← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ تَوَهَّمَ أَنْ الْعَبَّادِيَّ يَقُول: أَنَّ ثُمَّ وَالْوَاو سَوَاء مُطْلَقًا قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا قَالَهُ فِيهَا إذَا أَضَافَ إلَى ثُمَّ بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي وَوَجْهُهُ أَنَّ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَبَطْنًا بَعْد بَطْنٍ يَقْتَضِي الْجَمِيعَ فَلَوْ قُلْنَا بِظَاهِرِهِمَا لَأَبْطَلْنَا اللَّفْظَ؛ لِلتَّنَاقُضِ فَاحْتَاجَ لِطَرِيقٍ تُصَحِّحهُ هِيَ أَنَّ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ لِلْجَمْعِ لُغَةً فَنَقَلَ الْكَلَام مِنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ بِقَرِينَةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَإِنَّ الْبَغَوِيَّ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا إلَّا فِيمَا تَنَاسَلُوا سَوَاء أَضَمَّ إلَيْهَا بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ أَمْ لَا أَمَّا فِي صُورَةِ إفْرَاد بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ فَلَمْ يَذْكُرهَا ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَاب قَوْلُ الْقَاضِي لَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ تَعَاقَبُوا فَهَذَا وَقْفٌ مُرَتَّبُ الِابْتِدَاءِ لَا الِانْتِهَاءِ وَمَعْنَى التَّرْتِيبِ فِي بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لِأَحَدٍ مِنْ الطَّبَقَةِ السُّفْلَى شَيْءٌ حَتَّى يَنْقَرِضَ جَمِيعُ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا وَمَعْنَى التَّرْتِيبِ فِي ثُمَّ كَذَلِكَ عِنْد الْإِطْلَاقِ وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِهَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ مِنْ أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ قَرَائِن تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ حَجْبُ كُلِّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ فَيَعْمَل بِهَا الثَّالِثُ مَا حَاوَلَهُ مِنْ التَّخْرِيجِ يُوهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي بَيْن مَسْأَلَةِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ الْفُقَرَاء وَبَيْن مَسْأَلَة الْأَوْلَاد ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَقَدْ اغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَأَفْتَى فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ يَنْتَقِل نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَمَاتَ وَاحِدٌ عَنْ وَلَدٍ فَأَفْتَى أَنَّ نَصِيبَهُ لِوَلَدِهِ، وَهَذَا غَلَط، وَآخِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَوْلَاد وَمَا دَامَ وَاحِد مِنْهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَاد الْأَوْلَاد وَالْمَسْأَلَة إجْمَاعِيَّة وَلَمْ يُخَالِف فِيهَا أَحَدٌ إلَّا مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَام صَاحِب التَّقْرِيب ذَلِكَ وَإِنَّهُ يَصِير مُنْقَطِعَ الْوَسَط الرَّابِعُ: مَا حَاوَلَهُ مِنْ التَّخْرِيج مَنَعَهُ فِي الرَّوْضَة وَفَرَّقَ بِأَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْأَوْلَاد يُسَمَّى أَوْلَادًا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ أَحَد الشَّخْصَيْنِ وَهُوَ فَرْقٌ صَحِيحٌ وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوَى شَيْخِهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِي لَا يَرْجِعُ إلَى الْآخَر عِنْد مَوْت أَحَدِهِمَا بَلْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَاد أَوْلَادِي اهـ. الْخَامِسُ: أَطْلَقُوا أَنَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا حَقِيقَتَهَا فِي اللُّغَة مَعَ التَّرْتِيب وَهُوَ التَّرَاخِي وَالِانْفِصَال، وَقِيَاس ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْف مُنْقَطِعًا فِي لَحْظَة وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِيمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى زَيْد ثُمَّ عَمْرو أَوْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَى زَيْد ثُمَّ عَمْرو اهـ. حَاصِلُ كَلَامِهِ عَلَى عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ الْمَذْكُورَةِ وَمَا ذَكَره فِي مَسْأَلَتِنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهَا شَيْئًا لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إذْ لَوْ رَأَى فِيهَا كَلَامَ مِثْلِ الرُّويَانِيُّ وَوَالِدِهِ السَّابِقِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ وَالْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةُ وَلَمْ يُخَالِف فِيهَا أَحَدٌ إلَّا مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبَعْد أَنْ بَانَ لَك أَنَّ الْقَائِلَ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ فِيهَا مِثْلُ الرُّويَانِيِّ وَوَالِدِهِ فَلَا مُعَوِّل عَلَى مَا ذَكَره حِينَئِذٍ وَلَا نَظَرَ لِقَوْلِهِ: إجْمَاعِيَّةٌ وَلَا إلَى قَوْلِهِ: إلَّا مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيُقَال: لَهُ إنَّمَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْلَمَ لَكَ مَا ذَكَرْتَ أَنْ لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ لَا نَقْلَ فِيهَا مِنْ مِثْل الرُّويَانِيِّ وَوَالِدِهِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا مَرَّ، وَأَمَّا بَعْد أَنْ وُجِدَتْ مَنْقُولَةً وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَلَا مُعَوِّلَ عَلَى غَيْرِ الْمَنْقُولِ فِيهَا ثُمَّ فِي كَلَامِهِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِهَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ مِنْ أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ قَرَائِنُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ حَجْبُ كُلِّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ فَيُعْمَلُ بِهَا ظَاهِرٌ بَلْ صَرِيحٌ فِي الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ الْمُتَبَادِر مِنْهُ فِي مَسْأَلَتنَا الْمُعَيَّن أَنَّ الْمُرَادَ فِيهَا حَجْبُ كُلِّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ لِمَا احْتَفَّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ الْآتِيَةِ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي يَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهَا فِي كَلَام غَيْرِهِ وَأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَتنَا فَلْيُعْلَمْ بُطْلَانَ قَوْلِهِ فِي صُورَةِ الْإِفْتَاءِ الَّتِي ذَكَرهَا فِيمَا مَرَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِمَا قَدَّمَهُ قَبْله بِقَلِيلٍ، فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ لَا يَسْلَم أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ قَرِينَةٌ. (قُلْتُ:) لَا يَسَعُهُ إنْكَارُ ذَلِكَ لِمَا هُوَ جَلِيٌّ مِنْ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَهُ مَفْهُومٌ وَأَنَّ مَفْهُومَهُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ لَكِنْ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ عُرْفُهُمْ يُرَجِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَفْهُومِهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَغْوًا وَبَيَانُهُ أَنَّ صَرِيحَ الْعَطْف بِثُمَّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ شَيْءٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي مَا بَقِيَ أَحَدٌ

стр. 772

مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْجُمْهُورِ فَلَوْ أَلْغَيْنَا مَفْهُومَ هَذَا الشَّرْطِ، وَقُلْنَا: إنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ عَنْ وَلَدٍ يَنْتَقِلُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ دُونَ وَلَدِهِ لَزِمَ إلْغَاءُ هَذَا الشَّرْطِ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِلْغَاءُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْوَاقِفِ مَعَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ وَمَعَ ظُهُورِهِ وَقُرْبِهِ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا مَرَّ أَنَّ أَكْثَر كُتُبِ الْأَوْقَافِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَطْف بِثُمَّ فِي الْمَرَاتِب بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَرْعٌ، وَإِلَّا انْتَقَلَ مَا كَانَ لَهُ لِفَرْعِهِ، وَلَوْ فِي حَيَاةِ مَنْ فِي طَبَقَةِ الْمَيِّتِ وَيُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ عُرْفُ الْوَاقِفِينَ وَتَطَابَقَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ كُتُبِهِمْ فَلْيُعْمَلْ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ فِي مَسْأَلَتنَا الْمُؤَيِّدِ لِذَلِكَ وَيُحْمَلُ الْمُوَثِّقُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ الْمَفْهُوم لِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ السَّابِقَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزَّرْكَشِيّ سَلَّمَ أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تُنَافِي الْعَطْف بِثُمَّ وَنَحْوِهَا عُمِلَ بِتِلْكَ الْقَرِينَةِ وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ تِلْكَ الْقَرِينَةَ فِي مَسْأَلَتنَا مَوْجُودَة كَمَا يَأْتِي بَيَانُهَا بِأَبْسَطَ مِمَّا مَرَّ، وَمَنْ زَعَمَ خِلَافَهُ فَلْيُثْبِتْهُ بِدَلِيلٍ، وَلَا يَظْهَرُ بِهِ فَعُلِمَ أَنَّ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَوَّلًا يَرُدُّ مَا قَالَهُ فِي صُورَةِ الْإِفْتَاءِ الَّتِي ذَكَرهَا آخِرًا وَكَفَى بِهَذَا عَلَى فَرْضِ أَنْ لَا نَقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَكَيْفَ بِهِ مَعَ وُجُودِ النَّقْلِ فِيهَا، وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَقَدْ اغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَأَفْتَى إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ: هَذَا الِاغْتِرَارُ صَحِيحٌ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ مُؤَيِّدٌ لِمَا ذَكَره هَذَا الْبَعْضُ وَأَفْتَى بِهِ الْمَوَاقِفُ لِلْمَنْقُولِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ، وَآخِر كَلَامِ الرَّافِعِيِّ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ مُجَرَّدَ دَعْوَى، وَاَلَّذِي ذَكَره بَعْدُ مُبَايِنٌ لِمَا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ كَانَ نَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ خَاصَّةً وَيُشَارِكُونَ الْبَاقِينَ فِيمَا عَدَا نَصِيبَ أَبِيهِمْ اهـ. وَهَذَا لَيْسَ مُشَابِهًا لِمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ فَكَيْف يَدَّعِي أَنَّهُ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ تَبَايُنِ الصُّورَتَيْنِ؟ ، فَإِنَّ فِي صُورَتِنَا الْعَطْفُ بِثُمَّ وَهَذِهِ فِي الْعَطْف بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِي لِأَخْذِ الْوَلَدِ نَصِيبَ أَبِيهِ وَمُشَارَكَتِهِ الْبَاقِينَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ النَّصِيبِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى الْجَزْمِ بِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّ ظَاهَرَ كَلَام الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَام صَاحِبِ التَّقْرِيبِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَصِيرُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ، مُرَادُهُ بِذَلِكَ مَا قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا حَكَى الْأَئِمَّةُ فِي نَصِيبِهِ وَجْهَيْنِ: أَظْهَرهمَا وَيَحْكِي عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْمَسَاكِينِ انْقِرَاضَهُمَا وَلَمْ يُوجَدْ وَالثَّانِي: عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَيُقَال: صَارَ الْوَقْفُ فِي نَصِيبِ الْمَيِّتِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ اهـ. كَلَامُ الرَّافِعِيِّ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: فِيهِ أَمْرٌ: أَنَّ أَحَدَهُمَا مَا قَالَ إنَّهُ الْقِيَاس وَلَمْ يَذْكُرهُ مَنْقُولًا وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْد ذَلِكَ بِقَلِيلٍ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ صَاحِبِ الْإِقْنَاعِ وَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَا عَزَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْإِفْصَاحِ هُوَ مَا بَحَثَهُ هُنَا وَأَيْضًا فَيَكُونُ لِلطَّبَرِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ ثُمَّ رَأَيْته فِي التَّقْرِيبِ لِابْنِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ احْتِمَالًا لَهُ فَقَالَ: يَحْتَمِل هَذَا وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ لِلْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مَخْرَجًا بَعْد مَوْتِ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْبَاقِينَ وَلَا لِغَيْرِهِمْ، وَالْحُكْمُ فِي حِصَّةِ مَنْ مَاتَ إذَا لَمْ يُبَيِّن مَخْرَجًا كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا مَاتُوا، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَمَنْ قَالَ بِهِ قَالَ: لَوْ جَعَلَهُ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ وَلَهُ عِدَّةُ أَوْلَادٍ فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ تَرْجِعْ حِصَّتُهُ إلَى سَائِرِ الْأَوْلَادِ وَلَا إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَيُرْجَعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ فَإِذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ كُلُّهُمْ عَادَ الْوَقْفُ كُلّه إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى شُرَكَائِهِ فِي الْوَقْفِ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَام الزَّرْكَشِيّ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَام صَاحِبِ التَّقْرِيبِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَصِير مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَرَادَ بِالْإِشَارَةِ فِي ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ غَيْرُهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ وَلَدِ الْوَلَدِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ إذْ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْن اسْتِحْقَاقِ وَلَدِ الْوَلَدِ هُنَا وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بَلْ بَيْنهمَا غَايَةُ التَّنَافِي؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاق الْفَرْع هُنَا يُخْرِجُهُ عَنْ الِانْقِطَاعِ فِي الْوَسَطِ وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ يُحَقِّقُ الِانْقِطَاع فِيهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَ الَّذِي قَالَهُ هُوَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ مَنْ فِي دَرَجَةِ الْمَيِّتِ

стр. 773

دُون وَلَدِهِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ صَاحِب التَّقْرِيبِ فَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا عَلَى ضَعْفِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَلْ شُذُوذِهِ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ ثَمَّ ضَعِيفٌ جِدًّا مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ، وَإِنْ وَافَقَ بَحْثَ الرَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْحَثهُ مُتَعَمِّدًا لَهُ بَلْ مُبَيِّنًا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصُّورَة أَعْنِي مَا إذَا وُقِفَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاء فَمَاتَ أَحَدُهُمَا يُشْبِهُ مُنْقَطِعَ الْوَسْطِ فَيَأْتِي فِيهَا جَمِيعُ الْأَوْجُهِ فِي مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الِانْتِقَالُ إلَى أَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ بَلْ هُوَ أَصَحُّهَا لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْلَم لَهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا انْقِطَاعٌ مُحَقَّقٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الِانْتِقَالِ لِلْمَسَاكِينِ انْقِرَاضَهُمَا جَمِيعًا وَلَمْ يُوجَدْ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ظَهَرَ بِذِكْرِ الزَّرْكَشِيّ لِذَلِكَ أَنَّ مَا صَوَّبَهُ وَغَلَّطَ مَنْ خَالَفَهُ إنَّمَا هُوَ بِنَاءً عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّ فِي صُورَتِهِ انْقِطَاعًا فِي الْوَسَطِ كَمَا فِي صُورَةِ الرَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِمَا ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا انْقِطَاعَ فِي الْوَسَطِ ثَمَّ فَكَذَلِكَ هُنَا بِالْأُولَى عَلَى أَنَّ تَخْرِيجَهُ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ عَجِيبٌ مَعَ قَوْلِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: وَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَام صَاحِبِ التَّقْرِيبِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَصِيرُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ أَنَّ مَا حَاوَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ تَخْرِيجِ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ فَكَيْفَ يُخَرِّجُ هُوَ وَيَذْكُر أَنَّ مَا قَالَهُ وَصَوَّبَهُ هُنَا هُوَ مَا مَرَّ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ فِي تِلْكَ؟ ، فَوَقَعَ فِي مَحْذُورَيْنِ: التَّخْرِيجِ مَعَ وُجُودِ الْفَرْقِ وَالتَّخْرِيجِ عَلَى ضَعِيفٍ فِي تِلْكَ لَا عَلَى الصَّحِيحِ فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفُ مَا صَوَّبَهُ وَفَسَادُ تَغْلِيطِهِ لِغَيْرِهِ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَيْضًا ضَعْفُ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّه عَهْدَهُ تَبَعًا لَهُ كَالسُّبْكِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ابْنَيْنِ وَبِنْتَيْنِ الذُّكْرَانِ كُلٌّ مِنْ أُمٍّ وَالِابْنَتَانِ مِنْ أُمٍّ بَيْنهمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَشَرَط أَنَّ مَنْ مَاتَ بِلَا وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ عَادَ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ ثُمَّ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ لِلْمُتَوَفَّى فَمَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِلَا وَلَدٍ فَانْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِأَخِيهِ وَأُخْتِهِ وَإِحْدَى الْبِنْتَيْنِ بِلَا وَلَدٍ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِنَصِيبِهَا أَخُوهَا أَوْ أُخْتهَا أَوْ يَشْتَرِكَانِ؟ وَإِذَا مَاتَتْ الْأُخْرَى عَنْ أَوْلَادٍ فَهَلْ يَرْجِع نَصِيبُهَا وَنَصِيبُ أُخْتِهَا لِأَوْلَادِهَا وَأَخِيهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ الْأَخُ وَالْأُخْتُ فِيمَا كَانَتْ تَسْتَحِقُّهُ الْأُولَى فَلَا يَرْجِعُ اسْتِحْقَاقُ الثَّانِيَةِ إلَى أَوْلَادِهَا، وَإِنْ أَفْتَى بِهِ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ عِنْد وُجُودِ الْأَوْلَادِ يَكُونُ لِمَنْ فِي دَرَجَةِ الْمُتَوَفَّى وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِأَوْلَادِهِ، بَلْ يَرْجِعَ اسْتِحْقَاقُهَا إلَى أَخِيهَا لَا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ بَلْ لِكَوْنِ الْوَقْفِ صَارَ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَأَخُوهَا أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ اهـ. وَجَرَى عَلَى نَظِيرِ ذَلِكَ فِي أَمَاكِن مِنْ فَتَاوِيهِ وَيُرَدُّ مَا ذَكَره بِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِأَوْلَادِهِ إلَخْ مَمْنُوعٌ بِاعْتِبَارِ مَا مَرَّ وَمَا يَأْتِي وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَهُوَ لَا يَقْتَضِي الِانْقِطَاعَ الَّذِي ذَكَره؛ لِأَنَّا لَا نَبْنِي عِبَارَةَ الْوَاقِفِينَ عَلَى الدَّقَائِقِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، وَإِنَّمَا نُجْرِيهَا عَلَى مَا يَتَبَادَرُ وَيُفْهَمُ مِنْهَا فِي الْعُرْفِ وَعَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَعَادَاتهمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَام الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الْقَرَائِنَ يُعْمَلُ بِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ كَمَا سَيَأْتِي وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي ذَكَره الشَّيْخُ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا أَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ الشَّرْطِ عَادَةً عُرْفًا فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَعْمَلْ بِمَفْهُومِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ عِنْد وُجُودِ الْوَلَد لَا يَرَى صَرْفه لَهُ وَلَا لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا إذَا لَمْ يُعْهَدُ مِنْ أَحَدٍ. ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَقْصِدُونَهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْفَرْعَ يَجُوزُ مَا كَانَ لِأَصْلِهِ وَأَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ بِمَنْ فِي دَرَجَة أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ نَصِيبًا مِنْ الْوَاقِف، وَالْفَرْعُ لَا نَصِيب لَهُ فَيَقْصِد الْوَاقِفُونَ رِفْقَ الْفَرْع بِنَصِيبِ أَصْلِهِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَقْصُودُهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ غَيْرَهُ لِبُعْدِهِ فَلَا مُعَوِّلَ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَظْهَر مَقَاصِدِ اللَّفْظِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ وَقَدْ صَرَّحُوا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي بِأَنَّ أَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ إذَا تَرَدَّدَتْ تُحْمَلُ عَلَى أَظْهَرِ مَعَانِيهَا، وَبِأَنَّ النَّظَر إلَى مَقَاصِد الْوَاقِفِينَ مُعْتَبَر كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ عَنْ الْبَحْرِ: لَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي فَإِذَا انْقَرَضُوا وَأَوْلَادُهُمْ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ

стр. 774

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ لِأَوْلَادِهِمْ شَيْئًا قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُعْتُبِرَ انْقِرَاضُهُمْ بَعْد انْقِرَاضِ وَلَدِهِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: هِيَ مَسْأَلَةٌ حَدَثَتْ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِأَنَّ هَذَا الْوَقْفَ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ فَيُخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مُنْقَطِع الِابْتِدَاءِ مَعْلُومِ الِانْتِهَاءِ، أَحَدُهُمَا يَبْطُلُ، وَالثَّانِي يَصِحُّ وَإِلَى مَنْ يُصْرَفُ بَعْد انْقِرَاضِ الْوَلَدِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ لِأَقْرَب النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ حَتَّى تَنْقَرِضَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ ثُمَّ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي يَنْتَقِلُ الْوَقْفُ إلَى وَلَدِ (الْوَلَدِ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا وَقَدْ ذَكَر الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَات مِنْ الْأُمِّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا شَرَطَ انْقِرَاضَهُمْ؛ لِاسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِمْ قَالَ: أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ وَقُلْت: وَالْمُخْتَارُ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ، وَإِنَّمَا يَجِيء هَذَا غَالِبًا مِنْ الْكَاتِبِ وَالنَّظَرُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ مُعْتَبَرٌ كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَأَوْلَادُهُمْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْأَوَّلِ وَلَدَ الظَّهْرِ خَاصَّةً بَلْ هُوَ وَلَدُ الْوَلَدِ ثُمَّ رَأَيْتُنِي ذَكَرْتُ فِي الْغَنِيَّةِ أَنَّ كَلَامَ الْأَكْثَرِينَ مَائِلٌ إلَى تَرْجِيحِ أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ وَقِيلَ: يُجْعَلُ ذِكْرُهُمْ قَرِينَةً فِي دُخُولِهِمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، إذْ الِانْقِطَاعُ لَا يُقْصَدُ وَلَا حِرْمَانُهُمْ وَإِعْطَاءُ الْفُقَرَاءِ مَعَ بَقَائِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنِّي تَبِعْت فِي ذَلِكَ أَبَا الْحَسَنِ السُّبْكِيّ ﵀ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِابْنِ أَبِي عَصْرُونَ يَعْقُوبَ فَلَهُ مُؤَلَّفٌ حَسَنٌ عَلَى الْمُهَذَّبِ، وَأَمَّا أَبُو سَعِيدٍ فَجَزَمَ فِي مُرْشِدِهِ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ وَكَذَا فِي انْتِصَارِهِ اهـ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ هَذَا غَالِبًا مِنْ الْكَاتِبِ وَقَوْلُهُ: وَالنَّظَرُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ مُعْتَبَرٌ كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ: إنَّ قَوْلَهُ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَأَوْلَادُهُمْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ إلَخْ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَتنَا مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ حِرْمَانَ الْفَرْعِ وَإِعْطَاءَ مَنْ فِي دَرَجَةِ الْأَصْلِ مَعَ وُجُودِ الْفَرْعِ لَا يُقْصَدُ سِيَّمَا مَعَ التَّصْرِيحِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حِرْمَانِ الْفَرْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَيْسَ حِرْمَانُهُ حِينَئِذٍ مِنْ مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَقَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْر وَلَدٍ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَكَانَ مَا قَدَّمْتُهُ فِي مَسْأَلَتنَا مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْعِلَّة وَالْقَرِينَة حَرْفًا بِحَرْفِ، فَإِنْ قُلْت: مَا اخْتَارَهُ وَوَجَّهَهُ بِمَا ذَكَرَ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قُلْت: الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّ الْعِلَلَ الَّتِي ذَكَرهَا يُمْكِن الِاسْتِنَادُ إلَيْهَا وَالتَّعْوِيلُ عَلَيْهَا إذْ الْغَالِبُ فِي الْعِلَلِ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا أَوْ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ضَعْفِ الْحُكْمِ لِمَعْنًى آخَرَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِد ضَعَّفَ عِلَّتَهُ، فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْن مَسْأَلَته وَمَسْأَلَتنَا وَلِمَ كَانَ الصَّحِيحُ خِلَافَ مَا قَالَهُ فِي تِلْكَ مَعَ تَعْلِيله بِمَا ذَكَرَ الَّذِي اسْتَنَدْتُمْ إلَيْهِ فِي مَسْأَلَتكُمْ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ مَسْأَلَتنَا انْضَمَّ إلَى الْقَرِينَة الْحَالِيَّةِ فِيهَا قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ هِيَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا مَسْأَلَتُهُ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ وَهِيَ بِمُجَرَّدِهَا غَيْرُ كَافِيَةٌ، فَإِنْ قُلْت: بَلْ فِي مَسْأَلَتِهِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَيْضًا هِيَ ذِكْرُ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ قُلْتُ: هَذِهِ قَرِينَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُمْ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ لَهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَا بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ وَلَا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ لَا يُلْحِقهُمْ بِذِكْرِ الشَّرْطِ فِي مَسْأَلَتنَا لِأَنَّ مَفْهُومَهُ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ أَنَّ الْأَوْلَادَ يُعْطَوْنَ فَلَا تُقَاسُ إحْدَى الْقَرِينَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَلَيْسَتْ كُلُّ قَرِينَةٍ مُعْتَدًّا بِهَا كَمَا أَشَارَ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ قَوِيَّةٍ لِذَاتِهَا أَوْ لِمَا انْضَمَّ إلَيْهَا. وَمِمَّا يَرُدُّ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا مَا أَفْتَى هُوَ بِهِ فِي رَجُلٍ اسْمُهُ نُورُ الدِّينِ مَلَّكَ أَجْنَبِيًّا أَرْضًا لِيَقِفهَا عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَاده فَلَمَّا مَلَكهَا وَقَفَهَا عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ الْخَمْسَةِ مُحَمَّدٍ وَعِمَادِ الدِّينِ وَنُورِ الدِّينِ وَكَمَالِ الدِّينِ وَبَرَكَةَ وَعَلَى مَنْ سَيَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ الْأَوْلَادِ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ مَثَلًا وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبهمْ مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ وَصَارَ الْوَقْفُ لِأَوْلَادِهِ الْخَمْسَةِ ثُمَّ بَدْرُ الدِّينِ عَنْ وَلَدَيْهِ مُحَمَّدٍ وَفَاطِمَةَ ثُمَّ كَمَالُ الدِّينِ عَنْ بِنْتِهِ أَمَةِ الْخَالِقِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ هَذِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلِعَمِّهَا مُحَمَّدٍ وَلَدَانِ ذَكَرَانِ وَلِعَمِّهَا عِمَادِ الدِّين وَلَدٌ ذَكَرٌ وَلِعَمَّتِهَا بَرَكَةَ وَلَدٌ ذَكَرٌ فَهَلْ تَنْتَقِلُ حِصَّتِهَا لِبَقِيَّةِ أَعْمَامِهَا

стр. 775

الثَّلَاثَةِ أَوْ لِأَوْلَادِهِمْ الْأَرْبَعَةِ أَوْ لِوَلَدَيْ عَمِّهَا بَدْرِ الدِّينِ أَوْ لِأَقْرَب النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ وَهُوَ الرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي جُعِلَ وَاسِطَةً فِي ذَلِكَ أَوْ لِجَمِيعِ الْأَوْلَادِ؟ فَأَجَابَ شَيْخُنَا بِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَصِيرَ حَقُّهَا لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ؛ لِانْقِطَاعِ الْوَقْفِ فِي حِصَّتِهَا عَمَلًا بِقَضِيَّةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي الْأَوْلَادِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ لِمَنْ فِي دَرَجَتهَا وَهُمْ أَوْلَادُ أَعْمَامِهَا تَسْوِيَةً بَيْن الْمُتَعَاطِفِينَ فِي الْمُتَعَلِّقِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ لِاطِّرَادِهِ بَلْ لِلْقَرِينَةِ وَهِيَ الْغَالِبُ وَغَرَضِ الْوَاقِفِ إذْ الْغَالِبُ اتِّصَالُ الْوَقْفِ وَغَرَضُ الْوَاقِفِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنَافِع الْمَوْقُوفِ لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ مَا لَمْ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ ظَاهِرٌ اهـ. فَتَأَمَّلْ كَوْنَهُ جَعَلَ الْغَالِبَ وَهُوَ اتِّصَالُ الْوَقْفِ قَرِينَةً مُرَجِّحَةً، وَكَذَا جَعْلُ غَرَضِ الْوَاقِفِ قَرِينَةً مُرَجِّحَةً، وَإِذَا جُزِمَ بِأَنَّ هَاتَيْنِ قَرِينَتَانِ مُرَجِّحَتَانِ هُنَا مَعَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَمَا يُعْلَم بِتَأَمُّلِهِ فَمَا ظَنُّك بِهِمَا فِي مَسْأَلَتك فَلْيَكُونَا مُرَجِّحَيْنِ فِيهَا بِالْأَوْلَى فَإِنَّ لَفْظَ الْوَاقِفِ فِيهَا لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّتَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُحْتَمَلُ مَا دَلَّتَا عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُمَا فَرَجَّحْنَا بِهِمَا أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْ أَحَدَ الِاحْتِمَالَات، وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: أَحَدُهَا أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ كَمَا قَدَّمْته غَيْرَ مَرَّةٍ، وَفِيهِ أَيْضًا الْفِرَارُ مِنْ الِانْقِطَاعِ الَّذِي هُوَ نَادِرٌ وَغَيْرُ مَقْصُودٍ ثَانِيَهَا: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ تَكُونُ حِصَّتُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَةِ الْمَيِّتِ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ لَا مُخَالَفَةٍ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الِاحْتِمَالِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّل لِاعْتِضَادِهِ بِتَيْنِكَ الْقَرِينَتَيْنِ فَرَجَّحْنَاهُ وَعَمِلْنَا بِعَيْنِ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ، وَإِنَّمَا مَشَى عَلَى مَا مَرَّ تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَهُنَا لَمْ يَتْبَعْ أَحَدًا فَكَانَ مَا قَالَهُ هُنَا مِنْ التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرُهُ الَّذِي هُوَ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَتنَا بِمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ وَالْأَخْذِ بِهِ فِي التَّرْجِيحِ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا مَرَّ عَنْ الْقَفَّالِ مِنْ أَنَّ أَغْرَاضَ الْوَاقِفِينَ مُعْتَبَرَةٌ وَلِمَا مَرَّ مَبْسُوطًا عَنْ الْأَذْرَعِيِّ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَبِهِ تَسْهُلُ مُخَالَفَتُهُ فِي إفْتَائِهِ بِمَا مَرَّ تَبَعًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ أَيْضًا مَا قَالَهُ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ آخَر. وَهُوَ أَنَّ شَخْصًا وَقَفَ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَشَرَطَ أَنْ يُصْرَفَ مِنْ رِيعِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِجِهَةٍ عَيَّنَهَا ثُمَّ بَاقِي الرِّيعِ يُصْرَفُ لِبِنْتَيْهِ خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ وَلِوَلَدَيْ خَدِيجَةَ هَذِهِ أَحْمَدَ وَسِتَّ الْعَجَمِ وَلِمَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَيُقَسَّمُ بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ وَلَدُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى إلَى حِينِ انْقِرَاضهمْ خَلَا وَلَدَيْ بِنْتِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَتَرَك وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ إلَى وَلَدِهِ أَوْ. (وَلَدِ) وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ وَلَا نَسْلًا وَلَا ذُرِّيَّةً انْتَقَلَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْوَقْفِ يَسْتَقِلُّ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَتَدَاوَلُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَى حِين انْقِرَاضِهِمْ فَهَلْ إذَا مَاتَتْ سِتُّ الْعَجَمِ بِنْتُ خَدِيجَةَ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ دُخُولِهَا فِي الْوَقْفِ وَخَلَّفَتْ أَوْلَادًا يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ وَيَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا مِنْ رِيعِهِ مَعَ وُجُودِ فَاطِمَةَ بِنْت الْوَاقِفِ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ الشَّيْخُ بِأَنَّ سِتَّ الْعَجَمِ إذَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ أَوْلَادًا فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ لِقَوْلِ الْوَاقِفِ خَلَا وَلَدَيْ بِنْت الْوَاقِفِ إلَخْ أَيْ: فَإِنَّ أَوْلَادَهُمَا لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا هَذَا هُوَ مَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ، فَإِنْ قُلْت: بَلْ يَدْخُلُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ مَا كَانَتْ تَسْتَحِقّهُ أُمّهمْ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَتَرَك وَلَدًا إلَخْ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: خَلَا وَلَدَيْ بِنْت الْوَاقِفِ إلَخْ رَاجِعًا إلَى قَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى أَيْ: خَلَا وَلَدَيْ بِنْت الْوَاقِفِ فَإِنَّهُمَا لَا يُحْجَبَانِ بِهَا وَإِنْ كَانَا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَهَذَا، وَإِنْ فُهِمَ مِنْ عَطْفِهِمَا عَلَيْهَا بِالْوَاوِ الْمُشْرِكَةِ لَكِنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ خُرُوجُهُمَا بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى فَصَرَّحَ بِهَا دَفْعًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ قُلْت: ذَلِكَ يُحْتَمَلُ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي الظُّهُورَ فِيمَا قُلْنَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ

стр. 776

الِاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ تَأْكِيدًا، وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنْهُ وَلَا نَظَرَ مَعَ ظُهُورِ اللَّفْظِ فِيمَا قُلْنَا إلَى اسْتِبْعَادِهِ بِأَنَّ فِيهِ حِرْمَانَ بَعْضِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ دُونَ بَعْضٍ بِلَا سَبَبٍ ظَاهِرٍ اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ. وَبِتَأَمُّلِهِ يَتَّضِحُ مَا قُلْنَاهُ فِي صُورَتِنَا أَتَمَّ إيضَاحٍ وَأَظْهَرَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ فِيهَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ لَهُ مَفْهُومٌ قَطْعًا لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَفْهُومَ مُحْتَمِلٌ أُمُورًا تَقَدَّمَ بَعْضُهَا، وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِوَلَدِ الْمَيِّتِ وَمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَقَطْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْوَلَدِ وَلَا لِمَنْ فِي الدَّرَجَةِ، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الْغَالِبُ الْمُصَرِّحُ بِهِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِ الْأَوْقَافِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَلَيْسَ فِيهِ ارْتِكَابُ الِانْقِطَاعِ الَّذِي هُوَ نَادِرٌ أَنْ يَقْصِدَهُ أَحَدٌ مِنْ الْوَاقِفِينَ كَمَا قَدَّمْتُهُ قَرِيبًا عَنْ شَيْخِنَا فَرَجَّحْنَا هَذَا الِاحْتِمَالَ لِهَذِهِ التَّأْيِيدَات، وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي فَبَعِيدٌ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ، وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ وَمَنْ تَبِعَهُ فَيُرَدُّ بِعَيْنِ مَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ وَغَيْرِهِ مِمَّا اسْتَوْفَيْنَاهُ فِيمَا مَرَّ وَبِعَيْنِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ هُنَا وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا إلَخْ تَأْكِيدٌ؛ لِأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ الْعَطْفِ بِثُمَّ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ شَيْءٌ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى، وَهَذَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا إلَخْ؛ لِأَنَّ إذَا لَمْ نَعْمَلْ بِمَفْهُومِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ بِهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّا كُنَّا نَعْمَلُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْبِنْتِ الْبَاقِيَةِ. وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا الشَّرْطُ فَلَمْ يُفِدْ التَّصْرِيحُ بِهِ إلَّا مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ بِخِلَافِ مَا قُلْنَا بِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُفِيدُ بِمَفْهُومِهِ شَيْئًا لَمْ يُفِدْهُ الْكَلَامُ لَوْ حُذِفَ مِنْهُ هَذَا الشَّرْطُ بَلْ كَانَ يُفْهِمُ خِلَافُهُ كَمَا تَقَرَّرَ هَذَا هُوَ عَيْنُ التَّأْسِيسِ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ وَإِذَا كَانَ الشَّيْخُ أَخَذَ فِي جَوَابِهِ السَّابِقِ قَرِيبًا بِقَضِيَّةِ التَّأْسِيسِ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ مَعَ مُنَافَاةِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ وَمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ كَمَا قَرَّرَهُ فِي جَوَابِهِ وَلَيْسَ مُسْتَنَدُهُ فِي هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ إلَّا الْأَخْذَ بِقَاعِدَةِ أَنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ الْمُصَرَّحِ بِهَا فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ وَغَيْرهَا فَلِيَكُنْ الْعَمَل بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي مَسْأَلَتنَا مِنْ بَابِ أَوْلَى لِتَعَيُّنِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ؛ وَلِأَنَّ اللَّفْظَ فِي مَسْأَلَتِنَا لَيْسَ دَالًّا عَلَى خِلَافِهَا بَلْ عَلَى مَا يُوَافِقهَا مِمَّا تَقَرَّرَ فِي سَبَبِ تَرْجِيحِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ إفْتَاءَ الشَّيْخِ هَذَا أَيْضًا تَجِدْهُ قَاضِيًا عَلَى إفْتَائِهِ فِي نَحْوِ صُورَتِنَا بِأَنَّهُ تَبِعَ فِيهِ السُّبْكِيّ وَالزَّرْكَشِيَّ مِنْ غَيْرِ إعْطَاءِ الْمَسْأَلَةِ حَقَّهَا مِنْ نَظَرٍ وَمِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ مَا قَدَّمْته مِنْ بَعْضِ أَجْوِبَةِ السُّبْكِيّ الْقَاضِيَةِ بِرَدِّ مَا قَالَهُ فِي نَحْوِ صُورَتِنَا، وَلَوْ أَعْطَاهَا حَقّهَا مِنْ ذَلِكَ لَأَفْتَى فِيهَا بِمَا يُوَافِقُ مَا أَفْتَى بِهِ فِي هَذَا السُّؤَالِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ هَذَا. وَفِي بَعْضِ أَجْوِبَةِ الشَّيْخِ التَّابِعِ فِيهَا لِمَنْ مَرَّ زِيَادَةً عَلَى مَا قَدَّمَهُ فَنَذْكُرُهَا مَعَ رَدِّهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ عَلَى بِنْتهَا فَاطِمَةَ وَسِتّ رَيْحَانَ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ انْقَرَضَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذُرِّيَّةٌ كَانَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ الْأَشِقَّاءِ الْأَشِقَّاءِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَلِإِخْوَتِهِ لِلْأَبِ ثُمَّ عَلَى أَقْرَبِ عَصَبَاتِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ سِتُّ رَيْحَانَ وَتَرَكَتْ أَوْلَادًا فَاسْتَقَلُّوا بِحِصَّتِهَا وَتُوُفِّيَتْ أُخْتُهَا فَاطِمَةُ عَنْ ابْنٍ يُسَمَّى عَبْدَ اللَّهِ وَبِنْتٍ تُسَمَّى قَمَرَ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ عَنْ ابْنٍ وَعَنْ أَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ فَهَلْ تَنْتَقِلُ حِصَّةُ قَمَرٍ لِابْنِهَا أَوْ لِأَخِيهَا؟ فَأَجَابَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَخُ أَخًا لِأُمٍّ، فَالْحَقُّ لَهُ وَلِأَوْلَادِ سِتِّ رَيْحَانَ عَمَلًا بِالتَّرْتِيبِ الْمُفَادِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَخًا لِغَيْرِ أُمٍّ فَقَدْ تَعَارَضَ هُنَا أَمْرَانِ مُقْتَضَى اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْحَقَّ لِأَخِي قَمَرَ وَأَوْلَادِ سِتّ رَيْحَان لِكَوْنِهِمْ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمُقْتَضَى مَفْهُومِ تَقْيِيدِ انْتِقَالِ مَا كَانَ لَهَا إلَى إخْوَتِهَا بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ لِأَخِيهَا لِوُجُودِ وَلَدِهَا وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِوَلَدِهَا، وَإِنْ اُحْتُمِلَ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَيَكُونُ الْحَقُّ بِمُقْتَضَى التَّرْتِيبِ لِأَخِيهَا وَلِأَوْلَادِ سِتِّ رَيْحَانَ لِكَوْنِهِمْ فِي دَرَجَةِ قَمَرَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِأَوْلَادِ سِتَّ رَيْحَانَ

стр. 777

لِانْتِقَالِ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ وَفَائِدَةُ تَقْيِيدِ الِانْتِقَالِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ يَكُونُ حَقُّ الْمَيِّتِ لِإِخْوَتِهِ دُونَ مَنْ سَاوَاهُمْ فِي الدَّرَجَةِ وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِسِتِّ رَيْحَان أَوْلَادٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِأَخِي قَمَرَ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَخُوهَا؛ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ انْتِقَالِ الْحَقِّ إلَيْهِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِي دَرَجَتِهَا وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ أَوْلَادَ سِتّ رَيْحَان لَا يَأْخُذُونَ شَيْئًا بِمَوْتِهَا مَعَ وُجُودِ فَاطِمَةَ عَمَلًا بِمُقْتَضَى التَّرْتِيبِ مَعَ مَا قُلْنَاهُ اهـ. جَوَابُ الشَّيْخِ فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إلَخْ فَقَدْ مَرَّ رَدُّهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ اُحْتُمِلَ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا بُعْد فِيهِ بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ الَّذِي ذَكَره بِشَهَادَةِ مَا مَرَّ مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ: وَفَائِدَةُ تَقْيِيدِ الِانْتِقَالِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا إنْ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلَا يَأْتِي فِي صُورَتِنَا؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَخُصّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ عِنْد عَدَمِ الْوَلَدِ بَلْ جَعَلَهُ لِجَمِيعِ مَنْ فِيهَا فَلَزِمَ مِنْ عَدَمِ إعْطَاءِ الْوَلَدِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ أَصْلًا كَمَا مَرَّ مَبْسُوطًا أَيْضًا ثُمَّ فِي جَوَابِ هَذَا أَنْظَارٌ أُخَرُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَلِذَا لَمْ نُعَوِّلْ عَلَيْهَا وَأَحَلْنَاهَا عَلَى التَّأَمُّلِ الصَّادِقِ. وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ فَبَعِيدٌ جِدًّا كَمَا لَا يَخْفَى أَيْضًا وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ أَبُو زُرْعَةَ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ، وَإِنَّمَا عَوَّلَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَكَأَنَّهُ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ قُرْبِهِ وَتَبَادُرِهِ إلَى الْفَهْمِ مَعَ اعْتِضَادِهِ بِمَا مَرَّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ بَعِيدٌ وَلَمْ يُعْتَضَدْ بِشَيْءٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُرَجِّحًا لَهُ عَلَى غَيْره وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّ ارْتِكَابَ الْمَجَازِ، وَإِنْ بَعُدَ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ الْكَلَامِ وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ أَيْضًا فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى سُئِلَ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ تَاجَ الْمُلُوكِ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَا وَلَدَ لَهُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَا وَلَد لَهُ وَلَا إخْوَةٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِأَقْرَب النَّاسِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَمَاتَ رَجُلٌ وَلَهُ بِنْتُ وَابْنُ ابْنٍ قَدْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: يَأْخُذُ ابْنُ الِابْنِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ أَبُوهُ لَوْ كَانَ حَيًّا الْآن وَلَا تَحْجُبُهُ عَنْهُ عَمَّتُهُ وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْجُبُ وَلَدَهُ جَمْعًا بَيْن الْكَلَامَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لُغِيَ قَوْله: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ نَصِيبه اهـ. فَتَأَمَّلْ كَوْنَهُ اضْطَرَّ إلَى الْجَمِيعِ خَوْفًا مِنْ إلْغَاءِ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَره فَكَذَلِكَ نُضْطَرُّ فِي مَسْأَلَتنَا إلَى الْجَمْعِ بَيْن قَوْلِهِ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ الْمُقْتَضَى بِمَفْهُومِهِ الْمُتَبَادِرِ مِنْهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لَهُ وَبَيْن قَوْلِهِ: ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الْمُقْتَضَى بِمَنْطُوقِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ شَيْءٌ مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّا نَحْمِلُ الْأَوَّلَ عَلَى مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ وَالثَّانِيَ عَلَى مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَعْمَلْ بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ لَزِمَ إلْغَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ الْعَمَل بِمَنْطُوقِهِ بِثُمَّ فَإِنَّ مَنْطُوقَهُ يَلْزَمُ بِعَيْنِ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ حَمَلَهُ عَلَى حَالَةٍ بِهَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنه وَبَيْن الثَّانِي وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إلَّا إذَا قُلْنَا بِالْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ وَإِذَا وَقْدَ عُلِمَ مِنْ كَلَام السُّبْكِيّ فِي هَذَا الْجَوَّابِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْفِرَارَ إلَى التَّجَوُّزِ الْبَعِيدِ أَوْلَى مِنْ الْفِرَارِ إلَى الْحُكْمِ عَلَى بَعْضِ كَلَام الْوَاقِفِ بِالْإِلْغَاءِ فَلْيَتَعَيَّنْ فِي مَسْأَلَتنَا مَا قُلْنَاهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى خِلَافِهِ مِنْ إلْغَاءِ قَوْلِهِ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَخْ، بَلْ مَسْأَلَتنَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ السُّبْكِيّ؛ لِأَنَّ غَايَة مَا فِي مَسْأَلَتنَا الْعَمَلُ بِأَحَدِ مَا صَدَقَات اللَّفْظِ بَلْ بِمَا لَا يَتَبَادَرُ مِنْ اللَّفْظِ غَيْرُهُ، وَهَذَا أَوْلَى وَأَقْرَبُ مِنْ الْفِرَارِ عَنْهُ إلَى الْفِرَارِ إلَى التَّجَوُّزِ الْبَعِيدِ فَإِذَا جَوَّزَ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ الْإِلْغَاءِ فَلَإِنْ نُجَوِّزُ مَا قُلْنَاهُ حَذَرًا مِنْ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى. وَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ فِي كَلَام الْوَاقِفِ عُمُومَانِ اُحْتِيجَ إلَى التَّرْجِيحِ وَمِنْ طُرُقِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْعُمُومَيْنِ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْغَاء شَيْءٍ مِنْ كَلَام الْوَاقِفِ وَالْآخَرُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيُعْمَلُ بِالْعَامِّ الَّذِي لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْغَاء وَبِمِثْلِهِ يُقَالُ: فِي مَسْأَلَتنَا فَإِنَّ أَحَدَ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ

стр. 778

الَّذِي فِيهَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْغَاءٌ وَالْآخَرُ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْغَاءٌ كَمَا تَقَرَّرَ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمَفْهُومِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلْغَاءٌ وَبِهَذَيْنِ يُعْلَمُ رَدُّ مَا مَرَّ عَنْ فَتَاوِيهِ الْمُوَافِقُ لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَشَيْخُنَا وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَهُ صَاحِبُهُ ابْنُ الْقَمَّاحِ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ وَمِمَّا يُضَعِّفُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي كَلَام غَيْرِ الشَّارِعِ فَلَعَلَّ ذَهَابَهُ إلَى مَا مَرَّ لِضَعْفِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ عِنْده أَوْ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ السَّابِقِ لَا يُوَافِقُ هَذَا الثَّانِيَ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ ضَعِيفٌ وَأَنَّ الْمَنْقُولَ عِنْد أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِدَلَالَتِهِ فِي كَلَام الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ لَهَا قُوَّةً تَقْتَضِي الْعَمَلَ بِقَضِيَّتِهَا وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ جَرَى عَلَيْهَا فِي مَسْأَلَتنَا مَنْ مَرَّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَوْ نَظَرَ الزَّرْكَشِيُّ وَشَيْخُنَا ذَلِكَ مَعَ الْمُدْرِكِ الَّذِي قَدَّمْته لِمَا تَبِعَاهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَجَعَلُوا كَلَامَهُ مُفَرَّعًا عَلَى رَأْيه الضَّعِيف وَقَدْ تَنَبَّهْ لِذَلِكَ الْمُحَقِّقُ أَبُو زُرْعَةَ فَأَشَارَ فِي عِبَارَته السَّابِقَة إلَى أَنَّ السُّبْكِيّ قَائِلٌ بِالضَّعِيفِ وَأَنَّ اسْتِحْقَاقَ مَنْ فِي الدَّرَجَةِ دُون الْأَوْلَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِهِ السُّبْكِيّ أَيْ: فَلَا تَغْتَرُّ بِمَا فِي فَتَاوِيهِ، وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَهُ فِيمَا مَرَّ عَنْهَا مُعَاصَرَةً كَمَا مَرَّ. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَرْجِيحِ مَا قُلْنَاهُ أَيْضًا أَنَّ السُّبْكِيّ نَفْسَهُ احْتَجَّ بِالْمَفْهُومِ الْمُنْضَمِّ إلَى غَيْرِهِ فِي فَتَاوِيهِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ إلَخْ بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ أَسْفَل فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ يَسْتَقْبِل بِهِ الْوَاحِدُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ طَبَقَةٍ وَيَشْتَرِك فِيهِ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَتْرُك ذَلِكَ كَانَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ وَإِخْوَته مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فَتُوُفِّيَ شَخْصٌ عَنْ وَلَدَيْنِ ثُمَّ أَحَدُهُمَا عَنْ وَلَدٍ وَأَخٍ ثُمَّ الْوَلَدُ عَنْ غَيْرِ أَخٍ فَهَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبه لِعَمِّهِ أَوْ إلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَصِيبُهُ لِعَمِّهِ دُونَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْ الْبَطْنِ الْأُولَى مَا دَامَ هَذَا الْعَمُّ الْأَقْرَبُ مَوْجُودًا لِثَلَاثَةِ أَدِلَّةٍ أَحَدُهَا قَوْلُهُ: مَنْ مَاتَ كَانَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ إلَخْ وَقَالَ: مِنْ أَهْلِ كُلِّ طَبَقَةٍ فَاَلَّذِي خَلَّفَ وَلَدَيْنِ اسْتَحَقَّا نَصِيبُهُ وَكِلَاهُمَا يَسْتَحِقُّهُ كَامِلًا لَوْلَا أَخُوهُ فَحَقُّ اسْتِحْقَاقِهِ كَامِلًا ثَابِتٌ لَهُ، وَإِنَّمَا حَجَبَهُ أَخُوهُ ثُمَّ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ. فَإِذَا فَقَدَ عَمِلَ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ عَمَله وَأَخَذَ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ أَبُوهُ مِنْ جِهَةِ وَالِدِهِ لَا مِنْ جِهَةِ أَخِيهِ وَلَا مِنْ جِهَةِ ابْن أَخِيهِ الثَّانِي قَوْلُهُ: مَنْ مَاتَ وَلَا وَلَدَ لَهُ كَانَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ اقْتَضَى تَقْدِيمَ الْأَخِ عَلَى الْعَمِّ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَقْدِيمَ الْعَمِّ عَلَى الْأَبِ وَقَدْ يُنَازَعُ فِي هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ الثَّالِثِ أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّ أَخَا الْعَمِّ الْمَسْئُولِ عَنْهُ تُوُفِّيَ وَلَا وَلَدَ لَهُ، إذَا لَمْ تُجْعَلْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لِلْحَالِ بَلْ يُخْبَرُ عَنْهُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ وَأَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِأَخِيهِ وَهُوَ عَمُّ الْمُتَوَفَّى وَقَدْ يُنَازَعُ فِي هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةً، وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ هُوَ قَوْلُ الْأَوَّلِ وَيُعْتَضَدُ بِأَنَّهُ الْمَفْهُوم مِنْ عُرْفِ الْوَاقِفِينَ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ لَمْ نَجْعَلهُ الْعُمْدَةَ وَاعْتَمَدْنَا عَلَى اللَّفْظِ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَهُ وَيُعْتَضَدُ بِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ عُرْفِ الْوَاقِفِينَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ إلَخْ. فَيُقَالُ عَلَيْهِ: مُسْلَمٌ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ مَسْأَلَته يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَطْفِ بِثُمَّ وَلَمْ يَتَأَيَّد بِمَا غَلَبَ فِي عُرْفِ الْوَاقِفِينَ وَقَصْدِهِمْ مِنْ صَرْفِ مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ لِفُرُوعِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ هَذَا الْمَيِّت لَا فَرْعَ لَهُ فَلَمْ يُعَارِضْ قَضِيَّةَ الْعَطْف بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِانْتِقَالِ إلَى الْعَمِّ شَيْءٌ مِنْ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَلَا اللَّفْظِيَّةِ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا عَضُد بِهِ هَذَا الْمَفْهُوم أَنَّ حَقّ الِاسْتِحْقَاقِ كَامِلًا ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِد إلَخْ، وَهَذَا يَقْبَلُ الْمُنَازَعَةَ بِأَنْ يُقَال: لَا نُسَلِّم مَعَ وُجُودِ الِاثْنَيْنِ أَنَّ حَقّ الِاسْتِحْقَاق ثَبَتَ كَامِلًا لِكُلٍّ وَأَنَّ أَخَاهُ هُوَ الَّذِي حَجَبَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّا نَتَبَيَّنُ بِتَعَدُّدِ الْوَلَدِ أَنَّ حَقَّ الِاسْتِحْقَاقِ مُوَزَّعٌ عَلَيْهِمَا وَحِينَئِذٍ فَقَدْ انْتَفَى قَوْلُ السُّبْكِيّ فَإِذَا فَقَدَ عَمَلُ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاق عَمَلَهُ إلَخْ وَلَئِنْ سَلَّمَ مَا ذَكَره فَقَضِيَّةُ الْعَطْف بِثُمَّ الْمَذْكُورَةُ أَقْوَى مِنْ هَذَا التَّعَسُّفِ. فَإِذَا رَجَّحَ السُّبْكِيّ هَذَا التَّعَسُّفَ وَأَلْغَى بِهِ قَضِيَّةَ الْعَطْف بِثُمَّ مَعَ قُوَّتِهَا وَتَصْرِيح اللَّفْظِ بِهَا وَعَدَم تَصْرِيحه بَلْ دَلَالَته عَلَى ذَلِكَ التَّعَسُّفِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ نُلْغِي نَحْنُ قَضِيَّتهَا فِي مَسْأَلَتِنَا وَأَنْ

стр. 779

نَأْخُذَ بِالْمَفْهُومِ السَّابِقِ بَيَانُهُ فِيهَا لِاعْتِضَادِهِ بِقَرِينَةٍ بَلْ بِقَرَائِن مَرَّ بَيَانُهَا بِمَا يُعْلَم مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ قَابِلَةً لِلنِّزَاعِ فِيهَا كَهَذِهِ الْقَرِينَةِ الَّتِي ذَكَرهَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْقَرَائِنِ اعْتَرَفَ بِهَا حَتَّى الْمُخَالِف كَمَا بَانَ لَك مِنْ كَلَامه نَفْسِهِ وَكَلَامِ شَيْخنَا الَّذِي قَدَّمْته، وَأَمَّا قَرِينَته هَذِهِ فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهَا مُوَافِقٌ وَلَا مُخَالِفٌ لِبُعْدِهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَمِمَّا يُصَرِّح أَيْضًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقُرْبَ إلَى مَقَاصِد الْوَاقِفِينَ وَأَهْلِ الْعُرْف مُعْتَبَر وَمُرَجِّحٌ مَا ذَكَره السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ طَوِيلٍ مِنْ أَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِينَ تَعْمِيمُ النَّفْعِ فِي ذُرِّيَّاتِهِمْ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ وَنَحْنُ أَلْغَيْنَاهُ عِنْد انْفِرَاده إذْ لَا نَعْتَبِرُ مَا نَظُنّ أَنَّهُ غَرَضُ الْوَاقِفِ إلَّا بِمُسَاعِدَةِ قَرِينَةٍ لَا بِمُجَرَّدِهِ فَلَا نُلْغِيه إذَا اعْتَضَدَ بِغَيْرِهِ وَمَا هُنَا قَدْ اعْتَضَدَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَكَانَ الِاسْتِنَادُ إلَى مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَصَلَحَا بِأَنْ يَنْهَضَ مِنْهُمَا دَلِيلٌ اهـ فَانْظُرْ إلَى مَا صَرَّحَ بِهِ وَقَرَّرَهُ مِنْ أَنَّ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ غَرَضُ الْوَاقِفِ إذَا سَاعَدَتْهُ قَرِينَةٌ يَكُونُ حِينَئِذٍ دَلِيلًا مُرَجِّحًا لِذَلِكَ وَمُقْتَضِيًا لِلْعَمَلِ بِهِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَيُوَافِقهُ. قَوْلُهُ: فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ فَرَجَعْنَا إلَى الْمَعْنَى فَرَأَيْنَا أَنَّ تَقْدِيمَ الْأَقْرَبِ إلَى الْمَيِّتِ أَقْرَبُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَإِلَى مَقَاصِدِ أَهْلِ الْعُرْفِ مَا لَمْ يُقْصَدْ الْأَقْرَبُ إلَى الْوَاقِفِ وَهَهُنَا لَمْ يَقْصِدْ الْأَقْرَبَ إلَى الْوَاقِفِ؛ فَلِذَلِكَ تُرَجَّحُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ هَذَا الْأَقْرَبِ إلَى الْوَاقِفِ إلَى الْمُتَوَفَّى اهـ. فَتَأَمَّلْهُ حَقَّ التَّأَمُّلِ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي التَّرْجِيحِ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَسْأَلَتَهُ هَذِهِ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهَا مَعَ تَأَمُّلِ كَلَامِهِ فِيهَا؛ تَعَارَضَ فِيهَا التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَفَرَّ إلَى التَّرْجِيحِ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَحَسْبُ. وَأَمَّا مَسْأَلَتُنَا فَفِيهَا تَرْجِيحَاتٌ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ كَمَا مَرَّتْ مَبْسُوطَةً فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ فِيهَا بِذَلِكَ وَبَانَ بِكَلَامِهِ هَذَا وَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ ضَعْفُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ نَظِيرَ مَسْأَلَتنَا مِنْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَدِ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا تَصْرِيحَهُ بِأَنَّ تَقْدِيمَ الْأَقْرَبِ إلَى الْمَيِّتِ أَقْرَبُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ إلَخْ. يَزِيدُ ذَلِكَ إيضَاحُ تَقْدِيمِ الْبِنْتِ فِي مَسْأَلَتنَا عَلَى الْأُخْتِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتَةِ مِنْ الْأُخْتِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْتُ أَقْرَبَ إلَى الْوَاقِفِ وَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامه هَذَا وَمِنْ كَلَامه وَكَلَامِ غَيْرِهِ السَّابِقِ أَنَّ الْأَقْرَبَ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَأَهْلِ الْعُرْفِ مُعْتَبَرٌ وَمُرَجَّحٌ إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ قَرِينَةٌ فَكَيْفَ وَقَدْ انْضَمَّتْ إلَيْهِ قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ كَمَا سَبَقَ بَسْطُهَا وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهَا بِمَا لَا يَبْقَى مَعَهُ تَوَقُّفٌ فِي أَرْجَحِيَّةِ مَا قُلْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أَرْجَحَ مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ؟ وَمِمَّا يَزِيدهُ وُضُوحًا أَيْضًا قَوْلُهُ: فِي وَقْفِ شَرْطٍ فِيهِ النَّظَرُ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَنَسْلِهِمْ يُقَدَّمُ الْأَرْشَدُ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَالْمُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِالذُّكُورِ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الْبَنَات. وَإِذَا انْتَهَى النَّظَرُ إلَى أُنْثَى كَانَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ زَوْجٍ يَصْلُح لِلتَّقَدُّمَةِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ فَوُجِدَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إنَاثٌ: وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ذَاتُ زَوْجٍ يَصْلُحُ لِمَا ذُكِرَ وَذَكَرٌ أَنْزَلُ مِنْهُنَّ وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمَذْكُورِينَ بِالْأَرْشَدِيَّةِ وَوُجِدَ أُنْثَى أَعْلَى مِنْ الْجَمِيعِ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لَهَا أَنَّهَا مِنْ نَسْلِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلِمَنْ يَكُونُ النَّظَرُ قَدْ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ يُقَدَّمُ الْأَرْشَدُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَالْأَقْرَبُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَالْمُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِالذُّكُورِ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَيُحْتَجُّ بِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ وَعَطْفُ الْمُفْرَدَات أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي هَذَا الْوَقْفِ فِي الْمُنْتَسِبِينَ بِالذُّكُورِ رَشِيدٌ وَأَرْشَدُ لَا يَتَقَدَّمُ الرَّشِيدُ عَلَى الْأَرْشَدِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَرْشَدَ إنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ، وَهَذَا الْوَهْمُ يَنْدَفِعُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا أَنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ فِي هَذَا الْوَقْفِ وَمَا أَشْبَهَهُ خِلَافَهُ وَأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ وَصْفٌ مِمَّا ذُكِرَ يُقَدَّمُ عَلَى ضِدِّهِ فَيَتَقَدَّمُ الْأَرْشَدُ عَلَى غَيْرِ الْأَرْشَدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ أَمْ مِنْ الْإِنَاثِ وَيُقَدَّمُ الْمُنْتَسِبُ بِالذُّكُورِ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ

стр. 780

أَرْشَدَ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَرْشَدَ هَذَا هُوَ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ فِي هَذَا الْكَلَامِ وَأَشْبَاهِهِ وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الشَّافِعِيُّ بِالْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ تَقَدُّمَةِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى ضِدِّهِ صَارِفَةً عَنْهُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا سَبَقَ الذِّهْنُ إلَيْهِ، الْأَمْرُ الثَّانِي مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ: الْقَرِينَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَهِيَ مَعَ سَبْقِ الذِّهْنِ شَيْئَانِ الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قِيلَ بِهَذَا التَّوَهُّمِ لَزِمَ التَّخْصِيصُ أَوْ التَّقْيِيدُ فِي الْجُمْلَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ فَلِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ جَعَلْنَاهُ لِلْأَخِيرَةِ فَقَطْ انْتَهَى. الْمَفْهُومُ مِنْهُ فَانْظُرْ قَوْلَهُ: هَذَا السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ فِي هَذَا الْكَلَامِ إلَخْ وَقَوْلَهُ: فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا سَبَقَ الذِّهْنُ إلَيْهِ تَجِدْهُ صَرِيحًا وَدَلِيلًا أَيُّ دَلِيلٍ عَلَى رَدِّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فِي نَظِيرِ مَسْأَلَتنَا؛ لِأَنَّهُ هُنَا إذَا خَالَفَ قَاعِدَةَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ مِنْ رُجُوعِ الْوَصْفِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِمَا كَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَهُ لِأَجْلِ مُبَادَرَةٍ خِلَافِهِ إلَى الذِّهْنِ فَحَسْبُ فَكَيْفَ لَا تُجْعَلُ هَذِهِ الْمُبَادَرَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا مُرَجِّحَةً مَعَ اعْتِضَادِهَا بِمَا مَرَّ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ وَالْقَرَائِنِ الدَّالَّة وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهَا لِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؟ بَلْ مَا ذَكَرْنَاهُ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرُوهُ كَمَا ظَهَرَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ مِمَّا مَرَّ بَسْطُهُ وَتَقْرِيرُهُ بِأَوْضَحِ طَرِيقٍ وَأَتَمِّ تَقْرِيرٍ وَتَحْقِيقٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تَغْفُلْ عَنْ هَذَا الْمَحَلِّ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ مِنْ كَلَامه فَإِنَّهُ شَاهِدُ صِدْقٍ وَدَلِيلُ حَقٍّ عَلَى ظُهُورِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ تَبَعًا لِلْمَنْقُولِ وَضَعْفِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هُوَ، وَمَنْ تَبِعَهُ هَذَا مَا تَيَسَّرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ تَشَتُّت الْبَالِ وَضَعْفِ الْحَالِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَالْمُعَوِّلُ عَلَى فَضْلِهِ وَكَرْمِهِ وُجُودِهِ فِي إلْهَامِ الْحَقِّ عِنْدَ تَصَادُمِ الْآرَاءِ وَارْتِبَاكِهَا فِي مَظَانِّ الِارْتِيَابِ أَنَّهُ أَكْرَمُ مَسْئُولٍ وَأَرْجَى مَأْمُولٍ. (الْبَابُ الثَّانِي فِي الْكَلَامِ عَلَى شِقِّ السُّؤَالِ الثَّانِي) وَهُوَ أَنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ بِأَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتَةِ لَبِنْتهَا فَإِذَا مَاتَتْ الْأُخْتُ الْبَاقِيَةُ عَنْ أَوْلَادٍ فَهَلْ لِلْبِنْتِ نَصِيبُ أُمِّهَا وَلِأَوْلَادِ هَذِهِ الثَّانِيَةِ نَصِيبُ أُمِّهِمْ أَوْ تَشْتَرِكُ الْبِنْتُ وَالْأَوْلَادُ فِي جَمِيعِ الْمُخَلَّفِ عَنْ أُمَّيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الرُّءُوسِ؟ وَبَيَانُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ مِنْ كَلَامٍ كَثِيرٍ فِيهِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْوَجْهَ فِي مَسْأَلَتنَا التَّسَاوِي وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ إنَّمَا يَتَلَقَّوْنَ مِنْ الْوَاقِفِ لَا مِنْ الَّذِي قَبْلَهُمْ. وَمَعْنَى تَلَقِّيهمْ مِنْهُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لِجَمِيعِهِمْ بِحَسْبِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ مِنْ حِينِ الْوَقْفِ، وَأَمَّا الْأَحَقِّيَّةُ فَلَا تَثْبُتُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ مُسَوِّغِ الْأَخْذِ كَمَا قَالُوا فِي الْوَلَاءِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِجَمِيعِ الْعَصَبَاتِ وَيُقَدَّمُ فِي الْإِرْثِ بِهِ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، وَإِذَا كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ مِنْ الْوَاقِفِ، وَالْوَاقِفُ إنَّمَا شَرَطَ التَّفَاوُتَ فِي مَسْأَلَتنَا فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى دُونَ مَا عَدَاهَا فَيَكُونُ مَا عَدَاهَا عَلَى التَّسَاوِي إذْ لَيْسَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ فِي مَسْأَلَتِنَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرْعِ كُلٍّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ إنَّمَا يَأْخُذُ جَمِيعَ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَصْلُهُ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ مَفْهُومٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَخْ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ وَلَدٍ يَأْخُذُ وَلَدُهُ نَصِيبَهُ بِتَمَامِهِ مُطْلَقًا، بَلْ مَفْهُومه أَنَّ نَصِيبَهُ يَنْتَقِلُ لِوَلَدِهِ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ طَبَقَةِ أَصْلِهِ مَوْجُودًا فَإِذَا مَاتَتْ بِنْتَا الْوَاقِفِ صَارَ كُلٌّ مِنْ فَرْعَيْهِمَا لَا يَأْخُذُ بِقَضِيَّةِ مَفْهُومِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِقَضِيَّةِ نَصِّ الْوَاقِفِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا إلَخْ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ حِينَئِذٍ إلَّا بِنَصِّ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ لَا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ فَلَا وَجْهَ إلَّا الْقَوْلُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنهمْ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَرْتَبَةً بَعْدَ الْأُولَى حُكْمُهَا فِي التَّفَاوُتِ أَوْ عَدَمِهِ فَأَخَذْنَا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا بِالْأَصْلِ وَهُوَ التَّسَاوِي لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ. وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَرَرْته أُمُورٌ: مِنْهَا قَوْلُ الرُّويَانِيُّ وَوَالِدِهِ فِي جَوَابِهِمَا السَّابِقِ أَوَّل الْبَابِ الْأَوَّلِ الْجَوَابُ أَنَّ كُلَّ الْعَشَرَةِ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ إلَخْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ إلَيْهِمْ يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَوْلَادِ عَمْرو وَأَوْلَادِ زَيْدٍ لَكِنَّ قَوْلَهُ عَقِبه وَلَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِقَالِ إلَيْهِمْ مَا كَانَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَشَرَةِ الْآنَ حَقًّا لِلْمَيِّتِ وَنَصِيبًا لَهُ، فَالْمَوْتُ كَافٍ فِي الْجَمِيعِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ فِي إلَيْهِمْ إلَى أَوْلَادِ عَمْرو فَقَطْ وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ عِبَارَتُهُمَا مُنَافِيَةً لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّسَاوِي فَإِنَّ قَضِيَّةَ مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْعَشَرَةَ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لِعَمْرٍو

