Полный текст (1 335 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فَإِنْ قُلْت: مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ أَنَّهُ هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي الْمُبَادَرَةُ بِالْفَسْخِ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ الْبَائِعُ وَيَسْمَحُ لَهُ فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ أَوْ لَيْسَ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِذَلِكَ إلَّا بِمُشَاوِرَةِ الْبَائِعِ، فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْأَوَّلُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ الثَّانِي وَهُوَ مَا حَكَاهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ فَهَلْ يَأْتِي ذَلِكَ هُنَا قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَأْتِي ذَلِكَ هُنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الرَّاجِحُ هُنَا الْأَوَّلُ.
وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الرَّاجِحَ الثَّانِي وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ ثُمَّ الْمُخْتَلَطَ مُتَحَقِّقٌ فَوَجَبَتْ مُشَاوَرَتُهُ لِيَنْظُرَ هَلْ يَسْمَحُ أَوْ لَا وَأَمَّا هُنَا فَمِلْكُ الْبَائِعِ لَمَّا فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بَلْ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ الْبَحْثُ لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت: قَدْ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ وَصُورَتُهُ أَنْ يُعْرَضَ لَهُ أَمْرٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ بِأَنْ عَرَضَ مَا لَا يُنَافِي الْفَوْرِيَّةَ كَأَكْلٍ أَوْ حَمَامٍ وَعُلِمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّ الْبَائِعَ مَلَكَ الْمُسْتَحَقَّ فَهَلْ يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُشَاوَرَةُ الْبَائِعِ؟ قُلْت: لَا يَتَّجِهُ وُجُوبُ مُشَاوَرَتِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِبَيْعِ مَا لَا يَمْلِكُ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ الصَّفْقَةُ عَلَيْهِ وَكَانَ مَعْذُورًا فِي ذَلِكَ فَسَاغَ لِلْمُشْتَرِي الْمُبَادَرَةُ بِالْفَسْخِ مَا لَمْ يُبَادِرْ بِالْمُسَامَحَةِ هُوَ وَيَسْمَحُ قَبْلَ فَسْخِ الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ خِيَارُهُ.
فَإِنْ قُلْت مَرَّ ثُمَّ كَلَامُ الْمُهِمَّاتِ فِي مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَإِنَّهُ مَرْدُودٌ فَهَلْ يَجْرِي نَظِيرُهُ هُنَا؟ قُلْت: نَعَمْ يَجْرِي ذَلِكَ جَمِيعُهُ هُنَا بِجَامِعِ أَنَّ مُوجِبَ الْخِيَارِ هُنَا وَثَمَّ الْعَيْبُ كَمَا مَرَّ وَلَا دَخَلَ لِلْحَاكِمِ فِي الرَّدِّ بِهِ فَإِنْ قُلْت: قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي ثَمَّ وَتَمَلَّكَ الثَّمَرَةَ هُنَا بِالْإِعْرَاضِ كَالْإِعْرَاضِ عَنْ السَّنَابِلِ وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْ النَّعْلَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا لِأَنَّ عَوْدَهَا إلَى الْبَائِعِ مُتَوَقَّعٌ وَلَا سَبِيلَ هُنَا إلَى تَمْيِيزِ حَقِّ الْبَائِعِ. اهـ فَهَلْ يُقَالُ بِذَلِكَ هُنَا أَيْضًا، قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ مَا يَأْتِي مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ النَّعْلِ وَعَنْ نَحْوِ كِسْرَةِ الْخُبْزِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ الْإِعْرَاضَ هُنَا وَعَنْ النَّعْلِ سَوَاءٌ وَيُرَدُّ فَرْقُهُ بِأَنَّ التَّمْيِيزَ هُنَا مُتَوَقَّعٌ أَيْضًا فَهُوَ كَعَوْدِ النَّعْلِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَعَلَى قِيَاسِ النَّعْلِ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى ثَمَرَةِ الْمُشْتَرِي مِنْ ثَمَرَةِ الْبَائِعِ وَعَلِمَ بِتَمْيِيزِهَا بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ بِإِخْبَارِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ أَوْ بِخَبَرِ نَبِيٍّ مَثَلًا وَجَبَ رَدُّهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ بِهَا مُطْلَقًا بَلْ لِلْخَوْفِ مِنْ الْفَسْخِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
فَإِذَا عُلِمَتْ بِطَرِيقِهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَلَوْ أَكَلَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّبَيُّنِ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا فَلَا ضَمَانَ كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَ النَّعْلَ فِي رِجْلِ الدَّابَّةِ حَتَّى بَلِيَ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ لَكِنَّهُ فِقْهٌ ظَاهِرٌ وَالْقَوَاعِدُ تَشْهَدُ لَهُ اهـ لَا يُقَالُ تَوَقُّعُ عَوْدِ النَّعْلِ أَقْرَبُ مِنْ تَوَقُّعِ التَّمْيِيزِ كَمَا لَا يَخْفَى لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ مَا قَالَهُ عَلَى أَنَّ نَفْيَ السَّبِيلِ إلَى التَّمْيِيزِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّبِيلَ إلَيْهِ مُمْكِنٌ سِيَّمَا وَكَلَامُهُمْ كَالْمُصَرِّحِ أَوْ مُصَرِّحٌ بِاسْتِوَائِهِمَا فِي عَدَمِ مِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْإِعْرَاضِ ثُمَّ لَوْ فُرِضَ اعْتِمَادُ مَا قَالَهُ فَلَا يَأْتِي نَظِيرُهُ هُنَا لِأَنَّ عِلَّتَهُ لَا تَجْرِي هُنَا لِتَمَيُّزِ الْمُعْرَضِ عَنْهُ هُنَا فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ إذَا أَعْرَضَ الْبَائِعُ عَنْهُ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ لَهُ وَقَبِلَهُ بِشَرْطِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَأْتِي فِيهِ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي نَحْوِ الثِّمَارِ لَا يَضْمَنُهَا.
وَقَاسَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النَّعْلِ قُلْت: نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الَّذِي فَسَدَ الْعَقْدُ فِيهِ تَفُوتُ عَيْنُهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُشْبِهُ مَا فَرَضَ الزَّرْكَشِيُّ الْكَلَامَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ وَنَحْوِهَا أَمَّا فِي نَحْوِ الْأَرَاضِي فَلَا يَأْتِي فِيهِ ذَلِكَ نَعَمْ لَوْ عَادَ فِيهِ الْبَائِعُ فَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِلْمُدَّةِ الَّتِي انْتَفَعَ بِهِ فِيهَا لِأَنَّ الْمُعْرَضَ عَنْهُ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَالْمُعَارِ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرْته فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ وَعِبَارَتُهَا وَالْمُرَادُ بِالْإِعْرَاضِ هُنَا خِلَافُ مَا قَالُوهُ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ نَحْوِ كِسْرَةِ خُبْزٍ لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ إمَّا مُطْلَقٌ بِأَنْ يَحْصُلَ بِالِاخْتِيَارِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَإِذَا أَخَذَهُ الْغَيْرُ مَلَكَهُ وَلَيْسَ لِمَالِكِهِ الرُّجُوعُ فِيهِ وَإِمَّا مُقَيَّدٌ كَمَا هُنَا فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِحَالَةِ اتِّصَالِهِ بِالدَّابَّةِ.
فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْهَا عَادَ إلَى مَالِكِهِ وَوَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِ عَقِبَ السُّقُوطِ فَوْرًا وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّخْلِيَةُ وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِالرَّدِّ فِي كَلَامِهِمْ وَأَنْ يُقَالَ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ حَقِيقَةً كَالْعَارِيَّةِ بِجَامِعِ أَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَكَمَا لَزِمَهُ ثَمَّ
стр. 527
بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَارِيَّةِ الرَّدُّ فَكَذَلِكَ هُنَا وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ فَإِنْ قُلْت: أَطْلَقَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ بِالتَّصَرُّفِ وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ عَارِيَّةً؟ قُلْت: مُرَادُهُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ النَّقْلِ عَنْ مِلْكِهِ بِدَلِيلِ مَا نَظَرَ بِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ النَّعْلِ حَتَّى بَلِيَ فَإِنْ قُلْت: مَرَّ فِي مَبْحَثِ الْأَحْجَارِ قَوْلُهُمْ وَهَذَا التَّرْكُ إعْرَاضٌ لَا تَمْلِيكٌ فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا فَإِذَا عَادَ رَجَعَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ هُنَا قُلْت: نَعَمْ.
فَإِذَا أَعْرَضَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي عَمَّا فَسَدَ فِيهِ الْعَقْدُ سَقَطَ خِيَارُهُ وَلَزِمَهُ الْقَبُولُ فَلَهُ حِينَئِذٍ التَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ الْمُعْرَضِ عَنْهُ لَكِنْ بِالِانْتِفَاعِ وَلَوْ بِإِيجَارِهِ لِلْغَيْرِ لَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ ثُمَّ إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ فِيهِ عَادَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَرْجِعْ فَسَبَبُ الْخِيَارِ مُنْتَفٍ فَإِذَا رَجَعَ عَادَ سَبَبُ الْخِيَارِ فَإِنْ قُلْت: هَذَا فِيهِ ضَرَرٌ كَبِيرٌ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمُعْرَضِ عَنْهُ إذْ لَيْسَ لَهُ إلَّا الِانْتِفَاعُ بِهِ لَا إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ قُلْت: لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا الِانْتِفَاعَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَبْذُلْ الْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْئًا فَهُوَ مَحْضُ رِبْحٍ اسْتَفَادَهُ لِأَنَّ مَا بَذَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الَّذِي صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ وَهَذَا الَّذِي فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ إنَّمَا اسْتَفَادَهُ فِي مُقَابَلَةِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ وَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ الِانْتِفَاعُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَانَ ذَلِكَ غَايَةً فِي مُرَاعَاةِ جَانِبِهِ وَغَايَتَهُ فِي الرِّبْحِ.
فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ سِيَّمَا وَخِيَارُهُ أَوْ خِيَارُ وَارِثِهِ يَعُودُ بِعَوْدِ الْبَائِعِ أَوْ وَارِثِهِ فِي ذَلِكَ الْمُعْرَضِ عَنْهُ وَعَلَى فَرْضِ الْمُحَالِ وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي ذَلِكَ فَلَا نَظَرَ إلَيْهِ لِعَيْنِ مَا قَالُوهُ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَحْجَارِ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُهَا بِهِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفٌ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَكَمَا لَمْ يَنْظُرُوا هُنَا إلَى تَضَرُّرِهِ إنْ فُرِضَ وَأَسْقَطُوا خِيَارَهُ بِالتَّرْكِ مَعَهُ فَكَذَلِكَ لَوْ فُرِضَ تَضَرُّرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ وَيَسْقُطُ خِيَارُهُ هَذَا آخِرُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَعَلَّ اللَّهَ يَفْتَحُ فِيهَا بِمَا نُرِيدُهَا إيضَاحًا وَبَيَانًا جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ لَجَأَ فِي مُهِمَّاتِهِ إلَيْهِ وَعَوَّلَ فِيمَا يَرْتَبِكُ فِيهِ مِنْ الْمَضَايِقِ وَيَنُوبُهُ مِنْ الْمَتَاعِبِ عَلَيْهِ وَأَمَدَّنَا بِتَوْفِيقٍ بَدِيعٍ مِنْ عِنْدَهُ لَا يُبْقِي فِينَا ذَرَّةً لِغَيْرِهِ وَأَدَامَ عَلَى قُلُوبِنَا شُهُودَ الْعَامَّةِ وَسَوَابِغَ بِرِّهِ وَخَيْرِهِ وَخَتَمَ لَنَا بِالْحُسْنَى وَبَلَّغْنَا مِنْ فَضْلِهِ الْمَقَامَ الْأَسْنَى فَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَإِلَيْهِ مَفْزَعُنَا فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَبَاطِنًا وَظَاهِرًا وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ الْأَزْكَيَانِ الْأَنْمَيَانِ الْأَطْيَبَانِ عَلَى خُلَاصَةِ سِرِّ الْوُجُودِ وَعَيْنِ التَّعَيُّنَاتِ فِي مَقَامَيْ التَّجَلِّي وَالشُّهُودِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَخُلَفَائِهِ وَوَارِثِيهِ وَأَتْبَاعِهِ وَمُحِبِّيهِ مَا قَامَ لِلَّهِ بِنُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ قَائِمٌ فَأَظْهَرَ الْحَقَّ وَنَاضَلَ عَنْهُ بِسِنَانِهِ وَقَلَمِهِ وَلِسَانِهِ وَلَمْ يَخْشَ فِي اللَّه لَوْمَةَ لَائِمٍ وَأَعِذْنَا اللَّهُمَّ مِنْ شُؤْمِ نُفُوسِنَا وَمُنَّ عَلَيْنَا بِطَوَاعِيَّتِهَا لَنَا حَتَّى نَسْتَرِيحَ مِنْ شُرُورِهَا وَارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ حَتَّى نَدْأَبَ فِي تَطْهِيرِهَا مِنْ خَبَائِثِهَا وَتَتَوَالَى عَلَيْهَا بَشَائِرُ سُرُورِهَا وَاصْحَبْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِرِضَاكَ عَنَّا إلَى أَنْ نَلْقَاك عَلَى ذَلِكَ فَنُرْفَعَ فِي دَارِ شُهُودِك عَلَى أَعْلَى الْأَرَائِكِ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. مَعَ مَنْ أَخْبَرْت عَمَّا لَهُمْ عَلَيْك فِي تِلْكَ الدَّارِ بِقَوْلِك ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ ثَوْبًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَقَبَضَ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ وَتَأَخَّرَ لَهُ بَعْضُ الثَّمَنِ ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ جَاءَ إلَى الْمُشْتَرِي وَطَالَبَهُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ فَاخْتَصَمَا ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ سَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ فَقَالَ الْبَائِعُ لَهُ أَقَلْتُكَ ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ الثَّوْبَ فَظَهَرَ أَنَّ الثَّوْبَ رَهَنَهُ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورُ تَحْتَ يَدِ شَخْصٍ ثَالِثٍ عَلَى دَيْنٍ لَهُ فَهَلْ هَذِهِ الْإِقَالَةُ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا لِكَوْنِ الثَّوْبِ مَرْهُونًا تَحْتَ يَدِ شَخْصٍ آخَرَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَلَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ إنْ قُلْنَا بَيْعٌ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ اهـ وَمِنْهَا يُعْلَمُ جَوَازُهَا وَلَوْ بَعْدَ الرَّهْنِ وَإِنْ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمَطْلَبِ وَغَيْرِهِ مِنْ
стр. 528
صِحَّتِهَا فِي الْآبِقِ قَالُوا لِأَنَّ الْإِبَاقَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّلَفِ وَهِيَ تَصِحُّ فِي التَّالِفِ فَأُولَى الْآبِقُ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ رَدُّ نَحْوِ الْآبِقِ وَالْمَرْهُونِ الْمَقْبُوضِ بِعَيْبٍ لِأَنَّ الرَّدَّ يُرَدُّ عَلَى الْمَرْدُودِ وَلَا مَرْدُودَ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ أَنَّ الْبَائِعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الثَّوْبِ وَأَنْ يَصْبِرَ إلَى فِكَاكِ الرَّهْنِ وَيَأْخُذُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِ فِي الرَّوْضِ فَرْعُ إنَّمَا تُقْبَلُ دَعْوَى جَهْلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ وَتُقْبَلُ فِي جَهْلِ كَوْنِهِ أَيْ: الرَّدِّ فَوْرًا مِنْ عَامِّيٍّ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِ كَمْ حَدَّ هَذَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَمَنْ الْعَامِّيُّ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي ضَابِطِ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ فِيمَا ذُكِرَ وَفِي نَظَائِرِ ذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّعِي الَّذِي جَهِلَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مَتَى كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ يَلْزَمُهُ السَّفَرُ مِنْهَا لِلتَّعَلُّمِ لَمْ يُعْذَرْ فِي دَعْوَاهُ ذَلِكَ وَمَتَى كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ مِنْهَا لِلتَّعَلُّمِ عُذِرَ وَضَابِطُ لُزُومِ السَّفَرِ لَهُ أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ وَإِنْ طَالَ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَمَعْنَى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَطِيعَهُ.
وَيَنْبَغِي ضَبْطُ الِاسْتِطَاعَةِ هُنَا بِالِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لِلْحَجِّ فَإِنْ قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْنهمَا بِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ فَوْرِيٌّ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي قُلْت: هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْحَجِّ وَإِنْ وَجَبَ فَوْرًا هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ سَمِعَ فِي مَحِلِّهِ بِإِحْكَامِ الشَّرْعِ فَحِينَئِذٍ يَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْته أَمَّا إذَا لَمْ يَسْمَعْ فِيهِ بِذَلِكَ بِأَنْ خَلَّى مَحِلُّهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ عَمَّنْ يَعْرِفُ حُكْمَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَهُوَ مَعْذُورٌ سَوَاءٌ أَقَرُبَ مَحِلُّهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَمْ بَعُدَ عَنْهُ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته آخِرَ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ عَنْ الْكَافِي فِي نَظِيرِ مَسْأَلَتِنَا وَفِي حُكْمِ مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ لَمْ يَسْمَعْ فِيهَا بِإِحْكَامِ الشَّرْعِ أَيْ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا نَوْعُ خَفَاءٍ لَا كُلِّ أَحْكَامِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْبُعْدِ هُنَا وَفِي نَظَائِرِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَحِلِّهِ وَمَحِلِّ الْعُلَمَاءِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَوْ أَكْثَرُ لَكِنْ عَسُرَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ لِبَلَدِ الْعُلَمَاءِ لِخَوْفٍ أَوْ عَدَمِ زَادٍ أَوْ ضَيَاعِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِوُجُوبِ الْحَجِّ.
فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْذُورًا فِي دَعْوَاه جَهْلَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَظَائِرِهِ وَأَمَّا إذَا انْتَفَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّفَرُ لِتَعَلُّمِ الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْخَفِيَّةِ وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ وَالْمُرَادُ بِالْعَامِّيِّ مَنْ يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ الظَّاهِرَةَ دُونَ الْخَفِيَّةِ وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقُوا هُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَرُبَ إسْلَامُهُ أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا فَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ جَهْلِ أَصْلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ يَجْهَلُهُ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ فَإِنَّهُ لَا يَجْهَلُهُ لِظُهُورِهِ لِأَكْثَرِ النَّاسِ وَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ عُدَّ مُفْرِطًا وَمُغْفَلًا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَأَمَّا دَعْوَى الْجَهْلِ بِالْفَوْرِيَّةِ فَيُقْبَلُ حَتَّى مِنْ الْعَامِّيِّ لِأَنَّ أَكْثُرَ الْعَوَامّ يَجْهَلُ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَصْحَابُنَا الْغَالِبُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ ثُبُوتَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَعْلَمُ صِفَتَهُ مِنْ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مُسَلَّمٌ لَهُ مَا ذَكَرَهُ إذْ لَا غَالِبَ فِي ذَلِكَ وَالْمُرَادُ بِالْعَامِّيِّ فِي عُرْفِ الْأُصُولِيِّينَ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ فَالْمُقَلِّدُونَ كُلُّهُمْ عَوَامُّ عِنْدَهُمْ وَإِنْ جَلَّتْ مَرَاتِبُهُمْ وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَعْرِفُ الظَّاهِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْغَالِبَةِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ الْأَحْكَامِ الْخَفِيَّةِ وَدَقَائِقِهَا وَالْأَحْكَامِ النَّادِرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ عَلَّقَ شَرِيكَانِ فِي عَبْدٍ عِتْقَ نَصِيبِهِمَا بِمُتَنَاقِضٍ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ فَبَاعَا نَصِيبَهُمَا لِثَالِثٍ عَتَقَ عَلَيْهِ النِّصْفَ إنْ كَانَ بَيْنُهُمَا أَنْصَافًا وَإِلَّا فَأَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ فَلَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الْعَبْدِ عَيْبًا هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْأَرْشُ وَإِذَا ثَبَتَ فَعَلَى مَنْ يَرْجِعُ بِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْقِيَاسُ الثُّبُوتُ وَأَنَّهُ مَوْقُوفٌ إلَى الْبَيَانِ نَعَمْ لَوْ مَاتَا وَوَرِثَهُمَا وَاحِدٌ وَالثَّمَنُ فِي مِلْكِهِمَا فَالْقِيَاسُ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِالْأَرْشِ وَعَلَى الْوَارِثِ إعْطَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ هَلْ يُقَالُ إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّمْلِيكِ كَتَفْوِيضِ الطَّلَاقِ لِلزَّوْجَةِ حَتَّى يُشْتَرَطَ قَبُولُهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ التَّوْكِيلِ فَيَأْتِي فِي قَبُولِهِ الْخِلَافُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى تَصْرِيحِ الْبَغَوِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ وَوَالِدُ الرُّويَانِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَرْطُهُ لِأَجْنَبِيٍّ كَافِرٍ وَالْمَبِيعُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ مُحَرِّمٍ وَالْمَبِيعُ صَيْدٌ وَإِنْ خَالَفَهُ وَلَدُهُ وَأَنَّ الشَّارِطَ لَوْ مَاتَ لَمْ يُبْطِلْ خِيَارَ الْأَجْنَبِيِّ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ إذْ لَوْ
стр. 529
لَانْعَزَلَ بِالْعَزْلِ وَلَجَازَ شَرْطُهُ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُحْرِمًا فِي مُسْلِمٍ وَصَيْدٍ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِي شِرَاءِ الْمُسْلِمِ وَلَا يُعْزَلُ بِمَوْتِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ ضَبْطُهُمْ الْعَيْبَ الْمُثْبِتَ لِلْخِيَارِ بِمَا يُنْقِصُ الْعَيْنَ أَوْ الْقِيمَةَ إلَخْ مَنْقُوضُ الْعَكْسِ بِمَا إذَا اشْتَرَى مَنْ وَجَدَ بِهِ بَرَصًا وَرَضِيَ بِهِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ بَرَصًا آخَرَ لَا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ فَإِنَّ هَذَا الْبَرَصَ الْآخَرَ عَيْبٌ يَثْبُتُ بِهِ الرَّدُّ وَلَا يُنْقِصُ عَيْنًا وَلَا قِيمَةً؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَرُدُّ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ لِنَقْصِهِ الْقِيمَة فِي نَفْسِهِ لَوْ انْفَرَدَ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بِهِ نَقْصٌ بِوَاسِطَةِ انْضِمَامِهِ إلَى مِثْلِهِ الَّذِي خَرَجَ بِسَبَبِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُنَقِّصًا فَأَشْبَهَ مَا إذَا اشْتَرَى مَرِيضًا فِي النَّزْعِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَا يُنْقِصُهَا هُنَا لِوُجُودِ هَذَا الْمَرَضِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ مُنْقِصًا مُثْبِتًا لِلرَّدِّ فَيُرَدُّ بِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ وَرَحِمَهُ عَمَّنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَقَطَعَ يَدَهُ وَلَدُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَى الْوَلَدِ الْقَاطِعِ فَمَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ الْخِيَارُ فَإِنْ فَسَخَ لَزِمَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلْبَائِعِ وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ وَإِنْ أَجَازَ لَزِمَهُ كُلُّ الثَّمَنِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ حُدُوثِ الْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِهِ كَتَعْيِيبِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ لَا لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ عَيَّبَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا خِيَارَ لَهُ لِحُصُولِ النَّقْصِ بِفِعْلِهِ بَلْ يَمْتَنِعُ بِسَبَبِهِ الرَّدُّ بِسَائِرِ الْعُيُوبِ الْقَدِيمَةِ وَيُجْعَلُ قَابِضًا لِبَعْضِ الْمَبِيعِ هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ أَنَّ إتْلَافَ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ وَعَلَى الْوَجْهِ الْمَنْسُوبِ إلَى رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ لَا يُجْعَلُ قَابِضًا لِشَيْءٍ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْيَدِ بِأَرْشِهَا الْمُقَرَّرِ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ اهـ وَمَفْهُومُهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ إذَا عَيَّبَ الْمَبِيعَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَهُوَ وُجُودُ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ فَلَا يَكُونُ الْعَيْبُ سَابِقًا عَلَيْهِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ لِذَلِكَ لَا لِأَنَّ الْعَيْبَ فِعْلُ الْمُشْتَرِي قَالَ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْخِيَارَ إذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ وُجُودَ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي إذَا تَحَقَّقَ سَبَبُهُ كَالْخِيَارِ لِلْعَيْبِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْعَقْدِ إذَا كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي بِأَنْ عَيَّبَ عَبْدًا مَثَلًا فِي يَدِ إنْسَانٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِشَرْطِهِ.
وَكَالْخِيَارِ الْعَيْبُ الْوَاقِعُ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْبَائِعِ إذَا قُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَلَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِبَائِعِهِ ثُمَّ عَيَّبَهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ غَايَةَ تَعْيِيبِهِ إيَّاهُ أَنْ يَكُونَ قَبْضًا إذَا صَدَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ هُنَا مَعَ مَنْعِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْوَاقِعَ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْبَائِعِ يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَيُثْبِتُ الْخِيَارُ هُنَا أَيْضًا لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ وَصْفَ كَوْنِ الْعَيْبِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي طَرْدِيٌّ لَا أَثَرَ لَهُ وَأَنَّ مَدَارَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَعَدَمِهِ عَلَى وُجُودِ سَبَبِهِ وَعَدَمِهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ التَّلَفَ يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ إذَا وَقَعَ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْبَائِعِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَبْضِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَقْوَالِ الْمِلْكِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَإِتْلَافِ الْمُشْتَرِي كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا شَكَّ أَنَّ وِزَانَ التَّعْيِيبِ فِي اقْتِضَاءِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي وِزَانُ التَّلَفِ فِي اقْتِضَاءِ الِانْفِسَاخِ فَمَنْ اقْتَضَتْ مُبَاشَرَتُهُ التَّلَفَ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ تَقْتَضِي مُبَاشَرَتُهُ التَّعَيُّبَ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيهِ اهـ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَرَأَى بِهِ عَيْبًا وَرَضِيَ بِهِ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا رَضِيتُ لِأَنِّي ظَنَنْته الْعَيْبَ الْفُلَانِيَّ وَقَدْ بَانَ خِلَافَهُ فَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ أَمْكَنَ الِاشْتِبَاهُ وَكَانَ مَا بَانَ دُونَ مَا ظَنَّهُ أَوْ مِثْلَهُ فَلَا رَدَّ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِنْهُ فَلَهُ الرَّدُّ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اشْتَرَى عَيْنًا بِهَا أَثَرٌ وَقَدْ رَآهُ ثُمَّ قَالَ ظَنَنْته غَيْرَ عَيْبٍ فَبَانَ عَيْبًا فَهَلْ لَهُ الرَّدُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَلَهُ الرَّدُّ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اشْتَرَى بَذْرًا عَلَى أَنَّهُ يَنْبُتُ فَزَرَعَهُ فِي أَرْضٍ صَالِحَةٍ لِلْإِنْبَاتِ فَلَمْ يَنْبُتْ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ جَمَاعَةً اخْتَلَفَتْ فَتَاوِيهِمْ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ وَأَفْتَى آخَرُ بِأَنَّ الْبَائِعَ يَغْرَمُ لِلْمُشْتَرِي أُجْرَةَ الْبَقَرِ اللَّاتِي حَرَثَ عَلَيْهِنَّ وَجَمِيعَ الْخَسَارَةِ وَيَرُدُّ
стр. 530
إلَيْهِ جَمِيعَ قِيمَةِ الْبَذْرِ وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ وَلَا قِيَاسَ يُعَضِّدُهُ بَلْ الْوَجْهُ مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْأَرْشَ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ نِسْبَةُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَالِحًا لِلْإِنْبَاتِ وَغَيْرِ صَالِحٍ هَذَا إنْ كَانَ عَدَمُ إنْبَاتِهِ لِعَيْبٍ فِيهِ فَإِنْ كَانَ لِنَحْوِ عَارِضٍ فِي الْأَرْضِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ وَلَوْ جَعَلَا الْإِنْبَاتَ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ وَأَرَادَا الصَّلَاحِيَةَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ أَوْ وُجُودَهُ بِالْفِعْلِ فَسَدَ الْعَقْدُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَعَلَى الْبَائِعِ حِينَئِذٍ رَدُّ الثَّمَنِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْبَذْرِ أَوْ أَقْصَى قِيمَةً.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا لَا تَحِيضُ أَوْ يَطُولُ طُهْرُهَا فَهَلْ هُوَ عَيْبٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوَّلُ عَيْبٌ إنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ غَالِبًا وَهُوَ عِشْرُونَ سَنَةً كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَكَذَا الثَّانِي إذَا تَطَاوَلَ طُهْرُهَا بِحَيْثُ جَاوَزَ الْعَادَةَ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً ثُمَّ رَأَى فِيهَا عَيْبًا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ وَقِدَمُهُ فَاخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا وَهَلْ يَكْفِي قَوْلُ الْبَائِعِ لَا أَعْلَمُ فِيهَا عَيْبًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَوْ لَا وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْيَمِينُ أَنَّهُ وَقْتَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ لَمْ يُقَصِّرْ فِي الرَّدِّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ لَكِنْ لَا يَكْفِي قَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ وَالْحَلِفِ مَا عَلِمْت بِهَذَا الْعَيْبِ عِنْدِي وَيَكْفِي فِيهِمَا لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ الرَّدُّ بِهِ أَوْ مَا أَقْبَضْتُهُ إلَّا سَلِيمًا أَوْ أَقَبَضْتُهُ وَمَا بِهِ مِنْ عَيْبٍ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ فِي الْجَوَابِ لَيْسَ بِقَدِيمٍ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ فَيَقُولُ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَإِذَا أَجَابَ جَوَابًا صَحِيحًا وَحَلَفَ حَلِفًا صَحِيحًا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ رَدٌّ فَإِنْ قُدِّرَ ثُبُوتُ رَدٍّ لَهُ فَقَالَ الْبَائِعُ لَقَدْ قَصَّرْتَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْفَوْرِ صُدِّقَ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ وَثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِ ﷺ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي الْعُمُومِ فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَصْبٍ وَسَوْمٍ الْوَدِيعَةٍ إذَا تَعَدَّى عَلَيْهَا أَمْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمِلْكِ فَقَطْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَبْدِ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَيْبًا ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ غَيْرِ خَرَاجٍ وَإِذَا قُلْتُمْ يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَوْ هَلَكَ هَلَكَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَدِيثُ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ لَهُ قِصَّةٌ أَشَارَ إلَيْهَا السَّائِلُ وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ مِنْهُ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ مِنْ آخَرَ غُلَامًا فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَخَاصَمَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ اسْتَعْمَلَ غُلَامِي فَقَالَ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فَوَائِدَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْمَغْصُوبُ وَالْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ تَلِفَ تَحْتَ ذِي الْيَدِ ضَمِنَهُ وَلَيْسَ لَهُ خَرَاجُهُ وَأُجِيبُ عَنْهُمَا بِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَا مُعْتَبَرٌ بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ الضَّمَانُ الْمَعْهُودُ فِي الْخَبَرِ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى ذِي الْيَدِ فِيمَا ذُكِرَ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مِلْكَهُ بَلْ لِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِطَرِيقٍ مُضَمِّنٍ وَعَنْ الثَّانِي أَيْضًا بِقَصْرِ الْخَبَرِ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَعُلِمَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ السَّائِلُ وَأَنَّ كُلَّ مَا اسْتَحَقَّ خَرَاجَهُ لِكَوْنِهِ مِلْكَهُ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ لَوْ تَلِفَ فَيَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْخَرَاجِ الضَّمَانُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الضَّمَانِ اسْتِحْقَاقُ الْخَرَاجِ فَمَا فِي الْحَدِيثِ مُوجِبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَهِيَ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا وَلَا يُرَدَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَالْمُوجِبَةُ الْكُلِّيَّةُ لَا يَلْزَمُ انْعِكَاسُهَا كَنَفْسِهَا فَلَا مُبَالَاةَ بِمَا يُرَدُّ عَلَى عَكْسِهَا لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إيرَادُهُ إلَّا إنْ قُلْنَا إنَّهَا تَنْعَكِسُ كَنَفْسِهَا دَائِمًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ لِيَظْهَرَ لَك الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ إلَخْ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْإِرْشَادِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ عَتَقَ وَرَهَنَ إلَى أَنْ قَالَ وَكُلٌّ مِنْ الْبَائِعِ فَسْخٌ وَمِنْ الْمُشْتَرِي إجَازَةٌ هَلْ ذَلِكَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَمْ لَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى خِيَارِ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ فَإِنْ خُيِّرَا مَعًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ جَارٍ فِي كُلٍّ مِنْ الْخِيَارَيْنِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ لِمَنْ نَظَرَ أَدْنَى نَظَرٍ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِهِمْ وَعَجِيبٌ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِقَوْلِهِ فَإِنْ خُيِّرَا مَعًا فَاسْتِدْلَالُهُ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِي غَايَةِ الْغَرَابَةِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لَهُمَا لَا يَتَوَهَّم أَحَدٌ افْتِرَاقَ الْخِيَارَيْنِ فِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُتَوَهَّمُ افْتِرَاقُهُمَا فِيهِ
стр. 531
ثُبُوتُهُ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَفِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَلَكِنَّهُ لِمَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ غَيْرُ خَفِيٍّ إذْ يُمْكِنُ أَنَّ أَحَدَهُمَا يُلْزَمُ الْعَقْدَ دُونَ الْآخَرِ وَهُمَا بِالْمَجْلِسِ فَهُوَ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُلْزَمِ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ الْمُلْزَمِ لِبَقَاءِ خِيَارِهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْعُبَابِ وَلَوْ أُبْهِم الْخِيَارُ فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ بَطَلَ الْبَيْعُ اهـ فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَهُ فِي أَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا لَمْ يَبْطُلْ وَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى الْبَائِعِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ بِمُوَافَقَتِهِ عَلَى الشَّرْطِ رَضِيَ بِذَلِكَ وَقَالَ الْقَمُولِيُّ وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ مَثَلًا وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَوْ شَرَطَهُ فِي أَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلًا الْجَمْعُ بَيْنَ مُخْتَلَفَيْ الْحُكْمِ إلَخْ اهـ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ الصِّحَّةِ ثُبُوتُ الْخِيَارِ بِحَسَبِ الشَّرْطِ فَيَكُونُ لَهُ رَدُّ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ فَقَطْ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِنَقْلٍ صَرِيحٍ وَقَدْ سَأَلْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا يَجُوزُ رَدُّ أَحَدِهِمَا بَلْ يَرُدُّهُمَا جَمِيعًا وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ وُجُودِ عَيْبٍ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ يَمْنَعُ رَدَّهُ وَحْدَهُ فَتَفَضَّلُوا بِالْحَقِّ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ شَرْحِي عَلَى الْعُبَابِ وَخَرَجَ بِمَعْلُومٍ مَا لَوْ أُبْهِم الْخِيَارُ فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ مَثَلًا أَوْ فِي حِصَّةِ أَحَدِ الْبَائِعِينَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ كَمَا أَفْهَمَهُ فِي الثَّانِيَةِ قَوْلُ الْقَمُولِيِّ لَوْ اشْتَرَى وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ صَحَّ الْبَيْعُ أَوْ فَاوَتَ قَدْرَهُ فِي الْعَبْدَيْنِ عَلَى الْإِبْهَامِ كَأَنْ شَرَطَ فِي أَحَدِهِمَا خِيَارَ يَوْمٍ وَفِي الْآخَرِ خِيَارَ يَوْمَيْنِ فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا لِمَا يَأْتِي.
وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ عَيَّنَ مَنْ خَصَّصَهُ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ أَوْ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ كَمَا شَرَطَ كَالْبَيْعِ يَبْطُلُ مَعَ الْإِبْهَامِ وَيَصِحُّ مَعَ التَّعْيِينِ انْتَهَتْ وَهِيَ أَعْنِي قَوْلَهَا وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ كَمَا شَرَطَ صَرِيحَة فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ وَهُوَ وَاضِحٌ وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ وَفِي الْأُمُورِ التَّابِعَةِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ وَفِي الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ.
وَأَمَّا التَّنْزِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَهُوَ تَمَحُّلٌ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا إنْ أَطْبَقَ الْأَصْحَابُ أَوْ جُلُّهُمْ عَلَى حُكْمٍ يُضْطَرُّ فِي تَوْجِيهِهِ إلَى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ لَزِمَ عَلَيْهِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا لَغْوٌ لَا فَائِدَةَ لَهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ فَالْوَجْهُ بَلْ الصَّوَابُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ كَمَا شَرَطَ وَمِنْ ثَمَّ جَزَمْت بِهِ نَقْلًا وَبَحْثًا.
[بَابُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ]
(وَسُئِلَ) هَلْ يُشْتَرَطُ تَلَفُّظُ الْبَائِعِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي - الْمَبِيعِ - الْعَقَارِ لِقَبْضِهِ أَوْ يَكْفِي السُّكُوتُ مَعَ التَّمْكِينِ وَالْفَرَاغِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ؟
(فَأَجَابَ) لَا بُدَّ مَعَ التَّخْلِيَةِ فِي نَحْوِ الْعَقَارِ مِنْ لَفْظٍ مِنْ الْبَائِعِ يَدُلُّ عَلَيْهَا مَعَ تَسْلِيمِ مِفْتَاحِ نَحْوِ الدَّارِ وَتَفْرِيغِهَا مِنْ مَتَاعِ غَيْرِ نَحْوِ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ الْبَائِع وَالْأَجْنَبِيّ وَاقْتِصَارُ السَّائِلِ عَلَى أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ تَبِعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَالِطٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ وَالْأَجْنَبِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) شَخْصَانِ تَعَاقَدَا رَهْنًا أَوْ مَبِيعًا وَتَسَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ أَوْ الْمُرْتَهَنَةِ هَلْ يَكْفِي قَبْضُ الْبَعْضِ فِي الْكُلِّ وَيَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْكُلِّ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ الْكُلِّ فِي الصُّورَتَيْنِ أَمْ فِي أَحَدِهِمَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِقَبْضِ الْكُلِّ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِهِ كُلِّهِ حَقِيقَةً فِي الْمَنْقُولِ وَهَلْ يَكْفِي وَضْعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِهِ بِيَدِهِ وَإِذَا قُلْتُمْ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ بِالتَّخْلِيَةِ فَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ أَوْ الْمُرْتَهَنَةُ مَشْغُولَةً بِالْأَمْتِعَةِ وَأَخْرَجَهَا مَا عَدَا شَيْئًا يَسِيرًا كَرَحَاةٍ أَوْ زِيرٍ أَوْ حَصِيرٍ مَثَلًا لَمْ يُخْرِجْهَا وَاسْتَمَرَّتْ بِهَا بُرْهَةً مِنْ الزَّمَانِ هَلْ يُخَيِّرُ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُرْتَهِنُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَغَيْرِهِ أَمْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ مِنْ أَصْلِهِمَا وَهَلْ يَكُونُ الْفَسْخُ عَلَى الْفَوْرِ إذَا عَلِمَا بِالْأَمْتِعَةِ الْبَاقِيَةِ وَهَلْ لِذَلِكَ مُدَّة مَعْلُومَة بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ يَكُونُ عَقِبَ الْعَقْدِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ لِذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) لَا يُكْتَفَى بِقَبْضِ الْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ فِي نَحْوِ بَيْعٍ أَوْ رَهْنٍ بَلْ تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ وَيَكْفِي فِي إقْبَاضِ الْمَنْقُولِ وَقَبْضِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ لَنَالَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَإِنْ نَهَاهُ أَوْ قَالَ لَا أُرِيدُهُ وَاسْتَثْنَى السُّبْكِيّ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّخْلِيَةِ الْحَقِيرَ مِنْ الْأَمْتِعَةِ كَالْحَصِيرِ وَبَعْضِ
стр. 532
الْمَاعُونِ فَلَا يُقْدَحُ فِي التَّخْلِيَةِ وَإِطْلَاقُهُمْ يُنَافِيه فَعَلَيْهِ يَصِحُّ الْقَبْضُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ مَحَلِّ تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَلَا خِيَارَ هُنَا حَتَّى يُسْأَلَ هَلْ فَوْرِيٌّ أَمْ لَا لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّ الْمَبِيعَ بَاقٍ لَمْ يَتْلَفْ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنْ تَلِفَ مِنْهُ شَيْءٌ انْفَسَخَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ وَخُيِّرَ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ عَلَى الْفَوْرِ وَالْوَاجِبُ فِي التَّخْلِيَةِ التَّفْرِيغُ بِلَا إعْجَالٍ فَوْقَ الْعَادَةِ وَلَوْ كَانَ غَيْر الْمَنْقُولِ أَوْ الْمَنْقُولُ الَّذِي بِيَدِ الْمُشْتَرِي غَائِبًا أَمَانَةً كَانَ أَوْ مَضْمُونًا كَفَى فِيهِ التَّخْلِيَةُ مَعَ مُضِيِّ زَمَانٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْوُصُولُ أَيْ: عَادَة كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمَبِيعِ وَالتَّخْلِيَة فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ وَالنَّقْلِ فِي الْمَنْقُولِ وَحُكْمُ الْمَرْهُونِ حُكْمُ الْمَبِيعِ فِيمَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ أَتَى الْغَرِيمُ إلَى غَرِيمِهِ بِمَالِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَمْرٍ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ لِيَأْخُذَهُ بَعْدَ وَضْعِهِ وَلَمْ يَجْرِ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ قَبْضٌ يَحْصُلُ بِهِ الضَّمَانُ لَوْ اُسْتُحِقَّ فَهَلْ يُعَدُّ قَبْضًا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) الْمُعْتَمَدُ فِي هَذَا مِنْ خِلَافٍ وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ وَتَنَاقَضَ فِيهِ كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ وَصَاحِبِ الْأَنْوَارِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّ الْمَدِينَ لَوْ وَضَعَ الدَّيْنَ بَيْنَ يَدَيْ مُسْتَحِقِّهِ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ لَنَالَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ اكْتَفَى بِهِ فِيهِ كَالْمَبِيعِ فِي الذِّمَّةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا تَسْلِيمٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ فِيهِ كَمَا يُكْتَفَى بِهِ مِنْ الْغَاصِبِ وَبِهِ فَارَقَ ذَلِكَ الْإِيدَاعَ حَيْثُ لَا يَحْصُلُ بِمِثْلِهِ وَفَارَقَ ذَلِكَ أَيْضًا عَدَمَ الضَّمَانِ لَوْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا بِأَنَّ ضَمَانَ الِاسْتِحْقَاقِ ضَمَانُ عُدْوَانٍ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ حَقِيقَةِ الْيَدِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَجْرِي فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَسَافَةُ التَّخَاطُبِ فَأَتَى بِهِ الْبَائِعُ إلَى أَقَلَّ مِنْ نِصْفهَا لَمْ يَكُنْ قَبْضًا أَوْ إلَى نِصْفِهَا فَوَجْهَانِ أَوْ إلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهَا كَانَ قَبْضًا.
وَلَوْ وَضَعَهُ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ وَالْمُشْتَرِي تِلْقَاءَ وَجْهِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنَى مِمَّا مَرَّ مِنْ اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ تَنَالُهُ يَدُهُ فَهَذَا كُلُّهُ يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ كَمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ الْجَامِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَرَّرَ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَهُ حَاكِمٌ بِوَضْعِهِ لِذَلِكَ وَأَنْ يَضَعَهُ كَذَلِكَ بِلَا إذْنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ نُفُوذُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ وَالْمُشْتَرِي مُعْسِرٌ يَشْكُلُ عَلَيْهِ عَدَمُ نُفُوذِ إعْتَاقِ الْمَرْهُونِ إذَا كَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ أَنَّ الرَّاهِنَ حَجَرَ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ عَبْدَ التَّرِكَةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ حَجْرٌ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ قَوِيًّا جِدًّا اخْتَارَ الْبُلْقِينِيُّ التَّفْصِيلَ هُنَا بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ قِيَاسًا عَلَى التَّفْصِيلِ ثُمَّ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ أَسْلَمَ فِي دِينَارٍ بِثَوْبٍ فَهَلْ يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْ الدِّينَارِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ ثَمَنٌ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الثَّمَنَ فِي الْعَقْدِ إذَا جَمَعَ عَرَضًا وَنَقْدًا هُوَ النَّقْدُ أَوْ لَا يَجُوزُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ دَيْنُ سَلَمٍ فَمَا الْمُعْتَمَدُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ الثَّانِي.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْإِرْشَادِ وَبِوَضْعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا لِضَمَانٍ إنْ اسْتَحَقَّ قَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا ﵀ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَضْعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَمْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ ضَمِنَهُ وَهَذَا يُخَالِفُ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ فَلْيُحَرَّرْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إطْلَاقُ الْإِرْشَادِ وَغَيْره مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْيِيدِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ وَمِنْ ثَمَّ جَزَمْت بِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ ضَمَانَ الِاسْتِحْقَاقِ ضَمَانُ عُدْوَانٍ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ حَقِيقَةِ الْيَدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَمْرَهُ بِوَضْعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ)
(وَسُئِلَ) ﵁ فِي شَجَرَةٍ مُسْتَحَقَّةِ الْإِبْقَاءِ فِي مِلْكٍ لِآخَرَ هَلْ لِلْآخَرِ جَمْعُ تُرَابٍ تَحْتَ هَذِهِ وَإِنْ أَضَرَّ بِمَالِكِ الشَّجَرَةِ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ عَلَا التُّرَابَ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ يَنَالُ ثَمَرَهَا وَوَرَقَهَا أَوْ لِمَالِكِ الشَّجَرَةِ مَنْعُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ لِمَالِك الشَّجَرَةِ مَنْعَ صَاحِبِ الْأَرْضِ مِنْ جَمْعِ التُّرَابِ حَوْلَهَا إنْ أَضَرَّ بِهَا بِأَنْ حَصَلَ لَهَا مِنْهُ عَدَمُ نُمُوٍّ أَوْ نَحْوُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَرَّ بِمَالِكِهَا بِأَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَالْجَارِ وَقَدْ قَالُوا إنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ الْمَالِكَ لَا الْمِلْكَ
стр. 533
فَكَذَلِكَ مَالِكُ الْأَرْضِ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِهَا بِمَا يَضُرُّ مَالِكِ الشَّجَرَةِ لَا بِمَا يَضُرُّ نَفْسَ الشَّجَرَةِ عَلَى أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَى مَالِكِهَا مَنْعُ مَنْ يَرْقَى عَلَى ذَلِكَ التُّرَابِ لِأَخْذِ ثَمَرِهَا أَوْ وَرَقِهَا فَلَيْسَ فِي جَمْعِ التُّرَابِ حِينَئِذٍ إضْرَارٌ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ لَوْ بَاعَ نَخْلَةً بِهَا أَوْلَادٌ فَهَلْ يَدْخُلُ أَوْلَادُهَا فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْأَوْلَادُ صِغَارًا أَمْ كِبَارًا فَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الْأَوْلَادِ أَوْ الْوَلَدِ أَكْثَر مِنْ الْأُمِّ أَوْ لَا تَدْخُلُ الْأَوْلَادُ إلَّا بِالشَّرْطِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَفْتَى بِهِ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْأَوْلَادَ الْمَذْكُورَةَ تَدْخُل إنْ كَانَتْ رَطْبَةً سَوَاءٌ أَكَانَتْ صَغِيرَةً أَمْ كَبِيرَةً لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ فَأَشْبَهَتْ أَغْصَانَهَا وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي أَوْلَادٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَصْلِ الْأُمِّ مُلْتَصِقَة بِهِ أَمَّا مَا تَمَيَّزَ عَنْ الْأُمِّ بِمَنْبَتٍ مُسْتَقِلٍّ فَلَا يُعَدُّ مِنْ الْأَوْلَادِ بَلْ هُوَ شَجَرَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِ شَجَرَةٍ أُخْرَى أَصْغَرَ مِنْهُ أَوْ أَكْبَرَ.
وَإِنْ اتَّحَدَ مَعَهَا فِي الْعُرُوقِ الَّتِي بِبَاطِنِ الْأَرْضِ وَيَدُلُّ عَلَى دُخُولِهَا أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ وَقْفَ الشَّجَرَةِ الْمَذْكُورَةِ يَتَنَاوَلُ أَوْلَادَهَا وَأَفْتَى جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ بِأَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الْوَقْفِ مِنْ الْأَوْلَادِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأُمِّ فَيَكُونُ وَقْفًا وَقَالَ جَمْعٌ بَلْ يَكُونُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَالثَّمَرِ وَكُلٌّ مِنْ الْمَقَالَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذُكِرَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ وَالْمَوْجُودُ لِلْأَصْحَابِ فِيمَا حَدَثَ مِنْ أَوْلَادِ الشَّجَرَةِ الْمَبِيعَةِ أَوْ انْتَشَرَ مِنْ أَغْصَانِهَا حَوْلَهَا فِي أَرْضِ الْبَائِعِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا اسْتِحْقَاقُ إبْقَائِهَا كَالْأَصْلِ وَقَاسُوا ذَلِكَ عَلَى ثَخَانَةِ الْأَصْلِ وَالْعُرُوقِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُرُوقَ الزَّائِدَةَ فِي الْأَرْضِ مُتَّفَقٌ عَلَى إبْقَائِهَا كَيْفَ كَانَتْ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَنْقُولَ تَبْقِيَةُ الْحَادِثِ مِنْ أَوْلَادِ الشَّجَرَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا وُضِعَ بِحَقٍّ وَأَغْصَانُهَا الْمُنْتَشِرَةُ وَعُرُوقُهَا كَذَلِكَ تَبَعًا لِأَصْلِهَا سَوَاءٌ الْحَادِثَة وَالْقَدِيمَة، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ فِي أَرْضٍ فِيهَا شَجَرٌ وَلِشَخْصٍ خُمْسُ تِلْكَ الْأَرْضِ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ ذَلِكَ الشَّجَرِ مَثَلًا وَالْبَاقِي لِغَيْرِهِ فَبَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ الَّذِي هُوَ الْخُمْسُ بَيْعًا مُطْلَقًا فَهَلْ يَدْخُلُ خُمْسُ الشَّجَرِ فَقَطْ أَوْ يَدْخُلُ جَمِيعُ مَا يَمْلِكُهُ فِي ذَلِكَ الشَّجَرِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَفِي الشَّجَرِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مَلْحَظُ التَّبَعِيَّةِ اجْتِمَاعَ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ كَوْنِ الشَّجَرِ تَابِعًا لِتِلْكَ الْأَرْضِ لِكَوْنِهَا أَصْلِيَّةً وَإِنَّمَا مَلْحَظُهَا اجْتِمَاعُهُمَا فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مَعَ الِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ بَانَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ خُمْسِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا خُمْسُ الشَّجَرِ فَقَطْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَالِكًا لِخُمْسِ الْأَرْضِ مُشَاعًا وَلِثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الشَّجَرِ مُشَاعًا كَانَ لَهُ فِي مَغْرِسِ كُلِّ شَجَرَةٍ خُمْسٌ وَفِي كُلِّ شَجَرَةٍ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ.
فَالْبَيْعُ فِي الْمَغْرِسِ إنَّمَا انْصَبَّ عَلَى خُمْسٍ فَيَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ الْخُمْسُ خُمْسًا مِنْ الشَّجَرِ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَخْمَاسٍ الَّتِي لَهُ فِي الشَّجَرِ خُمْسٌ مِنْهَا فِي مِلْكِهِ وَخُمْسَانِ فِي مِلْكِ شَرِيكِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ أَرْضٍ وَفِي تِلْكَ الْأَرْضِ جَمِيعِهَا شَجَرٌ لَهُ لَا يَتَنَاوَلُ بَيْع حِصَّتِهِ إلَّا مَا يَخُصُّهَا مِنْ شَجَرٍ دُونَ مَا يَخُصُّ حِصَّةَ شَرِيكِهِ مِنْ الشَّجَرِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَرْضِ شَرِيكِهِ لَا لِأَرْضِ نَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ أَرْضِ نَفَسِهِ مُتَنَاوِلًا لِمَا لَيْسَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ مِلْكَهُ لِانْتِفَاءِ مَلْحَظِ التَّبَعِيَّةِ الَّذِي قَرَّرْته أَوَّلًا وَهُوَ كَوْنُ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ أَصْلًا لِذَلِكَ الشَّجَرِ وَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لِلْبَائِعِ فِي مَغْرِسِهَا إلَّا الْخُمْس فَتَكُونُ الْأَخْمَاسُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الشَّجَرِ مِنْهَا خُمْسٌ شَائِعٌ فِي خُمْسِهِ الشَّائِعِ.
وَالْخُمُسَانِ الْبَاقِيَانِ لَهُ إنَّمَا هُمَا فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ الْمَغْرِسِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمَا بَيْعُ خُمْسِهِ مِنْ الْمَغْرَسِ لِانْقِطَاعِ مَلْحَظِ التَّبَعِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ خُمْسِ الْمَغْرِسِ الْمَبِيعِ إذْ مَلْحَظُهُمَا إنَّمَا هُوَ كَوْنُ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ أَصْلَ الشَّجَرِ التَّابِعَ لَهَا لِكَوْنِهِ نَابِتًا فِيهَا وَالنَّابِتُ هُنَا فِي خُمْسِ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ إنَّمَا هُوَ خُمْسُ الشَّجَرِ دُونَ خُمْسَيْهِ كَمَا تَقَرَّرَ فَاتَّضَحَ مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ أَنَّ بَيْعَ خُمْسِهِ مِنْ الْأَرْضِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا خُمْسَ الشَّجَرِ فَقَطْ وَأَنَّ الْخُمْسَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ لَهُ مِنْ الشَّجَرِ يَسْتَمِرَّانِ عَلَى مِلْكِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مَغْرِسِهِمَا فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ هَذَا
стр. 534
مَا ظَهَرَ الْآنَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَعَلَّنَا نَظْفَرُ لَهُ بِصَرِيحٍ فِي كَلَامِهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَسُئِلَ) لَوْ وَجَدْنَا نَخْلَةً لِرَجُلٍ وَأَوْلَادَهَا لِآخَرَ فَتَنَازَعَا فِي مَغْرِسِهَا فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهَا مَالِكُ الْأَمِّ أَمْ الْيَدُ فِيهِ لَهُمَا فَلَوْ كَانَتْ النَّخْلَةُ فِي أَرْضٍ تُزْرَعُ فَادَّعَى الزَّارِعُ الْمِلْكَ فِيمَا يَزْرَعُهُ مَا عَدَا مَحَلَّ الْغَرْسِ وَعَاكَسَهُ صَاحِبُ النَّخْلَةِ فَهَلْ الْيَدُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَوْ لِصَاحِبِ النَّخْلَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْيَدَ فِي الْمَغْرِسِ إنَّمَا هِيَ لِمَالِكِ الْأُمِّ لِمَا مَرَّ فِي الْجَوَابِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ أَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْأَصْلُ وَأَنَّ الْأَوْلَادَ كَأَغْصَانِهَا فَهِيَ تَابِعَةٌ لَهَا وَالتَّابِعُ لَا يُفْرَدُ بِحُكْمٍ عَنْ مَتْبُوعِهِ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ تَبَعِيَّتَهُ لَهُ وَأَيْضًا فَيَدُ مَالِكِ الْأُمِّ عَلَى مَغْرِسِهَا مُتَيَقَّنَةٌ وَمَالِكُ الْأَوْلَادِ يُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ يَدًا وَأَنْ لَا يَدَ لَهُ فَعَلِمْنَا بِالْمُتَيَقَّنِ وَأَلْغَيْنَا الْمَشْكُوكَ فِيهِ.
وَأَيْضًا فَمِلْكُ الْأَوْلَادِ لَا يَقْتَضِي مِلْكَ الْمَغْرِسِ لِأَنَّهَا لَا مَغْرِسَ لَهَا حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِهَا مَثَلًا تَبَعًا وَبِهَذَا يَتَّضِحُ انْدِفَاعُ مَا يُتَخَيَّلُ مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ لَهُمَا كَسَائِقٍ وَقَائِدٍ لِدَابَّةٍ وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ وُضُوحُ الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْيَدُ مُتَعَدِّدٌ وَلِأَحَدِهِمَا مُرَجِّحٌ وَهُوَ مَالِكُ الْأُمِّ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ تَيَقُّنِ مِلْكِهِ لِلْمَغْرِسِ وَمِنْ أَنَّ مِلْكَ الْأُمِّ يَسْتَلْزِمُ اسْتِحْقَاقَهُ وَمِلْكَ الْأَوْلَادِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ وَلَا يَقْتَضِيه لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَمِلْكُ بَعْضِ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ لَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقًا فِي مَغْرِسِهَا بِوَجْهٍ فَكَذَلِكَ مِلْكُ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ أَغْصَانِهَا وَهُوَ أَوْلَادُهَا لَا يُثْبِتُ اسْتِحْقَاقًا فِي مَغْرِسِهَا فَكَانَتْ الْيَدُ عَلَيْهِ لِمَالِك الْأُمِّ فَقَطْ كَمَا بَانَ لَك اتِّضَاحُهُ مِمَّا قَرَّرْته هَذَا فِي أَوْلَادٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَصْلِ الْأُمِّ ظَاهِرًا أَمَّا الْمُتَمَيِّزَةُ بِمَغْرِسٍ ظَاهِرٍ.
فَإِنَّ يَدَ مَالِكِهَا عَلَى مَغْرِسِهَا لِاسْتِقْلَالِهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ اتَّحَدَتْ مَعَ غَيْرِهَا فِي الْعُرُوقِ الَّتِي بِبَاطِنِ الْأَرْضِ كَمَا مَرَّ وَإِذَا اخْتَلَفَ مَالِكُ الْأُمِّ وَالْأَوْلَادِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَوُجِدَتْ أَوْلَادٌ أُخَرُ فَإِنْ الْتَصَقَتْ ظَاهِرًا بِالْأُمِّ فَلِمَالِكِهَا أَوْ بِهِمَا فَلَهُمَا وَالِالْتِصَاقُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ مَعَ التَّمَيُّزِ بِمَغْرِسٍ لَا يُعْتَبَرُ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ وَسَبَبُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخُولِ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ إنَّمَا هُوَ بَابُ الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ غَالِبًا وَلَا شَكَّ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُعِدُّونَ الْمُسْتَقِلَّ بِمَغْرِسٍ تَابِعًا لِغَيْرِهِ وَإِنْ اتَّصَلَتْ عُرُوقُهُ بِعُرُوقِهِ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْأَشْجَارِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَمَايُزٌ ظَاهِرٌ وَمَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ فِي ظَاهِرِ الْأَرْضِ مَعَ الِاتِّحَادِ فِي الْعُرُوقِ فِي بَاطِنِهَا فَلَوْ اعْتَبِرْنَا ذَلِكَ لَخَرَجْنَا عَنْ قَاعِدَتِهِمْ وَقَوْلُ السَّائِلِ فَلَوْ كَانَتْ النَّخْلَةُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الْيَدَ عَلَى الْمَغْرِسِ لِصَاحِبِ النَّخْلَةِ.
وَعَلَى مَا عَدَاهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُمْ وَالْحَمْلُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْمَتَاعِ فِي الدَّارِ وَنَحْو الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ كُلٌّ مِنْهَا يُثْبِتُ الْيَدَ لِمَالِكِهِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الظَّرْفَ تَابِعٌ لِلْمَظْرُوفِ وَمَحَلّه إنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا يَدٌ عَلَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ حَتَّى لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ آخِرَ الصُّلْحِ لَا يَكْفِي تَرَجُّحٌ بِكَوْنِ أَمْتِعَةِ أَحَدِهِمَا فِي الدَّارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ لَوْ كَانَتْ أَرْضُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْإِشَاعَةِ وَلِأَجْنَبِيٍّ فِيهَا شَجَرٌ فَأَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ تَحْتَ شَجَرِهِ إجَّانَةً لِحِفْظِ الْمَاءِ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى أُصُولِهِ شَيْئًا مِنْ التُّرَابِ لِاسْتِمْسَاكِ الشَّجَرِ أَوْ لِأَجْلِ نَمَاءِ الثَّمَرِ أَوْ أَرَادَ وَضْعَ زِبْلٍ لِذَلِكَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَلَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ فِيهَا شَجَرٌ فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ تَحْتَ شَجَرِهِ مَا ذُكِرَ فَهَلْ يُجَابُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ الَّذِي لَهُ الشَّجَرُ فِي الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِيرًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا وَحُكْمُهُمَا وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْإِعَارَةُ أَوْ الْإِجَارَةُ لِلْمَغْرِسِ وَمَا حَوْلَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا حَوْلَهُ انْتِفَاعًا يَعُودُ عَلَى شَجَرِهِ بِنَفْعٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ ضَرَرٌ فِي الْأَرْضِ نَعَمْ إنْ نَصَّ عَلَى نَوْعٍ فِي عَقْدِ الْعَارِيَّةِ أَوْ الْإِجَارَةِ جَازَ لَهُ فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْرِسِ وَحْدَهُ أَوْ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ لِبَقَاءِ الشَّجَرِ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مِنْ جِهَةِ بَيْعٍ وَنَحْوِهِ كَوَصِيَّةٍ وَوَقْفٍ وَنَذْرٍ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا حَوْلَ الْمَغْرِسِ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَضَرَّ الْأَرْضَ أَمْ لَا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِي الْإِجَارَةِ إلَّا مَنْفَعَةَ الْمَغْرِسِ فَقَطْ وَفِي الْعَارِيَّةِ وَنَحْوِ الْبَيْعِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الِانْتِفَاعَ بِهِ بِبَقَاءِ الشَّجَرِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْإِبْقَاءِ فَلَا حَقَّ لَهُ حَوْلَ الْمَغْرِسِ بِوَجْهٍ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِفَاعُ
стр. 535
بِهِ نَعَمْ إنْ صَبَّ الْمَاءَ فِي أَصْلِ شَجَرِهِ جَازَ لَهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَسْتَعْمِلْ الْمَغْرِسَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْمُسْتَعِيرِ بَعْدَ رُجُوعِ الْمَعِيرِ، لَهُ دُخُولُ أَرْضِ الْمُعِيرِ لِسَقْيِ غِرَاسِهِ وَإِصْلَاحِ بِنَائِهِ وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَعْدَ الرُّجُوعِ فِي الْعَارِيَّةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ نَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى فَإِنْ اضْطَرَّ إلَى حِفْظِ الْإِجَّانَةِ بِأَنْ تَوَقَّفَتْ حَيَاةُ الشَّجَرِ عَلَى ذَلِكَ إلَى وَضْعِ تُرَابٍ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ اسْتِمْسَاكُهَا احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُهُ التَّمْكِينُ مِنْ ذَلِكَ لَا مَجَّانًا بَلْ بِأُجْرَةٍ وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ نَظِيرَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْمُعِيرَ لَوْ رَجَعَ قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ لَزِمَهُ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ إلَى الْحَصَادِ وَمِنْ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ جَازَ لِلْمُسْتَعِيرِ دُخُولُ أَرْضِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِسَقْيِ غِرَاسِهِ وَإِصْلَاحِ بِنَائِهِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مُدَّةِ الدُّخُولِ إنْ تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ أَرْضِ الْمُعِيرِ عَلَيْهِ بِدُخُولِ الْمُسْتَعِيرِ فَلَا يُمَكَّنُ حِينَئِذٍ مِنْ الدُّخُولِ بِالْأُجْرَةِ.
وَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ يَعُودُ عَلَى مَالِكِ الْأَرْضِ بِتَمْكِينِ صَاحِبِ الشَّجَرِ مِنْ وَضْعِ مَا ذُكِرَ فِيهَا غَيْرَ فَوْتِ مَنْفَعَتِهَا أَمَّا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ إتْلَافِ شَجَرَةٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ صَاحِبُ الشَّجَرِ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ مَنْ بَاعَ شَجَرَهُ وَبَقِيَتْ لَهُ الثَّمَرَةُ لَمْ يُكَلَّفْ قَطْعَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ قَبْلَ وَقْتِ الْعَادَةِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ السَّقْيُ وَعَظُمَ الضَّرَرُ بِبَقَائِهَا فَيُكَلَّفُ قَطْعَهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَقَوْلُهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا السَّقْيُ لِحَاجَةِ الثِّمَارِ عَلَى الْبَائِعِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْقَطْعِ إنْ تَضَرَّرَ الشَّجَرُ بِبَقَاءِ الثِّمَارِ اهـ وَوَجْهُ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَتِنَا أَنَّ إبْقَاءَ الشَّجَرَةِ ثَمَّ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ كَإِبْقَاءِ الثَّمَرَةِ هُنَا عَلَى شَجَرِ الْغَيْرِ فَكَمَا رَاعَوْا هُنَا مَصْلَحَةَ مَالِكِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَرَأَوْا أَنَّ حُصُولَ الضَّرَرِ بِهِ يُوجِبُ قَطْعَ ثَمَرَةِ الْبَائِعِ فَقِيَاسُهُ النَّظَرُ هُنَا لِمُصْلِحَةِ مُلَّاكِ الْأَرْضِ فَيَكُونُ لُحُوقُ الضَّرَرِ بِهِمْ مُجَوِّزًا لَهُمْ مَنْعَ صَاحِبِ الشَّجَرِ مِنْ وَضْعِ شَيْءٍ فِي أَرْضِهِمْ يَضُرُّهُمْ.
وَإِنْ عَادَتْ مَنْفَعَتُهُ عَلَى الشَّجَرِ فَإِنْ قُلْت: قِيَاسُ مَا قَالُوهُ ثُمَّ مِمَّا ذَكَرْته أَنَّهُمْ لَا يُجْبَرُونَ هُنَا عَلَى تَمْكِينِهِ مِنْ السَّقْيِ بِأُجْرَةٍ الَّذِي رَجَّحْته قُلْت: لَيْسَ قِيَاسُهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ كَمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِتَمْكِينِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَزِمَهُمْ كَمَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ فِي تِلْكَ تَمْكِينُ الْبَائِعِ مِنْ السَّقْيِ وَدُخُولِ مِلْكِهِ لَهُ إنْ كَانَ أَمِينًا مُرَاعَاةً لِمَصْلَحَةِ مِلْكِهِ وَهُوَ الثَّمَرَةُ فَإِنْ قُلْت: قِيَاسُ هَذَا أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ وَضْعِ مَا ذُكِرَ بِلَا أُجْرَةٍ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ فِي الْبَائِعِ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ الدُّخُولِ لِلسَّقْيِ بِلَا أُجْرَةٍ قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الدُّخُولِ لِسَقْيِ الثَّمَرَةِ أَنْ لَا تَطُولَ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبِخِلَافِ دُخُولِ الْمُسْتَعِيرِ فِيمَا مَرَّ لِسَقْيِ غِرَاسِهِ وَإِصْلَاحِ بِنَائِهِ عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الْبَائِعِ هُنَا أَشَدُّ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمَّا قَدِمَ عَلَى شِرَاءِ الشَّجَرِ دُونَ الثَّمَرِ كَانَ مُوَطِّنًا نَفْسَهُ عَلَى الرِّضَا بِبَقَاءِ الثَّمَرَةِ وَمِنْ لَازِمِهِ الرِّضَا بِدُخُولِهِ لِسَقْيِهَا.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ ضَرَّ السَّقْيُ أَحَدَهُمَا وَنَفَعَ الْآخَرَ وَتَنَازَعَا فُسِخَ الْعَقْدُ وَلَا يَتَّجِهُ الْقَوْلُ بِنَظِيرِ هَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا إذَا كَانَ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الشَّجَرَ كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُ السَّائِلِ وَلَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ فِيهَا شَجَرٌ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ بَلْ يَأْتِي فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مَعَ الْبَقِيَّةِ نَظِيرُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْأَجْنَبِيِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الصُّلْحِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ لَوْ كَانَتْ أَرْضٌ مُتَفَرِّقَةً لِأَشْخَاصٍ لِأَحَدِهِمْ فِي نَصِيبِهِ مِنْهَا زَرْعٌ وَلِلْآخَرِ فِيهَا شَجَرٌ أَوْ لِكُلٍّ فِي نَصِيبِهِ زَرْعٌ أَوْ شَجَرٌ فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ السَّقْيَ لِنَفْعِ مِلْكِهِ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ لِضَرَرِ مِلْكِهِ وَالْحَالُ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ فِي يَدِ هَؤُلَاءِ الْمُلَّاكِ مُنْتَقِلَةٌ مِنْ أَهَالِيِهِمْ مِنْ وَارِثٍ إلَى وَارِثٍ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى وَاحِدٍ بِصُورَةِ عَقْدٍ حَتَّى يُقَالَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ فَهَلْ يُجَابُ طَالِبُ السَّقْيِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ السَّقْيَ أَمْ الْمُمْتَنِعُ إذْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فَإِنْ قُلْتُمْ يُجَابُ طَالِبُ السَّقْيِ فَهَلْ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ بِسَبَبِ السَّقْيِ كَالْمُسْتَعِيرِ يَدْخُلُ لِنَحْوِ سَقْيٍ بِأُجْرَةٍ لَمَّا عَطَّلَ فَإِنْ قُلْتُمْ يُفْرِدُ كُلٌّ مِنْهُمْ مِلْكَهُ بِسَقْيٍ فَقَدْ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِتَعْطِيلِ بَعْضِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الَّتِي مِنْهَا مَنْفَذُ الْمَاءِ بِسَبَبِ وَضْعِ الْحَوَاجِزِ الَّتِي تَرُدُّ الْمَاءَ فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) أَمَدَّنَا اللَّهُ مِنْ مَدَدِهِ بِأَنَّ كَلَامَ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَذْكُورَةَ مُتَمَايِزَةُ الْحِصَصِ وَبِأَنَّ تِلْكَ الْحِصَصَ الْمُتَمَايِزَةَ فِي
стр. 536
كُلّ مِنْهَا لِمَالِكِهَا زَرْعٌ أَوْ زَرْعٌ وَشَجَرٌ وَأَرَادَ أَحَدُهُمْ سَقْيَ مَا فِي أَرْضِهِ وَمَنَعَهُ الْبَاقُونَ لِأَنَّ سَقْيَهُ لِأَرْضِهِ يَضُرُّ مِلْكَهُمْ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ يَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ أَنَّهُ مَتَى تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ جَازَ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ جَارُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا أَفْضَى إلَى تَلَفٍ كَمَا لَوْ اتَّخَذَ بِئْرًا عَلَى الِاقْتِصَادِ الْمُعْتَادِ بِمِلْكِهِ أَوْ حَفَرَ بَالُوعَةً كَذَلِكَ فَاخْتَلَّ بِذَلِكَ حَائِطُ جَارِهِ أَوْ نَقَصَ بِهَا مَاءُ بِئْرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاوَزَ الْعَادَةَ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِمَّا يَضُرُّ الْمِلْكَ دُونَ الْمَالِكِ فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ سَقْيَ أَرْضِهِ عَلَى الْعَادَةِ جَازَ لَهُ وَمُكِّنَ مِنْهُ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ جَارُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِمَا نَقَصَ بِسَبَبِهِ وَفَارَقَ الْمُسْتَعِير الْمَذْكُور فِي السُّؤَالِ.
