَ عَلَيْهِ رَسْمُهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِالْبَرَازِ أَوْ يَقْرَبَ مِنْ هَذَا الْمَجَازِ تَاللَّهِ لِيُقَامُنَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُجَجِ مَا يَقْصِم ظُهُورَهُمْ وَيَمْنَعُ ظُهُورَهُمْ وَفَاءً بِذَلِكَ الْمِيثَاقِ الْأَكِيدِ وَرَجَاءً لِحُصُولِ الْمَزِيدِ فَإِنَّ عَلَّامَ الْغُيُوبِ هُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى الْقُلُوبِ أَسْأَلُهُ بِعِزِّ رُبُوبِيَّتِهِ وَكَمَالِ صَمَدِيَّتِهِ أَنْ يُعَاجِلَ مَنْ تَعَمَّدَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ عَصَبِيَّةً أَوْ عِنَادًا أَوْ هَوًى
стр. 445
أَوْ فَسَادًا بِسَطَوَاتِ انْتِقَامِهِ وَحِرْمَان أَنْعَامِهِ وَأَنْ يُوَفِّقنَا أَجْمَعِينَ لِسُلُوكِ سُنَنِ الْهُدَى وَلِاجْتِنَابِ سَبَبِ الرَّدَى إنَّهُ أَقْرَبُ مُجِيبٍ.
وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيبَ وَرَتَّبْته عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَخَاتِمَةٍ وَسَبْعَةِ أَبْوَابِ أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي ذِكْرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بِنَوْعَيْهِمَا وَأَمَّا الْأَبْوَابُ فَأَرْبَعَةٌ فِي ذِكْرِ أَحْوَالِ الْمَسْأَلَةِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فَصَّلْتهَا فِي كُلِّ مِنْ الْجَوَابَيْنِ وَالْخَامِسُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَالْقَرَارِ وَبَيَانِ الْجَمْعِ بَيْن عِبَارَتِهَا وَرَدِّ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ لِلْمُتَكَلِّمِينَ عَلَيْهَا وَالسَّادِسُ فِي بَيَانِ حُكْمِ عُيُونِ مَكَّةَ بِخُصُوصِهَا وَهَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ مَنْبَعًا وَمَجْرًى وَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُهَا أَوَّلًا وَالسَّابِعُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ وَفِي بَيَانِ مَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ وَأَمَّا الْخَاتِمَةُ فَفِي ذِكْرِ مَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ مِنْ أَجْوِبَةِ الْمُخَالِفِينَ وَالْكَلَامِ عَلَيْهَا وَبَيَانِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِمَّا يُصَمُّ عَنْهُ الْآذَانُ وَتَتَنَزَّهُ عَنْ تَصَوُّرِهِ الْأَذْهَانُ وَالْمَسْئُولُ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ أَنْ يُهْدِيَنِي إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ وَأَنْ يَجْعَلَنِي مِمَّنْ أَعَلَا شَرَفَهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .
(مُقَدِّمَةٌ رُفِعَ إلَيَّ سُؤَالٌ صُورَتُهُ مَا قَوْلُكُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ فِيمَا إذَا بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ حِصَّةً مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا جَارِيَةً وَهَذِهِ الْحِصَّةُ قَدْرُهَا سُدُسُ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةِ عَشْرَ سَهْمًا مُشَاعًا مِنْ جَمِيعِ الْعَيْنِ لَكِنْ عَبَّرَ عَنْهَا فِي مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ بِمَا يَتَعَارَفُهُ أَهْلُ عُيُونِ بَلْدَةِ الْبَيْعِ مِنْ التَّعْبِيرِ عَنْ أَجْزَاءِ السَّهْمِ مِنْ الْقَرَارِ وَالْمَاءِ الْجَارِي بِهِ بِالسَّاعَاتِ وَعَنْ السَّاعَةِ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَجْبَةِ الَّتِي هِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً كَمَا يُعَبِّرُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ بِالْأَصَابِعِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ فِي بَلَدِ الْبَيْعِ كُلِّهِ سَقِيَّة لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرِيكَ فِي الْقَرَارِ شَرِيكٌ فِي الْمَاءِ التَّابِعِ لَهُ مِنْ أَجْلِ مُشَارَكَتِهِ فِي الْقَرَارِ فَعَبَّرَ كَاتِبُ الشِّرَاءِ عَنْ الْمَبِيعِ الَّذِي هُوَ حِصَّةٌ مِنْ الْقَرَارِ بِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ
وَفِيمَا هُوَ تَابِعٌ لَهُ مِنْ الْمَاءِ وَمُلَخَّصُ عِبَارَةِ مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ بَعْد أَنْ أَذِنَ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ فُلَانٌ الشَّافِعِيُّ لِفُلَانٍ الْفُلَانِيِّ فِي شِرَاءِ الْمَبِيعِ الْآتِي ذِكْرُهُ لِنَفْسِهِ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ مِنْ الْبَائِعِ الْآتِي ذِكْرُهُ بِالثَّمَنِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهِ إذْنًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا اشْتَرَى فُلَانٌ الْفُلَانِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ لِنَفْسِهِ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ الْمَشْمُولِينَ بِحَجَرِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ مِنْ فُلَانٍ الْبَائِعِ عَنْ نَفْسِهِ جَمِيعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقٍّ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَمَقَرِّهَا وَمَمَرِّهَا وَشُعُوبِهَا وَذُيُولِهَا وَمَجَارِي مَائِهَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى اشْتِرَاءً صَحِيحًا شَرْعِيًّا مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ بِثَمَنِ جُمْلَتِهِ كَذَا مَقْبُوض بِيَدِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَتَسَلَّمَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَسَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي جَمِيعَ الْمَبِيعِ الْمَذْكُورِ تَسَلُّمًا شَرْعِيًّا بَعْد الرُّؤْيَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمُعَاقَدَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْد الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ الْمَذْكُورِ وَحَكَمَ بِمُوجِبِهِ وَمَاتَ الْحَاكِمُ وَالْمُتَعَاقِدَانِ وَالشَّاهِدَانِ فَهَلْ هَذَا الْحُكْمُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ هُوَ صَحِيحٌ فَهَلْ يَقْتَضِي صِحَّةَ التَّبَايُعِ الْمَذْكُورِ أَمْ فَسَاده وَهَلْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ نَقْضُ التَّبَايُعِ وَالْحُكْمُ بِهِ أَمْ لَا لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَافِرِ وَكَمَالِ النَّظَرِ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ بِذَلِكَ وَهَلْ يَقْتَضِي صِحَّةُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَوْلَ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵁ فِي رَوْضَتِهِ.
وَلَوْ بَاعَ الْمَاءَ مَعَ قَرَارِهِ نَظَرَ إنْ كَانَ جَارِيًا فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَقُلْنَا الْمَاءُ لَا يُمَلَّكُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَقَوْلُهُ بَعْد ذَلِكَ بِنَحْوِ أَرْبَعَةِ أَسْطُرٍ وَلَوْ بَاعَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الْبِئْر أَوْ الْقَنَاةِ جَازَ وَمَا يَنْبَعُ مُشْتَرَكٌ بَيْنهمَا أَمْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ صِحَّةَ مَا ذَكَرُوا وَاذَا قُلْتُمْ إنَّ قَوْلَهُ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ يُرَجِّحُ صِحَّةَ بَيْعِ الْقَرَارِ فَقَطْ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي مُسْتَحِقًّا لِلْمَاءِ النَّابِعِ بِهِ لِكَوْنِهِ نَابِعًا فِي مِلْكِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَأَيْضًا فَهَلْ التَّعْبِيرُ فِي مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ عَنْ الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ مِنْ الْقَرَارِ بِقَوْلِهِ الْحِصَّةُ السَّقِيَّة الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَار الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ مُخِلٌّ بِالتَّبَايُعِ أَوْ بِالْحُكْمِ بِهِ أَوْ غَيْرُ مُخِلٍّ بِذَلِكَ
стр. 446
لِإِمْكَانِ تَأْوِيلِهَا بِمَا يُصَحِّحُهَا.
فَأَجَابَ ﵁ بِقَوْلِهِ قَدْ اُسْتُفْتِيَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ نَفْسُهُ بِشَيْءٍ وَبَيَانه أَنَّ الْجَمَّالَ بْنَ ظَهِيرَةَ قَالَ فِي سُؤَالِهِ لَهُ الْعُيُونُ الَّتِي بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ لَا يُعْرَفُ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهَا غَالِبًا.
وَإِنَّمَا يَجْرِي فِي مَجَارٍ إلَى أَنْ يَبْرُزَ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي يَسْقِيهَا وَيَتَبَايَعُونَهُ بِاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ يَشْتَرِي الشَّخْصُ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا وَيَمْلِكهُ ثُمَّ قَالَ السَّائِلُ بَعْد أَسْطُرٍ وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ اشْتَرَى فُلَان مِنْ فُلَانٍ سَاعَةً مِنْ قَرَارٍ كَذَا فَهَلْ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ الْبُلْقِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَطَالَ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الثَّانِي بِشَيْءٍ مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْتهَا الْآنَ وَإِنَّمَا أَجَابَ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَعِبَارَتُهُ بَعْد فَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي مِلْكِ مَحَلِّ النَّبْعِ وَالْمَجْرَى وَأَمَّا شِرَاءُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ أَوْ اللَّيْلِ فَهَذَا لَا يَصِحُّ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ وَبَعْد فَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي مِلْكِ الثَّانِي فَقَطْ إذَا صَدَرَ بَيْعٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي الْأَرْضِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْأَصْلَ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهُ غَالِبًا جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَالتَّبَايُعُ الْوَاقِعُ بِاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ كُلُّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَاءَ يُمْلَكُ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَا سَبَبٌ يَقْتَضِي مِلْكَ الْمَاءِ اهـ فَهُوَ مُطْلَقٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَاءِ الْمُقَدَّرِ بِسَاعَةٍ مَثَلًا وَغَيْر مُتَعَرِّضٍ لِخُصُوصِ مَا إذَا بِيعَتْ سَاعَة مَثَلًا مِنْ قَرَار كَذَا وَإِنْ أَكَّدَ بِكُلٍّ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ بَعْدَهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْقَرَارِ وَهَذَا الْفَرْضُ الْمَخْصُوصُ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْقَرَارِ وَالزَّمَانِ مَعًا فَمَا الْمُعْتَبَرُ مِنْهُمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ فَلَمْ يُجِبْ عَنْ هَذَا الْخُصُوصِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا أُجِيبَ بِكَلَامٍ مُطْلَقٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَعَلَى تَسْلِيمِ شُمُولِهِ لَهُ فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ بَعْد مِنْ أَيْ مِنْ مَاءِ كَذَا إذْ لَا يَظْهَرُ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي هَذَا الْفَرْضِ الْمَخْصُوصِ إلَّا بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ الْمُضَافِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ إذْ اللَّفْظُ كَمَا يُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُ فَيَبْطُلُ يُحْتَمَلُ عَدَمُ تَقْدِيرِهِ وَارْتِكَابُ مَجَازٍ فِيهِ فَيَصِحُّ بِأَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لِأَنَّ مِنْ هُنَا لِلتَّبْعِيضِ لَا غَيْرُ كَمَا لَا يَخْفَى وَمِنْ التَّبْعِيضِيَّةُ صَرِيحَةٌ فِي اتِّحَادِ مَا قَبْلهَا مَعَ مَا بَعْدهَا مَفْهُومًا وَحَقِيقَةً فَهِيَ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ إذْ لَا يُقَالُ سَاعَة مِنْ مَحَلِّ كَذَا إلَّا بِارْتِكَابِ ذَلِكَ التَّجَوُّزِ وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تَصْحِيحِ لَفْظ بِتَجَوُّزٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ رَابِطًا لَهُ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَانَ تَصْحِيحُهُ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ احْتِمَالَ الصِّحَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى احْتِمَالِ الْبُطْلَانِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَاعِدَة أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ غَالِبًا عَمَلًا بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ وَإِنْ كَانَتْ خِلَافَ الْأَصْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنْ الْإِضْمَارِ عَلَى قَوْلٍ قَالَ بِهِ كَثِيرُونَ وَعَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُمَا سِيَّانِ لِاحْتِيَاجِ كُلِّ مِنْهُمَا إلَى قَرِينَةٍ فَالْمَجَازُ هُنَا أَوْلَى عَمَلًا بِقَاعِدَةِ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ حَيْثُ أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ وَقَدْ عَوَّلُوا عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةُ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الصُّبْرَةِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَوْ بَيَانٍ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ إلَّا عَلَى بَحْثٍ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا أَرَادُوا فَلْيُعَوِّلُوا عَلَيْهَا هُنَا كَذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا أَرَادَا بِقَوْلِهِمَا سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ مَحَلِّ النَّبْعِ أَوْ الْمَجْرَى الْمَمْلُوكِ صَحَّ الْبَيْعُ نَظِيرَ مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا بَيْعُ ذِرَاعٍ مِنْ أَرْضٍ مَعَ إرَادَةِ الشُّيُوعِ أَوْ التَّعْيِينِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى أَنَّ الشُّيُوعَ لَا يُفْهَمُ مِنْ مُطْلَقِ لَفْظِ الذِّرَاعِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ
وَمِنْهَا الْبَيْعُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ إلَّا مَا يَخُصُّ أَلْفًا أَوْ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا وَأَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْقِيمَةِ الْمَعْلُومَةِ بَلْ فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ هَذِهِ لِأَنَّ مَا أَرَادَ فِيهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِمَا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا وَمَا أَرَادَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَتَخَيُّل فَرْقٍ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ وَلِذَا جَازَ
стр. 447
الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْمَبِيعِ أَيْضًا كَمَا قَالُوهُ فِي مَسَائِلِ الذِّرَاعِ وَالصَّاعِ وَغَيْرِهَا فَإِنَاطَةُ الْحُكْمِ بِهَا لَا تُنَافِي قَصْدَهُ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُكْتَفَ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةُ الْقِيمَةِ وَنَوَيَا أَحَدَهَا لِأَنَّ اللَّفْظَ هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ بِعَشْرَةٍ مَثَلًا لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ وَضْعًا وَلَا قَرِينَة فَلَوْ أَثَّرَتْ النِّيَّةُ مَعَهُ لَكَانَ فِيهِ إعْمَالٌ لَهَا وَحْدَهَا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِيمَا ذَكَرَهُ بِشَرْطٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا اللَّفْظُ دَالٌّ عَلَى الْمَنْوِيِّ بِاعْتِبَارِ مَا قَرَّرْنَاهُ وَمَا سَنُقَرِّرُهُ فَلَيْسَ فِيهِ إعْمَالٌ لِلنِّيَّةِ وَحْدَهَا بَلْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْمُوَافِقُ لَهَا وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ مَدْلُولُهَا الْحَقِيقِيّ مَعَ تَقْدِيرِ مَاءٍ بَطَلَ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يُرِيدَا شَيْئًا.
