← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فَقَطْ وَالزَّائِدُ عَلَى قَدْرِهَا فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سَقَطَ مِنْ دَيْنِهِ مَا يَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الْوَارِثِ أَدَاؤُهُ لَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِذَا كَانَتْ السِّتَّةَ عَشَرَ الْمَذْكُورَةُ لِمَنْ وَرِثَ الثُّمْنَ وَالتَّرِكَةُ اثْنَا عَشَرَ وَجَبَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَقْضُوا مِنْ الدَّيْنِ اثْنَيْ عَشَرَ فَقَطْ وَيَبْقَى لِصَاحِبِهِ أَرْبَعَةٌ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فَيَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ صَاحِبِ الثُّمْنِ حِصَّتُهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَهُوَ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ. وَهَذَا مُرَادُ السُّبْكِيّ بِقَوْلِهِ وَمَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهُ إنْ كَانَ أَيْ الدَّيْنُ أَكْثَر مِنْ التَّرِكَةِ أَيْ وَالسَّاقِطُ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ جُزْءٌ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ إرْثِهِ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ التَّرِكَةِ وَإِلَّا فَالسَّاقِطُ جُزْءٌ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ إرْثِ صَاحِبِهِ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْوَرَثَةِ أَدَاؤُهُ لَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ وَالْوَاجِبُ أَدَاؤُهُ حِينَئِذٍ هُوَ قَدْرُ التَّرِكَةِ وَبِمَا تَقَرَّرَ ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ عِبَارَةِ السُّبْكِيّ وَالْجَمَاعَةِ وَمِمَّا يُزِيدُهُ إيضَاحًا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ وَعَلَيْهِ ثَمَانُونَ دِينَارًا عِشْرُونَ لِأَحَدِ بَنِيهِ وَسِتُّونَ لِأَجْنَبِيٍّ وَتَرِكَتُهُ ثَمَانِيَةُ دَنَانِيرَ فَقَطْ كَانَ لِابْنِ الدَّائِنِ مِنْهَا دِينَارَانِ حِصَّتُهُ مِنْ تَوْزِيعِ الثَّمَانِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى نِسْبَةِ دَيْنِهِمَا فَدِينَارٌ مِنْهُمَا عَلَيْهِ وَدِينَارٌ مِنْهُمَا عَلَى أَخِيهِ فَيَسْقُطُ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ وَيَسْتَقِرُّ لَهُ مِنْ التَّرِكَةِ ثُمْنُهَا وَيَبْقَى مِنْ حِصَّتِهِ مِنْهَا وَهِيَ النِّصْفُ رُبْعٍ وَثُمْنٌ فِي مَعْنَى الْمَرْهُونِ حَتَّى يُؤَدِّيَ لِلْأَجْنَبِيِّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ مِنْ دَيْنِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ السُّبْكِيّ. قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِي سُقُوطِ الدِّينَارِ الْمَذْكُورِ مِنْ دَيْنِ الِابْنِ وَاسْتِقْرَارِ ثُمْنِ التَّرِكَةِ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَسَلَّطَ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ مِنْ دَيْنِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِاسْتِقْرَارِ نَظِيرِ مَا سَقَطَ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ اهـ وَمَا ذَكَرَهُ مُحْتَمَلٌ وَيُحْتَمَلُ تَقْرِيرُ كَلَامِ السُّبْكِيّ عَلَى مُقْتَضَاهُ الْمَذْكُورِ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَائِرِهِ مُمْكِنٌ. (وَسُئِلَ) إذَا مَاتَ مَدْيُونٌ وَدَائِنُهُ غَائِبٌ مَفْقُودُ الْخَبَرِ أَوْ مَعْلُومُهُ وَلَمْ يَجِدْ وَارِثُهُ قَاضِيًا أَمِينًا فَهَلْ إفْرَازُهُ قَدْرَ حِصَّةِ الدَّيْنِ يُبِيحُ لَهُ التَّصَرُّفَ وَهَلْ لَهُ حِيلَةٌ غَيْر ذَلِكَ وَكَذَا فِيمَا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حِيلَتُهُ فِي الْحَجِّ أَنْ يُبَادِرَ بِالِاسْتِئْجَارِ وَيُسَلِّمَ الْأُجْرَةَ إلَى الْأَجِيرِ ثُمَّ يَتَصَرَّف وَأَمَّا فِي وَفَاءِ دَيْنِ الْغَائِبِ فَلَا حِيلَةَ لَهُ إلَّا الرَّفْع إلَيْهِ أَوْ إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَقَوْلُ بَعْضُهُمْ حِيلَتُهُ أَنْ يُحَكِّمَ عَدْلًا فِي ذَلِكَ فَيَفْرِزُ لَهُ قَدْرَ حَقِّهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَاضِيًا وَلَا مُحَكَّمًا كَفَى إفْرَازُ عَدْلٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَدْلًا تَصَرَّفَ وَضَمِنَ النَّقْصَ غَيْرُ سَدِيدٍ إذْ شَرْطُ التَّحْكِيمِ رِضَا الْمُتَحَاكِمَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَأَيْضًا فَأَمْوَالُ الْغَائِبِينَ وَالْمَفْقُودِينَ إنَّمَا يَحْفَظُهَا وَيَسْتَنِيبُ فِي حِفْظِهَا الْحَاكِم دُونَ غَيْرِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا حَتَّى يَدْفَعَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ وَضْعِ الْمُرْتَهَنِ الْمَرْهُونَ فِي حِرْزٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمِينٍ فَسُرِقَ هَلْ يَضْمَنُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ مُخْتَصًّا بِالْيَدِ فَأَزَالَهَا عَنْهُ كَأَنْ وَضَعَهَا فِي الْحِرْزِ الْمَذْكُورِ ضَمِنَ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا إلَّا تَعَدَّدَ الْعَقْدُ أَوْ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ قَالَ الشَّيْخُ: كَأَنْ رَهَنَ عَبْدًا مِنْ اثْنَيْنِ بِدَيْنِهِمَا عَلَيْهِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَإِنْ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنِهِمَا كَبَيْعٍ وَإِتْلَافٍ ثُمَّ بَرِئَ عَنْ دَيْنِ أَحَدِهِمَا وَهَذَا يُشْكِلُ بِأَنَّ مَا أَخَذَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الدَّيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَكَيْف تَنْفَكُّ حِصَّتُهُ مِنْ الرَّهْنِ بِأَخْذِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ مَا هُنَا مَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَتَّحِدْ جِهَةُ دَيْنِهِمَا أَوْ إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ بِالْإِبْرَاءِ لَا بِالْأَخْذِ اهـ فَقَوْلُهُ مَحَلُّهُ إلَخْ يُنَافِي قَوْلَهُ أَوَّلًا كَالرَّوْضَةِ وَإِنْ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنِهِمَا وَيُنَافِي قَوْلَ الْأَصْلِ وَفِي وَجْهٍ إنْ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنَيْهِمَا لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا وَإِنَّمَا يَنْفَكُّ إذَا اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ وَالصَّحِيحُ الِانْفِكَاكُ مُطْلَقًا فَمَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا وَإِنْ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنَيْهِمَا إنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُبَيِّنَ شُمُولَ الْمَتْنِ لَهُ حَتَّى يُطَابِقَ عِبَارَةَ أَصْلِهِ وَلِيَتَوَجَّهَ الْإِشْكَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ ثُمَّ سَلَكَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى تَخْصِيصُ مَا هُنَا بِالصُّورَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَهِيَ إذَا لَمْ تَتَّحِدْ الْجِهَةُ وَحِينَئِذٍ لَا يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ أَصْلًا الثَّانِي سَلَّمْنَا أَنَّ مَا هُنَا عَامٌّ فِي الِاتِّحَادِ

стр. 562

وَعَدَمِهِ لَكِنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ بِالْإِبْرَاءِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ أَصْلًا إذْ لَا أَخْذَ هُنَا حَتَّى يُقَالَ إنَّ الْمَأْخُوذَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَمَّا إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ بِالْأَدَاءِ فَالْمَعْمُولُ بِهِ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَلَا تَنْفَكُّ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا مِنْ الرَّهْنِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَلَامَ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَ لِأَنَّ الْوَجْهَ الضَّعِيفَ إنَّمَا فَرَضَ كَلَامَهُ فِي الْبَرَاءَةِ لَا فِي الْأَدَاءِ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ وَالصَّحِيحُ الِانْفِكَاكُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ أَمْ اخْتَلَفَتْ فِي صُورَةِ الْبَرَاءَةِ لَا فِي صُورَةِ الْأَدَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ إنَّ مَا يُؤْخَذَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَيْضًا وَلَا يَنْتَقِلُ الْمَرْهُونُ إلَى عَدْلٍ أَوْ فَاسِقٍ آخَرَ إلَّا إلَّا اتَّفَقَا أَيْ الْعَاقِدَانِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ حَدَثَ بِهِ فِسْقٌ وَنَحْوُهُ وَتَنَازَعَا فِيمَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ نَقَلَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ قَالَ ابْن الرِّفْعَةِ هَذَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ وَإِلَّا فَيَظْهَرُ أَنْ لَا يَوْضَعَ عِنْدَ عَدْلٍ إلَّا بِرِضَا الرَّاهِنِ لِأَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَصْلِ الْإِقْبَاضِ فَهَلْ مَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مُعْتَمَدٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عِلَّتِهِ فِي مَحَلِّ الْمَنْعِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يُفِدْ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ امْتِنَاعٌ الْآنَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ الْآنَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ إذْ يَدُ الْعَدْلِ لَيْسَتْ نَائِبَة عَنْ يَدِ الرَّاهِنِ فَقَطْ بَلْ عَنْ يَدِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ لِلْعَدْلِ رُدَّهُ إلَيْهِمَا لَا إلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنٍ وَإِلَّا ضَمِنَهُ إنْ تَلِفَ بِبَدَلِهِ وَرَدَّهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ لِيَكُونَ رَهْنًا مَكَانَهُ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي لُزُومِ الرَّهْنِ وَامْتِنَاعِ الرَّاهِنِ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهِ فَظَهَرَ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الرِّفْعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَعْلِيلِهِ مَا بَحَثَهُ بِمَا لَا يُجْدِي إنْ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَوْ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ إنْ أَرَادَ الْمَعْنَى الثَّانِي. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا أَيْضًا فِي شَرْحِ قَوْلِ الرَّوْضِ أَرْشُ الْمَرْهُونِ وَقِيمَتُهُ إنْ ضُمِنَ رَهْنٌ وَلَوْ كَانَ فِي ذِمَّةِ الْجَانِي ثُمَّ مَحَلُّ كَوْنِ مَا ذُكِرَ رَهْنًا فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ الْجَانِي غَيْرَ الرَّاهِنِ وَإِلَّا فَلَا يَصِيرُ مَرْهُونًا إلَّا بِالْغُرْمِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِيمَا إذَا لَزِمَهُ قِيمَةُ مَا أَعْتَقَهُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي كَوْنِهِ مَرْهُونًا فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِهِ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ اهـ قَالَ فِي الْخَادِمِ وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ بِالْإِتْلَافِ صَارَ فَاسِخًا لِلْعَقْدِ فَلَا بُدَّ عِنْد أَخْذِ بَدَلِهِ مِنْ تَجْدِيدِهِ بِخِلَافِ إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَهَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مُعْتَمَدٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضِ فِيمَا إذَا لَزِمَهُ قِيمَةُ مَا أَعْتَقَ إذَا أَعْتَقَ الْمُوسِرُ مَرْهُونًا مَقْبُوضًا عَتَقَ فِي الْحَالِ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ وَتَصِيرُ رَهْنًا وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِصَيْرُورَتِهَا رَهْنًا فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ الْغُرْمِ وَلِكَوْنِهَا لَا تَصِيرُ إلَّا بَعْدَهُ لِأَنَّ وَضْعَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ ذَلِكَ لَكِنْ قَالَ الشَّارِحُ وَتَصِيرُ مِنْ حِينِ غُرْمِهَا فَحَمَلَهُ عَلَى الثَّانِي فَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ عَدَمَ الْفَائِدَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَةِ فَمَمْنُوعٌ فِيهِمَا إذْ يُتَصَوَّرُ لَهُ فَائِدَةٌ أَيُّ فَائِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ حُجِرَ عَلَى الرَّاهِنِ بِفَلَسٍ بَعْدَ الْعِتْقِ أَوْ الْإِتْلَافِ وَقَبْلَ غُرْمِ الْقِيمَةِ فَيُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَرْهُونِ الَّذِي لَوْلَا إتْلَافُهُ لَقُدِّمَ بِهِ فَلِيَقُمْ بَدَلُهُ. وَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ مَقَامَهُ فَكَانَ لِلْحُكْمِ عَلَيْهَا فِي ذِمَّتِهِ بِكَوْنِهَا رَهْنًا فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَى الْمَرْهُونِ بِمَصْلَحَةٍ أَيِّ مَصْلَحَةٍ بَلْ هَذِهِ أَعْظَمُ مِنْ فَائِدَةِ كَوْنِهَا رَهْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَانِي فَإِنَّ الْفَائِدَةَ هِيَ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَتَعَلَّقُ بِهَا إذَا قَبَضَهَا الرَّاهِنُ مِنْهُ وَلَوْ حَكَمْنَا بِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ مَرْهُونَةً إلَّا بِقَبْضِهِ لَهَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ضَيَاعُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بِذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ مَجْمُوعِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِمُحَاصَّةِ الْغُرَمَاءِ فِيهَا فِي صُورَةِ الْحَجْرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ الْحَمْلِ كَلَامَ الْأَصْحَابِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمَدًا لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ بِمَا قَرَّرْنَاهُ وَمَا فَرَّقَ بِهِ فِي الْخَادِمِ مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ امْرَأَةٍ رَهَنَتْ مَصَاغًا عِنْدَ امْرَأَةٍ أُخْرَى بِمَبْلَغٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنْ تَلْبَسَ ذَلِكَ الْمَصَاغَ مَا دَامَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهَا فَلَبِسَتْ الْمُرْتَهِنَةُ ذَلِكَ الْمَصَاغَ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ ثُمَّ تَلِفَ مِنْهَا بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ فَهَلْ يَلْزَمُهَا قِيمَةُ الْمَصَاغِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَلْزَمُهَا قِيمَةُ الْمَصَاغِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَتَلِفَ بِتَقْصِيرٍ أَمْ غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) عَنْ

стр. 563

إنْسَانٍ رَهَنَ عِنْدَ آخَرَ رَهْنًا عَلَى مَبْلَغٍ مُعَيَّنٍ فَتَسَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ وَدَفَعَهُ لِفَتَاهُ لِيُدْخِلَهُ فِي حَاصِلٍ لِسَيِّدِهِ فَأَدْخَلَهُ الْفَتَى فِي حَاصِلِ سَيِّدِهِ بِحُضُورِهِ وَطَرِيقَةُ هَذَا السَّيِّدِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ شَيْئًا إلَى حَاصِلِهِ أَوْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْهُ يَتَعَاطَى ذَلِكَ جَمِيعَهُ مِنْ يَدِ هَذَا الْفَتَى وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُفَارِقْ سَيِّدَهُ مِفْتَاحُ الْحَاصِلِ وَالْجَمِيعُ بِحُضُورِهِ ثُمَّ لَمْ يَشْعُرْ إلَّا وَقَدَ غُيِّبَ الْفَتَى بِالْإِبَاقِ فَتَفَقَّدَ السَّيِّدُ حَاصِلَهُ وَأَمْتِعَتَهُ فَإِذَا بِالْفَتَى قَدْ اخْتَلَسَ مِنْهُ أَعْيَانًا وَنَقْدًا وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ فَجَاءَ صَاحِبُ الرَّهْنِ وَطَلَبَ رَهْنَهُ بَعْدَ إبَاقِ الْفَتَى فَقَالَ لَهُ السَّيِّدُ قَدْ وَدَّاهُ الْفَتَى مَعَهُ وَرَاحَ وَهَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ بَلْدَةِ السَّيِّدِ وَقَصَدَ بِوَدَّاهُ الْفَتَى مَعَهُ وَرَاحَ أَيْ اخْتَلَسَهُ وَأَبَقَ بِهِ فَلَمَّا سَافَرَ الْمُرْتَهِنُ الْمَذْكُورُ إلَى بَلْدَةٍ غَيْرِ الْبَلْدَةِ الَّتِي اُخْتُلِسَ مِنْهَا مَا ذُكِرَ ادَّعَى عَلَى وَكِيلِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ الرَّهْنَ قَالَ وَدَّاهُ الْفَتَى مَعَهُ وَحَمَلَ الْحَاكِمُ وَالشُّهُودُ قَوْلَ السَّيِّدِ وَدَّاهُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِلْفَتَى وَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْوَكِيلِ بِاللُّزُومِ وَدَفَعَهُ مِنْ مَالِ مُوَكِّلِهِ قِيمَة هَذَا الرَّهْنِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مَا قَصَدَ بِوَدَّاهُ إلَّا اخْتَلَسَهُ الْفَتَى فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ عَلَى قَصْدِهِ الَّذِي قَصَدَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مُصْطَلَحَ لُغَةِ أَهْلِ بَلْدَتِهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ يَدُ أَمَانَةٍ فَإِذَا تَلِفَ مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ تَمْكِينَ الْعَبْدِ الْأَمِينِ مِنْ دُخُولِ مَحَلِّ الْمَرْهُونِ لَيْسَ تَقْصِيرًا فَإِذَا اخْتَلَسَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرِ سَيِّدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ سَيِّدُهُ وَيُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَاهُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ وَإِنْ قَالَ وَدَّاهُ الْفَتَى مَعَهُ وَرَاحَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إقْرَارًا بِأَنَّهُ مَكَّنَهُ مِنْ أَخْذِهِ لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا فَحُكْمُ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ بِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بَاطِلٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ. (سُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ رَهَنَ عَبْدَهُ بِدَيْنِ آخَرَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَهَلْ يَصِحُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ وَكَأَنَّهُ ضَمِنَ الدَّيْنَ فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا ارْتَهَنَ الْكَافِرُ مُصْحَفًا أَوْ مُسْلِمًا فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ أَوْ يَقْبِضُهُ لَهُ الْحَاكِمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَقْبِضُهُ لَهُ الْحَاكِمُ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ أَصْلًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ بَلْ يَقْبِضُهُ لَهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ قُلْت: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ فَلَيْسَ فِي وَضْعِ الْكَافِرِ يَدَهُ لِمُجَرَّدِ صِحَّةِ الْقَبْضِ إهَانَةٌ وَلَا إذْلَالٌ بِخِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الْمِلْكَ لَهُ فَفِي وَضْعِ يَدِهِ ذَلِكَ قُلْت: مَمْنُوعٌ بَلْ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ إذْ لَا إهَانَةَ وَلَا إذْلَالَ فِي وَضْعِ الْيَدِ فِيهِمَا بِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ صَوْنًا لَهُمَا عَنْ الدُّخُولِ فِي يَدِهِ وَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَدَّعِيَ عَدَمَ انْتِفَائِهِ إذْ مُجَرَّدُ وَضْعِ يَدِهِ إهَانَةٌ وَإِذْلَالٌ فِي الْجُمْلَةِ فَمُنِعَ مِنْهُ طَرْدُ اللَّبَابِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا أَتْلَفَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ ثُمَّ أَبْرَأ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ أَمْ لَا وَلَوْ رَهَنَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ بَعْد لُزُومِ الرَّهْنِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا عَلِمَ الْمَالِكُ مَا لَزِمَ ذِمَّةَ الْمُتْلِفِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ صَحَّ إبْرَاؤُهُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا وَيَصِحُّ الرَّهْنُ فِيمَا ذُكِرَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ بَيْعُ الْمَرْهُونِ أَوْ رَهْنُهُ أَوْ هِبَتُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ صَحِيحٌ سَوَاءٌ ابْتَدَأَ الرَّاهِنَ بِالْإِيجَابِ أَمْ لَا وَيَكُونُ فَسْخًا لِلرَّهْنِ لِأَنَّ قَبُولَ الْمُرْتَهِنِ لِذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِرِضَاهُ بِالْفَسْخِ فَكَذَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ رَهْنُهُ مِنْ غَيْرِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ مِنْ الرَّهْنِ مُسْتَلْزِمٌ لِرِضَاهُمَا بِالْفَسْخِ فَيَكُونُ فَسْخًا. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ رَهَنَ أَمَتَهُ بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ فَحَبِلَتْ مِنْهُ بِوَطْءٍ حَالَ الرَّهْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَبِيعَتْ لِقَضَاءِ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ انْتَقَلَتْ إلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ بِالْإِرْثِ مِنْ مُوَرِّثِهِ وَكَانَ عَلَى مُوَرِّثِهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْجَارِيَةُ الْمَذْكُورَةُ فَهَلْ تُبَاعُ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ أَوْ لَا وَهَلْ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَارِثُهُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ بَيْعُ الْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ مُوسِرًا لِأَنَّهُ وَإِنْ مَلَكهَا بِالْإِرْثِ لَكِنَّهُ مِلْكٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مَرْهُونَةٌ بِالدَّيْنِ وَإِنْ أَيْسَرَ الْوَارِثُ إذْ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا وَإِذَا مَلَكَهَا مِلْكًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ نُفُوذُ الْإِيلَادِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ أَهْلِ الدَّيْنِ وَبَقَاءُ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِ مَعَ تَفْوِيتِ مِلْكِهِ

стр. 564

التَّامِّ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَصْلَحَةٌ وَلَا كَانَ سَبَبًا فِيهِ فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ تُعْتَقْ عَلَى الْوَارِثِ الْمُوسِرِ وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا لِأَهْلِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي عِتْقِهَا بِسَبْقِ إيلَادِهِ لَهَا قُلْت: ذَلِكَ الْإِيلَادُ قَدْ بَطَلَ حُكْمُهُ بِبَيْعِهَا أَوَّلًا مَا دَامَتْ خَارِجَةً عَنْ مِلْكِهِ وَانْتِقَالُهَا إلَى مِلْكِهِ بِالْإِرْثِ مَعَ كَوْنِهَا مَرْهُونَةً بِدَيْنِ الْمَيِّتِ كَخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِ الْوَارِثِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عِتْقِهَا عَلَيْهِ مَحْذُورٌ. وَهُوَ إمَّا ضَيَاعُ أَصْلِ الدَّيْنِ إنْ لَمْ يُلْزَمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ وَكَذَا بَقَاءُ شَغْلِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَضَيَاعُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهَا مَرْهُونَةً بِهِ وَإِمَّا تَكْلِيفُ الْوَارِثِ بَدَلَ قِيمَتِهَا مَعَ انْقِطَاعِ حُكْمِ الْإِيلَادِ إلَى الْآنَ وَلَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَلَزِمَهُ إذَا أَيْسَرَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِتُعْتَقَ عَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُلْزِمُوهُ بِهَذَا بِوَجْهٍ نَظَرًا إلَى خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ فَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ الْقِيمَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا حَتَّى تُعْتَقَ نَظَرًا إلَى أَنَّ تَعَلُّقَ دَيْنِ الْمَيِّتِ بِرَقَبَتِهَا صَيَّرَهَا كَالْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ بِجَامِعِ عَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا فَإِنْ قُلْت: عِتْقُ الْوَارِثِ الْمُوسِرِ لِقِنِّ التَّرِكَةِ جَائِزٌ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا دَيْنٌ وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ فَلِمَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ هُنَا قُلْت فَرْقٌ بَيْنَ الْمُتَبَرِّعِ وَالْمُلْزَمِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ تَبَرُّعِهِ بِالْعِتْقِ وَتَوْطِينِهِ نَفْسِهِ عَلَى مَا بَذَلَ الْقِيمَةَ تَبَرُّعًا أَنَّا نُلْزِمُهُ بِبَذْلِ الْقِيمَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْتِزَامَهُ بِذَلِكَ هَذَا مَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ جَلِيٌّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ وَمَدَارِكِهِمْ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ عَيْنٍ مُرْتَهَنَةٍ فِي دَيْنٍ شَرْعِيٍّ وَامْتَنَعَ الْخَصْمُ مِنْ الْأَدَاءِ أَوْ مَاتَ أَوْ غَابَ هَلْ لِلْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ جَبْرُهُ أَوْ وَارِثُهُ أَوْ وَكِيلُهُ عَلَى بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُرْتَهَنَةِ أَوْ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهَا مِنْ مَالِهِ الْحَاضِرِ أَوْ الْغَائِبِ لِيُوَفِّيَ دَيْنَ خَصْمِهِ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ الْوُجُوهِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا امْتَنَعَ فَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ لَا يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ إلَّا الْعَيْنُ الْمُرْتَهَنَةُ فَقَطْ هَلْ يُسْمَعُ قَوْلُهُ أَمْ لَا وَيَبِيعُ الْحَاكِمُ مَا شَاءَ مِنْ أَمْوَالِهِ وَإِذَا امْتَنَعَ أَيْضًا كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَدَاءِ هَلْ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَبِيعَ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) إذَا كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ وَضَامِنٌ فَلِلْمُرْتَهِنِ طَلَبُ الْوَفَاءِ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ كَانَ بِهِ رَهْنٌ فَقَطْ فَلَهُ طَلَبُ بَيْعِهِ أَوْ قَضَاءُ دَيْنِهِ إنْ حَلَّ فَإِذَا بِيعَ الْمَرْهُونُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ جِنَايَةٌ قُدِّمَ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ وَعُلِمَ مِنْ طَلَبِهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مَا فِي النِّهَايَةِ. وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَخْتَارَ الْبَيْعَ وَالتَّوْفِيَةَ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّوْفِيَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا نَظَرَ لِهَذَا التَّأْخِيرِ وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّ تَعْلِيقَهُ الْحَقَّ بِعَيْنِ الرَّهْنِ رِضًا مِنْهُ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ وَطَرِيقُهُ الْبَيْعُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ الرَّهْنِ أَيْضًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْهُونَ قَدْ لَا يُوَفِّي ثَمَنُهُ الدَّيْنَ أَوْ يَتْلَفُ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ مِنْ بَقِيَّةِ مَالِ الرَّاهِنِ وَلَا مَا يَأْتِي مِنْ إجْبَارِهِ عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاهِنِ حَتَّى يُوَفِّيَ مِمَّا يَخْتَارُ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَهِنِ حَتَّى يُجْبِرَهُ عَلَى الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ. وَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَامْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ بَاعَ الرَّهْنَ عَلَيْهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ وَمِلْكِ الرَّاهِنِ وَالرَّهْنِ وَكَوْنُهُ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَقُضِيَ الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ تَوَقُّفِ بَيْعِ الْحَاكِمِ هُنَا عَلَى الْإِصْرَارِ وَجَوَازِ بَيْعِهِ لِمَالِ الْمُفْلِسِ مُطْلَقًا بِأَنَّ الْحَجْرَ ثَمَّ أَوْجَبَ كَوْنَ الْقَاضِي نَائِبًا عَنْهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَمْ يَثْبُتْ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ بَيْعِهِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِسَاخِ وَإِذَا أَقَامَ الْمُرْتَهِنُ حُجَّةً بِالدَّيْنِ وَمِلْكِ الرَّاهِنِ وَبِالرَّهْنِ فِي غِيبَةِ الْمُرْتَهِن بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَوَفَّى مِنْ ثَمَنِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بَيْعُهُ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ لَهُ مَا يُوَفِّي الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ بَيْعُهُ أَصْلَح وَلَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِئْذَانِ الرَّاهِنِ وَالْحَاكِمِ صَحَّ وَوَكِيلُ الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنُ كَهُوَ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ وَوَارِثُ الْمَيِّتِ مِثْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ أَيْضًا نَعَمْ إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ فَازَ الْمُرْتَهِنُ بِقِيمَةِ رَهْنِهِ وَمَا فَضَلَ لَهُ يُضَارِبُ بِهِ مَعَ الدَّائِنِينَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا إذَا شَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي رَهْنًا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَيَكُونُ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ فَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ رَهْنًا وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْعَيْنَ

стр. 565

الْمَبِيعَةَ وَلَا غَيْرَهَا ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَرْهَنَهُ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَرَهْنُ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ أَوْ لَا أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ رَهْنِ الْمَبِيعِ سَوَاءٌ أَشَرَطَ أَنْ يَرْهَنَهُ إيَّاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ أَمْ بَعْدَهُ فَإِنْ رَهَنَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ بِلَا شَرْطٍ أَوْ مَعَ شَرْطِ مُطْلَقِ الرَّهْنِ صَحَّ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ. (وَسُئِلَ) عَنْ حُرٍّ مُسْلِمٍ صَغِيرٍ رَهَنَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ قَرَابَتُهُ لِعَدَمِ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ فَلَمَّا بَلَغَ وَأَرَادَ فِرَاقَهُ طَالَبَهُ الْمُرْتَهِنُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ فَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا مِنْهُ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْفِقْ هُوَ لَأَلْجَأَتْ الْحَالُ إلَى هَلَاكِهِ أَوْ لَا وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمَا بِإِعْطَاءِ شَيْءٍ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ يَدِهِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْقَاضِي عَلَى إجْرَاءِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ أَدَاءِ شَيْءٍ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ بَاطِلٌ وَأَمَّا مَا أَنْفَقَهُ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَشَرَطَ لَهُ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُنْفِقِ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا فَإِنْ أَطْعَمَهُ سَاكِنًا فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ قَالَ كَانَ بِعِوَضٍ حَلَفَ الْمَالِكُ وَرَجَعَ عَلَى الصَّغِيرِ إذَا بَلَغَ وَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عِنْدَنَا عَلَى إنْكَارٍ بَلْ عَلَى إقْرَارٍ فَإِذَا وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَتَوَافَقَا عَلَى الصُّلْحِ جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يُقِرَّهُمَا عَلَيْهِ. (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ مَا مَنْشَأُ اخْتِلَافِ السُّبْكِيّ وَأَهْلِ عَصْرِهِ الَّذِينَ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ فِي دَيْنِ الْوَارِثِ الْمُوجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمَقَالَتَيْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا بِالْمِثَالِ فَإِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ ثَمَانِينَ وَدَيْنُ الْوَارِثِ الَّذِي هُوَ الصَّدَاقُ كَذَلِكَ فَهُمْ يَقُولُونَ يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثَةِ فِيمَا إذَا خَلَفَ زَوْجَةً وَابْنًا بِنِسْبَةِ إرْثِهَا الَّذِي هُوَ الثُّمْنُ فَسَقَطَ مِنْ دَيْنِهَا عَشَرَةٌ إذْ هِيَ الَّتِي يَلْزَمُهَا أَدَاؤُهَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِأَجْنَبِيٍّ وَحْدَهُ فَإِذَا أَدَّتْهَا كَانَ لَهَا التَّصَرُّفُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إلَى وُقُوعِ تَرَادٍّ مِنْ نَفْسِهَا بَلْ يَسْقُطُ ثُمْنُ الدَّيْنِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الزَّوْجِ إذْ لَا يُعْقَلُ الْحَجْرُ عَلَى الشَّخْصِ فِي مَالِهِ وَلَوْ مَنَعَتْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي ثُمْنِ التَّرِكَةِ حِينَئِذٍ لَزِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهَا فِي مِلْكِهَا إذْ الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ فَمِنْ ثَمَّ قَالُوا يَسْقُطُ ثُمْنُ الدَّيْنِ يَعْنِي أَنَّ لَهَا التَّصَرُّفَ فِي ثُمْنِ التَّرِكَةِ لِاسْتِحَالَةِ الْحَجْرِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِهِ وَلَا تَعَلُّقَ لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ بَلْ فِيمَا إذَا كَانَ دَيْنُ الْوَارِثِ أَكْثَرَ مِنْ التَّرِكَةِ كَأَنْ يَكُونَ ثَمَانِينَ وَهِيَ أَرْبَعُونَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ سُقُوطُ ثُمْنِ الدَّيْنِ وَهُوَ يَقُولُ السَّاقِطُ مِنْ دَيْنِ الزَّوْجَةِ مَا يَلْزَمُهَا أَدَاؤُهُ لَوْ كَانَتْ الثَّمَانُونَ لِأَجْنَبِيٍّ وَهُوَ خَمْسَةٌ فَقَطْ فَهِيَ السَّاقِطَةُ مِنْ دَيْنِهَا وَيُقَدَّرُ أَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْهَا ثُمَّ أُعِيدَتْ لَهَا مِنْ الدَّيْنِ وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ زَعْمِهِمْ سُقُوطَ الْجَمِيعِ إذْ لَوْ كَانَ لِابْنِهِ الْحَائِزِ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ وَالتَّرِكَةُ أَرْبَعُونَ فَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أَنْ يَسْقُطَ الْجَمِيعُ لِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ يَسْقُطُ قَدْرُ إرْثِهِ وَقَدْرُ إرْثِهِ جَمِيعُ التَّرِكَةِ وَسُقُوطُ جَمِيعِهِ لَا قَائِلَ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ إنَّمَا يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ الْحَائِزِ أَرْبَعُونَ لِأَنَّهَا الَّتِي يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِأَجْنَبِيٍّ إذْ وُجُوبُ قَضَائِهِ مِنْ التَّرِكَةِ لَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ. وَإِذَا سَقَطَ مِنْ دَيْنِهِ أَرْبَعُونَ بَقِيَتْ ذِمَّةُ الْمُوَرِّثِ مَشْغُولَةً بِأَرْبَعِينَ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِهَا إذَا لَمْ يُبَرِّئْهُ الْوَارِثُ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ التَّرِكَةِ كَأَنْ يَكُونَ أَرْبَعِينَ وَهِيَ ثَمَانُونَ فَهَذِهِ وَمَسْأَلَةُ اسْتِوَائِهِمَا لَا اخْتِلَافَ فِيهَا لِأَنَّهُ هُوَ وَهُمْ يَقُولُونَ فِي صُورَةِ الزَّوْجَةِ السَّابِقَةِ إنَّ السَّاقِطَ خَمْسَةٌ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَبْقَ اعْتِرَاضُهُ عَلَيْهِمْ إلَّا فِيمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ وَكَلَامُهُ هُوَ الْحَقُّ وَلَيْسَ مَعْنَى السُّقُوطِ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى لَا يَجِبُ إلَّا قَضَاءُ سَبْعَةِ أَثْمَانِ الصَّدَاقِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولهُ هُوَ وَلَا هُمْ بَلْ سُقُوطٌ يُؤَدِّي إلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْوَارِثِ فِي مِقْدَارِ إرْثِهِ لِاسْتِحَالَةِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ حِصَّتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا دَيْنَ لِغَيْرِهِ. فَقَوْلُ السُّبْكِيّ وَيَرْجِعُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بِمَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا تَسَاوَيَا كَثَمَانِينَ وَثَمَانِينَ فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِي عَشَرَةٍ لَا فِي سَبْعِينَ إلَّا إنْ أَدَّاهَا إلَيْهَا الْوَرَثَةُ لِامْتِنَاعِ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ قَبْلَ الْأَدَاءِ مِنْ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فِيمَا عَدَا حِصَّتَهَا وَقَدْ يُفْضِي الْأَمْرُ إلَى التَّقَاصِّ فِيمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثَيْنِ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ ابْنَانِ لِكُلٍّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ فَإِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ ثَمَانِينَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَقْضِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عِشْرِينَ وَيَسْتَبِدَّ الدَّائِنُ بِقَبْضِ عِشْرِينَ لِأَنَّهُ إذَا طَالَبَهُ بِعِشْرِينَ

