Полный текст (1 335 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَهَذَا لَا يَكْفِي فَإِنْ قُلْت يَرُدُّ عَلَى مَا قَرَّرْته فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعِهِ الْقَاعِدَةُ الْمَشْهُورَةُ وَهِيَ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ لَا يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَغْيِيرُ اللُّغَةِ بِالِاصْطِلَاحِ وَهَلْ يُجَوِّزُ لِلْمُصْطَلِحِينَ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ أَصْلِ الْمَعْنَى وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ التَّخْصِيصِ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَالْمُخْتَار الثَّانِي وَمِنْ فُرُوعِهَا لَوْ اتَّفَقَ الْخَاطِبُ وَالْمَخْطُوبَةُ عَلَى أَنْ يُعَبَّرَ فِي الْعَقْد عَنْ الْأَلْفِ بِأَلْفَيْنِ وَجَبَا عَلَى الْأَظْهَرِ إعْمَالًا لِلَّفْظِ الصَّرِيحِ وَمُقَابِلُهُ يَجِبُ أَلْفٌ فَقَطْ عَمَلًا بِاصْطِلَاحِهِمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْمُتَلَقَّاةُ مِنْ الْأَلْفَاظِ.
فَلَوْ قَالَ إذَا قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ بَلْ الْقِيَامَ مَثَلًا أَوْ وَاحِدَةً لَمْ يُعْتَبَرْ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ عَمَّ فِي نَاحِيَة اسْتِعْمَالِ الطَّلَاق فِي إرَادَةِ الِانْطِلَاقِ ثُمَّ خَاطَبَهَا بِهِ مُرِيدًا بِهِ حَلَّ الْوَثَاق لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَالْعُرْفُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي إزَالَةِ الْإِيهَامِ لَا فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ اهـ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ مَتَى قُلْت أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّ أُرِيدُ الطَّلَاقَ ثُمَّ قَالَهُ فَقِيلَ تَطْلُقُ عَمَلًا بِمَا قَالَهُ قَبْل وَالْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ نِيَّتَهُ تَغَيَّرَتْ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ أَمَةٌ أُرِيدُ أَنْ أُلَقِّبَهَا بِحُرَّةٍ ثُمَّ قَالَ يَا حُرَّةُ فَفِي الْبَسِيطِ الظَّاهِرِ أَنَّهَا لَا تَعْتِقُ إذَا قَصَدَ النِّدَاءَ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ أُرِيد أَنْ أُقِرَّ بِمَا لَيْسَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْف قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ لُغِيَ إقْرَاره وَقَالَ صَاحِب التَّتِمَّةِ الصَّحِيحُ لُزُومه كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْف لَا تَلْزَمُنِي قُلْت لَيْسَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَلَا فِي فُرُوعهَا مَا يُشْكِلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ إلَّا عَلَى مَا قَالُوهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَحَلّ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَمَا عَلِمْت مِنْ تَقْرِيرِهَا أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ لَهُ مَدْلُولٌ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ ثُمَّ يُرَادُ بِهِ لَفْظٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى هَذَا النَّقْلِ وَالِاسْتِعْمَالُ غَيْرُ مُجَرِّدِ الِاتِّفَاقِ وَالِاصْطِلَاحُ السَّابِقُ عَلَى أَنْ يُعَبَّرَ بِهَذَا عَنْ هَذَا وَلِذَلِكَ اتَّضَحَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ وَالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ فِيهِ إلْغَاءَ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ مَعَ صِحَّةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَدْلُولِهِ بِمُجَرَّدِ اصْطِلَاحٍ سَابِقٍ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِضَعْفِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ وَهِيَ اصْطِلَاحُ السَّابِقِ عَلَى أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الصَّرِيحِ وَيُصْرِفَهُ إلَى غَيْرِ مَدْلُولِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ بِالْمُعَاطَاةِ وَإِنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بَعْدَهَا بَيْعًا وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الصَّانِعُ شَيْئًا بِغَيْرِ عَقْدٍ وَإِنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِأُجْرَتِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ وَلَا يُتَوَهَّمُ عَاقِلٌ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ أَنَّ تَصْحِيحَ اللَّفْظِ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ إلْغَائِهِ وَبِالْقَرِينَةِ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَدْلُولِهِ.
وَهِيَ قَوْلُهُمَا هُنَا مِنْ قَرَارِ كَذَا فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَا تُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَشَتَّانَ بَيْن لَفْظٍ صَرِيحٍ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَدْلُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ تَقَدَّمَتْهُ قَرِينَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْد اسْتِعْمَالِهِ أُرِيدَ صَرْفُهُ عَنْ مَدْلُولِهِ ذَلِكَ إلَى مَدْلُولٍ آخَرَ لَمْ يُذْكَرْ هُوَ وَلَا مَا يَدُلّ عَلَيْهِ لِمُجَرَّدِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ الضَّعِيفَةِ وَلَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَدْلُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ اقْتَرَنَ بِهِ لَفْظٌ صَرِيحٌ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ الْمُمْكِنِ صَرْف ذَلِكَ اللَّفْظ إلَيْهِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّجَوُّزِ لِتِلْكَ الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ الْقَوِيَّةِ وَمَعَ هَذَا الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْن هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ لَا يُتَخَيَّلُ الْتِبَاسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْته قَوْلُهُمْ الصَّرِيحُ يَصِيرُ كِنَايَةً بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ كَانَتْ طَالِق مِنْ وَثَاقٍ لِأَنَّ أَوَّل اللَّفْظ مُرْتَبِطٌ بِآخِرِهِ.
وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَمَّا يُقَالُ قَدْ يَعْقُبُهُ بَعْدَ طَلَّقْتُكِ الصَّرِيح نَدَمٌ فَيَقُولُ مِنْ وَثَاقٍ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّوَهُّمِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِجَمِيعِهِ لَا بِبَعْضِهِ كَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ خَافَ مِنْ النَّفْيِ فَاسْتَدْرَكَ بِالْإِثْبَاتِ.
وَيُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْته أَيْضًا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي الْإِقْرَارِ اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي التَّصْدِيقِ قَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهِ قَرَائِنُ تَصْرِفُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى الِاسْتِهْزَاءِ وَبَعْدَ أَنْ اتَّضَحَ لَك هَذَا الْمَقَامُ وَزَالَ عَنْك مَا اسْتَوْلَى عَلَى الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَتِنَا مُطْلَقًا مِنْ الْعِنَادِ وَالْإِيهَامِ صَارَ الْحَقُّ لَدَيْكَ جَلِيًّا وَالْمُخَالِفُ فِيمَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالصِّحَّةِ فِي الْحَالَةِ السَّابِقَةِ غَبِيًّا وَسَاغَ لَك أَنْ تُؤَكِّدَ بِالْأَيْمَانِ لَمَّا قَامَ عِنْدَك مِنْ جَلِيِّ
стр. 457
الْبُرْهَانِ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَسْتَنِدُوا فِيمَا قَالُوهُ إلَّا لِمَحْضِ الْعِنَادِ وَالتَّقْلِيدِ وَالْجُمُودِ عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَةٍ لَمْ يُؤَيِّدْهُ بِنَقْلٍ وَلَا بِأَدْنَى تَأْيِيدٍ هَذَا مَعَ صَرِيحِ عِبَارَاتِ الْأَئِمَّةِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَوْضَحْنَاهُ وَقَرَّرْنَاهُ حَتَّى صَارَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْإِيضَاحِ وَالظُّهُورِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
[الْبَابُ الثَّانِي بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ) وَهِيَ مَا إذَا أَرَادَ بِالْحِصَّةِ السَّقِيَّةَ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ عَمَلًا بِنِيَّتِهِمَا لِأَنَّ بَيْعَ الْمَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَاطِلٌ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ بَيْعِ الْمَاءِ وَمِلْكِهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ قَنَاةٍ وَذَلِكَ الْقَرَارُ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَنْبُعُ مِنْهُ أَوْ يَصِلَ إلَيْهِ ثُمَّ يُسْقَى مِنْهُ الْأَرَاضِي فَالْأَوَّلُ إنْ مَلَكَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعُ كَانَ الْمَاءُ مَمْلُوكًا لَهُمْ عَلَى حَسْبِ الشَّرِكَةِ فِي الْقَرَارِ وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ هُنَا إنْ قُدِّرَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ كَالنِّصْفِ أَوْ بِنَحْوِ مِائَةِ رِطْلٍ لَا بِنَحْوِ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ وَلَا يُنَافِيهِ ذِكْرُهُمْ فِي قِسْمَةِ مَاءِ الْقَنَاةِ الْمُهَيَّأَةِ بِالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ يُتَسَامَحُ فِيهَا مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي الْبَيْع لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ بَيْعًا حَقِيقِيًّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إذْ هِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِفْرَازِ ثُمَّ تَارَةً يَغْلِبُ شَبَهُهَا بِالْبَيْعِ وَتَارَةً يَغْلِبُ بِالْإِفْرَازِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ الْجَوَابَ عَنْ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ كَلَامًا طَوِيلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يُبَيِّن أَنَّ الْأَوْجُهَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمُهَايَأَةِ مِنْ تَفَارِيعِ قَوْلِنَا بِأَنَّ مَاءَ النَّهْرِ وَالْقَنَاةِ يُمَلَّكُ أَوْ لَا يُمَلَّكُ بَلْ أَطْلَقَ الْكَلَامَ إطْلَاقًا تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ وَإِمَامِهِ.
وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ مَمْلُوكٌ فَكَيْفَ يَنْقَدِحُ الْقَوْلُ بِالْقِسْمَةِ مُهَايَأَةً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعُ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ فَهَذَا مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي كَلَامِهِمْ هَذَا فَتَأَمَّلْهُ اهـ وَكَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي جَرَيَانِ الْمُهَايَأَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمِلْكِ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ وَإِنْ قُلْنَا الْقِسْمَةُ بَيْعٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ كُلٍّ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَحَلَّ النَّبْعِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا كَانَ الْمَمْلُوكُ هُوَ الْمَحَلَّ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ أَوْ يَصِلُ إلَيْهِ فَالْمَاءُ الْجَارِي فِيهِ أَوْ الْوَاصِلُ إلَيْهِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إبَاحَتِهِ ثُمَّ إذَا صَدَرَ بَيْعٌ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ الْمَمْلُوكِ أَوْ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ مَعْلُومٍ صَحَّ وَلَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْبَيْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ أَوْ يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَمَحَلُّ النَّبْعِ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ أَوْ كَانَ أَعْنِي مَحَلَّ النَّبْعِ مَجْهُولًا وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى مِلْكِهِ كَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ أَوْ السَّقْيِ مِنْهُ أَخْذًا مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ الْآتِيَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَمْ يَصِحَّ وَإِنَّمَا الَّذِي يَدْخُلُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ الْمُسَمَّى بِالشِّرْبِ وَمِمَّا يُحْكَمُ فِيهِ بِمِلْكِ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ يَدٌ وَانْتِفَاعٌ لِأَنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ دَالٌّ عَلَى الْمِلْكِ لَهُ وَلِلْمَاءِ النَّابِعِ لَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَعْنِي مِلْكَهُ لِمَحَلِّ النَّبْعِ وَشَاهِدُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا تُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ يُدْرَ أَنَّهُ حَفْرٌ أَوْ انْخَرَقَ حُكْمُنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ وَخَرَجَ بِقَوْلِي فِيمَا مَرَّ وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ أَمَّا الْمَاء الْجَارِي فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا بَيْعُ نَصِيبِهِ مِنْهُ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ وَلِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ وَلِأَنَّ الْجَارِي وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ فِي صُورَةِ مِلْكِ مَحَلِّ النَّبْعِ فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ لِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِهِ فَطَرِيقُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَمْلِكَهُ أَوْ يَسْتَحِقَّهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَحَلَّ النَّبْعِ الْمَمْلُوكِ أَوْ الْقَنَاة أَوْ مُجْتَمَعَ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ فَإِذَا مَلَكَ الْأَوَّلُ مَلَكَ الْمَاءَ.
وَإِذَا مَلَكَ أَحَدَ الْأَخِيرَيْنِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مِلْكَ الْمَاءِ وَبَيْعَهُ وَفِيهِ زِيَادَةُ بَسْطٍ تَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَاتِ الرَّوْضَةِ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى شِبْهِ تَنَاقُضٍ وَبِمَا قَرَّرْته إنْ فَهِمْتَهُ. تَعْلَمْ مَحَلَّ قَوْلِ الْبَحْرِ. لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمِيَاهِ مِنْ الْقَنَاةِ وَالْعُيُونِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهَا لِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِهِ وَالْحِيلَةُ
стр. 458
فِي اسْتِحْقَاقِهَا أَنْ يَعْقِدَ عَلَى الْقَرَارِ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ فَيَشْتَرِي نَفْسَ الْقَنَاةِ أَوْ سَهْمًا مِنْهَا فَإِذَا مَلَكَ الْقَرَارَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ عَلَى قَوْل الْكُلّ اهـ وَبِهِ يُعْلَمُ أَيْضًا مَحَلُّ قَوْلِ الْبَيَانِ لَا يَصِحُّ بَيْعُ سَهْم مِنْ مَاءِ كَذَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَكَذَا لَا يَصِحّ أَنْ يَقُول بِعْتُك لَيْلَة أَوْ يَوْمًا مِنْ مَاءِ كَذَا لِأَنَّ الزَّمَان لَا يَصِحّ بَيْعه.
وَلَكِنَّ الْحِيلَةَ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِي مَاء الْعَيْن أَوْ سَهْمًا مِنْهَا أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَيْن نَفْسهَا أَوْ سَهْمًا مِنْهَا هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا اهـ وَلَا بَأْس بِالتَّنْبِيهِ هُنَا عَلَى فَائِدَةٍ حَسَنَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ وَهِيَ أَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَلَا يَجُوزُ بَيْع مَاءِ الْبِئْر وَالْقَنَاة فِيهِمَا لِأَنَّهُ مَجْهُول وَيَزِيد شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِط فَيَتَعَذَّر التَّسْلِيم وَإِنْ بَاعَ مِنْهُ أُصْبُعًا فَإِنْ كَانَ جَارِيًا لَمْ يَصِحّ إذْ لَا يُمْكِن رَبْط الْعَقْد بِمِقْدَارٍ وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا وَقُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوك لَمْ يَصِحّ وَإِنْ قُلْنَا مَمْلُوك فَقَالَ الْقَفَّالُ لَا يَصِحّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَزِيد فَيَخْتَلِط الْمَبِيع وَالْأَصَحّ الْجَوَاز كَبَيْعِ صَاع مِنْ صُبْرَة وَأَمَّا الزِّيَادَة فَقَلِيلَة فَلَا تَضُرّ كَمَا لَوْ بَاعَ الْقَتَّ فِي الْأَرْض بِشَرْطِ الْقَطْع وَكَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ وَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً أُخْرَى فَإِنَّ الْبَيْع بِحَالِهِ وَيَبْقَى الْمَبِيع مَا بَقِيَ صَاع مِنْ الصُّبْرَةِ.
وَلَوْ بَاعَ الْمَاء مَعَ قَرَاره نَظَرَ إنْ كَانَ جَارِيًا فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاة مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَقُلْنَا الْمَاء لَا يُمَلَّك لَمْ يَصِحّ الْبَيْع فِي الْمَاء وَفِي الْقَرَار قُولَا تَفْرِيق الصَّفْقَة اهـ وَسَيَأْتِي الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْعِبَارَة وَمَا نَاقَضَهَا بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَإِنَّمَا سُقْتهَا هُنَا لِأَنَّ الْبُلْقِينِيُّ اعْتَرَضَهَا بِاعْتِرَاضَاتٍ مُتَعَلِّقَة بِمَا نَحْنُ فِيهِ فَأَحْبَبْت ذِكْرهَا لِأَرُدّ تِلْكَ الِاعْتِرَاضَات الَّتِي أَوْرَدَهَا عَلَيْهَا فَمِنْهَا قَوْله وَمَا ذَكَرَهُ فِي بَيْع مَاء الْبِئْر مِنْ تَعْلِيلِ عَدَم الْجَوَاز بِأَنَّهُ مَجْهُول كَلَام غَيْر مُسْتَقِيم فَإِنَّ الْجَهَالَة فِي مِثْل ذَلِكَ لَا تَضُرّ كَبَيْعِ الصُّبْرَة الَّتِي لَا يُعْلَم مِقْدَارهَا اهـ وَمَا ذَكَره هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ فَإِنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ لَمْ يَقْتَصِر عَلَى التَّعْلِيل بِالْجَهْلِ فَقَطْ بَلْ قَالَ وَيَزِيد شَيْئًا فَشَيْئًا إلَخْ وَبِهَذَا انْدَفَعَ تَشْبِيه الْبُلْقِينِيُّ لِمَاءِ الْبِئْر بِالصُّبْرَةِ الْمَذْكُورَة وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الصُّبْرَة يُحِيطُ الْعِيَانَ بِجَوَانِبِهَا وَيُمْكِن حَزْرهَا فَيَقِلّ الْغَرَر فِيهَا بِخِلَافِ مَاء الْبِئْر الْمُتَزَايِد شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِنَّ الْعِيَانَ لَا يُحِيط بِهِ فَيَكْثُر الْغَرَر وَهَذَا وَاضِح لَا خَفَاء فِيهِ.
وَسَيَأْتِي عَنْ الْبُلْقِينِيُّ نَفْسه مَا يُصَرِّح بِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا وَقَوْل الرَّوْضَةِ وَيَزِيد شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِط وَيَتَعَذَّر التَّسْلِيم يُخَالِفهُ مَا ذُكِرَ فِي صُورَة الْقَفَّالِ وَالْأَصَحّ فِيهَا قَوْل الْقَفَّالِ خِلَاف مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلشَّرْحِ لِأَنَّ صُورَة الْمَسْأَلَة أَنَّ هُنَاكَ مَاءً آخَر يَنْبُع وَيَخْتَلِط بِالرَّاكِدِ وَالنَّبْع مُسْتَمِرّ فَلَا يَقَع الْبَيْع إلَّا مُقَارِنًا لِلِاخْتِلَاطِ اهـ وَمَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصَحّ قَوْل الْقَفَّالِ لَا يُلْتَفَت إلَيْهِ فَإِنَّ الشَّيْخَيْنِ صَحَّحَا خِلَافه وَالْمُعَوَّل فِي التَّرْجِيح لَيْسَ إلَّا عَلَيْهِمَا
إذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... فَإِنَّ الْقَوْل مَا قَالَتْ حَذَامِ
وَالْعَجَب مِنْ تَرْجِيحه هَذَا مَعَ قَوْل الرَّافِعِيِّ رَدًّا عَلَى الْقَفَّالِ وَالْوَجْه أَنْ يُبْنَى قَوْلُ الْقَفَّالِ عَلَى مَذْهَبه مِنْ أَنَّ بَيْعَ صَاعٍ مِنْ صُبْرَة مَجْهُولَةِ الصِّيعَان لَا يَجُوز اهـ وَمَا قَالَهُ فِي الصُّبْرَة ضَعِيف فَكَذَا مَا قَالَهُ فِي الْمَاء الْمُشَابِه لَهَا وَمَا زَعَمَهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ أَوْ لَا يُخَالِفهُ مَا ذَكَرَهُ فِي صُورَة الْقَفَّالِ يُرَدّ بِوُضُوحِ الْفَرْق بَيْن الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّهُ فِي الصُّورَة الْأُولَى مَجْهُول كَمَا مَرَّ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَة فَإِنَّهُ لَا جَهْل فِيهِ لِأَنَّ الصُّورَة أَنَّهُ رَاكِد وَالْمَبِيع إنَّمَا هُوَ إصْبَعٌ مَعْلُومٌ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا اخْتِلَاط الْمَبِيع بِغَيْرِهِ الَّذِي نَظَرَ إلَيْهِ الْقَفَّالُ وَسَيَأْتِي الْجَوَاب عَنْهُ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ الْقِيَاس عَلَى بَيْع صَاع مِنْ صُبْرَة لَا يَسْتَقِيم لِأَنَّ الصُّبْرَة لَيْسَ هُنَاكَ شَيْء يَزِيدُ فِيهَا بِخِلَافِ صُورَة الْمَاء فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الصُّبْرَة كَانَتْ فِي مَوْضِع وَهُنَاكَ شَيْء مِنْ جِنْسهَا يَنْزِل عَلَيْهَا مِنْ السَّقْف أَوْ مِنْ ثَقْبٍ فِي الْحَائِط وَنَحْو ذَلِكَ لَمْ يَصِحّ الْبَيْع إذَا لَمْ يَتَعَيَّن الْمُخْتَلَط وَبَاعَ مِنْ غَيْره صَحَّ اهـ وَقَوْله لَا يَسْتَقِيم هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَقِيم وَلَا نَظَّرَ لِفَرْقِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْء يَزِيدُ بِخِلَافِهِ هُنَا لَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ الزِّيَادَة قَلِيلَة فَلَا تَضُرّ فَكَأَنَّ الزِّيَادَة هُنَا كَلَا زِيَادَة وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ اتَّضَحَتْ الْمُسَاوَاة بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَمْ يُنْظَر لِصُورَةِ
стр. 459
الْفَرْق الَّذِي ذَكَره الْبُلْقِينِيُّ وَقَوْله فَإِنْ فُرِضَ إلَخْ لَا حَاجَة بِنَا إلَيْهِ فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْكَلَامَ فِي صُبْرَةٍ لَمْ تَحْصُل فِيهَا زِيَادَة وَأَمَّا مَعَ ذَلِكَ فَنَظِيرَة مَسْأَلَتنَا وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ الْقِيَاس عَلَى الْقَتِّ لَا يَسْتَقِيم فَإِنَّ الزِّيَادَة فِي الْقَتِّ مِنْ عَيْنه بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالصُّبْرَةِ الَّتِي يَنْزِل عَلَيْهَا شَيْء آخَر فَإِنَّ الزِّيَادَة مِنْ غَيْر ذَلِكَ وَأَيْضًا فَقَدْ تَكُون الزِّيَادَة فِي الْقَتِّ كَثِيرَة.
وَقَدْ أَطْلَقُوا ثُبُوت الْخِيَار لِلْبَائِعِ فِي صُورَة الْقَتِّ وَلَا يَأْتِي مِثْل ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا يَثْبُت الْخِيَار لِلْمُشْتَرِي اهـ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَقِيم لِأَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَقْصِد التَّشْبِيه بَيْنهمَا إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الزِّيَادَة فِي كُلّ مِنْ الْقَتِّ وَالْمَاء الْمَذْكُور قَلِيلَة تَافِهَة لَا يُنْظَر إلَيْهَا فِي الْغَالِب سَوَاء كَانَ مِنْ الْعَيْن أَوْ مِنْ شَيْء مُمَاثِل لِتِلْكَ الْعَيْن فَانْدَفَعَ نَظَرُهُ لِذَلِكَ فِي الْفَرْق لِأَنَّهُ لَا يَرْتَبِط بِهِ هُنَا كَبِيرُ مَعْنَى وَقَوْله قَدْ تَكُون الزِّيَادَة فِي الْقَتِّ كَثِيرَة يُرَدّ بِأَنَّ الْكَلَام إنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِب وَفِيمَا مِنْ شَأْنه وَمِنْ شَأْنهَا فِي الْقَتِّ وَالْغَالِب فِيهَا فِيهِ أَنَّهَا قَلِيلَة فَلَا يُنْظَر إلَى أَنَّهَا قَدْ تَكْثُر وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا وَقَوْل الرَّوْضَةِ كَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَة وَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَة أُخْرَى فَإِنَّ الْبَيْع بِحَالِهِ قِيَاسٌ مَرْدُود فَإِنَّ الْبَيْع وَقَعَ عَلَى الصَّاع مِنْ الصُّبْرَةِ قَبْل الِاخْتِلَاط فَصَحَّ وَفِي صُورَة الْمَاء وَنَحْوهَا وَقَعَ الْبَيْعُ مُقَارَنًا لِلِاخْتِلَاطِ فَلَمْ يَصِحّ اهـ وَمَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ مَرْدُود لَيْسَ فِي مَحَلّه بَلْ هُوَ مَقْبُول فَإِنَّ حُدُوث الْخَلْط وَلَوْ فِي مَجْلِس الْبَيْع لَا يَمْنَع صِحَّته مِنْ أَنَّ الْوَاقِع فِي الْمَجْلِس حُكْمه حُكْم الْوَاقِع فِي الْعَقْد فَكَذَلِكَ مُقَارَنَته لِلْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ لَا تَمْنَعُهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ اعْتَرَضَ قَوْل الرَّوْضَةِ.
وَيَبْقَى الْمَبِيع مَا بَقِيَ صَاعٌ مِنْ الصُّبْرَة بِأَنَّهَا إنْ عُلِمَتْ صِيعَانهَا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فَتَنْزِيل الْبَيْع عَلَى الْإِشَاعَة هُوَ الْمَذْهَب فَإِذَا تَلِفَ مِنْ الصُّبْرَة شَيْء تَلِفَ بِقَدْرِهِ مِنْ الْمَبِيع وَإِنْ حُمِلَ مَا ذُكِرَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الصِّيعَان مَجْهُولَة فَقَدْ حَصَلَ الِاخْتِلَاط فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا صَاع مِنْ الْمُخْتَلَط فَكَيْف يَبْقَى الْبَيْعُ فِيهِ وَبَعْضه غَيْر مَبِيعٍ وَسَبَقَهُ إلَى نَحْو هَذَا ابْنُ النَّقِيبِ فَقَالَ وَقَوْل الرَّوْضَةِ وَيَبْقَى الْمَبِيعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ مِنْ الصُّبْرَة إنَّمَا يَأْتِي إذَا قُلْنَا إنَّ الْبَيْعَ يَنْزِل عَلَى صَاع مُبْهَم لِأَنَّهُ مُشَاع اهـ وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ وَقَوْل الرَّوْضَةِ وَلَوْ بَاعَ الْمَاء مَعَ قَرَاره نَظَرَ إنْ كَانَ جَارِيًا إلَخْ فَقَالَ وَهُوَ كَلَامٌ غَيْرُ مُسَلَّم فِي صُورَة الْجَارِي فَإِنَّ مُجَرَّد الْجَرَيَان لَا يَقْتَضِي بُطْلَان بَيْع الْمَاء تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْمَاء الْمَذْكُور مَمْلُوك إذَا كَانَ الْجَرَيَان يَنْتَهِي إلَى مَقْطَع بِحَيْثُ يُمْكِن الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يَنْتَهِي إلَى نُزُول فِي بَحْر وَنَحْوه فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحّ الْبَيْع فِيهِ وَمَا نَزَلَ مِنْهُ فِي الْبَحْر كَتَلَفِ بَعْض الْمَبِيع قَبْل الْقَبْض اهـ وَقَوْله إنَّ ذَلِكَ غَيْر مُسَلَّم لَا يُلْتَفَت إلَيْهِ لِمَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ وَقَوْله مُجَرَّد الْجَرَيَان إلَخْ مَمْنُوع لِمَا مَرَّ مِنْ الْجَهْل بِقَدْرِهِ وَعَدَمِ إمْكَان تَسْلِيمه وَكَوْنِهِ يَنْتَهِي إلَى مَقْطَع يُمْكِن الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ لَا يُنْظَر إلَيْهِ لِنُدْرَةِ إمْكَان ذَلِكَ.
وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَا تَلِفَ بِنُزُولِهِ إلَى بَحْر كَتَلَفِ بَعْض الْمَبِيع قَبْل الْقَبْض غَيْر صَحِيحَة لِأَنَّ الصُّورَة فِي تَلَف الْمَبِيع قَبْل الْقَبْض أَنَّهُ كَانَ تَسْلِيمه قَبْل تَلَفِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ حِين الْبَيْع بِخِلَافِهِ هُنَا فَكَيْف يُقَاس مَا يَصِحّ بَيْعه عَلَى مَا لَا يَصِحّ بَيْعه قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَقِب قَوْل الرَّوْضَةِ وَأَصْلهَا وَلَا يَجُوز بَيْع مَاء الْبِئْر وَالْقَنَاة فِيهِمَا لِأَنَّهُ مَجْهُول لَا خَفَاء أَنَّ هَذَا فِي الْبِئْر النَّابِعَة أَمَّا لَوْ كَانَتْ صِهْرِيجًا يَجْمَع مَاء الْمَطَر أَوْ يَسُوق الْمَاء إلَيْهَا مِنْ نَهْرٍ وَنَحْوه فَمَاؤُهَا كَالْمَاءِ فِي إنَاء إذَا عُلِمَ عُمْقهَا وَسِعَتهَا عُلُوًّا وَسُفْلًا اهـ وَمَا يَدْخُل مِنْ الْمَاء الْمُبَاحِ فِي مِلْك إنْسَان لَا يَمْلِكهُ بِدُخُولِهِ فِي الْأَصَحّ فَمَنْ أَخَذَهُ مَلَكَهُ وَإِنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ دُخُول مِلْك الْغَيْر لِأَجْلِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ يَمْلِك مَا يَدْخُل فِي نَهْره وَقَنَاته عَلَى الْأَصَحّ وَهُوَ ضَعِيف وَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَام الْإِمَامِ وَتَبِعَهُ الشَّيْخَانِ فَقَالَ هُنَا إنْ تَوَحَّلَ الصَّيْد فِي أَرْض لَهُ سَقَاهَا لَا يَقْتَضِي الْمِلْك وَإِنْ قَصَدَهُ وَقَالَ فِي كِتَاب الصَّيْد يَمْلِكهُ إنْ قَصَدَهُ وَجَمَعَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ نَفْس التَّوَحُّل لَا يَقْتَضِي الْمِلْك.
وَإِنْ قَصَدَ التَّمَلُّك وَمَا هُنَا فِيمَا إذَا قَصَدَ بِسَقْيِ الْأَرْض تَوَحُّله فَيَمْلِك بِهِ قَطْعًا أَيْ كَمَا يَمْلِك الْمَاء هُنَا بِالْحَفْرِ وَبِمَا تَقَرَّرَ يَعْلَم أَنَّ مَا يَدْخُل مِنْ السَّيْل إلَى صَهَارِيج جَدَّةَ وَغَيْرهَا لَا يَمْلِكهُ أَرْبَابهَا وَلَا يَصِحّ بَيْعهمْ لَهُ وَإِنَّمَا يَصِيرُونَ أَحَقّ بِهِ فَقَطْ وَإِنْ حَفَرُوا لَهُ مَشَارِب وَأَعَدُّوهَا حَتَّى إذَا
стр. 460
جَاءَ دَخَلَ إلَى صَهَارِيجهمْ مِنْهَا نَعَمْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ أَنَّ الْمَاء لَوْ دَخَلَ دَارِهِ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابهَا مَلَكَهُ كَمَا لَوْ أَغْلَقَهَا عَلَى صَيْد دَخَلَ إلَى مِلْكه وَعَلَيْهِ فَأَصْحَاب الصَّهَارِيج إذَا أَغْلَقُوهَا عَلَى مَا فِيهَا مَلَكُوهُ وَسَيَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الدُّولَابَ الَّذِي يُدِيرهُ الْمَاءُ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ فِي كِيزَانه يَمْلِكهُ صَاحِبُ الدُّولَابِ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَقَاهُ بِنَفْسِهِ قَالَ غَيْرُهُ وَفِي مَعْنَاهُ مَا يُدِيرهُ بِدَابَّتِهِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى اهـ وَمَرَّ أَنَّ الْمَأْخُوذ مِنْهُ فِي نَحْو إنَاء يَمْلِكهُ آخِذُهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا قَالَ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْع الْمَاءِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ جَمِيع الْمِيَاهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَجْهُولُ كَالْمِيَاهِ الَّتِي يَتَبَايَعُهَا أَهْلُ الشِّرْبِ وَغَيْرُهُمْ بِبَيْعِ الرَّجُلِ مِنْهُمْ مَا يَجْرِي فِي نَهْرِهِ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِكَذَا وَكَذَا اهـ.
وَقِيلَ لَا يُمَلَّكُ الْمَاءُ مُطْلَقًا وَإِنْ أَخَذَهُ فِي نَحْوِ إنَاءٍ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِهِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَكِنْ رَدَّهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي نَحْوِ إنَاءٍ يُمَلَّكُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ وَفِي الْأَنْوَارِ أَنَّ الْأَنْهَارَ وَالسَّوَّاقِي إذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً بِأَنْ حَفَرَ نَهْرًا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ الْوَادِي الْعَظِيمِ أَوْ مِنْ النَّهْرِ الْمُنْخَرِقِ مِنْهُ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ لَكِنَّ مَالَك النَّهْرِ أَحَقُّ بِهِ كَالسَّيْلِ يَدْخُلُ مِلْكَهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُزَاحَمَتُهُ لِسَقْيِ الْأَرْضَيْنِ وَكَذَا لِلشِّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ عِنْد الْجُمْهُورِ اهـ وَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ وَكَذَا إلَخْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَأَمَّا الشِّرْبُ وَالِاسْتِعْمَالُ وَسَقْي الدَّوَابِّ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ وَالْمُتَوَلِّي لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ لَا يُدْلِي أَحَدٌ فِيهِ دَلْوَهُ هُوَ الثَّانِي لِكَوْنِ الْجُمْهُورِ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْخَامِسِ فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَفِي الْبَابِ السَّادِسِ مَا يَتَعَلَّق بِبَيْعِ الْمَاءِ فَلِيَكُنْ مِنْك عَلَى ذِكْرِ.