فَإِنْ اطَّرَدَ فِي عُرْفِهِمَا التَّعْبِير بِالسَّاعَةِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ عَنْ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ صَحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْل الْمَجْمُوعِ رَدًّا عَلَى صَاحِبِ الْبَيَانِ وَمَنْ تَبِعَهُ إذَا عَبَّرَ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ صَحَّ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِهَا مَجَازًا كَقَوْلِك فِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا هَذِهِ دِينَارٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ صَرْفهَا أَيْ هَذِهِ صَرْفُ دِينَارٍ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ فِي الثَّمَنِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنهمْ وَلَوْ غَيْرَ نَقْدٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِعَشْرَةِ أَثْوَابٍ وَأَطْلَقَ وَكَانَ لَهُمَا عُرْفٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَالنَّقْدَيْنِ اهـ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْعُرْفِ تَأْثِيرًا فِي تَخْصِيصِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ بِهِ ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ هُنَا مِنْ الصِّحَّةِ إذَا أَطْلَقَا وَاطَّرَدَ عُرْفُهُمَا كَمَا ذُكِرَ وَإِنْ أَطْلَقَا وَلَمْ يَطَّرِدْ لَهُمَا بِذَلِكَ عُرْفٌ فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ وَالتَّرَدُّدِ وَالْقَاعِدَتَانِ السَّابِقَتَانِ قَاعِدَةُ تَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَقَاعِدَةُ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ مَا أَمْكَنَ يُرَجِّحَانِ الصِّحَّةَ هُنَا أَيْضًا وَيُعَضِّدُهَا قَوْلُ الْمُوَثَّقِ مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِط الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ نَعَمْ إنْ أَطْلَقَا وَأَطْرُد عُرْفُهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ بَيْعُ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ لَمْ يَبْعُدْ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ حِينَئِذٍ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْوَارِثَانِ فِي الْإِرَادَةِ صَدَقَ مُدَّعِي الْفَسَادِ نَظِيرَ مَا قَالُوهُ فِي الذِّرَاعِ لَكِنْ لَا يَتَأَتَّى هَذَا هُنَا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِثُبُوتِ مُوجِبِ الصِّحَّةِ عِنْدَهُ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَنْقُضُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ مُوجِبِ نَقْضِهِ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ مُوجِبِهِ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِنَقْضِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قَرَّرْته أَنَّ مُوجِبَ النَّقْضِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَهُ مُحْتَمَلَاتٌ بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا بَاطِلٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نُبْطِلهُ إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ الْبَاطِلَ هُوَ الْمُرَادُ وَلَمْ نَتَحَقَّقْهُ وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ قَوْلَهُمَا جَمِيعُ الْحِصَّةِ السَّقِيَّة الَّتِي قَدْرهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لِأَنَّا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوك أَوْ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا مَرَّ صَحَّ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْجُزْءِ سَقِيَّةً لِأَنَّهُ سَبَبُهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُوَثِّقِ بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُوَّةِ مِنْ حَقٍّ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ إلَخْ فَإِنْ قُلْت الْقَرَارُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا هُوَ الْقَرَارُ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا وَالْعِبَارَةُ تَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا وَأَنَّ حِصَّةَ السَّقِيَّةِ غَيْرهمَا قُلْت لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَمُقِرُّهَا وَمَا بَعْدهَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَرَار أَيْ وَمِنْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْمَقَرِّ وَالْمَمَرِّ وَحَقُّهُمَا غَيْرُهُمَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ الْمُوَثَّقَ تَفَنَّنَ فَعَبَّرَ بِالْقَرَارِ أَوَّلًا ثُمَّ عَبَّرَ ثَانِيًا عَنْهُ بِالْمَقَرِّ وَأَعَادَهُ مُخْتَلِفًا لَفْظُهُ مَعَ اتِّحَادِ مَعْنَاهُ لِبَيَانِ شُمُولِ الْبَيْعِ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِ وَقَوْلُ الْمُوَثَّقِ وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَيَدُلُّ لَهُ التَّعْبِيرُ بِالسَّقِيَّةِ إذْ هِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَيْ سَاقِيَة إذْ السَّاقِيَة اسْم لِلْقَرَارِ لَا لِلْمَاءِ وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الرَّوْضَةِ لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْبَيْعِ فِيمَا ذُكِرَ إلَّا بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ وَأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ قَدْ تَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنْت الْجَمْعَ بَيْنهمَا فِي جَوَابِ بَعْضِ أَسْئِلَةٍ وَرَدَتْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَعَ الرَّدِّ عَلَى الْبُلْقِينِيُّ فِي اعْتِرَاضَاتِهِ عَلَيْهَا فِي جَوَابِهِ السَّابِقِ بَعْضه وَحَاصِلُ مَا تَجْتَمِعُ بِهِ عِبَارَاتُهَا أَنَّ الْمَمْلُوك إنْ كَانَ مَحَلُّ النَّبْعِ فَوَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ جُزْء شَائِعٍ مِنْهُ مُعَيَّنٍ صَحَّ وَجَرَى فِي دُخُولِ الْمَاءِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْبَيْعِ مَا قَرَّرُوهُ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَمْلُوكُ هُوَ الْقَرَارُ صَحَّ أَيْضًا
стр. 448
وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُ الْمَاءُ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ فِيهِ الْمُسَمَّى بِالشِّرْبِ وَمُرَاد الرَّوْضَةِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمَاءِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أُجْرِيَ فِيهَا خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ إلَّا فِي الْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ فِيهَا أَوَاخِرَ الْمَنَاهِي بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهِمَا أَيْ فِي الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَالْمِلْكِ وَفِي الْمَاءِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا خِلَافًا لِمَنْ ظَنَّهُ وَفَائِدَة إجْرَاءِ خِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْقَرَارِ حَتَّى يَبْطُلَ فِي الْمَاءِ الرُّجُوعُ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فِيهِ فَهِيَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُقَابَلُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا قُوبِلَ بِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلَانَ الْبَيْعِ فِيهِ وَفِي الْأَرْضِ عَلَى الضَّعِيفِ وَفِيهِ وَحْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَاتَّضَحَ وَجْهُ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا وَإِنْ أَجْرَيْنَاهُ فِيهَا وَقُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا آنِفًا وَالْكَلَامُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّ قَرَارِ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ دُون مَحَلِّ نَبْعِهِ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ بَلْ يَكُونُ الْمَالِكُ أَحَقَّ بِهِ أَمَّا مَحَلُّ نَبْعِهِ مَعَ قَرَارِهِ الْمَمْلُوكِ كُلّ مِنْهُمَا فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا بِطَرِيقِ الْقَصْدِ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ.
وَأَمَّا مَحَلُّ نَبْعِهِ وَقَرَارِهِ غَيْر الْمَمْلُوكِ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَمِنْ ثَمَّ اضْطَرَبَتْ فِيهِ الْأَفْهَامُ وَكَثُرَتْ فِيهِ السَّقَطَات وَالْأَوْهَامُ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْجَوَابِ قَوْلَ جَمْعٍ رَدًّا لِمَا فِي الرَّوْضَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَجْهُولًا وَبِيعَ مَعَ غَيْرِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ بِالْقِسْطِ وَالْقِسْطُ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِلْجَهَالَةِ قُلْت إنَّمَا يَتَّضِحُ رَدُّهُمْ أَنْ لَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ دَعْوَى الْجَهَالَةِ بِالْقِسْطِ وَهِيَ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ فَقَدْ قَالَ جَمْعٌ فِي نَحْوِ الْخَلِّ وَالْخَمْرِ وَالشَّاةِ وَالْكَلْبِ أَوْ الْخِنْزِيرِ أَنَّ الْبَاطِلَ يَقُومُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً كَأَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ هُنَا يُقَدَّرُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً وَيَصِحُّ بَيْعُهُ مُطْلَقًا وَهُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بِمَا يُشَابِهُهُ كَالْخَلِّ وَالْعِتَرِ كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْجَارِي هُنَا بِمَا يُشَابِهُهُ فَيُقَدَّرُ رَاكِدًا وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ مَعَ الْأَرْضِ فَإِنْ قُلْت فَمَا حُكْمُ عُيُونِ مَكَّةَ هَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِأَرْبَابِهَا قَرَارًا وَمَنْبَعًا أَوْ قَرَارًا فَقَطْ قُلْت بَلْ قَرَارًا وَمَنْبَعًا كَمَا يُصَرِّح بِهِ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ حُفِرَ أَيْ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا أَوْ انْخَرَقَ أَيْ فَلَا يَكُونُ مَمْلُوكًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ اهـ.
عَلَى أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى بِالْمِلْكِ مِنْ صُورَةِ الرَّوْضَةِ لِأَنَّ صُورَتَهَا لَيْسَ فِيهَا قَرِينَة عَلَى الْمِلْكِ غَيْر وَضْعِ الْيَدِ وَهُنَا مَعَ وَضْعِهَا قَرِينَةً أُخْرَى وَهِيَ بِنَاءُ تِلْكَ الْعُيُونِ الَّذِي هُوَ صَرِيحٌ فِي مِلْكِ الْبَانِي لِمَحَلِّ ذَلِكَ الْبِنَاءِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي تِلْكَ الْعُيُونِ مَنْبَعًا وَقَرَارًا مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمَا قُلْت أَمَّا مَا تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ مَجْرَى الْعَيْنِ وَذَيْلِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِهِ لِتَعَذُّرِهِ كَأَسَاسِ الْجِدَارِ وَكَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ عَدِمِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ الْمُسْتَتِرِ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ سَهُلَ بِالْفَتْقِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ مِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ أَخْذًا مِنْ أَنَّ الْبِئْرَ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِهَا بَلْ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ مِنْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ مِنْ جُدْرَانِهَا وَنَحْوهَا وَأَمَّا الْقَنَاةُ الظَّاهِرَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَتِهَا جَمِيعِهَا بِأَنْ يَحْبِسَ الْمَاءَ عَنْهَا وَلَا يَكْفِي رُؤْيَتُهَا مِنْ وَرَائِهِ وَإِنْ كَانَ صَافِيًا ثُمَّ رَأَيْت الْبُلْقِينِيُّ تَعَرَّضَ لِمَا فِي السُّؤَالِ فَقَالَ وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ مِنْ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا غَيْرَ صَحِيحٍ وَلَا مُعْتَبَرٍ.
وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ اهـ وَهُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا ذَكَرْته مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ أَطْلَقَ عَدَمَ الصِّحَّةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَدْلُولُ ذَلِكَ اللَّفْظِ وَلَا مَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ وَنَحْنُ قَدْ فَصَّلْنَا مُحْتَمَلَاتِهِ وَبَيَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَمَا يَدُلُّ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فَلَا يُنَافِي إطْلَاقُهُ تَفْصِيلَنَا بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ إطْلَاقِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْبَاطِلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَا أَنَّ الْمَبِيعَ الْمَاءُ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ أَوْ أَطْلَقَا وَعَرَّفَهُمَا ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَا ذَكَرَهُ دَلِيلًا وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَدِلَّةً مِنْ كَلَامِهِمْ سِيَّمَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مَجْمُوعِ النَّوَوِيِّ وَعَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَلَا يَسَعُ الْبُلْقِينِيُّ أَنْ يَقُولَ إذَا أَرَادَ بِالسَّاعَةِ جُزْءًا
стр. 449
مُعَيَّنًا مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ كَلَامِ أَئِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ بَلْ لَا يَسَعُهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ بِالْبُطْلَانِ إذَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمَا بِالتَّعْبِيرِ بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ عَنْ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوك لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ الَّذِي قَدَّمْته عَنْ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ مَلْزُومٌ بِالْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِكَلَامِهِ عَلَى بُطْلَانِ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُصَانُ عَنْ النَّقْضِ مَا أَمْكَنَ وَأَنَّهُ لَا يُصَارُ لِنَقْضِهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا مُوجِبَ نَقْضِهِ وَلَا نَتَحَقَّقُ مُوجِبَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَرَادَا بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ حَقِيقَتَهَا مِنْ مِائَةٍ أَوْ مِنْ الْقَرَارِ نَفْسِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْل بِنَقْضِهِ كَيْف وَلَهُ مُحْتَمَلَاتٌ بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضهَا بَاطِلٌ وَلَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ ذَلِكَ الْبَاطِلِ وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَ الْبُلْقِينِيُّ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ سَبَبَ الْبُطْلَانِ فِي سَاعَةِ مِنْ قَرَارِ كَذَا لَيْسَ هُوَ ذِكْرَ السَّاعَةِ فَحَسْب بَلْ عَدَمُ إيرَادِ الْبَيْعِ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَصْرِيحِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحَلِّ النَّبْعِ فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ صَرِيحِ قَوْلِهِ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ إلَخْ فِي أَنَّ سَبَبَ الْبُطْلَانِ مَا ذَكَرَ قُلْت وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ السَّبَبُ هُوَ ذِكْرُ السَّاعَة مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ إلَخْ مُلَائِمًا لِمَا قَبْلَهُ وَلَا مُرْتَبِطًا بِهِ.
