Полный текст (1 335 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
السَّمْهُودِيُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا فِي بَابِ الْوَقْفِ بَلْ صَرِيحُهُ كَمَا بَسَطْتُهُ فِي كِتَابِي الْمُسَمَّى بِالتَّحْقِيقِ فِيمَا يَشْمَلهُ لَفْظ الْعَتِيقِ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا يُعْطِيهِ لَفْظُ الْوَاقِفِ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ مُعْتَبَرَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُهُ هُنَا ظَاهِرٌ فِي عُمُومِ شَرْطِ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَيُعْمَلُ بِهِ وَيَكُونُ لَهَا الثُّلُثُ وَلَهُ الثُّلُثَانِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِالْمِيرَاثِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا النِّصْفُ لِأَنَّهُ لَمْ تَقُمْ مِنْ لَفْظِهِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ رِعَايَةَ الْإِرْثِ وَاسْتَثْنَاهَا مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ وَبِهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ أَنَّ لَهَا النِّصْفَ بِاعْتِبَارِ قَصْدِهِ أَنَّ لِلذَّكَرِ ضِعْفُ مَا لِلْمَرْأَةِ فِيمَا اسْتَوَوْا فِيهِ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِدْلَاء إلَى الْمَيِّتِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَأَخٍ وَأُخْتٍ وَابْنٍ وَبِنْتٍ لَا فِيمَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِيهِ كَذَلِكَ كَبِنْتٍ وَأَخٍ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالْقَصْدِ لِقُوَّتِهِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا فِي النِّكَاحِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعُمُومُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ لِأَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ مَا انْطَوَى تَحْتَ عُمُومِ كَلَامِهِمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا إذْ لَا يَسْتَحْضِرُ حَالَ نُطْقِهِ مَا انْطَوَى مِنْ الْمَعَانِي تَحْتَ عُمُومِ لَفْظِهِ فَيَكُونُ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ عَمَلًا بِقُوَّةِ الْقَصْدِ لِأَنَّ الصُّورَةَ الْمَسْئُول عَنْهَا لَيْسَ هِيَ مِمَّا يَكُونُ لِلذَّكَرِ فِيهِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَكَذَا نَقُولُ فِي ابْنِ أَخٍ وَبِنْتِ أَخٍ فَإِنَّهَا لَا شَيْءَ لَهَا فِي الْإِرْثِ مَعَ أَخِيهَا وَهُنَا لَهَا الثُّلُثُ لِأَنَّ قَصْدَهُ لَيْسَ الْإِرْثَ بَلْ الْقَرَابَةَ فَلَا تَحْرُمُ فِيمَا يَظْهَرُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهَا النِّصْفَ إذْ لَا تَعْصِيبَ لَهَا فِي الْفَرَائِضِ وَهُوَ الَّذِي يَقْوَى عِنْدِي عَمَلًا بِقَصْدِهِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ وَلَيْسَ الْمَقَامُ مِمَّا لَا يَكُونُ فِيهِ لِلذَّكَرِ ضِعْفُ مَا لِلْمَرْأَةِ إذْ لَا إرْثَ هُنَا بِخِلَافِهِ فِي الْفَرَائِضِ اهـ.
وَقَدْ أَشَرْت أَوَّلًا إلَى رَدِّ أَكْثَرِ مَا قَالَهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَنَافٍ وَقَعَ فِي أَطْرَافِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ قَصْدَهُ أَنَّ لِلذَّكَرِ ضِعْفُ مَا لِلْمَرْأَةِ فِيمَا اسْتَوَوْا فِيهِ إلَخْ دَعْوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَكَمَا أَنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا فَقِيهٌ كَذَلِكَ الْعُمُومُ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا فَقِيهٌ فَلِمَ اُعْتُبِرَ قَصْدُهُ الْمَذْكُورُ مَعَ عَدَمِ دَلَالَةٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْعُمُومُ الْمَذْكُورُ مَعَ صَرَاحَةَ اللَّفْظِ بِهِ فَكَانَ مَا زَعَمَهُ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْقَصْدِ دُون الْعُمُومِ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ فَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَقَالَةٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا وَلَا يُنْظَرُ إلَيْهَا وَكَمْ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِعَامٍّ مِنْ لَفْظِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوْ أَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى أَحْكَامٍ وَقَضَايَا وَحَوَادِثٍ بَلْ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِعُمُومِ أَلْفَاظِ الْوَاقِفِينَ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الصُّورَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا إلَخْ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ هُوَ إلَخْ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْإِرْثِ وَنَحْنُ إنَّمَا نُفَرِّعُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هُنَا إنَّمَا هُوَ بِالْقَرَابَةِ مَعَ شَرْطِ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَالْمُرَادُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ اللَّفْظِ أَنَّ كُلَّ قَرِيبَيْنِ اقْتَضَى شَرْطُ الْوَاقِفِ اسْتِحْقَاقَهُمَا يَكُونُ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى وَجْهٍ هُوَ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهَا فِي الْإِرْثِ مَعَ أَخِيهَا وَهُنَا لَهَا الثُّلُثُ إلَخْ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّا لَا نَعْتَبِرُ كَيْفِيَّةَ الْإِرْثِ وَلَا نَقِيس عَلَيْهِ وَإِنَّمَا نَعْتَبِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ اقْتَضَى لَفْظُ الْوَاقِفِ دُخُولَ اثْنَيْنِ فِي وَقْفِهِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ كَانَ لِلذَّكَرِ مِنْهُمَا مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنَّ قَوْلَ ذَلِكَ الْبَعْض وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهَا النِّصْفُ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ وَقَفَ دَارًا لِلسُّكْنَى عَلَى بَنَاته وَأَوْلَادِهِنَّ وَهَكَذَا فَكَثُرُوا وَصَارُوا غَيْرَ مَحَارِمَ أَوْ ضَاقَتْ الدَّارُ عَنْهُمْ فَهَلْ لَهُمْ الْإِجَارَةُ وَيُؤَجِّرُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِمْ أَوْ الْقِسْمَةُ أَوْ الْإِعَارَةُ وَهَلْ تَسْكُن الزَّوْجَةُ وَالْخَادِمُ مَعَ مَتْبُوعِهِمَا مَعَ أَنَّهُمَا غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُمْ إجَارَةٌ وَلَا إعَارَةٌ وَلَا يَجُوزُ الْإِيجَارَةُ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ إذَا تَنَازَعُوا فِيهِ وَهُنَا الْإِجَارَةُ مُنَافِيَةٌ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَمَقْصُودُهُ مِنْ سُكْنَاهُمْ فِيهَا وَعِنْدَ تَنَازُعِهِمْ يَدْعُوهُمْ الْحَاكِمُ إلَى السُّكْنَى جَمِيعًا إنْ أَمْكَنَ حِسًّا وَشَرْعًا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اخْتِلَاطٌ مُحَرَّمٌ بَيْن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَجَانِبِ وَإِلَّا تَهَايُؤُهَا عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ امْتَنَعُوا أَعْرَضَ عَنْهُمْ إلَى أَنْ يَصْطَلِحُوا وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْخَادِمِ
стр. 842
مَعَ مَخْدُومِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَزَوْجُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا فَأَفْتَى فِيهِمَا مُحَمَّدٌ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ النَّاشِرِيُّ الْيَمَنِيُّ بِمَنْعِهِمَا إذَا امْتَنَعَ بَعْضُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِي الْوَقْفِ وَالْإِعَارَةُ هُنَا مُمْتَنِعَةٌ كَالْإِجَارَةِ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ فُقَهَاءُ عَصْره وَفِي قَوْلِهِ إذَا امْتَنَعَ بَعْضُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ أَنْ يَسْكُنُ التَّابِعُ إعَارَةً وَأَنَّ الْإِعَارَةَ مُمْتَنِعَةٌ وَإِنْ رَضِيَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ فَلْيُمْنَعَا وَإِنْ رَضِيَ جَمِيعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَاشْتِرَاطُهُ فِي الْمَنْعِ امْتِنَاعُ بَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْيَمَنِيِّينَ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْ عَصْرِ أُولَئِكَ خَالَفَهُمْ فَأَفْتَى بِجِوَازِ سُكْنَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَإِنْ لَمْ تَخْدُمْ زَوْجَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّةِ الِانْتِفَاعِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ لِمُخَالِفَتِهِمَا لِمَقْصُودِ الْوَاقِفِ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَصِحّ بَيْعُ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا أَمْوَاتٌ مَدْفُونُونَ سَوَاءٌ أَعُرِفَتْ قُبُورُهُمْ أَمْ لَا وَيَصِحّ وَقْفُهَا مَسْجِدًا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهَا مَعَ وُجُودِ الدَّفْنِ فِيهَا أَمَّا بِالْفَارِغِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَبُعْدٌ وَحَيْثُ صَحَّ الْبَيْعُ صَحَّ الْوَقْفُ كَمَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ وَقَفَ أَرْضًا مَسْجِدًا وَفِيهَا أَشْجَارٌ فَإِنَّهُ يَصِحّ الْوَقْفُ وَلَا تَدْخُلُ الْأَشْجَارُ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفَهَا غَيْرَ مَسْجِدٍ فَإِنَّ الْأَشْجَارَ تَدْخُلُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يُعْتَمَدُ عَلَى التَّارِيخِ الْمَكْتُوبِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَقَابِرِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا اعْتِمَادَ عَلَى ذَلِكَ نَعَمْ يَنْبَغِي أَنَّهُ يُفِيدُ نَوْعًا مِنْ الِاحْتِيَاطِ فَإِذَا رَأَيْنَا مَحَلًّا مُهَيَّأً لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَاتَرْ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ مَسْجِدٌ لَمْ يَجِبُ الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ فِيهِ لَكِنْ إذَا رَأَيْنَا مَكْتُوبًا فِي بَعْضِهِ ذَلِكَ تَأَكَّدَ نَدْبُ الِاحْتِيَاطِ فِي أَمْرِهِ وَالْتِزَامُ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِيَّةِ لَهُ لِأَنَّ الْغَالِب فِي الْمَوَاضِع الْمُهَيَّأَة لِلصَّلَاةِ أَنَّهَا مَسَاجِد لَا سِيَّمَا الْمَبْنِيّ فِي الْمَوَات إذْ الْمَبْنِيّ فِيهَا بِنِيَّةِ الْمَسْجِدِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّلَفُّظُ بِالْوَقْفِ بَلْ يَصِيرُ مَسْجِدًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ثَمَّ رَأَيْت السُّبْكِيّ أَوْجَبَ إجْرَاءَ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِيَّةِ عَلَى مَا هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الْمَسَاجِدِ وَجَهِلَ وَلَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ وَأَمَّا الْمَقْبَرَةُ فَالْمَدَارُ فِي كَوْنِهَا مُسَبَّلَةً أَوْ غَيْرَ مُسَبَّلَةٍ عَلَى اعْتِيَادِ أَهْلِ الْبَلَدِ الدَّفْنَ وَعَدَمِ اعْتِيَادِهِمْ فَإِنْ اعْتَادُوهُ فِي مَحَلٍّ حُكِمَ بِأَنَّهُ مُسَبَّلٌ وَيُهْدَمُ كُلُّ مَا بُنِيَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَإِنْ لَمْ يَعْتَادُوهُ بَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ الْمِلْكِ فِي غَيْرِ الْمَوَاتِ وَالْإِبَاحَةُ فِي الْمَوَاتِ هَذَا حُكْمُهَا الشَّرْعِيُّ فَإِنْ رَأَيْنَا تَارِيخًا يُخَالِفُ شَيْئًا مِمَّا تَقَرَّرَ كَوَقْفِهَا عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مَثَلًا لَمْ يَجِبُ الْتِزَامُ الْعَمَلِ بِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ احْتِيَاطًا أَوْ تَوَرُّعًا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقْفَ كِتَابًا مُكَرَّسًا فِي جِلْدٍ أَوْ كَانَ مَحْبُوكًا وَتَكَرَّسَ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ أَهْلِ رِبَاطٍ مُعَيَّنِينَ هَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ كُرَّاسٍ يَنْتَفِعُ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِي جِلْدِهِ أَحْفَظُ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ انْتِفَاعُ الْكُلُّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ أَنْ يَأْخُذَ كُرَّاسًا بَعْد كُرَّاسٍ لِلِانْتِفَاعِ وَإِنْ انْتَفَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ أَوْ لَا وَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ خَارِجَ الرِّبَاطِ أَوْ لَا فَإِنْ جَازَ لَهُمْ فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُعِيرَهُ لِغَيْرِهِمْ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ لِأَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ إذَا اتَّفَقُوا عَلَى الْإِعَارَةِ كُلُّهُمْ أَوْ لَا وَمَنْ وَقَفَ كِتَابًا عَلَى أَهْلِ رِبَاطٍ هَلْ يُقَدَّمُ بِهِ الْأَسْبَقُ أَمْ الْأَكْثَرُ انْتِفَاعًا أَمْ يَكُونُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُشَاهَرَةً وَعَمَّنْ وَقَفَ زِيرًا وَقِدْرًا وَقَصْعَةً عَلَى أَهْلِ رِبَاطٍ هَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ الرِّبَاطِ لِيَنْتَفِعَ بِهَا أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَجُزْ لِأَحَدِهِمْ هَلْ يَجُوز لَهُمْ إذَا رَضُوا جَمِيعًا أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ يَجُوز عِنْد الِاتِّفَاقِ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ الرِّبَاطِ هَلْ لَهُمْ أَنْ يُعِيرُوهُ أَوْ يُؤَجِّرُوهُ فَإِنْ جَازَ هَلْ تُقَسَّمُ الْأُجْرَةُ بَيْنهمْ أَوْ تُرْصَدُ لِمَصَالِحِ الرِّبَاطِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ عَرَفَهُ عَمِلَ بِقَضِيَّتِهِ لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ فُقِدَ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَفَ الْكِتَابَ مَحْبُوكًا لَمْ يَجُزْ فَكُّهُ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ نَقْصِهِ وَضَيَاعِهِ أَوْ مُكَرَّسًا جَازَ انْتِفَاعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِبَعْضِهِ انْتِفَاعًا بِحَسْبِهِ وَيَلْزَمهُ وِقَايَتُهُ مِمَّا يُؤَدِّي إلَى نَقْصِهِ وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْمَوْقُوفِ عَلَى أَهْلِ مَحَلٍّ مِنْهُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حُرْمَةِ نَقْلِ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ وَفِي الْخَادِمِ عَنْ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ حَمْلُ شَيْءٍ مِنْ الْمُسَبَّلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَمَا لَوْ أَبَاحَ لِوَاحِدٍ طَعَامًا لِيَأْكُلهُ لَا يَجُوز لَهُ حَمْلُ الْحَبَّةِ مِنْهُ
стр. 843