فَإِنْ كَانَ مُرِيدُ السَّقْيِ لَا يَتَوَصَّلُ لِسَقْيِ أَرْضِهِ إلَّا بِوَضْعِ الْحَوَاجِزِ أَوْ بَعْضِهَا فِي أَرْضِ جَارِهِ وَلَمْ تَكُنْ مُسْتَحَقَّةَ الْوَضْعِ فِيهَا فَإِنْ سَمَحَ لَهُ جَارُهُ بِذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يُجْبَرْ جَارُهُ عَلَى أَنْ يُسَامِحَهُ بِأُجْرَةٍ وَلَا دُونِهَا وَإِنْ كَانَ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِوَضْعِ الْحَوَاجِزِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَإِنْ اخْتَصَّتْ مَنْفَعَتُهَا بِأَرْضٍ فَمُؤْنَتُهَا عَلَيْهِ أَوْ بِأَرَاضِي الْجَمِيعِ فَهِيَ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ أَمْلَاكِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ السُّفُوحُ الَّتِي يَنْزِلُ مِنْهَا السَّيْلُ إلَى الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ وَفِي بَيْعِ الدَّارِ مَفَاسِحُهُ الَّتِي يُطْرَحُ فِيهَا الْقُمَامَاتُ وَيُطْعَمُ فِيهَا الْبَهَائِمُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا أَوْ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَعْيِينٍ وَإِذَا عَرَفَ كَاتِبُ الْوَثِيقَةِ أَنَّهُمَا أَرَادَا ذَلِكَ بِمُقْتَضَى جَرْيِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ هَلْ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْوَثِيقَةَ بِذَلِكَ أَوْ لَا يَجُوزُ لَهُ كَتْبُ ذَلِكَ إلَّا بِإِخْبَارِ الْبَائِعِ بِذَلِكَ قَالَ اشْتَرَيْت دَارَ فُلَانٍ فَاكْتُبْ لِي بِهَا وَثِيقَةً هَلْ يَجُوزُ لَهُ وَهَلْ يَكْفِي إخْبَارُ ثِقَةٍ بِذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ مَسِيلُ الْمَاءِ وَلَا شُرْبُهَا أَيْ نَصِيبُهَا مِنْ قَنَاةٍ أَوْ نَهْرٍ مَمْلُوكَيْنِ وَنَبَّهَ السُّبْكِيّ وَتَبِعَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي الْمَسِيلِ أَوْ الشُّرْبِ الْخَارِجِ عَنْ الْأَرْضِ بِخِلَافِ الدَّاخِلِ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ فِي دُخُولِهِ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ عِنْد إيجَارِهَا لِزَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِهَا هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَمَّا لَوْ قَالَ بِحُقُوقِهَا فَيَدْخُلُ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مُطْلَقًا وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ حَرِيمُهَا أَيْ الْمَمْلُوكُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ حُقُوقُهَا الْخَارِجَةُ عَنْهَا كَمَجْرَى الْمَاءِ وَحَرِيمُهَا وَشَجَرُهَا الَّذِي فِيهِ إنْ كَانَتْ بِطَرِيقٍ مُنْسَدٍّ بِخِلَافِ الَّتِي بِالشَّارِعِ فَإِنَّهُ لَا حَرِيمَ لَهَا مَمْلُوكٌ.
وَسَوَاءٌ فِي دُخُولِ الْحَرِيمِ الْمَمْلُوك وَنَحْوه قَالَ بِحُقُوقِهَا أَمْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ بِعْتُك الدَّارَ وَسَكَتَ وَيَجُوزُ لِمَنْ شَهِدَ عَلَى قَوْلِ الْبَائِعِ بِعْتُك الدَّارُ الْفُلَانِيَّةَ أَنْ يَشْهَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِدُخُولِ الْحَرِيمِ مَعَ عَدَمِ بَيَانِ الصِّيغَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ الْبَائِعِ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ وَيَكْتَفِي مِنْهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ إنْ كَانَ فَقِيهًا وَقِيلَ لَا يَكْتَفِي مِنْهُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يُفَسِّرَ مَا شَهِدَ بِهِ وَيُبَيِّنَهُ ثُمَّ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِيهِ بِمَا يَقْتَضِيه نَظَرُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُفْتِيًا شَاهِدًا هَذَا كُلُّهُ فِي الشَّهَادَةِ وَأَمَّا كِتَابَةُ الْوَثِيقَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِهَا إذْ لَا يَثْبُتُ بِهَا حَقٌّ فَلَا يُدَارُ حُكْمٌ عَلَى كِتَابَتِهَا وَعَدَمِ كِتَابَتِهَا فَلَوْ جَاءَ إنْسَانٌ لِمُوَثِّقٍ وَقَالَ لَهُ اُكْتُبْ لِي وَثِيقَةً بِشِرَاءِ دَارِ فُلَانٍ فَإِنِّي شَرَيْتُهَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إذَا أَرَادَ الْكِتَابَةَ مُعْتَمِدًا عَلَى إخْبَارِهِ أَنْ يَقُولَ قَالَ فُلَانٌ إنَّهُ اشْتَرَى دَارَ فُلَانٍ إلَخْ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْزِمَ بِالشِّرَاءِ فِي كِتَابَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ طَرِيقٌ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَكَمَا يَجِبُ التَّحَرِّي فِي صِدْقِ الْمَنْطِقِ كَذَلِكَ يَجِبُ التَّحَرِّي فِي صِدْقِ الْكِتَابَةِ وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي بِأَنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْمُشْتَرِي فَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِذَلِكَ كَتَبَ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ بِشِرَاءِ فُلَانٍ أَوْ قَالَ فُلَانٌ إنَّ فُلَانًا اشْتَرَى أَوْ بَاعَ كَذَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. .
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ يَصِحُّ بَيْعُ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا حِجَارَةٌ مَدْفُونَةٌ وَإِنْ عَلِمَهَا الْمُشْتَرِي وَهُوَ مُشْكِلٌ بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ تَحْتَهَا دَكَّةٌ وَعَلِمَهَا الْمُشْتَرِي؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الصُّبْرَةِ مُسْتَنِدٌ إلَى التَّخْمِينِ وَوُجُودُ الدَّكَّةِ الْمَعْلُومَةِ يَمْنَعُهُ فَيَعْظُمُ الْغَرَرُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فِي الْأَرْضِ.
(وَسُئِلَ)
стр. 537
- ﵁ عَنْ شَخْصٍ لَهُ شَجَرَةٌ مَغْرُوسَةٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَقٍّ كَانَ بَاعَهُ شَجَرَةً مِنْ غَيْرِ شَرْطِ قَلْعِهَا أَوْ قَطْعِهَا فَبَسَقَتْ فُرُوعُهَا وَكَثُرَتْ أَغْصَانُهَا وَزَادَتْ عُرُوقُهَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَضَرَّرَ بِهَا مَالِكُ الْأَرْضِ فَهَلْ يَقْطَعُ مَا زَادَ بَعْدَ الشِّرَاءِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِذَلِكَ فَقَالُوا وَالْمَوْجُودُ لِلْأَصْحَابِ فِيمَا حَدَثَ مِنْ أَوْلَادِ الشَّجَرَةِ الْمَبِيعَةِ أَوْ انْتَشَرَ مِنْ أَغْصَانِهَا حَوْلَهَا فِي هَوَاءِ أَرْضِ الْبَائِعِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا اسْتِحْقَاقُ إبْقَائِهَا كَالْأَصْلِ وَقَاسُوا ذَلِكَ عَلَى ثَخَانَةِ الْأَصْلِ وَالْعُرُوقِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُرُوقَ الزَّائِدَةَ فِي الْأَرْضِ مُتَّفَقٌ عَلَى إبْقَائِهَا كَيْفَ كَانَتْ وَلِبَعْضِ شُرَّاحِ الْوَسِيطِ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ كَالْمُتَنَاقِضِ حَيْثُ قَالَ فِي شَجَرَةٍ قَدِيمَةٍ لِرَجُلٍ فِي أَرْضِ آخَرَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا سَبَبُ مِلْكِهِ لَهَا فَزَادَتْ عُرُوقُهَا وَأَغْصَانُهَا أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ قَطْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَلَا شَيْءَ مِنْ أَغْصَانِهَا الْقَدِيمَةِ وَإِنْ تَضَرَّرَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا بِحَقِّ مَا طَالَ مِنْ الْأَغْصَانِ عَلَى مَا عُهِدَ فَفِيهِ احْتِمَالٌ اهـ.
وَقَالَ فِي رَجُلَيْنِ لِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ وَلِلْآخَرِ شَجَرَةٌ أَغْصَانُهَا مُنْتَشِرَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ تَزِيدُ كُلَّ سَنَةٍ زِيَادَةً جَدِيدَةً أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إزَالَةَ تِلْكَ الْأَغْصَانِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي هَوَاءِ أَرْضِهِ لِمِلْكِهِ لَهُ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ سَوَاءٌ الْقَدِيمَة وَالْحَادِثَة وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي شَجَرَةٍ لِشَخْصٍ نَابِتَةٍ فِي أَرْضٍ لِآخَرَ وَلَمْ تَخْرُجْ أَغْصَانُهَا عَنْ هَوَاءِ تِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ نَابِتَةٌ فِيهَا إلَى هَوَاءِ غَيْرِهَا وَالثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى أَرْضٍ لِشَخْصٍ وَشَجَرَةٍ لِآخَرَ نَابِتَةٍ فِي غَيْرِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُهَا إلَى هَوَاءِ تِلْكَ الْأَرْضِ الْمُجَاوِرَةِ لِأَرْضِ الشَّجَرَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمَنْقُولُ تَبْقِيَةُ الْحَادِثِ مِنْ أَوْلَادِ الشَّجَرَةِ الْمَبِيعَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا وُضِعَ بِحَقٍّ وَأَغْصَانُهَا الْمُنْتَشِرَةُ وَعُرُوقُهَا كَذَلِكَ تَبَعًا لِأَصْلِهَا سَوَاءٌ الْحَادِثَة وَالْقَدِيمَة.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ يَدْخُلُ فِي نَحْوِ بَيْعِ دَارٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى عُلْوٍ وَسُفْلٍ وَمَخَازِنَ فِي السُّفْلِ لَكِنْ لَا طَرِيقَ إلَيْهَا وَإِنَّمَا أَبْوَابُهَا نَافِذَةٌ إلَى الشَّارِعِ مَعَ أَنَّ الْأَبْوَابَ أَيْضًا فِي جِدَارِهَا وَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِ هَذِهِ الدَّكَاكِينِ وَإِذَا صَحَّ فَهَلْ يَصِيرُ الْجِدَارُ الَّذِي هِيَ فِيهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُشْتَرِينَ لِتِلْكَ الدَّكَاكِينِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا خَفَاءَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ جَمِيعُ مَا أَحَاطَ بِهِ بُنْيَانُهَا وَكَذَا مَا اتَّصَلَ بِهَا مِمَّا بُنِيَ لِمَصْلَحَتِهَا كَمُسْتَحَمٍّ وَغَيْرِهِ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مُسَامَتَتِهَا لِأَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّهُ مِنْهَا وَحِينَئِذٍ فَالدَّكَاكِينُ الْمَذْكُورَةُ مِنْهَا لِاشْتِمَالِ حِيطَانِهَا عَلَيْهَا وَإِنْ نَفَذَتْ أَبْوَابُهَا مِنْ الشَّارِعِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي جِهَاتِهَا الْأَرْبَعِ أَوْ بَعْضِهَا وَإِذَا بَاعَ مَخْزَنًا أَوْ مَخْزَنَيْنِ لِاثْنَيْنِ صَحَّ وَيَكُونُ الْجِدَارُ الْمَذْكُورُ عِنْد الْإِطْلَاقِ مُشْتَرَكًا إذْ لَيْسَ نِسْبَتُهُ إلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ نَذَرَ لِآخَرَ بِدَارٍ وَبِجَانِبِ الدَّارِ جَرِينٌ مَثَلًا خَارِجٌ عَنْ تَرْبِيعِ الدَّارِ وَطَرِيقهَا تَمُرُّ فِي الدَّارِ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي النَّذْرِ بِالدَّارِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ الْهِبَةَ تَتَنَاوَلُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْبَيْعُ وَأَلْحَقَ بِهِ غَيْرُهُمْ الْوَقْفَ وَالصَّدَقَةَ وَالْوَصِيَّةَ وَنَحْوَهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّذْرَ كَذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْحَمَّامَ إنْ عُدَّ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ دَخَلَ وَإِلَّا فَلَا وَبِأَنَّ حَرِيمَهَا بِشَجَرِهِ النَّابِتِ فِيهِ يَدْخُلُ إنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ نَافِذٍ وَإِلَّا فَلَا وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ إنْ عُدَّ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ دَخَلَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِنْ مَرَافِقِهَا بَلْ مِنْ حَرِيمِهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي شَارِعٍ لَمْ يَدْخُلْ أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ نَافِذٍ دَخَلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ قَالَ الْقَفَّالُ إنَّ مَا يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِقْرَارِ وَمَا لَا فَلَا إلَّا الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ وَالْحَمْلَ وَالْجِدَارَ أَيْ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَلَا تَدْخُلُ فِي الْإِقْرَارِ لِبِنَائِهِ عَلَى الْيَقِينِ وَبِنَاءِ الْبَيْعِ عَلَى الْعُرْفِ نَقَلَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِأَرْضٍ فِيهَا شَجَرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا عَدَا مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْإِقْرَارِ لَكِنْ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ إنَّ الْإِقْرَارَ كَالرَّهْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَا ذَكَرَ فَهَلْ مَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ لِكَوْنِ
стр. 538
الشَّيْخَيْنِ صَرَّحَا بِخِلَافِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالُوهُ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ مِنْ أَنَّ الْإِقْرَارَ كَالرَّهْنِ وَلَا يُنَافِيه كَلَامُ الْقَفَّالِ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّهُ نَبَّهَ بِالثَّلَاثَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ فِيهِ عَلَى مَا هُوَ مِثْلُهَا أَوْ أَوْلَى مِنْهَا بِعَدَمِ الدُّخُولِ كَالشَّجَرِ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْحَصْرُ فِيهَا كَانَ كَلَامُهُ ضَعِيفًا.
[بَابُ التَّحَالُفِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي لِلْأَرْضِ فِي إدْخَالِ مَا لَا يَدْخُلُ وَإِخْرَاجِ مَا يَدْخُل فَادَّعَى الْمُشْتَرِي الْإِدْخَالَ فِي الْأَوَّلِ وَالْبَائِعُ الْإِخْرَاجَ فِي الثَّانِي وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فَظَهَرَ فِي الْأَوَّلِ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحِبَةٌ وَفِي الثَّانِيَة إنْ تَعَرَّضَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِإِدْخَالِ مَا ذَكَرَ فَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَّا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ مُقَدَّمَةٌ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي إدْخَالِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتَنِي الْعَبْدَ بِثِيَابِهِ وَقَالَ الْبَائِعُ بَلْ بِعْتُك الْعَبْدَ فَقَطْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلثِّيَابِ فَحِينَئِذٍ الِاخْتِلَافُ رَاجِعٌ إلَى قَدْرِ الْمَبِيعِ لِأَنَّ حَاصِلَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَقُولُ الْمَبِيعُ الْعَبْدُ وَالثِّيَابُ وَحَاصِلُ دَعْوَى الْبَائِعِ أَنَّهُ يَقُولُ الْمَبِيعُ الْعَبْدُ دُونَ الثِّيَابِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فَإِنْ أُرِّخَتَا بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ أَوْ أُطْلِقَتْ وَاحِدَةٌ وَأُرِّخَتْ الْأُخْرَى أَوْ لَمْ تُؤَرَّخْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا تَعَارَضَتَا وَحِينَئِذٍ يَتَحَالَفَانِ وَإِنْ أُرِّخَتَا بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قُضِيَ بِمُقَدَّمَةِ التَّارِيخِ لَا يُقَالُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي نَاقِلَةٌ مِلْكَ الثِّيَابِ إلَيْهِ وَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ مُسْتَصْحَبَةٌ مِلْكَهَا لِلْبَائِعِ فَكَانَ الْقِيَاسُ تَقْدِيمُ الْأَوْلَى مُطْلَقًا لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ وَقَعَ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَقْدِ النَّاقِلِ فَكُلٌّ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ يَنْقُلُ زَائِدًا عَلَى الْأُخْرَى لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحًا إذْ الصُّورَةُ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إلَّا عَقْدٌ وَاحِدٌ وَأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ ذَلِكَ الْعَقْدِ.
فَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَتَانِ بِاخْتِلَافِ كَيْفِيَّتِهِ تَعَارَضَتَا وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي إخْرَاجِ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتَنِي الْأَرْضَ وَلَمْ تَسْتَثْنِ مَا فِيهَا مِنْ نَحْوِ الشَّجَرِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ وَقَالَ الْبَائِعُ بَلْ اسْتَثْنَيْتُهُ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَبِيعِ كَانَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ رَاجِعًا إلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ يَأْتِي فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا إلَّا أَنْ يَسْبِقَ تَارِيخُ إحْدَاهُمَا فَيُحْكَمُ بِهَا لَا يُقَالُ إنْ تَعَرَّضَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِإِدْخَالِ مَا ذُكِرَ فَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَّا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّا نَقُولُ الصُّورَةُ كَمَا عَلِمْته أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي اسْتِثْنَاءِ نَحْوِ الشَّجَرِ فَالْمُشْتَرِي يَقُولُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَالْبَائِعُ يَقُولُ اسْتَثْنَيْته وَإِذَا كَانَتْ الصُّورَةُ ذَلِكَ لَمْ يُتَصَوَّرْ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي تَقُولُ لَمْ يَقَعْ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعَقْد وَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ تَقُولُ وَقَعَ اسْتِثْنَاؤُهُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي تَارَةً تَتَعَرَّضُ لِلْإِدْخَالِ فَيَتَعَارَضَانِ وَتَارَةً لَا فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا الشَّهَادَةُ بِالْإِدْخَالِ وَعَدَمِهِ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ مِنْ أَحْكَامِ الْمَبِيعِ.
وَالْبَيِّنَةُ لَا تَتَعَرَّضُ لِمِثْلِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَتَعَرَّضُ لِسَبَبِ الْإِدْخَالِ مِنْ السُّكُوتِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَلِسَبَبِ عَدَمِهِ مِنْ ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنْ تَعَرَّضَتْ لِلْإِدْخَالِ أَوْ عَدَمِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ سَأَلَهُمَا الْحَاكِمُ عَنْ سَبَبِهِ وَإِنْ كَانَا فَقِيهَيْنِ مُوَافِقَيْنِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ اضْطِرَابٍ فِي الْمَسْأَلَة، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ كَيْفَ رَجَّحُوا الصِّحَّةَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ مَعَ أَنَّ الْبُطْلَانَ هُوَ آخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا قَالَهُ الرَّبِيعُ وَالْآخَرُ مِنْ قَوْلَيْهِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ بِالدَّالِ فَصَحَّفَهُ إلَى آخَر بَعْضُ النُّسَّاخِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إطْبَاقُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِهِ وَقَدْ قَالَ السُّبْكِيّ إنَّ النَّصَّ إذَا عَدَلَ عَنْهُ أَكْثَرُ أَئِمَّتِنَا لَا يُعْمَلُ بِهِ وَأَيْضًا فَكَوْنُ الْآخَرِ هُوَ الرَّاجِحُ أَغْلَبِيٌّ فَقَطْ وَإِلَّا فَالْقَدِيمُ مُتَقَدِّمٌ وَرُجِّحَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ بَاعَ زَيْدٌ بَكْرًا حَبًّا فَادَّعَى خَالِدٌ أَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ وَالْبَائِعُ كَانَ وَكِيلًا لَهُ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي الثَّمَنِ بِأَنْ بَاعَهُ بِالْعَرَضِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا بِالنَّقْدِ أَوْ أَطْلَقَ هَلْ يَكْفِيه تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ إيَّاهُ عَلَى مُدَّعَاهُ أَمْ يَلْزَمُهُ الْبَيِّنَةُ إذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي كَوْنَ الْمَبِيعِ لَهُ وَفِي
стр. 539
مُعَاطَاةٍ وَقَعَتْ بَيْن اثْنَيْنِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مُبَايَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْمُبَايَعَةِ شَرْعًا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ بَلْ ادَّعَى أَنَّهَا مَحْضُ الْمُعَاطَاةِ وَهِيَ فِي عُرُوضٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ هَلْ يُصَدَّقُ مُدَّعِي الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ أَمْ نَافِيه حَيْثُ الْأَصْلُ عَدَمُهُ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَلَكِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَ الْآخَرَ عُرُوضَهُ بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ وَاشْتَرَى عُرُوضَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَتَقَاصَّا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ بَلْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَ عُرُوضَهُ بِعُرُوضٍ هَلْ يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا أَمْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَيَتَحَالَفَانِ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَفِي الشَّاشَاتِ غَيْرِ الْمَنْشُورَةِ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ النَّشْرِ أَمْ لَا.
وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَهَلْ يَحِلُّ لِمُشْتَرِيهَا اسْتِعْمَالُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ فِي حِلِّيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ أَمْ لَا وَفِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي صِفَةِ عَقْدٍ أَوْ شَرْطٍ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مُدَّعَاهُ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ عَلَى مُقْتَضَى النَّفْيِ الْمَجْعُولِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُثْبِتِ أَمْ النَّافِي وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّاشَاتِ إذَا عَانَدَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَرُدَّهَا وَالْبَائِعُ يُرِيدُهَا فِرَارًا مِنْ بُطْلَانِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ حِلِّيَّةِ الثَّمَنِ هَلْ يَلْزَمُ وَلِيَّ الْأَمْرِ إلْزَامُ الْمُشْتَرِي رَدّهَا وَتَأْدِيبه إنْ امْتَنَعَ وَإِذَا تَرَكَ وَلِيُّ الْأَمْرِ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ هَلْ يَأْثَمُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَكْفِي تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِي اللَّقِيطِ وَقُبَيْلِ الصَّدَاقِ وَآخِرِ الدَّعَاوَى فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ يَمِينَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكٌ لِبَائِعِهِ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَانْتُزِعَ الْمَبِيعُ مِنْهُ وَيَصْدُقُ مُدَّعِي صِحَّةِ الْبَيْعِ لِوُقُوعِهِ بِصِيغَةٍ صَحِيحَةٍ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ وَقَدَّمُوا فِيهَا الْغَالِبَ وَالظَّاهِرَ عَلَى الْأَصْلِ لِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى انْبِرَامِ الْعُقُودِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُفْسِدِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَتَنَازَعَا فِيمَا ذُكِرَ مِنْ بَيْعِ كُلِّ عَرَضٍ بِنَقْدٍ أَوْ بِالْعَرَضِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا النِّزَاعِ فَائِدَةٌ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّ كُلًّا مَلَكَ عَرَضَ الْآخَر وَأَنَّ أَحَدُهُمَا لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْآخَرِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي سَبَبِ الْمِلْكِ هَلْ هُوَ عَقْدَانِ أَوْ عَقْدٌ وَاحِدٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا غَرَضَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ لَهُ.
فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ فَائِدَة سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا وَحَلَفَ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ قَوْلِ صَاحِبِهِ وَرَجَعَ عَرَضُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَيْهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ أَثْبَتَ بِيَمِينِهِ نَفْيَ دَعْوَى الْآخَرِ فَتَسَاقَطَا وَإِنَّمَا رُدَّ إلَى كُلٍّ عَرَضُهُ مَعَ أَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَهُ لِدَعْوَاهُ اسْتِحْقَاقَ الْعَيْنِ الْمُقَابِلَةَ فَلَمَّا تَعَذَّرَ إبْقَاؤُهَا رُدَّ عَلَيْهِ مُقَابِلُهَا الَّذِي بَذَلَهُ كَمَا شَأْنُ تَرَادِّ الْعِوَضَيْنِ عِنْد الْفَسْخِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَطْوِيِّ إلَّا بَعْدَ نَشْرِهِ وَرُؤْيَةِ جَمِيعِهِ وَلَا يَحِلُّ لِمُشْتَرِي الشَّاشَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ النَّشْرِ إمْسَاكُهَا إنْ كَانَ مُقَلِّدًا لِمَنْ يَشْتَرِطُ الرُّؤْيَةَ كَإِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَهُ ذَلِكَ أَوْ قِصَرٌ فِي التَّعْلِيمِ فَإِنْ عَانَدَ وَلَمْ يَرُدَّهَا أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ وَأَدَّبَهُ إنْ امْتَنَعَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَرَاهُ زَجْرًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ ذَلِكَ إذَا عَلِمَ وَقَدَرَ وَإِلَّا أَثِمَ بَلْ رُبَّمَا يُفَسَّقُ بِذَلِكَ وَيَنْعَزِلُ وَالْبَيِّنَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ فَيَتَسَاقَطَانِ وَيَتَحَالَفُ الْمُتَعَاقِدَانِ ثُمَّ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ أَوْ يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ بَلْ وَهَبَتْنِيهِ حَلَفَ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الْآخَرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا لَوْ بَعَثَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فَقَالَ الْبَاعِثُ قَرْضٌ وَقَالَ الْآخَرُ هَدِيَّةٌ صُدِّقَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ بِيَمِينِهِ وَبِمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ أَعْتَقْتُهُ بِعِوَضٍ وَالزَّوْجُ كَذَلِكَ وَقَالَ الْعَبْدُ وَالزَّوْجَةُ بَلْ مَجَّانًا صُدِّقَا فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّمَا صُدِّقَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى قَوْلِهِ وَهِيَ الْبَعْثُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ لَا مُرَجِّحَ فِيهَا وَإِنَّمَا صُدِّقَ الْعَبْدُ وَالزَّوْجَةُ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَدَعْوَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَهِيَ الْمَالُ مَدْفُوعَةٌ بِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتنَا فَإِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَتَّفِقَ الْحَالِفَانِ عَلَى سَبَبِهِ وَلَا مُرَجِّحَ لِجَانِبِ أَحَدِهِمَا.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ فِي الْقُوتِ عَنْ الرُّويَانِيِّ لَوْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِ إشْهَادٍ أَوْ شَاهِدَيْنِ تَحَالَفَا وَعَنْ الْجُوَيْنِيِّ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلْفَيْنِ مِمَّا لَك
стр. 540
عَلَيَّ فَقَالَ بَلْ بِأَلْفٍ لَمْ يَتَحَالَفَا فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَوَّلَ مُعْتَمَدٌ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَسُئِلَ) عَنْ التَّحَالُفِ فِي نَحْوِ الْبَيْعِ لَا يَفْسَخُ الْعَقْدَ بِخِلَافِ اللِّعَانِ فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ أَنَّ اللِّعَانَ تَحَقُّقٌ لِلْفُرْقَةِ الْمُؤَبَّدَةِ فَقَطَعَ النِّكَاحَ حِينَئِذٍ بِمُجَرَّدِهِ بِخِلَافِ التَّحَالُفِ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ تَحْقِيقُ الْوَاقِعِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَصَادَقَا بَعْدَهُ أُقِرَّ الْعَقْدُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلَانِ فِي صِيغَةِ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ تَحَالَفَا فَلَوْ أَرَادَ الْمُوَكِّلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ أَنْ يَتَحَالَفَا فَهَلْ لَهُمَا ذَلِكَ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلَانِ فِي حُدُوثِ نَحْوِ عَيْبٍ فَمَنْ يَحْلِفُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَحَالُفُ الْوَكِيلَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيَجُوزُ تَحَالُفُ الْمُوَكِّلَيْنِ وَأَحَدِهِمَا وَوَكِيلِ الْآخَرِ قَبْلَ تَحَالُفِ الْوَكِيلَيْنِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيُجَابُ طَالِبُهُ أَخْذًا مِمَّا حَكَاهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْحَاوِي مِنْ أَنَّا إذَا قُلْنَا لِلْأَبِ الْحَلِفُ فِي صِغَرِ الزَّوْجَةِ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْمَهْرِ وَكَانَتْ وَقْتَ التَّحَالُفِ بَالِغَة حَلَفَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِمُبَاشَرَتِهِ الْعَقْدَ قَالَ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ امْتَنَعَ الْأَبُ حَلَفَتْ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ حَلِفِهِ مَعَ بُلُوغِهَا.
ثُمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ فِيمَا إذَا بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ قَبْلَ التَّحَالُفِ تَحْلِفُ هِيَ لَا الْوَلِيُّ وَصَحَّحُوا أَيْضًا فِي نِكَاحِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ إذَا اخْتَلَفَ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ أَنَّهَا الَّتِي تَحْلِفُ لَا الْوَلِيُّ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَحَالُفَ الْمُوَكِّلَيْنِ فِي صُورَتِنَا وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ تَحَالُفِ الْوَكِيلَيْنِ كَمَا تُوُهِّمَ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا تَحَالَفَا هُنَا لِمُبَاشَرَتِهِمَا الْعَقْدَ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فِيمَا ذُكِرَ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلَانِ فِي حُدُوثِ نَحْوِ عَيْبٍ فَالظَّاهِرُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ بِنَاءُ حَلِفِهِمَا عَلَى جَوَازِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَلْوَكِيلِ فَحَيْثُ قُلْنَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ، حَلَفَ إذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ وَحَيْثُ لَا رَدَّ لَهُ لَا يُحَالَفُ وَقَدْ صَحَّحُوا فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ سِلْعَةً ثُمَّ رَامَ رَدَّهَا بِعَيْبٍ أَنَّ لِلْبَائِعِ تَحْلِيفَهُ أَنَّهُ مَا رَضِيَ بِهَا الْمُوَكِّلُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اتَّفَقَ الْعَاقِدَانِ بَعْدَ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ مُفْسِدٍ لَكِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ بَعْد لُزُومِ الْعَقْدِ وَقَالَ الْآخَرُ قَبْلَهُ أَوْ قَالَ الْبَائِعُ قَبِلْته فَوْرًا فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الْقَبُولَ أَوْ الْفَوْرِيَّةَ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا وَفِي الْأَنْوَارِ أَوَّل الْبَيْعِ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْقَبُولِ فَقَالَ أَوْجَبْت وَلَمْ تَقْبَلْ وَقَالَ قَبِلْته صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَذَكَرَ آخِرَ الْخُلْعِ مَا يُنَاقِضُهُ وَكَذَا فِي تَمْلِيكِ الزَّوْجَةِ طَلَاقَهَا فَمَا الْمُعْتَمَدُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ الْقَاعِدَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ أَنَّ الْمُصَدَّقَ هُنَا نَافِي وُقُوع الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ أَوْ الْعَقْدِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى وُجُودِهِ لَا يُقَالُ كَوْنُ الْأَصْلِ عَدَم وُقُوعِهِ زَمَنَ الْخِيَارِ فَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ لِأَنَّا نَقُولُ تَعَارَضَا فَتَسَاقَطَا وَاسْتَصْحَبْنَا أَصْلَ بَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى حَالِهِ وَأَصْلَ عَدَمِ الْمُفْسِدِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْخُلْعِ تَصْدِيقُ نَافِي الْفَوْرِيَّةِ وَنَافِي أَصْلِ الْقَبُولِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخُلْعِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ هَذَا وَكَلَامُ الْأَنْوَارِ أَوَّل الْبَيْعِ ضَعِيفٌ أَوْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي صَدَقَ عَائِدٌ عَلَى الْمُوجِبِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْجَبَتْ أَيْ صِدْقَ الْمُوجِب وَهُوَ الْبَائِعُ فِي نَفْيِ الْقَبُولِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ اخْتِلَافُهُمَا فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ أَوْ لَا.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك هَاتَيْنِ النَّخْلَتَيْنِ مَثَلًا فَقَالَ بَلْ هَذِهِ فَقَطْ وَتَحَالَفَا ثُمَّ فَسَخَا الْبَيْعَ فَهَلْ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي اسْتَغَلَّ النَّخْلَتَيْنِ مُدَّةً يَضْمَنُ ثَمَرَتَهُمَا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا النَّخْلَةُ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهَا مَبِيعَةٌ فَلَا يَضْمَنُ ثَمَرَتَهَا لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ حِينِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ وَأَمَّا الَّتِي اخْتَلَفَا فِيهَا فَيَضْمَنُ ثَمَرَتَهَا وَإِنْ أَوْهَمَ إطْلَاقُهُمْ خِلَافَهُ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الْكُلِّ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي وَصْفٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ أَمَّا إذَا وَافَقَ الْبَائِعُ عَلَى الْبَعْضِ فَقَطْ فَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ تَكُونُ ثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ مُنْفَرِدًا فَانْضِمَامُهُ إلَى غَيْرِهِ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ حُكْمِهِ وَإِنْ أَوْجَبَ التَّحَالُفَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ بِعْتُك بِثَلَاثِ أَوَاقٍ نَقْدًا فَهَلْ يَصِحُّ إذَا كَانَا بِبَلَدٍ جَرَى عُرْفُهُمْ وَاطَّرَدَ بِإِطْلَاقِ النَّقْدِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا يَعْرِفُونَ النَّقْدَ إلَّا ذَلِكَ أَوْ لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ بِثَلَاثِ آوَاقٍ وَنَوَيَا دَرَاهِمَ
стр. 541
مُعَيَّنَةٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إلَّا وَجْهُ الصِّحَّةُ كَمَا لَوْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ وَثَمَّ نَوْعٌ غَالِبٌ مِنْهَا وَيَكُونُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ كَاخْتِلَافِ النَّوْعِ وَفَارَقَ هَذَا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بِأَنَّ الثَّمَنَ مُصَرَّحٌ بِهِ هُنَا وَالْإِبْهَامُ الَّذِي فِيهِ خَصَّصَهُ الْعُرْفُ وَثَمَّ لَمْ يُصَرِّحْ بِالثَّمَنِ بِوَجْهٍ وَالنِّيَّةُ لَا تَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ بَاعَ عَنْ إيتَامِ شَخْصٍ يُسَمَّى فَتْحُ اللَّهِ الشِّرْوَانِيَّ بِطَرِيقِ الْإِذْنِ مِنْ حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ حِصَصًا مِنْ عَقَارٍ عَامِرٍ آهِلٍ صَارَ إلَيْهِمْ بِالْمِيرَاثِ مِنْ وَالِدِهِمْ وَاشْتَرَى لَهُمْ حِصَصًا مِنْ عَقَارٍ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِحَقِيقَةِ الْمُسَوِّغِ وَلَا بِثُبُوتِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُوَرِّقُ شَاهِدَ التَّبَايُعِ فِي مَكْتُوبِ التَّبَايُعِ بَعْد أَنْ تُوُفِّيَ الْخَوَاجَا هِبَةُ اللَّهِ الشِّرْوَانِيُّ وَانْحَصَرَ إرْثُهُ فِي أَوْلَادِهِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ مِنْهُمْ فَتْحُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَتْحُ اللَّهِ وَانْحَصَرَ إرْثُهُ فِي أَوْلَادِهِ السِّتَّةِ الْأَيْتَامِ وَسَمَّاهُمْ بِالْمَكْتُوبِ الْمَذْكُورِ اشْتَرَى مَأْذُونُ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ هُوَ الْخَوَاجَا مُحَمَّدُ سُلْطَانُ الْعَجَمِيُّ يَعْنِي بِهِ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ لِأَوْلَادِ فَتْحِ اللَّهِ السِّتَّةِ بِمَالِهِ مِنْ الْإِذْنِ الْمَشْرُوحِ لِوُجُودِ الْمُسَوِّغِ الشَّرْعِيِّ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ الثَّابِتِ لَدَى الْحَاكِمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ مِنْ الْمَصُونَاتِ فَاطِمَةَ وَعَائِشَةَ وَصَفِيَّةَ عَمَّاتِ الْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ جَمِيعَ الْحِصَّةِ الصَّائِرَةِ إلَيْهِنَّ بِالْإِرْثِ مِنْ وَالِدِهِنَّ هِبَةِ اللَّهِ الَّتِي قَدْرُهَا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ أَصْلِ سَبْعَةِ أَسْهُمٍ مِنْ جَمِيعِ أَحَدَ عَشَرَ عُزْلَةً بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ.