فَإِنَّ الْبَيْعَ إنْ وَقَعَ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ أَوْ غَيْرِهِ هُوَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يُقَوَّلُ وَطَرِيقُ الْبَيْعِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ طَرِيقَ الْبَيْعِ الَّذِي يُمَلَّكُ بِهِ الْمَاءُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا يُنَافِيه مَا قَدَّمَهُ نَفْسُهُ أَوَّلَ جَوَابِهِ وَهَذَا يُضَعِّفُ كَلَامَهُ وَيُوجِبُ عَدَمَ اعْتِمَادِ إطْلَاقِهِ الْبُطْلَانَ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْحَقَّ مَا فَصَّلْنَاهُ وَقُلْنَاهُ وَإِنْ كُنَّا مُعْتَرِفِينَ بِنَقْصِ مَقَامِنَا عَنْ مَقَامِهِ إلَّا أَنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ عَلَى أَنَّهُ ﵀ كَانَ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِكَلَامِ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ لِوُصُولِهِ مَرْتَبَةً مِنْ مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ بَلْ لِأَقْصَاهَا كَمَا قَالَهُ تِلْمِيذُهُ أَبُو زُرْعَةَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَرَى فِي جَوَابِهِ هَذَا عَلَى مُخَالَفَةِ الرَّوْضَةِ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ وَالْحَقُّ فِيهَا مَا فِي الرَّوْضَةِ كَمَا بَيَّنْته فِي جَوَابِ غَيْرِ هَذَا وَأَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَمِنْ مُخَالَفَته لِمَا فِيهَا قَوْلُهُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمَاءِ الْجَارِي وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِإِطْلَاقِهِ الْبُطْلَانَ فِي سَاعَةٍ مِنْ قَرَارِ كَذَا إلَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْمَاءَ وَحْدَهُ وَأَنَّ الْمَرَادَ بِالسَّاعَةِ مَفْهُومُهَا الْحَقِيقِيّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ثُمَّ رُفِعَ إلَيَّ سُؤَالٌ ثَانٍ صُورَتُهُ مَا قَوْلُكُمْ فِي قَضِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ مُوَقَّعٌ بِهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيّ مُلَخَّصُ مَضْمُونِهِ بَعْد أَنْ أَذِنَ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ الشَّافِعِيُّ فُلَانُ لِفُلَانٍ الْفُلَانِيِّ فِي شِرَاءِ الْمَبِيعِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَلِبَقِيَّةِ وَرَثَةِ وَالِدِهِ مَحَاجِيرِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ إذْنًا شَرْعِيًّا اشْتَرَى الْمَأْذُونُ لَهُ الْمَذْكُورُ مِنْ فُلَانَةَ الْفُلَانِيَّةِ جَمِيعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْفُلَانِيَّةِ فِي الْوَجْبَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِكَذَا وَعُدَّة وَجَبَاتِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْبَة كُلّ وَجُبَّةٍ اثْنَا عَشَر سَاعَةً كُلُّ سَاعَةٍ قِيرَاطَانِ كَبِيرَانِ بِمَا يَجِبُ لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَمَقَرِّهَا وَمَمَرِّهَا وَشُعُوبِهَا وَذُيُولِهَا وَمَجَارِي مَائِهَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى اشْتِرَاء صَحِيحًا شَرْعِيًّا مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ بِثَمَنِ جُمْلَتِهِ كَذَا وَثَبَتَ ذَلِكَ لَدَى الْحَاكِمِ الْآذِنِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَحَكَمَ بِمُوجِبِهِ فَهَلْ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَهَلْ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهِ نَقْضٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَمْ لَا وَهَلْ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ أَمْ لَا وَهَلْ هَذِهِ الصُّورَةُ مُطَابِقَةٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ ﵀ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِيهِ أَمْ لَا وَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ بِإِفْتَاءِ عَالِمٍ مِثْله أَوْ أَعْلَى مِنْهُ أَوْ يُحْمَلُ حُكْمُ الْحَاكِمِ عَلَى السَّدَادِ مَا أَمْكَنَ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ فِيهِ تَفْصِيلٌ.
وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِيمَا إذَا أَرَادَ الْعَاقِدَانِ بِالسَّاعَةِ جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ أَوْ الْمَجْرَى الْمَمْلُوكُ أَوْ لَمْ
стр. 450
يُرِيدَاهُ لَكِنَّهُ عُرْفُهُمَا حَالَ الْعَقْدِ وَيَبْطُلُ فِيمَا إذَا أَرَادَا بِهَا جُزْءًا مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي وَالْحُكْمُ بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا غَيْرُ صَحِيحٍ وَنَقْضُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ كَمَا هُنَا فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ عَصْرِهِ رَدًّا عَلَى الْقَاضِي ابْنِ خَلِّكَانَ لَمَّا خَالَفَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَلْ نَقَلَ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّاهُ أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَقْضَى لِلضَّرُورَةِ إذَا وَافَقَ مَذْهَبَ الْغَيْرِ لَا يَنْقُضُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ أَيْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَة وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَحُكْمُ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيّ وَعِبَارَتُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ الصِّحَّةُ مَصُونٌ عَنْ النَّقْدِ كَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَ أُحَطَّ رُتْبَة مِنْهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَسْتَدْعِي ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَصِحَّةَ صِيغَتِهِ وَكَوْنَ التَّصَرُّفِ فِي مَحَلِّهِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ يَسْتَدْعِي الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا صِحَّةُ التَّصَرُّفِ وَصِحَّةُ الصِّيغَةِ انْتَهَتْ وَاعْتَمَدَهَا الْكَمَالُ السُّيُوطِيّ فِي جَوَاهِرِهِ وَالتَّنْظِيرُ فِيهَا إنْ سَلَّمَ لَيْسَ لِمَا يَرْجِعُ لِرَدِّ مَا قَالَهُ مِنْ تَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ لِصِحَّةِ الصِّيغَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا يُنَافِيهَا قَوْلُ غَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ إنْ صَحِيحًا فَصَحِيحٌ وَإِنْ فَاسِدًا فَفَاسِدٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ صَحَّ لِوُجُودِ الشَّرْطِ الثَّالِثِ فَصَحِيحٌ وَإِنْ فَسَدَ لِفَقْدِهِ فَفَاسِدٌ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ فَالْحُكْمَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَيْهَا وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فَتَصَرُّفُ الْحَاكِمِ بِالْإِذْنِ وَغَيْرِهِ فِي قَضِيَّةٍ رُفِعَتْ إلَيْهِ وَطَلَب فَصْلهَا حُكِمَ مِنْهُ بِالصِّحَّةِ فِيهَا عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مُطَابِقَةً لِمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَاتٍ مِنْهَا حُكْمُ الْحَاكِمِ وَإِذْنُهُ وَفِيهَا قَرَائِنُ دَالَّة عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ وَكُلّ سَاعَةٍ قِيرَاطَانِ إذْ الْمَعْنَى الَّتِي قَدْرُهَا قِيرَاطَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْن كَذَا وَهَذَا مِمَّا لَا يَتَخَيَّلُ فَقِيهٌ الْبُطْلَانَ فِيهِ وَمِنْهَا قَوْلُ الْمُوَثَّقِ مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْبُلْقِينِيُّ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ إذْ لَا يَسَعُهُ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ فِي الْأُولَتَيْنِ أَمَّا الْأُولَى فَلِمَا تَقَرَّرَ مِنْ دَلَالَة اللَّفْظِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِنَظَائِرِهَا فِي كَلَامِهِمْ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِلتَّصْرِيحِ بِنَظِيرِهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ وَقَاعِدَةُ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ وَأَنَّ دَعْوَى الصِّحَّةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَعْوَى الْفَسَادِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْن الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ يُؤَيِّدَانِ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَهُ.
وَإِذَا تَعَارَضَ حُكْمٌ وَإِفْتَاءٌ فَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ عُلِمَ حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَبِ قُدِّمَ مُوَافِقُهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي حَادِثَةٍ مُوَلَّدَةٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ كَصُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّا لَمْ نَعْلَمْ لِلْبُلْقِينِيِّ فِيهَا سَلَفًا وَلَا خَلَفًا مُوَافِقًا وَلَا مُخَالِفًا فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ وَالِاسْتِنْبَاطِ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِإِفْتَاءِ الْمُفْتِي وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي أَعْلَمَ وَإِنْ تَأَهَّلَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي وَحْدَهُ تَعَيَّنَ عَلَى الْحَاكِم الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَإِلَّا تَأَتَّى فِي نَقْضِهِ مَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْهُ]
وَإِذْ قَدْ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْمُقَدَّمَةِ فَلْنَشْرَعْ الْآنَ فِي ذِكْرِ أَحْوَالِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْجَوَابَيْنِ السَّابِقَيْنِ مُفْرِدِينَ لِكُلِّ حَالٍ بَابًا فِيهِ الْبُرْهَانُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِمْ فَنَقُولُ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي ذِكْرِ الْحَالِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ الْمُتَعَاقِدَانِ بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ جُزْءًا مُعَيَّنًا مُشَاعًا مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي هُوَ الْمَجْرَى أَوْ الْمَنْبَعُ أَوْ مَا يَتَحَصَّلُ الْمَاءُ فِيهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي كُلٍّ مِنْ الْجَوَابَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ حِينَئِذٍ وَقَدَّمْنَا دَلِيلَ ذَلِكَ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ صَرَّحُوا بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي الْجَوَاهِرِ وَزَادَ فِيهِ تَفْصِيلًا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ أَزِيدَك صَاعًا فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ هِبَةَ صَاعٍ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ شَرْطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهُ صَاعًا آخَرَ مِنْ غَيْرِ الصُّبْرَةِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الصَّاع مَجْهُولًا فَهُوَ بَيْعٌ مَجْهُولٌ وَإِنْ كَانَ
стр. 451
مَعْلُومًا لَمْ يَصِحَّ إذَا كَانَتْ الصُّبْرَةُ مَجْهُولَةَ الصِّيعَانِ لِأَنَّهُ يَجْهَلُ تَفْصِيلَ الثَّمَنِ وَجُمْلَتُهُ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَهُ صَاعًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ وَأَنَّهَا إنْ خَرَجَتْ عَشْرَةَ آصُعٍ كَانَ الثَّمَنُ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ فَيَنْظُرُ إنْ كَانَتْ الصُّبْرَةُ مَجْهُولَةَ الصِّيعَانِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حِصَّةَ كُلِّ صَاعٍ.
وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَبِهَذَا قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ الْخُرَاسَانِيِّينَ فَإِنْ كَانَتْ عَشَرَةَ آصُعٍ فَقَدْ بَاعَهُ كُلَّ صَاعٍ وَتُسْعَ سَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالرُّويَانِيُّ وَأَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ كُلَّهُمْ جَزَمُوا بِهِ سِوَى الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَلِطَ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَالْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ وَإِنْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ أَنْقُصَك صَاعًا فَإِنْ أَرَادَ ضَمَّ صَاعٍ إلَيْهِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا إنْ خَرَجَتْ تِسْعَةُ آصُعٍ أَخَذَتْ مِنْك عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَإِنْ كَانَ الصِّيعَانُ مَجْهُولَةً لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْجُمْهُورُ وَغَيْرُهُمْ صِحَّةُ الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَتْ تِسْعَةَ آصُعٍ فَقَدْ بَاعَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَتُسُعٍ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ اهـ كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بَلْ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ لِأَنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا الْبُطْلَانَ وَالصِّحَّةَ عَلَى إرَادَتِهِمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ ظُهُورِهَا فِي الْمَعْنَى الْمُبْطِلِ إذْ قَوْلُهُ عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ أَوْ عَلَى أَنْ أَنْقُصَكَ ظَاهِرٌ بَلْ صَرِيحٌ فِي الشَّرْطِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْظُرُوا.
وَالْمُجَرَّدُ اللَّفْظُ فِيهِ بَلْ عَلَّقُوا الْحُكْمَ بِإِرَادَتِهِمَا إنْ أَرَادَا شَيْئًا وَإِلَّا فَالْبُطْلَانُ عَمَلًا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَإِذَا أَنَاطُوا الْحُكْمَ بِالْإِرَادَةِ هُنَا فَأَوْلَى فِي مَسْأَلَتِنَا لِمَا سَتَعْلَمُهُ مُوَضَّحًا مَبْسُوطًا وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمَا إذَا أَرَادَا بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ مَا قَدَّمْته آنِفًا صَحَّ الْبَيْعُ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ آخِرَ كَلَامِهِ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ فِي أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْإِرَادَةَ يُرْجَعُ إلَيْهَا وَإِنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَوْ قَصَّرَ عَنْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ مَدْلُولُهُ لَا يَفِي بِهَا وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ بِعْتُكهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ أَنْقُصَك صَاعًا دَالٌّ عَلَى رَدِّ صَاعٍ إلَيْهِ بِأَنْ يُسْقِطَهُ عَنْهُ فَلَا يَحْسَبُ فِي مُقَابَلَتِهِ ثَمَنًا فَرَدَّ الصَّاعَ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ هُوَ مَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ الْمَفْهُومِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ فَإِذَا أَرَادَ خِلَافَ هَذَا الْمَدْلُولِ وَهُوَ أَنَّهَا إنْ خَرَجَتْ تِسْعَةَ آصُعٍ أُخِذَ مِنْهُ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ وَصِيعَانُهَا مَعْلُومَة صَحَّ الْبَيْعُ نَظَرًا لِهَذِهِ الْإِرَادَةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ.
وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ ظَاهِر فِيمَا مَرَّ هُوَ مُحْتَمَلٌ لِذَلِكَ الْمُرَادِ فَصَحَّتْ إرَادَته مِنْهُ وَلَوْ عَلَى بَعْد وَمَعَ ذَلِكَ صَحَّحُوا الْبَيْع نَظَرًا لِهَذِهِ الْإِرَادَةِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى قَوْلِ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْعِبَارَةَ تَقْصُرُ عَنْ هَذَا الْحَمْلِ وَوَجْهُ مَا نَظَرُوا إلَيْهِ مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا قُصُورَهَا عَنْ الْحَمْلِ بِاعْتِبَارِ مَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِهَا بِبَادِئِ الرَّأْيِ إلَّا أَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ تَحْتَمِلُهُ وَإِذَا احْتَمَلَتْهُ صَحَّتْ إرَادَته مِنْهَا وَلَوْ عَلَى بَعْد كَمَا تَقَرَّرَ بِنَاء عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَحْتَفِ بِهِ قَرَائِن تُفِيد الْعِلْمَ خِلَافًا لِلْإِمَامِ وَهَذَا كُلّه أَعْدَلُ شَاهِدٍ وَأَظْهَرُ دَلِيل عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْعَاقِدَيْنِ إذَا أَرَادَا فِي مَسْأَلَتِنَا بِالسَّاعَةِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا مَا قَدَّمْته صَحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ اللَّفْظَ يَقْصُر عَنْ هَذَا الْمُرَادِ فَكَيْفَ وَاللَّفْظ ظَاهِرٌ إذْ مِنْ فِي قَوْلهمَا جَمِيع الْحِصَّةِ السَّقِيَّة الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَا تَحْتَمِلُ هُنَا عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ وَإِلْمَامٍ بِكَلَامِ أَئِمَّةِ النَّحْوِ غَيْر التَّبْعِيضِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا لِبَيَانِ مَحَلِّ الْبَيْعِ فَقَدْ سَاءَ فَهْمُهُ وَطَغَى قَلَمُهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى عِبَارَتِهِ مِنْ سُوءِ التَّحْرِيفِ وَالْغَلَطِ مَبْسُوطًا فِي الْخَاتِمَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ كَانَتْ صَرِيحَةً فِي اتِّحَادِ مَا بَعْدَهَا مَعَ مَا قَبْلَهَا مَفْهُومًا وَحَقِيقَةً فَهِيَ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْجُزْءُ إذْ لَا يُقَالُ سَاعَة مِنْ مَحَلِّ ذَلِكَ إلَّا مَعَ رِعَايَةِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ فَوَجَبَ النَّظَرُ إلَيْهَا لِدَلَالَةِ مِنْ عَلَيْهَا وَعَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ غَيْر مَفْهُومِهَا اللُّغَوِيِّ وَكَفَى مِنْ قَرِينَةٍ عَلَى هَذَا التَّجَوُّزِ الظَّاهِرِ وَقَدْ عَوَّلَ الْفُقَهَاءُ عَلَى
стр. 452
مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى احْتِمَالِ غَيْرِهَا الْمَرْجُوحِ إلَّا عَلَى بَحْثٍ ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعِبَارَتِهِ لَا إذَا قَالَ بِعْتُك مِنْهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَيَنْتَفِي التَّخْمِينُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا لَوْ قَصَدَا بِمِنْ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ أَوْ أَنَّهَا بَيَانٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ صَحَّ وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى قَصْدِ ذَلِكَ أَوْ أَطْلَقَا انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ كَيْف أَخَذُوا بِمَعْنَى مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِظُهُورِهِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى احْتِمَالِ كَوْنِهَا بَيَانِيَّةً أَوْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ إلَّا عَلَى ذَلِكَ الْبَحْثِ الْمُقَيَّد بِمَا إذَا أَرَادَ بِهَا أَحَدُ هَذَيْنِ بَلْ فِي هَذَا الْبَحْثِ الْمَأْخُوذِ مِنْ عِلَّتِهِمْ كَمَا عَلِمْته مِنْ الْعِبَارَةِ السَّابِقَةِ.
وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْخَادِمِ دَلَالَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ الْإِرَادَة لِأَنَّ الْبَيْعَ إذَا صَحَّ مَعَ إرَادَةِ غَيْر التَّبْعِيضِ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِر اللَّفْظِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ فِي مَسْأَلَتِنَا مَعَ إرَادَةِ التَّبْعِيضِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ مِنْ فَإِنْ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا قَدَّمْته هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجَ السَّاعَةِ عَنْ مَوْضُوعِهَا قُلْت لَا يَضُرُّنَا إرْخَاءُ الْعَنَانِ مَعَك وَإِنْ وَافَقْنَاك عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ لَكِنَّهُمَا إذَا نَوَيَا بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا يَصِحُّ الْبَيْعُ كَمَا عَلِمْته إنْ كَانَ لَك أَدْنَى فَهْمٍ مِنْ عِبَارَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ السَّابِقَةِ عَلَى أَنَّ مَا عَلَّلْت بِهِ دَعْوَاك عَدَم التَّسْلِيمِ مِنْ أَنَّ فِيهِ إخْرَاجَ السَّاعَةِ عَنْ ظَاهِرِهَا يُبْطِلُهُ أَنَّ لَفْظَ السَّاعَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَدْلُولَهُ الزَّمَانِيّ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ تَأْبَاهُ وَلَا تَحْتَمِلُهُ إذْ قَوْلُهُمَا جَمِيعُ الْحِصَّةِ السَّقِيَّة الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَةِ هُنَا جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ أَوْ جُزْءٌ مِنْ الْقَرَارِ فَالسَّاعَةُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِي مَدْلُولِهَا الزَّمَانِيِّ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ وَإِذَا خَرَجَتْ عَنْ مَدْلُولِهَا إلَى مَدْلُولٍ آخَرَ وَجَبَ النَّظَرُ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الْقَرَارِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَأَمَّا إرَادَةُ جُزْءٍ مِنْ الْمَاءِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مُضَافٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ مِنْ أَيْ الَّتِي قَدْرُهَا جُزْءَانِ مِنْ مَاءِ عَيْنِ كَذَا وَإِذَا دَار الْأَمْرُ بَيْنَ مَدْلُولِ لَفْظٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مَدْلُولِهِ بِتَقْدِيرٍ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ ظَاهِرَهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ وَكَانَ الثَّانِي خِلَافَ ظَاهِرِهِ فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْجُزْءَ مِنْ الْقَرَارِ هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ فَإِذَا أَرَادَهُ صَحَّ الْبَيْعُ كَمَا عُلِمَ بِالْأُولَى مِمَّا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَلْ عُلِمَ مِنْهُ كَمَا قَدَّمْته أَنَا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ خِلَاف ظَاهِر اللَّفْظ وَنَوَيَاهُ صَحَّ الْبَيْع.
فَإِنْ قُلْت لَا نُسَلِّم أَنَّ السَّاعَة هُنَا مُسْتَعْمَلَة فِي غَيْر مَدْلُولهَا الزَّمَانِيّ لِأَنَّ الْحِصَّة السَّقِيَّة اسْم لِلْمَاءِ وَاَلَّتِي قَدْرهَا سَاعَتَانِ تَقْدِير لَهُ بِالزَّمَانِ وَهَذَا هُوَ مَلْحَظ الْقَائِلِينَ بِالْبُطْلَانِ قُلْت زَعَمَ أَنَّ الْحِصَّة السَّقِيَّة اسْم لِلْمَاءِ بَاطِل كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْخَاتِمَة فِي الرَّدّ عَلَى مِنْ زَعَمَ ذَلِكَ بَلْ سَيَأْتِي ثُمَّ إنَّ السَّقِيَّة فَعَيْلَة بِمَعْنَى فَاعِلَة أَيْ سَاقِيَة وَهِيَ اسْم لِلْمَحَلِّ لَا لِلْمَاءِ وَكَيْف يُتَوَهَّم مَعَ قَوْلهمَا السَّابِق فِي السُّؤَال بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَة مِنْ حَقٍّ مِنْ قَرَار الْعَيْن الْمَذْكُورَة وَمَقَرِّهَا وَمَمَرّهَا وَشُعُوبهَا وَذُيُولهَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ مِنْ فَضْل اللَّه تَعَالَى.
فَقَوْلهمَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا صَرِيح فِي أَنَّ الْمُرَاد بِالْحِصَّةِ السَّقِيَّة جُزْءٌ مِنْ الْقَرَار إذْ لَوْ أُرِيد بِهَا جُزْءٌ مِنْ الْمَاء لَمْ يَصِحّ قَوْلهمَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ وَإِذَا بَطَل أَنَّ الْمُرَاد بِالْحِصَّةِ السَّقِيَّة جُزْء مِنْ الْمَاء بَطَل أَنْ يُرَاد بِالسَّاعَتَيْنِ تَقْدِير الْمَاء بِزَمَنِ إذْ لَا مَاء مَذْكُور حِينَئِذٍ حَتَّى يُقَدَّرَ بِزَمَنٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّاعَة هُنَا مُسْتَعْمَلَة فِي غَيْرِ مَدْلُولِهَا فَإِنْ قُلْت كَمَا أَنَّ قَوْلَهُمَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِصَّةِ جُزْءٌ مِنْ الْقَرَارِ كَذَلِكَ قَوْلُهُمَا مِنْ حَقّ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَمَقَرِّهَا وَمَمَرِّهَا وَشُعُوبِهَا وَذُيُولِهَا وَمَجَارِي مَائِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِصَّةِ جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ فَمَا الْمُرَجَّحُ قُلْت الْمُرَجَّحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْ الْمَاءِ وَقَوْلُهُمَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ فَقَدَّمْنَا الصَّرِيحَ عَلَى الْمُحْتَمَلِ وَوَجْه احْتِمَالِهِ أَنَّ قَوْلَهُمَا مِنْ حَقٍّ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْأُولَى فِيهِ بَيَانًا لِمَا فِي بِمَا وَمِنْ الثَّانِيَةِ يُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لِحَقٍ أَيْ مِنْ حَقٍّ هُوَ الْقَرَارُ وَالْمَقَرُّ إلَخْ وَأَنْ تَكُونَ لِلِابْتِدَاءِ لِوُجُودِ شَرْطِهَا الْمُقَرَّرِ فِي الرِّضَى وَغَيْرِهِ
стр. 453
أَيْ مُبْتَدَأ مِنْ الْقَرَارِ وَأَنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً أَيْ مِنْ بَعْضِ الْقَرَارِ وَالِاحْتِمَالَانِ الْأَوَّلَانِ يَقْتَضِيَانِ الْجُزْءَ مِنْ الْمَاءِ.
وَالثَّالِثُ يَقْتَضِي الْجُزْءَ مِنْ الْقَرَارِ فَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ مُحْتَمَلًا وَكَانَ قَوْلُهُمَا وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي الْمَعْطُوفُ عَلَى مِنْ حَقٍّ لَا عَلَى مِنْ قَرَارٍ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِصَّةِ الْجُزْءُ مِنْ الْقَرَارِ فَأَخَذْنَا بِالصَّرِيحِ وَتَرَكْنَا الْمُحْتَمَلَ هَذَا إنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُمَا مِنْ حَقٍّ مِنْ قَرَارِ الْعَيْنِ إلَخْ كَمَا رَأَيْته فِي بَعْضِ الْأَسْئِلَةِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْعَيْنِ إلَخْ كَمَا رَأَيْته فِي سُؤَالٍ آخَرَ فَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا قُلْنَاهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَمَقَرِّهَا وَمَمَرِّهَا إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى الْعَيْنِ أَيْ مِنْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقٍ الْعَيْنِ وَحُقُوقِ مَقَرِّهَا إلَخْ وَانْظُرْ قَوْلَ الْمُوَثَّقِ وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى مَا مَرَّ قَبْلَهُ بَلْ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ حَقٍّ فَكَأَنَّهُ يُبَيِّنُ مَا لِلْحِصَّةِ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا حُقُوقُ الْعَيْنِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي الْمَاءُ الْجَارِي بِهَا وَبِهَذَا يُتَّجَهُ أَتَمَّ اتِّجَاهٍ مَا قَرَّرْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَا حَاصِلُهُ لَوْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ نَحْوِ أَرْضٍ مَجْهُولَةِ الذِّرَاعِ لَمْ يَصِحَّ نَعَمْ إنْ عَيَّنَا ابْتِدَاءَ الذِّرَاعِ مِنْ طَرَفٍ لَا مِنْ غَيْرِهِ كَ (بِعْتُكَ) ذِرَاعًا مِنْ هُنَا فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فِي الطُّولِ أَوْ عَكْسِهِ صَحَّ وَمَتَى عَلِمَ ذَرْعَهَا وَأَرَادَا أَوْ أَحَدُهُمَا مُعَيَّنًا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ لَمْ يُرِيدَا وَلَا أَحَدهمَا ذَلِكَ صَحَّ وَنَزَلَ عَلَى الْإِشَاعَةِ فَإِنْ اخْتَلَفَا صُدِّقَ الْمُعَيَّن أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَائِعُ أَمْ الْمُشْتَرِي خِلَافًا لِبَعْضِ شُرَّاحِ الْإِرْشَادِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ الذِّرَاعِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنَى الْإِشَاعَةِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ قَالَ لِآخَرَ خُذْهُ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ ثُمَّ قَالَ الْمَالِكُ أَرَدْت النِّصْفَ لِي أَيْ لِيَبْطُلَ الْعَقْدُ لِلْجَهْلِ بِحِصَّةِ الْعَامِلِ حِينَئِذٍ وَادَّعَى الْعَامِلُ الْعَكْسَ لِيَصِحَّ إذْ مَا فَضُلَ عَنْهُ يَسْتَحِقُّهُ الْمَالِكُ عَلَى الْأَصْلِ فَإِنَّ الْعَامِلَ يُصَدَّقُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَالظَّاهِرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمُعَيَّنِ لِمَا مَرَّ اهـ فَتَأَمَّلْ تَفْصِيلَهُمْ فِي الْمَعْلُومَةِ الذَّرِعَانِ بَيْنَ أَنْ يُرِيدَا مُعَيَّنًا أَوْ لَا مَعَ قَوْلِهِمْ أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ الذِّرَاعِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنَى الْإِشَاعَةِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِي أَنَّ الْإِرَادَةَ يُدَارُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ صِحَّةً وَفَسَادًا سَوَاءٌ أَكَانَ مَا أَرَادَهُ مُوَافِقًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَوَلَا.