وَلَا صَرْفه إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْأَكْلِ ثُمَّ قَالَ وَفِي هَذَا تَضْيِيقٌ شَدِيدٌ وَعَمِلَ النَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَوْجَهُ فَهَلْ الْمُرَادُ بِالْمَحَلِّ فِي كَلَامِهِ الْمَحَلَّةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا كَنَقْلِ الزَّكَاةِ أَوْ مَوْضِعِهِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ عَادَةً بِحَيْثُ يَقْصِدُ الْمُسَبَّلَ أَهْلُهُ بِذَلِكَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَالثَّانِي أَقْرَبُ انْتَهَتْ وَبِهَا يُعْلَمُ مَا ذَكَرْته مِنْ حُرْمَةِ نَقْلِ الْمَوْقُوفِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ قِدْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا عَلَى أَهْلِ مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ عَنْهُ وَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إعَارَتُهُ بَلْ وَلَا لِكُلِّهِمْ وَمَا حُكِيَ عَنْ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِمَّا قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ لَعَلَّهُ اخْتِيَارٌ لَهُ وَيُقَدَّمُ الْأَسْبَقُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَلَا تَأْتِي الْمُشَاهَرَةُ وَنَحْوُهَا هُنَا وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ وَلَا لِأَحَدِهِمْ إجَارَةُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلنَّاظِرِ حَيْثُ رَآهُ مَصْلَحَةً وَلَمْ يُخَالِف شَرْطَ الْوَاقِفِ وَلَا غَرَضَهُ وَمَتَى صَحَّتْ إجَارَتُهُ لَهُ لَزِمَهُ صَرْفُ الْأُجْرَةِ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ مِنْ مَصَالِحِ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ كِتَابًا عَلَى أَهْلِ مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ رِبَاطٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يُعْلَمُ هَلْ جَعَلَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَاظِرِ الرِّبَاطِ أَوْ لَا أَوْ جَعَلَ لِمَنْ لَا أَهْلِيَّةَ لَهُ وَالنَّظَرُ إنَّمَا هُوَ لِلنَّاظِرِ الْعَامِّ ثُمَّ أَرَادَ أَحَدُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَخْذَ الْكِتَابِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ إذْنُ النَّاظِرِ الْخَاصِّ أَوْ الْعَامِّ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَتَّجِهُ لِي فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ الْآتِي أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ لِلْوَاقِفِ اُتُّبِعَ وَهُوَ وَاضِحٌ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ إذَا عَلِمَهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ فَيُتَّبَعُ ذَلِكَ أَيْضًا وَهُوَ وَاضِحٌ أَيْضًا وَإِنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُرْفٌ وَلَا شَرْطٌ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَقَّفْ حِلُّ انْتِفَاعِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِالْمَوْقُوفِ سَوَاءٌ الْكِتَابُ وَغَيْرُهُ عَلَى إذْنِ النَّاظِرِ سَوَاءٌ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْحِلِّ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ مَوْجُودٌ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ النَّاظِرُ وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّاظِرِ تَقْدِيمُ الْأَحَقِّ عِنْد تَزَاحُمِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لِسَبْقٍ أَوْ أَحْوَجِيَّةٍ أَوْ عُمُومِ انْتِفَاعٍ أَوْ عَدَمِ خَوْفٍ مِنْ بَقَاءِ الْوَقْفِ تَحْت يَدِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِيه النَّظَرُ السَّدِيدُ فَإِذَا ازْدَحَمَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْكِتَابِ الْمَوْقُوفِ مَثَلًا تَعَيَّنَ عَلَى النَّاظِرِ إيثَارُ أَحَقَّهُمْ بِهِ رِعَايَةً لِغَرَضِ الْوَاقِفِ مِنْ وُصُولِ مَزِيدِ الثَّوَابِ إلَيْهِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْته أَوَّلًا مِنْ عَدَمِ تَوَقُّفِ حَلِّ الِانْتِفَاعِ عَلَى إذْنِ النَّاظِرِ.
قَوْلُ الرَّوْضَةِ مَنْ سَبَقَ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ صَارَ أَحَقَّ بِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إزْعَاجُهُ سَوَاءٌ أَدَخَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَمْ بِغَيْرِهِ ثُمَّ قَالَ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِقِ إذَا نَزَلَ بِهَا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا وَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِإِذْنِ النَّاظِرِ بِالنِّسْبَةِ لِحِلِّ الِانْتِفَاعِ وَعِبَارَةُ الْمُتَوَلِّي تَجُوزُ السُّكْنَى أَذِنَ الْإِمَامُ أَمْ لَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يَسْكُنَ أَحَدٌ إلًّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ مَنْ لَهُ النَّظَرُ فَمَنْ سَكَنَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْمُقَامِ اهـ. قَالَ الْإِمَامُ التَّقِيُّ أَبُو الْحَسَنِ السُّبْكِيّ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ هَذَا تَصْرِيحٌ بِاشْتِرَاطِ إذْنِ النَّاظِرِ وَلَا بِعَدَمِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْتَرِط حَيْثُ لَا شَرْطَ لِلْوَاقِفِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ اهـ. فَإِنْ قُلْت قَدْ يُنَافَى ذَلِكَ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ بَعْد مَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ.
وَقَيَّدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَحَقِّيَّةَ السَّابِقِ إلَى الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِقِ وَالرَّبْطِ أَيْ لِلسُّكْنَى بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَاظِرٌ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَجُزْ النُّزُولُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ إنْ أَمْكَنَ لِلْعُرْفِ وَكَذَا إذَا كَانَ لِلْمَدْرَسَةِ مُدَرِّسٌ دُون مَا إذَا فُقِدَ اهـ. قُلْت لَا يُنَافِيه بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَحَقِّيَّةُ السَّابِقِ فَكَلَامُهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحَقِّيَّةِ وَهِيَ عِنْد التَّنَازُعِ إنَّمَا يُرْجَعُ فِيهَا لِنَظَرِ النَّاظِرِ فَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُ الْمُتَنَازِعَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يُجِزْ النُّزُولُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ أَيْ لَمْ يَسْتَمِرَّ حَقُّهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَبِفَرْضِ الْأَخْذِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنْ أَنَّ إذْنَهُ شَرْطٌ لِحِلِّ الِانْتِفَاعِ بِهِ يَكُونُ كَلَامُهُ ضَعِيفًا لِمَا عَلِمْت مِنْ مُخَالَفَتِهِ لِكَلَامِ الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِمَا وَاعْتِمَادُ السُّبْكِيّ هَذَا دُون كَلَامِ شَيْخِهِ ابْنِ الرِّفْعَةِ فَإِنْ قُلْت يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ يَجُوز لِلْفَقِيهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَنْزِلِ سُكْنَى الْمَدْرَسَةِ إذَا أَسْكَنَهُ النَّاظِرُ اهـ. قُلْت لَا يُؤَيِّدُهُ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِجَوَازِ السُّبْكِيّ اسْتِمْرَارهَا كَمَا تَقَرَّرَ عَلَى أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ اعْتَرَضَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَقَالَ
стр. 844
وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ الْمَنْزِلُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ الْإِذْنُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِأَنَّ السُّكْنَى حَقٌّ آخَرُ مُغَايِرٌ لِحَقِّ التَّنْزِيلِ اهـ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ نَظَر لِأَنَّ التَّنْزِيلَ يُشْعِرُ بِالْإِذْنِ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَكْفِي إذَا كَانَ شَرْطُ الْوَاقِفِ السُّكْنَى بِهَا اكْتِفَاءً بِشَرْطِهِ اهـ.
وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْته أَوَّلًا وَآخِرًا قَوْلُ الْقَاضِي فِي نَحْوِ الرِّبَاطَاتِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَدَارِسِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ كُلُّ مَنْ يَسْكُنُهَا مِنْ أَهْلِهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ أَوْلَى فَإِذَا جَاءَ فَقِيرٌ آخَرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزْعِجَهُ عَنْهُ وَيَسْكُنُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إخْرَاجُهُ لِأَنَّهُ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ اللَّهُمَّ إلَّا إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يَجْعَلَهَا مُتَسَاوِيَةً بَيْن الْفُقَرَاءِ أَوْ مَخَافَةَ أَنَّهُ إذَا طَالَ مُقَامُ وَاحِدٍ فِيهِ تَمَلَّكَهُ وَيَنْدَرِسُ الْوَقْفُ فَلَهُ أَنْ يُزْعِجَهُ وَيُسْكِنَ فِيهِ آخَرُ اهـ.
فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لَك وَوَضَّحْته وَحَرَّرْته، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) وَاقِفٌ صُورَةُ شَرْطِهِ أَنَّهُ أَوْقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ أَحْمَدَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى أَوْلَادٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادٍ وَإِنْ سَفَلُوا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ طَبَقَةً بَعْد طَبَقَةٍ وَنَسْلًا بَعْد نَسْلٍ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا أَبَدًا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْوَقْفِ وَتَرَك وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ أَوْ مِنْ وَلَدِ الْبَطْنِ انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْرُوحِ فِيهِ وَعَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَتْرُك وَلَدًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ وَلَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ذَلِكَ إلَى إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي هَذَا الْوَقْفِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْرُوحِ فِيهِ مُضَافًا إلَى مَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَتْرُك وَلَدًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ وَلَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَخًا وَلَا أُخْتًا انْتَقَلَ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ذَلِكَ إلَى مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ وَذَوِي طَبَقَتِهِ مُضَافًا إلَى مَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ ذَلِكَ وَحَكَمَ بِذَلِكَ مَنْ يَرَاهُ ثُمَّ انْتَهَى الْوَقْفُ الْمَذْكُورُ إلَى وَلَدَيْنِ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ وَهُمَا عَزِيزٌ وَعَلِيٌّ وَلَدَا شَرْعَانِ بْنِ أَحْمَدَ ثَمَّ تُوُفِّيَ عَلِيٌّ عَنْ وَلَدِهِ أَبِي الْقَاسِمِ وَبِنْتِهِ خُونْدَةَ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَزِيزٌ عَنْ أَوْلَادِهِ شَرْعَانَ وَأَجْوَدَ وَمُحَمَّدٍ وَفَاطِمَةَ وَشُمَيْسَةَ ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَرَجَعَ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ إلَى أُخْتِهِ خُونْدَةَ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ شُمَيْسَةُ عَنْ إخْوَتِهَا الْمَذْكُورِينَ وَهُمَا شَرْعَانُ وَأَجْوَدُ وَمُحَمَّدٌ وَفَاطِمَةُ ثَمَّ تَزَوَّجَ أَجْوَدُ ابْنَةَ عَمِّهِ خُونْدَةَ وَرُزِقَ مِنْهَا مِصْبَاحًا ثُمَّ تُوُفِّيَتْ خُونْدَةُ عَنْ زَوْجِهَا أَجْوَدَ وَبِنْتِهَا مِصْبَاحَ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ مِصْبَاحُ عَنْ وَالِدِهَا أَجْوَدَ وَعَنْ أُخْتٍ لَهَا مِنْ أَبِيهَا تُسَمَّى مُجِيبَةَ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ مُجِيبَةُ مَا كَانَ لِأُخْتِهَا مِصْبَاحَ أَوْ يَكُونُ الِاسْتِحْقَاقُ لِوَالِدِهَا أَجْوَدَ وَلِطَبَقَتِهِ وَإِنْ قُلْتُمْ بِاسْتِحْقَاقِ مُجِيبَةَ وَرُزِقَ وَالِدُهَا أَجْوَدُ أَوْلَادًا أُخَرُ مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ فَهَلْ يَسْتَحِقُّونَ مَعَ مُجِيبَةَ شَيْئًا أَوْ تَكُونُ قَدْ اسْتَحَقَّتْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ انْفِرَادِهَا عِنْد مَوْتِ أُخْتِهَا مِصْبَاحَ قَبْلَ وُجُودِ الْإِخْوَة الْمَذْكُورِينَ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ وَبَيِّنُوا وَأَوْضِحُوا مَا أُشْكِلَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ؟
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ وَالْمُشَارَكَةَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ هَلْ يُحْمَلَانِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ نَظَرًا لِقَصْدِ الْوَاقِفِ لَا يَحْرِمُ أَحَدًا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَوْ عَلَى مَا بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِهِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ وَالْحَقِيقَةُ لَا تَنْصَرِفُ عَنْ مَدْلُولِهَا بِمُجَرَّدِ غَرَضٍ لَمْ يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ اضْطِرَابٌ طَوِيلٌ بَيْن أَئِمَّتِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَاَلَّذِي حَرَّرْته فِي كِتَابِي سَوَابِغُ الْمَدَدِ أَنَّ الرَّاجِحَ الثَّانِي ثُمَّ رَأَيْت بَعْد ذَلِكَ شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ وَقَدْ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ فِي فَتَاوِيهِ عَلَيْهِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ أَئِمَّةٍ كَالْبَغَوِيِّ وَالتَّاجِ وَالْفَزَارِيِّ وَالْكَمَالِ سَلَّارٍ شَيْخِ النَّوَوِيِّ وَرَدَّ أَعْنِي شَيْخُنَا مَا أَفْتَى بِهِ قَبْلُ مِنْ خِلَافِهِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ السُّبْكِيّ وَجَمَاعَةٌ لَكِنْ قَالَ السُّبْكِيّ لَا أَشْتَهِي أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ يُقَلِّدُنِي فِيهِ وَمِمَّنْ جَرَى عَلَى الْأَوَّلِ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَعَلَيْهِ فَحِصَّةُ عَلِيٍّ وَهِيَ النِّصْفُ لِوَلَدَيْهِ أَبِي الْقَاسِمِ وخُونْدَةَ أَثْلَاثًا وَحِصَّةُ عَزِيزٍ وَهِيَ النِّصْفُ لِأَوْلَادِهِ أَثْمَانًا وَحِصَّةُ أَبِي الْقَاسِم وَهِيَ ثُلُثَا النِّصْفِ لِأُخْتِهِ خُونْدَةَ لِأَنَّهَا حِين مَوْتِهِ مِنْ
стр. 845