стр. 781

تَتَقَسَّمُ هِيَ وَسَهْمَا أَوْلَادِ زَيْدٍ عَلَى جَمِيعِ أَوْلَادِ عَمْرو وَزَيْدٍ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ وَلَا يَخْتَصُّ أَوْلَادُ عَمْرو بِالْعَشَرَةِ وَأَوْلَادُ زَيْدٍ بِالسَّهْمَيْنِ لِعَيْنِ مَا قَرَّرْنَاهُ نَعَمْ يُقَالُ: إنَّ صُورَةَ الرُّويَانِيِّ هَذِهِ تُخَالِفُ صُورَتَنَا فَإِنَّ الَّذِي فِي صُورَتِنَا أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى بِنْتَيْهِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا إلَخْ ثُمَّ قَالَ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَلَمْ يَأْتِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ عِنْدَ انْتِقَالِ الْوَقْفِ إلَيْهِمْ فَعَمِلْنَا فِيهِمْ بِالْأَصْلِ وَهُوَ التَّسَاوِي كَمَا تَقَرَّرَ، وَأَمَّا مَسْأَلَتُهُ فَإِنَّ الْوَاقِفَةَ أَتَتْ فِيهَا بِالتَّصْرِيحِ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَبِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ كُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا ذَكَرَتْ فِي قُبَالَةِ وَقْفِهَا أَنَّهُ أَيْ: مَا مَرَّ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ التَّفَاوُتِ الَّذِي ذَكَرَتْهُ وُقِفَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ مَا عَاشُوا إلَخْ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا التَّفَاوُتَ جَارٍ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا ذَكَرَتْ التَّفَاوُتَ الْمَذْكُورَ ثُمَّ عَقَّبَتْهُ بِأَنَّ الْوَقْفَ الْمُتَّصِفَ بِهَذَا التَّفَاوُتِ وَقْفٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ إلَخْ كَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِيمَا قُلْنَاهُ وَحِينَئِذٍ فَيَتَّضِحُ مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَوَالِدُهُ مِنْ انْتِقَالِ الْعَشَرَةِ إلَى أَوْلَادِ عَمْرو وَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا أَوْلَادُ زَيْدٍ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِمَا أَنَّ مَا قَالَاهُ مِنْ انْتِقَالِ الْعَشَرَةِ لِأَوْلَادِ عَمْرو فَقَطْ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ تَتَلَقَّى مِمَّا قَبْلَهَا لَا مِنْ الْوَاقِفِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ سَبَبَ اخْتِصَاصِهِمْ بِالْعَشَرَةِ إلَّا أَنَّ جَمِيعَهَا صَارَ حَقّه لِلْمَيِّتِ وَنَصِيبًا لَهُ فَاقْتَضَى أَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَلَقَّوْنَهَا عَنْهُ، وَإِذَا كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهَا عَنْهُ فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِيهَا بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّهُمْ نَازِلُونَ مَنْزِلَتَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ وَمِمَّنْ أَفْتَى بِمَا قَدَّمْته مِنْ التَّسَاوِي السُّبْكِيّ وَقَدْ قَدَّمْت كَلَامَهُ فِي ذَلِكَ أَوَّل الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَرَاجِعْهُ وَانْظُرْ قَوْلَهُ وَلَا يَخْتَصُّ أَوْلَادُ كُلٍّ بِنَصِيبِ وَالِدِهِمْ إلَخْ وَقَوْله: الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ نَصِيبُ الطَّبَقَةِ الَّتِي تَحْتَهَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالسَّوَاءِ أَوْ يَأْخُذُ كُلُّ أَوْلَادٍ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، فَتَعَيُّنُ ذَلِكَ يُبَيِّنُ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْوَقْتِ " وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ " اهـ. لَكِنْ قَدْ يُخَالِفُ مَا ذَكَره فِي هَذَا الْجَوَابِ مَا ذَكَره فِي جَوَابٍ آخَرَ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَتْ عَلَى نَفْسِهَا ثُمَّ زَوْجِهَا ثُمَّ أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ كَذَلِكَ ثُمَّ نَسْلِهِ، وَإِنْ سَفَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَمَنْ تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ عَادَ إلَى مَنْ مَعَهُ فَتُوُفِّيَ زَوْجهَا قَبْلَهَا عَنْ بِنْته مِنْهَا نَسَبٌ وَبِنْت مِنْ غَيْرِهَا تُوُفِّيَتْ أُمُّهَا قَبْلَ صُدُورِ الْوَقْفِ اسْمُهَا قُضَاةُ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ الْوَاقِفَةُ فَانْتَقَلَ الْوَقْفُ لِنَسَبٍ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ عَنْ ابْنهَا أَحْمَدَ فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِمُشَارَكَةِ قُضَاةَ لَهُ وَأَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ قُضَاةُ عَنْ ابْنَيْهَا أَحْمَدَ وَأَمِينِ الدِّينِ فَأَقَرَّ لِأَخِيهِ بِثُلُثَيْ الْوَقْفِ وَأَقَرَّ لَهُ أَحْمَدُ بِثُلُثِهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ أَحْمَدُ عَنْ وَلَدَيْنِ ثُمَّ تُوُفِّيَ أَمِينُ الدِّينِ عَنْ أَوْلَادٍ. فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: مُقْتَضَى هَذَا الْوَقْفِ أَنَّ قُضَاةَ تُشَارِكُ أَحْمَدَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا مُشَارَكَتهمَا فَلِعُمُومِ قَوْلِ الْوَاقِفَةِ عَلَى كَمَالِ الدِّينِ ثُمَّ أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَإِنَّهُ اقْتَضَى دُخُولَ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ كُلِّهِمْ وَأَحْمَدَ وَقُضَاةَ كِلَاهُمَا مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ قُضَاةُ عَنْ مُشَارَكَتِهَا لِخَالَتِهَا نَسَبَ لِأَجَلِ التَّرْتِيبِ وَقَدْ زَالَ فَإِنَّ أَحْمَدَ مُسَاوٍ لَهَا فَيَشْتَرِكَانِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْوَاقِفَةِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ كَانَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ نَصِيبَ نَسَبٍ وَهُوَ جَمِيعُ الْوَقْفِ كُلِّهِ لِابْنِهَا أَحْمَدَ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِعُمُومِ قَوْلِهَا: أَوْلَادِ أَوْلَادِ كَمَالِ الدِّينِ وَاقْتِضَائِهِ اسْتِحْقَاقِهِمْ فَحَمَلْنَا قَوْلَ النَّصِيبِ عَلَى النَّصِيبِ الذِّمِّيِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ لَوْ كَانَتْ هِيَ مُسَاوِيَةً لِقُضَاةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا قُدِّمَتْ عَلَيْهَا لِعُلُوِّهَا فِي الدَّرَجَةِ، وَهَذَا الْوَصْفُ مَفْقُودٌ فِي ابْنهَا فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا، فَإِنْ قُلْتَ هَذَا تَجَوُّزٌ فِي لَفْظِ النَّصِيبِ وَذَاكَ تَخْصِيصٌ وَالتَّخْصِيصُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَجَازِ قُلْتُ: لَنَا أَنْ نَقُولَ: النَّصِيبُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَلَا مَجَازَ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مَجَازٌ فَهُوَ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ إذَا قِيلَ بِهِ هُنَا يَكُونُ فِي مَجَالِ صُدُورِ الْوَقْفِ

стр. 782

وَتَفَاصِيلِهِ فَكَانَ وَاحِدٌ أَوْلَى وَأَيْضًا فَفَرْضُ الْوَاقِفِ يَقْتَضِي عُمُومَ الذُّرِّيَّةِ إذَا عُرِفَ هَذَا فَكَانَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُمَا لَا يَكُونُ بِالسَّوِيَّةِ بَلْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَيَكُونُ لِأَحْمَد الثُّلُثَانِ وَلِقُضَاةِ الثُّلُثُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُرَاعَى ذَلِكَ فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ إذْ لَا يَنْتَقِلُ لِأَوْلَادِهِ خَاصَّةً مِثَالُهُ إذَا كَانَ ابْنٌ وَبِنْت فَإِنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. فَإِذَا مَاتَ الِابْنُ عَنْ بِنْت وَالْبِنْتُ عَنْ ابْنٍ انْتَقَلَ لِكُلِّ مِنْهُمَا مَا كَانَ لِأَبِيهِ كَامِلًا وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ نَصِيبَيْهِمَا وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَتَرْجِيحُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّا إنَّمَا خَرَجْنَا عَنْ ظَاهِرِ لَفْظِ النَّصِيبِ إلَى أَصْل الشَّرِكَةِ لِأَجْلِ الْعُمُومِ، وَمِثْلُهُ لَا يَقْوَى هُنَا وَمَعَ هَذَا فَقُضَاةُ تُشَارِكُ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا لَهُ نَصِيبُ أُمِّهِ وَأُمُّهُ لَا تُفَضَّلُ عَنْ قُضَاةَ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّصِيبِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوَالِدَةِ، وَإِنَّمَا تُفَضَّلُ عَلَيْهِمَا فِي التَّقَدُّمِ لِعُلُوِّ دَرَجَتهَا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِمُشَارَكَةِ قُضَاةَ لِأَحْمَد وَمُنَاصَفَتهمَا صَحِيحًا ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَتْ قُضَاةُ عَنْ ابْنَيْهَا اسْتَحَقَّا نِصْفَ الْوَقْفِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّا إنْ عَمَّمْنَا قَوْلَهُ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَهُمَا ذَكَرَانِ، وَإِنْ خَصَّصْنَا فَكُلُّ وَاحِدٍ يَأْخُذُ نَصِيبَ أُمِّهِ. وَحِينَئِذٍ الْإِقْرَارُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ إذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُسْتَنَدٌ غَيْرَ مَا ذُكِرَ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْأَقْرَبُ مَا ذُكِرَ وَالْحُكْمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَا يَلْزَمُ حُكْمُهُمَا لِمَنْ بَعْدَهُمَا فَيَأْخُذُ وَلَدَا أَحْمَدَ مَا كَانَ لِأَبِيهِمَا وَيَأْخُذُ أَوْلَادُ أَمِينِ الدِّينِ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ أُنْثَى مَعَ ذَكَرٍ كَانَتْ الْقِسْمَةُ ثَلَاثَةً فِي النِّصْفِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِمَا مِنْ أَبِيهِمَا خَاصَّةً لَا فِي الْجَمِيع عَلَى مَا رَجَّحْنَاهُ مِنْ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ اهـ. كَلَامُ السُّبْكِيّ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمُخَالَفَةِ لِمَا قَالَهُ مِنْ التَّسَاوِي فِي الَّذِي قَبْلَهُ لَكِنْ إذَا تَأَمَّلْت كُلًّا مِنْ الصُّورَتَيْنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُمَا ظَهَرَ لَك أَنْ لَا مُخَالَفَةَ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ صُورَةَ السُّؤَالِ الَّذِي أَجَابَ عَنْهُ أَوَّلًا أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى أَرْبَعَةٍ سَمَّاهُمْ بَيْنهمْ بِالسَّوَاءِ أَرْبَاعًا ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ الذَّكَر وَالْأُنْثَى فِيهِ، سَوَاءٌ عَلَى أَنَّ مِنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ هَذَا عَائِدًا عَلَى ثَلَاثَةٍ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الَّتِي أَجَابَ فِيهَا بِالتَّسَاوِي فَجَوَابُهُ بِهِ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ ذَكَر فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى التَّسْوِيَةَ وَكَذَا فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ بَعْدَهَا بِقَوْلِهِ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ، سَوَاءٌ وَلَمْ يُخَصِّصْ هَذَا بِالتَّصْرِيحِ بِأَنَّ كُلَّ فَرْعٍ يَأْخُذُ جَمِيعَ نَصِيبِ أَصْلِهِ وَمَعَ هَذَا الَّذِي ذَكَره لَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ أَوْلَادٍ يَأْخُذُونَ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ السُّبْكِيّ: إنَّ هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّ التَّسَاوِي أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَتَعَيَّنَ فَاتَّضَحَ حِينَئِذٍ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِصُورَتِنَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَصُورَةُ السُّؤَالِ الَّتِي أَجَابَ عَنْهَا ثَانِيًا أَنَّ الْوَاقِفَةَ جَعَلَتْ مَا فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَمَنْ تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ لَهُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَاقْتَضَى هَذَا الصَّنِيعُ أَنْ يَنْتَقِلَ لِكُلٍّ مِنْ الْفُرُوعِ مَا كَانَ لِأَصْلِهِ كَامِلًا ثُمَّ إنْ اتَّحَدَ الْفَرْعُ أَخَذَهُ، وَإِنْ تَعَدَّدَ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا أَخَذُوهُ بِالسَّوَاءِ أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا أَخَذُوهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ أَنْصِبَاءِ الْأُصُولِ ثُمَّ يُقْسَمُ عَلَى الْفُرُوعِ بِالسَّوِيَّةِ إنْ لَمْ يَخْتَلِفُوا وَإِلَّا فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا وَقَرِيبًا إلَى لَفْظِ الْوَاقِفَةِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ لِتَصْرِيحِهِمَا بِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ يَنْتَقِلُ نَصِيبه إلَى وَلَدِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي فَوْز الْفَرْعِ بِجَمِيعِ نَصِيب الْأَصْلِ فَمِنْ ثَمَّ اتَّجَهَ قَوْلُ السُّبْكِيّ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي إلَخْ لَكِنْ لَا مُطْلِقًا لَمَا يَأْتِي فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَمْعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ وَخُذْ مِنْهُ قَاعِدَةً، وَهِيَ أَنَّهُ حَيْثُ دَلَّ صَرِيحُ كَلَام الْوَاقِفِ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ فَرْعٍ بِجَمِيعِ نَصِيبِ أَصْلِهِ اخْتَصَّ بِهِ وَلَمْ يُشَارِكهُ فِيهِ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَته وَحَيْثُ لَمْ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ كَانَ جَمِيعُ الْوَقْفِ مَقْسُومًا بِالسَّوِيَّةِ عَلَى أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا، سَوَاء أَكَانَ مَقْسُومًا عَلَى أَهْل الْأُولَى بِالسَّوِيَّةِ أَيْضًا أَمْ لَا وَلَا يُكْتَفَى فِي التَّفَاوُتِ بِالْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ التَّفَاوُتِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَصْلِ

стр. 783

الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَبِهَذَا يَزِيدُ لَك إيضَاحُ فُرْقَانِ مَا بَيْنَ صُورَتَيْ السُّبْكِيّ فَإِنَّ الْأَوْلَى لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّفَاوُت وَقَوْلُهُ: فِيهَا عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْر وَلَدٍ كَانَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ هَذَا عَائِدًا عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْ وَلَدٍ يَكُونُ جَمِيعُ مَا كَانَ لَهُ لِأَوْلَادِهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ فِي حَيَاةِ مَنْ فِي دَرَجَةِ الْمَيِّتِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ بَلْ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ يَكُونُ لَهُ فِي حَيَاةِ ذَاكَ فَقَطْ، وَأَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَهُوَ لَا يَأْخُذُ بِقَضِيَّةِ الْمَفْهُومِ بَلْ بِصَرِيحِ قَوْلِ الْوَاقِفِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَلَمْ يُفَاوِت الْوَاقِفُ فَعَمَلَ بِأَصْلِ التَّسَاوِي بِخِلَافِ قَوْلِهِ: فِي الثَّانِيَةِ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْ نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ عَلَى نَسْلِهِ إلَخْ. فَإِنَّهُ يَقْتَضِي بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ السُّبْكِيّ أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ مَاتَ الْأَصْلُ فِي حَيَاةِ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ أَمْ لَا، وَإِذْ قَدْ بَانَ لَك وَاتَّضَحَ فُرْقَانه مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَصُورَتنَا مُسَاوِيَةٌ لِلصُّورَةِ الْأُولَى وَصُورَةُ الرُّويَانِيُّ وَوَالِدِهِ لِلصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَحِينَئِذٍ فَاتَّضَحَ مَا قُلْنَاهُ فِي صُورَتنَا مِنْ التَّسَاوِي، وَمَا قَالَاهُ فِي صُورَتهمَا مِنْ عَدَمِهِ وَاتَّضَحَ أَيْضًا مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ فِي الْأُولَى مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَاهُ فِي صُورَتنَا وَمَا قَالَهُ فِي الثَّانِيَة مُوَافِقٌ لَمَا قَالَاهُ وَبَعْدَ أَنْ تَمَهَّدَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ لَا يُخَالِفُ مَا قُلْنَاهُ وَلَا نَظَائِرَهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَلَفْظُ فَتَاوِيهِ وُقِفَ عَلَى عَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا وَأَنْسَالِهِمَا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَكُلُّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَعْقَبَ صُرِفَتْ حِصَّته مِنْ ذَلِكَ إلَى عَقِبه، وَإِلَّا فَلِمَنْ فِي دَرَجَته فَمَاتَتْ فَاطِمَةُ وَلَا نَسْلَ لَهَا وَانْحَصَرَ الْوَقْفُ فِي رَجُلٍ مِنْ نَسْلِ عَائِشَةَ هِيَ جَدَّةُ أُمِّهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَغَالِيَةُ فَمَاتَتْ عَائِشَةُ فِي حَيَاةِ أَبِيهَا وَخَلَّفَتْ وَلَدَيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهَا عَنْ بَقِيَّةِ أَوْلَادِهِ الْمَذْكُورِينَ ثُمَّ مَاتَ الْأَوْلَادُ الْبَاقُونَ عَنْ أَوْلَادِهِمْ فَهَلْ يَنْتَقِلُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمْ نَصِيبُ أَبِيهِ أَمْ يُشَارِكُهُمْ وَلَدَا عَائِشَةَ الْمَيِّتَةِ فِي حَيَاةِ أَبِيهَا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ الْيَوْمَ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا يُشَارِكهُمْ أَوْلَادُ عَائِشَةَ. وَوَجْهُ عَدَمِ مُخَالَفَته لِمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ أَنَّهُ إنَّمَا تَعَرَّضَ لِعَدَمِ مُشَارَكَةِ وَلَدَيْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّ كُلًّا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ نَصِيبُ أَبِيهِ كَامِلًا أَوْ لَا نَعَمْ كَلَامُهُ قَدْ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا مَرَّ فَإِنَّ صُورَةَ مَسْأَلَته مُسَاوِيَةٌ لِصُورَةِ السُّبْكِيّ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى وَدُونَ صُورَتنَا؛ لِأَنَّ صُورَته هَذِهِ نَصَّ الْوَاقِفُ فِيهَا فِي سَائِرِ الْبُطُونِ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرْعٍ يَأْخُذُ حِصَّةَ أَصْلِهِ بِقَوْلِهِ: وَكُلُّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَعْقَبَ صُرِفَتْ حِصَّته مِنْ ذَلِكَ إلَى عَقِبه، وَإِلَّا فَمَنْ فِي دَرَجَته فَإِذَا وُجِدَ الْعَقِب كَانَ النَّصِيبُ مَصْرُوفًا إلَيْهِ بِنَصِّ الْوَاقِفِ فَلَا يَنْقُصُ عَنْهُ أَيْ: لَا بِقَيْدِهِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ كَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ الْآتِي، وَأَمَّا مَسْأَلَتنَا فَالْوَاقِفُ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِنَظِيرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّ ذَلِكَ بِالطَّبَقَةِ الْأُولَى فَقَطْ فَإِنَّهُ وَقَفَ عَلَى بِنْتَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا إلَخْ ثُمَّ شَرَطَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا أَيْ: مِنْ بِنْتَيْهِ أَيْ: عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَتْ حِصَّته لِمَنْ فِي دَرَجَته، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُمَا يَخُصُّ هَذَا الشَّرْطَ بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الطَّبَقَات فَإِذَا مَاتَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ وَلَدٍ أَخَذَ حِصَّتهَا عَمَلًا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ كَمَا مَرَّ فَإِذَا تُوُفِّيَتْ الْأُخْرَى عَنْ أَوْلَادٍ بَطَل ذَلِكَ الشَّرْطُ وَلَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ يَأْخُذُ بِهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ بِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ: ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ فَلَيْسَتْ مَسْأَلَتُنَا نَظِيرَةَ مَسْأَلَةِ الْبَغَوِيِّ هَذِهِ لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَرَّرَ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَته الْأُولَى فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَظِيرَتهَا فِي جَوَابِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مُقْتَضَى هَذَا الْوَقْفِ أَنَّ قُضَاةَ تُشَارِكُ أَحْمَدَ إلَخْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ صُورَتَيْهِمَا مُتَّحِدَتَانِ فِي سَائِرِ الْأَوْصَافِ مِنْ الْعَطْفِ بِثُمَّ، وَشَرَطَ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ. وَإِلَّا فَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَفِي أَنَّ قُضَاةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا بَلْ قَبْلَ صُدُورِ الْوَقْفِ وَوَلَدَيْ عَائِشَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُمَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِمَا أَيْضًا فَإِفْتَاءُ الْبَغَوِيِّ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِمَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ قُضَاةَ إذْ لَا سَبَبَ؛ لِإِفْتَائِهِ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّ أُمَّهُمَا تُوُفِّيَتْ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِمَا، وَهَذَا مَوْجُودٌ بِعَيْنِهِ فِي أُمِّ قُضَاةَ فَلَا تَسْتَحِقُّ لِمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ بَلْ أَوْلَى وَعَلَيْهِ فَمَا وَجَّهَ بِهِ السُّبْكِيّ اسْتِحْقَاقِهِمَا مِنْ عُمُومِ قَوْلِ الْوَاقِفَةِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ إلَخْ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ حَمْلَ قَوْلِهِ: النَّصِيب عَلَى مَا ذَكَره حِينَئِذٍ بَلْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ

стр. 784

وَبِهِ يُخَصُّ الْعُمُومُ الَّذِي ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ خَيْرٌ مِنْ الْمَجَازِ وَإِنْ تَعَدَّدَ دُونَ الْمَجَازِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْأُصُولِيِّينَ فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ:، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مَجَازٌ فَهُوَ هُنَا أَوْلَى إلَخْ وَقَوْلُهُ: لَنَا أَنْ نَقُولَ: النَّصِيب قَدْر يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ النَّصِيبَ لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ إلَّا الْمَوْجُودُ حَقِيقَةً دُونَ الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً الْمَوْجُودِ تَقْدِيرًا وَالتَّبَادُرُ عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَوْلُهُ: وَغَرَضُ الْوَاقِفِ يَقْتَضِي عُمُومَ الذُّرِّيَّةِ يُقَالُ: عَلَيْهِ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ تَصْرِيحُهُ بِخِلَافِهِ وَهُوَ هُنَا قَدْ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ كَمَا تَقَرَّرَ وَقَدْ وَقَعَ لِلسُّبْكِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ مَوَاضِعُ قَرِيبَةٌ أَوْ مُسَاوِيَةٌ لِمَا قَالَهُ هُنَا فِي النَّصِيبِ وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَأَمَّلَهُ مَعَ كَلَام الْبَغَوِيِّ هَذَا فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي رَدِّ جَمِيعِ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَنَظَائِرِهَا وَبِالضَّرُورَةِ إذَا تَعَارَضَ إفْتَاءُ السُّبْكِيّ وَالْبَغَوِيِّ فَالْأَصْلُ وَالْغَالِبُ تَقْدِيمُ إفْتَاءِ الْبَغَوِيِّ إلَّا لِمَانِعِ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْبُلْقِينِيُّ أَشَارَ فِي فَتَاوِيهِ إلَى جَمِيعِ مَا قَدَّمْته عَقِبَ كَلَام الرُّويَانِيِّ وَوَالِدِهِ وَإِلَى مَا ذَكَرْته عَقِبَ جَوَابَيْ السُّبْكِيّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِهِمَا عَلَى مَا مَرَّ وَإِلَى مَا ذَكَرْته عَقِبَ إفْتَاءِ الْبَغَوِيِّ مِنْ عَدَمِ مُخَالَفَتِهِ لِمَا ذَكَرْته فِي صُورَتِنَا وَلِمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ فِي صُورَتِهِ الْأُولَى، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ، وَعَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ ذُكُورًا وَإِنَاثًا بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، وَإِنْ سَفَلُوا تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لَهُ، وَإِلَّا فَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ وَلَدَانِ فَقَسَمَ الرِّيعَ بَيْنَ الْخَمْسَةِ سَوَاءً، ثُمَّ مَاتَ الذَّكَرَانِ الْأَوَّلَانِ عَنْ أَوْلَادٍ فَحَازُوا نَصِيبَهُمْ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْأَخِيرَانِ عَنْ غَيْرِ أَوْلَادٍ فَحَازَتْ أُخْتُهُمَا نَصِيبَهَا إذْ هِيَ فِي دَرَجَتِهِمَا ثُمَّ تُوُفِّيَتْ عَنْ وَلَدٍ وَعَنْ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسٍ مِنْ الْوَقْفِ فَأَرَادَ وَلَدُهَا حَوْزَ ذَلِكَ فَإِنَّ وَالِدَتَهُ كَانَتْ تَأْخُذُهُ فَقَالَ: أَوْلَادُ خَالَتِهِ لَيْسَ لَك إلَّا مَا كَانَتْ تَأْخُذُهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَهُوَ الْخُمُسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَنَا فَمَا الْحُكْمُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: لَا يُعْمَلُ بِمَا قَصَدَهُ وَلَدُ الْمَرْأَةِ وَلَا بِمَا قَصَدَهُ أَوْلَادُ خَالَتِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُعْمَلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْغَلَّةَ تُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَذَاكَ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ يُسَاوِي الْمَيِّتَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَجْبِ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ، وَأَنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِثُمَّ تَرْتِيبُ أَفْرَادٍ لَا تَرْتِيبُ جُمْلَةٍ. فَإِذَا مَاتَ الْأَخِيرُ مِنْ طَبَقَتِهِ أَيِّ طَبَقَةٍ كَانَتْ لَمْ تَخْتَصَّ وَلَدَهُ بِنَصِيبِهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْغَلَّةُ لِلطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مِنْ تَفْضِيلٍ وَتَسْوِيَةٍ وَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ دُونَ مَنْ هُوَ فِي طَبَقَةِ أَبِيهِ حَتَّى لَا يُحْرَمَ الْوَلَدُ فِي حَيَاةِ مَنْ يُسَاوِي أَصْلَهُ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْتِ الْأَخِيرِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَدْ وَقَعَتْ قَدِيمًا فَأَفْتَيْتُ بِهَذَا فِيهَا وَوَافَقَ عَلَيْهَا أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ وَجَدْتُ التَّصْرِيحَ بِهَا فِي أَوْقَافِ الْخَصَّافِ وَفِيهِ الْجَزْمُ بِمَا أَفْتَيْتُ بِهِ اهـ كَلَامُ الْبُلْقِينِيُّ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الْخَمْسَةِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادهمْ تَحْجُب الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلِإِخْوَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْوَة فَلِبَنِي إخْوَته فَتُوُفِّيَ أَحَدُ الْخَمْسَةِ عَنْ بَنِينَ أَرْبَعَةٍ ثُمَّ الثَّانِي عَنْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ الثَّالِثُ عَنْ ابْنَيْنِ ثُمَّ الرَّابِعُ عَنْ وَاحِدٍ فَصَارَ كُلُّ مَنْ تُوُفِّيَ لَهُ أَبٌ يَتَنَاوَلُ حِصَّةَ أَبِيهِ وَيَقْسِمُ بَنُو الْأَوَّلِ نَصِيبَهُ بَيْنهمْ أَرْبَاعًا وَبَنُو الثَّانِي أَثْلَاثًا وَبَنُو الثَّالِثِ أَنْصَافًا وَيَخْتَصُّ ابْنُ الرَّابِعِ بِحِصَّةِ أَبِيهِ ثُمَّ مَاتَ الْخَامِسُ عَنْ غَيْر وَلَدٍ فَهَلْ تَدُومُ تِلْكَ الْقِسْمَةُ مَعَ قِسْمَةِ حِصَّةِ الْخَامِسِ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ أَمْ يُقْسَمُ رِيعُ الْوَقْفِ كُلِّهِ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: إذَا مَاتَ الْخَامِسُ صَارَ أَوْلَادُ الْبَنِينَ كُلُّهُمْ طَبَقَةً وَاحِدَةً وَهُمْ عَشَرَةٌ فَيَسْتَحِقُّونَ رِيعَ الْوَقْفِ أَعْشَارًا بِالسَّوِيَّةِ بَيْنهمْ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ خُصِّصَ بِهِ حَجْبُ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا لِلسُّفْلَى فَيُعْمَلُ بِهِ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا مَوْجُودًا، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ

стр. 785

أَحَدٌ مِنْ الْعُلْيَا فَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِوَاءُ فَتَعَيَّنَ الْقِسْمَةُ بَيْنهمْ عَلَى السَّوَاءِ عَمَلًا بِمَا تَقَدَّمَ وَمِمَّنْ أَفْتَى بِذَلِكَ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ اهـ. فَإِنْ قُلْتَ فِي كَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ بَعْضُ مُخَالَفَةٍ لِمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ فِي جَوَابِهِ الثَّانِي فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا؟ قُلْتُ: الْأَوْجَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مُجَرَّد قَوْلِ الْوَاقِفِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ، فَنَصِيبُهُ لَوَلَدِهِ، وَإِلَّا فَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ لَا يَقْتَضِي عُمُومَ جَرَيَانِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ حَتَّى يَأْخُذَ الْفَرْعُ نَصِيبَ أَصْلِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَفُوزُ بِهِ حَيْثُ كَانَ فِي دَرَجَةِ أَصْلِهِ لِمَا قَرَّرَهُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِهَذَا الشَّرْطِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ يُسَاوِي الْمَيِّتَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَجْبَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ ثُمَّ فِي مَسْأَلَةِ السُّبْكِيّ وَمِنْهَا، وَمَنْ تَحْجُبُ الْعُلْيَا السُّفْلَى فِي مَسْأَلَةِ الْبُلْقِينِيُّ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَجْبِ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ، وَإِنَّ التَّرْتِيبَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ ذَلِكَ تَرْتِيبُ أَفْرَادٍ لَا تَرْتِيبُ جُمْلَةٍ فَإِذَا مَاتَ الْأَخِيرُ مِنْ طَبَقَةِ أَيِّ طَبَقَةٍ كَانَتْ لَمْ تَخْتَصَّ وَلَدَهُ بِنَصِيبِهِ. وَإِنَّمَا تَكُونُ الْغَلَّةُ لِلطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى حَسْبِ مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مِنْ تَفْضِيلٍ وَتَسْوِيَةٍ وَحِينَئِذٍ فَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ فِي جَوَابِهِ الثَّانِي ظَاهِرٌ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِأَوْلَادِ أَمِينِ الدِّين فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ لَا تَأْخُذُ أَوْلَادُهُ نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ مَاتَ آخِرًا بَلْ يَشْتَرِكُونَ هُمْ وَأَوْلَادُ أَحْمَدَ فِيمَا كَانَ بِيَدِهِمَا عَلَى حَسْبِ رُءُوسِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ الْآن لَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا الشَّرْطِ بَلْ بِقَوْلِهِ: مَا ثُمَّ أَوْلَاد أَوْلَادِهِمْ كَذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَمْ يُؤْتَ بِهِ إلَّا لِتَخْصِيصِ الْحَجْبِ الْمَذْكُورِ. (خَاتِمَة) مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ يَرُدُّ كَلَامَ السُّبْكِيّ وَمَا وَجَّهْتُ بِهِ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ بِقَوْلِي نَعَمْ فِي قَوْلِ الْبَغَوِيِّ لَا يُشَارِكهُمْ أَوْلَادُ عَائِشَةَ رَدَّ قَوْلَ السُّبْكِيّ إلَخْ رَأَيْتُ شَيْخنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ قَدْ سَبَقَنِي إلَيْهِ فِي فَتَاوِيهِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى ابْنَتِهِ سَارَةَ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهَا ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهَا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجَعَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ كَانَ لِمَنْ فِي طَبَقَتِهِ عَلَى حُكْمِ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهَا رُزِقَتْ ثَلَاثَ بَنَاتٍ وَابْنًا ثُمَّ مَاتَ فِي حَيَاةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا بِنْتَانِ وَتَرَكَتَا أَوْلَادًا ثُمَّ مَاتَتْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا وَتَرَكَتْ ابْنًا وَبِنْتًا ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ وَالْبِنْتُ وَتَرَكَا أَوْلَادًا فَهَلْ يَشْتَرِك أَوْلَادُ الْبِنْتَيْنِ اللَّتَيْنِ مَاتَتَا فِي حَيَاةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا مَعَ أَوْلَادِ الِابْنِ وَالْبِنْتِ الَّذِينَ عَاشَا بَعْدَهَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُمْ لَا يُشَارِكُونَهُمْ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ عَلَى أَنَّ مِنْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجَعَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَإِنَّهُ مُقَيِّدٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَرَضُ الْوَاقِفِ غَالِبًا أَنْ لَا يَحْرِمَ أَحَدًا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إذْ لَا يُعْمَلُ بِغَرَضِهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ شَرْطِهِ، وَقَدْ رُفِعَ إلَيَّ هَذَا السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى فَكَتَبْتُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: قَدْ أَفْتَيْتَ مَرَّةً بِالتَّشْرِيكِ وِفَاقًا لِجَمَاعَةٍ فَقُلْتُ: إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ صَادِقٍ وَبِمَا أَفْتَيْتُ بِهِ مِنْ عَدَمِ التَّشْرِيكِ أَفْتَى بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ وَالشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ وَالشَّيْخُ كَمَالُ سَلَّارٍ شَيْخُ النَّوَوِيِّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمَا السُّبْكِيّ لَكِنَّهُ أَعْنِي السُّبْكِيّ وَقَعَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنَّهُمْ أَفْتَوْا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ بِالتَّشْرِيكِ تَبَعًا لِلْخَصَّافِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ ثُمَّ قَالَ: أَعْنِي السُّبْكِيّ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ وَلَا أَشْتَهِي أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ يُقَلِّدنِي فِيهِ، بَلْ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ هَذَا نِهَايَةُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ نَظَرِي اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَتْهُ عَقِبَ كَلَامِ السُّبْكِيّ مِمَّا مَرَّ بَسْطُهُ فَرَاجِعْهُ وَاعْتَنِ بِهِ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ كَثِيرٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَام الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ يَكُونُ عَامًّا فِي الْأَخْذِ بِمَفْهُومِهِ فِي سَائِرِ الطَّبَقَاتِ، وَوَجْهُ تَوَهُّمِ ذَلِكَ يُعْلَمُ بِسِيَاقِ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ جَعَلَ نَظَرَ وَقْفٍ لِابْنِهِ خِضْرٍ ثُمَّ لِإِخْوَتِهِ ثُمَّ لِأَوْلَادِ ابْنه خِضْرٍ الذُّكُورِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ خِضْرٌ وَأَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ الْوَاقِفِ وَبَقِيَ ابْنُ بِنْتِ خِضْرٍ وَبِنْتُ ابْنِ خِضْرٍ هَلْ تَدْخُلُ الْبِنْتُ وَتُشَارِكُ أَوْ لَا تَدْخُلُ عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ؟ الْمَذْكُورِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: لَا تَدْخُلُ الْبِنْتُ فِي ذَلِكَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ الذُّكُورُ، وَهَذَا الشَّرْطُ مُسْتَمِرٌّ فِي كُلِّ بَطْنٍ وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَمَا جُعِلَ فِي الْأَوَّلِ يَجْرِي فِيمَا بَعْدَهُ اهـ. ، وَهَذَا التَّوَهُّمُ غَيْرُ