стр. 566

طَالَبَهُ الْآخَرُ بِهَا بَلْ يَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي أَرْبَعِينَ مِنْ غَيْرِ أَدَاءٍ فَاحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَمِنْ ثَمَّ تَعِبَ بَعْضُهُمْ فِي تَحْرِيرِهِ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ التَّفْلِيسِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلٍ أَعَسَرَ وَهُوَ مِنْ ذَوِي الْبُيُوتِ وَالْأَعْيَانِ وَرُءُوسِ أَهْلِ الزَّمَانِ فَادَّعَى عَلَيْهِ أَحَدُ دَائِنِيهِ بِدَيْنٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ لَدَى حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ حَنَفِيٍّ فَالْتَمَسَ الْحَاكِمُ جَوَابَهُ فَأَجَابَ بِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُدَّعَى بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ حَالٌّ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى وَفَائِهِ وَلَا عَلَى بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ وَلَهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِإِعْسَارِهِ فَالْتَمَسَ الْحَاكِمُ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةَ إعْسَارِهِ وَأَحْضَرَ لَهُ فَوْقَ الثَّلَاثَةِ مِمَّنْ يُعْرَفُ حَالَةُ إعْسَارِهِ فَاسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى الْحَاكِمُ الْمُشَارُ إلَيْهِ وَحَكَمَ بِإِعْسَارِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهَلْ لِأَحَدٍ مِنْ دَائِنِيهِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ سَمِعَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ وَهَلْ إذَا سَمِعَ بِالْإِعْسَارِ يَجُوزُ لَهُ أَوْ لَا وَهَلْ يَبْقَى لِلْمُعْسِرِ دَسْتُ ثِيَابٍ يَلِيقُ بِحَالِهِ وَمَرْكُوبٌ وَمَسْكَنٌ وَخَادِمٌ وَنَفَقَةُ عِيَالِهِ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ مَتَى ثَبَتَ إعْسَارُهُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ حَبْسُهُ وَلَا مُلَازَمَتُهُ وَيُبَاعُ فِي دَيْنِهِ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ وَمَرْكُوبُهُ وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهَا وَكَذَلِكَ كُتُبُهُ وَبُسُطُهُ وَفُرُشُهُ وَيُتْرَكُ لَهُ الْحَقِيرُ مِنْ لُبَدٍ وَحَصِيرٍ وَلِبَاسٍ لَائِقٍ بِهِ وَبِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ حَتَّى الطَّيْلَسَان وَيُزَادُ فِي الشِّتَاءِ مَا يَقِيه الْبَرْدَ وَلَوْ تَعَوَّدَ فَوْقَ اللَّائِقِ بِهِ رُدَّ إلَى اللَّائِقِ بِهِ أَوْ تَعَوَّدَ دُونَ اللَّائِقِ بِهِ لَمْ يُعْطَ إلَّا مَا تَعَوَّدَ بِهِ وَيُتْرَكُ لَهُ وَلِمُمَوَّنِهِ قُوتُ يَوْمِ الْقِسْمَةِ فَقَطْ فَعُلِمَ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ مَعَ الْمُعْسَرِ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ وَأُعْطِيَ لِغُرَمَائِهِ وَلَمْ يُتْرَكْ مِنْهُ إلَّا مَا ذُكِرَ وَمِنْهُ (قُوتُ) يَوْمِ الْقِسْمَةِ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنَّ الْقَاضِي يَبِيعُ مَالَ الْمُفْلِسِ وَلَوْ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي بَيْعِ الْقَاضِي مَالَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلسَّائِلِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُفْلِسِ وَالْمُمْتَنِعِ بَلْ الْمُمْتَنِعُ أَوْلَى فَهَلْ مَا اشْتَرَطَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا مُوَافِقٌ عَلَيْهِ أَوْ لَا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ بَيْعَ الْقَاضِي مَالَ الْمُمْتَنِعِ إذَا كَانَ الْمَالُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا مَعَ قِيَامِ الِامْتِنَاعِ إذْ الْوَفَاءُ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَالِامْتِنَاعُ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ فَلَمْ يَعُدْ بَيْعُ الْقَاضِي لِمَا كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ شَيْئًا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْ الْفُقَهَاءِ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الْفَلَسِ بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ وَصَرَفَهُ فِي دَيْنِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَالُهُ فِي مَحَلِّ وِلَايَةِ هَذَا الْحَاكِمِ أَوْ فِي وِلَايَةِ غَيْرِهِ. وَمِنْ تَصْرِيحِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِذَلِكَ أَيْضًا وَكَذَلِكَ الْأَزْرَقِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلتَّنْبِيهِ فِي بَابِ الْفَلَسِ فَإِنَّهُ قَالَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ أَيْ وَلَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا عَنْ مَحَلِّ وِلَايَةِ هَذَا الْحَاكِمِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي كِتَاب النِّكَاحِ اهـ وَاَلَّذِي فِي فَتَاوَى الْقَاضِي أَنَّ الْمَدْيُونَ إذَا كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ وَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِ مَالِهِ الْغَائِبِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ عِنْدِ الطَّلَبِ بَاعَهُ الْحَاكِمُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمُفْلِسَ وَالْمُمْتَنِعَ حَيْثُ كَانَا حَاضِرَيْنِ بِالْبَلَدِ سَاغَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ لِمَا مَرَّ فِي الْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ حَاضِرًا لَمْ يُنْظَرْ إلَى مَحَلِّ مَالِهِ وَحَيْثُ كَانَ غَائِبًا نُظِرَ إلَى مَحَلِّ مَالِهِ فَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَالِكُ حَاضِرًا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْن الْمُفْلِسِ وَالْمُمْتَنِعِ وَأَنَّ مَا نُقِلَ فِي السُّؤَالِ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي بَيْعِ الْقَاضِي مَالَ الْمُمْتَنِعِ غَيْرُ صَحِيحٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا امْتَنَعَ ثُمَّ غَابَ فَيَبِيعُ الْقَاضِي عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِشَرْطِ كَوْنِ الْمُمْتَنِعِ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ مَدِينٍ مَلَّكَ جَمِيعَ أَمْلَاكِهِ هِبَةً أَوْ مَجَّانًا لِآخَرَ أَوْ أَقَرَّ بِهَا لَهُ وَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ فِرَارٌ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ صَحَّ تَمْلِيكُهُ وَإِقْرَارُهُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ بَلْ وَإِنْ تَحَقَّقَ وَلَكِنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ الْعِقَابَ الشَّدِيدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 567

[كِتَابُ قُرَّةِ الْعَيْنِ بِبَيَانِ أَنَّ التَّبَرُّعَ لَا يُبْطِلُهُ الدَّيْنُ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ اللَّهِ الَّذِي غَرِقَتْ فِي بِحَوَرِ سَرْمَدِيَّتِهِ عُقُولُ الْحُكَمَاءِ وَتَرَقَّتْ فِي نُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ عُلُومُ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ إلَّا عَلَى الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ (أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ فَأَقَرَّهُ فِي نِصَابِهِ الْأَسْمَى وَطَهَّرَ نَفْسَهُ مِنْ حَظِّهَا بِوَابِلِ فَضْلِهِ فَحُفِظَ عَنْ أَنْ يَضِلَّ عَنْ جَادَّةِ الطَّرِيقِ إلَى مَضَايِقِ بُنْيَانِهِ وَشِعَابِهِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْهَلَاكِ وَالظَّمَإِ (وَأَشْكُرُهُ) شُكْرَ مُعْتَرِفٍ بِتَرَادُفِ نِعَمِهِ مُغْتَرِفٍ مِنْ بِحَارِ كَرَمِهِ بِمَا يَحْفَظُهُ عَنْ مُهَاوِي الْحَيْرَةِ وَالْعَمَى (وَأَشْهَدُ) أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تُدِرُّ عَلَى قَائِلهَا أَخْلَافَ النَّعْمَاءِ وَتَحْفَظُهُ مِنْ إخْلَافِ أَبْلَغِ الْآدَابِ بِصَرِيحٍ أَوْ إيمَاء (وَأَشْهَدُ) أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَنَارَ اللَّهُ بِهِ دَيَاجِيرَ الظَّلْمَاء لِمَا اخْتَصَّهُ بِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَفْضَالِ وَأَوْضَحِ الْبُرْهَانِ وَأَكْمَلِ الْأَخْلَاقِ وَالسِّيمَات صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْقَائِمِينَ بِوِرَاثَتِهِ الْعُظْمَى فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالدِّمَاءِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ اصْطِلَامِ الْآرَاءِ فِي الْعَوِيصَاتِ الدَّهْمَاء وَعَلَى تَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ الظَّاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ الْبَاقِينَ فِي هَذَا الْعَالَمِ لِإِنْقَاذِ أَهْلِهِ مِنْ الضَّلَالِ وَالْعَمَى. (وَبَعْدُ) فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ زَادَهَا اللَّهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا السَّيِّدُ الْجَلِيلُ الشَّرِيفُ الْمُعْتَقَدِ الْمَثِيلِ مُحَمَّدٌ الْعَيْدَرُوس الْحَسَنِيُّ الْعَلَوِيُّ الْحَضْرَمِيُّ ثُمَّ الْعَدَنِيُّ فَتَوَجَّهْنَا لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَطَلَبِ دُعَائِهِ وَمَدَدِهِ أَنَا وَصَاحِبُنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ وَالْحَبْرُ الْهُمَامُ الْحُجَّةُ الْقُدْوَةُ الْفَهَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الزَّمْزَمِيُّ أَدَامَ اللَّهُ بِهِ النَّفْعَ الْعَامَّ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَتَّعَهُمْ بِعُلُومِهِ وَفَتَاوِيهِ لَا سِيَّمَا أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ فَقَرَأَ عَلَيْنَا سُؤَالًا وَجَوَابًا فِي تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لِصَاحِبِنَا الْإِمَامِ الْعَالَمِ الْعَامِلِ وَالْهُمَامِ الْحُجَّةِ الْقُدْوَةِ الْكَامِلِ وَجِيهِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن زِيَادٍ مُفْتِي زَبِيدَ الْمَحْرُوسَةِ بَلْ وَالْيَمَنِ بِأَسْرِهِ أَدَامَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ هَوَاطِلَ جُودِهِ وَبِرِّهِ ثُمَّ سَأَلَنَا أَأَنْتُمْ مُوَافِقُونَ لِهَذَا الْإِفْتَاءِ فَكُلٌّ مِنَّا بَادَرَ إلَى إنْكَارِهِ وَاسْتِبْعَادِهِ أَدَاءً لِلْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 568

عَلَى خَوَاصِّ عِبَادِهِ وَهُدَاةِ بِلَادِهِ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ عِدَادِهِمْ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِآثَارِهِمْ فِي إيرَادِهِمْ وَإِصْدَارِهِمْ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَلَّفَ تَأْلِيفًا عَلَى وَفْقِ إفْتَائِهِ لَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ قَيْدٍ كَمَا سَتَعْلَمُهُ وَفِيهِ أَيْضًا إشَارَةٌ إلَى أَبْلَغِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ بِأَنَّهُ جَامِدٌ مُتَعَسِّفٌ وَبِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ الصَّوَابُ وَمَا عَدَاهُ هُوَ الْخَطَأُ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمَّا رَأَيْنَا ذَلِكَ التَّأْلِيفَ مَا ازْدَدْنَا إلَّا إنْكَارًا رَجَاءَ أَنْ نَنْتَظِمَ فِي سِلْكِ الرَّاجِينَ لِلَّهِ وَقَارًا وَهَذَا أَعْنِي عَدَمَ الْمُحَابَاةِ فِي الدِّينِ حَتَّى لِأَكَابِرِ الْمُجْتَهِدِينَ هُوَ دَأْبُ سَادَاتِنَا الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ كَمَا يَعْلَمُهُ مَنْ وَقَفَ عَلَى النِّهَايَةِ وَأَحَاطَ بِقَوْلِهَا. هَذِهِ زَلَّةٌ مِنْ الشَّيْخِ مَعَ بُلُوغِهِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْوِلَايَةِ الْغَايَةَ حَتَّى قِيلَ فِي تَرْجَمَتِهِ لَوْ جَازَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا فِي زَمَنِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ لَكَانَ هُوَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ أَئِمَّتِنَا إنَّ عَدَمَ مُحَابَاةِ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ أَعْظَمِ مَزَايَا هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَعْظَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِمْ النِّعْمَةَ حَيْثُ حَفِظَهُمْ عَنْ وَصْمَةِ مُحَابَاةِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى تَحْرِيفِ مَا فِيهِمَا وَانْدِرَاسِ تَيْنِكَ الْمِلَّتَيْنِ فَلَمْ يَتْرُكُوا لِقَائِلٍ قَوْلًا فِيهِ أَدْنَيْ دَخَلٍ إلَّا بَيَّنُوهُ وَلَا لِفَاعِلٍ فِعْلًا فِيهِ تَحْرِيفٌ إلَّا قَوَّمُوهُ حَتَّى اتَّضَحَتْ الْآرَاءُ وَانْعَدَمَتْ الْأَهْوَاءُ وَدَامَتْ الشَّرِيعَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيْضَاءُ عَلَى امْتِلَاءِ الْآفَاقِ بِأَضْوَائِهَا وَشِفَاءِ الْقُلُوبِ بِهَا مِنْ أَدْوَائِهَا مَأْمُونَةً مِنْ كَيَدِ الْحَاسِدِينَ وَسَفَهِ الْمُلْحِدِينَ فَضَرَاعَةً إلَيْك اللَّهُمَّ أَنْ تُدِيمَ لَهَا ذَلِكَ عَلَى تَوَالِي الْأَعْصَارِ وَأَنْ تُؤَيِّدَ أَهْلهَا بِدَوَامِ الْجَلَالَةِ الْبَاهِرَةِ وَالْحِفْظِ مِنْ الْأَغْيَارِ إنَّك الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ وَإِذْ قَدْ تَمَهَّدَ هَذَا الْقَدْرُ الْوَاضِحُ لِلتَّفَصِّي عَنْ هَذَا الْحُكْمِ اللَّائِحِ عُلِمَ أَنْ لَا عُذْرَ فِي السُّكُوتِ عَنْ الْكَلَامِ فِيهِ وَبَيَانِ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي قَوَادِمِهِ وَخَوَافِيهِ فَحِينَئِذٍ سَنَحَ لِي أَنْ أَكْتُبَ فِي ذَلِكَ مَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُ الصَّوَابُ الْوَاجِبُ بَيَانُهُ وَالْحَقُّ الصُّرَاحُ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ الْوَاضِحُ بُرْهَانُهُ فَشَرَعْت فِي ذَلِكَ مُلَقِّبًا لَهُ (بِقُرَّةِ الْعَيْنِ بِبَيَانِ أَنَّ التَّبَرُّعَ لَا يُبْطِلُهُ الدَّيْنُ) بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ سَائِلًا مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ الْوَاسِعِ الْهِدَايَةَ إلَى سَوَاءِ الْحَقِّ وَطَرِيقِهِ لَا إلَهَ غَيْرُهُ وَلَا مَأْمُولَ إلَّا بِرُّهُ وَخَيْرُهُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَإِلَيْهِ الْفَزَعُ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ. فَقُلْت اعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى كَامِلٍ بِرَدِّ شَاذَّةٍ وَقَعَتْ لَهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَمَالِهِ وَلَا يُؤْذِنُ بِالِاسْتِهْتَارِ بِوَاجِبِ رِعَايَةِ حَقِّهِ وَأَفْضَالِهِ إذْ السَّعِيدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ وَلَمْ تَكْثُرْ فَرَطَاتُهُ وَزَلَّاتُهُ وَكُلُّنَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ إلَّا الْمَعْصُومِينَ وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ مُؤَدِّيًا لِحِقْدٍ بَلْ لَمْ يَزَالُوا مِنْ ذَلِكَ مُبَرَّئِينَ وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بُدَّ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ مِنْ حِكَايَةِ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ لِيُعْلَمَ مَا الْكَلَامُ فِيهِ وَهُوَ مَا قَوْلُكُمْ فِي جَمَاعَةٍ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَسْتَلِفُونَ أَمْوَالَهُمْ فَيُطَالِبُهُمْ أَهْلُ الدُّيُونِ فَيُبَادِرُونَ وَيَمْلِكُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيُعْتِقُونَ أَرِقَّاءَهُمْ حِيلَةً لِئَلَّا يَحْصُلَ لِأَهْلِ الدُّيُونِ شَيْءٌ فَهَلْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُمْ وَعِتْقُهُمْ؟ الْجَوَابُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى» قَالَ شَارِحُهُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِتْلَافَ يَقَعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ فِي مَعَاشِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِمَا تَرَاهُ بِالْمُشَاهَدَةِ مِمَّنْ تَعَاطَى شَيْئًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِتْلَافِ عَذَابُ الْآخِرَةِ اهـ. وَقَدْ ارْتَكَبَ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ مَا لَا يَرْضَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَلَا يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُمْ وَلَا عِتْقُهُمْ وَلَا وَقْفُهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَتَبِعَهُ الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ الْفَتَى وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الطَّنْبَدَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ صُورَةِ السُّؤَالِ عَلَى أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَنْظُورٌ فِيهِ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا السُّؤَالِ أَمَّا صُورَةُ السُّؤَالِ فَلَا يُخَالِف فِيهَا أَحَدٌ فَإِنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِي صُدُورِ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ لَهُمْ بِالدَّيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا أُخِذَتْ الْأَمْوَالُ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَصُرِفَتْ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا أَوْ أُخِذَتْ بِحَقِّهَا وَصُرِفَتْ إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَجَبَ ضَمَانُهَا عَلَى صَارِفِهَا وَآخِذِهَا سَوَاءٌ عَلِمَا أَمْ جَهِلَا فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ وَلَا تَبَرُّعُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَا مَا أَوْصَى بِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ وَرَثَتِهِ فِي تَرِكَتِهِ

стр. 569

حَتَّى يَقْضِيَ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَصْرِفَهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَإِنْ أَخَذَهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ لِيَصْرِفَهُ إلَى مُسْتَحَقِّهِ بَرِيءَ بِقَبْضِ الْإِمَامِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ضَمَانِ الْمُكُوسِ وَالْخَمْرِ وَالْبَغَايَا وَكُلِّ جِهَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَجَمِيعِ مَا يُحْدِثُهُ الظَّلَمَةُ مِنْ الْمَظَالِمِ اهـ. جَوَابُهُ وَقَدْ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ وَفِيهِ أُمُورٌ أَحَدُهَا مَا أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَهُوَ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْ الْجَوَابِ قَيْدًا ذَكَرَهُ فِي التَّأْلِيفِ وَهُوَ أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَرْجُو لِدَيْنِهِ وَفَاءً وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ إطْلَاقَ الْمُفْتِي الْجَوَابَ عَنْ الْقُيُودِ أَيْ الْمُعْتَبَرَةِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِخُصُوصِهِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ لَا مُطْلَقًا لِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ خَطَأٌ مِنْهُ وَلَك أَنْ تُجِيبَ عَنْ هَذَا أَنَّا نَبْحَثُ أَوَّلًا عَنْ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِمْ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً لِيَظْهَرَ صِحَّةُ حَذْفِهِ أَوْ عَدَمُهَا وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الِاقْتِرَاضِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْهَا حَالًا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ ثُمَّ رَأَيْت شَرْحَ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرَهُ صَرَّحُوا بِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فَمَنْ لَهُ ذَلِكَ لَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُفْلِسِ الَّذِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حَيْثُ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ عَبَّرَ بِالْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً وَمَنْ عَبَّرَ بِالْمُفْلِسِ مُؤَدَّى عِبَارَتِهِمَا وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ مَدْلُولُهُمَا وَاحِدٌ اصْطِلَاحًا وَهَذَا أَعْنِي مَنْ لَا يَرْجُو وَفَاءً الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي كَلَامِهِمْ بِالْمُفْلِسِ هُوَ مَحَلُّ الْكَلَامِ بَيْننَا وَبَيْنَ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فَإِنْ قُلْت لَا أُسَلِّمُ تَرَادُفَهُمَا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً يُفِيدُ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ إلَّا إنْ انْتَفَى عَنْهُ سَائِرُ وُجُوهِ الرَّجَاءِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ وَهَذَا غَيْرُ الْمُفْلِسِ لِأَنَّهُ مَنْ زَادَ دَيْنُهُ عَلَى مَالِهِ وَإِنْ رَجَا وَفَاءَهُ عَلَى بُعْدٍ قُلْت يَتَّضِحُ مَا يَلْزَمُك بِالتَّسْلِيمِ بِسَوْقِ عِبَارَةِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهَا وَعِبَارَتُهُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِوَفَائِهِ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ يُكْرَهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ لَا يُسْتَحَبُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَا بَأْسَ بِالصَّدَقَةِ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ الْمُطْلَقُ انْتَهَتْ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ قَيَّدُوا الْجِهَةَ الْمَرْجُوَّ مِنْهَا الْوَفَاءُ بِكَوْنِهَا ظَاهِرَةً وَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ تَعْبِيرَ الْمَجْمُوعِ بِغَلَبَةِ ظَنِّ الْحُصُولِ مِنْ جِهَةٍ يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَهَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي يَدِهِ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ لَوْ تَصَدَّقَ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَتَيَسَّر لَهُ بَدَلُهُ لِعَدَمِ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ لَهُ يَأْتِي إلَيْهِ مِنْهَا ذَلِكَ حَالًا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَرْجُو وَفَاءَ الدَّيْنِ لَوْ تَصَدَّقَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَإِذَا اتَّضَحَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ اتَّضَحَ مَا ذَكَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِهِ السَّابِقِ وَمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّهُ مُرَادِفٌ لِلْمُفْلِسِ لِأَنَّهُ الَّذِي زَادَ دَيْنُهُ عَلَى مَالِهِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يُوَفِّي مِنْهَا حَالًا فِي الْحَالِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالُهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَدَاءِ مِنْهُ حَالًا فِي الْحَالِ كَالْمَنَافِعِ وَالْمَالِ الْغَائِبِ وَالْمَغْصُوبِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْعَدَمِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَأَقَرُّوهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ لِتُسَلِّمَ لَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُعَانِدًا وَقَوْلِي فِي الْمُفْلِسِ زَادَ دَيْنُهُ عَلَى مَالِهِ قَيْدٌ لِمَنْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ لَا لِمَنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ فَإِنَّ هَذَا يَعُمُّ الْمُسَاوِيَ لِأَنَّهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَا جِهَةَ ظَاهِرَةٌ يُفَوِّتُ حَقَّ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ نَعَمْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ إذَا سَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ أُجِيبُوا وَإِنْ سَاوَى مَالُهُ دَيْنَهُ كَسُوبًا كَانَ أَوْ لَا لَكِنَّ هَذَا الْحَجْرَ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِلْفَلَسِ وَبَعْدَ أَنْ بَانَ ذَلِكَ وَتَقَرَّرَ فَلْنَرْجِعْ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ حَذْفِ الْمُفْتِي لِهَذَا الْقَيْدِ فَنَقُولُ قَدْ يَدَّعِي وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ لَكِنْ يَخْدِشُهُ أَنَّ الْإِفْتَاءَ إنَّمَا هُوَ لِلْعَامَّةِ غَالِبًا وَأَنَّى لَهُمْ بِعِلْمِ هَذَا الْقَيْدِ وَمَا يُقَارِبُهُ وَلَوْ عَكَسَ ذَلِكَ بِأَنْ حَذَفَ مِنْ التَّأْلِيفِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ الْقَيْدَ فَلَا يَحْتَاجُونَ لِذَكَرِهِ وَالْإِفْتَاءُ لِلْعَامَّةِ كَمَا مَرَّ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ فَيُضْطَرُّونَ لِذِكْرِهِ فَإِنْ قُلْت هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يُؤْخَذُ هَذَا الْقَيْدُ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ حِيلَةً لِئَلَّا يَحْصُلَ لِأَهْلِ الدُّيُونِ شَيْءٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ

стр. 570

الْمُفْتِي إلَى ذِكْرِهِ فِي الْجَوَابِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشُّرَّاحِ فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ فِي التَّيَمُّم أَوْ احْتَاجَهُ لِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ أَنَّ قَوْلَهُ مُسْتَغْرِقٌ مُسْتَدْرِكٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ يُغْنِي عَنْهُ إذْ احْتِيَاجُهُ لِأَجْلِ الدَّيْنِ يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْرَاقَهُ قُلْت يُمْكِنُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ لَوْلَا مَا يُقَالُ مُسَلَّمٌ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ لَا الْعَامَّةِ الَّذِينَ يَذْهَبُ الْجَوَابُ عَنْهُمْ عَرِيًّا عَنْ ذَلِكَ الْقَيْدِ عَلَى أَنَّا رَأَيْنَا بَعْضَ نَحْوِ الْمَسَاكِينِ فَعَلُوا تِلْكَ الْحِيلَةَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ أَمْوَالًا تَزِيدُ عَلَى دُيُونِهِمْ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الظَّلَمَةَ رُبَّمَا يَسْتَوْلُونَ عَلَى تِلْكَ الْأَمْوَالِ الْأُخَرِ وَلَا يُعْطُونَ أَرْبَابَ الدُّيُونِ مِنْهَا شَيْئًا فَيَنْحَصِرُ حَقُّهُمْ فِيمَا فِي أَيْدِيهمْ فَيُخْرِجُونَهُ تَفْوِيتًا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ حِيلَةً إلَخْ أَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ وَفَاءً بِالْمَعْنَى السَّابِقِ (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته آنِفًا أَنَّ الْمَدِينَ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ دُيُونٌ تَسْتَغْرِقُ مَالَهُ وَلَمْ يَرْجُ الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ حَالًّا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ الْحُلُولِ فِي الْمُؤَجَّلِ وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا شَرْعًا كَالْحِجْرِ الْغَرِيبِ وَكَمَنْ غَصَبَ مَالًا وَخَلَطَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ لَكِنْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْبَدَلَ. (تَنْبِيهٌ آخَرُ) سَبَقَ عَنْ الْمَجْمُوعِ قَرِيبًا إجْمَالٌ يَحْتَاجُ لِتَقْيِيدٍ لَا بَأْسَ بِذَكَرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا بَأْسَ بِالصَّدَقَةِ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ إلَخْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا حَصَلَ بِذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَقَدْ وَجَبَ قَضَاءُ الدَّيْنِ فَوْرًا بِمُطَالَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِكَوْنِهِ عَصَى بِسَبَبِهِ أَوْ كَانَ لِيَتِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ الدَّفْعِ فَالْوَجْهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ إلَى إيفَائِهِ وَتَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ بِمَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ أَيْ حَالًّا فِي دَيْنِهِ وَإِنْ رَجَا وَفَاءَهُ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ أَيْ لَا حَالًّا وَالْمُؤَجَّلُ هُنَا كَالْحَالِّ خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيِّ. وَفَرَّقَ الْأَذْرَعِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَحْتَاجُهُ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تَشْتَغِلْ هُنَا بِشَيْءٍ بِخِلَافِ الْمُؤَجَّلِ فَإِنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيمَا أَظُنُّ إنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِرَغِيفٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَمْ يَدْفَعهُ إلَى جِهَةِ الدَّيْنِ وَلَوْ قِيلَ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ أَوْ كَرَاهَتِهِ لَانْسَدَّ بَابُ الصَّدَقَةِ فَإِنَّ غَالِبَ النَّاسِ لَا تَخْلُو ذِمَّتُهُمْ مِنْ دَيْنِ مَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. مُلَخَّصًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّصَدُّقِ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ وَمُمَوَّنِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِجَوَازِهِ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِدَيْنِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَبَّرَ فِي ذَلِكَ بِأُحِبُّ كَذَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيّ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أُحِبُّ وَيُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ وَكَذَا أَكْرَهُ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَقُولَ أُحِبُّ وَيَسْتَعْمِلهُ فِي الْوَاجِبِ لَكِنْ إنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ مِنْ كَلَامٍ آخَر أَوْ قَاعِدَةٍ لَهُ لَا مُطْلَقًا فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ أَطْلَقَهُ. (ثَانِيهِمَا) أَنَّ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِخُصُوصِ النِّزَاعِ بَلْ نَحْنُ وَهُوَ قَائِلُونَ بِمَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَعِيدِ لِمَنْ أَخَذَ شَيْئًا يُرِيدُ إتْلَافَهُ عَلَى مَالِكِهِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا بِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ أَمْ لَا فَذِكْرُ الْمُفْتِي لَهُ إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ زَجْرِ أُولَئِكَ الْمَذْكُورِينَ فِي السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ الْقَبِيحِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمْ (ثَالِثُهَا) قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَيْهِ فِيهِ مُؤَاخَذَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُفْتِي وَهِيَ التَّمْلِيكُ وَالْعِتْقُ وَالْوَقْفُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَسَتَأْتِي عِبَارَتُهُ وَقَدْ صَرَّحَ الْأُصُولِيُّونَ فِي حُكْمِ الْمَقِيسِ وَلَوْ بِالْأَوْلَى بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ إلَّا مُقَيَّدًا وَحِينَئِذٍ فَكَانَ صَوَابُ الْعِبَارَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الصَّدَقَةِ وَقِيَاسُهُ أَنَّ التَّمْلِيكَ وَالْعِتْقَ وَالْوَقْفَ وَغَيْرَهَا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ كَذَلِكَ (رَابِعُهَا) ابْنُ الرِّفْعَةِ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ وَإِنَّمَا اقْتِضَاءُ كَلَامُهُ فِي مَطْلَبِهِ وَكِفَايَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ أَنَّ تَخْرِيجَ مَسْأَلَةٍ عَلَى أُخْرَى فِي خِلَافِهَا يَقْتَضِي اتِّحَادَهُمَا فِي الرَّاجِحِ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ وَمُرَادُنَا بِكَوْنِ الْغَالِبِ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ مَعَ كَثْرَةِ مُقَابِلِهِ لَا أَنَّ مُقَابِلَهُ نَادِرٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيّ فِي رَفْعِ الْحَاجِبِ رُبَّ فَرْعٍ لِأَصْلٍ ذَلِكَ الْأَصْلُ يَظْهَرُ فِي الْحُكْمِ أَقْوَى مِنْ ظُهُورِهِ فِيهِ لِانْتِهَاضِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا تَرَى الْأَصْحَابَ كَثِيرًا مَا يُصَحِّحُونَ فِي الْمَبْنِيِّ بِخِلَافِ مَا يُصَحِّحُونَهُ