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ يُحْتَمَلُ وَلَوْ بِتَأْوِيلٍ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَعَلِمْت أَنَّهُ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ اتَّضَحَ لَك مَا قُلْنَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ أَنَّهُمَا إذَا أَرَادَا بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ مَا قَدَّمْته صَحَّ الْبَيْعُ سَوَاءٌ أَجَعَلْنَا ذَلِكَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَمْ جَعَلْنَاهُ مُحْتَمِلًا مِنْهُ وَلَوْ بِتَأْوِيلِ وَإِذَا قَامَ الْبُرْهَانُ عِنْدَك فِيمَا مَرَّ أَنَّ لِلَّفْظِ إشْعَارًا ظَاهِرًا بِذَلِكَ الْمُرَادِ فَلْيَصِحَّ الْبَيْعُ إذَا أَرَادَاهُ كَمَا نَطَقَ بِهِ كَلَامُهُمْ وَتَعْلِيلُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ السَّابِقَةِ.
فَإِنْ قُلْت قَضِيَّة قَوْلِهِمْ فَإِنْ اخْتَلَفَا صُدِّقَ الْمُعَيَّنُ إلَخْ أَنَّ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ وَارِثِيهِمَا أَوْ وَارِثَ أَحَدِهِمَا وَالْآخَر فِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي إرَادَةِ الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَرَدْنَاهُ وَقَالَ الْآخَرُ أَرَدْنَا جُزْءًا مِنْ الْمَاءِ صُدِّقَ الثَّانِي فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ قُلْت هُنَا تَحْقِيقٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ وَهُوَ أَنَّهُمْ عَلَّلُوا الْبُطْلَانَ فِي مَسْأَلَتِهِمْ بِتَعْلِيلَيْنِ قَدَّمْنَاهُمَا فَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ يُصَدَّقُ مُدَّعِي إرَادَةِ الْمَاءِ حَتَّى يُبْطِلَ الْبَيْعَ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهُ أَعْرِفُ بِنِيَّتِهِ وَعَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي يُصَدَّقُ مُدَّعِي إرَادَةِ الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ حَتَّى يَصِحَّ الْبَيْعُ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ هَذَا إنْ جَعَلْنَا كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ تَعْلِيلًا مُسْتَقِلًّا.
وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُوَافِقُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ تَرْكِيبِ الْعِلَّةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَإِنْ جَعَلْنَا الْعِلَّةَ مُرَكَّبَةً مِنْهُمَا اقْتَضَى ذَلِكَ تَصْدِيقَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ أَيْضًا فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ مُدَّعِي الْبُطْلَانِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ أَعْرَفَ بِنِيَّتِهِ لَكِنَّهُ مُدَّعٍ مَا لَيْسَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ كَمُدَّعِي الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَتِهِمْ لِأَنَّهُ ثَمَّ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ وَدَعْوَاهُ مُوَافِقَةٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَدَعْوَى مُدَّعِي الصِّحَّةِ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْإِشَاعَةَ لَا تُفْهَمُ مِنْ مُطْلَقِ لَفْظِ الذِّرَاعِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَأَمَّا مُدَّعِي الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَدَعْوَاهُ مُوَافِقَةٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ كَمَا عَلِمْته مِمَّا تَقَرَّرَ مَبْسُوطًا قَبْلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَدِّقَ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي دَعْوَى الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْهَا تِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَصُدِّقَ فِيهَا مُدَّعِي الْبُطْلَانِ لِلْمَعْنَى الْمُرَكَّبِ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ انْضَمَّ لِكَوْنِهِ أَعْرَفَ بِنِيَّتِهِ أَنَّ دَعْوَاهُ مُوَافِقَةٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَدَعْوَى خَصْمِهِ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِهِ.
стр. 454
فَإِنْ قُلْت قَدْ اتَّضَحَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا قُلْنَا بِتَرْكِيبِ الْعِلَّةِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ كَمَا مَرَّ. وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ التَّرْكِيبِ الْمُوَافِقِ لِلْأَصْلِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ
قُلْت الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا هُوَ الثَّانِي وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا الْفَارِقَ بَيْنَ مَا قَالُوهُ مِنْ تَصْدِيقِ الْبُطْلَانِ فِي صُورَةِ الْأَرْضِ وَمُدَّعِي الصِّحَّةِ فِي صُورَةِ الْقِرَاضِ إلَّا مَا أَفَادَهُ التَّعْلِيلُ الثَّانِي وَلَوْ نَظَرْنَا لِلتَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ لَوَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ التَّنَاقُضُ فَدَلَّ تَصْرِيحُهُمْ بِتَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةِ فِي صُورَةِ الْقِرَاضِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا لِكَوْنِهِ أَعْلَمَ بِنِيَّتِهِ وَإِنَّمَا نَظَرُوا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنهمَا وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ فِي صُورَةِ الْقِرَاضِ مَعَ الْعَامِلِ فَصُدِّقَ وَحُكِمَ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَفِي صُورَةِ الْأَرْضِ مَعَ الْمُعَيَّنِ فَصُدِّقَ وَحَكَمَ بِالْبُطْلَانِ وَمِنْ هَذَا يَنْشَأُ لَك ضَابِطٌ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ وَارِثِيهِمَا أَوْ وَارِثَ أَحَدِهِمَا وَالْآخَر مَتَى اخْتَلَفَا فِي الْإِرَادَةِ صَدَقَ مُدَّعِي إرَادَةِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ سَوَاءٌ اقْتَضَتْ إرَادَتُهُ الصِّحَّةَ أَمْ الْفَسَادَ وَإِذَا اتَّضَحَتْ لَك هَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَمَا عَلِمْت أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ اتَّجَهَ لَك مَا قُلْنَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ تَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةِ لِمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ مُوَافِقٌ لِدَعْوَاهُ هَذَا إنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ الصَّادِرَةُ بَيْنهمَا مَا مَرَّ فِي السُّؤَالِ أَمَّا إذَا كَانَتْ بِعْتُك سَاعَةً مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا وَلَمْ يَزِيدَا عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ أَرَادَا بِالسَّاعَةِ مَا قَدَّمْته صَحَّ الْبَيْعُ هَذَا أَيْضًا وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ لِمَا مَرَّ مَبْسُوطًا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ إرَادَتهمَا فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَقَضِيَّة مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَأَنَّهَا قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ وَأَنَّ إرَادَةَ الْمَاءِ تَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ مُضَافٍ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ تَصْدِيق مُدَّعِي الصِّحَّةِ هُنَا أَيْضًا لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ مَعَهُ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الثَّمَرَةَ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ إلَّا مَا يَخُصُّ الْأَلْفَ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّمَنِ صَحَّ الْبَيْعُ وَكَانَ اسْتِثْنَاءً لِلثُّلُثِ وَإِنْ أَرَادَا مَا يَخُصُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيمَةِ أَوْ لَمْ يُرِيدَا شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ حِينَئِذٍ اهـ فَتَأَمَّلْ تَعْوِيلَهُمْ عَلَى الْإِرَادَةِ فِي هَذَا اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ وَإِنَاطَتهمْ الصِّحَّةَ بِمَا إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْبُطْلَانِ بِمَا إذَا أَرَادَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ أَطْلَقَا وَلَمْ يَنْظُرُوا مَعَ الْإِرَادَةِ إلَى أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِ الْمُرَادِ أَوَّلًا لِمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ أَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَلَوْ بِتَأْوِيلٍ صَحَّتْ إرَادَتُهُ مِنْهُ وَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهَا صِحَّةً وَفَسَادًا وَمِنْهَا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَّا عَشْرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ إنْ عَلِمَا قِيمَةَ الدِّينَارِ بِالدَّرَاهِمِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا هَذَا كَلَامُهُمَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْفِي عِلْمُهُمَا بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْقِيمَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ قَصْدُهُمَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْهَا وَقَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ إذَا بَاعَهُ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا صَحَّ عَلَى الْمَشْهُورِ غَرِيبٌ وَإِلَّا صَحَّ أَنَّهُمَا إذَا عُلِمَتْ قِيمَتُهُ وَقَصَدَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْهَا صَحَّ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْبَيَانِ وَلَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ صَرْفِ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمُسَمَّى هِيَ الدَّرَاهِمُ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ وَلَا تَصِير مَعْلُومَةً بِذِكْرِ قِيمَتِهَا قَالَ وَإِنْ كَانَ نَقْدُ الْبَلَدِ صَرْفَ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا لِأَنَّ السِّعْرَ مُخْتَلِفٌ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنَقْضِ الْبَلَدِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَهَكَذَا تَفْعَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ يُسَمُّونَ الدَّرَاهِمَ وَيَتَبَايَعُونَ بِالدِّينَارِ وَيَكُونُ كُلُّ قَدْرٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَعْلُومٍ عِنْدهمْ دِينَارًا قَالَ وَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الدَّنَانِيرِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَا يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ هَذَا مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
بَلْ الْأَصَحُّ صِحَّةُ الْبَيْعِ بِالْكِنَايَةِ كَمَا سَبَقَ أَوَّلَ كِتَابِ الْبَيْعِ وَعَلَى هَذَا إذَا عُبِّرَ بِالدَّنَانِيرِ عَنْ الدَّرَاهِمِ صَحَّ اهـ كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفِي النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي الْآنَ وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَّلَ قَوْلَهُ صَحَّ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِهَا عَنْهَا مَجَازًا كَقَوْلِهِ فِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا هَذِهِ دِينَارٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ صَرْفُهَا أَيْ هَذِهِ صَرْفُ دِينَارٍ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ اهـ فَانْظُرْ تَفْصِيلَهُ فِي مِائَةِ دِينَارٍ إلَّا عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَفِي مِائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَا الْقِيمَةَ وَيَقْصِدَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْهَا فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَإِنْ لَا يَعْلَمَاهَا أَوْ لَا يَقْصِدَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْهَا فَلَا يَصِحُّ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِي جَرَيَانِ التَّفْصِيلِ الَّذِي قَدَّمْته فِي مَسْأَلَتِنَا وَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا
стр. 455
إذَا أَرَادَ بِالسَّاعَةِ مَا مَرَّ بَلْ مَسْأَلَتُنَا أَوْلَى فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَلْفُوظِ قَبْلَهُ وَهُوَ هُنَا فِي صُورَةِ الصِّحَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْقِيمَةِ الْمَنْوِيَّة مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَنْوِيِّ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا عَلَى مَا يَأْتِي فَإِذَا أَثَّرَتْ فِيهِ النِّيَّةُ وَأَخْرَجَتْهُ عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ مُطْلَقًا فَأَوْلَى أَنَّ النِّيَّةَ تُؤَثِّرُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَتُفِيدُ الصِّحَّةَ فِي الْحَالَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا.
وَانْظُرْ أَيْضًا تَضْعِيفه لِكَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ مَعَ تَسْلِيمِهِ لِتَعْلِيلِهِ بِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الدَّنَانِيرِ وَقَدْ سَبَقَ ابْنَ الصَّبَّاغِ بِذَلِكَ جَمِيعَهُ شَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَانْظُرْ أَيْضًا هَذَا التَّجَوُّزَ الَّذِي نَظَرَ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَمَا فِيهِ مِنْ تَكَلُّفٍ أَنَّهُ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ حَتَّى يَصِحَّ الْمَعْنَى عَمَلًا بِأَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْكِنَايَةِ فَظَهَرَ لَك مِمَّا تَقَرَّرَ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْكِنَايَةِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَا يَصِحُّ بِهَا فِي الصِّيغَةِ وَفِي أَنَّهُمَا لَوْ نَوَيَا بِاللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ صَحَّ الْبَيْعُ نَظَرًا لِتِلْكَ النِّيَّةِ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْوِيِّ وَحِينَئِذٍ إذَا نَوَيَا بِالسَّاعَةِ مَا مَرَّ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِالسَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ عَنْ الْجُزْءِ مِنْهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِالْكِنَايَةِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُعَبَّرْ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ عَنْ الْمَعْنَى الْمَنَوَيَّ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْتَفَ بِالنِّيَّةِ قَرَائِن تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْمَنْوِيِّ وَلَا تُجْزِي تِلْكَ الْقَرَائِنُ بِلَا نِيَّةٍ خِلَافًا لِلْإِمَامِ.
وَمَرَّ فِي الْجَوَابِ الْمَبْسُوطِ رَدُّ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ وَقَدْ قَدَّمْت لَك مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْمُثَمَّنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَخِيرَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي أَنَّ النِّيَّةَ تُؤَثِّرُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ نَافَاهَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ.