стр. 786

صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَلْحَظَ الْبُلْقِينِيُّ فِي الرُّجُوعِ قَوْلُهُ: الذُّكُورُ لِمَا بَعْدَهُ أَنَّهُ وَصْفٌ مُتَوَسِّطٌ أَوْ مُقَدَّمٌ وَهُوَ بِقِسْمَيْهِ يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ مَا بَعْدَهُ لِصَلَاحِيَّتِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُجُوعُهُ لِمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ فَإِنَّ الضَّمِيرَ، وَإِنْ كَانَ كَالصِّفَةِ فِي عَوْدِهِ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَفَّالُ إلَّا أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ فِي ضَمِيرٍ يَصْلُحُ لَلْعَوْدِ لِلْجَمِيعِ أَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ فَلَا يَعُودُ إلَّا لِمَا يَصْلُحُ لَهُ فَقَطْ وَهُوَ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلْبِنْتَيْنِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِهِمَا فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ صُورَةِ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَتْ عَلَى نَفْسِهَا ثُمَّ مَنْ سَيَحْدُثُ لَهَا مِنْ الْأَوْلَادِ وَعَلَى وَالِدَتِهَا حَلِيمَةَ وَعَلَى زَوْجِهَا أَحْمَدَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنهمْ ثُمَّ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنهمْ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ تَحْجُبُ الطَّبَقَة الْعُلْيَا السُّفْلَى عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ الْوَاقِفَةُ عَنْ بِنْتهَا كَرْكَ وَزَوْجِهَا أَحْمَدَ وَوَالِدَتِهَا ثُمَّ وَالِدَتُهَا عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ثُمَّ أَحْمَدُ عَنْ بِنْتِهِ كَرْكَ مِنْهَا وَعَنْ وَلَدِهِ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ غَيْرِهَا فَهَلْ تَسْتَحِقُّ كَرْكُ نَصِيبَ وَالِدِهَا فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ تَسْتَحِقُّ كَرْكُ نَصِيبَ وَالِدِهَا أَحْمَدَ وَلَا شَيْءَ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَلَدِهِ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْوَقْفِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَقْفِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ عَنْ الْقَفَّالِ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ اسْتِحْقَاقُهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ يَرْجِعُ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ وَكَذَا قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ إلَخْ يَرْجِعُ لِأَحْمَدَ أَيْضًا، وَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ مِنْ الْوَاقِفَةِ وَغَيْرِهَا إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ بِأَوْلَادِهِ مِنْهَا بَلْ قَوْلُهُ: مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي الشُّمُولِ وَالْعُمُومِ عَلَى أَنَّ لَنَا قَوْلًا ضَعِيفًا أَنَّ الضَّمِيرَ لَا يَرْجِعُ إلَّا إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ هُنَا أَحْمَدُ فَدُخُولُ أَوْلَادِهِ مُطْلَقًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَسُوغُ حِرْمَانُ بَعْضِهِمْ؟ فَالْوَجْهُ خِلَافُ مَا قَالَهُ وَقَدْ خَالَفَ الْبُلْقِينِيُّ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَعَقَدُوا لَهُ فِيهَا مَجَالِسَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ لَهُمْ وَلَعَلَّهُ لِشَيْءٍ ظَهَرَ لَهُ لَكِنَّ الْحَقَّ خِلَافُ مَا قَالَهُ، وَإِنْ جَلَّتْ مَرْتَبَتُهُ، وَهَذَا آخِرُ مَا تَيَسَّرَ لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَوَابِعِهَا مَعَ تَضَعْضُعِ الْحَالِ وَقِصَرِ الْبَاعِ عِنْدَ الْوُقُوعِ فِي الْمَهَامِهِ وَالْمَضَايِقِ وَسُوءِ الِاقْتِرَافِ مِنْ النَّقَائِضِ وَالْبَوَائِقِ أَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ وَجَوْدِهِ وَعَفْوِهِ وَرِضَاهُ وَلُطْفِهِ وَمَزِيدِهِ بِمِنْ لَا يَخِيبُ الْمُتَوَسِّلُونَ بِجَنَابِهِ وَلَا يَنْقَطِعُ الْمُؤَمِّلُونَ عَنْ الْعُلُوقِ فِي رِحَابِهِ أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَوَسِيلَةِ الرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشُرِّفَ وَكُرِّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَابِعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ قَرَّرَهُ نَاظِرٌ شَرْعِيٌّ فِي وَظِيفَةِ قِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ عَلَى الْحَالِّ بِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِمَعْلُومٍ قَدْرُهُ لِكُلِّ سَنَةٍ أُجْرَةُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دَارٍ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ ثُمَّ تَوَلَّى الْوَقْفَ نَاظِرٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ فَهَلْ لَهُ عَزْلُ الشَّخْصِ الْمُقَرَّرِ الْمَذْكُورِ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ وَمُبَاشَرَتِهِ لِمَا قُرِّرَ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا قُرِّرَ غَيْرُهُ وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ يَصِحُّ تَقْرِيرُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) لَيْسَ لِلنَّاظِرِ عَزْلُ الْمُقَرَّرِ الْمَذْكُورِ إلَّا بِمُسَوِّغٍ وَلَا يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ: عَزَلْتُهُ بِمُسَوِّغٍ فَاقْتَضَى عَزْلَهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ الْمُسَوِّغِ حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِمَّا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَإِذَا عَزَلَهُ وَقَرَّرَ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مَا ذُكِرَ لَمْ يَنْفُذْ عَزْلُهُ بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْعِزَالِهِ عَنْ النَّظَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ وَقَفَ أَرْضًا أَوْ أَوْصَى بِهَا عَلَى مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ بِبَلَدِ كَذَا فَهَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَالْوَصِيَّةُ أَمْ يَصِحُّ الْوَقْفُ دُونَ الْوَصِيَّةِ؟ . كَمَا نُقِلَ عَنْ الْأَصْبَحِيِّ قَالَ: لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ مَجْهُولٍ لَا آخِرَ لَهُ وَنَصَّ غَيْرُهُ عَلَى الصِّحَّةِ فِي الصُّورَتَيْنِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَتْوَى، وَحَيْثُ قِيلَ بِالصِّحَّةِ فَهَلْ إذَا أَقَامَ النَّاظِرُ مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُعَلِّمُ يَكُونُ لِلْمَوْقُوفِ وَالْمُوصَى بِهِ حُكْمُ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ حَتَّى يَلْزَمَ الْمُؤَذِّنَ وَالْمُعَلِّمَ زَكَاتُهُ إنْ بَلَغَ نِصَابًا وَصَلُحَ فِي مُلْكِهِ أَوْ يَكُونُ كَالْمَوْقُوفِ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ صِحَّةُ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ فِي الصُّورَةِ

стр. 787

الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْفٌ أَوْ إيصَاءٌ لِمُتَّصِفٍ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ وَتَعَلُّقِ كُلٍّ مِنْ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ بِالصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةِ صَحِيحٌ قَطْعًا ثُمَّ إنْ عَيَّنَ الْمُوصِي الْمُؤَذِّنَ أَوْ الْمُعَلِّمَ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَمَا نُقِلَ عَنْ الْأَصْبَحِيِّ فَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ فِي نَظِيرِ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعِبَارَته إذَا أَوْصَى أَنْ يُوقَفَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ فَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى الْغَلَّةِ لَا غَيْرَ وَيَحْكُمُ الْعُرْفُ فِي غَلَّةِ كُلِّ سَنَةٍ بِسَنَتِهَا فَمَنْ قَرَأَ جُزْءًا اسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ وَمَنْ قَرَأَ أَكْثَر كَذَلِكَ، وَإِنْ قَرَأَ الْجَمِيعَ اسْتَحَقَّ غَلَّةَ ذَلِكَ الْعَامِ، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّتُهُ بِالْأَرْضِ غَيْرَ وَقْفٍ، فَإِنْ عَيَّنَ مُدَّةَ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جُزْءًا إلَى مُدَّةِ كَذَا وَكَذَا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا إلًّا مَنْ قَرَأَ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّن الْمُدَّةَ وَقَعَتْ الْمُدَّةُ مَجْهُولَةً إذْ لَا آخِرَ لِذَلِكَ، وَالِاسْتِحْقَاقُ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ مَجْهُولٍ لَا آخِرَ لَهُ فَيُشْبِه مَسْأَلَةَ الدِّينَارِ وَفِيهَا إشْكَالٌ حَتَّى قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي آخِرِ تَفْرِيعَاتِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُهْتَدَى إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ وَقْفًا فَهُوَ أَقْرَبُ أَوْ وَصِيَّةً مُدَّةً مُعِينَةً فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّةً إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فَمُشْكِلٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الْغَرَائِبِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُ مَقْبُولٌ وَبَعْضُهُ مَرْدُودٌ فَلْنُبَيِّنْهُ، وَإِنْ اسْتَدْعَى بَسْطًا فَنَقُولُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَحْكُمُ الْعُرْفُ إلَخْ فَفِيهِ إجْمَالٌ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إذَا أَوْصَى أَنْ تُوقَفَ أَرْضٌ مَثَلًا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الْمُقَرَّرِ وَلَا وَقْتَهُ، فَهَذَا أَمْرٌ مُطْلَقٌ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ فَإِذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ فِي زَمَنِ الْوَقْفِ فِي زَمَنِ حَالِ الْوَقْفِ بِشَيْءٍ وَجَبَ تَنْزِيلُ وَقْفِهِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ، وَإِذَا نَزَلَ الْوَقْفُ عَلَى الْعُرْفِ الْمَذْكُورِ فَمَنْ وَفَّى بِجَمِيعِ مَا اقْتَضَاهُ الْعُرْفُ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْمَعْلُومِ، وَمَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِهِ نَقَصَ مِنْ مَعْلُومِهِ مَا أَخَلَّ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عُرْفٌ كَذَلِكَ فَمَا الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَقْفُ لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِأَصْلِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ فَلَا يَضُرُّ إخْلَالُهُ بِهَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَعِبَارَتُهُ وَأَمَّا مَنْ أَخَلَّ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دُونَ بَعْضٍ فَيُنْظَرُ فِي كَيْفِيَّةِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ الشَّرْطِ الَّذِي أَخَلَّ بِهِ وَمُسْتَنَدِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَضِيًا اشْتِرَاطَهُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي يَتْرُكُهُ فِيهِ وَيَتَقَيَّدُ الِاسْتِحْقَاقُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بِالْقِيَامِ بِهِ فِيهَا فَيَسْقُطُ اسْتِحْقَاقُهُ فِيهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضَاهُ وَكَانَ مَشْرُوطًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ تَرْكُهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ إخْلَالًا بِمَا هُوَ الْمَشْرُوطُ مِنْهُ فَلَا يَسْقُطُ حِينَئِذٍ اسْتِحْقَاقُهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إخْلَالُ الْمُتَّفِقَةِ بِالِاشْتِغَالِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ حَيْثُ لَا يَكُونُ الْوَاقِفُ نَصَّ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُودِهِ كُلَّ يَوْمٍ فَإِنَّ مَا هُوَ الْمُسْتَنَدُ فِي اشْتِرَاطٍ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا الْإِخْلَالِ بِحُضُورِ الدَّرْسِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ الْمُتَعَارَفِ حَيْثُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَمِنْ الْقَبِيلِ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَ مِنْ اشْتِرَاطِهِ مِنْ قِرَاءَةِ جُزْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ كُلَّ يَوْمٍ فَأَيُّ يَوْمٍ أَخَلَّ بِذَلِكَ سَقَطَ اسْتِحْقَاقُهُ فِيهِ وَلَا يُتَوَهَّمُ تَعَدِّي سُقُوطِ الِاسْتِحْقَاقِ إلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا إخْلَالُهُ بِالشَّرْطِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ وُجُودِ هَذَا الْمُسْتَحَقِّ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ كَالْأَيَّامِ الَّتِي تَقَدَّمَهُ، وَقَضَاؤُهُ لِمَا فَاتَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُثْبِتُ اسْتِحْقَاقَهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فَإِنَّ الْمُقَيَّدَ بِوَقْتٍ لَا يَتَنَاوَلُ مَا فُعِلَ فِي غَيْرِهِ اهـ. وَإِذَا تَأَمَّلْتَهُ عَلِمْت أَنَّ قَوْلَ الْمُوصِي عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي لَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ كُلَّ يَوْمٍ بَلْ عَلَى الْجُمْلَةِ هَذَا كُلُّهُ إنْ جَعَلَ قَوْلَهُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي شَرْطًا وَقَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا فَإِنَّهُ قَالَ: مَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي كَوْنِهِ مِنْ الشُّرُوطِ فَلَا يُجْعَلُ شَرْطًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَعَ الشَّكِّ وَبَيَّنَ ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ لَهُ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ صُوَرِهَا إنْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أُمُورًا غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِصِيغَةِ الِاشْتِرَاطِ؟ فَلَمْ يَقُلْ فِيهَا وَقَفْتُ عَلَى أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ كَذَا أَوْ بِشَرْطِ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ كَذَا وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَإِنَّمَا قِيلَ: فِيهَا لِيَفْعَلُوا كَيْتَ وَكَيْتَ أَوْ يَفْعَلُوا كَذَا وَكَذَا فَمِثْلُ هَذَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَوْصِيَةً وَبَيْن أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطًا اهـ. وَمَعَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَفْتُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ كَذَا أَوْ أَوْصَيْتُ لِمَنْ يَفْعَلُ كَذَا مِمَّا لِلْوَاقِفِ أَوْ الْمُوصِي فِيهِ حَظٌّ يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ نَفْعٌ بِمَنْزِلَةِ الِاشْتِرَاطِ؛ لِأَنَّهُ رَبَطَ الْوَقْفَ أَوْ الْوَصِيَّةَ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ مَقْصُودَةٍ

стр. 788

فَلَا بُدَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ وُجُودِهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَقَفْتُ كَذَا عَلَى فُلَانٍ وَيَفْعَلُ كَذَا فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الِاشْتِرَاطِ وَالتَّوْصِيَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِالشُّرُوطِ كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الْقَارِئُونَ عَلَى قَبْرِهِ اسْتَحَقُّوا الْمَوْقُوفَ أَوْ الْمُوصَى بِهِ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ عَلَى الْأَوْجَهِ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ وَلَا الْوَصِيِّ تَخْصِيصُ بَعْضِهِمْ بِهِ؛ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِتَنَاوُلِ لَفْظِ الْوَاقِفِ أَوْ الْمُوصِي لِلْكُلِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ مَنْ فِيهِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِذَا قَالَ: مَنْ قَامَ بِوَصِيَّتِي فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَأَيُّ مَنْ قَامَ بِهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا فَلَهُ الْمِائَةُ، وَإِنْ قَامَ بِهَا جَمَاعَةٌ كَانَتْ الْمِائَةُ بَيْنهمْ، وَإِذَا قَامَ بِهَا وَاحِدٌ وَكَانَ كَافِيًا مَعَ غَيْرِهِ بَعْدَ الْعَمَلِ أَنْ يُشَارِكَهُ اهـ. وَفِيهِ فَوَائِدُ وَيَأْتِي فِيمَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُعَلِّمُ مَا تَقَرَّرَ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي فِيمَنْ يَقْرَأُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا إلَّا مَنْ قَرَأَ تِلْكَ الْمُدَّةَ فَمُرَادُهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا كَامِلَةً إذْ لَوْ أَخَلَّ بِالْقِرَاءَةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ لَا نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَيْنَ بِكَمَالِهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ قِسْطٌ وَمَا فَوَّتَهُ لِمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَلِقَوْلِهِ: هُوَ فِي فَتَاوِيهِ لِمَا سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ أَرْضًا عَلَى رَجُلٍ لِيَقْرَأَ عَلَى قَبْرِ مَيِّتٍ فِي كُلّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الْقُرْآنِ فَفَاتَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَقَضَاهُ إذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَوْ يَوْمًا وَاحِدًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ حِصَّةَ ذَلِكَ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَلَا يُفِيدُ الْقَضَاءُ وَبَيَّنَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ حِصَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَهُ مَشْرُوطٌ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ وَالْقَضَاءُ لَا يُفِيدُ فِيهِ إذْ لَا يَعُودُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ فَإِنَّهُ لَوْ عَادَ لَمْ يَكُنْ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَتَقْدِيرِهِ فَائِدَةٌ اهـ. ، وَأَمَّا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَنْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ فِي هَذِهِ التُّرْبَةِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَخَلَّ بِالْقِرَاءَةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْغَلَّةِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَدَّى الْوَظِيفَةَ فَضَعِيفٌ كَمَا بَيَّنَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّن الْمُدَّةَ إلَخْ فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَا أَثَرَ لِلْجَهْلِ بِالْمُدَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ هِيَ الْقِرَاءَةُ كُلَّ يَوْمٍ فَحَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ الِاسْتِحْقَاقُ وَحَيْثُ انْتَفَتْ انْتَفَى الِاسْتِحْقَاقُ وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيد قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ كَانَ آتِيًا بِوَقْفٍ مُنْقَطِع الْأَوَّل وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ قَالَ: وَقَفْتُ كَذَا بَعْد مَوْتِي عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي صَحَّ وَكَانَ وَصِيَّةً، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَيُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الدِّينَارِ إلَخْ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ صُورَةَ مَسْأَلَةِ الدِّينَارِ الْمُشَارِ إلَيْهَا أَنْ يُوصِي لِشَخْصٍ بِدِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى بِدِينَارِ دُون مَا بَعْدهَا وَهَذِهِ لَا تُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَلْحَظَ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِيهَا فِيمَا عَدَا السَّنَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ الْمُوصَى بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِيَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ فَالْمُوصَى بِهِ لَمْ يَجْهَلْ خُرُوجَهُ مِنْ الثُّلُثِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الدِّينَارِ، وَإِذَا لَمْ يَجْهَلْ خُرُوجَ الْمُوصَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ وَأَنَاطَ الْمُوصِي اسْتِحْقَاقَهُ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ وَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ فَتَأَمَّلْ بُعْدَ مَا بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَكَأَنَّهُ لُحِظَ أَنَّ عَدَمَ تَعْيِينِ مُدَّةِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ كَعَدَمِ الْعِلْمِ بِخُرُوجِ الْمُوصَى بِهِ فِيمَا عَدَا السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الثُّلُثِ فِي مَسْأَلَةِ الدِّينَارِ، وَهَذَا بَعِيدٌ إذْ لَا جَامِعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ حَتَّى يُقَابَل أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَأَمَّا قَوْله: وَإِنْ كَانَ وَقْفًا إلَخْ فَفَرْقُهُ بَيْن الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ يَرُدُّهُ تَسْوِيَةُ الْفُقَهَاءِ بَيْنهمَا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وَمَا فَرَّقُوا بَيْنهمَا إلَّا فِي مَسَائِلَ لَا يَتَأَتَّى نَظِيرُهَا هُنَا فَوَجَبَ أَنْ لَا فَارِقَ بَيْنهمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَرُدَّ مَا قَالَهُ بِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ وَمِنْ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهَا تَقْبَلُ مِنْ الْمَجَاهِيلِ وَالتَّعْلِيقَاتِ وَغَيْرِهِمَا مَا لَا يَقْبَلُهُ الْوَقْف فَإِذَا قَالَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ مَعَ تَعْلِيقه بِشَرْطٍ مَجْهُولِ الْآخَرِ فَلْيَقُلْ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مَعَ ذَلِكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تَقْبَلُ مِنْ الْمَجَاهِيل مَا لَا يَقْبَلُهُ الْوَقْفُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ تَصَارِيفَهُمْ فِي الْبَابَيْنِ وَكَوْنُ الْوَقْفِ أَصْلُهُ الدَّوَامُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لَا يَنْفَعْهُ فِي الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّة أَيْضًا قَدْ تَكُونُ لِلدَّوَامِ، فَالدَّوَامُ لَا يَقْتَضِي فَسَادَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَصْلًا فِيهِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ وَحَيْثُ قِيلَ بِالصِّحَّةِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إنْ عَيَّنَ شَخْصًا أَوْ أَكْثَرَ وَشَرَطَ كَوْنَهُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُعَلِّمُ مَثَلًا لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ بِشَرْطِهَا، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ

стр. 789

أَحَدًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ السَّائِلِ فَلَا تَلْزَمُهُ زَكَاةٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَا زَكَاةَ فِي رِيعٍ مَوْقُوفٍ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاجِدِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَالِك بِخِلَافِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ اهـ. وَبِهَذَا يُعْلَم أَنَّ الْمُوصَى بِهِ كَذَلِكَ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمُوصِي مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُعَلِّمُ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَة) وَقَفَ دَارًا عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا وَشَرَط النَّظَرَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِوَلَدِهِ الْمُعَيَّنِ ثُمَّ لِلْأَرْشَدِ وَحَكَمَ بِمُوجِبِ الْوَقْفِ وَبِصِحَّتِهِ وَلُزُومِهِ حَنَفِيٌّ، وَشَرَطَ أَنْ يَبْدَأ بِعِمَارَتِهِ مِنْ أُجْرَتِهِ بِنَظَرِ وَلَدِهِ الْمَذْكُورِ فَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَضَعَ وَلَدُهُ يَدَهُ وَأَجَّرَهُ مِائَةَ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجِ لِعِمَارَتِهِ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْإِيجَارِ شَافِعِيٌّ فَهَلْ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ يَتَنَاوَلُ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِ هَذِهِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنْ لَا تَجُوزَ إجَارَةُ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ؟ (فَأَجَبْتُ) الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِجَمِيعِ الْآثَارِ الَّتِي يَرَاهَا الْحَاكِمُ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: مُخَالِفًا لِكَلَامِ شَيْخِهِ الْإِمَام الْبُلْقِينِيُّ بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الْحُكْمِ بِهَا، مِثَالُهُ أَنْ يَحْكُمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجِبِ تَدْبِيرٍ فَمِنْ مُوجِبِهِ عِنْدَهُ مَنْعُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فَقَدْ حَكَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لِلسَّيِّدِ مِنْهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ شَافِعِيٌّ فِيهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ لَوْ وَقَعَ فَإِنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا بِقَضِيَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجِبِ هَذَا الْوَقْفِ مُتَضَمِّنٌ لِحُكْمِهِ بِامْتِنَاعِ إجَارَتِهِ مُدَّةً لَا يُجِيزُهَا الْحَنَفِيُّ؛ لِأَنَّ هَذَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ حُكْمِهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ وَعَلَى التَّنَزُّل، وَأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ لَا يَشْمَلُ ذَلِكَ فَإِجَارَةُ النَّاظِرِ الْوَقْفَ مِائَةَ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِذَلِكَ بَاطِلَة كَمَا حَرَّرَهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ حَيْثُ قَالَ: مَا يَفْعَلهُ حُكَّامُ مَكَّةَ مِنْ إجَارَةِ دُورِ الْوَقْفِ الْخَرِبَةِ السَّاقِطَةِ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا عِنْد الِاحْتِيَاجِ لِأُجْرَةِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ حَسَنٌ يَسُوغُ اعْتِمَادُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ حَاصِلٌ يَعْمُرُ بِهِ وَلَا وُجِدَ مَنْ يُقْرِضُ الْقَرْضَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعِمَارَةِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِجَارَةِ مُدَّةً مُسْتَقْبَلَةً بِأُجْرَةٍ حَالَةٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِذَلِكَ فَإِجَارَةُ النَّاظِرِ الْمَذْكُورَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَذْرَعِيَّ قَالَ: لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْوَقْفِ مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِهْلَاكِ الْوَقْفِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ إجَارَةَ النَّاظِرِ الْمَذْكُورَةَ بَاطِلَةٌ عِنْد الْحَنَفِيِّ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. (سُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ وَقَفَ أَرْضًا لِتُزْرَعَ غَلَّتُهَا كُلَّ سَنَةٍ أَوْ لِتُصْرَفَ غَلَّةُ كُلِّ سَنَةٍ أَوْ قَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ سَنَةٍ لِمَنْ يُهَلَّل لَهُ كُلَّ سَنَةٍ كَذَا أَوْ لِلْمُعَلِّمِ أَوْ مَنْ يُعَلِّمُ بِبَلَدٍ كَذَا أَوْ أَوْصَى كَذَلِكَ، وَقُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ وَكَانَتْ تَزِيدُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ فَهَلَّلَ وَعَلَّمَ سَنَةً ثُمَّ مَاتَ أَوْ امْتَنَعَ أَوْ عُزِلَ أَوْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ وَلَمْ تُغَلَّ فِي سَنَتِهِ أَوْ لَمْ تَفِ بِالْقَدْرِ فَهَلْ يُعْطَى غَلَّةَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ يُكَمَّلُ الْقَدْرُ مِنْهَا؟ أَيْ: مِنْ غَلَّتِهَا أَوْ يُسْتَرَدُّ مِمَّا يُصْرَفُ لِلْأَقْرَبِ إلَى الْوَاقِفِ فِي مَاضِي الزَّمَانِ حَيْثُ صَرَفْنَا الزَّائِدَ عَلَى الْمُقَدَّرِ إلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْن أَنْ يَقُولَ: وَمَا فَضَلَ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ سَنَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الشَّرْطِ بِكُلِّ سَنَةٍ فَلَا يُسْتَرَدُّ حِينَئِذٍ أَوْ يُطْلَقُ فَيُسْتَرَدُّ وَقَدْ يَقُولُ: الْوَاقِفُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ بِصَرْفٍ مِنْ غَلَّتِهَا أَعْنِي الْقَدْرَ الْمَعْلُومَ فِي صُورَتِهِ، وَإِنْ أَجْدَبَتْ أَيْ: لَمْ تُغِلَّ فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ وَيَلْزَمُ حَيْثُ وَقَعَ فِي نَفْسِ الْوَاقِفِ أَوْ الْوَصِيَّةِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِصُورَةِ شَرْطٍ أَوْ لَا؟ وَلِأَبِي زُرْعَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُهِمَّاتِ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ كَمَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُ سَيِّدِي؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَنْ وَقَفَ أَرْضًا أَوْ أَوْصَى بِهَا لِتُصْرَفَ غَلَّتُهَا أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا إلَى مَنْ يَفْعَلُ كَذَا، فَإِنْ جَاءَتْ كُلَّ سَنَةٍ بِقَدْرِ مَا شَرَطَ فَذَاكَ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَيْهِ، فَالزِّيَادَة لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا آخَرَ هَذَا إنْ بَاشَرَ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ جَمِيعَ السَّنَةِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُبَاشِرْهُ جَمِيعَ السَّنَةِ كَأَنْ مَاتَ أَثْنَاءَ السَّنَةِ أَوْ امْتَنَعَ أَوْ عُزِلَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ مُغَلِّ تِلْكَ السَّنَةِ قِسْطَ مَا بَاشَرَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مُقَدَّرٌ فَإِنْ وَفَّى الْمُغِلُّ بِقَدْرَيْهِمَا فَذَاكَ، فَإِنْ نَقَصَ وُزِّعَ عَلَيْهِمَا بِالنِّسْبَةِ

стр. 790

عَلَى مُقَدَّرَيْهِمَا فَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَشَرَةٌ وَلِلْآخَرِ عِشْرُونَ اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ ثُلُثَ الْحَاصِلِ وَالثَّانِي ثُلُثَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُقَدَّرٌ كُلٌّ لِصَاحِبِ الْمُقَدَّرِ مِنْ رِيعِ السَّنَة الثَّانِيَةِ كَأَصْحَابِ الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ، وَمَنْ يَكُونُ كَالْعَصَبَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْوَاقِفُ: وَمَا فَضَلَ بِكُلِّ سَنَةٍ فَلَا يَكْمُلُ حِينَئِذٍ مُغَلُّ سَنَةٍ مِمَّا قَبْلهَا وَلَا مِمَّا بَعْدَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، بَلْ إنْ وَفَّى مُغِلُّ كُلِّ سَنَةٍ بِأَرْبَابِ الْوَقْفِ فَذَاكَ، وَإِنْ زَادَ فَالزِّيَادَةُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ، وَإِنْ نَقَصَ وُزِّعَ بِحَسْبِ مُقَدَّرَاتِهِمْ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ. وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ فِي فَرْعِ ابْنِ الْحَدَّادِ وَهُوَ مَا إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارٍ كُلَّ شَهْرٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ وَبَعْدَهُ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكْمُلُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ رِيعِ الشَّهْرِ الثَّانِي لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْن الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّ الْبَاقِيَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَقٌّ لِلْوَارِثِ تَبَعًا لِلرَّقَبَةِ فَلَا يُزَاحِمُهُ فِيهِ الْمُوصَى لَهُ بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّ الرِّيعَ مُسْتَحَقٌّ لِأَصْحَابِهِ بِجِهَةِ الْوَقْفِ فَقُدِّمَ فِيهِ الْمُقَدَّرُ مُطْلَقًا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَوْ كَمُلَ الْمُقَرَّرُ فِي سَنَةٍ وَأَعْطَى مَا فَضَلَ مِنْهَا لِمَنْ بَقِيَ مِمَّنْ لَا مُقَدَّر لَهُ ثُمَّ نَقَصَ فِي سَنَةٍ أُخْرَى بَعْدَهَا فَهَلْ يُسْتَرَدُّ فِيمَا إذَا لَمْ يَخُصَّ كُلَّ سَنَةٍ بِهَا مَا صُرِفَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَوْجَهُ الِاسْتِرْدَادُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْأَمْلَاكِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِنَقْصِ الْمُقَدَّرِ فِي سَنَةٍ؟ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُكْمِل مِنْ غَيْرِهَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ صُرِفَ لَهُمْ الْبَاقِي لَا يَمْلِكُونَهُ الْآن، وَأَنَّ مِلْكَهُمْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ مِلْكًا مُرَاعًى وَبِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا قُبِضَ بِاسْتِحْقَاقِ أَنْ يَسْتَمِرَّ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقِ وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْته فِي بَعْضِ هَذَا التَّفْصِيلِ إفْتَاءُ الشَّرَفِ الْمَقْدِسِيِّ وَهُوَ مِنْ مَعَاصِرِي النَّوَوِيِّ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَكَان مَوْقُوفٍ عَلَى جَمَاعَةٍ وَعَلَيْهِمْ وَظَائِف شَرَطَهَا الْوَاقِفُ وَجَامِكِيَّةٌ وَجِرَايَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَالْجِرَايَةِ فِي بَعْضِ السِّنِينَ تَعْجِزُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْقَفِ عَنْ الْوَفَاءِ بِهَا. وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْف مُغَلٌّ قَائِم مِنْ بَعْضِ الْأَوْقَافِ الْبُرَانِيَّةِ عَلَى الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَمَّا حَصَلَ الْمُغَلُّ تَحْتَ يَدِ النَّاظِرِ أَرَادَ حَبْسَهُ لِيَصْرِفَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ الْجَامِكِيَّةِ وَالْجِرَايَةِ وَأَرَادَ مُبَاشِرُو الْوَقْفِ أَنْ يُكَمِّلَ لَهُمْ مَا تَأَخَّرَ مِنْ مَعْلُومِهِمْ فَأَيُّهُمْ يُجَابُ؟ وَهَلْ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَصْرِفَ مِنْ مُغَلِّ هَذِهِ السَّنَة الَّتِي تَأَخَّرَ فِيهَا مَا ذُكِرَ مِنْ سَنَتِهِمْ الَّتِي بَاشَرُوا فِيهَا أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِمَا صُورَتُهُ يُجَابُ مَنْ كَانَ الْمُغَلُّ قَائِمًا فِي الْأَرْضِ فِي زَمَنِ مُبَاشَرَتِهِ وَيُكَمَّلُ لَهُمْ مِنْهُ مَعْلُومَهُمْ الْمَشْرُوطَ لَهُمْ عَلَى قَدْرِ مُبَاشَرَتِهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفُ فِي غَيْرِ السَّنَة الَّتِي كَانَ الْمُغَلُّ فِيهَا شَيْءٌ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إلَّا مَا يَفْضُلَ عَنْ الْمُسْتَحَقِّينَ فِي سَنَةَ الْمُغَلُّ اهـ. وَأَفْتَى غَيْرُهُ فِيمَنْ وَقَفَ أَرْضًا لِيُصْرَفَ مِنْ غَلَّتِهَا لِلْمُعَلِّمِ بِبَلَدِ كَذَا شَيْءٌ مَعْلُومٌ سَنَةً وَامْتَنَعَ ثُمَّ عَلَّمَ غَيْرُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ فِي سَنَةٍ إلَّا دُون مَا شُرِطَ لَهُ فَهَلْ يُكَمَّلُ لَهُ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ؟ وَهَلْ لَوْ مَاتَ أَثْنَاء السَّنَةِ يَسْتَحِقُّ بِقِسْطِهِ فِي الثَّانِيَةِ وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى جِهَاتٍ وَذَكَرَ لِبَعْضِهَا مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَمَا فَضَلَ مِنْ الرِّيعِ عَمَّا قَدَّرَهُ يَكُونُ لِلْجِهَاتِ الْفُلَانِيَّةِ فَجَاءَ فِي سَنَةِ الرِّيعِ أَقَلُّ مِنْ الْمُقَدَّرِ ثُمَّ كَثُرَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَهَلْ يُكَمَّلُ لِلْمُقَدِّرِ وَيُعْطِي الْفَاضِلَ لِلْمَشْرُوطِ لَهُمْ الْبَاقِي بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْمُقَدَّرِ يُكَمِّلُ لَهُمْ كَأَصْحَابِ الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ، وَمَنْ لَهُ الْبَاقِي كَالْعَصَبَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْوَاقِفُ: وَمَا فَضْلُ كُلِّ سَنَةٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الشَّرْطِ بِكُلِّ سَنَةٍ اهـ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُهِمَّاتِ عَنْ السُّبْكِيّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ أَثْنَاءَ سَنَةٍ وَلَمْ تُغِلَّ الْأَرْضُ إلَّا بَعْد مَوْتِهِ أُعْطِيت حِصَّتُهُ لِوَارِثِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَنْ مَاتَ أَثْنَاءَ سَنَةٍ يَسْتَحِقُّ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُل مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ مُغَلٌّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ مِنْهُ بِالْقِسْطِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا شَيْءٌ لَمْ يُسْتَحَقَّ شَيْءٌ، وَقَوْلُ الْوَاقِفِ أَوْ الْوَصِيِّ عَلَى أَنْ يَصْرِفَ مِنْ غَلَّتِهَا، وَإِنْ لَمْ تُغِلّ كَلَام لَغْو فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَيَصِحُّ الْوَقْفُ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي صُلْبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ مُتَنَافِيًا لِخُصُوصِ الْوَقْفِ حَتَّى يُبْطِلهُ، بَلْ الْعُمُومُ اشْتِرَاط الْإِمْكَانِ فِي اتِّحَادِ الْأَشْيَاءِ الْمُمْكِنَةِ وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ فَيَكُونَ فِي حَيِّزِ النُّطْقِ بِالْهَذَيَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَة) هَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ بِشَرْطِ الْعُزُوبِيَّةِ (أَجَبْت) الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِشَرْطِ الْعُزُوبَةِ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ

стр. 791

وَفِي فَتَاوَى الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ لِمُخَالَفَتِهِ طَلَبَ التَّزَوُّجِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ اهـ. ، وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ ذَلِكَ إنْ كُنَّا نَشْتَرِطُ فِي شُرُوطِ الْوَاقِفِ أَنْ تَكُونَ قُرْبَةً أَمَّا إذَا لَمْ نَشْرِطْ فِيهَا ذَلِكَ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَكْثَرِينَ فَلَا نُلْغِي هَذَا الشَّرْطَ وَفِي الْخَادِمِ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ وَلَا يَصِحَّ إلَّا عَلَى جِهَةٍ تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَة إنَّ كُلَّ شَرْطٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قُرْبَة لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَالْوَقْفُ بِشَرْطِ الْعُزُوبِيَّةِ بَاطِلٌ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ رِعَايَةِ الْقُرْبَة فِي أَصْلِ الْوَقْفِ رِعَايَتهَا فِي شُرُوطِهِ فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى عِيَالِهِ هَلْ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ أَوْ يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ وَإِذَا قَضَى الْعُرْفُ بِهَذَا يُعْمَلُ بِهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ مِنْ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِبَلَدِ الْوَاقِفِ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ عَلِمَهُ الْوَاقِفُ قَبْلَ وَقْفِهِ، وَإِلَّا نَزَلَ وَقْفُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ. (وَسُئِلْتُ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِ مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ فَإِذَا انْقَرَضُوا كَانَ عَلَى جِهَات بِرٍّ عَيَّنَهَا وَشَرَط النَّظَر لِلْأَرْشَدِ مِنْ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ مِنْ الذُّرِّيَّةِ فَمَاتَ الْأَوَّلُ عَنْ غَيْرِ عَقِبٍ وَانْتَهَى إلَى الْوَرَثَة وَهُمْ إذْ ذَاكَ وَلَد الْوَاقِفِ لِصُلْبِهِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَبِنْت ابْن لَهُ آخَر فَمَاتَ الْوَلَدُ عَنْ بِنْتِهِ وَبِنْتِ أَخِيهِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَبَنِي عَمِّهِ ثُمَّ بِنْت الْوَاقِفِ عَنْ أَوْلَادٍ وَبَنِي عَمٍّ فَهَلْ لِبِنْتِ الِابْن مَعَ عَمِّهَا وَعَمَّتِهَا شَيْءٌ أَوْ بَعْدَهُمَا وَكَذَا بَنُو الْعَمِّ؟ وَهَلْ هُوَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنهمْ؟ وَهَلْ مَا لِلْبِنْتِ يُنْقَلُ لِأَوْلَادِهَا؟ وَهَلْ قَوْلُهُ: أَوَّلًا بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ يَجْرِي كَذَلِكَ فِي الْوَرَثَةِ فَيُفِيدُ انْتِقَاله إلَى سَائِرِ بُطُونِهِمْ عَلَى التَّرْتِيبِ وَهَلْ الشَّرْطُ تَابِعٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَبْت) الْعِبْرَةُ فِي كَوْنِهِمْ وَرَثَة بِوَقْتِ انْقِرَاضُ مَنْ قَبْلَهُمْ فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّهُ الْوَلَدَانِ الذَّكَر وَالْأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا مَاتَ الذَّكَرُ أَخَذَتْهُ الْأُنْثَى جَمِيعَهُ فَإِذَا مَاتَتْ وَانْتَقَلَ إلَى الْجِهَاتِ الَّتِي عَيَّنَهَا بَعْد الْوَرَثَةِ بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ لَا يُفِيدُ تَرْتِيبًا وَمُسْتَحِقُّ النَّظَرِ الْأَرْشَدِ مِنْ الْوَارِثِينَ الْمَوْجُودِينَ عِنْد وُجُودِهِمَا وَالْأُنْثَى عِنْد انْفِرَادِهَا إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ صَدَقَةٍ عَلَى وَارِدِ مَسْجِدٍ ثُمَّ وَسَّعَ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا وَقُلْنَا: لَا بُدَّ مِنْ وُرُودِهَا لِأَجْلِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ لَمْ نَقُلْ بِهِ فَهَلْ الْوَارِدُ فِي الزِّيَادَةِ كَالْوَارِدِ فِي الْمُزَادِ عَلَيْهِ؟ وَتَلْحَقُ الزِّيَادَةُ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ حَتَّى يُسْرِجَ فِيهَا مِنْ صَدَقَتِهِ وَيَشْتَرِي لَهَا الْحُصْرَ مِنْ صَدَقَتِهِ الْمَوْجُودَة قَبْلَ فِعْلِ الزِّيَادَةِ وَهَلْ تَدْخُلُ الزِّيَادَةُ فِي الصَّدَقَةِ الْحَادِثَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ بَعْد حُدُوثِهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَوْ لَا؟ وَهَلْ يَأْتِي ذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ كَبِئْرٍ عُمْقُهُ عِشْرُونَ ذِرَاعًا وَلَهُ صَدَقَةٌ عَلَى رَشَاهُ فَعَمَّقَ إلَى ثَلَاثِينَ؟ وَهَلْ الْوُرُود شَرْطٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْوَارِدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَوْ يُفَرَّقُ بَيْن وَارِدٍ وَوَارِدٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا فَرْقَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَكْبَرَ وَذُو الْجُرُوح السَّيَّالَةِ وَيَلْحَقُ بِهِمَا الْأَجْذَمُ أَوْ لَا؟ وَقَدْ أَفْتَى أَبُو شُكَيْلٍ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِأَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَأَفْتَى آخَرُ بِالْمَنْعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ وُرُود وَفِي شَرْحِ الْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ لِلتَّنْبِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْذُورِ عَنْ مَبِيتِ مِنًى كَلَامٌ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ فِيمَا أَظُنُّ فَتَفَضَّلُوا بِإِيضَاحِهِ وَبَسْطِهِ وَتَحْصِيل الْمُرَادِ مِنْهُ لِتَعْظِيمِ فَائِدَتِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يُتَّجَهَ لِي أَنَّ الْوُرُودَ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ وَقَعَتْ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ فَالْأَصْلُ أَنَّهَا لِلِاشْتِرَاطِ حَتَّى يُوجَد مِنْ كَلَامِهِ أَوْ بِقَرِينَةٍ خَارِجِيَّةٍ مَا يَصْرِفُهَا عَنْ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ نَقُولُ: مَحَلّ كَوْن الْوُرُودِ شَرْطًا مَا لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ حَالَ الْوَقْفِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلّ مُطَّرِدًا بِإِنَّ الْمُرَاد بِالْوُرُودِ إلَى الْمَسْجِدِ مَا يَشْمَلُ دُخُوله وَالْإِقَامَة عَلَى بَابِهِ أَوْ بِقُرْبِهِ وَيَكُونُ الْوَاقِفُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعُرْفِ فَحِينَئِذٍ يُتَّجَهُ أَنَّ الْوُرُودَ لَيْسَ شَرْطًا لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مَعْرُوفٌ أَنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ مُنْزَلٌ مَنْزِلَة شَرْطٍ فَيُنَزَّلُ الْوَقْفُ عَلَى الْعُرْفِ الْمَذْكُورِ كَمَا يُنَزَّلُ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ وَعَلَى التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ إطْلَاق مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ الْوُرُود شَرْطٌ أَوْ لَيْسَ بِشَرْطٍ

стр. 792

؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ الَّذِي يُنَزَّلُ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ إفْتَاءُ ابْنِ الصَّلَاحِ بِنَظِيرِهِ وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ وَلَا بَأْسَ بِذَكَرِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ بَسْطٍ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَدْرَسَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَوُقِفَ لَهَا شَيْءٌ عَلَى فُقَهَائِهَا وَمُتَفَقِّهِيهَا هَلْ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ مَنْ يَشْتَغِلُ بِهَا وَلَا يَحْضُرُ دَرْسَ الْمُدَرِّسِ أَوْ يَحْضُرُ الدَّرْس وَلَا يَحْفَظُ شَيْئًا وَلَا يُطَالِعُ أَوْ يَشْتَغِلُ بِالْمُطَالَعَةِ وَحْدَهَا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: يُلْحَظُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَغَيْرِهَا شُرُوط الْوَاقِفِ فَمَا كَانَ مِنْهَا مُخِلًّا بِمَا نَصَّ الْوَاقِفُ عَلَى جَعْلِهِ شَرْطًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ قَادِحٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إخْلَالٌ بِشَيْءٍ مِمَّا اشْتَرَطَهُ الْوَاقِفُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَكِنْ فِيهِ إخْلَالٌ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْعُرْفُ وَاقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ، فَالِاسْتِحْقَاقُ يَنْتَفِي بِهَذَا الْإِخْلَال أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الْوَاقِفُ لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ لِتَنَزُّلِ الْعُرْفِ فِي هَذَا مَنْزِلَة الِاشْتِرَاطِ لَفْظًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ الْإِيمَاءُ إلَى بَيَانِهِ فِي الْفُتْيَا الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ وَنَعْنِي بِهِ الْعُرْفَ الَّذِي قَارَنَ الْوَقْفَ. وَكَانَ الْوَاقِفُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إخْلَال بِمَا ظَهَرَ اشْتِرَاطُهُ لَفْظًا وَعُرْفًا وَمَا لَا تَرَدُّدَ فِي كَوْنِهِ مِنْ الشُّرُوطِ فَلَا يَقْدَحُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَمَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي كَوْنِهِ مِنْ الشُّرُوطِ فَلَا يُجْعَلُ شَرْطًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَعَ الشَّكِّ فَلَا يَمْنَعنَا مِنْ الْحُكْمِ بِالِاسْتِحْقَاقِ كَوْنُنَا تَرَدَّدْنَا، وَالْأَصْلُ عَدَمه؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ قَدْ تَحَقَّقَ وَشَكَكْنَا فِي تَقْيِيده بِشَرْطٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْقَيْدِ، وَالشَّرْطُ وَالْحُكْمُ هُنَا عَلَى ذَلِكَ وَلَهُ فِي بَابِ الْوَقْفِ نَفْسه شَاهِدٌ مَسْطُورٌ هَذَا مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِيمَا لَوْ انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى تَرْتِيبٍ أَوْ تَشْرِيكٍ وَتَنَازَعَ أَرْبَابُ الْوَقْفِ فِي ذَلِكَ وَلَا بَيِّنَة قَالُوا: يُجْعَلُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ هَذَا مَعَ أَنَّ الشَّكَّ فِي التَّرْتِيبِ يُوجِبُ شَكًّا فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْآن وَكَذَا الشَّكُّ فِي التَّفْضِيلِ يُوجِبُ شَكًّا فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ مَا حُكِمَ لَهُ بِتَنَاوُلِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ لَكِنَّ أَصْلَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ سَبَبٌ مُتَحَقِّقٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمْ وَمَعَ هَذَا فَالْأَوْلَى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ لَا يُتَنَاوَلَ وَمِنْ صُوَرِهَا أَنْ يَذْكُرَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أُمُورًا غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِصِيغَةِ الِاشْتِرَاطِ فَلَمْ يَقُلْ فِيهَا وَقَفْت عَلَى أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا أَوْ بِشَرْطِ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا فَهَلْ هَذَا مُتَرَدِّدٌ بَيْن أَنْ يَكُونَ تَوْصِيَةً وَبَيْن أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطًا؟ وَبَعْد هَذِهِ الْحِيلَةِ فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ يَشْتَغِلُ بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَحْضُر الدَّرْسَ لَا يَثْبُت لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ حَيْثُ إنَّ حُضُورَ الْمُتَفَقِّهِ بِالْمَدْرَسَةِ دُرُوسَ مُدَرِّسهَا هُوَ الْعُرْفُ الْغَالِبُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْوَاقِفِ التَّعَرُّضُ لِإِسْقَاطِهِ فَنُزِّلَ مُطْلَقُ وَقْفِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ الْحِفْظَ فَمَنْ يَحْضُرُ الدَّرْسَ وَلَا يَحْفَظُ، وَلَا يُطَالِعُ يَسْتَحِقُّ إنْ كَانَ فَقِيهًا مُنْتَهِيًا فِيهَا أَوْ كَانَ يَتَفَقَّهُ مِمَّا يَسْمَعُهُ مِنْ الدَّرْسِ لِكَوْنِهِ يَفْهَمهُ وَيَتَعَلَّقُ بِذِهْنِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَلَا مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ، وَإِنَّمَا وُقِفَ عَلَيْهِمْ فَحَسْب وَعَلَى هَذَا فَمَنْ لَا يَحْضُر الدَّرْسَ، وَإِنَّمَا اشْتِغَالُهُ بِالْمُطَالَعَةِ وَحْدَهَا يَسْتَحِقُّ إنْ كَانَ مُنْتَهِيًا أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَتَفَقَّهُ بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَحِقُّ إذَا لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا اهـ. لَفْظُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَمَا ذَكَرَهُ وَمِنْ أَنَّهُ إذَا انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ جُعِلَ بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ كَانَ فِي يَدِ جَمِيعِهِمْ أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: وَالْفُتْيَا الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: عَلَى مَا تَقَدَّمَ الْإِيمَاءُ إلَى بَيَانِهِ فِي الْفُتْيَا قَبْلَ هَذِهِ هِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَدَارِسِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْفُقَهَاءِ هَلْ لِغَيْرِهِمْ دُخُولُ بُيُوتِ الْخَلَاءِ فِيهَا وَالْجُلُوسُ فِي مَجَالِسِهَا وَالشُّرْبِ مِنْ مَائِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الْعُرْفُ فِي الْمَدَارِس وَيُنَزَّل الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَة اشْتِرَاطِ الْوَاقِفِ لَهُ فِي وَقْفه تَصْرِيحًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ تَأْثِيرِ الْعُرْفِ فِي أَلْفَاظِ الْعُقُودِ وَمُطْلَقَاتِ الْأَقْوَالِ وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ تَنَزُّلُ الْعُرْف فِي تَبْقِيَةِ الثِّمَارِ إلَى أَوَانِ الْجِذَاذ مَنْزِلَة اشْتِرَاطِ التَّبْقِيَة فِيمَا اُسْتُبْقِيَتْ وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِنَظِيرِ هَذَا وَنَقَلَ الْفُتْيَا إلَى الْأَحْيَاءِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فِيمَا إذَا وَقَفَ رِبَاطًا لِلصُّوفِيَّةِ فَذَكَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ الصُّوفِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُمْ بِرِضَاهُمْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ الْوَاقِفَ لَا يَقِفُ إلَّا مُعْتَقِدًا فِيهِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الصُّوفِيَّةِ

стр. 793

فَيُنَزَّلُ عَلَى عَادَتِهِمْ وَعُرْفِهِمْ اهـ. لَفْظه أَيْضًا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعُرْفِ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَقَرُّوهُ مَا لَفْظُهُ فِي الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرُوطِ ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَرْطٍ بِهَذَا الْعُرْفِ بِتَخْصِيصِهِ اهـ. وَبِمَا ذَكَرَاهُ فِي ذَلِكَ يَتَّضِحُ مَا ذَكَرْته مِنْ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِي الْوُرُود، فَإِنْ قُلْت: مَحَلُّ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ فِيمَا لَمْ يَنُصُّ الْوَاقِفُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ صَدْرِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَقَوْل الْوَاقِف عَلَى وَارِدِ مَسْجِدٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَقَفْت هَذَا عَلَى الْغَنِيِّ أَوْ الْفَقِيرِ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْله وَقَفْته عَلَى فُلَانٍ بِشَرْطِ كَوْنِهِ فَقِيرًا مَثَلًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: عَلَى وَارِد مَسْجِدِ بَلَدٍ كَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: بِشَرْطِ وُرُوده مَسْجِدَ كَذَا وَهُوَ إذَا قَالَ هَذَا الْأَخِيرَ لَا يُنْظَرُ فِيهِ لِلْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا مَرَّ فَكَيْفَ حَكَّمْتُمْ الْعُرْفَ فِي هَذَا؟ وَلِمَ لَمْ تَقُولُوا حَيْثُ انْتَفَى الْوُرُود لَا اسْتِحْقَاق أَصْلًا؟ قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْن الْوُرُود وَنَحْو الْفَقْرِ وَالْغِنَى بِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ فَرُجِعَ فِيهَا إلَيْهِ وَلَمْ يُرْجَعْ لِلْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّر الْمَدْلُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحَمْل عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْوُرُود فَإِنَّهُ لَا ضَابِطَ فِي الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ وَكُلُّ لَفْظٍ لَا مَدْلُولَ لَهُ فِي الشَّرْعِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَدْلُولِهِ فِي الْعُرْفِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قُلْنَا فِي الْوُرُود: إنَّهُ لِلِاشْتِرَاطِ فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَنْ وَرَدَ الْمَسْجِدَ مَا لَمْ يَطَّرِدْ الْعُرْفُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ. وَحَيْثُ قُلْنَا: إنَّ الْوُرُودَ إلَى الْمَسْجِدِ شَرْطٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْوَارِدِ أَنْ يَحِلَّ لَهُ الْمُكْث فِي الْمَسْجِدِ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ نَوَى نَحْو الْجُنُبِ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمُكْثِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي حُصُولِ الِاعْتِكَافِ فَكَذَا يُقَالُ: هُنَا بِنَظِيرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْصِيَتَهُ مِنْ حَيْثُ الْمُكْثِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي حُصُولِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ مَعْصِيَةً وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ كَمَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ لَابِسُ الْخُفِّ الْمُحَرَّمِ لَهُ الْمَسْح بِخِلَافِ مَا إذَا حُرِّمَ لِذَاتِ اللُّبْسِ كَأَنْ كَانَ مُحْرِمًا وَلَبِسَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْح عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ مِنْ حَيْثُ اللُّبْسِ الَّذِي بِهِ الرُّخْصَةُ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِبَاحَتِهَا وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ هُنَا مِنْ حَيْثُ الْوُرُودِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ الِاسْتِحْقَاقَ لِئَلَّا يُتَوَصَّلَ إلَيْهِ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْوَاقِفَ نَصَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لَغَا وَقْفُهُ أَوْ شَرْطه؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ عَلَى ذِي الْمَعْصِيَةِ أَوْ اشْتِرَاطِ مَا فِيهِ مَعْصِيَةٌ كُلٌّ مِنْهُمَا لَغْوٌ. ثَانِيهِمَا هَلْ يَسْتَحِقُّ مَنْ وَرَدَ إلَى زِيَادَةِ الْمَسْجِدِ الْحَادِثَةِ بَعْد الْوَقْفِ الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ؟ ، فَإِنْ كَانَ قَالَ: وَقَفْت هَذَا عَلَى وَارِدِ هَذَا الْمَسْجِدِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْوَارِدُ إلَى الزِّيَادَةِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ قَالَ: عَلَى وَارِدِ مَسْجِدِ بَلَدِ كَذَا اسْتَحَقَّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَوَّلِ هَذَا الْمَسْجِد لَمْ يَتَنَاوَل الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهَا حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْإِشَارَةُ تَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ، فَالْوَارِدُ إلَى الزِّيَادَة حِينَئِذٍ لَمْ يَتَنَاوَلهُ لَفْظُ الْوَاقِفِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مَسْجِد بَلَدِ كَذَا فَإِنَّهُ لَا إشْعَارَ فِيهِ بِالِاخْتِصَاصِ بِالْمَسْجِدِ الْمَوْجُودِ حَالَ الْوَقْفِ فَاسْتَحَقَّ الْوَارِدُ إلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَقَفَتْ مَسْجِدًا صَارَتْ مِنْ مَسْجِدِ بَلَدِ كَذَا وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْته وَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ الثَّابِتَةَ لِمَسْجِدِهِ ﷺ الْمُسْتَفَادَة مِنْ قَوْلِهِ: ﷺ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا» خَاصَّةٌ بِمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ دُون مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمَوْجُودَ حَالَ الْإِشَارَةِ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَلْحَقُ بِهِ فِي الْفَضِيلَةِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ ﷺ وَلِجَمْعٍ عَلَيْهِ اعْتِرَاضَاتٌ كَثِيرَةٌ بُيِّنَتْ فِي حَاشِيَةِ مَنَاسِك النَّوَوِيِّ الْكُبْرَى رَدَّهَا، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فَاتَّضَحَ بِمَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْته مِنْ التَّفْصِيلِ ثُمَّ رَأَيْت مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الرَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَقَلَ آخِرَ كِتَابِ الْأَيْمَانِ عَنْ الْحَنِيفَةِ فُرُوعًا وَقَالَ فِي آخِرِهَا: وَبِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ نَقُولُ: إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ تِلْكَ الْفُرُوعِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْمَسْجِدَ فَزِيدَ فِيهِ فَدَخَلَ

стр. 794

لِلزِّيَادَةِ حَنَثَ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الرَّوْضَةِ قُلْت فِي مُوَافَقَتِهِمْ: فِي مَسْأَلَةِ زِيَادَةِ الْمَسْجِدِ نَظَرٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِدُخُولِهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِين لَمْ يَتَنَاوَلهَا حَالَةَ الْحَلِفِ اهـ. قَالَ الْإِسْنَوِيّ: وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْحِنْث أَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ الثَّابِتَةَ لِمَسْجِدِهِ ﷺ خَاصَّةٌ بِمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدُ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيّ فِي مَنَاسِكِهِ وَغَيْرُهُ اهـ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَ النَّوَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا حَالَةَ الْحَلِفِ وَاسْتِشْهَادُ الْإِسْنَوِيِّ بِمَا ذَكَرَهُ فِي زِيَادَةِ مَسْجِدِهِ ﷺ يُنْتِجْ لَك مَا ذَكَرْتُهُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَأَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَقْفِ وَمَسْأَلَةَ الْحَلِفِ وَالثَّوَابِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وُجِدَ فِيهِ التَّلَفُّظُ بِهَذَا الْمَسْجِدِ فَكَمَا لَمْ تَدْخُلْ الزِّيَادَةُ فِي تَيْنِك عَمَلًا بِقَوْلِهِ: هَذَا فَكَذَلِكَ لَا تَدْخُلُ فِي مَسْأَلَة الْوَقْف عَمَلًا بِقَوْلِهِ: فِيهَا هَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ وَارِدُ مَسْجِدِ كَذَا، فَإِنَّ وَارِدَ الزِّيَادَةِ يُسْتَحَقُّ لِمَا مَرَّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ مَسْجِدَ بَنِي فُلَانٍ فَدَخَلَ فِي زِيَادَةٍ حَادِثَةٍ فِيهِ حَنَثَ اهـ. وَأَقَرُّوهُ مَعَ تَضْعِيفِهِمْ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَاقْتَضَى أَنَّ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا يَتَّضِحُ لَك مِمَّا قَرَّرْتُهُ وَيَأْتِي فِي إيقَادِ الزِّيَادَةِ وَفَرْشِهَا وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ الْمَوْجُودَةِ قَبْلَهَا مَا تَقَرَّرَ فَإِنَّ الْمُتَصَدِّقَ عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ لَمْ يُصْرَفْ مِنْ صَدَقَتِهِ شَيْءٌ لِمَصَالِحِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ تِلْكَ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ قَالَ: عَلَى مَسْجِدِ بَلَدِ كَذَا أَوْ بَنِي فُلَانٍ صُرِفَ مِنْ صَدَقَتِهِ لِمَصَالِحِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْغَزَالِيِّ يَجُوزُ بِنَاءُ مَنَارَةٍ لِلْمَسْجِدِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَوْ عَلَى عِمَارَتِهِ وَمَحَلُّهُمَا إنْ جَازَ بِنَاؤُهُمَا بِأَنْ احْتَاجَ إلَيْهِمَا وَلَمْ تَمْتَنِعْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَمِنْ ثَمَّ عَلَّلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إطْلَاقَهُ مَنْعَ بِنَائِهَا بِأَنَّهَا تَشْغَلُ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَمِثْلُهَا حَفْرُ الْبِئْرِ فِيهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، نَعَمْ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ إنْ ضَيَّقَ وَلَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ حَرُمَ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَلَمْ يُضَيِّقْ لَمْ يُكْرَهْ وَعَنْ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمَسْجِدِ يَجُوزُ شِرَاءُ الْحُصْرِ وَالدُّهْنِ مِنْهُ، وَالْقِيَاسُ جَوَازُ الصَّرْفِ إلَى الْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ أَيْضًا اهـ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَمَحَلُّ جَوَازِ الصَّرْفِ عَلَى نَحْوِ الْمَنَارَةِ وَالْبِئْرِ وَالْبِرْكَةِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى مَصَالِحِهِ إنْ جَازَ بِنَاءُ الْمَنَارَةِ وَحَفْرُ الْبِئْرِ وَالْبِرْكَةِ، وَإِلَّا لَمْ يُصْرَفْ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ اهـ. مُلَخَّصًا، فَإِنْ قُلْتَ: فَحَيْثُ قُلْنَا بِأَنَّ الزِّيَادَةَ يُصْرَفُ عَلَى مَصَالِحِهِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى مَصَالِحِهِ قَبْلَ وُجُودِهَا فَهَلْ يَتَقَيَّدُ الصَّرْفُ عَلَيْهَا؟ وَمِنْ ذَلِكَ إذَا جَازَتْ بِأَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا لِضِيقِ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَضْطَرَّ إلَيْهَا فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَأَقَرُّوهُ قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يُفِيدَ جَوَازَ الصَّرْفِ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ بِمَا إذَا جَازَتْ قِيَاسًا عَلَى الصَّرْفِ عَلَى نَحْوِ الْمَنَارَةِ وَالْبِئْرِ وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَإِنْ حَرُمَتْ تُسَمَّى مَسْجِدًا فَيَتَنَاوَلُهَا قَوْلُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى مَسْجِدِ كَذَا، وَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ فِي اتِّخَاذِهَا بَلْ فِي هَدْمِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ لِأَجْلِهَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ إطْلَاق لَفْظِ الْمَسْجِدِ عَلَيْهَا فَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَقَّتْ أَنْ يُصْرَفَ عَلَيْهَا مِنْ وَقْفِهِ لِشُمُولِ لَفْظِهِ لَهَا مَعَ عَدَمِ اتِّصَافِهَا بِالْحُرْمَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَنَارَةِ وَالْبِئْرِ فَإِنَّهُمَا يُوصَفَانِ بِالْحُرْمَةِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِمَا فَلَمْ يُمْكِنْ مَعَ ذَلِكَ الصَّرْفُ عَلَيْهِمَا مِنْ وَقْفِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حِينَئِذٍ إعَانَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ عَلَى أَنَّهُمَا مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ لِأَنَّا إنْ أَرَدْنَا الصَّرْفَ عَلَى الثَّلَاثَةِ حِينَ تُوجَدُ فَصَلْنَا بَيْنَ جَوَازِ اتِّخَاذِهَا وَعَدَمِهِ وَإِنْ أَرَدْنَا الصَّرْفَ عَلَيْهَا بَعْدَ بِنَاءِ الْمَنَارَةِ وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَبِنَاءِ الزِّيَادَةِ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ حَرُمَ اتِّخَاذُهَا؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا بَلْ مِنْ حَيْثُ انْتِفَاعِ الْمَسْجِدِ بِهَا كَالصَّرْفِ عَلَى رِشَاءِ الْبِئْرِ وَمُؤَذِّنٍ عَلَى الْمَنَارَةِ أَوْ إيقَادٍ عَلَيْهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ وَعَلَى نَحْوِ حُصْرٍ وَإِيقَادٍ لِلزِّيَادَةِ. فَالثَّلَاثَةُ سَوَاءٌ فَنَتَجَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَيَسْقُطُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِنْ قُلْت: مَا ذَكَرْته مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: هَذَا الْمَسْجِد لَا يَشْمَلُهَا وَقَوْلَهُ: مَسْجِدُ كَذَا يَشْمَلُهَا كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ يُخَالِفُهُ وَيَقْتَضِي أَنَّ الزِّيَادَةَ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا رَحَبَة الْمَسْجِدِ بِهِ وَهِيَ الْخَارِجَةُ عَنْهُ الْمُحَوَّطُ عَلَيْهَا لِأَجْلِهِ سَوَاءٌ أَبُنِيَتْ مَعَهُ أَمْ لَا فَيَحْرُمُ الْمُكْثُ فِيهَا عَلَى الْجُنُبِ

стр. 795

وَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِمَنْ فِيهَا بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ الْمُرُورَ وَالرُّؤْيَةَ وَغَيْر ذَلِكَ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الطَّرِيقَيْنِ بِمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: فَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَسْجِدِ وَبَابُهَا إلَى الْمَسْجِدِ فَالْحُكْمُ فِيمَنْ صَلَّى فِيهَا حُكْمُ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَبْوَابهَا مُغْلَقَةً عَنْ الْمَسْجِدِ أَوْ مُفَتَّحَةً، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسَاجِد بُنِيَتْ مَعَ الْجَامِعِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَتْ بُنِيَتْ مَعَهُ فَهِيَ مِنْ الْجَامِعِ، وَإِنْ كَانَتْ بُنِيَتْ بَعْدَهُ فَقَدْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ فَهِيَ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ اهـ. كَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا فَلِمَ لَمْ نَقُلْ بِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا قُلْتُ مَلْحَظُ مَا نَحْنُ فِيهِ غَيْرُ مَلْحَظِ صِحَّةِ الْقُدْوَةِ وَالِاعْتِكَافِ وَحُرْمَةِ الْمُكْثِ عَلَى الْجُنُبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَسْجِدًا وَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالزِّيَادَةِ وَالرَّحَبَةِ وَنَحْوِهِمَا فَهُمَا فِيهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا يُسَمَّى مَسْجِدًا وَمَا يَلْحَقُ بِهِ وَهَذِهِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَالْحُكْمُ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَسْجِدًا فَحَسْبُ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَاقِفَ قَصَرَ الِاسْتِحْقَاقَ لِوَقْفِهِ عَلَى الْوُرُودِ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَكُلُّ مَنْ وَرَدَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ اسْتَحَقَّ، وَمَنْ لَمْ يَرِدْهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ، وَقَصْرُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّفْظِ فَمِنْ ثَمَّ نَظَرْنَا لِلَّفْظِ وَقُلْنَا: إنْ كَانَ فِيهِ إشَارَةٌ لَمْ تَدْخُلْ الزِّيَادَةُ وَإِلَّا دَخَلَتْ عَمَلًا بِمَدْلُولِ اللَّفْظِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ أُعْطِيت أَحْكَامَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَلْحَظَ آخَرُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَاتِهِ وَمَدَدِهِ وَهَلْ يَأْتِي ذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ كَبِئْرِ عُمْقُهُ عِشْرُونَ ذِرَاعًا وَلَهُ صَدَقَة عَلَى رِشَاهُ فَعُمِّقَ إلَى ثَلَاثِينَ؟ . وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى رِشَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زِيَادَةِ الْمَسْجِدِ بِأَنَّ رِشَاءَ الْبِئْرِ لَا ضَابِطَ لَهُ وَلَا انْحِصَار فَإِنَّهُ قَدْ يَطُولُ وَقَدْ يَقْصُرُ بِحَسْبِ قِلَّةِ مَاءِ الْبِئْرِ تَارَةً وَكَثْرَتِهَا أُخْرَى فَلِذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِ لَيْسَ التَّخْصِيصَ بِرِشَاءٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا قَصْده أَنْ يُصْرَفَ مِنْ صَدَقَتِهِ لِرِشَاءِ هَذِهِ الْبِئْرِ، سَوَاءٌ أَطَالَ أَمْ قَصُرَ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ نَقُلْ بِتَخْصِيصِهِ بِرِشَاءٍ لَهُ طُولٌ مُعَيَّنٌ بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى وُرُودِ هَذَا الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِهِ أَنَّ النَّاسَ يَكْثُر وِرْدُهُمْ لَهُ حَتَّى يَزِيدَ ثَوَابُهُ بِزِيَادَتِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَخْصِيصِهِ الْوَرْدِ بِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ لِكَوْنِهِ بِنَاءَهُ أَوْ بِنَاءَ صَدِيقِهِ أَوْ مَنْ يُرِيدُ إيصَالَ خَيْرٍ لَهُ بِكَثْرَةِ صَلَاةِ النَّاسِ وَاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِرِشَاءٍ لَهُ طُولٌ مُعَيَّنٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ لَهُ أَغْرَاضٌ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَقَصْدُهَا بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِرِشَاءٍ لَهُ طُولٌ مُعَيَّنٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ لَهُ غَرَضٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَلْبَتَّةَ فَحَمَلْنَا لَفْظَهُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الْخُصُوصَ غَيْرُ مَقْصُودٍ عَادَةً فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَقَدْ مَرَّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْعُرْفَ قَدْ يُخَصِّصُ الشَّرْطَ وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْعُرْفَ قَدْ يُعَمِّمُهُ عَلَى أَنَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّا لَمْ نُخْرِجْ لَفْظَ الْوَاقِفِ عَنْ مَوْضُوعِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى رِشَاءِ هَذَا الْبِئْرِ يَشْمَلُ رِشَاءَهَا وَعُمْقَهَا عِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ؛ لِأَنَّهُ رِشَاءٌ لَهَا فِي الْحَمْلَيْنِ وَوُجُودُ زِيَادَةٍ فِيهِ لِزِيَادَةِ عُمْقِهَا بَعْدَ الْوَقْفِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ عَنْهُ لَا يُخْرِجُ الرِّشَاءَ عَنْ كَوْنِهِ رِشَاءَ هَذِهِ الْبِئْرِ بِخِلَافِ وَارِدِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَارِدٌ إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ لِتَمَيُّزِ الزِّيَادَةِ عَنْهُ حِسًّا وَمَعْنًى وَقَوْلُكُمْ فِي شَرْحِ الْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لِي الْآنَ رُؤْيَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ قَوْل الْبُلْقِينِيُّ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الْمَبِيتَ فِي خَانِقَاه أَوْ مَدْرَسَةٍ مَثَلًا فَبَاتَ مَنْ شَرَطَ مَبِيتَهُ خَارِجَ الْمَدْرَسَةِ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ مَالٍ وَنَحْوِهَا فَقَدْ أَفْتَيْتُ بِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ شَيْءٌ كَمَا لَا يُجْبَرُ تَرْكُ الْمَبِيتِ أَيْ: بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ مِنًى لِلْمَعْذُورِينَ بِالدَّمِ وَهُوَ مِنْ الْقِيَاسِ الْحَسَنِ وَلَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ اهـ. كَذَا نُقِلَ عَنْهُ وَعِبَارَةُ فَتَاوِيهِ وَظِيفَةٌ فِي مَدْرَسَةٍ شَرَطَ وَاقِفُهَا الْبَيَاتَ فِيهَا وَكَذَا إذَا ظَهَرَ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْوَظِيفَةِ تَزَوَّجَ وَلَا يَطْمَئِنُّ إلَّا أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ أَهْلِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَةِ بَيْتِهِ خَوْفًا عَلَيْهِ