стр. 571

فِي الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ اهـ. وَقَدْ أَفْرَدَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي صَحَّحُوا فِيهَا خِلَافَ مُقْتَضَى الْبِنَاءِ بِتَأْلِيفٍ دَالٍّ عَلَى مَزِيدِ كَثْرَتِهَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْبِنَاءِ الِاتِّحَادُ فِي التَّرْجِيحِ قَالَ وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الِاتِّحَادُ أَكْثَرُ لَا غَيْرُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَنْقُولِ مَا يَرُدُّهُ وَسَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ مَا هُوَ صَرِيحٌ قَاطِعٌ فِي رَدِّهِ وَعِبَارَةُ كِفَايَتِهِ فِي تَصَدُّقِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَهَلْ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَنْبَغِي فِيهِ خِلَافٌ كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا وَهَبَ الشَّخْصُ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقِيلَ هَذَا جَازَ فِي تَصَدُّقِهِ بِجَمِيعِ مَالِهِ تَطَوُّعًا بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا انْتَهَتْ وَسَيَأْتِي فِي الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ نَفْسِهِ مَا يُنَاقِضُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ هَذَا وَإِنَّ ذَاكَ مُقَدَّمٌ عَلَى هَذَا فَرَاجِعْهُ عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ كَلَامَ ابْنِ الرِّفْعَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاءُ مِنْ تَخَارِيجِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ بِهَا الِاسْتِدْرَاكَ عَلَى الْأَصْحَابِ فِي حِكَايَتِهِمْ الْخِلَافَ بَيْنهمْ فِي مَسْأَلَةٍ مَعَ عَدَمِ حِكَايَةِ نَظِيرِهِ فِي نَظِيرَتِهَا فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ هَذَا تَحَكُّمٌ فَيَضْطَرُّهُ الِاتِّحَادُ فِي الْمَدْرَكِ عِنْدَهُ إلَى التَّخْرِيجِ فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ مَحَطَّ نَظَرِهِ فِي تَخْرِيجِهِ تَأَتِّي الْخِلَافِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ هُنَا هُوَ الرَّاجِحُ ثُمَّ وَإِنَّمَا مَحَطُّهُ مُجَرَّدُ تَأَتِّي الْخِلَافِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَتَبُّعِ تَخَارِيجِهِ وَمِنْ ثَمَّ أَكْثَرَ مِنْهَا حَتَّى قِيلَ إنَّهُ زَادَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الثُّلُثَ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْأَوْجُهِ الَّتِي خَرَّجَهَا وَحَتَّى كَادَ أَنْ يُعَدَّ مَعَ أَصْحَابِ الْأَوْجُهِ لِانْفِرَادِهِ مِنْ بَيْنِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِمَرْتَبَةِ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ بَعْدَ انْقِطَاعِهَا بِانْقِطَاعِ أَصْحَابِ الْأَوْجُهِ وَمِنْ ثَمَّ لُقِّبَ بِالْفَقِيهِ دُون غَيْرِهِ بَلْ بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَعَدَّهُ مَعَ أَصْحَابِ الْأَوْجُهِ وَأَبَى أَنْ يَعُدَّ الْغَزَالِيَّ وَإِمَامَهُ مِنْهُمْ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ جَوَابًا عَنْ الْأَصْحَابِ لَا أُسَلِّمُ ذَلِكَ التَّخْرِيجَ بَلْ أَمْنَعُهُ وَأُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمَاءِ لَيْسَ الْمَدَارُ فِيهَا عَلَى التَّبَرُّعِ وَلَا عَدَمِهِ بِدَلِيلِ بُطْلَانِ الْبَيْعِ فِيهَا أَيْضًا وَإِنْ كَانَ بِأَضْعَافِ الْقِيمَةِ وَإِنَّمَا الْمَدَارُ فِيهَا عَلَى تَفْوِيتِ عَيْنٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِيهَا الْمُفَوِّتُ لِذَلِكَ الْحَقِّ كَبَيْعِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ بَعْدَ الْحَوْلِ عَلَى مَا عَدَا قَوْلَ الشَّرِكَةِ وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ وَمَثَّلُوا بِأَمْثِلَةٍ مِنْهَا مَسْأَلَةَ الْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّصَدُّقِ فَلَيْسَ الْمَدَارُ فِيهَا إلَّا عَلَى التَّبَرُّعِ بِدَلِيلِ صِحَّة بَيْعِ الْمَدِينِ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ لِأَعْيَانِ مَالِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهَا إجْمَاعًا فَتَأَمَّلْ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْمَلْحَظَيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ التَّصَدُّقِ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي فِيهَا وَهُوَ الدَّيْنُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِأَعْيَانِ مَالِ الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ حَتَّى يَبْطُلَ تَصَرُّفُهُ فِيهَا إلَّا بِالْحَجْرِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ بَلْ وَعَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ نَفْسِهِ وَدَعْوَى الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِفْلَاسِ يُوجِبُ التَّعْلِيقَ بِالْعَيْنِ سَيَتَّضِحُ مِنْ كَلَامِهِمْ رَدُّهَا بَلْ تَزْيِيفُهَا وَإِذَا تَقَرَّرَ تَعْلِيقُهُ بِالذِّمَّةِ وَحْدَهَا لَمْ يَكُنْ لِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ فِي الْأَعْيَانِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا وَجْهٌ أَصْلًا وَأُمًّا مَلْحَظُ الْحُرْمَةِ الَّتِي صَرَّحُوا بِهَا فَلَيْسَ هُوَ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ وَإِنَّمَا هُوَ كَوْنُهُ سَعْيًا فِي ضَرَرِ الْغَيْرِ بِتَفْوِيتِ مَا يُؤَدِّي مِنْهُ مَالَهُ الْمُسْتَقِرَّ فِي الذِّمَّةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْهُ فَرْقًا ظَاهِرًا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ لَك ضَعْفُ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ وَصَوَابُ مَا سَلَكَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ حِكَايَتِهِمْ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَتَصْحِيحِ الْبَطَلَانِ فِيهَا وَعَدَمِ حِكَايَتِهِمْ نَظِيرَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّصَدُّقِ فَضْلًا عَنْ التَّصْرِيحِ بِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ وَشُذُوذِ مَا سَلَكَهُ الْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ أَخْذًا مِنْ هَذَا التَّخْرِيجِ فَإِنَّ قُلْت إذَا كَانَ مَلْحَظُ الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ مَا ذَكَرْت مِنْ التَّعْلِيقِ بِالْعَيْنِ فَأَيُّ وَجْهٍ لِلْخِلَافِ حِينَئِذٍ قُلْت كَوْنُ مَلْحَظِ الْبُطْلَانِ مَا ذَكَرَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ عِلَّةِ الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي الْقَائِلُ بِالصِّحَّةِ فَوَجْهُ مَا قَالَهُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْمَنْعُ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي الْعَقْدِ فَإِنَّ قُلْت مَا وَجْهُ رَدِّ عِلَّتِهِ مَعَ ظُهُورِهَا وَمَعَ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُعَلِّلُ وَلَا يَقِيسُ إلَّا بِمَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْأَصَحُّ قُلْت أَمَّا كَوْنُ الْمَشْهُورِ ذَلِكَ فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَقَدْ يُعَلِّلُ وَيَقِيسُ بِمَا يُدَّعَى ظُهُورُهُ وَأَنَّهُ لِذَلِكَ يَلْزَمُ مُقَابِلَهُ الْقَوْلُ

стр. 572

بِهِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَصَايَا وَالِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ قَاضٍ بِذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ أَمْرٌ مُطَّرِدٌ فَمَمْنُوعٌ بِدَلِيلِ الِاسْتِقْرَاءِ الْقَطْعِيِّ لِأَنَّا نَجِدُ الضَّعِيفَ كَثِيرًا مَا يُعَلِّلُ وَيَقِيسُ بِمَا يَقُولُ بِهِ هُوَ دُون الْأَصَحِّ وَأَمَّا وَجْهُ رَدِّ عِلَّتِهِ فَهُوَ أَنَّهَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا تُنْتِجُ مَا قَالَهُ مِنْ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الْمِلْكِ وَلَا انْتِفَاءُ كَوْنِ الْمَنْعِ لَا يَرْجِعُ لِمَعْنًى فِي الْعَقْدِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَ الْمِلْكِ وَانْتِفَاءِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطٍ أُخْرَى كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ شَرْعًا وَحِسًّا عَلَى أَنَّ زَعْمَهُ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى فِي الْعَقْدِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْمَنْعِ الرَّاجِعِ إلَى مَعْنًى فِي الْعَقْدِ مَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي ذَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَازِمِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحَقِّ بِالْعَيْنِ يُوجِبُ عَجْزَ الْعَاقِدِينَ عَنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ وَذَلِكَ الْعَجْزُ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ لِرُجُوعِهِ إلَى مَعْنًى مُتَعَلِّقٍ بِذَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ هُوَ الْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِهَا أَوْ تَسَلُّمِهَا وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَسْأَلَةَ الْمَاءِ مِنْ الْمَعْجُوزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ وَتَسَلُّمِهِ شَرْعًا وَهُوَ كَالْمَعْجُوزِ عَنْهُ حِسًّا وَبَيَّنُوا وَجْهَ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا بِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلطُّهْرِ بِهِ إذْ الصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ فَلَوْ صَحَّحْنَا ذَلِكَ لَأَدَّى إلَى جَوَازِ إخْرَاجِ فِعْلِهَا بِالْوُضُوءِ عَنْهُ فَإِنْ قُلْت يُعَارِضُ ذَلِكَ أَنَّ النَّوَوِيَّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمْ يَجْعَلْ مَنْشَأَ الْبُطْلَانِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا كَوْنَ التَّسْلِيمِ حَرَامًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ الْحَقِّ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ وَعِبَارَتُهُ كَمَا يَأْتِي بِسَوَابِقِهَا وَلَوَاحِقِهَا أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الْهِبَةُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ حَرَامٌ فَهُوَ عَاجِزٌ شَرْعًا وَهُوَ كَالْعَاجِزِ حِسًّا انْتَهَتْ وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ حُرْمَةَ التَّسْلِيمِ فَالصَّدَقَةُ إذًا حُرِّمَتْ كَذَلِكَ وَبِهَذَا يَتَأَيَّدُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَيَبْطُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ قُلْت لَا يُعَارِضُهُ بِوَجْهٍ لِمَا قَدَّمْته أَنَّ حُرْمَةَ التَّسْلِيمِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ تَبَرُّعًا وَإِلَّا لَمَا تَسَاوَى الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ لِكَوْنِهِ تَفْوِيتًا لِلْحَقِّ الْمُتَعَلِّقِ بِعَيْنِ الْمَاءِ الْمُقْتَضِي لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيهَا شَرْعًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ حَتَّى تَرْجِعَ الْحُرْمَةُ إلَى مَعْنًى مُتَعَلِّقٍ بِذَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَازِمِهِ إذْ لَا تَقْتَضِي الْحُرْمَةُ الْإِبْطَالَ إلَّا إنْ رَجَعَتْ لِذَلِكَ وَحِينَئِذٍ اتَّضَحَ تَفْرِيعُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْعَجْزَ عَلَى الْحُرْمَةِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّدَقَةِ فَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ فِيهَا إلَّا لِكَوْنِهَا تَبَرُّعًا وَهَذَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِ الْعَيْنِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا أَصْلًا وَإِذَا رَجَعَتْ الْحُرْمَةُ فِي الْعَقْدِ إلَى خَارِجٍ عَنْهُ وَعَنْ لَازِمِهِ لَا تَقْتَضِي الْبُطْلَانَ كَمَا قَرَّرُوهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِبُطْلَانِ نَحْوِ الصَّدَقَةِ وَلَا لِتَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا ذَكَرْته وَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَلْ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِصِحَّةِ نَحْوِ هِبَةِ وَعِتْقِ الْمَدْيُونِ كَمَا يَأْتِي بِمَا فِيهِ وَمِمَّا يُبْطِلُ تَخْرِيجَ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَيْضًا مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ نَفْسُهُ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ كَمَا فِي الْخَادِمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا خِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ فِي حُرْمَةِ الْبَذْلِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ التَّصَرُّفِ مَعَ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ مِنْ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي الْحُرْمَةِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ فَعَلِمْنَا أَنَّ وَجْهَ الْحُرْمَةِ ثَمَّ غَيْرُهُ هُنَا وَإِلَّا لَاتَّحَدَا فِي الْخِلَافِ أَوْ عَدَمِهِ وَأَنَّهَا ثَمَّ أَقْوَى مِنْهَا هُنَا وَبِهَذَا يَتَّضِحُ رَدُّ مَا يَأْتِي عَنْ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِعَدَمِ صِحَّةِ التَّصْدِيقِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَوَجُّهِ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ بَدَلٌ وَوَجْهُ رَدِّهِ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْمَاءِ أَقْوَى لِمَا مَرَّ مِنْ تَعَلُّقِ الْحَقِّ فِيهِ بِالْعَيْنِ وَلَوْ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى الْحُرْمَةِ فِي الْمَاءِ دُونَ الصَّدَقَةِ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَتَأَتَّى الْجَزْمُ بِبُطْلَانِ التَّصَدُّقِ مَعَ الْخِلَافِ فِي حُرْمَتِهِ وَيُحْكَى الْخِلَافُ فِي هِبَةِ الْمَاءِ مَعَ الْجَزْمِ بِحُرْمَتِهَا هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ فَالصَّوَابُ خِلَافُ مَا بَحَثَهُ هُوَ وَابْنُ الرِّفْعَةِ فَتَأَمَّلْ وَلَا يَصُدَّنَّك جَلَالَتُهُمَا فَإِنَّك بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ يَتَّضِحُ لَك صِحَّةُ مَا ذَكَرْته. (رَابِعُهَا) قَوْله وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ صُورَةِ السُّؤَالِ هَذَا فِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَدْنَى مُتَأَمِّلٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِسَوْقِ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ ثُمَّ تَطْبِيقِهَا مَعَ صُورَةِ السُّؤَالِ الَّتِي أَجَابَ عَلَيْهَا وَعِبَارَتُهُ لَوْ وَهَبَ الْمَاءَ الصَّالِحَ لِطَهَارَتِهِ فِي الْوَقْتِ لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَى الْعَطَشِ وَنَحْوِهِ أَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ثَمَنِهِ فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا

стр. 573

أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الْهِبَةُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ حَرَامٌ فَهُوَ عَاجِزٌ شَرْعًا وَهُوَ كَالْعَاجِزِ حِسًّا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَالثَّانِي يَصِحَّانِ قَالَ الْإِمَامُ وَهُوَ الْأَقْيَسُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْمَنْعُ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي الْعَقْدِ وَاخْتَارَ الشَّاشِيُّ هَذَا وَقَالَ: الْأَوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْفَرْضِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْهِبَةِ كَمَا لَوْ وَجَبَ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ فَأَعْتَقَهَا لَا عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ وَهَبَهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْنَا تَصْحِيحَهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ يُشْبِهَانِ مَا لَوْ وَهَبَ رَجُلٌ لِلْوَالِي شَيْئًا تَطَوُّعًا عَلَى سَبِيلِ الرِّشْوَةِ هَلْ يَمْلِكُهُ مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ الْمِلْكَ لِلْمَعْصِيَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ وَقَالَ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ حِكَايَةً عَنْ الشَّاشِيِّ وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَجِد صُورَتَهُ عَيْن صُورَةِ السُّؤَالِ السَّابِقَةِ الَّتِي هِيَ فَيُطَالِبُهُمْ أَهْلُ الدُّيُونِ فَيُبَادِرُونَ وَيَمْلِكُونَ أَمْوَالَهُمْ إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ مَعَ هَذَا الِاتِّحَادِ الْوَاضِحِ جِدًّا يُقَالُ إنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَا فِيهِ فِيمَنْ يَرْجُو وَفَاءً وَمَا فِي السُّؤَالِ فِيمَنْ لَا يَرْجُوَا وَفَاءً قُلْنَا هَذَا تَحَكُّمٌ قَبِيحٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْقَيْدِ فَرِعَايَتُهُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالسُّؤَالِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي أَنَّ الْمُتَبَرِّعَ بِالْهِبَةِ فِيهِمَا عَلَيْهِ دُيُونٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِمَالِهِ وَأَنَّهُ طُولِبَ بِهَا فَبَادَرَ وَتَصَرَّفَ فِيهَا بِتَبَرُّعٍ كَهِبَةٍ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ كَمَا يَأْتِي. (خَامِسُهَا) قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَنْظُورٌ فِيهِ إلَخْ قَدْ بَيَّنَ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَنَا وَسَعْيَهُ فِي تَأْلِيفِهِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ قَوْلُهُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ الشَّاشِيِّ وَكَمَا لَوْ وَهَبَ مَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ إلَخْ لَيْسَ صَرِيحًا فِي تَقْرِيرِهِ فَضْلًا عَنْ الْجَزْمِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْ حَيْثُ قَالَ مَا حَاصِلُهُ مَا صَحَّحْنَاهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مِنْ بُطْلَانِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَهُوَ يَمْلِكُ عَبْدًا فَوَهَبَهُ أَوْ طُولِبَ بِدَيْنٍ فَوَهَبَ مَا يَمْلِكُهُ فَإِنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ هُنَا اهـ. ثُمَّ رَدَّ كَلَامَ الْإِسْنَوِيُّ بِأُمُورٍ أُخْرَى فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنَّ صَنِيعَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرٌ فِي اعْتِمَادِ الْأَوَّلِ وَتَعْلِيلِهِ وَفِي تَزْيِيفِ الثَّانِي وَتَعْلِيلِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ وَعَدَمِ الْجَوَابِ عَنْهُ وَكَثِيرًا مَا يُمْنَعُ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قِيَاسُ الْآخَرِ وَلَا يُسَلِّمُهُ وَكُتُبُ الشَّيْخَيْنِ وَالْأَصْحَابِ مَمْلُوءَةٌ بِذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَالشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيّ فِي تَوْشِيحِهِ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ تَقْرِيرًا حَسَنًا. ثَانِيهَا أَنَّهُ اكْتَفَى بِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّصَدُّقِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدَيْنِهِ لَا نُطَابِقُ تَعْلِيلَ الْأَوَّلِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ حُرْمَةُ التَّسْلِيمِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَأْخَذُ ابْن الرِّفْعَةِ الْآتِي فِي تَخْرِيجِ مَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا هُنَا وَمِنْ ثَمَّ لَمْ أَرَ أَحَدًا صَرَّحَ بِمُخَالَفَتِهِ بَلْ بَحَثَ مَعَهُ فِي التَّوَسُّطِ وَغَيْرِهِ الْجَزْمَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَفَرَّقَ بِمَا حَاصِلُهُ تَعَلُّقُ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَوَجُّهُ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ بَدَلٌ وَلِهَذَا يَبْقَى لِلْمُكَفِّرِ خَادِمٌ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ قَالُوا لِأَنَّ لِلْكَفَّارَةِ بَدَلًا وَأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ ثَالِثُهَا أَنَّ النَّشَائِيَّ فِي الْمُنْتَقَى وَالنَّوَوِيَّ فِي التَّحْقِيقِ حَذَفَا مَسْأَلَةَ الْمَدِينِ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا الشَّاشِيُّ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمَا يَتَعَرَّضَانِ لِمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَمَدًا عِنْدَ النَّوَوِيِّ لَمَا حَذَفَاهُ ثُمَّ ذَكَرَ عِبَارَتَهُمَا وَأَنَّ الْجَوَاهِرَ حَذَفَتْهُ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ فَحَذْفُ أَصْحَابِ هَذِهِ الْمُتُونِ لَهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا عَنْ النَّوَوِيِّ تَزْيِيفَهَا ثُمَّ قَالَ رَابِعُهَا وَهُوَ الْفَيْصَلُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ فِي أَوَائِلِ الْحَجْرِ مَا لَفْظُهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَجْرِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَعِنْدَهُ مَاءٌ يَتَطَهَّرُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهَكَذَا قِيَاسُ السُّتْرَةِ وَنَحْوِهَا كَاَلَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْعَاجِزُ عَنْ الْقِيَامِ وَالْمُصْحَفِ الَّذِي يَقْرَأُ مِنْهُ غَيْرُ الْحَافِظِ. الثَّلَاثُونَ إذَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْفَوْرِ وَكَانَ فِي مِلْكِهِ مَا يُكَفِّرُ بِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِهِ فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ امْتِنَاعُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ نَقْلُهُ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو وَفَاءَهُ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ غَيْرِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِمَا

стр. 574

مَعَهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَكِنْ لَوْ فَعَلَ فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ نَظَرٌ اهـ. قُلْت وَنَسَبَهُ الْفَتَى إلَى أَنَّهُ نَسِيَ مَا سَبَقَ عَنْهُ فِي التَّيَمُّم وَاَلَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي صَرَّحَ بِهِ هُنَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ قِيَاس هِبَةِ الْمَاءِ وَاَلَّذِي سَبَقَ مِنْهُ فِي التَّيَمُّمِ صَدَرَ مِنْهُ لِغَرَضِ الْمُنَاقَضَةِ لَا لِلتَّحْرِيرِ وَالتَّحْقِيقِ فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَجْرِ وَجَعَلَهُ الْقِيَاسَ وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا زُرْعَةَ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَجْرِ وَفَرَّقَ فِي التَّيَمُّم بِمَا حَاصِلُهُ تَعَيُّنُ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّةٍ وَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ الدَّائِنُ وَنَظَرَ فِيهِ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ وَقَالَ إنَّهُ يَنْخَدِشُ بِإِتْلَافِ الْمَاءِ قُلْت وَيَخْدِشُهُ أَنَّ الدَّائِنَ إذَا طَالَبَ بِدَيْنِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَمَعَ الْمَدِينِ مَاءٌ لِطَهَارَتِهِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَطَلَبَ الدَّائِنُ بَيْعَهُ لِلدَّيْنِ أَنَّهُ يُجَابُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ تَعَيَّنَ لِلطَّهَارَةِ وَالدَّائِنُ قَدْ رَضِيَ بِذِمَّتِهِ وَهَذَا يُسَلِّمُهُ الْفَقِيهُ وَلَا يُنْكِرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَامِدًا مُتَعَسِّفًا فَلَيْسَ كَلَامُنَا مَعَهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُصَحِّحِينَ بُطْلَانَ هِبَةِ الْمَاء لَا يُسَلِّمُونَ قِيَاسَ الشَّاشِيِّ فَلِهَذَا أَعْرَضَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْجَوَابِ عَنْهُ لِعَدَمِ تَسْلِيمِهِ لَهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ امْتَنَعَ التَّبَرُّعُ بِالْمَاءِ وَالْمَالِ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا اعْتَمَدَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ التَّعْلِيلِ لَمْ يُرَتِّبْ فِي صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ التَّبَرُّعِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ بَلْ تَقَدَّمَ عَنْ الْإِيضَاحِ أَيْ لِلنَّاشِرِيِّ بُطْلَانُ الْعِتْقِ مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَفِيهِ أَنْظَارٌ شَتَّى وَأُقَدِّمُ قَبْلَ الْكَلَامِ فِيهَا الْكَلَامَ فِي مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ فِي تَبَرُّعَاتِ الْمَدِينِ الَّذِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَلَا وَفَاءَ مَعَهُ حَالًا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلهمْ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً كَمَا سَبَقَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِيهِ فَأَقُولُ اعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ وُقُوعِ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ تَصَرُّفَاتِهِ نَظَرُهُمْ لِتَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَكَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي التَّيَمُّم مَعَ ظَنِّهِمْ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ غَيْرَهُمَا وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا بَلْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْأُمِّ لِإِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُنْتَقَى وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْمُتُونِ الصِّغَارِ فِي بَابِ الْعِتْقِ بَلْ وَفِي كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ كَمُغْنِي الْحَنَابِلَةِ الَّذِي أَطَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَدْحِهِ وَاعْتِمَادِ مَا فِيهِ مِنْ النُّقُولِ عَنْ الْمَذَاهِبِ لِحِفْظِهِ وَتَحْرِيرِهِ وَمِنْ ثَمَّ نَسَجَ عَلَى مِنْوَالِهِ فِي شَرْحِهِ لِلْمُهَذَّبِ وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِسَوْقِ عِبَارَاتِهِمْ وَالْكَلَامِ فِيهَا بِبَيَانِ مَا قَدْ يَخْفَى مِنْ مَدْلُولِهَا وَمَا قَدْ يَرِدُ عَلَيْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى سَوْقِ الْعِبَارَاتِ الْمَشْهُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا لِئَلَّا يَطُولَ الْكِتَابُ فَيُمَلَّ فَنَقُولُ الْعِبَارَةُ الْأُولَى عِبَارَةُ الْمُغْنِي الْمَذْكُورِ وَهِيَ مَا فَعَلَهُ الْمُفْلِسُ فِي مَالِهِ قَبْلَ حَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ قَضَاءِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ نَافِذٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالُك وَالشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ لِأَنَّهُ رَشِيدٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ كَغَيْرِهِ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ الْحَجْرُ فَلَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ انْتَهَتْ بِلَفْظِهَا. وَقَوْلُهُ نَافِذٌ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِجَائِزٍ بِدَلِيلِ تَصْرِيحِ الْحَنَابِلَةِ بِحُرْمَتِهَا وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ لَهُمْ وَتَصَرُّفُهُ أَيْ الْمُفْلِسِ قَبْلَ الْحَجْرِ نَافِذٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَيْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إنْ أَضَرَّ بِغَرِيمِهِ ذَكَرَهُ الْآدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ الْمُنْتَخَبِ وَقِيلَ لَا يَنْفُذُ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا أَيْ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَانْظُرْ حِكَايَةَ الْمُغْنِي النُّفُوذَ مِنْ الْمُفْلِس قَبْلَ الْحَجْرِ عَنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَقَوْلَهُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ يَظْهَرُ لَك أَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ أَمْرٌ خَالَفُوا فِيهِ أَئِمَّةَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرَهُمْ وَكَفَى بِهَذَا قَادِحًا فِي رَدِّ مَقَالَتِهِمْ وَتَزْيِيفِهَا وَأَنَّهُ لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهَا فَإِنَّ قُلْت قَوْلُ الْفُرُوعِ وَقِيلَ لَا يَنْفُذُ قَادِحٌ فِي قَوْلِ الْمُغْنِي وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّ هَذَا خِلَافٌ فِي مَذْهَبِهِ وَيَبْعُدُ عَلَى حَفَظَةِ الْمَذْهَبِ الْحِفْظُ الَّذِي لَا يُسَاوِي فِيهِ خَفَاءُ هَذَا الْخِلَافِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِيهِ شَهِيرٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْعِتْقِ. وَكَذَا هُوَ شَهِيرٌ فِي مَذْهَبِ مَالِك بَلْ جَزَمَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ بِعَيْنِ مَا أُفْتِي بِهِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ فَقَالَ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ بِالْمَالِ حَتَّى قَبْلَ الْحَجْرِ لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ غَيْرُهُ بِمَا إذَا عَلِمَ بِتِلْكَ الْإِحَاطَةِ وَإِلَّا فَتَبَرُّعُهُ صَحِيحُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ نَقْلًا عَنْ ابْن ذُؤَيْبٍ وَاعْتَمَدَهُ بَلْ هَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاَلَّذِي فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ صِحَّة

стр. 575

تَصَرُّفِهِ وَإِنَّ عَلِمَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا وَفَاءَ مَعَهُ بِمَا تَبَرَّعَ بِهِ وَجَزَمَ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ وَهُوَ أَنَّهُ قَبْلَ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ يَجُوزُ لَهُ التَّبَرُّعُ بِالْيَسِيرِ وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقَالَ الْحَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَئِمَّتِهِمْ وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ مَالِكٍ بِغَيْرِ عِوَض إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَلْزَمُهُ وَمِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا جُمْهُورُ مِنْ قَالَ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ فَقَالُوا هُوَ قَبْلَ الْحَجْرِ كَسَائِرِ النَّاسِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ لِهَذَا الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الْأَفْعَالِ حَتَّى يَقَعَ الْحَجْرُ وَمَالِكٌ كَأَنَّهُ اعْتَمَدَ الْمَعْنَى نَفْسَهُ وَهُوَ إحَاطَةُ الدَّيْنِ بِمَالِهِ. اهـ. وَاحْتَرَزَ بِالْجُمْهُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِالْحَجْرِ وَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ عِتْقَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ لَا يُرَدُّ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَمْ لَا بِأَنَّ دَيْنَ الْغُرَمَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ لَا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ وَلَوْ تَلِفَ الْعَبْدُ لَمْ يَبْطُلْ الدَّيْنُ فَوَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ الْعِتْقُ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ مَعَ نُفُوذِهِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِتْقَ كَالصَّدَقَةِ فِي الرَّدِّ بِشَرْطِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحَاصِلُ أَنَّ تَبَرُّعَاتِهِ الَّتِي بَعْدَ الدَّيْنِ وَقَبْلَ الْحَجْرِ مَرْدُودَةٌ إذَا أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مَا عَدَا الْعِتْقَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إنْ قَامَ الْغُرَمَاءُ بِقُرْبِ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ فَانٍ قَامُوا بَعْدَ طُولِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَرْجَح الرَّدُّ. اهـ. حَاصِلُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الْمُفْلِسِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ وَإِنَّ طَلَبَ غُرَمَاؤُهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي الْحَجْرِ إهْدَارَ أَهْلِيَّتِهِ وَإِلْحَاقَهُ بِالْبَهَائِمِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِهِ لِأَجْلِ ضَرَرٍ خَاصٍّ وَلَا يَتَصَرَّفُ الْحَاكِمُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا إذَا طَلَبُوا الْحَجْرَ حَجَرَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْبَيْعِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ بَيْعِ مَالِهِ يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ وَيَقْسِمُ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ هَذَا حَاصِلُ مَا فِي مَذْهَبِهِمْ فِي ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِمَا شَاءَ مُطْلَقًا وَعَلَى قَوْلِ صَاحِبَيْهِ يَتَصَرَّفُ مَا لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ وَمَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ مَذْهَبُنَا وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ فَكَيْفَ يَنْقُلُ الْمُغْنِي عَنْهُمْ الْقَوْلَ بِنُفُوذِ التَّبَرُّعِ قَبْلَ الْحَجْرِ قُلْت أَمَّا الْخِلَافُ الَّذِي لِأَصْحَابِهِمْ وَأَصْحَابِنَا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ وَلَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ لِضَعْفِهِ مِنْ حَيْثُ مُخَالَفَتُهُ لِصَرِيحِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا يَقَعُ لِلنَّوَوِيِّ ﵀ كَثِيرًا أَنَّهُ فِي كُتُبِهِ لَا سِيَّمَا شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَحْكِي الِاتِّفَاقَ مَعَ تَصْرِيحِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ بِالْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ الْخِلَافِ لِشُذُوذِهِ فَيَجْزِمُ بِالْحُكْمِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ مَا مَرَّ عَنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ وَجَعَلَ الثُّبُوتَ عِنْدَ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْحَجْرِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ لَا يَقُولُ بِالْحَجْرِ كَمَا مَرَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى صَاحِبِ الْمُغْنِي فِيمَا مَرَّ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ الْخِلَافَ إلَّا بِاعْتِبَارِ عِلْمه دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ فَبِفَرْضِ ثُبُوتِهِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيهِ وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتْح الْبَارِي أَنَّهُ فِيهِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى النُّفُوذِ قَبْلَ الْحَجْرِ فَقَدْ وَهِمَ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ هِيَ الَّتِي قَدَّمْتهَا وَهِيَ قَوْلُهُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا تُفِيدُ الْإِجْمَاعَ نَعَمْ تُفِيدُ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ مَرَّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ قَالَ بِالْحَجْرِ قَالُوا هُوَ قَبْلَ الْحَجْرِ كَسَائِرِ النَّاس وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْمُغْنِي نَعَمْ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى النُّفُوذِ قَبْلَ الْحَجْر وَقَعَتْ فِي كَلَامِ غَيْرِ الْمُغْنِي وَهِيَ مَرْدُودَةٌ بِمَا قَرَّرْتُهُ مِنْ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ الْغَرِيبِ قَوْلُ ابْنِ الْمُنِيرِ الْمَالِكِي فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَأَمَّا قَوْلُهُ مَنْ تَصَدَّقَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ فَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهِ. اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَقَوْلُهُ فَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ غَلَطٌ فَاحِشٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ السَّابِقُ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ بَلْ الْخِلَافُ شَهِيرٌ مَحْكِيٌّ فِي النُّفُوذِ حَتَّى بَعْدَ الْحَجْرِ وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَهَذَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى لَا لِقَوْلِهِ رَدٌّ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُهُ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ مَا مَرَّ مِنْ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ حَتَّى فِي مَذْهَبِهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِعِبَارَةِ الْمُغْنِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُ الذَّخِيرَةِ لِلْقَرَافِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَقِّقِيهِمْ

стр. 576

مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ حَرُمَتْ هِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَعِتْقُهُ وَرُدَّ إقْرَارُهُ لِمَنْ اتَّهَمَ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ حَتَّى يُحْجَرَ عَلَيْهِ وَكَذَا الْإِنْفَاقُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَمَنْ يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ وَيَتَزَوَّجُ مِنْ مَالِهِ مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ التَّبَرُّعَاتُ نَافِذَةٌ حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ نَقْلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ النُّفُوذَ لِجَمِيعِ تَبَرُّعَاتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ مَعَ إحَاطَةِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ يَزْدَدْ عَجَبُك مِنْ إفْتَاءِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ بِعَدَمِ نُفُوذِهَا أَخْذًا مِنْ تَخْرِيجٍ بِأَنَّ فِيمَا مَضَى ضَعْفَهُ وَانْحِلَالَهُ الْعِبَارَة الثَّالِثَةُ وَهِيَ الْعُمْدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهِيَ قَالَ الشَّافِعِيُّ شِرَاءُ الرَّجُلِ وَبَيْعُهُ وَعِتْقُهُ وَإِقْرَارُهُ وَقَضَاؤُهُ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ جَائِزٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُفْلِسٍ وَذَا دَيْنٍ كَانَ أَوْ غَيْرَ ذِي دَيْنٍ فِي إجَازَة عِتْقِهِ وَبَيْعِهِ لَا يَرُدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا مِمَّا فَضَلَ مِنْهُ وَلَا إذَا قَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَيِّرُوهُ إلَى الْقَاضِي وَيَنْبَغِي إذَا صَيَّرُوهُ إلَى الْقَاضِي أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى أَنَّهُ أَوْقَفَ مَالَهُ عَنْهُ أَيْ حَجَرَ عَلَيْهِ فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يَجُزْ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ وَلَا يَهَبَ. اهـ. لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ وَقَوْلُهُ جَائِزٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ نَافِذٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَا يَرُدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَا يُنَافِي مَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّبَرُّعُ وَإِنْ نَفَذَ وَعِبَارَتُهَا بَعْد ذَلِكَ بِأَسْطُرٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَيَجُوزُ لَهُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ الْقَاضِي مَالَهُ انْتَهَتْ بِحُرُوفِهَا وَعِبَارَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِوَرَقَاتٍ وَإِذَا حَبَسَ وَأَحْلَفَ وَفَلَّسَ وَخَلَى ثُمَّ أَفَادَ مَالًا جَازَ لَهُ فِيمَا أَفَادَ مَا صَنَعَ مِنْ عِتْقٍ وَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَغَيْره حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ السُّلْطَانُ وَقْفًا آخَرَ لِأَنَّ الْوَقْفَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ وَقْفًا لِأَنَّهُ غَيْرُ رَشِيدٍ إنَّمَا وَقَفَ لِيَمْنَعَهُ مَالَهُ وَيَقْسِمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ فَمَا أَفَادَ آخَرَ فَلَا وَقْفَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ بِحُرُوفِهَا أَيْضًا فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ ﵁ تَجِدْهُ نَصًّا قَاطِعًا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً إذْ لَا يَكُونُ مُفْلِسًا إلَّا إنْ كَانَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْته فِي مَعْنَى لَا يَرْجُو وَفَاءً قَبْلَ حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ مُطَالَبَةِ الْغُرَمَاءِ وَرَفْعِهِمْ لَهُ إلَى الْقَاضِي وَحِينَئِذٍ يَزْدَاد تَعَجُّبُك مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ إفْتَائِهِمْ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَبَرُّعِهِ وَأَيُّ عُذْرٍ لِمُقَلِّدٍ ضَاقَتْ عَلَيْهِ أَغْلَالُ التَّقْلِيدِ فَأُفْحِمَ حَتَّى لَمْ يَجِدْ حُرًّا لِيُخْرِجَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَضِيقِ إلَى فَضَاءِ دَوْحَةِ رَأْيِهِ أَوْ رَأْيِ غَيْرِ مُقَلَّدِهِ فِي أَنْ يُخَالِفَ مُقَلَّدَهُ مِثْلَ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَامَ عِنْدَهُ وَجَمَدَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ مِمَّا لَا يَصْلُحُ مُتَمَسَّكًا كَمَا بَسَّطْتُهُ فِيمَا مَرَّ وَيَأْتِي وَرُبَّمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ هَوَى إلَى هُوِيَّةِ اللَّجَاجِ وَالْعِنَادِ وَأُعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْهُمَا كُلَّ مَنْ لَهُ فِي الْخَيْرِ مَزِيدُ تَقَدُّمٍ وَازْدِيَادٍ. الْعِبَارَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِي الْعَزِيزِ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ سِرَايَةِ الْعِتْقِ الثَّانِيَةِ لَوْ مَلَك الْمُعْتَقُ قِيمَةَ نِصْفِ الشَّرِيكِ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ أَكْثَرُ فَهَلْ يَمْنَعُ الدَّيْنُ التَّقْوِيمَ عَلَيْهِ وَالسِّرَايَةَ فِيهِ قَوْلَانِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ وَالْجَامِعُ أَنَّ سِرَايَةَ الْعِتْقِ حَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحَظٍّ لِلْآدَمِيِّ كَالزَّكَاةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ وَجَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ وَقَالَ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوسِرٍ بِمَا يَمْلِكُهُ بَلْ هُوَ فَقِير مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلِذَلِكَ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ فَإِنْ أَبْرَأَهُ عَنْ الدَّيْنِ لَمْ يُقَوَّم عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْمُعْسِرِ يُوسِرُ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ ﵏ وَمِنْهُمْ ابْنُ الْحَدَّادِ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذُ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ نَفَذَ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا يُضَارِبُ الشَّرِيك بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فَإِنْ أَصَابَهُ بِالْمُضَارَبَةِ مَعَ الْغُرَمَاءِ مَا بَقِيَ بِقِيمَةِ جَمِيعِ نَصِيبِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى حِصَّتِهِ وَيَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبْدِ إنْ قُلْنَا تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ أَكْثَرُ وَتَعْلِيلُهُ الضَّعِيفَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُوسِرٍ وَالصَّحِيحُ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذُ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَاسْتِدْلَالُهُ لِذَلِكَ بِنُفُوذِ تَبَرُّعِهِ بِالْعِتْقِ تَجِدُ ذَلِكَ نَصًّا قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ ذَوْقٍ وَإِنَّمَا الْمُخَالِفُ لِذَلِكَ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ مُعَانِدٌ يَنْقَطِعُ الْكَلَامُ مَعَهُ. الْعِبَارَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي ذَلِكَ أَحَدُهَا