أَهْلِ الْوَقْفِ مُضَافًا لِمَا تَسْتَحِقُّهُ فَيُكَمَّلُ لَهَا النِّصْفُ وَحِصَّةُ شُمَيْسَةَ وَهِيَ ثُمْنُ النِّصْفِ لِإِخْوَتِهَا الْمَذْكُورِينَ أَسْبَاعًا وَحِصَّةُ خُونْدَةَ وَهِيَ النِّصْفُ كَامِلًا لَبِنْتِهَا مِصْبَاحَ وَحِصَّةُ مِصْبَاحَ وَهِيَ النِّصْفُ كَامِلًا لِأَبِيهَا أَجْوَدَ وَإِخْوَته عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا أَبَدًا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى دُون قَوْلِهِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ وَقَوْلُهُ وَعَلَى الثَّالِثَةِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْإِخْوَة وَالْأَخَوَاتِ وَأَنْ يَكُونُوا مُشَارِكِينَ لِلْمَيِّتِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ وَأَنَّ مَا يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَيْهِمْ مُضَافٌ لِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ وَمُجِيبَةُ وَإِخْوَتُهَا لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْوَقْفِ الْآن فَلَمْ يُوجَد فِيهِمْ الْآن شَرْطُ الْوَاقِفِ لِأَنَّ مَنْ فِي دَرَجَةِ مِصْبَاحَ غَيْرَ مُسْتَحِقِّينَ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِمَا قُلْنَاهُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّه تَعَالَى بِعُلُومِهِ عَنْ شَخْصٍ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِي وَقْفِهِ لِأَوْلَادِهِ وَفِيهِمْ قَاصِرٌ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرُ وَيَقُومُ وَلِيُّهُ الشَّرْعِيُّ مَقَامَهُ أَوْ لَا وَفِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَخَوَاتِ زَيْدٍ فَانْقَرَضَ أَوْلَادُهُ وَلِزَيْدٍ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَخَوَاتٌ بَعْد سَنَتَيْنِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْأُخْتِ الْمَوْجُودَةِ لِلْوَقْفِ فَهَلْ يَشْتَرِكْنَ مَعَهَا أَمْ لَا وَفِيمَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ وَقْفَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ثُمَّ خَرِبَ الْوَقْفُ الْمَذْكُورُ وَتَعَيَّنَتْ إجَارَتُهُ لِبَقَاءِ عَيْنِهِ فَهَلْ تَصِحُّ وَيُبَاشِرُهَا النَّاظِرُ وَلَا يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ أَمْ لَا تَصِحّ مِنْهُ بَلْ مِنْ الْحَاكِمِ أَمْ لَا تَصِحّ الْإِجَارَةُ أَصْلًا وَفِيمَا لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى أَجَّرَ النَّاظِرُ الْوَقْفَ كَانَ مَعْزُولًا قُبَيْلَ إجَارَتِهِ وَقُلْتُمْ بِجَوَازِ إجَارَةِ النَّاظِرِ فَهَلْ يُلْغَى هَذَا الشَّرْطُ أَمْ يَصِحّ وَيَكُونُ مَحَلُّ جَوَازِ الْإِجَارَةِ إذَا تَعَيَّنَتْ مَا لَمْ يَشْرِط مَا ذَكَرَ وَهَلْ هَذَا الشَّرْطُ فِي نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ مُؤَثَّرٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا نَظَر لِلْقَاصِرِ وَلَا لِوَلِيِّهِ بَلْ لِلْقَاضِي وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ وَتُشَارِكُ الْحَادِثَانِ الْمَوْجُودَةَ وَتَصِحّ الْإِجَارَةُ فِيمَا ذَكَرَ فِي الْقَدْرِ الضَّرُورِيّ وَيُبَاشِرهَا النَّاظِرُ وَلَا يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ إذْ لَا يُؤَثِّرُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْأَقْرَبِ إلَى الْوَاقِفِ فَمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ الْأَقْرَبُ إلَى الْوَاقِفِ هَلْ الْمُرَادُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَصَايَا بِقَوْلِهِمْ وَأَقْرَبُ قَرِيبٍ فَرْعٌ ثُمَّ أَصْلٌ إلَى آخِرَ مَا ذَكَرُوهُ أَمْ الْمُرَادُ غَيْرُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُرَادَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ الْأَقْرَبُ إلَى الْوَاقِفِ رَحِمًا وَهُوَ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَقَفَ دَارًا وَجَعَلَ ثُلُثَ غَلَّتِهَا لِوَلَدِهِ وَالثُّلُثَ الثَّانِيَ لِبِنْتِهِ وَالثُّلُثَ الثَّالِثِ يُصْرَفُ مِنْهُ فِي عِمَارَةِ الْوَقْفِ مَا يَحْتَاجَ إلَيْهِ وَمَا فَضَلَ بَعْد الْعِمَارَةِ يُصْرَفُ مِنْهُ أَشْرَفِيَّانِ فِي كُلّ سَنَةٍ لِمَعْتُوقِهِ مُبَارَكٍ لِيَتَعَاطَى إجَارَةَ الْبُيُوتِ وَعِمَارَاتِهَا وَمَا بَقِيَ بَعْد ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ يُدْفَعُ لِأُمِّ وَلَدِهِ الْمَذْكُورِ أَعْلَاهُ وَوَقَفَ دَارًا أَيْضًا عَلَى أَنْ يُصْرَفَ مِنْ غَلَّتِهَا لِأَرْبَعَةِ قُرَّاءٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ لِكُلِّ شَخْصٍ أَشْرَفِيَّانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَلِتَسْبِيلِ مَاءٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَشْرَفِيَّانِ وَمَا فَضَلَ يُصْرَفُ مِنْهُ فِي عِمَارَةِ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْد ذَلِكَ يُدْفَعُ لِأُمِّ وَلَدِهِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ جِهَةً يُصْرَفُ إلَيْهَا غَيْرُ الْمَذْكُورِينَ بَعْد انْقِرَاضِهِمْ فَمَاتَ الْمَعْتُوقُ الْمَذْكُورُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْوَلَدُ وَأُخْتُهُ الْمَذْكُورَانِ أَعْلَاهُ عَلَى الْأَمَاكِنِ الْمَذْكُورَةِ وَاقْتَسَمَا مَا كَانَ يُعْطَى لِلْمَعْتُوقِ وَلِأُمِّ الْوَلَدِ نِصْفَيْنِ وَالْحَالُ أَنَّ الْوَلَدَ وَلَدُ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ وَلَدًا وَبِنْتًا فُقَرَاءَ وَطَلَبَا أَنْ يُصْرَفَ لَهُمَا مَا كَانَ لِلْمَعْتُوقِ وَأُمِّ الْوَلَدِ الْمَذْكُورَيْنِ فَهَلْ يُصْرَفُ لَهُمَا ذَلِكَ لِاسْتِحْقَاقِهِمَا لَهُ بِصِفَةِ الْفَقْرِ أَمْ يُصْرَفُ لِأَوْلَادِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إلَى الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْفَاضِلُ عَنْ الْعِمَارَةِ وَعَنْ حِصَّتَيْ الْوَلَدِ وَالْبِنْتِ فِي الْأُولَى وَعَنْ حِصَّتَيْ الْقُرَّاءِ وَالتَّسْبِيلِ فِي الثَّانِيَةِ يَجِبُ صَرْفُهُ لِلْوَلَدِ وَالْبِنْتِ اللَّذَيْنِ هُمَا وَلَدَا وَلَدِ الْوَاقِفِ لِفَقْرِهِمَا وَلَا يُصْرَفُ مِنْهُ شَيْءٌ لِوَلَدِ الْوَاقِفِ وَبِنْتِهِ مَا دَامَا غَنِيَّيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ وَهُمْ حِينَئِذٍ عَوْدَةُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَبَنَاتِهِ وَهُنَّ رُقَيَّةُ ابْنَةُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَنَفِيسَةُ ابْنَةُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَخَيْرَةُ ابْنَةُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَأُمُّ هَانِئٍ ابْنَةُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْبَالِغِينَ كُلُّهُمْ وَعَلَى
стр. 846
مَنْ يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِنْ الْأَوْلَادِ غَيْرِهِمْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فِي بَاقِي عُمْرِهِ أَيَّامِ حَيَاتِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ لِلْأَوْلَادِ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ لَيْسَ لِأَوْلَادِ الْبَنَاتِ دُخُولٌ فِي ذَلِكَ وَشَرْطُ الْوَاقِف الْمَذْكُور أَنْ يَقْتَسِمُوا غَلَّة هَذَا الْوَقْفِ الْمَوْصُوفِ بَيْنهمْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] .
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَبْنَاءِ دُخُولٌ فِي ذَلِكَ مَعَ الْآبَاءِ إلَّا أَنْ يَنْقَرِضَ أَحَدٌ وَيَتْرُكَ وَلَدًا فَتَكُونُ أَوْلَادُهُ عَلَى مِثْلِ نَصِيبِ أَبِيهِمْ مِنْ هَذَا الْوَقْفِ الْمَنْعُوتِ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُ الْمَيِّتِ كُلُّهُمْ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ رَجَعَ هَذَا الْوَقْفُ إلَى الذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادٍ ذُكِرَ أَنَّهُمْ أَوْلَادُ الذُّكُورِ وَإِنَاثُهُمْ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَلَا تَدْخُلُ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَنْقَرِضَ أَحَدٌ فَيَتْرُكَ وَلَدًا فَتَكُونُ أَوْلَادُهُ عَلَى مِثْلِ نَصِيبِ أَبِيهِمْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي بَنَاتِ الْمُحْتَسِبِ الْوَاقِفِ دُخُولٌ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْفِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي بَنَاتِ بَنِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إذْ كَانَ وَقْفُهُ هَذَا إنَّمَا هُوَ عَلَى أَوْلَادٍ لِصُلْبِهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ دُون أَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَجْرِي الْحَالُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ وَنَسْلًا بَعْد نَسْلٍ فَإِذَا انْقَرَضُوا كَانَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَاتِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ يَجْرِي الْحَالُ بَيْنَهُمْ أَيَّامَ حَيَاتِهِمْ عَلَى الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَتَوَلَّى النَّظَرُ فِي ذَلِكَ الْبَالِغُ الرَّشِيدُ مِنْ أَوْلَادِهِ ثُمَّ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ نَسْلٌ تَوَلَّى النَّظَرَ فِي ذَلِكَ الْأَرْشَدُ فَالْأَرْشَدُ مِنْ عَصَبَاتِ الْوَاقِفِ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ تَوَلَّى النَّظَرَ فِي ذَلِكَ حَاكِمُ الْمُسْلِمِينَ يُوَلِّي النَّظَرَ فِيهِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْعُدُولِ هَذَا لَفْظُهُ فَإِذَا آلَ الْوَقْفُ إلَى أَقْرَبِ عَصَبَاتِهِ بِشَرْطِهِ وَهُمْ سُلَيْمَانُ وَإِبْرَاهِيمُ وَعُمَرُ وَمُحَمَّدٌ فَتُوُفِّيَ عُمَرُ الْمَذْكُورُ وَتَرَك وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّطِيفِ عَلَى الرُّبْعِ ثُمَّ تُوُفِّيَ إبْرَاهِيمُ الْمَذْكُورُ وَتَرَك وَلَدَهُ أَحْمَدَ عَلَى الرُّبْعِ أَيْضًا ثُمَّ تُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ الْمَذْكُورُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَانْتَقَلَ الرُّبْعُ الْمُخْتَصُّ بِهِ لِسُلَيْمَانَ الْمَذْكُورَ ثُمَّ تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ الْمَذْكُورُ وَتَرَك وَلَدَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَلَى النِّصْفِ ثُمَّ تُوُفِّيَ أَحْمَدُ وَتَرَكَ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا عَلَى الرُّبْعِ حِصَّةَ وَالِدِهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْمَذْكُورُ وَتَرَكَ أَوْلَادَهُ وَهُمْ عِيسَى وَعَبْدُ اللَّهِ وَمُبَارَكُ وَعَائِشَةُ وَحُورِيَّةُ عَلَى الرُّبْعِ حِصَّةِ وَالِدِهِمْ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ صِبْيَانٍ وَخَمْسَ بَنَاتٍ وَتُوُفِّيَ عِيسَى الْمَذْكُورُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَتُوُفِّيَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَهَلْ حِصَّةُ عِيسَى وَحِصَّةُ الْبِنْتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ تَنْتَقِلُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ الطَّبَقَاتِ إلَى الْوَاقِفِ أَمْ لِإِخْوَتِهِمْ الْمَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ وَمَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي هَذَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْعَصَبَاتِ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْأَوْلَادِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ فِيهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَى الْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَاتِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ يَجْرِي الْحَالُ بَيْنهمْ أَيَّامَ حَيَاتِهِمْ عَلَى الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ وَمِنْ الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَوْلَادِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَبْنَاءِ دُخُولٌ فِي ذَلِكَ مَعَ الْآبَاءِ إلَّا أَنْ يَنْقَرِضَ أَحَدٌ وَيَتْرُكَ وَلَدًا فَتَكُونُ أَوْلَادُهُ عَلَى مِثْلِ نَصِيبِ أَبِيهِمْ وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْأَبْنَاءِ وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا فَنَصِيبُهُ رَاجِعٌ إلَى كُلِّ مَنْ عَلَيْهِ الْوَقْفُ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنهمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْأَوْلَادِ فَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي الْعَصَبَاتِ لِنَصِّ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ كَمَا عَلِمْت فَحِينَئِذٍ حِصَّةُ مُحَمَّدٍ الْمُتَوَفَّى عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لَا تَخْتَصُّ بِسُلَيْمَانَ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ السَّائِلُ بَلْ يَشْتَرِكُ فِيهَا عَلَى السَّوَاءِ عَبْدُ اللَّطِيفِ وَأَحْمَدُ وَسُلَيْمَانُ فَإِذَا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ كَانَ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرُّبْعُ وَثُلُثُ الرُّبْعِ لَا النِّصْفُ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ السَّائِلُ وَإِذَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ كَانَ لِوَلَدِهِ الرُّبْعُ وَثُلُثُ الرُّبْعِ وَإِذَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّطِيفِ كَانَ لِأَوْلَادِهِ الرُّبْعُ وَثُلُثُ الرُّبْعِ وَهُوَ ثُلُثُ الْكُلِّ فَيَكُونُ لَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا عَلَى سَبْعَةِ رُءُوسٍ فَيَخُصُّ عَبْدَ اللَّهِ سَهْمٌ وَسُبُعَا سَهْمِ يَنْتَقِلَانِ لِأَوْلَادِهِ وَنَصِيبُ عِيسَى الْمَيِّتِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَهُوَ سَهْمَانِ وَسُبُعَا سَهْمٍ يَنْتَقِلُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ وَلِمُحَمَّدِ بْن أَحْمَدَ وَلِمُبَارَكَةَ وَعَائِشَةَ وَحُورِيَّةَ وَلِأَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ يَقْتَسِمُونَ
стр. 847
هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ وَالسُّبْعَيْنِ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَنَصِيبُ الْبِنْتَيْنِ الْمَيِّتَتَيْنِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ مِنْ أَبِيهِمَا عَبْدِ اللَّهِ يَنْتَقِلُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى آخَرَ بِأَنْ يَقِفَ بَعْدَ مَوْتِهِ أَرْضًا عَلَى قَارِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ وَعَيَّنَ خِتْمَاتٍ شَرِيفَةً مَعْلُومَةً بِالسَّنَةِ أَوْ بَعْضِهَا وَتَفَضَّلَ مِنْ مُغِلِّ الْأَرْضِ شَيْءٌ كَثِيرٌ زَائِدٌ عَلَى أُجْرَةِ الْقَارِئِ فَهَلْ الزَّائِدُ لِلْوَرَثَةِ إرْثًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ لِغَيْرِهِمْ وَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ قَدْرَ الْخَتْمَاتِ فَهَلْ الْقِرَاءَةُ بِقَدْرِ أَمْثَالِ الْأَرْضِ، أَوْ يَسْتَأْجِرُ بِالْكُلِّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّمَا يَصِحُّ وَقْفُ الْأَرْضِ الْمُوصَى بِهَا لِمَا ذُكِرَ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا فَمَا يَحْتَمِلُهُ مِنْهَا ثُمَّ إذَا وُقِفَتْ فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي قَالَ: أَوْصَيْتُ بِأَنْ تُوَقَّفَ تِلْكَ الْأَرْضُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ كَذَا وَكَذَا خَتْمَةً عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَاَلَّذِي يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْجَعَالَةِ أَنَّ الْقَارِئَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْوَقْفِ إلَّا إنْ قَرَأَ مَا عُيِّنَ لَهُ وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مُغَلِّ الْأَرْضِ وَإِنَّ كَثُرَ وَزَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ لِأَنَّ هَذَا كَالْجَعَالَةِ فَإِذَا أَتَى بِالْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْجُعْلِ وَهُوَ مُغَلُّ الْأَرْضِ مَا دَامَ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ صَارَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ فَيُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ رَحِمًا لَا إرْثًا بِشَرْطِ الْفَقْرِ فَإِنْ اسْتَوَى جَمَاعَةٌ فِي الْأَقْرَبِيَّةِ صُرِفَ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ رُءُوسِهِمْ.
