← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الْمَذْكُورَ رَأْيٌ مُغَايِرٌ لِلْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ رَجَعَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ الْقَوَاعِدِ وَالْمَأْخَذِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْعًا لَهُ مِمَّا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ الرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِهِ لِامْتِنَاعِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنْ الضَّعِيفِ فِي مَذْهَبِهِ فِي الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ كَمَا تَقَرَّرْ وَفِي الْخَادِمِ مَا حَاصِلُهُ إذَا حَكَمَ مُقَلَّدٌ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ نَفَذَ أَوْ بِمَا تَوَهَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا لَمْ يَنْفُذْ وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ أَوْ بِمَرْجُوحٍ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ إنْ فُرِضَ أَنَّهُ اعْتَقَدَ صِحَّةَ ذَلِكَ الْمَرْجُوحِ تَقْلِيدًا لِقَائِلِهِ وَلَهُ مَذْهَبٌ صَحِيحٌ لِدَلِيلٍ بِحَسَبِ حَالِهِ أَوْ أَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ بُطْلَانُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَجْهَ لَا يُقَلَّدُ قَائِلُهُ إلَّا إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا. وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِكَوْنِ قَائِلِهِ يَرَى أَنَّهُ مَذْهَبُ إمَامِهِ فَإِذَا قَالَ الْجُمْهُورُ خِلَافَهُ كَانَ قَوْلُهُمْ مُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا فَوَّضَ إلَيْهِ الْقَضَاءَ وَهُوَ مُقَلِّدٌ لِإِمَامٍ إلَّا لَيَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ كَمَا لَا يَحْكُمُ بِقَوْلِ عَالِمٍ آخَرَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَلَّدَ وَجْهًا ضَعِيفًا جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا مَا قَالَهُ آخِرًا فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِي التَّوْلِيَةِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ وَجَوَّزْنَاهُ فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ جَازَ اهـ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَلَّدَ وَجْهًا إلَخْ ظَاهِرٌ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْوَجْهِ الضَّعِيفِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَالْحُكْمِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ هَذَا كُلُّهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ الْعَامِّ أَمَّا الْخَاصُّ كَأَنْ وَلَّى شَافِعِيٌّ حَنَفِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا فِي جُزْئِيَّةٍ تَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ النَّائِبِ فَقَطْ لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ حَكَاهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ وَاعْتَمَدَهُ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ عَصْرِيُّ أَبِي شَامَةَ شَيْخُ النَّوَوِيِّ فَأَبْطَلَ تَزْوِيجَ حَنَفِيٍّ صَغِيرَةً وَقَدْ أَذِنَ لَهُ شَافِعِيٌّ فِيهِ وَصَوَّبَ مَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيِّ امْتِنَاعُ الْقَاضِي مِنْ ذَلِكَ الْإِذْنِ إلَّا إنْ نَصَّ لَهُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِخُصُوصِهِ وَلَا يَكْفِي عُمُومُ التَّوْلِيَةِ وَأَيْضًا فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ الْإِذْنُ فِيمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ وَفَارَقَ التَّوْلِيَةَ الْعَامَّةَ بِأَنَّهَا تَجْعَلُهُ قَاضِيًا مُسْتَقِلًّا وَمُجَرَّدُ الْإِذْنِ اسْتِنَابَةٌ عَنْ الْمُنِيبِ فَكَيْفَ يَسْتَنِيبُ فِيمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ اعْتِمَادِ شَيْخِهِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَ النَّقْضِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَاعْتَمَدَهُ أَيْضًا أَبُو شَامَةَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ أَدَّى شَافِعِيًّا اجْتِهَادُهُ إلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَضِيَّةٍ جَازَ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُ مَنْ اعْتَزَى إلَى مَذْهَبٍ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِهِ لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ وَهَذَا وَإِنْ اقْتَضَتْهُ السِّيَاسَةُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذْهَبِ وَتَمْيِيزِ أَهْلِهَا فَحُكْمُ الشَّرْعِ لَا يُوجِبُهُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ حُكْمٍ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ اهـ وَكَالِاجْتِهَادِ فِي كَلَامِهِ التَّقْلِيدُ لِمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ فَإِنْ فَعَلَ نُقِضَ لِفَقْدِ الِاجْتِهَادِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ اهـ. عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ لَا عَلَى جِهَةِ التَّقْلِيدِ لَهُ بَلْ اجْتِهَادًا مِنْ عِنْدِهِ وَلَقَدْ اُسْتُفْتِيَ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَأَهْلُ عَصْرِهِ عَنْ حَاكِمٍ حَكَمَ بِخِلَافِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فَهَلْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُوَلَّى لِلْحُكْمِ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ. فَأَجَابَ شَافِعِيَّانِ مِنْ مُعَاصِرِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ فَخَطَّأَهُمَا التَّاجُ وَقَالَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَسَدَتْ التَّوْلِيَةُ وَوَقَعَ لَهُ مَعَهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ دَارٍ مَرْهُونَةٍ بَاعَهَا الْحَاكِمُ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا وَقْفٌ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَصَارِفِهَا وَلَا كَيْفِيَّةِ وَقْفِهَا فَهَلْ يُنْقَضُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ؟ فَأَجَابَ التَّاجُ وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ بِأَنَّهُ لَا يُنْقَضُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الشَّمْسُ ابْنُ خَلِّكَانَ وَتَعَجَّبَ مِنْهُمْ فَنَاظَرَهُ التَّاجُ فَقَالَ الشَّمْسُ إنَّمَا بَاعَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ وَالْقَاضِي لَا يَبِيعُ الْوَقْفَ فَأَجَابَهُ التَّاجُ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ يُصَانُ عَنْ النَّقْضِ مَا أَمْكَنَ وَالْوَقْفُ الْمَشْهُودُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمُنْقَطِعِ وَفِي صِحَّتِهِ خِلَافٌ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْحُكْمِ الْمُبْرَمِ بِهَذَا الْأَمْرِ

стр. 492

الْمُحْتَمَلِ فَانْقَطَعَ الشَّمْسُ وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ. فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ وَمَا تَقَرَّرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ وَنَفَائِسَ دَعَا إلَى ذَكَرِهَا قَوْلُ بَعْضِ جَهَلَةِ الْمُفْتِينَ السَّابِقِينَ فِي حُكْمِ الْقَاضِي السَّابِقِ فِي السُّؤَالِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ يُنْقَضُ تَمَسُّكًا بِإِطْلَاقِ الْبُلْقِينِيُّ السَّابِقِ عَنْ فَتَاوِيهِ مَعَ رَدِّ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ وَبَيَانِ مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ التَّاجِ هَذَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ لَا يُنْقَضُ وَإِنْ قُلْنَا بِاعْتِمَادِ إطْلَاقِ الْبُلْقِينِيُّ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّاجِ تَأْتِي بِعَيْنِهَا هُنَا إذْ الْحُكْمُ هُنَا أَيْضًا قَدْ انْبَرَمَ بِشُرُوطِهِ فَلَا يُنْقَضُ لِلْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ وَإِذَا مُنِعَ النَّقْضُ مَعَ تَبَيُّنِ الْوَقْفِ بِالْبَيِّنَةِ بِشُبْهَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَمَنْعُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَقَوْلِ مَالِكٍ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا أَوْلَى فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْبَيْعَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَاقِعٌ عَلَى الْمَاءِ وَحَكَمَ بِهِ شَافِعِيٌّ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ لِمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَلِكَلَامِ التَّاجِ هَذَا وَفَّقْنَا اللَّهُ لِطَاعَتِهِ وَلَا حَرَمنَا خَيْرَ مَا عِنْدَهُ لِشَرِّ مَا عِنْدَنَا آمِينَ. (خَاتِمَةٌ) فِي ذِكْرِ الْأَجْوِبَةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا قَدَّمْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا تُذْكَرَ لِصُدُورِهَا مِمَّنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِفَهْمِ بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ مَثَلًا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ سِيَّمَا أَبْوَابُ الْمُعَامَلَاتِ وَلِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى قَبَائِحَ مِنْ الْخَطَإِ وَالْخَطْلِ وَالزَّيْغِ وَالزَّلَلِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي ذِكْرِهَا فَوَائِدُ كَالْإِعْلَامِ بِأَنَّ مَنْ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُ هَذَا السَّفْسَافِ حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُلْتَفَتَ لِمَا يَقُولُهُ بَعْدَ الْيَوْمِ وَلَا لِمَا يَنْقُلُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ اسْتِفْتَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِفَهْمِ كَلَامِهِمْ عَلَى وَجْهِهِ بَلْ يُحَرِّفُهُ وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْمُرَادِ بِهِ إلَى مَعْنًى آخَرَ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ كَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ لِهَذِهِ الْأَغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ غَيْرَ مَحْظُورٍ وَغَيْرَ مُخِلٍّ بِجَلَالَةِ هَذَا التَّأْلِيفِ الْبَدِيعِ بَلْ هُوَ مِنْ آكَدِ الْوَاجِبَاتِ وَأَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ فَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ عَنْ نَحْوِ السُّؤَالِ السَّابِقِ فِي الْمُقَدِّمَةِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِصَّةِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لِأَنَّ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بَلْ لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَرَهُ الْعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لِاسْتِتَارِهِ بِالْمَاءِ فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا. بَلْ لَوْ سَلَّمْنَا رُؤْيَتَهُ لِلْعَاقِدَيْنِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمَاءِ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا لِلتَّأْقِيتِ فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ عَدَمَ تَأْقِيتِهِ بِزَمَانٍ فَمَتَى أُقِّتَ الْمَبِيعُ بِسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَاظِرًا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ إنْ أَرَادَ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ الْمَاءِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ السَّاعَةَ قِطْعَةٌ مِنْ الزَّمَانِ وَجُزْءٌ مِنْهُ أَيْضًا فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِ الزَّمَانِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْتَعْمِلْ السَّاعَةَ فِي جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الْمَاءِ لَا ابْتِدَاءً وَلَا بِوَضْعٍ ثَانٍ فَلَوْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ لَفْظٍ ثَانٍ لَلَزِمَ مِنْهُ ثُبُوتُ عِلَاقَةٍ بَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَمَا وُضِعَ لَهُ ثَانِيًا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ صَاعَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ فَلَا وَجْهَ لَهُ لِاجْتِمَاعِ شُرُوطِ الْبَيْعِ فِي الصَّاعَيْنِ مِنْ الْمِلْكِ وَالْعِلْمِ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ مَعَ تَسَاوِي الْأَجْزَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ تَسْلِيمُهَا مِنْ أَسْفَلِ الصُّبْرَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا لِأَنَّ رُؤْيَةَ ظَاهِرِهَا كَرُؤْيَةِ كُلِّهَا وَلَا كَذَلِكَ الْقَرَارُ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ لِانْتِفَاءِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِيهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا وَمَتَى فُقِدَ الشَّرْطُ فَقَدْ فُقِدَ الْمَشْرُوطُ اهـ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ السَّفْسَافِ الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ وَمِنْ فَهْمِ كَلَامِهِمْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ وَمِنْ الْكَذِبِ الصُّرَاحِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَصِحُّ إلَخْ خَطَأٌ بَلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ فِي الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْقَرَارَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَذِبٌ قَبِيحٌ وَكَيْفَ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مَا قَدَّمْتُهُ فِي الْبَابِ مِنْ كَلَامِهِمْ مَبْسُوطًا مُحَرَّرًا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ أَقْسَامَ الْمَسْأَلَةِ وَتَفْصِيلَهَا وَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ وَأَنْ يَهْتَدِيَ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَا إلَى حَالَةٍ تَصَوَّرَهَا فِي ذِهْنِهِ فَأَفْتَى عَلَيْهَا دُونَ الْحَالَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَهِيَ عُيُونُ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ وَقَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا لِلتَّأْقِيتِ إلَخْ مِمَّا فَضَحَ بِهِ نَفْسَهُ وَنَادَى عَلَيْهَا بِغَايَةِ الْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ وَالْمُجَازَفَةِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَيْفَ

стр. 493

يُسَوَّغُ الْإِفْتَاءُ لِمَنْ لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَ أَهْلِ مَذْهَبِهِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ الْمُؤَقَّتُ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَبَادِئِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى أَصَاغِرِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَفْهَمْهَا وَإِلَّا لَمْ يَجْعَلْ بَيْعَ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا إلَى آخِرِ مَا مَرَّ مِنْ الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ الَّذِي هُوَ تَأْقِيتُ الْمِلْكِ إلَى زَمَنٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ فَجَعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ مَعَ انْتِفَاءِ تَأْقِيتِ الْمِلْكِ فِيهِ قَطْعًا وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ تَقْدِيرُ الْمَبِيعِ بِزَمَانٍ بِنَاءً عَلَى اسْتِوَاءِ التَّقَادِيرِ وَهُوَ بَقَاءُ السَّاعَةِ عَلَى مَفْهُومِهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْ قَوْلِهِمَا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا وَمَا بَعْدَهُ وَعَنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ بَلْ قَطْعِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَعْنَى الْبَيْعِ الْمُؤَقَّتِ وَلَا مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ وَلَيْتَهُ سَتَرَ نَفْسَهُ وَأَبْقَى النَّاسَ عَلَى التَّوَهُّمِ فِيهِ لَكِنْ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ فَضِيحَتَهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ افْتَضَحَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْفَاضِحَ لِنَفْسِهِ إنْ لَمْ يَفْضَحْهَا غَيْرُهُ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ السَّاعَةَ قِطْعَةٌ مِنْ الزَّمَانِ وَجُزْءٌ مِنْهُ أَيْضًا مِمَّا يُعْلِمُكَ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ تَرْكِيبَ الْكَلَامِ وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْقِطْعَةَ غَيْرُ الْجُزْءِ إنْ فَهِمَ قَوْلَهُ أَيْضًا أَوْ عَيَّنَهُ إنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ فَلْيَخْتَرْ لَهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ كِلَاهُمَا شَاهِدٌ عَلَى أَنَّهُ سَالِبَةٌ مُهْمَلَةٌ. وَقَوْلُهُ وَلَا مَجَازًا بَاطِلٌ وَمَا الَّذِي قَدَّمَهُ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْمَجَازِ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] أَنَّ هُنَا وَإِنْ كَانَ ظَرْفَ مَكَان إلَّا أَنَّهُ أُرِيدَ ظَرْفُ الزَّمَانِ وَفِي الْبَحْرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ أَصْلَ هُنَا أَنْ يَكُونَ إشَارَةً لِلْمَكَانِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَانِ وَفِي تَفْسِيرِ السَّخَاوَنْدِيِّ أَنَّ هُنَا فِي الْمَكَانِ وَهُنَالِكَ فِي الزَّمَانِ وَهُوَ وَهْمٌ بَلْ الْأَصْلُ أَنْ تَكُونَ لِلْمَكَانِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِهِ اللَّامُ وَالْكَافُ أَوْ الْكَافُ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَتَّصِلَا وَلَمْ يُتَجَوَّزْ بِهَا عَنْ الْمَكَانِ إلَى الزَّمَانِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ عِنْدَ أَنْ تَكُونَ لِلْمَكَانِ ثُمَّ يُتَجَوَّزُ بِهَا لِلزَّمَانِ كَمَا تَقُولُ آتِيكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ اهـ فَإِذَا تُجُوِّزَ بِالْمَكَانِ عَنْ الزَّمَانِ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَأَوْلَى أَنْ يُتَجَوَّزَ بِالزَّمَانِ عَنْ الْمَكَانِ فِي كَلَامِ الْعَاقِدَيْنِ وَأَيْضًا فَالْآيَةُ لَا قَرِينَةَ فِيهَا لَفْظًا عَلَى ذَلِكَ التَّجَوُّزِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى التَّجَوُّزِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ أَحَدَ إلَخْ مِنْ تَهَوُّرِهِ وَمُجَازَفَتِهِ وَأَنَّى لَهُ بِهَذَا النَّفْيِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَسَائِرِ الْأَزْمِنَةِ قَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ فَلَوْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ لَفْظِ إلَخْ بِكَلَامِ الْمُبَرْسَمِينَ أَشْبَهُ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَقْلِهِ وَمَلَكَتِهِ فِي الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ الَّذِي أَرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَدُلَّ النَّاسَ عَلَى أَنَّ لَهُ بِهِ مَعْرِفَةً فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا حَيْثُ أَقَامَ لِلنَّاسِ شَاهِدًا أَيَّ شَاهِدٍ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونُوا فِي أَمْرِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْقِيَاسُ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ مَنْ الَّذِي قَاسَ بَيْعَ جُزْءٍ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى بَيْعِ صَاعَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ مَعَ أَنَّ فَرْقَكَ إنَّمَا يَنُمُّ عَلَى بُهْتَانِكَ أَنَّ الْقَرَارَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَقَوْلُهُ مِنْ الْمِلْكِ إلَخْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ خَطَأٌ قَبِيحٌ وَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ أَمَّا حُكْمُ بَيْعِ الْمَاءِ وَحْدَهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِمَا وَحُكْمُ بَيْعِ الْمَاءِ مَعَ قَرَارِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ طَوِيلٌ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ أَيْ وَهِيَ بَيْعُ الْحِصَّةِ السَّقِيَّةِ الَّتِي قَدْرُهَا سَاعَتَانِ إلَخْ فَقَدْ ذَكَرَهَا مُفَصَّلَةً شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَلَيْسَ مِنْ مَقَامِنَا التَّعَقُّبُ عَلَى كَلَامِهِ وَلَا مِنْ الْأَدَبِ الرَّدُّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ وُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ ﵀ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ حَمْلِ السَّاعَتَيْنِ عَلَى جُزْأَيْنِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وَجْهُهُ وَلَعَلَّهُ لِسُوءِ فَهْمِي وَلِقِلَّةِ عِلْمِي وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ قِيَاسِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى بَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةٍ فَقِيَاسٌ خَفِيٌّ وَأَيْنَ بَاطِنُ الصُّبْرَةِ مِنْ مَحَلِّ النَّبْعِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ مَعَ قِصَرِ الْبَاعِ وَعَدَمِ سِعَةِ الِاطِّلَاعِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اهـ وَهَذَا الْجَوَابُ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَبَالِ غَنِيٌّ عَنْ التَّنْفِيرِ لَكِنْ لَا بَأْسَ بِإِشَارَةٍ مَا إلَى بَعْضِ مَا فِيهِ فَقَوْلُهُ فَغَيْرُ وَقَوْلُهُ فَفِيهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَنْعَسُ فَتَوَهَّمَ سَبْقَ مَا يَقْتَضِي الْجَوَابَ بِالْفَاءِ وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَنْعَسُ مَا حَكَمَ عَلَى حُكْمِ الْبَيْعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبَيْعِ فَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ

стр. 494

وَإِنَّمَا أَجَابَ عَنْ حُكْمِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهَذَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ قَدْ يُؤَدِّي إلَى كُفْرٍ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَيْعِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْبَيْعِ. وَمَنْ حَكَمَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الرِّدَّةِ فِي إنْكَارِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَتَأَمَّلْ الْمُجَازَفَةَ كَيْفَ تُؤَدِّي بِصَاحِبِهَا إلَى الْكُفْرِ وَقَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ كَذِبٌ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى هَذَا الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ حَاشَاهُمَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ حُكْمَهُ لَغْوٌ وَإِنَّ قَصْدَهُ الْحُكْمُ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ وَحْدَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَكَاذِبٌ عَنْ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا فَإِنَّهُمَا لَمْ يُطْلِقَا مَا أَطْلَقَ بَلْ فَصَّلَا كَمَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُمَا وَعَنْ غَيْرِهِمَا فِي الْبَابِ الرَّابِعِ وَاضِحًا مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهِ يُقَالُ عَلَيْهِ نَعَمْ لَا حَاجَةَ بِكَ إلَى ذَلِكَ بَلْ لَا يَجُوزُ لَك الْكَلَامُ فِيهِ لِأَنَّك لَا تَتَصَوَّرُ وَلَا تَتَأَهَّلُ لِفَهْمِهِ عَلَى أَنَّك أَسَأْتَ الْأَدَبَ وَجَهِلْتَ أَدَبَ الْفَتْوَى وَكَأَنَّكَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى قَوْلِهِمْ يُكْرَهُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْجَوَابِ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ أَوْ خِلَافٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ بِالرَّاجِحِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ انْتَظَرَ ظُهُورَهُ أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِفْتَاءِ كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرُونَ. وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْ مَقَامِنَا إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ وَأَنَّى لَك بِذَلِكَ وَأَنْتَ لَا تُحْسِنُ التَّعْبِيرَ عَنْ مُرَادِكَ بَلْ عَبَّرْتَ عَنْهُ بِمَا قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ فَلَوْ لَمْ تَجِبْ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ وَلَسَلِمْتَ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ الَّتِي وَقَعْتَ فِيهَا عَلَى أَنَّ كَلَامَكَ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَى كَبِيرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الدِّينِ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ اعْرِفْ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ وَلَا تَعْرِفْ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ وَقَدْ يُفْتَحُ عَلَى الصَّغِيرِ بِمَا لَمْ يُفْتَحْ بِهِ عَلَى الْكَبِيرِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَإِذَا كَانَتْ الْعُلُومُ مِنَحًا إلَهِيَّةً وَمَوَاهِبَ اخْتِصَاصِيَّةً فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يُدَّخَرَ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا خَفَى عَلَى كَثِير مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَوْلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ إلَخْ بُهْتَانٌ قَبِيحٌ فَقَدْ مَرَّتْ لَكَ عِبَارَتُهُ فِي الْبَابِ السَّادِسِ فَرَاجِعْهَا وَقَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ لِسُوءِ فَهْمِي يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أَرَدْتَ بِذَلِكَ حَقِيقَتَهُ فَهُوَ الْوَاقِعُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْكَ جَوَابُكَ هَذَا أَوْ التَّوَاضُعَ وَأَنْتَ لَسْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ كَذَبْتَ وَمِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا لَفْظُهُ إفْرَادُ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ بِالْبَيْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْع الْمَاءِ وَلِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ وَالْحِيلَةُ فِيمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ مَثَلًا أَوْ سَهْمًا مِنْهُ فَإِذَا مَلَكَ ذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ لِاخْتِلَاطِ الْمَوْجُودِ بِالْحَادِثِ وَلِعَدَمِ إمْكَانِ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا. وَقَوْلُهُمْ مَثَلًا اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا لَا يُرَادُ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ فِي الْعَادَةِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْعُ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ وَلِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ فِي صُورَتِهِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَلَا يُنَافِي عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا قَوْلُهُ مِنْ قَرَارٍ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ وَكَوْنِ مِنْ قَرَارِ ظَرْفًا لَغْوًا وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَهُوَ وَإِنْ أَمْكَنَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ عَرَضٌ غَيْرُ قَارٍّ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ جِسْمٌ قَارٌّ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي بَعِيدٌ جِدًّا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ لَا سِيَّمَا وَصْفُ الْحِصَّةِ بِالسَّقِيَّةِ إذْ السَّقِيَّةُ هِيَ الْمَاءُ لَا الْجُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ بَلْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فِي أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَاءُ الْمُقَدَّرُ بِسَاعَتَيْنِ وَعَلَى تَسْلِيمِ إرَادَةِ ذَلِكَ وَقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيمَا يُرَادُ مِنْهُ عَادَةً فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ بَلْ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ. كَمَا ذَكَرَهُ عَالِمُ الْحِجَازِ فِي زَمَنِهِ فِي سُؤَالِهِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِاَلَّذِي فِيهِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ الصُّبْرَةِ فَلَا وَجْهَ لَهُ فِيمَا ظَهَرَ لِي اهـ وَفِيهِ وُجُوهٌ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْحِيلَةُ إلَخْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي إنَّ الْقَرَارَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ إذْ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ صَرِيحٌ فَإِنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْقَرَارِ هُنَا بِأَنَّهُ يُشْتَرَى وَفِيمَا يَأْتِي زَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَفَسَادُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَصَاغِرِ الْمُتَعَلِّمِينَ فَعَجِيبٌ كَيْف خَفَى عَلَى هَذَا الَّذِي يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْإِفْتَاءِ لَكِنَّهُ كَسَابِقِيهِ أَظْهَرَ

стр. 495

اللَّهُ فَضِيحَةَ كُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى لِسَانِهِ وَبَنَانِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمْ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ التَّأَهُّلِ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْخَطِيرِ. فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنْ أَنْ يُتَمَحَّلَ لَهُ عُذْرٌ وَإِنْ الْتَجَمَ وَخَرِسَ لَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ وَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِي مُطْلَقِ الْقَرَارِ وَفِيمَا يَأْتِي فِي قَرَارِ عُيُونِ مَكَّةَ قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَارِ مَمْلُوكٌ إلَّا قَرَارَ عُيُونِ مَكَّةَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً قَبِيحًا أَيْضًا لِأَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي الْبَابِ السَّادِسِ وَغَيْرِهِ مُوَضَّحًا مَبْسُوطًا يُبْطِلُهُ وَيَرُدُّهُ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَرَارَ تَارَةً يُمَلَّكُ وَتَارَةً لَا يُمَلَّكُ وَفِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ مَا يَشْمَلُ قَرَارَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ وَالْحِيلَةُ إلَخْ فَائِدَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاءَ فِي عُيُونِ الْحِجَازِ. فَإِذَا كَانَ قَرَارُهَا عِنْدَهُ لَا يُمَلَّكُ فَكَيْفَ يَعْلَمُ الْمُسْتَفْتَى حِيلَةً لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ بِهَا أَيْضًا فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ تَخْصِيصَ الْحِيلَةِ بِغَيْرِ عُيُونِ الْحِجَازِ بَطَلَ قَوْلُهُ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ إذَا كَانَ مَفْرُوضًا فِي غَيْرِ عُيُونِ الْحِجَازِ فَكَانَ يُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمَ عُيُونِ الْحِجَازِ وَإِذْ قَدْ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ كَلَامَهُ هَذَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ عُيُونَ مَكَّةَ ظَهَرَ لَكَ وُقُوعُهُ فِي وَرْطَةِ التَّنَاقُضِ الصَّرِيحِ وَالتَّهَافُتِ الْقَبِيحِ وَكَانَ الْمَوْقِعُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُمْ فِي الْقَرَارِ لِأَنَّ فِيهِ شِبْهَ تَنَاقُضٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ لَكَ وَاضِحًا مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ فَلَمَّا لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ تَكَلَّمَ فِيهِ بِهَوَسِهِ فَذَكَرَ أَوَّلَ جَوَابِهِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يُشْتَرَى وَأَنَّهُ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْحِيلَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ آخِرَ جَوَابِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَقَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ خَطَأٌ قَبِيحٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَنْبَعَ الْمَمْلُوكَ بَطَلَ قَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ لِتَصْرِيحِهِمْ السَّابِقِ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ مَنْ مَلَكَهُ مَلَكَ الْمَاءَ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْمَنْبَعَ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ بَطَلَ قَوْلُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَرَارَ وَقَوْلُهُ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْمَنْبَعَ إذَا كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَائِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَدَّمْتُهُ ثُمَّ أَيْضًا وَإِنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَحَلَّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَيَسْتَقِرُّ فِيهِ بَطَلَتْ حِيلَتُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهُ حِيلَةً لِاسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ الْجَارِي وَإِنْ أَرَادَ بِالْقَرَارِ الْمَجْرَى احْتَاجَ إلَى قَرِينَةٍ لِأَنَّ الْبُلْقِينِيُّ فِي جَوَابِهِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ هَذَا الْمُجِيبُ وَأَضَرَّ بِهِ خَصَّ الْقَرَارَ بِالْمَنْبَعِ أَوْ بِمَا يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَيَسْتَقِرُّ فِيهِ أَيْضًا فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ يُبْطِلُهَا قَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ هُوَ وَأَضَرَّ بِهِ جُمُودًا عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَقَعَ الْبِيَعُ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَسَادَ وَالتَّنَاقُضَ الْوَاقِعَ لِهَذَا الْمُجِيبِ فِي أَقَلِّ مِنْ سَطْرٍ وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي عَبَّرُوا بِهِ فِي الْحِيلَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَنَاةَ أَوْ جُزْءًا مِنْهَا فَيَكُونَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ وَهَذَا تَعْبِيرٌ صَحِيحٌ وَلَمَّا لَمْ يَفْهَمْ هَذَا الْمُجِيبُ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّعْبِيرِ بِالْقَنَاةِ وَالتَّعْبِيرِ بِالْقَرَارِ وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا تَقَرَّرَ عَبَّرَ بِالْقَرَارِ تَابِعًا لِلْبُلْقِينِيِّ فِي تَعْبِيرِهِ بِهِ فِي حِيلَتِهِ وَبِقَوْلِهِ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ تَابِعًا لَهُمْ فِي تَعْبِيرِهِمْ بِهِ فِي حِيلَتِهِمْ فَجَعَلَ حِيلَتَهُ مُلَفَّقَةً مِنْ حِيلَةِ الْبُلْقِينِيُّ وَحِيلَتِهِمْ فَوَقَعَ فِي وَرْطَةِ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ. وَهَذَا شَأْنُ مَنْ يُلَفِّقُ كَلِمَاتٍ مِنْ عِبَارَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَمَّلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ التَّلْفِيقِ مِنْ الْفَسَادِ إذْ الْقَرَارُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ السَّابِقَيْنِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْمَجْرَى تَجَوُّزًا فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْبَعُ الْمَمْلُوكُ كَانَ مِلْكُهُ مُسْتَلْزِمًا لِمِلْكِ الْمَاءِ وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِحِيلَتِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَخِيرَانِ كَانَ مِلْكُهُ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِمِلْكِ الْمَاءِ لَكِنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِهِ وَهُوَ مَا أَرَادُوهُ بِحِيلَتِهِمْ وَلِذَا لَمَّا عَبَّرُوا بِالْقَنَاةِ وَنَحْوِهَا عَبَّرُوا بِأَحَقِّيَّةِ الْمَاءِ فَلَوْ تَبِعَهُمْ فِي التَّعْبِيرِ بِالْقَنَاةِ أَوْ الْمَجْرَى لَسَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وَقَوْلُهُ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ إلَخْ فَاسِدٌ لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ لَا يُفِيدُ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُفِيدُهُ عَلَى زَعْمِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ وَقَوْلُهُ لَا يُرَادُ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ فِي الْعَادَةِ بِمَكَّةَ إلَّا بَيْعَ الْمَاءِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ يُقَالُ عَلَيْهِ كَأَنَّ هَذَا الْمُجِيبَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى آدَابِ الْمُفْتِي وَإِلَّا لَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ إذْ مِنْهَا أَنْ لَا يَكْتُبَ فِي الْوَاقِعَةِ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ بَلْ عَلَى مَا فِي السُّؤَالِ أَوْ يَقُولَ إنْ كَانَ كَذَا فَحُكْمُهُ كَذَا. فَعَلِمَ أَنَّ جَزْمَهُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَتَرْتِيبَهُ بَقِيَّةَ جَوَابِهِ عَلَيْهَا خَطَأٌ فَاحِشٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ

стр. 496

مَزِيدُ التَّعَصُّبِ لِصَدِيقِهِ الْقَائِلِ هُوَ عَنْهُ إنَّهُ أَلْزَمَهُ بِالْكِتَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ فَلَمْ يَسَعْهُ التَّخَلُّفُ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ قَطُّ كِتَابَةٌ عَلَى سُؤَالٍ وَبِحَمْدِ اللَّهِ أَئِمَّةُ الدِّينِ مُتَوَفِّرُونَ قَائِمُونَ بِحِفْظِهِ وَرَدْعِ مَنْ عَانَدَ أَوْ تَعَصَّبَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ لَهُ تَسْلِيمُ مَا زَعَمَهُ فَالِاحْتِجَاجُ هُنَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْعَادَةِ وَقْتَ كِتَابَتِهِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ حَالَ وُقُوعِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ فَإِنْ قَالَ يُسْتَدَلُّ بِوُجُودِهَا الْآنَ عَلَى وُجُودِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ قُلْنَا لَهُ هَذَا مِنْ الِاسْتِصْحَابِ الْمَقْلُوبِ وَفِيهِ مِنْ الْمَبَاحِثِ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ تَخْرِيجِ مَا زَعَمَهُ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَيَنْظُرَ هَلْ يُنْتَجُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ أَوْ لَا وَعَلَى تَسْلِيمِ وُجُودِ تِلْكَ الْعَادَةِ وَأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ الْمَقْلُوبَ حُجَّةٌ فَفِي أَيِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَفْظَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَهُوَ لَا يُرَادُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ إلَّا فِي أَحَدِهِمَا وَنَوَيَا الْمَعْنَى الْآخَرَ قُدِّمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ عَادَةً عَلَى مَا نَوَيَاهُ سَوَاءٌ كَانَ مُصَحَّحًا أَوْ مُبْطَلًا. فَإِنْ أَتَى هَذَا الْمُجِيبُ بِذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ فَهُوَ مُتَشَبِّثٌ فِيمَا قَالَهُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مِنْ كِتَابٍ فَهُوَ مُجَازِفٌ مُتَهَوِّرٌ وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ وَلَا يَعْلَمُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ فِي مَبْحَثِ الْعُرْفِ فِي الْعُقُودِ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ عَلَى أَنَّ مَا زَعَمَهُ مِنْ الْعَادَةِ الْمَذْكُورَةِ بَاطِلٌ إذْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عُيُونِ مَكَّةَ يَمْلِكُ مَاءً مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَارِ قَطُّ بَلْ كُلُّ مَنْ مَلَكَ الْمَاءَ مَلَكَ قَرَارَهُ بِحَيْثُ إنَّ ذَيْلَ الْعَيْنِ وَمَجْرَاهَا وَمَنْبَعَهَا إذَا خَرِبَ وَتَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي عِمَارَتِهَا عَمَرُوهَا عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمْ لِلْمَاءِ وَلَوْ رَفَعُوا الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ أَوْ أَمِيرٍ بِمَكَّةَ لَحَكَمَ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ وَأَيْضًا بَعْضُ عُيُونِ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ الْآنَ خَرَابٌ لَا يَجْرِي فِيهَا مَاءٌ مِنْ مُنْذُ سِنِينَ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ الثِّقَاتِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ أَجْزَاءً وَأَنَّ صُورَةَ مُشْتَرَاهَا اشْتَرَى فُلَانٌ سَاعَةً مَثَلًا مِنْ قَرَارِ عَيْنِ كَذَا فَانْظُرْ إلَى إيقَاعِهِمْ لَفْظَ السَّاعَةِ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى عَيْنٍ لَا مَاءَ فِيهَا وَهَذَا أَدُلُّ دَلِيلٍ وَأَعْدَلُ شَاهِدٍ عَلَى بُطْلَانِ مَا زَعَمَهُ هَذَا الْمُجِيبُ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يُرَادُ إلَّا الْمَاءُ الْمُقَدَّرُ بِزَمَنٍ. وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا أَفْتَى بِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَحْوَالِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي قَرَّرْتُهَا لَكَ فِي الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ الْأَوَّلِ السَّابِقَةِ مُبَيَّنَةٌ مُفَصَّلَةٌ بِدَلَائِلِهَا مِنْ كَلَامِهِمْ فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَزِدْ مِنْ تَأَمُّلِهِ حَتَّى يَظْهَرَ لَكَ فَسَادُ مَا جَمُدَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُجِيبُ وَأَضْرَابُهُ مِنْ الْأَخْذِ بِظَاهِرِ إفْتَاءِ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فِيهِ وَلَا إحَاطَةٍ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّى لَهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَأَهَّلُوا لِفَهْمِ الظَّوَاهِرِ فَضْلًا عَنْ هَذِهِ الْمَضَايِقِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ النَّبْعِ إلَخْ يُقَال عَلَيْهِ لَيْتَكَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ لِأَنَّكَ إذَا خَلَطْتَ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ النَّحْوِ الَّذِي لَكَ فِيهِ نَوْعُ تَمْيِيزٍ كُنْتَ بِالتَّخْلِيطِ فِي غَيْرِهِ أَحَقَّ وَأَوْلَى وَبَيَانُ التَّخْلِيطِ فِي ذَلِكَ أَنَّ عِبَارَتَهُ فِي أَنَّ مِنْ هُنَا لِلْبَيَانِ وَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَسَادٌ أَيَّ فَسَادٍ وَهُوَ أَنَّ مَا بَعْدَ مِنْ عَيْنُ مَا قَبْلَهَا فَيَكُونُ الْمَاءُ عَيْنَ الْقَرَارِ وَهَذَا لَا يَتَوَهَّمُهُ عَاقِلٌ فَكَيْفَ يُحْمَلُ كَلَامُ الْعُقَلَاءِ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ لَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ إلَّا لَوْ قُلْتُ إنَّهَا بَيَانٌ لِلْمَبِيعِ. وَلَمْ أُعَبِّرْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا عَبَّرْتُ بِأَنَّهَا بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ فَلَا يُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ قُلْنَا لَهُ إنَّمَا أَخْرَجْنَا عِبَارَتَكَ عَنْ ظَاهِرِهَا حَتَّى يَصِحَّ تَعْبِيرُكَ بِأَنَّ مِنْ لِلْبَيَانِ وَأَمَّا إذَا أَبْقَيْنَا عِبَارَتَكَ عَلَى ظَاهِرِهَا فَجَعْلُكَ مِنْ لِلْبَيَانِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ لَمْ تَسْتَحْضِرْ مَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ وَإِلَّا لَمْ تَجْعَلْهَا بَيَانًا لِلْمَحَلِّ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ هُنَا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَفِي الرِّضَا عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَلِلتَّبْيِينِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] وَتَعْرِفُهَا بِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ مِنْ أَوْ بَعْدَهَا مُبْهَمٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْرُورُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمُبْهَمِ كَمَا يُقَالُ مَثَلًا لِلرِّجْسِ إنَّهُ الْأَوْثَانُ وَلِعِشْرِينَ أَنَّهَا الدَّرَاهِمُ وَلِلضَّمِيرِ فِي قَوْلِكَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ أَنَّهُ الْقَائِلُ بِخِلَافِ التَّبْعِيضِيَّةِ فَإِنَّ الْمَجْرُورَ بِهَا لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ بَعْضُ الْمَجْرُورِ وَاسْمُ الْكُلِّ لَا يَقَعُ عَلَى الْبَعْضِ فَإِذَا قُلْتَ عِشْرُونَ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَإِنْ أَشَرْتَ بِالدَّرَاهِمِ إلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ بَعْضُهَا وَإِنْ قَصَدْتَ بِالدَّرَاهِمِ جِنْسَ الدَّرَاهِمِ فَمِنْ مُبَيِّنَةٌ لِصِحَّةِ إطْلَاقِ اسْمِ

стр. 497

الْمَجْرُورِ عَلَى الْعِشْرِينَ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ فِي نَحْوِ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تُصَرِّحَ وَتَقُولَ أَخَذْتُ مِنْ الثَّلَاثِينَ عِشْرِينَ وَمِنْ الْعَشَرَةِ تِسْعَةً. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنُهَا لِلتَّبْيِينِ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى الِابْتِدَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ هِيَ الْعِشْرُونَ فِي قَوْلِكَ عِشْرُونَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَبْدَأَ نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْأَوْثَانُ نَفْسُ الرِّجْسِ فَلَا تَكُونُ مَبْدَأً لَهُ وَإِنَّمَا جَازَ تَقْدِيمُ مِنْ الْمُبَيِّنَةِ عَلَى الْمُبْهَمِ فِي نَحْوِ قَوْلِكَ أَنَا مِنْ حَظِّهِ فِي رَوْضَةٍ وَمِنْ رِعَايَتِهِ فِي حَرَمٍ وَعِنْدِي مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِي وَمِنْ الْخَيْلِ عِشْرُونَ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ الَّذِي فُسِّرَ بِمِنْ التَّبْيِينِيَّةِ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرًا كَأَنَّكَ قُلْتَ أَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَظِّهِ فِي رَوْضٍ وَعِنْدِي شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِي وَكَذَا قَوْلُكَ يُعْجِبُنِي مِنْ زَيْدٍ كَرَمُهُ أَيْ مِنْ خِصَالِ زَيْدٍ كَأَنَّكَ قُلْتَ يُعْجِبُنِي شَيْءٌ مِنْ خِصَالِ زَيْدٍ كَرَمُهُ وَمِثْلُهُ كُسِرَتْ مِنْ زَيْدٍ يَدُهُ أَيْ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَاءِ زَيْدٍ يَدُهُ فَفِي جَمِيعِ هَذَا مَا هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ وَاَلَّذِي بَعْدَ (مِنْ) عَطْفُ بَيَانٍ لَهُ كُلُّ ذَلِكَ لِيَحْصُلَ الْبَيَانُ بَعْد الْإِبْهَامِ لِأَنَّ مَعْنَى يُعْجِبُنِي مِنْ زَيْدٍ شَيْءٌ أَيْ شَيْءٌ مِنْ أَشْيَائِهِ بِلَا رَيْبٍ فَإِذَا قُلْتَ وَجْهُهُ أَوْ كَرَمُهُ فَقَدْ بَيَّنْتَ ذَلِكَ الشَّيْءَ اهـ فَتَأَمَّلْهُ تَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِمِنْ هُنَا أَنَّهَا بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهَا كَانَ فَاسِدًا كَمَا مَرَّ. وَكَذَا إنْ أَرَادَ بِهَا أَنَّهَا بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْبَيْعِ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ تَعْرِيفِ مِنْ الْبَيَانِيَّةِ لِأَنَّ مَحَلَّ الَّذِي أَرَادَ بَيَانَهُ هُنَا لَيْسَ مَذْكُورًا بَعْدَ مِنْ مَعَ مَجْرُورِهَا وَلَا قَبْلَهَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيَانًا لَهُ وَدَعْوَى أَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ يُنْبِئُ عَنْ جَهْلِ مُدَّعِيهَا وَتَأَمَّلْ رَدَّ الرَّضِيِّ لِكَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي مِنْ هُنَا أَنْ تَكُونَ لِلِابْتِدَاءِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَإِيضَاحُ مَا فِي الرَّضِيِّ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ مَعَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ فِي مِنْ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِمِنْ الِابْتِدَائِيَّةِ شَيْئًا مُمْتَدًّا كَالسَّيْرِ وَالْمَشْيِ وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بِمِنْ الشَّيْءَ الَّذِي مِنْهُ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ الْفِعْلِ نَحْو سِرْتُ مِنْ الْبَصْرَةِ أَوْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِهَا أَصْلًا لِلشَّيْءِ الْمُمْتَدِّ نَحْوَ تَبَرَّأْتُ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ وَخَرَجْتُ مِنْ الدَّارِ لِأَنَّ الْخُرُوجَ الِانْفِصَالُ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ خُطْوَةٍ فَالتَّبَرُّؤُ وَالْخُرُوجُ أَصْلَانِ لِلِانْفِصَالِ الْمُمْتَدِّ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَكُنْ لِلِابْتِدَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] ﴿نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] لِأَنَّ التَّأْسِيسَ وَالنِّدَاءَ لَيْسَا حَدَثَيْنِ مُمْتَدَّيْنِ وَلَا أَصْلَيْنِ لِلْمَعْنَى الْمُمْتَدِّ بَلْ هُمَا حَدَثَانِ وَاقِعَانِ فِيمَا بَعْدَ مِنْ. وَهَذَا مَعْنَى فِي فَمِنْ فِي الْآيَتَيْنِ بِمَعْنَاهَا وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمِنْ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلِابْتِدَاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّي بِهَا وَهُوَ اشْتَرَى لَيْسَ حَدَثًا مُمْتَدًّا وَلَا أَصْلًا لِمَعْنًى مُمْتَدٍّ فَهُوَ كَالتَّأْسِيسِ وَالنِّدَاءِ فِي الْآيَتَيْنِ. نَعَمْ قَالَ الْمُبَرِّدُ وَعَبْدُ الْقَاهِرِ وَالزَّمَخْشَرِيُّ إنَّ أَصْلَ مِنْ الْمُبَعِّضَةِ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ فِي قَوْلِكَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَبْدَأُ الْأَخْذِ فَعَلَيْهِ يَصِحُّ إرَادَةُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلَيْتَ هَذَا الْمُجِيبَ تَعَسَّفَ وَجَعَلَ مِنْ بِمَعْنَى فِي فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ هَذَا الْفَسَادُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَزِمَهُ لَمَّا جَعَلَهَا لِلْبَيَانِ وَإِذَا بَطَلَ مَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّهَا لِلْبَيَانِ وَمَا زَعَمَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّهَا لِمَحْضِ الِابْتِدَاءِ تَعَيَّنَ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ كَمَا قَدَّمْتُهُ أَوَائِلَ الْكِتَابِ لِصِدْقِ حَدِّ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَى مِنْ هَذِهِ بِاعْتِبَارِ التَّجَوُّزِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ إنَّ مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَتُقَدَّرُ بِالْمَوْصُولِ عِنْدَهُمْ أَيْ الرِّجْسِ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ وَمَنْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ جَعَلَهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَكَأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ الرِّجْسِ عَامًّا ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ مَبْدَأَهُ إذْ عِبَادَةُ الْوَثَنِ جَامِعَةٌ لِكُلِّ فَسَادٍ وَرِجْسٍ وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ سَائِرِ الْأَرْجَاسِ مِنْ مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَمَنْ قَالَ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ قَبْلَ مَعْنَى الْآيَةِ فَأَفْسَدَهُ وَقَدْ يُمْكِنُ التَّبْعِيضُ فِيهَا بِأَنَّ مَعْنَى الرِّجْسِ عِبَادَةُ الْوَثَنِ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَاجْتَنِبُوا مِنْ الْأَوْثَانِ الرِّجْسَ وَهُوَ الْعِبَادَةُ إذْ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ مِنْهَا وَقَوْلُهُ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيَانًا لِمَحَلِّ الْمَبِيعِ فَوَقَعَ فِي التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ ثُمَّ إنَّهُ إنْ أَرَادَ بِأَنَّهُ حَالٌ لَا صِفَةٌ وَلَا يُقَالُ الْحَالُ وَصْفٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذَا اعْتِنَاءٌ لَا يُقَالُ فِيمَنْ هُوَ فِي مَقَامِ الْإِفْصَاحِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِالنَّحْوِ وَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَلَقَدْ أَفْصَحَ

стр. 498

وَبَيَّنَ وَلَيْسَتْ أَلْ فِي الْحِصَّةِ هُنَا لِوُقُوعِهَا عَلَى مُعَيَّنٍ مِثْلِهَا فِي اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي كَمَا لَا يَخْفَى وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا صِفَةٌ لِقَدْرِهَا أَوْ لِسَاعَتَيْنِ كَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُرَادِ لِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ لَيْسَ وَصْفًا لِقَدْرٍ وَلَا لِسَاعَةٍ لِأَنَّهُمَا بِزَعْمِهِ لَمْ يُذْكَرَا إلَّا لِبَيَانِ أَنَّ الْمَبِيعَ مُقَدَّرٌ بِزَمَنٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُمَا بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صِفَةٌ لِسَاعَتَيْنِ أَوْ لِقَدْرٍ إذْ لَا يُتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ إلَّا حِينَئِذٍ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ صِفَةً لِجَمِيعِ أَوْ لِلْحِصَّةِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاشْتَرَى الْمَذْكُورُ لَا بِمَحْذُوفٍ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ لَكَ تَنَاقُضُ كَلَامِهِ لِأَنَّ مِنْ قَرَارٌ إذَا كَانَ وَصْفًا لِقَدْرٍ أَوْ لِسَاعَةٍ وَكَانَتْ مِنْ فِيهِ لِلْبَيَانِ لَزِمَهُ أَنَّ الْقَدْرَ أَوْ السَّاعَتَيْنِ هُوَ عَيْنُ الْقَرَارِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا مَرَّ ثُمَّ كَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مِنْ الْبَيَانِيَّةَ لَا يَكُونُ ظَرْفُهَا إلَّا مُسْتَقِرًّا وَمِنْ التَّبْعِيضِيَّةَ لَا يَكُونُ ظَرْفُهَا إلَّا لَغْوًا وَهُوَ بَاطِلٌ وَادِّعَاءُ ذَلِكَ أَوْ كِتَابَةُ مَا يُفْهِمُهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْجَهْلِ وَالتَّهَوُّرِ فِيهِ إذْ مِنْ الشَّائِعِ الذَّائِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فَفِي الرَّضِيِّ وَمِثَالُ التَّبْعِيضِ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالْمَفْعُولُ الصَّرِيحُ مَحْذُوفٌ أَيْ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ شَيْئًا. وَإِذَا لَمْ تَذْكُرْ الْمَفْعُولَ الصَّرِيحَ أَوْ ذَكَرْتَهُ مُعَرَّفًا نَحْوَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ هَذَا فَمِنْ مُتَعَلِّقٌ بِأَخَذْتُ لَا غَيْرُ لِأَنَّهُ يُقَامُ مُقَامَ الْمَفْعُولِ نَحْوَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّرَاهِمُ مَأْخُوذٌ مِنْهَا وَلَوْ ذَكَرْتَهُ بَعْدَ الْمَفْعُولِ الْمُنَكَّرِ نَحْوَ أَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ الدَّرَاهِمِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقًا بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِ (شَيْئًا) فَيَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أَيْ شَيْئًا كَائِنًا مِنْ الدَّرَاهِمِ فَيَجُوزُ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى النَّكِرَةِ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أَوْ صِفَةً نَحْوَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَيْ مِنْ الدَّرَاهِم شَيْئًا اهـ وَكَلَامُهُ هَذَا صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ ظَرْفَ التَّبْعِيضِيَّةِ يَصِحُّ أَنْ يَكُون لَغْوًا وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِيهِ لِيَظْهَرَ لَكَ مَا ارْتَكَبَهُ هَذَا الْمُجِيبُ مِنْ الْقَبَائِحِ وَالْمُجَازَفَاتِ سِيَّمَا فِي عِلْمِهِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ إلَّا فِيهِ وَلَقَدْ وَقَعَ لِلْقَاضِي أَفْضَلِ الدِّينِ الْخُونَجِيِّ الْعَلَامَةِ فِي الْمَنْطِقِ الْمُتَمَيِّزِ فِيهِ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِنَظِيرِهِ فِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَنْطِقَهُ فِي حَدِّ التَّرِكَةِ فَزَيَّفَهُ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْفُقَهَاءِ طَرْدًا وَعَكْسًا ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ صِنَاعَاتٍ جَدَلِيَّةً لَكِنْ حَمَلَنَا عَلَى ذِكْرِهَا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَعْمِل فِي الْفِقْهِ صِنَاعَتَهُ فَأَحْبَبْنَا مُعَارَضَتَهُ أَيْ بِنَفْسِ صِنَاعَتِهِ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ التَّمَيُّزِ فِي الْفِقْهِ عَلَى وَجْهِ التَّمَيُّزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعُلُومِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّمَيُّزِ فِي بَعْضِهَا التَّمَيُّزُ فِي الْفِقْهِ بَلْ وَلَا التَّأَهُّلُ لِفَهْمِ ظَوَاهِرِهِ فَضْلًا عَنْ حَقَائِقِهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ وَلَا يَعْزُبْ عَنْكَ قَوْلُ الْفَارُوقِ ﵁ فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ الْكَلَامُ لَكِ يَا جَارَةُ فَاسْمَعِي وَعِي وَقَوْلُهُ لَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ عَرَضٌ غَيْرُ قَارٍّ جُزْءًا مِنْ الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ جِسْمٌ قَارٌّ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنْ قَبِيحِ خَطَئِهِ وَزَلَلِهِ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] لِأَنَّهُ إذَا فُرِضَ احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَتَيْنِ جُزْءَانِ مِنْ الْقَرَارِ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا فِيهِ جَعْلُ الزَّمَانِ جُزْءًا مِنْ الْجِسْمِ لِأَنَّا إذَا اسْتَعْمَلْنَا السَّاعَتَيْنِ مُرَادًا بِهِمَا الْجُزْءُ لَمْ يَدُلَّا حِينَئِذٍ عَلَى الزَّمَانِ مَعَ مُلَاحَظَةِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ فَرْضَهُ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مَعَهُ أَنَّ هُنَا زَمَانًا جُعِلَ جُزْءًا مِنْ مَكَان وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا التَّمْوِيهَ الَّذِي رَاجَ لَهُ أَوْ رَاجَ عَلَيْهِ لَمَّا قِيلَ إنَّهُ مِنْ أَكْثَرِ جَوَابِهِ هَذَا يَرُوجُ عَلَى غَيْرِهِ حَاشَا وَكَلَّا. وَقَوْلُهُ إذْ السَّقِيَّةُ هِيَ الْمَاءُ بَاطِلٌ صُرَاحٌ وَإِنَّمَا هِيَ لُغَةُ اسْمٍ لِنَبْتٍ فَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ حَيْثُ مَدْلُولُهَا لَفْظًا كَانَتْ فَعَيْلَةً بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَيْ سَاقِيَةٍ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ صَرِيحَةً فِي مُدَّعَانَا إذْ السَّاقِيَّةُ لُغَةً النَّهْرُ الصَّغِيرُ وَهُوَ اسْمٌ لِمَحَلِّ الْمَاءِ فَهِيَ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي مُدَّعَانَا وَعَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لَا دَلَالَةَ فِيهَا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا حِينَئِذٍ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي مَحَلِّهِ مَجَازٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِقَرِينَةٍ وَمَا قُلْنَاهُ عَلَيْهِ قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أُولَئِكَ فَإِنْ قَالَ السَّقِيَّةُ عُرْفًا اسْمٌ لِلْمَاءِ قُلْنَا عَادَ النِّزَاعُ السَّابِقُ فِي السَّاعَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ أَيْضًا لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فَبَطَلَ قَوْلُهُ بَلْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ إلَخْ وَقَوْلُهُ لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ بَلْ

стр. 499

وَلَا مَمْلُوكٍ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ نَاقَضَ فِي هَذَيْنِ بِذِكْرِهِ الْحِيلَةَ السَّابِقَةَ أَوَّلَ جَوَابِهِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّ النَّقِيضَيْنِ يَخْتَارُ. وَقَدْ عَقَدْتُ لِمِلْكِ الْقَرَارِ بَابًا وَذَكَرْتُ فِيهِ حُكْمَ اشْتِرَاطِ رُؤْيَتِهِ وَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ مَا وَقَعَ فِيهِ هَذَا الْمُجِيبُ مِنْ قَبِيحِ الْخَطَإِ وَالْخَطَلِ وَفَاسِدِ التَّهَوُّرِ وَالزَّلَلِ كَيْفَ وَالسُّؤَالُ الَّذِي رُفِعَ إلَيْهِ فِيهِ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ وَلَمْ يُعَوِّلْ فِي إفْتَائِهِ إلَّا عَلَى مَا قَالَهُ بِحَسَبِ زَعْمِهِ الْفَاسِدِ أَنَّ طَرِيقَ الْبَيْعِ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْقَرَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّبْعِ وَقَدْ ذَكَر هَذَا طَرِيقًا لِبَيْعِ عُيُونِ مَكَّةَ بِالذَّاتِ لِأَنَّهَا هِيَ مَحَطُّ السُّؤَالِ وَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رَوَيْتُهُ وَقَدْ مَرَّ ثَمَّ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فَرَاجِعْهُ وَقَوْلُهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ بَاطِلٌ أَيْضًا إذْ الْجَهْلُ بِالْأَصْلِ لَا يُنَافِي الْحُكْمَ لِوَاضِعِ الْيَدِ بِالْمِلْكِ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي الْبَابِ السَّادِسِ. وَقَوْلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ عَالِمُ الْحِجَازِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا تَحْرِيفٌ لِكَلَامِهِ كَمَا سَبَقَ ثَمَّ مَبْسُوطًا فَرَاجِعْهُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَزَ ذَلِكَ فِي مَقَامِ السُّؤَالِ وَالسَّائِلُ لَا يُحْتَجُّ بِكَلَامِهِ سِيَّمَا وَقَدْ رَدَّهُ شَيْخُهُ كَمَا مَرَّ أَيْضًا بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ عَالِمَ الْحِجَازِ هَذَا خَالَفَ الشَّيْخَيْنِ فِي تَصْنِيفٍ أَوْ إفْتَاءٍ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِاَلَّذِي فِيهِ يُقَالُ عَلَيْهِ كَأَنَّكَ تُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى نَفْسِكَ بِجَامِعِ أَنَّكَ مَكِّيٌّ مِثْلُهُ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا لَقَدْ بَذَلْتَ جَهْدَكَ فِي إظْهَارِ دِرَايَتِكَ لِلنَّاسِ وَكَيْفَ لَا وَجَوَابُكَ هَذَا مَعَ إمْعَانِكَ فِي تَحْرِيرِهِ وَتَنْقِيحِهِ الْأَيَّامَ الْعَدِيدَةَ وَمُرَاجَعَتِكَ لِمَنْ أَمْلَى عَلَيْك أَكْثَرَهُ أَوْ حَرَّرَهُ لَكَ عَلَى مَا قِيلَ مُنْبِئٌ عَنْ تِلْكَ الْأَفْكَارِ الْغَرِيبَةِ وَالْأَنْظَارِ الْعَجِيبَةِ وَاتِّسَاعِ خِرْقِكَ عَلَى رَاقِعِهِ وَشَلَلِ سَاعِدِكَ عَلَى رَافِعِهِ فَجَاءَ سَعْيُهُ هَبَاءً مَنْثُورًا وَحَقَّ نَفْسَهُ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] تَابَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِكَرَمِهِ وَوَفَّقَنَا لِأَدَاءِ شُكْرِ نِعَمِهِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِالْإِخْلَاصِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَعَصَمَنَا مِنْ الْخَطَإِ وَالْخَطَلِ وَالزَّلَلِ وَبَصَّرَنَا بِعُيُوبِ نُفُوسِنَا الْأَبِيَّةِ وَأَجْزَلَ لَنَا سَوَابِغَ جَوْدَةِ الْمَوَاهِبِ الْعَلِيَّةِ وَخَتَمَ لَنَا أَجْمَعِينَ بِالْحُسْنَى وَبَلَّغَنَا بِفَضْلِهِ الْمَقَامَ الْأَسْنَى وَجَادَ عَلَيْنَا بِرِضَاهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاهُ إنَّهُ هُوَ الْجَوَّادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ مَا دَامَ سُؤْدُدُهُ وَعُلَاهُ آمِينَ وَوَافَقَ الْفَرَاغُ مِنْ تَصْنِيفِهِ خَامِسَ شَعْبَانَ مِنْ شُهُورِ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ أَحْسَنَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا فِي عَافِيَةٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ إنَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَغَيْرِهِ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ فَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَإِلَيْهِ مَفْزَعُنَا فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (وَسُئِلَ) ﵁ وَأَدَامَ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ هَلْ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ السُّفُوحُ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهَا السَّيْلُ إلَى الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ وَفِي بَيْعِ الدَّارِ الْمَحَلَّاتِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيهَا الْقُمَامَاتُ وَيُطْعَمُ فِيهَا الدَّوَابُّ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا أَمْ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِذِكْرِهِ أَوْ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَإِذَا عَرَفَ الْمُوَثِّقُ أَنَّهُمَا أَرَادَا ذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ هَلْ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْوَثِيقَةَ بِذَلِكَ أَمْ لَا يَجُوزُ لَهُ كَتْبُ ذَلِكَ إلَّا بِتَعْيِينِهِ فِي الْبَيْعِ أَوْ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ أَوْ بِإِخْبَارِ الْبَائِعِ بِإِرَادَةِ ذَلِكَ وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُ دَارَ فُلَانٍ فَاكْتُبْ لِي بِهِ وَثِيقَةً هَلْ يَجُوزُ لَهُ وَهَلْ يَكْفِي إخْبَارُ ثِقَةٍ بِذَلِكَ وَقُلْتُمْ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِكُمْ نَفَعَ اللَّهُ بِكُمْ وَبِمُصَنَّفَاتِكُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُوَثِّقِ أَنْ يَكْتُبَ إلَّا بِمَا يَشْهَدُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ مُرَاعَاةَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَذَلِكَ قَدْ يَتَعَسَّرُ فَمَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا يَدْخُلُ فِي نَحْوِ بَيْعِ الْأَرْضِ مَسِيلُ الْمَاءِ وَلَا شِرْبُهَا أَيْ نَصِيبُهَا مِنْ الْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ حَتَّى يَشْرُطَهُ كَأَنْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا هَذَا فِي الْخَارِجِ عَنْهَا أَمَّا الدَّاخِلُ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ فَلَا رَيْبَ فِي دُخُولِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّبْكِيّ ﵀ وَغَيْرُهُ. وَإِنَّمَا دَخَلَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِيمَا لَوْ اكْتَرَاهَا لِغَرْسٍ أَوْ زَرْعٍ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِهِ أَمَّا نَصِيبُهَا مِنْ مُبَاحٍ كَالسُّفُوحِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَجَارِي

стр. 500

الْمَاءِ الَّتِي يَصِلُ مِنْهَا السَّيْلُ إلَى الْأَرْضِ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ حُقُوقِهَا فَيَنْتَقِلُ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا وَأَمَّا نَحْوَ الدَّارِ فَإِنْ كَانَتْ فِي شَارِعٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَرِيمٌ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي دَرْبٍ مَسْدُودٍ كَانَ لَهَا حَرِيمٌ فَيَدْخُلُ هُوَ وَمَا فِيهِ فِي بَيْعِهَا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا وَلَيْسَ لِلْمُوَثِّقِ أَنْ يَكْتُبَ إلَّا مَا تَلَفَّظَا بِهِ أَوْ ذَكَرَا أَنَّهُمَا أَرَادَاهُ وَأَمَّا كَوْنُهُ يُفْهَمُ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا أَرَادَا شَيْئًا وَيَكْتُبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَا لَهُ أَنَّهُمَا أَرَادَاهُ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُمَا قَدْ لَا يُرِيدَانِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْسِرَ كُلًّا مِنْهُمَا عَنْ لَفْظِهِ وَمُرَادِهِ بِهِ وَيَكْتُبَ أَلْفَاظَهُمَا كَمَا هِيَ حَتَّى إذَا رُفِعَتْ لِحَاكِمٍ قَضَى فِيهَا بِمَذْهَبِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ جَلِيٌّ لَا إشْكَالَ فِيهِ. وَلَيْسَ فِي مُرَاعَاتِهِ عُسْرٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَعَلَى الْمُوَثِّقِ الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ مَا أَمْكَنَهُ وَلْيَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ «عَلَى مِثْلِ هَذِهِ فَاشْهَدْ» فَلَا يَجُوزُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ إلَّا بِمَا تَيَقَّنَهُ دُونَ مَا ظَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَنْ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ دَرَاهِمُ فِي وَقْتِ مَحِلِّهَا فَطَالَبَ مَالِكَهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعَيْنُ فَقَالَ لَهُ مَا عِنْدِي مَا أُخَلِّصُكَ بِهِ وَلَكِنْ اصْبِرْ عَلَيَّ إلَى حَصَادِ الْحِنْطَةِ يَعْنِي الصَّيْفَ وَهُوَ فِي وَقْتِ الشِّتَاءِ فَقَالَ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ لَا بَأْسَ إنِّي أَبْغِي بَيْعَهَا مِنْكَ كُلَّ مُحَلِّقٍ بِرِبْعَتَيْ حَبٍّ إلَى الصَّيْفِ هَلْ يَصِحُّ هَذَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا يَصِحُّ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ حَقَّهُ مَتَى شَاءَ وَهَلْ إذَا أَيْسَرَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَقَالَ لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ خُذْ فَقَالَ مَا آخُذُ إلَّا الْحَبَّ الَّذِي فِي ذِمَّتِكَ فَإِنَّكَ غَرَّرْتَنِي؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ وَقْتَ الْبَيْعِ الْمُرَادُ بِهِ الْحَصَادُ مَجْهُولٌ وَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ الْمُطَالَبَةُ مَتَى شَاءَ وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ الْحَبِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - عَنْ شَخْصَيْنِ ابْتَاعَا عَيْنًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ. بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا يُحْضِرُ مِنْ الثَّمَنِ نَحْوَ الصَّيْفِ هَلْ يَصِحُّ هَذَا الضَّمَانُ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الضَّمَانِ هَلْ يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا مَا يُحْضِرُ مِنْ الثَّمَنِ أَمْ لَا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ يَصِحُّ الضَّمَانُ وَالْبَيْعُ فِيمَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِيمَا إذَا شَرَطَا فِيهِ أَنَّ كُلًّا يَضْمَنُ الْآخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فِي مَسْأَلَةِ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ دُونَ الْمُشْتَرِي فِي مَسْأَلَةِ النَّجْشِ مَعَ أَنَّ كُلًّا وُجِدَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي الْبَحْثِ وَالتَّفْتِيشِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْمُشْتَرِي مُقَصِّرٌ أَكْثَرَ لِسُهُولَةِ الْبَحْثِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي الْبَلَدِ بِخِلَافِ الْبَائِعِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ غَرِيبًا لَا يَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ نِصْفَ زَرْعٍ وَشَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الزَّرْعَ مَرْهُونٌ عِنْدَهُ بِالثَّمَنِ أَعْنِي عِنْدَ الْبَائِعِ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ أَمْ يَفْسُدَانِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ الْأَذْرَعِيِّ فِي التَّوَسُّطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ رَهْنُهُ غَيْرَ الْمَبِيعِ فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَبِيعِ نَفْسِهِ رَهْنًا بِالثَّمَنِ بَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ اهـ فَهَلْ هُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَمْ لَا وَالْمَسْئُولُ مِنْكُمْ حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ جَوَابُكُمْ عَنْ ذَلِكَ وَإِلَّا حَصَلَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ وَفِتْنَةٌ وَمَعَ عِلْمِكُمْ أَيْضًا أَنَّ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوا فِي الدَّعَاوَى أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ عَيْنًا فَلَهُ أَخْذُهَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَإِلَّا وَجَبَ الرَّفْعُ إلَى الْقَاضِي فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ فَهَلْ يَجُوزُ قَهْرُ مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ وَلَوْ حَصَلَتْ الْفِتْنَةُ أَوَّلًا. فَإِنْ قُلْتُمْ لَيْسَ هُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا لِأَنَّ الْبَائِعَ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ قُلْنَا إنَّ الْمُشْتَرِيَ لَهُ نِصْفُ الزَّرْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَامْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ تَسْلِيمِ جَمِيعِ الزَّرْعِ إلَّا بِتَسْلِيمِ ثَمَنِ النِّصْفِ الْمَبِيعِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ رَهْنُهُ هُوَ النِّصْفَ الْمَبِيعَ بَطَلَ الْبَيْعُ