[الْبَاب الثَّالِثِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَاقِدَانِ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ قَرَارٍ وَلَا مَاءَ]
(الْبَاب الثَّالِث فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ) وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَاقِدَانِ بِالسَّاعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ قَرَارٍ وَلَا مَاء وَلَكِنْ اطَّرَدَ عُرْفُهُمَا حَالَ الْعَقْدِ بِاسْتِعْمَالِ السَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ فِي جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ وَقَدْ قَدَّمْت فِي كُلٍّ مِنْ الْجَوَابَيْنِ السَّابِقَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أُمُورٌ الْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ لَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ وَثَمَّ نَقْدٌ غَالِبٌ مُتَّحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ غَلَبَةً وَلَا قِيمَةً صَحَّ الْبَيْعُ وَحُمِلَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا أَوْ زَائِدًا أَوْ فُلُوسًا سَوَاءٌ أَعَبَّرَ بِهَا أَمْ بِالدَّرَاهِمِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ بَلْ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ الْحَمْلَ عَلَيْهَا أَيْضًا وَإِنْ عَبَّرَ بِالنَّقْدِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَوْ كَانَ حِنْطَةً وَثِيَابًا فَتَأَمَّلْ حُكْمَهُمْ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِي هَذَا وَتَنْزِيلُهُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِيهِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفِ مَعْلُومٌ فَكَانَ عِلْمُهُ الْمُسْتَنِد لَهُ كَالتَّصْرِيحِ بِهِ فِي الْعَقْدِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِمَا قَدَّمْته عَنْهُ فِي الْجَوَابِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَكَذَلِكَ السَّاعَةُ مِنْ الْقَرَارِ فِي صُورَتِنَا إذَا غَلَبَ عِنْدَ قَوْمٍ اسْتِعْمَالِهَا بِمَعْنَى الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ نَظَرَا لِتِلْكَ الْغَلَبَةِ وَلِذَلِكَ الْعُرْفِ وَكَأَنَّهُمَا قَالَا جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ الْقَرَارِ الثَّانِي قَوْل الْقَاضِي لَوْ اُعْتِيدَ الْبَيْعُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ يُعْطِي تِسْعَةً وَدَانَقًا عُمِلَ فِيهِ بِالْعَادَةِ اهـ وَالْعَمَلُ بِهَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى لِأَنَّ مَا قَالَهُ فِيهِ إلْغَاءُ اللَّفْظِ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَلَمْ يُعْمَلْ بِمَدْلُولِ هَذَا اللَّفْظِ وَلَا بِمَا يَحْتَمِلُهُ رُجُوعًا لِلْعَادَةِ.
فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهَا فِي إلْغَاءِ اللَّفْظِ الْوَاقِعِ فِي الْعَقْدِ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَنْزِيلِهِ أَعْنِي الْعَقْدَ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِيهِ بِوَجْهٍ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فَأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إلَيْهَا فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظ بِمَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ اُعْتِيدَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَيَنْزِلُ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ الثَّالِثُ قَوْلُهُمْ يَجُوزُ التَّعَامُلُ بِالْمَغْشُوشَةِ وَلَوْ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ الْغِشِّ نَظَرًا لِلْعُرْفِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ رَاجَتْ الْفُلُوسُ رَوَاجَ النُّقُودِ ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُهَا وَإِذَا ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُهَا نَظَرًا لِلْعُرْفِ مَعَ أَنَّهَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا نَقْدٌ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ لِلَفْظِ السَّاعَةِ حُكْمُ لَفْظِ الْجُزْءِ إذَا اُعْتِيدَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُطْلَقْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا الرَّابِعُ وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُدَّعِي فِي مَسْأَلَتِنَا مِمَّا قَبْلَهُ قَوْلهمْ إذَا اطَّرَدَتْ
стр. 461
الْعَادَةُ نَزَلَ اللَّفْظُ فِي الْعُقُودِ عَلَيْهَا وَإِنْ اضْطَرَبَتْ لَمْ تُعْتَبَرْ وَوَجَبَ الْبَيَانُ وَإِنْ تَعَارَضَتْ الظُّنُونُ فِي اعْتِبَارِهَا فَخِلَافٌ وَهَذَا الْأَصْلُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَقَالَ كُلُّ مَا يَتَّضِحُ فِيهِ اطِّرَادُ الْعَادَةِ فَهُوَ الْمُحَكِّمُ وَيَصِيرُ كَالْمَذْكُورِ صَرِيحًا.
وَكُلُّ مَا تَعَارَضَتْ الظُّنُونُ بَعْضَ التَّعَارُضِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ فِيهِ فَهُوَ مَثَارُ الْخِلَافِ اهـ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ يَنْزِلُ اللَّفْظُ فِي الْعُقُودِ عَلَيْهَا وَقَوْلُ الْإِمَامِ كُلُّ مَا يَتَّضِحُ فِيهِ اعْتِبَارُهَا فَهُوَ الْحُكْمُ وَيَصِيرُ كَالْمَذْكُورِ صَرِيحًا تَجِدُ ذَلِكَ نَصًّا فِي مَسْأَلَتِنَا بِتَنْزِيلِ لَفْظِ السَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْهُ إذَا اُعْتِيدَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ الْخَامِسُ قَوْلُ الْقَفَّالِ الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِي نَاحِيَةٍ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ كَاعْتِيَادِ مَنَافِعِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ فَهِيَ بِمَثَابَةِ شَرْطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ حَتَّى يَفْسُدَ الرَّهْنُ وَجَعَلَ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ بِمَنْزِلَةِ الْعَادَةِ الْعَامَّةِ فَإِنْ قُلْتَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنَّ الْجُمْهُورَ لَمْ يُسَاعِدُوهُ فِي هَذَيْنِ قُلْت الْجُمْهُورُ لَا يُخَالِفُونَهُ إلَّا فِي قَوْلِهِ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ حَتَّى يَفْسُدَ الْعَقْدُ وَأَمَّا فِي أَصْلِ اعْتِبَارِ الْعَادَةِ الْخَاصَّةِ فَلَا يُخَالِفُونَهُ فِيهِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِاعْتِبَارِهَا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ لَوْ غَلَبَتْ فِي بَلَدٍ بِجِنْسٍ أَوْ نَوْعٍ مِنْ النُّقُودِ أَوْ الْعُرُوضِ انْصَرَفَ الثَّمَنُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْعَادَةَ الْمُطَّرِدَة فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ وَبَلَدِهِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ وَمِنْهَا فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ الَّتِي بَدَا صَلَاحُهَا يَجِبُ إبْقَاؤُهَا إلَى أَوَانِ الْقِطَافِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ السَّقْيِ بِمَائِهَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ بِاللَّفْظِ وَقَوْلهمْ فِي أَلْفَاظِ الْأَيْمَانِ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّءُوسِ وَنَحْوهَا وَمِنْهَا اعْتِبَارُهُمْ غَالِبَ شِيَاهِ الْبَلَدِ فِي الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَغَالِبِ قُوتِهَا فِي نَحْو زَكَاةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَغَالِب إبِلِهَا فِي الدِّيَاتِ وَبَقِيَ مَسَائِلُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ اعْتَبَرُوا فِيهَا الْعُرْفَ الْخَاصَّ لَا يَخْفَى عَلَى الْفَقِيهِ اسْتِخْرَاجُهَا فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ نَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ فِي مَسْأَلَةِ الثِّمَارِ السَّابِقَةِ وَفِيمَا لَوْ بَارَزَ كَافِرٌ مُسْلِمًا وَاعْتِيدَ أَمَانُ كُلٍّ مِنْ عَدُوِّهِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِمَا ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَنَا إعَانَةُ الْمُسْلِمِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا تَبَعًا لِلنَّصِّ وَلَمْ يُنْزِلُوهَا مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ السَّابِقَةِ أَيْضًا خِلَافًا لِلْقَفَّالِ وَلَا فِيمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الْحِصْرِمِ قَبْلَ النُّضْجِ خِلَافًا لِلْقَفَّالِ أَيْضًا فِي تَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ حَتَّى يَصِحَّ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَلَا فِي بَيْعِ الْعَيِّنَةِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مُؤَجَّلًا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ نَقْدًا إذَا صَارَ ذَلِكَ عَادَةً خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُمَا نَزَّلَاهَا مَنْزِلَتَهَا حَتَّى يَبْطُلَ الْعَقْدَانِ.
قُلْتُ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ الْأُمُورِ التَّوَابِعِ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ لِذَاتِهَا أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِبْقَاءِ إلَى الْجُذَاذِ أَمْرٌ تَابِعٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَمُتَرَتِّبٌ عَلَيْهَا فَأَثَّرَ فِيهِ الْعُرْفُ لِضَعْفِهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْإِعَانَةَ وَعَدَمهَا مِنْ الْأُمُورِ التَّابِعَةِ لِلْمُبَارَزَةِ فَأَثَّرَ فِيهَا الْعُرْفُ لِضَعْفِهَا أَيْضًا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرَّهْنِ وَبَيْعُ الْحِصْرِمِ وَالْعِينَة فَهِيَ مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا فَلَمْ يَقْوَ الْعُرْفُ فِيهَا عَلَى أَنْ يُؤَثِّرَ بُطْلَانُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ وَلِأَنَّ الصِّيغَةَ فِيهِمَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا الظَّاهِرَةِ وَغَايَةُ الْعُرْفِ أَنْ يَجْعَلَ الشَّرْطَ مُضْمَرًا وَإِضْمَارُ الْمُفْسِدِ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَلَا صِحَّةَ الثَّانِيَة لِأَنَّ الْحِصْرِمَ غَيْرُ قَابِلٍ لِإِيرَادِ الْبَيْعِ عَلَيْهِ إلَّا مَعَ شَرْطِ الْقَطْعِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَأَيْضًا فَهَذَا الشَّرْطُ مُعْتَدٌّ بِلَفْظِهِ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَثَرُهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهِ وَمَا بِلَفْظِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ عُرْفُ وَلَا غَيْرُهُ فَتَفَطَّنْ لِهَذَا الْفَرْقِ.
فَإِنَّهُ يُزِيلُ عَنْك فِي هَذِهِ الْقَاعِدَة مِنْ الْعَمَايَاتِ مَا لَا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ السَّادِسُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا ثُمَّ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْمُعَامَلَاتِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيمَا يُرَوَّجُ فِيهَا غَالِبًا وَلَا تُؤَثِّرُ فِي التَّعْلِيقِ وَالْإِقْرَارِ بَلْ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ أَمَّا فِي التَّعْلِيقِ فَلِقِلَّةِ وُقُوعه وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبِ حَقٍّ سَابِقٍ وَرُبَّمَا يُقَدَّمُ الْوُجُوب عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ اهـ وَكَالْإِقْرَارِ فِي ذَلِكَ الدَّعْوَى فَلَا تَنْزِلُ الدَّعْوَى بِالدَّرَاهِمِ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْغَالِبَةِ وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِمَا مَرَّ فَقَالُوا إنَّهَا إخْبَارٌ عَمَّا تَقَدَّمَ فَلَا يُقَيَّدُ بِهَا الْعُرْفُ الْمُتَأَخِّرُ بِخِلَافِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَاشَرَهُ فِي الْحَالِ فَقَيَّدَهُ الْعُرْفُ.
وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ
стр. 462
لِمَا قُلْنَاهُ وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَيَجْرِي فِيهِ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ فَإِنْ قُلْت لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا كُلِّهِ لِمَا ذَكَرْت لِأَنَّ فَحَوَى عِبَارَاتِهِمْ أَنَّهَا فِي الثَّمَنِ وَمَا ذَكَرْت إنَّمَا هُوَ فِي الْمُثَمَّنِ وَفَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنهمَا إذْ الْمُثَمَّنُ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ الثَّمَنِ وَلِذَا جَازَ الِاسْتِبْدَالُ عَنْ الثَّمَنِ دُونَ الْمُثَمَّنِ قُلْتُ بَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ أَيْ دَلَالَةٌ لِمَا ذَكَرْته لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الثَّمَنَ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِصَاصِ بِهِ بَلْ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ أَجْرَوْا الْعَادَةَ فِي الْمُثَمَّنِ بَلْ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ الَّذِي هُوَ أَضْيَقُ أَنْوَاعِ الْمُثَمَّنِ فَقَدْ قَالُوا لَوْ أُسْلِمَ إلَيْهِ فِي لَحْمٍ وَأُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى اللَّحْمِ مَعَ الْعَظْمِ الْمُعْتَادِ فَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ عَمَلًا بِالْعَادَةِ وَقَالُوا لَوْ أُسْلِمَ فِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ وَثَمَّ مَكَايِيلُ أَوْ مَوَازِينُ وَلَمْ يُبَيِّنَا وَاحِدًا مِنْهَا حُمِلَ عَلَى الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ الْغَالِبِ.
فَانْظُرْ جَعْلَهُمْ الْعُرْفَ مُؤْثَرًا فِي شُمُولِ اللَّحْمِ لِلْعَظْمِ مَعَ مُغَايِرَتِهِ لَهُ حَقِيقَةً وَاسْتِعْمَالًا وَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ عَدَمِ شَرْطِ صِحَّةِ السَّلَمِ مِنْ بَيَانِ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْعُرْفَ صَيَّرَ ذَلِكَ كَالْمَذْكُورِ فِي الْعَقْدِ فِيهِمَا فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي إزَالَةِ الْإِيهَامِ لَا فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ وَمَا ذَكَرْتُهُ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِمُقْتَضَى الصَّرِيحِ إذْ السَّاعَةُ صَرِيحَةٌ فِي الزَّمَانِ فَلَا يُغَيِّرُهَا الْعُرْفُ عَنْ مُقْتَضَاهَا قُلْتُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ مَا فَهِمْته إذْ لَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِهِ فَقِيهٌ بَلْ وَلَا مُتَفَقِّهٌ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ صِيَغُ الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ لَوْ عَمَّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ الْخَلَاصِ وَالِانْطِلَاقِ ثُمَّ أَرَادَ الزَّوْجُ حَمْلَ الطَّلَاقِ فِي مُخَاطَبَةِ زَوْجَتِهِ عَلَى مَعْنَى التَّخْلِيصِ وَحَلِّ الْوِثَاقِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْعُرْفُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي إزَالَةِ الْإِيهَامِ لَا فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ بِالصَّرَائِحِ مَا ذَكَرْته وَمَسْأَلَتُنَا لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّ لَفْظَ السَّاعَةِ فِيهَا لَا يُقَالُ فِيهَا صَرِيحٌ فِي الِاصْطِلَاحِ فَلَا يَشْمَلُهُ كَلَامُ الْإِمَامِ.
فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ أَثَّرَ الْعُرْفُ فِي غَيْرِ الصَّرِيحِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ قُلْت لِأَنَّ الصَّرِيحَ وَضْعٌ شَرْعِيٌّ وَضَعَهُ الشَّارِعُ لِيُنَاطَ بِهِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَلَا تُوجَدُ بِدُونِهِ وَالْأَوْضَاعُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا تُغَيِّرْ عَنْ مَعَانِيهَا لِلْأَوْضَاعِ الْعُرْفِيَّةِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَسْخِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِشَيْءٍ حَادِثٍ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الشَّرِيعَةِ غَيْرِ مُتَلَقٍّ مِنْ الشَّارِعِ وَالْوَضْعُ الشَّرْعِيُّ إنَّمَا يُنْسَخُ بِوَضْعٍ شَرْعِيٍّ مِثْله وَأَمَّا غَيْرُ الصَّرِيحِ فَإِنَّهَا أَلْفَاظٌ وَكُلُّ اسْتِعْمَالِهَا إلَى مُسْتَعْمِلِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ أَوْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهَا فِي مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ بِأَوْضَحِ عِبَارَةٍ وَأَظْهَرْ دَلِيلٍ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ غَيْرَ الصَّرَائِحِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ اتَّضَحَ مَا قُلْنَاهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ مِنْ أَنَّ لِلْعُرْفِ فِيهَا تَأْثِيرًا وَإِخْرَاجًا لَهَا عَنْ مَدْلُولِهَا إلَى مَدْلُولٍ آخَرَ سَوَاءٌ أَكَانَ عُرْفًا عَامًّا أَوْ عُرْفًا خَاصًّا فَإِنْ قُلْت يُرَدُّ مَا قَرَّرْته تَقْدِيمُهُمْ الْوَضْعَ الْعُرْفِيَّ عَلَى الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ فِي مَسَائِلَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا أَوْ لَا يَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ أَوْ تَحْتَ سَقْفٍ أَوْ لَا يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى وَتَدٍ أَوْ لَا يَأْكُلُ مَيْتَةً أَوْ دَمًا لَمْ يَحْنَثْ بِلَحْمِ السَّمَكِ وَلَا بِالْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا بِالْقُعُودِ تَحْتَ السَّمَاءِ وَلَا بِوَضْعِ رَأْسِهِ عَلَى جَبَلٍ وَلَا بِأَكْلِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَلَا بِأَكْلِ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ.
وَإِنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى لَحْمَ السَّمَكِ لَحْمًا وَالْأَرْضَ بِسَاطًا وَالشَّمْسَ سِرَاجًا وَالسَّمَاءِ سَقْفًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ مَيْتَةً وَالْكَبِدَ وَالطِّحَالَ دَمًا قُلْت قَدْ أَشَرْت لَك إلَى الْجَوَابِ عَنْ جَمِيعِ هَذَا فِي أَوَّلِ الْجَوَابِ السَّابِقِ بِقَوْلِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ لِيُنَاطَ بِهِ إلَخْ وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ تَقَعْ عَلَى جِهَةِ التَّكْلِيفِ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهَا أَحْكَامًا كُلِّفْنَا بِهَا حَتَّى تَكُونَ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ مَقْصُودَةً لَهُ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الْعُقُودِ وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ وَضَعَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ لِتُفِيدَ الْأَحْكَامَ الَّتِي رَتَّبَهَا عَلَيْهَا فَالتَّسْمِيَةُ مَقْصُودَةٌ لَهُ فَلَا تُغَيَّرُ لَعُرْفٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي أَوْ لَا يَصُوم أَوْ لَا يَنْكِح لَمْ يَحْنَث إلَّا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الشَّرْعِيَّيْنِ دُونَ الدُّعَاءِ
стр. 463
وَالْإِمْسَاكِ وَإِنْ سُمِّيَا صَلَاةً وَصَوْمًا لُغَةً وَإِلَّا بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يُعْنَ بِهِ فِي الْعُرْفِ غَيْرُ الْوَطْءِ.
وَلَوْ قَالَ إنْ رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرُهَا وَعَلِمَتْ بِهِ طَلُقَتْ إذْ الرُّؤْيَةُ شَرْعًا بِمَعْنَى الْعِلْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ بَاعَ أَوْ نَكَحَ أَوْ طَلَّقَ أَوْ رَاجَعَ هَازِلًا وَإِنْ عَدَّ ذَلِكَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَغْوًا لِأَنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالصِّحَّةِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ حَيْثُ تَعَلَّقَ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ حُكْمٌ لَمْ يُغَيَّرْ عَنْهُ لِعُرْفٍ وَلَا لِغَيْرِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَرِيحًا أَمْ غَيْرُهُ السَّابِعُ قَوْلُ صَاحِبِ الْكَافِي فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ وَالدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي حُسَيْنُ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ أَوْلَى وَاللَّفْظُ مَتَى كَانَ مُطْلَقًا وَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِهِ عَمَلًا بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَالثَّانِي وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحْيِي السُّنَّةِ أَيْ شَيْخُهُ الْبَغَوِيّ الدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَحْكُمُ فِي التَّصَرُّفَاتِ سِيَّمَا فِي الْأَيْمَانِ.
قَالُوا فَلَوْ دَخَلَ دَارَ صَدِيقِهِ فَقَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا فَامْتَنَعَ فَقَالَ إنْ لَمْ تَأْكُلْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَخَرَجَ وَلَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ قَدِمَ الْيَوْمُ الثَّانِي فَقَدَّمَ لَهُ ذَلِكَ الطَّعَامَ فَأَكَلَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْنَثُ وَعَلَى الثَّانِي يَحْنَثُ اهـ فَانْظُرْ تَعْلِيلِ الْبَغَوِيِّ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَحْكُمُ فِي التَّصَرُّفَاتِ تَحُدُّهُ نَصًّا فِي مَسْأَلَتِنَا وَفِي أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ تَحْكِيمُهُ بِالثَّمَنِ بَلْ يَحْكُمُ فِي الْمُثَمَّنِ أَيْضًا الثَّامِنُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ الْعُرْفُ الْخَاصُّ هَلْ يَنْزِلُ فِي التَّأْثِيرِ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ وَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُهُ فِي أَهْلِهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ اهـ وَهَذَا شَامِلٌ لِمَسْأَلَتِنَا وَإِنْ كَانَ ابْنُ الصَّلَاحِ إنَّمَا سَاقَهُ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْوَقْفِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ
[الْبَابُ الرَّابِعُ لَمْ يُرِيدَا بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ أَوْ الْمَاءِ]
(الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْحَالَةِ الرَّابِعَةِ) وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يُرِيدَا بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ وَلَا مِنْ الْمَاءِ وَلَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمَا بِاسْتِعْمَالِهِمَا فِي وَاحِدٍ مِنْ الْقَرَارِ أَوْ الْمَاءِ وَهَذِهِ الْحَالَةُ لِلنَّظَرِ فِيهَا مَجَالٌ وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ الْبُرْهَانَ الْوَاضِحَ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْ الْقَرَارِ وَقَضِيَّةُ هَذَا صِحَّةُ الْبَيْعِ وَيُؤَيِّدُهُ قَاعِدَةُ أَنَّ إعْمَالَ اللَّفْظِ (سِيَّمَا) فِي مَعْنَاهُ الظَّاهِرِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ يُحْتَمَلُ فَسَادُهُ لِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ ذَلِكَ لَكِنَّهُ بِاعْتِبَارَاتٍ لَا يَهْتَدِي لَهَا أَكْثَرُ الْعَامَّةِ بَلْ الْمُتَفَقِّهَةُ وَمِنْ ثَمَّ أُشْكِلَ عَلَى أُولَئِكَ الْمُخَالِفِينَ وَيُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَارِفِينَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَبَيْنَ الْجَاهِلِينَ فَفِي الْعَارِفِينَ يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إذَا وَقَعَ مِنْهُمَا تَبَادَرَ عِنْدَهُمَا مِنْ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ وَمِنْ وَمَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمئِذٍ وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ السَّابِقَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِصَّةِ السَّقِيَّة الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ كَذَا جُزْء مِنْ نَفْسِ الْقَرَارِ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَهُمَا فَالْبَيْعُ عِنْدهمَا صَحِيحٌ وَفِي غَيْرِهِمَا بِأَنْ يَكُونَا جَاهِلَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا جَاهِلًا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَتَبَادَرُ عِنْده مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْجُزْءُ السَّابِقُ بَلْ الْمُتَبَادِرُ عِنْدهمَا الْمَاءُ وَقَدْ لَا يَتَبَادَرُ عِنْدهمَا مِنْهُمَا شَيْءٌ لِمَا فِيهِ مِنْ نَوْعِ تَعَارُضٍ أَشَرْنَا إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الْأَخِيرُ يُؤَيِّدُهُ مَسَائِلُ ذَكَرُوهَا فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته أَنَّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَمَانِيَةُ أَحْوَالٍ الْأَرْبَعَةُ السَّابِقَةُ فِي الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ وَالْخَامِسُ مَا إذَا أَطْلَقَا وَعُرْفُهُمَا حَالَ الْعَقْدِ انْصِرَافُ ذَلِكَ لِلْمَاءِ وَالْحُكْمُ فِيهِ الْبُطْلَانُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ وَالسَّادِسُ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِرَادَةِ وَقَدْ مَرَّ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَالسَّابِعُ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعُرْفِ وَحُكْمُهُ الْبُطْلَانُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَالثَّامِنُ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَعْرِفَةِ بِنَاءً عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ وَحُكْمُهُ الْبُطْلَانُ كَمَا مَرَّ آنِفًا.
وَإِذْ قَدْ اتَّضَحَ لَك مَا قَرَّرْته فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّمَانِيَةِ وَمَا يَدُلُّ لِأَكْثَرِهَا مِنْ كَلَامِهِمْ الظَّاهِرِ أَوْ الصَّرِيحِ عَلِمْت أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْبَاطِلَةِ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الثَّمَانِيَةِ وَأَنَّ مَنْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهِ الْبُطْلَانَ مُطْلَقًا تَقْلِيدًا لَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فَقَدْ رَكِبَ مَتْنَ عَمْيَاءَ وَخَبَطَ خَبْط عَشْوَاءَ كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِيَاقِ فَتَاوِيهِمْ الْمُنَادِيَةِ عَلَيْهِمْ بِالْخَسَارِ وَالْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ فِي الْخَاتِمَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 464
[الْبَابُ الْخَامِسُ التَّنَاقُض فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَالْقَرَارِ]
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَالْقَرَارِ وَبَيَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ عِبَارَاتِهَا وَرَدِّ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ لِلْمُتَكَلِّمِينَ عَلَيْهَا) اعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ تَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ وَعِبَارَتُهَا قُبَيْلَ الرِّبَا مِنْ زِيَادَاتِهَا وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ النَّهْرِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ هَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْقَدْرِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِي غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَسَيَأْتِي هَذَا مَعَ غَيْرِهِ مَبْسُوطًا فِي آخِرِ كِتَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَعِبَارَاتُهَا أَوَاخِر تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ مِنْ زِيَادَاتِهَا وَمِنْهَا أَيْ مِنْ الْمَنَاهِي مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ قَالَ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَفْرَدَ مَاءَ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ بِالْبَيْعِ فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ الْأَرْضِ بِأَنْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ شِرْبِهَا مِنْ الْمَاءِ فِي نَهْرٍ أَوْ وَادٍ صَحَّ وَدَخَلَ الْمَاءُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ أَوْ حَوْضٍ مَثَلًا مُجْتَمِعًا فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ مُنْفَرِدًا أَوْ تَابِعًا انْتَهَتْ وَبِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ كَالْقَاضِي وَالْقَزْوِينِيِّ فِي الْحِيَلِ وَعِبَارَتُهَا قُبَيْل الْوَقْفِ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْمَاءِ]
(فَصْلٌ) فِي بَيْعِ الْمَاءِ أَمَّا الْمُحْرَزُ فِي إنَاءٍ أَوْ حَوْضٍ فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَلْيَكُنْ عُمْقُ الْحَوْضِ مَعْلُومًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْقَنَاةِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَيَزِيدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِطُ فَيَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ وَإِنْ بَاعَ مِنْهُ أُصْبُعًا فَإِنْ كَانَ جَارِيًا لَمْ يَصِحَّ إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَبْطُ الْعَقْدِ بِمِقْدَارٍ وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا وَقُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ فَيَصِحُّ وَإِنْ قُلْنَا مَمْلُوكٌ فَقَالَ الْقَفَّالُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَزِيدُ فَيَخْتَلِط الْمَبِيعُ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ كَبَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً أُخْرَى فَإِنَّ الْبَيْعَ بِحَالِهِ وَيَبْقَى الْبَيْعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ مِنْ الْبَصْرَةِ، وَلَوْ بَاعَ الْمَاءَ مَعَ قَرَارِهِ نَظَرَ إنْ كَانَ جَارِيًا فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَقُلْنَا الْمَاءُ لَا يُمَلَّكُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَإِلَّا فَيَصِحُّ.
وَلَوْ بَاعَ بِئْرَ الْمَاءِ وَأَطْلَقَ أَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا بِئْرٌ جَازَ ثُمَّ إنْ قُلْنَا يَمْلِكُ فَالْمَوْجُودُ حَالَ الْبَيْعِ يَبْقَى لِلْبَائِعِ لَا لِلْمُشْتَرِي قَالَ الْبَغَوِيّ وَعَلَى هَذَا الْبَيْع حَتَّى يَشْتَرِطَ أَنَّ الْمَاءَ الظَّاهِرَ لِلْمُشْتَرِي لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءُ وَإِنْ قُلْنَا لَا يُمَلَّكُ فَقَدْ أَطْلَقُوا أَنَّ الْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَلْيُحْمَلْ عَلَى مَا نَبَعَ بَعْد الْبَيْعِ فَأَمَّا مَا نَبَعَ قَبْلَهُ فَلَا مَعْنَى لِصَرْفِهِ إلَى الْمُشْتَرِي قُلْت هَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فَاسِدٌ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ الظَّاهِرِ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الدَّارِ وَتَكُونُ يَدُهُ كَيَدِ الْبَائِعِ فِي ثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ بَاعَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الْبِئْرِ أَوْ الْقَنَاةِ جَازَ وَمَا يَنْبُعُ مُشْتَرَكٌ بَيْنهمَا إمَّا اخْتِصَاصًا مُجَرَّدًا وَإِمَّا مِلْكًا انْتَهَتْ وَعِبَارَتُهَا فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ (فَرْعٌ) لَا يَدْخُلُ مَسَايِلُ الْمَاءِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا شِرْبُهَا مِنْ الْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَوْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ بِئْرُ مَاءٍ دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ.
وَالْمَاءُ الْحَاصِلُ فِي الْبِئْرِ حَالَ الْبَيْعِ لَا يَدْخُلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ شُرِطَ دُخُولُهُ فِي الْبَيْعِ صَحَّ عَلَى قَوْلِنَا الْمَاءُ مَمْلُوكٌ بَلْ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ دُونَ هَذَا الشَّرْطِ وَإِلَّا اخْتَلَطَ الْمَاءُ الْمَوْجُودُ لِلْبَائِعِ بِمَا يَحْدُثُ لِلْمُشْتَرِي وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ قُلْت فَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ صَحَّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا بَلْ لَا يَجُوزُ شَرْطُهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِهِ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ تَوَحَّلَ صَيْدٌ فِي أَرْضِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمَاءِ وَفُرُوعِهِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَتْ وَلَا تَنَافِي بَيْن الْمَوْضِعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ بَلْ يُحْمَلُ مَا قَالَهُ فِي الثَّانِي مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَالْمِلْكِ وَفِي الْمَاءِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الثَّانِيَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي غَيْرِ مَا فُرِضَتْ فِيهِ الثَّالِثَةُ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا بَاعَ أَرْضًا مَعَ شِرْبِهَا مِنْ الْمَاءِ فِي نَهْرٍ أَوْ وَادٍ وَالثَّالِثَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا بَاعَ الْمَاءَ مَعَ قَرَارِهِ فَالثَّانِيَةُ لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِلْمَاءِ أَصْلًا وَإِنَّمَا فِيهَا تَعَرُّضٌ لِلشِّرْبِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ فَلِذَلِكَ صَحَّ الْبَيْعُ وَدَخَلَ الْمَاءُ فِيهِ تَبَعًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَدَخَلَ الْمَاءُ تَبَعًا.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَفِيهَا تَعَرُّضٌ لِلْمَاءِ وَالْقَرَارِ فَالْمَاءُ مَقْصُودٌ فِيهَا فَوَجَبَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ
стр. 465
وَهُوَ الرَّاكِدُ فَيَصِحُّ فِيهِ كَالْقَرَارِ وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهُوَ الْجَارِي فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي الْقَرَارِ عَمَلًا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَمِلْكُهُ يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ الْحَادِثَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَبِهَذَا اتَّضَحَ عَدَمُ التَّنَاقُضِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ لِأَنَّ كُلًّا مَفْرُوضَةٌ فِي غَيْرِ مَا فُرِضَتْ فِيهِ الْأُخْرَى ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْقَرَارِ فِي الْعِبَارَةِ الثَّالِثَةِ مَحَلُّ النَّبْعِ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَسْتَلْزِمُ مِلْكَهُ الْمَاءَ فَفَصَلَ فِيهِ بَيْنَ الرَّاكِدِ وَالْجَارِي وَيُطْلَقُ الْقَرَارُ أَيْضًا عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ وَمِلْكُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ بَلْ إنَّ مَالِكَهُ أَحَقُّ بِالْمَاءِ الْحَاصِلِ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ إرَادَةٌ هَذَا فِي الْعِبَارَةِ الثَّالِثَة لِأَنَّ الْمَاءَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُطْلَقًا رَاكِدًا كَانَ أَوْ جَارِيًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ.
وَالْوَاقِعُ فِي الْعِبَارَةِ الثَّالِثَةِ التَّفْصِيلُ بَيْن الرَّاكِدِ وَالْجَارِي فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ الْمُسْتَلْزِمُ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ إنْ مَلَكَ مَحَلَّ نَبْعِهِ أَوْ كَانَ حَاصِلًا مِنْ غَيْرِ مَاءٍ مُبَاحٍ فَإِنْ قُلْت جَرَتْ عَادَةُ الشَّيْخَيْنِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِمَا بِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ بِأَنْ مُرِيدِينَ بِهَا كَأَنْ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ شِرْبِهَا لَا يَقْتَضِي حَصْرَ الصُّورَةِ فِي ذَلِكَ بَلْ يَشْمَلُ قَوْله قَبْلَهُ بَاعَهُ مَعَ الْأَرْضِ ذَلِكَ وَغَيْره كَبَيْعِهِ مَعَ الْقَرَارِ وَحِينَئِذٍ فَيُنَافِي مَا قَالَاهُ فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ قُلْت إنَّمَا يُحْمَلُ بِأَنْ عَلَى كَأَنْ حَيْثُ عُلِمَ عَدَمُ حَصْرِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ فِي بِأَنْ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حَصْرِ الْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَهَا وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ بِأَنْ هُنَا بِمَعْنَى كَأَنْ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْضِ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ مِنْهَا وَأَنَّهَا تَشْمَلُ الْقَرَارَ الْمَذْكُورَ فِي الْعِبَارَةِ الثَّالِثَةِ فَيُحْمَلُ الْقَرَارُ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ أَوْ عَلَى الْمَجْرَى الْمَمْلُوكِ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ.