وَإِنْ قَالَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ فِي مَحَلِّ الْمُوصِي حَالَ الْوَصِيَّةِ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ قَدْرًا وَزَمَنًا عُمِلَ بِذَلِكَ الْعُرْفِ وَنَزَلَ كَلَامُ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَسْتَحِقُّ كُلُّ مَنْ قَرَأَ كَالْجَعَالَةِ وَلَا يَنْتَقِلُ شَيْءٌ مِنْ الْوَقْفِ إلَى غَيْرِ الْقُرَّاءِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُنْقَطِعِ الْآخِرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لِلْقِرَاءَةِ حَدٌّ تَنْتَهِي إلَيْهِ فَيَكُونُ الْوَقْفُ مُسْتَمِرًّا عَلَى الْقِرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ اسْتَحَقَّ مِنْ الْوَقْفِ كُلُّ مَنْ قَرَأَ عَلَى الْقَبْرِ وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا فَيُعْطِيهِ النَّاظِرُ مَا يَرَاهُ لَائِقًا بِعَمَلِهِ وَالْوَقْفُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ مُنْقَطِعِ الْآخِرِ أَيْضًا فَلَا يُصْرَفُ مِنْهُ شَيْءٌ لِغَيْرِ الْقُرَّاءِ ثَمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ مُخَالَفَةً لِبَعْضِ مَا ذَكَرْتُهُ فَلَا تَغْتَرَّ بِهِ وَلَفْظُهُ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُوقَفَ عَلَى قَبْرِهِ فَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى الْغَلَّةِ لَا غَيْرُ وَيَحْكُمُ الْعُرْفُ فِي غَلَّةِ كُلِّ سَنَةٍ لِسَنَتِهَا فَمَنْ قَرَأَ جُزْءًا اسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ وَمَنْ قَرَأَ أَكْثَرَ كَذَلِكَ وَإِنْ قَرَأَ الْجَمِيعَ اسْتَحَقَّ غَلَّةَ ذَلِكَ الْعَامِ وَإِنْ كَانَ وَصِيَّةٌ بِالْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ فَإِنْ عَيَّنَ مُدَّةَ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جُزْءًا إلَى مُدَّةِ كَذَا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا إلَّا مَنْ قَرَأَ تِلْكَ الْمُدَّةَ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ وَقَعَتْ الْمُدَّةُ مَجْهُولَةً إذْ لَا آخِرَ لِذَلِكَ وَالِاسْتِحْقَاقُ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ مَجْهُولٍ لَا آخِرَ لَهُ فَيُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الدِّينَارِ وَفِيهَا إشْكَالٌ وَتَصْوِيرَاتٌ حَتَّى قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي آخِرِ تَفْرِيعَاتِهَا وَهَذِهِ مُشْكِلَةٌ لَا يُهْتَدَى إلَيْهَا وَإِنْ كَانَ وَقْفًا فَهُوَ أَقْرَبُ أَوْ وَصِيَّةً مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَصِيَّةً إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فَهُوَ مُشْكِلٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الْغَرَائِبِ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَّةِ الْمَجْهُولَةِ مَرْدُودٌ كَقِيَاسِهِ لَهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الدِّينَارِ قَبْلُ فَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ عَلَى قَبْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ جُزْءًا مِنْ الْقُرْآنِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ اسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ وَقَفْتُ كَذَا عَلَى وَارِدِ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَيُصْرَفُ لِلْوَارِدِ فِي مَسْجِدٍ مَا فَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ فَمَا وَجْهُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ بُطْلَانُ الْوَقْفِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَقَفْتُ هَذَا عَلَى الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ لَمْ يَصِحَّ أَيْ: لِإِبْهَامِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيَتَعَذَّرُ الصَّرْفُ إلَيْهِ وَذَلِكَ يُنَافِي مَقْصُودَ الْوَاقِفِ فَبَطَلَ وَظَاهِرٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا قَوْلُهُ عَلَى وَارِدِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْوَارِدَ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بِوَصْفِهِ إلَّا أَنَّهُ صَارَ مُبْهَمًا مِنْ حَيْثُ انْبِهَامُ مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يُطْلِقْهُ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَحَلٍّ مُبْهَمٍ فَلَزِمَ مِنْ انْبِهَامِ الْقَيْدِ انْبِهَامُ الْمُقَيَّدِ فَتَعَذَّرَ الصَّرْفُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَبَطَلَ الْوَقْفُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ مُحَلًّى بِأَلْ فَيَعُمُّ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِأَنَّ مَدْلُولَ الْعَامِّ كُلِّيَّةً فَكَأَنَّهُ قَالَ وَقَفْتُ هَذَا عَلَى وَارِدِ كُلِّ مَسْجِدٍ وَوُرُودُ الشَّخْصِ لِكُلِّ مَسْجِدٍ الْمَشْرُوطُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي تَقَرَّرَ مُحَالٌ.
стр. 848
فَلَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ فِي: وَقَفْتُ هَذَا الْمَسْجِدَ، وَصَرْفَهُ لِلْوَارِدِ فِي مَسْجِدٍ مَا لَمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فَلِمَ يَنْظُرْ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَامًّا كَمَا تَقَرَّرَ، فَوَاضِحٌ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَدْلُولُهُ أَوْ غَيْرُ عَامٍّ بِأَنْ كَانَتْ أَلْ فِيهِ عَهْدِيَّةً فَالْإِبْهَامُ فِيهِ حَاصِلٌ لِلْجَهْلِ بِذَلِكَ الْمَعْهُودِ فَبَطَلَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. نَعَمْ لَوْ قَالَ الْوَاقِفُ: أَرَدْتُ مَسْجِدَ كَذَا فَيَظْهَرُ قَبُولُ قَوْلِهِ لِاحْتِمَالِهِ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ التَّحْشِيَةِ فِي الْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ أَتَجُوزُ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَحْشٍ وَمَحْشٍ، وَتَحْشِيَةٍ دُونَ تَحْشِيَةٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْقِيَاسُ مَنْعُ التَّحْشِيَةِ فِي الْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَلَى حَوَاشِيهَا اسْتِعْمَالُ لَهَا فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْوَاقِفُ. وَالْأَصْلُ امْتِنَاعُهُ إلَّا إذَا اقْتَضَتْ
الْمَصْلَحَةُ
خِلَافُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهَا إنْ اقْتَضَتْهَا الْمَصْلَحَةُ بِأَنْ كَانَ الْخَطُّ حَسَنًا، وَعَادَ مِنْهَا مَصْلَحَةٌ عَلَى الْكِتَابِ الْمُحَشِّي عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِ الْحَوَاشِي بِمَا فِيهِ تَصْحِيحًا أَوْ بَيَانًا وَإِيضَاحًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ مُطَالَعَةِ النَّاسِ لَهُ وَانْتِفَاعِهِمْ بِهِ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ لَأَحَبَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الثَّوَابِ لَهُ بِتَعْمِيمِ النَّفْعِ بِوَقْفِهِ وَمَتَى انْتَفَى شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْتُهُ لَمْ تَجُزْ التَّحْشِيَةُ، وَهَذَا كُلُّهُ وَإِنْ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا لَكِنْ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْوَقْفِ دَالٌّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْتَ قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ: يُكْرَهُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ كَمَا فِيهِ أَحْكَامٌ تَبَرُّعًا: جَوَازُ الْحَوَاشِي هُنَا مُطْلَقًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: يُكْرَهُ أَيْضًا كِتَابَةَ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِي قِبْلَتِهِ، قَالَهُ مَالِكٌ اهـ فَكَمَا جَازَ النَّقْشُ فِي جِدَارِهِ مَعَ عَدَمِ إذْنِ الْوَاقِفِ فِيهِ فَكَذَا تَجُوزُ التَّحْشِيَةُ فِي حَوَاشِي الْكِتَابِ الْمَوْقُوفِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْوَاقِفُ فِيهِ. قُلْتُ: النَّقْشُ إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ فِي جِدَارِهِ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ تَزْوِيقُهُ مِنْ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي يُبَالَغُ فِيهَا لِأَنَّهُ يُفْعَلُ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَبَاحَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إشْغَالِ قَلْبِ الْمُصَلِّي. وَأَمَّا الْحَوَاشِي الَّتِي لَا تَعُودُ مِنْهَا مَصْلَحَةٌ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ فَلَا تَعْظِيمَ فِيهَا فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِامْتِنَاعِهَا عَلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ كِتَابَةِ الْحَوَاشِي أَنَّهَا تَضُرُّ بِمَحَلِّهَا مِنْ الْوَرَقِ فَفِيهَا نَوْعُ ضَرَرٍ لِلْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ فَعِنْدَ الْمَصْلَحَةِ يُحْتَمَلُ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ مُحَقَّقَةٌ، وَالْمَضَرَّةُ مَوْهُومَةٌ، وَالْمُحَقَّقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَوْهُومِ. وَأَمَّا التَّزْوِيقُ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ لِلْجِدَارِ بِوَجْهٍ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ مَسْحُهُ وَإِزَالَتُهُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْحَوَاشِي فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّزْوِيقِ وَكِتَابَةِ الْحَوَاشِي.