стр. 501

وَالشَّرْطُ وَكَذَا إنْ شَرَطَ رَهْنَ الْكُلِّ أَوْ رَهْنَ الزَّرْعِ أَوْ نِصْفِهِ أَوْ أَطْلَقَ وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ غَيْرَ الْمَبِيعِ صَحَّا وَلِلْبَائِعِ حِينَئِذٍ حَبْسُ جَمِيعِ الزَّرْعِ حَتَّى يَأْخُذَ ثَمَنَ النِّصْفِ وَلَا يَجُوزُ حَيْثُ خِيفَتْ فِتْنَةٌ أَنْ يَسْتَقِلَّ الْمُسْتَحِقُّ بِالْأَخْذِ بَلْ يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ إلَى حَاكِمِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْهُ إنْ نَفَذَ حُكْمُهُ فِيهِ فَإِنْ فُرِضَ الْخُلُوُّ عَنْ الْحَاكِمِ فَأَمْرٌ نَادِرٌ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا كَانَ لِزَيْدٍ عَبْدٌ مَثَلًا وَلِعَمْرٍو عَبْدٌ فَبَاعَ زَيْدٌ عَبْدَهُ مِنْ عَمْرٍو بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ذَهَبًا فَرْنَسَةً ثُمَّ بَاعَ عَمْرٌو عَبْدَهُ مِنْ زَيْدٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ ثُمَّ أَبْرَأَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذِمَّةَ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ الْمَعْلُومِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَقَ عَبْدُ عَمْرٍو الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ وَثَبَتَ عَبْدُ زَيْدٍ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ عَمْرٍو مُسْتَحَقًّا بِبَيِّنَةٍ بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَهَلْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَإِذَا أَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا الرُّجُوعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِالثَّمَنِ الْمَعْلُومِ فَهَلْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي عُقِدَ بِهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَإِبْرَاءُ ذِمَّةِ مُشْتَرِي الْعَبْدِ الَّذِي خَرَجَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا فَإِنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَشْتَغِلْ لِلْبَائِعِ بِشَيْءٍ وَأَمَّا الْعَبْدُ الَّذِي أَبَقَ فَإِنْ كَانَ الْإِبَاقُ عَيْبًا بِأَنْ أَبَقَ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْبَيْعُ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِبْرَاءُ الْبَائِعِ ذِمَّةَ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ صَحِيحٌ أَيْضًا فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ الْآبِقَ بَعْد عَوْدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - هَلْ يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ وَكَذَا الْبَهِيمَةُ قَبْلَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ اللَّبَنِ بِالنَّذْرِ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ بِمَوْتِ مَالِكِهَا فَقَدْ نَصَّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ عَلَى جَوَازِ التَّفْرِيقِ بِالْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ الْمُعَلَّقِ مُطْلَقًا أَوْ بِالْمَوْتِ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ التَّفْرِيقِ بِالنَّذْرِ لِجِهَةِ تَحْرِيرِهِ وَغَيْرِهِ؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بِالْوَقْفِ وَقَدْ جَزَمَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ بِهِ كَالْعِتْقِ وَسَنَدُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ ﵀ ﵎ فِي خَادِمِهِ سَكَتُوا عَنْ أُمُورٍ مِنْهَا الْوَقْفُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَيُشْبِهَ إنْ قُلْنَا الْمِلْكُ فِيهِ لِلَّهِ فَكَالْعِتْقِ وَإِلَّا فَكَالْهِبَةِ وَيُخَالِفُ الْعِتْقَ بِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ زَوَالٍ الرِّقِّ وَاسْتِقْلَالِ الْعَبْدِ بِنَفْسِهِ. وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِي الْوَقْفِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ إعْتَاقِهِ صَحَّ وَلَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْوَقْفِ لَمْ يَصِحَّ اهـ فَافْهَمْ قَوْلَهُ إنْ قُلْنَا الْمِلْكُ فِيهِ لِلَّهِ فَكَالْعِتْقِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُ جَوَازُ التَّفْرِيقِ بِالْوَقْفِ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْقُوفِ لِلَّهِ وَاَلَّذِي جَرَيْتُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ خِلَافُهُ وَعِبَارَتُهُ وَالْأَوْجُهُ خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْخَادِمِ أَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ كَالْعِتْقِ لِأَنَّ مَنْ وُقِفَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلَّهِ بِخِلَافِ مَنْ عَتَقَ وَلِأَنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يَسْتَبِدُّ بِنَفْسِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُلَازَمَةِ الْآخَرِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ صَوَّبَ ذَلِكَ انْتَهَتْ وَأَشَرْتُ بِقَوْلِي ثُمَّ رَأَيْتُ إلَخْ إلَى قَوْلِ الْكَمَالِ الرَّدَّادِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْإِيضَاحِ وَفِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ بِالْوَقْفِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: أَحَدُهَا يَجُوزُ كَالْعِتْقِ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ كَالْهِبَةِ وَالثَّالِثُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ فَإِنْ قُلْنَا يَنْتَقِلُ إلَى اللَّهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَهُوَ غَرِيبٌ لَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابٍ وَالصَّوَابُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مُلَازَمَةِ الْآخَرِ اهـ وَعَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ امْتِنَاعِ الْوَقْفِ فِيهَا فَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ بِمَا يَأْتِي فِيهَا مِنْ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهَا وَلَا مِلْكَ حَالًّا مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْ زَمَنِ التَّحْرِيمِ بِخِلَافِ الْوَقْفُ فَإِنَّ فِيهِ الضَّرَرَ فِي الْحَالِ كَمَا مَرَّ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ عُلِمَ أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي النَّذْرِ بِالْوَلَدِ أَوْ الْأُمِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ انْعَقَدَ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مِنْ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِأَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ فِي الْحَال وَلَعَلَّ مَوْتَ الْمُوصِي يَكُونُ بَعْدَ زَمَنِ التَّحْرِيمِ فَكَذَلِكَ النَّذْرُ الْمُعَلَّقُ

стр. 502

لَا ضَرَرَ فِيهِ فِي الْحَالِ وَلَعَلَّ وُجُودَ الْمُعَلَّقِ بِهِ يَكُونُ بَعْد زَمَنِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ فَإِنْ وُجِدَ قَبْلَهُ تَأَتَّى فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي الْوَصِيَّةِ وَعِبَارَتُهُ. فَإِنْ مَاتَ أَيْ الْمُوصِي قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ زَمَنِ التَّحْرِيمِ وَقَبْلَ الْمُوصَى لَهُ بِأَحَدِهِمَا الْوَصِيَّةُ احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ يُغْتَفَرُ التَّفْرِيقُ هُنَا لِأَنَّهُ فِي الدَّوَامِ وَأَنْ يُقَالَ يُبَاعَانِ مَعًا كَمَا يَأْتِي فِي الرَّهْنِ لَكِنْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَرْهُونَ ثَمَّ مَبِيعٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا بَيْعَهُ وَحْدَهُ لَكَانَ فِيهِ تَفْرِيقُ ابْتِدَاءً بِخِلَافِهِ هُنَا فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ هُوَ الْأَوَّلُ انْتَهَتْ فَكَذَا يُقَالُ فِي النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ لَوْ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمْيِيزِ جَازَ لِلْمَنْذُورِ لَهُ حَيْثُ لَمْ يُرَدْ أَخْذُ أَحَدِهِمَا الْمَنْذُورَ لَهُ بِهِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ تَفْرِيقٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ ابْتِدَاءً وَقَصْدًا بَلْ دَوَامًا وَتَابِعًا وَالشَّيْءُ يُغْتَفَرُ فِيهِ فِي الدَّوَامِ وَتَابِعًا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَمَقْصُودًا وَإِنْ كَانَ أَعْنِي النَّذْرَ بِأَحَدِهِمَا مُنْجَزًا فَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ أَوْ مَا يَئُولُ إلَيْهِ كَنَذْرٍ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا عَلَى أَبِيهِ فَلَا تَوَقُّفَ فِي جَوَازِهِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ بِالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ بِهِ حُكْمُهُ أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَوَاضِحٌ. وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لِلْمَنْذُورِ لَهُ وَقَعَ ضِمْنًا وَالشَّيْءُ يُغْتَفَرُ فِيهِ ضِمْنًا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِ مَقْصُودًا وَمِنْ ثَمَّ جَوَّزُوا دُخُولَ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعِتْقٍ وَلَا بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ كَعَلَيَّ أَنْ أَهَبَ هَذَا الْقِنَّ لِزَيْدٍ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الْمَنْعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ الْمَنْذُورُ لَهُ إلَّا بِالْقَبْضِ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَالْمَرْهُونِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُمَلَّكُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِمَنْعِ التَّفْرِيقِ بِالْهِبَةِ فَيَكُونُ النَّذْرُ أَوْلَى لِأَنَّ الْمُتَّهِبَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْوَاهِبِ بِمَا وَهَبَ لَهُ بِخِلَافِ الْمَنْذُورِ لَهُ مُطَالَبَةُ النَّاذِرِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِمَا نَذَرَ لَهُ بِهِ فَتَعَلُّقُهُ أَتَمُّ مِنْ تَعَلُّقِ الْمُتَّهِبِ فَإِذَا امْتَنَعَتْ الْهِبَةُ مَعَ ضَعْفِهَا عَنْ تَسْوِيغِ الْمُطَالَبَةِ فَالنَّذْرُ الْقَوِيُّ عَلَى تَسْوِيغِ الْمُطَالَبَةِ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ يَحْرُمُ بَيْعُ الْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ وَيَصِحُّ وَالسِّلَاحُ لِلْحَرْبِيِّ وَلَا يَصِحُّ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَسَبُّبٌ بَعِيدٌ لِلْمَعْصِيَةِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الْعَصْرِ وَالْمُعَالَجَةِ فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْحَدِيدِ لِحَرْبِيٍّ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ سِلَاحًا بِخِلَافِ بَيْعِ السِّلَاحِ نَفْسِهِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ حُدُوثِ الْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ مَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْقِيَاسُ بِنَاؤُهُ عَلَى مَا لَوْ تَلِفَ حِينَئِذٍ قَبْلَ الْفَسْخِ وَالْأَرْجَحُ عَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ إنْ قُلْنَا الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ انْفَسَخَ لِعَدَمِ إمْكَانِ نَقْلِ الْمِلْكِ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَيُفْهَمُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ الِانْفِسَاخَ عَامٌّ فِيمَا إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ بِآفَةٍ أَوْ بِإِتْلَافِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي وَالصُّورَةُ مَا سَبَقَ فَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ غَرِمَ الْمُشْتَرِي الْأَرْشَ وَرَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ أَجَازَ فَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ عَمَّنْ بَاعَ ثَمَرَةً بِشَرْطِ الْقَطْعِ جَازَ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْعِتْقُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّرَاخِي. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ قَالَ بِعْتُكَ كُلَّ صَاعٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِدِرْهَمٍ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَطَأُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُوَلِّيًا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ لَا إشْكَالَ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَيَّنَ الْمُوَلَّى مِنْهُنَّ أَعْنِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا لَيْسَ تَعْيِينًا لِلْمَبِيعِ بَلْ تَفْصِيلٌ لِثَمَنِ صِيعَانِهِ وَالْإِلْزَامُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ جَمِيعِ الصُّبْرَةِ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَالْمَبِيعُ مَجْهُولٌ فَفَسَدَ الْبَيْعُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّنْ قَالَ أَشْرَكْتُكَ فِيمَا اشْتَرَيْتُهُ صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَدَنَانِيرَ لَمْ يَصِحَّ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ حَيْثُ يُطْلَقُ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْمُنَاصَفَةِ فَعُمِلَ بِهَذَا الظَّاهِرِ بِخِلَافِ الْعَطْفِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ ظَاهِرًا فِي

стр. 503

ذَلِكَ بِأَنْ يُحْتَمَلَ أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِيَ الْوَاجِبِ مِنْ كُلٍّ وَتَفَاوَتَهُ وَلَا مُرَجِّحَ فَبَطَلَ لِلْإِيهَامِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ مَا حَقِيقَةُ النَّقْدِ وَهَلْ لَفْظُ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَعُمُّ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَهُ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْمَضْرُوبِ وَقَدْ وَقَعَ لِلشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالْمَضْرُوبِ فَهَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ فَسَّرَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا النَّقْدَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَفْظَ الْمَضْرُوبَةِ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ أَوْ مُوَضِّحَةٌ فَلَا مَفْهُومَ لَهَا لَكِنَّ قَوْلَ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀ ﵎ قَدْ يُعَبَّرُ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ غَيْرِ الْمَضْرُوبَةِ يُرْشِدُ إلَى الثَّانِي إنْ جَعَلْنَا التَّعْبِيرَ بِهِ عَنْهُ مَجَازًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِمْ وَلِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ لَفْظِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إنَّمَا هُوَ الْمَضْرُوبُ نَعَمْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِصِدْقِهِمَا بِغَيْرِ الْمَضْرُوبَةِ فَإِذَا قُيِّدَا بِالْمَضْرُوبَةِ تَرَادَفَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عَلَى مَا مَرَّ فَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ وَصْفَ النَّقْدِ بِالْمَضْرُوبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ وَصْفُ الْحَاوِي وَالْمُحَرَّرِ لَهُ بِهِ وَأَنَّ لَفْظَ النَّقْدِ لَا يَشْمَلُ الْفُلُوسَ وَإِنْ رَاجَتْ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْبَيْعِ مِنْ شُمُولِهِ لَهَا فَغَيْرُ مُرَادٍ بِدَلِيلِ كَلَامِهِمَا فِي بَابِ الْقَرْضِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا غَلَبَ مِنْ جِنْسِ الْعُرُوضِ نَوْعٌ فَهَلْ يَنْصَرِفُ الذِّكْرُ إلَيْهِ عِنْد الْإِطْلَاقِ فِي الْعَقْدِ كَالنَّقْدِ أَوْ يُفَرَّقُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي رَجَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ الْأَوَّلُ وَكَذَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَبِيعَ صَاعًا مِنْ الْحِنْطَةِ بِصَاعٍ مِنْهَا أَوْ بِشَعِيرٍ فِي الذِّمَّةِ وَتَكُونَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ الْمَوْجُودَانِ فِي الْبَلَدِ صِنْفًا مَعْرُوفًا أَوْ غَالِبًا فِي الْبَلَدِ لَا يَخْتَلِفُ ثُمَّ يُحْضِرَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَيُسَلِّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ اهـ وَبِتَأَمُّلِهِ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْبَلَدِ غَيْرُ النَّوْعِ الْمَوْصُوفِ أَوْ تَتَعَدَّدَ الْأَنْوَاعُ وَيَغْلِبَ أَحَدُهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنْ وَقَعَ نِزَاعٌ فِي أَنَّ عِبَارَةَ الْمُتَوَلَّى الَّتِي نَقَلَ الرَّافِعِيُّ الْمَسْأَلَةَ عَنْهَا هَلْ تُفْهِمُ ذَلِكَ أَوْ تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ وَلَكِنَّ الْحَقَّ الْأَوَّلُ وَقِيَاسُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّعَامُلُ فِي بَلَدٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْفُلُوسِ الْعَدَدِيَّةِ أَوْ بِأَنْوَاعٍ وَأَحَدُهَا غَالِبٌ انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ وَكَذَا فِي الثِّيَابِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ وَأَطْلَقَ وَكَانَ لَهُمَا عُرْفٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَالنَّقْدَيْنِ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَجُوزُ التَّعَامُلُ بِالْفُلُوسِ الْعَدَدِيَّةِ نَوْعًا فِي الذِّمَّةِ وَإِذَا تَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهَا فَهَلْ يَأْتِي فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا مَا ذَكَرُوهُ فِي النَّقْدِ وَهَلْ يَكْفِي التَّعْيِينُ بِالنِّيَّةِ كَالْخُلْعِ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟ وَمَا الْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ بَنَاتٌ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَعَيَّنَا وَاحِدَةً بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ بِالْفُلُوسِ الْعَدَدِيَّةِ عَدَدًا فِي الذِّمَّةِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَأَقَرَّهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ ﵏ ﵎ بَعْد أَنْ كَانَ مَنَعَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي لِأَنَّ الْقَصْدَ أَعْدَادُهَا لَا وَزْنُهَا ثُمَّ إذَا تَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهَا إمَّا أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُهَا أَوْ تَسْتَوِيَ فَإِنْ اسْتَوَتْ فَتَارَةً تَتَفَاوَتُ قِيمَتُهَا وَتَارَةً لَا، فَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينٌ كَمَا فِي الْبَيَانِ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ صِحَاحٌ وَمُكَسَّرَةٌ لَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا صَحَّ الْعَقْدُ بِدُونِ التَّعْيِينِ وَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي مَا شَاءَ مِنْهُمَا. وَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ بِاللَّفْظِ وَلَا يَكْفِي بِالنِّيَّةِ وَفَارَقَ الْخُلْعَ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْبَيْعِ مِنْ التَّعْلِيقِ وَالصِّحَّةِ بِالْمَجْهُولِ وَالنَّجَسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النِّكَاحِ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ فَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِيهَا هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَاسْتَشْكَلَهَا بِمَسْأَلَةِ الْبَيْعِ وَاعْتَرَضَ قَوْلَهُ الْأَصَحُّ فِيهَا الصِّحَّةُ بِأَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرَ الشَّيْخَانِ فِيهَا الصِّحَّةَ إنَّمَا هِيَ فِيمَا لَوْ كَانَ اسْمُ بِنْتِهِ الْوَاحِدَةِ فَاطِمَةَ وَقَالَ زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي وَنَوَيَاهَا ثُمَّ قَالَا وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ فَصَاعِدًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِ الْمَنْكُوحَةِ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ بِأَنْ يَقُولَ بِنْتِي هَذِهِ أَوْ بِالْوَصْفِ بِأَنْ يَقُولَ بِنْتِي الْكُبْرَى أَوْ الْوُسْطَى وَهُنَّ ثَلَاثٌ قَالَ الْمُكْتَفَوْنَ بِالنِّيَّةِ أَوْ يَنْوِي وَاحِدَةً

стр. 504

بِعَيْنِهَا وَإِنْ لَمْ يُجِزْ لَفْظًا مُمَيَّزًا اهـ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْأَخِيرَةُ هِيَ صُورَةُ الْإِسْنَوِيِّ وَلَمْ يُصَحِّحْ الشَّيْخَانِ فِيهَا الصِّحَّةَ بَلْ رُبَّمَا يُشْعِرُ قَوْلُهُمَا وَقَالَ الْمُكْتَفَوْنَ بِالنِّيَّةِ بَعْدَ مَا قَبْلَهُ إنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالنِّيَّةِ هُنَا مَقَالَةٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ تَصْحِيحَ الشَّيْخَيْنِ الصِّحَّةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَإِنْ قَوَّى اعْتِرَاضَ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِيهَا بِأَنَّ الشُّهُودَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مُوَافِقَانِ لِلْمُكْتَفِينَ بِالنِّيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِجَامِعِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمْ تَتَعَدَّدْ بَنَاتُهُ وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظٍ يَشْمَلُ بِنْتَه وَبِنْتَ غَيْرِهِ شُمُولًا بَدَلِيَّا وَقَصْدُ تَزْوِيجِ بِنْتِ الْغَيْرِ بَعِيدٌ جِدًّا فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى بِنْتِهِ أَوْلَى لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ الظَّاهِرَةِ فِيهِ فَلِذَلِكَ أُثِرَتْ فِيهِ النِّيَّةُ بِخِلَافِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ بَنَاتِهِ مُتَعَدِّدَةٌ وَقَوْلُهُ بِنْتِي يَشْمَلُ كُلًّا مِنْهُنَّ وَلَيْسَ ثَمَّ قَرِينَةٌ غَيْرُ النِّيَّةِ تَكُونُ عَاضِدَةً لَهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى الِاكْتِفَاءُ بِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لِوُجُودِ قَرِينَةٍ ثَمَّ وَهِيَ عَدَمُ شُمُولِ لَفْظِهِ لِبِنْتِ الْغَيْرِ فِي حَالَةِ شُمُولِهِ لَبِنْتِهِ وَبِعَدَمِ إرَادَةِ بِنْتِ الْغَيْرِ وَعَدَمِ وُجُودِ قَرِينَةٍ هُنَا ظَاهِرَةٍ ظُهُورَ تِلْكَ الْقَرِينَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِنْتِي يَشْمَلُ كُلًّا مِنْ بَنَاتِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ وَلَا بُعْدَ فِي إرَادَةِ أَيِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. قُلْتُ جَوَابُهُمْ عَنْ الِاعْتِرَاضِ السَّابِقِ فِي النِّكَاحِ وَهُوَ أَنَّ الشُّهُودَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ وَلِذَا لَمْ يُكْتَفَ بِالْكِنَايَةِ فِي النِّكَاحِ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُكْتَفَ بِهَا فِي الْعَقْدِ لِأَنَّ الصِّيغَةَ هِيَ الْمَقْصُودُ وَالزَّوْجَةُ بِالنِّسْبَةِ لَهَا أَمْرٌ تَابِعٌ فَاغْتَفَرُوا النِّيَّةَ فِي الْأَمْرِ التَّابِعِ وَلَمْ يَغْتَفِرُوهُ فِي الْأَمْرِ الْمَقْصُودِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ فِي الزَّوْجَةِ لِكَوْنِهَا أَمْرًا تَابِعًا بِالنِّسْبَةِ لِلصِّيغَةِ سَوَاءٌ أَوُجِدَتْ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ تُؤَيِّدُ تِلْكَ النِّيَّةَ أَمْ لَا وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ تَخْصِيصَ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ بَنَاتٌ اسْمُ إحْدَاهُنَّ فَاطِمَةُ فَقَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ فَجُعِلَ هَذَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِنْتِي فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ جَزْمًا وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي الصُّورَتَيْنِ وَإِلَّا وُجِّهَ فِيهِمَا الصِّحَّةُ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بِعْتُكَ هَذَا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَهُنَاكَ نَقْدَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي الْغَلَبَةِ وَقِيمَتُهُمَا مُتَفَاوِتَةٌ حَيْثُ لَمْ يُكْتَفَ هُنَا بِالتَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمَقْصُودِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ غَيْرَ مَحْضِ النِّيَّةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ بِخِلَافِهِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّ بَعْدَ إرَادَةِ بِنْتِ الْغَيْرِ فِيمَا إذَا قَالَ زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ أَوْ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ فِي زَوَّجْتُكَ بِنْتِي قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى الْمَقْصُودِ غَيْرَ النِّيَّةِ. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهَا الِاكْتِفَاءُ بِهَا مَعَ عَدَمِ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْمَقْصُودِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْفُلُوسِ فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ كَالنَّقْدِ فَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَهُ تَعَيَّنَ وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ فِي الْبَلَدِ دَرَاهِمُ عَدَدِيَّةٌ نَاقِصَةُ الْوَزْنِ أَوْ زَائِدَتُهُ نَزَلَ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ وَالتَّعْلِيقِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْفُلُوسِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ النَّظَرِ لِوَزْنِهَا بَلْ لِمُجَرَّدِ عَدَدِهَا. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ أَوْ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ فَهَلْ يَضُرُّ جَهْلُ الْعَاقِدَيْنِ بِجُمْلَتِهِ حَالَ الْعَقْدِ إذَا ذُكِرَ فِيهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ مِقْدَارُ الْجُمْلَةِ بِالتَّأَمُّلِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فِي مَسَائِلِ الصُّبْرَةِ وَبَيْعِ الْمُرَابَحَةِ وَمَسَائِلِ الدُّورِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يُصَرِّحُ بِالصِّحَّةِ حَيْثُ ذَكَرَا مَا يُعْلَمُ بِهِ مِقْدَارُ الْجُمْلَةِ بِالتَّأَمُّلِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالطُّرُقِ الْحِسَابِيَّةِ كَطَرِيقِ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ وَغَيْرِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْسُرُ عِلْمُهُ عَلَى الْعَاقِدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا بَلْ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ الصِّحَّةَ وَإِنْ ذَكَرَا فِي الْعَقْدِ مَا يَعْسُرُ اسْتِخْرَاجُهُ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ كَبِعْتُكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَنِصْفِ وَرُبْعِ دِينَارٍ إلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَتُسْعَ وَعُشْرَ دِرْهَمٍ فَإِنَّ شَرْطَ الصِّحَّةِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَعْلَمَا قِيمَةَ الدِّينَارِ بِالدَّرَاهِمِ فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ فِيهِ سَبْعَةَ عَشَرَ وَثُلُثًا وَرُبْعًا مَثَلًا اُحْتِيجَ فِي اسْتِخْرَاجِهِ إلَى مَزِيدِ تَكَلُّفِ حِسَابٍ يَعْسُرُ اسْتِخْرَاجُهُ عَلَى كَثِيرٍ وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ الْعَقْدُ. (وَسُئِلَ) أَبْقَاهُ اللَّهُ بِمَا لَفْظُهُ وَقَعَ فِي الثَّمَنِ خِلَافٌ فَقِيلَ هُوَ النَّقْدُ وَقِيلَ مَا الْتَصَقَتْ بِهِ الْبَاءُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ

стр. 505

نَقْدًا فَهُوَ الثَّمَنُ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَا نَقْدَيْنِ أَوْ عَرْضَيْنِ فَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبَاءُ مَا ثَمَرَةُ الْخِلَافِ وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَوْ الْمُثَمَّنُ جُزَافًا كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ هَلْ يَعُمُّ النَّقْدُ وَغَيْرُهُ وَهَلْ يُقَيَّدُ بِمَا يُحِيطُ بِهِ التَّخْمِينُ وَهَلْ كَرَاهَةُ التَّخْمِينِ تَشْمَلُ الْمَذْرُوعَ وَغَيْرَهُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا مَا لَوْ بَاعَ نَقْدًا بِنَقْدٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا مُثَمَّنَ فِيهِ أَوْ عَرْضًا بِعَرْضٍ فَلَا ثَمَنَ فِيهِ بَلْ هُوَ مُقَايَضَةٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ أَوْ مُبَادَلَةٌ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَمِنْهَا إذَا قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِهَذَا الْعَبْدِ فَعَلَى الثَّانِي الْعَبْدُ الثَّمَنُ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ كَالسَّلَمِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّمَنَ مُثَمَّنًا وَمِنْهَا إذَا بَاعَهُ ثَوْبًا بِعَبْدٍ مَوْصُوفٍ صَحَّ. فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الثَّمَنَ مَا لَصِقَ بِهِ الْبَاءُ فَالْعَبْدُ ثَمَنٌ وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الثَّوْبِ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ فَقِيلَ يَجِبُ تَسْلِيمُ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ سَلَمٌ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَلَمٍ لِعَدَمِ اللَّفْظِ وَالْفُلُوسُ وَإِنْ رَاجَتْ كَالْعُرُوضِ وَالْقِيمَةُ خِلَافُ الثَّمَنِ لِأَنَّهَا مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ رَغَبَاتُ النَّاسِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ. وَقَيَّدَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْغُنْيَةِ صِحَّةَ بَيْعِ الْجُزَافِ حَيْثُ قَالَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا ذَرْعُهُ وَلَا عَدُّهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا يُخَمِّنُهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ عِنْدَ تَأَمُّلِهِ أَمَّا لَوْ عَظُمَتْ الصُّبْرَةُ عِظَمًا مُتَفَاحِشًا أَوْ كَثُرَ غَيْرُهَا مِنْ الْمَعْدُودِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَذْرُوعِ كَثْرَةً لَا يُخَمِّنُ النَّاظِرُ إلَيْهِ قَدْرَهُ فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ مُعَايَنَتِهِ نَظَرٌ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ صُبْرَةً عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ أَوْ مَائِعًا وَنَحْوَهُ فِي ظَرْفٍ مُخْتَلِفِ الْأَجْزَاءِ دِقَّةً وَغِلَظًا لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ إفَادَةِ التَّخْمِينِ بِرُؤْيَتِهِ فَهُوَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ اهـ وَمَا قَيَّدَ بِهِ مُحْتَمَلٌ وَيُحْتَمَلُ تَرْجِيحُ إطْلَاقِهِمْ وَيُفَارِقُ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ بِأَنَّ نَحْوَ الِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ شَيْءٌ لَمْ يُحِطْ بِهِ الْبَصَرُ بِوَجْهٍ فَمَنْعُهُ لِإِفَادَةِ التَّخْمِينِ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الْكَثْرَةِ لِأَنَّ الْبَصَرَ مَعَ ذَلِكَ يُحِيطُ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ وَلَيْسَ فِي بَاطِنِهِ مَا يُخَالِفُ مَا أَدْرَكَهُ النَّظَرُ فِي ظَاهِرِهِ فَالْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَاَلَّذِي فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ كَرَاهَةُ بَيْعِ الْجُزَافِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْمَذْرُوعَ وَغَيْرَهُ وَمَا وَقَعَ فِي التَّتِمَّةِ مِمَّا يَقْتَضِي اسْتِثْنَاءَ الْمَذْرُوعِ غَيْرُ مُتَّجَهٍ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - عَمَّا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ أَوْ نَحْوُهُ بِفُلُوسٍ عَدَدِيَّةٍ ثُمَّ قَبْلَ قَبْضِهَا غَيَّرَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ حِسَابَهَا بِزِيَادَةٍ فِي عَدَدِهَا الْمُقَابَلِ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ نَقَضَ فِيهِ فَمَا الَّذِي يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ وَهَلْ الْقَرْضُ وَنَحْوُهُ كَالْبَيْعِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ إقْبَاضُ الثَّمَنِ مِنْهَا عَلَى حِسَابِ مَا كَانَ التَّعَامُلُ بِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ وَإِنْ وَقَعَ التَّغْيِيرُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ لُزُومِهِ بِأَنْ كَانَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَوْ الشَّرْطِ بَاقِيًا فِيمَا يَظْهَرُ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّغْيِيرِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ فِي النَّقْدِ الشَّيْخَانِ فِي الْبَيْعِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَزَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي الْقَرْضِ وَعِبَارَةُ التَّتِمَّةِ إذَا بَاعَ مَالَهُ بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَنْعُ السُّلْطَانِ مِنْ الْمُعَامَلَةِ بِذَلِكَ النَّقْدِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْعِوَضُ مُشَارًا إلَيْهِ فَيُسَلِّمُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ الْتَزَمَهُ فِي الذِّمَّةِ فَيَأْتِي بِالْقَدْرِ الْمُلْتَزَمِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا جَاءَ بِذَلِكَ النَّقْدِ فَعَلَى الْبَائِعِ قَبُولُهُ وَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ مَا عَادَ إلَى الْعَيْنِ وَإِنَّمَا قَلَّتْ فِيهِ رَغَبَاتُ النَّاسِ فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَرَخُصَتْ الْأَسْعَارُ وَلَوْ جَاءَ بِمَا حَدَثَ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ اهـ وَشَمِلَ قَوْلُهُ مُعَيَّنٌ الْمُعَيَّنَ بِالذِّكْرِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبٌ أَوْ بِالِانْصِرَافِ إلَيْهِ كَأَنْ كَانَ ثَمَّ غَالِبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ حَصَلَتْ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دَرَاهِمُ مَوْصُوفَةٌ فَحَظَرَ السُّلْطَانُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا وَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ غَيْرَهَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَالِبَ بِقِيمَتِهَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ لِأَنَّ نِهَايَةَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَخْسًا لِقِيمَتِهَا وَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَسْتَحِقُّ بَدَلَهُ لِنُقْصَانِ قِيمَتِهِ اهـ مُلَخَّصًا وَتَنَاوَلَتْ عِبَارَتُهُ الْبَيْعَ وَالْقَرْضَ وَغَيْرَهُمَا بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُتَوَلِّي قَبْلُ وَقَوْلُهُ وَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ ظَاهِرُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطَانِ مُعْتَبَرٌ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَنَّهُ يُحَرَّمُ التَّعَامُلُ بِمَا مَنَعَ مِنْ التَّعَامُلِ بِهِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ. وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَبِقَوْلٍ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ إذَا أَمَرَ

стр. 506

وَلِيُّ الْأَمْرِ النَّاسَ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ الِاسْتِسْقَاءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ يَكُونُ الصِّيَامُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَالَ وَمَنْ أَخَلَّ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَثِمَ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ يُحْتَمَلُ تَرْجِيحُ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ تَرْجِيحُ خِلَافِهِ وَيُفَارِقُ مَسْأَلَةَ الِاسْتِسْقَاءِ بِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهَا سُنَّةٌ فَإِذَا أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ صَارَ وَاجِبًا خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَاسْتِشْهَادُهُ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الصَّوْمِ مَرْدُودٌ بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنْ التَّعَامُلِ بِنَقْدٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِغٍ لَهُ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ وَمِنْ قَوْلِهِمْ إذَا سَعَّرَ الْإِمَامُ وَجَبَ امْتِثَالُهُ وَإِنْ حَرَّمَ، عَلَيْهِ أَنْ يُحَرِّمَ التَّعَامُلَ بِهَا ظَاهِرًا لِمَا فِيهِ مِنْ شَقِّ الْعَصَا لَا بَاطِنًا لِتَعَدِّي الْإِمَامِ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا نَعَمْ إنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً عَامَّةً حَرَّمَ التَّعَامُلَ بِهَا مُطْلَقًا عَلَى الْأَوْجُهِ. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا تَقَرَّرَ عَلِمْتَ أَنْ مَسْأَلَةَ الْفُلُوسِ أَوْلَى مِنْ مَسْأَلَةِ النَّقْدِ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ النَّقْدِ فِيمَا أَبْطَلَهُ الْإِمَامُ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَسْأَلَةَ الْفُلُوسِ لَمْ يُبْطِلْهَا بَلْ غَيَّرَ حِسَابَهَا فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ أَبْطَلَهَا فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ النَّقْدِ أَيْضًا لِجَرَيَانِ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلُوا بِهَا النَّقْدَ فِيمَا مَرَّ عِنْد إبْطَالِهِ فِي الْفُلُوسِ إذَا أُبْطِلَتْ وَتَوَهُّمُ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا لَا يُجْدِي فَاحْذَرْهُ بَلْ نُقِلَ عَنْ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهَا قَائِلَةٌ بِتَسَاوِيهِمَا فِي ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ قَالَ فِي الْبَيَانِ لَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ ضَرْبِ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمُسَمَّى هِيَ الدَّرَاهِمُ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فَلَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ قِيمَتِهَا قَالَ وَإِنْ كَانَ نَقْدُ الْبَلَدِ صَرْفُ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا لِأَنَّ السِّعْرَ يَخْتَلِفُ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ﵀ ﵎ وَهَكَذَا يَفْعَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ يُسَمُّونَ الدَّرَاهِمَ وَيَتَبَايَعُونَ بِالدَّنَانِيرِ وَيَكُونُ كُلُّ قَدْرٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ دِينَارًا قَالَ وَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الدَّنَانِيرِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْكِنَايَةِ اهـ كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ ﵀ ﵎ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يُعَبِّرُونَ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ الْفُلُوسِ الْجُدُدِ وَيُسَمُّونَ عَدَدًا خَاصًّا مِنْهَا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ بِالدَّرَاهِمِ كَمَا فِي مِصْرَ وَإِقْلِيمِهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ جُدُدٍ بَلْ هَذِهِ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ إذًا لَمْ يُعَبَّرْ بِهَا عَنْ الدَّنَانِيرِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا مَعَ تَشَارُكِهِمَا فِي النَّقْدِيَّةِ وَكَوْنِهِمَا رِبَوِيَّيْنِ وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عَيْنِهِمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَالْفُلُوسُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُطْلَقَ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ مَا فِي الْبَيَانِ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَيْضًا فَهُوَ إنَّمَا بَنَى الْبُطْلَانَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْكِنَايَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الدَّنَانِيرِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهَا مَجَازًا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ إذَا عُبِّرَ بِهَا عَنْهَا صَحَّ أَيْ وَيَكُونُ تَعْبِيرُهُ بِذَلِكَ مَجَازًا كَقَوْلِك فِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا هَذِهِ دِينَارٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ صَرْفَهَا أَيْ هَذِهِ صَرْفُ دِينَارٍ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ وَأَيْضًا فَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ السِّعْرَ يَخْتَلِفُ خِلَافَ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ وَبِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِنَقْدِ الْبَلَدِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِبَلَدِ الْعَقْدِ وَأَيْضًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ الْفُلُوسِ الْجُدُدِ لَيْسَ كَقَوْلِهِ بِعْتُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ صَرْفِ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْفُلُوسُ وَتَقْدِيرُ أَعْدَادِهَا بِالتَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالدَّرَاهِمِ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ وَيُقَابَلُ كُلُّ دِرْهَمٍ مِنْهَا بِعَدَدٍ مَحْدُودٍ مَعْلُومٍ حَالَةَ الْعَقْدِ. فَإِذَا كَانَ مَا يُقَابِلُ الدِّرْهَمَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فَلْسًا فَكَأَنَّهُ قَالَ بِعْتُكَ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ فَلْسٍ فَالدِّرْهَمُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْفُلُوسِ لَا جَهَالَةَ فِيهِ وَلَيْسَ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْفُلُوسُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ صَرْفَ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ فَإِنَّ الدِّينَارَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّرَاهِمِ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ ثَمَنًا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الدَّرَاهِمُ الْمُسَمَّاةُ غَيْرَ أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِمَا لَيْسَ مَقْصُودًا بِالنَّقْدِ وَلَوْ قَالَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ حُمِلَ عَلَى الْفِضَّةِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْفُلُوسِ إذْ الْمَجَازُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَرِينَةٍ وَهِيَ التَّقْيِيدُ هُنَا لَفْظًا لَا غَيْرُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيْعِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ.