стр. 577

كَوْنُ الْمُعْتِقِ مُوسِرًا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُعَدَّ غَنِيًّا بَلْ إذَا كَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَفِي بِقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِك غَيْرَهُ وَيُصْرَفُ إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ كُلُّ مَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ مَلَكَ قِيمَةَ الْبَاقِي لَكِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذٌ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ نَفَذَ انْتَهَتْ وَقَوْلُهَا بِقَدْرِهِ مُرَادُهَا مَا فِي أَصْلِهَا كَمَا عَلِمْت أَوْ أَكْثَرَ وَمِنْ ثَمَّ جَرَى صَاحِبُ الْمُنْتَقَى وَغَيْرُهُ حَتَّى أَصْحَابُ الْمُتُونِ كَالْحَاوِي وَفُرُوعِهِ عَلَى مَا فِي عِبَارَةِ الْعَزِيزِ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الرَّوْضَةِ فِي ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَعْلِيلِهَا الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مَدْيُونًا وَاسْتَغْرَقَتْ الْقِيمَةُ مَالَهُ. اهـ. وَهَذَا يَشْمَل مَا إذَا سَاوَتْ الْقِيمَةُ مَالَهُ وَمَا إذَا زَادَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت مِنْ أَيْنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّصَرُّفِ فِي عِبَارَتِهَا مَا يَشْمَلُ التَّبَرُّعَ قُلْت هَذَا جَلِيٌّ لَا يَحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهُ لِأَنَّهُ سَبَقَ تَعْلِيلًا لِنُفُوذِ تَبَرُّعِهِ بِالْعِتْقِ مَعَ اسْتِغْرَاقِ دَيْنِهِ فَلَوْلَا أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالتَّصَرُّفِ مَا يَشْمَلُ التَّبَرُّعَ لَمْ تَتَطَابَقْ الْعِلَّةُ وَالْمُعَلَّلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي الْمُدَّعِي لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. الْعِبَارَةُ السَّادِسَةُ عِبَارَةُ الْجَوَاهِرِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ أَوْ لَا ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَ مُعْتِقُ الْحِصَّةِ يَمْلِكُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ لَكِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ فَيُضَارِبُ الشَّرِيكُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فَإِنْ حَصَلَ لَهُ قِيمَةُ نَصِيبِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى حِصَّتِهِ وَيَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبْدِ إنْ قُلْنَا بِحُصُولِ السِّرَايَةِ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ أَيْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. فَتَأَمَّلْ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَمَنْ بَعْدهمَا وَمَنْ قَبْلَهُمَا هُنَا لَا سِيَّمَا قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذٌ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى إلَخْ تَعْلَمْ مَا وَقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ الْمُخَالِفُونَ مِنْ خُرُوجِهِمْ عَنْ صَحِيحِ الْمَذْهَبِ إلَى قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ ضَعِيفِ جِدًّا وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمُقَلَّدٍ سُلُوكُهُ لَكِنْ لَعَلَّ عُذْرَ أُولَئِكَ أَنَّ نُسَخَ الْأُمِّ قَلِيلَةٌ فِي بِلَادِهِمْ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ لَكِنَّهَا فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهَا فَغَفَلُوا عَنْهَا فَإِذَا بَانَتْ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ الرُّجُوعُ لِلْحَقِّ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِهِمْ دُونَ التَّمَادِي بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ الْفَظِيعَةِ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ مِنْ تَصْمِيمٍ عَلَى مَا لَا يُرْضَى وَيَسَّرَ لَنَا سُلُوكَ سَبِيلِ الْحَقِّ أَيْنَمَا كَانَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. فَإِنْ قُلْت لَا حُجَّة فِيمَا ذَكَرْت عَنْ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّ السِّرَايَةَ قَهْرِيَّةٌ عَلَيْهِ مِنْ الشَّارِعِ وَكَلَامُنَا لَيْسَ إلَّا فِيمَا يُفْعَلُ بِالِاخْتِيَارِ قُلْت هَذَا إنَّمَا يُتَوَهَّمُ بِالنِّسْبَةِ لِعِتْقِ نَصِيبِ الشَّرِيك أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِعِتْقِ نَصِيبِهِ هُوَ فَالْحُجَّةُ فِيهِ وَاضِحَةٌ لِنُفُوذِهِ مَعَ الدَّيْن الْمُسْتَغْرِقِ وَكَذَا هِيَ وَاضِحَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِنَصِيبِ الشَّرِيكِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا مِمَّا فُعِلَ بِالِاخْتِيَارِ وَمِنْ ثَمَّ عَدُّوهُ إتْلَافًا وَتَفْوِيتًا وَمَنَعُوا السِّرَايَةَ فِيمَا لَوْ مَلَكَ بَعْضَ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ بِإِرْثٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ حِينَئِذٍ صَنِيعٌ وَلَا تَفْوِيت بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعِتْقُ بِاخْتِيَارِهِ لَا سِيَّمَا إنْ عَلِمَ بِأَنَّ الْعِتْقَ يَنْفُذُ عَلَيْهِ وَيُصْرَفُ إلَيْهِ مَا فِي يَدِهِ وَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ دَيْنُهُ وَمِنْ ثَمَّ جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى بِمَا فِي يَده الَّذِي اسْتَغْرَقَهُ دَيْنُهُ عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ ثَانِيهِمَا أَنَّ تَعْلِيلَهُمَا السَّابِقَ وَقَوْلَهُمَا وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى إلَخْ صَرِيحَانِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَيُفْرَضُ مَا ذُكِرَ فِي السِّرَايَة وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا الْحُجَّةَ الصَّرِيحَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ تَأْوِيلًا فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ مُهِمٌّ فَإِنَّ قُلْت سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ فَرْعٌ يُشْكِلُ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ أُولَئِكَ الْمُخَالِفُونَ وَهُوَ وَلَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ وَلَا يُعْتَق بَلْ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ. اهـ. فَمَنَعَ الدَّيْنَ لِعِتْقِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّهُ قَهْرِيٌّ عَلَيْهِ كَالسِّرَايَةِ مُشْكِلٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِيهَا وَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَدِينِ قُلْت هَذَا تَحْرِيفٌ أَوْ إجْمَالٌ يَحْتَاجُ لِتَقْيِيدٍ بِإِرْجَاعِ ضَمِيرِ اشْتَرَى إلَى الْمَرِيضِ وَحَمْلِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُسْتَغْرِقِ لِأَنَّ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ نِزَاعًا أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ عَتَقَ قَهْرًا عَلَيْهِ عَقِبَ الْمِلْكِ مَا لَمْ يَكُنْ

стр. 578

مَرِيضًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَالِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَإِلَّا فَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ ثُلُثَهُ وَقَدْ صَرَّحُوا بِالسِّرَايَةِ فِيمَنْ اشْتَرَى بَعْضَ قَرِيبِهِ مَعَ تَقْرِيرِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي السِّرَايَة بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ لَا وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَدِينَ الَّذِي دَيْنُهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَالِهِ لَوْ اشْتَرَى بَعْضَ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ مَا اشْتَرَاهُ وَسَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يُتَعَقَّلُ صِحَّةُ هَذَا الْإِجْمَالِ الَّذِي أُوقِعَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ بِتَقْدِيرِ أَنَّ النُّسَّاخَ لَمْ يُحَرِّفُوا شَيْئًا لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي رَأَيْت فِيهَا ذَلِكَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا السَّقَمُ وَالتَّحْرِيفُ. الْعِبَارَةُ السَّابِعَةُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ وَمُقْتَضَى هَذَا الْقَيْد وَهُوَ اشْتِرَاطُ زِيَادَةِ الدُّيُونِ عَلَى مَالِ الْمُفْلِسِ حَتَّى يُحْجَرَ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ وُجُودِ مَالٍ لِلْمَدْيُونِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَيَكْفِي مُجَرَّدُ الدَّيْنِ لِجَوَازِ الْحَجْرِ مَنْعًا لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا عَسَاهُ يَتَجَدَّدُ بِاصْطِيَادٍ أَوْ اتِّهَابٍ أَوْ الظَّفْرِ بِرِكَازٍ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلِيُفَسَّرْ الْمُفْلِسُ بِاَلَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ يَفِيَ بِدُيُونِهِ لِيَعُمَّ مَنْ لَا مَالَ لَهُ أَصْلًا انْتَهَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ وَيَكْفِي مُجَرَّدُ الدَّيْنِ لِجَوَازِ الْحَجْرِ مَنْعًا لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا عَسَاهُ يَحْدُثُ إلَخْ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ مَعَ كَوْنِهِ مَدِينًا وَلَا مَالَ لَهُ أَصْلًا يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ الشَّامِلُ لِتَبَرُّعِهِ بَلْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْمَنْعِ إذْ لَا مَحْذُورَ فِي تَصَرُّفِهِ بِغَيْرِهِ وَقَدْ أَقَرَّهُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى قَوْلِهِ مَنْعًا لَهُ إلَخْ وَإِنَّمَا خَالَفُوا تَبَعًا لِلْأَصْحَابِ فِي امْتِنَاعِ الْحَجْرِ حَيْثُ لَا مَالَ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ حِينَئِذٍ وَذَلِكَ التَّعَسِّي الَّذِي ذَكَرَهُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْغُرَمَاءَ بِصَدَدِ مُرَاقَبَتِهِ وَرَفْعِهِ لِلْحَاكِمِ لِيَحْجُرَ عَلَيْهِ إنْ حَدَثَ لَهُ مَالٌ فَلَا مَحْذُورَ فِي عَدَمِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْحُدُوثِ فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ فِي مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا مُسَلَّمٌ وَهُوَ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ فِيمَا حَدَثَ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ وَهَذَا عَيْنُ مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ مَدِينٌ لَا يَرْجُو وَفَاءً لِدَيْنِهِ وَقَدْ صَحَّ تَبَرُّعُهُ بِمَا فِي يَدِهِ وَحِينَئِذٍ يَزْدَادُ التَّعَجُّبُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَبَرُّعِهِ وَالْآخَرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَهُوَ الْحَجْرُ قَبْلَ الْحُدُوثِ لِمَا مَرَّ مِنْ انْتِفَاءِ سَبَبِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَجْرِ هُنَا مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْقِيَاسِ إذْ مَا حَدَثَ إنَّمَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهِ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ وَمَا جَازَ تَبَعًا لَا يَجُوزُ قَصْدًا. الْعِبَارَةُ الثَّامِنَةُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ مَنْ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدُيُونِهِ وَسَأَلَ الْغُرَمَاءُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَجْرَ عَلَيْهِ وُجُوبًا لِأَنَّهُ قَدْ يَقْضِي بَعْضَ الْغُرَمَاءِ دَيْنَهُ فَيَتَضَرَّر الْبَاقُونَ وَقَدْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ فَيُضَيِّعُ حَقَّ الْجَمِيعِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّ الْمَالَ لَوْ كَانَ مَرْهُونًا امْتَنَعَ الْحَجْرُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ رَقِيقٌ وَقُلْنَا يَنْفُذُ عِتْقُ الرَّاهِنِ لَهُ أَيْ عَلَى قَوْلٍ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ هَذَا مَا ظَهَرَ تَفَقُّهًا وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا. اهـ. فَقَوْلُهُمْ قَدْ يَتَصَرَّفُ إلَخْ وَاسْتِثْنَاءُ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْهُ عِتْقُ الْمَرْهُونِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ صَرِيحٌ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْته عَنْ الرَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً وَكَذَلِكَ اسْتِثْنَاءُ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ الْعِلَّةِ مَا ذَكَرَهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَالَ الْمَدِينِ الْمُفْلِس قَبْلَ الْحَجْرِ غَيْرُ مَرْهُونٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فَلِذَا صَحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ عَلَّلَهُ الشَّيْخَانِ بِقَوْلِهِمَا كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذٌ تَصَرُّفُهُ فِيهِ زَادَ الرَّافِعِيُّ وَتَبِعُوهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ قَدْرَ مَا فِي يَدِهِ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا مَرَّ. وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَارْتَضَاهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ يَظْهَرُ لَك صِحَّةُ مَا قَدَّمْته أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِتَخْرِيجِهِ السَّابِقِ إلَّا مُجَرَّدَ إجْرَاءِ الْخِلَافِ دُونَ التَّرْجِيحِ وَإِلَّا تَنَاقَضَ كَلَامُهُ هَذَا مَعَ ذَاكَ لِأَنَّ هَذَا الْمَذْكُور هُنَا صَرِيح فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءً وَالْمَذْكُورُ ثَمَّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ عَدَمِ صِحَّتِهِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بِالْحَمْلِ الَّذِي ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ التَّخْرِيجِ إلَّا إجْرَاءَ الْخِلَافِ لَا غَيْرُ وَبِفَرْضِ أَنَّ ظَاهِرَ تَخْرِيجِهِ التَّرْجِيحُ أَيْضًا لَا يَعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الصَّرِيحَةِ لِلْمَذْهَبِ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِهِ نَفْسِهِ هُنَا وَإِذَا اخْتَلَفَ كَلَامُ إمَامٍ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالصَّرِيحِ مِنْهُ دُونَ الظَّاهِرِ كَيْفَ وَالصَّرِيحُ الَّذِي هُنَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ مِنْ أَحَاطَ بِتِلْكَ النُّقُولِ الَّتِي قَدَّمْتهَا فَإِنْ قُلْت مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي التَّفْلِيسِ مَرْدُودٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ قُلْت

стр. 579

الْمَرْدُودُ مِنْهُ بَحْثُ مَنْعِ الْحَجْرِ فِي الْمَرْهُونِ بِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ لَهُ فَوَائِدَ كَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَفِيمَا عَسَاهُ يَحْدُثُ بِنَحْوِ اصْطِيَادٍ وَهَذَا الْبَحْثُ وَإِنْ سَلِمَ رَدُّهُ بِمَا ذُكِرَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا كَوْنُهُ مَرْدُودًا. الْعِبَارَةُ التَّاسِعَةُ مَا فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ. وَصُورَتُهُ رَجُلٌ وَقَفَ أَرْضَهُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فَهَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ الْجَوَابُ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي صِحَّتِهِ فَالْوَقْفُ صَحِيحٌ فَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا هُوَ الْمَنْقُولُ السَّابِقُ أَنَّ تَبَرُّعَ الْمَدِينِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ لِدَيْنِهِ وَفَاءً. الْعِبَارَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْآدَمِيِّ وَإِنْ حَلَّ وَاسْتَغْرَقَ مَالَهُ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ. وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ مَالَهُ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِجِهَةِ الدَّيْنِ ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ نَذْرَ التَّصَدُّقِ بِعَيْنِ النِّصَابِ النَّقْدِ أَوْ الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ قَالَ جَعَلْته صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَوْ ضَحِيَّةً فَتَمَّ الْحَوْلُ قَبْلَ صَرْفِهِ لِجِهَةِ النَّذْرِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِالنَّذْرِ أَوْ الْجَعْلِ هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَنَقَلَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاعْتِرَاضُ الْبُلْقِينِيُّ لَهُ أَشَارَ الْجَلَالُ إلَى رَدِّهِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ إنَّ مَالَهُ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى جِهَةِ الدَّيْنِ أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلَبِ الْمُوجِبِ لِلْأَدَاءِ فَوْرًا لِأَنَّ لَهُ الْأَدَاءَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بِاقْتِرَاضٍ أَوْ نَحْوِهِ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ فَالْمَالُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ لَا بِشَيْءٍ مِنْ أَعْيَان مَالِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ فَأَيُّ مُبْطِلٍ لِتَبَرُّعِهِ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا مَا فَرَّعُوهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ صِحَّةِ النَّذْرِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ مِنْ الْمَدِينِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا لَهُ وَزَائِدٌ عَلَيْهِ تَجِدْهُ صَرِيحًا ظَاهِرًا لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَحِينَئِذٍ يَزْدَادُ تَعَجُّبُك مِنْ الْمُخَالِفِينَ لِذَلِكَ مَعَ وُضُوحِ صَرَائِحِ الْمَذْهَبِ فِيهِ. وَلَقَدْ رَأَيْت لِكَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ حَضْرَمَوْت فِي بَيْعِ الْعُهْدَةِ مَا يُشَابِهُ مَا وَقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ بَلْ هُوَ أَقْبَحُ بِكَثِيرٍ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَذْهَبِ الْمُخَالَفَةَ الصَّرِيحَةَ بِإِبْدَاءِ آرَاءَ يَجْزِمُونَ بِهَا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ الْمَذْهَبِ وَقَوَاعِدِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ عُذْرًا فِي ذَلِكَ بَلْ أَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ الْمُعْتَرِفِينَ بِهِ وَالْمُذْعِنِينَ لَهُ أَنَّهُمْ شَافِعِيَّةٌ وَمُفْتُونَ وَمُؤَلِّفُونَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَلَيْسُوا مُجْتَهِدِينَ قَطْعًا بِأَيِّ مَرْتَبَةٍ فَرَضْتَهَا مِنْ مَرَاتِبِ الِاجْتِهَادِ فَمَعَ ذَلِكَ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُمْ فِي إفْتَاءٍ أَوْ تَأْلِيفٍ أَنْ يَذْكُرُوا آرَاءً لَا يُمْكِنُ تَخْرِيجُهَا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِوَجْهٍ بَلْ مُجْتَهِدُو الْمَذْهَبِ أَصْحَابُ الْوُجُوهِ وَغَيْرُهُمْ لَمْ يُبْدُوا شَيْئًا مِنْ وُجُوهِهِمْ وَآرَائِهِمْ إلَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَوْ قَاعِدَتِهِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. وَمَنْ خَرَجَ عَنْهُ كَمُفْرَدَاتِ الْمُزَنِيِّ وَآرَاءِ أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لَا تُعَدُّ آرَاؤُهُ وُجُوهًا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا مِنْهُ بَلْ هُوَ كَبَقِيَّةِ آرَاءِ الْمُخَالِفِينَ لِلْمَذْهَبِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أُولَئِكَ الْحَضَارِمَةِ أَنَّهُمْ جَرَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى آرَاءَ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ فَبَعِيدٌ لِأَنَّهُمْ إذَا سَلَكُوا ذَلِكَ كَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا تِلْكَ الْآرَاءَ بِنِسْبَتِهَا إلَى قَائِلِهَا أَوْ بِكَوْنِهِمْ أَخَذُوهَا مِنْ قِيَاسِ قَوْلِ الْمُخَالِفِينَ أَوْ قَوَاعِدِهِمْ وَأَمَّا إطْلَاقُهَا عَرِيَّةً عَنْ ذَلِكَ فَفِيهِ إيهَامٌ بَلْ صَرِيحٌ أَنَّهَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ ثَمَّ رَأَيْت أَكْثَرَ مُشْتَغِلِي الْحَضَارِمَةِ يُتَوَهَّمُونَ ذَلِكَ فَاتَّضَحَتْ حُرْمَةُ هَذَا الْفِعْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالتَّجَاسُرِ عَلَى مَرَاتِبِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ لِطَاعَتِهِ أَجْمَعِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. (تَنْبِيهٌ) اخْتَلَفُوا فِي الْمَدِينِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا فِي يَدِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَعَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ يُسِنُّ لَهُ إخْرَاجُهَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْعِبْرَةُ فِي الْفَضْلِ عَمَّا ذَكَرَهُ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ فَوُجُودُهُ بَعْدَهُ لَا يُوجِبُهَا اتِّفَاقًا لَكِنْ يُنْدَبُ إخْرَاجُهَا. اهـ. فَإِذَا نُدِبَ إخْرَاجُهَا هُنَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فَأَوْلَى أَنْ يُنْدَبَ فِي مَسْأَلَتِنَا لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْوُجُوبِ وَبِفَرْضِ تَسْلِيمِ عَدَمِ النَّدْبِ. فَجَوَازُ الْإِخْرَاجِ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ نَدَبَ إخْرَاجَهَا أَوْ جَوَازَهُ فَفِي ذَلِكَ الْحُجَّةُ لِجَوَازِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لِأَنَّ إخْرَاجَهَا حَيْثُ لَمْ يَجِبْ يَكُونُ تَبَرُّعًا وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِالنَّدْبِ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْضًا فِي خَبَرِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الضَّيْفُ فَأَطْعَمَهُ قُوتَهُ وَقُوتَ صِبْيَانِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَدَقَةٍ بَلْ ضِيَافَةٌ وَهِيَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْفَضْلُ

стр. 580

عَنْ عِيَالِهِ وَنَفْسِهِ لِتَأَكُّدِهَا وَكَثْرَةِ الْحَثِّ عَلَيْهَا حَتَّى إنَّ جَمْعًا أَوْجَبُوهَا. اهـ. فَكَذَا الْإِخْرَاجُ هُنَا مُتَأَكِّدٌ لِلْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي وُجُوبِهِ فَلَيْسَ لِلْمَدِينِ وَيُؤَيِّدُ جَوَازَ الْإِخْرَاجِ مَا بُحِثَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ مِنْ دَيْنٍ لَا يَرْجُو وَفَاءً رِعَايَةً لِقَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ إنَّهَا تَجِبُ حَتَّى عَلَى الْمُعْسِرِ كَمَا أَنَّ الضِّيَافَةَ لَا تَحْرُمُ عَلَى الْمَدِينِ. اهـ. وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّمَا تُسَنُّ لِلْقَادِرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ فِي يَدِهِ مَا يَفِي بِهَا وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لَهُ وَعَلَيْهِ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا وَالضِّيَافَة وَالْأُضْحِيَّةَ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا وَلَوْ مِنْ مَدِينٍ لَا يَرْجُو وَفَاءً فَيُفِيدُ ذَلِكَ صِحَّةَ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ وَلَا يُنَافِي الْجَوَازَ هُنَا الْحُرْمَةُ فِي الصَّدَقَةِ لِأَنَّهُ لَا دَاعِي لَهَا وَلَا عُذْرَ فِي إخْرَاجِهَا بِخِلَافِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا وَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ سُنَّةٌ بِشَرْطِهِ فَإِنْ قُلْت مَا ذَكَرْته عَنْ الْمَجْمُوعِ فِي الضِّيَافَةِ خَالَفَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. وَانْتَصَرْت لَهُ فِي كِتَابِك الْمُسَمَّى بِإِتْحَافِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ وَالْأَنَاقَةِ بِمَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ وَالضِّيَافَةِ قُلْت مَا فِي الْمَجْمُوعِ جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ فَصَحَّ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ لِمَا مَرَّ. الْعِبَارَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُمْ فِي التَّيَمُّم لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ يَلْزَمْهُ صَرْفُ شَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ إلَى مَاءِ طَهَارَتِهِ فَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ إلَى الْمَاءِ جَازَ أَيْ صَحَّ لِأَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ وَهُوَ مُرَادُ الْإِسْنَوِيِّ بِقَوْلِهِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي بَعْض الصُّورِ وَإِذَا تَقَرَّرَتْ صِحَّةُ صَرْفِهِ فِي ذَلِكَ كَانَ صَرِيحًا فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ دَيْنَهُ مُسْتَغْرِقٌ وَأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِشِرَاءِ الْمَاءِ وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ فَلْتَصِحَّ سَائِرُ تَبَرُّعَاتِهِ. الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي التَّفْلِيسِ اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّف مُفْتَقِرٌ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَطْعًا انْتَهَتْ وَهِيَ صَرِيحَةٌ لَا تَقْبَلُ تَأْوِيلًا فِي صِحَّة تَبَرُّعِ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَأَنَّهُ لَا يُمْنَعُهُ مِنْهُ إلَّا الْحَجْرُ الْحِسِّيُّ أَوْ الشَّرْعِيُّ. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ قَالَ لَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ فَأَيُّ تَنْصِيصٍ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَتُهَا الْمُوَافِقُ لِعِبَارَتِهَا أَيْضًا فِي الْعِتْقِ فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ مَا اقْتَضَاهُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ كَانَ ذَلِكَ أَعْجَبَ إذْ كَيْفَ تُتْرَكُ صَرَائِحَ النُّقُولِ لِتَخْرِيجٍ مُتَأَخِّرٍ بِمُحْتَمَلٍ بَلْ مَرْدُودٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ مُوَضَّحًا. الْعِبَارَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ قَوْلُ جَمْعٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحِيَلِ إنَّهَا إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّ الْغَيْرِ بَعْدَ وُجُوبِهِ حُرِّمَتْ فَهَذَا مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا مَعَ حُرْمَتِهَا وَإِبْطَالِهَا لِحَقِّ الْغَيْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ الْمُتَصَرَّفِ فِيهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا يَصِحُّ الْعَقْدُ الْمُشْتَمِلَةُ تِلْكَ الْحِيلَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ فَوَّتَ ذَلِكَ الْحَقَّ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُرْمَةَ تَفْوِيت ذَلِكَ الْحَقِّ لَا يُنَافِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُفَوِّتِ لَهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فَأَوْلَى تَبَرُّعُ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ لِأَنَّ الْحَقَّ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ وَبِفَرْضِ صِحَّةِ تَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ لَيْسَ مُقْتَضِيًا لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ بَلْ إنَّمَا يُبْطِلُهُ التَّعَلُّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا أَوْ الْأَمْرِ اللَّازِمِ لَهَا فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ اضْطَرَّنَا إلَيْهِ مَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْحِيَلِ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ رَدُّ مَا لِلْبَنْدَنِيجِيِّ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ الْعِبَارَةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ قَوْلُ الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْ فِي الْوَاهِبِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ. اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فَإِنَّهُ مَتَى انْتَفَى الْحَجْرُ وُجِدَتْ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ فَفِيهِ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ وَإِنْ انْتَفَى الْحَجْرُ فَلَا تَصِحُّ تَبَرُّعَاتِهِ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا فَإِنْ قُلْت لَوْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ التَّبَرُّعُ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ كُلَّ تَبَرُّعٍ فَوَّتَ حَقَّ الدَّائِنِ يَكُونُ حَرَامًا قُلْت هَذَا غَفْلَة عَمَّا مَرَّ مَبْسُوطًا أَنَّ مَلْحَظ الْحُرْمَةِ غَيْرُ مَلْحَظِ الصِّحَّةِ إذْ مَدَارُ الْحُرْمَةِ عَلَى إلْحَاق الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمَا يُفَوِّتُ قَضَاءَ دَيْنِهِ بِأَنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءً بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فَقَدْ أَضَرَّ بِالدَّائِنِ فَأَثِمَ لِذَلِكَ وَمَدَارُ الصِّحَّةِ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ حَقٍّ بِالْعَيْنِ وَمَتَى لَمْ يُحْجَرْ عَلَى الْمَدِينِ فَالدَّيْنُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَكُنْ لِإِبْطَالِ تَصَرُّفِهِ وَجْهٌ وَإِنْ حَرُمَ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَا لِمَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ أَصْلًا كَمَا مَرَّ مَبْسُوطًا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَيَقْطَعُ النِّزَاعَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ أَدَاءُ الدَّيْنِ بِالطَّلَبِ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ حِينَئِذٍ. وَمَعَ ذَلِكَ

стр. 581

صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ ﵁ كَمَا مَرَّ بِنُفُوذِ التَّصَرُّفِ الشَّامِلِ لِلتَّبَرُّعِ فَعَلِمْنَا أَنَّ حُرْمَةَ التَّبَرُّعِ لَا تُنَافِي صِحَّتَهُ فَاحْفَظْ ذَلِكَ وَاشْدُدْ بِهِ يَدَيْك تَسْلَمْ مِنْ اللَّجَاجِ وَالْعِنَادِ اللَّذَيْنِ لَا يَلِيقَانِ بِفَاضِلٍ فَضْلًا عَنْ كَامِلٍ حَمَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ عَنْ ذَلِكَ وَوَفَّقَنَا لِسُلُوكِ أَقْوَمِ الْمَسَالِكِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. الْعِبَارَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْلُ أَفْقَهِ تَلَامِذَةِ الْفَتَى وَأَجَلِّ مَشَايِخِ شَيْخِ الْمُفْتِي اللَّذَيْنِ احْتَجَّ بِكَلَامِهِمَا فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ الشِّهَابَ الْمُزَجَّدَ صَاحِبَ الْعُبَابِ فِي فَتَاوِيهِ بِصِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ وَعِبَارَةُ السُّؤَالِ هَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ مِنْ الْمَدْيُونِ لِمَا يَحْتَاجُهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ وَذَلِكَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ الْجَوَابِ نَعَمْ يَصِحُّ النَّذْرُ مِنْ الْمَدْيُونِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ إذَا كَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ وَإِلَّا فَلَا إذْ التَّصْدِيقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَكْرُوهٌ وَالنَّذْرُ لَا يَصِحُّ بِالْمَكْرُوهِ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ لِغَيْرِهِ بَلْ وَالْمُحَرَّمُ لِغَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَحِينَئِذٍ فَهَذَا نَصٌّ فِي صِحَّةِ سَائِرِ تَبَرُّعَاتِ الْمَدِينِ إذْ النَّذْرُ مِنْ أَفْرَادِ التَّبَرُّعِ. وَعَجِيبٌ اعْتِمَادُ الْمُفْتِي لِفَتْوَى شَيْخِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ الطَّنْبَدَاوِيِّ وَتَبَاهِيهِ بِهَا إعْرَاضًا عَنْ الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ اعْرِفْ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ وَلَا تَعْرِفْ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ وَإِعْرَاضُهُ عَنْ فَتْوَى شَيْخِ الطَّنْبَدَاوِيِّ مَعَ أَنَّهُ أَجَلُّ مِنْهُ فِقْهًا وَتَحْقِيقًا بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا فَالْفَارِق بَيْن النَّاسِ إنَّمَا هُوَ آثَارُهُمْ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى صَرْفِ مَالِهِ فِي الدَّيْنِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ لِحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدَيْنٍ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً. اهـ. فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ ذَلِكَ بِحَالَتَيْهِ دَاخِلًا فِي كَلَامِهِمْ وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ إنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا دَخَلَتْ تَحْتَ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ كَانَتْ مَنْقُولَةً لَهُمْ تَعْلَم أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْمُزَجَّدُ هُوَ الْمَنْقُولُ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ فِيهِ لَمْ يُصِبْ الْعِبَارَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْل شَيْخِ شَيْخِهِ الْمَذْكُورِ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا فِيمَنْ عَلَيْهِ صَدَاقٌ حَالٌّ لِزَوْجَتِهِ فَمَلَّكَ مَالَهُ لَآخَرَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَقَبِلَ وَقَبَضَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ فَهَلْ يَصِحُّ التَّمْلِيكُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَوْ لَا نَعَمْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ وَإِقْبَاضُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ هَذَا مِنْ هَذَا الْفَقِيهِ الْغَيْرِ الْخَفِي عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِيهِ شَيْخُهُ الْفَتَى مِنْ وَرْطَةِ عَدَمِ صِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ وَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ تَجِدْهُ أَعْرَضَ عَمَّا شَذَّ بِهِ شَيْخُهُ الْمَذْكُورُ وَأُفْتَى بِالْمَذْهَبِ وَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى إفْتَاءِ شَيْخِهِ بِذِكْرٍ وَلَا رَدٍّ اكْتِفَاءً بِأَنَّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ بِالْفِقْهِ يَعْلَمُ شُذُوذَهُ فِيمَا أَفْتَى بِهِ وَأَنَّ مَنْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ قَلَّدَهُ مِنْ غَيْرِ إمْعَانٍ وَتَفْتِيشٍ لِكُتُبِ الْمَذْهَبِ بَلْ مَرَّ أَنَّ مَا يُعْلَمُ بِهِ الرَّدُّ الْوَاضِحُ عَلَى الْفَتَى فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَضْلًا عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ فَتَيَقَّظْ لِذَلِكَ كُلِّهِ لِتَسْلَمَ وَتَغْنَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا اتَّضَحَ كُلَّ الِاتِّضَاحِ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ حَتَّى صَارَ كَنَارٍ عَلَى عِلْمٍ فَلْنَرْجِعْ إلَى بَعْضِ مُؤَاخَذَاتٍ عَلَى عِبَارَةِ الْمُفْتِي السَّابِقَةِ الَّتِي سُقْت حَاصِلَهَا فِي قَوْلِي خَامِسُهَا قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ مَا فِي شَرْح الْمُهَذَّبِ مَنْظُورٌ فِيهِ فَقَوْلُهُ مَنْظُورٌ فِيهِ هُوَ الْمَنْظُورُ فِيهِ إذْ لَا وَجْهَ لِلنَّظَرِ فِيهِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِمَا مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَعَنْ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي الْعِتْقِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا فِي يَدِهِ زَادَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّشَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ نَفَذَ تَبَرُّعُهُ بِالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ شَرْحِ الْمُهَذَّب عَنْ الشَّاشِيِّ مِنْ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ. اهـ. وَعَلَيْهِ فَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ بِأَنَّ الْحَقَّ ثَمَّ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَاءِ فَلَمْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِيهِ حَتَّى بِالْبَيْعِ بِغِبْطَةٍ وَهُنَا الدَّيْنُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ دُونَ أَعْيَانِ مَالِ الْمَدِينِ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إلَّا بِالْحَجْرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَدْ مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِمْ وَرَفْعِهِمْ لِلْقَاضِي حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الْإِسْنَوِيِّ الشَّيْخَيْنِ فِيمَا ذَكَرَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ بِكَلَامِ الشَّاشِيِّ وَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِوَجْهٍ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ كَلَامَ الشَّاشِيِّ هَذَا مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فَالنَّظَرُ فِيهِ بَاطِلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ مَشْهُورًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ مُوَافَقَتِهِ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ لَمْ يَحْتَجْ النَّوَوِيُّ إلَى التَّعَرُّضِ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ بَلْ سَكَتَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ وَعَلَى قِيَاسِهِ مَسْأَلَةُ الْمَاءِ عَلَيْهِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَرَّرَ وَمَعْنَى قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ

стр. 582

شَرْحَ الْمُهَذَّبِ جَزَمَ بِمَا قَالَهُ الشَّاشِيُّ أَنَّهُ حَكَى جَزْمَ الشَّاشِيِّ وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ وَمِنْ عَادَتِهِ فِي هَذَا الشَّرْحِ أَنَّهُ مُتَتَبِّعٌ فِيهِ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ فَحِكَايَتُهُ عَنْهُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَسُكُوتُهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْرِيرِهِ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الضَّعِيفَ إنَّمَا يَقِيسُ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْأَصَحُّ وَقَدْ يَقِيسُ عَلَى مَا ظَهَرَ دَلِيلُهُ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْأَخْذُ بِالْغَالِبِ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخَذَ بِهِ الْمُخَالِفُونَ فِي تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ السَّابِقِ بَسَطَ مَا فِيهِ فَقَالُوا إنَّهُ يُفْهِمُ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ قَائِلٌ بِبُطْلَانِ الصَّدَقَةِ نَظِير مَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمُخَرَّجِ عَلَيْهَا فَأَخْذُهُمْ بِقَضِيَّةِ الْغَالِبِ مِنْ التَّخْرِيجِ وَهُوَ الِاتِّحَادُ فِي الْحُكْمِ أَيْضًا وَاعْتِرَاضُهُمْ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي اعْتِمَادِهِمْ كَلَامَ الشَّاشِيِّ وَنِسْبَتِهِمْ إلَى النَّوَوِيِّ اعْتِمَادَهُ نَظَرًا لِلْغَالِبِ السَّابِقِ تَحَكُّمٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فَاتَّضَحَ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَبَطَل الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ صَنِيعَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرٌ فِي تَزْيِيفِ هَذَا الْقِيَاسِ مِنْ الْعَجِيبِ فَأَيُّ صَنِيعٍ اقْتَضَى فِي الْقِيَاسِ مَا ذَكَرَ وَأَنَّمَا الصَّنِيعُ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَاعْتِمَادَهُ نَظَرًا لِلْغَالِبِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَخَذَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ نَفْسُهُ فِي ذَلِكَ التَّخْرِيجِ كَمَا تَقَرَّرَ وَقَوْلُهُ وَكَثِيرًا إلَخْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ خِلَافُهُ وَالْأَخْذُ بِالْغَالِبِ مُتَعَيِّنٌ هَذَا كُلُّهُ بِفَرْضِ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ لَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّاشِيِّ وَأَمَّا إذَا بَانَ مُوَافَقَته لَهُ فَلَا نَظَرَ إلَى كَثِيرٍ وَلَا إلَى غَالِبٍ وَقَوْلُهُ إنَّهُ اكْتَفَى بِمَا سَيَذْكُرُهُ إلَخْ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْبُطْلَانُ إلَّا إذَا رَجَعَتْ إلَى مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَازِمِهِ وَأَنَّ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةَ الْمَاءِ لَا مَسْأَلَةَ الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا وَأَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَمَعْنَى تَعْلِيلِ الْأَوَّلِ بِحُرْمَةِ التَّسْلِيمِ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِيهِ لِمَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ وَتَقْرِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ بِأَمْتَنِ دَلِيلٍ وَأَوْضَحِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَأْخَذُ ابْنِ الرِّفْعَةِ إلَخْ مُسَلَّمٌ لَكِنْ قَدْ سَبَقَ إيضَاحُ أَنَّ كَلَامَهُمْ صَرِيحٌ فِي رَدِّ هَذَا الْمَأْخَذِ إذْ مَأْخَذُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِالْعَيْنِ بِدَلِيلِ بُطْلَانِ الْبَيْعِ وَلَوْ بِغِبْطَةٍ وَفِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ كَوْنُهَا تَبَرُّعًا يُضِرُّ بِالدَّائِنِ لَا تَعَلُّقُ دَيْنِهِ بِعَيْنِ الْمَالِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَالِ إلَّا بِالْحَجْرِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَأْخَذَيْنِ كَمَا مَرَّ بَسْطُ ذَلِكَ وَإِيضَاحُهُ وَقَوْلُهُ بَلْ بَحَثَ مَعَهُ فِي التَّوَسُّطِ إلَخْ هَذَا الْبَحْث فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمَا قَرَّرْته مِنْ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ الْمَأْخَذَيْنِ وَسَبَقَ رَدُّهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَفِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَمَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحُرْمَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ التَّصَرُّف فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يُقَالُ يَنْبَغِي فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ الْجَزْمُ بِعَدَمِ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْحُرْمَةِ وَمَعَ حِكَايَتِهِمْ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةَ الْمَاء مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْحُرْمَةِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ وَفَرْقُهُ أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ يَرُدُّهُ مَا سَبَقَ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ حَقَّ الدَّائِنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ مَالِ الْمَدِينِ إلَّا بِالْحَجْرِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلَا نَظَرَ إلَى الطَّلَبِ وَلَا إلَى تَوَجُّهِ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّعَلُّقَ بِالْعَيْنِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَاءِ لِلتَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ فِيهَا كَمَا مَرَّ نَقْلُهُ وَبَسْطُهُ فَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ ذَلِكَ حَقَّ آدَمِيٍّ وَهَذَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْسُنُ النَّظَرُ لِذَلِكَ لَوْ اتَّحَدَتْ وَقَدْ بَانَ وَاتَّضَحَ اخْتِلَافُهَا فَبَطَلَ مَا فَرَّقَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَقَوْلُهُ إنَّ النَّشَائِيَّ إلَخْ مِنْ الْعَجِيبِ أَيْضًا وَكَمْ حَذَفَ هَؤُلَاءِ مَسَائِلَ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَأَيُّ قَاعِدَةٍ أَوْ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ إذَا حَذَفُوا مِنْهُ حُكْمًا دَلَّ عَلَى ضَعْفِهِ وَأَيُّ إشْعَارٍ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا عَنْ النَّوَوِيِّ تَزْيِيفَهَا وَالتَّشَبُّثَ بِمَا لَا يَصْلُحُ تَشَبُّثًا يَنْبَغِي التَّنَزُّهُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَنَسَبَهُ الْفَتَى إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا سَبَقَ فِي التَّفْلِيسِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ مَتَى وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ حَرُمَ تَأْخِيرُ أَدَائِهِ وَلَوْ بِالتَّصَدُّقِ وَإِنْ رَجَا الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِالِامْتِنَاعِ فِي كَلَامِ الْإِسْنَوِيّ الْحُرْمَةُ إنْ أَرَادَ بِالتَّصَرُّفِ التَّبَرُّع لَا الْبُطْلَانَ إلَّا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ

стр. 583

السَّابِقِ رَدُّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا سَبَقَ فِي التَّيَمُّم، وَالسَّابِق فِيهِ شَيْئَانِ الْحُرْمَةُ وَبُطْلَانُ التَّصَرُّفِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَهُمَا أَوْ الْأَوَّلَ فَقَطْ وَعَلَى كُلٍّ فَجَزْمُ الْمُعْتَرِضِ بِأَنَّهُ أَرَادَ قِيَاسَ مَا سَبَقَ فِي التَّيَمُّم فِي هِبَةِ الْمَاءِ مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْبَطَلَانِ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى هَذَا الْجَزْمِ بَلْ الْحَقُّ أَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمَلٌ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ قَوْلُهُ بَعْدَهُ فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ نَظَرٌ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالِامْتِنَاعِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَرَةِ إلَّا الْحُرْمَةَ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْكَفَّارَةِ وَمَسْأَلَةَ الصَّدَقَةِ وَاحِدٌ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ قَائِلٌ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَّارَةِ بِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ وَمُتَرَدِّدٌ فِي الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ إذْ الِاسْتِقْرَاءُ مِنْ صَنِيعِ الْمُؤَلِّفِينَ قَاضٍ بِأَنَّهُمْ إذَا قَالُوا فِي صِحَّةِ كَذَا أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ نَظَرٌ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِيهِ نَقْلًا وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ الْفَتَى إنَّهُ نَسِيَ مَا قَدَّمَهُ فِي التَّيَمُّم عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِبُطْلَانِ تَبَرُّع الْمَدِينِ الَّذِي قَالَ بِهِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لِمَا مَرَّ مِنْ مُخَالَفَتِهِ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يَصِلْ إلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ اتِّبَاعُهُ وَاعْتِمَادُهُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ خَطَأُ تَعْبِيرِ الْمُعْتَرِضِ بِقَوْلِهِ فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَجْرِ وَجَعَلَهُ الْقِيَاسَ وَلَقَدْ وَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ مَعَ جَلَالَتِهِ مَا لَا يُقَارِبُ هَذِهِ الْعِبَارَة الشَّنِيعَةَ وَمَعَ ذَلِكَ اعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَوِّبَ مَا خَالَفَ فِيهِ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ بَلْ وَقَعَ لِلْإِمَامِ مَعَ عِظَمِ جَلَالَته أَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي النَّذْرِ عَدَمُ انْعِقَاده عِنْدِي خَطَأٌ اعْتَرَضُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ الصَّوَابُ أَنْ لَا يُعَبِّرَ بِالْخَطَإِ كَيْفَ وَعَدَمُ الِانْعِقَادِ هُوَ مَنْصُوصُ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ قَالُوا وَكَائِنُ عُذْرِهِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُوَلَّدَةٌ لَا مَنْصُوصَةٌ مَنْقُولَةٌ. اهـ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا هُوَ عُذْرُ ذَلِكَ الْمُفْتِي وَقَوْلُهُ وَفَرَّقَ فِي التَّيَمُّم هَذَا الْفَرْق هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ وَإِيضَاحُهُ وَقَوْلُهُ وَنَظَرَ فِيهِ إلَخْ لَا وَجْهَ لِهَذَا النَّظَرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ الدَّائِن إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فِي الدَّيْنِ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ فَلَا يُرَدُّ دَيْنُ الْإِتْلَافِ وَقَوْلُهُ وَيَخْدِشُهُ أَيْضًا إلَخْ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ مُسَلَّمٌ حُكْمُهُ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِهِمْ فِي التَّيَمُّم لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَيَّدُوا تَعَلُّقَ الْحَقُّ بِعَيْنِ الْمَاءِ بِمَا إذَا لَمْ يَحْتَجْ الْمُمَلِّكُ إلَى ثَمَنِ الْمَاءِ وَهَذَا الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِيَّاتِهِ الَّتِي يُسَلِّمُهَا الْفَقِيهُ وَلَا يُنْكِرُهَا إلَّا الْجَامِدُ الْمُتَعَسِّفُ احْتَاجَ فِيهِ الْمِلْكُ إلَى ثَمَنِ الْمَاءِ فَمَعَ التَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ بِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَطَلَبُ الدَّائِنِ بَيْعَهُ قَيْدٌ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ بَلْ وُجُودُ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ مَانِعٌ تَعَلَّقَ حَقُّ الطَّهَارَةِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الدَّائِنُ بَيْعَهُ بَلْ وَلَوْ مُؤَجَّلًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ تَعَيَّنَ لِلطَّهَارَةِ إلَخْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَبُو زُرْعَةَ وَلَا غَيْرُهُ وَإِنَّمَا الَّذِي قَالُوهُ إنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ بِالْمُمَلِّكِ إلَى ثَمَنِهِ وَلَا بِالْمُتَمَلِّكِ إلَى عَيْنِهِ لِلْعَطَشِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ. وَفِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ الدَّيْنُ الْمُحَرِّمُ لَهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ إذْ لَا حَجْر بَلْ بِالذِّمَّةِ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَقْتَضِ بُطْلَان التَّبَرُّعِ هَذَا حَاصِلُ مَا فَرَّقَ بِهِ أَبُو زُرْعَةَ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَخْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَقَوْلُهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُصَحِّحِينَ إلَخْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ الْمَعْلُومُ عِنْدَهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّاشِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ لَا غَيْرُ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ إلَّا بِالْحَجْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَقَوْلُهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُرَتِّبْ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِنْ الْعَجِيبِ كَيْفَ وَاَلَّذِي اتَّضَحَ الْقَطْعُ بِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ صِحَّةُ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءً وَقَوْلُهُ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ امْتَنَعَ التَّبَرُّعُ بِالْمَاءِ أَعْجَبُ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْمَاءِ لَمْ يَمْنَعْ التَّبَرُّعَ بِهِ فَحَسْبُ بَلْ مَنَعَ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَتَّى بِالْبَيْعِ وَلَوْ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ فَعَلِمْنَا بِطَرِيقِ الْقَطْعِ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي امْتَنَعَ بِهِ تَبَرُّعُ الْمَدِينِ بِالْمَالِ فَتَسْوِيَتُهُ بَيْنَهُمَا وَاسْتِنْتَاجُهُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّاشِيِّ. وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُرَتِّبْ فِي صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ إلَخْ كُلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ وُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَلْحَظَيْنِ وَأَنَّهُ قَاضٍ بِصِحَّةِ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَمِنْ أَنَّ بُطْلَانَ تَبَرُّعِ

стр. 584

الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ رَأْيٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّمَسُّكُ بِهِ وَلَا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي إفْتَاءٍ وَلَا تَأْلِيفٍ فَاحْفَظْ ذَلِكَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا سِوَاهُ وَإِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي بَعْضِ تَأْلِيفِهِ الْمَذْكُورِ فَلْنَرْجِعْ إلَى بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَى جَوَابِهِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا ثُمَّ إلَى مَا بَقِيَ فِي تَأْلِيفِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ لِلرَّدِّ سَادِسُهَا قَوْلُهُ أَمَّا صُورَةُ السُّؤَالِ فَلَا يُخَالِفُ فِيهَا أَحَدٌ فَإِنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِي صُدُورِ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ لَهُمْ بِالدَّيْنِ. اهـ. وَهَذَا مِنْ الْعَجَبِ أَيْضًا إذْ كَيْفَ يَنْفِي الْخِلَافَ فِيهَا مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ فِي الْأُمِّ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهَا وَعِبَارَتُهَا كَمَا مَرَّ وَيَجُوزُ لَهُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ الْقَاضِي مَالَهُ أَيْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي نُفُوذِ تَبَرُّعِهِ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلَبِ وَالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ مَا لَمْ يَحْجُرُ عَلَيْهِ وَمَعَ مَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّاشِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فَجَزَمَ الشَّاشِيُّ بِالصِّحَّةِ بَعْدَ الطَّلَبِ فِيهِ أَبْلَغ الرَّدِّ لِقَوْلِهِ لَا يُخَالِفُ فِيهَا أَحَدٌ وَحِينَئِذٍ فَالتَّجَاسُرُ عَلَى الْمَذْهَبِ بِأَنَّ بُطْلَانَ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ بَعْدَ الطَّلَبِ لَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ لَا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنْ جَاهِلٍ فَضْلًا عَنْ فَاضِلٍ سَابِعُهَا قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَخْ سَوْقُهُ لِعِبَارَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذِهِ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا أَصْلًا عَلَى مُدَّعَاهُ بَلْ فِيهَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ إلَخْ فِيهِ تَقْيِيدُ عَدَمِ نُفُوذِ الْعِتْقِ وَالتَّبَرُّعِ بِمَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ مَا عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَهَذَا الْحُكْمُ لَا نِزَاعَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّ تَبَرُّعَ الْمَرِيضِ لِكَوْنِهِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِهِ وَهُوَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ دُيُونِهِ فَإِذَا لَمْ يَفْضُلْ عَنْهَا شَيْءٌ بَطَلَتْ جَمِيعُ تَبَرُّعَاتِهِ كَمَا مَرَّ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا التَّقْيِيدُ مِنْهُ يُفْهِمُ نُفُوذَ تَبَرُّعَاتِهِ الَّتِي قَبْلَ مَرَضِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِهِ بِالْمَرَضِ كَبِيرُ جَدْوَى. وَقَوْلُهُ وَكَذَا الْحُكْمُ إلَخْ يُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِوُقُوعِ تَبَرُّعِ الْمُكَاتَبِينَ وَنَحْوِهِمْ فِي الْمَرَضِ وَأَنَّهُمْ مَاتُوا قَبْلَ وَفَاءِ مَا عَلَيْهِمْ وَهَذَا حُجَّةٌ لَنَا فِيمَا قُلْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. (تَنْبِيهٌ) وَقَعَ لَهُ أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ فِي جَوَابِهِ هَذَا عَلَى مَا فِي السُّؤَالِ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ حِيلَةً لِئَلَّا يَحْصُلَ لِأَهْلِ الدُّيُونِ شَيْءٌ هَلْ ذَلِكَ قَيْدٌ فِيمَا يَقُولُهُ أَوْ غَيْرُ قَيْدٍ فَإِنْ قَالَ إنَّهُ قَيْدٌ قِيلَ لَهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ هَذَا الْقَيْدُ كَيْفَ وَهُوَ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ إضْرَارُ الدَّائِنِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّبَرُّعِ قُصِدَ بِهِ الْحِيلَةُ أَوَّلًا وَإِنْ قَالَ لَيْسَ بِقَيْدٍ قِيلَ لَهُ إنَّك مُصَرِّحٌ بِاتِّبَاعِك فِي هَذَا الْإِفْتَاءِ لِلْفَتَى وَهُوَ يَشْتَرِطُ قَصْدَ الْإِضْرَارِ كَمَا يَأْتِي فِي جَوَابِهِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَهُمْ فِي الزَّكَاةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحِيلَةَ الْمُسْقِطَةَ لَهَا لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ وَإِنْ قُلْنَا بِحُرْمَةِ الْحِيلَةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ وَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا بِقَصْدِ الْفِرَارِ وَحْدَهُ مَكْرُوهَةٌ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهَا حَرَامٌ وَأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ الضَّارِّ وَوَافَقَهُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرُهُ وَجَعَلَهُ مِثْلَ طَلَاقِ الْمَرِيضِ فِرَارًا وَالْإِقْرَارُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْبَاقِينَ قَالَ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَنْفُذُ ظَاهِرًا اهـ. وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ فِي الْآخِرِ فَقَطْ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي مَحَلٍّ وَقِيلَ مُحَرَّمٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَفِيهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَنَّ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ كَجَمْعِ مُتَقَدِّمِينَ بِالْحُرْمَةِ غَلَطٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحَوْلَ يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ وَإِنْ نَوَى بِهِ الْفِرَارَ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِقَصْدِهِ لَا بِفِعْلِهِ فَإِنْ قُلْت سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُفَوِّتِ هُنَا وَفِي مَسْأَلَتنَا فَلِمَ قُلْتُمْ بِالْحُرْمَةِ فِي مَسْأَلَتنَا وَلَمْ تَقُولُوا بِهَا هُنَا مَعَ أَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ الْحَجْرُ فِي مَسْأَلَتنَا لَمْ يُوجَدْ كَمَا أَنَّ السَّبَبَ هُنَا وَهُوَ الْمَالُ مَعَ الْحَوْلِ أَوْ بِشَرْطِهِ لَمْ يُوجَدْ قُلْت لِأَنَّ الْحَقَّ هُنَا لِمُعَيَّنٍ فَاحْتِيطَ لَهُ وَلِبِنَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَهَذَا هُوَ مَلْحَظُ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِي الْمَرَضِ تَرِثُ وَلَا يَنْفُذُ طَلَاقُهَا وَوَجْهُهُ أَيْضًا أَنَّهُ بِالْمَرَضِ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِلْوَرَثَةِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَلَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَ حَقِّهَا وَلَمْ يَنْظُرْ الْأَصَحّ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا إلَى الْآنَ لَمْ يَثْبُت لَهَا حَقٌّ وَالْإِرْثُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ الْمَوْتِ لَا الْمَرَضِ فَنَفَذَ طَلَاقُهَا وَلَمْ تَرِثْ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ حِرْمَانَهَا هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِجَوَابِ السُّؤَالِ وَبَعْضِ مَا فِي

стр. 585

السُّؤَالِ وَبَعْضِ مَا فِي التَّأْلِيفِ وَبَقِيَ فِيهِ مَا قَدْ يَحْتَاجُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ وَقَدْ أَفْتَيْت مِرَارًا بِبُطْلَانِ التَّبَرُّعِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَ لَا يَرْجُوَا الْوَفَاءَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ يُقَالُ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ لَيْسَ فِيهِ هَذَا الْقَيْدُ وَقَوْلُهُ وَلَا لِلْبَائِعِ إلَى ثَمَنِهِ بِتَأَمُّلِ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَوْهَمَ أَنَّهُ أَبَدَاهَا وَأَنَّ الْفَقِيهَ يُسَلِّمُهَا وَأَنَّهُ لَا يُنْكِرُهَا إلَّا جَامِدٌ أَوْ مُتَعَسِّفٌ يُعْلَمُ أَنَّهَا عَيْنُ قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا لِلْبَائِعِ إلَى ثَمَنِهِ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ مَبْسُوطًا وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى النِّسْيَانِ لَكِنَّهُ قَيْدٌ مَا قَالَهُ بِقَيْدٍ مَرَّ أَنَّ كَلَامَهُمْ هَذَا يَرُدُّهُ وَقَوْلُهُ فَرْعٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَهُ مَال فَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ قَالَ فِي الْخَادِمِ الظَّاهِرُ نَعَمْ كَمَا فِي مَسْأَلَة هِبَةِ الْمَالِ أَوْ التَّصَدُّقِ بِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ اهـ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي هَذَا الْفَرْعِ إلَّا فِي قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ هِبَةِ الْمَالِ إلَخْ أَيْ بِنَاءً عَلَى اعْتِمَادِ مَا أَفْهَمَهُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَقَدْ بَانَ وَاتَّضَحَ غَيْرَ مَرَّةٍ فِيمَا مَضَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا يُعْتَمَدُ وَإِنْ اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِهِمْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَنْقُولَاتِ الْمَذْهَبِ وَمُعْتَمَدَاتِهِ وَأَمَّا مَا رَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ فَلَا يَتَّجِهُ أَدْنَى اتِّجَاهٍ الْقَوْلُ بِهِ إلَّا إنْ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَتَعَيَّنَ صَرْفُ مَا بِيَدِهِ إلَيْهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمَاءِ فِي تَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِعَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ فَلَمْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَلَوْ بِغَيْرِ التَّبَرُّعِ كَالْبَيْعِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ قِيَاسِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَاءِ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَجُّ مُوَسَّعًا فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ فَلْيَصِحَّ التَّصَدُّقُ بِهِ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَإِنْ قُلْتَ وَقْتُ الصَّلَاةِ مُوَسَّعٌ وَقَدْ قَالُوا بِالْبُطْلَانِ مَعَ ذَلِكَ قُلْتُ أَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ عَنْهُمْ فِي ثَالِثِ الِاعْتِرَاضَاتِ بِأَنَّ سَبَبَ التَّعَلُّقِ كَوْنُ الصَّلَاةِ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ ثَمَّ وَلَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْ هَذَا عَدَمَ صِحَّةِ قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْحَجِّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَاءِ وَتُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ مُوَسَّعٌ غَيْرٌ مَحْدُودِ الطَّرْفَيْنِ وَتَضْيِيقُهُ عَارِضٌ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّهَا بِالْعَيْنِ فَأُبْطِلَ التَّصَرُّفُ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَأَمَّا قِيَاسُ الزَّرْكَشِيّ عَلَى مَسْأَلَةِ هِبَةِ الْمَدِينِ بِنَاءً عَلَى بُطْلَانِهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ هَذَا حَقُّ آدَمِيٍّ فَلْيُشَدَّدْ فِيهِ أَكْثَر بِخِلَافِ الْحَجِّ وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ نَظَرَ فِي فُرْقَةٍ بَيْنَ هِبَةِ الْمَاءِ وَهِبَةِ الْمَدِينِ الْمَالَ إلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ اعْتِرَاضًا عَلَى مَا فِي شَرْحِي الْكَبِيرِ لِلْإِرْشَادِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِنَاءً عَلَى اعْتِمَادِهِ مِنْ عَدَمِ مِلْكِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّاشِيِّ مِنْ صِحَّةِ هِبَةِ الْمَدِينِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَيْفَ يُقَالُ بِتَخْرِيجِ التَّصَدُّقِ عَلَى الْهِبَةِ ثُمَّ يُتَخَيَّلُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرْته إنَّمَا هُوَ بَيْنَ هِبَةِ الْمَدِينِ وَصَدَقَتِهِ وَالتَّخْرِيجُ لَيْسَ عَلَى هَذِهِ الْهِبَةِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى هِبَةِ الْمَاءِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِشَرْطِهِ كَمَا مَرَّ بَسْطُ ذَلِكَ مُوَضَّحًا لَكِنَّ مَحَبَّةَ الِاعْتِرَاضِ قَدْ تُؤَدِّي إلَى اخْتِلَاطِ الْمَقَامَاتِ وَعَدَمِ إمْعَانِ النَّظَرِ فِي الْعِبَارَاتِ وَقَوْلُهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا ذَكَرْته فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْهِبَةِ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً هَذَا هُوَ عِلَّةُ الْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي ضَعَّفَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ هُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ عَلَى وِزَانِ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ هِبَةُ الْمَاءِ بِهِبَةِ الْمَدِينِ وَكَلَامِي إنَّمَا هُوَ فِي هِبَةِ الْمَدِينِ وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي تَعْلِيلِ الْوَجْهِ الثَّانِي إنَّمَا هُوَ فِي هِبَةِ الْمَاءِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي هَذِهِ ذَاتِيَّةٌ فَاقْتَضَتْ إبْطَالَهَا بَلْ إبْطَالَ الْبَيْعِ وَفِي تِلْكَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ هُوَ إضْرَارُ الدَّائِنِ فَلَمْ تَقْتَضِ الْإِبْطَالَ وَقَوْلُهُ اعْتِرَاضًا عَلَى قَوْلِي ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ فَرَّقَ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَذْرَعِيُّ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّصَدُّقِ وَالْهِبَةِ وَإِنَّمَا بَحَثَ الْحُرْمَةَ مَعَ ابْنِ الرِّفْعَةِ اهـ. وَهَذَا عَلَى وِزَانِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الِالْتِبَاسِ أَيْضًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَذْرَعِيَّ اعْتَرَضَ ابْنَ الرِّفْعَةِ فِي إجْرَائِهِ خِلَافَ الْمَاءِ فِي تَصَدُّقِ الْمَدِينِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي هُنَا الْجَزْمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَنَظَرْت فِي ذَلِكَ لِمَا مَرَّ بَسْطُهُ أَنَّ الْمُدْرَكَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ وَأَنَّهُ قَاضٍ بِصِحَّةِ الصَّدَقَةِ فَضْلًا عَنْ الْجَزْمِ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا فَرَاجِعْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَقَوْلُهُ عَنْ إيضَاحِ النَّاشِرِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا أَفْهَمهُ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ

стр. 586

تَبَرُّعِ الْمَدِينِ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا نَظَرَ إلَى النَّاشِرِيِّ وَلَا إلَى غَيْرِهِ مَعَ مَا مَرَّ بَيَانُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَالشَّيْخَيْنِ وَأَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَوْلُهُ وَلَيْتَ الشَّارِحَ الْمَذْكُورَ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا التَّمَنِّي مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ الِالْتِبَاسِ السَّابِقِ بَيَانُهُ فَأَمَّا عِنْدَ تَأَمُّلِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَالزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي مَحَلِّهَا كَمَا هُوَ جَلِيٌّ. وَقَوْلُهُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صَحَّحَ هِبَةَ الْمَدِينِ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَحَّحَهُ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مَبْسُوطًا أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ الشَّاشِيِّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَأَنَّ مَوْضُوعَ شَرْحِهِ لِلْمُهَذَّبِ الَّذِي هُوَ مُتَتَبِّعٌ فِيهِ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ سُكُوتَهُ عَلَى الْحُكْمِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِارْتِضَائِهِ لَهُ وَأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الضَّعِيفَ إنَّمَا يَقِيسُ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْأَصَحُّ فَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ صَحَّحَهُ أَوْ جَزَمَ بِهِ السَّابِقُ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَزَعَمَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ تَزْيِيفٌ لِكَلَامِ الشَّاشِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمُفَرِّقِينَ فِي التَّيَمُّم أَقَرُّوا ابْنَ الرِّفْعَةِ عَلَى تَخْرِيجِهِ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّخْرِيجَ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ وَبِفَرْضِ اسْتِلْزَامِهِ لَهُ أَوْ النَّظَرِ لِلْغَالِبِ فِيهِ يُجَابُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا سَكَتُوا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ لِلْعِلْمِ بِضَعْفِهِ مِمَّا قَرَّرُوهُ وَفَرَّقُوا بِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ لِلْمُؤَلِّفِينَ فَلَا بِدَعَ فِيهِ وَقَوْلُهُ. وَإِذَا بَرِئَ شَرْحُ الْمُهَذَّبِ عَمَّا نَسَبَهُ الْإِسْنَوِيُّ إلَيْهِ وَالْحَقُّ بَرَاءَتُهُ بِعَيْنِ التَّخْرِيجِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَوْ الْقَطْعِ الَّذِي بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مُوَضَّحًا أَنَّ التَّخْرِيجَ لَيْسَ عَلَى هِبَةِ الْمَدِينِ الَّتِي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّب عَنْ الشَّاشِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى هِبَة الْمَاءِ وَهَذَا لَا ارْتِبَاط لَهُ بِمَسْأَلَةِ الشَّاشِيِّ بَلْ التَّخْرِيجُ عَلَى حَالِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا بِاعْتِمَادِ مَا قَالَهُ الشَّاشِيُّ أَمْ لَا إنْ أُرِيدَ التَّخْرِيجُ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ التَّخْرِيجُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بُطْلَانُ هِبَةِ الْمَدِين وَالشَّاشِيُّ جَازِمٌ بِصِحَّتِهَا فَيَقَعُ حِينَئِذٍ التَّعَارُضُ بَيْنهمَا فِي ذَلِكَ وَمَرَّ أَنَّ كَلَامَ الشَّاشِيِّ هُوَ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَأَنَّ كَلَامَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرٌ فِي اعْتِمَادِهِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ أَيْضًا فَهُوَ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَلَا قَطْعُ الْأَذْرَعِيِّ وَمَنْ نَظَرَ لِمَا قَدَّمْتُهُ مُتَكَرِّرًا فِي رَدِّ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ وَذَلِكَ الْقَطْع اتَّضَحَ لَهُ أَنَّهُ لَا تَعْوِيلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَذْهَبِ وَمَنْقُولِهِ وَقَوْلُهُ بَلْ أَقُولُ صَدْعًا بِالْحَقِّ يَجُوزُ نِسْبَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَى بُطْلَانِ هِبَةِ الْمَدْيُونِ حَيْثُ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ التَّصْدِيقَ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِ التَّيَمُّم وَمِنْ تَحْرِيمِ التَّصَدُّقِ فِي بَابِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَمِنْ نِسْبَةِ الْوَجْهَيْنِ بِالْهِبَةِ لِلْوَالِي عَلَى سَبِيل الرِّشْوَةِ وَتَعْلِيلُ أَحَدِهِمَا بِالْمَعْصِيَةِ وَهِيَ الْعِلَّةُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا النَّوَوِيُّ. اهـ. يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا الصَّدْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى صَدْعٍ فِي فَهْمِ مَدْرَكِ هِبَةِ الْمَاءِ وَمُدْرَكِ صَدَقَةِ الْمَدِين وَقَدْ مَرَّ مُتَكَرِّرًا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ كَوْنُ الْحُرْمَةِ ذَاتِيَّةً فَاقْتَضَتْ الْبُطْلَانَ حَتَّى فِي الْبَيْعِ بِأَضْعَافِ الثَّمَنِ وَالثَّانِي هُوَ كَوْنُهَا خَارِجَةً عَنْ الذَّاتِ وَلَازِمِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِمَعْنًى فِي الْمُتَصَدَّقِ بِهِ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الدَّائِنِ بِهِ بَلْ فِي الدَّائِنِ الْخَارِجِ عَنْ ذَلِكَ بِإِضْرَارِهِ بِتَفْوِيتِ دَيْنِهِ وَالْخَارِجَةُ كَذَلِكَ لَا تَقْتَضِي إبْطَالًا وَمَسْأَلَةُ الرِّشْوَةِ مِنْ قَبِيلِ الْأُولَى فَحُرْمَتُهَا ذَاتِيَّةٌ لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهَا وَإِخْرَاجُهَا مِنْ يَدِهِ إنَّمَا هُوَ كَرْهٌ عَلَيْهِ فَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْصِ الْمُعْطِي لِإِرْشَائِهِ عَلَى وُصُولِ حَقِّهِ فَاعْتِمَادُ النَّوَوِيِّ لِكَوْنِ الْعِلَّةِ الْمَعْصِيَةَ مَحْمُولٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ وَالْأَصْحَابُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الذَّاتِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَبِتَأَمُّلِ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ وَإِبْطَال التَّصَرُّفِ الْمُحَرَّمِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْمُعْتَرِضُ وَبَنَى عَلَيْهِ صَدْعَهُ بِالْحَقِّ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ لِشَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ هِبَةِ الْمَدِينِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا مُحَرَّمَةً لِمَا مَرَّ مِنْ الطَّرِيقِ الْمُسَوِّغَةِ لِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ إنَّ التَّحْقِيقَ فِي قَوْلِهِ عَصَى وَلَمْ يَصِحَّا لَازِمٌ بَيْنَ الْعِصْيَانِ وَالْإِبْطَالِ يُقَالُ عَلَيْهِ أَيُّ وَجْهٍ يَفْهَم بِهِ مِنْ عِبَارَتِهِ هَذَا التَّلَازُمُ لَا سِيَّمَا مَعَ الْعِطْفِ بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِقْلَالِ كُلِّ جُمْلَةٍ بِحُكْمِهَا وَإِنَّمَا كَانَ يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ لَوْ عَطَفَ بِالْفَاءِ فَقَالَ عَصَى فَلَمْ يَصِحَّا فَهَذَا يَقْتَضِي نَوْعَ ارْتِبَاطٍ أَوْ تَلَازُمٍ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِهَذِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلِيلٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ

стр. 587

عَصَى إنَّمَا هُوَ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ وَالْمَعْصِيَةُ هُنَا ذَاتِيَّةٌ كَمَا تَقَرَّرَ فَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ فَلَمْ يَصِحَّا لِمَا بَيْنَ الْحُرْمَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالْإِبْطَالِ مِنْ التَّلَازُمِ وَقَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ الَّذِي تَلَخَّصَ لَنَا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ حَيْثُ حَرَّمَ تَبَرُّعَ الْمَدِينِ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَنُلَازِمُ مَا بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ هُنَا وَإِنْ لَمْ نَلْتَزِمْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِفَارِقٍ. اهـ. يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا إنَّمَا يَصْدُرُ مِثْلُهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُؤَسِّسُ لَهُ قَوَاعِدَ تُخَالِفُ قَوَاعِدَ غَيْرِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَحْكَامُهُ الَّتِي يَسْتَنْبِطُهَا وَأَنَّى لِأَحَدٍ مِنْ مُنْذُ نَحْوِ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنْ يَتَحَلَّى بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذَا الْحَاصِلِ خَالَفَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَدِينِ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ وَرَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ مَعَ حُرْمَةِ هَذَا التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ فَوْرًا بِالطَّلَبِ وَإِذَا تَقَرَّرَتْ مُخَالَفَةُ هَذَا الْحَاصِلِ لِنَصِّ إمَامِ الْمَذْهَب عُلِمَ أَنَّهُ حَاصِلٌ مُبْتَدَعٌ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ رَدًّا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ لِفَارِقٍ يُقَالُ عَلَيْهِ كَانَ يَنْبَغِي لَك إبْدَاءُ هَذَا الْفَارِقِ لِيَصِحَّ أَوْ يَبْطُلَ مَا اخْتَرَعْته مِمَّا لَمْ تُسْبَقْ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ وَلَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ تَقْتَضِي الْإِبْطَال وَلَوْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ نَعَمْ هَذَا الْحَاصِلُ يُنَاسِبُ مَذْهَبَ أَحْمَدَ لَكِنَّهُ يُعَمِّمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حُرْمَةٍ خَارِجِيَّةٍ فَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا الْمَحَلِّ فِي التَّلَازُمِ دُونَ غَيْرِهِ لَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَ أَحْمَدَ وَلَا قَوَاعِدَنَا بَلْ وَلَا قَوَاعِدَ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَحْرِيرِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْأُصُولِ. وَقَوْلُهُ وَإِيَّاكَ وَالتَّهْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْجُمُودَ عَلَيْهِ فَتَقَعَ فِي تَخْطِئَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ الْمُعْتَمَدِينَ يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّا لَمْ نَعْتَمِدْ فِي التَّهْوِيلِ إلَّا كَلَامَ إمَامِ الْمَذْهَبِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَتَخْطِئَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ لِأَجْلِ هَذَا مُتَعَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى مَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يُخَالِفُوهُ بِوَجْهٍ كَمَا هُوَ الظَّنُّ بِالْمُقَلِّدِينَ وَإِنَّمَا ظَنُّوا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا غَيْرُ فَجَرُّوا عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ الْمُدْرَك وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ ظُهُورَ مُدْرِكِهِمْ فِيهَا وَأَنَّ صِحَّةَ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الضَّرَرِ مَا لَا يَخْفَى لَكِنَّ الْمَذَاهِبَ نَقْلٌ يَجِبُ أَنْ يُتَطَوَّقَ بِهِ أَعْنَاقُ الْمُقَلِّدِينَ حَتَّى لَا يَخْرُجُوا عَنْهُ وَإِنْ اتَّضَحَتْ مَدَارِكُ الْمُخَالِفِينَ وَقَوْلُهُ إنَّ السَّمْهُودِيَّ حَاوَلَ تَعَدِّي الصِّحَّةِ إلَى النَّذْرِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمَا مَرَّ رَدُّهُ مَبْسُوطًا يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا غَفْلَةٌ عَنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الزَّكَاةِ. فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِصِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ مُسْتَغْرِقًا كَمَا مَرَّ بَيَانُ ذَلِكَ فَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ إنَّ نَذْرَهُ بَاطِلٌ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ وَلِمَا ظَهَرَ لِأَعْظَمِ تَلَامِذَةِ الْفَتَى وَهُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمُزَجَّدُ أَنَّ الْمَنْقُولَ صِحَّتُهُ جَزَمَ بِهَا كَمَا مَرَّ وَلَمْ يُبَالِ بِمُخَالَفَةِ شَيْخِهِ وَلَا غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ عَنْ إفْتَاءٍ لِحَمْزَةَ النَّاشِرِيِّ فِيهِ اعْتِمَادُ الْبُطْلَانِ وَنَقْلُهُ عَنْ جَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ إفْتَاءٌ جَيِّدٌ وَفِيهِ إيمَاءٌ أَوْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَنْقُولُ وَهُوَ الْحَقُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ يُقَالُ عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ وَلَا إيمَاءٌ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ الْخَيَّاطِ الَّذِي نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ إنَّمَا قَاسَ عَلَى مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ. وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَ الْقِيَاسِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَيُّ مَنْقُولٍ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَوْ صَرَّحَ بِهِ نَعَمْ قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ مُحْتَمِلٌ لِلْإِيمَاءِ إلَيَّ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى يُبْطِلُهَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَنْقُولَ الْمَذْهَبِ الصِّحَّةُ وَبِذَلِكَ بَانَ انْدِفَاعُ قَوْلِهِ وَهُوَ الْحَقُّ وَأَيُّ حَقٍّ يَتَعَقَّلهُ مُقَلِّدٌ مَعَ مُخَالَفَةِ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا أُولَئِكَ الْجَمْعَ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ اغْتَرَّ بِكَلَامِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْيَمَنِيِّينَ كَالْعَلَّامَةِ التَّقِيِّ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَتَى فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّا لَفْظه رَجُل لَهُ وَرَثَةٌ وَلَهُ مَال وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَمَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَرَادَ إضْرَارَ الْغُرَمَاءِ فَبَاعَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ أَوْ أَقَرَّ لَهُمْ أَوْ نَذَرَ عَلَيْهِمْ أَوْ الْتَزَمَ فِي ذِمَّتِهِ تِلْكَ الْأَمْوَالَ إضْرَارًا بِالْغُرَمَاءِ فَحَصَلَ مِنْهَا تَفْوِيتُ تَرِكَتِهِ كُلِّهَا ثُمَّ مَاتَ هَلْ تَصِحُّ هَذِهِ التَّبَرُّعَاتِ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِمَا لَفْظُهُ أَمَّا النَّذْرُ فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْقُرْبَة وَأَمَّا الِالْتِزَامُ بِلَفْظِهِ فَلَا يَصِحُّ وَأَمَّا الْإِقْرَارُ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ وَلَا يَصِحُّ بَاطِنًا وَمَنْ عَلِمَ مُرَادَهُ مِمَّنْ سَمِعَهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ هَذَا وَأَمَّا الْبَيْعُ بِهَذَا الْقَصْدِ فَحَرَامٌ بِلَا شَكٍّ وَأَمَّا صِحَّتُهُ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي وَيَتَّجِهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا الْمُضَارَّةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ سَدُّ بَابِ اسْتِيفَاءِ الدُّيُونِ وَالْأَحْكَامِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا فَيَتَعَطَّلُ عَلَى

стр. 588

الْحُكَّامِ الْحُكْمُ وَالْحَبْسُ بِالدُّيُونِ وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ فَمَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِشَيْءٍ إلَّا وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا نَهْيَ عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ وَهِيَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ هَذَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَأَمَّا النَّقْلُ فَإِنَّ الْفَقِيهَ نَجْمَ الدَّيْنِ بْنَ الرِّفْعَةِ بَنَاهُ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ فِي الْوَقْتِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ. وَيَكُونُ الصَّحِيحُ الْمَنْعَ وَبَحَثَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ مَعَهُ مَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالْمَنْعِ مُعَلِّلًا بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ وَالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَاهُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْحَقَّ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْطِقُ كُلَّ عَالَمٍ بِمَا يَلِيقُ بِأَهْلِ زَمَانِهِ نَعَمْ أَطْلَقَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صِحَّةَ تَمْلِيكِ الْمَدْيُونِ مَالَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ وَتَعْطِيلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ أَوْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ الْفَتْوَى بِخِلَافِهِ لِلْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ وَيَتَأَيَّدُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ. اهـ. جَوَابُهُ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى عَجَائِبَ مِنْهَا قَوْلُهُ أَمَّا النَّذْرُ فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْقُرْبَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الَّذِي مَرَّ عَنْ الْأَصْحَابِ صِحَّتُهُ فَإِنْ قُلْت تَبَرُّعُ الْمَدِينِ حَرَامٌ فَكَيْفَ صَحَّ نَذْرُهُ مَعَ ذَلِكَ وَالنَّذْرُ شَرْطُهُ الْقُرْبَةُ قُلْت الَّذِي حَقَّقْتُهُ فِي بَابِ النَّذْرِ أَنَّ الْحُرْمَةَ إنْ كَانَتْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَمْ تُنَافِ انْعِقَادَهُ وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ. وَيَأْتِي فَمِنْ ذَلِكَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ مِنْ صِحَّةِ نَذْرِ عِتْقِ الْمَرْهُونِ مِنْ الْمُوسِرِ وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ كَثِيرُونَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى عِتْقِهِ مَعْصِيَةٌ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُرْمَةَ هُنَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ هُوَ إزَالَةُ وَثِيقَةِ الْغَيْرِ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ لَهُ بَدَلُهَا مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ جَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عَلَى مَا فِيهِ يَصِحُّ نَذْرُ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَيُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَوْلَا أَنَّ الْمُقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْحُرْمَةَ الْخَارِجِيَّةَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ النَّذْرِ لَمَا قَالُوا بِذَلِكَ فَإِنْ قُلْتَ فَمَا وَجْهُ ضَعْفِهِ حِينَئِذٍ قُلْتُ كَانَ وَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ بِالْمَعْصِيَةِ فِي نَذْرِهِ كَانَ ذَلِكَ مُلْحَقًا بِالذَّاتِيِّ بَلْ أَبْلَغَ بِخِلَافِ عِتْقِ الْمَرْهُونِ وَنَذْرِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِلْمَعْصِيَةِ فِي النَّذْرِ فَنَظَرَ فِيهَا إلَى كَوْنِهَا خَارِجَةً عَنْهُ فَصَحَّ مِنْهُ. وَجَرَى جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ عَلَى صِحَّةِ نَذْرِ الْجُنُبِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلِلِاعْتِكَافِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْمَغْصُوبِ بِمَا فِيهِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْحَابَ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَذْرُ الْمَكْرُوهِ قَالُوا بِصِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ وَجْهُهُ إلَّا مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ غَيْرُ ذَاتِيَّةٍ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ هُوَ كَوْنُهُ عِيدًا أَوْ الضَّعْفِ عَنْ وَظَائِفِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يُعَارِضْ أَصْلَ مَطْلُوبِيَّةِ الصَّوْمِ وَلَمَّا خَفِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى جَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ نَازَعُوا فِي صِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِهِ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَكَذَا وَقَعَ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى انْعِقَادِ نَذْرِهِ اعْتَرَضُوهُ بِأَنَّ النَّذْرَ تَقَرُّبٌ وَالْمَكْرُوهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَيُرَدُّ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ نَذْرِهَا اقْتِرَانُ كَرَاهَةٍ أَوْ حُرْمَة بِهَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهَا مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَعْصِيَةِ فِي نَذْرِهِ لِمُنَافَاةِ الْمَعْصِيَةِ حِينَئِذٍ النَّذْرَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ يُمْكِنْ انْعِقَادُهُ ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ ذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرْته فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ مُهِمٌّ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَقْصِد بِهِ إضْرَارَ الْغُرَمَاءِ. أَمَّا عِنْدَ قَصْدِهِ ذَلِكَ فَالصِّحَّةُ مُشْكِلَةٌ قُلْتُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ قَصْدَهُ الْإِضْرَارَ لَا يُصَيِّرُ الْحُرْمَةَ فِيهِ ذَاتِيَّةً وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتِيَّةً انْعَقَدَ كَمَا تَقَرَّرَ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِيهِ عَلَى الصِّيغَةِ فَإِذَا وَقَعَتْ مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا صَحَّتْ وَإِنْ صَحِبَهَا قَصْدٌ مُحَرَّمٌ خَارِجٌ عَنْهَا وَعَنْ الْمَنْذُورِ بِهِ كَمَا هُنَا فَإِنَّ مَنْ نَذَرَ لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ قَاصِدًا إضْرَارَ غُرَمَائِهِ يُصَدَّقُ عَلَى نَذْرِهِ هَذِهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ أَنَّهُ نَذْرُ قُرْبَةٍ وَأَمَّا قَصْدُ الْإِضْرَارِ فَأَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَمْ يُحْدِثْ إلَّا قُوَّةَ الْحُرْمَةِ وَإِلَّا فَأَصْلِهَا مَوْجُودٌ وَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ الْقَصْدُ لِمَا مَرَّ مِنْ حُرْمَةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ. وَمَعَ ذَلِكَ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِصِحَّةِ النَّذْرِ وَإِذَا لَمْ يُحْدِثْ الْقَصْدُ حُرْمَةً لَمْ يَكُنْ أَصْلِهَا مَوْجُودًا فَلَا وَجْهَ لِاقْتِضَائِهِ الْبُطْلَانَ وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَأَمَّا صِحَّتُهُ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي إلَخْ وَهَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ كُلَّ مَا أَبْطَلَ شَرْطُهُ الْعَقْدَ لَا يَضُرُّ إضْمَارُ نِيَّتِهِ فِيهِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِضْمَارِ هَلْ يَحِلُّ بَاطِنًا وَجْهَانِ قَالَ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدِي يَحِلُّ لِحَدِيثِ عَامَلَ خَيْبَرَ. اهـ. وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُبْطِلَةَ لِلْعَقْدِ لَا تُؤَثِّرُ

стр. 589

فِي صِحَّتِهِ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا قَصَدَهَا عِنْدَهُ أَوْ قَصَدَهُ لِأَجْلِهَا فَأَوْلَى قَصْدُ الْإِضْرَارِ هُنَا بَلْ لَوْ قِيلَ فِيمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا إضْرَارًا بِغُرَمَائِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ لَمْ يَبْعُدْ مِنْ كَلَامِهِمْ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْبَيْعَ لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ صَحِيحٌ فَقَوْلُهُ إضْرَارًا بِغُرَمَائِي تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ لَا غَيْرُ وَلَمْ يَقَعْ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ حَتَّى يَبْطُلَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَضُرَّ غُرَمَائِي أَوْ عَلَى أَنْ يَضُرَّهُمْ فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ وَمِنْهَا قَوْلُهُ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ إلَخْ. وَهَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا أَمَّا أَوَّلًا فَمُطْلَقُ الْبَيْعِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْبَيْعَ بِمُحَابَاةٍ فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُصَّ الْبُطْلَانَ بِقَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَصْدِ الْمُضَارَّةِ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْمُضَارَّةِ فَجَعْلُ الْفَتَى قَصْدَ الْمُضَارَّةِ مُقْتَضِيًا لِلْبُطْلَانِ غَيْرُ مُتَعَقَّلٍ لِأَنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَا مُضَارَّةَ أَوْ بِدُونِهِ فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ عَلَى طَرِيقَةِ أُولَئِكَ الْبَيْعُ فِيهِ بَاطِلٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُضَارَّةَ فَإِنْ قُلْتَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ مِنْ ظَالِمٍ لَا يُعْطِي الْغُرَمَاءَ شَيْئًا وَإِنْ اشْتَرَى بِثَمَنِ الْمِثْلِ قُلْتَ هَذَا بَعِيدُ الْوُقُوعِ وَخِلَافُ فَرْضِ السُّؤَالِ أَنَّ الْبَيْعَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لَكِنَّ قَوْلَ السَّائِلِ يَحْصُلُ مِنْهَا تَفْوِيتُ التَّرِكَةِ كُلِّهَا يُوَضِّحُ الْمُرَادَ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْبَحْث عَنْ الْمَصَالِحِ أَوْ الْمَفَاسِدِ إنَّمَا هُوَ وَظِيفَةُ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ الْمَحْضُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ وَيُخَالِفَ كَلَامَ أَئِمَّتِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمُصَادَرِ وَإِنْ انْحَصَرَتْ جِهَةُ خَلَاصِهِ فِي بَيْعِ مَالِهِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا يُتَدَارَكُ خَرْقُهَا بَلْ الْمَفَاسِدُ هُنَا أَقْبَحُ مِنْهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَدِينِ لِأَنَّ الْمَالَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَفُتْ عَلَى الدَّائِنِ مَالُهُ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمُصَادَرِ فَإِنَّ مَالَهُ فَاتَ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فِي ذِمَّةِ أَحَدٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ صِحَّةُ بَيْعِهِ فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمَصَالِحِ وَلَا فِي الْمَفَاسِدِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي كَلَامِ إمَامِهِ وَأَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ. وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي سَلَّمَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبَ ثُمَّ قَالَ أَوْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الْفَتْوَى بِخِلَافِهِ إلَخْ وَهَذَا تَجَاسُرٌ مِنْهُ قَبِيحٌ جِدًّا لِأَنَّا إذَا رَأَيْنَا كَلَامَ الْأَصْحَابِ أَوْ بَعْضِهِمْ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ اقْتَضَتْ الْإِفْتَاءَ بِخِلَافِهِ كَيْفَ يَسُوغُ لَنَا ذَلِكَ الْإِفْتَاءُ هَذَا مِمَّا لَا يُمَكِّنُ مُقَلِّدًا الْقَوْلَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدَ فَتْوَى لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ وَظِيفَتِهِ وَإِنَّمَا وَظِيفَتُهُ التَّرْجِيحُ وَالتَّخْرِيجُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْآرَاءِ وَأَمَّا مُخَالَفَةُ مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ قَامَتْ فِي الذِّهْنِ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَمَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ وَقَعَ فِي وَرْطَةِ التَّقَوُّلِ فِي الدَّيْنِ وَسَلَكَ سُنَنَ الْمَارِقِينَ حَفِظَنَا اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ إنَّ قَاعِدَةَ تَقْدِيمِ الْمَصَالِحِ أَوْ الْأَصْلَحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَوْ الْأَفْسَدِ إنَّمَا هِيَ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ وَوُجِدَ بَلْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَفْسُهُ اسْتَشْكَلَ الْقَاعِدَةَ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ نَزَلَ بِبَلَدٍ وَخَافَ نَاسُهُ مِنْ اسْتِئْصَالِهِ لَهُمْ إلَّا لَمْ يُعْطُوهُ فُلَانًا أَوْ مَالَهُ أَوْ امْرَأَتَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مَفْسَدَةَ الْوَاحِدِ دُونَ مَفْسَدَةِ الْجَمِيعِ بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَشْفِي ثُمَّ تَرَتُّبُ تِلْكَ الْمُفْسِدَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلَى الْبَيْعِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْتُهُ آنِفًا فِي الْبَيْعِ مِنْ ظَالِمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ. وَوُقُوعُ هَذَا مِنْ الْمَدْيُونِينَ نَادِرٌ جِدًّا أَوْ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ لَكِنْ بِمُحَابَاةٍ وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ نُدُورٌ وَإِنَّمَا الْغَالِبُ تَبَرُّعُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ بَلْ لَا يَسْلَم مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْفَذُّ النَّادِرُ لِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ لَا يَخْلُو مِنْ دَيْنِ مَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَبَرَّعُونَ وَإِنْ لَمْ يَرْجُوا لِذَلِكَ وَفَاءً فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ الْفَتَى فِي التَّبَرُّعِ فَقَطْ أَوْجَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ هُوَ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ ضَعِيفًا بَلْ شَاذًّا وَقَوْلُهُ بَنَاهُ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ ذِكْرُهُ الْبَيْعَ سَهْوٌ فَإِنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَمْ يُخَرِّجْ إلَّا عَلَى هِبَةِ الْمَاءِ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَا يَحْتَاجُهُ وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَأَتَّى قِيَاسُهُ عَلَى الْهِبَةِ لَا الْبَيْعِ كَمَا هُوَ جَلِيُّ. وَقَوْلُهُ وَالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَاهُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْحَقَّ هَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا وَكَيْفَ يَكُونُ الْحَقَّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ الَّذِي مَرَّ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ أَعْنِي الْفَتَى لَمْ يَجْرِ عَلَى مَا قَالَاهُ لِأَنَّهُمَا قَائِلَانِ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ قَصْدِ مُضَارَّةٍ لِلْغُرَمَاءِ وَالْفَتَى يُقَيِّدُ

стр. 590

بِاشْتِرَاطِ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ فِي السُّؤَالِ وَفِي كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا الْبَيْعُ بِهَذَا الْقَصْد فَاقْتَضَى أَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى ذَلِكَ الْقَصْدُ صَحَّ مِنْهُ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ وَهَذَا تَفْصِيلٌ مُخْتَرَعٌ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ نَقْلٌ وَلَا قَاعِدَةٌ بَلْ الْمَنْقُولُ وَالْقَاعِدَةُ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِهِ فَلِيَكُنْ رَدًّا عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ وَقَدْ وَرَدَ إلَخْ هُوَ مُطَالَبٌ بِبَيَانِ وُرُودِ ذَلِكَ عَمَّنْ وَمِنْ أَيِّ طَرِيقٍ مُعْتَدٍّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ قَاضٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَالِمِ فِي هَذَا الَّذِي زَعَمَ وُرُودَهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَق وَهُوَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ مُنْذُ نَحْوِ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ وَالنَّاسُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إنَّمَا يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَوُجُوهُ الْأَصْحَابِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْهَا وَكُلُّ عَالِمٍ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يَنْطِقُ إلَّا بِمَا يَلِيقُ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ لَاقَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ أَمْ لَا وَمِنْهَا قَوْله وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ وَهَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ قَصْدَ الْمُضَارَّةِ لَا يَقْتَضِي إبْطَالًا مُطْلَقًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ الَّذِي قَدَّمْته آنِفًا وَبِمَا قَرَّرْتُ بِهِ كَلَامَهُ وَبَيَّنْتُ مَا فِيهِ يُعْلَمُ صِدْقُ مَنْ قَالَ اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ إنَّ إفْتَاءَ هَذَا إفْتَاءٌ بِالرَّأْيِ وَبُطْلَانُ اعْتِرَاضِ هَذَا بِأَنَّهُ تَعَصُّبٌ عَلَيْهِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْته أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْبُطْلَان قَصْدُ الْمُضَارَّةِ وَهَذَا رَأْيٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَنْ قَلَّدَهُمَا فِيمَا زَعَمَهُ أَعْنِي ابْنَ الرِّفْعَةِ وَالْأَذْرَعِيَّ وَلَا غَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا مَنْقُولُ الْمَذْهَب صِحَّة تَبَرُّع الْمَدِينِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَمَا مَرَّ أَوَائِل الْكِتَاب عِنْد تَحْرِيرِي لِلْمَدِينِ الَّذِي وَقَعَ النِّزَاع فِي صِحَّة تَبَرُّعِهِ وَبَحَثَ ذَيْنك وَمَنْ تَبِعَهُمَا بُطْلَانَهُ مُطْلَقًا فَتَفْصِيلُ الْفَتَى بَيْنَ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ وَعَدَمِهَا رَأْيٌ مُخْتَرَعٌ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مُحَقِّقًا وَلَهُ تَآلِيفُ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْحَقُّ بِالرِّجَالِ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَعْظَمَ تَخْطِئَتَهُ مَعَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرِّجَالُ بِالْحَقِّ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ قَالَ إنَّ فَتْوَاهُ هَذِهِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ هُوَ الْمَنْقُولُ كَيْفَ وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا وَبِأَنَّهُ قَلَّدَ فِيمَا قَالَهُ ابْنَ الرِّفْعَةِ وَالْأَذْرَعِيَّ عَلَى أَنَّهُ خَالَفَهُمَا بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ بَيْنَ قَصْدِ الْإِضْرَارِ وَعَدَمِهِ فَأَيُّ مَنْقُولٍ اتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَزْعُمَ مَنْ قَلَّدَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ أَنَّ فَتْوَاهُ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ هُوَ الْمَنْقُولُ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ مَعَاصِرِي الْفَتَى اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَجْرِ فَقَدْ بَرَّ فِي ذَلِكَ وَصَدَقَ لِمَا عَلِمْت أَنَّ هَذَا هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فِي مَوَاضِعَ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ وَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا جَرَوْا عَلَى ذَلِكَ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَمَنْ اعْتَرَضَ عِبَارَتَهُ هَذِهِ فَهُوَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَسَّفَ فِي اعْتِرَاضِهِ وَأَتَى فِيهِ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ فِي التَّفْلِيسِ فِي الثَّانِيَةِ عَشَرَ إنَّ هَذَا لَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ ثُمَّ بَسَطَ الرَّدَّ عَلَيْهِ. وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ صَاحِبَ الْمُؤَلِّفِ السَّابِقِ ذَكَرَهُ لَمَّا حَكَى عَنْ فَتْحِ الْبَارِي لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْحَافِظِ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ قَالَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَا الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّبَرُّعُ لَكِنَّ مَحْمَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْفَلَسِ وَقَدْ نَقَلَ فِيهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. اهـ. أَيْ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّ مَا فَعَلَهُ الْمَدِينُ رَدٌّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَكِنَّ مَحْمَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إلَخْ لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ لِغَيْرِهِ وَأَحْسَبُ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَ الرَّوْضَةِ السَّابِقَ وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. الْمَقْصُودُ وَأَنْتَ فِيهِ مِنْ وَرَاءِ التَّأَمُّلِ غَنِيٌّ عَنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى رَدِّهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ إشَارَةٍ مَا إلَى مَا فِيهِ إذْ هَذَا الْحَافِظُ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا يُنْكَرُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْنِدَ ذَلِكَ الْحَمْلَ لِلْفُقَهَاءِ الشَّامِلَ لِلْمُجْتَهِدِينَ ذَوِي الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ وَغَيْرِهَا بِمُجَرَّدِ عِبَارَةٍ يَجِدُهَا فِي الرَّوْضَةِ وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَتَجَاسَرُ عَلَى كَلَامِهِ بِرَدِّهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِغَيْرِهِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا مِمَّنْ سَاوَاهُ فِي الْحِفْظِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَمَّا مَنْ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَة مِنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُحِطْ بِنُصُوصِ مَذْهَبِهِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا قَالَهُ ذَلِكَ الْحَافِظُ وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ أَبْحَاثًا

стр. 591

مَرْدُودَةً كَمَا مَرَّ. وَقَوْلُهُ عَنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي الثَّانِيَةِ عَشَرَ إنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْجَبْ الْعَجَبِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَإِنْ قُلْتَ نَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ قُلْت: قَدَّمْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فَرَاجِعْهُ وَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ هَذَا الْكِتَابِ وَمُقَابِلِهِ لِتَعْلَمَ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْبَاطِلِ وَالْقَوْلَ الْجَلِيّ مِنْ الْقَوْلِ الْحَائِرِ الْمَائِلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا أَجْمَعِينَ لِمَرْضَاتِهِ وَيُدِرُّ عَلَيْنَا أَخْلَافَ نِعَمِهِ وَهِبَاتِهِ وَيَجْعَلُنَا مِنْ إخْوَانِ الصَّفَا الَّذِينَ هُمْ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلُونَ وَبِالْحَقِّ عَامِلُونَ وَإِلَيْهِ مُسَارِعُونَ وَعَنْ دَاءِ اللَّجَاجِ وَالتَّعَصُّبِ يَتَنَزَّهُونَ إنَّهُ الْمَنَّان بِكَرَمِهِ الْمُتَفَضِّلُ بِنِعَمِهِ فَإِلَيْهِ مَفْزَعُنَا فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلِ يَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِك وَعَظِيمِ سُلْطَانِك عَدَد مَعْلُومَاتِكَ وَمِدَادَ كَلِمَاتِك كُلَّمَا ذَكَرَك الذَّاكِرُونَ أَبَدًا دَائِمًا بِدَوَامِك أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ أَفْضَلَ صَلَاةٍ وَأَنْ تُسَلِّمَ أَفْضَلَ سَلَامٍ وَأَنْ تُبَارِكْ أَفْضَلَ بَرَكَةٍ عَلَى أَفْضَلِ خَلْقِك سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ عَدَدَ مَعْلُومَاتِك وَأَنْ تَخْتِمَ لَنَا أَجْمَعِينَ بِالْحُسْنَى بِمَنِّك وَكَرَمِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ الْمُؤَلِّفُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَرَحِمَهُ فَرَغَتْ مِنْهُ وَقْت صَلَاةِ الْجُمُعَةِ خَامِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَةٍ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلِ. [كِتَابُ الذَّيْلِ الْمُسَمَّى بِكَشْفِ الْغَيْنِ عَمَّنْ ضَلَّ عَنْ مَحَاسِنِ قُرَّةِ الْعَيْنِ] هَذَا كِتَابُ الذَّيْلِ الْمُسَمَّى بِكَشْفِ الْغَيْنِ عَمَّنْ ضَلَّ عَنْ مَحَاسِنِ قُرَّةِ الْعَيْنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ تَمِّمْ بِالْخَيْرِ (أَمَّا بَعْدَ) حَمْدِ اللَّهِ عَلَى آلَائِهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى وَاسِطَةِ عِقْدِ أَوْلِيَائِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِ حُمَاةِ دَيْنِ اللَّهِ مِنْ سَفَاسِفِ كُلِّ جَاهِلٍ عَنِيدٍ وَغَوَائِلِ إغْوَائِهِ فَهَذَا كِتَابٌ لَقَّبْته كَشْفَ الْغَيْنِ عَمَّنْ ضَلَّ عَنْ مَحَاسِنِ قُرَّةِ الْعَيْنِ دَعَانِي إلَيْهِ أَنِّي لَمَّا فَرَغْت مِنْ كِتَابِيّ قُرَّةِ الْعَيْنِ بِبَيَانِ أَنَّ التَّبَرُّعَ لَا يُبْطِلُهُ الدَّيْنُ الَّذِي أَلَّفْته جَوَابًا عَنْ إفْتَاءٍ وَتَأْلِيفٍ فِي بُطْلَانِهِ لِمُفْتِي زَبِيدٍ الْقَائِلِ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدِ مِنْ عُلَمَائِهَا أَنَّهُ عَنِيدٌ وَأَيُّ عَنِيدٍ انْتَشَرَ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ فَكَتَبَهُ الْمِصْرِيُّونَ وَالْيَمَانِيُّونَ فَلَمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِفْتَاءِ وَالتَّأْلِيفِ كَرَّرَ غَلَطَهُ الْمُشْتَمِلَ عَلَى كَثِيرِ هَذْرٍ وَهَذَيَان وَسَفَاهَةٍ وَطُغْيَانٍ وَقَبَائِحَ تُصَمُّ عَنْهَا الْآذَانُ وَفَضَائِحَ لَا يَصْدُرُ مِثْلُهَا إلَّا مِمَّنْ مَانَّ وَخَانَ وَوَصَمَاتٍ يَبْقَى عَارُهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ وَصَدَمَاتٍ ظَنَّ أَنْ لَا يَتَيَقَّظَ لَهَا أَحَدٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَوَّدَ الصَّحِيفَةَ وَأَوْجَبَ النَّارَ وَالْكَشِيفَةَ فِي عِدَّةِ تَصَانِيفَ فِي صُورَةِ تَأْلِيفِ يُرْسِلُهَا إلَى مَكَّةَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَالْكَرَّةَ بَعْدَ الْكَرَّةِ حَتَّى أَوْجَبَ ذَلِكَ لِبَعْضِ فُضَلَاءِ الْمِصْرِيِّينَ أَنَّهُ رَفَعَ الْأَمْرَ لِعُلَمَاءِ بَلَدِهِ فَكُلُّهُمْ أَطْبَقُوا أَنَّهُ خَالَفَ الصَّوَابَ وَالْمَنْقُولَ وَسَلَكَ مَسَالِكَ الْعِنَادَ وَالتَّعَسُّفِ الْغَيْرِ الْمَنْقُولِ ثُمَّ أَرْسَلَ خُطُوطَهُمْ لِمَكَّةَ فَأَحْصَوْا بِضْعًا وَسَبْعِينَ نَفْسًا وَوَافَقَهُمْ الْمَكِّيُّونَ أَيْضًا مُشِيرِينَ كُلُّهُمْ إلَى أَنَّ مَا رَقَمَهُ حَقِيقٌ بِأَنْ يُنْبَذَ وَرَاءَ الظَّهْرِ وَلَا يُسَامَ بِثَمَنٍ وَلَا مَهْرٍ وَلِمَ لَا وَلَمْ يُمَنَّ بِقِرَاعِ الْأَبْطَالِ الْمَيَامِينِ وَلَمْ يُدْفَعْ إلَى جَدَلٍ مِمَّا يَعْرُكُ عَرْكَ الْأَدِيم وَلَمْ يُرْزَقْ أَرَيْبًا وَلَا نَاصِحًا لَبِيبًا يَصُدُّهُ عَنْ التَّهَوُّر وَالْبُهْتَانِ وَالتَّقَوُّلِ وَالشَّنَاعَةِ وَالْعُدْوَانِ فَلْيَأْخُذْ مَا يَأْتِيه مِنْ وَضَائِحِ الرَّدِّ وَحَقَائِقِ الْحَقِّ وَالنَّقْدِ لَا لِتَنْقِيصِ ذَاتِهِ بَلْ لِرَدِّ قَوْلِهِ وَهُنَيْهَاتِهِ امْتِثَالًا لِمَا أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْ الْمِيثَاقِ وَتَعْوِيلًا عَلَى مَا يُسَلِّمهُ تَالِد مِنْ خُلُوِّ قُلُوبِنَا عَنْ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالنِّفَاقِ وَإِنَّمَا اضْطَرَّنَا إلَى ذَلِكَ خَوْفُ اغْتِرَارِ الْعَوَامّ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ السَّقَطَاتِ وَالْأَوْهَامِ مِمَّا قَدْ يَسْتَزِلُّ الضُّعَفَاءَ الْقَاصِرِينَ وَلَمْ يَجْرِ عَلَى سَنَنِ الْمُحَصِّلِينَ فَضْلًا عَنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ فَشَرَعْتُ فِي بَيَانِ مَا فِيهَا مِمَّا لَا يُدْرِكُ الْقَاصِرُونَ مَا فِي مَطَاوِيهَا مُسْتَعِيذًا بِاَللَّهِ مِنْ الْخَطَإِ وَالْخَطَلِ وَمُسْتَعْفِيًا مِنْ الْعِثَارِ وَالزَّلَلِ وَمُسْتَعِينًا بِهِ وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ وَمَادًّا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إلَيْهِ وَأَنْ يُصْلِحَ جَمِيعَ أَحْوَالِي وَأَحْوَالِهِ وَأَنْ يُطَهِّرَهَا مِنْ حُظُوظِ نُفُوسِنَا فِي أَقْوَالِ كُلٍّ وَأَفْعَالِهِ وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا فِي الْمُبَاحَثَاتِ الْعِلْمِيَّةِ بِسَدَدِهِ مِمَّا جَاءَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَنَازَعَانِ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ حَتَّى يُقَالَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُخَاطِبُ صَاحِبَهُ بَعْدُ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمَانِ ثُمَّ لَا يَقُومَانِ مِنْ مَجْلِسِهِمَا إلَّا وَهُمَا عَلَى غَايَةٍ مِنْ الصَّفَاءِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْوَفَاءِ

стр. 592

لِمَا أَنَّهُمَا طُهِّرَا مِنْ حُظُوظِ النُّفُوسِ الْمُهْلِكَةِ وَأَهْوِيَتِهَا وَتَحَلِّيًا بِمَعَانِي الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ وَأُمْنِيَّتِهَا وَكَذَا مِمَّا جَاءَ عَمَّنْ اسْتَمْسَكَ بِهَدْيِهِمَا وَهَدْيِ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ أَدَامَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ شَآبِيبَ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَلَقَدْ وَقَعَ لِشَيْخِنَا زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ وَبَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ تَجَاذَبَ فِيهَا أَنْظَارَهُمَا وَتَكَرَّرَتْ فِي أَحْوَالِهَا فَتَاوِيهِمَا مَعَ الْإِغْلَاظِ مِنْ كُلٍّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْآخَرِ لَكِنْ بِمَا لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إلَّا بَيَان الْحَقِّ مَعَ صَفَاءِ الْخَاطِرِ وَصَلَاحِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ بِدَلِيلِ بَقَاءِ مَحَبَّتِهِمَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَمَزِيد مُوَاصَلَةِ كُلٍّ لِلْآخَرِ بِالثَّنَاءِ وَالتَّرَدُّدِ إلَيْهِ هَذَا مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا كَانَ لَهُ فِي تَحَمُّلِ الرَّدِّ وَأَذَى مُعَاصِرِيهِ الْقَدَمُ الرَّاسِخُ وَإِيصَالُ قَاطِعِيهِ الطَّوْدُ الشَّامِخُ وَمِنْ ثَمَّ أَظْهَرَهُ اللَّه ظُهُورًا لَمْ يَنَالُوهُ وَأَبْقَى لَهُ مِنْ الْآثَارِ الْحَمِيدَةِ وَالتَّآلِيفِ الْفَرِيدَةِ مَا لَمْ يُؤَمِّلُوهُ حَقَّقَ اللَّهُ لَنَا اقْتِفَاءَ تِلْكَ الْآثَارِ وَأَجَارَنَا مِنْ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ وَسَائِرِ الْآضَارِ إنَّهُ الْكَرِيمُ الْغَفَّارُ الْحَلِيمُ السَّتَّارُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ مُتَمَثِّلًا بِمَا دَعَا ﷺ لِقَائِلِهِ إنَّ اللَّهَ - هُنَا بَيَاضٌ بِالْأَصْلِ - وَلَا خَيْرَ فِي حِلْمٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ... بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا وَلَا خَيْرَ فِي جَهْلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ... حَلِيمٌ إذَا مَا أَوْرَدَ الْقَوْم أَصْدَرَا وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵃ لَمَّا أَرَادَ الْخِلَافَةَ وَقَدْ خُلِّيَتْ الدَّارُ مُتَمَثِّلًا يَا لَك مِنْ قُبُّرَةٍ بِمَعْمَرِ ... خَلَا لَكِ الْبَرُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي وَنَقِّرِي مَا شِئْت أَنْ تُنَقِّرِي ... صَنَادِدُ الْبُومِ عَلَيْك تَجْتَرِي وَمُصَنَّفَاتُهُ تِلْكَ قِسْمَانِ أَكْثَرُهَا تَكْرِيرٌ لِمَا مَرَّ فِي كِتَابِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي رَدَدْته وَنَقَدَتْهُ فَلَمْ أَرَهُ إلَّا زَيْفًا وَحِرَافًا وَحَيْفًا وَهَذَا الْقِسْمُ لَا أَتَعَرَّضُ لَهُ إلَّا نَادِرًا وَالْقِسْمُ الثَّانِي اشْتَمَلَ إمَّا عَلَى بُهْت يَخْتَرِعُهُ اخْتِرَاعًا قَبِيحًا ثُمَّ يُرَتِّبُ عَلَيْهِ مَا ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُكْشَفُ كَشْفًا صَرِيحًا وَإِمَّا عَلَى عَدَمِ فَهْمٍ وَتَصَوُّرٍ لَمَا يَعْتَرِضُهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَنْقُضُهُ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي أَتَعَرَّضُ لَهُ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى صِغَارِ الطَّلَبَةِ فَضْلًا عَنْ الْفُضَلَاءِ وَالْأَئِمَّةِ النُّبَلَاءِ لِمَا آتِي بِبَسْطِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَأُبَيِّنُ عَوَارَهُ فِي الْأَكْثَرِ وَأُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ الْبَرَاهِينَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ الشَّمْسِ أَظْهَرُ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا الْأَوَّلُ تَعَجُّبٌ بِحَسَبِ مَا حَرَّفَهُ فَهْمُهُ مِنْ رَدِيءٍ لِتَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ مَعَ جَرَيَانِي فِي كُتُبِي عَلَيْهِ وَبِفَرْضِ صِحَّةِ ذَلِكَ أَيُّ تَعَجُّبٍ فِيهِ مَعَ أَنَّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ بِكُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقَعُ لَهُمْ كَثِيرًا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ فِي فَتَاوِيهِمْ مَا فِي مُؤَلِّفَاتِهِمْ وَفِي بَعْضِ مُؤَلِّفَاتِهِمْ مَا فِي بَقِيَّتهَا فَلَا تَعْجَبْ مِنْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا قَصْدُهُ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ إيهَامُ الْأَغْبِيَاءِ مِثْلِهِ أَنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ قَادِحٌ مُخِلٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَدْنَى مُتَعَلِّمٍ عَلَى أَنَّ قَوْلِي قَضِيَّةُ تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ كَذَا لَا يَقْتَضِي أَنِّي مُرْتَضِيهِ أَوْ مُعْتَمِدُهُ فَكَمْ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَذْكُرُونَهَا وَيَسْكُتُونَ عَلَيْهَا وَلَا تَكُونُ مُعْتَمَدَةً لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ مُبْتَدِعٌ لَا مُسْتَقِرٍّ وَلَا مُتَتَبِّعٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِمَادِي لِأَصْلِ التَّخْرِيجِ أَنِّي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْكَبِيرِ قَصَرْته عَلَى الصَّدَقَةِ وَفَرَّقْت بَيْنَهَا وَبَيْنَ نَحْوِ الْهِبَةِ بِمَا مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي قُرَّةِ الْعَيْنِ مَعَ بَيَانِ غَلَطِ هَذَا الْعَنِيدِ فِيمَا وَقَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَيَأْتِي تَكْرِيرُهُ كَذَلِكَ وَتَكْرِيرُنَا لِرَدِّهِ آخِرَ الْكِتَابِ وَلَقَدْ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ فِي التَّفْلِيسِ بَعْدَ كَلَامٍ سَاقَهُ نَعَمْ اسْتِيلَاده أَيْ الْمُفْلِس هَلْ يَنْفُذُ ذَكَرْت فِي الْكِفَايَةِ شَيْئًا لَمْ أَرْضَهُ الْآن فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ نُفُوذُهُ بِكُلِّ حَالٍ الْمَوْضِعُ الثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِحِ قَوْلُهُ كَيْفَ وَقَدْ أَطْبَقَ عَلَى حُكْمِهَا الْمُتَأَخِّرُونَ إلَّا مَنْ شَذَّ فَهِيَ مِنْ مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ هَذَا مِنْ أَوَّلِ شَقَاشِقِهِ وَافْتِرَائِهِ الَّتِي قَدَّمْنَا فِي الْقُرَّةِ بُطْلَانَهَا بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّاشِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ إنَّمَا عَبَّرُوا بِقَوْلِهِمْ وَقَضِيَّةُ كَذَا وَهَذَا لَا يَقْتَضِي اعْتِمَادَهُ لِأَمْرَيْنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَضِيَّتَهُ وَعَلَيْهَا يُحْتَمَل أَرَادَهَا وَأَنَّ لَا وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ سُكُوتَهُمْ عَلَيْهَا لَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَهُ عَلَيْهَا لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ أَرَادَهَا وَمَنْ

стр. 593

تَأَمَّلَ كَلِمَاتِ الْمُؤَلِّفِينَ عَلِمَ ذَلِكَ وَلَمْ يُرَتِّبْ فِيهِ وَتَأَمَّلْ غِشَّهُ لِنَفْسِهِ وَالْمُسْلِمِينَ فَإِنِّي ذَكَرْت لَهُ فِي الْقُرَّةِ نُصُوصَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ الْمُصَرَّحَةِ بِخِلَافِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لِقَوْلِ الْجَوَاهِرِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَاهِبِ إلَّا أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِنُفُوذِ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْمُعْتَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصَّرَائِحِ الْمُنَادِيَةِ عَلَيْهِ بِالْبَوَارِ وَالْخَسَارِ الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِحِ الطَّوِيلَةِ فِي أَنَّ الْبُطْلَانَ فِي هِبَةِ الْمَاءِ وَفِي الرِّشْوَةِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ أَقْوَى لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِحَقِّ اللَّهِ بِخِلَافِ الرِّشْوَةِ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ فِيهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ وَاسْتِنْتَاجُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُتَعَلِّقَ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ أَقْوَى. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ هَذَيَانٌ لَا حَاصِلَ لَهُ لَا سِيَّمَا إذَا نَظَرَ إلَى افْتِرَائِهِ أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الرِّشْوَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ وَإِلَى اسْتِنْتَاجِهِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّ الَّذِي مَهَّدَهُ إنَّمَا يُنْتِجُ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُتَعَلِّقَ أَقْوَى مِمَّا لَمْ يَتَعَلَّق بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ بِوَرَقَاتٍ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ هِبَةِ الْمَاءِ وَالرِّشْوَةِ مُجَرَّدُ التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَعَيُّنٍ وَغَيْرِهِ وَوَجْهُ بُطْلَانِ هَذَا الْهَذَيَانِ الْغَنِيِّ عَنْ الْبَيَانِ لَوْلَا مَا مَرَّ مِنْ خَشْيَةِ تَوَهُّمِ الْقَاصِرِينَ أَنَّ الَّذِي حَقَّقْته وَقَرَّرْته فِي الْقُرَّةِ أَنَّا لَا نَنْظُرَ إلَى التَّحْرِيمِ الْمُتَعَلِّقِ بِخُصُوصِ الْآدَمِيِّ أَوْ بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا نَنْظُرُ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ أَوْ لَازِمِهَا وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِخَارِجٍ عَنْهُمَا وَمَسْأَلَةُ هِبَةِ الْمَاءِ وَالرِّشْوَةِ مِنْ الْقَبِيلِ الْأَوَّلِ وَمِنْ ثَمَّ بَطَلَ بَيْعُ الْمَاءِ وَلَوْ بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ بِخِلَافِ تَبَرُّعِ مَدِينٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْقَبِيلِ الثَّانِي فَبَطَلَ مَا طَوَّلَهُ وَاسْتَنْتَجَهُ. ثُمَّ قَوْلُهُ إنَّ التَّحْرِيمَ فِي الرِّشْوَة لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ مُرَادُهُ بِدَلِيلِ جَعْلِهِ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُتَعَلِّقِ بِحَقِّ اللَّه أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْآدَمِيِّ وَهَذَا مِمَّا يُعْلِمُك بِجَهْلِهِ وَيُوقِظُك إلَى أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ جَاهِلٌ بِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ بِأَسْرِهَا لَا يَخْلُو كُلٌّ مِنْهَا عَنْ أَنَّ الْمَلْحَظَ فِي تَحْرِيمِهِ إمَّا رِعَايَةُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ أَوْ حَقِّهِمَا وَإِمَّا خُلُوُّ حُكْمٍ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَيْسَ بِوَاقِعٍ بَلْ وَلَا مُتَعَقَّلٍ لِأَنَّ شَرْعَ الْحُكْمِ إمَّا لِمُصْلِحَةٍ تَظْهَرُ فِيهِ أَوْ لِلتَّعَبُّدِ وَكِلَاهُمَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَامِّيٌّ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَمُقَدِّمَاتُهُ لَمْ تَمُرُّ بِفِكْرِهِ وَلَا اخْتَلَجَتْ فِي سِرِّهِ إذْ زَعْمُهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الرِّشْوَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ نَزْعَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ نَاشِئَةٌ عَنْ الْإِيجَابِ الذَّاتِيِّ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ لَكِنَّ مَحَبَّةَ التَّشْنِيعِ بِمَا لَمْ يُعْقَلْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَالْمُبَادَرَةَ إلَى الْمَنْقُولِ بِالْهَوَى فِيمَا لَمْ يَتَأَهَّلْ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ يُوجِبَانِ الْوُقُوعَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَرْطَةِ وَزَلَّةِ الْقَدَمِ بِالِارْتِبَاكِ فِي هَذِهِ السَّقْطَةِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْعَضُدِ رَدًّا عَلَى بَعْضِ مُعَاصِرِيهِ أَمَّا مَنْ لَا يَأْمَنُ مَعَ الدَّغْدَغَةِ سُوءَ الْعِثَارِ وَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَقُودُ عَصَاهُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ فَإِذَا سَابَقَ فِي الْمِضْمَارِ الْعِتْقَ الْجِيَادَ وَنَاضَلَ عِنْدَ الرِّهَانِ ذَوِي الْأَيْدِي الشِّدَادِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ سُخْرِيَةً لِلسَّاخِرِينَ وَضُحْكَةً لِلضَّاحِكِينَ وَدَرِيئَةً لِلطَّاعِنِينَ وَعَرْضًا لِسِهَامِ الرَّاسِفِينَ الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ مُشِيرًا إلَى رَدِّ الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرْته آنِفًا بَيْنَ هِبَةِ الْمَاءِ وَهِبَةِ الدَّيْنِ وَلَا يَصِحُّ الْفَرْقُ بِتَعَيُّنِ الْمَاءِ دُونَ الْمَالِ لِأَنَّ مَعْنَى التَّعَيُّنِ فِيهِمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فَكَمَا يَجِبُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمَذْكُورِ يَجِبُ قَضَاءُ الدَّيْنِ فِي الْمَالِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْأَصْلِ تَعَلُّقُهُ بِالذِّمَّةِ فَهُوَ فِي هَذِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ وَبِالْعَيْنِ وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ وَبِالْعَيْنِ أَيْضًا وَمَسْأَلَةُ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِعَيْنِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ النَّظَرِ إلَى الذِّمَّةِ. اهـ. وَهَذَا مِنْهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَا قَرَّرْته وَلَا حَامَ حَوْلَ حِمَى مَا وَضَّحْته فِي الْقُرَّةِ وَكَرَّرْته وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ التَّعَيُّنَ فِيهِمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ مُكَابَرَةٌ قَبِيحَةٌ كَيْفَ وَتَعَيُّنُ الْمَاءِ يَمْنَعُ إخْرَاجَهُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى بِالْبَيْعِ بِأَضْعَافِ الْقِيمَةِ بِخِلَافِ تَعَيُّنِ الْمَالِ لِلَّذِي زَعَمَهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ سَلِمَ لَهُ لَا يَمْنَعُ عَلَى زَعْمِهِ إلَّا مُجَرَّدَ التَّبَرُّعِ لَا غَيْر كَمَا قَرَّرْت ذَلِكَ فِي الْقُرَّةِ فَمَنْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْقِ الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ ثُمَّ كَابَرَ وَزَعَمَ أَنْ لَا فَرْقَ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْخَيَالِ حَقِيقٌ بِأَنْ يُقَالَ فِيهِ سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْت مُغَرِّبًا ... شَتَّانَ مَا بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ

стр. 594

وَأَنَّى لَهُ بِغَوْصٍ عَلَى مَعْنًى دَقِيقٍ وَغَوْصٍ فِي أَدْنَى تَحْقِيقٍ وَإِنَّمَا هُوَ يُلَفِّقُ الْأَلْفَاظَ لَا يَدْرِي مَا تُؤَدِّي إلَيْهِ وَلَا مَا يُحِيطُ أَمْرُهَا عَلَيْهِ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ لَيْسَ الْفِقْهُ إلَّا الْفَرْقَ وَالْجَمْعَ فَهُمَا مُهْلِكَانِ انْقَطَعَتْ فِيهِمَا أَعْنَاق أَمْثَالِهِ وَشَامِخَاتٌ أَعْيَتْ عَنْ الرُّقِيِّ إلَيْهَا أَطْمَاعُ آمَالِهِ وَمِنْ تَمَامِ خَبَالِهِ زَعْمُهُ أَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ النَّاشِئُ عَنْ عَدَمِ فَهْمِ مَعْنَى التَّعَلُّقِ بِالذِّمَّةِ وَكَيْفِ يُتَعَقَّلُ تَعَلُّقُ الطَّهَارَةِ بِالذِّمَّةِ الَّتِي هِيَ اصْطِلَاحًا مَعْنًى اعْتِبَارِيٌّ يَنْشَأُ عَنْهُ الْإِلْزَامُ وَالِالْتِزَامُ قَائِمٌ بِالْإِنْسَانِ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالطَّهَارَةِ مَدْلُولَهَا الْمَجَازِيَّ وَهُوَ الْأَفْعَالُ الْحِسِّيَّةُ فَتَعَلُّقُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الِاعْتِبَارِيِّ عَلَى جِهَةِ قِيَامِ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ غَيْرَ مُتَعَقَّلٍ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْقِيَاسِ أَوْ مَدْلُولِهَا الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ زَوَالُ الْمَنْعِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ وَبِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا يَزُولُ التَّعَلُّقُ فَتَوَقُّفُ التَّعَلُّقِ بِالذِّمَّةِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِهِ قَبْلَهُ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ تَصَوُّرِهِ لِمَا يَقُولُ وَإِلَّا لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الْفَضَائِحِ الَّتِي سَوَّدَتْ ذِهْنَ مُخْتَرِعِهَا وَتَحَقَّقَ قُصُورُ مُخْتَرِعِهَا الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ وَمِنْ فَضَائِحِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ إلَخْ وَهَذَا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ فَرْقًا بَيْنَ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ مِنْهُمَا وَالزَّكَاةُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ تَارَةً يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَتَارَةً بِالذِّمَّةِ بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهَا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّعَلُّقُ بِالذِّمَّةِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ لِأَدْنَى الطَّلَبَةِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تُفْعَلْ عَنْ الْغَيْرِ بِإِذْنٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يَرِدُ الصَّوْمُ لِأَنَّ لِلْمَالِ دَخْلًا فِيهِ بِالنَّصِّ فَهُوَ كَالْحَجِّ وَإِنْ فَارَقَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هِيَ فِعْلُ الْأَجْنَبِيِّ لَهُ عَنْ الْمَيِّتِ بِلَا إذْنِ أَحَدٍ بِخِلَافِ الصَّوْمِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إذْنِ الْقَرِيبِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ مُتَأَصِّلٌ فِي الْحَجِّ أَكْثَرَ مِنْ تَأَصُّلِهِ فِي الصَّوْمِ فَسُومِحَ فِي سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ الذِّمَّةِ بِمَا لَمْ يُسَامَحْ بِهِ فِي سُقُوطِ الصَّوْمِ نَظَرًا لِمَا فِي الْحَجِّ مِنْ شَائِبَةِ الْمَالِ السَّابِقَةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْمُشَقْشِقِ لَا يَقْبَلُ طَبْعُهُ الْخَوْضَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الدَّقَائِقِ وَأَنَّى لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ يَسْتَدِلُّ عَلَى تَعَلُّقِ الطَّهَارَةِ بِالذِّمَّةِ أَيْضًا بِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالذِّمَّةِ وَلَمْ يَتَعَقَّلْ مَا بَيْنَهُمَا إيثَارًا لِلرَّجْمِ بِالْغَيْبِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ فِي هُوَّةِ الشَّطَطِ وَلَا مَنِيَّتَهُ لِأَبْعَدِ الضَّلَالِ وَأَقْبَحِ الْغَلَطِ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ إنَّمَا هُوَ فِي تَعَلُّقِ الطَّهَارَةِ بِالْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَتْ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا تَارَةً تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَتَارَةً تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَأَمَّا تَعَلُّقُهَا بِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ الَّذِي أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ فَهُوَ مِنْ فَرَطَاتِهِ الْقَبِيحَةِ أَيْضًا الْمَوْضِعُ السَّادِسُ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِحِ أَيْضًا قَوْلُهُ بَعْدَ كَلَامٍ طَوَّلَهُ هُنَا وَبَالَغْت فِي رَدِّهِ عَلَيْهِ فِي الْقُرَّةِ وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَيْ هِبَةِ الْمَاءِ وَهِبَةِ الدَّيْنِ فَلَا مَعْنَى لَهُ إذْ التَّعَيُّنُ فِيهِمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءَ إمَّا صِحَّةً وَإِمَّا بُطْلَانًا. اهـ. وَتَصْمِيمُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ مَا قَرَّرْتُهُ لَهُ مِنْ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ الْمُعْتَرِف هُوَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ حُظِرَ فِيهِ إخْرَاجُهُ عَنْ الْمِلْكِ وَلَوْ بِأَضْعَافِ الْقِيمَةِ وَالدَّيْنُ لَمْ يُحْظَرْ عَلَيْهِ إلَّا الْإِخْرَاجُ الَّذِي فِيهِ تَبَرُّعٌ لَا غَيْرُ يَزِيدُك فِيهِ بَصِيرَةً أَنَّهُ فِي غَايَةٍ مِنْ الْبَلَادَةَ وَالْعِنَادِ مَا مَثَلُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا مَثَل رَجُلٍ تَقُولُ لَهُ هَذِهِ الشَّمْسُ تُشِيرُ إلَيْهَا لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ فَيَقُولُ لَك لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَمْسٌ أَصْلًا فَيُعْلَمَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ سَفْسَطِيٌّ عِنَادِيٌّ لَيْسَ دَوَاؤُهُ إلَّا أَنْ يُوقَدَ عَلَيْهِ نَار الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ إلَى أَنْ يَعْتَرِفَ أَوْ يَحْتَرِقَ وَبِهَذَا الْفَرْقِ الظَّاهِرِ يَبْطُلُ مَا فَرَّعَهُ عَلَيْهِ وَتَذْيِيلُهُ تَكْرَارٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَقَدْ بَالَغْت فِي الْقُرَّةِ فِي تَزْيِيفِ جَمِيعِ مَا أَبْدَاهُ مِمَّا لَمْ يُدْرِكْ فَحْوَاهُ فَضْلًا عَنْ مَغْذَاهُ وَكَيْفَ لَا وَهُوَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ يَزْدَادُ فِي تَكْرِيرِ سَفْسَطَتِهِ وَعِنَادِهِ وَفَضِيحَتِهِ فِي إصْدَارِهِ وَإِيرَادِهِ فَيَجْعَلُ الْمَسْأَلَتَيْنِ مُتَّحِدَتَيْنِ وَيَجْعَلُ الْعِلَّةَ حُرْمَةَ التَّسْلِيمِ فِيهِمَا قَالَ فَيَتَّحِدَانِ فِي الْبُطْلَانِ وَالشَّاشِيُّ قَائِلٌ بِالصِّحَّةِ فِي كُلٍّ وَالْعِلَّةُ عِنْدَهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَرْجِعُ لِمَعْنًى فِي الْعَقْدِ وَهَذَا بَاطِلٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ وَجَعْلُ حُرْمَةِ التَّسْلِيمِ بِمُجَرَّدِهَا عِلَّةً غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ أَمْرٌ عَامٌّ وَإِنَّمَا النَّظَرُ لَيْسَتْ هَذِهِ الْحُرْمَة وَهُوَ فِي هِبَتِهِ الْمَاءَ ذَاتِيٌّ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ لِمَعْنًى فِي ذَاتِ الْعَاقِدِ وَهُوَ عَجْزُهُ عَنْ تَسْلِيمه شَرْعًا وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالتَّبَرُّعِ وَفِي هِبَةِ الْمَدِينِ عَرْضِيٌّ لِأَنَّهُ

стр. 595

لَا يَرْجِعُ لِمَعْنًى كَذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ تَقَيَّدَ التَّحْرِيمُ بِالتَّبَرُّعِ لَا غَيْرُ الْمَوْضِعُ السَّابِعُ قَوْلُهُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ حُكْمَ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ عَلَى هِبَةِ الْمَاءِ تَخْرِيجٌ أَوْلَوِيٌّ حَقٌّ. اهـ. وَهَذَا مِنْ زِيَادَةِ شَقْشَقَتِهِ أَيْضًا لِمَا بَيَّنْته وَوَضَّحْته فِي الْقُرَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسَاوِي مِدَادَهُ عَلَى أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَمْ يُخَرِّجْ الْحُكْمَ خِلَافًا لِمَا افْتَرَاهُ هَذَا الْعَنِيدُ وَإِنَّمَا خَرَّجَ الْخِلَافَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّرْجِيحُ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ فِي الْقُرَّةِ ثُمَّ قَالَ عَنْ كَلَامِي فِي الْقُرَّةِ وَقَوْلُهُ إنَّ فِي الرِّشْوَةِ إكْرَاهًا مُجَرَّدُ دَعْوَى إذْ لَوْ كَانَ فِيهَا إكْرَاهٌ لِمَا أَشْبَهَ الْخِلَافَ فِي هِبَةِ الْمَاءِ إذْ لَيْسَ فِيهِ فِي هِبَةِ الْمَاءِ إكْرَاهٌ. اهـ. وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَزِيدُ بَصِيرَتَك فِيهِ أَنَّهُ رَدِيءُ الْفَهْمِ فَاسِدُ التَّصَوُّرِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى الْإِكْرَاهِ وَلَا وَجْهَ ذِكْرِهِ وَعِبَارَتِي وَمَسْأَلَةُ الرِّشْوَةِ مِنْ قَبِيلِ الْأَوْلَى أَيْ هِبَة الْمَاءِ فَحُرْمَتُهَا ذَاتِيَّةٌ لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهَا وَإِخْرَاجُهَا مِنْ يَدِهِ إنَّمَا هُوَ كَرْهٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْصِ الْمُعْطِي لِإِرْشَائِهِ عَلَى وُصُولِهِ لِحَقِّهِ انْتَهَتْ وَاعْتِرَاضُهُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ بِمَا ذَكَرَهُ مَعْذُورٌ فِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْهَا وَلَا أَدْرَكَ شَيْئًا مِمَّا انْطَوَتْ عَلَيْهِ وَبَيَانُهَا أَنَّهُمْ لَمَّا صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُرْتَشِيَ لَا يَمْلِكُ الرِّشْوَةَ سَوَاءٌ أَثِمَ الرَّاشِي أَمْ لَا أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى تَعْلِيلِهِمْ الْبُطْلَانَ فِي هِبَةِ الْمَاءِ بِحُرْمَةِ التَّسْلِيمِ. وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ التَّسْلِيمَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِثْمِ بَاطِلٌ لِمَعْنَيَيْنِ ذَاتِيَّيْنِ هُمَا حُرْمَةُ التَّسْلِيمِ وَالْإِكْرَاهِ الْمَعْنَوِيّ وَبِحَقٍّ لِلْمَعْنَى الثَّانِي فَقَطْ وَهُوَ بِمُفْرَدِهِ مُقْتَضٍ لِلْإِبْطَالِ أَلَا تَرَى إلَى حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى سَبِيلِ الْحَيَاءِ مِنْ غَيْرِ رِضَا مِنْهُ بِذَلِكَ لَا يَمْلِكُهُ الْآخِذُ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ فِيهِ إكْرَاهًا بِسَيْفِ الْحَيَاءِ فَهُوَ كَالْإِكْرَاهِ بِالسَّيْفِ الْحِسِّيِّ بَلْ كَثِيرُونَ يُقَابِلُونَ هَذَا السَّيْفَ وَيَتَحَمَّلُونَ مِرَارَ جُرْحَهُ وَلَا يُقَابِلُونَ الْأَوَّلَ خَوْفًا عَلَى مُرُوءَتِهِمْ وَوَجَاهَتِهِمْ الَّتِي يُؤْثِرُهَا الْعُقَلَاءُ وَيَخَافُونَ عَلَيْهَا أَتَمَّ الْخَوْفِ وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلرَّاشِي بِحَقٍّ أَنْ يُخْرِجَ مَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِرِضَاهُ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا اضْطَرَّهُ الْمُرْتَشِي إلَى إعْطَائِهِ مَالَهُ كُرْهًا عَلَيْهِ إذْ الْغَرَضُ أَنَّهُ لَوْلَا إعْطَاؤُهُ لَمَا حَكَمَ لَهُ بِحَقِّهِ فَعَلِمْنَا أَنَّ عَدَمَ الْمِلْكِ فِي الرِّشْوَةِ إمَّا لِذَاتِيَّيْنِ أَوْ ذَاتِيٍّ وَاحِدٍ وَوَجْهُ كَوْنِ الْإِكْرَاهِ ذَاتِيًّا أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الذَّاتِيَّ هُوَ مَا رَجَعَ لِمَعْنًى فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ فِي الْعَاقِدِ وَالْإِكْرَاهُ مَعْنًى رَجَعَ فِي الْعَاقِدِ فَكَانَ ذَاتِيًّا فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّحْقِيقَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَيْهِ تِلْكَ الْعِبَارَةُ تَعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ اعْتِرَاضِهَا عَمَى الْبَصِيرَةِ وَالِارْتِبَاك فِي مُهَاوِي الْهَذَيَانِ وَالْحِيرَةِ الْمَوْضِعُ الثَّامِنُ ثُمَّ قَالَ اعْتِرَاضًا عَلَيَّ وَمِمَّا قَالَ الْمُتَجَلِّي مِنْ الْفُرُوقِ إنَّ مَسْأَلَةَ هِبَةِ الْمَدِينِ حَيْثُ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ فِيهَا خِلَافٌ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَاءِ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ فِيهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَى أَنْ قَالَ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَأْتِي الذَّمُّ بِبُطْلَانِ الصَّدَقَةِ مَعَ الْخِلَافِ فِي حُرْمَتِهَا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ إعْطَاءِ الْمَسْأَلَةِ حَقِّهَا مِنْ التَّأَمُّلِ. فَإِنَّ النَّوَوِيَّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ رَفَعَ الْخِلَافَ بِحَمَلَةِ الْإِطْلَاقَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّ حَاصِلَهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّحْرِيمِ حَيْثُ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ كَمَا أَنَّ حَاصِلَهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْجَوَازِ فِيمَنْ يَرْجُو الْوَفَاءَ فَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي مَسْأَلَةِ هِبَةِ الْمَدِينِ الَّذِي يَرْجُو الْوَفَاءَ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ. اهـ. لَفْظه وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَضَائِحَ تُنَادِي عَلَيْهِ بِالْغَبَاوَةِ وَعَدَمِ الْفَهْمِ وَالْجَهْلِ بِاصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَمَدْلُولِ عِبَارَاتهمْ أَمَّا أَوَّلًا فَقَوْلُهُ عَنِّي إنِّي قُلْت مُجْمَعٌ افْتِرَاءٌ وَجَهْلٌ وَعِبَارَتِي اتَّفَقُوا عَلَى الْحُرْمَةِ فِي الْمَاءِ دُونَ الصَّدَقَةِ فِي مَوْضِعٍ وَفِي آخَرَ لَا خِلَافَ وَفِي آخَرَ مَجْزُومٌ بِهِ وَشَتَّانَ بَيْن اتَّفَقُوا وَهَذَا مَجْزُومٌ بِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَبَيْنَ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلُ يُقَالُ فِيهَا تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الْمَذْهَبِ لَا غَيْرُ وَأَمَّا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ تُقَالُ فِيمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فَتَحْوِيل هَذَا الْمُعْتَرِضِ عِبَارَتِي مِنْ اتَّفَقُوا أَوْ لَا خِلَافَ فِيهِ أَوَمَجْزُومٌ بِهِ إلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مِمَّا قَضَى عَلَيْهِ بِجَهْلِ اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ الْفَرْقَ بَيْنَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ مَعَ زَعْمِهِ أَنَّ لَهُ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْفِقْهِ لَا غَيْرُ نَحْوَ خَمْسِينَ سَنَةً حَقِيقٌ أَنْ لَا يُقَالَ لَهُ مَا أَحَقَّك بِأَنَّك رَاكِبٌ مَتْنَ عَمْيَاءَ وَخَابِطٌ خَبْطَ عَشْوَاءَ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ قَيْسِ بْنِ الْحَطِيم وَدَاءُ النُّوكِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ وَقَوْلَ الْعَضُدِ لَيْسَ لِمَرَضِ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ مِنْ شِفَاءٍ وَأَمَّا ثَانِيًا فَقَوْلُهُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ صَدَرَ إلَخْ هُوَ مِنْ قَبِيحِ غَبَاوَتِهِ