(وَسُئِلَ) عَنْ وَاقِفَةٍ وُقِفَتْ عَلَى جَمَاعَةِ نِسْوَةٍ نَحْوِ سَبْعَةٍ مَثَلًا عَلَى بَنَاتِهِنَّ وَبَنَاتِ بَنَاتِهِنَّ إنَاثًا غَيْرَ ذُكُورٍ مُرَتَّبًا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِنَّ عَلَى غَيْرِهِمْ وَقْفًا شَرْعِيًّا ثُمَّ شَرَطَتْ أَنْ يَبْدَأَ بِالْعِمَارَةِ مِنْ رِيعِهِ وَأَنْ يَدْفَعَ لِلْمُسْتَحِقَّاتِ اسْتِحْقَاقَهُنَّ وَأَنْ يَدْفَعَ مِنْ أُجْرَتِهِ لِقَارِئٍ شَرَطَتْهُ فِي وَقْفِهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مَثَلًا فَهَذَا صُورَةُ لَفْظِهَا فِي وَقْفِهَا فَهَلْ يَأْخُذُ الْقَارِئُ الْعَشَرَةَ الْمَشْرُوطَةَ لَهُ أَوْ مَا فَضَلَ بَعْدَ الْعِمَارَةِ قَبْلَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِنَّ وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ يَكُونُ لَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ كَمَا شَرَطَتْ أَمْ يُوَزَّعُ الْبَاقِي بَعْدَ الْعِمَارَةِ بَيْنَ الْقَارِئِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِنَّ بِالسَّوِيَّةِ وَالْقَصْدُ التَّأَمُّلُ الشَّافِي فِي عِبَارَةِ الْوَاقِفَةِ فَإِنَّ مَا فِيهَا تَرْتِيبٌ بَلْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهَا تَقْدِيمُ اسْتِحْقَاقِ الْقَارِئِ عَلَيْهِنَّ يُدْفَعُ لِلْقَارِئِ مِنْ رِيعِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَيُدْفَعُ لِلْمُسْتَحِقَّاتِ اسْتِحْقَاقُهُنَّ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا فَضَلَ عَنْ الْعِمَارَةِ يُصْرَفُ مِنْهُ لِلْقَارِئِ قَدْرُ أُجْرَةِ مِثْلِ قِرَاءَتِهِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ وَمَا فَضَلَ عَنْ أُجْرَةٍ مِثْلِهِ مِمَّا سَمَّاهُ لَهُ الْوَاقِفُ إنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ مِنْ الْغَلَّةِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِنَّ لِأَنَّهُ يُضَارُّ بِهِنَّ بِهِ كَمَا أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ بِنَظِيرِهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ شَرَطَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فَنَصِيبُهُ رَاجِعٌ إلَى الْبَاقِينَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ وَمَنْ حَدَثَ مِنْ الذَّرَارِيِّ فَهُوَ بِنَصِيبِهِ مَعَ الْمَوْجُودِينَ حَالَ ظُهُورِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فَهَلْ يَرْجِعُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ إلَى الْبَاقِينَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَقْرَبَ وَيَسْتَحِقُّ مَنْ حَدَثَ وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَحَدِ الْمَوْجُودِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْأَوْلَادِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُهُمْ وَكَذَا يُقَالُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَهَكَذَا وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَفِي أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ الْبَنُونَ وَالْبَنَاتِ مَا لَمْ يَقُلْ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْهُمْ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا
стр. 849
فَاَلَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ يَرْجِعُ إلَى الْمَوْجُودِينَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَقْرَبَ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْبَاقِينَ وَأَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى هُنَا سَوَاءٌ وَأَنَّ مَنْ حَدَثَ مِنْ أَوْلَادِ الْبُطُونِ أَوْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ شَارَكَ الْمَوْجُودِينَ لَكِنْ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَهُ مِثْلُ الذَّكَرِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَلَهُ نِصْفُ مَا لِلذَّكَرِ وَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَادِثُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمَوْجُودِ أَيْضًا أَوْ لَا وَهَذَا آخِرُ مَا كَتَبْتُهُ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ وَبَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ نُنَبِّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ قَوْلُهُ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إلَى مَسْأَلَةِ الْمَيِّتِ أَيْضًا فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا سِيَاقٌ آخَرُ وَذَلِكَ لِأَنَّ السِّيَاقَ الْأَوَّلَ فِيهِ مِنْ الشَّرْطِيَّةِ وَجَوَابِهَا بِقَوْلِهِ فَنَصِيبُهُ رَاجِعٌ إلَى الْبَاقِينَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ وَالثَّانِي فِيهِ [مَنْ] أَيْضًا وَجَوَابُهَا بِقَوْلِهِ فَهُوَ نَصِيبُهُ إلَخْ فَتَخْصِيصُ قَوْلِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ الْمُقْتَضَى لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِقَوْلِهِ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَقَعَ فِي جَوَابِ هَذَا الشَّرْطِ الثَّانِي وَجَوَابُ الْأَوَّلِ لَمْ يُخَصِّصْ فِيهِ الِاسْتِوَاءُ بِشَيْءٍ فَعَمِلْنَا بِقَضِيَّةِ قَوْلِهِمْ وَالصِّفَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى جُمَلٍ مَعْطُوفَةٍ كَوَقَفْت عَلَى فُقَرَاءِ أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي وَكَذَا الْمُتَأَخِّرَةِ كَعَلَى أَوْلَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ وَالِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَفْسَخَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ تُعْتَبَرُ فِي الْكُلِّ قَالَ الْإِمَامُ إلَّا إنْ عَطَفَ بِثُمَّ أَوْ تَخَلَّلَ كَلَامٌ طَوِيلٌ وَإِلَّا اخْتَصَّتْ بِالْأَخِيرَةِ لَا يُنَافِي مَا قَرَّرْتُهُ لِأَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَقَعَ فِي جَوَابِ شَرْطٍ غَيْرَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ تَأْخِيرِ الصِّفَةِ عَنْ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ مَوْضِعُهُ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْبَاقِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَيِّتِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ. نَعَمْ لَوْ قَالَ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ اتَّجَهَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ إذْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِشَيْءٍ فَحَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ هُوَ قَاعِدَةُ الْبَابِ وَهَلْ يَتَقَيَّدُ قَوْلُهُ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ مَعَ الْمَوْجُودِينَ؟ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ إلَّا إنْ كَانَ هُنَاكَ مَوْجُودِينَ غَيْرَهُ فَلَوْ حَدَثَ وَلَا مَوْجُودَ غَيْرَهُ تَسَاوَى الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى أَوْ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ لِأَنَّ هَذَا قَيْدٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ مُطْلَقًا الْأَقْرَبُ الثَّانِي.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ كَيْفَ يُمَثِّلُ الْأَصْحَابُ لِتَأْخِيرِ الصِّفَةِ عَنْ الْجُمَلِ الْمَعْطُوفَةِ أَوْ تَقَدُّمِهَا عَلَيْهِ أَوْ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَهَا بِقَوْلِهِمْ: وَقَفْتُ عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي مَعَ أَنَّ هَذِهِ مُفْرَدَاتٍ لَا جُمَلَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ وَمِنْ ثَمَّ مَثَّلَ الْإِمَامُ لِذَلِكَ فِي الْأُصُولِ بِقَوْلِهِ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي دَارِي وَحَبَسْتُ عَلَى أَقَارِبِي ضَيْعَتِي وَتَصَدَّقْتُ عَلَى عُتَقَائِي بِبُسْتَانِي إلَخْ وَقَدْ اسْتَبْعَدَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ كَوْنَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ وَإِنْ قَدَّرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَامِلٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمَعْطُوفِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ الْعَاطِفِ لَا الْعَامِلَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى مَنْ يُصَلِّي الْخَمْسَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَوْ مَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ أَوْ يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ فِي هَذِهِ التُّرْبَةِ فَأَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ بِقِسْطِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْغَلَّةِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَدَّى فِيهَا الْوَظِيفَةَ بِخِلَافِ مَا لَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَةِ خَمْسَةِ أَثْوَابٍ فَخَاطَ بَعْضَهَا وَالْفَرْقُ أَنَّا نَتَّبِعُ فِي الْأَعْوَاضِ وَالْعُقُودِ الْمَعَانِي وَفِي الشُّرُوطِ وَالْوَصَايَا الْأَلْفَاظ وَالْوَقْفُ مِنْ بَابِ الْأَرْصَادِ وَالْأَرْزَاقِ لَا مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَاتِ فَمَنْ أَخَلَّ بِشَيْءِ مِنْ الشُّرُوطِ لَمْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا اهـ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يَسْتَحِقُّ قَدْرَ مَا عَمِلَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ: إنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِلنِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ فَمَاتَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَرْكَانِ أَنَّهُ يُوَزَّعُ وَهُوَ وَاضِحٌ اهـ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اسْتَنَابَ إمَامُ الْمَسْجِدِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَلْ يَسْتَحِقَّانِ شَيْئًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْإِمَامَ وَالنَّائِبَ لَا يَسْتَحِقَّانِ شَيْئًا مِنْ الْجَامِكِيَّةِ ثُمَّ إنْ جَعَلَ لِلنَّائِبِ جُعْلًا اسْتَحَقَّهُ وَإِلَّا فَلَا. قَالَا فَإِنْ أَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ فِي الِاسْتِنَابَةِ جَازَتْ وَاسْتَحَقَّ النَّائِبُ الْمَشْرُوطُ لِلْإِمَامَةِ دُونَهُ وَلَيْسَ هُوَ نَائِبًا عَنْهُ بَلْ هُوَ وَكِيلُهُ فِي هَذِهِ التَّوْلِيَةِ فَإِنْ تَوَاطَآ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلٌّ بَعْضًا لَمْ يَجُزْ وَفِي صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ حِينَئِذٍ نَظَرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَعْلُومَ
стр. 850
كَالْمَشْرُوطِ وَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي التَّوْلِيَةِ بَطَلَتْ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَائِمُ بِالْإِمَامَةِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجْرِ شَرْطٌ وَلَا تَوَاطَآ فَتَبَرَّعَ الْإِمَامُ عَلَى الْوَكِيلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ وَخَالَفَهُمَا التَّقِيُّ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ فَأَفْتَوْا بِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ قَالَ السُّبْكِيّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ إذَا اسْتَعَانَ الْمَجْعُولُ لَهُ بِغَيْرِهِ وَعَمِلَ غَيْرُهُ بِقَصْدِ الْإِعَانَةِ مُنْفَرِدًا أَوْ مُشَارِكًا اسْتَحَقَّ الْمَجْعُولُ لَهُ كَمَالَ الْجُعْلِ فَقِيَاسُهُ أَنَّ الْمُسْتَنِيبَ هُنَا يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمَعْلُومِ لِأَنَّ النَّائِبَ مُعَيِّنٌ لَهُ قَالَ لَكِنِّي أَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ مِثْلَ الْمُسْتَنِيبِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ لِأَنَّ الْغَرَضِ هُنَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ بِخِلَافِهِ فِي الْجَعَالَةِ إذْ الْغَرَضُ رَدُّ الْعَبْدِ مَثَلًا فَالْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ فِيهِ سَوَاءٌ فَإِنْ كَانَ دُونُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إنْ كَانَتْ التَّوْلِيَةُ شَرْطًا وَإِلَّا اسْتَحَقَّ الْمُبَاشِرُ لِاتِّصَافِهِ بِالْإِمَامَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَالِاسْتِنَابَةُ فِيهَا تُشْبِهُ التَّوْكِيلَ فِي الْمُبَاحَاتِ وَفِي مَعْنَى هَذَا كُلُّ وَظِيفَةٍ تَقْبَلُ الِاسْتِنَابَةَ كَالتَّدْرِيسِ وَهَذَا فِيمَا لَا يَعْجَزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَلَا إشْكَالَ فِي الِاسْتِنَابَةِ اهـ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى مُدَرِّسٍ يُقْرِئُ النَّاسَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ كُلَّ يَوْمٍ وَاعْتِيدَ تَرْكُ الْإِقْرَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهَلْ عَلَيْهِ الْإِقْرَاءُ فِيهِ أَيْضًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ يَوْمٍ تَصْرِيحٌ بِالْعُمُومِ فَلَا يُتْرَكُ بِعُرْفٍ خَاصٍّ قَالَ ثُمَّ إنْ كَانَ مُرِيدٌ وَالْقِرَاءَةُ مَحْصُورَيْنِ فَلَا بُدٌّ مِنْ اسْتِيعَابِهِمْ وَإِلَّا اكْتَفَى بِثَلَاثَةٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ الْعُرْفُ الْمُطَّرِدُ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرُوطِ فَيَنْزِلُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فَإِذَا وَقَفَ عَلَى الْمُدَرِّسِ وَالْمُعِيدِ وَالْفُقَهَاءِ بِمَدْرَسَةِ كَذَا نَزَلَ عَلَى مَا يَقْتَضِيه الْعُرْفُ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفَقِيهِ وَالْأَفْقَهُ وَكَذَلِكَ يَنْزِلُ عَلَى إلْقَاءِ الدَّرْسِ فِي الْغَدَوَاتِ وَلَا يَكْفِي إلْقَاؤُهُ لَيْلًا وَلَا عَشِيَّةً وَلَا ظُهْرًا.