وَيَدْخُلُ الْمَاءُ تَبَعًا لَا قَصْدًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ فَلَا يَصِحُّ إيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ جَارِيًا كَانَ أَوْ رَاكِدًا وَأَمَّا الْقَرَارُ فِي الثَّالِثَةِ فَقَدْ مَرَّ حَمْلُهُ عَلَى مَحَلِّ النَّبْعِ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ أَيْضًا وَإِنْ سَلَّمْنَا مَا ذَكَرُوا وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ فِي الْعِبَارَتَيْنِ عَلِمْت أَنَّ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا إنْ سَلِمَتْ إنَّمَا هِيَ فِي الْجَارِي أَمَّا الرَّاكِدُ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهِ مَعَ الْأَرْضِ وَالْقَرَارِ بِشَرْطِهِ وَمَرَّ فِي الْبَابِ الثَّانِي ذِكْرُ كَلَامِ الْبَحْرِ وَالْبَيَانِ وَبَيَانُ مَحْمَلِهِمَا وَمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا هُنَا فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ سِيَّمَا رَدَّ اعْتِرَاضَاتِ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ الثَّالِثَةِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضِعِ الرَّابِعِ فَهُوَ لَمْ يُسَقْ لِبَيَانِ حُكْمِ بَيْعِ الْمَاءِ بَلْ لِبَيَانِ أَنَّهُ يَجِبُ شَرْطُ دُخُولِهِ أَوَّلًا وَقَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شِرْبُهَا مِنْ الْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَوْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ هَذَا كَمَا تَرَى فِي الشِّرْبِ الْمَمْلُوكِ وَمَا مَرَّ فِي الشِّرْبِ الْغَيْرِ الْمَمْلُوكِ.
وَبَعْدَ أَنْ بَانَ لَك صِحَّةُ عِبَارَتِهَا وَأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِيهَا وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا فَلْنَذْكُرْ مَا وَقَعَ لِلْمُتَكَلِّمِينَ عَلَيْهَا مِنْ إشْكَالٍ وَجَوَابٍ وَنَقْدٍ وَرَدٍّ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ فَنَقُولُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي الْعِبَارَةِ الثَّالِثَةِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ رَدَّهُ جَمْعٌ بِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَجْهُولًا وَبِيعَ مَعَ غَيْرِهِ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ بِالْقِسْطِ وَالْقِسْطُ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِلْجَهَالَةِ وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّمَا يَتَّضِحُ رَدُّهُمْ إنْ سُلِّمَ لَهُمْ دَعْوَى الْجَهَالَةِ بِالْقِسْطِ وَهِيَ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ فَقَدْ قَالَ جَمْعٌ فِي نَحْوِ الْخَلِّ وَالْخَمْرِ وَالشَّاةِ وَالْكَلْبِ أَوْ الْخِنْزِيرِ أَنَّ الْبَاطِلَ يَقُومُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً كَأَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ هُنَا يُقَدَّرُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً وَيَصِحُّ بَيْعُهُ مُطْلَقًا وَهُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بِمَا يُشَابِهُهُ كَالْخَلِّ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَالْعَنْزِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْجَارِي بِمَا يُشَابِهُهُ فَيُقَدَّرُ الْمَوْجُودُ مِنْهُ حَالَ الْبَيْعِ رَاكِدًا وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ مَعَ الْأَرْضِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْجُرْجَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَجْهُولِ الَّذِي إذَا ضُمَّ لِلْمَعْلُومِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيهِمَا وَإِلَّا فَتُفَرَّقُ الصَّفْقَة أَنْ يُجْهَلَ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ كَ (بِعْتُكَ) هَذَا الْعَبْدَ وَعَبْدًا آخَرَ أَمَّا إذَا جَهِلَهُ الْعَاقِدُ فَقَطْ وَهُوَ مُعَيَّنٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَحَاضِرٍ وَغَائِبٍ وَقُلْنَا بِفَسَادِ بَيْعِ الْغَائِبِ فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ أَرْجَحُهُمَا الصِّحَّةُ فِي عَبْدِهِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَبِهِ يُعْلَمُ جَوَابٌ ثَانٍ عَمَّا رَدُّوا بِهِ كَلَامَ الرَّوْضَةِ وَإِجْرَاءَهَا خِلَافَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْقَرَارِ وَهُوَ أَنَّ
стр. 466
الْمَاءَ الْمَضْمُومَ لِلْقَرَارِ لَيْسَ مَجْهُولًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ كَبَيْعِ الْغَائِبِ مَعَ الْحَاضِرِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْبَغَوِيَّ أَجْرَى فِيهِ خِلَافَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا فَإِنْ قُلْت صَرَّحَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِي مَجْهُولٌ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ وَهُوَ يَرُدُّ مَا ذَكَرْتَهُ قُلْتُ لَا يَرُدُّهُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِذَلِكَ مَجْهُولٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَيْسَ مَجْهُولًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِيهِ عَلَى مَا يُعْلَمُ بِوَجْهٍ مَا حَتَّى يُمْكِنَ تَوْزِيعُ الثَّمَنِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَعْلُومِ الَّذِي مَعَهُ وَمِمَّا يُعْلِمُك بِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مَجْهُولًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ قَالَا لَوْ سَقَى أَرْضَهُ بِمَاءٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ لَزِمَهُ قِيمَةُ الْمَاءِ وَاعْتَرَضَهُمَا الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الصَّوَابَ لُزُومُ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ غَصَبَهُ فِي مَفَازَةٍ وَبِلُزُومِ الْمِثْل فِي مَسْأَلَتِنَا صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ دُولَابٌ عَلَى نَهْرٍ عَظِيمٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ يُدِيرُهُ الْمَاءُ بِنَفْسِهِ وَيَرْتَفِعُ الْمَاءُ إلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مُهَيَّأَةٍ لَهُ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ صَيْرُورَتِهِ فِي كِيزَانِ الدُّولَابِ كَمَا لَوْ اسْتَقَاهُ لِنَفْسِهِ فِي إنَاءٍ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ يَنْصَبُّ مِنْ الدُّولَابِ فِي سَاقِيَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمِلْكِ صَاحِبِ الدُّولَابِ فَجَاءَ جَارٌ لَهُ فَخَرَّبَ السَّاقِيَةَ حَتَّى انْصَبَّ الْمَاءُ إلَى أَرْضِ الْجَارِ وَسَقَى بِهِ أَرْضَ نَفْسِهِ فَمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ.
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ فِي كِيزَانِ الدُّولَابِ وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ مِثْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ مُحَصَّلًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ قَنَاةً أَوْ غَيْرَهَا فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ جَازَ اهـ الْمَقْصُودُ مِنْهُ.
وَانْتَصَرَ الْأَذْرَعِيُّ لِلشَّيْخَيْنِ بِأَنَّ مَا صَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْمَاءَ رِبَوِيٌّ وَمَعْرِفَةُ مَا اُغْتُصِبَ مِنْ مَاءٍ نَحْو الْقَنَاةِ وَسَقَى بِهِ الْأَرْضَ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ أَصْلًا وَلَا سِيَّمَا إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقَدْرِ وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ فِيهِ فِي مُعْظَمِ الْأَحْوَالِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْإِلْزَامِ بِمِثْلٍ مَجْهُولٍ وَحِينَئِذٍ فَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ لِلضَّرُورَةِ تَخْمِينًا اهـ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ الْمَاءُ الَّذِي تُسْقَى بِهِ الْأَرْضُ لَا يُتَصَوَّرُ رَدُّ مِثْلِهِ إمَّا لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِعَدَمِ ضَبْطِهِ أَوْ لِعِزَّةِ وُجُودِهِ فَيَكُونُ كَمَا لَوْ عُدِمَ الْمِثْلُ فَيُرْجَعُ بِقِيمَتِهِ وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ عَلِمْت أَنَّ الْمَاءَ مَعْلُومٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ إنْ أَوْجَبْنَا قِيمَتَهُ أَوْ مِنْ كُلِّهَا إنْ أَوْجَبْنَا مِثْلَهُ.
وَإِذَا تُصُوِّرَ وُجُوبُ قِيمَتِهِ خَرَجَ عَنْ الْجَهْلِ الْمُطْلَقِ وَالْمَحْذُورِ فِي ضَمِّ الْمَجْهُولِ إلَى الْمَعْلُومِ حَتَّى يَبْطُلَ الْبَيْعُ فِيهِمَا إنَّمَا هُوَ تَعَذُّرُ مَعْرِفَةِ الْقِسْطِ وَحَيْثُ دَوَاءُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ فِي مِيَاهِ الْقَنَوَاتِ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْقِسْطُ فَبَانَ صِحَّةُ إجْرَاءِ الشَّيْخَيْنِ خِلَافَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَالْقَرَارِ وَأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ وَإِنْ اغْتَرَّ كَثِيرُونَ بِقَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ يَنْبَغِي الْبُطْلَانُ فِيهِمَا لِتَعَذُّرِ الْإِجَازَةِ بِالْقِسْطِ لِلْجَهْلِ بِالْمَاءِ وَاعْلَمْ أَنَّ إجْرَاءَ خِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لَا يَتَأَتَّى فِي مَسْأَلَتِنَا الَّتِي سُئِلْنَا عَنْهَا لِأَنَّ الْعَاقِدَيْنِ فِيهَا فِي الْحَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْبَابَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَمْ يُورِدَا الْبَيْعَ عَلَى الْمَاءِ وَالْقَرَارِ مَعًا وَإِنَّمَا أَوْرَدَاهُ عَلَى الْقَرَارِ وَحْدَهُ وَجَعَلَا الْمَاءَ تَابِعًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِمَا بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقٍّ إلَخْ ثُمَّ قَالَ وَمِنْ مَائِهَا الْجَارِي بِهَا يَوْمَئِذٍ فَلَمْ يَجْعَلَا الْمَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ وَإِنَّمَا جَعَلَاهُ مِنْ تَوَابِعِهِ فَهُوَ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْبَيْعُ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَلَى الْقَرَارِ فَيَصِحُّ فِيهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ السَّابِقِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ لِمَا عَلِمْته مِنْ الْجَمْعِ السَّابِقِ بَيْنَ عِبَارَتِهَا هُنَا وَعِبَارَتِهَا فِي الْبَيْعِ فَعَلَى فَرْضِ أَنَّ مَا فِيهَا فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ ضَعِيفٌ لَا يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى صُورَتِنَا فَتَنْبِيهٌ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَوْضِعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ ضَعْفُ الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مُرَادَ الرَّوْضَةِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمَاءِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُجْرِيَ فِيهِ خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ إلَّا فِي الْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ فِيهَا فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهِمَا أَيْ فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَالْمِلْكِ وَفِي الْمَاءِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَمِمَّا يُضَعِّفُهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ رَدُّ إجْرَاءِ الرَّوْضَةِ خِلَاف تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ فَائِدَةَ إجْرَائِهِ
стр. 467
فِي الْقَرَارِ حَتَّى يَبْطُلَ فِي الْمَاءِ الرُّجُوعُ لِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فِيهِ فَإِنَّمَا هِيَ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُقَابَلُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا قُوبِلَ بِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلَانَ الْبَيْعِ فِيهِ وَفِي الْأَرْضِ عَلَى الضَّعِيفِ وَفِيهِ وَحْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ قَالَ وَمَا ذَكَرَاهُ أَيْ هُنَا مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الْمَاءِ قَدْ سَبَقَ عَنْ زَوَائِدِهِ فِي آخِرِ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَمَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الْأَرْضِ مِنْ تَخْرِيجِهَا عَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ مَعَ أَنَّ الْمَاءَ الْمَذْكُورَ مَجْهُولٌ وَقَدْ سَبَقَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مَجْهُولًا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ بِالْقِسْطِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِلْجَهَالَةِ اهـ وَقَدْ قَرَّرْت لَك فِيمَا سَبَقَ الْجَوَابَ مَبْسُوطًا وَاضِحًا عَنْ اعْتِرَاضَيْهِ هَذَيْنِ ابْنُ الْعِمَادِ بِمَا فِي بَعْضِهِ نَظَرٌ فَلِذَا ذَكَرْت كَلَامَهُ لِأُبَيِّنَ ذَلِكَ فَمَا اعْتَرَضَ بِهِ أَنَّ الَّذِي فِي الْبَيْعِ لَمْ يُسْبَقْ عَنْ الْقَفَّالِ بَلْ عَنْ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَهُوَ ابْنُ الْقَاصِّ وَالْقَفَّالُ شَارِحُ التَّلْخِيصِ لَا أَنَّهُ مُصَنِّفُهُ اهـ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لِلْقَفَّالِ كِتَابًا اسْمُهُ التَّلْخِيصُ لَكِنْ عَلَى فَرْضِهِ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ مُتَوَجَّهٌ أَيْضًا إذْ لَا قَرِينَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ هُوَ الْقَفَّالُ بَلْ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ ابْنُ الْقَاصِّ لِأَنَّ تَلْخِيصَهُ مَشْهُورٌ مُتَقَدِّمٌ فَهُوَ أَوْلَى بِالنَّقْلِ عَنْهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي نَقَلَاهُ هُنَا عَنْ الْقَفَّالِ كَمَا مَرَّ فِي الْعِبَارَةِ الثَّالِثَةِ مَنْعُ بَيْعِ الْمَاءِ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ وَهَذَا يَبْعُدُ أَنْ. يُرَادَ بِمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ عَنْ التَّلْخِيصِ تَلْخِيصِ الْقَفَّالِ إنْ سَلِمَ أَنَّ لَهُ كِتَابًا اسْمُهُ ذَلِكَ وَاعْتَرَضَهُ أَيْضًا بِأَنَّ مَا قَالَاهُ هُنَا لَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ لِأَنَّ مَا مَرَّ ثَمَّ مَحَلُّهُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ إذْ الْمُرَادُ بِالشِّرْبِ فِيهِ الْمَاءُ الرَّاكِدُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ جَمِيعُ الْمَاءِ الَّذِي أَحَاطَ بِهِ الْوَادِي أَوْ النَّهْرُ وَهُوَ غَيْرُ جَارٍ اهـ.
وَقَدَّمْت فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ إنْ تَأَمَّلْته مَا فِي هَذَا الْجَوَابِ صِحَّةً وَفَسَادًا وَاعْتَرَضَهُ أَيْضًا بِأَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ مَاءَ النَّهْرِ مَجْهُولٌ حَتَّى يَبْطُلَ فِي أَرْضِهِ أَيْضًا بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْمَاءَ الرَّاكِدَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالرُّؤْيَةِ تُحِيطُ بِهِ وَمَعْرِفَةُ عُمْقِهِ مِمَّا يَسْهُلُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا اهـ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ عَجِيبٌ فَإِنَّ ابْنَ الْعِمَادِ نَفْسَهُ قَدَّمَ أَنَّ مَا قَالَاهُ هُنَا مَفْرُوضٌ فِي الْجَارِي وَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الْبَيْعِ مَفْرُوضٌ فِي الرَّاكِدِ وَإِذَا قَرَّرَ ذَلِكَ فَكَيْف يَرُدُّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ بِأَنَّ مَا هُنَا فِي الرَّاكِدِ فَوَقَعَ فِي التَّنَاقُضِ الصَّرِيحِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فَكَانَتْ دَعْوَاهُ أَنَّ مَا هُنَا فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ هِيَ الْبَاطِلَةُ لِمَا قَدَّمَهُ وَلِأَنَّ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ صَرِيحٌ فِي جَرَيَانِ خِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْقَرَارِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا فَالْوَجْهُ فِي رَدِّ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاسْتَدْلَلْنَا عَلَيْهِ بِكَلَامِهِمْ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْت.
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ حُكْم عُيُونِ الْحِجَازِ]
(الْبَابُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ حُكْمِ عُيُونِ الْحِجَازِ بِخُصُوصِهَا هَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُبَاحَةٌ وَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُهَا أَوْ لَا لِعَدَمِ رُؤْيَتِهَا) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ حَفْرٌ أَيْ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا أَوْ انْخَرَقَ أَيْ فَلَا يَكُونُ مَمْلُوكًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ اهـ وَعُيُونُ الْحِجَازِ أَوْلَى بِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً مِنْ النَّهْرِ الَّذِي فَرَضَ الشَّيْخَانِ الْكَلَامَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ غَيْر وَضْعِ الْيَدِ بِالِاسْتِقَاءِ مِنْهُ وَأَمَّا عُيُونُ الْحِجَازِ فَفِيهَا قَرِينَةٌ أُخْرَى أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الِاسْتِقَاء وَهِيَ الْبِنَاءُ الْمَوْجُودُ عَلَى تِلْكَ الْعُيُونِ الَّذِي هُوَ صَرِيحٌ فِي مِلْكِ الْبَانِي لِمَحَلِّ ذَلِكَ الْبِنَاءِ فَإِنْ قُلْت فِي الْأَنْوَارِ وَشَرْحِهِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ مَا نَبَعَ مِنْ مَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَمَا لَا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّ فِي إخْرَاجِهِ وَإِجْرَائِهِ كَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَجَيْحُونَ وَسَائِرِ أَوْدِيَةِ الْعَالَمِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ وَالْمَوَاتِ فَالنَّاسُ فِيهَا شَرْعٌ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْمَنْعُ مِنْ أَخْذِ مَائِهَا لِشُرْبٍ أَوْ طُهْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَلَا أَنْ يَتَحَجَّرَهَا.
وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ وَلَا يَبِيعُهَا مِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى وَهَذَا
стр. 468
كَمَا تَرَى - شَاهِدٌ أَيُّ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ عُيُونَ الْحِجَازِ لَا يُمَلَّكُ مَنْبَعُهَا لِأَنَّهَا مِمَّا شَمِلَهُ قَوْلُهُ وَالْعُيُونُ فِي الْجِبَالِ وَالْمَوَاتِ وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحَجُّرُهَا وَلَا إقْطَاعُهَا وَلَا بَيْعُهَا قُلْت لَا دَلِيلَ فِي هَذَا وَلَا شَاهِدَ لِعَدَمِ مِلْكِ عُيُونِ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ لِأَنَّ كَلَامَ الْأَنْوَارِ وَشَرْحَهُ الْمَذْكُورَ مَفْرُوضٌ فِيمَا عَلِمْت إبَاحَةُ أَصْلِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فَصْلُ الْمَاءِ أَقْسَامٌ: الْأَوَّلُ مَا نَبَعَ مِنْ مَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَلَا صُنْعَ لِلْآدَمِيَّيْنِ فِي إخْرَاجِهِ وَإِجْرَائِهِ فَقَدْ فَرَضَ الْكَلَامَ فِي فَرْدٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ نَبَعَ مِنْ مَوْضِعٍ مُبَاحٍ مِنْ غَيْر صُنْعٍ لِآدَمِيٍّ فِي إخْرَاجِهِ وَإِجْرَائِهِ وَمِثْل ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ وَمِنْ جُمْلَتِهِ عُيُونِ الْجِبَالِ وَالْمَوَات وَعُيُونُ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ أَصْلَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا هَلْ كَانَ مُبَاحًا لِكَوْنِهِ نَابِعًا بِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَجَبَلٍ أَوْ مَوَاتٍ فَجَاءَ إلَى كُلِّ عَيْنٍ مِنْهَا جَمَاعَةٌ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا بِطَرِيقٍ وَحَازُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا ثُمَّ تَلَقَّاهَا وَرَثَتُهُمْ عَنْهُمْ مِنْ مُنْذُ قُرُونٍ عَدِيدَةٍ إلَى وَقْتِنَا هَذَا أَوْ مَمْلُوكًا لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَوَاتِ مَنْبَعٌ.
وَإِنَّمَا جَاءَ مَنْ حَفَرَهُ إلَى أَنْ صَادَفَ مَنْبَعًا فَبَنَى عَلَيْهِ وَتَحَجَّرَهُ ثُمَّ مَلَكَهُ وَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مُنْذُ تِلْكَ الْقُرُونِ وَهَذَا التَّرَدُّدُ الَّذِي أَبْدَيْته لَا يُمْكِنُ أَحَدًا دَفْعُهُ إلَّا إنْ كَانَ مِنْ السُّوفُسطائِيَّة الَّذِينَ يُنْكِرُونَ حَتَّى الْمَحْسُوسَاتِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا التَّرَدُّدَ فِي عُيُونِ الْحِجَازِ لَا مَدْفَعَ لَهُ ثَبَتَ أَنَّ عُيُونَهَا بِمَنْزِلَةِ النَّهْرِ الَّذِي فَرَضَ الشَّيْخَانِ الْكَلَامَ فِيهِ وَثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا أَوْلَى بِالْمِلْكِ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ لِأَنَّ فِيهَا قَرِينَةً أُخْرَى أَقْوَى وَأَظْهَرَ مِنْ قَرِينَةِ وَضْعِ الْيَدِ وَهِيَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا الصَّرِيحُ فِي الْمِلْكِ عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْيَدِ فِيهَا أَقْوَى مِنْهُ فِي النَّهْرِ لِأَنَّ وَضْعَهَا فِيهِ إنَّمَا هُوَ بِالِاسْتِقَاءِ مِنْهُ وَأَمَّا وَضْعُهَا هُنَا فَهُوَ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِهَدْمِ مَا بُنِيَ عَلَيْهَا وَعِمَارَته وَبِالتَّبَايُعِ فِيهَا وَحِيَازَتِهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مِنْ مُنْذُ قُرُونٍ مَدِيدَةٍ بَلْ بَعْضُهَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ فَلِلنَّاسِ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ تِسْعُمَائَةِ سَنَةٍ وَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحِيَازَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَهَلْ بَقِيَ بَعْدَ هَذَا قَرِينَةٌ عَلَى الْمِلْكِ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ الْقَرِينَةِ كَلًّا لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ عَدِمَ عَقْلَهُ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ وَجَهْلُهُ فَإِنْ قُلْت هَلْ تَجِدُ نَظِيرًا غَيْرَ مَسْأَلَةِ النَّهْرِ يُقَاسُ عَلَيْهِ مَسْأَلَتنَا أَيْضًا قُلْت لِذَلِكَ نَظَائِرُ مِنْهَا قَوْلُ الْأَئِمَّةِ لَوْ وَجَدْنَا جُذُوعًا لِإِنْسَانٍ مَوْضُوعَةً عَلَى جِدَارِ غَيْرِهِ فَقَالَ صَاحِبُ الْجِدَارِ هَذِهِ مَوْضُوعَةٌ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَالَ صَاحِبُهَا بَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ بِحَقٍّ وَلَا بَيِّنَةَ حَكَمْنَا بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِحَقٍّ وَأَنَّ لِصَاحِبِهَا حَقُّ الْوَضْعِ عَلَى ذَلِكَ الْجِدَارِ حَتَّى لَوْ هَدَمَ أَوْ انْهَدَمَ وَأُعِيدَ جَازَ لَهُ إعَادَتُهَا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ أَيْ وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ هُوَ بَانِي الْجِدَارِ لِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ فَإِذَا حَكَمُوا بِاسْتِحْقَاقِ مِلْكِ الْغَيْرِ لِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ الْمُحْتَمَلَةِ وَلَمْ يُبَالُوا بِاحْتِمَالِ أَنَّهَا وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ الْإِذْنِ وَحُكْمِ حَاكِمٍ يَرَى ذَلِكَ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ بَقَائِهَا إذْ التَّعَدِّي يُتَسَارَع إلَى إنْكَارِهِ وَلَا يُسْكَتُ عَنْهُ حَتَّى لَا يَكُونَ بِهِ بَيِّنَةٌ.
فَأَوْلَى أَنْ يَحْكُمُوا فِي عُيُونِ الْحِجَازِ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لِوَاضِعِي الْأَيْدِي عَلَيْهَا مِنْ مُنْذُ تِلْكَ الْقُرُونِ الْعَدِيدَةِ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ فِيهَا أَظْهَرُ وَأَتَمُّ وَلَا يُقَالُ لَمْ يُصَرِّحْ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بِشَيْءٍ لِأَنَّا نَقُولُ ذِكْرُهُمْ النَّهْرَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلهَا السَّابِقَةِ لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَصَاغِرِ الْمُتَفَقِّهَةِ بَلْ لِلتَّمْثِيلِ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ فَكَيْفَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ وَمِنْ النَّظَائِرِ أَيْضًا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُمْ لَوْ تَنَازَعُوا فِي قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ مِنْ النَّهْرِ جَعَلَ عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ مِنْ الْأَرْضِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ أَنَّ الشَّرِكَةَ بِحَسَبِ الْمِلْكِ وَأَمَّا قَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ الْأَصَحُّ بِمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَالْقَرَائِنُ لَا يُنْظَرُ إلَيْهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجِدَارِ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى الدَّوَاخِلِ وَالْخَوَارِجِ وَأَنْصَافِ اللَّبَنِ وَمَعَاقِدِ الْقِمْطِ وَفِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يَخْتَلِف فِيهِ الزَّوْجَانِ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِيَدِهِمَا حَلَفَا وَجُعِلَ بَيْنهمَا وَلَا نَظَرَ لِمَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا عَادَةً فَهُوَ وَإِنْ سَلِمَ شَاهِدٌ لَنَا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ النَّهْرَ لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ حِسًّا بَلْ حُكْمًا تَبَعًا لِلْأَرْضِ كَمَا يَأْتِي بَسْطُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا كَانَ تَابِعًا لِلْأَرْضِ لَزِمَ
стр. 469
أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِقَضِيَّتِهَا تَبَعًا لَهَا لِأَنَّ التَّابِعَ يُعْطَى حُكْمَ مَتْبُوعِهِ وَبِهَذَا عَلِمْتَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ وَمَسْأَلَتَيْ الْجِدَارِ وَمَتَاعِ الْبَيْتِ فَإِنَّ الْيَدَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلَّةٌ وَلَيْسَتْ تَابِعَةً لِشَيْءٍ فَعَمِلَ بِقَضِيَّتِهَا وَهِيَ التَّسَاوِي وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ النَّهْرِ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْيَدِ عَلَى الْأَرْضِ فَأُعْطَى حُكْمَهَا وَهَذَا فَرْقٌ وَاضِحٌ جَلِيٌّ وَإِنْ نَقَلَ الْمُتَأَخِّرُونَ كَلَامَ الْبُلْقِينِيُّ هَذَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِرَدِّهِ فِيمَا أَعْلَمُ وَمِنْ تِلْكَ النَّظَائِرِ أَيْضًا مَا فِي الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَرْضٍ سَاقِيَةٌ مِنْ نَهْرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا شِرْبٌ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ حُكِمَ عِنْدَ التَّنَازُعِ بِأَنَّ لَهَا شِرْبًا مِنْهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَكَذَا يَكُونُ شَرِيكًا لِأَهْلِ النَّهْرِ حَيْثُ لَا شِرْبَ لَهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شِرْبٌ مِنْهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ هُنَا أَيْضًا وَمِنْ تِلْكَ النَّظَائِرِ أَيْضًا مَا فِي الْأَنْوَارِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّهْرُ يَنْصَبُّ فِي أَجَمَةٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ غَدِيرٍ مَمْلُوكٍ وَحَوْلَ النَّهْرِ أَرَاضٍ مَمْلُوكَةٌ وَنُوزِعَ فِي الْمَاءِ جُعِلَ بَيْنَ صَاحِبِ الْأَجَمَةِ وَأَصْحَابِ الْأَرَاضِي قَالَ شَارِحُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اشْتِرَاكُهُمْ فِيهِ وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهَا مُنَاصَفَةٌ بَيْنَ صَاحِبِ الْأَجَمَةِ وَأَصْحَابِ الْأَرَاضِي اهـ فَتَأَمَّلْ عَمَلَهُمْ بِالظَّاهِرِ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا يَتَّضِحُ لَك مَا فِي الرَّوْضَةِ وَمَا قِسْنَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْتَ سَلَّمْنَا جَمِيعَ مَا ذُكِرَ لَكِنَّ حَفْرَ الْبِئْرِ وَالْقَنَاةِ فِي الْمَوَاتِ لَيْسَ مُقْتَضِيًا لِلْمِلْكِ مُطْلَقًا بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمَارَّةِ كَانَتْ مُسْبَلَةً لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا تَحَجُّرُهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَافِرِ طَمُّهَا لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِمْ وَإِنْ كَانَ لِارْتِفَاقِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْحَلَ فَإِنْ عَادَ فَهُوَ كَغَيْرِهِ وَلَيْسَ لَهُ طَمُّهَا هُنَا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَهُوَ وَالنَّاسُ فِيهَا سَوَاءٌ وَإِنْ كَانَ لِلتَّمَلُّكِ فَهِيَ كَالْمَحْفُورَةِ بِمِلْكِهِ وَحُكْمُ مَا نَبَعَ بِمِلْكِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَمَلٍ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَحْفُورَةِ فِي الْمَوَاتِ هَذَا التَّفْصِيلُ وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَفِي ثَلَاثِ صُوَرٍ لَا يُمَلَّكُ كَمَا تَقَرَّرَ فَمَا وَجْهُ تَرْجِيحِ هَذِهِ الْحَالَةِ الرَّابِعَةِ عَلَى الْحَالَاتِ الثَّلَاثِ قُلْتُ هَذَا التَّفْصِيلُ إنَّمَا يَتَأَتَّى حَيْثُ عُلِمَ قَصْدُ الْحَافِرِ أَمَّا إذَا جُهِلَ قَصْدُهُ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا ذَلِكَ التَّفْصِيلُ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهَا آنِفًا وَهِيَ قَاضِيَةٌ بِمِلْكِ وَاضِعِي الْيَدِ عَلَيْهَا وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ هُنَا تَغْلِيبُ حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى حَالَاتٍ ثَلَاثٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَحَلَّ تِلْكَ الْأَحْوَالِ حَيْثُ عُلِمَ قَصْدُ الْحَافِرِ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْقَنَوَاتِ حُكْمُ الْآبَارِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ إلَّا أَنَّ حَفْرَهَا لِمُجَرَّدِ الِارْتِفَاقِ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ قَالَ السُّبْكِيّ وَالْقَنَاةُ فِي بِلَادِنَا اسْمٌ لِمَا يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ الْوَاصِلُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَ وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنِ لَوْ حَفَرَ الْقَنَاةَ فَنَبَعَ فِيهَا مَلَكَهَا وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا تُحْفَرُ لِيَنْبُعَ الْمَاءُ فِيهَا وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَالْبِئْرِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَحَلَّ الْجَرَيَانِ فَهِيَ كَالْبِئْرِ فَفِي مِلْكِ الْجَارِي فِيهَا خِلَافٌ اهـ أَيْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بَلْ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَإِنْ قُلْتَ لَا دَلِيلَ فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي النَّهْرِ لِقَوْلِ الزَّرْكَشِيّ مَا قَالَاهُ مِنْ الْمِلْكِ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَفْرِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَنْهَارِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَالْمُحَقَّقُ مِنْ الْيَدِ فِيهِ الِانْتِفَاعُ وَالسَّقْيُ مِنْهُ وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ وَالْيَدُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمِلْكِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا الِاسْتِيلَاءُ وَمَنْعُ الْغَيْرِ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْمِلْكِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْكَمَ بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُمْ بَلْ يُقَالُ مُخْتَصٌّ بِهِمْ.
وَالْيَدُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَكِنْ هُنَا عَارِضُ الْمِلْكِ أَنَّ الْعُرْفَ يَقْضِي بِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ بَيْعِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ أَمْلَاكُهُمْ الَّتِي يَسْقُونَهَا مِنْهُ لَهُ حَقُّ سَقْيِهَا مِنْهُ وَذَلِكَ اخْتِصَاصٌ بِهِ لَا مِلْكَ وَيُعَضَّدُ هَذَا بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَفْرِ وَلَا يُقَالُ الْأَصْلُ عَدَمُ الِانْخِرَاقِ لِأَنَّ الْحَفْرَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ وَالِانْخِرَاقَ بِدُونِهِ وَأَيْضًا لَوْ أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ فِي أَرْضِ النَّهْرِ لِأَصْحَابِ الْأَمْلَاكِ لَاحْتِيجَ عِنْد شِرَائِهَا إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ مَائِهَا مِنْ أَرْضِ النَّهْرِ وَالْمَجْرَى الْوَاصِلِ مِنْهُ إلَيْهِ وَلِمَا صَحَّ الشِّرَاءُ إلَّا بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد نَعَمْ ذَلِكَ ظَاهِر فِي قَنَاة أَوْ سَاقِيَة ظَهَر اخْتِصَاصهَا وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَا يُسْتَنْكَرُ تَصَرُّفُهُمْ فِي ذَلِكَ اهـ كَلَام الزَّرْكَشِيّ وَمَعَ هَذَا الْإِشْكَالِ الظَّاهِرِ كَيْف
стр. 470
يُسْتَدَلّ بِكَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا عَلَى مَسْأَلَتِنَا قُلْتُ لَوْ سَلَّمْنَا لِلزَّرْكَشِيِّ إشْكَالَهُ هَذَا وَأَنَّهُ لَا جَوَابَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الِاسْتِدْلَال بِكَلَامِهِمَا لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدهمْ أَنَّ الْإِشْكَالَ لَا يَرُدُّ الْمَنْقُولَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ جَوَابٌ فَكَيْف وَالْجَوَابُ عَنْ إشْكَال الزَّرْكَشِيّ هَذَا سَهْلٌ وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْله لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَفْرِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ لِمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا آنِفًا أَنَّا لَا نَعْتَبِرُ الْأَصْلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا نَعْتَبِرُ الظَّاهِرَ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْجُذُوعِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّمَا قَدَّمَ الظَّاهِرَ عَلَى الْأَصْل فِي مِثْل ذَلِكَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُنَا اسْتَنَدَ إلَى أَمْرٍ حِسِّيٍّ دَالٍّ عَلَى الْمِلْكِ مُسْتَمِرٍّ إلَى حَالِ الْحُكْمِ بِهِ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ فَأَشْبَهَ تَقْدِيمَهُمْ الظَّاهِرَ عَلَى الْأَصْلِ فِي بَوْلِ الظَّبْيَةِ الْمَشْهُورَةِ وَقَوْلُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَنْهَارِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّهُ لَا تَأْيِيدَ فِيهِ لِإِشْكَالِهِ إذْ ذَلِكَ الْكَثِيرُ لَيْسَ عَلَى مِلْكِهِ قَرِينَةٌ فَلَا يُقَاسُ مَا نَحْنُ فِيهِ بِهِ وَقَوْلُهُ وَالْيَدُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمِلْكِ إلَخْ شَاهِدٌ لَنَا لِأَنَّ سَقْيَ أَرَاضِيِهِمْ مِنْهُ مَعَ انْحِصَارِ سَقْيِهَا فِي ذَلِكَ وَعَدَمِ وُجُودِ مَاءٍ لَهَا غَيْرُهُ إذْ الْفَرْضُ ذَلِكَ كَمَا جَرَيْتُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى اسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْعِهِمْ لِلْغَيْرِ مِنْ أَخْذِ مَا يَتَعَطَّلُ بِهِ سَقْيُ أَرَاضِيهمْ فَالِاسْتِيلَاءُ وَالْمَنْعُ الْمَذْكُورَانِ مَلْزُومَانِ لِلسَّقْيِ وَالِانْحِصَارِ الْمَذْكُورَيْنِ، سَوَاءٌ وَجَدَا أَعْنِي الِاسْتِيلَاءَ وَالْمَنْعَ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا وُجُودُهُمَا بِالْفِعْلِ بَلْ يَكْفِي وُجُودُ مَا تَقْضِي الْعَادَةُ مَعَهْ بِالِاسْتِيلَاءِ وَالْمَنْعِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَنْعِ وَعَكْسِهِ.
وَالِاسْتِيلَاءُ مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ فِي النَّهْرِ إلَّا انْحِصَارُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي شَخْصٍ وَقَدْ تَقَرَّرَ لَك أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ مُنْحَصِرٌ فِي أَرْبَابِ تِلْكَ الْأَرَاضِي وَكَانُوا مَسْئُولِينَ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخَيْنِ مُشِيرَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ حُفِرَ أَوْ انْخَرَقَ إلَّا مَعَ وُجُودِ اسْتِيلَائِهِمْ وَأَمَّا مُجَرَّدُ السَّقْيِ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِيلَاءِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ احْتَاجَ لِسَوْقِ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى أَرْضِهِ أَجْرَاهُ مِنْهُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ أَحَدٌ فَهُوَ مَانِعٌ لِوُقُوعِ التَّرَدُّدِ فِي أَنَّهُ حُفِرَ أَوْ انْخَرَقَ لِقِيَامِ الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ مِنْ عَدَمِ الْمَنْعِ مِمَّا ذُكِرَ عَلَى عَدَمِ الْمِلْكِ وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته يُعْلَمُ رَدُّ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي إلَخْ لِأَنَّهُ إنْ وُجِدَ الِاسْتِيلَاءُ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرْته كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمْ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُمْ وَلَا مُخْتَصًّا بِهِمْ بَلْ يَكُونُ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَا يَدَ حِينَئِذٍ إذْ مِنْ لَازِمِ الْيَدِ الِاسْتِيلَاءُ أَوْ الْمَنْعُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ وَفَرَّقَهُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ وَلَكِنْ هُنَا عَارِضُ الْمِلْكِ أَنَّ الْعُرْفَ إلَخْ يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِقَضَاءِ الْعُرْفِ بِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ بَيْعِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ لِأَنَّ قَضَاءَهُ بِذَلِكَ إنْ سَلِمَ إنَّمَا يَكُونُ لِعَارِضٍ وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ.
وَأَمَّا مَعَ ذَلِكَ الْعَارِضِ فَالْعُرْفُ لَا يَقْضِي بِذَلِكَ بَلْ بِخِلَافِهِ إذْ مِنْ لَازِمِ الِاسْتِيلَاءِ عُرْفًا وَشَرْعًا التَّمَكُّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَامْتِنَاعُهُ لِأَمْرٍ عَارِضٍ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ قَضِيَّةِ الِاسْتِيلَاءِ وَقَوْلِهِ وَذَلِكَ اخْتِصَاصٌ بِهِ لَا مِلْكَ قَدْ عَلِمْتَ رَدَّهُ وَكَذَلِكَ عَلِمْتَ رَدَّ قَوْلِهِ وَيُعَضَّدُ هَذَا بِأَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَأَيْضًا لَوْ أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ إلَخْ يُرَدُّ بِمَا قَدَّمْتُهُ عَنْ الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُمْ إذَا تَنَازَعُوا فِي أَرْضِ النَّهْرِ كَانَتْ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةِ أَرَضِيهِمْ فَحِينَئِذٍ مَنْ أَثْبَتَ مِنْهُمْ لَهُ جُزْءًا مِنْ أَرْضِ النَّهْرِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ ظَاهِرًا وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ مِنْهُمْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ مِنْهُ بِنِسْبَةِ أَرْضِهِ فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ لَاحْتِيجَ إلَخْ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَيَلْزَمُ مِنْ عِلْمِهِ رَدُّ مَا فَرَّعَهُ عَلَيْهِ مِمَّا بَعْدَهُ فَإِنْ قُلْتَ سَلَّمْنَا رَدَّ إشْكَالِ الزَّرْكَشِيّ بِمَا ذَكَرَ لَكِنَّهُ رَدَّ مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ فَإِنَّهُ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّافِعِيَّ إنَّمَا أَخَذَ هَذَا الْفَرْعَ مِنْ التَّتِمَّةِ وَاَلَّذِي فِيهَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَمْلُوكِ.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ فِي الِانْتِفَاعِ وَعَدَمِ تَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ثَمَّ إنَّهُ إنَّمَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي نَهْرٍ عَلَى حَافَّتَيْهِ أَرَاضٍ مِنْهُ تُسْقَى وَهُوَ أَقْرَبُ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَرَاضِي الْمُجَاوِرَةِ لَهُ قَدْ يُقَالُ إنَّهُمْ لِإِحَاطَتِهِمْ بِهِ أَصْحَابُ أَيْدٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْأَرَاضِي الَّتِي يُسْقَى بِهَا بَعِيدَةً عَنْهُ وَالْمَجَارِي مِنْهُ إلَيْهَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهَا أَمَاكِنُ لِغَيْرِهِمْ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَنْ سَقَى مِنْهُ مَالِكٌ لَهُ لَا وَجْهَ لَهُ وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْمَسْأَلَةِ وَحَكَى فِيهَا وَجْهَيْنِ فَقَالَ لَوْ كَانَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ غَيْرَ مَعْرُوفِ الْأَصْلِ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ أَوْ حُكْمُ الْمِلْك عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ
стр. 471
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَهِلَ أَصْلَهَا عَلَى الْخَطَرِ اهـ وَمَعَ كَلَامِهِ هَذَا فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِكَلَامِهِمَا عَلَى مَسْأَلَتِنَا قُلْتُ هُوَ لَمْ يَأْتِ بِمَا يَرُدُّهُ نَقْلًا فَإِنَّ كَلَامَ التَّتِمَّةِ الَّذِي سَاقَهُ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ.
وَقَوْلُهُ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إلَخْ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ إخْرَاجٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَقَوْلُهُ ثُمَّ إنَّهُ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ فَرْضُهُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِكَلَامِهِمَا بَلْ هُوَ مَعَ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهَذَا الْفَرْضِ التَّقْيِيدَ بَلْ مُجَرَّدَ التَّصْوِيرِ لِأَنَّ مَدَارَ الْمَسْأَلَةِ كَيْفَ فَرَضَهَا عَلَى أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ السَّقْيُ وَالِانْحِصَارُ السَّابِقَانِ وُجِدَ الْمِلْكُ لِوُجُودِ الِاسْتِيلَاءِ حِينَئِذٍ وَمَتَى انْتَفَيَا انْتَفَى وَبِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْأَرَاضِي إلَخْ وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ التَّعْوِيلَ هُنَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ وَمَعَ وُجُودِ السَّقْيِ وَالِانْحِصَارِ الْمَذْكُورَيْنِ الْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ لِوُجُودِ خَاصِّيَّةِ الْمِلْكِ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ وَالْمَنْعِ السَّابِقَيْنِ وَلَا نَظَرَ لِبُعْدِ أَرَاضِيهمْ عَنْهُ وَلَا لِتَخَلُّلِ مَجَارِيهمْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ أَعْنِي الْبُعْدَ وَالتَّخَلُّلَ لَيْسَ مُنَافِيًا لِتِلْكَ الْقَرِينَةِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَمْنَعُونَ مِنْ إضَافَةِ النَّهْرِ إلَى أَرْبَابِهِ مَعَ وُجُودِ كُلٍّ مِنْ ذَيْنِك.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَنْ سَقَى مِنْهُ مَالِكٌ لَهُ لَا وَجْهَ لَهُ هُوَ الَّذِي لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ حَتَّى يَلْزَمَهُمَا بِهِ وَإِنَّمَا قَالَا إنَّهُ مِلْكٌ لَهُمْ وَعَلَّلَاهُ بِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ وَقَدْ تَقَرَّرَ لَك أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ أَصْحَابَ يَدٍ إلَّا إذَا وُجِدَ السَّقْيُ وَالِانْحِصَارُ السَّابِقَانِ وَمَتَى وُجِدَا وُجِدَ الْمِلْكُ لِاسْتِلْزَامِهِمَا وُجُودَ الِاسْتِيلَاءِ وَالْمَنْعِ السَّابِقَيْنِ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ نَفْسُهُ أَنَّ وُجُودَهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْمِلْكَ وَقَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْمَسْأَلَةِ وَحَكَى فِيهَا وَجْهَيْنِ فَقَالَ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ رَجَّحَا ثَانِيَهُمَا وَالتَّعْوِيلُ فِي التَّرْجِيحِ لَيْسَ إلَّا عَلَيْهِمَا وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا سَلَفٌ فِيهِ فَكَيْفَ وَلَهُمَا سَلَفٌ أَيُّ سَلَفٍ وَهُوَ كَلَامُ التَّتِمَّةِ السَّابِقُ فَإِنْ قُلْتَ سَلَّمْنَا رَدَّ جَمِيعِ مَا قَالَهُ مِمَّا مَرَّ عَنْهُ لَكِنَّهُ فَصَّلَ تَفْصِيلًا حَسَنًا فَيَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ بِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ سَاقَ مَا مَرَّ وَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ نَبْعُ النَّهْرِ فِي أَرَاضِيِهِمْ الْمَمْلُوكَةِ فَلِيَكُنْ الْقَوْلُ بِالْمِلْكِ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ نَبْعُهُ بِمَوَاتٍ أَوْ كَانَ يَخْرُجُ لَهُمْ مِنْ مَدٍّ عَظِيمٍ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
قُلْتُ هَذَا التَّفْصِيلُ وَإِنْ كَانَ حَسَنًا فِي ذَاتِهِ إلَّا أَنَّ إجْرَاءَهُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّيْخَيْنِ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِأَنَّ الصُّورَةَ كَمَا مَرَّ أَنَّ النَّهْرَ وَمِنْ جُمْلَتِهِ مَحَلُّ نَبْعِهِ لَمْ يُدْرَ هَلْ حَصَلَ بِوَاسِطَةِ حَفْرٍ أَوْ بِوَاسِطَةِ انْخِرَاقِهِ مِنْ نَهْرٍ عَظِيمٍ وَأَمَّا التَّفْصِيلُ الَّذِي قَالَهُ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَحَقُّقِ الْحَالِ وَعِنْد تَحَقُّقِهِ تَارَةً يَكُونُ مَحَلُّ النَّبْعِ فِي مِلْكٍ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا وَتَارَةً يَكُونُ فِي مُبَاحٍ فَيَكُونُ مُبَاحًا وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ إجْرَاءَ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّيْخَيْنِ سَهْوٌ مَنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ صُورَتِهَا إذْ مَعَ مُلَاحَظَةِ صُورَتِهَا لَا يُمْكِنُ جَرَيَانُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِيهَا لِأَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِحَالِ الْمَنْبَعِ وَمَحَلَّهَا عِنْد التَّرَدُّدِ فِيهِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا هَذَا وَيَنْبَغِي لَك أَنْ تَتَفَطَّنَ لِدَقِيقَةٍ وَهِيَ أَنَّ إشْكَالَ الزَّرْكَشِيّ إنَّمَا يُتَوَهَّمُ وُرُودُهُ مَعَ ضَعْفِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ النَّهْرِ وَأَمَّا عُيُونُ الْحِجَازِ فَكَلَامُ الزَّرْكَشِيّ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ قَالَ وَالْيَدُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمِلْكِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا الِاسْتِيلَاءُ وَمَنْعُ الْغَيْرِ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْمِلْكِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عُيُونِ الْحِجَازِ لِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ مِنْهَا لِجَمَاعَةٍ مُسْتَوْلِينَ عَلَيْهَا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا غَيْرَهُمْ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِيهَا وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا يَسْقِي بِهِ أَرْضَهُ إلَّا بِرِضَاهُمْ.
وَالزَّرْكَشِيُّ قَائِلٌ بِالْمِلْكِ عِنْد وُجُودِ ذَلِكَ فَهُوَ قَائِلٌ بِالْمِلْكِ فِي الْعُيُونِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ لَهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ مُنَازِعًا فِي النَّهْرِ لِأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي نَازَعَ فِيهِ فِي الْأَنْهَارِ لَمْ يُوجَدْ جَمِيعُهُ فِي الْعُيُونِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ وَلَكِنْ هُنَا أَيْ فِي النَّهْرِ عَارِضُ الْمِلْكِ أَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي عَدَمَ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ بَيْعِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْعُيُونِ فَإِنَّ الْعُرْفَ وَالْحِسَّ قَاضِيَانِ مُنْذُ قُرُونٍ عَدِيدَةٍ أَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا فَلَمْ يُعَارِضْ الْمِلْكَ فِيهَا شَيْءٌ عِنْدَ الزَّرْكَشِيّ فَكَانَ قَائِلًا بِالْمِلْكِ فِيهَا بِحَسْبِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ هَذَا وَبَعْد أَنْ ظَهَرَ لَك مِنْ كَلَامِهِ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّكَ إنْ سَلَّمْت لَهُ
стр. 472
اعْتِرَاضَهُ السَّابِقَ وَكَانَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَذْكُرَ هَذَا وَلَا نَتَعَرَّضَ لِرَدِّ كَلَامِهِ لَكِنْ أَحْبَبْنَا أَنْ نُبَيِّنَ تَزْيِيفَ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى الشَّيْخَيْنِ وَأَنَّ كَلَامَهُمَا فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ جَارٍ عَلَى نَهْجِ الصَّوَابِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَلِذَا أَقَرَّهُمَا عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ سِيَّمَا مَشَايِخُ الزَّرْكَشِيّ كَالْإِسْنَوِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُمْ.
فَإِنْ قُلْتَ قَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ مِنْ كَلَامِ الْجَمَّالِ بْنِ ظَهِيرَةَ وَأَسْئِلَتِهِ لِشَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ السِّرَاجِ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ عُيُونَ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ لَا تُمَلَّكُ مُطْلَقًا وَعِبَارَةُ السُّؤَالِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِتِلْكَ الْعُيُونِ الَّتِي بِمَرِّ الظَّهْرَانِ مِنْ أَعْمَالِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ لَا يُعْرَفُ الْأَصْلُ الَّذِي تَنْبُعُ مِنْهُ غَالِبًا وَإِنَّمَا يَجْرِي فِي مَجَارٍ إلَى أَنْ يَبْرُزَ إلَى الْأَرَاضِي الَّتِي يَبْقَى فِيهَا وَيَتَبَايَعُونَهُ بِالْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَالسَّاعَاتِ يَشْتَرِي الشَّخْصُ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا وَيَمْلِكُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فِي أَنَّ الْمَاءَ يُمَلَّكُ أَمْ لَا وَعِبَارَةُ الْجَوَابِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَذَا السُّؤَالِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْأَصْلُ الَّذِي تَنْبُعُ مِنْهُ غَالِبًا جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَالتَّبَايُعُ الْوَاقِعُ بِاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ كُلُّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَاءَ يُمَلَّكُ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَا سَبَبٌ يَقْتَضِي مِلْكَ الْمَاءِ وَالسَّبَبُ الَّذِي قَدْ يَقْتَضِي مِلْكَ الْمَاءِ قَدْ مَرَّ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ يَدٌ عَلَى مَحَلِّ النَّابِعِ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ لِلْمَحَلِّ وَالْمَاءِ النَّابِع مِنْهُ وَفِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلشَّرْحِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ وَلَمْ يُدْرَ أَنَّهُ حُفِرَ أَوْ انْخَرَقَ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ وَهَذَا شَاهِدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَتْ فَهَلْ هَذَا التَّوَهُّمُ مِنْ كَلَامِ السَّائِلِ أَوْ الْمُجِيبِ صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ وَمَا وَجْهُ فَسَادِهِ قُلْت هُوَ تَوَهُّمٌ فَاسِدٌ وَوَجْهُ فَسَادِهِ أَنَّ السَّائِلَ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا أَنَّ مَحَلَّ النَّبْعِ لَا يُعْرَفُ غَالِبًا ثُمَّ سَأَلَ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ التَّبَايُعُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَحِينَئِذٍ فَتَوَهُّمُ عَدَمِ الْمِلْكِ مِنْ هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَزِيدِ الْجَهَالَةِ وَالْغَبَاوَةِ لِأَنَّهُ وَطَّأَ لِسُؤَالِهِ عَنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِأَنَّ مَحَلَّ النَّبْعِ لَا يُعْرَفُ غَالِبًا فَهُوَ لَمْ يَحْكُمْ بِشَيْءٍ حَتَّى يُنْسَبَ إلَيْهِ فَمَنْ نَسَبَ إلَى عِبَارَتِهِ هَذِهِ أَنَّهُ حَكَمَ فِيهَا بِعَدَمِ مِلْكِ مَحَلِّ النَّبْعِ فَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى.
وَأَمَّا الْمُجِيبُ فَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي مِلْكِ عُيُونِ مَكَّةَ فَإِنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّهُ مَتَى كَانَ عَلَى مَحَلِّ النَّابِعِ يَدٌ كَانَ مَمْلُوكًا وَمَتَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ يَدٌ كَانَ مُبَاحًا ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِلْأَوَّلِ بِعِبَارَةِ الشَّيْخَيْنِ الَّتِي سَاقَهَا وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا مَرَّ فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ مَحَلَّ النَّابِعِ فِي عُيُونِ مَكَّةَ عَلَيْهِ يَدٌ أَيُّ يَدٍ فَلْيَكُنْ مَمْلُوكًا وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْأَصْلُ الَّذِي تَنْبُعُ مِنْهُ غَالِبًا جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ مَحَلُّهُ حَيْثُ جُهِلَ أَصْلُهُ وَلَا يَدَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ يَدٌ عَلَى الْمَحَلِّ النَّابِعِ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ لِلْمَحَلِّ وَالْمَاءِ النَّابِعِ مِنْهُ وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ فَعَلِمْنَا مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِ أَنَّ الْجَهْلَ بِالنَّبْعِ إنَّمَا يُؤْثِرُ عَدَمَ الْمِلْكِ حَيْثُ لَا يَدَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ وَأَنَّهُ مَتَى كَانَ عَلَيْهِ يَدٌ لِأَحَدٍ كَانَ مَمْلُوكًا وَعَلِمْنَا مِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا بِقَرِينَةِ سِيَاقِهِ لِكَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَاسْتِدْلَالِهِ بِهَا عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْيَدِ هُنَا الْيَدَ الْحِسِّيَّةَ بَلْ تَكْفِي الْيَدُ الْحُكْمِيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَاءُ النَّابِعُ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ لِسَقْيِ أَرَاضِي لَا مَاءَ لَهَا غَيْرُهُ.
وَيَكُونُ أَهْلُهَا يُعَدُّونَ مُسْتَوْلِينَ عَلَيْهِ لِتَصَرُّفِهِمْ فِيهِ وَمَنْعِهِمْ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ وَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي عُيُونِ مَكَّةَ كَمَا مَرَّ فَلَا شُبْهَةَ غَيْرُ فَرْطِ الْجَهْلِ وَسُوءُ الْفَهْمِ لِمَنْ تَوَهَّمَ عَدَمَ الْمِلْكِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُجِيبِ أَوْ مِنْ عِبَارَةِ السَّائِلِ وَإِذَا تَقَرَّرَ فِي عُيُونِ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ مَنْبَعًا وَمَجْرًى وَغَيْرَهُمَا فَيَصِحُّ بَيْعُهَا كُلِّهَا أَوْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا ثُمَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ مِنْ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَتْ رُؤْيَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا يَكْفِي مِنْ وَرَاءِ الْمَاءِ وَلَوْ صَافِيًا.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ كَمَحَلِّ النَّابِعِ فِي عُيُونِ الْحِجَازِ فَإِنَّهُ مَعَ الْبِنَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ وَعَلَى حَرِيمِهِ غَائِصٌ فِي الْأَرْضِ نَحْو قَامَةٍ فَأَكْثَرَ اكْتَفَى بِرُؤْيَةِ مَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِمَا يُمْكِنُ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ وَلِتَعَذُّرِ الْحَفْرِ حَتَّى يَنْكَشِفَ وَيُرَى لِأَنَّ بَعْضَ الْعُيُونِ قَدْ يَنْتَهِي إلَى جَبَلٍ أَوْ وَهْدَةٍ عَظِيمَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ
فَلَوْ كُلِّفَ النَّاسُ الرُّؤْيَةَ فِيهِ لَشَقَّ
стр. 473
ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً شَدِيدَةً لَا تُطَاقُ بَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى عَدَمِ وُقُوعِ الْبَيْعِ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَانَ اللَّائِقُ بِقَوَاعِدِهِمْ الْمُسَامَحَةُ. بَعْدَ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ مَا تَعَذَّرَتْ رُؤْيَتُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ أُمُورٌ الْأَوَّلُ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ إذَا رُئِيَ بَعْضُ الْمَبِيعِ دُونَ بَعْضٍ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ كَالصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْجَرَّةِ مِنْ الدِّبْسِ جَازَ بَيْعُهُ لِأَنَّ بِرُؤْيَةِ الْبَعْضِ يَزُولُ غَرَرُ الْجَهَالَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَاطِنَ كَالظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَشُقُّ رُؤْيَةُ بَاقِيهِ كَالْجَوْزِ فِي الْقِشْرِ الْأَسْفَلِ جَازَ بَيْعُهُ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْبَاطِنِ تَشُقُّ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا كَرُؤْيَةِ أَسَاسِ الْحِيطَانِ اهـ.
وَأَقَرَّهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ جَمِيعِ الْمَبِيعِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَأَنَّهُ إذَا بِيعَ فِيهَا الْمَنْبَعُ وَالْمَجْرَى اكْتَفَى بِرُؤْيَةِ بَعْضِ الْمَجْرَى دُونَ الْبَاقِي لِتَعَذُّرِ رُؤْيَتِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرِهِمَا
لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِي مَسْأَلَتِنَا أَعْظَمُ
وَلَا يُقَالُ لَيْسَ مَلْحَظُ الِاكْتِفَاءِ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِهِمَا فَقَطْ أَنَّ بَقَاءَ الْبَاطِنِ فِيهِ مِنْ مَصَالِحِهِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا مَلْحَظٌ آخَرُ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِنَّمَا نَظَرَ لِلْمَشَقَّةِ فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالصَّلَاحِ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَصِحُّ النَّظَرُ إلَيْهَا عَلَى حِيَالِهَا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَلَامُهُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَقِيَاسُهُ لِذَلِكَ عَلَى أَسَاسِ الْجُدْرَانِ ثَبَتَ الِاكْتِفَاءُ فِي مَسْأَلَتِنَا بِرُؤْيَةِ بَعْضِ الْمَبِيعِ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهَا أَعْظَمُ فَإِنْ قُلْتَ مَلْحَظُ الِاكْتِفَاءِ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِهِ كَوْنُهُ صَوَّانًا خِلْقِيًّا قُلْتُ مَمْنُوعٌ فَقَدْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا تَكْفِي رُؤْيَةُ صَدَفِ الدُّرِّ.
وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمِسْكِ فِي فَأْرَتِهِ قَبْلَ فَتْحِهَا مَعَ أَنَّ الصَّوَّانَ فِيهِمَا خِلْقِيٌّ فَبَطَلَ النَّظَرُ إلَى مُجَرَّدِ كَوْنِ الصَّوَّانِ خِلْقِيًّا وَفَارِقُ هَذَيْنِ نَحْوَ الْجَوْزِ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِمَا وَإِنْ قَلَّ يُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ كَبِيرٍ لَا يُحْتَمَلُ عُرْفًا لِأَنَّهُمَا لِنَفَاسَتِهِمَا يَكُونُ قَلِيلُهُمَا بِمَالٍ عَظِيمٍ وَالصَّوَّانُ غَيْرُ الْخِلْقِيِّ فِي نَحْوِ الْخَشْكُنَانِ وَالْكَعْكِ الْمَحْشُوِّ كَالْخِلْقِيِّ فَإِنْ قُلْتَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي مَسْأَلَتِنَا هُوَ الْمَبِيعُ وَهُوَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ قُلْت وَكَذَلِكَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّيْخِ هُوَ اللُّبُّ وَهُوَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ فَإِنْ قُلْتَ رُؤْيَةُ الْقِشْرِ تَدُلُّ عَلَى رُؤْيَةِ اللُّبِّ بِخِلَافِ رُؤْيَةِ بَعْضِ الْمَجْرَى فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى رُؤْيَةِ الْمَنْبَعِ قُلْتُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ رُؤْيَةِ الْقِشْرِ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى رُؤْيَةِ اللُّبِّ بِوَجْهٍ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ بَلْ وَلَا يُمْنَعُ فِيهِ وَلَا الْجَهَالَةُ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطُوا رُؤْيَتُهُ لِلْمَشَقَّةِ فَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ فِي صُورَتِنَا لِذَلِكَ الثَّانِي كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَإِنَّهُ عَلَّلَ عَدَمَ اشْتِرَاطِ قَشْرِ نَحْوِ الْبَيْضِ وَالرُّمَّانِ وَالْبُنْدُقِ وَالْقِشْرِ الْأَسْفَلِ مِنْ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ بِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِتَغْيِيرِ عَيْنِ الْمَبِيعِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي صُورَتِنَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الْمَبِيعِ إلَّا بِهَدْمِ الْبِنَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَيُحْفَرُ مَا حَوْلَهُ مِنْ التُّرَابِ الْمُتَرَاكِمِ عَلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِعَيْنِ الْمَبِيعِ وَهُوَ الْمَنْبَعُ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْبِنَاءِ وَالْمَجْرَى الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ مِنْهُ إلَى الْأَرَاضِي وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَبِيعُ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ تِلْكَ الْعُيُونِ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَمَّا فَرْضُ وُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى الْمَنْبَعِ وَحْدَهُ دُونَ الْمَجْرَى فَبَعِيدٌ يَشْهَدُ الْحِسُّ بِخِلَافِهِ فَإِنَّا نَرَى وَاضِعِي الْأَيْدِي عَلَى تِلْكَ الْعُيُونِ يُعَمِّرُونَ الْمَجْرَى وَيُصْلِحُونَهُ وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ وَلَا مُعَارِضٍ وَهَذَا دَلِيلُ الْمِلْكِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَأَمَّا فَرْضُ وُقُوعِهِ عَلَى الْمَجْرَى دُونَ الْمَنْبَعِ فَهُوَ مُمْكِنٌ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَحُكْمُهُ فِي الرُّؤْيَةِ أَنَّهُ يَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِ ذَلِكَ الْمَجْرَى لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ كُلِّهِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَتَغْيِيرٍ لِعَيْنِهِ بِالْحَفْرِ وَالْهَدْمِ وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا مَرَّ عَنْ الْمُهَذَّبِ وَشَرْحِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالتَّغَيُّرِ الْمَذْكُورَيْنِ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ الْجَمِيعِ وَمَرَّ أَنَّ مِلْكَ الْمَجْرَى دُونَ الْمَنْبَعِ لَا يَقْتَضِي مِلْكَ الْمَاءِ الْجَارِي فِيهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مِلْكُ الْمَجْرَى أَحَقَّ بِمَا جَرَى فِيهِ الثَّالِثُ تَصْرِيحُهُمْ فِي الْبِئْرِ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ كُلِّهَا وَلَيْسَ مَلْحَظُ ذَلِكَ إلَّا مَشَقَّةُ رُؤْيَتِهَا.
وَإِذَا سَامَحُوا بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ ذَلِكَ فِيهَا مَعَ سُهُولَةِ رُؤْيَةِ ذَلِكَ بِنَزْحِ مَائِهَا وَسَدِّ مَنْبَعِهَا فَأَوْلَى أَنْ يُسَامِحُوا فِي صُورَتِنَا بِرُؤْيَةِ الْمُسْتَتِرِ تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ الْمَنْبَعِ وَمِنْ الْمَجْرَى فَإِنْ قُلْتَ إنَّمَا سَامَحُوا فِي ذَلِكَ فِي الْبِئْرِ لِأَنَّهُ
стр. 474
تَابِعٌ فَهُوَ كَأَسَاسِ الْجِدَارِ وَمَغْرِسِ الْأَشْجَارِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قُلْتُ لَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكَانَ فِيهَا شَاهِدٌ أَيُّ شَاهِدٍ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا نَزْحَ مَائِهَا حَتَّى يُرَى مَحَلُّ النَّابِعِ مِنْهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِرُؤْيَتِهِ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ كِبَرِهِ وَصِغَرِهِ وَغَزَارَةِ مَائِهِ وَقِلَّتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَشْتَرِطُوا رُؤْيَتَهُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطُوا رُؤْيَتَهُ مَعَ سُهُولَتِهَا بَعْضَ السُّهُولَةِ بِنَزْحِ مَاءِ الْبِئْرِ وَسَدِّ مَنْبَعِهَا وَمَعَ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِعَيْنِ الْمَبِيعِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَشْتَرِطُوا فِي صُورَتِنَا رُؤْيَةَ مَحَلِّ النَّابِعِ وَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ الْمَجْرَى لِتَعَذُّرِ رُؤْيَتِهِمَا لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِمَا أَعْظَمُ مِنْهَا فِي الْبِئْرِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُمَا إلَّا بِتَغْيِيرِ عَيْنِ الْمَبِيعِ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّ ذَلِكَ مَانِعٌ لِاشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ.
الرَّابِعُ قَوْلُهُمْ لَا بُدَّ فِي الْحَمَّامِ مِنْ رُؤْيَةِ بَالُوعَتِهِ وَأَلْحَقَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ فِي ذَلِكَ بَالُوعَةَ الدَّارِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِرُؤْيَةِ الْبَالُوعَةِ حَفْرَ التُّرَابِ عَنْهَا حَتَّى يُرَى أَصْلُهَا وَطَيُّهَا الْمُسْتَتِرُ بِالْأَرْضِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ رُؤْيَةُ فَمِهَا الظَّاهِرِ فَقَطْ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُشْتَرَطُ حَفْرُ الْأَرْضِ حَتَّى يُرَى مَا تَحْتَهَا بَلْ الشَّرْطُ رُؤْيَةُ مَا ظَهَرَ مِمَّا يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ بِرُؤْيَتِهِ الْخَامِسُ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُ رُؤْيَةِ الْوَجْهَيْنِ فِي الثَّوْبِ مَحَلُّهُ فِي الصَّفِيقِ وَغَيْرِ الْمَخِيطِ أَمَّا الْمَخِيطُ بِوَجْهَيْنِ مِنْ الْجُوخِ وَالصُّوفِ النَّفِيسِ وَنَحْوِهِمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْفِي رُؤْيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ دُونَ الْمُسْتَتِر مِنْهُمَا كَمَا فِي كُبَابِ الْغَزْلِ وَنَحْوِهَا اهـ وَكَانَ وَجْهُ بَحْثِهِ هَذَا أَنَّ فِي فَتْقِ الْمُسْتَتِرِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْمُنْضَمَّيْنِ نَوْعَ مَشَقَّةٍ فَإِذَا سَامَحَ الْأَذْرَعِيُّ فِي رُؤْيَةِ ذَيْنِكَ الْوَجْهَيْنِ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ ظَاهِرٌ فِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَتِهِمَا حَتَّى فِي صُورَتِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ رُؤْيَةُ الْمُسْتَتِرِ فِي صُورَتِنَا لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهَا أَعْظَمُ عَلَى أَنَّ لَنَا أَنَّ نَقِيسَ صُورَتنَا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي كُبَابِ الْغَزْلِ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا الْأَذْرَعِيُّ بَحْثَهُ الْمَذْكُورَ.