فَإِنْ قُلْت صَرَّحُوا فِي النَّقْدَيْنِ الْمُخْتَلِفِي الْقِيمَةِ وَلَا غَالِبَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ لَفْظًا وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ بِخِلَافِهِ فِي الْخُلْعِ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ وَفِيمَا لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ بَنَاتٌ زَوَّجْتُك بِنْتِي وَنَوَيَا وَاحِدَةً لِأَنَّ ذِكْرَ كُلٍّ مِنْ الْعِوَضَيْنِ هُنَا وَاجِبٌ فَاحْتِيطَ لَهُ بِذَكَرِهِ لَفْظًا بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَهَذَا يُعَارِضُ مَا مَرَّ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ قُلْت لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِيمَا مَضَى وَقَعَتْ فِي لَفْظٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى تَرْكِيبٍ يَحْتَمِلُ مَعْنًى صَحِيحًا وَمَعْنًى فَاسِدًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ فَصَحَّ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْوِيلٌ عَلَى النِّيَّةِ وَحْدَهَا بَلْ عَلَى مَا يُوَافِقُهَا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَأَمَّا هُنَا فَفِيهِ تَعْوِيلٌ عَلَيْهَا وَحْدَهَا إذْ الدِّينَارُ فِي بِعْتُك بِدِينَارٍ مَثَلًا وَالْحَالُ أَنَّ ثَمَّ دَنَانِيرَ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةِ الْقِيمَةِ وَالْغَلَبَةُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِوَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ بِعَيْنِهِ فَإِذَا نَوَيَا نَوْعًا مِنْهَا كَانَ فِيهِ إعْمَالٌ لِلنِّيَّةِ وَحْدَهَا لِأَنَّ الْمَلْفُوظَ بِهِ لَا إشْعَارَ لَهُ بِوَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ الْعَامِّ وَهُوَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى خُصُوصِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ فَلَمْ تَصِحَّ إرَادَةُ نَوْع مِنْهَا.
وَأَيْضًا فَالدِّينَارُ مَثَلًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَجْهُولٌ وَالْبَيْعُ بِالْمَجْهُولِ بَاطِلٌ إذْ لَا تَأْثِيرَ لِلنِّيَّةِ فِيهِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ وُقُوعِ التَّنَازُعِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا إلَى غَايَةٍ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَتْ نِيَّتُهُمَا إذْ لَا مَرْجِعَ يَرْجِعَانِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الدِّينَارَ لَا ظُهُورَ لَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِهِ دُونَ بَعْضٍ بَلْ دَلَالَتُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ فَإِنَّ اللَّفْظَ فِيهَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَعْنَى وَمُحْتَمِلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ فَإِذَا نَوَيَا الْغَيْر وَاتَّفَقَا عَلَى نِيَّتِهِ صَحَّ وَإِلَّا حَكَمْنَا عَلَيْهِمَا بِمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ لَفْظِهِمَا وَهَذَا الْفَرْقُ أَوْضَحُ مِنْ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَدَقَّ وَبِهِ يَتَّضِحُ لَك أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فِيمَا لَوْ قَالَ زَوْجَتُك بِنْتِي وَنَوَيَا وَاحِدَة وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ بِنْتِي لَيْسَ جِنْسًا شَامِلًا لِأَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ وَلَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِوَصْفٍ لَازِمٍ مُضَافٍ إلَيْهِ انْحَصَرَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ فِي أَشْخَاصٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِذَا نَوَيَا وَاحِدَةً مِنْهَا صَحَّ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْوِيلٌ عَلَى النِّيَّةِ وَحْدَهَا لِتَعَيُّنِ تِلْكَ الْأَشْخَاصِ وَانْحِصَارِهَا وَعَدَمِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لِغَيْرِهَا.
وَهَذَا الْجَوَابُ أَوْلَى وَأَوْضَحُ مِنْ الْجَوَابِ السَّابِقِ آنِفًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ دَقِيقِ الْفِقْهِ الْبَعِيدِ عَلَى أُولَئِكَ تَصَوُّرِ بَعْضِهِ فَضْلًا عَنْ نَقْضِهِ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] وَإِلَّا حُرِمْتُمْ الظَّفْرَ بِوَصْلِهِ.
فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ بِعْتُك بِدِينَارٍ وَأَرَادَ بِهِ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنْ الدَّرَاهِمِ لَمْ يَصِحَّ قُلْت يُوَجَّهُ بِمُخَالَفَتِهِ لِعُرْفِ الشَّرْعِ فِي الدِّينَارِ مَعَ تَصْيِيرِ الثَّمَنِ حِينَئِذٍ مَنْوِيًّا
стр. 456
وَهَذَا لَا يَكْفِي فَإِنْ قُلْت يَرُدُّ عَلَى مَا قَرَّرْته فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعِهِ الْقَاعِدَةُ الْمَشْهُورَةُ وَهِيَ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ لَا يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَغْيِيرُ اللُّغَةِ بِالِاصْطِلَاحِ وَهَلْ يُجَوِّزُ لِلْمُصْطَلِحِينَ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ أَصْلِ الْمَعْنَى وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ التَّخْصِيصِ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَالْمُخْتَار الثَّانِي وَمِنْ فُرُوعِهَا لَوْ اتَّفَقَ الْخَاطِبُ وَالْمَخْطُوبَةُ عَلَى أَنْ يُعَبَّرَ فِي الْعَقْد عَنْ الْأَلْفِ بِأَلْفَيْنِ وَجَبَا عَلَى الْأَظْهَرِ إعْمَالًا لِلَّفْظِ الصَّرِيحِ وَمُقَابِلُهُ يَجِبُ أَلْفٌ فَقَطْ عَمَلًا بِاصْطِلَاحِهِمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْمُتَلَقَّاةُ مِنْ الْأَلْفَاظِ.
فَلَوْ قَالَ إذَا قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ بَلْ الْقِيَامَ مَثَلًا أَوْ وَاحِدَةً لَمْ يُعْتَبَرْ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ عَمَّ فِي نَاحِيَة اسْتِعْمَالِ الطَّلَاق فِي إرَادَةِ الِانْطِلَاقِ ثُمَّ خَاطَبَهَا بِهِ مُرِيدًا بِهِ حَلَّ الْوَثَاق لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَالْعُرْفُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي إزَالَةِ الْإِيهَامِ لَا فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ اهـ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ مَتَى قُلْت أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّ أُرِيدُ الطَّلَاقَ ثُمَّ قَالَهُ فَقِيلَ تَطْلُقُ عَمَلًا بِمَا قَالَهُ قَبْل وَالْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ نِيَّتَهُ تَغَيَّرَتْ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ أَمَةٌ أُرِيدُ أَنْ أُلَقِّبَهَا بِحُرَّةٍ ثُمَّ قَالَ يَا حُرَّةُ فَفِي الْبَسِيطِ الظَّاهِرِ أَنَّهَا لَا تَعْتِقُ إذَا قَصَدَ النِّدَاءَ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ أُرِيد أَنْ أُقِرَّ بِمَا لَيْسَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْف قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ لُغِيَ إقْرَاره وَقَالَ صَاحِب التَّتِمَّةِ الصَّحِيحُ لُزُومه كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْف لَا تَلْزَمُنِي قُلْت لَيْسَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَلَا فِي فُرُوعهَا مَا يُشْكِلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ إلَّا عَلَى مَا قَالُوهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَحَلّ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَمَا عَلِمْت مِنْ تَقْرِيرِهَا أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ لَهُ مَدْلُولٌ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ ثُمَّ يُرَادُ بِهِ لَفْظٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى هَذَا النَّقْلِ وَالِاسْتِعْمَالُ غَيْرُ مُجَرِّدِ الِاتِّفَاقِ وَالِاصْطِلَاحُ السَّابِقُ عَلَى أَنْ يُعَبَّرَ بِهَذَا عَنْ هَذَا وَلِذَلِكَ اتَّضَحَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ وَالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ فِيهِ إلْغَاءَ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ مَعَ صِحَّةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَدْلُولِهِ بِمُجَرَّدِ اصْطِلَاحٍ سَابِقٍ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِضَعْفِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ وَهِيَ اصْطِلَاحُ السَّابِقِ عَلَى أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الصَّرِيحِ وَيُصْرِفَهُ إلَى غَيْرِ مَدْلُولِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ بِالْمُعَاطَاةِ وَإِنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بَعْدَهَا بَيْعًا وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الصَّانِعُ شَيْئًا بِغَيْرِ عَقْدٍ وَإِنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِأُجْرَتِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ وَلَا يُتَوَهَّمُ عَاقِلٌ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ إلْغَائِهِ وَبِالْقَرِينَةِ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَدْلُولِهِ.
وَهِيَ قَوْلُهُمَا هُنَا مِنْ قَرَارِ كَذَا فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَا تُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَشَتَّانَ بَيْن لَفْظٍ صَرِيحٍ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَدْلُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ تَقَدَّمَتْهُ قَرِينَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْد اسْتِعْمَالِهِ أُرِيدَ صَرْفُهُ عَنْ مَدْلُولِهِ ذَلِكَ إلَى مَدْلُولٍ آخَرَ لَمْ يُذْكَرْ هُوَ وَلَا مَا يَدُلّ عَلَيْهِ لِمُجَرَّدِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ الضَّعِيفَةِ وَلَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَدْلُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ اقْتَرَنَ بِهِ لَفْظٌ صَرِيحٌ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ الْمُمْكِنِ صَرْف ذَلِكَ اللَّفْظ إلَيْهِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّجَوُّزِ لِتِلْكَ الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ الْقَوِيَّةِ وَمَعَ هَذَا الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْن هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ لَا يُتَخَيَّلُ الْتِبَاسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْته قَوْلُهُمْ الصَّرِيحُ يَصِيرُ كِنَايَةً بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ كَانَتْ طَالِق مِنْ وَثَاقٍ لِأَنَّ أَوَّل اللَّفْظ مُرْتَبِطٌ بِآخِرِهِ.
وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَمَّا يُقَالُ قَدْ يَعْقُبُهُ بَعْدَ طَلَّقْتُكِ الصَّرِيح نَدَمٌ فَيَقُولُ مِنْ وَثَاقٍ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّوَهُّمِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِجَمِيعِهِ لَا بِبَعْضِهِ كَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ خَافَ مِنْ النَّفْيِ فَاسْتَدْرَكَ بِالْإِثْبَاتِ.
وَيُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْته أَيْضًا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي الْإِقْرَارِ اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي التَّصْدِيقِ قَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهِ قَرَائِنُ تَصْرِفُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى الِاسْتِهْزَاءِ وَبَعْدَ أَنْ اتَّضَحَ لَك هَذَا الْمَقَامُ وَزَالَ عَنْك مَا اسْتَوْلَى عَلَى الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَتِنَا مُطْلَقًا مِنْ الْعِنَادِ وَالْإِيهَامِ صَارَ الْحَقُّ لَدَيْكَ جَلِيًّا وَالْمُخَالِفُ فِيمَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالصِّحَّةِ فِي الْحَالَةِ السَّابِقَةِ غَبِيًّا وَسَاغَ لَك أَنْ تُؤَكِّدَ بِالْأَيْمَانِ لَمَّا قَامَ عِنْدَك مِنْ جَلِيِّ
стр. 457
الْبُرْهَانِ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَسْتَنِدُوا فِيمَا قَالُوهُ إلَّا لِمَحْضِ الْعِنَادِ وَالتَّقْلِيدِ وَالْجُمُودِ عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَةٍ لَمْ يُؤَيِّدْهُ بِنَقْلٍ وَلَا بِأَدْنَى تَأْيِيدٍ هَذَا مَعَ صَرِيحِ عِبَارَاتِ الْأَئِمَّةِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَوْضَحْنَاهُ وَقَرَّرْنَاهُ حَتَّى صَارَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْإِيضَاحِ وَالظُّهُورِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
[الْبَابُ الثَّانِي بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ) وَهِيَ مَا إذَا أَرَادَ بِالْحِصَّةِ السَّقِيَّةَ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ عَمَلًا بِنِيَّتِهِمَا لِأَنَّ بَيْعَ الْمَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَاطِلٌ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ بَيْعِ الْمَاءِ وَمِلْكِهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ قَنَاةٍ وَذَلِكَ الْقَرَارُ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَنْبُعُ مِنْهُ أَوْ يَصِلَ إلَيْهِ ثُمَّ يُسْقَى مِنْهُ الْأَرَاضِي فَالْأَوَّلُ إنْ مَلَكَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعُ كَانَ الْمَاءُ مَمْلُوكًا لَهُمْ عَلَى حَسْبِ الشَّرِكَةِ فِي الْقَرَارِ وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ هُنَا إنْ قُدِّرَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ كَالنِّصْفِ أَوْ بِنَحْوِ مِائَةِ رِطْلٍ لَا بِنَحْوِ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ وَلَا يُنَافِيهِ ذِكْرُهُمْ فِي قِسْمَةِ مَاءِ الْقَنَاةِ الْمُهَيَّأَةِ بِالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ يُتَسَامَحُ فِيهَا مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي الْبَيْع لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ بَيْعًا حَقِيقِيًّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إذْ هِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِفْرَازِ ثُمَّ تَارَةً يَغْلِبُ شَبَهُهَا بِالْبَيْعِ وَتَارَةً يَغْلِبُ بِالْإِفْرَازِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ الْجَوَابَ عَنْ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ كَلَامًا طَوِيلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يُبَيِّن أَنَّ الْأَوْجُهَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمُهَايَأَةِ مِنْ تَفَارِيعِ قَوْلِنَا بِأَنَّ مَاءَ النَّهْرِ وَالْقَنَاةِ يُمَلَّكُ أَوْ لَا يُمَلَّكُ بَلْ أَطْلَقَ الْكَلَامَ إطْلَاقًا تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ وَإِمَامِهِ.
وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ مَمْلُوكٌ فَكَيْفَ يَنْقَدِحُ الْقَوْلُ بِالْقِسْمَةِ مُهَايَأَةً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعُ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ فَهَذَا مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي كَلَامِهِمْ هَذَا فَتَأَمَّلْهُ اهـ وَكَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي جَرَيَانِ الْمُهَايَأَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمِلْكِ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ وَإِنْ قُلْنَا الْقِسْمَةُ بَيْعٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ كُلٍّ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَحَلَّ النَّبْعِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا كَانَ الْمَمْلُوكُ هُوَ الْمَحَلَّ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ أَوْ يَصِلُ إلَيْهِ فَالْمَاءُ الْجَارِي فِيهِ أَوْ الْوَاصِلُ إلَيْهِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إبَاحَتِهِ ثُمَّ إذَا صَدَرَ بَيْعٌ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ الْمَمْلُوكِ أَوْ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ مَعْلُومٍ صَحَّ وَلَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْبَيْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ أَوْ يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَمَحَلُّ النَّبْعِ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ أَوْ كَانَ أَعْنِي مَحَلَّ النَّبْعِ مَجْهُولًا وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى مِلْكِهِ كَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ أَوْ السَّقْيِ مِنْهُ أَخْذًا مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ الْآتِيَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَمْ يَصِحَّ وَإِنَّمَا الَّذِي يَدْخُلُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ الْمُسَمَّى بِالشِّرْبِ وَمِمَّا يُحْكَمُ فِيهِ بِمِلْكِ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ يَدٌ وَانْتِفَاعٌ لِأَنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ دَالٌّ عَلَى الْمِلْكِ لَهُ وَلِلْمَاءِ النَّابِعِ لَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَعْنِي مِلْكَهُ لِمَحَلِّ النَّبْعِ وَشَاهِدُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا تُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ يُدْرَ أَنَّهُ حَفْرٌ أَوْ انْخَرَقَ حُكْمُنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ وَخَرَجَ بِقَوْلِي فِيمَا مَرَّ وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ أَمَّا الْمَاء الْجَارِي فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا بَيْعُ نَصِيبِهِ مِنْهُ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ وَلِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ وَلِأَنَّ الْجَارِي وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ فِي صُورَةِ مِلْكِ مَحَلِّ النَّبْعِ فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ لِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِهِ فَطَرِيقُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَمْلِكَهُ أَوْ يَسْتَحِقَّهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَحَلَّ النَّبْعِ الْمَمْلُوكِ أَوْ الْقَنَاة أَوْ مُجْتَمَعَ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ فَإِذَا مَلَكَ الْأَوَّلُ مَلَكَ الْمَاءَ.
وَإِذَا مَلَكَ أَحَدَ الْأَخِيرَيْنِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مِلْكَ الْمَاءِ وَبَيْعَهُ وَفِيهِ زِيَادَةُ بَسْطٍ تَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَاتِ الرَّوْضَةِ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى شِبْهِ تَنَاقُضٍ وَبِمَا قَرَّرْته إنْ فَهِمْتَهُ. تَعْلَمْ مَحَلَّ قَوْلِ الْبَحْرِ. لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمِيَاهِ مِنْ الْقَنَاةِ وَالْعُيُونِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهَا لِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِهِ وَالْحِيلَةُ
стр. 458
فِي اسْتِحْقَاقِهَا أَنْ يَعْقِدَ عَلَى الْقَرَارِ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ فَيَشْتَرِي نَفْسَ الْقَنَاةِ أَوْ سَهْمًا مِنْهَا فَإِذَا مَلَكَ الْقَرَارَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ عَلَى قَوْل الْكُلّ اهـ وَبِهِ يُعْلَمُ أَيْضًا مَحَلُّ قَوْلِ الْبَيَانِ لَا يَصِحُّ بَيْعُ سَهْم مِنْ مَاءِ كَذَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَكَذَا لَا يَصِحّ أَنْ يَقُول بِعْتُك لَيْلَة أَوْ يَوْمًا مِنْ مَاءِ كَذَا لِأَنَّ الزَّمَان لَا يَصِحّ بَيْعه.
وَلَكِنَّ الْحِيلَةَ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِي مَاء الْعَيْن أَوْ سَهْمًا مِنْهَا أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَيْن نَفْسهَا أَوْ سَهْمًا مِنْهَا هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا اهـ وَلَا بَأْس بِالتَّنْبِيهِ هُنَا عَلَى فَائِدَةٍ حَسَنَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ وَهِيَ أَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَلَا يَجُوزُ بَيْع مَاءِ الْبِئْر وَالْقَنَاة فِيهِمَا لِأَنَّهُ مَجْهُول وَيَزِيد شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِط فَيَتَعَذَّر التَّسْلِيم وَإِنْ بَاعَ مِنْهُ أُصْبُعًا فَإِنْ كَانَ جَارِيًا لَمْ يَصِحّ إذْ لَا يُمْكِن رَبْط الْعَقْد بِمِقْدَارٍ وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا وَقُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوك لَمْ يَصِحّ وَإِنْ قُلْنَا مَمْلُوك فَقَالَ الْقَفَّالُ لَا يَصِحّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَزِيد فَيَخْتَلِط الْمَبِيع وَالْأَصَحّ الْجَوَاز كَبَيْعِ صَاع مِنْ صُبْرَة وَأَمَّا الزِّيَادَة فَقَلِيلَة فَلَا تَضُرّ كَمَا لَوْ بَاعَ الْقَتَّ فِي الْأَرْض بِشَرْطِ الْقَطْع وَكَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ وَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً أُخْرَى فَإِنَّ الْبَيْع بِحَالِهِ وَيَبْقَى الْمَبِيع مَا بَقِيَ صَاع مِنْ الصُّبْرَةِ.
وَلَوْ بَاعَ الْمَاء مَعَ قَرَاره نَظَرَ إنْ كَانَ جَارِيًا فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاة مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَقُلْنَا الْمَاء لَا يُمَلَّك لَمْ يَصِحّ الْبَيْع فِي الْمَاء وَفِي الْقَرَار قُولَا تَفْرِيق الصَّفْقَة اهـ وَسَيَأْتِي الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْعِبَارَة وَمَا نَاقَضَهَا بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَإِنَّمَا سُقْتهَا هُنَا لِأَنَّ الْبُلْقِينِيُّ اعْتَرَضَهَا بِاعْتِرَاضَاتٍ مُتَعَلِّقَة بِمَا نَحْنُ فِيهِ فَأَحْبَبْت ذِكْرهَا لِأَرُدّ تِلْكَ الِاعْتِرَاضَات الَّتِي أَوْرَدَهَا عَلَيْهَا فَمِنْهَا قَوْله وَمَا ذَكَرَهُ فِي بَيْع مَاء الْبِئْر مِنْ تَعْلِيلِ عَدَم الْجَوَاز بِأَنَّهُ مَجْهُول كَلَام غَيْر مُسْتَقِيم فَإِنَّ الْجَهَالَة فِي مِثْل ذَلِكَ لَا تَضُرّ كَبَيْعِ الصُّبْرَة الَّتِي لَا يُعْلَم مِقْدَارهَا اهـ وَمَا ذَكَره هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ فَإِنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ لَمْ يَقْتَصِر عَلَى التَّعْلِيل بِالْجَهْلِ فَقَطْ بَلْ قَالَ وَيَزِيد شَيْئًا فَشَيْئًا إلَخْ وَبِهَذَا انْدَفَعَ تَشْبِيه الْبُلْقِينِيُّ لِمَاءِ الْبِئْر بِالصُّبْرَةِ الْمَذْكُورَة وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الصُّبْرَة يُحِيطُ الْعِيَانَ بِجَوَانِبِهَا وَيُمْكِن حَزْرهَا فَيَقِلّ الْغَرَر فِيهَا بِخِلَافِ مَاء الْبِئْر الْمُتَزَايِد شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِنَّ الْعِيَانَ لَا يُحِيط بِهِ فَيَكْثُر الْغَرَر وَهَذَا وَاضِح لَا خَفَاء فِيهِ.
وَسَيَأْتِي عَنْ الْبُلْقِينِيُّ نَفْسه مَا يُصَرِّح بِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا وَقَوْل الرَّوْضَةِ وَيَزِيد شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِط وَيَتَعَذَّر التَّسْلِيم يُخَالِفهُ مَا ذُكِرَ فِي صُورَة الْقَفَّالِ وَالْأَصَحّ فِيهَا قَوْل الْقَفَّالِ خِلَاف مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلشَّرْحِ لِأَنَّ صُورَة الْمَسْأَلَة أَنَّ هُنَاكَ مَاءً آخَر يَنْبُع وَيَخْتَلِط بِالرَّاكِدِ وَالنَّبْع مُسْتَمِرّ فَلَا يَقَع الْبَيْع إلَّا مُقَارِنًا لِلِاخْتِلَاطِ اهـ وَمَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصَحّ قَوْل الْقَفَّالِ لَا يُلْتَفَت إلَيْهِ فَإِنَّ الشَّيْخَيْنِ صَحَّحَا خِلَافه وَالْمُعَوَّل فِي التَّرْجِيح لَيْسَ إلَّا عَلَيْهِمَا
إذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... فَإِنَّ الْقَوْل مَا قَالَتْ حَذَامِ
وَالْعَجَب مِنْ تَرْجِيحه هَذَا مَعَ قَوْل الرَّافِعِيِّ رَدًّا عَلَى الْقَفَّالِ وَالْوَجْه أَنْ يُبْنَى قَوْلُ الْقَفَّالِ عَلَى مَذْهَبه مِنْ أَنَّ بَيْعَ صَاعٍ مِنْ صُبْرَة مَجْهُولَةِ الصِّيعَان لَا يَجُوز اهـ وَمَا قَالَهُ فِي الصُّبْرَة ضَعِيف فَكَذَا مَا قَالَهُ فِي الْمَاء الْمُشَابِه لَهَا وَمَا زَعَمَهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ أَوْ لَا يُخَالِفهُ مَا ذَكَرَهُ فِي صُورَة الْقَفَّالِ يُرَدّ بِوُضُوحِ الْفَرْق بَيْن الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّهُ فِي الصُّورَة الْأُولَى مَجْهُول كَمَا مَرَّ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَة فَإِنَّهُ لَا جَهْل فِيهِ لِأَنَّ الصُّورَة أَنَّهُ رَاكِد وَالْمَبِيع إنَّمَا هُوَ إصْبَعٌ مَعْلُومٌ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا اخْتِلَاط الْمَبِيع بِغَيْرِهِ الَّذِي نَظَرَ إلَيْهِ الْقَفَّالُ وَسَيَأْتِي الْجَوَاب عَنْهُ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ الْقِيَاس عَلَى بَيْع صَاع مِنْ صُبْرَة لَا يَسْتَقِيم لِأَنَّ الصُّبْرَة لَيْسَ هُنَاكَ شَيْء يَزِيدُ فِيهَا بِخِلَافِ صُورَة الْمَاء فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الصُّبْرَة كَانَتْ فِي مَوْضِع وَهُنَاكَ شَيْء مِنْ جِنْسهَا يَنْزِل عَلَيْهَا مِنْ السَّقْف أَوْ مِنْ ثَقْبٍ فِي الْحَائِط وَنَحْو ذَلِكَ لَمْ يَصِحّ الْبَيْع إذَا لَمْ يَتَعَيَّن الْمُخْتَلَط وَبَاعَ مِنْ غَيْره صَحَّ اهـ وَقَوْله لَا يَسْتَقِيم هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَقِيم وَلَا نَظَّرَ لِفَرْقِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْء يَزِيدُ بِخِلَافِهِ هُنَا لَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ الزِّيَادَة قَلِيلَة فَلَا تَضُرّ فَكَأَنَّ الزِّيَادَة هُنَا كَلَا زِيَادَة وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ اتَّضَحَتْ الْمُسَاوَاة بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَمْ يُنْظَر لِصُورَةِ
стр. 459
الْفَرْق الَّذِي ذَكَره الْبُلْقِينِيُّ وَقَوْله فَإِنْ فُرِضَ إلَخْ لَا حَاجَة بِنَا إلَيْهِ فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْكَلَامَ فِي صُبْرَةٍ لَمْ تَحْصُل فِيهَا زِيَادَة وَأَمَّا مَعَ ذَلِكَ فَنَظِيرَة مَسْأَلَتنَا وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ الْقِيَاس عَلَى الْقَتِّ لَا يَسْتَقِيم فَإِنَّ الزِّيَادَة فِي الْقَتِّ مِنْ عَيْنه بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالصُّبْرَةِ الَّتِي يَنْزِل عَلَيْهَا شَيْء آخَر فَإِنَّ الزِّيَادَة مِنْ غَيْر ذَلِكَ وَأَيْضًا فَقَدْ تَكُون الزِّيَادَة فِي الْقَتِّ كَثِيرَة.
وَقَدْ أَطْلَقُوا ثُبُوت الْخِيَار لِلْبَائِعِ فِي صُورَة الْقَتِّ وَلَا يَأْتِي مِثْل ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا يَثْبُت الْخِيَار لِلْمُشْتَرِي اهـ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَقِيم لِأَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَقْصِد التَّشْبِيه بَيْنهمَا إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الزِّيَادَة فِي كُلّ مِنْ الْقَتِّ وَالْمَاء الْمَذْكُور قَلِيلَة تَافِهَة لَا يُنْظَر إلَيْهَا فِي الْغَالِب سَوَاء كَانَ مِنْ الْعَيْن أَوْ مِنْ شَيْء مُمَاثِل لِتِلْكَ الْعَيْن فَانْدَفَعَ نَظَرُهُ لِذَلِكَ فِي الْفَرْق لِأَنَّهُ لَا يَرْتَبِط بِهِ هُنَا كَبِيرُ مَعْنَى وَقَوْله قَدْ تَكُون الزِّيَادَة فِي الْقَتِّ كَثِيرَة يُرَدّ بِأَنَّ الْكَلَام إنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِب وَفِيمَا مِنْ شَأْنه وَمِنْ شَأْنهَا فِي الْقَتِّ وَالْغَالِب فِيهَا فِيهِ أَنَّهَا قَلِيلَة فَلَا يُنْظَر إلَى أَنَّهَا قَدْ تَكْثُر وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا وَقَوْل الرَّوْضَةِ كَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَة وَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَة أُخْرَى فَإِنَّ الْبَيْع بِحَالِهِ قِيَاسٌ مَرْدُود فَإِنَّ الْبَيْع وَقَعَ عَلَى الصَّاع مِنْ الصُّبْرَةِ قَبْل الِاخْتِلَاط فَصَحَّ وَفِي صُورَة الْمَاء وَنَحْوهَا وَقَعَ الْبَيْعُ مُقَارَنًا لِلِاخْتِلَاطِ فَلَمْ يَصِحّ اهـ وَمَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ مَرْدُود لَيْسَ فِي مَحَلّه بَلْ هُوَ مَقْبُول فَإِنَّ حُدُوث الْخَلْط وَلَوْ فِي مَجْلِس الْبَيْع لَا يَمْنَع صِحَّته مِنْ أَنَّ الْوَاقِع فِي الْمَجْلِس حُكْمه حُكْم الْوَاقِع فِي الْعَقْد فَكَذَلِكَ مُقَارَنَته لِلْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ لَا تَمْنَعُهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ اعْتَرَضَ قَوْل الرَّوْضَةِ.