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا أَجَّرَ مُتَوَلِّي الْمَسْجِدِ حَانُوتَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُعَمِّرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ مَالِهِ وَيَكُونَ مَا أَنْفَقَهُ مَحْسُوبًا لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ وَيُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - آخِرَ الْإِجَارَةِ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ عِنْدَهَا غَيْرُ مُنْتَفِعٍ وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ إذْ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُحْسَبَ مِنْهَا مَا أَنْفَقَهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ هَلْ يَجُوزُ صَرْفُ الرِّيعِ إلَى نَحْوِ نَقْشِهِ وَمُؤَذِّنِيهِ وَقُوَّامِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ وَفِي الْعِدَّةِ أَيْ وَالْحَاوِي وَلَا إلَى أَئِمَّتِهِ وَمُؤَذِّنِيهِ وَيَجُوزُ إلَى قُوَّامِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَيِّمَ لِحِفْظِ الْعِمَارَةِ وَاخْتِصَاصِ الْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ بِأَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ قَالَ وَلَا يَشْتَرِي مِنْهُ الدُّهْنَ بِخِلَافِ الْبَوَارِي قَالَ الرَّافِعِيُّ وَكَانَ الْفَرْقُ أَنَّ مَا يُفْرَشُ حَافِظٌ لِلْعِمَارَةِ وَمَنْفَعَةُ الدُّهْنِ تَخْتَصُّ بِالْمُصَلِّي قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَأَكْثَرُ مَنْ تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِي بِهِ الدُّهْنَ وَلَا الْحُصْرَ وَالتَّجْصِيصَ الَّذِي فِيهِ أَحْكَامٌ مَعْدُودٌ مِنْ الْعِمَارَاتِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَصْلَحَتِهِ لَمْ يُصْرَفُ إلَى النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ أَيْضًا وَتَجُوزُ عِمَارَتُهُ وَشِرَاءُ الْحُصْرِ وَالدُّهْنِ وَنَحْوِهِمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْقِيَاسُ جَوَازُ الصَّرْفِ إلَى الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ أَيْضًا وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا صَحَّ قَالَ الْبَغَوِيّ وَهُوَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى عِمَارَتِهِ وَفِي الْجُرْجَانِيَّاتِ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ فِي جَوَازِ الصَّرْفِ إلَى النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَمَا فَضَلَ عَنْ الْعِمَارَةِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَحْفَظُ لِلْمَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ يَشْتَرِي بِهِ عِقَارًا وَيُوقَفُ لَهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى دُهْنِ السِّرَاجِ فِي الْمَسْجِدِ هَلْ يَجُوزُ سِرَاجُهُ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ جَمِيعَ اللَّيْلِ إنْ انْتَفَعَ مَنْ بِالْمَسْجِدِ وَلَوْ نَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ وَلَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ لَمْ يُسْرِجْ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَجُوزُ إيقَادُ الْيَسِيرِ مِنْ الْمَصَابِيحِ لَيْلًا مَعَ خُلُوِّهِ احْتِرَامًا لَهُ وَتَنْزِيهًا عَنْ وَحْشَةِ الظُّلْمَةِ وَلَا يَجُوزُ نَهَارًا لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ وَالْإِضَاعَةِ وَالتَّشْبِيهِ بِالنَّصَارَى وَمِنْ كَلَامِهِ هَذَا يُؤْخَذُ تَحْرِيمُ إكْثَارِ الْوُقُودِ فِي الْمَسَاجِدِ بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى الْحَاجَةِ قَطْعًا أَيَّامَ رَمَضَانَ وَنَحْوَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْمَدَارِسِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْفُقَهَاءِ هَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ دُخُولُ أَخْلِيَتِهَا وَالشُّرْبُ مِنْ مَائِهَا وَالْجُلُوسُ فِيهَا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ
стр. 851
بِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الْعُرْفُ فِي الْمَدَارِسِ وَيَنْزِلُ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي وَقْفِهِ صَرِيحًا قَالَ وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْغَزَالِيُّ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنٌ وَوَقَّادٌ وَكَنَّاسٌ فَعَجَزَ رِيعُ الْوَقْفِ فَمَنْ مُقَدَّمٌ مِنْهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُقَدَّمُ الثَّانِي كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ قَالَ وَمَحَلُّهُ إنْ كَانَ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ فَالْمُؤَذِّنُ أَوْلَى لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ فِي الدِّينِ وَأَفْتَى ابْنُ الْفِرْكَاحِ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى مَصَالِحِ جَامِعٍ عَلَيْهِ وَتَرَتَّبَ أَئِمَّةٌ وَخَطِيبٌ وَمُؤَذِّنُونَ وَقَوْمُهُ وَأُنَاسٌ يُلَقِّنُونَ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ. وَالْوَقْفُ لَا يَفِي بِجَمِيعِهِمْ بِأَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْإِمَامِ وَالْخَطِيبِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُلَقِّنِينَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَقَفَ حَوْشًا بِهِ ثَلَاثَةُ حَوَاصِلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْفَارٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ ثُمَّ أَنْهَى أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ إلَى النَّاظِرِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي لَهُ وِلَايَةُ النَّظَرِ الْعَامِّ أَنَّ الْحَوْشَ وَمَا بِهِ مِنْ الْحَوَاصِلَ الْمَذْكُورَةِ خَرِبٌ مُنْهَدِمٌ مُتَسَاقِطٌ وَاسْتَأْجَرَهُ مِنْ قَيِّمٍ شَرْعِيٍّ أَقَامَهُ النَّاظِرُ الْمُشَارُ إلَيْهِ أَعْلَاهُ فِي ذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّ الْحَوَاصِلَ الْمَذْكُورَةَ قَائِمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا وَقْتَ الْإِيجَارِ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا هَدْمٌ وَلَا خَرَابٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَجِّرُ شَيْئًا مِنْ الْحَوَاصِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِيجَارِ الْمَذْكُورِ لَكِنْ حَدَّدَ الْحَوْشَ بِحُدُودٍ شَمِلَتْ الْحَوَاصِلَ الْمَذْكُورَةَ فَهَلْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوْ لِوَرَثَتِهِمْ الْمُطَالَبَةُ بِأُجْرَةِ الْحَوَاصِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي وَضَعَ فِيهَا الْمُسْتَأْجِرُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِكَوْنِ الْمُؤَجِّرِ لَمْ يَذْكُرْهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا أَمْ لَا؟
أَوْ تَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ وَتَشْمَلُهَا الْإِجَارَةُ لِكَوْنِ الْحُدُودِ شَامِلَةً لَهَا مَعَ كَوْنِهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي الْإِجَارَةِ وَالْحَالُ أَنَّ الْأُجْرَةَ الْمُسْتَأْجِرُ بِهَا دُون أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَمْ لَا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأُجْرَةَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ حِينَ الْإِجَارَةِ وَحُكِمَ بِذَلِكَ فَهَلْ تُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَمْ لَا وَهَلْ يُنْقَضُ الْحُكْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ثُبُوتِ الْأُجْرَةِ السَّابِقَةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا أَجَّرَ النَّاظِرُ أَوْ نَائِبُهُ الْحَوْشَ الْمَذْكُورَ لِأَجْلِ كَوْنِهِ خَرِبًا وَكَانَ خَرَابُهُ هُوَ الْمُسَوِّغُ لِلْإِيجَارِ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَرَابًا وَقْتَ الْإِيجَارِ بَانَ بُطْلَانُ الْإِيجَارِ وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ إيجَارُهُ إنْ وَقَعَ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ مَا أَجَّرَ بِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَشَهِدَتْ أُخْرَى بِأَنَّهُ دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ قُدِّمَتْ الثَّانِيَةُ وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِقَضِيَّةِ الْأُولَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَحَلُّ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ إلَى يَوْمِ التَّنَازُعِ وَلَمْ يَخْلُفْ الرَّاغِبُونَ فِيهِ بَلْ كَانَتْ رَغْبَتُهُمْ فِيهِ يَوْمُ الْإِيجَارِ رَغْبَتَهُمْ فِيهِ عِنْدَ التَّدَاعِي وَقَطَعَ الْمُقَوِّمُونَ أَنَّ الْأُجْرَةَ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الْحَاكِمُ بِأَنَّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ هِيَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّاهِدَانِ بِأَنَّهَا دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ سَبَبًا يَقْتَضِي مَا شَهِدَا بِهِ قُدِّمَتْ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِأَنَّ ذَلِكَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهَا حِينَئِذٍ وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ السُّبْكِيّ وَحَيْثُ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ دَخَلَ فِيهَا مَا تَنَاوَلَتْهُ الْحُدُودُ الْمَذْكُورَةُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ وَشَرْطُ النَّظَرِ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ الذُّرِّيَّةِ فَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ أَرْشَدِيَّتَهُ بِبَيِّنَةٍ وَمَكَثَ سِتَّ سَنَوَاتٍ ثُمَّ أَثْبَتَ آخَرُ أَرْشَدِيَّتَهُ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى فَهَلْ يُشَارِكُ الْأَوَّلُ فِي النَّظَرِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ لَوْ شَرَطَ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ أَيْ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَأَثْبَتَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ الْأَرْشَدُ اشْتَرَكُوا فِي النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْلَالٍ إذَا وُجِدَتْ الْأَهْلِيَّةُ فِي جَمِيعِهِمْ فَإِنْ وُجِدَتْ فِي بَعْضِهِمْ اخْتَصَّ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ تَعَارَضَتْ فِي الْأَرْشَدِ فَتَسَاقَطَتْ وَبَقِيَ أَصْلُ الرُّشْدِ فَصَارَتْ كَمَا لَوْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ بِرُشْدِ الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَحُكْمُهُ التَّشْرِيكُ لِعَدَمِ الْمَزِيَّةِ وَأَمَّا عِنْدَ الِاسْتِقْلَالِ فَكَمَا لَوْ أَوْصَى إلَى شَخْصَيْنِ مُطْلَقًا اهـ وَتَبِعَهُ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ جَمَاعَةٌ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّشْرِيكِ بَيْنَهُمْ إذَا أَثْبَتَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ الْأَرْشَدُ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَا الْبَيِّنَتَيْنِ مَعًا أَوْ تَتَقَدَّمُ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مُتَّجَهٌ إذْ التَّعَارُضُ حَاصِلٌ فِي كِلَا الْحَالَيْنِ وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ التَّعَارُضَ يَلْزَمُهُ تَسَاقُطُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَبَقَاءُ الرُّشْدِ وَذَلِكَ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي مُشَارَكَةِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ
стр. 852
لِلْأَوَّلِ مِنْ حِينِ تَثْبُتُ أَرْشَدِيَّتُهُ وَأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَقَدُّمِ ثُبُوتِ رُشْدِهِ وَهُوَ وَجِيهٌ مَعْنًى وَنَقْلًا وَأَمَّا مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ كَالْمَاوَرْدِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ لِلْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ مِنْ بَنِيهِ كَانَ لِأَفْضَلِهِمْ حَالَةَ اسْتِحْقَاقِ النَّظَرِ فَلَوْ تَجَدَّدَ أَفْضَلُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ. نَعَمْ إنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَلَوْ جَعَلَهَا لِلْأَفْضَلِ مِنْ وَلَدِهِ فَفِي دُخُولِ الْإِنَاثِ وَجْهَانِ ثَانِيهمَا يُرَاعَى الذُّكُورُ لِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ اهـ.
فَهُوَ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ نَقَلَهُ وَأَقَرَّهُ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ خِلَافُهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَمِنْ ثَمَّ لِمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْهُمَا قَالَ وَعِنْدِي فِيهِ وَقْفَةٌ فِيمَا لَوْ تَجَدَّدَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ وَيَنْعَزِلَ الْأَوَّلُ عَمَلًا بِقَضِيَّةِ كَلَامِ الْوَاقِفِ اهـ.
وَبِتَأَمُّلِ قَوْلِهِ وَيَنْبَغِي إلَخْ يُعْلَمُ أَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيِّ بِأَنْ يَعْلَمَ تَجَدُّدَ الْأَفْضَلِيَّةِ لِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ التَّعَارُضُ هُنَا كَأَنْ أَقَامَ كُلَّ بَيِّنَةٍ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ وَجَبَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَاهُ مَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ لِأَنَّ كَلَامَهُمَا كَمَا عَلِمْتَ فِيمَا إذَا حَصَلَ تَعَارُضٌ فَيَجِب الْحُكْمُ بِالتَّسَاوِي إذْ لَا مُرَجِّحَ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ لَا تَعَارُضَ فَوَجَبَ اتِّبَاعُ لَفْظِ الْوَاقِفِ وَهَذَا نَصٌّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فَوَجَبَ تَضْعِيفُهُ وَالْعَمَلُ بِمَا مَرَّ وَبِمَا قَرَّرْتُهُ آخِرًا، تَعْلَمُ وَجْهَ اعْتِمَادِي مَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَتَضْعِيفِي لِكَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيِّ وَوَجْهُ عَدَمِ اعْتِمَادَنَا لِمُقْتَضَى تَنْظِيرِهِ فِي كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا عَرَفْتَ ثُمَّ قَوْلَهُمَا نَعَمْ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا وَإِنْ مَشَى ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى مُقْتَضَاهُ إذْ مُقْتَضَى النَّصِّ انْتِقَالُ النَّظَرِ إلَى الْحَاكِمِ كَمَا لَوْ غَابَ الْأَهْلُ وَفَارَقَ انْتِقَالُ وِلَايَةِ النِّكَاحِ إلَى الْأَبْعَدِ بِفِسْقِ الْأَقْرَبِ بِأَنَّ الثَّانِي هُنَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ النَّظَرُ إلَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ وَلَا سَبَبَ فِي حَقِّهِ غَيْرِهِ وَأَوْلِيَاءُ النِّكَاحِ السَّبَبُ الْمُقْتَضَى مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِهِمْ وَهُوَ الْقَرَابَةُ وَقُدِمَ الْأَقْرَبُ عِنْدَ أَهْلِيَّتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ عَمِلَ الْمُقْتَضَى فِي الْأَبْعَدِ عَمَلُهُ ثُمَّ رَأَيْتَ السُّبْكِيّ قَالَ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَرْشَدِيَّةِ زَيْدٍ ثُمَّ أَرَادَ آخَرُ أَنْ يُثْبِتَ أَرْشَدِيَّتَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدِهِ وَقَصُرَ الزَّمَنُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ صِدْقَهُمَا تَعَارَضَتَا ثُمَّ يُحْتَمَلُ سُقُوطُهُمَا وَيُحْتَمَلُ اشْتِرَاكُهُمَا اهـ.
قَالَ غَيْرُهُ وَبِالثَّانِي أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ قَالَ أَعْنِي السُّبْكِيّ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالثَّانِيَةِ إنْ صَرَّحَتْ بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُتَجَدِّدٌ اهـ.