стр. 507

وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ قَالَ بِعْتُكَ نِصْفَ هَذِهِ الصُّبْرَةِ وَصَاعًا مِنْ نِصْفِهَا الْآخَرِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَخَالَفَهُ الْإِمَامُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ﵎ فَقَالَ يَصِحُّ إذَا صَحَّحْنَا بَيْعَ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ فِي الرَّوْضَةِ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الشَّاةَ إلَّا رَأْسَهَا مَثَلًا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْمَقْطَعُ مَعْلُومًا بِخِلَافِ بِعْتُكَ رَأْسَ هَذِهِ الشَّاةِ وَهِيَ مَذْبُوحَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ كَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَبِيعَ فِي الْأُولَى مَا عَدَا الرَّأْسَ مِنْ بَقِيَّةِ الشَّاةِ وَهُوَ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَقْطَعَ مَعْلُومٌ وَالْمَبِيعُ فِي الثَّانِيَةِ الرَّأْسُ وَهِيَ مَا دَامَتْ مُتَّصِلَةً بِالْجُثَّةِ مَجْهُولَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَقْطَعُ مَعْلُومًا لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى انْعِطَافَاتٍ وَعُرُوقٍ وَأَعْصَابٍ لَا تَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهَا فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهَا مَا دَامَتْ مُتَّصِلَةً لِلْجَهَالَةِ. (وَسُئِلَ) أَبْقَاهُ اللَّهُ قَالُوا فِي الْبَيْعِ لَوْ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ كَأَنْ لَا يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوْ لَا يَنْتَفِعَ لَمْ يَصِحَّ وَفَصَّلُوا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ إذَا شَرَطَ فِيهِ أَنْ لَا يَطَأَ الزَّوْجُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشَّارِطُ الزَّوْجَةَ فَلَا يَصِحُّ أَوْ الزَّوْجَ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ فَهَلَّا قِيلَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ هُنَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ بَلْ صَرِيحُهُ جَرَيَانُ مِثْلِ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ. لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا وَشَرَطَ أَنْ يُطْعِمَهُ لِغَيْرِهِ صَحَّ الْبَيْعُ إنْ كَانَ الشَّارِطُ الْمُشْتَرِيَ فَيَحْتَمِلُ تَرْجِيحه وَيَحْتَمِلُ تَرْجِيحُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ كَالشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ﵎ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْبُطْلَانِ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا وَالتَّفْصِيلِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَنَّ لِلرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ إشْكَالًا طَوِيلًا مُقَرَّرًا فِي مَحَلِّهِ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا كَانَ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ الَّتِي تَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ كَانَ الشَّرْطُ الْمُنَافِي لِمَقْصُودِهِ مُفْسِدًا لَهُ مُطْلَقًا وَإِنْ وَقَعَ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ تَنْزِيلًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ مَنْزِلَةَ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْعِوَضِ الْفَاسِدِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ فَلَمْ يُفْسِدْهُ الشَّرْطُ إلَّا حَيْثُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ لِتَحَقُّقِ الْمُنَافَاةِ حِينَئِذٍ لِمَقْصُودِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ لِأَنَّ الْمُنَافَاةَ حِينَئِذٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهِيَ كَاشْتِمَالِهِ عَلَى عِوَضٍ فَاسِدٍ وَذَلِكَ لَا يُفْسِدُهُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ بَاعَ فِي مَرَضِهِ عَيْنًا قِيمَتُهَا مِائَةٌ بِخَمْسِينَ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَةٌ فَمَا الْحُكْمُ فِي هَذَا الْبَيْعِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْخُلْعِ صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ بِجَمِيعِ الْخَمْسِينَ وَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀ ﵎ بِنَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَوْ بَاعَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ عَبْدًا بِمِائَةٍ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ فَنِصْفُهُ بِالْمِائَةِ وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِمِثْلِهِ وَزَادَ جَرَيَانَ قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ بِمَا لَفْظُهُ اُشْتُرِيَ عَبْدٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهِ مِنْهُ فَهَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا كَمَا إذَا اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا عَقْدُ عَتَاقَةٍ فَكَأَنَّ الْبَائِعَ أَعْتَقَهُ وَحِينَئِذٍ فَيَسْرِي إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مُوسِرًا بِبَقِيَّةِ قِيمَتِهِ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا نَظَرَ بِهِ السَّائِلُ لِأَنَّ الْبَاقِينَ لَا يَمْلِكُونَ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْبَائِعِ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ كِتَابٍ فَبَاعَهُ مَعَ كِتَابٍ آخَرَ لِلْوَكِيلِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ هَلْ يَصِحُّ فِيهِمَا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ وَلَا يَدْخُلُهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِهِمْ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ لِعَبْدِهِ أَنَّ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ يَدْخُلهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ هَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظٌ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ مَا تَقُولُونَ فِي بَيْعِ الْعُهْدَةِ الْمَعْرُوفِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا هَلْ هُوَ صَحِيحٌ

стр. 508

(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ هُوَ صَحِيحٌ مُعْتَدٌّ بِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَائِرُ أَحْكَامِهِ حَيْثُ خَلَا عَنْ شَرْطٍ فَاسِدٍ كَتَأْقِيتٍ وَتَعْلِيقٍ وَشَرْطٍ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ كَأَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَثَلًا لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَسْبِقُ الْعَقْدَ مِنْ تَوَاطُؤٍ عَلَى مَا لَوْ وَقَعَ فِي الْعَقْدِ لَأَفْسَدَهُ هَذَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا قَدْ أَطَالَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا قَرَّرْنَاهُ وَيَنْحُو فِي أَكْثَرِهِ نَحْوًا غَيْرَ مَذْهَبِنَا. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ نَقْلِ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ﵎ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَرْضٌ مُنَاصَفَةً فَبَاعَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا قِطْعَةً مُدَوَّرَةً لَمْ يَصِحَّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَمَا الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ بَيْعِ الْمُشَاعِ هَلْ هِيَ كَوْنُ الْبَاقِي تَنْقُصُ قِيمَتُهُ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْقِطْعَةُ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِطْرَاقُ الْمُشْتَرِي إلَيْهَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَة كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمُدَوَّرَةُ مِنْ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ فِي غَيْرِ طَرَفِ مُبَيْكِرٍ بِبَيْكَارِ تِلْكَ الْمُدَوَّرَةِ مِنْ الْأَرْضِ الْمُدَوَّرَةِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى الْأَرَاضِي الْمَمْلُوكَةِ وَحِينَئِذٍ فَالْعِلَّةُ عَدَمُ تَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ مَحْفُوفٌ بِمِلْكِ الشَّرِيكِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْقِطْعَةُ الْمَبِيعَةُ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ أَمْ طَرَفِهَا. فَإِنَّا لَا نَجِدُ قِطْعَةً مُدَوَّرَةً مِنْ أَرْضٍ فِي وَسَطِهَا أَوْ طَرَفِهَا غَيْرِ الْمُبَيْكَرِ بِبَيْكَارِهَا إلَّا وَهِيَ مَحْفُوفَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ تِلْكَ الْأَرْضِ وَتَصَوُّرُ خُلُوِّ جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْجِهَاتِ عَنْ الْإِحَاطَةِ لَا عِبْرَةَ بِهِ لِأَنَّهُ لِقِلَّتِهِ لَا يَكَادُ يُدْرَكُ لَهُ حَقِيقَةٌ مَحْسُوسَةٌ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهُ إلَّا بِخَرْقِ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ الْمُشْتَرَكِ فَلِأَجْلِهِ امْتَنَعَ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ لَا لِنَقْصِ قِيمَةِ الْبَاقِي وَإِلَّا لَاسْتَوَى إذْنُ الشَّرِيكِ وَعَدَمِهِ وَقَدْ قُيِّدَ الْبُطْلَانُ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ امْتِنَاعُ بَيْعِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ قِطْعَةً مِنْ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ حَيْثُ كَانَتْ مَحْفُوفَةً بِبَاقِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَبِيعُ مُدَوَّرًا أَمْ مُثَلَّثًا أَمْ مُرَبَّعًا أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ بِقَوْلِهِ وَقِيسَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ ذَكَرَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِآخَرَ بِعْتُكَ نِصْفَ هَذِهِ الْعَيْنِ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ فَكَيْفَ هَذَا مَعَ مَا فِي الرَّوْضَةِ فِي التَّسْطِيرِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ حَتَّى يَصِحَّ فِي نِصْفِ مَا يَمْلِكُهُ فَقَطْ فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ ﵀ ﵎ هُوَ مَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي الْعِتْقِ وَمَا رَجَّحُوهُ فِي التَّشْطِيرِ مِنْ الْإِشَاعَةِ هُوَ فِي الصَّدَاقِ فَقَطْ وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّدَاقَ جَمِيعَهُ لِلزَّوْجَةِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْفِرَاقُ فَلَفْظُهَا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ صَدَرَ مِنْهَا حَالَ مِلْكِهَا لِلْجَمِيعِ وَلَا مُرَجِّحَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ اللَّفْظِ بِبَعْضِ الْمَمْلُوكِ حَالَةَ التَّصَرُّفِ دُونَ بَعْضٍ فَحُمِلَ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْإِشَاعَةِ إذْ لَا مُرَجِّحَ وَأَمَّا الْبَيْعُ فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ فِيهِ حَالَ تَصَرُّفِهِ النِّصْفَ فَحُمِلَ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ فَهَذَا مُرَجَّحٌ لِلْحَمْلِ عَلَى الْحَصْرِ دُون الْإِشَاعَةِ فَعُمِلَ بِهِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْلِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّوْضَةِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفِ الْأَرْضِ وَقَالَ بِعْتُكَ كَذَا ذِرَاعًا مِنْ مَوْقِفِي هَذَا فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فِي الطُّولِ صَحَّ هَلْ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِمَا صَوَّرَهُ مُعْتَبَرٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَوْلُهُ وَقَفَ وَقَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ وَقَوْلُهُ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فِي الطُّولِ تَمْثِيلٌ لَا تَقْيِيدٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقِفَ عَلَى طَرَفِهَا أَوْ فِي وَسَطِهَا إذَا عَيَّنَ جِهَةَ الْمَبِيعِ مِنْ مَوْقِفِهِ وَعُلِمَ مَمَرُّهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ أَوْ نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ مَثَلًا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فِي الطُّولِ أَوْ يَسْكُتَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي ذِرَاعًا مِنْ مَوْقِفِي هَذَا فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِنْ الْمَوْقِفِ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي الذِّرَاعُ فِي الطُّولِ فَذِكْرُهُ زِيَادَةُ إيضَاحٍ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا يَقَعُ فِي بَنْدَرِ جَدَّةَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّهُ قَدْ يُبَاعُ الشَّيْءُ بِسِعْرٍ كَذَا ثُمَّ

стр. 509

يُوزَنُ هُوَ وَظَرْفُهُ وَيُحَطُّ لِلظَّرْفِ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ وَلِلْوَازِنِ شَيْءٌ وَلِلْحَمَّالِ شَيْءٌ وَقَدْ يَعْتَادُونَ دُخُولَ الظَّرْفِ وَقَدْ لَا فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ بَلْ إنْ اشْتَمَلَ الْبَيْعُ عَلَى جَهَالَةٍ أَوْ اشْتِرَاطٍ مَا لَيْسَ مَبِيعًا لِغَيْرِ مَالِكِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بَطَلَ الْبَيْعُ وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ فِي نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ يَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْوَقْفِ بِالْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ مَبِيعٌ كُلُّ كَذَا مِنْهُ بِكَذَا عَلَى مَا اُعْتِيدَ وَيَحُطُّ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ عِشْرِينَ مَثَلًا فَلَا يَجِبُ ثَمَنُ زَيْدٍ فِي مُقَابَلَتِهِ وَكَانَ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ مَرْدُودًا عَلَى ذَلِكَ بِالتَّوْزِيعِ وَمَا جُعِلَ فِي الْعَقْدِ ثَمَنًا لِلْقِنْطَارِ مَثَلًا فَهُوَ ثَمَنٌ لَهُ. وَلَمَّا رُدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمُوَزِّعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي صُورَةٍ حَطُّ الْعُشْرِ قِنْطَارٌ وَتُسْعُ قِنْطَارٍ مِنْ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ بِكَذَا وَهَذَا مِمَّا لَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ أَحَدٌ لِلْإِجْمَاعِ الْفِعْلِيِّ السُّكُوتِيِّ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مُحْكَمَةٌ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ لِمَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ اهـ فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالْوَقْفِ ظَاهِرٌ وَالْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ لَيْسَ مَوْجُودًا وَكَوْنُ الْعَادَةِ مُحْكَمَةٌ فِيمَا لِلْعَادَةِ فِيهِ دَخْلٌ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْتُ الْبُلْقِينِيُّ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ مَا يُوزَنُ كُلَّ قِنْطَارٍ مِنْهُ بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنْ يُطْرَحَ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً بِسَبَبِ الظَّرْفِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ يَزِيدُ وَقَدْ يَنْقُصُ عَنْ الْقَدْرِ الْمَطْرُوحِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَصِحُّ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ الرُّويَانِيِّ كَالْأَصْحَابِ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا السَّمْنَ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ أَزِنَهُ بِظَرْفِهِ ثُمَّ أُسْقِطُ مِنْ الثَّمَنِ بِقِسْطِ وَزْنِ الظَّرْفِ إنْ عَلِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ وَزْنَهُ وَقَدْرَ قِسْطِهِ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ قَالُوا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا السَّمْنَ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ أَطْرَحُ وَزْنَ الظَّرْفِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ حَاصِلَهُ بَيْعُ السَّمْنِ جَمِيعِهِ كُلِّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ فَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ وَزْنِ الظَّرْفِ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا إطْبَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا السَّمْنَ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُوزَنَ الظَّرْفُ مَعَهُ وَيُحْسَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَزْنُهُ وَلَا يَكُونَ الظَّرْفُ مَبِيعًا كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي بَيْعِ السَّمْنِ أَنْ يُوزَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَوْزُونُ مَبِيعًا فَلَمْ يَصِحَّ هَكَذَا أَطْلَقُوهُ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَا وَزْنَ الظَّرْفِ أَمْ لَا وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى سَمْنًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ أَوْ غَيْرِهَا فِي ظَرْفِهِ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا عَلَى أَنْ يُوزَنَ بِظَرْفِهِ وَيُسْقِطَ أَرْطَالًا مُعَيَّنَةً بِسَبَبِ الظَّرْفِ وَلَا يُوزَنَ الظَّرْفُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ غَرَرٌ ظَاهِرٌ قَالَ وَهَذَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَسْوَاقِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ بَاعَ أَمَةً ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي أَصْلَ الْحَمْلِ صُدِّقَ فَإِنْ ثَبَتَ بِالْعَرْضِ عَلَى الْقَوَابِلِ وَادَّعَى الْبَائِعُ حُرِّيَّتَهُ لِكَوْنِهِ أَعْتَقَهُ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْهُ لَمْ يُصَدَّقْ أَخْذًا بِقَاعِدَةِ يُصَدَّقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ قَالَ أَدِّ حَقِّي إلَى هَذَا الصَّبِيِّ هَلْ يَبْرَأُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ فِي الدَّيْنِ بَلْ صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لِلْعَيْنِ أَيْضًا وَأَمَّا مَا فِي الْوَسِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ رُدَّ الْوَدِيعَةَ إلَيْهِ بَرِيءَ فَالْبَرَاءَةُ فِيهِ لَيْسَتْ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ بَلْ لِلْإِذْنِ مِنْهُ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ فِي الْإِتْلَافِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ بِإِتْلَافِ مَالِهِ فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ عَصَى وَمَا فِي الْبَيَانِ مِنْ صِحَّةِ قَبْضِهِ وَلَوْ لِلدَّيْنِ ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّهُ نَاقَضَ نَفْسَهُ فَقَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ لَا يَصِحُّ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْبَيْعِ هَلْ تُضْمَنُ مَنَافِعُهُ لَوْ مَكَثَ مُدَّةً عِنْدَ الْقَابِضِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالسَّوْمِ مَضْمُونٌ فَيُحْتَمَلُ شُمُولُهُ لِلْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَلِلْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ وَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُهُ بِعَيْنِ الْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الْبَيْعِ بِخِلَافِ مَنْفَعَتِهِ وَبِخِلَافِ

стр. 510

الْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الْإِجَارَةِ عَيْنِهِ وَمَنْفَعَتِهِ وَلِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ وَلَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُنْقَدِحُ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ يَدُ أَمَانَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ وَالْمُوجَبُ لِضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ إمَّا الْعَقْدُ أَوْ التَّعَدِّي وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا تَلَفَّظَ الْبَائِعُ بِالصَّرِيحِ فَأَجَابَ الْمُشْتَرِي بِالْكِنَايَةِ أَوْ عَكْسِهِ فَهَلْ هُوَ مِنْ تَوَافُقِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ هُوَ مِنْ تَوَافُقِهِمَا فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِلَا تَوَقُّفٍ فِي ذَلِكَ لِمَنْ رَاجَعَ كَلَامَهُمْ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ بُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي بِعْتُكَ نِصْفَك وَوُقُوعِ نَحْوِ الطَّلَاقِ بِطَلَّقْتُ نِصْفَكِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ أَنَّ نَحْوَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ عُهِدَتْ فِيهِ السِّرَايَةُ وَالتَّعْبِيرُ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ فَأُثِرَ ذَلِكَ فِيهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ وُقُوعُ الْخِطَابِ صَحِيحًا وَبِعْتُكَ نِصْفَكَ غَيْرُ صَحِيحٍ أَمَّا عَلَى السِّرَايَةِ فَوَاضِحٌ إذْ الْبَيْعُ لَا يَقْبَلُهَا وَأَمَّا عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ فَلِأَنَّهُ مَجَازٌ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ بِالْمَغْشُوشَةِ وَهَلْ هِيَ مِثْلِيَّةٌ وَمَا الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا مِثْلِيَّةً هَلْ هُوَ فِي السِّكَّةِ أَوْ فِي قَدْرِ الْغِشِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ وَفِي التَّتِمَّةِ إنْ جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِهَا فَهِيَ مِثْلِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ وَإِذَا أُتْلِفَتْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا بِالنَّقْدِ الْآخَرِ وَبِالْعَكْسِ بِلَا خِلَافٍ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَى بِهَا أَنَّهُ يَذْكُرُ قِيمَتَهَا مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ وَهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا مِثْلِيَّةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ التَّتِمَّةِ فَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَالْأَذْرَعِيُّ ضَمَانُهَا بِمِثْلِهَا مِنْ السِّكَّةِ الَّتِي أُتْلِفَتْ وَإِنْ جُهِلَ مِعْيَارُهَا أَوْ مِنْ سِكَّةٍ أُخْرَى إنْ رَاجَتْ رَوَاجَهَا وَلَمْ تَتَفَاوَتْ قِيمَتُهَا. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - عَمَّا إذَا خَرِسَ الْبَائِعُ أَوْ الرَّاهِنُ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ أَوْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ فَمَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ يَقُومُ الْقَاضِي مَقَامَهُ فَيَفْعَلُ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ. (وَسُئِلَ) رَضِيَ اللَّهُ ﵎ هَلْ ذِكْرُ حُدُودِ الْمَبِيعِ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ فِي الْعَقْدِ مِمَّا يَطُولُ بِهِ الْفَصْلُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ هَذَا مِنْ مَصَالِحِ الْعَقْدِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ وَاجِبَاتِهِ إذَا تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهُ وَإِنْ كَانَا عَارِفَيْنِ بِتِلْكَ الْحُدُودِ قَبْلَ الْعَقْدِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَمَشَى عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ وَلَا تَغْتَرَّ بِخِلَافِهِ أَيْ وَإِنْ قَالَ بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ كَالْإِسْنَوِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُثْبِتِهَا لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَلِأَنَّ إقْدَامَ الْمُنْكِرِ عَلَى الْعَقْدِ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ فَفِيهِ تَكْذِيبٌ لَدَعْوَاهُ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ جَمَاعَةٍ بَاعُوا أَرْضًا بَيْعًا صَحِيحًا وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ حَنَفِيُّ الْمَذْهَبِ وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ سُنُونَ فَادَّعَى الْبَائِعُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَبِيعَ وَقْفٌ عَلَيْنَا فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ بَعْدَ الثُّبُوتِ لَدَى الْحَاكِمِ وَالْحُكْمِ بِهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ الْمَذْكُورِ تَنَاقَضَ فِيهَا كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي مَوَاضِعَ وَالْمُعْتَمَدُ فِيهَا بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ هُوَ مِلْكِي لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى بِعْتُكَ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ بَاعَهُ وَهُوَ مِلْكُهُ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ لَا يَمْنَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُرَجَّحَات وَمَا فِي أَصْل الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ لَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّنْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ وَأَنَّهُ قَدَّمَ الْإِشْهَادَ عَلَى الْقَبْضِ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ خَصْمِهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ

стр. 511

تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ خَصْمِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ خَصْمِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ نَقْلًا وَمَعْنًى فَالْوَجْهُ خِلَافُهُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ لَا يَخْفَى مَا عَلَيْهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ بَيْعِ الْخُمُورِ وَتَعَاطِي الرِّبَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ تَحِلُّ مُعَامَلَتُهُمْ وَهَدَايَاهُمْ وَتُحَرَّمُ مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ حَرَامًا مُعَيَّنًا جَازَتْ مُعَامَلَتُهُمْ وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِمْ فَإِنَّهُ ﷺ قَبِلَ هَدَايَاهُمْ أَمَّا إذَا تَحَقَّقَ كَأَنْ رَأَى ذِمِّيًّا يَبِيعُ خَمْرًا وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَأَعْطَاهُ لِلْمُسْلِمِ عَنْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ قَبُولُهُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ عَنْ النَّصِّ مَا يُوَافِقُهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَقِيدَتِنَا وَإِنْ كُنَّا نُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأَكْلِ مِنْ أَمْوَالِ الظَّلَمَةِ وَمَنْ أَكْثَرُ أَمْوَالِهِ حَرَامٌ فَيُكْرَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ عَيْنَ الْحَرَامِ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِهِ وَيُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ صَارَ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَحَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَلَا مِنْ أَيْنَ مَشْرَبُهُ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ أَدْخَلَهُ» ظَاهِرٌ فِيمَنْ يُقْدِمُ عَلَى تَنَاوُلِ مَا حَلَّ بِيَدِهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ حَرَامٍ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ اقْتَضَى الْوَرَعُ تَرْكَهُ. وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي غَيْرِ الْبَسِيطِ تَحْرُمُ مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ بَالَغَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي رَدِّهِ وَقَالَ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِنَا وَإِنَّمَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْأَبْهَرِيِّ الْمَالِكِيِّ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي يَدِ السُّوقَةِ حَرَامٌ لَمْ يَجِبْ السُّؤَالُ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَوَافَقَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا لَوْ اعْتَرَفَ أَنَّ بِيَدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ حَرَامٌ فِيهَا وَاحِدٌ حَلَالٌ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ بَرِّيَّةٌ بِأَلْفِ حَمَامَةٍ بَلَدِيَّةٍ وَفَرَّقَ بِأَنَّ هُنَا أَصْلًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْيَدُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْحِلِّ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمَامَةِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُخْرِجُوهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَا الْحِلُّ وَتَرَجَّحَ بِالْيَدِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مِثْلُ هَذَا الْمُرَجَّحِ فَثَارَ الْخِلَافُ وَفَارَقَ أَيْضًا مَا لَوْ اخْتَلَطَتْ مُذَكَّيَاتٌ مَحْصُورَةٌ بِمَيْتَاتٍ مَحْصُورَةٍ بِأَنَّ الْمَيْتَةَ حَرَامٌ لِذَاتِهَا وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْحَلَالِ بِيَدِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ تَحْرِيمُ الْأَخْذِ وَالْمُعَامَلَةِ إذَا كَانَ الْأَكْثَرُ حَرَامًا وَاشْتَبَهَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْحَنَابِلَةُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ بَاعَ شَيْئًا فِي يَدِهِ لَا يَدْرِي هُوَ لَهُ أَمْ لَا وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالِاحْتِيَاطِ مَا أَمْكَنَ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا اجْتَهَدَ فَلَمْ يَظْفَرَ بِعَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَهُ وَلَا نَظَرَ لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ ذِي الْيَدِ وَأَمَّا ذُو الْيَدِ إذَا لَمْ يَدْرِ اسْتِنَادَهَا لِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فَلَا تَكُونُ دَالَّةً عَلَى الْمِلْكِ فِي حَقِّهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِمْ الْيَدُ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ جَوَازُ مُعَامَلَةِ مَنْ يُعْلَمُ اخْتِلَاطُ مَالِهِ بِحَرَامٍ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ اجْتِهَادٍ فِي تَمْيِيزِ الْحَلَالِ مِنْ الْحَرَامِ وَوُجُوبُهُ عَلَى ذِي الْيَدِ إذَا اخْتَلَطَ مَا فِيهَا بِحَرَامٍ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ بِهِ لَا بِنَا وَإِذَا جَهِلَ وَتَصَرَّفَ فِي الْمُشْتَبَهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ لَا عَلَيْنَا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِظُلْمِهِ وَفِسْقِهِ قُلْنَا لِأَنَّ دَلَالَةَ الْيَدِ كَافِيَةٌ عَلَى أَنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ قَالَ لَوْ أَخْبَرَنَا فَاسِقٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَنَّهُ ذَكَّى هَذِهِ الشَّاةَ قَبِلْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّتِمَّةِ اهـ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْمٍ عُرِفُوا بِعَدَمِ تَوْرِيثِ الْبَنَاتِ كَأَهْلِ بَجِيلَةَ فَمَا حُكْمُ مَا يَجْلِبُونَهُ لِمَكَّةَ مِنْ الْحَبِّ وَاللَّوْزِ وَالزَّبِيبِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِبِرْكَتِهِ وَعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنْ عُلِمَ أَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ اكْتَسَبُوا مِنْهُ شَيْئًا مِنْ وَجْهِ حِلٍّ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ بِالْحُرْمَةِ وَتَحِلُّ مُعَامَلَتُهُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ أَكْثَرُ مَا بِأَيْدِيهِمْ حَرَامًا وَلَا يَجِبُ سُؤَالُهُمْ عَنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إلَّا ذَلِكَ الْمَوْرُوثُ فَإِنْ عُلِمَتْ عَيْنُ مَالِكِهِ وَبَقَاؤُهُ لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُمْ فِيهِ وَإِنْ فُقِدَ الْمَالِكُ أَوْ جُهِلَتْ عَيْنُهُ فَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَوْرُوثَةُ أَرْضًا فَزَرَعَهَا بِبَذْرِهِ حَلَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ أَوْ تَعَلَّقَتْ أُجْرَةُ الْأَرْض بِذِمَّتِهِ وَلِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ فِي ذَلِكَ إفْتَاءٌ فِيهِ التَّحْذِيرُ عَنْ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ وَالتَّغْلِيظُ