وَيَبْقَى الْمَبِيع مَا بَقِيَ صَاعٌ مِنْ الصُّبْرَة بِأَنَّهَا إنْ عُلِمَتْ صِيعَانهَا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فَتَنْزِيل الْبَيْع عَلَى الْإِشَاعَة هُوَ الْمَذْهَب فَإِذَا تَلِفَ مِنْ الصُّبْرَة شَيْء تَلِفَ بِقَدْرِهِ مِنْ الْمَبِيع وَإِنْ حُمِلَ مَا ذُكِرَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الصِّيعَان مَجْهُولَة فَقَدْ حَصَلَ الِاخْتِلَاط فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا صَاع مِنْ الْمُخْتَلَط فَكَيْف يَبْقَى الْبَيْعُ فِيهِ وَبَعْضه غَيْر مَبِيعٍ وَسَبَقَهُ إلَى نَحْو هَذَا ابْنُ النَّقِيبِ فَقَالَ وَقَوْل الرَّوْضَةِ وَيَبْقَى الْمَبِيعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ مِنْ الصُّبْرَة إنَّمَا يَأْتِي إذَا قُلْنَا إنَّ الْبَيْعَ يَنْزِل عَلَى صَاع مُبْهَم لِأَنَّهُ مُشَاع اهـ وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ وَقَوْل الرَّوْضَةِ وَلَوْ بَاعَ الْمَاء مَعَ قَرَاره نَظَرَ إنْ كَانَ جَارِيًا إلَخْ فَقَالَ وَهُوَ كَلَامٌ غَيْرُ مُسَلَّم فِي صُورَة الْجَارِي فَإِنَّ مُجَرَّد الْجَرَيَان لَا يَقْتَضِي بُطْلَان بَيْع الْمَاء تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْمَاء الْمَذْكُور مَمْلُوك إذَا كَانَ الْجَرَيَان يَنْتَهِي إلَى مَقْطَع بِحَيْثُ يُمْكِن الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يَنْتَهِي إلَى نُزُول فِي بَحْر وَنَحْوه فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحّ الْبَيْع فِيهِ وَمَا نَزَلَ مِنْهُ فِي الْبَحْر كَتَلَفِ بَعْض الْمَبِيع قَبْل الْقَبْض اهـ وَقَوْله إنَّ ذَلِكَ غَيْر مُسَلَّم لَا يُلْتَفَت إلَيْهِ لِمَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ وَقَوْله مُجَرَّد الْجَرَيَان إلَخْ مَمْنُوع لِمَا مَرَّ مِنْ الْجَهْل بِقَدْرِهِ وَعَدَمِ إمْكَان تَسْلِيمه وَكَوْنِهِ يَنْتَهِي إلَى مَقْطَع يُمْكِن الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ لَا يُنْظَر إلَيْهِ لِنُدْرَةِ إمْكَان ذَلِكَ.
وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَا تَلِفَ بِنُزُولِهِ إلَى بَحْر كَتَلَفِ بَعْض الْمَبِيع قَبْل الْقَبْض غَيْر صَحِيحَة لِأَنَّ الصُّورَة فِي تَلَف الْمَبِيع قَبْل الْقَبْض أَنَّهُ كَانَ تَسْلِيمه قَبْل تَلَفِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ حِين الْبَيْع بِخِلَافِهِ هُنَا فَكَيْف يُقَاس مَا يَصِحّ بَيْعه عَلَى مَا لَا يَصِحّ بَيْعه قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَقِب قَوْل الرَّوْضَةِ وَأَصْلهَا وَلَا يَجُوز بَيْع مَاء الْبِئْر وَالْقَنَاة فِيهِمَا لِأَنَّهُ مَجْهُول لَا خَفَاء أَنَّ هَذَا فِي الْبِئْر النَّابِعَة أَمَّا لَوْ كَانَتْ صِهْرِيجًا يَجْمَع مَاء الْمَطَر أَوْ يَسُوق الْمَاء إلَيْهَا مِنْ نَهْرٍ وَنَحْوه فَمَاؤُهَا كَالْمَاءِ فِي إنَاء إذَا عُلِمَ عُمْقهَا وَسِعَتهَا عُلُوًّا وَسُفْلًا اهـ وَمَا يَدْخُل مِنْ الْمَاء الْمُبَاحِ فِي مِلْك إنْسَان لَا يَمْلِكهُ بِدُخُولِهِ فِي الْأَصَحّ فَمَنْ أَخَذَهُ مَلَكَهُ وَإِنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ دُخُول مِلْك الْغَيْر لِأَجْلِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ يَمْلِك مَا يَدْخُل فِي نَهْره وَقَنَاته عَلَى الْأَصَحّ وَهُوَ ضَعِيف وَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَام الْإِمَامِ وَتَبِعَهُ الشَّيْخَانِ فَقَالَ هُنَا إنْ تَوَحَّلَ الصَّيْد فِي أَرْض لَهُ سَقَاهَا لَا يَقْتَضِي الْمِلْك وَإِنْ قَصَدَهُ وَقَالَ فِي كِتَاب الصَّيْد يَمْلِكهُ إنْ قَصَدَهُ وَجَمَعَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ نَفْس التَّوَحُّل لَا يَقْتَضِي الْمِلْك.
وَإِنْ قَصَدَ التَّمَلُّك وَمَا هُنَا فِيمَا إذَا قَصَدَ بِسَقْيِ الْأَرْض تَوَحُّله فَيَمْلِك بِهِ قَطْعًا أَيْ كَمَا يَمْلِك الْمَاء هُنَا بِالْحَفْرِ وَبِمَا تَقَرَّرَ يَعْلَم أَنَّ مَا يَدْخُل مِنْ السَّيْل إلَى صَهَارِيج جَدَّةَ وَغَيْرهَا لَا يَمْلِكهُ أَرْبَابهَا وَلَا يَصِحّ بَيْعهمْ لَهُ وَإِنَّمَا يَصِيرُونَ أَحَقّ بِهِ فَقَطْ وَإِنْ حَفَرُوا لَهُ مَشَارِب وَأَعَدُّوهَا حَتَّى إذَا
стр. 460
جَاءَ دَخَلَ إلَى صَهَارِيجهمْ مِنْهَا نَعَمْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ أَنَّ الْمَاء لَوْ دَخَلَ دَارِهِ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابهَا مَلَكَهُ كَمَا لَوْ أَغْلَقَهَا عَلَى صَيْد دَخَلَ إلَى مِلْكه وَعَلَيْهِ فَأَصْحَاب الصَّهَارِيج إذَا أَغْلَقُوهَا عَلَى مَا فِيهَا مَلَكُوهُ وَسَيَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الدُّولَابَ الَّذِي يُدِيرهُ الْمَاءُ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ فِي كِيزَانه يَمْلِكهُ صَاحِبُ الدُّولَابِ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَقَاهُ بِنَفْسِهِ قَالَ غَيْرُهُ وَفِي مَعْنَاهُ مَا يُدِيرهُ بِدَابَّتِهِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى اهـ وَمَرَّ أَنَّ الْمَأْخُوذ مِنْهُ فِي نَحْو إنَاء يَمْلِكهُ آخِذُهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا قَالَ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْع الْمَاءِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ جَمِيع الْمِيَاهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَجْهُولُ كَالْمِيَاهِ الَّتِي يَتَبَايَعُهَا أَهْلُ الشِّرْبِ وَغَيْرُهُمْ بِبَيْعِ الرَّجُلِ مِنْهُمْ مَا يَجْرِي فِي نَهْرِهِ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِكَذَا وَكَذَا اهـ.
وَقِيلَ لَا يُمَلَّكُ الْمَاءُ مُطْلَقًا وَإِنْ أَخَذَهُ فِي نَحْوِ إنَاءٍ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِهِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَكِنْ رَدَّهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي نَحْوِ إنَاءٍ يُمَلَّكُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ وَفِي الْأَنْوَارِ أَنَّ الْأَنْهَارَ وَالسَّوَّاقِي إذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً بِأَنْ حَفَرَ نَهْرًا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ الْوَادِي الْعَظِيمِ أَوْ مِنْ النَّهْرِ الْمُنْخَرِقِ مِنْهُ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ لَكِنَّ مَالَك النَّهْرِ أَحَقُّ بِهِ كَالسَّيْلِ يَدْخُلُ مِلْكَهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُزَاحَمَتُهُ لِسَقْيِ الْأَرْضَيْنِ وَكَذَا لِلشِّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ عِنْد الْجُمْهُورِ اهـ وَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ وَكَذَا إلَخْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَأَمَّا الشِّرْبُ وَالِاسْتِعْمَالُ وَسَقْي الدَّوَابِّ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ وَالْمُتَوَلِّي لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ لَا يُدْلِي أَحَدٌ فِيهِ دَلْوَهُ هُوَ الثَّانِي لِكَوْنِ الْجُمْهُورِ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْخَامِسِ فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَفِي الْبَابِ السَّادِسِ مَا يَتَعَلَّق بِبَيْعِ الْمَاءِ فَلِيَكُنْ مِنْك عَلَى ذِكْرِ.
[الْبَاب الثَّالِثِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَاقِدَانِ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ قَرَارٍ وَلَا مَاءَ]
(الْبَاب الثَّالِث فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ) وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَاقِدَانِ بِالسَّاعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ قَرَارٍ وَلَا مَاء وَلَكِنْ اطَّرَدَ عُرْفُهُمَا حَالَ الْعَقْدِ بِاسْتِعْمَالِ السَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ فِي جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ وَقَدْ قَدَّمْت فِي كُلٍّ مِنْ الْجَوَابَيْنِ السَّابِقَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أُمُورٌ الْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ لَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ وَثَمَّ نَقْدٌ غَالِبٌ مُتَّحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ غَلَبَةً وَلَا قِيمَةً صَحَّ الْبَيْعُ وَحُمِلَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا أَوْ زَائِدًا أَوْ فُلُوسًا سَوَاءٌ أَعَبَّرَ بِهَا أَمْ بِالدَّرَاهِمِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ بَلْ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ الْحَمْلَ عَلَيْهَا أَيْضًا وَإِنْ عَبَّرَ بِالنَّقْدِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَوْ كَانَ حِنْطَةً وَثِيَابًا فَتَأَمَّلْ حُكْمَهُمْ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِي هَذَا وَتَنْزِيلُهُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِيهِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفِ مَعْلُومٌ فَكَانَ عِلْمُهُ الْمُسْتَنِد لَهُ كَالتَّصْرِيحِ بِهِ فِي الْعَقْدِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِمَا قَدَّمْته عَنْهُ فِي الْجَوَابِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَكَذَلِكَ السَّاعَةُ مِنْ الْقَرَارِ فِي صُورَتِنَا إذَا غَلَبَ عِنْدَ قَوْمٍ اسْتِعْمَالِهَا بِمَعْنَى الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ نَظَرَا لِتِلْكَ الْغَلَبَةِ وَلِذَلِكَ الْعُرْفِ وَكَأَنَّهُمَا قَالَا جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ الْقَرَارِ الثَّانِي قَوْل الْقَاضِي لَوْ اُعْتِيدَ الْبَيْعُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ يُعْطِي تِسْعَةً وَدَانَقًا عُمِلَ فِيهِ بِالْعَادَةِ اهـ وَالْعَمَلُ بِهَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى لِأَنَّ مَا قَالَهُ فِيهِ إلْغَاءُ اللَّفْظِ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَلَمْ يُعْمَلْ بِمَدْلُولِ هَذَا اللَّفْظِ وَلَا بِمَا يَحْتَمِلُهُ رُجُوعًا لِلْعَادَةِ.
فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهَا فِي إلْغَاءِ اللَّفْظِ الْوَاقِعِ فِي الْعَقْدِ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَنْزِيلِهِ أَعْنِي الْعَقْدَ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِيهِ بِوَجْهٍ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فَأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إلَيْهَا فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظ بِمَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ اُعْتِيدَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَيَنْزِلُ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ الثَّالِثُ قَوْلُهُمْ يَجُوزُ التَّعَامُلُ بِالْمَغْشُوشَةِ وَلَوْ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ الْغِشِّ نَظَرًا لِلْعُرْفِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ رَاجَتْ الْفُلُوسُ رَوَاجَ النُّقُودِ ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُهَا وَإِذَا ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُهَا نَظَرًا لِلْعُرْفِ مَعَ أَنَّهَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا نَقْدٌ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ لِلَفْظِ السَّاعَةِ حُكْمُ لَفْظِ الْجُزْءِ إذَا اُعْتِيدَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُطْلَقْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا الرَّابِعُ وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُدَّعِي فِي مَسْأَلَتِنَا مِمَّا قَبْلَهُ قَوْلهمْ إذَا اطَّرَدَتْ
следующие страницы →