وَحَدَّدَهُمْ بِالْمَكْتُوبِ وَجَمِيعَ الْخَرِبَةِ الْمُلَاصِقَةِ لِبَيْتِ التِّمْجَانِيِّ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُحَدِّدَهَا وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُلَاصِقَةً لِبَيْتِ التِّمْجَانِيِّ وَإِنَّمَا هِيَ مُلَاصِقَةٌ لِخَرِبَةٍ أُخْرَى مِلْكٍ لِلْغَيْرِ فَاصِلَةٍ بَيْنَ الْخَرِبَةِ الْمَبِيعَةِ وَبَيْتِ التِّمْجَانِيِّ وَمِنْ جَمِيعِ الدَّارِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَكِينِ بِمَكَّةَ وَحَدَّدَهَا بِثَمَنٍ قَدْرُهُ سَبْعمِائَةِ أَشْرَفِيّ وَخَمْسُونَ أَشَرَفِيًّا وَقَاصَصَ الْمُشْتَرِيَ الثَّلَاثَةُ النِّسْوَةُ الْبَائِعَاتُ بِالثَّمَنِ بِنَظِيرِ مَا بَاعَهُ مِنْهُنَّ عَنْ الْأَيْتَامِ مِنْ الْعَقَارِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهِ وَتَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ وَذَكَرَ الْمُوَرِّقُ فِي كِتَابِ التَّبَايُعِ أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ بَاعَ عَنْ الْأَيْتَامِ مِنْ عَمَّتِهِمْ فَاطِمَةَ سَهْمًا وَثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ سَهْمٍ مِنْ الْأَصْلِ الْمُعَيَّنِ أَعْلَاهُ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ الْكُبْرَى الْكَامِلَةِ أَرْضًا وَبِنَاءً الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى عُلْوٍ وَسُفْلٍ وَمَنَافِعَ وَمَرَاقٍ وَحُقُوقٍ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ بِمَكْتُوبِ التَّبَايُعِ قَاصَصَتْ الْبَائِعَ بِذَلِكَ بِنَظِيرِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهَا لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ.
وَبَاعَ أَيْضًا الْمَأْذُونُ لَهُ الْمَذْكُورُ عَنْ الْأَيْتَامِ مِنْ عَمَّتِهِمْ عَائِشَةَ نِصْفَ سَهْمٍ مِنْ الدَّارِ الْكُبْرَى الْكَامِلَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَنَافِعَ وَمَرَافِقَ وَحُقُوقٍ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ بِالْمَكْتُوبِ وَقَاصَّتْهُ بِالثَّمَنِ بِنَظِيرِ مَا ابْتَاعَهُ مِنْهَا لِلْأَيْتَامِ وَبَاعَ أَيْضًا الْمَأْذُونُ لَهُ عَنْ الْأَيْتَامِ مِنْ عَمَّتِهِمْ صَفِيَّةَ سَهْمَيْنِ مِنْ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ الْكُبْرَى الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَرَافِقَ وَمَسَاكِنَ وَاشْتِمَالَاتٍ وَحُقُوقٍ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ بِالْمَكْتُوبِ الْمَذْكُورِ وَقَاصَصَتْ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ بِنَظِيرِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهَا لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ وَحَدَّدَ الْمُوَرِّقُ كُلًّا مِنْ الدُّورِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَثَبَتَ لَدَى الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ مَضْمُونُ التَّبَايُعِ وَالْمُقَاصَصَةُ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ مَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ كُلٌّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَعْرِفَةُ الدُّورِ وَلَا ثَمَنُ الْمِثْلِ لِمَا بَاعَهُ الْمَأْذُونُ لَهُ وَلَا وُجُودُ الْحَظِّ وَالْغِبْطَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِحَقِيقَةِ الْمُسَوِّغِ.
ثُمَّ تُوُفِّيَ أَحَدُ شَاهِدَيْ التَّبَايُعِ بِطَرِيقِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ وَبِشَهَادَةِ رَفِيقِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ مَالِكِيٍّ إشْهَادُ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ فَهَلْ لِلْمَأْذُونِ لَهُ الْمَذْكُورِ أَنْ يَبِيعَ عَنْ الْأَيْتَامِ مَا كَانَ عَامِرًا آهِلًا مِنْ الْعَقَارِ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ أَنْمَى غَلَّةً مِمَّا اشْتَرَاهُ لَهُمْ وَيَشْتَرِيَ لَهُمْ مَا كَانَ خَرَابًا دَاثِرًا تُكَبُّ فِيهِ الْقُمَامَاتُ وَالْأَوْسَاخُ وَهَلْ مَا ذَكَرَهُ الْمُوَرِّقُ مِنْ الْمُسَوِّغِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ كَافٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ ثُبُوتُ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَالْحَظِّ وَالْغِبْطَةِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ سَبَبِ الْمُسَوِّغِ وَثُبُوتِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَالْغِبْطَةِ وَهَلْ مَا ذَكَرَهُ الشَّاهِدُ فِي تَعْرِيفِ الْخَرِبَةِ بِكَوْنِهَا مُلَاصِقَةً لِدَارِ التِّمْجَانِيِّ وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُلَاصِقَةً لَهَا وَلَا مُحَدَّدَةً يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهَا أَمْ لَا يَكُونُ مَانِعًا وَمَا الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ الْمَشْرُوحِ أَعْلَاهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْقَيِّمِ الْمَذْكُورِ وَلَا شِرَاؤُهُ لِعَدَمِ وُجُودِ مُسَوِّغِهِمَا الشَّرْعِيِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ لِأَنَّ شَرْطَ بَيْعِهِ أَنْ يَكُونَ
стр. 542
هُنَاكَ حَاجَةٌ كَنَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ لَمْ تَفِ غَلَّةُ الْعَقَارِ بِهَا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ أَمْ لَمْ يَرَ فِي الْقَرْضِ مَصْلَحَةً أَوْ غِبْطَةً كَأَنْ طَلَبَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَوَجَدَ مِثْلَهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ وَمَتَى انْتَفَى شَرْطٌ مِمَّا ذُكِرَ بَطَلَ الْبَيْعُ وَشَرْطُ شِرَائِهِ أَنْ لَا تَنْتَفِيَ الْمَصْلَحَةُ عَنْهُ كَإِشْرَافِهِ عَلَى الْخَرَابِ فَإِنْ انْتَفَتْ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ لَمْ يَصِحَّ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُوَرِّقُ مِنْ الْمُسَوِّغِ غَيْرُ كَافٍ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفَاصِيلِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لِوُجُودِ الْمُسَوِّغِ الشَّرْعِيِّ إلَخْ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا ظَاهِرًا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِلْقَيِّمِ الْمَذْكُورِ فِي التَّكَلُّمِ عَلَى الْأَيْتَامِ لَا لِشِرَائِهِ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِينَئِذٍ شَهَادَةٌ بِمُسَوِّغِ الشِّرَاءِ لَا مُجْمَلَةً وَلَا مُفَصَّلَةً وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَيْضًا قَوْلُ الْمُوَرِّقُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَثَبَتَ لَدَى الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْآذِنِ مَضْمُونُ التَّبَايُعِ وَالْمُقَاصَصَةُ إلَخْ فَإِنَّ هَذَا فِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْمُسَوِّغُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي ذَكَرْته لِلْبَيْعِ وَلَا لِلشِّرَاءِ فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمَا بَاطِلَانِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ إظْهَارُ بُطْلَانِ ذَلِكَ وَالْإِلْزَامُ بِالْعَمَلِ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّاهِدُ مِنْ تَعْرِيفِ الْخَرِبَةِ مُقْتَضٍ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ إنْ كَانَتْ صِيغَةُ الْبَيْعِ بِعْتُك الْخَرِبَةَ الْمُلَاصِقَةَ لِكَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْخَرِبَةَ الْمُلَاصِقَةَ لِكَذَا أَوْ خَرِبَتِي الْمُلَاصِقَةَ لِكَذَا وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ وَلَا يُؤَثِّرُ الْغَلَطُ حِينَئِذٍ وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْعَاقِدِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمِهِ بِالْمُوجِبِ إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي رُجُوعَهُ عَنْهُ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِ الْعَاقِدِ أَوْ وِلَايَتِهِ فَوُجُودُهُ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ أَحَدِ هَذَيْنِ فَإِذَا ثَبَتَ انْتِفَاؤُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْ حُكْمِهِ بِالْمُوجِبِ.
وَعَلَى غَيْرِهِ إلْغَاءُ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَلَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ تَنَاوُلُ كُلٍّ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ جَمِيعَ الْآثَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْحُكْمِ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ مَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ صَحِيحًا بِأَنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مَا يُنَاقِضُهُ أَمَّا حَيْثُ تَبَيَّنَ مَا يُنَاقِضُهُ فَلَا يَعْتَدُّ بِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بِالْمُوجِبِ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا فِي الْمُسْتَنِدِ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهِمَا وَمَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ إلَّا إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَعَ ذَلِكَ وُجُودُ الْمُسَوِّغِ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ بَيْعِ الْقَيِّمِ وَشِرَائِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَوَجَبَ السَّعْيُ فِي نَقْضِهِمَا وَرَدُّ أَعْيَانِ الْأَيْتَامِ الْمَبِيعَةِ إلَيْهِمْ وَالْمُشْتَرَاةِ إلَى أَرْبَابِهَا وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَيُجَازِي مَنْ عَمِلَ سُوءًا بِعَدْلِهِ آمِينَ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا أَخْرَجَ حَنَفِيٌّ مَثَلًا الْقِيمَةَ عَنْ مَالِهِ الزَّكَوِيِّ أَوْ اشْتَرَى مَالِكِيٌّ بِالْمُعَاطَاةِ فَهَلْ لِلشَّافِعِيِّ الشِّرَاءُ مِنْ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ وَمِنْ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ بِالْمُعَاطَاةِ اعْتِبَارًا بِعَقِيدَةِ الْبَائِعِ أَوْ لَا اعْتِبَارًا بِعَقِيدَةِ الْمُشْتَرِي؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ إنْ حَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُ سَوَاءٌ أَقَلَّدَ الشَّافِعِيُّ بِهِ أَمْ لَا لِأَنَّ الْحُكْمَ يُحِلُّهُ بَاطِنًا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ أَحَدٌ لَمْ يَجُزْ لِلشَّافِعِيِّ الشِّرَاءُ مِنْهُ مَا دَامَ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَعْتَقِدُ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِهِ فِي الْأُولَى وَبَقَاءَهُ عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَلَوْ بِعَقْدٍ إلَّا إنْ قَلَّدَ الْقَائِلَ بِهِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ بَحَثَ الْجَوَازَ مُطْلَقًا قَالَ لِاعْتِقَادِنَا تَكْلِيفَ الْمُخَالِفِ بِحَسَبِ عَقِيدَتِهِ حَتَّى قُلْنَا بِاسْتِعْمَالِ مَا تَوَضَّأَ بِهِ حَنَفِيٌّ لَمْ يَنْوِ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ رَأَى كَلَامَ السُّبْكِيّ دَالًا عَلَى تَحْرِيمِ الشِّرَاءِ وَأَنَّ عِنْدَهُ فِيهِ نَظَرًا وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ وَيَرُدُّ مَا عَلَّلَ بِهِ بِأَنَّا وَإِنْ اعْتَقَدْنَا تَكْلِيفَهُ بِحَسَبِ عَقِيدَتِهِ.
لَكِنْ نَعْتَقِدُ تَكْلِيفَنَا أَيْضًا بِحَسَبِ عَقِيدَتِنَا فَنُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَنَا التَّصَرُّفُ فِيهِ عَمَلًا بِالْعَقِيدَتَيْنِ وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِاسْتِعْمَالِ مَاءِ الْحَنَفِيِّ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَا أَزَالَ مَانِعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ مَاءَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّا نَعْتَقِدُ فِيهِ ذَلِكَ بِحَسَبِ ظَنِّ الْمُسْتَعْمَلِ وَيَرُدُّ قَوْلَهُ لَا يَجْرِي فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالْمُعَامَلَاتِ عَلَى أَنَّ كَوْنَهَا مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَعِنْدَ إرَادَةِ بَيْعِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ بَعْدَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ هِيَ الْآنَ مِنْ
стр. 543
قَبِيلِ الْمُعَامَلَاتِ فَالْمُتَّجَهُ مَا قَدَّمْته وَكَلَامُ السُّبْكِيّ دَالٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ وَلَمْ يُقَلِّدْ أَمَامَ الْبَائِعِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ قَالُوا مِنْ صَرَائِحِ الْبَيْعِ لَفْظُ التَّقْرِيرِ؛ مَا صُورَتُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صُورَتُهُ أَنْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ وَيُرِيدَ إعَادَتَهُ فَيَقُولَ الْبَائِعُ قَرَّرْتُك عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَيَقْبَل الْمُشْتَرِي أَوْ يَقُول الْمُشْتَرِي أَنَا عَلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ مِنْ الْبَيْعِ وَيَقْبَلُ الْبَائِعُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ تَكَفَّلَ بِبَدَنٍ فَأَبْرَأهُ الْمُسْتَحِقُّ ثُمَّ وَجَدَهُ مُلَازِمًا لِغَرِيمِهِ فَقَالَ اُتْرُكْهُ وَأَنَا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَفَالَةِ صَحَّ.
(وَسُئِلَ) عَنْ كِنَايَةِ الْبَيْعِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَط فِي كِنَايَةِ الطَّلَاقِ مِنْ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِكُلِّ اللَّفْظِ أَوْ بَعْضِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ إلْحَاقُهَا بِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَكْفِي الِاقْتِرَانُ بِالْبَعْضِ وَيُفَرَّقُ أَنَّ هُنَاكَ مِلْكَ بُضْعٍ مُحَقَّقًا فَلَا يُزَالُ إلَّا بِيَقِينٍ فَاشْتُرِطَ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِكُلِّ اللَّفْظِ احْتِيَاطًا لِلْإِبْضَاعِ بِخِلَافِهِ هُنَا فَلَمْ يَجْرِ فِيهِ الْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ مُقَارَنَتِهَا لِكُلِّ اللَّفْظِ
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ فَقَالَ اشْتَرَيْت نِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَنِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ صَحَّ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ مَا الْجَوَابُ عَنْهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: بِتَأَمُّلِ تَعْلِيلِ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا تَفْصِيلَ مَا أَجْمَلَهُ الْبَائِعُ وَبِتَأَمُّلِ وَجْهِ اسْتِشْكَالِ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَقْدًا فَقِيلَ عَقْدَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ إذْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ التَّفْصِيلَ مِنْ حَيْثُ تَعَدُّد الصَّفْقَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ بَيَان الْإِجْمَالِ السَّابِقِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَرَادَ التَّفْصِيلَ مِنْ حَيْثُ التَّعَدُّد بَطَلَ لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَا يُنَافِيه كَلَامُ الْمُتَوَلِّي فَإِنْ أَطْلَقَ فَالظَّاهِرُ الْبُطْلَانُ إذْ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ تَعَدُّدُهَا مُفَصَّلَةً فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْمُفَصَّلَ لَكِنَّ مَحَلَّهُ أَخْذًا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ مَا إذَا لَمْ يُرِدْ عَدَمَ التَّفْصِيلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اتِّخَاذُ الْحَرْبِيِّ الْحَدِيدَ سِلَاحًا فَهَلْ يَحْرُمُ بَيْعُهُ لَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ الْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا تَلَفَّظَ الْبَائِعُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ بِقُرْبِهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْمُشْتَرِي لِعَارِضِ لَغَطٍ وَنَحْوِهِ فَقَبِلَ الْبَيْعَ مُرِيدًا الِابْتِدَاءَ فَهَلْ يَقَعُ قَبُولُهُ جَوَابًا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ وُقُوعُهُ جَوَابًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَدَارُ الْعُقُودِ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ الْجَوَابِ بِقَصْدِهِ الِابْتِدَاءَ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَقَصْدُ الِابْتِدَاءِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ قَصَدَ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ إذْ مَعْنَاهُ هُنَا إفَادَةُ التَّمْلِيكِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ سَوَاءٌ أَقَصَدَ الِابْتِدَاءَ أَمْ الْجَوَابَ وَلَوْ تَلَفَّظَ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ ابْتِدَاءٍ وَلَا جَوَابٍ احْتَمَلَ الْجَزْمَ بِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَاحْتَمَلَ خِلَافَهُ (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ لَوْ وُكِّلَ الْجَدُّ فِي الطَّرَفَيْنِ هُنَا فَهَلْ يَبْطُلُ كَالنِّكَاحِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَحْتَمِلُ إلْحَاقَهُ بِهِ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ النِّكَاحَ يُحْتَاطُ لَهُ مَا لَا يُحْتَاطُ لِغَيْرِهِ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ إذْ لَا اخْتِلَالَ فِي الصِّيغَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ احْتِيَاطٌ فَكَمَا مَنَعُوهُ ثَمَّ مَعَ انْتِظَامِ الصِّيغَةِ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ هُنَا لِلْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلُوا بِهِ ثُمَّ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ يَصِحُّ بَيْعُ السُّبُعِ لِمَنْفَعَةِ صَيْدِهِ هَلْ يَشْمَلَ الصَّيْدَ بِالطَّبْعِ وَبِالتَّعْلِيمِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ مَا يَصْطَادُهُ يَحِلُّ بِأَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي كِتَابِ الصَّيْدِ صَحَّ بَيْعُهُ سَوَاءٌ أَوُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوط بِتَعْلِيمٍ أَوْ لَا بِتَعْلِيمٍ أَصْلًا.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ بَاعَ بِوَزْنِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ هَلْ يَصِحُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ قَالَ مَضْرُوبَةٍ أَوْ غَيْرِ مَضْرُوبَةٍ صَحَّ وَإِلَّا بَطَلَ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَهُمَا وَلَا يُحْمَلُ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ نَعَمْ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْمَضْرُوبِ وَالسَّبِيكَةِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ الصِّحَّةُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ الصُّبْرَةِ الْمَجْهُولَةِ وَنِصْفَ بَاقِيهَا لَمْ يَصِحَّ أَوْ نِصْفَهَا وَصَاعًا مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ صَحَّ مَا الْفَرْق بَيْنَهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْجَهْلَ فِي الْأُولَى أَشَدُّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الصَّاعَ صَارَتْ الْإِحَاطَةُ بِنِصْفِ الثَّانِي ضَعِيفَةً بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ الصُّبْرَةِ أَقْوَى مِنْهَا بِهَا بَعْدَ إخْرَاجِ صَاعٍ وَذِكْرُ النِّصْفِ لَا يَقْتَضِي ضَعْفَ تِلْكَ الْإِحَاطَةِ بَلْ قُوَّتَهَا فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُ صَاعٍ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ هَذَا غَايَةُ مَا يُوَجَّهُ بِهِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْبَاحِثِ أَنْ يَبْحَثَ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الْبُطْلَانِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ بَاعَ الْمَجْهُولَةَ إلَّا صَاعًا مِنْهَا بَطَلَ لِأَنَّ مَا عَدَا
стр. 544
نِصْفَ الْبَاقِي وَالصَّاع فِي الْأُولَى وَمَا عَدَا الصَّاعَ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ فِي الثَّانِيَةِ مُسْتَثْنًى وَهُوَ مَجْهُولٌ بَلْ الْبُطْلَانُ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُمْ إذَا حَكَمُوا بِهِ مَعَ كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي الْمُسْتَثْنَى الْمَجْهُولِ بِذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ مُحَمَّلَةً بِأَمْتِعَةِ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَصِحُّ قَبْضُهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ إلْحَاقُهَا بِالسَّفِينَةِ الصَّغِيرَةِ وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْفَرْقُ بِأَنَّ السَّفِينَةَ بِالْبُيُوتِ أَشْبَهُ فَأُعْطِيَتْ حُكْمَهَا بِخِلَافِ الدَّابَّةِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَاعَ أَمَةً وَادَّعَى أَنَّهَا مَعْتُوقَةٌ أَوْ مُسْتَوْلَدَةٌ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ قَالَ كُنْت وَقَفْته وَلَا يُقَالُ إنَّ الْعِتْقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ إلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُشْتَرِي فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مَا يَدْفَعُهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ آخَرَ فَادَّعَى ثَالِثٌ أَنَّ هَذَا الْمَبِيعَ مِلْكُهُ فَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ لَكِنْ قَالَ اشْتَرَيْته مِنْك وَأَقَامَ شَاهِدًا ثُمَّ نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ مَعَهُ فَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُشْتَرِي؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ نَفْعُهُ بِبَقَاءِ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ لِأَنَّ إقَامَةَ شَاهِدٍ مِنْ وَاحِدٍ وَحَلْفَ آخَرَ غَيْرُ مَعْهُودٍ وَلِأَنَّ الْحُجَّةَ حِينَئِذٍ مُلَفَّقَةٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ بَاعَ مُسْلِمًا وَمَعْنَاهُ إلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِمَا يَلْحَقُ الْبَائِعَ مِنْ الدَّلَالَةِ وَغَيْرِهَا فَهَلْ يَصِحُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَانَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي حِسْبَتِهِ يَمْنَعُ أَهْلَ سُوقِ الرَّقِيقِ مِنْ ذَلِكَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ وَنَحْوُهَا مُعَيَّنَةً أَوْ لَا لَكِنْ اعْتَمَدَ السُّبْكِيّ الصِّحَّةَ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً وَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ مِنْ اثْنَيْنِ وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِلْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إذْ لَا يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَكِنَّهُ هُنَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَمْرًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ كَذَا إلَى جِهَةِ كَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا مُطْلَقًا اهـ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ قَالَ بِعْتُك بِكَذَا وَلِلدَّلَّالِ مِنْهُ كَذَا صَحَّ أَوْ وَتَدْفَعُ لَهُ مِنْهُ كَذَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ الدَّفْعَ وَهُوَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ تَقَدَّمَتْ الرُّؤْيَةُ عَلَى الْعَقْدِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِمَا لَا يُنْقِصُ الْعَيْنَ أَوْ الْقِيمَةَ فَهَلْ يُخْبَرُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كُلٌّ مِنْ التَّخْيِيرِ وَعَدَمِهِ مُحْتَمَلٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِاخْتِلَافِ الْوَصْفِ الَّذِي رَآهُ وَأَقْدَمَ عَلَى الْعَقْدِ مُعْتَقِدًا بَقَاءَهُ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى وُقُوعِ التَّغَيُّرِ بَعْدِ الرُّؤْيَةِ ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ تَأْخِيرَهُ عَنْ الْعَقْدِ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي تَقَدَّمَهُ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ تَصْدِيقُ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ وَالْأَصْلُ أَيْضًا سَلَامَتُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي رَأَيْته كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الْمُصَدَّقُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِهَذِهِ الصَّفْقَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ السَّوْمِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِهِ فِيمَا لَوْ رَأَى عَاصِرَ خَمْرٍ يَشْتَرِي عِنَبًا وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا وَلَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالسَّوْمِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَقَدْ يُقَالُ بِجَوَازِهِ إذَا تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْأَقْرَبُ خِلَافُهُ لِأَنَّ السَّوْمَ إيذَاءٌ مُحَقَّقٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ سَبَبٍ يُبِيحُهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وَيَتَأَتَّى هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ حَيْثُ لَا عُذْرَ وَفِي كُلِّ بَيْعٍ حُرِّمَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبُولُهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا بِوَقْفٍ جَازَ مُشْكِلٌ إنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى خِدْمَةِ إنْسَانٍ مَثَلًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَأَبُّدُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا إذْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ أُمِّهِ وَعَكْسه بِخِلَافِ الْمَوْقُوفِ عَلَى نَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ فَلْيُحْمَلْ كَلَامُهُمْ عَلَيْهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَلَامُهُمْ أَعَمُّ وَيُجَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ وَقْفَهُ عَلَى إنْسَانٍ كَإِيجَارِهِ مُدَّةً تُجَاوِزُ الْبُلُوغَ وَهُوَ جَائِزٌ وَأَيْضًا فَالْوَقْفُ قُرْبَةً فَسُومِحَ فِيهِ وَإِنْ سَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ لِغَيْرِ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِطِ لِلْعِتْقِ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي بِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ كَالْمُلْتَزِمِ بِالنَّذْرِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِاشْتِرَاطِهِ الِاخْتِصَاصُ بِهِ وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِمْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ
стр. 545
وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ هَذَا مِنْهَا.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ الْأَصَحُّ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّ الْخَمْرَ يُقَدَّرُ خَلًّا وَفِي بَابِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ أَنَّهُ يُقَوَّمُ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْكُفَّارَ حِينَ قَدِمُوا عَلَى الْعَقْدِ الْوَاقِعِ فِي الشِّرْكِ وَسَمَّوْا فِيهِ خَمْرًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مُقَابَلَتَهُ بِقِيمَةٍ فَأَجْرَيْنَاهُمْ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدُ بِخِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَإِنْ قُلْت: مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ قُوِّمَ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا قُلْت: إمَّا أَنْ يُلْتَزَمَ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْوِيمُ ثُمَّ إنَّمَا هُوَ لِمَعْرِفَةِ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ وَالتَّقْوِيمُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَحْوَطُ وَأَضْبَطُ وَأَمَّا هُنَا فَالْقَصْدُ مَعْرِفَةُ مَا يُقَابِلُ الْبَاطِلَ وَالصَّحِيحَ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِتَقْدِيرِ الْخَمْرِ خَلًّا فَإِنْ قُلْت: قَدَّرُوا الْكَلْبَ هُنَا شَاةً وَفِي الْوَصِيَّةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً قُلْت: كَأَنَّ الْفَرْق أَيْضًا أَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ مَعْرِفَة الثُّلُثِ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا إنْ قُدِّرَ لَهُ قِيمَةٌ وَأَمَّا هُنَا فَالْقَصْدُ تَوْزِيعُ الثَّمَنِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِتَقْدِيرِهِ شَاةً.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ دَفَعَ لِلْبَائِعِ نِصْفًا رِبْحًا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ لَهُ ظَانًّا أَنَّهُ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا دَفَعَهُ لَهُ تَبَرُّعًا جَازَ أَخْذُهُ فَإِنْ شَكَّ الْبَائِعُ فَلَمْ يَدْرِ أَدَفَعَهُ لَهُ بِالظَّنِّ الْمَذْكُورِ أَوْ مَعَ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِ الْعَامَّةِ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ لُزُومَ الدَّفْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ مِنْ جُمْلَةِ ثَمَنِهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ قَالُوا يَحْرُمُ بَيْعُ الثَّوْبِ الَّذِي يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فَهَلْ لَهُ حِيلَةٌ يَنْتَفِي بِهَا حُرْمَة الْقَطْعِ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ لَهُ طَرِيقًا وَهُوَ أَنَّهُ يُوَاطِئُهُ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ ذِرَاعًا مَثَلًا بِكَذَا فَيَقْطَعُهُ ثُمَّ يَشْتَرِيه وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذِهِ إنَّمَا هِيَ طَرِيقٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ لَا لِانْتِفَاءِ حُرْمَةِ الْقَطْعِ الَّذِي فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ سُومِحَ لَهُ فِي الْقَطْعِ حِينَئِذٍ رَجَاءً لِغَرَضِ الرِّبْحِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ أَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ إنَّمَا تَحْرُمُ إنْ قُصِدَتْ عَبَثًا وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ نَعَمْ لَوْ زِيدَ لَهُ عَلَى قِيمَةِ الْمَقْطُوعِ مَا يُسَاوِي النَّقْصَ الْحَاصِلَ فِي الْبَاقِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ حِينَئِذٍ فَلَا حُرْمَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ إذْ لَا إضَاعَةَ مَالٍ حِينَئِذٍ أَلْبَتَّةَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِيلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا بَاعَ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ هَلْ يَكُونُ بَيْعًا أَوْ سَلَمًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ أَنَّهُ بَيْعٌ لَا سَلَمٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ اضْطِرَابًا وَقَالَ الْفَتْوَى عَلَى تَرْجِيحِ أَنَّهُ سَلَمٌ وَعَزَّاهُ لِلنَّصِّ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ إذْ التَّحْقِيقُ حَمْلُ النَّصِّ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ سَلَمٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَقَطْ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَاعَ مِنْ آخَرَ أَرْضًا وَكَانَ صِفَةُ الْبَيْعِ أَنْ قَالَ بِعْت مِنْك مِنْ أَرْضِي هَذِهِ ذَرْعَةَ الْأَرْضِ وَأَشَارَ إلَى أَرْضٍ هُمَا يَعْلَمَانِهَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا يَعْرِفَانِ قَدْرَهَا فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا فَإِنَّا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ إذَا قَالَ بِعْتُك بِزِنَةِ هَذِهِ الصَّخْرَةِ ذَهَبًا أَوْ مِلْءِ هَذِهِ الْغِرَارَةِ طَعَامًا صَحَّ فَهَلْ الْمَسْأَلَةُ قِيَاسُ مَسْأَلَتِنَا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الدَّارِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ بِدِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَتْ ذَرِعَاتُهَا مَجْهُولَةً لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ الصُّبْرَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْفَرْقُ أَنَّ أَجْزَاءَ الدَّارِ تَخْتَلِفُ دُونَ أَجْزَاءِ الصُّبْرَةِ اهـ وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تُقَاسُ بِمَسْأَلَةِ الْكِفَايَةِ الْمُصَرَّحِ بِهَا فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَجْمُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ بَيْعِ الْآبَارِ الْمَحْفُورَةِ الْحَاصِلِ فِيهَا مَاءٌ إذَا شُهِدَ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ بِصُدُورِ التَّبَايُعِ الصَّحِيحِ الشَّرْعِيِّ فِيهَا وَفِي حُقُوقِهَا وَطُرُقِهَا وَمُشْتَمِلَاتِهَا بَعْدَ النَّظَرِ وَالتَّقْلِيبِ الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشُّهُودُ لِلْمَاءِ الْحَاصِلِ فِي الْآبَارِ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْمَاءُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا بَيْعُ الْمَاءِ مَعَهَا وَهَلْ الْإِشْهَادُ الْمَذْكُورُ كَافٍ فِي إدْخَالِ الْمَاءِ وَهَلْ إذَا اخْتَلَفَ
стр. 546
الْمُتَبَايِعَانِ فِي ذِكْرِهِ فَاحْتَجَّ الْمُدَّعِي لِدُخُولِهِ بِالْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ يَكْفِيه ذَلِكَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِصَرِيحِ ذِكْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْآبَارِ إلَّا إنْ نَصَّ عَلَى دُخُولِ مَائِهَا فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَفَاهُ أَوْ أَطْلَقَ وَلَا يَكْفِي عَنْ النَّصِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمَا بِحُقُوقِهَا عَلَى مَا قَدْ يَقْتَضِيه كَلَامُهُمْ لَا سِيَّمَا كَلَامُ الْأَنْوَارِ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْبِئْرِ فَهُوَ كَمَزَارِعِ الْقَرْيَةِ الْخَارِجَةِ عَنْهَا مَعَهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَنَاوَلُهَا.
وَإِنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا قَالُوا لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَهَا لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَا تَتَنَاوَلُ الْأَرْضُ مَسِيلَ مَائِهَا وَشُرْبِهَا مِنْ نَحْوِ قَنَاةٍ مَمْلُوكَةٍ حَتَّى يَشْرُطَهُ أَوْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا إنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ قَوْلَهُمَا بِحُقُوقِهَا بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ عَلَى دُخُولِ الْمَاءِ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ مَسِيلِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْحُقُوقَ إذَا تَنَاوَلَتْ نَحْوَ الْمَسِيلِ وَالشُّرْبِ مَعَ خُرُوجِهِمَا عَنْ الْأَرْضِ وَمَعَ إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِدُونِهِمَا وَعَدَمِ دُخُولِهِمَا فِي مُسَمَّاهَا فَأَوْلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ الْمَاءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ الْبِئْرِ وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِدُونِهِ وَلِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّاهَا وَبِذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي مَزَارِعِ الْقَرْيَةِ مَعَهَا فَاتَّجَهَ إلْحَاقُ الْمَاءِ بِالْمَسِيلِ وَالشُّرْبِ دُونَ الْمَزَارِعِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمَا وَمُشْتَمِلَاتِهَا ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي شُمُولِ الْمَاءِ إذْ هُوَ بِمَعْنَى مَا اشْتَمَلَتْ الْبِئْرُ عَلَيْهِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْمَاءُ الَّذِي فِيهَا فَحِينَئِذٍ لَا يُتَوَقَّفُ فِي الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا أَنَّ الْمَاءَ يَدْخُلُ فِيهَا وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ نَوْعُ تَوَقُّفٍ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ بِحُقُوقِهَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَبَيْعُ الْآبَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ صَحِيحٌ وَالْإِشْهَادُ الْمَذْكُورُ كَافٍ فِي دُخُولِ الْمَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ الْمُحْتَجُّ بِهِ إلَى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِصَرِيحِ ذِكْرِهِ الْمَاءِ فِي الْعَقْدِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ دَارٍ بِيعَتْ وَفِي بَعْضِ جَوَانِبهَا مَخَازِنُ تَنْفُذُ أَبْوَابُهَا إلَى الشَّارِعِ وَلَيْسَ لَهَا مَنْفَذٌ مِنْ الدَّارِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَخَازِنَ دَاخِلَةٌ فِي بَيْعِ الدَّارِ فَهَلْ تَدْخُلُ هَذِهِ الْمَخَازِنُ فِي مُطْلَقِ بَيْعِ الدَّارِ لِاشْتِمَالِ الدَّارِ عَلَيْهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي تَرْبِيعِهَا وَإِنْ لَمْ تَنْفُذْ إلَيْهَا كَمَا فِي بَعْضِ دُورِ مَكَّةَ أَوْ لَا تَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ بَيْعهَا إذْ لَا تُعَدُّ مِنْهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْيَمَنِ وَكَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْقُدْوَةِ إنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ إذَا لَمْ يَنْفُذْ بَعْضُهَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ هُوَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَنْ هُوَ فِي آخَرَ قَالُوا لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مَسْجِدًا وَاحِدٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُبَابِ فِي التَّجْزِئَةِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ وَفَوْقَهَا حُجْرَةٌ بَابُهَا خَارِجُ الدَّارِ فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ فَإِنْ قِيلَ بَابُ الْأَيْمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ قِيلَ كَذَلِكَ قَدْ يُعَلِّلُونَ بِالْعُرْفِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمَنْقُولُ فِي الْحُجْرَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالدَّارِ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيِّ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا لِخُرُوجِهَا عَنْ حُدُودِ الدَّارِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِهَا وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ السُّبْكِيّ يَنْبَغِي أَنْ تَتْبَعَهَا الْحُجْرَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِهَا لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ ذَلِكَ وَمَا عُلِّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ فَقَدْ أَحَالُوا هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَيْمَانِ فِي عَدَمِ دُخُولِ مَزَارِعِ الْقَرْيَةِ فِيهَا كَمَا لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الْقَرْيَةَ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ فَعَلِمْنَا أَنَّ مَلْحَظَ الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ وَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ تِلْكَ الْحُجْرَةِ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْهَا فَكَذَا لَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا وَمِثْلُهَا الْمَخَازِنُ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ بَلْ هِيَ عَيْنُهَا وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ فِي مَسَائِلَ هُنَا الرُّجُوعُ إلَى عُرْفِ النَّاحِيَةِ مُتَعَيِّنٌ وَكَذَا إلَى الْقَرَائِنِ كَزِيَادَةِ الثَّمَنِ الدَّالَّةِ عَلَى إرَادَةِ دُخُولِ نَحْوِ الْمَزَارِعِ يَرُدُّهُ إطْلَاقُهُمْ الصَّرِيحُ فِي أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِعُرْفٍ يُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ لِأَنَّهُ خَاصٌّ وَمَا ذَكَرُوهُ هُنَاكَ عَامٌّ وَالْعَامُّ مُقَدَّمٌ غَالِبًا.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فِي الْكَرْمِ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَنَاوُلِ مَا ذَكَرُوهُ لِمَا ذَكَرُوهُ هُنَا بَيْنَ أَنْ يَجْرِيَ الْبَيْعُ فِي بَلَدٍ يَعْتَادُ أَهْلُهُ إطْلَاقَ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْ لَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ مَا ذَكَرُوهُ فَلَا مَسَاغَ لِمُخَالِفَتِهِ وَيُؤَيِّدُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْحُجْرَةِ وَالْمَخَازِنِ الْمُتَّصِلَةِ بِالدَّارِ قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ فِي حَمَّامِ الدَّارِ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ إنَّ الدَّارَ إنْ أَحَاطَتْ بِهِ بِأَنْ كَانَ فِي وَسَطِهَا أَوْ كَانَ خَارِجَهَا وَشَمَلَتْهُ حُدُودُهَا دَخَلَ سَوَاءٌ اسْتَقَلَّ أَمْ لَا وَإِنْ خَرَجَ عَنْ حُدُودِهَا
стр. 547
لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ ثُمَّ سَاقَ كَلَامَهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ السَّابِقَ فِي الْحُجْرَةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ مِنْ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ فِي السَّابَاطِ الَّذِي عَلَى حَائِطِ الدَّارِ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى حَائِطَيْهِ دَخَلَ أَوْ عَلَى حَائِطٍ لَمْ يَدْخُلْ.
فَإِذَا كَانَ عَلَى حَائِطٍ فَقَطْ فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا كَالْمَخَازِنِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فَكَذَلِكَ تِلْكَ الْمَخَازِنُ فَإِنْ قُلْت: قَالَ فِي الْعِدَّةِ تَدْخُلُ الْمِظَلَّةُ كَرَوَاشِنِ الدَّارِ وَهِيَ تَدْخُلُ فِيهَا وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ لَهَا بَابًا أَيْضًا مِنْ خَارِجِهَا لِأَنَّهَا مِنْهَا وَإِنَّمَا تَنْقَطِعُ نِسْبَتُهَا عَنْهَا إنْ كَانَ لَهَا بَابٌ مِنْ خَارِجٍ وَلَيْسَ لَهَا بَابٌ مِنْ دَاخِلِهَا فَإِنْ قُلْتَ مَسْأَلَةُ السُّؤَالِ وَنَظَائِرُهَا مُشْكِلَةٌ تَصْوِيرًا لِأَنَّ الدَّارَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا إلَّا إنْ ذُكِرَتْ حُدُودُهَا الْأَرْبَعَةُ وَكَذَا مَا دُونَهَا إنْ تَمَيَّزَتْ بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا حَدَّدَ الدَّارَ فَإِنْ دَخَلَتْ تِلْكَ الْمَخَازِنُ أَوْ الْحُجْرَةُ فِي الْحُدُودِ كَانَتْ مَبِيعَةً قَطْعًا فَأَيُّ مَحَلٍّ يَتَحَقَّقُ فِيهِ خِلَافُ الْأَصْحَابِ وَالسُّبْكِيِّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ نَازَعَ فِي الِاحْتِيَاجِ لِلتَّحْدِيدِ بِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَفَى عَنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ وَإِلَّا لَمْ يَكْفِ عَنْ ذِكْرِهَا.
وَعَلَى هَذَا فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ أَيْضًا لِأَنَّهُمَا إذَا رَأَيَا وَأَشَارَا إلَى الْمَبِيعِ دَخَلَتْ الْمَخَازِنُ أَوْ الْحُجْرَةُ إنْ تَنَاوَلَ ذَلِكَ إشَارَتَهُمَا وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلَا فَأَيُّ مَسَاغٍ لِذَلِكَ الْخِلَافِ أَيْضًا قُلْت: أَمَّا الْأَوَّلُ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي يَعْرِفُ الدَّارَ وَمَا بِجَانِبِهَا فَيَقُول لَهُ بِعْتُك دَارِي الَّتِي بِمَحَلَّةِ كَذَا فَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ دَارِي إلَخْ هَلْ يَتَنَاوَلُ مَا اتَّصَلَ بِهَا أَوْ لَا فَالْأَصْحَابُ يَقُولُونَ لَا يَتَنَاوَلُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا انْفَرَدَ عَنْ الدَّارِ بِمَدْخَلٍ مُسْتَقِلٍّ مَعَ عَدَمِ نُفُوذِهِ إلَيْهَا كَانَ مُسْتَقِلًّا عَنْهَا غَيْرَ تَابِعٍ لَهَا فَلَمْ يَشْمَلْهُ لَفْظُهُ وَضْعًا وَلَا عُرْفًا وَالسُّبْكِيُّ يَقُولُ بَلْ يَشْمَلُهُ عُرْفًا لِاتِّصَالِهِ وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ عَقِبَ كَلَامِ السُّبْكِيّ فِيهِ شَيْءٌ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا مُشَاهَدًا مُشَاهَدَةً تَنْفِي الْجَهَالَةَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ لَهُ الْبَائِعُ الدَّارَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا وَأَوْرَدَ الْعَقْدَ عَلَى الْجَمِيعِ فَلَا شَكَّ فِي دُخُولِ الْجَمِيعِ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى اسْمِ الدَّارِ فَقَطْ وَعَلِمَ الْمُشْتَرِي حُدُودَهَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرُهَا إلَّا بِالتَّنْصِيصِ.
وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ حُدُودَهَا لِاخْتِلَاطِهَا بِالدُّورِ حَوْلَهَا بِحَيْثُ لَا تُمَيِّزُهَا الرُّؤْيَةُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ عَلَى الْمَحْدُودِ فَهَذَا مَحَلُّ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرِهِ لَا تَدْخُلُ الْحُجْرَةُ وَالسَّاحَةُ وَالرَّحْبَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالدَّارِ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُدُودِهَا الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِهَا وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ إلَّا بِذِكْرِهَا فَإِنْ ذَكَرَا حَدَّيْنِ وَتَمَيَّزَتْ بِهِمَا صَحَّ اهـ وَأَمَّا الثَّانِي فَيُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى دُورًا مُتَلَاصِقَةً ثُمَّ يَشْتَرِي بَعْضَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ أَوْ بَعْضِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُمَيِّزُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْأَرْشِ الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَةِ الرَّقِيقِ إذَا اخْتَارَ سَيِّدُهُ فِدَاءَهُ بِاَلَّذِي لَهُ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِ الْأَرْشِ مِنْ الدَّيْنِ وَكَانَ الدَّيْنُ قَدْرَ الْأَرْشِ وَعَلَى صِفَتِهِ فَهَلْ يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ بِذَلِكَ وَيَكُونُ مِثْلَ تَقَاصِّ الدَّيْنَيْنِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اخْتِيَارُ السَّيِّدِ الْفِدَاءَ لَا يَلْزَمُهُ بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فَحِينَئِذٍ إذَا اخْتَارَ فِدَاءَهُ بِمَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَقْتَضِي تَقَاصًّا وَإِلَّا لَزِمَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ بَاطِلٌ إجْمَاعًا
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ عَجَّانٍ خَبَّازٍ يَجْعَلُ الْخُبْزَ لِلْبَيْعِ وَيَبِيعُهُ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ أَبْرَصُ أَجْذَمُ ذُو حَكَّةٍ وَسَوْدَاءَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ الْخُبْزَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا بَاشَرَ نَحْو عَجْنِهِ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَرِي حَقِيقَةَ الْحَالِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِهِ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ كَتْمُهُ مِنْ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ بِهِ نَحْوَ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ النَّاسِ وَيُفْرِدَ لَهُمْ مَحَلًّا خَارِجَ الْبَلَدِ وَيُنْفِقُ عَلَى فُقَرَائِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ إنْسَانٍ يَشْتَرِي وَيَكْتَالُ أَوْ يَزِنُ بِأَوْفَى ثُمَّ يَبِيعُ بِمُعْتَدِلٍ مُعْتَادٍ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَوْ يُفْصَلُ بَيْنَ عِلْمِ بَائِعِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ إذَا اتَّفَقَ هُوَ وَبَائِعُهُ عَلَى أَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْهُ بِهَذَا الْكَيْلِ أَوْ الْمِيزَانِ ثُمَّ اتَّفَقَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِكَيْلٍ أَوْ مِيزَانٍ آخَرَ عَيَّنَاهُ جَازَ ذَلِكَ إذْ لَا غِشَّ مِنْهُ فِي حَالِ شِرَائِهِ وَلَا فِي حَالِ بَيْعِهِ لِأَنَّهُ
стр. 548
لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ عِلْمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَرِضَاهُمَا وَأَمَّا إذَا بَاعَ بِغَيْرِ مَا اشْتَرَى بِهِ مُوهِمًا الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ بِنَظِيرِ مَا اشْتَرَى بِهِ فَهُوَ غِشٌّ ظَاهِرٌ وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» وَضَابِطُ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْمَبِيعُ عَلَى وَصْفِ نَقْصٍ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي امْتَنَعَ مِنْ شِرَائِهِ فَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ غِشًّا مُحَرَّمًا وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ غِشًّا مُحَرَّمًا.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ مَا الْحُكْمُ فِي بَيْعِ نَحْوِ الْمِسْكِ لِكَافِرٍ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَشْتَرِيه لِيُطَيِّبَ بِهِ صَنَمَهُ وَبَيْعِ حَيَوَانٍ لِحَرْبِيٍّ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ بِلَا ذَبْحٍ لِيَأْكُلَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَحْرُمُ الْبَيْعُ فِي الصُّورَتَيْنِ كَمَا شَمَلَهُ قَوْلُهُمْ كُلُّ مَا يَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْصِي بِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ لَهُ وَتَطْيِيبُ الصَّنَمِ وَقَتْلُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ بِغَيْرِ ذَبْحٍ مَعْصِيَتَانِ عَظِيمَتَانِ وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَالْمُسْلِمِينَ فَلَا تَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهِمَا بِبَيْعِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِفِعْلِهِمَا وَكَالْعِلْمِ هُنَا غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الصُّلْحِ لَوْ قَالَ بِعْتُك الْمَبِيعَ الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَأَنْتَ صَحَّ هَلْ هَذَا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ لَوْ جَرَى هَذَا الْمَقَالُ لَدَى الْحَاكِمِ جَازَ لَهُ التَّسْجِيلُ عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الصِّيغَةِ أَمْ لَا لِأَنَّ لِلْحُكْمِ طَرِيقًا آخَرَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَقِيسًا عَلَيْهَا فَرْعٌ آخَرَ يُعْلَمُ مِنْهُ الْمُرَادُ مِنْهَا وَهُوَ وَلَوْ أَقَرَّ لَآخِرَ بِمَحْمَلٍ فَصَالَحَهُ عَنْهُ وَهُمَا يَعْرِفَانِهِ صَحَّ الصُّلْحُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك الشَّيْءَ الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَأَنْتَ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ شَيْئًا مَعْهُودًا لَهُمَا وَهُمَا يَعْرِفَانِهِ وَهُوَ مِمَّا يَكْفِي فِيهِ تَقَدُّمُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعَقْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا بِمَجْلِسِهِ فَإِذَا قَالَ مَالِكُهُ لِلْآخَرِ بِعْتُك الشَّيْءَ أَيْ الْمَعْهُودَ بَيْنَنَا الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَأَنْتَ صَحَّ الْبَيْعُ.
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَاهُ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى وُجُودِ شُرُوطِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِذَا كَانَا صَادِقَيْنِ فِي مَعْرِفَتِهِمَا وَإِرَادَتِهِمَا لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَعْهُودِ صَحَّ الْبَيْعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ صَحَّ ظَاهِرًا بِاعْتِرَافِهِمَا لَا بَاطِنًا لِفَقْدِ بَعْضِ شُرُوطِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَوْ صَدَرَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ فَلَهُ أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ وَلَهُ بَعْدَ جَرَيَانِ مُسَوِّغِ الْحُكْمِ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ مُعْتَمِدًا عَلَى جَرَيَانِ عَقْدِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاعْتِرَافِهِمَا بِتَوْفِيرِ شُرُوطِهِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِمَا الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَأَنْتَ وَكَمَا أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ بِجَرَيَانِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُقِرُّ شُرُوطَهُ فَكَذَلِكَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا ذُكِرَ بِالْأَوْلَى لِجَرَيَانِ الْعَقْدِ بِحَضْرَتِهِ وَاعْتِرَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِأَنَّهُ وَقَعَ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْمُشْتَرِي إذَا أَقَالَهُ الْبَائِعُ فِي أَرْضٍ بَاعَهُ إيَّاهَا وَقَدْ زَرَعَ الْمُشْتَرِي الْأَرْضَ هَلْ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ فِي الْمُدَّةِ بَعْدَ الْفَسْخِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي نَظِيرِهِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ فَإِنْ قُلْت: الْأَرْضُ حَالُ زَرْعِ الْمُشْتَرِي كَانَتْ مِلْكَهُ فَهُوَ لَمْ يَزْرَعْ إلَّا مِلْكَ نَفْسِهِ فَكَيْفَ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ وَقِيَاسُ قَوْلِهِمْ لَوْ بَاعَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِهَا لَزِمَهُ إبْقَاءُ زَرْعِ الْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ لِأَنَّهُ زَرَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ قَبْلَ أَوَانِهِ عَدَمُ الْأُجْرَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ بِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي حَالَ الزَّرْعِ كَانَ غَيْرَ مُسْتَقَرٍّ فَلَمَّا زَالَ رَاعَيْنَا كَوْنَهُ وَضَعَ زَرْعَهُ بِحَقٍّ لِكَوْنِهِ زَرَعَ مِلْكَهُ فَلَمْ يُمَكَّنْ الْبَائِعُ مِنْ الْقَلْعِ.
وَكَوْنُ الْمِلْكِ زَالَ عَنْهُ وَصَارَتْ الْأَرْضُ مِلْكًا لِلْبَائِعِ فَلَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ أُجْرَتَهَا مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ فِيهَا فَكَانَ فِي إبْقَائِهِ بِالْأُجْرَةِ جَمْعٌ بَيْنَ مَصْلَحَتَيْ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ لِوُجُودِ مُسَوِّغِ كُلٍّ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَمَّا زَرْعُ الْبَائِعِ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ الْمُسْتَقَرِّ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي خَيَّرْنَاهُ وَلَمَّا خَيَّرْنَاهُ كَانَ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَفْسَخَ وَيَرْجِعَ إلَى ثَمَنِهِ فَإِذَا اخْتَارَ الْإِجَازَةَ كَانَ مَوْطِنًا لِنَفْسِهِ عَلَى الرِّضَا بِهِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمُشْتَرِي لِلْأُجْرَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ لَا يُوجَدُ نَظِيرُهُ بَلْ ضِدُّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ إحْدَاهُمَا لَا تَلْتَبِسُ بِالْأُخْرَى فَتَأَمَّلْهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ أَرْضٍ فِيهَا بَذْرُ شَجَرٍ بَاعَهَا وَبَذْرَهَا هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ أَوْ لَا كَحَامِلٍ وَحَمْلِهَا؟
(فَأَجَابَ) لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْبَذْرُ بِفَرْدٍ بِالْبَيْعِ وَلَمْ يَدْخُلْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَا يُقَالُ يَصِحُّ فِي الْأَرْضِ
стр. 549
تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ لِأَنَّ شَرْطَ الْقَوْلِ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنْ يَكُونَ مَا فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ مَعْلُومًا حَتَّى يُمْكِنَ التَّوْزِيعُ عَلَيْهِ وَهُنَا الْبَذْرُ مَجْهُولٌ جَهْلًا مُطْلَقًا فَلَا يُمْكِنُ التَّوْزِيعُ عَلَيْهِ فَإِنْ دَخَلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ وَكَانَ ذِكْرُهُ تَأْكِيدًا كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَفَارَقَ بَيْعَ الْحَامِلِ مَعَ حَمْلِهَا بِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُحَقَّقِ الْوُجُودِ فَأَبْطَلَ التَّصْرِيحَ بِهِ وَجَعَلَهُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ جَهَالَةَ الْمَبِيعِ
(وَسُئِلَ) هَلْ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَلَوْ بِشَرْطِ عِتْقِهِ وَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ وَكَذَا الْمُسْتَوْلَدَةُ بِشَرْطِ الْإِعْتَاقِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ صِحَّةُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ بِإِذْنِهِ وَبُطْلَانُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ سَوَاءٌ بِيعَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ أَمْ لَا وَعَلَيْهِ حَمَلُوا حَدِيثَ بَرِيرَةَ ﵂ فَإِنَّهَا كَانَتْ مُكَاتَبَةً وَبِيعَتْ بِإِذْنِهَا وَحَيْثُ صَحَّ بَيْعُهُ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ مِنْ تَفَرُّدِهِ وَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُهُ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ قَبُولَهُ إيَّاهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْإِذْنِ وَامْتَنَعَ بَيْعُ الْمُسْتَوْلَدَةِ وَلَوْ بِشَرْطِ عِتْقِهَا وَبِإِذْنِهَا لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْحُرِّيَّةِ فِيهَا أَقْوَى مِنْهَا فِي الْمُكَاتَبِ.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ تَبَايَعَا وَبَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الْأَشْخَاصِ لِأَسْمَاعِ الْأَصْوَاتِ هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا إلَّا سَمَاعَ كُلِّ كَلَامِ صَاحِبِهِ بَلْ صَرَّحُوا بِصِحَّةِ بَيْعِ الْأَعْمَى وَشِرَائِهِ لِمَا رَآهُ قَبْلَ الْعَمَى وَلِنَفْسِهِ وَبِصِحَّةِ تَبَايُعِ الْغَائِبِينَ نَعَمْ إنْ كَانَ وَرَاءَ الْحَائِلِ جَمَاعَةٌ اُشْتُرِطَ تَسْمِيَةُ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَتَمَيَّزُ مِنْهُمْ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُشْتَرَكَة بَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ وَهِيَ تَحْتَ يَدِ الْآخَرِ فَأَرَادَ قَبْضَهَا وَتَسْلِيمَهَا لِلْمُشْتَرِي أَوْ أَنَّ شَرِيكَهُ يَأْذَنُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَامْتَنَعَ فَهَلْ يَأْذَنُ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَهَلْ يُتَصَوَّرُ الْإِقْبَاضُ مَعَ عَدَمِ إذْنِ الشَّرِيكِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ عَلَيْهِمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحُوا بِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَسْتَبِدُّ بِالْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ لِتَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ تَحْتَ يَدِهِمَا أَوْ يَدِ عَدْلٍ وَحِينَئِذٍ فَيَرْفَعُ شَرِيكَهُ لِلْحَاكِمِ لِيَرْفَعَ يَدَهُ عَنْ حَقِّهِ وَيَأْذَنُ لِلْمُشْتَرِي فِي قَبْضِهِ ثُمَّ يَكُونُ بِيَدِهِمَا مَعًا فَإِنْ امْتَنَعَ نَصَّبَ الْقَاضِي عَدْلًا لِتَكُونَ الْعَيْنُ تَحْتَ يَدِهِ نِيَابَةً عَنْهُمَا ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِقَبْضِهَا لِلْمُشْتَرِي وَحِينَئِذٍ لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ نَعَمْ إنْ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ اُشْتُرِطَ إذْنُهُ.
(وَسُئِلَ) إذَا كَانَ بَيْنَ الْمُبَعَّضِ وَسَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ صَحَّ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ شِرَاؤُهُ لَا ضَمَانُهُ فَمَا الْفَرْقُ؟ ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشِّرَاءَ فِيهِ تَحْصِيلٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَضَرُّرُ السَّيِّدِ بِهِ بِخِلَافِ الضَّمَانِ فَإِنَّ فِيهِ الْتِزَامَ تَغْرِيمٍ رُبَّمَا يَعُودُ عَلَى السَّيِّدِ بِضَرَرٍ، وَهَذَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ لِلرَّافِعِيِّ وَنَقَلُوهُ عَنْهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِجَوَابِهِ وَقَدْ ظَهَرَ جَوَابُهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَالْمُتَآجِرَانِ فِي انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهَلْ يَتَحَالَفَانِ أَوْ يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ نَشَأَ الِاخْتِلَافُ فِي الِانْقِضَاءِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِ الْأَجَلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وَقْتِ الْعَقْدِ تَحَالَفَا وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ابْتِدَائِهِ صَدَقَ مُدَّعِي بَقَائِهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ اخْتَلَفَ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِيمَنْ قَبَضَ مُقَدَّرًا فَقَالَا لَوْ أَقَرَّ بِجَرَيَانِ الْكَيْلِ أَيْ أَوْ الْوَزْنِ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ خِلَافُهُ وَفِي الرَّوْضَةِ لَوْ أَقَرَّ بِإِقْبَاضِ رَهْنٍ وَقَالَ لَمْ يَكُنْ إقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ خَصْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا وَفَصْلًا فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَيْنَ مَا يَقَعُ مِثْلُهُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ فَيُقْبَلُ وَمَا لَا فَلَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَنَاقُضَ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمَا أَوَّلًا لَمْ يُسْمَعُ مِنْهُ خِلَافُهُ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ بِيَمِينِهِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِيَحْلِفَ هُوَ بَلْ لِيَحْلِفَ خَصْمُهُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَحِينَئِذٍ فَيُوَافِقُ هَذَا مَا ذُكِرَ عَنْ الرَّوْضَةِ فِي الرَّهْنِ وَتَفْصِيلُهُمَا الْمَذْكُورُ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُقِرَّ الْقَابِضُ بِوُصُولِ حَقِّهِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ جَرَيَانِ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ كُنْت أَظُنُّ تَمَامَ حَقِّي فَبَانَ نَاقِصًا فَتَعَارَضَ هُنَا أَصْلُ عَدَمِ قَبْضِ الْكُلِّ وَظَاهِرُ عَدَم الْغَلَطِ فَيَصْدُقُ إنْ أَمْكَنَ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ أَنْ يَبْخَسَ بِهِ فِي الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ فَلَا يَصْدُقُ فِي أَنَّ الْعَشَرَةَ تِسْعَةٌ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْبَخْسُ فِيهِ
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَاعَ عَيْنًا مِنْ زَيْدٍ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ لِزَيْدٍ الْمَذْكُورِ قَبْلَ لُزُومِ الْبَيْعِ
стр. 550
بِعْتُكهَا بِعِشْرِينَ فَقَبِلَ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ الثَّانِي وَيَكُونُ فَسْخًا لِلْأَوَّلِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِصِحَّةِ الثَّانِي فَهَلْ يَكُونُ كَإِلْحَاقِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ حَتَّى يَصِيرَ الثَّمَنُ ثَلَاثِينَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بَيْعُ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لَهُ الْمَبِيعُ وَلَوْ لِلْمُشْتَرِي فَسْخٌ وَصَحِيحٌ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فَإِذَا قَبِلَهُ الْمُشْتَرِي صَحَّ قَبُولُهُ وَارْتَفَعَ حُكْمُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْعِشْرُونَ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الْعَقْدُ الثَّانِي وَلَيْسَ ذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ اللُّزُومِ لِأَنَّ صُورَةَ ذَلِكَ أَنَّ الزِّيَادَةَ أُلْحِقَتْ مَعَ تَقْرِيرِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَوَجَبَتْ مَضْمُونَةً إلَيْهِ وَأَمَّا هُنَا فَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ ارْتَفَعَ وَمِنْ لَازِمِ ارْتِفَاعِهِ ارْتِفَاعُ ثَمَنِهِ فَلَمْ يَجِبْ إلَّا ثَمَنُ الثَّانِي لَا غَيْرُهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا قَالَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ بُطْلَانِ بَيْعِ عَبْدَيْهِمَا بِأَلْفٍ أَوْ أَحَدِهِمَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِجَهْلِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَنِ لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ الصِّحَّةَ بِالْحِصَّةِ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ ذَكَرْت هَذَا الْإِشْكَالَ وَجَوَابَهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَعِبَارَتُهُ فَإِنْ قُلْت: يَشْكُلُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ بَلْ وَعَلَى كُلِّ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْحِصَّةَ فِي الْحِلِّ بِالْحِصَّةِ مِنْ الْمُسَمَّى بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهَا قَوْلُهُمْ لَوْ بَاعَا عَبْدَيْهِمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهْلِ بِحِصَّةِ كُلٍّ عِنْد الْعَقْدِ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ تَخْمِينٌ وَهَذَا بِعَيْنِهِ جَارٍ فِيمَا هُنَا إذْ نَحْوُ عَبْدِهِ الَّذِي صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ مَا يُقَابِلُهُ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْعَقْدِ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْجَهْلَ هُنَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ وَهُوَ تَنَازُعٌ لَا إلَى غَايَةٍ لِانْدِفَاعِ الضَّرَرِ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِهِ فِي تِلْكَ فَإِنَّ صِحَّتَهُ فِيهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمَحْذُورُ أَيْ وَلَا يُمْكِنُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهَا إذْ لَا مُوجِبَ لَهُ بَعْدَ فَرْضِ صِحَّتِهِ فِيهِمَا وَهُنَا الْمُوجِبُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ لَا يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِ عَالِمًا بِالْمُفْسِدِ فَلِمَ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْحِلِّ حِينَئِذٍ مَعَ الْجَهْلِ حَالَةَ الْعَقْدِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَوُقُوعِ التَّنَازُعِ بَيْنَهُمَا لَا إلَى غَايَةٍ وَانْقِطَاعِهِ بِقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ جَارٍ فِي الصُّورَتَيْنِ بِلَا فَرْقٍ قُلْت يُفَرَّقُ بِأَنَّ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَرَامِ مِنْهُمَا نَادِرٌ فَأَعْطَوْهُ حُكْمَ الْغَالِبِ مَعَ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْحَرَامِ إعْطَاءً لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمَهُ لَا فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَالُوا بِتَخَلُّفِ عِلَّتِهِمْ فِيهِ لِنُدُورِهِ وَالتَّعَالِيلُ إنَّمَا تُنَاطُ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ فَتَأَمَّلْهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْهُ بِمَا لَفْظُهُ ذَكَرُوا فِي الْبَيْعِ فِيمَا إذَا أَلْحَقَ زِيَادَةَ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ شَرْطٍ أَمْ لَا وَقَالُوا فِي الْوَكِيلِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ إلَّا إذَا أَتَى الْمُوَكِّلُ بِصِيغَةِ إشْهَادٍ كَمَا حَكَى عَنْ الْمَرْعَشِيِّ وَقَوْلِ الْإِرْشَادِ فِي الْوَكَالَةِ فَإِنْ أَمَرَ بِهِ وَجَبَ يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَذَكَرُوا فِيمَا إذَا بَاعَ زَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ شَرْطٍ أَمْ لَا وَفِي الرَّهْنِ فِيمَا إذَا أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ أَنَّهُ يَصِحُّ إلَّا إذَا شَرَطَ تَعْجِيلَ حَقِّهِ.
وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِفَسَادِ الشَّرْطِ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ شَرْطٍ أَمْ لَا وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْكَفَالَةِ مَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ فِي بُطْلَانِهَا فِيمَا إذَا تَكَفَّلَ بِبَدَنِ رَجُلٍ وَشَرَطَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْتِ بِصِيغَةِ شَرْطٍ وَفِي الْوَقْفِ إنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الْوَقْفِ وَأَنْ يَقْضِيَ مِنْهُ دَيْنِهِ أَنَّهُ يَبْطُلُ وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ مَا إذَا أَتَى بِصِيغَةِ إخْبَارٍ وَلَوْ قَالَ وَقَفْت كَذَا وَلِيَ النَّظَرُ هَلْ يَكُونُ كَالشَّرْطِ أَمْ لَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّظَائِرِ وَهَلْ فَرْقٌ فِي الْعُقُودِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خِيَارٌ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلَامِهِ فِيهَا مُتَّصِلًا بِصِيغَةِ الْعَقْدِ فَيَلْزَمُ أَوْ لَا فَلَا يَلْزَمُ أَوْ يُقَالُ إذَا انْفَصَلَ عَنْ صِيغَةِ الْعَقْدِ يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يَطُولَ فَلَا يَلْزَمُ أَوْ لَا يَطُولُ فَيَلْزَمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ تَحْرِيرَ مَا ذَكَرُوهُ فِي إلْحَاقِ نَحْوِ الزِّيَادَةِ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ الشَّرْطِ هُوَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى ذَلِكَ فَاتِّفَاقُهُمَا عَلَيْهِ مُتَضَمِّنٌ لِفَسْخِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ وُجِدَتْ صُورَةُ شَرْطٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الْآخَرُ أَمْ لَا وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا فِي زَمَنِ الْخِيَارِ نَحْوَ زِيَادَةٍ وَلَمْ يُوَافِقْهُ الْآخَرُ عَلَيْهَا لَمْ يَضُرَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِذِكْرِ زِيَادَةٍ صَحِيحَةٍ وَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا الثَّانِي لَمْ يَلْحَقْ وَلَكِنْ لَوْ تَمَادَى الشَّارِطُ وَلَمْ يَفْسَخْ اسْتَمَرَّ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَلَغَتْ الزِّيَادَةُ اهـ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا إنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِالْتِمَاسِ وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ أَوْ الْحَطِّ لَا غَيْرُ
стр. 551
فَظَاهِرٌ وَإِنْ قَالَ لَا أَرْضَى إلَّا أَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ كَذَا أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَرْضَى إلَّا أَنْ يَحُطَّ عَنِّي كَذَا فَفِيهِ نَظَرٌ، فَتَأَمَّلْهُ اهـ قُلْت: مُرَادُ الْإِمَامِ الْأَوَّلُ لِقَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي بَابِ الْخِيَارِ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَسْخُ وَيَحْصُلُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لَا أَبِيعُ حَتَّى يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ وَقَوْلِ الْمُشْتَرِي لَا أَفْعَلُ وَبِقَوْلِ الْمُشْتَرِي لَا أَشْتَرِي حَتَّى يُنْقِصَ الثَّمَنَ، وَقَوْلِ الْبَائِعِ لَا أَفْعَلُ، وَبِطَلَبِ الْبَائِعِ حُلُوله وَالْمُشْتَرِي تَأْجِيله اهـ.
وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ عَلِمْتَ أَنَّ مَا هُنَا لَا يُشْكِلُ عَلَى مَسَائِلِ الشَّرْطِ الْآتِيَةِ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ هُنَا غَيْرُ الْمَلْحَظِ ثَمَّ لِمَا عَرَفْتَ أَنَّهُمَا إنْ تَوَافَقَا عَلَى نَحْوِ الزِّيَادَةِ تَضَمَّنَ ذَلِكَ فَسْخَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَإِنْشَاءَ عَقْدٍ ثَانٍ وَإِنْ لَمْ يَتَوَافَقَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ بَاقِيًا بِحَالِهِ مَا لَمْ يَقُلْ لَا أَرْضَى إلَّا بِزِيَادَةِ كَذَا مَثَلًا لِتَضَمُّنِ هَذَا مِنْهُ فَسْخَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ جَائِزٌ لَهُ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْخِيَارَ لَهُمَا، وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي صُورَةِ الْوَكِيلِ أَنَّ مَنْ وَكَّلَ فِي بَيْعٍ بِشَرْطِ الْإِشْهَادِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ إلَّا إنْ وُجِدَ الْإِشْهَادُ ثُمَّ صُورَةُ شَرْطِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَرْعَشِيُّ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ وَارْتَضَاهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْ بِشَرْطِ أَنْ تُشْهِدَ أَوْ عَلَى أَنْ تُشْهِدَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَهُ بِعْ وَأَشْهِدْ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ الْإِشْهَادُ حِينَئِذٍ شَرْطًا، وَكَلَامُ الرَّوْضَةِ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لَلْوَكِيلِ لَا تُزَوِّجْهَا إلَّا بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ بِالصَّدَاقِ لَزِمَ الْوَكِيلَ الِاشْتِرَاطُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ أَوْ زَوِّجْهَا بِكَذَا وَخُذْ بِهِ كَفِيلًا فَزَوَّجَهَا بِلَا شَرْطٍ صَحَّ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَمْرَيْنِ امْتَثَلَ أَحَدَهُمَا اهـ.
وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَلْحَظَ الْوَكَالَةِ غَيْرُ مَلْحَظِ صُوَرِ الشَّرْطِ الْآتِيَةِ أَيْضًا وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ بِأَمْرَيْنِ فَإِنْ جَعَلَ أَحَدَهُمَا شَرْطًا فِي الْآخَرِ أَوْ كَانَ الثَّانِي لَا يُوجَدُ مُسْتَقِلًّا وَإِنَّمَا يُوجَدُ تَابِعًا لِلْأَوَّلِ كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الْآخَرِ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدَهُمَا شَرْطًا كَذَلِكَ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِهِمَا فَقَطْ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَلْزَمُهُ امْتِثَالُ جَمِيعِ أَوَامِرِ مُوَكِّلِهِ الْخَالِيَةِ عَنْ الِاشْتِرَاطِ وَكَلَامُ الْإِرْشَادِ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ عَيْنُ الشِّقِّ الثَّانِي لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُوَكِّل إذَا أَمَرَ وَكِيلَهُ بِالْبَيْعِ وَأَنْ يَشْرِطَ الْخِيَارَ فِيهِ لِفُلَانٍ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ بَيْعِهِ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ لِفُلَانٍ وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ بِعْ وَأَشْهِدْ وَبَيْنَ بِعْ وَاشْتَرِطْ الْخِيَار لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَصِحُّ بَيْعُهُ الْخَالِي عَنْ الْإِشْهَادِ وَفِي الثَّانِي لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ الْخَالِي عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ.
وَإِيضَاحُ الْفَرْقِ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْبَيْعِ أَمْرٌ مُسْتَقِلٌّ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ بِهِمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا شَرْطٌ فِي الْآخَرِ بِخِلَافِ شَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ تَابِعًا لِلْبَيْعِ دَائِمًا فَلَزِمَ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ بِهِ مَعَ الْبَيْعِ تَوَقُّفُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ قُلْت: كُلٌّ مِنْهُمَا سَوَاءٌ فِي اسْتِثْنَاءِ جَوَازِهِمَا لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَالْإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ وَالْخِيَارِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا تَابِعٌ لِلْبَيْعِ وَكَمَا يُوجَدُ الْإِشْهَادُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ كَذَلِكَ الْخِيَارُ يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ قُلْت: هُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي ذَلِكَ لَكِنْ تَمَيَّزَ الْخِيَارُ بِأَنَّ جِنْسَهُ مِنْ لَوَازِمِ الْبَيْعِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُ عَنْهَا وَثُبُوتُهُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا كَذَلِكَ الْإِشْهَادُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِيَارَ أَلْصَقُ بِالْبَيْعِ مِنْ الْإِشْهَادِ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ عَنْ الْإِشْهَادِ بِلُزُومِهِ بِالْأَمْرِ كَمَا تَقَرَّرَ.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ بِعْ وَأَشْهِدْ وَبِعْتُك وَاحْصُدْهُ إذْ هَذَا يَتَضَمَّنُ الِاشْتِرَاطَ دُون الْأَوَّلِ قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِمَا يَأْتِي لِأَنَّ إيقَاعَ هَذَا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الْوَعْدِ إلَى حَيِّزِ الِاشْتِرَاطِ بِخِلَافِ وَأَشْهِدْ فَإِنَّهُ وَقَعَ أَمْرًا مُجَرَّدًا غَيْرَ وَاقِعٍ فِي صُلْبٍ عَقْدٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ فَلَمْ يَحْتَفِ بِهِ مَا يَصْرِفُهُ إلَى الِاشْتِرَاطِ وَيُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ مِنْ كَوْنِهِ أَمْرًا مُجَرَّدًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَاحْصُدْهُ اقْتَرَنَ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ بِخِلَافِ وَأَشْهِدْ وَهَذَا ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَصُورَةُ الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ فِي سَائِرِ صُوَرِهِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك أَوْ اشْتَرَيْت مِنْك بِشَرْطِ كَذَا أَوْ عَلَى كَذَا أَوْ وَافْعَلْ كَذَا أَوْ تَفْعَلْ كَذَا بِالْإِخْبَارِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَسَوَاءٌ قَالَ بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَحْصُدَهُ أَوْ وَتَحْصُدَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لَا يَصِحُّ الْأَوَّلُ قَطْعًا وَفِي الثَّانِي طَرِيقَانِ اهـ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ نَحْصُدُهُ يَنْبَغِي قِرَاءَتُهُ
стр. 552
بِالنُّونِ لِيَصِحَّ الْمَعْنَى أَمَّا قِرَاءَتُهُ بِالتَّاءِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْحَصْدَ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ شَرْطُهُ عَلَيْهِ فَاسِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: وَأَحْصُدُهُ أَنَا أَوْ وَنَحْصُدُهُ نَحْنُ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ لِمُخَالِفَتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَأَبْطَلَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ وَاحْصُدْهُ لَيْسَ شَرْطًا وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَيُوَافِقُهُ تَسْوِيَتُهُمْ بَيْنَ بِعْتُك هَذِهِ النَّخْلَةَ بِشَرْطِ أَنَّ ثَمَرَتَهَا لَك وَبِعْتُك وَثَمَرَتُهَا لَك وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ نَحْوَ بِعْتُك وَأَقْرَضْتُك أَوْ اشْتَرَيْت مِنْك وَاقْتَرَضْتُكَ بَاطِلٌ مِثْلَ وَتُقْرِضُنِي وَعَلَيْهِ فَيُوَجَّهُ بِأَنَّ إيقَاعَهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ يُفْهِمُ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حَيِّزِ الْوَعْدِ إلَى حَيِّزِ الِاشْتِرَاطِ، قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَلَوْ بَاعَ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ يَحُطَّ مِنْهَا دِرْهَمًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعَةٍ أَوْ أَنْ يَهَبَهُ مِنْهَا دِرْهَمًا فَلَا وَهَذَا أَيْ الْأَوَّلُ إذَا قُلْنَا إنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ اهـ.
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ فِي الْإِبْرَاءِ بِالْإِسْقَاطِ وَلَا بِالتَّمْلِيكِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْفُرُوعِ وَالْمَدَارِكِ وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْحَطِّ أَوْ الْإِبْرَاءِ عَلَيْهِ اشْتِرَاطٌ لِمَا فِيهِ مِنْ شَائِبَةِ عَقْدٍ قَوِيَّةٍ فَآثَرْت الْفَسَادَ كَالْهِبَةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ تِسْعَةٍ كَمَا زَعَمَهُ نَعَمْ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّعْبِيرِ عَنْ عَشَرَةٍ فَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ حِينَئِذٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَسْقُطَ مِنْهَا دِرْهَمٌ، وَمَرَّ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ صَاعًا هِبَةً أَوْ بَيْعًا لَمْ يَصِحَّ وَاسْتُشْكِلَ بِمَا لَوْ أَقْرَضَهُ عَشَرَةً عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ عَشَرَةً، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ فِي صُورَةِ الْقَرْضِ بِخِلَافِهِ هُنَا وَفِي ذَلِكَ إشْكَالًا وَجَوَابًا نَظَرُوا لِقِيَاسِ بُطْلَانِ الْقَرْضِ بِهَذَا الشَّرْطِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ الْآتِي أَوَاخِرَ بَابِ الْقَرْضِ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِقَوْلِي وَعَلَيْهِ فَيُوَجَّهُ بِأَنَّ إيقَاعَهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ يُفْهِمُ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حَيِّزِ الْوَعْدِ إلَى حَيِّزِ الِاشْتِرَاطِ يُعْلِمُ سِرَّ كَوْنِهِمْ جَعَلُوا قَوْلَهُ " وَأَحْصُدُهُ أَوْ وَنَحْصُدُهُ " الَّذِي هُوَ إخْبَارٌ مَحْضٌ مِثْلَ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَمَّا وَسَّطَهُ بَيْنَ طَرَفَيْ الْعَقْدِ أَوْ الصِّفَةِ بِالظَّرْفِ الْمُتَأَخِّرِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مُتَضَمِّنًا لِلشَّرْطِيَّةِ فَهُوَ إخْبَارٌ مُرَادٌ بِهِ الْإِنْشَاءُ بِحَسَبِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ فَآثَرَ الْفَسَادَ فَعُلِمَ اتِّضَاحُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ بِعْ وَأَشْهِدْ.
إذْ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الِاشْتِرَاطِ لِمَا مَرَّ فِيهِ مُوَضَّحًا إذْ هُوَ مُجَرَّدُ أَمْرٍ بِشَيْئَيْنِ امْتَثَلَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الرَّهْنِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ بِشَرْطِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَلَا أَثَرَ لِقَصْدِهِ وَلَا لِتَلَفُّظِهِ بِهِ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الشَّرْطِ كَأَذِنْتُ لَك فِي بَيْعِهِ لِتَعَجُّلٍ وَأَطْلَقَ فَيَصِحُّ الْإِذْنُ وَالْبَيْعُ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى بِهِ الِاشْتِرَاطَ عَلَى مَا بَحَثَهُ السُّبْكِيّ وَرَدَّ الزَّرْكَشِيُّ لَهُ بِأَنَّهُ كَمَا لَوْ نَكَحَ بِشَرْطِ إذَا وَطِئَ طَلَّقَ يَبْطُلُ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَنَوَاهُ صَحَّ ذِكْرُهُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ مُجَرَّد نِيَّةٍ وَاَلَّذِي فِي ذَاكَ لَفْظٌ مَعَ نِيَّةٍ وَهُوَ أَقْوَى، وَيَتَّجِهُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ أَيْ: بَيْعُ الْوَكِيلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ مِنْ أَنَّ " عَلَى أَنْ تَجْعَلَ " كَالشَّرْطِ بِخِلَافِ وَتَجْعَل انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُور وَبِقَوْلِي فِيهَا وَيَتَّجِهُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا إلَخْ يُعْلَمُ أَنَّ مَلْحَظَ مَا ذَكَرُوهُ فِي الرَّهْنِ هُوَ مَلْحَظُ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ فَلَا يَشْكُلُ عَلَى مَا مَرَّ فِي صُوَرِ شَرْطِ الْبَيْعِ الْمُفْسِدِ وَبِمَا قَرَّرْته فِيهَا عَنْ السُّبْكِيّ وَالزَّرْكَشِيِّ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي نِيَّةِ الشَّرْطِ.
وَأَمَّا لَفْظُهُ فَمُبْطِلٌ بِلَا خِلَافٍ يُعْلَمُ انْدِفَاع قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ بَلْ بَيَّنُوا ذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْكَفَالَةِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَفَسَدَتْ الْكَفَالَةُ إنْ شَرَطَ فِي عَقْدِهَا الْغُرْم عِنْدَ تَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِإِنْ قَالَ كَفَلْت بَدَنَهُ بِشَرْطِ الْغُرْمِ أَوْ عَلَى أَنِّي أَغْرَمُ أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَاهَا وَفَسَدَ أَيْضًا الْتِزَامُ الْمَالِ لِأَنَّهُ صَيَّرَ الضَّمَانَ مُعَلَّقًا أَمَّا كَفَلْت بَدَنَهُ فَإِنْ مَاتَ فَعَلَيَّ الْمَالُ فَإِنَّ الَّذِي يَفْسُدُ الْتِزَامُ الْمَالِ فَقَطْ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَمَحَلُّهُ مَا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الشَّرْطَ أَمَّا إذَا أَرَادَ فَإِنْ وَافَقَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ أَيْضًا وَإِلَّا رَجَعَ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي دَعْوَى الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَيَصْدُقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ ثُمَّ قُلْت: فِيهِ لَا بِصِيغَةِ وَعْدٍ كَقَوْلِهِ أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ أَوْ الْمَالَ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا تُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ وَلِأَنَّ الْوَعْدَ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ نَعَمْ إنَّ صَحِبَهُ قَرِينَةُ الْتِزَامٍ صَحَّ كَمَا بَحَثَهُ فِي الْمَطْلَبِ وَأَيَّدَهُ السُّبْكِيّ بِكَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرِهِ
стр. 553
وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَ الْقَرِينَةِ صَرِيحٌ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ يُشْبِهُ أَنَّهُ كِتَابَةٌ وَأَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِمَا لَوْ قَالَ دَارِي لِزَيْدٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ إلَّا إنْ قَصَدَ بِالْإِضَافَةِ كَوْنَهَا مَعْرُوفَةً بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِي التَّأْيِيدِ بِذَلِكَ نَظَرٌ وَالْأَوْلَى تَأْيِيدُهُ بِأَنَّ الصَّرَاحَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الْقَرَائِنِ كَمَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ الِاشْتِهَارِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَكَالْقَرِينَةِ نِيَّةُ الِالْتِزَامِ كَمَا أَخَذَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِمَّا لَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أُطَلِّقُ وَأَرَادَتْ بِهِ الْإِنْشَاءَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ حَالًا وَلَا يُنَافِيه الْقَوْلُ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ لِلْحَالِ أَيْ: لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِهَا فِي الْمَحَلَّيْنِ الْكَفَالَةُ وَالضَّمَانُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالشَّرْطِ مَا لَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تَغْرَمَ أَوْ نَحْوَهُ كَعَلَى أَنْ أَغْرَمُ وَكَذَا لَوْ قَالَ وَأَغْرَمُ أَنَا وَنَوَى بِهِ الشَّرْطَ وَوَافَقَهُ الْآخَرُ " وَإِلَّا صُدِّقَ " مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَأَنَّ قِيَامَ الْقَرِينَةِ كَنِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ وَبِهَذَا كُلِّهِ يُعْلَمُ رَدُّ إطْلَاقِ قَوْلِ السَّائِلِ وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْكَفَالَةِ مَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ. إلَخْ.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا تَقَرَّرَ فِي الْكَفَالَةِ وَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ قُلْت: الْفَرْقُ هُنَا نَظِيرُ مَا مَرَّ أَنَّ إيقَاعَ وَتَحْصُدُهُ فِي صُلْبِ عَقْدٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ صَيَّرَهُ كَالْجُزْءِ مِنْ الصِّيغَةِ فَآثَرَ فَسَادَهَا مُطْلَقًا وَأَمَّا الْكَفَالَةُ وَالضَّمَانُ فَلَيْسَ فِيهِمَا عَقْدٌ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرَفِ الْكَفِيلِ أَوْ الضَّامِنِ فَقَطْ فَاغْتَفَرُوا فِيهِ مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهُ أَكْثَر وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْكَفَالَةَ أَشْبَهَتْ الرَّهْنَ وَبَيْعَ الْوَكِيلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ فِيمَا مَرَّ فِيهِمَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا لَفْظٌ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ فَتَقَارَبَتْ أَحْكَامُهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ فِيهِ لَفْظَيْنِ مِنْ طَرَفَيْنِ فَكَانَ وُقُوعُ نَحْوِ اُحْصُدْهُ بَيْنهمَا قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّهُ لِلشَّرْطِ فَأَبْطَلَهُ لِمَا مَرَّ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ مَا لَا يُحْتَاطُ فِي غَيْرِهِ وَتَحْرِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَقْفِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِشَرْطِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ كَأَنْ وَقَفَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُمْ مِنْ رِيعِهِ وَلَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ كَأَنْ وَقَفَ عَيْنًا بِشَرْطِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا.
ثُمَّ قُلْت: وَقَوْلُ عُثْمَانَ ﵁ فِي وَقْفِهِ بِئْرَ رُومَةَ: دَلْوِي فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ شَرْطًا بَلْ إخْبَارٌ بِأَنَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِوَقْفِهِ الْعَامِّ ثُمَّ قُلْت: مَا حَاصِلُهُ وَيَتْبَعُ شَرْطَهُ فِي نَظَرٍ عَلَى الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ كَمَا يَتْبَعُ فِي مَصَارِفِهِ وَحَيْثُ شَرَطَ النَّظَرَ لِغَيْرِهِ حَالَ الْوَقْفِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظَرٌ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلٌ مِنْ شَرْطِ نَظَرِهِ حَالَ الْوَقْفِ وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ وَلَا نَظَرَ لِتَفْوِيضِ النَّظَرِ أَوْ التَّدْرِيسِ حَالَةَ الْوَقْفِ كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِعَدَمِ صِيغَةِ الشَّرْطِ خِلَافًا لِلْبَغَوِيِّ حَيْثُ أَلْحَقَهُ بِالشَّرْطِ وَلَا فَرْقَ فِي الشَّرْطِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ وَقَفْتُ وَشَرَطْت أَنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُدَرِّسًا أَوْ وَقَفْت بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُدَرِّسًا كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَاعْتِرَاضُ الْمُصَنِّفِ كَالْإِسْنَوِيِّ الثَّانِي بِأَنَّ زَيْدًا قَدْ يَقْبَلُ وَقَدْ لَا يَقْبَلُ فَتَكُونُ الصِّيغَةُ مُفْسِدَة لِأَصْلِ الْوَقْفِ مِنْ أَجْلِ التَّعْلِيقِ مَرْدُودٍ بِأَنَّ الْبَاءَ فِي بِشَرْطِهِ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ وَقْفًا مُلْتَبِسًا بِهَذَا الشَّرْطِ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ لَا لِلتَّعْلِيقِ وَفَارَقَ وَقَفْت وَشَرَطْت وَفَوَّضْت بِأَنَّ فَوَّضْت جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْأُولَى.
فَكَانَتْ وَاقِعَةً بَعْدَ لُزُومِ الْأُولَى لِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَعَدَمِ ارْتِبَاطِهِ بِالْآخَرِ فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ التَّفْوِيضِ الْوَاقِعِ حَالَ الْوَقْفِ وَبَعْدَهُ لِذَلِكَ بِخِلَافِ وَقَفْت وَشَرَطْت لِأَنَّ شَرَطْت مِنْ تَتِمَّاتِ مَا قَبْلهَا أَيْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَصْدَ تَقْيِيدُهُ بِمَا فِي حَيِّزِهَا وَفَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ مَا يَقَعُ تَقْيِيدًا لِمَا قَبْلَهُ وَمَا يَقَعُ مُقَيِّدًا لِمَا قَبْلَهُ فَكَانَتْ أَيْ شُرِطَتْ مُقَيِّدَةً لَهُ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهَا قَالَ السُّبْكِيّ وَمُوَرِّقُو كُتُبِ الْأَوْقَافِ تَارَةً يَقُولُونَ وَشَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِفُلَانٍ وَتَارَةً يَقُولُونَ وَجَعَلَ النَّظَرَ لِفُلَانٍ وَيَفْهَمُونَ مِنْهُمَا مَعْنًى وَاحِدًا وَهُوَ الِاشْتِرَاطُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ إذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِي ضِمْنِ الْكِتَابِ وَيُشْهِد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ وَمَا أَشْبَهَهُ حَتَّى لَوْ قَالَ فِي الْكِتَابِ وَبَعْد تَمَامِ الْوَقْفِ وَجَعَلَ النَّظَرَ لِفُلَانٍ أَوْ شَرَطَهُ لَهُ لَمْ يَصِحَّ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أَوْرَدَ الْوَقْفَ عَلَى صِفَةٍ دَلَّ عَلَيْهَا بِصِيغَةِ الشَّرْطِ أَوْ الْجُعْلِ أَوْ التَّفْوِيضِ أَوْ غَيْرِهَا لَزِمَ جَمِيعُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ الَّذِي أَوْرَدَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْرَدَ الْوَقْفَ وَحْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ تِلْكَ الشُّرُوطَ مُتَرَاخِيَةً أَوْ مُتَعَاقِبَةً فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُ وَلَا تَصِحُّ وَفِي إطْلَاقِهِ ذَلِكَ نَظَرٌ
стр. 554
يُتَلَقَّى مِمَّا مَرَّ فِي وَقَفْت وَشَرَطْت وَيُجَابُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ فِي عِبَارَاتِ الْأَوْقَافِ الْمُحْتَمَلَةِ لِصُدُورِهَا مِنْ الْوَاقِفِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فَاحْتِيطَ لَهَا بِمَا ذُكِرَ وَمَا مَرَّ إنَّمَا هُوَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ الْمُحَقِّقِ فَعَمَل بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ الْغَرَضُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ سَائِرَ شُرُوطِ الْوَاقِفِ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا إنْ كَانَتْ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ أَوْ مُرَادِفِهِ كَوَقَفْت كَذَا عَلَى أَنْ آكُلَ مِنْهُ أَوْ عَلَى أَنْ أَكُونَ نَاظِرَهُ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُؤَجَّرَ وَكَذَا كُلُّ صِفَةٍ أَوْرَدَ الْوَقْفَ عَلَيْهَا وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِخِلَافِ مَا لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ شَرْطٍ وَلَا مُرَادِفِهِ وَلَا أَوْرَدَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَغْوًا لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْبُطْلَانِ وَلَا فِي الصِّحَّةِ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ رَدُّ قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ مَا إذَا أَتَى بِصِيغَةِ إخْبَارٍ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَرَ كَلَامَ السُّبْكِيّ وَغَيْرَهُ مِمَّا ذُكِرَ الْمَعْلُومُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ وَقَفْت كَذَا وَلِيَ النَّظَرُ لَا يُفِيدُ الشَّرْطِيَّةَ لِأَنَّهُ ذُكِرَ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ بِشَيْءٍ نَعَمْ إنْ نَوَى بِهِ الِاشْتِرَاطَ احْتَمَلَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي كَلَامِهِمْ فِي الضَّمَانِ وَغَيْرِهِ وَاحْتَمَلَ الْفَرْقَ بِأَنَّهُ بِتَمَامِ قَوْلِهِ وَقَفْت انْقَطَعَ حَقُّهُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ تَصَرُّفٌ بِوَجْهٍ حَتَّى يُقْبَلَ قَوْلُهُ إنْ نَوَى بِمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ الشَّرْطِيَّةَ وَهَذَا أَقْرَبُ وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ فِي الْوَقْفِ وَمَا قَبْلَهُ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَبْوَابَ لَهَا مَلَاحِظُ مُخْتَلِفَةٌ يَحْتَاجُ إدْرَاكُهَا إلَى مَزِيدِ تَأَمُّلٍ وَمُرَاجَعَةٍ لِمَدَارِكِهِمْ وَعِلَلِهِمْ وَمَحَطِّ نَظَرِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَإِنْ تَرَدَّدَ السَّائِلُ بَيْنَ الْعَقْدِ الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ فَيَلْزَمُ مَا اتَّصَلَ بِصِيغَةِ عَقْدِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا وَإِنْ أَطَالَ الْفَصْلَ بِرَدِّهِ مَا تَقَرَّرَ فِي الْوَقْفِ فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ فِيهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَعْمَلُ بِمَا اتَّصَلَ بِعَقْدِهِ كَمَا تَقَرَّرَ عَنْ السُّبْكِيّ
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ مَا حُكْمُ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ أَهْلِ مِلِيبَارَ فِي الْبَيْعِ وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ بَيْعًا إلَّا بِهَا فَهَلْ يُعَامَلُ ذَلِكَ مُعَامَلَةَ لَفْظِ الْبَيْعِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْبَيْعِ صَرِيحَةً فِيهِ أَصْلًا وَكَذَا لَا تَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ إلَّا إنْ احْتَمَلَتْهُ وَلَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِعَقْدٍ آخَرَ يَجِدُ نَفَاذًا لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ وَلَوْ بَيَّنَ السَّائِل تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لَكَانَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا بِأَعْيَانِهَا أَظْهَرَ مِنْهُ عَلَيْهَا إجْمَالًا إذْ شَتَّانَ مَا بَيْنَ التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ فَإِنَّ السَّائِلَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْزِلَ هَذَا الْإِجْمَالَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ إلَّا إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَلَكَةٌ عِلْمِيَّةٌ يَهْتَدِي بِهَا إلَى حَقَائِقِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَحَقَائِقِ فَهْمِ مَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ فِي نَظَائِرِهَا أَوْ فِي مُرَادَفَاتِهَا.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ قَوْلُهُمْ يَجُوزُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ مُشْكِلٌ جِدًّا لِأَنَّهُ إلَّا لَمْ يُجَدِّدْ عَقَدًا فَلَا بَيْعَ وَلَا ثَمَنَ وَإِنْ جَدَّدَ لَمْ تَكُنْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ هُنَا عَلَى التَّرَاضِي لِيَقُومَ مَقَامَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَالْجَوَابُ إنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِالْمُعَاطَاةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَلَامُهُمْ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ يَدْفَعُهُ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْخِيَارَ مَجْلِسًا وَزَمَنًا مَا بَقِيَ يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ وَيَجْعَلُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الزَّمَنِ بِمَنْزِلَةِ حَرِيمِهِ وَلِذَا كَانَ اشْتِرَاطُ شَرْطٍ فَاسِدٍ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ فِي صُلْبِهِ إذْ حَرِيمُ الشَّيْءِ مُلْحَقٌ بِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَزِيَادَةُ أَحَدِهِمَا فِي الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ مَعَ رِضَا الْآخَرِ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الزِّيَادَةِ الْوَاقِعَةِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فِي لُزُومِهَا مِنْ غَيْرِ إنْشَاءِ عَقْدٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْحَرِيمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِعِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ هُنَا إلَيَّ إيجَابٍ وَقَبُولٍ وَلَا انْعِقَادَ هُنَا بِمُعَاطَاةٍ وَإِنَّمَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ زَمَنَ جَوَازِ الْعَقْدِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ زَمَنِهِ فِيمَا بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِجَامِعِ عَدَمِ لُزُومِ الْعَقْدِ فِي كُلٍّ فَكَمَا أَنَّ لِلْمُوجِبِ بَعْدَ إيجَابِهِ أَنْ يُزِيدَ وَيُنْقِصَ وَيَكُون الْقَبُولُ لِهَذَا الْأَخِيرِ دُونَ الْأَوَّلِ لِنَسْخِهِ بِهِ فَكَذَلِكَ لِكُلِّ مَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ لُزُومِهِ إلْحَاق الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ إنْ رَضِيَ الْآخَرُ وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ الزِّيَادَةِ مَعَ الرِّضَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 555
[بَابُ مُعَامَلَةِ الْعَبِيدِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ فِي رَقِيقٍ اُسْتُوْدِعَ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَأَتْلَفَهُ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهِ أَوْ رَقَبَتِهِ وَفِيمَا لَوْ جَاءَ أَيْضًا إلَى شَخْصٍ وَقَالَ أَرْسَلَنِي سَيِّدِي لِتُعْطِيَنِي ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِك حَتَّى يَرَاهُ لِيَشْتَرِيَهُ فَصَدَّقَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَأَتْلَفَهُ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ الْغُرْمُ أَيْضًا بِذِمَّتِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ فَإِنْ قُلْتُمْ يَتَعَلَّقُ الْغُرْمُ بِرَقَبَتِهِ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي الْأَوَّلِ وَقَاسَ عَلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الثَّانِيَةَ فَهُوَ مُشْكِلٌ بِقَوْلِهِمْ لَوْ اشْتَرَى أَوْ اقْتَرَضَ بِلَا إذْنٍ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ أَتْلَفَهُ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ فَيُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِرِضَا مُسْتَحِقِّهِ وَلَمْ يَأْذَنْ وَبِقَوْلِهِمْ ضَابِطُ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّقِيقِ أَنَّهَا إنْ ثَبَتَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ أَرْبَابِهَا كَإِتْلَافٍ وَتَلَفٍ بِغَصْبٍ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِاخْتِيَارِهِمْ كَمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ وَكَسْبِهِ وَمَالِ تِجَارَتِهِ وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الِاسْتِيدَاعِ اُسْتُوْدِعَ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ وَفِي صُورَةِ التَّصْدِيقِ فِي الْإِرْسَالِ دَفَعَ بِرِضَاهُ أَيْضًا فَالْقَصْدُ مَا يَحِلُّ هَذَا الْإِشْكَالَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَحِلُّ الْإِشْكَالَ الْمَذْكُورَ أَنَّ الْمَالِكَ تَارَةً يَصْدُرُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ مِنْهُ لَهُ فِي الْإِتْلَافِ بِعِوَضٍ فِي مُقَابَلَتِهِ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَدْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهَا وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ فِي التَّعَلُّقِ بِالرَّقَبَةِ بِوَجْهٍ فَعَامَلْنَاهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَصَرُّفُهُ وَتَارَةً لَا يَصْدُرُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إمَّا بِأَنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا فِي إتْلَافٍ الْقِنِّ مَالَهُ مَجَّانًا أَوْ صَدَرَ مِنْهُ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ مِنْهُ لَهُ فِي الْإِتْلَافِ كَاسْتِيدَاعِهِ إيَّاهُ وَمَا قِيسَ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ عَنْ الْقَاضِي فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْمَالِكِ مَا يَدُلُّ عَلَى إذْنٍ مِنْهُ فِي إتْلَافِهِمَا لَا فِي مُقَابِلٍ وَلَا فِي غَيْرِ مُقَابِلٍ وَإِنَّمَا الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ الرِّضَا بِوَضْعِ الْقِنِّ يَدَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى ظَنِّهِ أَمَانَتُهُ وَهَذَا مُقْتَضٍ لِحِفْظِ الْعَيْنِ وَلِرَدِّهَا كَمَا هِيَ عَلَى مَالِكِهَا فَإِذَا أَتْلَفَهَا الْقِنُّ حِينَئِذٍ تَعَلَّقَ بَدَلُهَا بِرَقَبَتِهِ لِأَنَّهُ جَانٍ عَلَيْهَا وَقَدْ نَقُولُ إنَّ بَدَلَ الْجِنَايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ وَزَالَ الْإِشْكَالُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْإِشْكَالِ مِنْ مَزِيدِ الْخَفَاءِ مَا يُوجِبُ اسْتِعْظَامَهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ يَخْدِمُونَ أَرْبَابَ الْوِلَايَاتِ وَيُعْلَمُ رِقُّهُمْ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ مَا الْحُكْمُ فِي تَصَرُّفِهِمْ وَإِنْكَاحِهِمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَتَى عُلِمَ رِقُّ قِنٍّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مُعَامَلَتُهُ وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ حَتَّى يُعْلَمَ أَوْ يُظَنَّ إذْنُ سَيِّدِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لِفُلَانٍ وَأَعْتَقَهُ فَهَلْ تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ وَلَا نِكَاحُهُ حَتَّى يُعْلَمَ عِتْقُهُ أَوْ إذْنُ السَّيِّدِ لَهُ وَقَدْ أَفْتَى الْبَغَوِيّ فِيمَنْ أَقَرَّ لِسَاكِتٍ بِالرِّقِّ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِحُرِّيَّتِهِ لَا يُحْكَمُ بِهَا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُقِرُّ لَهُ حَاضِرًا أَمْ غَائِبًا لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِهَا ظَاهِرًا وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِ نَفْسِهِ نَعَمْ إنْ شَهِدَا بِأَنَّ الْمُقِرَّ لَهُ أَعْتَقَهُ قَبْلًا وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُقِرًّا بِالرِّقِّ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الْعِتْقِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الرِّقِّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ السَّلَمِ]
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ قَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تَعْمَلُ لِي غِرَارَتَيْنِ مِنْ غَسُولٍ بِخَمْسِينَ نِصْفِ فِضَّةٍ فَقَالَ لَهَا نَعَمْ وَقَبَضَ مِنْهَا الْخَمْسِينَ وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا تَبَايُعٌ ثُمَّ مَاتَتْ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ أَخْذُ الْغَسُولِ أَوْ الدَّرَاهِمِ؟
(فَأَجَابَ) لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ إلَّا الْخَمْسُونَ نِصْفًا الَّتِي قَبَضَهَا مِنْ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ عَقَدَ مَعَهَا عَقْدًا كَبَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ صَحِيحٍ فِي غِرَارَتَيْنِ مِنْ الْغَسُولِ أَمَّا السَّلَمُ فِي الْغَسُولِ فَغَيْرُ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ أَسْلَمَ سَلَمًا شَرْعِيًّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فِي حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَجَعَلَ الْأَجَلَ سَلْخَ صَفَر هَذَا الْعَامِ وَجَعَلَ مَكَانَ التَّسْلِيمِ بَنْدَرَ جُدَّةَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَصِحُّ السَّلَمُ وَتُحْمَلُ لَفْظَةُ الْبَنْدَرِ عَلَى الْمَرْسَى وَتَكُونُ مُؤْنَةُ الْحَمْلِ مِنْ الْمَرْسَى إلَى شَاطِئِ الْبَنْدَرِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَوْ تُحْمَلُ لَفْظَةُ الْبَنْدَرِ عَلَى شَاطِئِ السَّاحِلِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَنَّ الْبَنْدَرَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ فَيَصِحُّ فَتَكُونُ مُؤْنَةُ الْحَمْلِ مِنْ الْمَرْسَى إلَى شَاطِئِ الْبَنْدَرِ مِنْ تَتِمَّةِ التَّسْلِيمِ فَتَجِبُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ قِيَاسًا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَنْتَهِي سَفَرُهُ إلَّا بِبُلُوغِهِ شَاطِئِ الْبَنْدَرِ أَوْ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ رَأْسًا لِلسُّكُوتِ عَنْ بَيَانِ مَكَانِ التَّسْلِيمِ وَإِذَا قُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ لِأَحَدِ الشِّقَّيْنِ
стр. 556
وَتَعَرَّضَ مُنْتَسِبٌ إلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَأَفْتَى بِالْبُطْلَانِ وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ لِلْجَهْلِ بِمَكَانِ التَّسْلِيم فَهَلْ يَأْثَمُ عَلَى ذَلِكَ لِاقْتِحَامِهِ الْبَاطِلَ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ مَنْعُهُ وَأَمْثَالَهُ مِنْ ذَلِكَ وَتَعْزِيرِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ زَجْرًا وَمَنْعًا لَهُ مِنْ الْعُودِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
وَهَلْ يَكُونُ تَعْزِيرُهُ بِالْأَشَدِّ لِعَظْمِ الْجَرَاءَةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَبِالْأَخَفِّ لِخِفَّةِ الْجَرِيمَةِ وَهَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ التَّهْدِيدُ عَلَى الرُّجُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ فِي آخَرِ الزَّمَانِ؟
(فَأَجَابَ) إذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِأَنَّ الْبَنْدَرَ اسْمَ الْمَحَلِّ مَخْصُوصٌ صَحَّ السَّلَمُ وَلَزِمَ الْمُسَلِّمَ إلَيْهِ حَمْلُ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَجَمِيعِ مُؤْنَتِهِ إلَى أَنْ يَصِلَ بِهِ إلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَإِنْ لَمْ يَطَّرِدْ الْعُرْفُ بِذَلِكَ بِأَنْ كَانَ تَارَةً يُطْلَقُ عَلَى الشَّاطِئِ وَتَارَةً يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْسَى لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ حِينَئِذٍ وَمَنْ أَطْلَقَ الْبُطْلَانَ فِي ذَلِكَ لَمْ يُصِبْ ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَأَهِّلًا لِلْإِفْتَاءِ حُرِّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَرَّأَ عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الْخَطِيرِ.