стр. 596

إذْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَا كَلَامَ الْأَصْحَابِ وَلَا حَامَ حَوْلَهُمَا بِوَجْهٍ وَلَعَمْرِي إنَّ مَنْ تَرَدَّى إلَى هَذِهِ الْهُوَّةِ مِنْ التَّحْرِيفِ وَسُوءِ الْفَهْمِ فَحَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُجَاوِبَ وَلَا يُخَاطِبَ إذْ مُخَاطَبَةُ مِثْلِ هَذَا الْبَلِيدِ تُؤَدِّي إلَى مَا يُظْلِمُ الْقَلْبَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي رَدْعِهِ وَزَجْرِهِ مِنْ السَّبِّ لَكِنْ أَلْجَأَهُ إلَى ذَلِكَ طَعَامُ أَحَدِ قِرَابِهِ حَتَّى خَرَجَ عَنْ طُورِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَرْتَبَتِهِ وَقَدْرِهِ وَلَمْ يَرَ فَوْقَهُ أَحَدًا فَوَقَعَ فِي الدَّاهِيَةِ الدَّهْيَا وَالْحَمَاقَةِ الْعُظْمَى كَيْفَ وَهُوَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الَّذِي فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَضْلًا عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ وَكَأَنَّهُ مَا رَأَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ الْمُصَرِّحِ بِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو وَفَاءَهُ وَعِبَارَتُهُ قُلْتُ الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ لِدَيْنٍ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً انْتَهَتْ فَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِوُجُودِ الْخِلَافِ بَلْ وَتُقَوِّيه فِيمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ وَبِهَذَا يَزْدَادُ تَعَجُّبُك مِنْ قَوْلِهِ فَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي هَذَا الْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ. اهـ. وَحِينَئِذٍ فَقُلْ لَهُ أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَك بِسُوءِ تَصَرُّفِك وَفَهْمِك كَيْفَ مَسْأَلَةٌ صَرِيحَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ لَمْ تَرَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ هَلْ هَذَا إلَّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْسَاك الْعِلْمَ لِيُحِقَّ عَلَيْك كَلِمَةَ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْحِلْمِ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِشَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَهُوَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بَلَادَتِهِ وَعَدَمِ فَهْمِهِ لِعِبَارَتِهِ وَقَدْ ذَكَرْتهَا فِي الْقُرَّةِ وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ لَمَّا حَكَى فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حُرْمَةَ التَّصَدُّقِ مِمَّا يَحْتَاجُهُ لِوَفَائِهِ وَكَرَاهَتِهِ عَنْ آخَرِينَ وَعَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ عَنْ آخَرِينَ قَالَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَا بَأْسَ بِالصَّدَقَةِ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيل يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ الْمُطْلَقِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ فَرْضَهُ الْحُرْمَةَ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ الْمُسْتَلْزِم أَنَّهُ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ ثُمَّ الْكَرَاهَة وَعَدَم الِاسْتِحْبَابِ فِي ذَلِكَ تَجِدُ عِبَارَتَهُ فِي أَنَّ كَثِيرِينَ قَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّصَدُّق مِمَّا يَحْتَاجُهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْقَائِلُونَ بِمُقَابِلِ الْأَصَحِّ الْمَذْكُورِ فِي عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ وَالْمُخْتَارُ إلَخْ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَة إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِينَ مِمَّنْ أَطْلَقَ الْحُرْمَةَ أَوْ عَدَمَهَا فَهَذَانِ الْإِطْلَاقَانِ عَلَى الْحَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ الْمُطْلَقُ فَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْمُطْلِقِينَ غَيْر الْمَذْكُورِينَ لَا إلَى الْمَذْكُورِينَ لِأَنَّهُمْ مُقَيِّدُونَ لَا مُطْلِقُونَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ فَرَضَ الْحُرْمَةَ فِيمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ مُقَابِلِهَا بِذَلِكَ أَيْضًا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُقَابِلًا عَلَى أَنَّ قَوْلَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِلَّا فَلَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ غَلَبَةِ ظَنِّ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بِهِ بَأْس أَوْ لَا يُسْتَحَبُّ وَالْأَخِيرُ وَاضِحٌ وَأَمَّا بِهِ بَأْسٌ فَكَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَحِينَئِذٍ يَزْدَادُ تَعَجُّبُك مِنْ افْتِرَاءِ هَذَا الْبَلِيدِ وَتَقَوُّلِهِ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِقَوْلِهِ حَاصِلُهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّحْرِيمِ حَيْثُ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ أَنْ يَصِلَ التَّهَوُّرُ وَالِافْتِرَاءُ بِصَاحِبِهِ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُجَازَفَةِ كَيْفَ وَهُوَ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا أَنَّهُ نَفَى لِمَاذَا وَهُوَ مَعْذُورٌ فَإِنَّهُ عَامِّيٌّ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِأَنْوَاعِهَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَة شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَرْجُو الْوَفَاءَ وَلَا عَدَمَهُ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا هُوَ لَازِمٌ لِقَوْلِهِ يَحْتَاجُهُ لِوَفَائِهِ كَمَا قَدَّمْته ثُمَّ وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِقَوْلِهِ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَبِقَوْلِهِ وَإِلَّا أَيْ وَإِلَّا يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ وَهُوَ صَادِقٌ بِرَجَاءِ الْوَفَاءِ بِلَا غَلَبَةٍ وَعَدَمُ رَجَائِهِ أَصْلًا لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا صَادِق بِالْجَوَازِ وَالْحُرْمَةِ كَمَا قَرَّرْته وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ تَعَرُّضٌ لِمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ فَضْلًا عَنْ حِكَايَةِ الِاتِّفَاق عَلَى الْحُرْمَةِ فِيهِ فَبَانَ أَنَّ قَوْلَ هَذَا الْبَلِيدِ حَاصِلُهُ أَيْ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّحْرِيمِ حَيْثُ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ حَاصِلٌ مُنْهَدِمٌ عَلَى رَأْسِهِ مُؤْذِنٌ بِعَقْرِهِ مِنْ الْعِلْم وَنَفْسه هُدَانَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ لِطَاعَتِهِ الْمَوْضِعُ التَّاسِعُ قَوْلُهُ وَقَدْ فَسَّرَ الْأَصْحَابُ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي نَصِّ الْأُمِّ فِي الْجِزْيَةِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَلَازَمُوا بَيْنَ الْحُرْمَة وَالْبُطْلَانِ حَيْثُ وَجَدَ التَّحْرِيم فَهَذَا نَصٌّ مِنْ الْأَصْحَاب عَلَى أَنَّهُ حَيْثُ حَرَّمَ تَصَرُّف الْمُفْلِسِ كَمَا فِي صُورَةِ تَبَرُّعِ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ فَتَبَرُّعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ. اهـ. وَهَذَا كَلَامٌ رُدِئَ مَبْنِيُّ عَلَى فَسَادِ التَّصَوُّرِ وَالتَّحَيُّلِ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ إذَا فَسَّرُوا نَصًّا فِي مَوْضِعٍ بِشَيْءٍ يُخَالِفُ مَدْلُولَهُ كَيْفَ يُقْضَى بِهِ عَلَى سَائِرِ الْمَوَاضِعِ

стр. 597

ثُمَّ يُسْتَنْتَجُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَازَمُوا بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْبُطْلَانِ حَيْثُ وُجِدَ التَّحْرِيمُ وَهُوَ كَذِبٌ صَرِيحٌ وَتَقَوُّلٌ قَبِيحٌ وَكَيْفَ نَقُولُ ذَلِكَ وَهُمْ قَسَمُوا الْبُيُوعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا إلَى بَاطِلٍ وَصَحِيحٍ وَكَذَا سَائِرُ الْعُقُودِ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ فَضْلًا عَنْ فَضْلٍ أَزْيَدَ عَنْ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ فَهِيَ مُلَازَمَةٌ بَاطِلَةٌ مُسْتَنْتَجَةٌ مِنْ مُقَدِّمَةٍ بَاطِلَةٍ وَإِنَّمَا تَكَلَّمْت عَلَى قَوْلِهِ وَقَدْ فَسَّرَ الْأَصْحَابُ عَدَم الْجَوَازِ إلَخْ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ ثُمَّ رَأَيْته بَعْدَ ذَلِكَ سَاقَ النَّصَّ الْمَذْكُورَ وَمَا ذَكَرَهُ وَلَيْسَ فِيهِ تَعْبِيرٌ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ كَذِبٌ مَحْضُ وَبُهْتَانٌ عَمْدٌ وَكَأَنَّ هَذَا الشَّقِيَّ ظَنَّ أَنَّ كِتَابَهُ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ السَّفَاهَةِ وَالْفُحْشِ لَا أَنْظُر فِيهِ فَيَتِمُّ تَرْوِيجُهُ عَلَى طُغَامِهِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ نَظَرْتُ فِيهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَى تِلْكَ السَّفَاهَةِ وَالْحَمَاقَة لِأُبَيِّنَ كَذِبَهُ الشَّنِيعَ وَبُهْتَانَهُ الْفَظِيعَ وَغَايَةُ ذَلِكَ النَّصِّ أَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ رَفْعَ الْمُفْلِسِ إلَى الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَيُعَارِضُ تِلْكَ النُّصُوصَ الْآتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَلَا مُعَارَضَةَ لِأَنَّ مَا فِي الْجِزْيَةِ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ هَذَا الْجَاهِلُ الْمُفْتَرِي قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ كَانَ الْجَهْلُ ظِلَّهُ وَمَقِيلَهُ وَتَأَمَّلْ جَرَاءَتَهُ وَمُهَاجَمَتَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مَعَ الصِّحَّةِ فَهُوَ مُحَرِّفٌ لِلنُّصُوصِ وَمُغَلِّطٌ لِلْأَصْحَابِ تَجِدُهُ كَالْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الْخِطَابَ وَلَا يُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ كَيْفَ وَسَبَبُ التَّحْرِيفِ وَالتَّغْلِيطِ الْأَخْذُ بِمَدْلُولِ كَلَامِهِمْ وَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَاز عَدَمُ الصِّحَّةِ كَمَا هُوَ بَدِيهِيُّ التَّعَقُّلِ وَنَصُّ الْإِدْرَاكِ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَا يُنْسَبُ لِذَلِكَ مَنْ اسْتَنْتَجَ مِنْ تَأْوِيلٍ مُتَعَيِّنٍ فِي مَحَلٍّ لِدَاعٍ دَعَا إلَيْهِ أَنَّ جَمِيعَ النُّصُوصِ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ حَيْثُ وُجِدَ التَّحْرِيمُ فَهَذَا الْمُتَقَوِّلُ الْمُخَلِّطُ الَّذِي لَا يَرْعَى لِحَقٍّ وَلَا يَهْتَدِي بِصَوَابٍ هُوَ الْمُحَرِّفُ الْمُغَلِّطُ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ تِلْكَ النُّصُوصَ وَمَا جُمْلَتُهَا عَلَيْهِ قَوْلُ الْأُمِّ فِي الرَّهْنِ وَلَوْ كَانَ رَهَنَهُ إيَّاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ وَلَدَتْ لَهُ وَلَا مَالَ لَهُ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَعَتَقَ مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ عَتَقَ إلَخْ فَعُلِمَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِتِلْكَ النُّصُوصِ فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ وَغَيْرِهِ مَعَ إحَاطَةِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ وَمِمَّا يَزْدَادُ عَجَبُك مِنْهُ أَنَّهُ لَمَّا سَاقَ نُصُوصَ الْأُمِّ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْقُرَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَصَرُّفِ الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَلَوْ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْقَاضِي وَصَلَهُ أَنْ يُعَارِضَهَا بِنَصِّ الْأُمِّ فِي الْجِزْيَةِ وَلَفْظُهُ إذْ أُعْسِرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْجِزْيَةِ فَالسُّلْطَانُ غَرِيمٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّ فَلَسَهُ لِأَهْلِ دَيْنِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ جِزْيَتِهِ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَوْلِ وَإِنْ قَضَاهُ الْجِزْيَةَ دُونَ الْغُرَمَاءِ كَانَ لَهُ مَا لَمْ يَسْتَعْدِ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَإِذَا اسْتَعْدَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جِزْيَتَهُ دُونَهُمْ لِأَنَّ عَلَيْهِ حِينَ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ إنْ بَقِيَ مَا لَهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ بَيَّنَ بَيِّنَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ يُقِرّ وَاسَتَعْدَى عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَخْذُ جِزْيَتِهِ دُونَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ حِينَ أَخَذَ جِزْيَتَهُ. اهـ. فَانْظُرْ حَتَّى تَعْلَمَ كَذِبَهُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى هَذَا النَّصِّ أَنَّ فِيهِ عَدَمَ الْجَوَازِ وَإِلَى الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ سُبْحَانك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ وَرَقَاتٍ وَهَذَا نَصُّ الْأُمِّ فِي الْجِزْيَةِ مُصَرِّحٌ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي كِتَابِهِ مِنْهَا قَوْلُهُ أَيْضًا وَقَدْ فَسَّرَ الْأَصْحَابُ نَصَّهُ فِي الْجِزْيَةِ السَّابِقِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا عَدَمُ الْجَوَازِ وَكُلُّهُ كَذِبٌ صُرَاحٌ كَمَا عَرَفْت مِنْ سَوْقِ لَفْظِ النَّصّ بِحُرُوفِهِ الَّتِي سَاقَهَا هُوَ نَفْسُهُ عَنْ تَوَسُّطِ الْأَذْرَعِيِّ وَتَأَمَّلْ مُعَارَضَتَهُ لِتِلْكَ النُّصُوصِ بِهَذَا النَّصِّ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ وَلِهَذَا أَعْرَضَ الْجُمْهُورُ عَنْ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ وَأَوَّلُوهُ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَهْتَدِي لِمَا يَقُولُ أَصْلًا وَلِهَذَا الْإِعْرَاض قَطَعَ فِي الرَّوْضَة بِمُقَابِلِهِ فَقَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِتْقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ يَفْتَقِرُ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَطْعًا وَاعْتَرَضَ قَطْعَهُ بِأَنَّ فِيهِ وَجْهًا وَهُوَ اعْتِرَاضٌ سَهْلٌ لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُنَزَّلُ الْوَجْهُ لِشُذُوذِهِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ فَيُقْطَعُ بِمُقَابِلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهِ الْمَوْضِعُ الْعَاشِرُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيَّ فِي نَقْلِي لِلْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ أَحْكَامِهِمْ

стр. 598

وَنِسْبَتِهَا إلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عَلَى مَا نَقَلُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ إلَى مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ بِمُرَاجَعَةِ الرَّاسِخِينَ فِي قَوَاعِدِهِمْ فَلَعَلَّ لِإِمَامِهِمْ رِوَايَتَيْنِ. اهـ. وَهَذَا مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَاخْتِلَاطِ الْمَأْخَذِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ نَقْلِ الْمَذَاهِبِ وَمَقَامِ الْعَمَلِ أَوْ الْإِفْتَاءِ بِهَا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الثَّانِي وَاَلَّذِي وَقَعَ إنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ لَكِنْ لِمَزِيدِ اخْتِلَاطِ عَقْلِهِ لَمْ يَعْرِفْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ بَلْ سَوَّى بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ لَا يَجُوز أَخْذُ أَحْكَامِهِمْ وَنِسْبَتِهَا إلَيْهِمْ إلَخْ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ تَهَوُّرِهِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَتَقَوُّلِهِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا وَرَاءَهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ فِي كُتُبِهِمْ كَالسُّبْكِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَبْلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَحْكُونَ الْخِلَافَ الْعَالِي بِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَعْتَمِدُونَ فِي نَقْلِهِمْ نَقْلَهُ وَحِكَايَتَهُ عَلَى كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ الْمُدَوَّنَةَ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الثَّلَاثَةِ النُّصُوص بِالْجَوَازِ وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْجَائِزِ بِالنَّافِذِ الْمُحَرَّمِ إذْ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْمُحَرَّمِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْجَائِزِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِغَيْرِ مُطَابِقٍ وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ فِي الْأَوَّلِ بِالْجَوَازِ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا قَالَ جَائِزٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْفِعْلَ إذَا عُدِّيَ بِغَيْرِ مَا يَتَعَدَّى بِهِ ضُمِّنَ فِعْلًا آخَرَ يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْحَرْفَ الْمُعَدَّى بِهِ أَوْ أَوَّلَ ذَلِكَ الْحَرْفَ بِحَرْفٍ آخَرَ يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَهَذَا مُتَعَذِّرٌ هُنَا فَتَعَيَّنْ الْأَوَّلُ وَحِينَئِذٍ فَتَعْدِيَةُ جَائِزٍ بِعَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا بَقَاءُ جَائِز عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْمُبَاحُ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ بِنَافِذِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَدَّى بِعَلَى فَبَطَلَ زَعْمُهُ بَقَاء الْجَوَازِ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ مَعْذُورٌ فَإِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُتَعَدِّي وَالتَّضْمِينِ وَيُؤْخَذُ مِنْ بَلَاغَةِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَنَفْعنَا بِهِ الْبَالِغِ فِيهَا الْمَبْلَغَ الَّذِي لَا يُشِقُّ غُبَارُهُ وَلَا يُخْشَى عِثَارُهُ أَنَّ مُغَايَرَتَهُ بَيْنَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فِي النَّصِّ الْأَوَّلِ بِتَعْدِيَتِهِ بِعَلَى وَالْفِعْلَيْنِ فِي النَّصَّيْنِ الْآخَرَيْنِ بِتَعْدِيَتِهِمَا بِلَهُ أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ بِالنُّفُوذِ تَارَةً وَبِالْجَوَازِ أُخْرَى إلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْحَجْرِ يَنْفُذُ مُطْلَقًا جَازَ أَوْ حَرُمَ وَهِيَ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَنْقَادُ لِفَهْمِهَا ذِهْنُ مِثْلِ هَذَا الْجَاهِلِ بِفَنِّ الْبَلَاغَةِ عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا لَهُ أَنَّ الْجَوَازَ عُدِّيَ بِاللَّامِ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا كَانَ الْمَعْنَى النُّفُوذَ أَيْضًا وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْجَوَازِ حَقِيقَتُهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ فَرْضِ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمُفْلِسَ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً وَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ فَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَأَمَّا إذَا حَمَلْنَا الْجَوَازَ عَلَى النُّفُوذ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ وَمَنْ حَرُمَ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي الْعُمُومِ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالتَّشَهِّي وَالْهَذَيَانِ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَرِضَ قَدَّمَ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ اعْتِرَاضَ هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ بِنَصِّ الْجِزْيَةِ وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ مُطْلَقُ النُّفُوذِ إذْ هَذَا هُوَ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ النُّصُوصِ كَمَا ذَكَرَهُ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ فَلَا يَتَأَتَّى اعْتِرَاضُ تِلْكَ النُّصُوصِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ تَسْتَلْزِمُ أَنَّ لَهُ جِهَةً ظَاهِرَةً فَلَا يَكُونُ مُفْلِسًا وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يَقُولُ مُفْلِسًا كَانَ أَوْ غَيْر مُفْلِسِ فَاتَّضَحَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ وَقَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْجَائِز بِالنَّافِذِ الْمُحَرَّمِ إلَخْ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِقَاعِدَةِ الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ وَبَيَانُهُ يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ النُّفُوذَ وَلَا عَكْسَ فَالنُّفُوذُ وَلَا عُكِسَ فَالنُّفُوذ أَعَمُّ مُطْلَقًا وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَإِذَا فَسَّرْنَا بِالنَّافِذِ شَمِلَ الْجَائِزَ وَغَيْرَهُ فَبَطَلَ قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْجَائِزِ بِالنَّافِذِ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّهُ لَا يُفَسِّرُهُ بِذَلِكَ إلَّا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي عَدَمِ فَهْمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَادَّتَيْ التَّضَادّ وَالْعُمُومِ وَلَوْلَا جَهْلُهُ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ يُورِدُ عَلَيْنَا الضِّدَّ مَعَ أَنَّا إنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بِالْأَعَمِّ مُطْلَقًا وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا لَكِنْ مَنْ لَا ذَوْقَ لَهُ يُورِدُ مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْيَاءٍ مِنْ الْكَذِبِ وَعَارُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَيْتَهُ فِي كَذِبِهِ اكْتَفَى بِإِيرَادِهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ عَقِبَ قَوْلِهِ وَتَفْسِيرُ الْجَائِزِ إلَخْ وَقَدْ فَسَّرَ الْأَصْحَابُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ فَلَازَمُوا بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَعَدَمِ النُّفُوذِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ تَبَرُّعَ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ فَسَرُّوا عَدَمَ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ إمَامهمْ بِعَدَمِ النُّفُوذِ فَهَذَا نَصٌّ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ حَيْثُ حَرُمَ تَصَرُّفُ الْمَدِينِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فَارْفَعْ يَدَك فَقَدْ لَاحَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَالْأَصْحَابِ انْتَهَى وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا كَلَامٌ كَذِبٌ وَأَنَّ الْمُلَازَمَةَ الَّتِي

стр. 599

أَخَذَهَا مِنْهُ بَاطِلَةٌ وَأَنَّ هَذَا الْجَاهِلَ الْغَبِيَّ لَا تَأَمُّلَ لَهُ وَلَا ذَوْقَ وَلَيْتَهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنْ الْبُهْتِ وَالْكَذِبِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَقْبَحُ وَصْفٍ فِي الْإِنْسَانِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ بِالدُّعَاءِ بِهَلَاكِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لِتُنَاسِبَ وَصْفَهُ فَإِنَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ مَضَلَّةٌ لِلنَّاسِ وَأَيُّ مَضَلَّةٍ وَمَزَلَّةٌ لِلضُّعَفَاءِ وَأَيُّ مَزَلَّةِ فَحُقَّ أَنْ يُبْتَهَلَ فِي أَمْرِهِ بِصَلَاحِهِ وَإِلَّا فَبِهَلَاكِهِ فَإِنَّ بَلَدَهُ خَلَتْ عَمَّنْ يَتَأَهَّلُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ فَأَنْشَدَ لِسَانُ الْحَالِ الْأَصْدَقُ مِنْ لِسَانِ الْقَالِ خَلَا لَكِ الْبَرُّ فَبِيضِي وَاصْفَرِي ... وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي لَكِنْ بِحَمْدِ اللَّهِ الْعُلَمَاءُ مَا زَالُوا فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُمْ قَالُهُ أَوْ رُفِعَ إلَيْهِمْ حَالُهُ أَوْضَحُوا مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنْ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ وَالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالشَّقَاوَةِ لِيُحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْ حَالِهِ وَيُنَفِّرُوهُمْ عَنْ قَالِهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ آكَدِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِمْ إذْ لَوْ تَرَكُوا كُلَّ قَائِلٍ وَبَهَّاتٍ فِي غَيِّهِ وَتَزْوِيرِهِ وَعِيِّهِ لَفَسَدَ النِّظَامُ وَتَغَيَّرَتْ الْأَحْكَامُ وَتَطَاوَلَ أَهْل الْفَسَادِ وَأَفْسَدَ النَّاسَ أَهْلُ الْحُمْقِ وَالْعِنَادِ أَبَادَهُمْ اللَّهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَعْصُومُ وَقَضَى بِهِ الْأَمْرُ الْمَحْتُومُ ثُمَّ أَنْشَدَ مُتَبَجِّحًا عَلَى تَرْوِيجِ كَذِبِهِ وَعِنَادِهِ وَمُدَّعِيًا مَرْتَبَةَ كَذِبِهِ فِيهَا قَوَاطِع بَلَادَتِهِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ إصْدَارِهِ وَإِيرَادِهِ وَإِذَا كُنْت بِالْمَدَارِكِ غِرًّا ... ثُمَّ أَبْصَرْت عَارِفًا لَا تُمَارِ وَإِذَا لَمْ تَرَ الْهَلَاكَ فَسَلِّمْ ... لِرِجَالٍ رَأَوْهُ بِالْأَبْصَارِ وَلَقَدْ صَدَقَ فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ غَرِيرُ الْمَدَارِكِ وَغَيْرِهَا وَأَيُّ غَرٍّ بَلْ غَبِيٍّ مِمَّنْ أَبْصَرَ الْعِرْفَانَ وَالْحَقَّ ثُمَّ عَانَدَ وَمَارَى وَكَذَّبَ وَافْتَرَى وَلَمْ يَسْلُكْ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَسْلَكَ نُورٍ قَطُّ وَإِنَّمَا سَلَكَ مَسَالِكَ ظُلْمَةِ الْكَذِبِ وَالشَّطَطِ حَتَّى هَوَتْ بِهِ إلَى مُهَاوِي الْعَنَا وَالْعِنَادِ الْمُوجِبَةِ لِحِرْمَانِ التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ الْمَوْضِعُ الْحَادِيَ عَشَر أَنِّي لَمَّا اعْتَرَضْت نِسْبَته لِابْنِ الرِّفْعَةِ تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّمْلِيكِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ بِأَنَّ نِسْبَةَ الثَّلَاثَةِ الْأُخْرَى إلَيْهِ عَلَى جِهَةِ كَوْنِهِ صَرَّحَ بِهَا لَا يَجُوزُ قَالَ الْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا اتَّحَدَ تَعْلِيلُهُمْ وَلَمْ يُمْكِنْ الْفَرْقُ وَكَانَ فِي قُوَّةِ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ جَازَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ الْبَاطِلَ الْمَبْنِيَّ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ جَهْلِهِ بِالْأُصُولِ جُمْلَةً كَيْفَ وَقَدْ قَالُوا فِي الْمَقِيسِ بِالْأَوْلَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحُوا فِي الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ إلَّا مُقَيَّدًا لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَا يَرَى فَارِقًا فَكَذَا يُقَالُ يَجُوزُ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَوْ سُئِلَ عَنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ لَا يَرَى فَارِقًا كَمَا أَبْدَيْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَتَكَلَّمْت عَلَيْهِ فِي الْقُرَّةِ رَدًّا عَلَى اعْتِرَاضِ ذَلِكَ الْبَلِيدِ عَلَيْهِ فَاتَّضَحَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَذِبٌ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ آخِرًا إنَّ مَالَ الْيَتِيمِ وَضَرْب أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا نَصَّ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى حُرْمَتِهِ لَكِنَّهُ عَامِّيٌّ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ فَلَيْتَهُ لَمْ يَحْضُرْ فِيهَا وَتَأَمَّلَ عَامِّيَّتَهُ الْقَبِيحَةَ فِي قَوْله لَمَّا اتَّحَدَ تَعْلِيلُهُمْ وَالْمُتَعَيِّنُ تَعْلِيلُهَا أَيْ الْمَسَائِلَ وَمَا أَحْسَنَ ذَلِكَ فِي نَحْوِ خَاضِعِينَ وَطَائِفِينَ وَلَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُهُ هُنَا عَلَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْكَلَامُ مَعَ مَنْ يَدْرِي ذَلِكَ أَوْ يَتَأَهَّلُ لِإِدْرَاكِهِ وَأَمَّا مَنْ لَا يَدْرِي ذَلِكَ رَأْسًا فَهُوَ الْقَاعِدُ مَعَ الْمُخَالِفِينَ الْآخِذُ بِحُجْزَةِ الْجَاهِلِينَ الْمَوْضِعُ الثَّانِي عَشَرَ ثُمَّ قَالَ اعْتِرَاضًا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّحْرِيمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فِي النُّفُوذِ فِي الْجَائِزِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَحَكَمَ عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْمُفْلِسِ قَبْل الْحَجْرِ الْجَائِزِ وَالْحُرْمَةُ بِالنُّفُوذِ اتِّفَاقًا. اهـ. وَهَذَا بِكَلَامِ الْمُبَرْسَمِينَ أَشْبَه أَوْجَبَهُ أَنَّهُ تَوَالَتْ عَلَيْهَا ثِقَالُ الْبَرَاهِينِ الْحَقِّيَّةِ حَتَّى كَسَتْ عَقْلَهُ فَشَقْشَقَ بِمُهْمَلَاتِ الْأَلْفَاظِ الْعَامِّيَّةِ وَلَسْت أَنَا الْحَاكِيَ لِلِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْحَاكِي لَهُ الرَّوْضَةُ وَعِبَارَتُهَا وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّف يَفْتَقِرُ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَطْعًا وَعِبَارَةُ أَصْلِهَا لَا شَكَّ أَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ يَفْتَقِرُ إلَى حَجْر الْقَاضِي عَلَيْهِ فَعَدُّوهُمَا مِنْ التَّعْلِيقِ الْمَانِعِ لِلتَّصَرُّفِ بِحَجْرِ الْقَاضِي وَقَطْعًا بِذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعَلُّقَ عَامٌّ لِلْجَائِزِ وَالْمُحَرَّمِ فَيَكُونُ الْقَطْعُ فِيهِمَا وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا دَخَلَتْ فِي خِلَالِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ كَانَتْ مَنْقُولَةً وَكَأَنَّهُ

стр. 600

تَوَهَّمَ مَا قَالَهُ مِنْ اعْتِرَاضِ جَمْعٍ لِقَطْعِ الرَّوْضَة بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا أَوْ وَجْهًا بِعَدَمِ النُّفُوذِ وَلَوْ قَبْلَ الْحَجْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْ الْوَجْهَ يُبْطِلُ قَوْلَهُ وَكَبْسهَا فِي مَحَلِّ الِاتِّفَاقِ عَلَى النُّفُوذِ فِي الْجَائِزِ فَقَوْلُهُ الْخِلَافُ فِي النُّفُوذِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْرِيمِ وَالِاتِّفَاقُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَوَازِ مِنْ السَّفْسَافِ الَّذِي سَوَّلَ لَهُ عَقْلُهُ الْقَاصِرُ أَنَّهُ شَيْءٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ عَلَى أَنَّ مَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ رَآهُمَا لَا سِيَّمَا النَّوَوِيَّ يَقْطَعَانِ كَثِيرًا بِالْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ إشَارَةً إلَى فَسَادِ مُدْرَكِهِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ شُذُوذِ نَقْلِهِ فَاعْتِرَاضُهُ عَلَى قَطْعِهِمَا هُنَا سَاقِطٌ لِمَا ذَكَرْته الْمَوْضِعُ الثَّالِثَ عَشَرَ ثُمَّ كَرَّرَ مَا مَرَّ مِنْ زَعْمِ مُخَالَفَةِ مَا فِي كِتَابِي الْقُرَّةِ لِمَا فِي شَرْحِي عَلَى الْإِرْشَادِ فَقَالَ إنْ اعْتَمَدَ الْأَوَّلَ كَشَطَ مَا فِي الثَّانِي أَوْ الثَّانِيَ رَجَعَ عَنْ الْأَوَّلَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خُلُوٌّ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ وَمُصْطَلَحَاتِهِمْ وَمِمَّا وَقَعَ لَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ كَيْفَ وَابْنُ الرِّفْعَةِ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ شَيْئًا فِي الْكِفَايَةِ وَيَرْجِعُ عَنْهُ فِي الْمَطْلَبِ وَيَبْقَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَسَائِرُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَكِنْ مَنْ عَمِيَتْ عَلَيْهِ طُرُقُ الْهُدَى يَقُولُ مَا شَاءَ كَيْف وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ إنَّمَا هُوَ قَصْر بَحْث ابْنِ الرِّفْعَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَا تُمْلَكُ حَيْثُ حُرِّمَتْ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ عُقُودِ التَّبَرُّعِ وَفَرَّقْت بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرهَا بِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْكَبِيرَ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ اعْتِرَاضَ تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ أَصْلِهِ فَهُوَ الْجَاهِلُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ أَحَدُهُمَا قَصْرُ تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ كَمَا قَصَرَهُ هُوَ عَلَيْهَا وَبَيَانُ سَبَب ذَلِكَ ثَانِيهِمَا مُنَازَعَتُهُ فِي أَصْلِ التَّخْرِيجِ الَّذِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْأَوَّلِ وَاَلَّذِي فِي الْقُرَّةِ الثَّانِي وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُبْطِلُ زَعْمَ هَذَا الْمُفْتِي أَنَّ اعْتِمَادَ الْأَوَّلِ يَسْتَلْزِمُ كَشْطَ الثَّانِي وَاعْتِمَادَ الثَّانِي يَسْتَلْزِمُ الرُّجُوعَ عَنْ الْأَوَّلِ وَلَقَدْ وَقَعَ لِابْنِ الرِّفْعَةِ نَفْسِهِ أَنَّهُ فِي الْغَصْبِ مِنْ الْكِفَايَةِ خَرَّجَ تَخْرِيجًا ثُمَّ رَدَّهُ فِي الْمَطْلَبِ وَأَبْقَى كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَبِفَرْضِ مَا افْتَرَاهُ لَا يَلْزَمُ كَشْطٌ وَلَا رُجُوعٌ الْمَوْضِعُ الرَّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ قَالَ رَدُّهُ لِدَعْوَايَ فِي الْقُرَّةِ تَرَادُفُ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ وَالْمُفْلِسَ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ فَعُمُومُ الْمُفْلِسُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ يَرْجُو الْوَفَاءَ وَقَدْ لَا يَرْجُوهُ وَخُصُوصُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ مَالِهِ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ وَعُمُومُ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِ مَالِهِ مُسَاوِيًا لِدَيْنِهِ أَوْ أَقَلَّ وَخُصُوصُهُ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ رَجَائِهِ. اهـ. وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنِّي لَمْ أَدَّعِ التَّرَادُفَ بَيْنَ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ وَمُطْلَقِ الْمُفْلِسِ خِلَافًا لِمَا وَهِمَ فِيهِ هَذَا الْمُفْتِي بَلْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْمُفْلِسِ الَّذِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ الثَّانِي أَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ الْعُمُومِ مِنْ وَجْهِ أَخْذِهِ مِنْ قَوْلِي فِي الْقُرَّةِ فَإِنْ قُلْتَ لَا أُسَلِّمُ تَرَادُفَهُمَا لِأَنَّ مَنْ لَا يَرْجُو وَفَاءً إلَخْ ثُمَّ رَدَدْته بِمَا إذَا وَقَفْت عَلَيْهِ وَتَأَمَّلْته بَانَ لَك بُطْلَانُ مَا تَلَقَّفَهُ شِرَاء الْمُفْتِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَصِرَ لَهُ بِمُجَرَّدِ هَوَاهُ وَحَدْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِكَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ الْأَصْحَابِ وَلَا بِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا أَشَارَ إلَيْهِ غَيْرُهُ فَتَلَقَّفَهُ وَنَسَبَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخِيط حَوْرَةً عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ سَلَكَ ذَلِكَ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُرَادَ بِمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ بِتَبَرُّعِهِ وَإِنَّمَا فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ فَالْمُفْلِسُ قَدْ يَرْجُو الْوَفَاءَ فَيَجُوزُ تَبَرُّعُهُ فَقَوْلُهُمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَالَهُ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا يَجِبُ تَقْيِيدُ التَّبَرُّعِ بِالْجَائِزِ وَوُجُوب هَذَا التَّقْيِيدِ مِنْ خُرَافَاته السَّابِق رَدُّهَا عَلَيْهِ فِي الْقُرَّةِ وَفِي هَذَا الْكِتَابِ الْمَرَّةَ بَعْد الْمَرَّةِ الْمَوْضِعُ الْخَامِسَ عَشَرَ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ التَّرَادُفِ بِتَقْيِيدِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْقُرَّةِ بِمَا يَقْضِي لِمَقَالَتِهِ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُدْرِكْ تَحْقِيقَهُ كَيْفَ وَهُوَ يَتَلَقَّفُ أَنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمُرَادَ بِهِ حَتَّى فَتَحْت لَهُ سَبِيلَهُ بِالِاسْتِنْبَاطِ الْوَاضِح مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَاسْتَفَادَهُ ثُمَّ أَظْهَرَ مُكَابَرَةً فِي بَعْضِهِ بِمَا يَقْضِي مِنْهُ الْمُتَأَمِّلُ الْعَجَبَ الْعُجَابَ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ عَلَى مَنْ عَمِيَتْ عَلَيْهِ طُرُقُ الْهُدَى فَسَلَكَ سُنَنَ الضَّلَالِ وَالِاعْتِدَاءِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنِّي لَمَّا اسْتَنْبَطْتُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهَا حَالًّا فِي الْحَالِّ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجْلِ فِي الْمُؤَجَّلِ قَالَ اعْتِرَاضًا عَلَى مِثْلِ هَذَا وَحَيْثُ اشْتَرَطَ الْحُلُولَ فِي الْحَالِّ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ عَلَى مَلِيٍّ بَاذِلٍ حَاضِرٍ
следующие страницы →