стр. 512

عَلَى فَاعِلِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَرَعٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شِرَاءِ الْأَرِقَّاءِ الْمَوْجُودِينَ فِي الْأَسْوَاقِ مَعَ عَدَمِ التَّخْمِيسِ كَيْفَ يَحِلُّ وَاحْتِمَالُ جَلْبِ كَافِرٍ لَهُمْ بَعِيدٌ وَلِلنَّوَوِيِّ ﵀ ﵎ فِي ذَلِكَ تَصْنِيفٌ بَيَّنُوا حَاصِلَهُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ وَلَمْ تُقَسَّمْ حَلَّ شِرَاؤُهُ لِأَنَّ طَرِيقَ مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ الرِّقُّ إثْرَ الْكُفْرِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْغَنِيمَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا أَخَذَهُ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوْ قَهَرَ حَرْبِيًّا وَاسْتَرَقَّهُ وَلَوْ أَبَاهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمَّسَ عَلَيْهِ نَعَمْ لَوْ قَهَرَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ عَتَقَا عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَهُمَا كَمَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى بِلَادِنَا مَلَكَهُ بِالْقَهْرِ. وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ حَرْبِيٍّ شَرَاهُ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ وَكَالْحَرْبِيِّ فِيمَا مَرَّ الذِّمِّيُّ فَمَا يَأْخُذُهُ الذِّمِّيُّونَ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ بِقِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُخَمَّسُ أَيْضًا فَمَتَى اُحْتُمِلَ كَوْنُ الرَّقِيقِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لَمْ يَحْرُمْ شِرَاؤُهُ وَلَا وَطْءُ الْأُنْثَى مِنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ لِاحْتِمَالِ انْتِقَالِهَا إلَيْهِ شَرْعًا أَمَّا بِمَا مَرَّ أَوْ عَمَّنْ سَرَقَهَا عَلَى مَا يَأْتِي أَوْ بِشِرَائِهِ خُمْسَهَا مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ أَوْ كُلَّهَا مِنْهُمْ إنْ كَانَتْ فَيْئًا أَوْ مِنْ الْغَانِمِينَ إنْ كَانَتْ غَنِيمَةً وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَوَرِّعِينَ إذَا أَرَادَ التَّسَرِّيَ بِجَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا ثَانِيًا مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى مَا فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا احْتِمَالُ بَقَاءِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ سَهْلٌ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْآخِذَ لَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ بِسَرِقَةٍ أَوْ نَهْبٍ لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ مِنْهُ قَبْلَ تَخْمِيسِهِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهِ حَتَّى فِي نَحْوِ الْمَسْرُوقِ. وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ رَجَّحَ مُقَابِلَهُ مُرَجِّحُونَ وَاعْتَمَدَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَعَلَيْهِ يَحِلُّ شِرَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يُخَمِّس وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أُصُولُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ وَطْءِ السَّرَارِيِّ اللَّاتِي يُجْلَبْنَ الْيَوْمَ مِنْ الرُّومِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ إلَّا أَنْ يُنَصِّبَ الْإِمَامُ مَنْ يُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَقَوْلُ الْفَزَارِيّ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ بِحَالٍ وَلَا تَخْمِيسُهَا وَلَهُ أَنْ يُفَضِّلَ وَيَحْرِمَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ رَدَّهُ النَّوَوِيُّ ﵀ ﵎ فِي تَصْنِيفِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَوَافَقَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ وَلَوْ انْتَصَرَ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمَا - وَأَنَّ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ وَتَعَالَى عَنْهُ قَوْلًا بِمِثْلِهِ وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ الْأَمِيرَ إذَا قَالَ لَلْغَانِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ لَا بَعْدَهَا مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فَهُوَ لَهُ صَحَّ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ وَالْغَانِمُونَ مُقَلِّدِينَ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَفَعَلُوا ذَلِكَ فَهَلْ يَحِلُّ لِلشَّافِعِيِّ مَا دَامَ عَلَى مُعْتَقَدِهِ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ الْأَوْجَهُ لَا لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مَالِكِينَ عِنْدَهُ فَإِنْ قَلَّدَ إمَامُهُمْ جَازَ فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهَا غَنِيمَةٌ لَمْ تُخَمَّسْ فَهَلْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى تَمَلُّكِهَا قُلْتُ إنْ عُلِمْتَ عَيْنُ الْغَانِمِينَ فَلَا طَرِيقَ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا بِأَنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ فَهِيَ مَالٌ ضَائِعٌ وَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَحِينَئِذٍ فَلِمَنْ يَسْتَحِقُّ فِي خُمْسِ الْمَصَالِحِ شَيْئًا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِطَرِيقِ الظَّفْرِ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ حَيْثُ قَالَ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ. لَوْ لَمْ يَدْفَعْ السُّلْطَانُ إلَى كُلِّ الْمُسْتَحَقِّينَ حُقُوقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ قَالَ فِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَلَا يَدْرِي حِصَّتَهُ مِنْهُ حَبَّةً أَوْ دَانَقَ أَوْ غَيْرَهُمَا وَهُوَ غُلُوٌّ وَالثَّانِي يَأْخُذُ قُوتَ كُلِّ يَوْمٍ فِيهِ وَالثَّالِثُ كِفَايَةُ سَنَةٍ وَالرَّابِعُ يَأْخُذُ مَا يُعْطَى وَهُوَ حَقُّهُ وَالْبَاقُونَ مَظْلُومُونَ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُشْتَرَكًا كَالْغَنِيمَةِ وَالْمِيرَاثِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُمْ حَتَّى لَوْ مَاتُوا قُسِّمَ بَيْنَ وَرَثَتِهِمْ، هُنَا لَا يَسْتَحِقُّ وَارِثُهُ شَيْئًا وَهَذَا إذَا صُرِفَ إلَيْهِ مَا يَلِيقُ صَرْفُهُ إلَيْهِ اهـ فَتَقْرِيرُ النَّوَوِيِّ وَالْغَزَالِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ﵎ عَلَى تَرْجِيحِ الرَّابِعِ لِكَوْنِهِ الْقِيَاسَ ظَاهِرٌ فِي اعْتِمَادِهِ لِذَلِكَ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ جَوَازُ الْأَخْذِ ظَفْرًا سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ أَحْوَجُ مِنْهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَغَوِيِّ أَمْ لَا خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ وَابْنُ جَمَاعَةَ حَيْثُ قَالَ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ وَلِمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ إذَا عَدِمَ الْحَاكِمُ الْعَادِلُ أَنْ يَصْرِفَهُ لِنَفْسِهِ إذَا

стр. 513

كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَلِيقُ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَبِالْجَوَازِ أَيْضًا صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثًا قِيَاسًا عَلَى مَالِ الْغَرِيمِ قَالَ بَلْ أَوْلَى وَنُقِلَ عَنْ مُحَقِّقِ عَصْرِهِ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ مَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ أَيْضًا فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ قِيلَ الْجِزْيَةُ لِلْأَجْنَادِ عَلَى قَوْلٍ أَوْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ عَلَى قَوْلٍ وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ لَا يَتَوَرَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْخِلَافِ فِيهَا مَعَ ظُهُورِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْجُنْدَ قَدْ أَكَلُوا مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ أَكْثَرَهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ الْجِزْيَةِ مَا يَكُونُ قِصَاصًا بِبَعْضِ مَا أَخَذُوهُ وَأَكَلُوهُ فَتَصِيرُ كَمَسْأَلَةِ الظَّفْرِ اهـ فَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ إطْلَاقِ مَنْعِ الْأَخْذِ ظَفْرًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْآخِذُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ أَخَذَ فَوْقَ حَقِّهِ وَإِلَّا فَإِطْلَاقُهُ ضَعِيفٌ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ الْمَيْلَ إلَيْهِ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَنْ لَهُ حَظٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَظَفِرَ بِمَا هُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَهُ أَخْذُهُ دِيَانَةً. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّنْ قَلَّدَ إمَامًا فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ فَهَلْ لِمُقَلَّدِ مَنْ لَمْ يَرَ عَدَمَ سُقُوطِهَا الشِّرَاءُ مِنْهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِعَقِيدَتِهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ رَأَى مُسْلِمًا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا فَاسِدًا فِي اعْتِقَادِهِ جَائِزًا فِي اعْتِقَادِ الْمُتَصَرِّفِ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبْضُهُ عَنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْحِلَّ بَاطِنًا. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَتِنَا بِأَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُقَلِّدْ ذَلِكَ الْإِمَامَ وَلَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِسُقُوطِ الزَّكَاةِ لَا يَحِلُّ الشِّرَاءُ مِنْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ خِلَافًا لِمَنْ أَطَالَ فِيهِ بِمَا لَا يُجْدِي وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالْمُعَامَلَاتِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إذْ الْمَدَارُ عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ حِلَّ تَنَاوُلِهِ وَهُوَ حَيْثُ بَقِيَ عَلَى تَقْلِيدِ إمَامِهِ وَلَا حُكْمَ يَعْتَقِدُ عَدَمَ حِلِّ تَنَاوُلِهِ وَلَوْ بَاعَ الْمَالِكُ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَمُطَالَبَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوعِ وَلَا نَظَرَ لِعَقِيدَةِ الْمُشْتَرِي. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّا إذَا بَاعَهُ دَارًا بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ عَبْدَهُ فَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ إتْيَانَهُ مَعَ الْجَهْلِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا أَوْ مَعَ عِلْمِهِمَا لَا أَحَدِهِمَا بِهِ صَحَّ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْعِلْمِ أَوْ الْجَهْلِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُمَا عَالِمَانِ وَالْآخَرُ أَنَّهُمَا جَاهِلَانِ صُدِّقَ مُدَّعِي الْجَهْلِ بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ جَهْلَهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا كَانَ جَاهِلًا يَبْطُلُ وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا وَأَنْتَ عَالِمَانِ فَقَالَ الْآخَرُ أَنَا عَالِمٌ وَأَنْتَ جَاهِلٌ صُدِّقَ الْأَوَّلُ نَظِيرَ مَا مَرَّ إذْ عِلْمُهُ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَتِهِ فَصُدِّقَ فِيهِ وَإِنْ قَالَ أَنَا جَاهِلٌ وَأَنْتَ عَالِمٌ صُدِّقَ الثَّانِي كَمَا مَرَّ وَلَا تَخْرُجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مُدَّعِي الْفَسَادِ وَمُدَّعِي الصِّحَّةِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الرُّؤْيَةِ إذْ الْأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِيهمَا مُطْلَقًا لِمَا قَرَّرْته مِنْ أَنَّ دَعْوَاهُ الْعِلْمَ أَوْ الْجَهْلَ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ بِخِلَافِ الرُّؤْيَةِ أَوْ عَدَمِهَا إذْ يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ حَيْثُ صَدَّقْنَا وَاحِدًا فِيمَا مَرَّ فَإِنَّمَا نُصَدِّقُهُ بِيَمِينِهِ وَلَوْ عُلِمَ مِنْ حَالِ مُدَّعِي الْعِلْمِ أَوْ الْجَهْلِ خِلَافُ دَعْوَاهُ كَفَقِيهٍ حَاذِقٍ ادَّعَى الْجَهْلَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ وَكَقَرِيبِ عَهْدٍ بِتَعَلُّمٍ لِنَشْأَةٍ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ أَوْ بِإِسْلَامٍ ادَّعَى الْعِلْمَ بِذَلِكَ فَهَلْ يُصَدَّقُ حِينَئِذٍ مُدَّعِي الصِّحَّةِ أَوْ يُصَدَّقُ مَنْ سَاعَدَتْهُ شَوَاهِدُ الْحَالِ لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ وَكَلَامُهُمْ فِيمَا لَوْ ادَّعَى قِدَمَ الْعَيْبِ أَوْ حُدُوثَهُ وَالْعَادَةُ تَشْهَدُ بِخِلَافِهِ يُومِئُ إلَى تَرْجِيحِ الثَّانِي. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ بِمَا لَفْظُهُ إذَا حَكَرَ الْإِمَامُ فَيُعَزَّرُ مُخَالِفُهُ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ مَا سَعَّرَ بِهِ وَإِنْ كَانَ سِرًّا فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ يُعَزَّرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ أَغْلَبِيَّةً إذْ لَمْ يَسْتَثْنُوا ذَلِكَ مِنْ طَرْدِهَا وَلَا مِنْ عَكْسِهَا لَكِنَّ قَوْلَهُمْ لَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِمُحَرَّمٍ لَمْ يَجِبْ امْتِثَالُهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ

стр. 514

مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ اعْتِمَادُهُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى جَوَازَ التَّسْعِيرِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَلَوْ فِي السِّرِّ وَحَيْثُ لَا وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِي الْجَهْرِ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَةِ لَا فِي السِّرِّ لِأَنَّ أَمَرَهُ بِمُحَرَّمٍ فِي اعْتِقَادِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُرْمَةٌ إلَّا فِي الْجَهْرِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُخْشَى مِنْ عَدَمِ طَاعَتِهِ قِيَامُ الْفِتْنَةِ وَوُقُوعُ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ. وَلَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِمُحَرَّمٍ لَمْ يَجِبْ امْتِثَالُهُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا فِي اعْتِقَادِهِ بَلْ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا فِي اعْتِقَادِ الْمَأْمُورِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ هُنَا وَهُوَ الْبَيْعُ بِثَمَنِ كَذَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَى الْمَأْمُورِ فَوَجَبَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ حِينَئِذٍ إذْ لَا حُرْمَةَ عَلَى الْمَأْمُورِ فِي امْتِثَالِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِمَكْرُوهٍ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَيَنْقَلِبُ الْفِعْلُ حِينَئِذٍ وَاجِبًا وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ فَإِنْ قُلْتَ التَّحْكِيرُ إكْرَاهٌ عَلَى الْبَيْعِ إلَّا بِثَمَنِ كَذَا وَشَرَطَ الْبَائِعُ الِاخْتِيَارَ فَكَانَ يَنْبَغِي بُطْلَانُ الْبَيْعِ مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ لَهُ هُوَ الْإِمَامَ قُلْتُ صُورَةُ الْإِكْرَاهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أَنْ يُقَالَ لِشَخْصٍ بِعْ كَذَا وَإِلَّا ضَرَبْتُكَ أَوْ نَحْوَهُ وَأَمَّا التَّحْكِيرُ هُنَا فَلَيْسَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا أَوْ بِثَمَنِ كَذَا حَتْمًا بَلْ الْمُرَادُ إذَا أَوْقَعْتَهُ بِاخْتِيَارِكَ يَكُونُ بِثَمَنِ كَذَا فَلَيْسَ فِيهِ إجْبَارٌ عَلَى بَيْعِهِ أَلْبَتَّةَ بَلْ عَلَى ثَمَنٍ مُعَيَّنٍ إذَا اخْتَارَ إيقَاعَ الْبَيْعِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ وَوَلَدِهَا قَبْلَ التَّمْيِيزِ بِالسَّفَرِ بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ لِإِمْكَانِ صُحْبَتِهَا لَهُ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِمَادُهُ وَيَشْهَدُ لِلْحُرْمَةِ عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَيُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ أَنَّ الْمُتَزَوِّجَةَ بِغَيْرِهِ وَالْمُطَلَّقَةَ الْعَاجِزَةَ عَنْ السَّفَرِ لِعِلَّةٍ أَوْ فَقْرٍ كَاَلَّتِي فِي عِصْمَتِهِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُرْمَةِ بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ أَوْ الْقَصِيرِ وَلَا بَيْنَ سَفَرِ النَّقْلَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ قَرِيبٌ إذْ يَلْزَمُهُ فِي سَفَرِ النَّقْلَةِ السَّفَرُ بِزَوْجَتِهِ أَوْ طَلَاقِهَا وَأَنَّهُ يَجُوزُ السَّفَرُ بِابْنِ الْمُطَلَّقَةِ الْقَادِرَةِ عَلَى السَّفَرِ وَإِنْ كَانَتْ الْحَضَانَةُ لَهَا وَلَوْ كَانَ غَيْرَ سَفَرِ نَقْلَةٍ وَهُوَ قَرِيبٌ أَيْضًا. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّا إذَا قَالَ بِعْ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالْقَمُولِيُّ لَا يَصِحُّ فَهَلْ مِثْلُهُ الشِّرَاءُ وَالْوَلِيُّ وَعَامِلُ الْقِرَاضِ كَالْوَكِيلِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَا قَالَاهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ إذَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ بَيْعِهِ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ عَلَى بَعْضِهِ لِضَرَرِ التَّبْعِيضِ وَإِنْ فُرِضَ فِيهِ غِبْطَةٌ اهـ. وَهُوَ شَامِلٌ لِكَلَامِهِمَا وَلِمَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا أَنَّ الْوَلِيَّ وَعَامِلَ الْقِرَاضِ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْأَشْبَهَ بِقَوَاعِدِ بَابِ الْقِرَاضِ وَتَصَرُّفِ الْأَوْلِيَاءِ الْجَوَازُ إذَا كَانَ هُنَاكَ غِبْطَةٌ بَلْ مَصْلَحَةٌ لِأَنَّهَا مُحَقَّقَةٌ وَوُقُوعُ ضَرَرِ التَّبْعِيضِ مُتَوَهَّمٌ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ مُتَكَلِّمٍ عَلَى أَيْتَامٍ بِإِقَامَةٍ مِنْ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَلِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ حِصَّةٌ مِنْ دَارٍ عَامِرَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى أُصُولِهَا فَبَاعَ الْقَيِّمُ الْمَذْكُورُ الْحِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَسَلَّمَ ثَمَنَهَا فِي حِصَّةٍ مِنْ خَرِبَةٍ دَائِرَةٍ لَا نَفْعَ بِهَا اشْتَرَاهَا لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ عِوَضًا عَنْ الْحِصَّةِ الْعَامِرَةِ الْمَبِيعَةِ وَذَكَرَ الْمُوَرِّقُ فِي مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ أَنَّ الْقَيِّمَ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ الْحَظِّ وَالْمُصْلِحَةِ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا لَدَى حَاكِمٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُوَرِّقُ أَيْضًا أَنَّ الْخَرِبَةَ الْمُشْتَرَى مِنْهَا الْحِصَّةُ مُلَاصِقَةٌ لِدَارِ التَّمْحَانِيِّ وَأَنَّهَا مُخَلَّفَةٌ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ وَالْحَالُ أَنَّ الْخَرِبَةَ الْمُلَاصِقَةَ لِلدَّارِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَتْ مُخَلَّفَةً عَنْ هِبَةِ اللَّهِ وَلَا مَلَكهَا قَطُّ وَإِنَّمَا هِيَ لِشَخْصٍ آخَرَ وَاضِعِ يَدٍ عَلَيْهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ وَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنَّ الْخَرِبَةَ الْمُخَلَّفَةَ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ مُلَاصِقَةٌ لِهَذِهِ الْخَرِبَةِ الْجَارِيَةِ فِي مِلْكِ الشَّخْصِ الْآخَرِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ وَثَبَتَ الْعَقْدَانِ الْمَذْكُورَانِ لَدَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْقَيِّمِ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَةَ كَافِيًا أَمْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِمَا لَدَى حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَهَلْ يَكُونُ قَوْلُ الْمُوَرِّقِ أَنَّ الْخَرِبَةَ الْمُبْتَاعَ مِنْهَا الْحِصَّةُ مُلَاصِقَةٌ لِدَارِ التَّمْحَانِيِّ وَأَنَّهَا مُخَلَّفَةٌ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنَ يَقْتَضِي فَسَادَ عَقْدِ الشِّرَاءِ حَيْثُ

стр. 515

تَبَيَّنَ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مَا لَمْ يَمْلِكْ فَإِنَّهُ وَارِثُ هِبَةِ اللَّهِ أَمْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لِلْوَلِيِّ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْره شِرَاء عَقَارٍ مَا لَمْ تَنْتَفِ الْمُصْلِحَةُ عَنْهُ كَإِشْرَافِهِ عَلَى الْخَرَابِ وَبَيْعِهِ لِحَاجَةٍ كَنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ إنْ لَمْ تَفِ غَلَّتُهُ بِهَا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ أَوْ لَمْ يَرَ فِي الْقَرْضِ مَصْلَحَةً وَلِغِبْطَةٍ كَأَنْ طَلَبَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَوَجَدَ مِثْلَهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَائِعُ أَبَا أَوْ جَدًّا وَرَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي سَجَّلَ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا يُكَلِّفُهُ إثْبَاتَ حَاجَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ فَإِنَّهُ لَا يُسَجَّلُ عَلَى بَيْعِهِمَا إلَّا أَنْ أَثْبَتَا الْحَاجَةَ أَوْ الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَقَامَهُ وَأَمَّا. مَسْأَلَةُ الدَّارِ فَإِنْ قَالَ مَالِكُهَا أَوْ نَحْوه بِعْتُكَ دَارِي وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا كَهَذِهِ الدَّارِ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ غَلِطَ فِي حُدُودِهَا أَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَإِنْ قَالَ بِعْتُكَ الدَّارَ الَّتِي فِي الْمَحَلَّةِ الْفُلَانِيَّةِ وَحُدُودِهَا وَغَلِطَ فِي حُدُودِهَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا حُكْمُ بَيْعِهَا وَأَمَّا حُكْمُ الدَّعْوَى بِهَا وَالشَّهَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ مَشْهُورَةً بِاسْمٍ خَاصٍّ بِهَا كَدَارِ النَّدْوَةِ لَمْ يَحْتَجْ لِذَكَرِ شَيْءٍ مِنْ حُدُودِهَا وَإِلَّا فَإِنْ عُلِمَتْ بِثَلَاثَةِ حُدُودٍ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ إلَّا بِالْحُدُودِ الْأَرْبَعَةِ وَجَبَ ذِكْرُهَا وَمَتَى ذَكَرَ الشَّاهِدُ الْحُدُودَ وَأَخْطَأَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْقَيِّمِ لَا يَكْفِي فِي الْحَظِّ وَالْمَصْلَحَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِمَا عِنْد الْحَاكِمِ وَإِلَّا كَانَ بَيْعُهُ بَاطِلًا وَقَوْلُ الْمُوَرِّقِ فِيمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ قَادِحٌ فِي صِحَّةِ شَهَادَتِهِ وَفِي صِحَّة الْبَيْعِ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قَرَّرْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الرِّبَا] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ مَعَهُ حَبٌّ وَجَاءَهُ بَعْضُ أَهْلِ بَلَدِهِ يَبْغِي شِرَاءَ ذَلِكَ الْحَبِّ فَأَسَّسَ صَاحِبُ ذَلِكَ الْحَبِّ الْمُشْتَرَى عَلَى قَاعِدَةٍ عِنْدِهِمْ يَعْنِي أَنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ الْعِشْرِينَ مُدًّا بِثَلَاثِينَ مُدًّا مَثَلًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْحَبِّ قَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ: أَسْلِمْ لِي هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ بِثَلَاثِينَ مُدَّ حَبٍّ فَأَسْلَمَ ذَلِكَ الشَّخْصُ إلَى الَّذِي يَبْغِي شِرَاءَ الْحَبِّ وَشَرَى بِهَا ذَلِكَ الْحَبَّ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ فَهَلْ هَذِهِ الْحِيلَةُ تُخَلِّصُ صَاحِبَ الْحَبِّ بَعْدَ أَنْ أَسَّسَ قَبِلَ أَنَّ الْعِشْرِينَ بِثَلَاثِينَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْحِيلَةَ الْمُخَلِّصَةَ مِنْ الرِّبَا جَائِزَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ ﵎ لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ رِعَايَةً لِخِلَافِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَرَّمُوهَا وَقَالُوا إنَّهَا لَا تُفِيدُ التَّخْلِيصَ مِنْ الرِّبَا وَإِثْمِهِ فَإِذَا كَانَ شَخْصٌ شَافِعِيًّا وَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْهَا لِيَتَخَلَّصَ بِهِ مِنْ الرِّبَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ الَّذِي مَعَهُ لِمَنْ جَاءَ يَشْتَرِي مِنْهُ أَسْلَمْتُ إلَيْك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا صِفَتُهَا كَذَا وَيَذْكُرُ جَمِيعَ صِفَاتِهَا الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا وَيُعْطِيهِ فِي الْمَجْلِسِ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ يَهَبُهُ ذَلِكَ الْحَبَّ الَّذِي مَعَهُ وَيَنْذُرُ مُرِيدُ الشِّرَاءِ لِصَاحِبِ الْحَبِّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا فِي ذِمَّتِهِ وَصَاحِبِ الْحَبِّ دِرْهَمًا فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا فِي ذِمَّتِهِ وَصَاحِبُ الْحَبِّ يَهَبُهُ مَا مَعَهُ أَوْ يَنْذُرُ لَهُ بِهِ أَوْ يَشْتَرِي مَا مَعَهُ مِنْ الْحَبِّ بِدِرْهَمٍ وَيُسَلِّمُ صَاحِبَ الْحَبِّ دِرْهَمًا فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْحِيَلِ الصَّحِيحَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي وَرْطَةِ الرِّبَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فِيمَنْ مَعَهُ سَمْنٌ فَيَأْتِيه بَعْضُ النَّاسِ فَيَقُولُ لَا أَبِيعُ هَذَا السَّمْنَ إلَّا الرِّبْعِيَّةَ إلَى الصَّيْفِ مَثَلًا وَقْتًا مَجْهُولًا وَفِي عُرْفِهِمْ عِنْدَ حَصَادِ زَرْعِ الصَّيْفِ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ذَلِكَ السَّمْنِ فَقَالَ: بَلْ أَسْلِمْ ثَوْبَكَ أَوْ خَاتَمَكَ فِي حَبٍّ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَفَعَلَ الْبَائِعُ ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ الَّذِي أَسْلَمَ إلَيْهِ وَتَنَحَّى عَنْهُ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِ السَّمْنِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ: بِعْت مِنِّي هَذِهِ الرِّبْعِيَّةَ السَّمْنَ بِهَذَا الثَّوْبِ أَوْ الْخَاتَمِ فَبَاعَهُ فَهَلْ يَحِلُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْ لَا وَهَلْ الْخَلَاصُ مِمَّنْ فِي أَيْدِيهِمْ نَقْدَانِ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي مَكَّةَ وَهِيَ الْكِبَارُ وَأَرَادَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يَصْرِفَ مِنْ الْآخَرِ فَتَعَاقَدَا بِزَائِدِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، مِقْدَارُ الْغِشِّ فِي الْعَشَرَةِ وَاحِدٌ فَمَا الطَّرِيقُ الْمُخَلِّصَةُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْحِيلَةُ الْأُولَى صَحِيحَةٌ مُخَلِّصَةٌ مِنْ الرِّبَا لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَسَائِرِ الْحِيَلِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ

стр. 516

مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ: بِحُرْمَتِهَا وَإِنَّهَا لَا تُفِيدُ التَّخَلُّصَ مِنْ الرِّبَا وَأَمَّا الْحِيلَةُ فِي بَيْعِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ الزَّائِدِ فَهِيَ أَنْ يَهَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مَا فِي يَدِهِ أَوْ يَنْذُرُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوز لِلْمُسْلِمِ أَخْذُ الرِّبَا مِنْ الْحَرْبِيِّ وَيُقَرِّرُ عَلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَبِالتَّطْفِيفِ وَغَيْرِهِ وَمَا الْمُرَادُ مِنْ الْحَرْبِيِّ وَمَا عَلَامَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ. الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا أَنَّ الْعَقْدَ مَعَ الْحَرْبِيِّ بِالِاخْتِيَارِ كَهُوَ مَعَ الْمُسْلِمِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَلِّ مَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ مِنْهُ بِعَقْدٍ إنْ تُوجَدُ جَمِيعُ شُرُوطِ الْبَيْعِ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُهُ وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرِّبَا مِنْهُ وَلَا التَّطْفِيفُ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عُزِّرَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ الشَّدِيدُ وَالْمُرَادُ بِالْحَرْبِيِّ الْكَافِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَمَانٌ بِنَحْوِ عَقْدِ جِزْيَةٍ أَوْ تَأْمِينٍ مُسَلَّمٍ بِشَرْطِهِمَا الْمَعْرُوفِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي هَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ مِنْ بَيْعِ الْمِحْلَقِ الرَّدِيءِ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِفُلُوسٍ خَالِصَةٍ مَعَ عِلْمِ الْمُشْتَرِي بِرَدَاءَتِهِ وَمَعَ جَهْلِهِ بِذَلِكَ كَمَا قَالُوا بِصِحَّةِ بَيْعِ زُجَاجَةٍ لِمَنْ ظَنَّهَا جَوْهَرَةً وَلَا خِيَارَ لَهُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْبَحْثِ فَهَلْ هَذَا كَذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ وَعَدَمِ الْخِيَارِ أَمْ لَا أَوْ يَصِحُّ مَعَ الْعِلْمِ دُونَ الْجَهْلِ كَمَا فِي الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ حَيْثُ بَانَتْ سِكَّتُهُ مُخَالِفَةً لِسِكَّةِ الْبَلَدِ أَوْ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إذَا عَلِمَ. أَوْ ظَنَّ أَنَّ مُشْتَرِيَهُ يَغُشُّ بِهِ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْ حَيْثُ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَغُشّهُ مَعَ التَّحْرِيمِ كَمَا فِي بَيْعِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ يَظُنَّ ذَلِكَ فَهَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا فَلَوْ بَاعَ الْمِحْلَقَ الْمَذْكُورَ بِعُثْمَانِيٍّ وَفُلُوسٍ فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ وَتَكُونُ الْفِضَّةُ التَّافِهَةُ الَّتِي فِي الْمِحْلَقِ الرَّدِيءِ كَحَبَّاتِ شَعِيرٍ لَا تُقْصَدُ لِقِلَّتِهَا حَيْثُ بِيعَ بُرٌّ بِبُرٍّ. وَفِي أَحَدِهِمَا حَبَّاتٌ يَسِيرَةٌ لَا تُقْصَدُ. أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ فَلَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ وَلَوْ بَاعَ مِحْلَقًا جَدِيدًا بِعُثْمَانِيَّيْنِ أَوْ بِعُثْمَانِيٍّ وَشَيْءٍ آخَرَ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ مَعَ الْحُلُولِ وَالتَّقَابُضِ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَمْ لَا لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ هُنَا أَنَّ الْجَهْلَ بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ وَهَلْ مُعَامَلَةُ الصِّغَارِ كَمُعَامَلَةِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ فِي جَوَازِ الْمُعَاطَاةِ مَعَهُمْ عَلَى الْمُخْتَارِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ حَيْثُ رَأَى الْمُعَاقِدَانِ الْمِحْلَقَ الْمَذْكُورَ جَازَ بَيْعُهُ. بِالْفُلُوسِ الْمَذْكُورَةِ هَذَا إنْ كَانَ كُلُّ مَنْ غَشَّهُ وَخَالَصَهُ مَقْصُودًا أَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ خَالَصَهُ فَقَطْ لَكِنْ عَلِمَا قَدْرَهُ أَمَّا لَوْ جَهِلَا ذَلِكَ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي اللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِالْمَاءِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمْ وَتَصِحُّ الْمُعَامَلَةُ بِالْمَغْشُوشِ فِيهِ مُعَايَنَةً وَفِي الذِّمَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عِيَارَهَا لِحَاجَةِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا. وَلِذَلِكَ اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ مَا كَانَ خَلِيطُهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَقَدْرُ الْمَقْصُودِ مَجْهُولٌ كَمِسْكٍ مَخْلُوطٍ بِغَيْرِهِ. وَلَبَنٍ مَشُوبٍ بِمَاءٍ لَا تَصِحُّ الْمُعَامَلَةُ بِهِ اهـ. لِأَنَّ كَلَامَهُمْ هَذَا فِي الْمَغْشُوشِ الَّذِي يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ لِحَاجَةِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا وَكَلَامُنَا فِي شَيْءٍ مُزَيَّفٍ لَا يُتَعَامَلُ بِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوَّلُ السُّؤَالِ وَمَا لَا تَرُوجُ الْمُعَامَلَةُ بِهِ لَا يُعْطَى حُكْمُ مَا رَاجَتْ الْمُعَامَلَةُ بِهِ لِاضْطِرَارِ النَّاسِ إلَى هَذَا دُونَ ذَاكَ وَحَيْثُ ظَنَّ الْمُشْتَرِي سَلَامَتَهُ مِنْ الْغِشِّ أَوْ مِنْ كَثْرَتِهِ فَبَانَ خِلَافُ ذَلِكَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّهُ عَيْبٌ كَمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ضَابِطُهُ. وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الزُّجَاجَةِ لِأَنَّ ذَاتهَا لَيْسَ فِيهَا عَيْبٌ وَإِنَّمَا أُخْلِفَ الظَّنُّ فِيهَا وَحَيْثُ عَلِمَ الْبَائِعُ بِعَيْنِهِ عَيْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِ بَيْعُهَا إلَّا بَعْدَ تَبْيِينِهِ لِذَلِكَ الْعَيْبِ فَإِنْ سَكَتَ أَثِمَ وَصَحَّ الْبَيْعُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمِحْلَقِ الْمَذْكُورِ بِعُثْمَانِيٍّ وَفُلُوسٍ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. وَلَيْسَتْ الْفِضَّةُ الَّتِي فِي الْجَانِبَيْنِ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ حَتَّى تُقَاسُ بِحَبَّاتِ الشَّعِيرِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ قَلِيلَ النَّقْدِ يَقْصِدُ وَيُؤَثِّرُ فِي الْوَزْنِ بِخِلَافِ قَلِيلِ الشَّعِيرِ. فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْكَيْلِ وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمِحْلَقِ الْجَدِيدِ بِعُثْمَانِيَّيْنِ إلَّا إنْ اتَّفَقَا وَزْنًا بِخِلَافِ بَيْعِهِ بِعُثْمَانِيٍّ وَشَيْءٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُعَامَلَةَ الصِّغَارِ كَالْبَالِغِينَ وَلَا يُعَدُّ هَذَا مِنْ مَذْهَبِنَا وَإِنْ كَانَ قَائِلُهُ مِنَّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) بِمَا مَضْمُونُهُ وَصَلَ كِتَابُكُمْ الْعَزِيزُ وَلَفْظُكُمْ الشَّافِي الْوَجِيزُ فَقَرَأَهُ لِمَمْلُوكٍ وَقَبِلَهُ وَفَهِمَ مُفَصَّلَهُ وَمُجْمَلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ سَيِّدِي أَنَّهُمَا إذَا رَأَيَا الْمِحْلَقَ الْمَذْكُورَ وَعَلِمَا عَيْنَهُ جَازَ بَيْعُهُ وَلَا إثْمَ.