وَنَقُولُ وَجْهُ اكْتِفَائِهِمْ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِ الْكُبَابِ مَشَقَّةُ نَقْضِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ ظَاهِرَهَا يَدُلُّ عَلَى بَاطِنهَا لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِذَا اكْتَفَى بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِهَا لِمَشَقَّةِ نَقْضِهَا فَكَذَا يَكْتَفِي فِي صُورَتِنَا بِرُؤْيَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَجْرَى دُونَ مَا اسْتَتَرَ فَإِنْ قُلْتَ يُنَافِي مَا ذَكَرْتَ قَوْلَ الزَّرْكَشِيّ إنَّ رُؤْيَةَ الْجِدَارِ الْمَسْتُورِ بِالطِّينِ وَنَحْوِهِ لَا تَكْفِي إذْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ لَا قِيمَةَ لَهُ أَوْ مُتَسَاقِطًا وَالْقِيمَةُ تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ قُلْتُ هَذَا الْبَحْثُ فِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ إذَا مَنَعَ نَحْوُ الطِّينِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا هُوَ مَبْنِيٌّ بِهِ هَلْ هُوَ حَجَرٌ أَوْ آجُرٌّ أَوْ لَبِنٌ أَوْ خَشَبٌ أَوْ قَصَبٌ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ أَمَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ مِنْ حَجَرٍ مَثَلًا بِأَنْ يُرَى بَعْضُهُ وَرَآهُ قَائِمًا مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ أَوْ مَائِلًا وَرَضِيَ بِهِ فَلَا وَجْهَ لِاشْتِرَاطِ إزَالَةِ ذَلِكَ السَّاتِرِ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ لَا تَخْتَلِفُ بِوُجُودِهِ وَعَدَمِهِ حِينَئِذٍ وَقَوْلُهُ إذْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ لَا قِيمَةَ لَهُ أَوْ مُتَسَاقِطًا وَالْقِيمَةُ تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ يُرَدُّ بِأَنَّ الْقِيمَةَ.
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِهِ إلَّا أَنَّ رُؤْيَةَ الْجِدَارِ مَسْتُورًا أَوْ مَائِلًا يُعْلَمُ بِهَا مَا فِيهِ مِنْ الْخَلَلِ وَعَدَمِهِ فَلَا يُحْتَاجُ لِإِزَالَةِ سُتْرَتِهِ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ مَا هُوَ مَبْنِيٌّ بِهِ وَرَآهُ مُسْتَوِيًا أَوْ مَائِلًا لَمْ يَفِدْهُ إزَالَةُ سُتْرَتِهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا قَبْلَ الْإِزَالَةِ فَلَا وَجْهَ لِاشْتِرَاطِهَا السَّادِسُ قَوْلُ الْكَافِي ضَابِطُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الرُّؤْيَةُ أَنْ يَرَى مِنْ الْمَبِيعِ مَا يَخْتَلِفُ مُعْظَمُ الْمَالِيَّةِ بِاخْتِلَافِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ تُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ فَالْعُرْفُ مُطَّرِدٌ فِي صُورَتِنَا بِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ فِيهَا غَيْرَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَلَا يَتَشَوَّفُونَ قَطُّ إلَى رُؤْيَةِ الْمَنْبَعِ وَلَا إلَى رُؤْيَةِ مَا اسْتَتَرَ مِنْ الْمَجْرَى لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ أَوْ تَعَسُّرِهِ كَمَا مَرَّ.
السَّابِعُ قَوْلُهُمْ فِي إجَارَةِ الْحَمَّامِ وَالْبَيْعِ مِثْلُهَا فِي اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ وَجْهَيْ الدَّسْتِ الَّذِي يُسَخَّنُ فِيهِ الْمَاءُ إنْ أَمْكَنَ رُؤْيَتُهُمَا وَإِلَّا كَفَى مَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي صُورَتِنَا أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ لَا يُشْتَرَطُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِسَلْبِ الْإِمْكَانِ فِي عِبَارَتِهِمْ اسْتِحَالَةَ ذَلِكَ بَلْ لُحُوقَ الْمَشَقَّةِ فِيهِ لَوْ اشْتَرَطْنَا رُؤْيَةَ وَجْهَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ غَالِبًا إلَّا بِهَدْمِ بَعْضِ الْبِنَاءِ الَّذِي عَلَى الدَّسْتِ وَفِي هَدْمِهِ مَشَقَّةٌ وَتَغْيِيرٌ لِعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرِ وَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الْمَبِيعِ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَّا بِهَدْمِ بَعْضِ الْبِنَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ
стр. 475
وَتَغْيِيرٌ لِعَيْنِهِ فَكَذَلِكَ لَا يُوجِبُونَ فِي صُورَتِنَا لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ وَالتَّغْيِيرَ فِيهَا أَكْثَرُ.
(تَتِمَّةٌ) مَرَّ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ وَاحِدٌ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِي النَّهْرِ الْأَرْضَ الْمَلُوكَةَ مُطْلَقًا لَمْ يَدْخُلْ الشِّرْبُ فِي الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَبِيعِ فَإِنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا الدَّاخِلَةِ فِيهَا وَالْمُنْفَصِلَةِ عَنْهَا دَخَلَ قَالَ السُّبْكِيّ وَبَيْعُ حَقِّ الْمَاءِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى فِي الشَّامِ فَإِنَّ غَالِبَ بُيُوتِهَا لَهَا حُقُوقُ مَاءٍ مِنْ مَجَارٍ وَقُفْزَانٍ تَنْتَهِي إلَى الْأَنْهَارِ الْكِبَارِ فَإِنْ بِيعَتْ الدَّارُ بِحُقُوقِهَا فَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ اُقْتُصِرَ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَالْوَرَّاقُونَ يَحْتَالُونَ فِي ذَلِكَ فَيَجْعَلُونَ الْمَبِيعَ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ خَشَبَةٍ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ وَمَا لَهَا مِنْ الْحُقُوقِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ النَّهْرِ وَأَيْضًا النَّهْرُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا لِغَيْرِهِ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِاشْتِدَادِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إقْطَاعِ مَشَارِعِ الْمَاءِ لِاحْتِيَاجِ النَّاسِ إلَيْهَا.
وَمَذْهَبُنَا أَنَّ لِلنَّهْرِ حَرِيمًا وَرَأَيْتُ فِي دِيَارِ مِصْرَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَسْتَنْكِرُ الْعَمَائِرَ الَّتِي عَلَى حَافَّتَيْ النِّيلِ وَيَقُولُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهَا وَهَذَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ وَإِذَا رَأَيْنَا عِمَارَةً عَلَى حَافَّةِ نَهْرٍ لَا نُغَيِّرُهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ مَا عُرِفَ حَالُهُ اهـ وَفِيهِ فَوَائِدُ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ وَبِبَعْضِ الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ فَلِذَلِكَ أَخَّرْتُهُ إلَى هُنَا فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَإِنْ بِيعَتْ الدَّارُ إلَخْ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ مَعَ مَا قَرَّرْته قَبْلَهُ أَوَّلَ التَّتِمَّةِ أَنَّ الْأَرْضَ الْمُسْتَحَقَّةَ لِشِرْبٍ مَمْلُوكٍ مِنْ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ إذَا بِيعَتْ لَا يَدْخُلُ شِرْبُهَا إلَّا إنْ نُصَّ عَلَيْهِ أَوْ قِيلَ بِحُقُوقِهَا بِخِلَافِ شِرْبِهَا غَيْرِ الْمَمْلُوكِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهَا مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يُفِيدُهُ كَلَامُ السُّبْكِيّ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ حُقُوقَ الدَّارِ مِنْ الْمَجَارِي وَالْقَنَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا إلَّا إنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا.
وَلَيْسَ هَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ السُّبْكِيّ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تِلْكَ الْحُقُوقَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً وَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ دَخَلَتْ فِي بَيْعِ الدَّارِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا وَقَوْلُهُ وَالْوَرَّاقُونَ يَحْتَالُونَ إلَخْ نَظِيرُهُ احْتِيَالُ الْوَرَّاقِينَ فِي مَكَّةَ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الْحِيلَةَ السَّابِقَةَ فِي السُّؤَالِ وَهِيَ إيقَاعُ الْبَيْعِ عَلَى جَمِيعِ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مَثَلًا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا بِمَا لِلْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حَقٍّ إلَخْ مَا مَرَّ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْن الْحِيلَتَيْنِ أَنَّ حِيلَةَ الشَّامِيِّينَ بَاطِلَةٌ مُطْلَقًا لِمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ مِنْ أَنَّ الْجُزْءَ الْمَعْلُومَ مِنْ الْخَشَبَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ مِنْ النَّهْرِ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ النَّهْرِ وَأَنَّ النَّهْرَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ بِخِلَافِ حِيلَةِ الْمَكِّيِّينَ فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي أَحْوَالٍ وَتَبْطُلُ فِي أَحْوَالٍ كَمَا مَرَّتْ لَك كُلُّهَا وَاضِحَةً مُفَصَّلَةً لِأَنَّهُمَا إنْ أَرَادَا بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ الْقَرَارِ الْمَمْلُوكِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ عُرْفَهُمَا انْتَفَى مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ مِنْ سَبَبِ الْبُطْلَانِ فِي حِيلَةِ الشَّامِيِّينَ لِأَنَّ الْمَكِّيِّينَ يُرِيدُونَ بِالْقَرَارِ الْمَنْبَعَ وَالْمَجْرَى وَهُمَا مَمْلُوكَانِ.
وَالْجُزْءُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ مِنْهُمَا مَعْلُومٌ مَضْبُوطٌ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْقَرَارِ الْمَجْرَى وَحْدَهُ أَوْ الْمَنْبَعَ صَحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا لِوُقُوعِهِ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مَضْبُوطٍ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمَاءِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِحْقَاقَهُ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ مَبْسُوطًا وَقَدْ تَقَرَّرَ لَك أَنَّ عُيُونَ الْحِجَازِ مَمْلُوكَةٌ مَنْبَعًا وَمَجْرًى وَأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا غَيْرَ مَرْئِيٍّ فَإِنْ قُلْتَ هَلْ مِنْ حِيلَةِ الْمَكِّيِّينَ صُورَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ قُلْتُ نَعَمْ بِأَنْ يُرَدُّ الْبَيْعُ عَلَى مَحَلِّ النَّابِعِ وَالْمَجْرَى بِلَفْظٍ لَا إيهَامَ فِيهِ كَ (بِعْتُكَ) قَرَارَ عَيْنِ كَذَا مَنْبَعًا وَمَجْرًى أَوْ مَنْبَعًا فَقَطْ أَوْ مَجْرًى فَقَطْ لَكِنْ إذَا وَقَعَ عَلَى الْمَبِيعِ وَحْدَهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِجْرَاءَ فِي الْمَجْرَى الْمَمْلُوكِ وَإِذَا وَقَعَ عَلَى الْمَجْرَى وَحْدَهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ مَاءِ الْمَنْبَعِ الْمَمْلُوكِ فَالْأَحْوَطُ إيقَاعُ الْبَيْعِ عَلَى الْمَنْبَعِ وَالْمَجْرَى مَعًا وَمَرَّ فِي عِبَارَةِ الشَّيْخَيْنِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيمَا إذَا بَاعَ بِئْرَ الْمَاءِ وَأَطْلَقَ أَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا بِئْرُ مَاءٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ حَتَّى يُشْتَرَطَ أَنَّ الْمَاءَ الظَّاهِرَ لِلْمُشْتَرِي لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءَانِ.
فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنُ أَيْضًا تَمَحُّلُ حِيلَةٍ لِلشَّامِيِّينَ قُلْتُ أَمَّا فِي صُورَةِ السُّبْكِيّ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يُمْكِنُ لِأَنَّ تِلْكَ
стр. 476
الْخَشَبَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي ذَلِكَ فَلَوْ فُرِضَ صِحَّةُ وُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مَضْبُوطٍ مِنْهَا لَمْ يُفِدْ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ وَلَيْسَ الْقَصْدُ بِالْحِيلَةِ هُنَا مُجَرَّدَ صِحَّةِ الْبَيْعِ بَلْ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ الْمُسْتَلْزِمَ لِمِلْكِ الْمَاءِ أَوْ اسْتِحْقَاقِهِ وَقَدْ عَلِمْتَ اسْتِحَالَةَ هَذَا فِي صُورَةِ السُّبْكِيّ أَمَّا الْمِلْكُ فَلِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَكَذَلِكَ مَحَلُّهُ لِأَنَّ ذَلِكَ النَّهْرَ مِنْ الْأَنْهَارِ الْعَامَّةِ وَقَدْ مَرَّ فِي عِبَارَةِ الْأَنْوَارِ أَنَّهُ لَا يُمَلَّكُ مُطْلَقًا وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فَلِأَنَّ تِلْكَ الْخَشَبَةَ الَّتِي وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهَا لَا اسْتِحْقَاقَ لَهَا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ وَإِنَّمَا الِاسْتِحْقَاقُ لِلدُّورِ فَاتَّضَحَ أَنَّهُ لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
[الْبَابُ السَّابِعُ فِي حُكْمِ الْقَاضِي وَفِيهِ فَصْلَانِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ وَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ]
(الْبَابُ السَّابِعُ فِي حُكْمِ الْقَاضِي وَفِيهِ فَصْلَانِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي بَيَانِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ وَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَمَا يَسْتَدْعِي أَنَّهُ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّتِمَّاتِ وَالدَّاعِي إلَى هَذَا الْبَابِ أَنَّ بَعْضَ الْمُفْتِينَ السَّابِقِينَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّرِ وَاتِّبَاعِهِمْ لَهُ فِي الْخَطَإِ وَالتَّهَوُّرِ زَادَ عَلَيْهِمْ لَمَّا عُذِلَ وَقِيلَ لَهُ كَيْفَ تَقُولُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا وَالْقَاضِي فُلَانٌ قَدْ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ وَهُوَ مِنْ الْجَلَالَةِ وَالْعِلْمِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يُنْكَرُ فَقَالَ مُعْتَذِرًا إفْتَائِي بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا لَيْسَ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ وَمِنْ مُوجِبِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْفَسَادُ إذْ مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ الْحُكْمُ بِمُوجِبِ تِلْكَ الصِّيغَةِ مِنْ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فَنَحْنُ لَمْ نَنْقُضْ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورَ بَلْ عَلِمْنَاهُ بِقَضِيَّتِهِ وَقَضِيَّتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْفَسَادُ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ فِيهَا اهـ. كَلَامُ هَذَا الْمُفْتِي بِمَعْنَاهُ بِحَسَبِ مَا بَلَغَنِي عَنْهُ وَسَيَتَّضِحُ لَك زَيْفُهُ وَفَسَادُهُ كَيْفَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَنْ تَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أُكَابِرْ الْأَصْحَابِ كَشُرَيْحٍ الرُّويَانِيِّ.
وَمِنْ أَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالسُّبْكِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَالْوَلِيِّ أَبِي زُرْعَةَ وَسَتَأْتِيكَ الصَّرَائِحُ الْكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِالرَّدِّ عَلَى هَذَا الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْأَغْبِيَاءِ الْجَامِدِينَ عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَةٍ وَقَعَتْ فِي نَحْوِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْغَزِّيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْحَصَ عَنْ أَصْلِهَا بَلْ وَلَا فُهِمَتْ عَلَى وَجْهِهَا كَمَا يَتَبَيَّنُ لَك ذَلِكَ كَيْفَ وَشَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا - سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ - مِمَّنْ عَبَّرَ بِهَا وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِمَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ وَسَأُمْلِي عَلَيْك مِنْ ذَلِكَ جُمَلًا مُسْتَكْثِرَة وَإِنْ احْتَاجَ ذَلِكَ إلَى طُولٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مُهِمٌّ جِدًّا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ إلَّا الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهِ وَتَحْقِيقِهِ كَيْفَ وَالْحُكَّامُ مِنْ الْمَذَاهِبِ لَمْ يَزَالُوا يَخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَى هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا نَقْضًا وَإِبْرَامًا وَآثَارًا وَإِلْزَامًا فَفَرِّغْ ذِهْنَكَ لَعَلَّكَ أَنْ تَفْهَمَ هَذَا الْمَقَامَ وَتَسْلَمَ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مَنْ غَلَبَهُ هَوَاهُ وَنَفْسُهُ مِنْ الزَّلَلِ وَالْمُلَامِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مُقَدِّمَاتٍ وَلَوَاحِقَ فَلَا يُسْئِمَنَّكَ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ فَرِيدَةً وَنَفَائِسَ عَدِيدَةً.
فَأَقُولُ الْحُكْمُ لُغَةً الْقَضَاءُ وَالْإِبْرَامُ وَالْإِتْقَانُ وَالْمَنْعُ وَالْإِحَاطَةُ وَاصْطِلَاحًا هُنَا مَا يَصْدُرُ مِنْ مُتَوَلٍّ عُمُومًا وَخُصُوصًا رَاجِعًا إلَى عَامٍّ مِنْ الْإِلْزَامَاتِ السَّابِقَةِ لَهُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَالصِّحَّةُ لُغَةً زَوَالُ الْعِلَّةِ وَاصْطِلَاحًا مُوَافَقَةُ ذِي الْوَجْهَيْنِ الشَّرْعَ وُقُوعًا أَوْ اسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ أَوْ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ أَوْ الِاعْتِدَادُ بِالشَّيْءِ عَلَى مَا حَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَاخْتَارَ السُّبْكِيّ أَنَّهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلصَّادِرِ مِنْ الْإِنْسَانِ بِمَا يُعْتَبَرُ فِي نَفْيِهِ الْفَسَادُ عَنْهُ قَالَ فَخَرَجَ بِلَازِمَةِ الِاسْتِقْرَاءِ وَاللُّزُومِ وَالْقَبُولِ وَوَقْفِ الْعُقُودِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بِلَازِمٍ لِلصَّادِرِ الْمَذْكُورِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ وَصْفِ الصِّحَّةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ الْمَوْقُوفُ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ الْمِلْكُ لَا الصِّحَّةُ وَخَرَجَ بِالْإِنْسَانِ مَا صَدَرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَلَائِكَتِهِ وَكَذَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي التَّشْرِيعِ وَالْإِبْلَاغِ فَلَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ بَلْ بِالْحَقِّ وَنَحْوِهِ أَوْ مِنْ الْجِنِّ لِأَنَّا لَا نَدْرِي حَالَهُمْ فِي التَّكْلِيفِ أَوْ مِنْ الْبَهَائِمِ فَلَا يُوصَفُ بِصِحَّةٍ وَلَا فَسَادٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ إلَّا مَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِالْفَسَادِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ إظْهَارِ الْمُتَوَلِّي قَضَاؤُهُ بِنَحْوِ حَكَمْتُ فِي أَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَ وُجُودِهِ بِشَرَائِطِهِ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا.
وَأَمَّا فِي مُوجَبِ الشَّيْءِ بِفَتْحِ الْجِيم فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَثَرِ
стр. 477
الْمُتَرَتِّب عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَحِينَئِذٍ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ هُوَ إظْهَارُ الْمُتَوَلِّي قَضَاؤُهُ بِأَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ بِالْإِلْزَامِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا ثُمَّ الْمُوجَبُ مِنْهُ ظَاهِرٌ وَخَفِيٌّ فَإِنْ اسْتَحْضَرَ الْآثَارَ كُلَّهَا وَعَيَّنَهَا فِي حُكْمِهِ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَرْجَحِ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مُقَلِّدَ الْمَذْهَبِ يَرْتَبِطُ بِهِ فَمَهْمَا كَانَ مُوجِبُهُ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ تَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُوجَبَ وَالْمُقْتَضَى مُخْتَلِفَانِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ اتِّحَادَهُمَا إذْ الْمُقْتَضَى لَا يَنْفَكُّ وَالْمُوجَبُ قَدْ يَنْفَكُّ فَالْأَوَّلُ كَانْتِقَالِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي بَعْد لُزُومِ الْبَيْعِ وَالثَّانِي كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَالْمُوجَبُ أَعَمُّ وَأَفْهَمُ التَّعْبِيرِ فِي الْحَدِّ بِالْإِظْهَارِ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ إنْشَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الرِّسَالَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْحُجَّةِ فِي تَثَبُّتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَلَا تَرَى قَضَاءَ الْقَاضِي عَلَى الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ يُخْبِرُ بِهِ عَنْ بَيِّنَةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ أَوْ إقْرَارًا مِنْ خَصْمٍ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ فِيهِ وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ إخْبَارٌ أَيْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُ لِأَنَّ الْإِنْفَاذَ الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاءُ تَضَمَّنَ إخْبَارًا عَنْ مُسْتَنَدِ الْحُكْمِ السَّابِقِ فَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يَكُونُ خَبَرًا لِاحْتِمَالِهِ الصِّدْقَ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ الشَّرْعِيُّ وَالْكَذِبَ إنْ لَمْ يُوجَدْ وَمِنْ حَيْثُ الْإِنْفَاذُ يَكُونُ إنْشَاءً إذْ لَا يَحْتَمِلُ صِدْقًا وَكَذِبًا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ بِخِلَافِ الْعُقُودِ فَإِنَّهَا مَحْضُ إنْشَاءٍ إذْ لَا تَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ شَيْءٍ سَبَقَ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ تَصَرُّفَ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ حُكْمًا لِأَنَّهُ الْإِلْزَامُ بِشَيْءٍ وَقَعَ وَالْعَقْدُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ بِخِلَافِ تَصَرُّفِهِ فِي قَضِيَّةٍ رُفِعَتْ إلَيْهِ وَطَلَبَ مِنْهَا فَصْلَهَا فَإِنَّهُ حُكْمٌ بِصِحَّةِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ لِتَضَمُّنِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ شَيْءٍ سَبَقَ وَهُوَ اسْتِيفَاءُ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ لِشُرُوطِهَا.
وَإِنَّمَا لَمْ يَنْظُرُوا إلَى ذَلِكَ فِي مُجَرَّدٍ لِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ وَهُنَا عَلَيْهِ قَرِينَةٌ وَهِيَ رَفْعُ الْقَضِيَّةِ إلَيْهِ وَطَلَبُ فَصْلِهَا مِنْهُ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ فِي مَوَاضِعَ إنَّ تَصَرُّفَهُ حُكْمٌ وَقَوْلُهُمْ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى إنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَقَدْ مَرَّتْ مِنِّي إشَارَةٌ إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ الْمُخْتَصَرِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ ثُمَّ رَأَيْتُ السُّبْكِيّ قَالَ تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ حُكْمٌ قَطْعًا كَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ أَوْ غَيْرُ حُكْمٍ قَطْعًا كَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ أَوْ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ غَيْرُ حُكْمٍ كَمَا إذَا بَاعَ أَوْ زَوَّجَ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ حُكْمٌ كَفَسْخِهِ لِنَحْوِ بَيْعٍ بِنَفْسِهِ وَخَرَجَ بِالْقَضَاءِ فِي التَّعْرِيفِ الثُّبُوتُ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ بِالثَّابِتِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ وَقَبُولِهَا وَجَرَيَانِ ذَلِكَ الْمَشْهُودِ بِهِ حُكْمٌ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِلْزَامِ فَلَا لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِلْزَامُ وَفَائِدَةُ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَدَمُ احْتِيَاجِ حَاكِمٍ آخَرَ إلَى النَّظَرِ فِي الْبَيِّنَةِ وَحُكْمُهُ جَوَازُ نَقْلِهِ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى وَأَمَّا صِحَّةُ ذَلِكَ الْأَمْرِ فَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يُثْبِتُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَنْظُرُ كَوْنَهُ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا.
وَلِهَذَا اخْتَارَ السُّبْكِيّ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يُثْبِتَ الْحَقَّ أَوْ السَّبَبَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِسَبَبِهِ كَقَوْلِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ زَيْدًا وَقَفَ هَذَا فَلَيْسَ بِحُكْمٍ لِأَنَّهُ يُتَوَقَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَظَرٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ أَوْ لَا وَإِنْ ثَبَتَ الْحَقُّ كَقَوْلِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا وَقْفٌ عَلَى زَيْدٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْحُكْمِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ آخَرَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْحُكْمِ فِيهِ وَبِذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ الْمُدَّعِي لَوْ طَلَبَ فِي الْقِسْمِ الْأَوْلِ مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِلُزُومِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَتَّى يُتِمَّ نَظَرَهُ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ وَفِي الثَّانِي يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِهِ قَطْعًا قَالَ وَرُجُوعُ الشُّهُودِ بَعْد الثُّبُوتِ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ أَنَّهُ فِي الْقَسْمِ الثَّانِي كَالرُّجُوعِ بَعْد الْحُكْمِ فَلَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ وَفِي الْأَوَّلِ يَمْنَعهُ وَنَقْلُ الثُّبُوتِ فِي الْبَلَدِ فِيهِ خِلَافٌ وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الْقَطْعُ بِجَوَازِ النَّقْلِ وَتَخْصِيصُ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِالْأَوَّلِ وَالْأَوْلَى فِيهِ الْجَوَازُ أَيْضًا وِفَاقًا لِلْإِمَامِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَالثُّبُوتُ الْمُجَرَّدُ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ فَإِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ إبْطَالَ عَقْدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهِ وَمَعْنَى
стр. 478
الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ ظَهَرَ لِلْحَاكِمِ صِدْقُ الْمُدَّعِي وَيُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ الثُّبُوتِ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ لَا يَجُوزُ التَّسْجِيلُ بِالْفِسْقِ لِأَنَّ الْفَاسِقَ يَقْدِرُ عَلَى إسْقَاطِهِ بِالتَّوْبَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَعَلَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فَأَمَّا عِنْدهَا كَإِبْطَالِ نَظَرِهِ فَيَتَّجِهُ الْجَوَازُ وَالتَّوْبَةُ إنَّمَا تَمْنَعُ فِي الْمُسْتَقْبِل لَا الْمَاضِي وَيَجُوزُ التَّنْفِيذُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَحَلِفٍ فِي نَحْوِ مَيْتٍ وَغَائِبٍ وَأَفْهَمَ التَّعْرِيفُ أَنَّ الْقَضَاءَ مُرَادِفٌ لِلْحُكْمِ وَقَدْ يُغَايِرُهُ فَيُطْلَقُ الْقَضَاءُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْإِخْبَارِ وَالْحُكْمُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْإِلْزَامِ وَعَكْسِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ قَضَاءٌ وَإِلْزَامٌ بِهِ وَعُلِمَ مِنْ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا السَّابِقُ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّ جَمِيعَ الشُّرُوطِ لَا يُعْتَبَرُ ثُبُوتُهَا فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ الْمُوجَبِ فَإِنَّ جُمْلَتَهَا فِي الْبَيْعِ مَثَلًا الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوْ التَّسَلُّمِ فَلَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنْ الْخَصْمَيْنِ إثْبَاتَ انْتِفَاءِ نَحْوِ الْغَصْبِ وَالرَّهْنِ مِمَّا يُنَافِي تِلْكَ الْقُدْرَةَ لِتَعَذُّرِهِ أَوْ تَعَسُّرِهِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَاشْتِرَاطِ انْحِصَارِ الْإِرْثِ بِأَنَّ هُنَا قَرِينَةً ظَاهِرَةً عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ وَهِيَ وُقُوعُ الْبَيْعِ الْمُقْتَضَى عَادَةً وُرُودُهُ عَلَى مَا وُجِدَتْ فِيهِ شَرَائِطُ بِخِلَافِ انْحِصَارِ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ لَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ وَلَا خَفِيَّةٌ فَاحْتِيجَ لِثُبُوتِهِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كِتَابَةَ الْمُوَثِّقِينَ طَائِعًا مُخْتَارًا فِي صِحَّتِهِ وَسَلَامَتِهِ لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ فِي التَّأْكِيدِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْحُكْمِ بِنَحْوِ بَيْعٍ أَوْ إقْرَارٍ بَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ فَإِنْ ادَّعَى إكْرَاهًا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْإِكْرَاهِ وَالْمُعْتَبَرُ غَالِبًا فِي التَّسْجِيلَاتِ بِالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ إثْبَاتُ الْيَدِ وَالْحِيَازَةُ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الصَّادِرِ مِنْهُ ذَلِكَ وَرُشْدِهِ وَطَلَبُ الْحُكَّامِ الشُّهُودَ فِي النِّكَاحِ وَخُلُوَّ الزَّوْجَةِ مِنْ الْمَوَانِعِ زِيَادَةُ احْتِيَاطٍ لِلْأَبْضَاعِ قَالَ السُّبْكِيّ وَقَوْلُنَا أَيْ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ هُوَ مَحَطُّ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ بِأَنَّهُ مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْإِلْزَامِ بِالْمُتَرَتِّبِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ.
فَالْإِلْزَامُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ يَتَضَمَّنُ صِحَّتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْخَاصِّ لَا مُطْلَقًا وَمِنْ ذَلِكَ يَظْهَرُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ فُرُوقٌ أَحَدُهَا أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُنْصَبٌّ إلَى نَفَاذِ ذَلِكَ الصَّادِرِ الثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَخْتَصُّ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِهِ الثَّالِثُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الشُّرُوطِ وَالْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ صُدُورِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَالْحُكْمِ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَلَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ ثُبُوتُ أَنَّهُ مَالِكٌ مَثَلًا وَلَا بَقِيَّةَ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَبِهَذَا صَارَ خَالِصًا لِأَنَّ الْقَصْدَ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ مَثَلًا بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ لَا إثْبَاتُ أَنَّهُ مَلَكَهُ إلَى حِينِ الْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ مَثَلًا وَهَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ فَأَمَّا إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ أَوْ هَذَا مَبِيعٌ أَوْ هَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ فَلْيَعْرِفْ الْفَقِيهُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ بِالصُّدُورِ أَوْ الْمَصْدَرِ أَوْ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَلْيَقِسْ عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى لِوُجُودِ الْإِلْزَامِ فِيهِ وَتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمَانِ كَمَا افْتَرَقَا فِي أُمُورٍ يَجْتَمِعَانِ فِي أُمُورٍ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ.
فَإِنْ صَحَّ الصَّادِرُ اتِّفَاقًا فِي مُوجَبِهِ لَمْ يَمْنَعْ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِيهِ الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ عِنْد غَيْرِ الْحَاكِمِ بِهَا مِثَالُهُ التَّدْبِيرُ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا وَمُوجَبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ مَنْعُ الْبَيْعِ فَلَوْ حُكِمَ بِصِحَّتِهِ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ عِنْدَهُ وَمِنْهُ جَوَازُ الْبَيْعِ أَيْ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حُكِمَ بِمُوجَبِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيْعِ يَمْتَنِعُ عَلَى الشَّافِعِيِّ لِلتَّعَارُضِ حِينَئِذٍ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَنَّ كُلَّ دَعْوَى كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَالْحُكْمُ فِيهَا حِينَئِذٍ بِالْإِلْزَامِ وَهُوَ الْمُوجَبُ لَا بِالصِّحَّةِ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى زَانٍ بِمُوجَبِ زِنَاهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ وَهَذَا ضَابِطٌ حَسَنٌ وَالْحُكْمُ بِالْحَبْسِ حُكْمٌ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ إلَّا إنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَطُلِبَ الْحُكْمُ
стр. 479
بِهَا بِطَرِيقِهِ وَلَوْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَكُونُ بِالصِّحَّةِ.
وَلَوْ مِنْ مُخَالِفٍ يُجِيزُ التَّنْفِيذَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لَا بِالْمُوجَبِ إلَّا مِنْ مُوَافِقٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إلْزَامٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ الْمُخَالِفِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُبْتَدِئًا الْحُكْمَ فِيهِ وَلَا يَبْتَدِئُ الْحُكْمَ بِمَا يَرَى غَيْرُهُ أَصْوَبَ مِنْهُ وَوَقَعَ فِي الْأُمِّ نَصَّانِ أَنَّ مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ لَا يَرَاهُ وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ نَصَّ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ أَوْ لَا وَنَصَّ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهِ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالثَّانِي عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَيَجْتَمِعَانِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا جَلِيًّا وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إمَّا عَامًّا عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ أَوْ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ نَعَمْ إنْ وَقَعَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ غَيْرَ مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِ الْحُكْمِ بِهِ جَازَ لِمَنْ لَا يَرَاهُ نَقْضُهُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ امْتَنَعَ نَقْضُهُ وَهَذَا تَحْقِيقٌ يَتَعَيَّنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَمِنْهَا جَوَازُ نَقْلِهِمَا وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ.
وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَهُوَ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِذَلِكَ أَوْ بِصِحَّةِ إخْرَاجِهَا كَانَا سَوَاءً فَيَمْتَنِعُ عَلَى السَّاعِي الْمُخَالِفِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَالِكَ بِإِخْرَاجِ غَيْرِ الْقِيمَةِ أَوْ شَافِعِيٌّ لِوَارِثِ نَازَعَهُ وَصِيٌّ فِي الصَّوْمِ وَطَلَبَ إخْرَاجَ طَعَامٍ بَدَلَهُ عَنْ مَيْتٍ بِصِحَّةِ صَوْمِهِ أَوْ بِمُوجَبِهِ امْتَنَعَ عَلَى الْوَصِيِّ إخْرَاجُ الطَّعَامِ وَمُطَالَبَةُ الْوَارِثِ أَوْ حَنْبَلِيٌّ لِمَنْ فَسَخَ حَجَّهُ إلَى الْعُمْرَةِ بِشَرْطِهِ فَلَمْ تُمَكِّنْهُ الزَّوْجَةُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْفَسْخِ أَوْ بِمُوجَبِهِ فَيَلْزَمُهَا تَمْكِينُهُ وَلَا يَقَعُ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا فِي نَحْوِ طَهَارَةٍ اسْتِقْلَالًا بَلْ تَبَعًا كَتَعْلِيقِ عِتْقٍ بِطُهْرٍ مَا فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلَّقِ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِعَدَالَةِ مَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ مَعَ مَسِّ فَرْجٍ أَوْ عَدَمِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ وُضُوئِهِ أَوْ صَلَاتِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَالْحُكْمُ عَلَى الْمُعَلَّقِ بِقَضِيَّةِ تَعْلِيقِهِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَة فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِإِلْزَامِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَا مُطْلَقًا وَجَمِيعُ الْأَمْلَاكِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ وَيَحْكُمُ إذَا اعْتَقَدَ مِلْكًا بِصِحَّةِ مِلْكِهِ.