قَالَ غَيْرُهُ بَلْ مُقْتَضَاهُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّا نَحْكُمُ بِالثَّانِيَةِ إذَا تَغَيَّرَ حَالُ الْأَرْشَدِ الْأَوَّلِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ شَرَطَ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ مَبْلَغًا فِي كُلِّ سَنَةٍ لِإِمَامِ مَسْجِدٍ فَهَلْ لِلنَّاظِرِ عَلَى الْمَسْجِدِ صَرْفُ الْمَبْلَغِ فِي عِمَارَتِهِ إذَا صَارَ خَرَابًا أَوْ لَا وَهَلْ صَرْفُ مَبْلَغِ الْإِمَامِ فِي مُدَّةِ خَرَابِ الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ وَهَلْ لَهُ صَرْفُ الْمَبْلَغِ فِي ثَمَنِ حُصْرٍ وَقَنَادِيلَ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَمَا حُكْمُ الْمَبْلَغِ الْمُتَحَصِّلِ؟
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ قَالَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَتَقَدَّمَ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ عَلَى حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَيْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ الْوَقْفِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ بِالْأَوْلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ إعَادَةُ الْمَسْجِدِ أَوْ الْمُنْهَدِمِ مِنْهُ إلَّا بِصَرْفِ مَبْلَغِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ صَرَفَهُ فِي ذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْعِلَّةِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَقْد قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَوْ تَوَلَّى وَظِيفَةً وَأُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ مُبَاشَرَتِهَا أَفْتَى تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ بِاسْتِحْقَاقِهِ الْمَعْلُومَ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ لِأَنَّهَا جَعَالَةٌ وَهُوَ لَمْ يُبَاشِرْ اهـ وَفِي فَتَاوَى شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا كَفَتَاوَى السِّرَاجِ الْبُلْقِينِيُّ مَا يُوَافِقُ الْأَوَّلَ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ الثَّانِي وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَالظَّاهِرُ فِيهَا أَنَّ مَبْلَغَ الْإِمَامِ لَا يُصْرَفُ إلَى نَحْوِ الْقَنَادِيلِ لِأَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ بِالْمَسْجِدِ أَقْرَبُ إلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ وَالشَّارِعِ مِنْ وَقُودِهِ وَفَرْشِهِ وَأَمَّا غَلَّةُ وَقْفِ الْمَسْجِدِ الْمُتَعَطِّلِ فَقَالَ الرُّويَانِيُّ كَالْمَاوَرْدِيِّ تُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ وَقَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ إنَّهُ مُنْقَطِعٌ فَتُصْرَفُ غَلَّتُهُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يُصْرَفُ لِأَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِ وَقَالَ الْإِمَامُ يُحْفَظُ لِتَوَقُّعِ عَوْدِهِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي غَلَّةِ وَقْفِ الثَّغْرِ اهـ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ إنْ رَجَا تَوَقُّعَ عَوْدِهِ وَوُجِدَ مَوْثُوقٌ ذِكْرُهُمْ يُحْفَظُ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَتَّجِه مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَأَمَّا الزَّائِدُ مِنْ غَلَّةِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَيُدَّخَرُ مِنْهُ مَا يُعَمِّرُهُ بِتَقْدِيرِ
стр. 853
هَدْمِهِ وَيُشْتَرَى لَهُ بِالْبَاقِي عَقَارٌ أَوْ نَفَقَةٌ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى عِمَارَتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ الْوَقْفِ هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَجِّ وَالْقَفَّالُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَصِحُّ وَقْفُ الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ بِرَدِّ اللَّهِ تَعَالَى مَضْجَعَهُمَا بِصِحَّةِ ذَلِكَ تَبَعًا لِجَمْعٍ لَكِنْ قَالَ السُّبْكِيّ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَقْفُهُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَلَا عَلَى طَوَائِفَ مَخْصُوصَةٍ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ أَنَّ الْإِمَامَ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ كَالْوَلِيِّ فِي مَالِ مُولِيهِ وَقَدْ صَرَّحُوا هُنَا بِأَنَّهُ لَا يَصِحّ وَقْفَ الْوَلِيِّ فَلْيَكُنْ الْإِمَامُ مِثْلَهُ لَكِنْ قَدْ يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْإِقْطَاع لِمَا يَرَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَكَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ سُومِحَ لَهُ فِي أَنْ يَقِفَ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً عَلَى مِنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَالْوَلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ إلًّا أَنَّهُ أَوْسَعُ نَظَرًا مِنْهُ فَلَمْ يُعْطَ حُكْمَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَوْلُهُمْ شَرْطُ الْمَوْقُوفِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ وَقَفْتُ هَذَا عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَهَلْ بَعْدَ مَوْتِ زَيْدٍ يُصْرَفُ إلَى مَنْ؟ وَمَا مُدَّةُ الصَّرْفِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُصْرَفُ بَعْدَ مَوْتِ زَيْدٍ إلَى الْفُقَرَاءِ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ أَمَدِ الِانْقِطَاعِ هَذَا مَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَهَذَا أَخْذَهُ مِنْ تَفْرِيعِ الْأَصْلِ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ وَقْفٍ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ اهـ.
وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَضْعِيفًا لَهُ وَيُحْتَمَلُ خِلَافَهُ أَيْ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى ضَعِيفٍ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ لَكِنْ اعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ وَاسْتَدَلَّ بِعِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ وَالرَّوْضَةِ وَجَامِعِ النَّشَائِيِّ وَرَدَ بِأَنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ فِي مَجْهُولٍ يُمْكِنُ انْتِظَارَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الرَّجُلَ الْآخَرَ يُمْكِنُ انْتِظَارُهُ بِمَا سَنَذْكُرُهُ وَإِذَا قُلْنَا إنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُقْرِي ضَعِيفٌ فَيُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ أَيْ أَفْقَرِ الْأَقْرِبَاءِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مُدَّةُ الصَّرْفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تُقَدَّرُ بِزَمَنِ حَيَاةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمُبْهَمُ لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا وَعَلَيْهِ فَهَلْ يُقَدَّرُ الْعُمْرُ الطَّبِيعِيُّ وَهُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً لِأَنَّا قَبْلَ ذَلِكَ نَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْفُقَرَاءِ حِينَئِذٍ أَوْ يُقَدَّرُ الْعُمْرُ الْغَالِبُ وَهُوَ مَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ لَوْ غَابَ كُلُّ مُحْتَمَلٍ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي أَيْضًا لِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يُطْلَقُ فِي أَشْهَرِ إطْلَاقَاتِهِ عَلَى الْبَالِغِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا جَدَّدَ مَسْجِدًا بِآلَاتٍ جُدُدٍ، فَهَلْ يَجُوز صَرْفُ مَا بَقِيَ مِنْ آلَاتِهِ الْقَدِيمَةِ فِي عِمَارَةِ مَسْجِدٍ آخَرَ قَدِيمٍ مُحْتَاجٍ لِلْعِمَارَةِ أَوْ لَا وَحِينَئِذٍ فَهَلْ تُبَاعُ وَيُحْفَظُ ثَمَنُهَا أَوْ تُحْفَظُ هِيَ لِحَاجَاتِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ آجِلًا وَلَوْ نَوَى أَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْمُرَ مَسْجِدًا مُعَيَّنًا وَجَمَعَ لِذَلِكَ آلَاتٍ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْمُرَ مَسْجِدًا آخَرَ أَوْ لَا وَهَلْ يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْقَصْدِ أَوْ لَا وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ يَصْرِفَ مَا نَذَرَهُ فِي عِمَارَةِ مَسْجِدٍ آخَرَ أَوْ لَا وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ حُصْرِ الْمَسْجِدِ وَفَرَاشِهِ لِحَاجَاتٍ كَحَاجَةِ الْعُرْسِ وَكَعَرْضِ شَيْءٍ كَالْكُتُبِ عَلَى الشَّمْسِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ صَرْفُ تِلْكَ الْآلَاتِ الَّتِي قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا مَسْجِدُهَا فِي عِمَارَةِ مَسْجِدٍ آخَرَ وَلَا يَبِيعَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ حِفْظُهَا لِحَاجَاتِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُعَمِّرَ مَسْجِدًا مُعَيَّنًا أَوْ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُعَمِّرَ غَيْرَهُ بَدَلًا عَنْهُ هَذَا إنْ تَلَفَّظَ بِالنَّذْرِ فَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ شَيْءٌ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ حُصْرِ الْمَسْجِدِ وَلَا فِرَاشِهِ فِي غَيْرِ فُرُشِهِ مُطْلَقًا سَوَاءً أَكَانَ لِحَاجَةٍ أَمْ لَا وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْأَعْرَاسِ مِنْ أَقْبَحِ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إنْكَارُهَا وَقَدْ شَدَّدَ الْعُلَمَاءُ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ يَفْرِشُهَا بِالْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ وَقَالُوا يَحْرُمُ فَرْشُهَا وَلَوْ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ جَدَّدَ مَسْجِدًا أَوْ عَمَّرَهُ بِآلَاتٍ جُدُدٍ وَبَقِيَتْ الْآلَةُ الْقَدِيمَةُ هَلْ تَجُوزُ عِمَارَةُ مَسْجِدٍ آخَرَ قَدِيمٍ بِهَا أَوْ لَا فَتُبَاعُ وَيُحْفَظُ ثَمَنُهَا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَجُوزُ عِمَارَةُ مَسْجِدٍ قَدِيمٍ أَوْ حَادِثٍ بِهَا حَيْثُ قَطَعَ بِعَدَمِ احْتِيَاجِ الْمَسْجِدِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ إلَيْهَا قَبْلَ فِنَائِهَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعَهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْمُعَطَّلَ لِخَرَابِ الْبَلَدِ إذَا خِيفَ مِنْ
стр. 854
أَهْلِ الْفَسَادِ عَلَى نَقْضِهِ نُقِضَ وَحُفِظَ وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يُعَمِّرَ بِنَقْضِهِ مَسْجِدًا آخَرَ جَازَ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ أَوْلَى وَالْحَاصِلُ مِنْ رِيعِ الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ يَصْرِفُهُ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ آخَرَ قَالَ الْمُتَوَلِّي إلَى عِمَارَةِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ وَكَذَا الرِّبَاطَاتِ وَالْآبَارِ الْمُسَبَّلَةِ يُنْقَلُ نَقْضُهَا وَرِيعُ وَقْفِهَا إلَى مِثْلِهَا لَا إلَى نَوْعٍ آخَرَ إلَّا إذَا فُقِدَ نَوْعُهَا فَتُصْرَفُ لِغَيْرِهِ لِلضَّرُورَةِ وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي وَيَفْعَلُ الْحَاكِمُ بِمَا فِي الْمَسْجِدِ الْخَرَابِ مِنْ حُصْرِ وَقَنَادِيلَ وَنَحْوِهَا ذَلِكَ فَيَنْقُلُهَا إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ وَقْفُ تَرْتِيبٍ عَلَى بُطُونٍ مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَدٌ وَإِنْسَانٌ سَاكِنٌ فِيهِ فَطَالَبَهُ نَاظِرٌ مُسْتَحِقٌّ الْآنَ بِجَمِيعِ مَا مَضَى إلَّا لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِهِ لِمَنْ قَبْلَهُ فَهَلْ تُسْمَعُ مُطَالَبَتُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تُسْمَعُ مُطَالَبَتُهُ بِمَا فِي اسْتِحْقَاقِهِ وَأَمَّا بِمَا مَضَى فِي اسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ يَحْتَاجُ لِعِمَارَةٍ سُمِعَتْ لِيَأْخُذَ وَيَصْرِفَهُ فِيهَا لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا لَوْ كَانَ فِي زَمَنِ الْأَوَّلِينَ عَامِرًا إلَى مُضِيِّ زَمَنِ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَلَمْ يَطْرَأْ خَرَابُهُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ يُصْرَفُ فِيهِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُتَقَدِّمُونَ لِأَنَّهُمْ إلَى الْآنَ لَمْ يَمْلِكُوهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا فَتُقَدَّمُ عِمَارَةُ الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ أَوْ يَفُوزُونَ بِهِ لِأَنَّ الْعِمَارَةَ لَمَّا حَدَثَتْ بَعْدُ تَعَلَّقَتْ بِغَلَّةِ زَمَنِ حُدُوثِهَا لَا غَيْرُ لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ وَالْمُتَبَادَرُ هُوَ الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِمَارَةً لَمْ يُطَالِبْهُ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ وَارِثِهِ لِأَنَّ الْغَلَّةِ إذَا تَمَخَّضَتْ لِمُسْتَحِقٍّ جَازَ لَهُ أَنْ يُسَامِحَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَرْضَ النَّاظِرُ فَاشْتَرَطَ فِي طَلَبِهِ عَدَم مُسَامَحَةِ الْمُسْتَحِقِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَهِيَ تَسْتَحِقُّ حِصَّةً مَعْلُومَةً فِي وَقْفِ نَخْلٍ مَعْلُومٍ وَكَانَ مَوْتُهَا بَعْدَ إطْلَاعِ بَعْضِ ذَلِكَ النَّخْلِ وَتَأْبِيرِ بَعْضِهِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ وَرَثَتُهَا حِصَّتَهَا مِنْ ذَلِكَ النَّخْلِ الْمَوْقُوفِ بِمُجَرَّدِ إطْلَاعِ بَعْضِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ إطْلَاعُ كُلِّهِ وَتَأْبِيرِهِ أَوْ لَا وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ فِيمَا أَطْلَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ دُونَ مَا أَطْلَعَ بَعْدَهُ وَأَيْضًا لَوْ أَطْلَعَ بَعْضُ النَّخْلُ قَبْلَ مَوْتِهَا وَأَطْلَعَ بَاقِيهِ بَعْدَهُ فَهَلْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَعْضُ كَافِيًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيمَا أَطْلَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقِيهَانِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْمَوْتُ بَعْدَ وُجُودِ الثَّمَرَةِ اسْتَحَقَّهَا وَرَثَةُ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ تَتَأَبَّرْ وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي إفْتَاءٍ سَبَقَ وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَالْإِفْتَاءُ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى مُشَرِّفِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعمِائَةٍ فِي عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ بِمَا صُورَتُهُ بَيْتُ وَقْفٍ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ عَلَى مَنْ يُوجَدُ بِهَا مِنْ الْحَضَارِمِ مُقَدِّمًا مِنْهُمْ أَهْلَ السَّفَلَةِ وَالْكَثِيرِ وَذَوُو عَنْ وَدَاوَى عَمَدَ عَلَى غَيْرِهِمْ الذَّكَرُ الْمُحْتَاجُ الْمُتَزَوِّجُ مِنْ الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَوْ انْقَرَضَ مَنْ وُجِدَ أَجَّرَ الْوَقْفَ الْمَذْكُورَ لِمَنْ يَسْكُنُ فِيهِ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ وَأُصْرِفَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ الْمُقِيمِينَ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ مِنْ الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَوْ انْقَرَضَ مَنْ وُجِدَ فَعَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ فَأَكْثَرُ مِنْ الْمُجَاوِرِينَ بِالْمَدِينَةِ
هَذَا لَفْظُ الْوَاقِفِ فَمَا الْمُرَادُ بِالْحَضْرَمِيِّ هَلْ هُوَ الْمُتَوَلِّدُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْطِنُهَا أَوْ مَنْ قَدْ اسْتَوْطَنَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُولَدْ فِيهَا أَوْ مَنْ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يُولَدْ هُوَ فِيهَا. وَسُئِلَ عَنْ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا وَقَدْ أَسْكَنَهُ فِيهَا أَوْ أَعْتَقَهُ فِيهَا هَلْ هُوَ حَضْرَمِيٌّ أَوْ لَا وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْمُحْتَاجِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَسْكَنٌ أَوْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَسْكَنٌ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهِ بِكِرَاءٍ وَنَحْوِهِ وَهَلْ يُقَدَّمُ الْمُتَزَوِّجُ بِالسُّكْنَى فَقَطْ أَوْ بِالسُّكْنَى وَالْأُجْرَةِ إنْ أُوجِرَ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ.