стр. 517

عَلَى بَائِعِهِ وَإِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَغُشُّ بِهِ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى تَسْطِيرِ مَا فِي السُّؤَالِ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ أَوْ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا وَقَوْلُ سَيِّدِي هَذَا إذَا كَانَ كُلُّ مَنْ غَشَّهُ وَخَالَصَهُ مَقْصُودَ أَهْلِ الْمُرَادِ سَيِّدِي إنَّهُ مَقْصُودٌ لِلْمُشْتَرِي فَقَطْ أَوْ مَقْصُودٌ فِي الْجُمْلَةِ وَهَلْ الْمُرَادُ مَقْصُودٌ عَلَى انْفِرَادِهِ أَوْ عَلَى الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فَالسَّائِلُ مُسْتَفِيدٌ جَزَاكُمْ اللَّهُ ﵎ خَيْرًا؟ (فَأَجَابَ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا ظَنَّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَغُشُّ بِالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَضْطَرَّ إلَى الْبَيْعِ لَهُ حُرِّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِحَرَامٍ حَرَامٌ وَإِنَّمَا حُرِّمَ بَيْعُ الْعِنَبِ وَنَحْوِهِ الْمَذْكُورِ مُطْلَقًا لِأَنَّ سَبَبَ الْحُرْمَةِ هُنَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْبَيْعِ وَثَمَّ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ فِي الْمَبِيعِ وَالْمُرَادُ بِالْقَصْدِ الْمَذْكُورِ قَصْدُهُ مُنْفَرِدًا أَوْ مُتَضَمَّنًا فِي الْعُرْفِ. (وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ سَمْنِ الْغَنَمِ بِسَمْنِ الْبَقَرِ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَجُوزُ بَيْعُ سَمْنِ الْغَنَمِ بِسَمْنِ الْبَقَرِ مُتَفَاضِلًا بِشَرْطِ الْحُلُولِ وَالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَعْطَى خَبَّازًا دِرْهَمًا وَقَالَ: أُعْطِنِي بِنِصْفِهِ خُبْزًا وَبِنِصْفِهِ الْآخَرِ نِصْفَ دِرْهَمٍ صَحِيحًا فَأَعْطَاهُ مَا قَالَ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ جَعَلَ الدِّرْهَمَ فِي مُقَابَلَةِ الْخُبْزِ وَالنِّصْفَ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَهُوَ رِبًا وَإِنْ فَصَّلَ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْك بِنِصْفِهِ خُبْزًا وَنِصْفِهِ الْآخَرِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ صَحَّ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا النِّصْفُ الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَا وَزْنًا وَقِيمَةً وَإِلَّا كَانَ رِبًا لِأَنَّهُ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ بِقَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. (وَسُئِلَ) عَنْ عَيْنٍ مَبِيعَةٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ وَهُمَا يَعْلَمَانِ بِهَا سَابِقًا حَاضِرَةً كَانَتْ أَوْ غَائِبَةً وَشَهِدَ شَاهِدَانِ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمَا الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ فَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّةٍ هَلْ لِلْحَاكِمِ ثُبُوتُهُ وَالْحُكْمُ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْرُوحِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْحُدُودِ عِنْدَهُ بِهَا. سَوَاءٌ أَكَانَ بِالشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَمْ غَيْرِهِمَا أُوضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا عَلِمَ الْعَاقِدُ أَنَّ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ بِالرُّؤْيَةِ وَلَوْ قَبِلَ الْعَقْدُ بِشَرْطِهِ ثُمَّ أَوْرَدَا الْعَقْدَ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَرَيَاهَا وَلَمْ يَعْرِفَاهَا صَحَّ الْبَيْعُ وَيَشْهَدُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الصِّيغَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ مَعْنَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجِبِ بِشَرْطِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدَانِ عِنْدَهُ بِالْحُدُودِ لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا ثُبُوتُ الْعَقْدِ فَحَسْبُ. وَأَمَّا الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِلشَّهَادَةِ بِحُدُودِهِ إلَّا إذَا وَقَعَ تَنَازُعٌ فِي عَيْنِهِ الْغَائِبَةِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ. (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الرِّبَا: وَالتَّخَايُرُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّقَابُضِ بِمَثَابَةِ التَّفَرُّقِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ وَقَالَ فِي الْخِيَارِ: لَوْ تَقَابَضَا فِي عَقْدِ الصَّرْفِ ثُمَّ أَجَازَا فِي الْمَجْلِسِ لَزِمَ الْعَقْدُ وَإِنْ أَجَازَاهُ قَبْلَ التَّقَابُضِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِجَازَةَ لَاغِيَةٌ لِأَنَّ الْقَبْضَ مُعَلَّقٌ بِالْمَجْلِسِ. وَهُوَ بَاقٍ فَيَبْقَى حُكْمُهُ فِي الْخِيَارِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَقْدُ وَعَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ اهـ وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْبَابَيْنِ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا فَمَا الْمُعْتَمَدُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ لُزُومَ الْعَقْدِ وَزَادَ ثَالِثًا أَنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَاسْتَشْكَلَ بِمَا فِي الرِّبَا وَأَجَابَ بِمَا فِي الْخَادِمِ وَالتَّعَقُّبَاتِ بِأَنَّ مَا فِي الرِّبَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَفَرَّقَا بِلَا قَبْضٍ وَمَا فِي الْخِيَارِ عَلَى مَا إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ. وَاعْتَرَضَ بِأُمُورٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْبُطْلَانَ لَوْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى مَا إذَا تَفَرَّقَا بَعْدَ التَّخَايُرِ بِلَا قَبْضٍ وَلَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى مُجَرَّدِ التَّخَايُرِ لَامْتَنَعَ الْخِلَافُ فِيهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ عِنْدَ التَّفَرُّقِ بِلَا قَبْضٍ وَقَدْ عَلِمْت ثُبُوتَ الْخِلَافِ كَمَا حَكَاهُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فَوَجَبَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ تَفْرِيقٌ. الثَّانِي إنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ صُحِّحَ تَبَعًا لِبَعْضِ نُسَخِ الرَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا بَاعَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ مَعَ الْمُشْتَرِي. إلَّا خَمْسَةٌ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْرَضَهَا وَرَدَّهَا إلَيْهِ عَنْ الثَّمَنِ بُطْلَانُ الْعَقْدِ وَوَجَّهَهُ أَنَّ قَرْضَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ تَصَرُّفٌ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْبَاذِلِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الشَّيْءِ إذَا كَانَ فِي زَمَنِ خِيَارِ بَاذِلِهِ بَاطِلٌ إذَا وَقَعَ مَعَ غَيْرِ الْبَاذِلِ وَصَحِيحٌ إذَا وَقَعَ مَعَهُ وَيَكُونُ إجَازَةً لِلْعَقْدِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ قَرْضَ الْخَمْسَةِ إجَازَةٌ لِلْعَقْدِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِجَازَةِ مُبْطِلٌ كَالتَّفَرُّقِ. وَأَنَّ التَّفَرُّقَ قَبْلَ قَبْضِ بَعْضِ الْعِوَضِ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ فَسَادُ مَا سَبَقَ مِنْ الْجَمْعِ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِجَازَةِ الثَّالِثُ قَوْلُهُمَا أَنَّ.

стр. 518

التَّخَايُرَ بِمَثَابَةِ التَّفَرُّقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ وَقَائِمٌ مَقَامَهُ وَمُسْتَقِلٌّ بِتَرَتُّبِ الْبُطْلَانِ عَلَيْهِ كَمَا تَرَتَّبَ الْبُطْلَانُ عَلَى التَّفَرُّقِ وَإِلَّا لَكَانَ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ إنَّمَا هُوَ التَّفَرُّقُ وَجُعِلَ التَّخَايُرُ بِمَثَابَتِهِ لَغْوًا لَا فَائِدَةَ لَهُ. الرَّابِعُ أَنَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ حَكَى الْبُطْلَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُقْتَرِنًا بِالْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ وَارِدَةٌ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَجَعَلَ الْبُطْلَانَ فِي صُورَةٍ. وَالْآخَرَيْنِ فِي أُخْرَى تَصَرُّفًا مُخَالِفًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ اهـ وَلِبَعْضِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ اتِّجَاهٌ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَعْتَمِدَ مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَيُضَعِّفَ غَيْرَهُ وَلَا يُصَارُ إلَى الْحَمْلِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِمَّا ذَكَرَ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَاعَ شَاةً فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ بِمِثْلِهَا أَوْ بِلَبَنٍ أَوْ دَجَاجَةً فِيهَا بَيْضَةٌ بِمِثْلِهَا أَوْ بَيْضَةً لَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِ دَارٍ فِيهَا بِئْرُ مَاءٍ بِمِثْلِهَا فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مَقْصُودًا مَعَ الدَّارِ بِوَجْهٍ بَلْ هُوَ تَابِعٌ لَهَا بِخِلَافِ اللَّبَنِ وَالْبَيْضَةِ فَإِنَّهُمَا مَقْصُودَانِ مَعَ الشَّاةِ وَالدَّجَاجَةِ فَكَانَا مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَقْصُودًا لَا تَابِعًا. (وَسُئِلَ) عَنْ قِشْرِ الْبُنِّ هَلْ هُوَ رِبَوِيٌّ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ رِبَوِيٍّ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الرِّبَوِيِّ مِنْ أَنْ يَكُونَ يُعَدُّ لِلْأَكْلِ عَلَى هَيْئَتِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَا رِبًا فِي الْحَيَوَانِ. وَإِنْ جَازَ بَلْعُهُ كَصِغَارِ السَّمَكِ وَلَا فِي حَبِّ الْكَتَّانِ وَدُهْنِهِ وَلَا فِي نَحْوِ الْوَرْدِ وَمَائِهِ وَالْعُودِ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا لَا تُعَدُّ لِلْأَكْلِ عَلَى هَيْئَتِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ قِشْرَ الْبُنِّ أَوْلَى مِنْ هَذِهِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ رِبَوِيٍّ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ يُتَنَاوَلُ عَلَى حَالَتِهِ وَأَمَّا قِشْرُ الْبُنِّ فَلَا يُتَنَاوَلُ عَلَى حَالَتِهِ أَصْلًا فَلَا يُعَدُّ مَطْعُومًا. (وَسُئِلَ) قَالُوا فِي قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا الْمُقَابِلُ لِلْآخَرِ ضِمْنِيٌّ بِخِلَافِ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ، لِأَنَّ الشَّيْرَجَ ضِمْنِيٌّ فِي الْجَانِبَيْنِ فَلَا يُؤَثِّرُ وَقَالُوا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ نَحْوِ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ لَوْ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْمُدِّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ يَعْتَمِدُ التَّخْمِينَ وَهُوَ حَزْرٌ قَدْ يَخْطَأُ وَالْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ وَيَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا قَالُوهُ فِي بَيْعِ صِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ مِنْ فِضَّةٍ بِصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ مِنْ فِضَّةٍ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ بِشَرْطِ أَنْ تَنْقُصَ الْمُكَسَّرَةُ عَنْ قِيمَةِ الصِّحَاحِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَاوَتْ الْمُكَسَّرَةُ قِيمَةَ الصِّحَاحِ فَنَظَرُوا إلَى تُسَاوِي الْقِيَمِ هُنَا أَيْضًا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ تَخْمِينٌ قَدْ يَخْطَأُ فَالْجَوَابُ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ لَمَّا اتَّحَدَ نَوْعُهُمَا كَانَ الْأَصْلُ جَوَازَ بَيْعِهِمَا بِمِثْلِهِمَا مُطْلَقًا لَكِنْ لَمَّا اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ صَارَتْ الْمُكَسَّرَةُ بِصِفَةٍ غَيْرِ صِفَةِ الصَّحِيحَةِ فَنَزَلَ اخْتِلَافُ صِفَتَيْهِمَا مَنْزِلَةَ اخْتِلَافِ جِنْسِهِمَا أَوْ نَوْعِهِمَا وَلَا نَظَرَ لِاخْتِلَافِ صِفَتِهِمَا مَعَ الِاتِّحَادِ فِي الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ أَثَرٌ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَغْرَاضَ قَدْ تَتَفَاوَتُ فِي ذَلِكَ وَلَا نَظَرَ إلَيْهِ هُنَا وَأَيْضًا فَالتَّسَاوِي هُنَا يَمْنَعُ تَوْزِيعَ مَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ لِاتِّحَادِ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ بِخِلَافِهِ ثُمَّ فَإِنَّ الْعَقْدَ مُشْتَمِلٌ عَلَى جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفِينَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّوْزِيعَ وَإِنْ فُرِضَ تَسَاوِي قِيمَةِ الشَّيْئَيْنِ وَالتَّوْزِيعِ مُحَقِّقٌ لِلْمُفَاضَلَةِ أَوْ الْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ. (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ صَحَّحَ الشَّيْخَانِ هُنَا صِحَّةُ بَيْعِ دَارٍ بِهَا مَعْدِنٌ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ وَخَالَفَاهُ فِي مَحِلٍّ آخَرَ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا جُهِلَ الْمَعْدِنَ حَالَةَ الْبَيْعِ وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُبْطِلَ هُنَا هُوَ التَّوْزِيعُ بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي قَرَّرُوهَا وَحَيْثُ جَهِلَاهُ كَانَ تَابِعًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْ الدَّارِ فِي ظَنِّهِمَا فَلَمْ يَشْتَمِلْ شَيْءٌ مِنْ طَرَفِي الْعَقْدِ عَلَى مَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي ظَنِّهِمَا حَتَّى يَتَأَتَّى التَّوْزِيعُ، ثُمَّ هَلْ يَلْحَقُ جَهْلَ الْمُشْتَرِي فَقَطْ لِأَنَّهُ تَابِعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى ظَنِّهِ أَوْ لَا لِتَحَقُّقِ مُقْتَضَى التَّوْزِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِظَنِّ الْبَائِعِ فَلَا يُتْرَكُ لِقَضِيَّةِ ظَنِّ الْمُشْتَرِي كُلُّ مُحْتَمَلٍ وَلِلنَّظَرِ فِي الْأَقْرَبِ مِنْهُمَا مَجَالٌ وَالثَّانِي أَقْرَبُ لِلْجَهْلِ السَّابِقِ فَتَرْجِيحُهُ غَيْرُ بَعِيدٍ. (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ هَلْ يَقُومُ الْقَبْضُ التَّقْدِيرِيُّ فِي الرِّبَوِيَّيْنِ بِأَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْوُصُولُ إلَى الْعَيْنَيْنِ الْغَائِبَتَيْنِ عَنْ الْمَجْلِسِ مَقَامَ الْحَقِيقِيِّ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.

стр. 519

[بَابُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ] وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْعُبَابِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَإِنْ كَانَ بِاخْتِيَارٍ كَأَنْ عَلِمَ عَيْبَ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ فَأَرَادَ رَدَّهُ إلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَا لَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ بَعْدَ تَلَفِ السَّلِيمَيْنِ فَيَسْتَقِرُّ لَهُ بِقِسْطِهِ وَيُعْتَبَرُ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ الْعَقْدِ إلَى الْقَبْضِ وَيَسْتَرِدُّ قِسْطَ الْمَرْدُودِ وَيُصَدَّقُ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ اهـ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ حَاصِلَ قَوْلِهِ وَكَذَا لَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ بَعْدَ تَلَفِ السَّلِيمَيْنِ جَوَازُ رَدِّ أَحَدِ السَّلِيمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ بَعْدَ تَلَفِهِمَا جَمِيعًا بِرِضَا الْبَائِعِ عَلَى طَرِيقِ الْإِقَالَةِ فَيَغْرَمُ لِلْبَائِعِ قِيمَةَ الْمَرْدُودِ وَيَسْتَرِدُّ قِسْطَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَأَنَّ حَاصِلَ قَوْلِهِ وَيُعْتَبَرُ أَقَلُّ قِيمَةً رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ السَّلِيمَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَعِلَّةُ تَصْدِيقِ الْبَائِعِ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ غَارِمٌ لَكِنْ عَلَى هَذَا كَمَا أَنَّهُ غَارِمٌ بِقِسْطِ الْمَرْدُودِ الْمُتَفَاوِتِ ذَلِكَ الْقِسْطُ بِتَفَاوُتِ الْقِيمَةِ كَذَلِكَ الْمُشْتَرِي غَارِمٌ بِقِيمَةِ الْمَرْدُودِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ الْمُشْتَرِي فِي قِيمَةِ الْمَرْدُودِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ غَارِمًا لَهَا. كَمَا صَدَقَ الْبَائِعُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ غَارِمًا لِلْقِسْطِ الْمُخْتَلِفِ بِحَسَبِ الْقِيمَةِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُصَدَّقًا بِاعْتِبَارٍ وَقَدْ أَرْسَلْتُ بِذَلِكَ إلَى بَعْضِ الْفُضَلَاءِ لِكَثْرَةِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْمَوَادِّ. فَأَجَابَ بِمَا نَصَّهُ قَوْلُهُ فِي السُّؤَالِ وَكَذَا لَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ بَعْدَ تَلَفِ السَّلِيمَيْنِ خَطَأٌ مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا السَّائِلُ وَصَوَابُهُ كَمَا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا بَعْدَ تَلَفِ السَّلِيمِ فَيَقْتَضِي بَقَاءَ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَة أَنَّ الْبَائِعَ وَافَقَ الْمُشْتَرِي عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَلَا يَتَأَتَّى حِينَئِذٍ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِقَالَةِ إذْ ذَاكَ عَلَى مُقْتَضَى النُّسْخَةِ الَّتِي رَدَدْنَاهَا وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ عِبَارَةُ ابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَإِنْ كَانَ بِاخْتِيَارٍ لِرَدِّ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ لَمْ يَجُزْ إنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ كَأَحَدِ الْخُفَّيْنِ. وَكَذَا إنْ اسْتَقَلَّ كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ وَلَوْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا فَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِرَدِّهِ جَازَ فَيُقَوَّمُ الْعَبْدَانِ سَلِيمَيْنِ وَيُقَسَّطُ الْمُسَمَّى فَإِنْ كَانَ السَّلِيمُ تَالِفًا وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَكُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ غَارِمٌ بِاعْتِبَارٍ اهـ فَهَلْ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ نُسْخَتَنَا خَطَأٌ صَحِيحٌ وَهَلْ خَطَؤُهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا أَوْ لَا أَفْتَوْنَا فِي ذَلِكَ وَأَنْتُمْ الْعُمْدَةُ فِيمَا هُنَالِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ الْعُبَابِ مَعَ شَرْحِي لَهُ: وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِرَدِّ الْمَعِيبِ فِيهِمَا جَازَ مُطْلَقًا لَإِسْقَاطِ حَقِّهِ وَحِينَئِذٍ (فَيُقَوَّمُ) وُجُوبًا (الْمَبِيعَانِ) اللَّذَانِ أَحَدُهُمَا مَعِيبٌ (سَلِيمَيْنِ وَيُقَسَّطُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتِهِمَا) إذْ لَوْ وُزِّعَ عَلَيْهِمَا مَعَ الْعَيْبِ لَأَدَّى إلَى خَبْطٍ وَفَسَادٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِامْتِحَانُ فَالصَّوَابُ تَقْدِيرُ السَّلَامَةِ وَهِيَ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ نَافِعَةٌ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ. ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَكَذَا يُقَوَّمَانِ سَلِيمَيْنِ وَيُقَسَّطُ الْمُسَمَّى كَمَا ذَكَرَ (لَوْ رَضِيَ) الْبَائِعُ. (بِذَلِكَ) أَيْ يَرُدُّ الْمَعِيبَ مِنْهُمَا (بَعْدَ تَلَفِ السَّلِيمِ) مِنْهُمَا (وَيُعْتَبَرُ) فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ السَّلِيمِ التَّالِفِ لِاعْتِبَارِ التَّقْسِيطِ (أَقَلُّ قِيمَةً) أَيْ السَّلِيمِ التَّالِفِ (مِنْ) حِينِ (الْعَقْدِ إلَى الْقَبْضِ) كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي مَبْحَثِ الْأَرْشِ (وَيَسْتَرِدُّ قِسْطَ الْمَرْدُودِ وَيَصْدُقُ الْبَائِعُ) فِيمَا إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي مَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْمَرْجُوعِ بِهِ عَلَى مَا اعْتَرَفَ بِهِ الْبَائِعُ (بِيَمِينِهِ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ) . لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَلِأَنَّ الثَّمَنَ مِلْكُهُ فَلَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ إلَّا مَا اعْتَرَفَ بِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَمْ يَصِرْ هُنَا أَحَدٌ إلَى التَّحَالُفِ وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَبْعُدْ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ اخْتِلَافٌ فِي ثَمَنِ الْبَاقِي وَلَوْ اخْتَلَفَا فِيهِ ابْتِدَاءً تَحَالَفَا فَكَذَا يَنْبَغِي هُنَا ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَفَّالَ ذَكَرَهُ احْتِمَالًا وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَتْهُ اهـ. وَهُوَ بَعِيدٌ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ اخْتِلَافٌ فِي ثَمَنِ الْبَاقِي. وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافٌ فِيمَا يَخُصُّهُ عِنْدَ التَّوْزِيعِ الطَّارِئِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ إنَّمَا يَقْتَضِي التَّحَالُفَ إنْ كَانَ اخْتِلَافًا فِي الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ وَمَا وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ هُنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَمَّا طَرَأَ تَلَفُ أَحَدِهِمَا وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ طَرَأَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا يَخُصُّ كُلًّا عِنْدَ التَّوْزِيعِ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِقَوْلِهِ بِذَلِكَ أَيْ بِرَدِّ الْمَعِيبِ مِنْهُمَا يُعْلَمُ فَسَادُ قَوْلِهِ فِي تِلْكَ النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدَكُمْ. بَعْدَ تَلَفِ السَّلِيمَيْنِ لِأَنَّهَا تُنَاقِضُ مَا قَبْلَهَا الْمَفْرُوضَ فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا مَعِيبٌ فَهِيَ فَاسِدَةٌ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِصِحَّةِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي ذَاتِهِ لَا بِالنَّظَرِ لِمَا فِي مَتْنِ الْعُبَابِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته وَقَوْلِ الْمُجِيبِ وَحِينَئِذٍ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إلَخْ كُلُّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي.

стр. 520

الْعُبَابِ عَلَى وَجْهٍ أَظْهَرَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ لَا وَإِنْ رَضِيَ وَقَوْلُهُ ثَانِيًا وَكَذَا لَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ إلَخْ. [بَابُ الْخِيَارِ] (وَسُئِلَ) عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا بِجَوَابٍ مُخْتَصَرٍ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ الْمُفْتِينَ أَفْتَى فِيهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ فَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ تَصْنِيفًا سَمَّاهُ إصَابَةُ الْأَغْرَاضِ فِي سُقُوطِ الْخِيَارِ بِالْإِعْرَاضِ وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ بِرُمَّتِهِ هُنَا وَإِنْ كَانَ تَصْنِيفًا مُسْتَقِلًّا لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْفَتَاوَى بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَتْهُ وَذَلِكَ التَّصْنِيفُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَيْقَظَ لِلْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الْمُعْضِلَاتِ أَقْوَامًا مَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَوْفِيقِهِ الْبَاهِرِ سُلْطَانُهُ. وَهَدَاهُمْ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْآرَاءِ فِي عَوِيصَاتِ الْمَسَائِلِ إلَى سُلُوكِ جَادَّةِ الصَّوَابِ السَّاطِعِ بُرْهَانُهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَكُونُ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ مِمَّنْ عَلَا مَكَانُهُ وَسَعِدَ بِهِ إخْوَانُهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي بَوَّأَهُ اللَّهُ مِنْ مَنَازِلِ قُرْبِهِ وَإِنْعَامِهِ مَا ارْتَفَعَ بِهِ عَلَى سَائِرِ الشُّؤُون شَأْنُهُ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ مَا دَامَتْ تَتَرَادَفُ عَلَى وَارِثِيهِ آلَاؤُهُ وَإِحْسَانُهُ. وَبَعْدُ فَقَدْ وَقَعَ فِي غُضُونِ مَا اُسْتُفْتِيتُ عَنْهُ سُؤَالٌ ظَنَنْتُ جَوَابَهُ سَهْلًا وَأَنِّي لِلْكَلَامِ فِيهِ بِبَادِئِي الرَّأْي أَكُونُ أَهْلًا حَتَّى أَحْدَقْتُ النَّظَرَ فِيهِ فَوَجَدْتُهُ صَعْبَ الْمُرْتَقَى عَالِي الذُّرَا فَلِذَلِكَ أَعْمَلْتُ الْفِكْرَ فِيهِ حَتَّى مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِإِصَابَةِ الْفَرْضِ فِيهِ بِالْإِحَاطَةِ بِقَوَادِمِهِ وَخَوَافِيهِ لَكِنْ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لِي سَبِيلُهُ وَوَضَحَ لَدَيَّ دَلِيلُهُ. فَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ وَإِلَّا فَالْخَطَأُ وَالْخَطَلُ وَالتَّقْصِيرُ هُوَ وَصْفِي اللَّازِمُ وَشَأْنِي الدَّائِمُ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَفْرَدْتُهُ بِالتَّأْلِيفِ. وَزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ وَحُسْنِ التَّصْنِيفِ حَتَّى يَنْظُرَ فِيهِ الْفُضَلَاءُ وَيُعَوِّلُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ النُّبَلَاءُ وَسَمَّيْته إصَابَةُ الْأَغْرَاضِ فِي سُقُوطِ الْخِيَارِ بِالْإِعْرَاضِ وَاَللَّهَ أَسْأَلُ وَبِنَبِيِّهِ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ شَأْوَ كَمَالِهِ نَبِيٌّ أَتَوَسَّلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ وَأَنْ يُبَلِّغَنِي الْمَأْمُولَ بِسَبَبِهِ إنَّهُ الْقَرِيبُ الْمُجِيبُ وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أَمَّا السُّؤَالُ فَحَاصِلُهُ: إنْسَانٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ أَرْضًا مُشْتَمِلَةً عَلَى نَخْلٍ ثُمَّ تَقَايَلَا. ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ بُطْلَانَ الْإِقَالَةِ وَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ بِذَلِكَ بِشَرْطِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ مِنْ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ مَغْرِسُ نَخْلَةٍ مِنْ النَّخْلِ الْمَذْكُورِ مَمْلُوكًا لِغَيْرِ الْبَائِعِ حِينَ الْبَيْعِ فَهَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ. . وَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ يُمْنَعُ خِيَارُهُ بِمِلْكِ الْبَائِعِ الْمَغْرِسَ الْمَذْكُورَ وَإِعْطَائِهَا لَهُ أَوْ إعْطَاءِ مُسْتَحِقِّهَا إيَّاهَا لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَا. وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَيْهِ فَفِي مَقَامَيْنِ الْأَوَّلُ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ وَالثَّانِي فِي سُقُوطِهِ. فَاَلَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَخَيَّرُ بِذَلِكَ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ حَيْثُ سُئِلَ عَمَّنْ اشْتَرَى سِهَامًا فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ خَرَجَ بَعْضُ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجَمِيعُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ دُونَ بَعْضٍ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فِي الْجَمِيعِ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ جُزْءًا شَائِعًا فِي الْجَمِيعِ صَحَّ الْبَيْعُ فِيمَا لَيْسَ مُسْتَحَقًّا بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى فَغَرِيبٌ جِدًّا. وَالْمُوَافِقُ لِكَلَامِهِمْ صِحَّتُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ فِيمَا لَيْسَ مُسْتَحَقًّا بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَكَأَنَّهُ لُحِظَ فِي التَّفْرِقَةِ تَعَذُّرُ تَوْزِيعُهُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَإِذَا خَيَّرْنَا الْمُشْتَرِيَ فَأَرَادَ مَالِكُ الْمَغْرِسِ غَيْرُ الْبَائِعِ هِبَتَهُ لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ خِيَارُهُ. وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا الْخَفِيُّ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا مَلَكَ ذَلِكَ الْمَغْرِسَ فَعِنْدَ عِلْمِ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ لَهُ الْخِيَارَ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ أَعْرَضَ لَهُ عَنْهُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيهِ. وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي فِيهِ بَعْدَ التَّمَهُّلِ أَيَّامًا وَمَزِيدِ الْكَشْفِ لِبَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَدَاوَلَةِ فَإِنَّ جُلَّهَا مَعْدُومٌ مِنْ قُطْرِ الْحِجَازِ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبْطُلُ خِيَارُهُ بِمُسَامَحَةِ الْبَائِعِ لَهُ بِالْغَرْسِ الْمَذْكُورِ هِبَةً أَوْ إعْرَاضًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ أُمُورٌ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ إذَا اتَّحَدَ الْمَبِيعُ صَفْقَةً لَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي بَعْضَهُ بِعَيْبٍ قَهْرًا إلَّا إذَا كَانَ الْبَعْضُ الْآخَرُ لِلْبَائِعِ فَحِينَئِذٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْبَعْضَ قَهْرًا كَمَا اعْتَمَدَهُ الْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ فِي امْتِنَاعِ رَدِّ الْبَعْضِ إنَّمَا هِيَ الضَّرَرُ النَّاشِئُ مِنْ تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ وَبِمِلْكِهِ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ يَزُولُ التَّبْعِيضُ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ

стр. 521

فِيهِ فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَتَعْلِيلُ مُقَابِلِ كَلَامِ الْقَاضِي الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ كَثِيرُونَ بِأَنَّهُ وَقْتَ الرَّدِّ لَمْ يَرُدَّ كَمَا تَمَلَّكَ، يُرَدُّ بِأَنَّهُ. وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ كَمَا تَمَلَّكَ لَكِنْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الرَّدِّ حِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِامْتِنَاعِهِ وَالتَّعْلِيلُ بِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ وَتَفْرِيقِهَا بِمُجَرَّدِهِ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ وَإِنَّمَا وَجْهُ الْعِلَّةِ مَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ غَالِبًا فَآلَتْ الْعِلَّتَانِ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ انْتِفَاءُ الضَّرَرِ. وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيمَا قَالَهُ الْقَاضِي فَكَانَ هُوَ الْحَقِيقِيُّ بِالِاعْتِمَادِ وَمِمَّنْ اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَإِنَّهُ رَجَّحَ أَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا هِيَ الضَّرَرُ وَكَذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِرُجُوعِ الْكُلِّ إلَيْهِ قَالَ: وَمِثْلُهُ لَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ اهـ فَانْظُرْ إلَى كَوْنِهِمْ أَلْزَمُوا الْبَائِعَ بِالْقَبُولِ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فَقِيَاسُهُ أَنْ يُلْزَمَ بِهِ الْمُشْتَرِي فِي مَسْأَلَتِنَا لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهَا بِوَجْهٍ فَإِنَّا إذَا أَلْزَمْنَاهُ بِالْقَبُولِ، لَا نُلْزِمُهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا نُلْزِمُهُ مِنْ الثَّمَنِ بِقِسْطِ غَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ وَإِنَّمَا خَيَّرْنَاهُ فَوْرًا بِعَيْبِ التَّبْعِيضِ وَبِمُسَامَحَةِ الْبَائِعِ لَهُ كَمَا مَرَّ، زَالَ هَذَا الْعَيْبُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلِذَا قُلْنَا بِسُقُوطِ خِيَارِهِ وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ فَأَرَادَ الرَّدَّ بِهِ فَقَالَ الْبَائِعُ: أَمْسِكْهُ وَخُذْ أَرْشَ الْقَدِيمِ. وَأَمَّا لَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ وَقَدْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ فَأَرَادَ ضَمَّ أَرْشِ الْحَادِثِ إلَى الْمَبِيعِ. وَرَدَّهُ فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ الْبَائِعُ فِي الْأُولَى وَلَا الْمُشْتَرِي فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَزُولُ بِبَذْلِ أَرْشِهِ فَفِي إلْزَامِ قَبُولِ الْمَعِيبِ ضَرَرٌ وَلَوْ مَعَ أَخْذِ الْأَرْشِ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُلْزِمُوا بِذَلِكَ الْبَائِعَ وَلَا الْمُشْتَرِيَ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الضَّرَرَ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ مُسَامَحَةَ الْبَائِعِ لَهُ بِمَا مَرَّ تُزِيلُ ضَرَرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلِذَا لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَسَقَطَ خِيَارُهُ فَإِنْ قُلْتَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ مُقَابِلَ كَلَامِ الْقَاضِي السَّابِقِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ عَدَمَ إجْبَارِ الْمُشْتَرِي فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى الْقَبُولِ قُلْت قَدْ بَانَ لَك أَنَّهُ ضَعِيفٌ. وَإِنْ اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ وَأَفْتَى بِهِ وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَهُوَ لَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ وَقْتَ الرَّدِّ تَبَعَّضَتْ الصَّفْقَةُ عَلَيْهِ صُورَةً وَإِنْ لَمْ تَتَبَعَّضْ عَلَيْهِ حُكْمًا فَلَمْ يَرُدَّ كَمَا تَمَلَّكَ فَكَذَا لَمْ يُجْبَرْ الْبَائِعُ عَلَى الْقَبُولِ. لِأَنَّهُ خَلَفَ التَّبْعِيضَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ عَدَمُ رَدِّهِ كَمَا تَمَلَّكَ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا ذَلِكَ لِأَنَّ عِلَّةَ تَخْيِيرِهِ التَّبْعِيضُ وَبِمُسَامَحَةِ الْبَائِعِ يَزُولُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُفَهُ شَيْءٌ آخَرُ. الْأَمْرُ الثَّانِي قَوْلُهُمْ لَوْ بَانَ عَيْبُ الدَّابَّةِ وَقَدْ أَنْعَلَهَا وَنَزْعُ النَّعْلِ يَعِيبُهَا فَلَا رَدَّ لَهُ وَلَا فَسْخَ إنْ نَزَعَهُ وَإِلَّا فَلَهُ الرَّدُّ وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ الْقَبُولُ لِأَنَّهُ لَا مِنَّةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ. وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي طَلَبُ قِيمَتِهَا فَإِنَّهَا حَقِيرَةٌ فِي مَعْرِضِ رَدِّ الدَّابَّةِ فَقِيَاسُ إلْزَامِ الْبَائِعِ الْقَبُولَ هُنَا إلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِجَامِعِ زَوَالِ الْعَيْبِ بِالتَّرْكِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ لُحُوقِ مِنَّةٍ وَلَمْ يَخْلُفْ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ. وَوَجْهُ عَدَمِ الْمِنَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا يَقَعُ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ تَوْفِيرِ غَرَضٍ لِبَاذِلِهِ فَلَمْ تُوجَدْ فِيهِ حَقِيقَةُ الْمِنَّةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ انْضَمَّ لِذَلِكَ إجْبَارُ الشَّرْعِ لَهُ عَلَى الْقَبُولِ فَهُوَ كَارِهٌ لَهُ وَالْكَارِهُ لِلشَّيْءِ لَا يَتَوَهَّمُ لُحُوقَ مِنَّةٍ إلَيْهِ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَإِنْ قُلْت: إلْزَامُ الْبَائِعِ بِالْقَبُولِ مَعَ عَدَم تَغْرِيمِهِ قِيمَةِ النَّعْلِ لِلْمُشْتَرِي مُشْكِلٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَوَجْهُ إشْكَالِهِ أَنَّهُمْ لَاحَظُوا جَانِبَ الْبَائِعِ خَشْيَةً مِنْ لُحُوقِ الضَّرَر بِهِ دُونَ جَانِبِ الْمُشْتَرِي مَعَ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ إمَّا بِالْتِزَامٍ مَعِيبٍ أَوْ بِتَكْلِيفِهِ النُّزُولَ عَنْ مِلْكِهِ فِي النَّعْلِ. وَكَانَ الْقِيَاس أَنْ يُطَالِبَ بِأَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ كَمَا فِي الصَّبْغِ لَكِنْ لَمْ يَصِرْ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ قُلْتُ: أَمَّا عَدَمُ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُشْكِلِ مُطْلَقًا فَمَمْنُوعٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَمَحْمَلُهُ حَيْثُ كَانَ الْإِشْكَالُ مُسَلَّمًا أَمَّا حَيْثُ كَانَ مَدْفُوعًا فَإِنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ. وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّا لَمْ نُرَاعِ جَانِبَ الْبَائِعِ فَحَسْبُ بَلْ رَاعَيْنَا كُلًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ. فَإِنَّ الصُّورَةَ أَنَّ النَّزْعَ يَعِيبُهَا فَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِهِ لَأَجْحَفْنَا بِالْبَائِعِ وَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِإِمْسَاكِهَا مَعِيبَةً لَأَجْحَفْنَا بِهِ فَعَدَلْنَا إلَى طَرِيقٍ وَسَطٍ يَنْدَفِعُ بِهِ الْإِجْحَافُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ رَدُّهَا مَعَ النَّعْلِ وَالْحُكْمُ بِبَقَاءِ النَّعْلِ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي حَتَّى إذَا سَقَطَتْ يَلْزَمُ الْبَائِعَ رَدُّهَا كَمَا يَأْتِي وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِوُجُوبِ أَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ كَمَا فِي الصَّبْغِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنهمَا. فَإِنَّ الصِّبْغَ لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ إلَّا بِتَلَفِ عَيْنِهِ بِخِلَافِ النَّعْلِ وَأَيْضًا فَالصُّورَةُ أَنَّ قَلْعَ النَّعْلِ يَضُرُّ بِهَا وَبِالْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يُحْدِثُ بِهَا. عَيْبًا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الصِّبْغِ.