стр. 796

وَعَلَى مَا فِيهِ لَا سِيَّمَا بِاللَّيْلِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مَعْلُومِهِ؟ فَأَجَابَ نَعَمْ يَسْتَحِقُّ مَعْلُومَهُ وَقَدْ أَفْتَيْت بِهَذَا مَرَّاتٍ وَاسْتَشْهَدْت فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَضِيَّةِ تَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى بِعُذْرٍ. وَلَا يَلْزَمُ الْجَبْرُ بِالْفِدْيَةِ وَهُوَ اسْتِشْهَادٌ حَسَنٌ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّا حَيْثُ قُلْنَا: الْوَرْدُ شَرْطٌ فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِمَّا مَرَّ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَعَ ذَلِكَ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الْمَبِيتَ يُحْمَلُ عَلَى مُعْظَمِ اللَّيْلِ فَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ الْوُرُودُ فِي ذَلِكَ؟ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَارِدُ إلَّا إلَّا مَكَثَ فِي الْمَسْجِدِ مُعْظَمَ اللَّيْلِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ يُغَرَّمُ مَا تَعَاطَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْوَارِدِينَ أَوْ يُكْتَفَى بِمُكْثِهِ فِيهِ حَتَّى يَأْكُلَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ لِلْوُرُودِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ ضَابِطٌ مُطَّرِدٌ حُمِلَ عَلَيْهِ كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُرْفٌ كَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ لَحْظَةً وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الصَّلَاحِ أَفْتَى فِيمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَنْ يُصْرَفَ مِنْ مُغَلِّهِ لِمَنْ يَبِيتُ بِمَوْضِعِ كَذَا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بَعْدَ الْأَكْلِ؟ وَإِذَا لَمْ يَبِيت يَضْمَنُ النَّاظِرُ وَهَلْ يَجِبُ مَبِيتُ اللَّيْلِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ؟ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْمَبِيتُ وَلَكِنْ إذَا لَمْ يَبِتْ غَرِمَ مَا أَكَلَ كَابْنِ السَّبِيلِ إذَا أَخَذَ لَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ لَكِنْ أَنَّ لَمْ يُسَافِرْ لَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ وَيَحْرُمُ الْأَكْلُ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْمَبِيتِ، وَيَحْصُلُ الِاسْتِحْقَاقُ بِمَبِيتِ مُعْظَمِ اللَّيْلِ كَمَنْ حَلَفَ لَيَبِيتَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِمَوْضِعِ كَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فِي تَوَسُّطِهِ وَفِي تَعْزِيمِهِ بِمَا إذَا لَمْ يَبِتْ نَظَرٌ إذَا كَانَ عِنْدَ الْأَكْلِ عَازِمًا عَلَى الْمَبِيتِ ثُمَّ عَنَّ لَهُ السَّفَرُ مَعَ رِفْقَةٍ تَرْحَلُ أَوْ لِعُذْرٍ طَرَأَ إذْ الْوَاقِفُ لَا غَرَضَ لَهُ وَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْمَبِيتِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ الْوَاقِعُ أَوْ الْغَالِبُ مِنْ أَنَّ الْغَرِيبَ إذَا قَدِمَ إلَى رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ وَأَمْسَى بِهِ أَنَّهُ يَبِيتُ بِهِ وَيَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ السَّبِيلِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّ الْمَبِيتَ لَيْسَ بِشَرْطٍ مُتَّجَهٌ أَنَّ اطَّرَدَ الْعُرْفِ حَالَ الْوَقْفِ بِمَدْلُولِ لَفْظِ الْوَاقِفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ شَخْصٌ تَصَدَّقْت بِهَذَا عَلَى الْفُطُورِ أَوْ الْوَارِدِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مَكَان يُفْطِرُ فِيهِ وَمَكَانٍ يَرِدُ فِيهِ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِإِرَادَةِ مَكَان مُعَيَّنٍ أَوْ لَمْ تَجْرِ مَا الْحُكْمُ فِيهِ؟ وَهَلْ إذَا قُلْتُمْ بِحِصَّةِ ذَلِكَ فَهَلْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِيهِمَا أَوْ يُفْطِرَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ حَيْثُ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ حَالَ الْوَقْفِ بِإِرَادَةِ مَكَان مُعَيَّنٍ حُمِلَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ حَالَ وَقْفِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرُوطِ فِي وَقْفِهِ فَلَا يُعْطَى إلَّا مَنْ وَرَدَ ذَلِكَ الْمَكَانَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِمْ: لَوْ قَالَ: وَقَفْت هَذَا عَلَى مَسْجِدٍ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ وَلَمْ تَطَّرِدْ الْعَادَةُ بِإِرَادَةِ مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ بَطَلَ الْوَقْفُ. وَقَوْلُهُمْ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ لَمْ يَصِحَّ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يُقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ قَبْرُهُ بَطَلَ الْوَقْفُ وَعَلَى قَضِيَّةِ كَلَامِ النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ لِلْقِرَاءَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ وَعَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مَالٍ مَوْقُوفٍ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبِلَادِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبِلَادُ مُعَيَّنَةً مُسَبَّلَةً، وَإِلَا لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ لَوْ قَالَ: وَقَفْت هَذِهِ مُدَّةً عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ أَوْ عَلَى بَنِي آدَمَ أَوْ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ لَا تُحْصَى أَهْلُهُ كَثْرَةً كَبَغْدَادَ لَمْ يَجُزْ وَلَا عَلَى بَنِي تَمِيمٍ وَلَا عَلَى مَنْ وُلِدَ فِي هَذَا الْعَامِ وَلَا عَلَى مَنْ افْتَقَرَ وَلَا عَلَى مَنْ قَدِمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَصِحُّ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى الْفُطُورِ أَوْ عَلَى الْوَارِدِ لَا إيهَامَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفِ، وَإِنَّمَا فِيهِ إيهَامٌ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانِ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ هُنَا عَلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَالْجَهْلُ فِيهَا بِالْمَكَانِ لَا يَضُرُّ، وَبِهَذَا فَارَقَتْ صُورَةُ السُّؤَالِ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ ثَمَّ لَيْسَ عَلَى جِهَةٍ، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةٍ اُشْتُرِطَ تَعْيِينُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِالشَّخْصِ أَوْ بِالْوَصْفِ الْمُمَيِّزِ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَسْجِدِ وَأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ فَلِأَنَّهُ كَمَا ذَكَرَهُ مَخْصُوصٌ بِجِهَةٍ خَاصَّةٍ فَإِذَا تَعَذَّرَتْ لَغَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ

стр. 797

وَقَفْتُ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ جِهَةً بَطَلَ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ النِّهَايَةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الْأَصْبَحِيِّ اعْتِمَاده وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ لِلْجِهَةِ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ خَيْرَانَ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ وَيَجُوز الِاقْتِصَارُ فِي الصَّرْفِ عَلَى ثَلَاثَةٍ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرُوهَا وَإِذَا قُلْنَا: بِالصِّحَّةِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَة بِإِرَادَةِ مَكَان مُعَيَّنٍ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ النَّاظِرَ الْخَاصَّ أَوْ الْعَامَّ وَهُوَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِ الْوَقْفِ حَاكِمٌ فَأَهْلُ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ مِنْ أَهْلِهَا يَتَوَلَّى صَرْفَ هَذَا الْوَقْف فِي الْفُطُورِ أَوْ إطْعَام الْوَارِدِينَ فِي أَيِّ مَكَان اقْتَضَى نَظَرُهُ أَنَّ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَلَدِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْجِهَةَ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ لِلصَّرْفِ فِيهَا مَكَانٌ كَانَ الْخِيَرَةُ فِي الصَّرْفِ فِيهَا إلَى النَّاظِرِ كَمَا لَا يَخْفَى وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ النَّاظِرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهَا فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّاظِرِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ إلَّا مَا شُرِطَ لَهُ وَبِأَنَّهُ لَوْ عَمِلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا فَلْيَرْفَعْ الْأَمْرَ إلَى حَاكِمٍ لِيُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِ فِعْلِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالْأَخْذِ قِيَاسًا عَلَى الْوَالِي لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ فِي مَالِ الْوَقْفِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَخْذِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْعُ إعْطَائِهِ لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ فَيُحْتَمَلُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا قَالَ الْمُوصِي: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْت لَمْ يَضَعْهُ فِي نَفْسِهِ وَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ وَلَا وَرَثَةُ الْمُوصِي وَلَا فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْمَيِّتِ وَأَفْتَى الدَّارِمِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: فَرِّقْ ثُلُثِي لَمْ يُعْطِ نَفْسَهُ وَلَا مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا مَنْ يَخَافُهُ أَوْ يَسْتَصْلِحُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَهُ الصَّرْفُ لِأَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْوَصِيِّ الْأَوَّلِ وَقِيَاسُهُ أَنَّ النَّاظِرَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُوصِي فَوَّضَ لِلْوَصِيِّ الدَّفْعَ لِمَنْ شَاءَ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ شَاءَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَمْ يَجُزْ، فَالنَّاظِرُ كَذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْوَقْفَ هُنَا عَلَى جِهَةٍ فَأَفْرَادُهَا لَيْسُوا مَقْصُودِينَ بِطَرِيقِ الذَّاتِ بَلْ مِنْ حَيْثُ دُخُولِهِمْ تَحْتَ ضَابِطِ تِلْكَ الْجِهَةِ وَمُسَمَّاهَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْجِهَةُ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَا أَفْرَادٌ مِنْ النَّاسِ لَكِنْ وُكِّلَ تَعْيِينُهُمْ إلَى الْوَصِيِّ وَاجْتِهَادِهِ فَاخْتِيَارُهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يُنَافِي مَا فَوَّضَهُ إلَيْهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَ أُولَئِكَ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ وَيَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ إذْنُ الْمُوصِي وَتَفْوِيضُهُ التَّعْيِينَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ دَاعِيَةَ إيثَارِهِمْ تَبْطُلُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الِاجْتِهَادِ وَتَقْضِي أَنَّ سَبَبَهُ عَوْدُ مَنْفَعَة عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ مَوْجُودًا فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ رَبَطَ الِاسْتِحْقَاقَ فِي وَقْفِهِ بِجِهَةٍ مَوْصُوفَة بِوَصْفٍ فَكَانَ مِنْ وَجْه مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ جَازَ إعْطَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا اجْتِهَادَ هُنَا حَتَّى يُقَالَ فِيهِ بِمِثْلِ مَا مَرَّ فِي الْوَصِيِّ وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي الْآنَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى الْوَصِيِّ وَلَا تَأْثِيرَ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ لِمَا عَلِمْت أَوَّلًا مِنْ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِمَنْعِ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ إعْطَاءَ مُمَوَّنِهِ فِيهِ إعْطَاءٌ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ بِهِ تَتَوَفَّرُ مُؤْنَةُ الْمُمَوِّنِ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ نَعَمْ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ بِالْإِعْطَاءِ شَيْءٌ كَأَنْ كَانَ عَلَى الْمُمَوَّنِ دَيْنٌ أَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ لَا يَكْفِيهَا مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ فَلَا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ جَوَازُ الدَّفْعِ إلَيْهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ اقْتَضَى إطْلَاقُ الشَّافِعِيِّ وَالدَّارِمِيِّ السَّابِقُ خِلَافَهُ، فَإِنْ قُلْت: قَضِيَّةُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَا هُنَا وَالْوَصِيَّةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي أَنَّ النَّاظِرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ إلَى وَرَثَة الْوَاقِفِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ الدَّفْع إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ مُمْتَنِعَةٌ إلَّا بِإِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ فَلَمْ يُحْمَلْ لَفْظُ الْمُوصِي عَلَى مَا يَشْمَلُ وَارِثَهُ بِخِلَافِ لَفْظِ الْوَاقِفِ لِصَدَقَتِهِ الدَّائِمَةِ وَهِيَ عَلَى الْقَرِيبِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى الْبَعِيدِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّ أَظْهَرَ مَقَاصِدِهَا التَّمْلِيكُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ حِينَئِذٍ مُمْتَنِعٌ عَلَى الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْمَوْتِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنْ قُلْت: مَرَّ عَنْ الدَّارِمِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يُعْطِي مَنْ يَخَافُهُ أَوْ يَسْتَصْلِحُهُ فَهَلْ يُقَالُ بِنَظِيرِهِ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ؟ قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِنَظِيرِ هَذَا أَيْضًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْفَرْقِ وَهُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ غَرَضَ الْخَوْفِ أَوْ الِاسْتِصْلَاحِ يُنَافِي مَا فَوَّضَهُ إلَيْهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ فِي الْوَقْفِ فَإِنَّ

стр. 798

الْوَاقِفَ أَنَاطَهُ بِصِفَةٍ فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَ لِلنَّاظِرِ الصَّرْفُ، وَإِنْ كَانَ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَصِيِّهِ: فَرِّقْ ثُلُثِي عَلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالْفَقْرِ وَالْخَوْفِ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ اجْتِهَادَهُ بِإِنَاطَةِ الْإِعْطَاءِ بِالْوَصْفِ الَّذِي عَيَّنَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ شَخْصٌ: تَصَدَّقْت بِأَرْضِي الْفُلَانِيَّةِ عَلَى أَوْلَادِي فِي غَيْبَةِ آلَ فُلَانٍ وَآلِ فُلَانٍ إنْ قَامُوا بِالْغَيْبَةِ فَهِيَ بَيْنَهُمْ، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ قَامَ بِالْغَيْبَةِ وَمُرَادُهُ فِيمَا يَظْهَرُ بِالْغَيْبَةِ ضِيَافَةُ مَنْ ذُكِرَ، وَالْغَالِبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَصَدِّقُ إرْفَاقَ الْقَائِمِ بِهَذِهِ الْمَكْرُمَةِ وَالْحَثَّ عَلَيْهَا وَأَنْ لَا يُخِلُّ بِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَّضِحٍ فَإِنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ عَلَى أَوْلَادِي فِي غَيْبَةِ آلِ فُلَانٍ إلَخْ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: فِي غَيْبَةِ آلِ فُلَانٍ أَنَّ آلَ فُلَان يَسْتَعِينُونَ بِهَذِهِ الْأَرْضِ عَنْ ضِيَافَتِهِمْ نَاقَضَهُ قَوْلُهُ: عَلَى أَوْلَادِي، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ أَوْلَادَهُ يَسْتَعِينُونَ فِي ضِيَافَتِهِمْ لِآلِ فُلَانٍ نَاقَضَهُ: وَآلِ فُلَانٍ إنْ قَامُوا بِالْغَيْبَةِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ مُضِيفُونَ لَا أَضْيَافٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِآلِ فُلَانٍ نَفْسَ أَوْلَادِهِ بِأَنْ ذَكَرَ مَا يَصِحُّ اتِّصَافُ أَوْلَادِهِ بِهِ صَحَّ الْمُرَادُ وَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي فِي ضِيَافَتِهِمْ لِلنَّاسِ إنْ قَامُوا بِهَا فَهِيَ بَيْنَهُمْ وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ قَامَ بِهَا وَحِينَئِذٍ فَحِكْمَةُ كَوْنِهِ عَدَلَ عَلَى ضِيَافَتِهِمْ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ إلَى ضِيَافَةِ آلِ فُلَانٍ لِيُبَيِّنَّ شُهْرَةَ أَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْإِضْمَارِ إلَى الْإِظْهَارِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حِكْمَةٍ. وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى فَالْحُكْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ حِينَئِذٍ أَنَّ أَوْلَادَهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ هَذِهِ الْأَرْضَ إلَّا مَا دَامُوا قَائِمِينَ بِالضِّيَافَةِ وَإِنْ كَانَ مَنْ قَامَ بِهَا مِنْ أَوْلَادِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَةَ هَذِهِ الْأَرْضِ، فَإِنْ سَاوَتْ مُؤَنَ الضِّيَافَةِ أَوْ نَقَصَتْ عَنْهَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَصْرِفُهَا فِيهَا، وَإِنْ زَادَتْ اسْتَحَقَّ الْقَائِمُ بِالضِّيَافَةِ الزَّائِدَ، فَإِنْ قُلْت: فَإِذَا أَتَى الْوَاقِفُ بِكَلَامٍ مُتَنَاقِضٍ مَا حُكْمُهُ؟ قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَقَرَائِنُ الْأَحْوَالِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ فِي وَاقِفَةٍ كَتَبَتْ فِي كِتَابِ وَقْفِهَا وَجَعَلْت النَّظَرَ إلَى أَنْ قَالَتْ: لِنَفْسِهَا أَيَّامَ حَيَاتِهَا ثُمَّ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِهَا ثُمَّ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ هَذِهِ عِبَارَتُهَا هَلْ نُدْخِلُ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْأَوْلَادِ؟ نَعَمْ يَدْخُلُ فِي النَّظَرِ الْأَرْشَدُ فَالْأَرْشَدُ مِنْ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ وَمَا كُتِبَ مِنْ قَوْلِهَا مِنْ أَوْلَادِهَا ثُمَّ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ سَهْوٌ مِنْ الْمُوَثِّقِ فَإِنَّهُ جَاءَ يَكْتُبُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ فَذَكَرَ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ سَهْوًا وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ عَاقِلًا لَا يَمْنَعُ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ مِنْ النَّظَرِ وَيُعْطِي النَّظَرَ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فَيَمْنَعُ الْعَالِيَ وَيُعْطِي النَّازِلَ، وَيَمْنَعُ الْأَصْلَ وَيُعْطِي الْفَرْعَ وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا كَتَبَ قَبْلَهُ بِسُطُورٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَقَوْلُهُ: فِيمَا بَعْدَهُ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ لِأَوْلَادِ مَنْ لَهُ أَوْلَادٌ مِنْهُمْ ثُمَّ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَمَعَ السَّهْوِ الَّذِي نَسَبْنَاهُ لِلْمُوَثِّقِ وَأَيَّدْنَاهُ بِمَا قَرَّرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ أَوْلَادُ أَوْلَادِهَا فِي قَوْلِهَا ثُمَّ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِهَا وَتَكُونُ الْقَرَائِنُ الْمَذْكُورَةُ قَاضِيَةً بِدُخُولِ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْأَوْلَادِ ثُمَّ قَالَ: وَالْجُمُودُ عَلَى مُجَرَّدِ مَا كَتَبَ وَظَهَرَ أَنَّهُ سَهْوٌ بِمُقْتَضَى مَا قَرَّرْنَاهُ خُرُوجٌ مِنْ طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ الْغَائِصِينَ عَلَى الْجَوَاهِرِ الْمُعْتَبَرَةِ اهـ. ، فَإِنْ قُلْت: فَمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى السِّيَاقِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ هُنَا قُلْت هُوَ الْمَعْنَى الثَّالِثُ الَّذِي قَدَّمْته؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَنَافٍ فِي اللَّفْظِ وَلَا تَنَاقُضٌ بِخِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقَيَّد لِذَلِكَ مَكْتُوبَ الْوَقْفِ لِإِمْكَانِ الْغَلَطِ أَوْ السَّهْوِ مِنْ الْمُوَثِّقِ بِخِلَافِ مَا إذَا سُمِعَ مِنْ الْوَاقِفِ هَذَا اللَّفْظُ قُلْت لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُوَثِّقِ بِهَذَا، بَلْ إذَا سُمِعَ مِنْ الْوَاقِفِ كَلِمَاتٌ مُتَنَاقِضَةٌ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ فِي بَعْضِهَا وَرَجَّحْنَا مُقَابِلَهُ وَعَمِلْنَا بِهِ بِقَرَائِنَ لَفْظِيَّةٍ أَوْ حَالِيَّةٍ، فَإِنْ قُلْت: فَإِنْ فُقِدَتْ تِلْكَ الْقَرَائِنُ مَا حُكْمُهُ؟ بِأَنْ قَالَ هُنَا عَلَى أَوْلَادِي فِي غَيْبَةِ آلِ فُلَانٍ وَذَكَرَ وَصْفًا لَا يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلَى أَوْلَادِهِ بَلْ عَلَى أُنَاسٍ مَشْهُورِينَ غَيْرِهِمْ قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّنَا نَعْمَلُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ لِسَبَقِهِ وَنُلْغِي مَا حَصَلَ بِهِ التَّنَاقُضُ مِنْ اللَّفْظِ الثَّانِي وَنَظِيرُهُ مَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الرَّجْعَةِ وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا وَلَا مُرَجِّح

стр. 799

بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنَا يَوْمًا مِنْ أَنَّ الْمُصَدِّقَ هُوَ السَّابِقُ بِالدَّعْوَى؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ وَقَعَتْ صَحِيحَةً وَالثَّانِيَةَ وَقَعَتْ مُنَاقِضَةً لَهَا فَعُمِلَ بِالْأُولَى لِسَبْقِهَا وَالْحُكْمِ بِحِصَّتِهَا قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الثَّانِيَةُ فَكَذَلِكَ يُعْمَلُ هُنَا إذَا فُرِضَ فَقْدُ تِلْكَ الْقَرَائِنِ بِالْأُولَى لِسِبْقِهَا وَالْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا قَبْلَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالثَّانِي. فَإِذَا تَلَفَّظَ بِهِ قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ أَوَّلًا مَا يُبْطِلُهُ وَحِينَئِذٍ فَيُحْكَمُ بِمَدْلُولِ قَوْلِهِ عَلَى أَوْلَادِي فِي غَيْبَةِ آلِ فُلَانٍ وَيُلْغَى قَوْلُهُ: وَآلِ فُلَانٍ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَصَلَتْ بِهِ الْمُنَاقَضَةُ كَمَا تَقَرَّرَ أَوَّلًا، فَإِنْ قُلْتَ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ هَذَا التَّكَلُّفِ جَمِيعِهِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَقَفَ هَذَا عَلَى أَوْلَادِهِ لِيُعِينُوا بِهِ آلَ فُلَانٍ إذَا قَامَ آلُ فُلَانٍ بِضِيَافَتِهِمْ لِلنَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَقُومُوا بِهَا وَقَامَ بِهَا غَيْرُهُمْ فَهِيَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ قَامُوا بِهَا وَيَكُونُ فَائِدَةُ قَوْلِهِ: عَلَى أَوْلَادِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِالضِّيَافَةِ يَكُونُ لِلْأَوْلَادِ وَيَصِيرُ الْوَقْفُ عَلَى ضِيَافَةِ آلِ فُلَانٍ لِلنَّاسِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُوجَدُوا وَامْتَنَعُوا كَانَ عَلَى مَنْ قَامَ بِالضِّيَافَةِ غَيْرِهِمْ ثُمَّ إنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا أَحَدٌ كَانَ عَلَى الْأَوْلَادِ يَأْكُلُونَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ أَحَدٍ قُلْتُ: نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ جَمِيعِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ بَعْضِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِقَضِيَّةِ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِهِ بَلْ ظُهُورهِ فَانٍ الْغَالِبَ أَنَّ الشَّخْصَ يُشَدِّدُ فِي الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ أَوْلَادِهِ بِمَا لَا يُشَدِّدُ بِهِ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي اسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِهِ إلَّا عَدَمَ مَنْ يَقُومُ بِالضِّيَافَةِ غَيْرَهُمْ فَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهَا أَحَدٌ غَيْرُهُمْ اسْتَحَقُّوهَا وَإِنْ لَمْ يُضَيِّفُوا أَحَدًا، فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قَالَ السَّائِلُ، وَمُرَادُهُ فِيمَا يَظْهَرُ بِالْغَيْبَةِ إلَخْ فَأَشْعَرَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ مَوْضُوعًا فِي عُرْفِ تِلْكَ الْبِلَادِ لِلضِّيَافَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا لَهَا عُرْفًا وَلَا لُغَةً فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهَا بِبَادِئِ الرَّأْي؟ قُلْتُ: إنَّمَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ فِي بَابِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ عَلَى وَضْعِهِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي حَمْلُهُ عَلَى وَضْعِهِ الْعُرْفِيِّ إنْ كَانَ عَامًّا وَالْوَاقِفُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعُرْفِ، وَإِلَّا فَوَضْعُهُ الْعُرْفِيُّ عِنْدَ الْوَاقِفِ، فَإِنْ انْتَفَى الْعُرْفُ بِقِسْمَيْهِ حُمِلَ عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ إنْ أَمْكَنَ أَنَّ الْوَاقِفَ يَعْرِفُهُ، وَإِلَّا بَطَلَ الْوَقْفُ لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِمَدْلُولِ لَفْظِ الْوَاقِفِ فَهُوَ كَمَا مَرَّ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ وَتَعَذَّرَ الْعِلْمُ بِعَيْنِ قَبْرِهِ بَلْ مَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى فَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ الْغَيْبَةِ إنْ عُهِدَ فِي عُرْفِ الْوَاقِفِ حَمْلُهُ عَلَى الضِّيَافَةِ تَأَتَّى فِيهِ مَا مَرَّ، وَإِنْ لَمْ يُعْهَدْ اسْتِعْمَالُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ حُمِلَ عَلَيْهِ بِبَادِي الرَّأْيِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَذَا الْحَمْلِ بَلْ إنْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ لُغَةً وَعُرْفًا حُكِمَ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) عَنْ خَشَبٍ عَلَى خَابِيَةٍ مَوْقُوفَةٍ اقْتَضَتْ الضَّرُورَةُ بَيْعَهُ هَلْ يَجُوزُ صَرْفُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ غَيْرِ الْخَابِيَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ حَيْثُ فُرِضَ جَوَازُ بَيْعِ الْخَشَبِ الْمَذْكُورِ وَصِحَّةُ بَيْعِهِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ عَلَى الْمَسْجِدِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُمْ لَا يُصْرَفُ لِحَشِيشِ مَسْجِدِ السَّقْفِ مَا عُيِّنَ لِحَشِيشِ الْحُصْرِ وَلَا عَكْسُهُ وَلَا لِلُّبُودِ مَا عُيِّنَ لِأَحَدِهِمَا وَلَا عَكْسُهُ وَقَوْلُهُمْ لَوْ تَعَطَّلَ مَسْجِدٌ لَمْ يُنْقَضْ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَى نَقْضِهِ وَإِلَا نَقَضَهُ الْحَاكِمُ وَبَنَى بِهِ مَسْجِدًا آخَرَ إنْ رَأَى ذَلِكَ، وَإِلَّا حَفِظَهُ وَبِنَاؤُهُ بِقُرْبِهِ أَوْلَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ بِنِقْضَيْهِ بِئْرًا كَمَا أَنَّ الْبِئْرَ لَوْ خَرِبَتْ بَنَى الْحَاكِمُ بِنَقْضِهَا بِئْرًا أُخْرَى لَا مَسْجِدًا وَيُرَاعَى غَرَضُ الْوَاقِفِ مَا أَمْكَنَ اهـ. وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخَابِيَةِ عَامِرًا أَوْ خَرَابًا أَمَّا إذَا كَانَ عَامِرًا فَوَاضِحٌ أَنَّهُ يُصْرَفُ غَلَّتُهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ خَرَابًا بِحَيْثُ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا فَإِنَّهُ يُحْفَظُ غَلَّةُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا كَمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا خَرِبَ لَا يَبْطُلُ وَقْفُهُ قَالُوا:؛ لِإِمْكَانِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَلِإِمْكَانِ عَوْدِهِ كَمَا كَانَ وَكَمَا أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى الثَّغْرِ إذَا اتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ وَحَصَلَ فِيهِ الْأَمْنُ يَحْفَظُهَا نَاظِرُهُ فِي زَمَنِ الْأَمْنِ؛ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ ثَغْرًا (سُئِلَ) عَمَّا لَوْ نُقِلَ خَشَبُ مَسْجِدٍ خَرَابٍ بِشَرْطِهِ لِمَسْجِدٍ أَقْرَبَ إلَيْهِ فَعُمِّرَ بِهِ ثُمَّ عُمِّرَتْ مَحَلَّةُ الْمَسْجِدِ الْخَرَابِ وَالْمَسْجِدُ فَهَلْ يُرَدُّ خَشَبُهُ إلَيْهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخَشَبَ الْمَذْكُورَ لَا يُرَدُّ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: لَوْ خَرِبَ الْمَسْجِدُ وَخَافَ عَلَى نَقْضِهِ نَقَضَهُ الْحَاكِمُ وَبَنَى بِهِ مَسْجِدًا آخَرَ إنْ رَأَى ذَلِكَ، وَإِلَّا

стр. 800

حِفْظُهُ وَبِنَاؤُهُ بِقُرْبِهِ أَوْلَى اهـ. فَافْهَمْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَنَى بِهِ مَسْجِدًا آخَرَ لَا يُنْقَضُ، وَإِنْ عُمِّرَ الْمَسْجِدُ الْأَوَّلُ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا خَرِبَ وَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي نَقْلِ نَقْضِهِ إلَى غَيْرِهِ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ النَّقْضِ فَإِذَا نُقِلَ إلَيْهِ وَبُنِيَ بِهِ امْتَنَعَ حِينَئِذٍ هَدْمُهُ مِنْهُ وَرَدُّهُ إلَى مَحَلِّهِ الْأَوَّلِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْ مُسْتَحَقِّي الْوَقْفِ لَوْ رَدَّ الْوَقْفَ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ، وَلَوْ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ لِغَيْرِهِ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ كَمَا بَيَّنَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَإِنْ سَكَتَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الرَّادَّ مُقَصِّرٌ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ مُعَامَلَةً لَهُ بِتَقْصِيرِهِ بِخِلَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ قُلْتُ: قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا فِي الرَّدِّ كَانَ يَظُنّ عَدَمَ صِحَّةِ الْوَقْفِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ، وَإِنْ رَجَعَ وَقَالَ: كُنْتُ مَعْذُورًا وَبَيَّنَ عُذْرَهُ كَمَا أَفْهَمَهُ إطْلَاقُهُمْ، فَإِنْ قُلْتَ: يُؤَيِّدُ النَّقْلَ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ أَوْلَادِهِ وَأَرَامِلِ بَنَاتِهِ اسْتَحَقُّوا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْفَقْرُ وَعَدَمُ التَّزَوُّجِ وَمُنِعُوا عِنْدَ عَدَمِهِ بِأَنْ وُجِدَ الْغِنَى أَوْ التَّزَوُّجِ، وَهَكَذَا مَتَى وُجِدَ عَادَ الِاسْتِحْقَاقُ وَمَتَى انْتَفَى انْتَفَى قُلْتُ: الْمَلْحَظُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَعَدَمِهِ هُنَا النَّظَرُ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ عَمَلًا بِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمَسْجِدَيْنِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ فَلَيْسَ فِيهَا شَرْطُ وَاقِفٍ يُدَارُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَيَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ فَأُدِيرَ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى مَا تَشْهَدُ بِهِ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ وَيُقْضَى بِالْوَفَاءِ بِمَقْصُودِ الْوَاقِفِ وَلَا شَكَّ أَنَّ وَاقِفَ النَّقْضِ لَيْسَ قَصْدُهُ تَخْصِيصَ مَحَلٍّ بِهِ، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ أَنْ يَكُونَ نَقْضُهُ بِمَسْجِدٍ، سَوَاءٌ الَّذِي عَيَّنَهُ أَمْ غَيْرُهُ فَحَيْثُ خَرِبَ مَا عَيَّنَهُ وَنُقِلَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِهِ فَقَدْ وَفَّى بِمَقْصُودِهِ فَإِذَا عَادَ مَا عَيَّنَهُ لَا يَعُودُ النَّقْضُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لَهُ إذْ لَا مُوجِبَ لِلْعَوْدِ إلَّا التَّوْفِيَةُ بِمَقْصُودِ الْوَاقِفِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي مَسْأَلَتِنَا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ حُصُولِ مَقْصُودِهِ بِبِنَاءِ نَقْضِهِ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ فَرْقُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ أَعْنِي الْإِعْطَاءَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَالْحِرْمَانَ عِنْدَ عَدَمِهِ وَبَيْنَ مَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِي إلَّا مَنْ تَزَوَّجَتْ أَوْ اسْتَغْنَتْ مِنْهُنَّ فَتَزَوَّجَتْ أَوْ اسْتَغْنَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَمْ يَعُدْ اسْتِحْقَاقُهَا بِطَلَاقِهَا وَفَقْرِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا تَزَوَّجَتْ أَوْ اسْتَغْنَتْ وَأَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِ إنْ بَقِيَ لَهُ أُمُّ وَلَدِهِ وَلَا يَخْلُفُهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَمَنْ تَزَوَّجَتْ لَمْ تَفِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ صِحَّةُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ رِعَايَةِ غَرَضِ الْوَاقِفِ مِنْ عَوْدِ الِاسْتِحْقَاقِ وَعَدَمِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ غَلَّةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَابِ تَعُودُ إلَيْهِ بِعَوْدِ عِمَارَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ صُرِفَتْ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ أَوَّلًا قُرْبُ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَوْ لِأَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَهُوَ الْمُتَّجَهُ إنْ لَمْ يَرْجُ عَوْدَهُ وَإِلَّا فَالْمُتَّجَهُ قَوْلُ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُحْفَظُ لِتَوَقُّعِ عَوْدِهِ، وَقَضِيَّةُ عَوْدِ الْغَلَّةِ بِعَوْدِ الْعِمَارَةِ أَنَّ النَّقْضَ يَعُودُ إلَيْهِ بِعَوْدِ عِمَارَتِهِ قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ عَوْدَ الْغَلَّةِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ عَوْدِ النَّقْضِ فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ وَهُوَ هَدْمُ الْمَسْجِدِ الثَّانِي وَكَيْفَ يُهْدَمُ عَامِرٌ وُضِعَ فِيهِ ذَلِكَ النَّقْضُ بِحَقٍّ لِرَجَاءِ عِمَارَةِ خَرَابٍ زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ لِذَلِكَ النَّقْضِ بِحَقٍّ لِخَرَابِهِ فَمَنْ أَرَادَ عِمَارَتَهُ قِيلَ لَهُ إمَّا أَنْ تُعَمِّرَهُ كَامِلًا وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكَهُ وَكَوْنُكَ تُعَمِّرُ فِيهِ الْبَعْضَ وَتُرِيدُ هَدْمَ مَسْجِدٍ كَامِلٍ لِتَوْفِيَةِ بَعْضِ مَسْجِدٍ لَا تُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الضَّرَرِ وَهُوَ عَدَمُ تَوْفِيَةِ الْأَوَّلِ لَا يُزَالُ بِكَثِيرِ الضَّرَرِ وَهُوَ خَرَابُ الثَّانِي هَذَا مَا يُتَّجَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. (وَسُئِلَ) عَنْ جَمَاعَةٍ شُرَكَاءَ فِي وَظِيفَةٍ ثُمَّ أَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَةِ الْوَظِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَحَدِهِمْ ثُمَّ أَنَّهُ غَابَ الْغَيْبَةَ الشَّرْعِيَّةَ عَنْ الْمَحَلِّ الَّذِي فِيهِ الْوَظِيفَةُ الْمَذْكُورَةُ ثُمَّ إنَّ الشُّرَكَاءَ طَلَبُوا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى الْمَحَلِّ فِي أَنْ يَكُونُوا مُبَاشِرِينَ لِلْوَظِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ مُدَّةَ غَيْبَةِ شَرِيكِهِمْ ثُمَّ أَنَّهُمْ لَمْ يُجِيبُوهُمْ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ الْمَعْلُومَ وَطَلَبُوا مِنْهُمْ الْإِشْهَادَ بِذَلِكَ حَسْبَ الْعَوَائِدِ الْقَدِيمَةِ ثُمَّ إنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ أَدَاءِ الْمَعْلُومِ لِمُسْتَحِقِّيهِ فَهَلْ يَكُونُ عَدَمُ إجَابَتِهِمْ تَقْصِيرًا مِنْهُمْ وَيَسْتَحِقُّ أَهْلُ الْوَظِيفَةِ الْمَعْلُومَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّمَا

стр. 801

يَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنْ الشُّرَكَاءِ حِصَّتَهُ إنْ بَاشَرَ بِقَدْرِهَا فِي الْوَظِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ بِنَفْسِهِ وَكَذَا بِنَائِبِهِ إنْ كَانَتْ غَيْرَ نَحْوِ إمَامَةٍ أَوْ تَدْرِيسٍ أَوْ كَانَتْ نَحْوَ إمَامَةٍ، وَالنَّائِبُ مِثْلُ الْمُسْتَنِيبِ عِلْمًا وَوَرَعًا وَنَحْوِهِمَا سَوَاءٌ أَقَدَرَ الْمُسْتَنِيبُ فِيهِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ أَمْ لَا كَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ لَكِنْ مَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي نَحْوِ الْإِمَامَةِ مُطْلَقًا. وَيَمْتَنِعُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى الْمَحَلِّ مَنْعُ بَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ، وَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ أَحَدَهُمْ يُبَاشِرُهَا وَحْدَهَا فَيُعَزَّرُونَ عَلَى ذَلِكَ التَّعْزِيرَ اللَّائِقَ بِهِمْ ثُمَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ مُبَاشَرَةِ وَظِيفَتِهِ هَلْ يَسْتَحِقُّ مَعْلُومَهَا؟ قَالَ التَّاجُ الْفَزَارِيّ: نَعَمْ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا؛ لِأَنَّهَا جِعَالَةٌ وَهُوَ لَمْ يُبَاشِرْهَا وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ مِنْ ذَلِكَ كَلَامُ السُّبْكِيّ فِي الْأُولَى وَالْفَزَارِيِّ فِي الثَّانِيَةِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ جِعَالَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يَقُلْ السُّبْكِيّ أَنَّ نَحْوَ الْمُدَرِّسِ إذَا مَاتَ يُصْرَفُ لِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ مِمَّا كَانَ يَأْخُذُهُ مَا يُقَوِّمُهُمْ، وَإِنْ نُوزِعَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَقَفَ أَمْلَاكًا عَلَى نَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ وَشَرَطَ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ وَقْفُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنْ لَا يَدْخُلَ عَقْدٌ عَلَى عَقْدٍ وَثَبَتَ بِبَيِّنَاتٍ عَلَى يَدِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ ثُمَّ إنَّ الْوَقْفَ الْمَذْكُورَ انْحَصَرَ اسْتِحْقَاقُ مَنَافِعِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ صَغِيرًا فَأَقَامَ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ قَيِّمًا شَرْعِيًّا عَلَى الْوَلَدِ الْمَذْكُورِ وَأَجَّرَ بَعْضَ الْأَمَاكِنِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى شَخْصٍ، وَالْحَالُ أَنَّ الْوَلَدَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى إيجَارِ مَا أُجِرَ عَنْهُ لَا إلَى النَّفَقَةِ وَلَا إلَى الْكِسْوَةِ وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ اللَّوَازِمِ الشَّرْعِيَّةِ فَهَلْ الْإِيجَارُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلْوَلَدِ مُطَالَبَتُهُ بِالْوَقْفِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ؟ (فَأَجَابَ) مَتَى أَجَّرَ الْقَيِّمُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ كَانَتْ الْإِجَارَةُ بَاطِلَةً وَمَتَى أَجَّرَ سَنَةً، فَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ بِقَوْلِهِ: تَعُودُ عَلَى الْوَلَدِ الْمَذْكُورِ كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً. ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْإِجَارَةِ مَصْلَحَةٌ كَانَتْ بَاطِلَةً وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْإِجَارَةِ طَالَبَ بِذَلِكَ الْوَلَدُ إنْ كَانَ بَالِغًا رَشِيدًا، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُنَصِّبَ قَيِّمًا يُطَالِبُ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ وَقَفَ دَارًا مُشْتَمِلَةً عَلَى عُزُلَتَيْنِ وَمِنْ شُرُوطِهِ يُصْرَفُ عَشْرَةٌ أَشْرَفِيَّةٌ مَثَلًا فِي قِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَتَسْبِيلُ مَاءٍ مَثَلًا ثُمَّ أَجَّرَ نَاظِرُهُ الشَّرْعِيُّ عُزْلَةً وَاحِدَةً مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ مَقْبُوضَةٍ جَمِيعِهَا ثُمَّ تُوُفِّيَ وَبَعْضُ الْمُدَّةِ بَاقٍ فَهَلْ تُؤْخَذُ بَقِيَّةُ الْأُجْرَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ وَتُدْفَعُ لِمُسْتَحِقِّيهَا؟ فَيَبْدَأُ صَاحِبُ الْقِرَاءَةِ وَصَاحِبُ السَّبِيلِ بِمَا يَخُصُّهُ كَامِلًا إنْ كَانَ بَقِيَّةُ الْأُجْرَةِ يَحْمِلُ ذَلِكَ وَالْبَاقِي لِمُسْتَحِقِّيهِ إذَا كَانَ شَرْطُ الْوَاقِفِ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِمَارَةِ وَمَا حُكْمُ الْعُزْلَةِ الثَّانِيَةِ؟ يُدْفَعُ لِلْقَارِئِ مِنْ أُجْرَتِهَا مَا يَخُصُّهُ كَامِلًا وَهُوَ الْعَشَرَةُ الْأَشْرَفِيَّةُ الْمُقَرَّرُ لَهُ بِهَا وَمَا فَضَلَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُجْرَةِ لِمُسْتَحِقِّيهِ يَقْتَسِمُونَهُ بِحَسْبِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ وَمَا حُكْمُ الْوَقْفِ إذَا شُرِطَ الِانْتِفَاعُ بِهِ سَكَنًا وَإِسْكَانًا وَشُرِطَ فِيهِ أَيْضًا أَنْ يُصْرَفَ مِنْ رِيعِهِ عَشْرَةٌ أَشْرَفِيَّةٌ لِقَارِئٍ مَثَلًا فَإِذَا اتَّفَقَ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى السُّكْنَى بِهِ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الْعَشَرَةَ الْأَشْرَفِيَّةَ الْمَشْرُوطَةَ لِلْقَارِئِ. وَيَسْتَقِرُّ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِمْ كَالدَّيْنِ الشَّرْعِيِّ وَإِذَا أَرَادَ الْبَعْضُ السُّكْنَى وَالْبَعْضُ الْآخَرُ الْإِجَارَةَ وَتَنَازَعُوا وَعَطَّلُوا مَصَالِحَ الْوَقْفِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ فَيُؤَجِّرُ النَّاظِرُ عَلَيْهِمْ قَهْرًا وَيُؤَدِّي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بَعْدَ الْعِمَارَةِ أَوْ يُعَلِّقُوا عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ. (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا قَبَضَهُ النَّاظِرُ مِنْ حَقِّ الْمُسْتَحَقِّينَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى تَرِكَتِهِ إذَا مَاتَ وَهُوَ بَاقٍ عِنْدَهُ، وَمَا حَصَلَ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ يُنْظَرُ فِيهِ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ، فَإِنْ شَرَطَ لِذِي الْقِرَاءَةِ مَثَلًا قَدْرًا مَعْلُومًا وَالْبَاقِي لِغَيْرِهِ قُدِّمَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ مَنْ بَعْدَهُ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُ، وَإِنْ شَرَطَ لَهُ قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرِطَ تَقْدِيمَهُ فَكُلُّ مَا قُبِضَ مِنْ الْغَلَّةِ يُوَزَّعُ عَلَى الْمُسْتَحَقِّينَ بِقَدْرِ حِصَصِهِمْ، نَعَمْ تُقَدَّمُ الْعِمَارَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ فَوَّتَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ غَلَّةَ الْوَقْفِ لِسُكْنَى أَوْ غَيْرِهَا لَزِمَهُمْ لِلْقَارِئِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا فَوَّتُوهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ أُجْرَتِهِ فَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ أَكْثَرَ صُرِفَ الْبَاقِي لِلْمُسْتَحِقِّينَ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ وَإِذَا أَرَادَ الْبَعْضُ السُّكْنَى وَالْبَعْضُ الْإِجَارَةَ وَتَنَازَعُوا

стр. 802

عِنْدَ الْحَاكِمِ أَعْرَضَ الْحَاكِمُ عَنْهُمَا إلَى أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِمَا بِفِعْلٍ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ يُلْزِمُ النَّاظِرَ بِفِعْلِ مَا فِيهِ الْأَصْلَحُ مِنْ إسْكَانِ طَالِبِ السُّكْنَى وَالْإِيجَارِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ كَصُورَةِ الشَّيْخَيْنِ الَّتِي قَالَا فِيهَا فِي بَابِ الْقِسْمَةِ يُؤَجِّرُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ ثَمَّ يَنْحَصِرُ فِيهِ فَأَجَّرَ عَلَيْهِمَا صِيَانَةً لِلْأَمْلَاكِ وَهُنَا الْأَمْرُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ النَّاظِرُ فَأَلْزَمَهُ بِمَا هُوَ لَازِمٌ لَهُ مِنْ فِعْلِ الْأَصْلَحِ عَلَى أَنَّهُمَا ذَكَرَا فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُمَا فِي الْقِسْمَةِ أَجَّرَ لَيْسَ لِلتَّحَتُّمِ إلَّا إنْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ، وَإِلَّا جَازَ لَهُ الْإِعْرَاضُ وَقَضِيَّةُ مَا فِي الْقِسْمَةِ أَنَّ قَوْلَهُمَا فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَعْرَضَ لَيْسَ لِلتَّحَتُّمِ، بَلْ لَهُ الْإِيجَارُ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَنَازِعَيْنِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ فِي صُورَةِ الْعَارِيَّةِ وَنَحْوِهَا بِالْقَلْعِ فَكَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ فِي الْوُصُولِ إلَى مِلْكِهِ فَلَمْ يَنْحَصِرْ الْأَمْرُ فِي الْحَاكِمِ فَإِذَا أَعْرَضَ فِي صُورَةِ الْقِسْمَةِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِاسْتِغْلَالُ بِالِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ لِشُيُوعِهِ فَانْحَصَرَ الْفَصْلُ فِي الْحَاكِمِ فَلَزِمَهُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالْإِيجَارِ عَلَيْهِمَا صِيَانَةً لِلْمِلْكِ مِنْ التَّعْطِيلِ، وَهَذَا فَرْقٌ وَاضِحٌ يُعْلَمُ بِهِ بَقَاءُ مَا فِي كُلِّ بَابٍ عَلَى حُكْمِهِ الْمُقَرَّرِ فِيهِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ قِطْعَةَ أَرْضٍ عَلَى مَسْجِدٍ وَجَعَلَ عَلَيْهَا قَدْرًا مَعْلُومًا طَعَامًا فِي عَيْنِ كُلِّ سَنَةٍ لِلْمَسْجِدِ وَشَرَطَ لَهُ النَّظَرَ، وَمُرَادُهُ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ غَلَّتِهَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ يَكُونُ لَهُ ثُمَّ لِمَنْ لَهُ النَّظَرُ مِنْ بَعْدِهِ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) إذَا وَقَفَ أَرْضًا عَلَى مَسْجِدٍ وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ مِنْهَا جُزْءًا، فَإِنْ كَانَ لَا فِي مُقَابِلَةِ نَظَرِهِ بَطَلَ الْوَقْفُ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ النَّظَرُ لِنَفْسِهِ بِبَعْضِ الْغَلَّةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ الَّذِي شَرَطَهُ قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْلِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ دَارًا بِشُرُوطٍ مِنْهَا أَنْ يُدْفَعَ مِنْ رِيعِهَا فِي كُلِّ عَامٍ عَشْرَةٌ أَشَرَفِيَّةٌ جُعْلًا لِمَنْ يَقْرَأُ كَذَا وَيُهْدِيهِ لِشَخْصٍ عَيَّنَهُ ثُمَّ قَرَّرَ الْوَاقِفُ بِمُقْتَضَى أَنَّ لَهُ النَّظَرَ شَخْصًا وَأَوْلَادَهُ مِنْ بَعْدِهِ فِي تِلْكَ الْقِرَاءَةِ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا التَّقْرِيرُ؟ وَهَلْ لِلنَّاظِرِ عَزْلُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ، وَلَوْ نَازَعَهُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يُهْدِ مِنْ الْمُصَدَّقِ، إذْ الْإِهْدَاءُ لَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ؟ (فَأَجَابَ) التَّقْرِيرُ صَحِيحٌ لِلْمُقْرِئِ الْأَوَّلِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ فَيَسْتَحِقُّ مَا شَرَطَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ عَزْلُ مَنْ صَحَّ تَقْرِيرُهُ إلَّا لِمُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفُذْ عَزْلُهُ وَقِيَاسُ كَلَامِهِمْ فِي الْجَعَالَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِالْقِرَاءَةِ وَالْإِهْدَاءِ الْمَشْرُوطَيْنِ، وَالْبَيِّنَةُ لَهَا اطِّلَاعٌ عَلَى الْإِهْدَاءِ؛ لِأَنَّهُ الدُّعَاءُ عَقِبَ الْقِرَاءَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِيمَا لَوْ وَقَفَ شَخْصٌ يَصِحُّ مِنْهُ الْوَقْفُ شَيْئًا عَلَى مَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ ثُمَّ أُحْدِثَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ زِيَادَةٌ فَهَلْ يُصْرَفُ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ شَيْءٌ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ فَهَلْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ وَلِلرَّافِعِيِّ كَلَامٌ فِي بَابِ الْإِيمَانِ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ؟ (فَأَجَابَ) الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِمْ فِي أَبْوَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ إنْ أَشَارَ بِأَنْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ غَلَّةِ ذَلِكَ الْوَقْفِ إلَى الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى شَيْءٍ تَقْتَضِي تَعَيُّنَهُ وَحُضُورَهُ وَإِذَا تَعَيَّنَ مَوْجُودٌ لِلْوَقْفِ بِالنَّصِّ مِنْ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْفِ إلَى غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ الْمَذْكُورِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ النَّوَوِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إنَّ الْمُضَاعَفَةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ خَاصَّةٌ بِمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِهِ دُونَ الْحَادِثِ فِيهِ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُحْدِثُ لِذَلِكَ مِثْلَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَخْذًا مِنْ مَفْهُومِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: ﷺ «وَصَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: هَذَا مَا زِيدَ فِيهِ فَإِنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَتَنَاوَلُهُ فَلَا تَضْعِيفَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ. ، وَأَمَّا مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى النَّوَوِيِّ مِنْ الْآثَارِ الْكَثِيرَةِ وَأَحَادِيثَ تَقْتَضِي عُمُومَ الْمُضَاعَفَةِ لِلزِّيَادَةِ وَأَطَالُوا فِي ذَلِكَ الِاعْتِرَاضَ فَقَدْ رَدَدْتُهُ عَلَيْهِمْ فِي حَاشِيَةِ مَنَاسِكِهِ الْكُبْرَى وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْآثَارِ وَالْأَحَادِيثِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَمْ تَصْلُحْ لِمُعَارَضَةِ مَفْهُومِ الْإِشَارَةِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ فَعَمِلْنَا بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِمَادِ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ وَأَقَرَّاهُ مِنْ أَنَّهُ

стр. 803

لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ زِيَادَةً حَادِثَةً فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ قَالُوا: لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَتَنَاوَلْ الزِّيَادَةَ حَالَ الْحَلِفِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَتِنَا بِمَا قَدَّمْته، إذْ الْيَمِينُ وَالْوَقْفُ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُشْرِ بِأَنْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى مَسْجِدِ بَلَدِ كَذَا أَوْ عَلَى الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ مِنْهَا مَثَلًا جَازَ صَرْفُ غَلَّةِ ذَلِكَ الْوَقْفِ إلَى الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُشِرْ إلَيْهِ لَمْ يَأْتِ بِمَا يَقْتَضِي التَّعْيِينَ وَالِانْحِصَارَ فِي الْمَوْجُودِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِمَا يَشْمَلُ الْحَادِثَ كَالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا يُسَمَّيَانِ بِاسْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَسْجِدُ كَذَا أَوْ الْمَسْجِدُ الْفُلَانِيُّ فَيَتَنَاوَلُهُمَا لَفْظُهُ وَمَعَ تَنَاوُلِهِ لَهُمَا لَا نَظَرَ لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الْخَارِجِيَّةَ لَا يُنْظَرُ إلَيْهَا إلَّا إذَا لَمْ يَقَعْ فِي اللَّفْظِ مَا يُخَالِفُهَا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يُصَرِّحُ بِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ اتِّحَادِ الْوَقْفِ وَالْأَيْمَانِ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي قَدَّمْتُهَا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ مَسْجِدَ بَنِي فُلَانٍ حَنِثَ بِالزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ فِيهِ، وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُشِرْ فَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلزِّيَادَةِ أَيْضًا فَحَنِثَ بِهَا كَالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ شَامِلٌ لَهُمَا، وَإِذَا ثَبَتَ شُمُولُ اللَّفْظِ لَهُمَا فِي الْأَيْمَانِ ثَبَتَ شُمُولُهُ لَهُمَا فِي الْوَقْفِ لِاتِّحَادِهِمَا فِيمَا مَرَّ وَكَالْإِضَافَةِ فِي هَذَا الْمَعْرِفَةُ بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ بِجَامِعِ شُمُولِ اللَّفْظِ فِيهِمَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا فِي قَوْلِهِ: ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَعْدِلُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا» إنَّ الْمُضَاعَفَةَ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ تَعُمُّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ فِيهِ أَيْضًا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُعَرَّفِ وَالْمُضَافِ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ وَفِي رِسَالَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ: ﷺ «مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ صَلَاةً وَاحِدَةً جَمَاعَةً كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَلْفَ أَلْفِ صَلَاةٍ وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» وَبِهَا يُعْلَمُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِذَا تَسَاوَيَا فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا تَقَرَّرَ فَلْيَتَسَاوَيَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَخْذًا مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا مَا أَمْكَنَ وَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَيْمَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَرَّفِ وَالْمُضَافِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُشَارِ إلَيْهِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَلَكِنَّا نَقُولُ أَيْضًا: بِأَنَّ الْمُعَرَّفَ كَالْمُضَافِ أَخْذًا مِنْ الْحَدِيثِ وَكَلَامِهِمْ الَّذِي ذَكَرْته فَإِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِعُمُومِ الْمُضَاعَفَةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ لِزِيَادَاتِهِ مَعَ وُرُودِ التَّعْبِيرِ فِيهِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْكَعْبَةِ فَلَوْ افْتَرَقَا لَقَالُوا بِافْتِرَاقِ الْحُكْمِ عَمَلًا بِافْتِرَاقِهِمَا فَلَمَّا قَالُوا بِاتِّحَادِهِ مَعَ وُرُودِهِمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اتِّحَادِهِمَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَجَعَلَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْفِ لِشَخْصٍ عَيَّنَهُ وَجَعَلَ لِلنَّاظِرِ الْمَذْكُورِ الْأَكْلَ مِنْهُ وَقَضَاءَ دُيُونِهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَهَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ الْمَذْكُورُ؟ ، فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ فِي ذَلِكَ بِصِيغَةِ شَرْطٍ فَلَا يَصِحُّ أَوْ لَا فَيَصِحُّ وَحَيْثُ قُلْتُمْ: بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا أَوْ لَمْ يَأْتِ بِصِيغَةِ شَرْطٍ فَهَلْ لِلنَّاظِرِ الْأَخْذُ وَالِاسْتِقْلَالُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ حَاكِمٍ وَكَمْ الْقَدْرُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَهَلْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الِاسْتِقْلَالُ بِأَخْذِ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ صِيغَةِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهَا وَبَيْنَ الْجِهَةِ وَالْمُعَيَّنِ؟ (فَأَجَابَ) يَصِحُّ الْوَقْفُ مَعَ التَّنْصِيصِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي النَّاظِرِ سَوَاءٌ أَتَى بِصِيغَةِ شَرْطٍ أَوْ بِمَا يُفْهِمُ الشَّرْطِيَّةَ كَمَا شَمَلَهُ قَوْلُهُمْ تَصِحُّ شُرُوطُ الْوَاقِفِ وَيُعْمَلُ بِهَا مَا لَمْ تُخَالِفْ الشَّرْعَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ شَرْطِ أَكْلِ النَّاظِرِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ لَا يُخَالِفُهُ بَلْ قَوْلُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ لِلنَّاظِرِ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ شَامِلٌ لِهَذِهِ الصُّورَةِ فَهِيَ مِنْ صَدَقَاتِ إطْلَاقِهِمْ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِأَخْذِ مَا شُرِطَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْوَكِيلِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَالْوَكِيلُ لَوْ قَالَ لَهُ مُوَكِّلُهُ أَعْطِ هَذَا لِلْفُقَرَاءِ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَضَعَهُ فِي نَفْسِك فَافْعَلْ لَمْ يَجُزْ لَهُ إعْطَاءُ نَفْسِهِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ لَكِنْ نَازَعَهُمَا فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمَنْعُ فِي النَّاظِرِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ عَلَى الْوَكِيلِ وَمِثْلُهُ الْوَصِيُّ إعْطَاءُ نَفْسِهِ مَعَ النَّصِّ لَهُ عَلَيْهِ فَأَوْلَى أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَى النَّاظِرِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ لَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى تَوَلِّي الْأَخْذَ بِنَفْسِهِ وَكَذَا عَلَى الثَّانِي لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّاظِرِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ

стр. 804

وَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَوْ الْمُوصِيَ ثَمَّ فَوَّضَ لِنَائِبِهِ الِاسْتِقْلَالَ بِالْأَخْذِ، وَالْوَاقِفُ فِي صُورَتِنَا لَمْ يُفَوِّضْ لَهُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْأَخْذِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مَنْعِ النَّاظِرِ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فِي صُورَتِنَا وَأَخْذُهُ لَهُ يُنَافِي ذَلِكَ فَقَدْ قَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ لِلْمُتَوَلِّي عُشْرَ الْغَلَّةِ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ وَسُومِحَ فِيهِ تَبَعًا لِبَعْضِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِلَّا فَالْأُجْرَةُ لَا تَكُونُ مِنْ مَعْدُومٍ ثُمَّ إذَا عَزَلَهُ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ أُجْرَةً كَأَنْ قَالَ: جَعَلْتُ لِلْمُتَوَلِّي عُشْرَهَا اسْتَحَقَّهُ، وَإِنْ عَزَلَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ اهـ. وَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ أُجْرَةً فَيَسْتَحِقَّهُ النَّاظِرُ، وَإِنْ انْعَزَلَ عَنْ النَّظَرِ وَحَيْثُ مَنَعْنَاهُ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ لَزِمَهُ رَفْعُ الْأَمْرِ إلَى النَّاظِرِ الْعَامِّ وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِيُعْطِيَهُ مَا شُرِطَ لَهُ وَهُوَ الْأَكْلُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كِفَايَتُهُ اللَّائِقَةُ بِهِ يَوْمًا بِيَوْمٍ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَلَيْسَ لَهُ إطْعَامُ مُمَوِّنِهِ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ الْوَقْفِ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مُؤَدَّى الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا وَمُؤَدَّى مَا فِي السُّؤَالِ أَكْلُهُ وَحْدَهُ فَلَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلِ غَيْرِهِ وَكِسْوَتِهِ هُوَ نَعَمْ إنْ اطَّرَدَ عُرْفُ قَوْمٍ مِنْهُمْ الْوَاقِفَ فِي زَمَنه وَعُلِمَ بِهِ بِأَنْ يُعَبِّرُوا بِالْأَكْلِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ عَمَّا يَشْمَلُ الْكِسْوَةَ وَمُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ نُزِّلَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامٌ الْإِمَامَيْنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ الصَّلَاحِ. وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الِاسْتِقْلَالُ بِأَخْذِ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَظَائِفِ النَّاظِرِ لِقَوْلِهِمْ مِنْ وَظَائِفِهِ جَمْعُ الْغَلَّةِ وَقِسْمَتُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، سَوَاءٌ أَشَرَطَ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قُلْتَ: يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ النَّاظِرَ لَا يَقْبِضُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، قَوْلُهُمْ يَمْتَنِعُ اتِّحَادُ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ إلَّا فِي مَسَائِلَ وَعَدُّوا مِنْهَا السَّاعِيَ فَإِنَّهُ يَقْبِضُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَقِيَاسُهُ النَّاظِرُ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مُتَصَرِّفٌ عَلَى الْغَيْرِ قُلْت: لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ السَّاعِي خَرَجَتْ عَنْ الْأَصْلِ لِمَعْنًى لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي النَّاظِرِ وَهُوَ أَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الشَّرْعِ وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ نَائِبًا عَنْ أَحَدٍ مَخْصُوصٍ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لِامْتِنَاعِ اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ بِخِلَافِ النَّاظِرِ فَإِنَّهُ نَائِبٌ خَاصٌّ عَنْ شَخْصٍ خَاصٍّ هُوَ الْوَاقِفُ مَثَلًا أَوْ حَاكِمُ بَلَدِ الْوَاقِفِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ اتِّحَادُ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ؛ لِاخْتِلَافِ جِهَةِ الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ لِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ، وَأَمَّا السَّاعِي فَلَمْ تَخْتَلِفْ الْجِهَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ قَبْضِهِ وَإِقْبَاضِهِ إنَّمَا هُوَ بِجِهَةِ السِّعَايَةِ فَقَطْ فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهِ لِمُمَيِّزٍ ثُمَّ رَأَيْتُ الْبُلْقِينِيُّ أَخَذَ مِنْ إفْتَاءِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ لِلْوَلِيِّ إذَا تَبَرَّمَ بِحِفْظِ مَالِ مُوَلِّيهِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِأَخْذِ مَا يُقَرِّرُهُ لَهُ الْحَاكِمُ لَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَيْهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ هُنَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِأَخْذِ مَا شُرِطَ لَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ قُلْنَا: بِمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الْأَمْرِ لِلْقَاضِي فِي الْوَلِيِّ، وَمِثْلُهُ النَّاظِرُ بِالْأَوْلَى عَلَى أَنَّ قِيَاسَ النَّاظِرِ عَلَى الْوَلِيِّ قَابِلٌ لِلْمَنْعِ كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَقْتَرِضَ لِعِمَارَةِ الْوَقْفِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَبِأَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ لِذَلِكَ، وَأَمَّا مُنَازَعَةُ الْبُلْقِينِيُّ فِي هَذَا فَإِنِّي رَدَدْتُهَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ حَيْثُ قُلْت: وَنَازَعَ الْبُلْقِينِيُّ فِي اشْتِرَاطِ إذْنِ الْحَاكِمِ فِي الِاقْتِرَاضِ وَقَالَ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ وَمَالَ إلَيْهِ غَيْرُهُ قِيَاسًا عَلَى وَلِيِّ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ يَقْتَرِضُ دُونَ وَلِيِّ الْحَاكِمِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ النَّاظِرَ يُضَيِّقُ فِيهِ بِمَا لَا يُضَيِّقُ بِهِ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ اهـ. وَمِمَّا يُقَوِّي الْفَرْقَ بَيْنَ النَّاظِرِ وَالْوَلِيِّ مَا قَدَّمْته مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ السَّاعِي وَالنَّاظِرِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ كَالسَّاعِي بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَائِبُ الشَّرْعِ فَجَازَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ لِمَا مَرَّ، وَأَمَّا النَّاظِرُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْته وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ النَّاظِرُ أُجْرَةً مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ بِقَدْرِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَسَوَاءٌ احْتَاجَ لِلْأَخْذِ أَمْ لَا، وَأَمَّا الْوَلِيُّ فَلَا يَأْخُذُ كَذَلِكَ بَلْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ نَائِبًا عَنْ أَحَدٍ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَالنَّاظِرُ نَائِبٌ عَنْ الْوَاقِفِ فَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ وَقَفَ نَخْلًا مَثَلًا أَوْ أَوْصَى بِهِ عَلَى أَنْ تُبَاعَ غَلَّتُهُ وَيُسَبَّلُ مِنْهَا كُلَّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ قِرْبَةُ مَاءٍ وَيُسْرَجَ مِنْهُ سِرَاجٌ بِاللَّيْلِ فِيهِ ثُمَّ إنَّ الْقَيِّمَ بِذَلِكَ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِيِ

стр. 805

عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ عِنْدَ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَيِّمِ بِذَلِكَ أَنْ يُبَادِرَ بِقَضَاءِ ذَلِكَ فَيُسْرِجَ سِرَاجَيْنِ إلَّا فَاتَهُ ذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ مَثَلًا وَيَسْقِي قِرْبَتَيْ مَاءٍ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ فِي رَمَضَانَ أَوْ يَجُوز تَأْخِيرُهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ؟ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ تَرْكِهِ لِعُذْرٍ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ وَهَلْ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) أَفْتَى النَّوَوِيُّ فِي وَاقِفٍ شَرَطَ أَنْ يُفَرِّقَ كَذَا فِي وَقْفٍ كَعَاشُورَاءَ أَوْ رَمَضَانَ فَتَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِأَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ إلَى مِثْلِهِ مِنْ قَابِلٍ بَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ اهـ. وَمَحَلُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَشْرُطْ كَذَا لِصَوَّامِ رَمَضَانَ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ وَأَخَّرَ عَنْهُ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ إلَى رَمَضَانَ الثَّانِي لِيُصْرَفَ إلَى صَوَّامِهِ؛ لِأَنَّهُ قُيِّدَ بِغَرَضٍ مَخْصُوصٍ مَقْصُودٍ مُغَايِرٍ لِلزَّمَنِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: يُصْرَفُ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ لِجِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى زَمَنٍ، وَالزَّمَنُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الصَّرْفِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ مِثْلُ ذَلِكَ الزَّمَنِ عِنْدَ فَوَاتِهِ بَلْ جَازَ الصَّرْفُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ يَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ حَتَّى يُؤَخَّرَ إلَيْهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ يُسْرِجُ أَوْ يُسَبَّلُ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ فَاتَ ذَلِكَ فِيهِ مَثَلًا وَلَوْ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُسْرِجَ أَوْ يُسَبَّلَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ عَلَى الْفَوْرِ فِي غَيْرِهِ وَلَا يَنْتَظِرُ رَمَضَانَ الثَّانِيَ، وَإِنْ قَالَ يُسْرَجُ عَلَى قُوَّامِ رَمَضَانَ أَوْ يُسَبَّلُ لِصَوَّامِهِ أَوْ لِلْمُفْطِرِينَ مِنْ صَوْمِهِ فَفَاتَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ تَعَيَّنَ التَّأْخِيرُ إلَى رَمَضَانَ الثَّانِي لِمَا تَقَرَّرَ وَفِي الْحَالَةِ إذَا أَخَّرَ عَنْ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِيهِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ لِاتِّحَادِهِمَا فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) إذَا كَانَ السُّلْطَانُ يَقْبِضُ مِنْ غَلَّاتِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ مَا فَضَلَ عَنْ مَصَالِحِهِمَا فِي عَيْنِ كُلِّ سَنَةٍ ثُمَّ يَصْرِفُ بَعْضَ ذَلِكَ إلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ عُلَمَاءِ بَلَدِهِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ هَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَوْ امْتَنَعُوا مِنْ الْأَخْذِ لَمَا رُدَّ إلَى مَصْرِفِهِ الْأَصْلِيِّ؟ وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ صَرْفَ ذَلِكَ إلَى مَنْ ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ صَرْفِهِ عَلَى الْجُنْدِ وَشَحْنِ الْحُصُونِ بِهِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ الْفَاضِلِ مِنْ غَلَّةِ مَسْجِدٍ إذَا خَالَفَ ذَلِكَ الْأَخْذُ شَرْطَ الْوَاقِفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِمَامُ يَصْرِفُ ذَلِكَ فِي مَصَارِفِهِ أَمْ لَا وَلَا نَظَرَ إلَى قَوْلِ السَّائِلِ وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إلَخْ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِخِلَافِ شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) كَيْفَ الْحِيلَةُ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ (فَأَجَابَ) لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ امْرَأَةٌ وَقَفَتْ وَقْفًا بَعْدَ عَيْنِهَا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهَا قَبْرٌ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُصْرَفُ إلَى مَنْ يَقْرَأُ وَيُهْدِي ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ إلَيْهَا أَوْ يُصْرَفُ إلَى وَرَثَتِهَا وَالْمَوْقُوفُ لَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهَا وَالْوَارِثُ لَمْ يُجِزْ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؟ أَجَابَ لَا يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِجِهَةٍ خَاصَّةٍ فَإِذَا تَعَذَّرَتْ لَغَا وَلَا يُكْتَفَى بِعُمُومِ تَضَمُّنِهِ الْخُصُوصَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى قَائِلًا اشْتَرُوا لِي عَبْدَ فُلَانٍ فَاعْتِقُوهُ عَنِّي فَتَعَذَّرَ شِرَاؤُهُ فَلَا يُشْتَرَى مُطْلَقًا عَبْدٌ آخَرُ وَيُعْتَقُ عَنْهُ، وَلَيْسَ فَسَادُ هَذَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ وَقْفًا بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُفْسِدًا عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ نَوْعُ وَصِيَّةٍ اهـ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عُرِفَ قَبْرُهَا صَحَّ الْوَقْفُ فَحِينَئِذٍ مَنْ أَوْصَى بِوَقْفِ شَيْءٍ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ ثُمَّ مَاتَ وَعُرِفَ قَبْرُهُ وَخَرَجَ مَا أَوْصَى بِوَقْفِهِ وَجَبَ وَقْفُهُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ، فَهَذِهِ حِيلَةٌ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَمِنْ الْحِيَلِ أَيْضًا أَنْ يَقِفَ شَيْئًا عَلَى فُقَهَاءِ بَلَدِهِ مَثَلًا أَوْ عَلَى فُلَانٍ وَأَوْلَادِهِ وَهَكَذَا أَوْ عَلَى أَوْلَادِ نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا وَيَشْتَرِطُ فِي وَقْفِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ آلَ إلَيْهِ اسْتِحْقَاقٌ فِي هَذَا الْوَقْفِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى قَبْرِهِ إنْ عَرَفَ شَيْئًا مُعَيَّنًا، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَبْرٌ بِأَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا وَيُهْدِيَهُ إلَيْهِ، فَهَذَا شَرْطٌ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا شَمَلَهُ كَلَامُهُمْ وَبِهِ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْوَاقِفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ بِهِ مُدَرِّسٌ يُدَرِّسُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَرْضِ

стр. 806

ثُمَّ يَحْضُرُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَيُصَلِّي الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَقْتَ التَّدْرِيسِ التَّدْرِيسِ وَلَوْ أَخَّرَ الْمُدَرِّسُ التَّدْرِيسَ إلَى فَرَاغِ الْمُصَلِّينَ لَطَالَ التَّأْخِيرُ التَّأْخِيرُ وَإِنْ دَرَّسَ خَافَ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِتَدْرِيسِهِ عَنْ الصَّلَاةِ وَمِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ لَهُ أَشْغَالٌ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا قَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ لِلتَّدْرِيسِ أَوْ الْمُطَالَعَةِ وَكَانَ يَشْغَلُهُ مَنْ يَقْرَأُ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْقِرَاءَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) يَجِبُ عَلَى الْمُدَرِّسِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يُوَافِقُ شَرْطَ الْوَاقِفِ وَلَا يَنْظُرُ لِأَشْغَالِهِ وَلَا لِصَلَاةِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُدَرِّسَ بِخَفْضِ صَوْتٍ مَا دَامَ الْمُصَلُّونَ فِي صَلَاتِهِمْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ فِي ذَلِكَ شَرْطٌ، فَإِنْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ الْمُدَرِّسِينَ فِي زَمَنِهِ حِينَ الْوَقْفِ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يُدَرِّسُونَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَى الْمُدَرِّسِ أَنْ يُرَاعِيَ تِلْكَ الْعَادَةَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ. ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي نَفْسِ التَّدْرِيسِ فَقَالَ: الْعُرْفُ الْمُطَّرِدُ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ إذَا عُلِمَ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فَيُنَزَّلُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فَإِذَا وَقَفَ عَلَى الْمُدَرِّسِ وَالْمُعِيدِ وَالْفُقَهَاءِ بِمَدْرَسَةٍ نُزِّلَ عَلَى الْعُرْفِ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفَقِيهِ وَالْأَفْقَهِ وَكَذَا يُنَزَّلُ عَلَى التَّدْرِيسِ فِي الْغَدَوَاتِ فَلَا يَكْفِي لَيْلًا وَلَا عَشِيَّةً وَلَا ظُهْرًا اهـ. وَأَمَّا مَنْ يُطَالِعُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ يُدَرِّسُ احْتِسَابًا فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ، بَلْ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَرَادَهُ مَا لَمْ يُشَوِّشْ بِهِ عَلَى نَحْوِ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ، وَلِمَنْ اشْتَغَلَ بِتَدْرِيسٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ فَقَرَأَ آخَرُ بِجَنْبِهِ أَوْ ذَكَرَ بِحَيْثُ شَوَّشَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِخَفْضِ الصَّوْتِ، فَإِنْ امْتَثَلَ أَمْرَهُ بِذَلِكَ فَلَهُ مَزِيدُ الثَّوَابِ، وَإِلَّا فَلَهُ رَفْعُهُ إلَى الْحَاكِمِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيَأْمُرَ بِالسُّكُوتِ، فَإِنْ أَبَى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ يَجُوزُ إخْرَاجُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أَكَلَ نَحْوَ ثُومٍ أَوْ بَصَلٍ أَوْ كُرَّاثٍ أَيْ: أَوْ فُجْلٍ فَإِنَّهُ مِثْلُهَا كَمَا فِي حَدِيثٍ وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فَإِذَا جَازَ إخْرَاجُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ فَلْيَجُزْ إخْرَاجُ مَنْ يُشَوِّشُ بِقِرَاءَتِهِ أَوْ ذِكْرِهِ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ وَقَفَ مَحَلًّا عَلَى جَمَاعَةٍ وَجَعَلَ النَّظَرَ فِيهِ لِأَحَدِهِمْ وَشَرَطَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ؟ وَإِذَا جَعَلَ النَّظَرَ لِغَيْرِهِمْ وَشَرَطَ لَهُ نِصْفَ الْغَلَّةِ يَجُوزُ أَمْ لَا وَإِذَا لَمْ يَشْرِطْ لِلنَّاظِرِ هَلْ يَأْخُذُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ؟ وَإِذَا أَجَّرَ النَّاظِرُ الْمُسْتَحِقُّ أَوْ غَيْرُهُ الْوَقْفَ مُدَّةً طَوِيلَةً بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَكَانَ لَهُ النَّظَرُ عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ هَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ؟ (الْجَوَابُ) نَعَمْ يَسْتَحِقُّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَالنِّصْفَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَإِذَا لَمْ يُشْرَطْ شَيْءٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ عَمِلَ مَا لَمْ يَرْفَعْ الْأَمْرَ لِلْحَاكِمِ لِيُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِالْمَوْتِ فِيمَا ذُكِرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ أَحْمَدَ مَثَلًا ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَهَلْ الضَّمِيرُ الثَّانِي عَائِدٌ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَوْلَادِهِ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِيهَا يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَأَنْ يَكُونَ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ غَيْرَ الْأَقْرَبِ، وَلَا يَتَّضِحُ ذَلِكَ إلَّا بِذِكْرِ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ بِسَوَابِقِهَا وَلَوَاحِقِهَا فَإِنَّ بِذَلِكَ يَتَّضِحُ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِي كَلَامِهِ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ الْمَوْجُودِينَ وَسَمَّاهُمْ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عَلَى التَّرْتِيبِ فَإِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ وَلَهُ وَلَدٌ دَاخِلٌ فِي الْوَقْفِ مَعَ أَبِيهِ حَالَ الْوَقْفِ هَلْ تَنْتَقِلُ حِصَّةُ أَبِيهِ لَهُ مَعَ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْوَقْفِ إلَّا كَانَ مُنْفَرِدًا؟ . وَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ عَنْ غَيْر وَلَدٍ وَلَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ بَعْده فَلِمَنْ تَكُونُ حِصَّته لِشُرَكَائِهِ فِي الْوَقْف أَوْ تَسْقُط وَتَدْخُلُ فِي مَصَالِح الْوَقْف أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَنْتَقِل شَيْء إلَى مَنْ بَعْدهمْ إلَّا بِانْقِرَاضِ جَمِيع الْمَذْكُورِينَ قَبْلهَا، فَإِذَا مَاتَ بَعْض هَؤُلَاءِ انْتَقَلَتْ حِصَّتُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ عَلَى حَسْبِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ مِنْ تَسْوِيَةٍ أَوْ تَفَاضُلٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَمْ لَا فَلَا يَخْتَصُّ الْوَلَدُ بِحِصَّةِ أَبِيهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ مُشَارِكٌ فِي دَرَجَتِهِ، وَإِلَّا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ حِصَّةُ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَبِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ تَرْتِيبٌ بَيْنَ الْبُطُونِ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ مُتَأَخِّرَةٍ شَيْئًا مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ مُتَقَدِّمَةٍ حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا وَاحِدٌ فَازَ بِالْجَمِيعِ إلَّا إنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ

стр. 807

وَلَدٍ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَيَخْتَصُّ الِابْنُ حِينَئِذٍ بِنَصِيبِ أَبِيهِ، وَلَوْ مَعَ وُجُود مُسَاوِي أَبِيهِ فِي دَرَجَتِهِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ: وَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إلَخْ يُعْلَمُ جَوَابُهُ مِمَّا قَرَّرْته وَهُوَ أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ يَنْتَقِلُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فِي الصُّورَة الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا عَلِمْت فِي تَقْرِيرِهَا أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ شَيْءٌ لِلْبَطْنِ الْمُتَأَخِّرِ، وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ الْبَطْنِ الْمُتَقَدِّمِ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ تَجَمَّدَ مِنْ رِيعِ وَقْفٍ مَالٌ بَعْدَ الْعِمَارَةِ وَالصَّرْفِ لِلْمُسْتَحِقِّ هَلْ يَسُوغُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ دَارًا وَيُوقِفَهُ وَيَجْعَلَ رِيعَهُ فِي مَصَالِحِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ بَعْدَ عِمَارَتِهِ إذَا حَصَلَ فِيهِ هَدْمٌ إذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْوَقْفِ الْأَوَّلِ؟ وَالْحَالُ أَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ فِي وَقْفِهِ، وَإِذَا قُلْتُمْ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ هَلْ لِلْمُسْتَحِقِّينَ أَخْذُ الْمَالِ الْمُتَجَمِّدِ تَحْتَ يَدِهِ وَيَقْتَسِمُونَهُ زِيَادَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ اسْتِحْقَاقِهِمْ لِاسْتِغْنَاءِ الْوَقْفِ عَنْهُ أَمْ يُرْصَدُ ذَلِكَ تَحْتَ يَدِ النَّاظِرِ لِحُدُوثِ عِمَارَةٍ وَغَيْرِهَا أَمْ يَنْزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ وَيَكُونُ فِي مُسْتَوْدَعِ الْحَاكِمِ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ لِعِمَارَةِ الْوَقْفِ؟ . وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ وَالْوَقْفِ كَيْفَ يَسُوغُ شِرَاءُ النَّاظِرِ وَوَقْفُهُ وَشُرُوطُهُ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ وَاقِفًا وَلَا نَاظِرًا عَنْ الْوَاقِفِ فِي ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَكُونُ الشِّرَاءُ وَالْوَقْفُ بِاسْمِهِ أَوْ بِاسْمِ الْوَاقِفِ وَيُعَيِّنُ شُرُوطَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْوَقْفَ الْفَاضِلَ مِنْ رِيعِهِ شَيْءٌ تَارَةً يَكُونُ عَلَى مَسْجِدٍ وَتَارَةً يَكُونُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَتَارَةً يَكُونُ عَلَى مَصَالِحِهِ وَتَارَةً يُطْلَقُ وَتَارَةً يَكُونُ عَلَى عِمَارَتِهِ فَفِي الْحَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يُدَّخَرُ مِنْ الزَّائِدِ مَا يُعَمِّرُهُ وَأَمْلَاكَهُ أَوْ الدُّورَ وَنَحْوَهَا الْمَوْقُوفَةَ عَلَيْهِ لِوُجُوبِ ذَلِكَ وَيُشْتَرَى لَهُ بِبَاقِيهَا مَا فِيهِ زِيَادَةُ غَلَّتِهِ وَيَقِفُهُ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ وَالْمُتَوَلِّي لِلشِّرَاءِ وَالْوَقْفِ هُوَ الْحَاكِمُ، وَهَذَا الْوَقْفُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ لِشُرُوطٍ وَلَا لِبَيَانِ مَصْرِفٍ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَهُ مَعْلُومٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى لِلْمَسْجِدِ وَوَقَفَ صَارَ مَصْرِفُهُ مَصَالِحَ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَفِي الْحَالِ الثَّالِثِ أَعْنِي الْمَوْقُوفَ عَلَى عِمَارَتِهِ لَا يُشْتَرَى مِنْ زَائِدِ غَلَّتِهِ شَيْءٌ بَلْ يَرْصُدُهُ لِلْعِمَارَةِ، وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا وَقَفَ عَلَى الْعِمَارَةِ فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ لِغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مَسْجِدٍ كَانَتْ فَوَائِدُهُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَتُصْرَفُ إلَيْهِمْ جَمِيعُ غَلَّتِهِ مَا لَمْ يَحْتَجْ لِعِمَارَةٍ فَحِينَئِذٍ تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّهِمْ وَلَا يُصْرَفُ لَهُمْ شَيْءٌ مَا دَامَ الِاحْتِيَاجُ لِلْعِمَارَةِ مَوْجُودًا، سَوَاءٌ شَرَطَ الْوَاقِفُ تَقْدِيمَ الْعِمَارَةِ أَمْ لَمْ يَشْرِطْهُ، وَكَذَلِكَ عِمَارَةُ عَقَارِ الْمَسْجِدِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ الْوَاقِفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حِفْظَ الْوَقْفِ وَالْمُتَوَلِّي لِصَرْفِ مَا ذُكِرَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ هُوَ النَّاظِرُ الْخَاصُّ إنْ كَانَ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ حَاكِمٍ، فَإِنْ امْتَنَعَ رَفَعُوهُ إلَى حَاكِمٍ وَأَجْبَرَهُ عَلَى الصَّرْفِ إلَيْهِمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَقِلُّوا بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ بِدُونِ إذْنِ النَّاظِرِ أَوْ الْحَاكِمِ وَحَيْثُ أَلْزَمْنَاهُ بِالصَّرْفِ إلَيْهِمْ فَاشْتَرَى مِنْ الْغَلَّةِ شَيْئًا كَانَ شِرَاؤُهُ بَاطِلًا وَمَا نَأْمُرُهُ بِإِمْسَاكِهِ لِلْعِمَارَةِ يَكُونُ تَحْتَ يَدِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ وَبِقَوْلِنَا: فِيمَا مَرَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ وَاَلَّذِي يَقِفُ هُوَ الْحَاكِمُ انْدَفَعَ قَوْلُ السَّائِلِ كَيْفَ يَسُوغُ شِرَاءُ النَّاظِرِ إلَخْ؟ وَبِقَوْلِنَا: إنَّ هَذَا الْوَقْفَ لَا يَحْتَاجُ لِشُرُوطٍ إلَخْ انْدَفَعَ قَوْلُهُ: أَيْضًا وَشُرُوطُهُ وَيَنْدَفِعُ بِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ: هَلْ يَكُونُ الشِّرَاءُ وَالْوَقْفُ بِاسْمِهِ أَوْ بِاسْمِ الْوَاقِفِ وَيُعَيِّنُ شُرُوطَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ انْدِفَاعِ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَبْقَ لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ دَخْلٌ فِيهِ، وَكَذَلِكَ النَّاظِرُ، وَإِنَّمَا التَّصَرُّفُ فِي الشِّرَاءِ وَالْوَقْفِ لِلْحَاكِمِ يَتَوَلَّى الشِّرَاءَ وَالْوَقْفَ بِنِيَابَةِ الشَّرْعِ وَلَيْسَ نَائِبًا عَنْ أَحَدٍ فَاتَّضَحَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَانْدَفَعَ جَمِيعُ مَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ فِي ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) فِي وَاقِفٍ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا دَارًا ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ الْفُقَرَاءَ وَشَرَطَ النَّظَرَ لِزَيْدٍ الْمَذْكُورِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَأَطْلَقَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ وَلَمْ يُعَيِّنْ عَلَى حِصَّتِهِ وَلَا عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ فَهَلْ يَكُونُ النَّظَرُ لِزَيْدٍ عَلَى حِصَّتِهِ فَقَطْ أَوْ عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ حَتَّى لَوْ أَجَّرَ النَّاظِرُ وَهُوَ زَيْدٌ الْمَذْكُورُ الْوَقْفَ مُدَّةً طَوِيلَةً مَضَتْ عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ وَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ النَّاظِرِ مِنْ بَعْدِ زَيْدٍ كَحُكْمِهِ أَمْ لَا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ (الْجَوَابُ) إنَّ الْوَاقِفَ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْ النَّظَرَ

стр. 808

بِحِصَّةِ النَّاظِرِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْوَقْفِ فَتَصِحُّ إجَارَتُهُ وَتَمْضِي عَلَى الْبُطُونِ بَعْدَهُ وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ كَمَا حَرَّرْته، وَأَطْلَقْت الْكَلَامَ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) إنْسَانٌ وَقَفَ دَارًا عَلَى وَالِدَتِهِ وَأُخْرَى عَلَى وَلَدِهِ وَأُخْرَى عَلَى وَصِيِّهِ لِيَنْتَفِعَ كُلٌّ بِمَا وُقِفَ عَلَيْهِ وَشَرَطَ أَنْ يُصْرَفَ لِلنَّاظِرِ عَلَى تَرِكَتِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ رِيعِ الْأَوْقَافِ الْمَذْكُورَةِ ثَلَاثُونَ أَشَرَفِيًّا يُوَزَّعُ ذَلِكَ عَلَى الدُّورِ الثَّلَاثَةِ بِنِسْبَةِ رِيعِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى مَجْمُوعِ رِيعِهَا فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمُوصِي سَكَنَ كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مَا وُقِفَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُؤَجَّرْ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الدُّورِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ النَّاظِرُ مَا شُرِطَ لَهُ أَوْ لَا؟ لِكَوْنِ الْوَاقِفِ إنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ مِنْ الرِّيعِ وَلَمْ يُوجَدْ رِيعٌ لِعَدَمِ إيجَارِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الدُّورِ، وَإِذَا قُلْتُمْ: بِاسْتِحْقَاقِهِ فَهَلْ يَأْخُذُ مِنْهَا بِالتَّوْزِيعِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ، وَإِذَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ فَهَلْ يَغْرَمُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَكُونُ جُنْحَةً فِيهِ أَوْ لَا؟ (الْجَوَابُ) يَسْتَحِقُّ النَّاظِرُ مَا شُرِطَ لَهُ بِالتَّوْزِيعِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرِّيعِ إلَّا مُقَابِلَ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَوْفَاةِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَاهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَمْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ مَا ذُكِرَ لِلنَّاظِرِ تَخْصِيصٌ أَوْ تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقَهُ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَخْذُ حِصَّةِ دَارَيْ الْوَالِدَةِ وَالْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ غُرْمُهُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِإِثْمِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ جُنْحَةٌ فِيهِ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ هُوَ مَالُ الْوَلَدِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَيْضًا شَرْطَ الْوَاقِفِ وَحُكْمَهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَإِذَا عَلِمَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ أَثِمَ بِذَلِكَ وَكَانَ جُنْحَةً فِيهِ، وَإِنْ جَهِلَهَا أَوْ أَحَدَهَا فَلَا إثْمَ وَلَا جُنْحَةَ كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى نَظِيرِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ يُعْذَرُ بِجَهْلِ مِثْلِ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَى الْجَهْلِ. (مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ وَقَفَ مَحَلًّا عَلَى جَمَاعَةٍ فَحَصَلَ فِيهِ مَا يَحْتَاجُ لِعِمَارَةٍ فَأَجَّرَهُ النَّاظِرُ الْعَامُّ نَحْوَ ثَمَانِينَ سَنَةً مَعَ إمْكَانِ إصْلَاحِهِ بِأُجْرَةِ خَمْسِ سِنِينَ هَلْ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ؟ . (الْجَوَابُ) لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي يَحْتَاجُ لِأُجْرَتِهِ فِي الْعِمَارَةِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ إجَارَتُهُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مُتَعَدٍّ فَيَنْعَزِلُ عَنْ النَّظَرِ فَتَبْطُلُ إجَارَتُهُ مِنْ أَصْلِهَا. (مَسْأَلَةٌ وَقْفٌ يُصْرَفُ رِيعُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ دَرَاهِمَ أَوْ حَبًّا أَوْ تَمْرًا عَلَى الْوَارِدِينَ أَوْ الْمَارِّينَ مَحَلَّ كَذَا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِوَقْتٍ فَهَلْ يَلْزَمُ تَعْمِيمُ الْوَارِدِينَ أَوْ يُقْتَصَرُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ؟ وَهَلْ يَلْزَمُ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ وَإِنْ تَكَرَّرُوا وَمَاذَا يُدْفَعُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَمَا قَدْرُ الزَّمَنِ الَّذِي يَتَقَيَّدُ بِهِ الْوُرُودُ؟ (الْجَوَابُ) قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابَيْ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ الْوَارِدِينَ بِمَحَلِّ كَذَا لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ إلَّا إنْ انْحَصَرُوا وَوَفَّى بِهِمْ رِيعُ الْوَقْفِ، فَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرُوا فَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مَا لَمْ يَفْضُلْ عَنْ حَاجَاتِهِمْ شَيْءٌ فَيَجِبُ صَرْفُهُ إلَى بَعْضِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ انْحَصَرُوا لَزِمَهُ الصَّرْفُ لِجَمِيعِهِمْ إنْ وَفَّى بِهِمْ الرِّيعُ، وَإِلَّا فَلِمَنْ يَفِي بِهِ وَمَا دَامَ عِنْدَ النَّاظِرِ شَيْءٌ مِنْ الرِّيعِ لَزِمَهُ صَرْفُهُ لِلْوَارِدِينَ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَلَا يَخُصُّ الصَّرْفَ بِوَارِدِينَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عَمَلًا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامٌ الْوَاقِفِ مِنْ عَدَمِ التَّحْصِيصِ. وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ هُوَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ الْمُدَّةَ الَّتِي أَقَامَهَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ لَوْ كَانَ سَفَرُهُ طَوِيلًا بِشُرُوطِهِ يُسَمَّى وَارِدًا وَمَارًّا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ لِنَحْوِ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ أَوْ لِنِيَّةِ إقَامَةِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَمَّى مُقِيمًا لَا وَارِدًا وَلَا مَارًّا فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلْت) عَمَّنْ قَالَ إذَا مِتُّ فَضَيْعَتِي الْفُلَانِيَّةُ وَقْفٌ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى قَبْرِي وَيُهْدِي ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ إلَيَّ هَلْ يَصِحُّ وَقْفًا وَإِذَا صَحَّ فَكَمْ يَقْرَأُ الْقَارِئُ الْقَارِئُ وَلَوْ ازْدَحِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ اثْنَانِ مَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَبْت) بِأَنَّ ذَلِكَ وَصِيَّةٌ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا، فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَرْجِعْ وَخَرَجَتْ تِلْكَ الضَّيْعَةُ مِنْ الثُّلُثِ كَانَتْ وَقْفًا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ إنْ عُرِفَ قَبْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بَعْضُهَا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ كَذَلِكَ، وَمَنْ قَرَّرَهُ وَصِيٌّ أَوْ نَحْوُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْفِ أَجْزَأَهُ أَنْ يَقْرَأَ مَا اطَّرَدَ بِهِ عُرْفُ بَلَدِ الْمُوصِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَمِثْلُهُ الْوَصِيَّةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمَشْرُوطِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَطَّرِدْ الْعُرْفُ بِشَيْءٍ عُمِلَ بِظَاهِرِ لَفْظِهِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِقِرَاءَةِ

стр. 809

الْقُرْآنِ عَلَى قَبْرِهِ، وَلَوْ مَرَّةً. وَإِذَا تَزَاحَمَ عَلَى الْقِرَاءَةِ اثْنَانِ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا مَنْ قَرَّرَهُ الْوَصِيُّ أَوْ نَحْوُهُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا وَلَهُ تَقْرِيرُ وَاحِدٍ وَمُتَعَدِّدٍ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقْرَأُ فِي لَفْظِ الْوَصِيِّ يَشْمَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَمَا ذَكَرْته مِنْ تَوَقُّفِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى التَّقْرِيرِ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُبَيِّنُ كَوْنَهُ وَصِيَّةً مَحْضَةً، وَإِلَّا بَطَلَتْ بِالْمَوْتِ فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا تُفِيدُ اسْتِحْقَاقًا بِشَرْطٍ، وَهَذَا يَحْتَاجُ فِي تَنْفِيذِهِ إلَى نَظَرٍ فَتَوَقَّفَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى مَنْ يَرَاهُ النَّاظِرُ أَهْلًا وَيُقَرِّرُهُ. وَيُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ الْوَفَاءُ بِمَا شَرَطَهُ الْمُوصِي مِنْ إهْدَاءِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ إلَيْهِ، لَكِنْ لَيْسَ الْمُرَادُ إهْدَاءَ ثَوَابِ الْقَارِئِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّ ثَوَابَ كُلِّ إنْسَانٍ مُرَتَّبٌ عَلَى عَمَلِهِ فَلَا يَمْلِكُ نَقْلَهُ إلَى غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ مُوصٍ أَوْ وَاقِفٌ بِإِهْدَاءِ الثَّوَابِ بِهَذَا الْمَعْنَى بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ أَوْ الْوَقْفُ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُوجَدَ مَا أَرَادَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إهْدَاءُ مِثْلِ الثَّوَابِ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِثْلَ ثَوَابِ مَا قَرَأْته إلَى فُلَانٍ. (وَسُئِلَ) كَيْفَ الطَّرِيقُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقِفَ قِطْعَةَ أَرْضٍ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ كَانَ آتِيًا بِوَقْفٍ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ قَالَ: وَقَفْت كَذَا بَعْدَ مَوْتِي عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيَّ فَهُوَ وَصِيَّةٌ اهـ. ، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْت كَذَا بَعْدَ مَوْتِي عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُعْلَمُ قَبْرُهُ فَيَتَعَذَّرُ الْإِتْيَانُ بِمَا شَرَطَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَك عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيَّ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ وَصِيَّةً فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِوَقْفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْهُ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ فَقَطْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلْت) عَنْ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَقِفَ ضَيْعَتَهُ نَاجِزًا وَأَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَنْفِعُ بِهَا وَبِغَلَّتِهَا حِينَئِذٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَهَلْ مِنْ حِيلَةٍ أَنْ يُؤَجِّرَهَا مِنْ آخَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ يَقِفَهَا؟ (فَأَجَبْت) نَعَمْ ذَلِكَ مِنْ حِيلَةٍ، بَلْ أَحْسَنُهَا؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا فِيهَا خِلَافٌ قَوِيٌّ بِخِلَافِ هَذِهِ فَإِنَّا لَمْ نَرَ مَنْ تَعَقَّبَ ابْنَ الصَّلَاحِ فِيهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْحِيَلِ فِي الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ فَإِنَّهَا مُتَعَقَّبَةٌ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَقَفَ عَلَى ذُكُورِ أَوْلَادِهِ دُونَ الْإِنَاثِ وَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّهُ قَصَدَ حِرْمَانَهُنَّ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ نَاسًا مِنْ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّ الْوَاقِفِ وَقُرْبِ أَجَلِهِ فَيَتَضَرَّرُ الْإِنَاثُ بِانْقِطَاعِهِنَّ عَنْ الْمِيرَاثِ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَفْتَى بِصِحَّةِ ذَلِكَ فَتَفَضَّلُوا عَلَيْنَا بِبَيَانِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ صَدَرَ ذَلِكَ الْوَقْفُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، فَإِنْ أَجَازَهُ الْبَنَاتُ نَفَذَ، وَإِنْ رَدَدْنَهُ بَطَلَ وَإِنْ صَدَرَ فِي صِحَّتِهِ صَحَّ، وَإِنْ قَصَدَ حِرْمَانَ وَرَثَتِهِ صَحَّ وَغَايَةُ ذَلِكَ الْقَصْدِ أَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ إثْمًا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي شَخْصٍ أَوْصَى شَخْصًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِنْ مَالِهِ الْمَفْسُوحِ لَهُ فِيهِ شَرْعًا مَحَلًّا يَكُونُ مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا وَأَنْ يَكُونَ نَاظِرًا عَلَيْهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِأَوْلَادِهِ وَعَيَّنَ الْمَالَ فَهَلْ لِلشَّخْصِ أَخْذُ الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ مِنْ التَّرِكَةِ وَالشِّرَاءُ بِهِ مَحَلًّا يَجْعَلُهُ رِبَاطًا أَوْ مَسْجِدًا كَمَا أَوْصَى بِهِ؟ فَإِذَا اشْتَرَى وَوَقَفَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ عَنْ الْمُوصِي فَمَا الْأَفْضَلُ أَنْ يُسْكِنَ الْقَاطِنِينَ بِبَلَدِ الرِّبَاطِ أَوْ الْأَفَّاقِيَّةِ، وَإِذَا شَرَطَ شُرُوطًا خِلَافَ الْأَصْلَحِ هَلْ يُعْمَلُ بِهَا أَوْ لَا لِكَوْنِ الْوَاقِفِ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا أَصْلًا؟ (فَأَجَابَ) أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا بِمَا ذُكِرَ صَحِيحَةٌ فَيَأْخُذُ الْوَصِيُّ الْمَالَ الْمُوصَى بِهِ مِنْ التَّرِكَةِ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهِ مَحَلًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا كَمَا شَرَطَهُ الْمُوصِي ثُمَّ الْأَوْلَى أَنْ يُسْكِنَ الرِّبَاطَ الْأَحْوَجَ مِنْ الْمُقِيمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَالْوَارِدِينَ إلَيْهَا وَلَا يُعْتَدُّ بِشُرُوطِهِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا تُحْمَلُ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِ شَرْعًا وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِالْأَوْلَى فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ اهـ. (وَسُئِلْت) عَمَّا لَوْ قَالَ حَبَسْت مَالِي عَلَى فُلَانٍ فُلَانٌ وَالْعُرْفُ عِنْدَ قَائِلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ وَقْفًا عَلَى غَيْرِ فُلَانٍ مِنْ الْوَرَثَةِ وَيُمْنَعَ مِنْهُ فُلَانٌ فَهَلْ يُعْمَلُ بِهَذَا الْعُرْفِ؟ (فَأَجَبْت) لَا يُعْمَلُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْعُرْفِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ: حَبَسْت مَالِي عَلَى فُلَانٍ مِنْ أَنَّهُ حَبْسٌ عَلَيْهِ وَيُلْغَى عُرْفُهُ أَنَّهُ حَبَسَهُ عَلَى وَرَثَتِهِ دُونَهُ وَمَأْخَذُ مَا ذَكَرْته الْقَاعِدَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَهِيَ أَنَّ

стр. 810

الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هَلْ يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ؟ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَغْيِيرُ اللُّغَةِ بِالِاصْطِلَاحِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُصْطَلِحِينَ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ بِشَرْطِ بَقَاءِ أَصْلِ الْمَعْنَى وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ تَخْصِيصِهِ؟ قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ. وَالْمُخْتَارُ الثَّانِي وَمِنْ فُرُوعِهَا لَوْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى أَلْفٍ وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ أَلْفٍ فِي الْعَلَانِيَةِ بِأَلْفَيْنِ فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْأَلْفَيْنِ لِجَرَيَانِ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَلْفُ عَمَلًا بِاصْطِلَاحِهِمَا قَالَ الْإِمَامُ: وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْمُتَلَقَّاةُ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَلَوْ قَالَ: لِزَوْجَتِهِ إذَا قُلْت: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ أُرِيدُ بِهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ عَمَّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ الْخَلَاصِ وَالِانْطِلَاقِ ثُمَّ أَرَادَ الزَّوْجُ حَمْلَ الطَّلَاقِ فِي مُخَاطَبَتِهِ زَوْجَتَهُ عَلَى مَعْنَى التَّخْلِيصِ وَحَلِّ الْوَثَاقِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْعُرْفُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي إزَالَةِ الْإِبْهَامِ لَا فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ بِالْأَوْلَى مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِعُرْفِهِمْ فِي أَنَّ حَبَسْته عَلَى فُلَانٍ حُبِسَ عَلَى وَرَثَتِهِ دُونَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعُرْفَ لَيْسَ بِعَامٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ وَالْعُرْفُ الْخَاصُّ بَلْ الْعَامُّ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ كَمَا عَلِمْت مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ فَلَوْ عَمِلْنَا بِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَغَيَّرْنَا صَرِيحَ قَوْلِهِ: حَبَسْته عَلَى فُلَانٍ بِالْعُرْفِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ كَمَا تَقَرَّرَ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته أَيْضًا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ لَوْ تَعَارَضَ الْعُرْفُ وَالْوَضْعُ، فَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَمِيلُ إلَى الْوَضْعِ، وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَرَيَانِ اتِّبَاعَ الْعُرْفِ أَيْ: وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي مَسَائِلَ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا وَقَعَ لَهُمَا فِي مَسَائِلَ أُخْرَى مِنْ تَقْدِيمِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا إذَا هُجِرَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَوْ اضْطَرَبَ وَعَمَّ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ وَاطَّرَدَ وَاشْتُهِرَ، فَحِينَئِذٍ يُقَدَّمُ الْعُرْفُ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَبِهِ يَزُولُ عَنْك اسْتِشْكَالُ كَثِيرِينَ لِمَا وَقَعَ لِلشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَيْمَان وَغَيْرِهَا مِنْ تَقْدِيمِ اللُّغَةِ تَارَةً وَالْعُرْفِ أُخْرَى، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِوَضْعِ حَبَسْته عَلَى فُلَانٍ وَلَا يُنْظَرُ لِلْعُرْفِ الْمُخَالِفِ لَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ فِي الْأَيْمَانِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ اللُّغَةَ إذَا عَمَّ اسْتِعْمَالُهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ فِي شَيْءٍ قُدِّمَتْ عَلَى الْعُرْفِ الْعَامِّ، فَإِذَا عَلِمْت تَقْدِيمَهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْعُرْفِ الْعَامِّ فَمَا بَالُك بِالْعُرْفِ الْخَاصِّ فَلْتُقَدَّمْ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلْت) عَمَّا إذَا شَرَطْنَا الْقَبُولَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمُعَيَّنِ أَوْ قُلْنَا بِعَدَمِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرُدَّ فَهَلْ تَصَرُّفُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِمَا يُنَافِي الْوَقْفَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ رَدٍّ رَدٌّ؟ (فَأَجَبْت) مَتَى شَرَطْنَا الْقَبُولَ فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالْإِيجَابِ الصَّادِرِ مِنْ الْوَاقِفِ كَالِاتِّصَالِ الْمُشْتَرَطِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَحِينَئِذٍ فَتَصَرُّفُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبُولِ كَتَصَرُّفِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ فَوَقَعَ تَصَرُّفُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنْ شَرَطْنَا عَدَمَ الرَّدِّ فَلَمْ يَرُدَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ ثَبَتَ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُ الْوَاقِفُ، فَإِذَا تَصَرَّفَ بِغَيْرِ مَا جَعَلَهُ لَهُ الْوَاقِفُ أَثِمَ وَضَمِنَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا مِنْهُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: رَدَدْت بِأَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي مُنَافَاةِ الْوَقْفِ وَإِبْطَالِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ الْمُنَافِي لِمَا جَعَلَهُ لَهُ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ وَلَا مُقْتَضَاهُ لَهُ إذْ كَثِيرًا مَا يَتَصَرَّفُ الْإِنْسَانُ فِي مِلْكِهِ بِمَا لَا يَسُوغُ لَهُ فَأَوْلَى الْوَقْفُ، وَأَيْضًا فَدَلَالَةُ الْفِعْلِ أَضْعَفُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ دَلَالَةِ الْقَوْلِ لِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَصَرَاحَةِ الثَّانِي فَلَا يُقَاسُ فِعْلُ الْمُنَافِي بِقَوْلِهِ: رَدَدْت؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُنَافِي مُحْتَمِلٌ لِلرَّدِّ احْتِمَالًا ضَعِيفًا، وَقَوْلُهُ: رَدَدْت صَرِيحٌ فِي الْمُنَافَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهَا، وَالْفِعْلُ كَمَا يَحْتَمِلُهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ طَمَعًا فِي زِيَادَةِ الِانْتِفَاعِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ وَأَغْلَبُ فَلَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُقْتَضِيًا لِلرَّدِّ بَلْ لَوْ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ لَمْ يَكُنْ رَدًّا أَيْضًا كَمَا هُوَ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مِنْ مَقُولَةِ الْأَحْكَامِ الْمُنَاطَةِ بِاللَّفْظِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّذْرِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْفِعْلُ وَحْدَهُ وَلَا مَعَ الْقَصْدِ كَمَا هُوَ شَأْنُ تِلْكَ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَقِّفِ حُصُولُهَا عَلَى اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهَا. (وَسُئِلْت) عَمَّا لَوْ قَالَ فِي وَقْفِهِ أَوْ وَصِيَّتِهِ وَقَفْت أَوْ أَوْصَيْت بِأَرْضِي الْفُلَانِيَّةِ يُسْرَجُ بِغَلَّتِهَا أَوْ لِلْمِصْبَاحِ فِي
следующие страницы →