وَوَجَبَ عَلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ زَجْرُهُ عَنْ الدُّخُولِ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ وَإِلَّا لَزِمَهُمْ تَعْزِيرُهُ التَّعْزِيرَ الشَّدِيدَ الزَّاجِرَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ إضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ بِالْأُمُورِ الْبَاطِلَة وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فِي الْحَطِّ عَلَى مَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ الْأَقْفَرَ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَلْيَحْذَرْ مَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لَهُ عَنْ أَنْ تَقُولَ لَهُ نَفْسُهُ إنَّهُ أَهْلٌ لَهُ فَيَكُونُ مُتَبَوَّأَهُ النَّارُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يُتَصَوَّرُ الصُّلْحَ عَنْ دَيْنِ السَّلَمِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَقُولَ صَالَحْتُك عَنْ الْحَبِّ الَّذِي فِي ذِمَّتِي بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إقَالَةٌ بِلَفْظِ الصُّلْحِ وَلَيْسَ بَيْعًا لِامْتِنَاعِهِ فِي دَيْنِ السَّلَمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ تُمْكِنُ حِيلَةٌ فِي الِاسْتِبْدَالِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ بِأَنْ يَتَفَاسَخَا عَقْدَ السَّلَمِ ثُمَّ يَقَعُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ جَائِزٌ مُطْلَقًا وَيَتَعَيَّنُ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ كَيْ لَا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا وَجَدَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَأْسَ الْمَالِ الَّذِي قَبَضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ مَعِيبًا بَعْدَهُ فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ عَنْ مَجْلِسِ الرَّدِّ قَبْلَ قَبْضِ الْبَدَلِ وَإِلَّا بَطَلَ الْعَقْدُ كَمَا فِي الصَّرْفِ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يُتَصَوَّرُ صِحَّةُ الصُّلْحِ عَنْ دَيْنِ السَّلَمِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ صَالَحْتُك عَنْ دَيْنِ السَّلَمِ الَّذِي فِي ذِمَّتِي عَلَى رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَيَصِحُّ الصُّلْحُ وَتَكُونُ إقَالَةً لَا بَيْعًا لِامْتِنَاعِهِ فِي دَيْنِ السَّلَمِ.
[بَابُ الْقَرْضِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْحُلِيِّ الْمُجَوَّفِ كَالْأَسْوِرَةِ الْمُحْتَاجَةِ إلَى اللَّحَّامِ بِالنُّحَاسِ وَغَيْرِ الْمُحْتَاجَةِ إلَيْهِ أَيَصِحُّ الْقَرْضُ فِيهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ النُّحَاسَ الَّذِي وَقَعَ بِهِ اللِّحَامُ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مَتَى عُلِمَ وَلَمْ يُوَرِّثْ جَهَالَةً فِي النَّقْصِ صَحَّ قَرْضُهُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَسُئِلَ) عَنْ مَالِ الْقِرَاضِ أَوْ الْأَمَانَةِ أَوْ الْوَدِيعَةِ إذَا مَاتَ الْعَامِلُ أَوْ الْوَدِيعُ أَوْ الْأَمِينُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي تَرِكَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ قِيمَة ذَلِكَ أَوْ مِثْلِهِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ أَوْ لَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ رَدِّهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا مَاتَ أَمِينٌ وَلَمْ تُوجَدْ الْأَمَانَةُ الَّتِي تَحْت يَدِهِ أَوْ أَوْصَى بِهَا إلَى فَاسِقٍ أَوْ قَالَ هِيَ ثَوْبٌ وَلَمْ يُمَيِّزْهُ بِإِشَارَةٍ أَوْ صِفَةٍ ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ ثَوْبًا مَثَلًا لِتَقْصِيرِهِ وَلِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِلْفَوَاتِ إذْ الْوَارِثُ يَعْتَمِدُ ظَاهِرَ الْيَدِ وَيَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَيَّزَهَا فِي وَصِيَّتِهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّدِّ لِلْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي التَّرِكَةِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِمَّا ذُكِرَ بِأَنْ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ قُتِلَ غِيلَةً أَوْ أَوْصَى إلَى عَدْلٍ وَلَوْ وَارِثًا أَيْضًا مُمَيَّزًا أَوْ عَجَزَ عَنْ الرَّدِّ لِلْمَالِكِ وَوَكِيلِهِ ثُمَّ لِقَاضٍ ثُمَّ عَدْلٍ فَلَا ضَمَانَ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ وَلَوْ وَجَدَ فِي التَّرِكَةِ مِثْلَهَا حَيْثُ لَمْ يُمَيِّزْهَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهَا لِاحْتِمَالِ تَلَفِهَا بَلْ تَجِبُ قِيمَتُهَا فِي التَّرِكَةِ وَلَوْ لَمْ يُوصِ وَادَّعَى الْوَارِثُ التَّلَفَ.
وَقَالَ إنَّمَا لَمْ يُوصِ لَعَلَّ التَّلَفَ كَانَ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ أَوْ لَعَلَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يُنْسَبَ لِتَقْصِيرٍ وَادَّعَى الْمُودَعُ التَّقْصِيرَ
стр. 557
صُدِّقَ الْوَارِثُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَجْزِمْ بِالتَّلَفِ كَأَنَّ قَالَ أُجَوِّزُ أَنَّهَا تَلِفَتْ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ فَلَمْ يُوصِ بِهَا لِذَلِكَ أَوْ عَرَفْت الْإِيدَاعَ وَلَمْ أَدْرِ كَيْف كَانَ الْأَمْرُ فَيَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ مُسْقِطًا وَإِذَا تَعَدَّى الْعَامِلُ بِدَفْعِ مَالِ الْقِرَاضِ إلَى آخَرَ كَانَ الْعَامِلُ ضَامِنًا ثُمَّ إذَا تَصَرَّفَ الْآخِذُ بِأَنْ كَانَ اشْتَرَى بِهِ فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ بِعَيْنِ مَالِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَامِلِ وَالْأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى يَدِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ سَلَّمَ الْمَالَ فِي ثَمَنِهِ فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ وَالرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي وَيَضْمَنُ لِلْمَالِكِ قَدْرَ مَا سَلَّمَهُ فِي الثَّمَنِ مِنْ مَالِ الْمَالِكِ وَلِلْمَالِكِ هُنَا أَيْضًا أَنْ يُغَرِّمَ الْعَامِلَ وَكُلَّ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَالِهِ مُتَفَرِّعًا عَنْ تَعَدِّي الْعَامِلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ مَلَّكْتُك هَذَا بِمِثْلِهِ كَانَ إقْرَاضًا فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَلَّكْتُك وَادَّعَى نِيَّةَ الْمُقَابِلِ فَهَلْ يَصْدُقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَوْلُهُ مَلَّكْتُك هَذَا فَقَطْ صَرِيحٌ فِي الْهِبَةِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْمُقَابِلِ صُدِّقَ نَافِيه لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى صُدُورِ صِيغَةِ الْهِبَةِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اقْتَرَضَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَغْشُوشَة وَأَرَادَ أَنْ يُبْدِلَهُ عَنْهَا خَمْسَةً غَيْرَ مَغْشُوشَةٍ أَوْ عَكَسَهُ مَعَ الرِّضَا فَهَلْ يَجُوزُ أَوْ أَقْرَضَهُ عَشَرَةَ آصُعٍ مِنْ بُرٍّ وَأَرَادَ أَنْ يُبْدِلَهُ نَوْعًا آخَرَ مِنْهُ فَهَلْ يَجُوزُ أَيْضًا عَمَلًا بِقَوْلِ الْأَنْوَارِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي الْأَجْوَدِ وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْأَرْدَأَ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ وَأَفْتَوْا بِهِ صِحَّةَ إقْرَاضِ الْمَغْشُوشَةِ وَحِينَئِذٍ فَلِلْمُقْتَرِضِ أَنْ يَرُدَّ أَجْوَدَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ بَلْ يَنْدُبُ وَلَهُ رَدُّ أَنْقَصَ وَأَرْدَأَ إنْ رَضِيَ الْمُقْرِضُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي عُمْدَتِهِ هَذَا إذَا كَانَ الْمَرْدُودُ مِنْ جِنْسِ الْمُقْرَضِ وَنَوْعِهِ وَإِلَّا فَهُوَ بَيْعٌ حَقِيقَةً فَتَجْرِي فِيهِ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي الِاسْتِبْدَالِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اقْتَرَضَ نَحْو خَشَبٍ وَبَنَى عَلَيْهِ فَهَلْ لِلْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ لِبَقَائِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْهَالِكَةِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اقْتَرَضَ عَيْنًا ثُمَّ رَدَّهَا وَبِهَا عَيْبٌ وَاخْتَلَفَا فِي حُدُوثِهِ بِيَدِ الْمُقْتَرِضِ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُصَدَّقُ الْمُقْتَرِضُ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالسَّلَامَةِ عِنْد الْقَبْضِ وَعَلَى الْمُقْرِضِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ أَعْطَى الزِّيَادَةَ عِنْدَ الِاقْتِرَاضِ لِلضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ لِلْأَطْفَالِ الْجِيَاعِ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا لَمْ يُعْطِ الزِّيَادَةَ لَا يَحْصُلُ الْقَرْضُ فَهَلْ يَنْدَفِعُ إثْمُ إعْطَاءِ الزِّيَادَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلضَّرُورَةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَنْدَفِعُ إثْمُ إعْطَاء الزِّيَادَة فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلضَّرُورَةِ فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْمُضْطَرَّ لَوْ عَلِمَ مِنْ ذِي الطَّعَامِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ جَازَ لَهُ الِاحْتِيَالُ عَلَى أَخْذِهِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ إلَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ أَوْ قِيمَتُهُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ الْأَفْضَلُ الْقَرْضُ أَوْ الصَّدَقَةُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْقَرْضُ أَفْضَلُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالنَّشَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِخَبَرِ «دِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشَرَةٍ وَالْقَرْضِ بِثَمَانِيَةَ عَشْرَةَ» وَوَجْهُهُ أَنَّ طَالِبَ الْقَرْضِ إنَّمَا يَطْلُبُهُ عَنْ حَاجَةٍ غَالِبًا بِخِلَافِ طَالِبِ الصَّدَقَةِ وَاعْتُرِضَ بِخَبَرِ «مَنْ أَقْرَضَ دِرْهَمًا مَرَّتَيْنِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ صَدَقَتِهِ مَرَّةً» وَفِي ذَلِكَ بَسْطٌ ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظه مَا حُكْمُ النُّقُوطِ الْمُعْتَادِ فِي الْأَفْرَاحِ هَلْ يُرْجَعُ بِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ النَّجْمُ الْبَالِسِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ كَالْقَرْضِ يَطْلُبُهُ هُوَ وَوَارِثُهُ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ وَاعْتَمَدَ ابْنُ الْعِمَادِ الْأَوَّلَ فَقَالَ لِأَنَّ الْأَمْرَ دَائِرٌ فِيهِ بَيْنَ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ وَالْقَرْضِ الْفَاسِدِ وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ بِالْمُكَافَأَةِ يَجْعَلُهُ أَقْرَبَ إلَى الْقَرْضِ الْفَاسِدِ وَأَبْعَدَ مِنْ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ لِقَصْدِهِ الْعِوَضِيَّةِ وَبَنَى عَلَى الرُّجُوعِ أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مَنْ أَقْبَضَهُ لَهُ وَلَوْ نَحْوَ الْخَاتِنِ حَيْثُ قَصَدَ الْعِوَضِيَّةَ مَا لَمْ يَكُنْ سَلَّمَهُ لَهُ بِإِذْنِ ذِي الدَّعْوَةِ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ اهـ وَالْأَوْفَقُ بِكَلَامِهِمْ مَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَالْعَادَةَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا اعْتِبَارَ بِهَا أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ لَوْ أَهْدَى إلَى غَيْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ الْمُهْدِي أَدْنَى وَالْمُهْدَى إلَيْهِ أَعْلَى وَإِنْ قَصَدَ الثَّوَابَ.
стр. 558
[بَابُ الرَّهْنِ]
(وَسُئِلَ) إذَا قُلْتُمْ إنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ وَكَانَ الْمَرْهُونُ مَثَلًا غِرَاسًا وَالْمُرْتَهِنُ يَأْكُلُ ثِمَارَهَا مُدَّةً مَدِيدَةً فَهَلْ لِلرَّاهِنِ مُطَالَبَةُ الْمُرْتَهِنِ بِمَا أَكَلَ مِنْ الثِّمَارِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) إنْ أَبَاحَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ الثِّمَارَ إبَاحَةً صَحِيحَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ رَهَنَ نَاقَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْ ذَكَرٍ وَبِنْتَيْنِ فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ حَلْبَهَا فَهَلْ لَهُ أَكْلُ لَبَنِهَا وَهَلْ إذَا عَاوَضَهُ الْوَلَدُ بِوَلَدِهَا أَوْ نِصْفِهَا عَنْ دَيْنِهِ الَّذِي فِي جِهَةِ الْمُتَوَفَّى يَسْرِي عَلَى أَخَوَاتِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ لَبَنِ النَّاقَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْوَرَثَةِ الْمَذْكُورِينَ وَإِذَا أَعْطَاهُ الْوَلَدُ وَلَدَهَا أَوْ نِصْفَهَا عَنْ دَيْنِهِ صَحَّ فِيمَا يَمْلِكُهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الدَّيْنِ إنْ عَرَفَا ذَلِكَ وَكَذَا يَصِحُّ فِيمَا تَمْلِكُهُ أُخْتَاهُ إنْ كَانَ وَصِيًّا عَلَيْهِمَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَصِيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَصْلَحَةً لَمْ يَصِحَّ التَّعْوِيضُ الْمَذْكُورُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ ادَّعَى زَيْدٌ أَنَّهُ رَهَنَ رَهْنًا عِنْدَ عَمْرٍو فِي شَيْءٍ مَعْلُومٍ فَأَنْكَرَ عَمْرٌو الرَّهْنَ وَقَالَ إنَّهُ لِبَكْرٍ وَهُوَ الرَّاهِنُ لَهُ فَأَنْكَرَ بَكْرٌ فَهَلْ لِزَيْدٍ تَحْلِيفُ عَمْرٍو أَنَّهُ مَا رَهَنَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الرَّهْنَ وَإِذَا حَلَفَ فَهَلْ لِبَكْرٍ مَعَ سَبْقِ إنْكَارِهِ مُطَالَبَةُ عَمْرٍو بِالرَّهْنِ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ لِزَيْدٍ تَحْلِيفُ عَمْرٍو كَمَا ذُكِرَ وَلَيْسَ لِبَكْرٍ اسْتِحْقَاقٌ فِي الرَّهْنِ لِإِنْكَارِهِ إلَّا إذَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ عَمْرٌو ثَانِيًا وَصَدَّقَهُ ثُمَّ إذَا بَطَلَ تَعَلُّقُ زَيْدٍ وَبَكْرٍ بِالرَّهْنِ لِمَا ذُكِرَ فَإِنْ أَثْبَتَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ رَهْنٌ دَامَ بِيَدِهِ أَوْ بَاعَهُ الْقَاضِي وَوَفَّاهُ دَيْنَهُ بِشُرُوطِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ انْتَزَعَهُ الْقَاضِي مِنْهُ وَحَفِظَهُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهُ وَلَا يُبْقِيه بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ كَالصُّورَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا تَنَاقُضٌ فِي الرَّوْضَةِ فِي جَوَابِ الدَّعْوَى وَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ تِلْكَ أَيْ فِي مَحَلَّيْهَا الْمَذْكُورَيْنِ مَعَ هَذِهِ وَمَعَ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ شَرْعِيٌّ رَهَنَ فِيهِ جَمِيعَ دَارِهِ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ الرَّهْنِ الْمَذْكُورِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ بِبَعْضِ الدَّارِ الْمُرْتَهَنَةِ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَدَفَعَ أَحَدُ وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى وَالِدِهِ الْمَذْكُورِ بِغَيْرِ إذْنِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَيْهِ لِثُبُوتِهِ إذَا حَازُوا شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ أَوْ عَلَى تَرِكَتِهِ أَوْ عَلَى الدَّارِ الْمُرْتَهَنَةِ أَوْ عَلَى الْجَمِيعِ لِيَأْخُذَهُ مِمَّا شَاءَ فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ بِالدَّفْعِ الْمَذْكُورِ هَلْ يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ أَمْ لَا يَبْطُلُ وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِبَعْضٍ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) لَا رُجُوعَ لِلْوَارِثِ بِمَا أَدَّاهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ وَلَا عَلَى الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ لِتَبَرُّعِهِ بِالْأَدَاءِ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمْ وَيَنْفَكُّ رَهْنُ الدَّارِ بِالدَّفْعِ الْمَذْكُورِ وَبَعْدَ انْفِكَاكِهَا يَسْتَحِقُّ الْمُقَرُّ لَهُ بِبَعْضِهَا ذَلِكَ الْبَعْضَ وَبَاقِيهَا لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ قِنٌّ لَا يَجُوزُ إعْتَاقُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ مَا صُورَتُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ فَيَرْهَنُهُ نِصْفَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلْتُ) عَنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ قَالَ فِي الشَّرْحِ بَعْدَ كَلَامٍ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَائِلُ طَرْدًا وَعَكْسًا وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا هِيَ (فَأَجَبْت) بِقَوْلِي قَوْلُهُمْ فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الْأَمَانَةِ وَالضَّمَانِ يُسْتَثْنَى مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَسَائِلُ مِمَّا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْأَوَّلِ الشَّرِكَةُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَضْمَنُ عَمَلَ الْآخَرِ مَعَ صِحَّتِهَا وَيَضْمَنُهُ مَعَ فَسَادِهَا وَهَذِهِ فِيهَا تَجَوُّزٌ إذْ عَدَمُ ضَمَانِ الْعَمَلِ فِي الصَّحِيحَةِ لَا يُسَمَّى أَمَانَة كَمَا هُوَ جَلِيٌّ فَالتَّعْبِيرُ بِضَمَانٍ وَعَدَمِهِ أَحْسَنُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِأَمَانَةٍ وَضَمَانٍ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مَعَ الرَّدِّ عَلَى شَارِحِهِ فِي عَكْسِهِ كَذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ الرَّهْنُ وَالْإِجَارَةُ إذَا صَدَرَا مِنْ مُتَعَدٍّ كَغَاصِبٍ فَتَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّ لِلْمَالِكِ تَضْمِينَهُ وَإِنْ كَانَ الْقَرَارُ عَلَى الْمُتَعَدِّي مَعَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي صَحِيحِ الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ.
وَمِمَّا يُسْتَثْنَى مِنْ الثَّانِي قَوْلُ الْمَالِكِ قَارَضْتُك عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِي فَهُوَ قِرَاضٌ فَاسِدٌ وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ وَقَوْلُ الْمُسَاقِي سَاقَيْتُك عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ كُلَّهَا لِي فَإِنَّهُ كَالْقِرَاضِ فِي الْفَسَادِ وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ أُجْرَةٍ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعَقْدُ الْجِزْيَةِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ فَاسِد وَلَا جِزْيَةَ عَلَى الذِّمِّيِّ وَعَرْضُ الْعَيْنِ الْمُكْتَرَاةِ عَلَى الْمُكْتَرِي إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِهَا إلَى
стр. 559
مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ لَمْ تَسْتَقِرَّ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَى وَدِيِّ مَغْرُوسٍ أَوْ لَيَغْرِسَهُ وَيَتَعَهَّدُهُ مُدَّةً وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا وَقَدَّرَ مُدَّةً لَا تُتَوَقَّعُ فِيهَا الثَّمَرَةُ فَإِنَّهَا فَاسِدَةٌ وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيِّ يَغْرِسُهُ وَيَكُونُ الشَّجَرُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِدُخُولِهِ طَامِعًا فِي شَيْءٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ وَمَحَلُّ الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ إذَا صَدَرَ الْعَقْدُ مِنْ رَشِيدٍ فَلَوْ صَدَرَ مِنْ غَيْرِهِ مَا لَا يَقْتَضِي صَحِيحَهُ الضَّمَانَ كَانَ مَضْمُونًا.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الرَّهْنِ عَلَى الْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ هَلْ يَصِحُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَرْهُونِ بِهِ كَوْنَهُ دَيْنًا وَمُقْتَضَاهُ بُطْلَان ذَلِكَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ لَكِنْ أَفْتَى الْقَفَّالُ فِيمَا إذَا وَقَفَ كِتَابًا أَوْ غَيْره وَشَرَطَ أَنْ لَا يُعَارَ إلَّا بِرَهْنٍ بِلُزُومِ هَذَا الشَّرْطِ وَلَا يُعَارُ إلَّا بِرَهْنٍ وَبَحَثَ فِيهِ السُّبْكِيّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ عَنِيَ الرَّهْنَ الشَّرْعِيِّ فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ أَوْ اللُّغَوِيِّ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ تَذْكِرَةً صَحَّ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُهُ فَيُحْتَمَلُ بُطْلَانُ الشَّرْطِ حَمْلًا عَلَى الشَّرْعِيِّ ثُمَّ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ بِالرَّهْنِ لِتَعَذُّرِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ إمَّا لِأَنَّهُ خِلَافُ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَإِمَّا لِفَسَادِ الِاسْتِثْنَاءِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يَخْرُجُ مُطْلَقًا وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ صَحَّ لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ إخْرَاجَهُ مَظِنَّة ضَيَاعِهِ.
وَيُحْتَمَلُ صِحَّةُ الشَّرْطِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ قَالَ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ مَا أَمْكَنَ اهـ وَاعْتَرَضَ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلَهُ الْأَقْرَبُ صِحَّتُهُ وَحَمْلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَتْبَعُ اللُّغَةَ وَكَيْفَ يُحْكَمُ بِالصِّحَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حَبْسُهُ شَرْعًا وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الصِّحَّةِ حِينَئِذٍ اهـ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ رَهْنًا مَعَ كَوْنِ الْمَرْهُونِ بِهِ عَيْنًا تَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ لِلرَّهْنِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَا الشَّرْعِيِّ وَحِينَئِذٍ فَمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ مُتَّجَهٌ وَيَكُونُ الْوَاقِفُ شَرَطَ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَوْقُوفِ شَرْطًا وَهُوَ وَضْعُ عَيْنٍ عِنْدَ النَّاظِرِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى انْقِضَاءِ غَرَضِهِ تَوْثِقَةً وَأَمْنًا مِنْ التَّفْرِيطِ فِي ضَيَاعِهِ وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ يُقْصَدُ شَرْعًا فَوَجَبَ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ وَبِهِ يُعْلَمُ رَدُّ تَضْعِيفِ بَعْضِهِمْ لِمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الرَّاهِنَ أَحَدُ الْمُسْتَحَقِّينَ وَالرَّاهِنُ لَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا وَبِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّهْنِ الْوَفَاءُ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ التَّلَفِ وَهَذَا الْمَوْقُوفُ لَوْ تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَرْهُونِ بِدُونِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ هَلْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْوَثِيقَةَ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَرْهُونُ مُسْتَعَارًا مِنْ مَالِكِهِ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ الرَّاهِنُ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْمُرْتَهِنُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ الْوَثِيقَةَ بَلْ أَكَّدَهَا بِكَوْنِ الْمَرْهُونِ صَارَ عَلَى مِلْكِهِ الْأَقْوَى مِنْ كَوْنِهِ مُسْتَعَارًا لَهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَعَارَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ مِنْ مُوَرِّثِهِ كَعَتِيقَةِ وَرَهَنَهُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ هَلْ يَصِحُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ الصِّحَّةُ فَإِنْ قُلْت: بَلْ قَضِيَّةُ بُطْلَانِ رَهْنِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ يُمْكِنُ سَبْقُهَا حُلُولَ الدَّيْنِ الْبُطْلَانُ هُنَا أَيْضًا تَنْزِيلًا لِلْقَرَابَةِ مَنْزِلَةَ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ وَلِدُخُولِ الْمَرْهُونِ فِي مِلْكِ أَصْلِهِ مَثَلًا مَنْزِلَةَ وُجُودِ الصِّفَةِ قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ثَمَّ جَرَى سَبَبُ الْعِتْقِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ وَلَمْ يَجْرِ هُنَا لِلْعِتْقِ سَبَبٌ أَصْلًا إذْ سَبَبُهُ مَوْتُ الْمُوَرِّثِ الْمُقْتَضِي لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الرَّاهِنِ وَعِتْقِهِ بِالْقَرَابَةِ وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ فَتَنْزِيلُ الْقَرَابَةِ مَنْزِلَةَ التَّعْلِيقِ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ الْقَرَابَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْمِلْكِ لَيْسَتْ سَبَبًا أَصْلًا وَإِذَا بَطَلَ تَنْزِيلُ الْقَرَابَةِ مَنْزِلَةَ التَّعْلِيقِ بَطَلَ تَنْزِيلُ الدُّخُولِ فِي الْمِلْكِ مَنْزِلَةَ وُجُودِ الصِّفَةِ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَتَأَتَّى إنْ قُلْنَا إنَّهُ إذَا مَاتَ الْمُوَرِّثُ وَدَخَلَ الْمَرْهُونُ فِي مِلْكِ الرَّاهِنِ يُعْتَقُ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَ مُوسِرًا لَا مُعْسِرًا كَإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ لِلْمَرْهُونِ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ مُحْتَمَلٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ مُطْلَقًا رِعَايَةً لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَعَلَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ الْجَزْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَرْقُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَاضِحٌ فَإِنْ قُلْت: مَا الْأَوْجَهُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثِ قُلْت: الْأَوْجَهُ هُوَ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا لَا مُعْسِرًا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ إعْتَاقُهُ لَا يَنْفُذُ إلَّا مَعَ يَسَارِهِ فَالْإِعْتَاقُ الْقَهْرِيُّ عَلَيْهِ أَوْلَى وَنُفُوذُهُ مُطْلَقًا أَقْرَبُ مِنْ عَدَمِ نُفُوذِهِ مُطْلَقًا وَأَقْرَبُ مِنْهُمَا التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ كَمَا تَقَرَّرَ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ مَاتَ وَخَلَفَ مِيرَاثًا وَوَرَثَةً وَمِنْ
стр. 560
جُمْلَةِ الْمِيرَاثِ جَارِيَةٌ فَأَعْتَقَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُ مِنْهَا قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَالْمُعْتِقُ مُوسِرٌ وَفِي بَقِيَّةِ الْمِيرَاثِ مَا يَفِي بِالدَّيْنِ فَهَلْ يَصِحّ الْعِتْقُ وَيَسْرِي أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الشَّمْسُ بْنُ اللَّبَّانِ بِأَنَّهُ يَعْتِقُ وَيَسْرِي كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْمَالِكُ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ قَالَ بَلْ أَوْلَى بِالنُّفُوذِ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَهْرِيٌّ مِنْ الشَّارِعِ فَهُوَ نَظِيرُ بَيْعِ الْمَالِكِ الْمَالَ الزَّكَوِيَّ إذَا قُلْنَا إنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِهِ تَعَلُّقُ الرَّهْنِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الصِّحَّةُ وَإِنْ مَنَعْنَا صِحَّةَ عِتْقِ الرَّهْنِ لِلْمَعْنَى الْمُشَارِ إلَيْهِ اهـ وَأَفْتَى النَّجْمُ الْبَالِسِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعِتْقُ وَإِنْ قَلَّ الدَّيْنُ قَالَ لِأَنَّا وَإِنْ قَضَيْنَا بِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِي التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ أَبْطَلْنَا تَصَرُّفَ الْوَرَثَةِ فِيهَا قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُرَجَّحِ اهـ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ تَصَرُّفُ الْوَرَثَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَلَفٌ وَيَسَارُ الْمُعْتِقُ خَلَفٌ أَيُّ خَلَفٍ وَحِينَئِذٍ فَعَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ وَقِيمَةِ الْجَارِيَةِ كَإِعْتَاقِ الْجَانِي.
(وَسُئِلَ) إذَا بَاعَ عَدْلٌ الرَّهْنَ فَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ تَبَيَّنَ زِيَادَةُ رَاغِبٍ فِي ثَمَنِهِ هَلْ يَتَبَيَّنُ الْفَسْخُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَمُ الِانْفِسَاخِ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ حِينَئِذٍ
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُؤَالًا صُورَتُهُ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْوَارِثِ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ سَقَطَ مِنْهُ بِقَدْرِ إرْثِهِ حَتَّى إذَا كَانَ حَائِزًا سَقَطَ الْجَمِيعُ وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِمْ السُّبْكِيّ وَصَوَّبَ أَنْ يُقَالَ يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِهِ مَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ وَهُوَ نِسْبَةُ إرْثِهِ مِنْ الدَّيْنِ إنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلتَّرِكَةِ أَوْ أَقَلَّ وَمَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ أَكْثَرَ وَيَسْتَقِرُّ لَهُ نَظِيرُهُ مِنْ الْمِيرَاثِ وَيُقَدَّرُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُ ثُمَّ أُعِيدَ إلَيْهِ عَلَى الدَّيْنِ وَهَذَا سَبَبُ سُقُوطِهِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ مِنْهُ وَيَرْجِعُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بِبَقِيَّةِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ وَقَدْ يُفْضِي الْأَمْرُ إلَى التَّقَاضِي إذَا كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثَيْنِ اهـ وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ السُّبْكِيّ وَبَعْضُهُمْ قَالَ لَا فَرْقَ بَيْنَ عِبَارَتِهِ وَعِبَارَةِ مَنْ غَلَّطَهُمْ فَالْقَصْدُ بَسْطُ ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ وَبَيَانُ الْحَقِّ فِيهِ بَسْطًا شَافِيًا.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ صَوَابُهُ نِسْبَةُ إرْثِهِ مِنْ التَّرِكَةِ لَا مِنْ الدَّيْنِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ إطْلَاقِ الْإِرْثِ مِنْ الدَّيْنِ وَعَلَيْهِ فَكَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ لَفْظَ الدَّيْنِ بَعْدُ، كَانَ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ فَيَقُولُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ إلَخْ وَعَلَى تَسْلِيمِ مَا ذَكَرَهُ فَهُوَ لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالصَّوَابِ إذْ غَايَةُ مَا فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ تَجَوُّزٌ فِي الْعِبَارَةِ وَلَعَلَّ إيثَارَهُ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى مَا اعْتَرَضَ بِهِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ عِبَارَتِهِ وَعِبَارَةِ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ ظَاهِرٌ. وَنُقِلَ عَنْ الْفَتَى أَنَّهُ قَالَ مُرَادُ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِهِمْ يَسْقُطُ مِنْهُ بِقَدْرِ إرْثِهِ مِنْهُ أَيْ مِثْلُهُ فَإِنْ كَانَ عَشَرَةً سَقَطَ عَشَرَةٌ وَعَلَى هَذَا سَوَاءٌ أَكَانَ بِنِسْبَةِ إرْثِهِ أَمْ لَا وَمُرَادُ السُّبْكِيّ أَنَّ السَّاقِطَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ فَيَسْقُطُ ثُمُنُ الدَّيْنِ إنْ وَرِثَ ثُمُنَ التَّرِكَةِ وَعَلَى هَذَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّيْنَ لَوْ كَانَ سِتَّةَ عَشَرَ مَثَلًا وَالتَّرِكَةُ اثْنَيْ عَشَرَ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَسْقُطُ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ لِأَنَّهُ قَدْرُ إرْثِهِ مِنْ التَّرِكَةِ وَعَلَى الثَّانِي يَسْقُطُ دِرْهَمَانِ لِأَنَّهُمَا نِسْبَةُ إرْثِهِ وَهُوَ الثُّمْنُ وَهُمَا ثُمْنُ التَّرِكَةِ اهـ.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ كَانَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ بِقَدْرِ إرْثِهِ مِنْهُ أَيْ مِنْ الدَّيْنِ فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ لَكِنَّهُ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِقَدْرِ إرْثِهِ مِنْهُ أَيْ بِقَدْرِ مَا يَرِثُهُ مِنْ تَرِكَةِ الْهَالِكِ حَتَّى إذَا وَرِثَ مِنْهُ عَشَرَةَ سَقَطَ مِنْ دَيْنِهِ عَشَرَةٌ وَهَكَذَا فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَارِثُ اثْنَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا خَمْسُونَ وَالتَّرِكَةُ مِائَةٌ سَقَطَ دَيْنُهُ جَمِيعُهُ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَلَيْسَ مُرَادُ السُّبْكِيّ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتَى مُطْلَقًا بَلْ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ التَّرِكَةِ أَوْ أَقَلَّ فَإِنْ كَانَ أَكْثَر كَالْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي السِّتَّةَ عَشَرَةَ وَالِاثْنَيْ عَشَرَ، وَرِثَ الدَّائِنُ ثُمْنَ التَّرِكَةِ فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ دِرْهَمَانِ بَلْ قَضِيَّةُ مَا حَكَاهُ السُّبْكِيّ عَنْهُمْ سُقُوطُهَا وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ تَرِكَةً أَصْلًا لِأَنَّهُمَا مِنْ الدَّيْنِ نِسْبَةُ إرْثِ صَاحِبِهِ مِنْ الْهَالِكِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِ إرْثِهِ.
وَمُرَادُ السُّبْكِيّ بِاعْتِرَاضِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَرِكَةً لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَرَثَةِ حِينَئِذٍ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ لَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ وَإِنْ كَانَتْ تَرِكَةً وَهِيَ أَقَلُّ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْضُوا مِنْ دَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ بِقَدْرِهَا
стр. 561
فَقَطْ وَالزَّائِدُ عَلَى قَدْرِهَا فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سَقَطَ مِنْ دَيْنِهِ مَا يَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الْوَارِثِ أَدَاؤُهُ لَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِذَا كَانَتْ السِّتَّةَ عَشَرَ الْمَذْكُورَةُ لِمَنْ وَرِثَ الثُّمْنَ وَالتَّرِكَةُ اثْنَا عَشَرَ وَجَبَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَقْضُوا مِنْ الدَّيْنِ اثْنَيْ عَشَرَ فَقَطْ وَيَبْقَى لِصَاحِبِهِ أَرْبَعَةٌ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فَيَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ صَاحِبِ الثُّمْنِ حِصَّتُهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَهُوَ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ.