стр. 522

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بَذْرٌ أَوْ زَرْعٌ مَا يُؤْخَذُ دَفْعَةً بَلْ يَتَخَيَّرُ بِهِ الْمُشْتَرِي إنْ جَهِلَهُ مَا لَمْ يَتْرُكْهُ لَهُ الْبَائِعُ أَوْ يَقُولُ أَنَا أُفْرِغُهُ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ فِي الْأُولَى وَتَدَارُكِهِ حَالًا فِي الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا ثُمَّ رَأَى خَلَلًا بِسَقْفِهَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ حَالًا أَوْ بَالُوعَةً مُفْسَدَةً فَقَالَ: أَنَا أُصْلِحُ السَّقْفَ. وَأُنَقِّي الْبَالُوعَةَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ فِي مَسْأَلَةِ التَّرْكِ وَلَا نَظَرَ لِلْمِنَّةِ لِمَا مَرَّ فَانْظُرْ إلَى كَوْنِهِمْ أَلْزَمُوا الْمُشْتَرِيَ الْقَبُولَ هُنَا لِأَنَّ التَّرْكَ يَنْدَفِعُ ضَرَرُهُ قَطْعًا فَكَذَا يُقَالُ بِنَظِيرِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنْ قُلْتَ عِبَارَةُ الْجَوَاهِرِ تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ وَهِيَ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي كَمَا لَوْ أَمْكَنَ تَدَارُكُ الْعَيْبِ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ كَإِزَالَةِ اسْتِدَادِ الْبَالُوعَةِ أَوْ الْحَشِّ أَوْ رَدِّ الْآبِقِ أَوْ الْمَغْصُوبِ أَوْ إزَالَةِ الْمَرَضِ بِدَوَاءٍ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ. أَوْ مَيَلَانِ السَّقْفِ وَالْجِدَارِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى عَيْنٍ جَدِيدَةٍ انْتَهَتْ فَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى عَيْنٍ جَدِيدَةٍ أَنَّ الْخِيَارَ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَسْقُطُ قُلْت لَيْسَ قَضِيَّتُهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْجَدِيدَةَ إنَّمَا ضَرَّتْ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى مُضِيِّ زَمَنٍ طَوِيلٍ فِي الْإِصْلَاحِ بِهَا غَالِبًا. فَالِامْتِنَاعُ فِيهَا لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِمَا تَسْتَلْزِمُهُ هِيَ مِنْ طُولِ الزَّمَنِ فَإِنْ فَرَضَ الْإِصْلَاحَ بِهَا فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ فَلَا وَجْهَ لِامْتِنَاعِهِ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنهَا حِينَئِذٍ. وَبَيْنَ الدَّوَاءِ الَّذِي يُسْقَى لِلْمَبِيعِ حَتَّى يَزُولَ مَرَضُهُ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ كَمَا عَلِمْتُهُ فِي كَلَامِ الْقَمُولِيِّ نَفْسِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ كَلَامَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي فَتَاوِيهِ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ الِاحْتِيَاجَ لِعَيْنٍ جَدِيدَةٍ بَلْ تَجَدُّدُ عَيْنٍ غَيْرِ تِلْكَ الْعَيْنِ أَوْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَيْ بِمَا لَا يُحْتَمَلُ لِطُولِ زَمَنِهِ حَتَّى لَا يُنَافِي مَا مَرَّ وَعِبَارَةُ الْخَادِمِ بَعْدَ ذِكْرِ نَحْوِ عِبَارَةِ الْجَوَاهِرِ السَّابِقَةِ وَمِنْ تَتِمَّةِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْل الْقَبْضِ فَأَصْلَحَهَا الْبَائِعُ لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ غَيْرُ تِلْكَ الْعَيْنِ وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَنْ غَصَبَ نُقْرَةً وَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ عَلَى نَقْضِ الدَّرَاهِمِ وَرَدِّهِ إلَى الْأَوَّلِ وَأَخْذِ أَرْشِ النُّقْصَانِ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ. وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يُعِيدَهَا بِتِلْكَ الْآلَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا انْتَهَتْ، فَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَفْصِلْ إلَخْ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ قَوْلَ الْجَوَاهِرِ مِنْ غَيْرِ عَيْنٍ جَدِيدَةٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ نَعَمْ مَحِلُّ كَلَامِ الْقَاضِي مَا إذَا طَالَ زَمَنُ الْإِصْلَاحِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي صُورَةِ الْهَدْمِ الَّتِي فَرَضَهَا وَمِنْ ثَمَّ احْتَرَزَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْهَا بِقَوْلِهِمْ كَخَلَلٍ بِسَقْفِهَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ حَالًا لَا يُقَالُ قَوْلُهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ غَيْرُ تِلْكَ الْعَيْنِ صَرِيحٌ فِي مُوَافَقَةِ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ عَقِبَهُ وَلَمْ يَفْصِلْ إلَخْ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمُعَادَ بَعْدَ الْهَدْمِ. وَلَوْ بِالْآلَةِ الْأُولَى يُخَالِفُ الْبِنَاءَ الْأَوَّلَ فِي الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَتْ هَذِهِ الْعَيْنُ غَيْرَ تِلْكَ الْعَيْنِ. الْأَمْرُ الرَّابِعُ قَوْلُهُمْ: يَسْقُطُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فِيمَا إذَا اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا دَفِينٌ مِنْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَا تَدْخُلُ وَكَانَ تَرْكُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ وَقَلْعُهَا مُضِرٌّ لِكَوْنِهِ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا أَوْ يُحْتَاجُ فِي نَقْلِهَا لِمُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ بِتَرْكِهَا لَهُ وَلَا نَظَرَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ لِمَا مَرَّ وَهَذَا التَّرْكُ إعْرَاضٌ لَا تَمْلِيكٌ. فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا فَإِذَا رَجَعَ عَادَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فَلَوْ وَهَبَهَا لَهُ بِشُرُوطِ الْهِبَةِ لَزِمَهُ الْقَبُولُ وَسَقَطَ خِيَارُهُ وَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ حِينَئِذٍ وَهَذَا كَمَا تَرَى ظَاهِرٌ فِي لُزُومِ الْقَبُولِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنْ قُلْتَ: صَرَّحُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ قَالَ: أَنَا آخُذُ الْحِجَارَةَ وَأَغْرَمُ أَرْشَ النَّقْصِ أَوْ أُجْرَةَ مُدَّةِ النَّقْلِ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ إجَابَتُهُ وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي نَظِيرَةُ مَسْأَلَتِنَا قُلْت: مَمْنُوعٌ بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَاضِحٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ غُرْمَ الْأَرْشِ لَا يُزِيلُ النَّقْصَ بِالْكُلِّيَّةِ وَكَذَا إعْطَاءُ أُجْرَةِ مُدَّةِ النَّقْلِ لَا يُزِيلُ الضَّرَرَ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الْمُشْتَرِي زَمَنًا طَوِيلًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَإِنْ أَخَذَ مُقَابِلَ ذَلِكَ التَّفْوِيتِ بِالْكُلِّيَّةِ فَافْتَرَقَا. وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ لُزُومِ الْقَبُولِ لِلْأَرْشِ أَوْ الْأُجْرَةِ وَبَيْنَ لُزُومِ قَبُولِ الْأَحْجَارِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَبُولَهَا بِخِلَافِ الْقَبُولِ هُنَا فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ بِهِ الضَّرَرُ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ. وَهَذَا أَوْلَى وَأَوْضَحُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ قَبُولَ الْأَوَّلَيْنِ فِيهِ مِنَّةٌ بِأَجْنَبِيٍّ بِخِلَافِ قَبُولِ الثَّانِي أَعْنِي الْحِجَارَةَ فَإِنَّ الْمِنَّةَ حَصَلَتْ.

стр. 523

فِيهِ بِمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْمَبِيعِ يُشْبِهُ جُزْأَهُ. الْأَمْرُ الْخَامِسُ قَوْلُهُمْ لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً يَغْلِبُ اخْتِلَاطُ حَادِثِهَا بِالْمَوْجُودِ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إنْ وَقَعَ الِاخْتِلَاطُ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ مَا لَمْ يَسْمَحْ لَهُ الْبَائِعُ بِالْحَادِثَةِ فَإِنْ سَمَحَ لَهُ بِهَا هِبَةً أَوْ إعْرَاضًا فَلَا خِيَارَ لِزَوَالِ الْمَحْذُورِ ثُمَّ هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي الْمُبَادَرَةُ بِالْفَسْخِ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ الْبَائِعُ. وَيَسْمَحُ لَهُ فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ أَوْ لَيْسَ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُشَاوِرَةِ الْبَائِعِ؟ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْأَوَّلُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ الثَّانِي وَهُوَ مَا حَكَاهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَرَجَّحَهُ السُّبْكِيّ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَمَعْنَى تَخْيِيرِهِ رَفْعُهُ الْأَمْرَ لِلْحَاكِمِ لِيَكُونَ هُوَ الْفَاسِخَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ لِأَنَّهُ لِقَطْعِ النِّزَاعِ لَا لِلْعَيْبِ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُوهِمُ خِلَافَهُ اهـ مُلَخَّصًا وَهُوَ مَرْدُودٌ. فَإِنَّ مَا قَالَهُ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ فِي بَابِ التَّحَالُفِ هُوَ الَّذِي يَفْسَخُ أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَا يَفْسَخُ إلَّا الْمُشْتَرِي كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَزَعْمُهُ أَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ عَيْبًا مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ عَيْبٌ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ عَلَيْهِ وَلَا دَخْلَ لِلْحَاكِمِ فِي الرَّدِّ بِهِ بِخِلَافِهِ فِي بَابِ التَّحَالُفِ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَهُ وَعَلَيْهِ فَالْخِيَارُ فَوْرِيٌّ وَلَهُمَا التَّرَاضِي عَلَى قَدْرٍ مِنْ الثَّمَرَةِ. وَعِنْدَ التَّنَازُعِ الْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ بِيَمِينِهِ فِي قَدْرِ حَقِّ الْآخَرِ. وَهِيَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ لِلْمُشْتَرِي. قَالُوا وَيَجْرِي جَمِيعُ مَا تَقَرَّرَ فِي بَيْعِ نَحْوِ الْحِنْطَةِ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَمُتَمَاثِلِ الْأَجْزَاءِ حَيْثُ تَخْتَلِطُ بِحِنْطَةِ الْبَائِعِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ بِنَحْوِ كِبَرٍ وَجَوْدَةٍ، أَمَّا لَوْ اخْتَلَطَ مُتَقَوِّمٌ بِمِثْلِهِ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ يُوَرِّثُ الِاشْتِبَاهَ وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ لَوْ فُرِضَ ابْتِدَاءً وَفِي نَحْوِ الْحِنْطَةِ غَايَةُ مَا يَلْزَمُ الْإِشَاعَةَ وَهِيَ غَيْرُ مَانِعَةٍ وَهَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ وَبِهَا يَنْدَفِعُ اسْتِشْكَالُ بَعْضِهِمْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمِثْلِيِّ وَالْمُتَقَوِّمِ. حَيْثُ قَالَ ذَلِكَ إنْ كَانَ لَوْ سَمَحَ بِالثَّمَرَةِ كُلِّهَا يَمْلِكُهَا الْمُشْتَرِي فَلِمَ لَا يَمْلِكُ الْقَطْعَ كُلَّهُ إذَا سَمَحَ بِهِ الْبَائِعُ وَحِينَئِذٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ الثَّمَرَةَ وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا مُشَاعَةً وَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً بَيِّنَهُمَا فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ وَمَنْ قَالَ بِالْفَسْخِ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَلَعَلَّ الْحَامِلَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الثِّمَارِ وَالشِّيَاهِ أَنَّ الثِّمَارَ تَكُونُ فِي الْغَالِبِ قَلِيلَةٌ مَرْغُوبَةٌ عَنْهَا بِخِلَافِ الشِّيَاهِ. وَهَذَا إنْ صَحَّ لَزِمَ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ بِالْيَسِيرِ فَلَا يَطَّرِدُ فِي الثِّمَارِ الْكَثِيرَةِ وَالْحِنْطَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْأَصْحَابُ لَمْ يُفَرَّقُوا اهـ الْمَقْصُودَ مِنْهُ، فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ وَالْأَصْحَابُ لَمْ يُفَرَّقُوا وَأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مَرْدُودٌ بِالْعِلَّةِ السَّابِقَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ نَحْوِ الشِّيَاهِ وَنَحْوِ الثِّمَارِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَفِيمَا ذَكَرُوا أَنَّ الْمُخْتَلَطَ لَا يَكُونُ هَالِكًا وَإِلَّا لَانْفَسَخَ الْبَيْعُ وَلَا يَمْنَعُ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لِتَبَدُّلِ الْمُسْتَحَقِّ بِغَيْرِهِ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ. فَالْمُوجِبُ لِلْخِيَارِ هُنَا هُوَ هَذَا التَّبَدُّلُ، وَهَذَا التَّبَدُّلُ يَنْتَفِي بِمُسَامَحَةِ الْبَائِعِ بِحِصَّتِهِ فَسَقَطَ بِهَا خِيَارُ الْمُشْتَرِي وَلَا نَظَرَ لِلْمِنَّةِ خِلَافًا لِمَنْ نَظَرَ فِيهَا لِأَنَّهَا فِي ضِمْنِ عَقْدٍ كَمَا فِي تَرْكِ الْفِعْلِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: إنْ أَثْبَتَ الْخِيَارَ فَتَرَكَ الْبَائِعُ حَقَّهُ مِنْ الثِّمَارِ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَبُولِ وَسَقَطَ الْخِيَارُ كَمَا فِي تَرْكِ النَّعْلِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ اهـ. وَفِي الْبَسِيطِ لَوْ قَالَ لَا تَفْسَخْ فَقَدْ وَهَبْتُ لَك الثِّمَارَ بَطَلَ خِيَارُهُ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ كَمَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى قَبُولِ النَّعْلِ مُحَافَظَةً عَلَى لُزُومِ الْعَقْدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يُجْبَرُ لِأَنَّ النَّعْلَ صَارَ كَالْوَصْفِ لِلدَّابَّةِ وَهُوَ تَبَعٌ وَالْقَبُولُ فِيهِ هَيِّنٌ اهـ وَرَدَّ صَاحِبُ الْوَافِي احْتِمَالَهُ هَذَا الَّذِي أَبْدَاهُ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَالُوا وَلَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعِ وَجَرَى الِاخْتِلَاطُ كَمَا سَبَقَ لَمْ يَنْفَسِخْ. بَلْ يُقَالُ لِلْبَائِعِ أَتَرْضَى أَنْ تَتْرُكَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهُ فَإِنْ امْتَنَعَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي ذَلِكَ فَإِنْ تَرَكَ لَزِمَ الْبَائِعَ قَبُولُهُ فَإِنْ امْتَنَعَا فُسِخَ الْعَقْدُ لِتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَيْثُ قُلْنَا يُدْعَى الْبَائِعُ إلَى تَرْكِ حَقِّهِ وَلَا يُدْعَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْمَبِيعَ هُنَاكَ هُوَ الثَّمَرَةُ فَإِذَا تَرَكَ الْمُشْتَرِي حَقَّهُ لَا يَبْقَى فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ شَيْءٌ وَهُنَا الْمَبِيعُ هُوَ الشَّجَرَةُ فَتَرْكُ الثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ لِلْبَائِعِ لَا يُخْلِي الثَّمَن عَنْ الْعِوَضِ. أَمَّا إذَا تَشَاحَّا.

стр. 524

فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ هَذَا حَاصِلُ مَا قَرَّرُوهُ فِي هَذَا الْمَحِلِّ وَهَذَا كَمَا تَرَى سِيَّمَا مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ ظَاهِرٌ فِيمَا قُلْنَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الْقَبُولِ فِيهِ هُنَا وَثَمَّ مَصْلَحَةُ إمْضَاءِ الْعَقْدِ وَالْمُسَامَحَةِ هُنَا وَثَمَّ مُزِيلَةٌ لِلضَّرَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يُوجِبُ الْقَوْلَ فِي تِلْكَ بِمَا قَالُوا فِي هَذِهِ لِاتِّحَادِهَا مَعَهَا وَلَا نَظَرَ لِلْمِنَّةِ لِمَا مَرَّ وَلَا إلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الثِّمَارِ أَنَّهُ يُتَسَامَحُ بِهَا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا بَلْ يَعُمُّ سَائِرَ الْمِثْلِيَّاتِ وَإِنْ كَثُرَتْ وَلَا إلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَسْأَلَةِ النَّعْلِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ احْتِمَالَ الْغَزَالِيِّ الْمَبْنِيَّ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. الْأَمْرُ السَّادِسُ قَوْلُهُمْ يَتَخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ بِانْقِطَاعِ مَاءِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلزِّرَاعَةِ وَلَهَا مَاءٌ مُعْتَادٌ لِلْعَيْبِ إلَّا أَنْ أَبْدَلَهُ الْمُؤَجِّرُ بِمَاءٍ آخَرَ وَوَقْتُ الزِّرَاعَةِ بَاقٍ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِزَوَالِ مُوجِبِهِ. فَتَأَمَّلْ كَيْف جَعَلُوا سُوقَ الْمَاءِ إلَيْهَا مِنْ مَكَان آخَرَ مُوجِبًا لِإِزَالَةِ سَبَبِ الْخِيَارِ مِنْ التَّضَرُّرِ بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ فَكَذَا الْمُسَامَحَةُ هُنَا مُوجِبَةٌ لِإِزَالَةِ سَبَبِ الْخِيَارِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ. الْأَمْرُ السَّابِعُ قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ لِلْقَصَّارِ خُذْ أُجْرَتَك وَدَعْنَا نَكُونُ شُرَكَاءَ صَاحِبِ الثَّوْبِ أُجْبِرَ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي أَخْذِ أُجْرَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالُوا لِلْبَائِعِ لَا تَفْسَخْ وَنُقَدِّمُك بِالثَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إجَابَتُهُمْ. لِاحْتِمَالِ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ بِظُهُورِ غَرِيمٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يُزَاحِمُهُ وَمِمَّا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ الْفَرْقَ الصَّحِيحَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ مَا ذَكَرْتُهُ لَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ إجْبَارِهِ فِي الثَّانِيَةِ تَحَمُّلُهُ لِمِنَّتِهِمْ لِأَنَّ هَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُمْ بِالْإِجْبَارِ فِي الْأَوْلَى مَعَ أَنَّ فِيهِ تَحَمُّلَ مِنَّتِهِمْ فَالْوَجْهُ فِي الْفَرْقِ هُوَ خَشْيَةُ لُحُوقِ الضَّرَرِ وَعَدَمِهَا ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْته حَيْثُ قَالَ فِي تَوَسُّطِهِ وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِالْمِنَّةِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ. إذْ قَدْ تَكُونُ الْمِنَّةُ لَهُ بِأَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ تُسَاوِي ضِعْفَ ثَمَنِهَا فَيَكُونُ الْحَظُّ لَهُمْ اهـ فَإِنْ قُلْت: جَمِيعَ مَا ذَكَرْتُهُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ فِي أَنَّ الْإِعْرَاضَ أَوْ الْهِبَةَ يَكُونُ مُسْقِطًا إنَّمَا هُوَ فِي أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَبِيعِ وَتَتَّصِلُ بِهِ فَلِذَا تَسَامَحُوا فِيهَا وَجَعَلُوا الْمُسَامَحَةَ بِهَا مُسْقِطَةً لِلْخِيَارِ وَمَسْأَلَةُ السُّؤَالِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ قُلْتُ: مُجَرَّدُ التَّعَلُّقِ وَالِاتِّصَالِ بِالْمَبِيعِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي إسْقَاطِ الْخِيَارِ بِالْمُسَامَحَةِ. كَمَا عَلِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْمَذْكُورِ وَإِنَّمَا الَّذِي عَلَّلُوا بِهِ رِعَايَةُ مَصْلَحَةِ إمْضَاءِ الْعَقْدِ تَارَةً وَزَوَالُ الضَّرَرِ تَارَةً أُخْرَى وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ لِاطِّرَادِهَا بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهَا تَقْتَضِي سُقُوطَ الْخِيَارِ بِقَوْلِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي: خُذْ أَرْشَ الْقَدِيمِ وَأَمْسِكْهُ وَقَدْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ إنَّمَا هُوَ انْتِفَاءُ الضَّرَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُفَهُ شَيْءٌ آخَرَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّرَرَ فِي مَسْأَلَتِنَا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ تَعَلُّقٌ بَلْ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ تَامٌّ مِنْ حَيْثُ اشْتَمَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا لَفْظًا وَكَذَا حُكْمًا أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَنَ يُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَلَمْ يَقْطَعُوا النَّظَرَ عَمَّا فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ بَلْ جَعَلُوهُ مَنْظُورًا إلَيْهِ بَلْ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقِ أَقْوَى مِنْ النَّظَرِ إلَى نَحْوِ الثِّمَارِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ التَّخْلِيَةِ وَاخْتَلَطَ الْمَبِيعُ بِهَا فَإِنْ قُلْت: قَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي بِالْمُسَامَحَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ بَاعَهُ أَرْضًا. أَوْ صُبْرَةً عَلَى أَنَّهَا مِائَةٌ فَخَرَجَتْ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً صَحَّ الْبَيْعُ لِلْإِشَارَةِ وَخُيِّرَ مَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ وَهُوَ الْبَائِعُ فِي الزِّيَادَةِ وَالْمُشْتَرِي فِي النَّقْصِ وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُ الْبَائِعِ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي لَهُ لَا تَفْسَخْ وَأَنَا أَقْنَعُ بِالْقَدْرِ الْمَشْرُوطِ شَائِعًا وَلَك الزِّيَادَةُ وَلَا بِقَوْلِهِ لَا تَفْسَخْ وَأَنَا أُعْطِيكَ ثَمَنَ الزَّائِدِ وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي بِحَطِّ الْبَائِعِ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرَ النَّقْصِ قُلْت: لَا تَأْيِيدَ فِي هَذَا لِعُمُومِ سُقُوطِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي بِالْمُسَامَحَةِ. بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ فِيهِ تَأْيِيدٌ لِسُقُوطِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُ الْبَائِعِ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي أَقْنَعُ بِالْقَدْرِ الْمَشْرُوطِ شَائِعًا وَلَك الزِّيَادَةُ لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْمُشْتَرِي شَائِعًا يَجُرُّ ضَرَرَ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَلَا بِقَوْلِهِ أَعْطَيْتُك ثَمَنَ الزَّائِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِهِ تَمْلِيكِ مَالِهِ لِغَيْرِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ أَيْ: وَهَذَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْبَائِعِ فَعُلِمَ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ إجْبَارِ الْبَائِعِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُشْتَرِي فِي الصُّورَتَيْنِ هُوَ لُحُوقُ الضَّرَرِ بِهِ لَوْ أَجْبَرْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا

стр. 525

مَسْأَلَتُنَا فَإِجْبَارُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَبُولِ لَا يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَا قِيَاسَ بَيْنَ هَذَا وَمَسْأَلَتِنَا وَأَمَّا عَدَمُ سُقُوطِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي بِحَطِّ الْبَائِعِ قَدْرَ النَّقْصِ فَسَبَبُهُ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْ قَدْرَ النَّقْصِ حَتَّى يَحُطَّ مَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْعَقْدُ مُقَابِلًا فِيهِ الثَّمَنَ جَمِيعَهُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَوْجُودِ وَهَذَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلِأَنَّهُ خِلَافُ مَا شَرَطَهُ، وَحَطُّ الْبَائِعِ لَهُ مَا ذَكَرَ لَا يُزِيلُ ضَرَرَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَطُّ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ فَلَا يُسَمَّى حَطًّا وَلَا يَزُولُ بِهِ الضَّرَرُ الْمُقْتَضِي لِثُبُوتِ الْخِيَارِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْ قَدْرَ النَّقْصِ قَوْلُهُمْ وَإِذَا أَجَازُوا فَبِالْمُسَمَّى لَا بِقِسْطِهِ لِأَنَّ الْمُتَنَاوَلَ بِالْإِشَارَةِ ذَلِكَ الْمَوْجُودُ لَا غَيْرُ وَإِذَا أَجَازَ الْبَائِعُ فَالْجَمِيعُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُطَالِبُهُ لِلزِّيَادَةِ بِشَيْءٍ اهـ. وَبِهَذَا يَزِيدُ اتِّضَاحُ فُرْقَانِ مَا بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا لَمْ يَقَعُ انْعِقَادُ الْعَقْدِ فِيهَا مُقَابِلًا فِيهِ الثَّمَنَ جَمِيعَهُ بِالْمُسْتَحَقِّ وَغَيْرِهِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الِانْعِقَادُ فِيهَا مُقَابِلًا فِيهِ غَيْرَ الْمُسْتَحَقِّ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَأَمَّا الْمُسْتَحَقُّ فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِيهِ وَلَا فِيمَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَجَازَ الْمُشْتَرِي فِيهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا الْقِسْطُ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ قُلْت: مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي أُعْطِيك ثَمَنَ الزَّائِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِهِ تَمْلِيكِ مَالِهِ لِغَيْرِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِمُسَامَحَةِ الْبَائِعِ لَهُ لِعَيْنِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ ذَاكَ فِيهِ ضَرَرٌ بِخِلَافِ هَذَا فِيهِ خَفَاءٌ قُلْت: وَيَزُولُ هَذَا الْخَفَاءُ بِزِيَادَةِ إيضَاحِ مَا ذَكَرْتُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَقَرَّرَ مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَنَاوَلَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ الْمَوْجُودِ فِي حَالَتَيْ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَجَازَ الْبَائِعُ كَانَ الْجَمِيعُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُطَالِبُهُ لِلزِّيَادَةِ بِشَيْءٍ فَالزِّيَادَةُ وَقَعَتْ هِيَ وَالْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ مُقَابَلَيْنِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ لِلُحُوقِ الضَّرَرِ لَهُ بِتَنَاوُلِ الْعَقْدِ أَزْيَدَ مِنْ الْمَشْرُوطِ. وَقَوْلُ الْمُشْتَرِي أُعْطِيك ثَمَنَ الزَّائِدِ لَا يَدْفَعُ الْمُقَابَلَةَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي حَصَلَ الضَّرَرُ الْمُقْتَضِي لِلْخِيَارِ بِسَبَبِهَا فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورُ مُسْقِطًا لِخِيَارِهِ لِبَقَاءِ مَا حَصَلَ الضَّرَرُ بِسَبَبِهِ مَعَ قَوْلِهِ ذَلِكَ وَعَدَمِ زَوَالِهِ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَالْمَآلُ مِنْ عِلَّتِهِمْ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا وَقَعَ مُتَنَاوِلًا لِلزِّيَادَةِ مِنْ حَيْثُ الْإِشَارَةِ فِيهِ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودِ كَانَ فِي قَوْلِ الْمُشْتَرِي أُعْطِيك ثَمَنَ الزَّائِدِ إلْزَامٌ لِلْبَائِعِ بِتَمَلُّكِ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. مَعَ أَنَّ ذَلِكَ التَّمَلُّكَ لَا يَدْفَعُ السَّبَبَ الْمُقْتَضِي لِاخْتِيَارِهِ لِبَقَائِهِ. وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الثَّمَنَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ سَبَبَ الْخِيَارِ تَنَاوُلُ الْعَقْدِ لِلزِّيَادَةِ أَيْضًا وَهَذَا التَّنَاوُلُ مَوْجُودٌ سَوَاءٌ أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى تَمَلُّكِ الثَّمَنِ أَمْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ وَإِذْ قَدْ اتَّضَحَ ذَلِكَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ الْمُصَرِّحِ بِهِ كَلَامُهُمْ فَكَيْف يُتَوَهَّمُ مُشَابَهَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِمَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ مَسْأَلَتَنَا سَبَبُ الْخِيَارِ فِيهَا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. وَهَذَا السَّبَبُ يَنْتَفِي بِمُسَامَحَةِ الْبَائِعِ بِمَا وَقَعَ التَّفْرِيقُ بِسَبَبِهِ فَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهُ وَسَقَطَ بِهِ الْخِيَارُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ بِوَجْهٍ فَإِنْ قُلْت: مَا ذَكَرْتُهُ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِهَا لِكَوْنِ الْبُقْعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ مُتَّصِلَةً بِغَيْرِ الْمُسْتَحَقَّةِ أَوْ هُوَ عَامٌّ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا. قُلْت بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فِيهَا وَثَبَتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدًا وَأَرْضًا فِي صَفْقَةٍ. فَبَانَ أَحَدُهُمَا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ حِينَ الْبَيْعِ وَكَانَ عِنْدَ التَّبَيُّنِ مِلْكًا لِلْبَائِعِ أَوْ بَادَرَ الْبَائِعُ وَمَلَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْطُلَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فَلَمَّا أَرَادَ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ بِسَبَبِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ بَادَرَ الْبَائِعُ وَسَامَحَهُ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَيَسْقُطُ بِهِ خِيَارُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا قَرَّرْته صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي سُقُوطِ الْخِيَارِ لَيْسَ هُوَ اتِّصَالُ الْمُسْتَحَقِّ بِغَيْرِهِ حِسًّا وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ بِالْمُسَامَحَةِ بِذَلِكَ يَنْتَفِي الضَّرَرُ عَنْ الْمُشْتَرِي. وَيَزُولُ بِهَا السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لِخِيَارِهِ وَهُوَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ مَعَ رُجُوعِ مَا قَابَلَ الْفَاسِدَ مِنْ الثَّمَنِ إلَيْهِ فَإِنَّا وَإِنْ أَلْزَمْنَاهُ قَبُولَ الْمُسَامَحَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا نُلْزِمُهُ بِالْإِجَازَةِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ بَلْ بِقِسْطِهِ الصَّحِيحِ مِنْ الثَّمَنِ فَحَصَلَ لَهُ الْمَمْلُوكُ بِقِسْطِهِ وَغَيْرُ الْمَمْلُوكِ بِلَا شَيْءٍ وَبِحُصُولِهِ لَهُ يَزُولُ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لِخِيَارِهِ وَهُوَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ فَلِذَا سَقَطَ بِهِ خِيَارُهُ.