وَيَحْكُمُ بِمُوجَبِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مُعْتَقَدِهِ فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحُكْمَانِ وَالْمُعَامَلَاتُ كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَالْإِلْزَامِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُثْبِتُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ لِغَيْرِهِ نَقْضَهُ وَكَإِلْزَامٍ بِالْإِقْبَاضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ وَعَلَى هَذَا لَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا عَلَى قَصْدِ الْإِلْزَامِ بِالْإِقْبَاضِ إلَّا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا حَبْسَ لِلْبَائِعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْمُوجَبِ فِيمَا ذُكِرَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ لَا مُطْلَقًا لِئَلَّا يَكُونَ مُلْزَمًا بِمَا لَا يَلْزَمُ وَالْحُكَّامُ يَتَسَاهَلُونَ فِي ذَلِكَ وَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ بَيْعٍ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ بَلْ بِالْمِلْكِ إنْ وَقَعَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْفَاسِدَ عِنْدَهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ هُنَا اسْتِقْلَالًا بِالْمِلْكِ أَوْ بِمُوجَبِ مَا جَرَى لَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا بِصِحَّةِ الْقَبْضِ وَجَمِيعُ الْفُسُوخِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمَانِ وَكُلُّ يَمِينٍ وَإِلْزَامٍ فِيمَا لَمْ يَقَعْ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ بَلْ بِمُوجَبِهَا وَهُوَ الْإِلْزَامُ.
وَإِذَا حُكِمَ بِمُوجَبِ الْقَرْضِ وَمِنْ عَقِيدَتِهِ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ وَمُنِعَ رُجُوعُ الْمُقْرَضِ فِي عَيْنِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ امْتَنَعَ أَوْ بِصِحَّتِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ لِأَنَّ صِحَّتَهُ لَا تُنَافِي الرُّجُوعَ فِيهِ أَوْ بِمُوجَبِ الرَّهْنِ أَوْ الْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَاهُ امْتَنَعَ عَلَى الْمُخَالِفِ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي لَا يَقُولُ بِهَا ذَلِكَ الْحَاكِمُ أَوْ بِصِحَّتِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْمُخَالِفِ ذَلِكَ وَلَا يَدْخُلُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ حَجْرُ صِبَا أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهَا إلَّا مَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْفَسَادِ وَالْحَجْرُ حُكْمُ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَلَوْ دَبَّرَ أَوْ أَوْصَى فَحَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجَبِهِ امْتَنَعَ عَلَى غَيْرِهِ الْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَوْ حَكَمَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ تَدْبِيرِهِ
стр. 480
بِمُوجَبِ حَجْرِ الصَّبِيِّ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تَدْبِيرِهِ وَحَجْرُ الْمَرَضِ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ فِي مَوَاطِنِ الِاخْتِلَافِ فَإِذَا وُجِدَ فَمَنْ يَمْتَنِعُ إقْرَارُهُ لِوَارِثٍ امْتَنَعَ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِمُوجَبِ حَجْرِ الْمَرَضِ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ إقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُخَالِفِ إبْطَالُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لَا مَا كَانَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ عَلَى الْبَائِعِ يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ عَلَيْهِ دُونَ مَالَهُ مِنْ الْمِلْكِ وَنَحْوِهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَقِسْ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ لِلْوَارِثِ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْحُكْمِ فَالْعِلَّةُ فِيهِ مَا ذُكِرَ وَإِنْ تَأَخَّرَ فَالْحُكْمُ لَا يَتَنَاوَلُ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَجَدِّدَةَ.
وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُوجَبَ الَّذِي هُوَ الْأَثَرُ لَا التَّصَرُّفَ الْجَدِيدَ وَيَدْخُلُ الْحُكْمَانِ أَيْضًا فِي بَقِيَّةِ الْمُعَامَلَاتِ كَالْإِقْرَارِ أَمَّا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ وَقَدْ يَفْسُدُ فَبِالْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ يَظْهَرُ أَنَّهُ وُجِدَتْ جَمِيعُ شُرُوطِهِ الْمُصَحَّحَةِ لَهُ وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِبَيْعِ عَيْنٍ فَهَلْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ قَالَ الْهَرَوِيُّ لَا يَتَضَمَّنُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ صُدُورُهُ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَهُوَ تَرَتُّبُ آثَارِهِ عَلَيْهِ الْمُوَافَقَةِ لِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ فَإِذَا حَكَمَ بِمُوجَبِ إقْرَارِ الْوَالِدِ وَمِنْ عَقِيدَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ أَنَّهُ يَرْجِعُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا لَهُ بِالرُّجُوعِ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ آثَارِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ دُونَ ثُبُوتِهَا لَهُ هَذَا إلَّا زِيَادَاتٍ فِي خِلَالِهِ مُلَخَّصُ كَلَامِ السُّبْكِيّ فِي كُتُبٍ لَهُ مُسْتَقِلٌّ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي رَأَيْتُهَا لَا تَخْلُو مِنْ سَقَمٍ فَلِذَا حَذَفْتُ مِنْهَا كَثِيرًا مَعَ فَهْمِ أَكْثَرِهِ مِمَّا ذَكَرْتُهُ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ لَبُطْلَانِ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي مِنْ وُجُوهٍ ظَاهِرَةٍ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ مِنْهَا مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهُ قَاضٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ وَإِلَّا لَمْ يُفَسِّرْهُ بِمَا مَرَّ عَنْهُ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ فَالْإِلْزَامُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ يَتَضَمَّنُ صِحَّتَهُ إلَخْ وَفِي هَذَا مِنْ الظُّهُورِ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ مَا لَا يَخْفَى وَمِنْهَا قَوْلُهُ فَأَمَّا إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ أَوْ هَذَا مَبِيعٌ وَهَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ فَلْيَعْرِفْ الْفَقِيهُ إلَخْ وَهَذَا هُوَ صُورَةُ مَسْأَلَتِنَا الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ فِيهَا إلَّا بِمُوجَبِ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ مِنْ الْبَيْعِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الشَّهَادَةِ حِينَئِذٍ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ بَعْدَهُ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يُدَانِيهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُسَاوِيَهُ لَوْ فُرِضَ مُخَالَفَتُهُمْ لَهُ فَكَيْفَ وَهُمْ وَافَقُوهُ كَمَا سَتَعْلَمُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْآتِي وَهَذَا كُلُّهُ يُنْبِئُكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمُفْتِي قَدْ بَادَرَ قَبْلَ التَّأَمُّلِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِإِبْرَازِ مَا مَرَّ عَنْهُ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ مِمَّا كَانَ غَنِيًّا مِنْ إبْرَازِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ عَارَهُ وَشَنَارَهُ مَا بَقِيَ هَذَا الْكِتَابُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فَالْحُكْمُ فِيهَا حِينَئِذٍ بِالْإِلْزَامِ وَهُوَ الْمُوجَبُ لَا بِالصِّحَّةِ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَلَوْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إمَّا عَامًّا إلَخْ وَمِنْهَا قَوْلُهُ أَوْ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلِّقِ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَيَحْكُمُ بِمُوجَبِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مُعْتَقِدِهِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَالْإِلْزَامِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إلَخْ فَهَذِهِ كُلُّهَا صَرَائِحُ فِي بُطْلَانِ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ وَمُعْلِنَةٌ بِأَنَّ الْمُفْتِي بِهِ لَمْ يَلْحَظْ فِي ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ غَيْرَ حَدَثِهِ وَهَوِيسِهِ وَكَلَامُ السُّبْكِيّ كُلُّهُ نَاطِقٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ صِيغَةٍ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا فَتَأَمَّلْهُ وَتَنَبَّهْ لِمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ عَلَى مَا لَمْ أَذْكُرْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اقْضِ عَلَى إفْتَاءِ ذَلِكَ الْمُفْتِي بِمَا يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُكَ وَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ أَنَّ مَعْنَى الْحُكْمِ بِمُوجَبِ صِيغَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ مَعَ حَدِّهِ بِمَا مَرَّ.
وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ
стр. 481
بِشَرْطِهَا وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمُخَالِفَ مِنْ التَّعَرُّضِ لِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ وَمَعَ مَا قَرَّرَهُ السُّبْكِيّ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ مَا تُلِيَ عَلَيْكَ فَمَعَ هَذِهِ الصَّرَائِحِ لَا يُفَسِّرُ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ بِمَا مَرَّ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي إلَّا مَنْ انْطَمَسَتْ بَصِيرَتُهُ وَفَسَدَتْ طَوِيَّتُهُ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ لِي وَلِأَحْبَابِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِمَّا يُبْطِلُ ذَلِكَ الْإِفْتَاءَ أَيْضًا مَا أَفْتَى بِهِ السُّبْكِيّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ دَارًا ذَكَرَتْ أَنَّهَا بِيَدِهَا وَمِلْكُهَا وَتَصَرُّفهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهَا وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لِنَفْسِهَا ثُمَّ لِوَلَدِهَا وَأَشْهَدَ حَاكِمٌ شَافِعِيٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ وَثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالْحُكْمِ بِهِ وَنَفَّذَهُ شَافِعِيٌّ آخَرُ فَأَرَادَ حَاكِمٌ مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ إبْطَالَ هَذَا الْوَقْفِ بِمُقْتَضَى شَرْطِهَا النَّظَرَ لِنَفْسِهَا وَاسْتِمْرَارَ يَدِهَا عَلَيْهَا وَمُقْتَضَى كَوْنِ الْحَاكِمِ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ بِالْمُوجَبِ لَا يَمْنَعُ النَّقْضَ وَأَفْتَاهُ بِمِصْرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِذَلِكَ تَعَلُّقًا بِمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ فِي قَوْلِ الْحَاكِمِ صَحَّ وُرُودُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَيَّ فَقَبِلْتُهُ قَبُولَ مِثْلِهِ وَأَلْزَمْتُ الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَصَوَّبَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ فِي جَوَابِهِ الصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَمْ لَا أَيْ فَإِنْ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ فَلَا.
وَلَيْسَ هَذَا الْحَصْرُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ امْتِنَاعِ النَّقْضِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ قَالَ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْمُقَرّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ فَإِذَا حَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ اسْتَلْزَمَ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ وَبِبُطْلَانِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ قَالَ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَمَّا الْإِقْرَارُ فَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُقِرِّ وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ كَذَلِكَ قَالَ وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْهَرَوِيِّ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مُوجَبِهِ عَائِدٌ عَلَى الْكِتَابِ وَمُوجَبُ الْكِتَابِ صُدُورُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ تَصَرُّفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَبُولُهُ وَإِلْزَامُ الْعَمَلِ بِهِ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزُورٍ وَأَنَّهُ مُثْبَتُ الْحُجَّةِ غَيْرُ مَرْدُودٍ وَمِنْ ثَمَّ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ مِنْهَا عَدَمُ مُعَارَضَتِهِ بَيِّنَةً أُخْرَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيُّ فِي بَقِيَّةِ كَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ الْكِتَابِ.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الرَّافِعِيُّ وَلَا الْهَرَوِيُّ فِيهِ بِشَيْءٍ فَزَالَ التَّعَلُّقُ بِكَلَامِهِمَا اهـ فَتَأَمَّلْ مَا حَقَّقَهُ هَذَا الْإِمَامُ وَنَقَّحَهُ وَبَيَّنَ بِهِ مُرَادَ الرَّافِعِيِّ وَالْهَرَوِيِّ وَأَنَّ تَمَسُّكَ ذَلِكَ الْمُفْتِي بِكَلَامِهِمَا خَطَأٌ وَأَنَّ انْحِصَارَ امْتِنَاعِ النَّقْضِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْمُقَرّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ وَأَنَّ الْحُكْمَيْنِ إنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَمَّا الْإِقْرَارُ فَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُقِرِّ وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ كَذَلِكَ وَبَعْدَ أَنْ اتَّضَحَ لَك ذَلِكَ تَعَلَّمْ فَسَادَ مَا وَقَعَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي السَّابِقِ كُلَّهُ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ إذْ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ كَمَا اسْتَلْزَمَ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ كَذَلِكَ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ وَأَيْضًا فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا كَالْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ السُّبْكِيّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا خَاصَّانِ إذْ الْحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى الْمُقِرِّ وَالْبَائِعِ دُونَ كُلِّ أَحَدٍ.
وَقَدْ بَيَّنَ السُّبْكِيّ كَمَا عَلِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَمِنْ كَلَامِهِ الَّذِي سُقْتُهُ أَوَّلًا أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ فِي هَذَا سَوَاءٌ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ وَاسْتَفِدْهُ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُسْتَفَادَ وَأَنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهِ الْمُتَفَقِّهُ بِكُلِّيَّتِهِ لِئَلَّا يَزِلَّ قَدَمُهُ وَيَطْغَى قَلَمُهُ كَمَا وَقَعَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِإِدْرَاكِ الصَّوَابِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ وَلِلْوَلِيِّ أَبِي زُرْعَةَ الْعِرَاقِيِّ تَصْنِيفٌ حَسَنٌ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَكَلَامُهُ فِيهِ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ كِتَابَ السُّبْكِيّ وَلَا إفْتَاءَهُ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُهُمَا لَك مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ إلَى هُنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيُّ فُرُوقًا بَيْنَهُمَا وَهِيَ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَسَأُلَخِّصُ تَصْنِيفَهُ وَأُنَبِّهُ عَلَى مَا وَافَقَ فِيهِ السُّبْكِيّ وَمَا خَالَفَهُ وَأُبَيِّنُ مَا فِي كَلَامِهِ مِمَّا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ الْمُفْتِي وَيُبَيِّنُ بُطْلَانَ كَلَامِهِ قَالَ عَهِدْنَا الْحُكَّامَ عَلَى طَرِيقِهِ فِي الْحُكْمَيْنِ وَهِيَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ قِيَامِ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ بِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ
стр. 482
الْعَقْدِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَبِالْمُوجَبِ إذَا لَمْ تَقُمْ بِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَنَّ عَمَلَهُمْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ لَا يَزِيدُ عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ لَكِنْ مَا زَالُوا يَرَوْنَ لَهُ تَمْيِيزًا عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ فِيمَا لَوْ طَلَبَ جَمْعٌ بِيَدِهِمْ أَرْضٌ مِنْ قَاضٍ قِسْمَتَهَا بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهَا مِلْكُهُمْ لَا يُجِيبُهُمْ قَالَ شَيْخُنَا الْبُلْقِينِيُّ تَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالْمُوجَبِ بِمُجَرَّدِ اعْتِرَافِهِمَا بِالْبَيْعِ لَا بِمُجَرَّدِ قِيَامِ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِمَا بِمَا صَدَرَ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي قِيلَ هُنَا يَأْتِي هُنَاكَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُونَ مَالِكِينَ فَيَكُونُ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّمَا هُوَ فِي تَصَرُّفٍ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَرُفِعَ إلَيْهِ فَقَدْ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ وَقَدْ يَحْكُمُ بِمُوجَبِهِ وَالِاصْطِلَاحُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ عِنْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَالثَّانِي يَكُونُ عِنْدَ إهْمَالِ الْبَيِّنَةِ ذَلِكَ فَأَمَّا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِوُقُوعِهِ عَلَى خِلَافِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةٍ وَلَا مُوجَبٍ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَمْ يَتَصَرَّفْ الْحَاكِمُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بَلْ الْغَيْرُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ وَالصَّادِرُ مِنْ الْحَاكِمِ حُكْمٌ عَلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِ الْحَاكِمِ مِنْ الْقِسْمَةِ هُنَا امْتِنَاعُهُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ لَا يُجِيبُهُمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إجَابَتُهُمْ بَلْ يَجُوزُ لَهُ اهـ وَمَا نَظَرَ بِهِ فِي كَلَامِ شَيْخِهِ وَاضِحٌ فَالْوَجْهُ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِرَافِ وَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ الْمَذْكُورَيْنِ وَمَا أَوْرَدَهُ أَوَّلًا عَلَى الْحُكَّامِ وَاضِحٌ أَيْضًا فَالصَّوَابُ كَمَا يَأْتِي أَنَّ لِلْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ تَمَيُّزَاتٍ عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فَأَمَّا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِوُقُوعِهِ عَلَى خِلَافِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِصِحَّةٍ وَلَا بِمُوجَبٍ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِ مَا ابْتَدَعَهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ تِلْكَ الصِّيغَةِ مِنْ الصِّحَّةِ أَوْ الْفَسَادِ وَعَجِيبٌ كَيْفَ سَاغَ لَهُ ابْتِدَاعُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَعَ أَنَّ كِتَابَ الْوَلِيِّ الْمَذْكُورَ عِنْدَهُ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِهَذَا وَبِمَا يَأْتِي وَكَأَنَّهُ بَادَرَ لِكِتَابَةِ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ النَّظَرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْمُوجَبِ وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ فَسَادُ الصِّيغَةِ أَوْ انْتِفَاءُ الشُّرُوطِ فِي الْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ زَلَّةٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ مِنْهَا لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ كَلَامَهُمْ صَرِيحٌ فِي إبْطَالِهَا وَتَزْيِيفِهَا قَالَ الْوَلِيُّ وَجَدْتُ لِشَيْخِنَا فُرُوقًا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ أَبْدَاهَا الْأَوَّلُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَنْصَبُّ إلَى إنْفَاذِ ذَلِكَ الصَّادِرِ مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ وَوَقْفٍ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَنْصَبُّ إلَى أَثَرِ ذَلِكَ الصَّادِرِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إذَا انْصَبَّ إلَى مَا ذَكَرَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إنْفَاذُ آثَارِهِ وَكَيْفَ يَنْفُذُ وَلَا تَنْفُذُ آثَارُهُ لَا سِيَّمَا وَالصِّحَّةُ عِنْدَ جَمْعٍ أَصُولِيِّينَ اسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ أَيْ كَوْنُ الشَّيْءِ تَتْبَعُهُ غَايَتُهُ وَيَتَرَتَّبُ وُجُودُهَا عَلَى وُجُودِهِ فَالْحُكْمُ بِهَا حُكْمٌ بِتَرَتُّبِ آثَارِهَا عَلَيْهَا وَكَيْفَ يُقَالُ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إنَّهُ يَنْصَبُّ لِلْآثَارِ خَاصَّةً وَكَيْفَ يَثْبُتُ بِدُونِ ثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ لَهَا فَالْحُكْمُ بِثُبُوتِهَا مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ بِلَا شَكٍّ فَلَوْلَا صِحَّةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ لَمَا حَكَمَ الْقَاضِي بِتَرَتُّبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ فَالصَّوَابُ تَضَمُّنُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا لَمَا تَرَتَّبَتْ الْآثَارُ فَالصِّحَّةُ هِيَ الْحُكْمُ الْجَامِعُ لِجَمِيعِ الْآثَارِ وَحِينَئِذٍ فَظَهَرَ اسْتِوَاءُ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِمُوجَبِ مَا صَحَّ دُونَ مَا فَسَدَ وَلَا يَصِحُّ الشَّيْءُ وَتَتَخَلَّفُ آثَارُهُ عَنْهُ فَإِذَا حَكَمَ بِالصِّحَّةِ فَقَدْ حَكَمَ بِتَرَتُّبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا لِلْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ عَامٍّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ آثَارِهَا فَإِنَّ مُوجَبَ الشَّيْءِ هُوَ مُقْتَضَاهُ وَهُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلَّ مُوجَبٍ بِخِلَافِ لَفْظِ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ بِالتَّضَمُّنِ لَا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ أَعْلَى وَهُوَ بِخِلَافِ الِاصْطِلَاحِ وَكَأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إنَّمَا عَلَتْ مَرْتَبَتُهُ عِنْدَهُمْ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْ وُجُودِ الشُّرُوطِ لَكِنْ هَذَا يَرْجِعُ إلَى الِاصْطِلَاحِ فِيمَا أَظُنُّ وَلَا يَظْهَرُ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ مَعْنًى مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِنْ حَاكِمٍ حُكْمٌ إلَّا بِحُجَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ إمَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِمَّا عِلْمٍ وَإِمَّا إقْرَارِ الْخَصْمِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْيَدِ وَإِمَّا الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَإِنَّمَا
стр. 483
نَازَعْتُ شَيْخَنَا فِي اسْتِنْبَاطِ هَذَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْقِسْمَةِ لَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ فَإِنِّي مُوَافِقٌ عَلَيْهِ فَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ فَحَكَمَ بِالصِّحَّةِ فَقَدْ حَكَمَ بِتَرَتُّبِ غَايَتِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَيْهَا لَا بِعُمُومٍ وَلَا بِخُصُوصٍ.
وَإِنْ حَكَمَ بِالْمُوجَبِ فَقَدْ أَتَى بِصِيغَةٍ شَامِلَةٍ لِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ فَإِنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ فِي تَنَاوُلِهَا لِكُلِّ فَرْدٍ فَرُدَّ كُلِّيَّةً فَكَأَنَّهُ نَصَّ بِذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ آثَارِهِ فَإِنْ قُلْتَ فَهَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ جَمِيعُ آثَارِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا قُلْتُ أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَلَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى حُكْمٍ وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَمَا كَانَ مِنْهَا قَدْ جَاءَ وَقْتَ الْحُكْمِ فِيهِ نَفَذَ وَمَا لَمْ يَجِئْ فِيهِ وَقْتَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْفُذْ مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يَحْكُمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ تَدْبِيرٍ فَمِنْ مُوجَبِهِ عِنْدَهُ مَنْعُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فَقَدْ حَكَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لِلسَّيِّدِ مِنْهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ شَافِعِيٌّ فِيهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ لَوْ وَقَعَ فَإِنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا بِقَضِيَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يُعَلِّقَ شَخْصٌ طَلَاقَ أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى تَزْوِيجِهِ بِهَا فَيَحْكُمُ مَالِكِيٌّ أَوْ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِهِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا فَبَادَرَ شَافِعِيٌّ وَحَكَمَ بِاسْتِمْرَارِ الْعِصْمَةِ نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَوْ تَزَوَّجَهَا لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَقَعْ إلَى الْآنَ فَكَيْفَ يَحْكُمُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ.
وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُتَحَقِّقٍ فَمَا هَذَا مِنْهُ إلَّا فَتْوَى وَتَسْمِيَتُهُ حُكْمًا جَهْلٌ أَوْ تَجَوُّزٌ يَعْنِي بِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ عِنْدَهُ أَنَّهُ نَبَّهَ وَأَلْزَمَ بِهِ وَكَيْفَ يُلْزِمُ بِمَا لَمْ يَقَعْ وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِصِيغَةِ عُمُومٍ وَهُوَ الْمُوجَبُ بَلْ حَكَمَ بِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْخَاصَّةِ فَقَالَ حَكَمْتُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَعُدَّ سَفَهًا وَجَهْلًا وَكَيْفَ يَحْكُمُ بِشَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَبَيْعِ هَذَا أَوْ نِكَاحِ هَذِهِ لَوْ وَقَعَ بِشَرْطِهِ بِخِلَافِ مَا مَرَّ عَنْ الْحَنَفِيِّ فِي الْمُدَبَّرِ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حَسَنٌ وَقَعَ بِسَبَبِ عَدَمِ تَدَبُّرِهِ خَبْطٌ فِي الْأَحْكَامِ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ تَوْجِيهَ الْحُكْمِ إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِهَا مُحَالٌ وَالْحُكْمُ بِمَنْعِ التَّزْوِيجِ بِهَا أَفْسَدُ مِنْهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ بِلَا تَوَقُّفٍ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْوُقُوعِ بَعْدَهُ وَلَا يُدْرَى هَلْ يَقَعُ نِكَاحٌ أَوْ لَا فَلَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الْحُكْمِ إلَى مَنْعِ النِّكَاحِ وَلَا إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي عِصْمَةٍ لَا يُدْرَى هَلْ تَقَعُ فِي الْوُجُودِ وَالْوَاقِعِ قَبْلَ النِّكَاحِ التَّعْلِيقُ وَهُوَ غَيْرُ مُوقَعٍ فِي الْحَالِ فَكَيْفَ يَحْكُمُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَعْ وَقِسْ عَلَى هَذَيْنِ بَقِيَّةَ الْأَمْثِلَةِ فَقَدْ عَرَفْتَ الْفَرْقَ الَّذِي أَوْجَبَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا اهـ.
وَالْفَرْقُ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ هُوَ عَيْنُ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ السَّابِقِ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَمُرَادُهُمَا أَعْنِي السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيَّ بِهَذَا الْفَرْقِ الَّذِي قَالَاهُ مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ بِقَوْلِهِ وَالتَّحْقِيقُ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَالصَّوَابُ تَضَمُّنُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إلَخْ هُوَ عَيْنُ قَوْلِ السُّبْكِيّ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى إلَخْ وَمَا ذَكَرَهُ فِي صُورَةِ التَّدْبِيرِ مَرَّ بِعَيْنِهِ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ مُوجَبَ الشَّيْءِ هُوَ مُقْتَضَاهُ تَبِعَ فِيهِ بَعْضَهُمْ وَقَدْ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّ الْمُوجَبَ أَعَمُّ ثُمَّ رَأَيْتُهُ تَعَقَّبَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي حِكَايَتُهُ عَنْهُ ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَ الْوَلِيِّ هَذَا الْمَأْخُوذَ أَكْثَرُهُ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ كَمَا أَشَرْتُ لَكَ إلَى ذَلِكَ وَجَدْتَهُ صَرِيحًا فِي بُطْلَانِ مَا مَرَّ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي سِيَّمَا قَوْلُهُ فَلَوْلَا صِحَّةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ لَمَا حَكَمَ الْقَاضِي بِتَرَتُّبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ فَالصَّوَابُ تَضَمُّنُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا لَمَا تَرَتَّبَتْ الْآثَارُ إلَخْ فَانْظُرْ ذَلِكَ وَتَعَجَّبْ مِمَّنْ يُخَالِفُ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ إيثَارًا لِهَوَاهُ وَحَظِّهِ.
قَالَ الْوَلِيُّ الْفَرْقُ الثَّانِي بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَالْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَخْتَصُّ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ حُكْمِ حَاكِمٍ بِصِحَّتِهِ أَوْ بُطْلَانِهِ فَأَرَادَ أَحَدُ وَرَثَتِهِ بَيْعَهُ فَمَنَعَهُ حَنَفِيٌّ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ بَلْ لَوْ أَرَادَ وَارِثٌ آخَرُ بَيْعَ حِصَّتِهِ امْتَنَعَ وَكَيْفَ يَسُوغ لَهُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِهِ وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ بِالْمُوجَبِ شَافِعِيًّا جَازَ لِلْوَارِثِ الثَّانِي الْبَيْعُ وَلَمْ يَجُزْ لِلْحَنَفِيِّ مَنْعُهُ مَعَ حُكْمِ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ اهـ وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ هُوَ عَيْنُ الْفَرْقِ الثَّانِي السَّابِقِ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ وَيُجَابُ عَنْ نَظَرِهِ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ لِأَحَدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّ فِيهِ إلْزَامًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ
стр. 484
دُونَ غَيْرِهِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ تَعْرِيفِهِمَا السَّابِقَيْنِ عَنْ السُّبْكِيّ وَقَدْ بَسَطَ السُّبْكِيّ الْكَلَامَ عَلَى الْفَرْقِ الثَّالِثِ السَّابِقِ عَنْهُ بِمَا يُعْلَمُ مِنْهُ جَوَابٌ آخَرُ فَرَاجِعْهُ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ عَنْ شَيْخِهِ.
الْفَرْقُ الثَّالِثُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الشُّرُوطِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَا يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَهَا دَائِمًا وَمُقْتَضَاهُ صُدُورُ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَنْ الْمَصْدَرِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ عَنْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَدَّمْتُ عَنْ شَيْخِنَا الْمَذْكُورِ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ مَسْأَلَةِ امْتِنَاعِ الْقَاضِي مِنْ الْقِسْمَةِ فِيمَا إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ مِلْكُ طَالِبِيهَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَقَعُ بِصِحَّةٍ وَلَا بِمُوجَبٍ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ النَّاسُ الْآنَ وَفِيهِ مَا قَدَّمْتُهُ ثُمَّ إنَّ فِي تَعْبِيرِ الشَّيْخِ عَنْ هَذَا الْفَرْقِ نَظَرًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَبِّرَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ الْمُتَعَاطِيَ لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ اسْتَوْفَى الْمَشْرُوطَ فِيهِ فَإِذَا وَقَعَ لِلْقَاضِي بَيْعٌ لَا يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يُثْبِتَ شُرُوطَ الْبَيْعِ مِنْ كَوْنِ الْمَبِيعِ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسَلُّمِهِ مَمْلُوكًا لِلْعَاقِدَيْنِ أَوْ لِمَنْ وَقَعَ لَهُ الْعَقْدُ مَعْلُومًا بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَكُونُ حُكْمُ الْقَاضِي بِثُبُوتِ جَمِيعِ الْآثَارِ ثَابِتًا إذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْعَاقِدَ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ وَمَنْفِيًّا فِيمَا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ اهـ.
وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ هُوَ عَيْنُ الْفَرْقِ الثَّالِثِ السَّابِقِ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَتَنْظِيرُهُ فِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ بِمَا وَضَّحَهُ فَتَأَمَّلْهُ سِيَّمَا قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ إلَخْ وَقَوْلُ الْوَلِيِّ مِنْ كَوْنِ الْمَبِيعِ ظَاهِرًا إلَخْ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ مَا قَدْ يُنَافِيهِ فَإِنَّهُ قَيَّدَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ الشُّرُوطَ بِالْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا ثُمَّ قَالَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ الشُّرُوطِ لَا يُعْتَبَرُ ثُبُوتُهَا فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ الْمُوجَبِ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا فِي الْمَبِيعِ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَخْ وَقَدْ يُجَابُ بِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ لِأَنَّ كَلَامَ الْوَلِيِّ فِي إثْبَاتِ نَحْوِ الْقُدْرَةِ وَكَلَامَ السُّبْكِيّ فِي إثْبَاتِ انْتِفَاءِ مُنَافِيهَا فَإِثْبَاتُ مُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ شَرْطٌ دُون إثْبَاتِ انْتِفَاءِ مُنَافِيهَا وَحَاصِلُ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ثُبُوتِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَهْلِيَّةِ الْعَاقِدَيْنِ وَوُجُودِ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُ وَالْمِلْكِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ يَكْفِي فِيهِ ثُبُوتُ الْأَوَّلَيْنِ ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ وَقَدَّمْتُهُ فِي الْجَوَابِ الْمُخْتَصَرِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
وَبِالثَّالِثِ صَرَّحَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فَقَالَ يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ مِلْكِ الْمُتَصَرِّفِ وَحِيَازَتِهِ تَحْتَ يَدِهِ حَالَ الْعَقْدِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَمَّا الْإِقْرَارُ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إلَّا عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ فَقَطْ لِلْمُقِرِّ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ يُنَافِي الْإِقْرَارَ وَيُبْطِلُهُ فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ثُبُوتِ يَدِ الْمُقِرِّ حَالَةَ الْإِقْرَارِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمَقَرِّ لَهُ جَازَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَبِالْمِلْكِ لِلْمَقَرِّ لَهُ وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ لِزَيْدٍ جَازَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَكْفِي لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ ثُبُوتُ الْحِيَازَةِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَكِنْ بِشَرْطِهَا أَيْ الْحِيَازَةِ وَهِيَ مُشَاهَدَةُ التَّصَرُّفِ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ وَبِمَا قَرَّرْته أَوَّلًا يُجَابُ عَنْ قَوْلِ الْوَلِيِّ وَلَيْتَ شِعْرِي إلَخْ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إنَّمَا اُشْتُرِطَتْ فِيهِ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ الصِّحَّةَ الْمُتَوَقِّفَةَ عَلَيْهَا هِيَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فَاحْتِيجَ فِيهَا لِإِثْبَاتِ شُرُوطِهَا بِخِلَافِهَا فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِالتَّضَمُّنِ كَمَا مَرَّ فَاحْتِيجَ فِيهِ إلَى إثْبَاتِ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ دُونَ الثَّالِثِ لِمَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى إلْزَامِ نَحْوِ الْبَائِعِ بِمُوجَبِ مَا صَدَرَ عَنْهُ لَا إلَى إثْبَاتِ أَنَّهُ مِلْكُهُ إلَى حِينِ نَحْوِ الْبَيْعِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَبِهِ تَزُولُ الِاسْتِحَالَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْوَلِيُّ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْوَلِيَّ وَالْبُلْقِينِيَّ وَالسُّبْكِيَّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الْحُكْمَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّالِثِ فَالْأَوَّلُ يَشْتَرِطُهُ وَالْأَخِيرَانِ لَا يَشْتَرِطَانِهِ وَبِهَذَا يَزِيدُ لَكَ اتِّضَاحُ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ بُطْلَانِ مَا ابْتَدَعَهُ عَنْهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَقَدْ زَادَ التَّعَجُّبُ مِنْهُ فِي عَدَمِ مُرَاجَعَتِهِ لِكِتَابِ الْوَلِيِّ مَعَ كَوْنِهِ عِنْدَهُ وَلِكَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَالسُّبْكِيِّ بَلْ وَلِكَلَامِ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَوْ مَنْ هُوَ فِي رُتْبَةِ مَشَايِخِهِ حَيْثُ قَالَ لِلْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ شَرْطَانِ:
الْأَوَّلُ ثُبُوتُ وُجُودِ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُ
стр. 485
وَمَعْنَاهُ إنْ كَانَ مَالِكًا فَتَصَرُّفُهُ هَذَا صَحِيحٌ فَكَأَنَّهُ حَكَمَ بِصِحَّةِ تِلْكَ الصِّيغَةِ الصَّادِرَةَ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَهُوَ نَافِعٌ فِي الصُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا اهـ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ شَيْخِنَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا ثُبُوتُ أَهْلِيَّةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِشُهْرَتِهِمَا أَوْ بِالْبَيِّنَةِ وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِهَا قَبُولُ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ جَائِزُ التَّصَرُّفِ ثَانِيهَا وُجُودُ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ ثَالِثُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ حَالَةَ الْعَقْدِ نَعَمْ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ بَلْ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ خَاصَّةً لِلْمُقِرِّ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ يُنَافِي الْإِقْرَارَ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَلَهُ شَرْطَانِ ثُبُوتُ الْأَهْلِيَّةِ وَوُجُودُ الصِّيغَةِ فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَخَصُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَكُلُّ مَا جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِالصِّحَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِالْمُوجَبِ وَلَا عَكْسَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ بِيَدِ غَيْرِهِ لِزَيْدٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ فَقَوْلُ السُّبْكِيّ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ إلَّا أَنَّهُ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْبَيِّنَةُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَصَحِيحٌ أَوْ فَاسِدًا فَفَاسِدٌ اهـ فَمَعْنَى قَوْلِهِ إنْ كَانَ صَحِيحًا إلَخْ أَنَّهُ إنْ بَانَ وُجُودُ الشَّرْطِ الثَّالِثِ الْمُشْتَرَطِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ صَحِيحٌ بَلْ وَأَقْوَى مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الشَّرْطُ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَاسِدٌ إذْ لَا يُمْكِنُ تَرَتُّبُ الْآثَارِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ دُونَ الْمِلْكِ لِمَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ إلْزَام الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا لَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ إلْزَامُهُ بِهِ وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ إلْزَامُهُ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ الْإِلْزَامُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ وَلَقَدْ صَرَّحَ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ وَنَاهِيكَ بِهِ مِنْ أَجِلَّاءِ الْأَصْحَابِ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ بِمَا قَالَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تِلْكَ الصِّيغَةِ حَيْثُ قَالَ لَوْ أَقَرَّ شَخْصٌ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي بِحَقٍّ فَقَالَ لَهُ أَلْزَمْتُكَ بِمُوجَبِ إقْرَارِكَ قِيلَ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاجِبٌ قَبْلَ إقْرَارِهِ وَقِيلَ بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِي صِحَّتِهِ فَإِذَا أَلْزَمَهُ بِهِ كَانَ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى إقْرَارِهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ بَعْدَ الْإِلْزَامِ اهـ. وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْإِلْزَامِ فَلَوْ أُلْزِمَ بَعْد غَيْبَةِ الْمُقِرِّ كَانَ كَالْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ اهـ.
وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ التَّعْلِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَكِنْ غَالِبًا وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إلَخْ دَالٌّ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ صَرِيحَةٌ فِيمَا قُلْنَا فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فِي عِلَّةِ الْأَوَّلِ قُلْتُ عِلَّةُ الْأَوَّلِ صَحِيحَةٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّهَا لَا يَنْتُجُ مِنْهَا عَدَمُ الْفَائِدَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الْقَائِلُ الْأَوَّلُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ لَهَا فَائِدَةً أَيَّ فَائِدَةٍ وَلَوْلَا الِاتِّفَاقُ عَلَى تِلْكَ الْفَائِدَةِ لَمْ يَقُلْ بِهَا الثَّانِي وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خِلَافِ الْغَالِبِ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّوَهُّمَ مَدْفُوعٌ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْغَالِبِ بِأَنْ يُحْتَجَّ بِهِ حَتَّى يُعْلَمَ خُرُوجُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ الْغَالِبِ وَأَمَّا تَنْظِيرُ شَيْخِنَا فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ الْمَذْكُورِ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ بَلْ الْحُكْمُ حُكْمٌ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْبَيِّنَةُ فِيهِ إلَخْ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ مَا يُصَرِّحُ بِهِ فَالسُّبْكِيُّ لَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ عَلَى فَرْضِ وُجُودِ شَرْطِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي الْبَاطِنِ وَإِلَّا فَالسُّبْكِيُّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ وَبِالْمُوجَبِ الْأَوَّلَانِ مِنْهَا فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ بِالِاسْتِلْزَامِ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْتُهُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمَا قَرَّرْته مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا يُحْتَمَلُ عَلَى فَرْضِ صِدْقِ الْبَيِّنَةِ وَالْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَحْتَمِلُهُ وَإِنْ فُرِضَ صِدْقُ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَهَادَتُهَا بِالْمِلْكِ فَعَلَى فَرْضِ صِدْقِهَا يُحْتَمَلُ انْتِفَاءُ الْمِلْكِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فَاسِدًا وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا دَلَالَةَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي فِي كَلَامِ شَيْخِنَا هَذَا لِمَا صَرَّحَ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يُشْتَرَط فِيهِ الشَّرْطَانِ السَّابِقَانِ وَمِنْ جُمْلَتِهِمَا وُجُودُ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنْ قُلْتَ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمُعْتَبَرَةِ قُلْتُ
стр. 486
أَلْ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّكْرَى لِسَبْقِ لَفْظِهَا مُقَيَّدًا بِالْمُعْتَبَرَةِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِلتَّقْيِيدِ بِهِ فِي هَذِهِ لِعِلْمِهِ مِنْ أَلْ الْعَهْدِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِهِ لِلرَّوْضِ فَقَالَ مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الْمِلْكُ صَحَّ فَكَأَنَّهُ حُكْمٌ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ اهـ فَتَأَمَّلْ عِبَارَتَهُ هَذِهِ تَجِدْهَا صَرِيحَةً فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْتُهُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ غَيْرُ الشَّيْخِ أَيْضًا مِنْ السُّبْكِيّ وَجَمْعٍ آخَرِينَ فَقَالُوا شَرْطُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وُجُودُ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِلْزَامُ بِتَرَتُّبِ الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ لِذَلِكَ الْعَقْدِ إلَّا إنْ صَحَّتْ صِيغَتُهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَعْلَمْ فَسَادَ أَخْذِ ذَلِكَ الْمُفْتِي مَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ السَّابِقَةِ عَنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ.
فَإِنَّ الْعِبَارَاتِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ جَمِيعَهَا قَدْ تُلِيَتْ عَلَيْكَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ لَهُ كَلَامٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُهُ وَمَا سَأَذْكُرُهُ وَكُلُّهُ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى ذَلِكَ الْمُفْتِي وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ مُرَادِفٌ لِلثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ وَهُوَ خَرْقٌ لِإِجْمَاعِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَوَجْهُ اسْتِلْزَامِهِ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ صِحَّةُ الصِّيغَةِ كَانَ هُوَ عَيْنَ الثُّبُوتِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي مَبْحَثِ الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ أَوَائِلَ هَذَا الْبَابِ.
قَالَ الْوَلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْفَرْقُ الرَّابِعُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الصَّادِرُ صَحِيحًا بِاتِّفَاقٍ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي مُوجَبِهِ فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالصِّحَّةِ وَلَوْ حَكَمَ فِيهِ بِالْمُوجَبِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالْمُوجَبِ وَلَا بَأْسَ بِهَذَا الْفَرْقِ لَكِنَّ إطْلَاقَهُ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالْمُوجَبِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ جَاءَ وَقْتَ الْحُكْمِ بِمُوجَبِهِ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجَبُهُ عِنْد الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ اهـ وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ عَيْنُ قَوْلِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ فَإِنْ صَحَّ الصَّادِرُ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ فِي مُوجَبِهِ لَمْ يَمْنَعْ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِيهِ الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِهَا مِثَالُهُ التَّدْبِيرُ إلَخْ.
قَالَ الْوَلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْفَرْقُ الْخَامِسُ أَنَّ كُلَّ دَعْوَى كَانَ فِيهَا إلْزَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ كَانَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ بِالْإِلْزَامِ وَهُوَ الْمُوجَبُ وَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ وَجْهَا صِحَّةٍ وَإِبْطَالٍ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ قُلْتُ لَمْ يَظْهَرْ لِي هَذَا الْفَرْقُ فَإِنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَى إنْسَانٍ بِمِائَةٍ فَأَقَرَّ بِهَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ ثَبَتَ إقْرَارُهُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُسْمَعْ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ بَلْ بِمُوجَبِهِ وَلَا يَظْهَرُ لِهَذَا مَعْنًى فَتَأَمَّلْ وَقَدْ رَجَعَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ اهـ وَهَذَا الْفَرْقُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ عَنْهُ فِي فَرْقِهِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَقَوْلِ الْوَلِيِّ لَا يَظْهَرُ لِهَذَا مَعْنًى إنْ أَرَادَ أَنَّ مَنْعَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ لَا إلْزَامَ فِيهِ وَالْقَصْدُ إيجَادُ حُكْمٍ فِيهِ إلْزَامٌ فَالْمُرَادُ بِمَنْعِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ هُنَا مَنْعُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمُقَرَّ لَهُ لَا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى فِي الْفَرْقِ فَقَدْ عَلِمْتَ ظُهُورَ مَعْنَاهُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمُقَرَّ لَهُ بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهُ يُفِيدُهُ وَقَوْلُهُ وَقَدْ رَجَعَ إلَى مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ ظَاهِرٌ وَقَدْ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَالْوَلِيِّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَأَنَّ مَا مَرَّ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي مُخْتَرَعٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ يُعَضِّدُهُ وَلَا مُسْتَنَدَ يُؤَيِّدُهُ.
قَالَ الْوَلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْفَرْقُ السَّادِسُ أَنَّ تَنْفِيذَ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ يَكُونُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ الْمُوَافِقِ وَكَذَا عِنْدَ الْمُخَالِفِ الَّذِي يُجِيزُ التَّنْفِيذَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَيَكُونُ بِالْمُوجَبِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِلْزَامُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَقَوْلُ الْقَاضِي حَكَمْتُ بِحُكْمِ فُلَانٍ مُسَاوٍ لِقَوْلِهِ حَكَمْتُ بِمُوجَبِ حُكْمِ فُلَانٍ إذَا أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ الْإِلْزَامُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِلْزَامُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَحْكُومِ فِيهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الْمُوَافِقِ دُونَ الْمُخَالِفِ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمُخَالِفِ قُلْتُ لَمْ يَتَحَرَّرْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فَرْقٌ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ الْإِلْزَامُ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ اسْتَوَى الْحُكْمَانِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِلْزَامُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ
стр. 487
حُكْمِ الْمُخَالِفِ امْتَنَعَ ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ فَإِنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَرَاهُ وَلَيْسَ هَذَا تَنْفِيذًا بَلْ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ بِمَا لَمْ يَرَهُ الْحَاكِمُ بِهِ اهـ وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ عَيْنُ قَوْلِ السُّبْكِيّ فِيمَا مَرَّ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَكُونُ بِالصِّحَّةِ إلَخْ إلَّا أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ زَادَ عَلَيْهِ بِتَفْصِيلٍ أَوْجَبَ لِلْوَلِيِّ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ حَكَيَا عَنْ ابْنِ كَجٍّ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ إذَا كُتِبَ إلَى حَاكِمٍ بِحُكْمٍ لَا يَنْقُضُ وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ بَلْ رَأَى غَيْرَهُ أَصْوَبَ مِنْهُ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَا يُنْفِذُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَطَأً ثُمَّ حَكَيَا عَنْ السَّرَخْسِيِّ تَصْحِيحَ التَّنْفِيذِ قَالَا وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ تَغَيُّرًا لَا يَقْتَضِي النَّقْضَ وَتَرَافَعَ خُصَمَاءُ الْحَادِثَةِ إلَيْهِ فِيهَا فَإِنَّهُ يُمْضِي حُكْمَهُ الْأَوَّلَ وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ وَجَزَمَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ بِالْأَوَّلِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ فِي الثَّانِي وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فَإِنَّهُ تَرْجِيحٌ لَهُ قَالَ الْوَلِيُّ وَذَكَر شَيْخُنَا أَنَّ الْحُكْمَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِي نَحْوِ حُكْمٍ حَنَفِيٍّ بِصِحَّةِ أَوْ مُوجَبِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ شُفْعَةِ جِوَارٍ أَوْ وَقْفٍ عَلَى نَفْسٍ فَلَيْسَ لِشَافِعِيٍّ نَقْضُهُ كَعَكْسِهِ فِي إجَارَةِ جُزْءٍ شَائِعٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي مَسَائِلَ بَعْضُهَا الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ أَقْوَى كَحُكْمٍ شَافِعِيٍّ بِوَكَالَةٍ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ فَلِلْحَنَفِيِّ إبْطَالُ حُكْمِهِ بِمُوجَبِهَا لَا بِصِحَّتِهَا لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمُخَاصَمَةُ صَحَّتْ أَوْ فَسَدَتْ لِأَجْلِ الْإِذْنِ.
فَالْحُكْمُ بِهِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَسَاغَ لِلْحَنَفِيِّ إبْطَالُهُ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَرَّدَ حُكْمَهُ لِلْأَثَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِصِحَّةِ الْمَلْزُومِ وَلَا لِعَدَمِهَا وَالْحَنَفِيُّ يَقُولُ بِبُطْلَانِهَا فَلَمْ يُوقِعْ الشَّافِعِيُّ حُكْمًا فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ هَذَا كَلَامُ شَيْخِنَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْآثَارِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُؤَثِّرِ فَلَوْلَا صِحَّةُ عَقْدِ الْوَكَالَةِ لِمَا حُكِمَ بِتَرَتُّبِ آثَارِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ الْأَخِيرِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ فَإِنْ قُلْتَ الْوَكَالَةُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرٌ وَهُوَ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ بِعُمُومِ الْإِذْنِ وَإِنْ فَسَدَتْ قُلْتُ مِنْ جُمْلَةِ مُوجَبِهَا وَمُقْتَضَاهَا صِحَّتُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْخَصْمُ فَقَدْ تَنَاوَلَهُ حُكْمُهُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَرَّدَ حُكْمَهُ لِلَّازِمِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِحَّةِ الْمَلْزُومِ وَلَا لِبُطْلَانِهِ بَلْ قَدْ تَعَرَّضَ لَهَا ضِمْنًا كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ صَرِيحًا كَمَا اعْتَقَدَهُ لِأَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجَبِ قَدْ خَلَتْ فِي حُكْمِهِ بِالْمُوجَبِ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الْمَوَاجِبِ وَلَوْ كَانَ التَّوْكِيلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَاسِدًا كَالْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ لَمْ يَسُغْ لَهُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْوَكَالَةِ اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ التَّصَرُّفِ لِعُمُومِ الْإِذْنِ.
لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجَبِ الصِّحَّةُ وَالْوَكَالَةُ الْمَذْكُورَةُ بَاطِلَةٌ فَلَمْ يَثْبُتْ جَمِيعُ مُوجَبِهَا فَإِذَا حَكَمَ فَلْيُوَجِّهْ حُكْمَهُ إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْآثَارِ وَهُوَ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ وَلَا يَأْتِي بِصِيغَةٍ تَعُمُّ جَمِيعَ الْمَوَاجِبِ لِفَسَادِ ذَلِكَ اهـ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ كَلَامَ شَيْخِهِ فِي صُورَةِ الْوَكَالَةِ مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى لِوُجُودِ الْإِلْزَامِ فِيهِ وَتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إمَّا عَامًّا إلَخْ لَا يُقَالُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ قَوْلُ السُّبْكِيّ السَّابِقُ وَلَوْ حَكَمَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ تَدْبِيرِهِ بِمُوجَبِ حَجْرِ الصَّبِيِّ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تَدْبِيرٍ لِأَنَّا نَقُولُ حُكْمُهُ بِمُوجَبِ الْحَجْرِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلتَّدْبِيرِ لِأَنَّهُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ فَلَمْ يَسْتَلْزِمْ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تَدْبِيرِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فَلَيْسَتْ صِحَّةُ التَّدْبِيرِ مِنْ مُوجَبِ الْحَجْرِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْبُلْقِينِيُّ الْمَذْكُورَةِ وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا قَالَهُ الْوَلِيُّ فِيهَا الْمُوَافِقَ لِمَا قَدَّمْتُهُ عَنْ السُّبْكِيّ وَلِقَوْلِ الْبُلْقِينِيُّ إنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ زَادَ لَكَ إيضَاحُ فَسَادِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ السَّابِقَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي فِي تَفْسِيرِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَلَا تَظُنَّ أَنَّ كَلَامَ الْبُلْقِينِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُؤَيِّدُهُ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَرْدُودًا وَمُنَاقِضًا لِكَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ نَفْسِهِ فِي أَثَرٍ وَجَّهَ إلَيْهِ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ دُونَ الْمُؤَثِّرِ.
وَأَمَّا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَالْحَاكِمُ لَمْ يُوَجِّهْ حُكْمَهُ بِالْمُوجَبِ لِأَثَرٍ مِنْ آثَارِهَا إذْ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ لَيْسَ إلَّا فَسَادُ ذَلِكَ الْبَيْعِ أَوْ صِحَّتُهُ وَأَيْضًا فَالْمُوجَب ثُمَّ الَّذِي هُوَ الْإِلْزَامُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِصِحَّةِ مُخَاصِمَةِ الْوَكِيلِ لَهُ
стр. 488
يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ كَالصَّحِيحَةِ وَأَمَّا الْمُوجَبُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ الَّذِي هُوَ إلْزَامُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ فَعَلَى فَرْضِ أَنَّا نُوَافِقُ الْبُلْقِينِيُّ فِي صُورَةِ الْوَكَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ لَا شَاهِدَ فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي فِي صُورَتِنَا بَلْ مَا ذَكَرَهُ فِيهَا بِدْعٌ مِنْ الْقَوْلِ وَمَيْلٌ عَنْ جَادَّةِ الصَّوَابِ قَالَ الْوَلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَيْ وَهُوَ مَا الْحُكْمُ فِيهِ بِالْمُوجَبِ أَقْوَى كَحَنَفِيٍّ حَكَمَ بِمُوجَبِ تَدْبِيرِ بِمُوجَبِ شِرَاءِ دَارٍ لَهَا جَارٌ يَمْنَعُ الْحَنَفِيَّ مِنْ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ وَلَوْ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ عِنْدَهُمَا أَوْ بِمُوجَبِ إجَارَةٍ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْحَنَفِيَّ مِنْ الْحُكْمِ بِإِبْطَالِهَا بِالْمَوْتِ لِأَنَّ مِنْ مُوجَبِهَا الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ لِلْوَرَثَةِ بِخِلَافِ حُكْمِهِ بِالصِّحَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ هَذِهِ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ مَمْنُوعَةٌ وَفَارَقَتْ الصُّورَتَيْنِ قَبْلَهَا بِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا بِالْمُوجَبِ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ فَنَفَذَ لِأَنَّهُ مَنَعَ الْمُدَبَّرَ وَالْجَارِيَةَ مِنْ الْبَيْعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ وَجَّهَهُ إلَيْهِمَا صَرِيحًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِجَارَةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ إلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ وَقْتُهُ وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ وَلَوْ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِ فَقَالَ حَكَمْتُ بِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ كَانَ لَغْوًا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْحُكْمِ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِ أَجْنَبِيَّةٍ إذْ هُمَا مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ اهـ وَالصُّورَتَانِ الْأُولَيَانِ سَبَقَتَا فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَالثَّالِثَةُ الَّتِي زَادَهَا هِيَ الَّتِي تَوَجَّهَ عَلَيْهَا
اعْتِرَاضُ
تِلْمِيذِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِيهَا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا تَوَجَّهَ إلَى الِانْفِسَاخِ ضِمْنًا وَلَا صَرِيحًا وَإِنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى بَقَاءِ الْعَقْدِ وَاسْتِمْرَارِهِ وَهَذَا قَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ فَتَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَبِهِ فَارَقَتْ مَسْأَلَةَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ حَالَ حُكْمِهِ ثُمَّ بِالْمُوجَبِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ حَتَّى يَنْصَبَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَتْبِعَ مَنْعَ التَّزْوِيجِ.
وَهُنَا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ تَوَجَّهَ إلَى مَوْجُودٍ حَالَ الْحُكْمِ وَهُوَ الْبَقَاءُ وَالِاسْتِمْرَارُ فَصَحَّ الْحُكْمُ فِيهِ وَمِنْ لَازِمِهِ امْتِنَاعُ الْحَنَفِيِّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْفَسْخِ لِأَنَّهُ يُنَافِي حُكْمَ الشَّافِعِيِّ بِالْبَقَاءِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ يَزُولُ بِهِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْوَلِيُّ عَلَى شَيْخِهِ قَالَ الْوَلِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ أَنَّ ضَابِطَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ نُوزِعَ فِي الصِّحَّةِ وَلَمْ تَتَرَتَّبْ الْآثَارُ إلَّا بَعْدَهَا كَانَ الْحُكْمُ بِهَا رَافِعًا لِلْخِلَافِ مُسَاوِيًا لِلْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَوْ فِي الْآثَارِ وَاللَّوَازِمِ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ لَا بِالصِّحَّةِ فَيَكُونُ الْمُوجَبُ أَقْوَى فَإِنْ تَرَتَّبَتْ مَعَ فَسَادِهِ كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَقْوَى قُلْتُ مَحَلُّ ارْتِفَاعِ الْخِلَافِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ حَيْثُ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ وَوُجُودِ سَبَبِهِ وَمَرَّتْ أَمْثِلَةُ ذَلِكَ مُوَضَّحَةً وَبَقِيَ مِثَالٌ فِيهِ تَوَقُّفٌ وَهُوَ مَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ التَّغْيِيرَ وَحَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِهِ ثُمَّ غَيَّرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الشَّافِعِيِّ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ إذْنٍ شَرْعِيٍّ لَهُ فِيهِ وَأَنْ لَا يَمْتَنِعَ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إذْنِ الْحَنَفِيِّ لَهُ فِيهِ وُقُوعُهُ فَقَدْ لَا يَقَعُ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إذْ لَوْ وُجِّهَ حُكْمُهُ إلَيْهِ فَقَالَ حَكَمْتُ بِمُوجَبِ التَّغْيِيرِ أَوْ صِحَّتِهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ عَلَى الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ اهـ.
وَلَمْ يُرَجِّحْ مِنْ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ شَيْئًا وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ وَقْتِهِ بَلْ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ لِلْوَاقِفِ فِي التَّغْيِيرِ فَالْإِذْنُ وَقَعَ لَهُ فِي وَقْتِهِ فَلَوْ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ تَغْيِيرِهِ لَكَانَ فِيهِ رَفْعٌ لِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ الصَّحِيحِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَتَأَمَّلْ هَذَا الضَّابِطَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ قَوْلُهُ فَاسْتَوْلَى الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ إذَا كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ الصِّحَّةَ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِي رَدِّ مَا مَرَّ عَنْ الْمُفْتِي وَمِمَّا يُبْطِلُهُ وَيُسَفِّهُهُ قَوْلُ الْوَلِيِّ أَيْضًا وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَإِلَى آثَارِهِ تَضَمُّنًا وَأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ مُتَوَجِّهٌ إلَى آثَارِهِ صَرِيحًا وَإِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ تَضَمُّنًا فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ إلَّا عَلَى مَا بَحَثَهُ مِنْ تَوْجِيهِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجَمِيعِ آثَارِهِ صَرِيحًا فَإِنَّ الصِّحَّةَ مِنْ مُوجَبِهِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ أَقْوَى مُطْلَقًا لِسَعَتِهِ وَتَنَاوُلِهِ الصِّحَّةَ وَآثَارَهَا ثُمَّ وَجَدْتُ بَعْضَهُمْ قَالَ لَيْسَ الْمُوجَبُ وَالْمُقْتَضَى وَاحِدًا كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ لِأَنَّ
стр. 489
الْمُقْتَضَى لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَالْمُوجَبُ قَدْ يَنْفَكُّ فَقَضِيَّةُ الْبِيَعِ اللَّازِمِ انْتِقَالُ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَمُوجَبُهُ أَنْ يُرَدَّ بِالْعَيْبِ لَوْ وُجِدَ وَقَدْ لَا يُوجَدُ وَقَدْ يُرَدُّ بِهِ وَقَدْ لَا يُرَدُّ فَعَلَى هَذَا الْمُوجَبُ أَعَمُّ مِنْ الْمُقْتَضَى فَتُعَلِّقُ بِهَذَا الْكَلَامِ.
عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَمْ يُوجَدْ قُلْتُ لَا نُسَلِّمُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ بَلْ الْمُوجَبُ أَقْرَبُ إلَى عَدَمِ الِانْفِكَاكِ لِأَنَّ الْمُوجَبَ مَفْعُولُ أَوْجَبَ وَالْمُقْتَضَى مَفْعُولُ اقْتَضَى أَيْ طَلَبَ فَالْمُوجَبُ فِيهِ طَلَبٌ بِتَأْكِيدٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا فِيهِ تَأْكِيدٌ قَدْ يَنْفَكُّ وَمَا لَا تَأْكِيدَ فِيهِ لَا يَنْفَكُّ هَذَا مُقْتَضَى اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ، فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُوجَبِ يَنْفَكُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِهِ مَا لَمْ يُوجَدْ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إلَى مَا وَجَدَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ اهـ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَدْ مَرَّ لَكَ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ وَهُوَ وَإِنْ سَلِمَ فَالْأَخْذُ مِنْهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا وَجَدَ كَمَا مَرَّ وَاضِحًا مُبِينًا وَقَدْ لَخَّصْتُ لَك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَمْ تَجِدْهُ فِي كِتَابٍ فَاعْتَنِ بِتَحْرِيرِهِ وَتَحْقِيقِهِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ عَنْ سَمْعِكَ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَالْوَلِيِّ وَشَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا وَغَيْرِهِمَا مَا قَضَى عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي بِأَنَّهَا مِنْ السَّفْسَافِ الَّذِي لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا تُرْفَعَ لَهَا رَأْسٌ فَلَا تُؤَهَّلُ لِذَكَرِهَا وَرَدِّهَا لَكِنْ دَعَا إلَى ذَلِكَ مَا غَلَبَ عَلَى أُنَاسٍ مِنْ الْجَهْلِ وَالتَّعَصُّبِ فَعَدُوّهَا مِنْ مَحَاسِنِ ذَلِكَ الْمُفْتِي وَهُمْ مَعْذُورُونَ لِأَنَّهُمْ لَا إلْمَامَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْفِقْهِ وَإِلَّا لَعَدُّوهَا مِنْ مَسَاوِئِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ فِيهَا إلَى مُجَرَّدِ حَدْسِهِ وَهَوَسِهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ وَخَتَمَ لِي وَإِيَّاهُ بِالْحُسْنَى إنَّهُ بِكُلِّ خَيْرٍ كَفِيلٌ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْبَغَوِيّ لَوْ رُفِعَ لِحَاكِمٍ قَضِيَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وُجُوهٍ مِنْ الْفَسَادِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَتَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ لَا أَبَ لَهَا وَلَا جَدَّ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَادَّعَى عِنْدَهُ بِهَا مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْهَا الْمُقْتَضِيَيْنِ لِبُطْلَانِهَا عِنْدَنَا فَحُكِمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلِلشَّافِعِيِّ إبْطَالُهُ مِنْ الْوَجْهِ الْآخَرِ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ) اعْلَمْ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَمَ فِي مَسَائِلَ خَالَفَهُ عُمَرُ ﵄ فِيهَا وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ وَحَكَمَ عُمَرُ فِي الْمُشَرَّكَةِ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ ثُمَّ بِالْمُشَارَكَةِ وَقَالَ ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي وَقَضَى فِي الْجَدِّ قَضَايَا مُخْتَلِفَةً وَإِنَّمَا امْتَنَعَ النَّقْضُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ وَفِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا لَا يُطَاقُ وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الثَّانِي لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ قَطْعًا وَإِنَّمَا الظُّنُونُ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ وَحُكْمَ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ.
وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ مِنْ التَّوَقُّفِ عَلَى الرَّفْعِ مُنَازَعٌ فِيهِ إذَا خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ظَنِّيًّا وَاضِحَ الدَّلَالَةِ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَهُوَ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَوْ بِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ كَقِيَاسِ الضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ أَوْ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ فِي مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ فِي الْبَقِيَّةِ، وَفِي تَعْبِيرِهِمْ بِالنَّقْضِ مُسَامَحَةٌ إذْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ وَذَكَرَ الْأَئِمَّةُ لِبَعْضِ ذَلِكَ أَمْثِلَةً كَنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَالْعَرَايَا، وَالْقَوَدِ فِي الْمُثْقَلِ، وَكَقَتْلِ مُسْلِمٍ بِذِمِّيٍّ، وَصِحَّةِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَالْمُتْعَةِ، وَزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ بَعْد أَرْبَعِ سِنِينَ، وَالْعِدَّةِ، وَكَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بَعْدَ حَوْلَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْضِهَا؛ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى النَّقْضِ، وَفِيهِ تَحْرِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ، قَالَ الْقَرَافِيُّ وَيَنْقُضُ أَيْضًا مَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ، قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: أَوْ كَانَ حُكْمًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، قَالَ السُّبْكِيّ وَمَا خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ كَمُخَالِفِ النَّصِّ، وَمَا خَالَفَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ كَمُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ.
قَالَ وَأَمَّا مُجَرَّدُ التَّعَارُضِ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بَعْد الْحُكْمِ بِخِلَافِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي حُكِمَ فِيهَا فَلَا نَقْلَ فِيهِ وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِهِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ، لَكِنْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ مُخَالَفَةٌ فِي شَهَادَةٍ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ حَكَمَ بِهَا ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ دُونَ قِيمَةِ الْمِثْلِ وَقَدْ بَيَّنْتُ الرَّاجِحَ مِنْ
стр. 490
ذَلِكَ وَمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْفَتَاوَى وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَيْضًا أَنْ يَنْقُضَ جَمِيعَ أَحْكَامِ مَنْ قَبْلَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا كَذَا قَالُوهُ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ بِمَنْ لَمْ يُوَلِّهِ ذُو شَوْكَةٍ لِنُفُوذِ أَحْكَامِ مَنْ وَلَّاهُ وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ بَلْ وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي الْبَحْرِ قَالَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَلَوْ اُسْتُقْضِيَ مُقَلِّدٌ لِلضَّرُورَةِ فَحَكَمَ بِمَذْهَبِ غَيْرِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ أَيْ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
قِيلَ وَهَذَا إنَّمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ بَحْثًا لَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ اهـ وَيُرَدُّ بِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ بَحْثٌ لَهُ فَهُوَ بَحْثٌ ظَاهِرٌ وَكَفَى بِتَقْرِيرِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَهُ وَأَمَّا إطْلَاقُ الْأَنْوَارِ النَّقْضَ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ كَالْغَزَالِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلَّدِ اتِّبَاعُ مَنْ شَاءَ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ الْأَنْوَارَ شَارِحُهُ فَقَالَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إطْلَاقِ النَّقْضِ مَمْنُوعٌ اهـ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي قُضَاةِ زَمَانِنَا لِأَنَّ مُوَلِّيَهُمْ يَشْرِطُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ دُونَ غَيْرِهِ اهـ قُلْتُ إنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ التَّوْلِيَةِ وَلُزُومِ الشَّرْطِ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ شَرَطَ عَلَى النَّائِبِ أَنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ أَوْ اجْتِهَادَ مُقَلِّدِهِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ خَالَفَ كُلَّ شَرْطٍ حَنَفِيٍّ عَلَى شَافِعِيٍّ الْحُكْمُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ قَالَ فِي الْوَسِيطِ حُكْمٌ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَّفِقَةِ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَهَذَا حُكْمٌ مِنْهُ بِصِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ وَرِعَايَةِ الشَّرْطِ لَكِنَّ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبَ الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ وَغَيْرَهُمْ قَالُوا لَوْ قَلَّدَ الْإِمَامُ رَجُلًا الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ بِمَذْهَبٍ عَيَّنَهُ بَطَلَ الشَّرْطُ وَالتَّقْلِيدُ جَمِيعًا.