وَهَذَا مُرَادُ السُّبْكِيّ بِقَوْلِهِ وَمَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهُ إنْ كَانَ أَيْ الدَّيْنُ أَكْثَر مِنْ التَّرِكَةِ أَيْ وَالسَّاقِطُ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ جُزْءٌ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ إرْثِهِ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ التَّرِكَةِ وَإِلَّا فَالسَّاقِطُ جُزْءٌ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ إرْثِ صَاحِبِهِ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْوَرَثَةِ أَدَاؤُهُ لَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ وَالْوَاجِبُ أَدَاؤُهُ حِينَئِذٍ هُوَ قَدْرُ التَّرِكَةِ وَبِمَا تَقَرَّرَ ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ عِبَارَةِ السُّبْكِيّ وَالْجَمَاعَةِ وَمِمَّا يُزِيدُهُ إيضَاحًا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ وَعَلَيْهِ ثَمَانُونَ دِينَارًا عِشْرُونَ لِأَحَدِ بَنِيهِ وَسِتُّونَ لِأَجْنَبِيٍّ وَتَرِكَتُهُ ثَمَانِيَةُ دَنَانِيرَ فَقَطْ كَانَ لِابْنِ الدَّائِنِ مِنْهَا دِينَارَانِ حِصَّتُهُ مِنْ تَوْزِيعِ الثَّمَانِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى نِسْبَةِ دَيْنِهِمَا فَدِينَارٌ مِنْهُمَا عَلَيْهِ وَدِينَارٌ مِنْهُمَا عَلَى أَخِيهِ فَيَسْقُطُ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ وَيَسْتَقِرُّ لَهُ مِنْ التَّرِكَةِ ثُمْنُهَا وَيَبْقَى مِنْ حِصَّتِهِ مِنْهَا وَهِيَ النِّصْفُ رُبْعٍ وَثُمْنٌ فِي مَعْنَى الْمَرْهُونِ حَتَّى يُؤَدِّيَ لِلْأَجْنَبِيِّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ مِنْ دَيْنِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ السُّبْكِيّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِي سُقُوطِ الدِّينَارِ الْمَذْكُورِ مِنْ دَيْنِ الِابْنِ وَاسْتِقْرَارِ ثُمْنِ التَّرِكَةِ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَسَلَّطَ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ مِنْ دَيْنِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِاسْتِقْرَارِ نَظِيرِ مَا سَقَطَ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ اهـ وَمَا ذَكَرَهُ مُحْتَمَلٌ وَيُحْتَمَلُ تَقْرِيرُ كَلَامِ السُّبْكِيّ عَلَى مُقْتَضَاهُ الْمَذْكُورِ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَائِرِهِ مُمْكِنٌ.
(وَسُئِلَ) إذَا مَاتَ مَدْيُونٌ وَدَائِنُهُ غَائِبٌ مَفْقُودُ الْخَبَرِ أَوْ مَعْلُومُهُ وَلَمْ يَجِدْ وَارِثُهُ قَاضِيًا أَمِينًا فَهَلْ إفْرَازُهُ قَدْرَ حِصَّةِ الدَّيْنِ يُبِيحُ لَهُ التَّصَرُّفَ وَهَلْ لَهُ حِيلَةٌ غَيْر ذَلِكَ وَكَذَا فِيمَا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حِيلَتُهُ فِي الْحَجِّ أَنْ يُبَادِرَ بِالِاسْتِئْجَارِ وَيُسَلِّمَ الْأُجْرَةَ إلَى الْأَجِيرِ ثُمَّ يَتَصَرَّف وَأَمَّا فِي وَفَاءِ دَيْنِ الْغَائِبِ فَلَا حِيلَةَ لَهُ إلَّا الرَّفْع إلَيْهِ أَوْ إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَقَوْلُ بَعْضُهُمْ حِيلَتُهُ أَنْ يُحَكِّمَ عَدْلًا فِي ذَلِكَ فَيَفْرِزُ لَهُ قَدْرَ حَقِّهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَاضِيًا وَلَا مُحَكَّمًا كَفَى إفْرَازُ عَدْلٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَدْلًا تَصَرَّفَ وَضَمِنَ النَّقْصَ غَيْرُ سَدِيدٍ إذْ شَرْطُ التَّحْكِيمِ رِضَا الْمُتَحَاكِمَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَأَيْضًا فَأَمْوَالُ الْغَائِبِينَ وَالْمَفْقُودِينَ إنَّمَا يَحْفَظُهَا وَيَسْتَنِيبُ فِي حِفْظِهَا الْحَاكِم دُونَ غَيْرِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا حَتَّى يَدْفَعَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ وَضْعِ الْمُرْتَهَنِ الْمَرْهُونَ فِي حِرْزٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمِينٍ فَسُرِقَ هَلْ يَضْمَنُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ مُخْتَصًّا بِالْيَدِ فَأَزَالَهَا عَنْهُ كَأَنْ وَضَعَهَا فِي الْحِرْزِ الْمَذْكُورِ ضَمِنَ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا إلَّا تَعَدَّدَ الْعَقْدُ أَوْ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ قَالَ الشَّيْخُ: كَأَنْ رَهَنَ عَبْدًا مِنْ اثْنَيْنِ بِدَيْنِهِمَا عَلَيْهِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَإِنْ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنِهِمَا كَبَيْعٍ وَإِتْلَافٍ ثُمَّ بَرِئَ عَنْ دَيْنِ أَحَدِهِمَا وَهَذَا يُشْكِلُ بِأَنَّ مَا أَخَذَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الدَّيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَكَيْف تَنْفَكُّ حِصَّتُهُ مِنْ الرَّهْنِ بِأَخْذِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ مَا هُنَا مَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَتَّحِدْ جِهَةُ دَيْنِهِمَا أَوْ إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ بِالْإِبْرَاءِ لَا بِالْأَخْذِ اهـ فَقَوْلُهُ مَحَلُّهُ إلَخْ يُنَافِي قَوْلَهُ أَوَّلًا كَالرَّوْضَةِ وَإِنْ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنِهِمَا وَيُنَافِي قَوْلَ الْأَصْلِ وَفِي وَجْهٍ إنْ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنَيْهِمَا لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا وَإِنَّمَا يَنْفَكُّ إذَا اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ وَالصَّحِيحُ الِانْفِكَاكُ مُطْلَقًا فَمَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا وَإِنْ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنَيْهِمَا إنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُبَيِّنَ شُمُولَ الْمَتْنِ لَهُ حَتَّى يُطَابِقَ عِبَارَةَ أَصْلِهِ وَلِيَتَوَجَّهَ الْإِشْكَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ ثُمَّ سَلَكَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى تَخْصِيصُ مَا هُنَا بِالصُّورَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَهِيَ إذَا لَمْ تَتَّحِدْ الْجِهَةُ وَحِينَئِذٍ لَا يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ أَصْلًا الثَّانِي سَلَّمْنَا أَنَّ مَا هُنَا عَامٌّ فِي الِاتِّحَادِ
стр. 562
وَعَدَمِهِ لَكِنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ بِالْإِبْرَاءِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ أَصْلًا إذْ لَا أَخْذَ هُنَا حَتَّى يُقَالَ إنَّ الْمَأْخُوذَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَمَّا إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ بِالْأَدَاءِ فَالْمَعْمُولُ بِهِ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَلَا تَنْفَكُّ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا مِنْ الرَّهْنِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَلَامَ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَ لِأَنَّ الْوَجْهَ الضَّعِيفَ إنَّمَا فَرَضَ كَلَامَهُ فِي الْبَرَاءَةِ لَا فِي الْأَدَاءِ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ وَالصَّحِيحُ الِانْفِكَاكُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ أَمْ اخْتَلَفَتْ فِي صُورَةِ الْبَرَاءَةِ لَا فِي صُورَةِ الْأَدَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ إنَّ مَا يُؤْخَذَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَيْضًا وَلَا يَنْتَقِلُ الْمَرْهُونُ إلَى عَدْلٍ أَوْ فَاسِقٍ آخَرَ إلَّا إلَّا اتَّفَقَا أَيْ الْعَاقِدَانِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ حَدَثَ بِهِ فِسْقٌ وَنَحْوُهُ وَتَنَازَعَا فِيمَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ نَقَلَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ قَالَ ابْن الرِّفْعَةِ هَذَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ وَإِلَّا فَيَظْهَرُ أَنْ لَا يَوْضَعَ عِنْدَ عَدْلٍ إلَّا بِرِضَا الرَّاهِنِ لِأَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَصْلِ الْإِقْبَاضِ فَهَلْ مَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مُعْتَمَدٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عِلَّتِهِ فِي مَحَلِّ الْمَنْعِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يُفِدْ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ امْتِنَاعٌ الْآنَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ الْآنَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ إذْ يَدُ الْعَدْلِ لَيْسَتْ نَائِبَة عَنْ يَدِ الرَّاهِنِ فَقَطْ بَلْ عَنْ يَدِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ لِلْعَدْلِ رُدَّهُ إلَيْهِمَا لَا إلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنٍ وَإِلَّا ضَمِنَهُ إنْ تَلِفَ بِبَدَلِهِ وَرَدَّهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ لِيَكُونَ رَهْنًا مَكَانَهُ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي لُزُومِ الرَّهْنِ وَامْتِنَاعِ الرَّاهِنِ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهِ فَظَهَرَ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الرِّفْعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَعْلِيلِهِ مَا بَحَثَهُ بِمَا لَا يُجْدِي إنْ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَوْ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ إنْ أَرَادَ الْمَعْنَى الثَّانِي.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا أَيْضًا فِي شَرْحِ قَوْلِ الرَّوْضِ أَرْشُ الْمَرْهُونِ وَقِيمَتُهُ إنْ ضُمِنَ رَهْنٌ وَلَوْ كَانَ فِي ذِمَّةِ الْجَانِي ثُمَّ مَحَلُّ كَوْنِ مَا ذُكِرَ رَهْنًا فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ الْجَانِي غَيْرَ الرَّاهِنِ وَإِلَّا فَلَا يَصِيرُ مَرْهُونًا إلَّا بِالْغُرْمِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِيمَا إذَا لَزِمَهُ قِيمَةُ مَا أَعْتَقَهُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي كَوْنِهِ مَرْهُونًا فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِهِ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ اهـ قَالَ فِي الْخَادِمِ وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ بِالْإِتْلَافِ صَارَ فَاسِخًا لِلْعَقْدِ فَلَا بُدَّ عِنْد أَخْذِ بَدَلِهِ مِنْ تَجْدِيدِهِ بِخِلَافِ إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَهَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضِ فِيمَا إذَا لَزِمَهُ قِيمَةُ مَا أَعْتَقَ إذَا أَعْتَقَ الْمُوسِرُ مَرْهُونًا مَقْبُوضًا عَتَقَ فِي الْحَالِ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ وَتَصِيرُ رَهْنًا وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِصَيْرُورَتِهَا رَهْنًا فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ الْغُرْمِ وَلِكَوْنِهَا لَا تَصِيرُ إلَّا بَعْدَهُ لِأَنَّ وَضْعَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ ذَلِكَ لَكِنْ قَالَ الشَّارِحُ وَتَصِيرُ مِنْ حِينِ غُرْمِهَا فَحَمَلَهُ عَلَى الثَّانِي فَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ عَدَمَ الْفَائِدَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَةِ فَمَمْنُوعٌ فِيهِمَا إذْ يُتَصَوَّرُ لَهُ فَائِدَةٌ أَيُّ فَائِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ حُجِرَ عَلَى الرَّاهِنِ بِفَلَسٍ بَعْدَ الْعِتْقِ أَوْ الْإِتْلَافِ وَقَبْلَ غُرْمِ الْقِيمَةِ فَيُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَرْهُونِ الَّذِي لَوْلَا إتْلَافُهُ لَقُدِّمَ بِهِ فَلِيَقُمْ بَدَلُهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ مَقَامَهُ فَكَانَ لِلْحُكْمِ عَلَيْهَا فِي ذِمَّتِهِ بِكَوْنِهَا رَهْنًا فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَى الْمَرْهُونِ بِمَصْلَحَةٍ أَيِّ مَصْلَحَةٍ بَلْ هَذِهِ أَعْظَمُ مِنْ فَائِدَةِ كَوْنِهَا رَهْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَانِي فَإِنَّ الْفَائِدَةَ هِيَ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَتَعَلَّقُ بِهَا إذَا قَبَضَهَا الرَّاهِنُ مِنْهُ وَلَوْ حَكَمْنَا بِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ مَرْهُونَةً إلَّا بِقَبْضِهِ لَهَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ضَيَاعُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بِذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ مَجْمُوعِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِمُحَاصَّةِ الْغُرَمَاءِ فِيهَا فِي صُورَةِ الْحَجْرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ الْحَمْلِ كَلَامَ الْأَصْحَابِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمَدًا لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ بِمَا قَرَّرْنَاهُ وَمَا فَرَّقَ بِهِ فِي الْخَادِمِ مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ امْرَأَةٍ رَهَنَتْ مَصَاغًا عِنْدَ امْرَأَةٍ أُخْرَى بِمَبْلَغٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنْ تَلْبَسَ ذَلِكَ الْمَصَاغَ مَا دَامَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهَا فَلَبِسَتْ الْمُرْتَهِنَةُ ذَلِكَ الْمَصَاغَ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ ثُمَّ تَلِفَ مِنْهَا بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ فَهَلْ يَلْزَمُهَا قِيمَةُ الْمَصَاغِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَلْزَمُهَا قِيمَةُ الْمَصَاغِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَتَلِفَ بِتَقْصِيرٍ أَمْ غَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ
стр. 563
إنْسَانٍ رَهَنَ عِنْدَ آخَرَ رَهْنًا عَلَى مَبْلَغٍ مُعَيَّنٍ فَتَسَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ وَدَفَعَهُ لِفَتَاهُ لِيُدْخِلَهُ فِي حَاصِلٍ لِسَيِّدِهِ فَأَدْخَلَهُ الْفَتَى فِي حَاصِلِ سَيِّدِهِ بِحُضُورِهِ وَطَرِيقَةُ هَذَا السَّيِّدِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ شَيْئًا إلَى حَاصِلِهِ أَوْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْهُ يَتَعَاطَى ذَلِكَ جَمِيعَهُ مِنْ يَدِ هَذَا الْفَتَى وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُفَارِقْ سَيِّدَهُ مِفْتَاحُ الْحَاصِلِ وَالْجَمِيعُ بِحُضُورِهِ ثُمَّ لَمْ يَشْعُرْ إلَّا وَقَدَ غُيِّبَ الْفَتَى بِالْإِبَاقِ فَتَفَقَّدَ السَّيِّدُ حَاصِلَهُ وَأَمْتِعَتَهُ فَإِذَا بِالْفَتَى قَدْ اخْتَلَسَ مِنْهُ أَعْيَانًا وَنَقْدًا وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ فَجَاءَ صَاحِبُ الرَّهْنِ وَطَلَبَ رَهْنَهُ بَعْدَ إبَاقِ الْفَتَى فَقَالَ لَهُ السَّيِّدُ قَدْ وَدَّاهُ الْفَتَى مَعَهُ وَرَاحَ وَهَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ بَلْدَةِ السَّيِّدِ وَقَصَدَ بِوَدَّاهُ الْفَتَى مَعَهُ وَرَاحَ أَيْ اخْتَلَسَهُ وَأَبَقَ بِهِ فَلَمَّا سَافَرَ الْمُرْتَهِنُ الْمَذْكُورُ إلَى بَلْدَةٍ غَيْرِ الْبَلْدَةِ الَّتِي اُخْتُلِسَ مِنْهَا مَا ذُكِرَ ادَّعَى عَلَى وَكِيلِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ الرَّهْنَ قَالَ وَدَّاهُ الْفَتَى مَعَهُ وَحَمَلَ الْحَاكِمُ وَالشُّهُودُ قَوْلَ السَّيِّدِ وَدَّاهُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِلْفَتَى وَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْوَكِيلِ بِاللُّزُومِ وَدَفَعَهُ مِنْ مَالِ مُوَكِّلِهِ قِيمَة هَذَا الرَّهْنِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مَا قَصَدَ بِوَدَّاهُ إلَّا اخْتَلَسَهُ الْفَتَى فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ عَلَى قَصْدِهِ الَّذِي قَصَدَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مُصْطَلَحَ لُغَةِ أَهْلِ بَلْدَتِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ يَدُ أَمَانَةٍ فَإِذَا تَلِفَ مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ تَمْكِينَ الْعَبْدِ الْأَمِينِ مِنْ دُخُولِ مَحَلِّ الْمَرْهُونِ لَيْسَ تَقْصِيرًا فَإِذَا اخْتَلَسَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرِ سَيِّدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ سَيِّدُهُ وَيُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَاهُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ وَإِنْ قَالَ وَدَّاهُ الْفَتَى مَعَهُ وَرَاحَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إقْرَارًا بِأَنَّهُ مَكَّنَهُ مِنْ أَخْذِهِ لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا فَحُكْمُ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ بِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بَاطِلٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ.
(سُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ رَهَنَ عَبْدَهُ بِدَيْنِ آخَرَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَهَلْ يَصِحُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ وَكَأَنَّهُ ضَمِنَ الدَّيْنَ فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا ارْتَهَنَ الْكَافِرُ مُصْحَفًا أَوْ مُسْلِمًا فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ أَوْ يَقْبِضُهُ لَهُ الْحَاكِمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَقْبِضُهُ لَهُ الْحَاكِمُ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ أَصْلًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ بَلْ يَقْبِضُهُ لَهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ قُلْت: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ فَلَيْسَ فِي وَضْعِ الْكَافِرِ يَدَهُ لِمُجَرَّدِ صِحَّةِ الْقَبْضِ إهَانَةٌ وَلَا إذْلَالٌ بِخِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الْمِلْكَ لَهُ فَفِي وَضْعِ يَدِهِ ذَلِكَ قُلْت: مَمْنُوعٌ بَلْ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ إذْ لَا إهَانَةَ وَلَا إذْلَالَ فِي وَضْعِ الْيَدِ فِيهِمَا بِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ صَوْنًا لَهُمَا عَنْ الدُّخُولِ فِي يَدِهِ وَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَدَّعِيَ عَدَمَ انْتِفَائِهِ إذْ مُجَرَّدُ وَضْعِ يَدِهِ إهَانَةٌ وَإِذْلَالٌ فِي الْجُمْلَةِ فَمُنِعَ مِنْهُ طَرْدُ اللَّبَابِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا أَتْلَفَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ ثُمَّ أَبْرَأ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ أَمْ لَا وَلَوْ رَهَنَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ بَعْد لُزُومِ الرَّهْنِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا عَلِمَ الْمَالِكُ مَا لَزِمَ ذِمَّةَ الْمُتْلِفِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ صَحَّ إبْرَاؤُهُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا وَيَصِحُّ الرَّهْنُ فِيمَا ذُكِرَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ بَيْعُ الْمَرْهُونِ أَوْ رَهْنُهُ أَوْ هِبَتُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ صَحِيحٌ سَوَاءٌ ابْتَدَأَ الرَّاهِنَ بِالْإِيجَابِ أَمْ لَا وَيَكُونُ فَسْخًا لِلرَّهْنِ لِأَنَّ قَبُولَ الْمُرْتَهِنِ لِذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِرِضَاهُ بِالْفَسْخِ فَكَذَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ رَهْنُهُ مِنْ غَيْرِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ مِنْ الرَّهْنِ مُسْتَلْزِمٌ لِرِضَاهُمَا بِالْفَسْخِ فَيَكُونُ فَسْخًا.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ رَهَنَ أَمَتَهُ بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ فَحَبِلَتْ مِنْهُ بِوَطْءٍ حَالَ الرَّهْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَبِيعَتْ لِقَضَاءِ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ انْتَقَلَتْ إلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ بِالْإِرْثِ مِنْ مُوَرِّثِهِ وَكَانَ عَلَى مُوَرِّثِهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْجَارِيَةُ الْمَذْكُورَةُ فَهَلْ تُبَاعُ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ أَوْ لَا وَهَلْ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَارِثُهُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ بَيْعُ الْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ مُوسِرًا لِأَنَّهُ وَإِنْ مَلَكهَا بِالْإِرْثِ لَكِنَّهُ مِلْكٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مَرْهُونَةٌ بِالدَّيْنِ وَإِنْ أَيْسَرَ الْوَارِثُ إذْ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا وَإِذَا مَلَكَهَا مِلْكًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ نُفُوذُ الْإِيلَادِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ أَهْلِ الدَّيْنِ وَبَقَاءُ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِ مَعَ تَفْوِيتِ مِلْكِهِ
стр. 564
التَّامِّ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَصْلَحَةٌ وَلَا كَانَ سَبَبًا فِيهِ فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ تُعْتَقْ عَلَى الْوَارِثِ الْمُوسِرِ وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا لِأَهْلِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي عِتْقِهَا بِسَبْقِ إيلَادِهِ لَهَا قُلْت: ذَلِكَ الْإِيلَادُ قَدْ بَطَلَ حُكْمُهُ بِبَيْعِهَا أَوَّلًا مَا دَامَتْ خَارِجَةً عَنْ مِلْكِهِ وَانْتِقَالُهَا إلَى مِلْكِهِ بِالْإِرْثِ مَعَ كَوْنِهَا مَرْهُونَةً بِدَيْنِ الْمَيِّتِ كَخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِ الْوَارِثِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عِتْقِهَا عَلَيْهِ مَحْذُورٌ.
وَهُوَ إمَّا ضَيَاعُ أَصْلِ الدَّيْنِ إنْ لَمْ يُلْزَمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ وَكَذَا بَقَاءُ شَغْلِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَضَيَاعُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهَا مَرْهُونَةً بِهِ وَإِمَّا تَكْلِيفُ الْوَارِثِ بَدَلَ قِيمَتِهَا مَعَ انْقِطَاعِ حُكْمِ الْإِيلَادِ إلَى الْآنَ وَلَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَلَزِمَهُ إذَا أَيْسَرَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِتُعْتَقَ عَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُلْزِمُوهُ بِهَذَا بِوَجْهٍ نَظَرًا إلَى خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ فَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ الْقِيمَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا حَتَّى تُعْتَقَ نَظَرًا إلَى أَنَّ تَعَلُّقَ دَيْنِ الْمَيِّتِ بِرَقَبَتِهَا صَيَّرَهَا كَالْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ بِجَامِعِ عَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا فَإِنْ قُلْت: عِتْقُ الْوَارِثِ الْمُوسِرِ لِقِنِّ التَّرِكَةِ جَائِزٌ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا دَيْنٌ وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ فَلِمَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ هُنَا قُلْت فَرْقٌ بَيْنَ الْمُتَبَرِّعِ وَالْمُلْزَمِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ تَبَرُّعِهِ بِالْعِتْقِ وَتَوْطِينِهِ نَفْسِهِ عَلَى مَا بَذَلَ الْقِيمَةَ تَبَرُّعًا أَنَّا نُلْزِمُهُ بِبَذْلِ الْقِيمَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْتِزَامَهُ بِذَلِكَ هَذَا مَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ جَلِيٌّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ وَمَدَارِكِهِمْ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ عَيْنٍ مُرْتَهَنَةٍ فِي دَيْنٍ شَرْعِيٍّ وَامْتَنَعَ الْخَصْمُ مِنْ الْأَدَاءِ أَوْ مَاتَ أَوْ غَابَ هَلْ لِلْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ جَبْرُهُ أَوْ وَارِثُهُ أَوْ وَكِيلُهُ عَلَى بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُرْتَهَنَةِ أَوْ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهَا مِنْ مَالِهِ الْحَاضِرِ أَوْ الْغَائِبِ لِيُوَفِّيَ دَيْنَ خَصْمِهِ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ الْوُجُوهِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا امْتَنَعَ فَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ لَا يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ إلَّا الْعَيْنُ الْمُرْتَهَنَةُ فَقَطْ هَلْ يُسْمَعُ قَوْلُهُ أَمْ لَا وَيَبِيعُ الْحَاكِمُ مَا شَاءَ مِنْ أَمْوَالِهِ وَإِذَا امْتَنَعَ أَيْضًا كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَدَاءِ هَلْ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَبِيعَ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) إذَا كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ وَضَامِنٌ فَلِلْمُرْتَهِنِ طَلَبُ الْوَفَاءِ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ كَانَ بِهِ رَهْنٌ فَقَطْ فَلَهُ طَلَبُ بَيْعِهِ أَوْ قَضَاءُ دَيْنِهِ إنْ حَلَّ فَإِذَا بِيعَ الْمَرْهُونُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ جِنَايَةٌ قُدِّمَ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ وَعُلِمَ مِنْ طَلَبِهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مَا فِي النِّهَايَةِ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَخْتَارَ الْبَيْعَ وَالتَّوْفِيَةَ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّوْفِيَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا نَظَرَ لِهَذَا التَّأْخِيرِ وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّ تَعْلِيقَهُ الْحَقَّ بِعَيْنِ الرَّهْنِ رِضًا مِنْهُ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ وَطَرِيقُهُ الْبَيْعُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ الرَّهْنِ أَيْضًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْهُونَ قَدْ لَا يُوَفِّي ثَمَنُهُ الدَّيْنَ أَوْ يَتْلَفُ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ مِنْ بَقِيَّةِ مَالِ الرَّاهِنِ وَلَا مَا يَأْتِي مِنْ إجْبَارِهِ عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاهِنِ حَتَّى يُوَفِّيَ مِمَّا يَخْتَارُ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَهِنِ حَتَّى يُجْبِرَهُ عَلَى الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ.
وَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَامْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ بَاعَ الرَّهْنَ عَلَيْهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ وَمِلْكِ الرَّاهِنِ وَالرَّهْنِ وَكَوْنُهُ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَقُضِيَ الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ تَوَقُّفِ بَيْعِ الْحَاكِمِ هُنَا عَلَى الْإِصْرَارِ وَجَوَازِ بَيْعِهِ لِمَالِ الْمُفْلِسِ مُطْلَقًا بِأَنَّ الْحَجْرَ ثَمَّ أَوْجَبَ كَوْنَ الْقَاضِي نَائِبًا عَنْهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَمْ يَثْبُتْ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ بَيْعِهِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِسَاخِ وَإِذَا أَقَامَ الْمُرْتَهِنُ حُجَّةً بِالدَّيْنِ وَمِلْكِ الرَّاهِنِ وَبِالرَّهْنِ فِي غِيبَةِ الْمُرْتَهِن بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَوَفَّى مِنْ ثَمَنِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بَيْعُهُ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ لَهُ مَا يُوَفِّي الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ بَيْعُهُ أَصْلَح وَلَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِئْذَانِ الرَّاهِنِ وَالْحَاكِمِ صَحَّ وَوَكِيلُ الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنُ كَهُوَ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ وَوَارِثُ الْمَيِّتِ مِثْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ أَيْضًا نَعَمْ إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ فَازَ الْمُرْتَهِنُ بِقِيمَةِ رَهْنِهِ وَمَا فَضَلَ لَهُ يُضَارِبُ بِهِ مَعَ الدَّائِنِينَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا إذَا شَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي رَهْنًا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَيَكُونُ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ فَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ رَهْنًا وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْعَيْنَ
стр. 565
الْمَبِيعَةَ وَلَا غَيْرَهَا ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَرْهَنَهُ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَرَهْنُ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ أَوْ لَا أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ رَهْنِ الْمَبِيعِ سَوَاءٌ أَشَرَطَ أَنْ يَرْهَنَهُ إيَّاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ أَمْ بَعْدَهُ فَإِنْ رَهَنَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ بِلَا شَرْطٍ أَوْ مَعَ شَرْطِ مُطْلَقِ الرَّهْنِ صَحَّ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ حُرٍّ مُسْلِمٍ صَغِيرٍ رَهَنَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ قَرَابَتُهُ لِعَدَمِ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ فَلَمَّا بَلَغَ وَأَرَادَ فِرَاقَهُ طَالَبَهُ الْمُرْتَهِنُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ فَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا مِنْهُ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْفِقْ هُوَ لَأَلْجَأَتْ الْحَالُ إلَى هَلَاكِهِ أَوْ لَا وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمَا بِإِعْطَاءِ شَيْءٍ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ يَدِهِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْقَاضِي عَلَى إجْرَاءِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ أَدَاءِ شَيْءٍ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ بَاطِلٌ وَأَمَّا مَا أَنْفَقَهُ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَشَرَطَ لَهُ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُنْفِقِ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا فَإِنْ أَطْعَمَهُ سَاكِنًا فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ قَالَ كَانَ بِعِوَضٍ حَلَفَ الْمَالِكُ وَرَجَعَ عَلَى الصَّغِيرِ إذَا بَلَغَ وَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عِنْدَنَا عَلَى إنْكَارٍ بَلْ عَلَى إقْرَارٍ فَإِذَا وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَتَوَافَقَا عَلَى الصُّلْحِ جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يُقِرَّهُمَا عَلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ مَا مَنْشَأُ اخْتِلَافِ السُّبْكِيّ وَأَهْلِ عَصْرِهِ الَّذِينَ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ فِي دَيْنِ الْوَارِثِ الْمُوجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمَقَالَتَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا بِالْمِثَالِ فَإِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ ثَمَانِينَ وَدَيْنُ الْوَارِثِ الَّذِي هُوَ الصَّدَاقُ كَذَلِكَ فَهُمْ يَقُولُونَ يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثَةِ فِيمَا إذَا خَلَفَ زَوْجَةً وَابْنًا بِنِسْبَةِ إرْثِهَا الَّذِي هُوَ الثُّمْنُ فَسَقَطَ مِنْ دَيْنِهَا عَشَرَةٌ إذْ هِيَ الَّتِي يَلْزَمُهَا أَدَاؤُهَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِأَجْنَبِيٍّ وَحْدَهُ فَإِذَا أَدَّتْهَا كَانَ لَهَا التَّصَرُّفُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إلَى وُقُوعِ تَرَادٍّ مِنْ نَفْسِهَا بَلْ يَسْقُطُ ثُمْنُ الدَّيْنِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الزَّوْجِ إذْ لَا يُعْقَلُ الْحَجْرُ عَلَى الشَّخْصِ فِي مَالِهِ وَلَوْ مَنَعَتْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي ثُمْنِ التَّرِكَةِ حِينَئِذٍ لَزِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهَا فِي مِلْكِهَا إذْ الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ فَمِنْ ثَمَّ قَالُوا يَسْقُطُ ثُمْنُ الدَّيْنِ يَعْنِي أَنَّ لَهَا التَّصَرُّفَ فِي ثُمْنِ التَّرِكَةِ لِاسْتِحَالَةِ الْحَجْرِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِهِ وَلَا تَعَلُّقَ لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ بَلْ فِيمَا إذَا كَانَ دَيْنُ الْوَارِثِ أَكْثَرَ مِنْ التَّرِكَةِ كَأَنْ يَكُونَ ثَمَانِينَ وَهِيَ أَرْبَعُونَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ سُقُوطُ ثُمْنِ الدَّيْنِ وَهُوَ يَقُولُ السَّاقِطُ مِنْ دَيْنِ الزَّوْجَةِ مَا يَلْزَمُهَا أَدَاؤُهُ لَوْ كَانَتْ الثَّمَانُونَ لِأَجْنَبِيٍّ وَهُوَ خَمْسَةٌ فَقَطْ فَهِيَ السَّاقِطَةُ مِنْ دَيْنِهَا وَيُقَدَّرُ أَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْهَا ثُمَّ أُعِيدَتْ لَهَا مِنْ الدَّيْنِ وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ زَعْمِهِمْ سُقُوطَ الْجَمِيعِ إذْ لَوْ كَانَ لِابْنِهِ الْحَائِزِ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ وَالتَّرِكَةُ أَرْبَعُونَ فَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أَنْ يَسْقُطَ الْجَمِيعُ لِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ يَسْقُطُ قَدْرُ إرْثِهِ وَقَدْرُ إرْثِهِ جَمِيعُ التَّرِكَةِ وَسُقُوطُ جَمِيعِهِ لَا قَائِلَ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ إنَّمَا يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ الْحَائِزِ أَرْبَعُونَ لِأَنَّهَا الَّتِي يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِأَجْنَبِيٍّ إذْ وُجُوبُ قَضَائِهِ مِنْ التَّرِكَةِ لَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ.
وَإِذَا سَقَطَ مِنْ دَيْنِهِ أَرْبَعُونَ بَقِيَتْ ذِمَّةُ الْمُوَرِّثِ مَشْغُولَةً بِأَرْبَعِينَ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِهَا إذَا لَمْ يُبَرِّئْهُ الْوَارِثُ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ التَّرِكَةِ كَأَنْ يَكُونَ أَرْبَعِينَ وَهِيَ ثَمَانُونَ فَهَذِهِ وَمَسْأَلَةُ اسْتِوَائِهِمَا لَا اخْتِلَافَ فِيهَا لِأَنَّهُ هُوَ وَهُمْ يَقُولُونَ فِي صُورَةِ الزَّوْجَةِ السَّابِقَةِ إنَّ السَّاقِطَ خَمْسَةٌ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَبْقَ اعْتِرَاضُهُ عَلَيْهِمْ إلَّا فِيمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ وَكَلَامُهُ هُوَ الْحَقُّ وَلَيْسَ مَعْنَى السُّقُوطِ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى لَا يَجِبُ إلَّا قَضَاءُ سَبْعَةِ أَثْمَانِ الصَّدَاقِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولهُ هُوَ وَلَا هُمْ بَلْ سُقُوطٌ يُؤَدِّي إلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْوَارِثِ فِي مِقْدَارِ إرْثِهِ لِاسْتِحَالَةِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ حِصَّتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا دَيْنَ لِغَيْرِهِ.
فَقَوْلُ السُّبْكِيّ وَيَرْجِعُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بِمَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا تَسَاوَيَا كَثَمَانِينَ وَثَمَانِينَ فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِي عَشَرَةٍ لَا فِي سَبْعِينَ إلَّا إنْ أَدَّاهَا إلَيْهَا الْوَرَثَةُ لِامْتِنَاعِ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ قَبْلَ الْأَدَاءِ مِنْ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فِيمَا عَدَا حِصَّتَهَا وَقَدْ يُفْضِي الْأَمْرُ إلَى التَّقَاصِّ فِيمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثَيْنِ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ ابْنَانِ لِكُلٍّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ فَإِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ ثَمَانِينَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَقْضِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عِشْرِينَ وَيَسْتَبِدَّ الدَّائِنُ بِقَبْضِ عِشْرِينَ لِأَنَّهُ إذَا طَالَبَهُ بِعِشْرِينَ
следующие страницы →