стр. 526

فَإِنْ قُلْت: مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ أَنَّهُ هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي الْمُبَادَرَةُ بِالْفَسْخِ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ الْبَائِعُ وَيَسْمَحُ لَهُ فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ أَوْ لَيْسَ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِذَلِكَ إلَّا بِمُشَاوِرَةِ الْبَائِعِ، فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْأَوَّلُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ الثَّانِي وَهُوَ مَا حَكَاهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ فَهَلْ يَأْتِي ذَلِكَ هُنَا قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَأْتِي ذَلِكَ هُنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الرَّاجِحُ هُنَا الْأَوَّلُ. وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الرَّاجِحَ الثَّانِي وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ ثُمَّ الْمُخْتَلَطَ مُتَحَقِّقٌ فَوَجَبَتْ مُشَاوَرَتُهُ لِيَنْظُرَ هَلْ يَسْمَحُ أَوْ لَا وَأَمَّا هُنَا فَمِلْكُ الْبَائِعِ لَمَّا فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بَلْ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ الْبَحْثُ لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت: قَدْ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ وَصُورَتُهُ أَنْ يُعْرَضَ لَهُ أَمْرٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ بِأَنْ عَرَضَ مَا لَا يُنَافِي الْفَوْرِيَّةَ كَأَكْلٍ أَوْ حَمَامٍ وَعُلِمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّ الْبَائِعَ مَلَكَ الْمُسْتَحَقَّ فَهَلْ يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُشَاوَرَةُ الْبَائِعِ؟ قُلْت: لَا يَتَّجِهُ وُجُوبُ مُشَاوَرَتِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِبَيْعِ مَا لَا يَمْلِكُ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ الصَّفْقَةُ عَلَيْهِ وَكَانَ مَعْذُورًا فِي ذَلِكَ فَسَاغَ لِلْمُشْتَرِي الْمُبَادَرَةُ بِالْفَسْخِ مَا لَمْ يُبَادِرْ بِالْمُسَامَحَةِ هُوَ وَيَسْمَحُ قَبْلَ فَسْخِ الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ خِيَارُهُ. فَإِنْ قُلْت مَرَّ ثُمَّ كَلَامُ الْمُهِمَّاتِ فِي مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَإِنَّهُ مَرْدُودٌ فَهَلْ يَجْرِي نَظِيرُهُ هُنَا؟ قُلْت: نَعَمْ يَجْرِي ذَلِكَ جَمِيعُهُ هُنَا بِجَامِعِ أَنَّ مُوجِبَ الْخِيَارِ هُنَا وَثَمَّ الْعَيْبُ كَمَا مَرَّ وَلَا دَخَلَ لِلْحَاكِمِ فِي الرَّدِّ بِهِ فَإِنْ قُلْت: قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي ثَمَّ وَتَمَلَّكَ الثَّمَرَةَ هُنَا بِالْإِعْرَاضِ كَالْإِعْرَاضِ عَنْ السَّنَابِلِ وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْ النَّعْلَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا لِأَنَّ عَوْدَهَا إلَى الْبَائِعِ مُتَوَقَّعٌ وَلَا سَبِيلَ هُنَا إلَى تَمْيِيزِ حَقِّ الْبَائِعِ. اهـ فَهَلْ يُقَالُ بِذَلِكَ هُنَا أَيْضًا، قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ مَا يَأْتِي مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ النَّعْلِ وَعَنْ نَحْوِ كِسْرَةِ الْخُبْزِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ الْإِعْرَاضَ هُنَا وَعَنْ النَّعْلِ سَوَاءٌ وَيُرَدُّ فَرْقُهُ بِأَنَّ التَّمْيِيزَ هُنَا مُتَوَقَّعٌ أَيْضًا فَهُوَ كَعَوْدِ النَّعْلِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَعَلَى قِيَاسِ النَّعْلِ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى ثَمَرَةِ الْمُشْتَرِي مِنْ ثَمَرَةِ الْبَائِعِ وَعَلِمَ بِتَمْيِيزِهَا بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ بِإِخْبَارِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ أَوْ بِخَبَرِ نَبِيٍّ مَثَلًا وَجَبَ رَدُّهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ بِهَا مُطْلَقًا بَلْ لِلْخَوْفِ مِنْ الْفَسْخِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ. فَإِذَا عُلِمَتْ بِطَرِيقِهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَلَوْ أَكَلَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّبَيُّنِ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا فَلَا ضَمَانَ كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَ النَّعْلَ فِي رِجْلِ الدَّابَّةِ حَتَّى بَلِيَ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ لَكِنَّهُ فِقْهٌ ظَاهِرٌ وَالْقَوَاعِدُ تَشْهَدُ لَهُ اهـ لَا يُقَالُ تَوَقُّعُ عَوْدِ النَّعْلِ أَقْرَبُ مِنْ تَوَقُّعِ التَّمْيِيزِ كَمَا لَا يَخْفَى لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ مَا قَالَهُ عَلَى أَنَّ نَفْيَ السَّبِيلِ إلَى التَّمْيِيزِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّبِيلَ إلَيْهِ مُمْكِنٌ سِيَّمَا وَكَلَامُهُمْ كَالْمُصَرِّحِ أَوْ مُصَرِّحٌ بِاسْتِوَائِهِمَا فِي عَدَمِ مِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْإِعْرَاضِ ثُمَّ لَوْ فُرِضَ اعْتِمَادُ مَا قَالَهُ فَلَا يَأْتِي نَظِيرُهُ هُنَا لِأَنَّ عِلَّتَهُ لَا تَجْرِي هُنَا لِتَمَيُّزِ الْمُعْرَضِ عَنْهُ هُنَا فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ إذَا أَعْرَضَ الْبَائِعُ عَنْهُ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ لَهُ وَقَبِلَهُ بِشَرْطِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَأْتِي فِيهِ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي نَحْوِ الثِّمَارِ لَا يَضْمَنُهَا. وَقَاسَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النَّعْلِ قُلْت: نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الَّذِي فَسَدَ الْعَقْدُ فِيهِ تَفُوتُ عَيْنُهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُشْبِهُ مَا فَرَضَ الزَّرْكَشِيُّ الْكَلَامَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ وَنَحْوِهَا أَمَّا فِي نَحْوِ الْأَرَاضِي فَلَا يَأْتِي فِيهِ ذَلِكَ نَعَمْ لَوْ عَادَ فِيهِ الْبَائِعُ فَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِلْمُدَّةِ الَّتِي انْتَفَعَ بِهِ فِيهَا لِأَنَّ الْمُعْرَضَ عَنْهُ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَالْمُعَارِ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرْته فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ وَعِبَارَتُهَا وَالْمُرَادُ بِالْإِعْرَاضِ هُنَا خِلَافُ مَا قَالُوهُ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ نَحْوِ كِسْرَةِ خُبْزٍ لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ إمَّا مُطْلَقٌ بِأَنْ يَحْصُلَ بِالِاخْتِيَارِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَإِذَا أَخَذَهُ الْغَيْرُ مَلَكَهُ وَلَيْسَ لِمَالِكِهِ الرُّجُوعُ فِيهِ وَإِمَّا مُقَيَّدٌ كَمَا هُنَا فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِحَالَةِ اتِّصَالِهِ بِالدَّابَّةِ. فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْهَا عَادَ إلَى مَالِكِهِ وَوَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِ عَقِبَ السُّقُوطِ فَوْرًا وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّخْلِيَةُ وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِالرَّدِّ فِي كَلَامِهِمْ وَأَنْ يُقَالَ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ حَقِيقَةً كَالْعَارِيَّةِ بِجَامِعِ أَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَكَمَا لَزِمَهُ ثَمَّ

стр. 527

بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَارِيَّةِ الرَّدُّ فَكَذَلِكَ هُنَا وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ فَإِنْ قُلْت: أَطْلَقَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ بِالتَّصَرُّفِ وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ عَارِيَّةً؟ قُلْت: مُرَادُهُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ النَّقْلِ عَنْ مِلْكِهِ بِدَلِيلِ مَا نَظَرَ بِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ النَّعْلِ حَتَّى بَلِيَ فَإِنْ قُلْت: مَرَّ فِي مَبْحَثِ الْأَحْجَارِ قَوْلُهُمْ وَهَذَا التَّرْكُ إعْرَاضٌ لَا تَمْلِيكٌ فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا فَإِذَا عَادَ رَجَعَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ هُنَا قُلْت: نَعَمْ. فَإِذَا أَعْرَضَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي عَمَّا فَسَدَ فِيهِ الْعَقْدُ سَقَطَ خِيَارُهُ وَلَزِمَهُ الْقَبُولُ فَلَهُ حِينَئِذٍ التَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ الْمُعْرَضِ عَنْهُ لَكِنْ بِالِانْتِفَاعِ وَلَوْ بِإِيجَارِهِ لِلْغَيْرِ لَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ ثُمَّ إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ فِيهِ عَادَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَرْجِعْ فَسَبَبُ الْخِيَارِ مُنْتَفٍ فَإِذَا رَجَعَ عَادَ سَبَبُ الْخِيَارِ فَإِنْ قُلْت: هَذَا فِيهِ ضَرَرٌ كَبِيرٌ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمُعْرَضِ عَنْهُ إذْ لَيْسَ لَهُ إلَّا الِانْتِفَاعُ بِهِ لَا إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ قُلْت: لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا الِانْتِفَاعَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَبْذُلْ الْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْئًا فَهُوَ مَحْضُ رِبْحٍ اسْتَفَادَهُ لِأَنَّ مَا بَذَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الَّذِي صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ وَهَذَا الَّذِي فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ إنَّمَا اسْتَفَادَهُ فِي مُقَابَلَةِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ وَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ الِانْتِفَاعُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَانَ ذَلِكَ غَايَةً فِي مُرَاعَاةِ جَانِبِهِ وَغَايَتَهُ فِي الرِّبْحِ. فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ سِيَّمَا وَخِيَارُهُ أَوْ خِيَارُ وَارِثِهِ يَعُودُ بِعَوْدِ الْبَائِعِ أَوْ وَارِثِهِ فِي ذَلِكَ الْمُعْرَضِ عَنْهُ وَعَلَى فَرْضِ الْمُحَالِ وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي ذَلِكَ فَلَا نَظَرَ إلَيْهِ لِعَيْنِ مَا قَالُوهُ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَحْجَارِ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُهَا بِهِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفٌ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَكَمَا لَمْ يَنْظُرُوا هُنَا إلَى تَضَرُّرِهِ إنْ فُرِضَ وَأَسْقَطُوا خِيَارَهُ بِالتَّرْكِ مَعَهُ فَكَذَلِكَ لَوْ فُرِضَ تَضَرُّرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ وَيَسْقُطُ خِيَارُهُ هَذَا آخِرُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَعَلَّ اللَّهَ يَفْتَحُ فِيهَا بِمَا نُرِيدُهَا إيضَاحًا وَبَيَانًا جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ لَجَأَ فِي مُهِمَّاتِهِ إلَيْهِ وَعَوَّلَ فِيمَا يَرْتَبِكُ فِيهِ مِنْ الْمَضَايِقِ وَيَنُوبُهُ مِنْ الْمَتَاعِبِ عَلَيْهِ وَأَمَدَّنَا بِتَوْفِيقٍ بَدِيعٍ مِنْ عِنْدَهُ لَا يُبْقِي فِينَا ذَرَّةً لِغَيْرِهِ وَأَدَامَ عَلَى قُلُوبِنَا شُهُودَ الْعَامَّةِ وَسَوَابِغَ بِرِّهِ وَخَيْرِهِ وَخَتَمَ لَنَا بِالْحُسْنَى وَبَلَّغْنَا مِنْ فَضْلِهِ الْمَقَامَ الْأَسْنَى فَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَإِلَيْهِ مَفْزَعُنَا فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَبَاطِنًا وَظَاهِرًا وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ الْأَزْكَيَانِ الْأَنْمَيَانِ الْأَطْيَبَانِ عَلَى خُلَاصَةِ سِرِّ الْوُجُودِ وَعَيْنِ التَّعَيُّنَاتِ فِي مَقَامَيْ التَّجَلِّي وَالشُّهُودِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَخُلَفَائِهِ وَوَارِثِيهِ وَأَتْبَاعِهِ وَمُحِبِّيهِ مَا قَامَ لِلَّهِ بِنُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ قَائِمٌ فَأَظْهَرَ الْحَقَّ وَنَاضَلَ عَنْهُ بِسِنَانِهِ وَقَلَمِهِ وَلِسَانِهِ وَلَمْ يَخْشَ فِي اللَّه لَوْمَةَ لَائِمٍ وَأَعِذْنَا اللَّهُمَّ مِنْ شُؤْمِ نُفُوسِنَا وَمُنَّ عَلَيْنَا بِطَوَاعِيَّتِهَا لَنَا حَتَّى نَسْتَرِيحَ مِنْ شُرُورِهَا وَارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ حَتَّى نَدْأَبَ فِي تَطْهِيرِهَا مِنْ خَبَائِثِهَا وَتَتَوَالَى عَلَيْهَا بَشَائِرُ سُرُورِهَا وَاصْحَبْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِرِضَاكَ عَنَّا إلَى أَنْ نَلْقَاك عَلَى ذَلِكَ فَنُرْفَعَ فِي دَارِ شُهُودِك عَلَى أَعْلَى الْأَرَائِكِ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. مَعَ مَنْ أَخْبَرْت عَمَّا لَهُمْ عَلَيْك فِي تِلْكَ الدَّارِ بِقَوْلِك ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] . (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ ثَوْبًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَقَبَضَ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ وَتَأَخَّرَ لَهُ بَعْضُ الثَّمَنِ ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ جَاءَ إلَى الْمُشْتَرِي وَطَالَبَهُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ فَاخْتَصَمَا ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ سَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ فَقَالَ الْبَائِعُ لَهُ أَقَلْتُكَ ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ الثَّوْبَ فَظَهَرَ أَنَّ الثَّوْبَ رَهَنَهُ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورُ تَحْتَ يَدِ شَخْصٍ ثَالِثٍ عَلَى دَيْنٍ لَهُ فَهَلْ هَذِهِ الْإِقَالَةُ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا لِكَوْنِ الثَّوْبِ مَرْهُونًا تَحْتَ يَدِ شَخْصٍ آخَرَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَلَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ إنْ قُلْنَا بَيْعٌ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ اهـ وَمِنْهَا يُعْلَمُ جَوَازُهَا وَلَوْ بَعْدَ الرَّهْنِ وَإِنْ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمَطْلَبِ وَغَيْرِهِ مِنْ

стр. 528

صِحَّتِهَا فِي الْآبِقِ قَالُوا لِأَنَّ الْإِبَاقَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّلَفِ وَهِيَ تَصِحُّ فِي التَّالِفِ فَأُولَى الْآبِقُ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ رَدُّ نَحْوِ الْآبِقِ وَالْمَرْهُونِ الْمَقْبُوضِ بِعَيْبٍ لِأَنَّ الرَّدَّ يُرَدُّ عَلَى الْمَرْدُودِ وَلَا مَرْدُودَ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ أَنَّ الْبَائِعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الثَّوْبِ وَأَنْ يَصْبِرَ إلَى فِكَاكِ الرَّهْنِ وَيَأْخُذُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِ فِي الرَّوْضِ فَرْعُ إنَّمَا تُقْبَلُ دَعْوَى جَهْلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ وَتُقْبَلُ فِي جَهْلِ كَوْنِهِ أَيْ: الرَّدِّ فَوْرًا مِنْ عَامِّيٍّ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِ كَمْ حَدَّ هَذَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَمَنْ الْعَامِّيُّ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي ضَابِطِ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ فِيمَا ذُكِرَ وَفِي نَظَائِرِ ذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّعِي الَّذِي جَهِلَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مَتَى كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ يَلْزَمُهُ السَّفَرُ مِنْهَا لِلتَّعَلُّمِ لَمْ يُعْذَرْ فِي دَعْوَاهُ ذَلِكَ وَمَتَى كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ مِنْهَا لِلتَّعَلُّمِ عُذِرَ وَضَابِطُ لُزُومِ السَّفَرِ لَهُ أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ وَإِنْ طَالَ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَمَعْنَى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَطِيعَهُ. وَيَنْبَغِي ضَبْطُ الِاسْتِطَاعَةِ هُنَا بِالِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لِلْحَجِّ فَإِنْ قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْنهمَا بِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ فَوْرِيٌّ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي قُلْت: هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْحَجِّ وَإِنْ وَجَبَ فَوْرًا هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ سَمِعَ فِي مَحِلِّهِ بِإِحْكَامِ الشَّرْعِ فَحِينَئِذٍ يَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْته أَمَّا إذَا لَمْ يَسْمَعْ فِيهِ بِذَلِكَ بِأَنْ خَلَّى مَحِلُّهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ عَمَّنْ يَعْرِفُ حُكْمَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَهُوَ مَعْذُورٌ سَوَاءٌ أَقَرُبَ مَحِلُّهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَمْ بَعُدَ عَنْهُ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته آخِرَ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ عَنْ الْكَافِي فِي نَظِيرِ مَسْأَلَتِنَا وَفِي حُكْمِ مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ لَمْ يَسْمَعْ فِيهَا بِإِحْكَامِ الشَّرْعِ أَيْ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا نَوْعُ خَفَاءٍ لَا كُلِّ أَحْكَامِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْبُعْدِ هُنَا وَفِي نَظَائِرِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَحِلِّهِ وَمَحِلِّ الْعُلَمَاءِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَوْ أَكْثَرُ لَكِنْ عَسُرَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ لِبَلَدِ الْعُلَمَاءِ لِخَوْفٍ أَوْ عَدَمِ زَادٍ أَوْ ضَيَاعِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِوُجُوبِ الْحَجِّ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْذُورًا فِي دَعْوَاه جَهْلَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَظَائِرِهِ وَأَمَّا إذَا انْتَفَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّفَرُ لِتَعَلُّمِ الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْخَفِيَّةِ وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ وَالْمُرَادُ بِالْعَامِّيِّ مَنْ يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ الظَّاهِرَةَ دُونَ الْخَفِيَّةِ وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقُوا هُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَرُبَ إسْلَامُهُ أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا فَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ جَهْلِ أَصْلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ يَجْهَلُهُ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ فَإِنَّهُ لَا يَجْهَلُهُ لِظُهُورِهِ لِأَكْثَرِ النَّاسِ وَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ عُدَّ مُفْرِطًا وَمُغْفَلًا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَأَمَّا دَعْوَى الْجَهْلِ بِالْفَوْرِيَّةِ فَيُقْبَلُ حَتَّى مِنْ الْعَامِّيِّ لِأَنَّ أَكْثُرَ الْعَوَامّ يَجْهَلُ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَصْحَابُنَا الْغَالِبُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ ثُبُوتَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَعْلَمُ صِفَتَهُ مِنْ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مُسَلَّمٌ لَهُ مَا ذَكَرَهُ إذْ لَا غَالِبَ فِي ذَلِكَ وَالْمُرَادُ بِالْعَامِّيِّ فِي عُرْفِ الْأُصُولِيِّينَ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ فَالْمُقَلِّدُونَ كُلُّهُمْ عَوَامُّ عِنْدَهُمْ وَإِنْ جَلَّتْ مَرَاتِبُهُمْ وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَعْرِفُ الظَّاهِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْغَالِبَةِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ الْأَحْكَامِ الْخَفِيَّةِ وَدَقَائِقِهَا وَالْأَحْكَامِ النَّادِرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ عَلَّقَ شَرِيكَانِ فِي عَبْدٍ عِتْقَ نَصِيبِهِمَا بِمُتَنَاقِضٍ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ فَبَاعَا نَصِيبَهُمَا لِثَالِثٍ عَتَقَ عَلَيْهِ النِّصْفَ إنْ كَانَ بَيْنُهُمَا أَنْصَافًا وَإِلَّا فَأَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ فَلَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الْعَبْدِ عَيْبًا هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْأَرْشُ وَإِذَا ثَبَتَ فَعَلَى مَنْ يَرْجِعُ بِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْقِيَاسُ الثُّبُوتُ وَأَنَّهُ مَوْقُوفٌ إلَى الْبَيَانِ نَعَمْ لَوْ مَاتَا وَوَرِثَهُمَا وَاحِدٌ وَالثَّمَنُ فِي مِلْكِهِمَا فَالْقِيَاسُ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِالْأَرْشِ وَعَلَى الْوَارِثِ إعْطَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ هَلْ يُقَالُ إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّمْلِيكِ كَتَفْوِيضِ الطَّلَاقِ لِلزَّوْجَةِ حَتَّى يُشْتَرَطَ قَبُولُهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ التَّوْكِيلِ فَيَأْتِي فِي قَبُولِهِ الْخِلَافُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى تَصْرِيحِ الْبَغَوِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ وَوَالِدُ الرُّويَانِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَرْطُهُ لِأَجْنَبِيٍّ كَافِرٍ وَالْمَبِيعُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ مُحَرِّمٍ وَالْمَبِيعُ صَيْدٌ وَإِنْ خَالَفَهُ وَلَدُهُ وَأَنَّ الشَّارِطَ لَوْ مَاتَ لَمْ يُبْطِلْ خِيَارَ الْأَجْنَبِيِّ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ إذْ لَوْ

стр. 529

لَانْعَزَلَ بِالْعَزْلِ وَلَجَازَ شَرْطُهُ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُحْرِمًا فِي مُسْلِمٍ وَصَيْدٍ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِي شِرَاءِ الْمُسْلِمِ وَلَا يُعْزَلُ بِمَوْتِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ ضَبْطُهُمْ الْعَيْبَ الْمُثْبِتَ لِلْخِيَارِ بِمَا يُنْقِصُ الْعَيْنَ أَوْ الْقِيمَةَ إلَخْ مَنْقُوضُ الْعَكْسِ بِمَا إذَا اشْتَرَى مَنْ وَجَدَ بِهِ بَرَصًا وَرَضِيَ بِهِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ بَرَصًا آخَرَ لَا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ فَإِنَّ هَذَا الْبَرَصَ الْآخَرَ عَيْبٌ يَثْبُتُ بِهِ الرَّدُّ وَلَا يُنْقِصُ عَيْنًا وَلَا قِيمَةً؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَرُدُّ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ لِنَقْصِهِ الْقِيمَة فِي نَفْسِهِ لَوْ انْفَرَدَ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بِهِ نَقْصٌ بِوَاسِطَةِ انْضِمَامِهِ إلَى مِثْلِهِ الَّذِي خَرَجَ بِسَبَبِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُنَقِّصًا فَأَشْبَهَ مَا إذَا اشْتَرَى مَرِيضًا فِي النَّزْعِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَا يُنْقِصُهَا هُنَا لِوُجُودِ هَذَا الْمَرَضِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ مُنْقِصًا مُثْبِتًا لِلرَّدِّ فَيُرَدُّ بِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ وَرَحِمَهُ عَمَّنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَقَطَعَ يَدَهُ وَلَدُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَى الْوَلَدِ الْقَاطِعِ فَمَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ الْخِيَارُ فَإِنْ فَسَخَ لَزِمَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلْبَائِعِ وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ وَإِنْ أَجَازَ لَزِمَهُ كُلُّ الثَّمَنِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ حُدُوثِ الْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِهِ كَتَعْيِيبِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ لَا لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ عَيَّبَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا خِيَارَ لَهُ لِحُصُولِ النَّقْصِ بِفِعْلِهِ بَلْ يَمْتَنِعُ بِسَبَبِهِ الرَّدُّ بِسَائِرِ الْعُيُوبِ الْقَدِيمَةِ وَيُجْعَلُ قَابِضًا لِبَعْضِ الْمَبِيعِ هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ أَنَّ إتْلَافَ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ وَعَلَى الْوَجْهِ الْمَنْسُوبِ إلَى رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ لَا يُجْعَلُ قَابِضًا لِشَيْءٍ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْيَدِ بِأَرْشِهَا الْمُقَرَّرِ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ اهـ وَمَفْهُومُهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ إذَا عَيَّبَ الْمَبِيعَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَهُوَ وُجُودُ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ فَلَا يَكُونُ الْعَيْبُ سَابِقًا عَلَيْهِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ لِذَلِكَ لَا لِأَنَّ الْعَيْبَ فِعْلُ الْمُشْتَرِي قَالَ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْخِيَارَ إذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ وُجُودَ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي إذَا تَحَقَّقَ سَبَبُهُ كَالْخِيَارِ لِلْعَيْبِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْعَقْدِ إذَا كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي بِأَنْ عَيَّبَ عَبْدًا مَثَلًا فِي يَدِ إنْسَانٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِشَرْطِهِ. وَكَالْخِيَارِ الْعَيْبُ الْوَاقِعُ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْبَائِعِ إذَا قُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَلَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِبَائِعِهِ ثُمَّ عَيَّبَهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ غَايَةَ تَعْيِيبِهِ إيَّاهُ أَنْ يَكُونَ قَبْضًا إذَا صَدَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ هُنَا مَعَ مَنْعِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْوَاقِعَ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْبَائِعِ يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَيُثْبِتُ الْخِيَارُ هُنَا أَيْضًا لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ وَصْفَ كَوْنِ الْعَيْبِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي طَرْدِيٌّ لَا أَثَرَ لَهُ وَأَنَّ مَدَارَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَعَدَمِهِ عَلَى وُجُودِ سَبَبِهِ وَعَدَمِهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ التَّلَفَ يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ إذَا وَقَعَ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْبَائِعِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَبْضِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَقْوَالِ الْمِلْكِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَإِتْلَافِ الْمُشْتَرِي كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا شَكَّ أَنَّ وِزَانَ التَّعْيِيبِ فِي اقْتِضَاءِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي وِزَانُ التَّلَفِ فِي اقْتِضَاءِ الِانْفِسَاخِ فَمَنْ اقْتَضَتْ مُبَاشَرَتُهُ التَّلَفَ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ تَقْتَضِي مُبَاشَرَتُهُ التَّعَيُّبَ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيهِ اهـ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَرَأَى بِهِ عَيْبًا وَرَضِيَ بِهِ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا رَضِيتُ لِأَنِّي ظَنَنْته الْعَيْبَ الْفُلَانِيَّ وَقَدْ بَانَ خِلَافَهُ فَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ أَمْكَنَ الِاشْتِبَاهُ وَكَانَ مَا بَانَ دُونَ مَا ظَنَّهُ أَوْ مِثْلَهُ فَلَا رَدَّ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِنْهُ فَلَهُ الرَّدُّ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اشْتَرَى عَيْنًا بِهَا أَثَرٌ وَقَدْ رَآهُ ثُمَّ قَالَ ظَنَنْته غَيْرَ عَيْبٍ فَبَانَ عَيْبًا فَهَلْ لَهُ الرَّدُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَلَهُ الرَّدُّ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اشْتَرَى بَذْرًا عَلَى أَنَّهُ يَنْبُتُ فَزَرَعَهُ فِي أَرْضٍ صَالِحَةٍ لِلْإِنْبَاتِ فَلَمْ يَنْبُتْ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ جَمَاعَةً اخْتَلَفَتْ فَتَاوِيهِمْ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ وَأَفْتَى آخَرُ بِأَنَّ الْبَائِعَ يَغْرَمُ لِلْمُشْتَرِي أُجْرَةَ الْبَقَرِ اللَّاتِي حَرَثَ عَلَيْهِنَّ وَجَمِيعَ الْخَسَارَةِ وَيَرُدُّ

стр. 530

إلَيْهِ جَمِيعَ قِيمَةِ الْبَذْرِ وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ وَلَا قِيَاسَ يُعَضِّدُهُ بَلْ الْوَجْهُ مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْأَرْشَ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ نِسْبَةُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَالِحًا لِلْإِنْبَاتِ وَغَيْرِ صَالِحٍ هَذَا إنْ كَانَ عَدَمُ إنْبَاتِهِ لِعَيْبٍ فِيهِ فَإِنْ كَانَ لِنَحْوِ عَارِضٍ فِي الْأَرْضِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ وَلَوْ جَعَلَا الْإِنْبَاتَ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ وَأَرَادَا الصَّلَاحِيَةَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ أَوْ وُجُودَهُ بِالْفِعْلِ فَسَدَ الْعَقْدُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَعَلَى الْبَائِعِ حِينَئِذٍ رَدُّ الثَّمَنِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْبَذْرِ أَوْ أَقْصَى قِيمَةً. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا لَا تَحِيضُ أَوْ يَطُولُ طُهْرُهَا فَهَلْ هُوَ عَيْبٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوَّلُ عَيْبٌ إنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ غَالِبًا وَهُوَ عِشْرُونَ سَنَةً كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَكَذَا الثَّانِي إذَا تَطَاوَلَ طُهْرُهَا بِحَيْثُ جَاوَزَ الْعَادَةَ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً ثُمَّ رَأَى فِيهَا عَيْبًا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ وَقِدَمُهُ فَاخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا وَهَلْ يَكْفِي قَوْلُ الْبَائِعِ لَا أَعْلَمُ فِيهَا عَيْبًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَوْ لَا وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْيَمِينُ أَنَّهُ وَقْتَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ لَمْ يُقَصِّرْ فِي الرَّدِّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ لَكِنْ لَا يَكْفِي قَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ وَالْحَلِفِ مَا عَلِمْت بِهَذَا الْعَيْبِ عِنْدِي وَيَكْفِي فِيهِمَا لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ الرَّدُّ بِهِ أَوْ مَا أَقْبَضْتُهُ إلَّا سَلِيمًا أَوْ أَقَبَضْتُهُ وَمَا بِهِ مِنْ عَيْبٍ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ فِي الْجَوَابِ لَيْسَ بِقَدِيمٍ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ فَيَقُولُ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَإِذَا أَجَابَ جَوَابًا صَحِيحًا وَحَلَفَ حَلِفًا صَحِيحًا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ رَدٌّ فَإِنْ قُدِّرَ ثُبُوتُ رَدٍّ لَهُ فَقَالَ الْبَائِعُ لَقَدْ قَصَّرْتَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْفَوْرِ صُدِّقَ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ وَثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ. (وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِ ﷺ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي الْعُمُومِ فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَصْبٍ وَسَوْمٍ الْوَدِيعَةٍ إذَا تَعَدَّى عَلَيْهَا أَمْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمِلْكِ فَقَطْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَبْدِ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَيْبًا ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ غَيْرِ خَرَاجٍ وَإِذَا قُلْتُمْ يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَوْ هَلَكَ هَلَكَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَدِيثُ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ لَهُ قِصَّةٌ أَشَارَ إلَيْهَا السَّائِلُ وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ مِنْهُ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ مِنْ آخَرَ غُلَامًا فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَخَاصَمَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ اسْتَعْمَلَ غُلَامِي فَقَالَ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فَوَائِدَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْمَغْصُوبُ وَالْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ تَلِفَ تَحْتَ ذِي الْيَدِ ضَمِنَهُ وَلَيْسَ لَهُ خَرَاجُهُ وَأُجِيبُ عَنْهُمَا بِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَا مُعْتَبَرٌ بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ الضَّمَانُ الْمَعْهُودُ فِي الْخَبَرِ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى ذِي الْيَدِ فِيمَا ذُكِرَ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مِلْكَهُ بَلْ لِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِطَرِيقٍ مُضَمِّنٍ وَعَنْ الثَّانِي أَيْضًا بِقَصْرِ الْخَبَرِ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَعُلِمَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ السَّائِلُ وَأَنَّ كُلَّ مَا اسْتَحَقَّ خَرَاجَهُ لِكَوْنِهِ مِلْكَهُ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ لَوْ تَلِفَ فَيَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْخَرَاجِ الضَّمَانُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الضَّمَانِ اسْتِحْقَاقُ الْخَرَاجِ فَمَا فِي الْحَدِيثِ مُوجِبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَهِيَ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا وَلَا يُرَدَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَالْمُوجِبَةُ الْكُلِّيَّةُ لَا يَلْزَمُ انْعِكَاسُهَا كَنَفْسِهَا فَلَا مُبَالَاةَ بِمَا يُرَدُّ عَلَى عَكْسِهَا لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إيرَادُهُ إلَّا إنْ قُلْنَا إنَّهَا تَنْعَكِسُ كَنَفْسِهَا دَائِمًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ لِيَظْهَرَ لَك الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ إلَخْ. (وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْإِرْشَادِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ عَتَقَ وَرَهَنَ إلَى أَنْ قَالَ وَكُلٌّ مِنْ الْبَائِعِ فَسْخٌ وَمِنْ الْمُشْتَرِي إجَازَةٌ هَلْ ذَلِكَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَمْ لَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى خِيَارِ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ فَإِنْ خُيِّرَا مَعًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ جَارٍ فِي كُلٍّ مِنْ الْخِيَارَيْنِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ لِمَنْ نَظَرَ أَدْنَى نَظَرٍ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِهِمْ وَعَجِيبٌ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِقَوْلِهِ فَإِنْ خُيِّرَا مَعًا فَاسْتِدْلَالُهُ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِي غَايَةِ الْغَرَابَةِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لَهُمَا لَا يَتَوَهَّم أَحَدٌ افْتِرَاقَ الْخِيَارَيْنِ فِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُتَوَهَّمُ افْتِرَاقُهُمَا فِيهِ
следующие страницы →