وَقَضِيَّةُ هَذَا بُطْلَانُ الِاسْتِخْلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَسِيطِ وَأَفْتَى الْقَاضِي فِي نَحْوِ ذَلِكَ بِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ فَقَطْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ لَمْ تَجْرِ صِيغَةٌ بِشَرْطٍ كَاحْكُمْ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ لَا تَحْكُمْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ صَحَّ التَّقْلِيدُ وَلَغَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ قَالَ وَلَوْ قَالَ لَهُ لَا تَحْكُمْ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ مَثَلًا جَازَ وَحَكَمَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَالتَّوْلِيَةِ وَأَمَّا إلْغَاءُ مَا صَدَرَ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ مُخَالِفِينَ لِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ مَعَ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَدْ نَازَعَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ شَرْطًا أَوْ تَقْيِيدًا كَمَا لَوْ قَالَ قَلَّدْتُكَ الْقَضَاءَ فَاقْضِ فِي مَوْضِعِ كَذَا أَوْ فِي يَوْمِ كَذَا وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا حَكَمَ الْمُسْتَقْضَى الْمَذْكُورُ بِمَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ أَمَّا لَوْ حَكَمَ بِمَذْهَبٍ غَيْرِهَا فَيَنْقُضُ حُكْمُهُ.
فَقَدْ قَالَ السُّبْكِيّ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ التَّقْلِيدُ لِلْعَمَلِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ يَعْنِي تَقْلِيدَ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ اهـ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا حَكَمَ بِمَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَمَّا لَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مَرْجُوحٍ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَفَصَّلَ السُّبْكِيّ فَقَالَ إنْ كَانَ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ وَرَجَّحَهُ بِدَلِيلٍ جَيِّدٍ جَازَ وَنَفَذَ حُكْمُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَاذٍّ أَوْ غَرِيبٍ فِي مَذْهَبِهِ وَإِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ كَالْخَارِجِ عَنْ مَذْهَبِهِ فَلَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ خَارِجٍ عَنْ مَذْهَبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُهُ جَازَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ بِاللَّفْظِ أَوْ الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ عَلَى قَاعِدَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَشْمَلْهُ اهـ قَالَ شَيْخُنَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنْ عَنَى بِكَلَامِهِ هَذَا كَلَامَهُ السَّابِقَ عَنْهُ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّ كَلَامَهُ السَّابِقَ ضَعِيفٌ وَإِنْ عَنَى بِهِ مَا يَأْتِي عَنْهُ فَكَذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَكَلَامُ السُّبْكِيّ هَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ إلَخْ يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ مِنْ بُطْلَانِ التَّوْلِيَةِ.
وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا لَا يَجُوزُ وَقَوْلِ السُّبْكِيّ يَجُوزُ أَنْ يُرَجِّحَ لَهُ مَا لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ مَا مَرَّ وَبَيْنَ مَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ مِنْ جَوَازِ الْحُكْمِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ وَهَذَا فِي الْحُكْمِ الضَّعِيفِ فِي مَذْهَبِهِ الَّذِي لَمْ يُوَافِقْ وَاحِدًا مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ لَا فِي الْإِفْتَاءِ وَالْحُكْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّعِيفَ
стр. 491
الْمَذْكُورَ رَأْيٌ مُغَايِرٌ لِلْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ رَجَعَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ الْقَوَاعِدِ وَالْمَأْخَذِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْعًا لَهُ مِمَّا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ الرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِهِ لِامْتِنَاعِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنْ الضَّعِيفِ فِي مَذْهَبِهِ فِي الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ كَمَا تَقَرَّرْ وَفِي الْخَادِمِ مَا حَاصِلُهُ إذَا حَكَمَ مُقَلَّدٌ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ نَفَذَ أَوْ بِمَا تَوَهَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا لَمْ يَنْفُذْ وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ أَوْ بِمَرْجُوحٍ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ إنْ فُرِضَ أَنَّهُ اعْتَقَدَ صِحَّةَ ذَلِكَ الْمَرْجُوحِ تَقْلِيدًا لِقَائِلِهِ وَلَهُ مَذْهَبٌ صَحِيحٌ لِدَلِيلٍ بِحَسَبِ حَالِهِ أَوْ أَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ بُطْلَانُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَجْهَ لَا يُقَلَّدُ قَائِلُهُ إلَّا إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا.
وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِكَوْنِ قَائِلِهِ يَرَى أَنَّهُ مَذْهَبُ إمَامِهِ فَإِذَا قَالَ الْجُمْهُورُ خِلَافَهُ كَانَ قَوْلُهُمْ مُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا فَوَّضَ إلَيْهِ الْقَضَاءَ وَهُوَ مُقَلِّدٌ لِإِمَامٍ إلَّا لَيَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ كَمَا لَا يَحْكُمُ بِقَوْلِ عَالِمٍ آخَرَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَلَّدَ وَجْهًا ضَعِيفًا جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا مَا قَالَهُ آخِرًا فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِي التَّوْلِيَةِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ وَجَوَّزْنَاهُ فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ جَازَ اهـ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَلَّدَ وَجْهًا إلَخْ ظَاهِرٌ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْوَجْهِ الضَّعِيفِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَالْحُكْمِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ هَذَا كُلُّهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ الْعَامِّ أَمَّا الْخَاصُّ كَأَنْ وَلَّى شَافِعِيٌّ حَنَفِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا فِي جُزْئِيَّةٍ تَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ النَّائِبِ فَقَطْ لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ حَكَاهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ وَاعْتَمَدَهُ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ عَصْرِيُّ أَبِي شَامَةَ شَيْخُ النَّوَوِيِّ فَأَبْطَلَ تَزْوِيجَ حَنَفِيٍّ صَغِيرَةً وَقَدْ أَذِنَ لَهُ شَافِعِيٌّ فِيهِ وَصَوَّبَ مَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيِّ امْتِنَاعُ الْقَاضِي مِنْ ذَلِكَ الْإِذْنِ إلَّا إنْ نَصَّ لَهُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِخُصُوصِهِ وَلَا يَكْفِي عُمُومُ التَّوْلِيَةِ وَأَيْضًا فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ الْإِذْنُ فِيمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ وَفَارَقَ التَّوْلِيَةَ الْعَامَّةَ بِأَنَّهَا تَجْعَلُهُ قَاضِيًا مُسْتَقِلًّا وَمُجَرَّدُ الْإِذْنِ اسْتِنَابَةٌ عَنْ الْمُنِيبِ فَكَيْفَ يَسْتَنِيبُ فِيمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ اعْتِمَادِ شَيْخِهِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَ النَّقْضِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَاعْتَمَدَهُ أَيْضًا أَبُو شَامَةَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ أَدَّى شَافِعِيًّا اجْتِهَادُهُ إلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَضِيَّةٍ جَازَ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُ مَنْ اعْتَزَى إلَى مَذْهَبٍ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِهِ لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ وَهَذَا وَإِنْ اقْتَضَتْهُ السِّيَاسَةُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذْهَبِ وَتَمْيِيزِ أَهْلِهَا فَحُكْمُ الشَّرْعِ لَا يُوجِبُهُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ حُكْمٍ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ اهـ وَكَالِاجْتِهَادِ فِي كَلَامِهِ التَّقْلِيدُ لِمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ فَإِنْ فَعَلَ نُقِضَ لِفَقْدِ الِاجْتِهَادِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ اهـ.
عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ لَا عَلَى جِهَةِ التَّقْلِيدِ لَهُ بَلْ اجْتِهَادًا مِنْ عِنْدِهِ وَلَقَدْ اُسْتُفْتِيَ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَأَهْلُ عَصْرِهِ عَنْ حَاكِمٍ حَكَمَ بِخِلَافِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فَهَلْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُوَلَّى لِلْحُكْمِ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ.
فَأَجَابَ شَافِعِيَّانِ مِنْ مُعَاصِرِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ فَخَطَّأَهُمَا التَّاجُ وَقَالَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَسَدَتْ التَّوْلِيَةُ وَوَقَعَ لَهُ مَعَهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ دَارٍ مَرْهُونَةٍ بَاعَهَا الْحَاكِمُ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا وَقْفٌ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَصَارِفِهَا وَلَا كَيْفِيَّةِ وَقْفِهَا فَهَلْ يُنْقَضُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ؟
فَأَجَابَ التَّاجُ وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ بِأَنَّهُ لَا يُنْقَضُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الشَّمْسُ ابْنُ خَلِّكَانَ وَتَعَجَّبَ مِنْهُمْ فَنَاظَرَهُ التَّاجُ فَقَالَ الشَّمْسُ إنَّمَا بَاعَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ وَالْقَاضِي لَا يَبِيعُ الْوَقْفَ فَأَجَابَهُ التَّاجُ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ يُصَانُ عَنْ النَّقْضِ مَا أَمْكَنَ وَالْوَقْفُ الْمَشْهُودُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمُنْقَطِعِ وَفِي صِحَّتِهِ خِلَافٌ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْحُكْمِ الْمُبْرَمِ بِهَذَا الْأَمْرِ
стр. 492
الْمُحْتَمَلِ فَانْقَطَعَ الشَّمْسُ وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ.
فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ وَمَا تَقَرَّرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ وَنَفَائِسَ دَعَا إلَى ذَكَرِهَا قَوْلُ بَعْضِ جَهَلَةِ الْمُفْتِينَ السَّابِقِينَ فِي حُكْمِ الْقَاضِي السَّابِقِ فِي السُّؤَالِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ يُنْقَضُ تَمَسُّكًا بِإِطْلَاقِ الْبُلْقِينِيُّ السَّابِقِ عَنْ فَتَاوِيهِ مَعَ رَدِّ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ وَبَيَانِ مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ التَّاجِ هَذَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ لَا يُنْقَضُ وَإِنْ قُلْنَا بِاعْتِمَادِ إطْلَاقِ الْبُلْقِينِيُّ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّاجِ تَأْتِي بِعَيْنِهَا هُنَا إذْ الْحُكْمُ هُنَا أَيْضًا قَدْ انْبَرَمَ بِشُرُوطِهِ فَلَا يُنْقَضُ لِلْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ وَإِذَا مُنِعَ النَّقْضُ مَعَ تَبَيُّنِ الْوَقْفِ بِالْبَيِّنَةِ بِشُبْهَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَمَنْعُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَقَوْلِ مَالِكٍ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا أَوْلَى فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْبَيْعَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَاقِعٌ عَلَى الْمَاءِ وَحَكَمَ بِهِ شَافِعِيٌّ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ لِمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَلِكَلَامِ التَّاجِ هَذَا وَفَّقْنَا اللَّهُ لِطَاعَتِهِ وَلَا حَرَمنَا خَيْرَ مَا عِنْدَهُ لِشَرِّ مَا عِنْدَنَا آمِينَ.
(خَاتِمَةٌ) فِي ذِكْرِ الْأَجْوِبَةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا قَدَّمْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا تُذْكَرَ لِصُدُورِهَا مِمَّنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِفَهْمِ بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ مَثَلًا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ سِيَّمَا أَبْوَابُ الْمُعَامَلَاتِ وَلِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى قَبَائِحَ مِنْ الْخَطَإِ وَالْخَطْلِ وَالزَّيْغِ وَالزَّلَلِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي ذِكْرِهَا فَوَائِدُ كَالْإِعْلَامِ بِأَنَّ مَنْ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذَا السَّفْسَافِ حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُلْتَفَتَ لِمَا يَقُولُهُ بَعْدَ الْيَوْمِ وَلَا لِمَا يَنْقُلُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ اسْتِفْتَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِفَهْمِ كَلَامِهِمْ عَلَى وَجْهِهِ بَلْ يُحَرِّفُهُ وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْمُرَادِ بِهِ إلَى مَعْنًى آخَرَ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ كَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ لِهَذِهِ الْأَغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ غَيْرَ مَحْظُورٍ وَغَيْرَ مُخِلٍّ بِجَلَالَةِ هَذَا التَّأْلِيفِ الْبَدِيعِ بَلْ هُوَ مِنْ آكَدِ الْوَاجِبَاتِ وَأَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ فَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ عَنْ نَحْوِ السُّؤَالِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِصَّةِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لِأَنَّ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بَلْ لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَرَهُ الْعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لِاسْتِتَارِهِ بِالْمَاءِ فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا.
بَلْ لَوْ سَلَّمْنَا رُؤْيَتَهُ لِلْعَاقِدَيْنِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمَاءِ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا لِلتَّأْقِيتِ فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ عَدَمَ تَأْقِيتِهِ بِزَمَانٍ فَمَتَى أُقِّتَ الْمَبِيعُ بِسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَاظِرًا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ إنْ أَرَادَ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ الْمَاءِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ السَّاعَةَ قِطْعَةٌ مِنْ الزَّمَانِ وَجُزْءٌ مِنْهُ أَيْضًا فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِ الزَّمَانِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْتَعْمِلْ السَّاعَةَ فِي جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الْمَاءِ لَا ابْتِدَاءً وَلَا بِوَضْعٍ ثَانٍ فَلَوْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ لَفْظٍ ثَانٍ لَلَزِمَ مِنْهُ ثُبُوتُ عِلَاقَةٍ بَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَمَا وُضِعَ لَهُ ثَانِيًا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ صَاعَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ فَلَا وَجْهَ لَهُ لِاجْتِمَاعِ شُرُوطِ الْبَيْعِ فِي الصَّاعَيْنِ مِنْ الْمِلْكِ وَالْعِلْمِ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ مَعَ تَسَاوِي الْأَجْزَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ تَسْلِيمُهَا مِنْ أَسْفَلِ الصُّبْرَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا لِأَنَّ رُؤْيَةَ ظَاهِرِهَا كَرُؤْيَةِ كُلِّهَا وَلَا كَذَلِكَ الْقَرَارُ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ لِانْتِفَاءِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِيهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا وَمَتَى فُقِدَ الشَّرْطُ فَقَدْ فُقِدَ الْمَشْرُوطُ اهـ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ السَّفْسَافِ الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ وَمِنْ فَهْمِ كَلَامِهِمْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ وَمِنْ الْكَذِبِ الصُّرَاحِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَصِحُّ إلَخْ خَطَأٌ بَلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ فِي الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَذِبٌ قَبِيحٌ وَكَيْفَ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مَا قَدَّمْتُهُ فِي الْبَابِ مِنْ كَلَامِهِمْ مَبْسُوطًا مُحَرَّرًا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ أَقْسَامَ الْمَسْأَلَةِ وَتَفْصِيلَهَا وَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ وَأَنْ يَهْتَدِيَ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَا إلَى حَالَةٍ تَصَوَّرَهَا فِي ذِهْنِهِ فَأَفْتَى عَلَيْهَا دُونَ الْحَالَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَهِيَ عُيُونُ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ وَقَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا لِلتَّأْقِيتِ إلَخْ مِمَّا فَضَحَ بِهِ نَفْسَهُ وَنَادَى عَلَيْهَا بِغَايَةِ الْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ وَالْمُجَازَفَةِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَيْفَ
стр. 493
يُسَوَّغُ الْإِفْتَاءُ لِمَنْ لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَ أَهْلِ مَذْهَبِهِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ الْمُؤَقَّتُ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَبَادِئِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى أَصَاغِرِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَفْهَمْهَا وَإِلَّا لَمْ يَجْعَلْ بَيْعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا إلَى آخِرِ مَا مَرَّ مِنْ الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ الَّذِي هُوَ تَأْقِيتُ الْمِلْكِ إلَى زَمَنٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ فَجَعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ مَعَ انْتِفَاءِ تَأْقِيتِ الْمِلْكِ فِيهِ قَطْعًا وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ تَقْدِيرُ الْمَبِيعِ بِزَمَانٍ بِنَاءً عَلَى اسْتِوَاءِ التَّقَادِيرِ وَهُوَ بَقَاءُ السَّاعَةِ عَلَى مَفْهُومِهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْ قَوْلِهِمَا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا وَمَا بَعْدَهُ وَعَنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ بَلْ قَطْعِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَعْنَى الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ وَلَا مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ وَلَيْتَهُ سَتَرَ نَفْسَهُ وَأَبْقَى النَّاسَ عَلَى التَّوَهُّمِ فِيهِ لَكِنْ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ فَضِيحَتَهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ افْتَضَحَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْفَاضِحَ لِنَفْسِهِ إنْ لَمْ يَفْضَحْهَا غَيْرُهُ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ السَّاعَةَ قِطْعَةٌ مِنْ الزَّمَانِ وَجُزْءٌ مِنْهُ أَيْضًا مِمَّا يُعْلِمُكَ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ تَرْكِيبَ الْكَلَامِ وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْقِطْعَةَ غَيْرُ الْجُزْءِ إنْ فَهِمَ قَوْلَهُ أَيْضًا أَوْ عَيَّنَهُ إنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ فَلْيَخْتَرْ لَهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ كِلَاهُمَا شَاهِدٌ عَلَى أَنَّهُ سَالِبَةٌ مُهْمَلَةٌ.
وَقَوْلُهُ وَلَا مَجَازًا بَاطِلٌ وَمَا الَّذِي قَدَّمَهُ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْمَجَازِ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] أَنَّ هُنَا وَإِنْ كَانَ ظَرْفَ مَكَان إلَّا أَنَّهُ أُرِيدَ ظَرْفُ الزَّمَانِ وَفِي الْبَحْرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ أَصْلَ هُنَا أَنْ يَكُونَ إشَارَةً لِلْمَكَانِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَانِ وَفِي تَفْسِيرِ السَّخَاوَنْدِيِّ أَنَّ هُنَا فِي الْمَكَانِ وَهُنَالِكَ فِي الزَّمَانِ وَهُوَ وَهْمٌ بَلْ الْأَصْلُ أَنْ تَكُونَ لِلْمَكَانِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِهِ اللَّامُ وَالْكَافُ أَوْ الْكَافُ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَتَّصِلَا وَلَمْ يُتَجَوَّزْ بِهَا عَنْ الْمَكَانِ إلَى الزَّمَانِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ عِنْدَ أَنْ تَكُونَ لِلْمَكَانِ ثُمَّ يُتَجَوَّزُ بِهَا لِلزَّمَانِ كَمَا تَقُولُ آتِيكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ اهـ فَإِذَا تُجُوِّزَ بِالْمَكَانِ عَنْ الزَّمَانِ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَأَوْلَى أَنْ يُتَجَوَّزَ بِالزَّمَانِ عَنْ الْمَكَانِ فِي كَلَامِ الْعَاقِدَيْنِ وَأَيْضًا فَالْآيَةُ لَا قَرِينَةَ فِيهَا لَفْظًا عَلَى ذَلِكَ التَّجَوُّزِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى التَّجَوُّزِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ أَحَدَ إلَخْ مِنْ تَهَوُّرِهِ وَمُجَازَفَتِهِ وَأَنَّى لَهُ بِهَذَا النَّفْيِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَسَائِرِ الْأَزْمِنَةِ قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ فَلَوْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ لَفْظِ إلَخْ بِكَلَامِ الْمُبَرْسَمِينَ أَشْبَهُ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَقْلِهِ وَمَلَكَتِهِ فِي الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ الَّذِي أَرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَدُلَّ النَّاسَ عَلَى أَنَّ لَهُ بِهِ مَعْرِفَةً فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا حَيْثُ أَقَامَ لِلنَّاسِ شَاهِدًا أَيَّ شَاهِدٍ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونُوا فِي أَمْرِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْقِيَاسُ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ مَنْ الَّذِي قَاسَ بَيْعَ جُزْءٍ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى بَيْعِ صَاعَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ مَعَ أَنَّ فَرْقَكَ إنَّمَا يَنُمُّ عَلَى بُهْتَانِكَ أَنَّ الْقَرَارَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَقَوْلُهُ مِنْ الْمِلْكِ إلَخْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ خَطَأٌ قَبِيحٌ وَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ أَمَّا حُكْمُ بَيْعِ الْمَاءِ وَحْدَهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِمَا وَحُكْمُ بَيْعِ الْمَاءِ مَعَ قَرَارِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ طَوِيلٌ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ أَيْ وَهِيَ بَيْعُ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ إلَخْ فَقَدْ ذَكَرَهَا مُفَصَّلَةً شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَلَيْسَ مِنْ مَقَامِنَا التَّعَقُّبُ عَلَى كَلَامِهِ وَلَا مِنْ الْأَدَبِ الرَّدُّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ وُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ ﵀ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ حَمْلِ السَّاعَتَيْنِ عَلَى جُزْأَيْنِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وَجْهُهُ وَلَعَلَّهُ لِسُوءِ فَهْمِي وَلِقِلَّةِ عِلْمِي وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ قِيَاسِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى بَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةٍ فَقِيَاسٌ خَفِيٌّ وَأَيْنَ بَاطِنُ الصُّبْرَةِ مِنْ مَحَلِّ النَّبْعِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ مَعَ قِصَرِ الْبَاعِ وَعَدَمِ سِعَةِ الِاطِّلَاعِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اهـ وَهَذَا الْجَوَابُ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَبَالِ غَنِيٌّ عَنْ التَّنْفِيرِ لَكِنْ لَا بَأْسَ بِإِشَارَةٍ مَا إلَى بَعْضِ مَا فِيهِ فَقَوْلُهُ فَغَيْرُ وَقَوْلُهُ فَفِيهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَنْعَسُ فَتَوَهَّمَ سَبْقَ مَا يَقْتَضِي الْجَوَابَ بِالْفَاءِ وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَنْعَسُ مَا حَكَمَ عَلَى حُكْمِ الْبَيْعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبَيْعِ فَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ
стр. 494
وَإِنَّمَا أَجَابَ عَنْ حُكْمِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهَذَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ قَدْ يُؤَدِّي إلَى كُفْرٍ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَيْعِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْبَيْعِ.
وَمَنْ حَكَمَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الرِّدَّةِ فِي إنْكَارِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَتَأَمَّلْ الْمُجَازَفَةَ كَيْفَ تُؤَدِّي بِصَاحِبِهَا إلَى الْكُفْرِ وَقَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ كَذِبٌ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى هَذَا الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ حَاشَاهُمَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ حُكْمَهُ لَغْوٌ وَإِنَّ قَصْدَهُ الْحُكْمُ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ وَحْدَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَكَاذِبٌ عَنْ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا فَإِنَّهُمَا لَمْ يُطْلِقَا مَا أَطْلَقَ بَلْ فَصَّلَا كَمَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُمَا وَعَنْ غَيْرِهِمَا فِي الْبَابِ الرَّابِعِ وَاضِحًا مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهِ يُقَالُ عَلَيْهِ نَعَمْ لَا حَاجَةَ بِكَ إلَى ذَلِكَ بَلْ لَا يَجُوزُ لَك الْكَلَامُ فِيهِ لِأَنَّك لَا تَتَصَوَّرُ وَلَا تَتَأَهَّلُ لِفَهْمِهِ عَلَى أَنَّك أَسَأْتَ الْأَدَبَ وَجَهِلْتَ أَدَبَ الْفَتْوَى وَكَأَنَّكَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى قَوْلِهِمْ يُكْرَهُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْجَوَابِ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ أَوْ خِلَافٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ بِالرَّاجِحِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ انْتَظَرَ ظُهُورَهُ أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِفْتَاءِ كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرُونَ.
وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْ مَقَامِنَا إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ وَأَنَّى لَك بِذَلِكَ وَأَنْتَ لَا تُحْسِنُ التَّعْبِيرَ عَنْ مُرَادِكَ بَلْ عَبَّرْتَ عَنْهُ بِمَا قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ فَلَوْ لَمْ تَجِبْ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ وَلَسَلِمْتَ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ الَّتِي وَقَعْتَ فِيهَا عَلَى أَنَّ كَلَامَكَ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَى كَبِيرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الدِّينِ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ اعْرِفْ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ وَلَا تَعْرِفْ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ وَقَدْ يُفْتَحُ عَلَى الصَّغِيرِ بِمَا لَمْ يُفْتَحْ بِهِ عَلَى الْكَبِيرِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَإِذَا كَانَتْ الْعُلُومُ مِنَحًا إلَهِيَّةً وَمَوَاهِبَ اخْتِصَاصِيَّةً فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يُدَّخَرَ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا خَفَى عَلَى كَثِير مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَوْلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ إلَخْ بُهْتَانٌ قَبِيحٌ فَقَدْ مَرَّتْ لَكَ عِبَارَتُهُ فِي الْبَابِ السَّادِسِ فَرَاجِعْهَا وَقَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ لِسُوءِ فَهْمِي يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أَرَدْتَ بِذَلِكَ حَقِيقَتَهُ فَهُوَ الْوَاقِعُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْكَ جَوَابُكَ هَذَا أَوْ التَّوَاضُعَ وَأَنْتَ لَسْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ كَذَبْتَ وَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ إفْرَادُ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ بِالْبَيْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْع الْمَاءِ وَلِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ وَالْحِيلَةُ فِيمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ مَثَلًا أَوْ سَهْمًا مِنْهُ فَإِذَا مَلَكَ ذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ لِاخْتِلَاطِ الْمَوْجُودِ بِالْحَادِثِ وَلِعَدَمِ إمْكَانِ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا.
وَقَوْلُهُمْ مَثَلًا اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَا يُرَادُ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ فِي الْعَادَةِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْعُ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ وَلِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ فِي صُورَتِهِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَلَا يُنَافِي عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا قَوْلُهُ مِنْ قَرَارٍ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ وَكَوْنِ مِنْ قَرَارِ ظَرْفًا لَغْوًا وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَهُوَ وَإِنْ أَمْكَنَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ عَرَضٌ غَيْرُ قَارٍّ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ جِسْمٌ قَارٌّ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي بَعِيدٌ جِدًّا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ لَا سِيَّمَا وَصْفُ الْحِصَّةِ بِالسَّقِيَّةِ إذْ السَّقِيَّةُ هِيَ الْمَاءُ لَا الْجُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ بَلْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فِي أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَاءُ الْمُقَدَّرُ بِسَاعَتَيْنِ وَعَلَى تَسْلِيمِ إرَادَةِ ذَلِكَ وَقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيمَا يُرَادُ مِنْهُ عَادَةً فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ بَلْ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ.
كَمَا ذَكَرَهُ عَالِمُ الْحِجَازِ فِي زَمَنِهِ فِي سُؤَالِهِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِاَلَّذِي فِيهِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ الصُّبْرَةِ فَلَا وَجْهَ لَهُ فِيمَا ظَهَرَ لِي اهـ وَفِيهِ وُجُوهٌ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْحِيلَةُ إلَخْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي إنَّ الْقَرَارَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ إذْ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ صَرِيحٌ فَإِنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْقَرَارِ هُنَا بِأَنَّهُ يُشْتَرَى وَفِيمَا يَأْتِي زَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَفَسَادُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَصَاغِرِ الْمُتَعَلِّمِينَ فَعَجِيبٌ كَيْف خَفَى عَلَى هَذَا الَّذِي يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْإِفْتَاءِ لَكِنَّهُ كَسَابِقِيهِ أَظْهَرَ
стр. 495
اللَّهُ فَضِيحَةَ كُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى لِسَانِهِ وَبَنَانِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمْ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ التَّأَهُّلِ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْخَطِيرِ.
فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنْ أَنْ يُتَمَحَّلَ لَهُ عُذْرٌ وَإِنْ الْتَجَمَ وَخَرِسَ لَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ وَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِي مُطْلَقِ الْقَرَارِ وَفِيمَا يَأْتِي فِي قَرَارِ عُيُونِ مَكَّةَ قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَارِ مَمْلُوكٌ إلَّا قَرَارَ عُيُونِ مَكَّةَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً قَبِيحًا أَيْضًا لِأَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي الْبَابِ السَّادِسِ وَغَيْرِهِ مُوَضَّحًا مَبْسُوطًا يُبْطِلُهُ وَيَرُدُّهُ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَرَارَ تَارَةً يُمَلَّكُ وَتَارَةً لَا يُمَلَّكُ وَفِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ مَا يَشْمَلُ قَرَارَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ وَالْحِيلَةُ إلَخْ فَائِدَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاءَ فِي عُيُونِ الْحِجَازِ.
فَإِذَا كَانَ قَرَارُهَا عِنْدَهُ لَا يُمَلَّكُ فَكَيْفَ يَعْلَمُ الْمُسْتَفْتَى حِيلَةً لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ بِهَا أَيْضًا فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ تَخْصِيصَ الْحِيلَةِ بِغَيْرِ عُيُونِ الْحِجَازِ بَطَلَ قَوْلُهُ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ إذَا كَانَ مَفْرُوضًا فِي غَيْرِ عُيُونِ الْحِجَازِ فَكَانَ يُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَإِذْ قَدْ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ كَلَامَهُ هَذَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ عُيُونَ مَكَّةَ ظَهَرَ لَكَ وُقُوعُهُ فِي وَرْطَةِ التَّنَاقُضِ الصَّرِيحِ وَالتَّهَافُتِ الْقَبِيحِ وَكَانَ الْمَوْقِعُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُمْ فِي الْقَرَارِ لِأَنَّ فِيهِ شِبْهَ تَنَاقُضٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ لَكَ وَاضِحًا مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ فَلَمَّا لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ تَكَلَّمَ فِيهِ بِهَوَسِهِ فَذَكَرَ أَوَّلَ جَوَابِهِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يُشْتَرَى وَأَنَّهُ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْحِيلَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ آخِرَ جَوَابِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَقَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ خَطَأٌ قَبِيحٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَنْبَعَ الْمَمْلُوكَ بَطَلَ قَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ لِتَصْرِيحِهِمْ السَّابِقِ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ مَنْ مَلَكَهُ مَلَكَ الْمَاءَ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْمَنْبَعَ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ بَطَلَ قَوْلُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ وَقَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْمَنْبَعَ إذَا كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَائِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَدَّمْتُهُ ثُمَّ أَيْضًا وَإِنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَحَلَّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَيَسْتَقِرُّ فِيهِ بَطَلَتْ حِيلَتُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهُ حِيلَةً لِاسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ الْجَارِي وَإِنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَجْرَى احْتَاجَ إلَى قَرِينَةٍ لِأَنَّ الْبُلْقِينِيُّ فِي جَوَابِهِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ هَذَا الْمُجِيبُ وَأَضَرَّ بِهِ خَصَّ الْقَرَارَ بِالْمَنْبَعِ أَوْ بِمَا يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَيَسْتَقِرُّ فِيهِ أَيْضًا فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ يُبْطِلُهَا قَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ هُوَ وَأَضَرَّ بِهِ جُمُودًا عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَقَعَ الْبِيَعُ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَسَادَ وَالتَّنَاقُضَ الْوَاقِعَ لِهَذَا الْمُجِيبِ فِي أَقَلِّ مِنْ سَطْرٍ وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي عَبَّرُوا بِهِ فِي الْحِيلَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَنَاةَ أَوْ جُزْءًا مِنْهَا فَيَكُونَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَهَذَا تَعْبِيرٌ صَحِيحٌ وَلَمَّا لَمْ يَفْهَمْ هَذَا الْمُجِيبُ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّعْبِيرِ بِالْقَنَاةِ وَالتَّعْبِيرِ بِالْقَرَارِ وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا تَقَرَّرَ عَبَّرَ بِالْقَرَارِ تَابِعًا لِلْبُلْقِينِيِّ فِي تَعْبِيرِهِ بِهِ فِي حِيلَتِهِ وَبِقَوْلِهِ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ تَابِعًا لَهُمْ فِي تَعْبِيرِهِمْ بِهِ فِي حِيلَتِهِمْ فَجَعَلَ حِيلَتَهُ مُلَفَّقَةً مِنْ حِيلَةِ الْبُلْقِينِيُّ وَحِيلَتِهِمْ فَوَقَعَ فِي وَرْطَةِ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ.
وَهَذَا شَأْنُ مَنْ يُلَفِّقُ كَلِمَاتٍ مِنْ عِبَارَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَمَّلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ التَّلْفِيقِ مِنْ الْفَسَادِ إذْ الْقَرَارُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ السَّابِقَيْنِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْمَجْرَى تَجَوُّزًا فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْبَعُ الْمَمْلُوكُ كَانَ مِلْكُهُ مُسْتَلْزِمًا لِمِلْكِ الْمَاءِ وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِحِيلَتِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَخِيرَانِ كَانَ مِلْكُهُ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِمِلْكِ الْمَاءِ لَكِنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِهِ وَهُوَ مَا أَرَادُوهُ بِحِيلَتِهِمْ وَلِذَا لَمَّا عَبَّرُوا بِالْقَنَاةِ وَنَحْوِهَا عَبَّرُوا بِأَحَقِّيَّةِ الْمَاءِ فَلَوْ تَبِعَهُمْ فِي التَّعْبِيرِ بِالْقَنَاةِ أَوْ الْمَجْرَى لَسَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وَقَوْلُهُ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ إلَخْ فَاسِدٌ لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ لَا يُفِيدُ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُفِيدُهُ عَلَى زَعْمِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ وَقَوْلُهُ لَا يُرَادُ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ فِي الْعَادَةِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْعَ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ يُقَالُ عَلَيْهِ كَأَنَّ هَذَا الْمُجِيبَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى آدَابِ الْمُفْتِي وَإِلَّا لَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ إذْ مِنْهَا أَنْ لَا يَكْتُبَ فِي الْوَاقِعَةِ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ بَلْ عَلَى مَا فِي السُّؤَالِ أَوْ يَقُولَ إنْ كَانَ كَذَا فَحُكْمُهُ كَذَا.
فَعَلِمَ أَنَّ جَزْمَهُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَتَرْتِيبَهُ بَقِيَّةَ جَوَابِهِ عَلَيْهَا خَطَأٌ فَاحِشٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ
следующие страницы →