وَقَوْلُ الْوَاقِفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ الْمُقِيمِينَ مَا الْمُرَادُ بِالْإِقَامَةِ هَلْ هُوَ الْإِقَامَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ الْمُجَاوَرَةُ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ الِاسْتِيطَانِ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاقِفِ مَتَى خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْعَوْدِ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ وَإِذَا حَضَرَ مُسْتَحِقُّونَ فَهَلْ يُقَدِّمُ مِنْهُمْ النَّاظِرُ مَنْ شَاءَ بِاجْتِهَادِهِ أَوْ الْأَسْبَقَ وَالسَّبْقُ هَلْ يُعْتَبَرُ بِكَوْنِهِ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إلَى النَّاظِرِ فَإِنْ تَشَاحُّوا فَهَلْ يُكْرَى مِنْ بَيْنَهُمْ أَوْ يَسْكُنُهُ أَحَدُهُمْ بِأُجْرَةِ مَا يَخُصُّ الْبَاقِينَ وَإِذَا أَعْرَضَ الْمُتَزَوِّجُونَ عَنْ السُّكْنَى وَأَكْرَى هَلْ
стр. 855
يَخْتَصُّونَ بِالْأُجْرَةِ أَوْ يُشَارِكهُمْ فِيهَا الْأَعْزَابُ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ مَنْ حَضَرَ وَقْتَ لُزُومِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْ وَقْتِ اسْتِقْرَارِ الْأُجْرَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْوَاقِفِ وَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهِ إنَّهُ إذَا وُجِدَ بِالْمَدِينَةِ ذَكَرٌ مُحْتَاجٌ مُتَزَوِّجٌ وَهُوَ لَا أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَالِّ الْخَمْسَةِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْمَكَانُ سَكَنًا أَوْ إسْكَانًا اتَّحَدَا وَتَعَدَّدَ نَوَى الْإِقَامَةَ وَالِاسْتِيطَانَ بِالْمَدِينَةِ أَمْ لَا مَا دَامَ مَوْجُودًا بِالْمَدِينَةِ أَوْ خَارِجَهَا إنْ كَانَ عَازِمًا عَلَى الْعَوْدِ إلَيْهَا وَإِنْ طَالَ زَمَنُ غَيْبَتِهِ عَنْهَا كَمَا يَأْتِي وَأَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ تِلْكَ الْمَحَالِّ الْخَمْسَةِ مِنْ سَكَنِهَا هُوَ لَا أَبُوهُ أَيْضًا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِيطَانِ بِهَا سَوَاءً أَكَانَ مِنْ الْقَبِيلَةِ الْمُسَمَّاةِ بِحَضْرَمَوْتَ أَمْ لَا لِأَنَّ فَحَوَى عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ إلَّا كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَالِّ لَا غَيْرُ.
وَأَهْلُ تِلْكَ الْمَحَالِّ يَكُونُونَ مِنْ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ وَغَيْرِهِمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ بَلْ لَا نَظَرًا إلَى خُصُوصِ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ لِلْجَهْلِ بِهِمْ أَوْ خَفَائِهِمْ فَلَمْ يَعْتَبِرْ الْوَاقِفُ كَأَهْلِ الْعُرْفِ الْعَامِّ فِي الْحَضْرَمِيِّ إلَّا سَاكِنَ حَضْرَمَوْتَ وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ لِتِلْكَ الْقَبِيلَةِ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ إذَا عَلِمَ بِهِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ لَفْظُهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ شَرْطِهِ الْعَمَلَ ذَكَرَهُمْ فِي صُلْبِ عَقْدِ وَقْفِهِ وَالْمُرَادُ بِسَاكِنِ حَضْرَمَوْتَ الْمُتَوَطِّنُ مَحَلًّا مِنْ ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ وَلَوْ قِنًّا عَلَى مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي الْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ أَهْلُهَا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَنْ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكِهِ وَمِنْهُمْ الْأَرِقَّاءُ فَيَكُونُ لِسَادَاتِهِمْ وَعَلَيْهِ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحُرِّ وَغَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ النَّظَرِ لِلْقَبِيلَةِ إذْ لَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مَوَالِيهمْ فَضْلًا عَنْ أَرِقَّائِهِمْ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْقَبِيلَةَ غَيْرَ مُرَادَةٍ هُنَا نَعَمْ إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْوَاقِفَ أَرَادَهَا عُمِلَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَدْخُلْ مَمْلُوكُهُمْ وَلَا مَوْلَاهُمْ.
وَخَبَرُ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ الْمُرَادُ بِهِ فِي الشَّرَفِ وَمِنْ ثَمَّ حُرِّمَتْ الزَّكَاةُ عَلَى مَوْلَى بَنِي هَاشِمِ وَالْمُطَّلِبِ لَا فِي التَّسْمِيَةِ بِاسْمِهِمْ حَتَّى يَدْخُلَ فِيمَا وُقِفَ عَلَيْهِمْ مَثَلًا وَفَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ اعْتِبَارِ الشَّرَفِ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَاعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ الَّتِي هِيَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا تَنْشَأُ عَنْ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ وَالْمُحْتَاجُ هُنَا مَنْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ أَوْ قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ سَوَاءٌ اتَّحَدَ أَمْ تَعَدَّدَ يَسْتَحِقُّ السُّكْنَى أَوْ الْإِسْكَانَ فَإِنْ وُجِدَ جَمَاعَةٌ مُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ غَيْرُ مَحْصُورِينَ جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَوْ مَحْصُورِينَ اسْتَحَقُّوا كُلُّهُمْ ثُمَّ إنْ كَانَ كُلٌّ يُرِيدُ السُّكْنَى تَهَايُؤًا فِيهَا وَإِلَّا أَجَّرَهُ النَّاظِرُ وَقَسَمَ غَلَّتَهُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ حَالَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَكَانَ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَهِمَ أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ خِيَارًا حَتَّى صَرَّحَ فِيهَا بِاللُّزُومِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ حَتَّى خِيَارُ الْمَجْلِسِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَوْجُودُ حَالَ وُجُوبِ الْغَلَّةِ وَهِيَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَقِرَّ إلَّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْوَاقِفِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ ذَكَرٌ مُحْتَاجٌ مُتَزَوِّجٌ مِنْ تِلْكَ الْجِهَاتِ الْخَمْسَةِ بِإِنْ لَمْ يُوجَدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا أَصْلًا أَوْ وُجِدَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَا بِتِلْكَ الصِّفَاتِ وَوَجَدَ أَحَدٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَضَارِمِ تَعَيَّنَتْ إجَارَةُ تِلْكَ الدَّارِ وَصُرِفَتْ أُجْرَتُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ الْحَضَارِمِ وَمَرَّ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْ تَوَطَّنَ بِنَفْسِهِ مَحَلًّا مِنْ إقْلِيمِ حَضْرَمَوْتَ الْمُقِيمِينَ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وَالْخَارِجِينَ عَنْهَا بِنِيَّةِ الْعَوْدِ إلَيْهَا وَإِنْ طَالَ زَمَنُ خُرُوجِهِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْوَاقِفِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي نِيَّةِ الْعَوْدِ بِلَا يَمِينٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَبَحَثَ غَيْرُ وَاحِدٍ الِاكْتِفَاءَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَا لَا يُعَدُّ أَيْ عُرْفًا مَعَهُ غَرِيبًا أَيْ بِأَنْ نَوَى الِاسْتِيطَانَ وَإِنْ قَلَّتْ إقَامَتُهُ أَوْ مَكَثَ مُدَّةً ثُمَّ بِحَيْثُ صَارَ أَهْلُ الْعُرْفِ يَعُدُّونَهُ مُقِيمًا بِذَلِكَ الْمَحَلِّ وَلَا يَكْتَفِي هُنَا بِمُجَرَّدِ الْإِقَامَةِ الْمَانِعَةِ لِلتَّرَخُّصِ بِنَحْوِ الْقَصْرِ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ إنَّمَا تُحْمَلُ غَالِبًا عَلَى الْأُمُورِ الْمُتَعَارَفَةِ دُونَ الدَّقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِذَا وُجِدَ مَنْ هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ فَإِنْ كَانُوا عِنْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ غَيْرَ مَحْصُورِينَ جَازَ لِلنَّاظِرِ الِاقْتِصَارُ عَلَى إعْطَاءِ ثَلَاثَةٍ أَوْ مَحْصُورِينَ لَزِمَ اسْتِيعَابُهُمْ وَقَوْلُ السَّائِلِ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - فَإِنْ تَشَاحُّوا إلَخْ قَدْ عُلِمَ جَوَابُهُ أَنَّهُمْ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إنْ تَهَايَئُوا وَإِلَّا أُوجِرَ لِأَنَّ الْوَاقِفَ بِمُقْتَضَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَنِيعُهُ خُيِّرَ ثَمَّ بَيْنَ السَّكَنِ وَالْإِسْكَانِ.
وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَعْنِي الْمُقِيمِينَ مِمَّنْ لَمْ تُوجَدْ فِيهِمْ تِلْكَ الصِّفَاتُ حِين إيجَارِهِ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي سَكْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 856
مَا وَظِيفَةُ النَّاظِرِ فِي الْوَقْفِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ وَظِيفَتُهُ الْعِمَارَةُ وَجَمْعُ الْغَلَّةِ وَقِسْمَتُهَا عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَتَوَابِعُ ذَلِكَ لَا نَحْوَ تَنْزِيلِ طَلَبَةٍ لِلدَّرْسِ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) عَنْ وَقْفٍ صُورَتُهُ وَقَفَ دَارِهِ الْمُعَيَّنَةَ عَلَى نَفْسِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ ثُمَّ عَلَى بَنَاتِهِ الْأَرْبَعِ وَمَنْ سَيَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي طَبَقَتِهِ مِنْ إخْوَتِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَعَلَى وَلَدِ وَلَدِ أُخْتِهِ مَحْمُودٍ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا كَانَ وَقْفًا عَلَى جَمَاعَةٍ سَمَّاهُمْ.
وَقَالَ فِي كِتَابٍ وَقَفَهُ تُحْجَبُ الطَّبَقَةُ الْأُولَى مِنْ دُونِهَا وَلَا تُحْجَبُ مِنْ دُونِهَا مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ إذَا مَاتَ مَنْ هُوَ فِي الطَّبَقَةِ ثُمَّ مَاتَ الْوَاقِفُ عَنْ بَنَاتِهِ الْأَرْبَعِ ثُمَّ مَحْمُودٌ فِي حَيَاتِهِنَّ عَنْ وَلَدٍ ثُمَّ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ لَا عَنْ وَلَدٍ ثُمَّ الرَّابِعَةِ عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْلَادٍ لَهَا وَثَلَاثَةِ أَوْلَادِ لِوَلَدٍ لَهَا مَاتَ قَبْلَهَا فَهَلْ يَشْتَرِكُ الْكُلُّ حَتَّى وَلَدُ مَحْمُودٍ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْوَاقِفِ أَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ مَوْتِ بِنْتِ الْوَاقِفِ الْأَخِيرَةِ يَنْتَقِلُ كُلُّهُ إلَى الْأَوْلَادِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورِينَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى لِسَائِرِ الطَّبَقَاتِ بَعْدَهَا وَبِأَنَّهُ لَا حَجْبَ فِيمَا بَعْدَ الْأُولَى وَبِأَنَّ مَنْ مَاتَ يَكُونُ نَصِيبُهُ لَوَلَدِهِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ لِقَوْلِهِ وَلَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ مَنْ هُوَ دُونَهَا إلَخْ الصَّرِيحُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَدِ نَصِيبُ أَبِيهِ بِفَرْضِ حَيَاتِهِ وَمَحْمُودٌ لَوْ عَاشَ مَعَ أَوْلَادِ بِنْتِ الْوَاقِفِ الْأَرْبَعَةِ كَانَ مُشَارِكًا لَهُمْ بِنَصِّ الْوَاقِفِ وَكَذَا وَلَدُ بِنْتِ الْوَاقِفِ الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهَا لَوْ عَاشَ كَانَ مُشَارِكًا لَهُمْ بِنَصِّ الْوَاقِفِ أَيْضًا فَكَذَا وَلَدُ مَحْمُودٍ وَأَوْلَادِ هَذَا يَكُونُونَ مُشَارِكِينَ لَهُمْ بِنَصِّ الْوَاقِفِ أَيْضًا وَبِمَا قَرَّرْتُهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي هُنَا الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ لَفْظَ النَّصِيبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُذْكَرُ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَعُمُّ النَّصِيبَ الْمُقَدَّرَ مَجَازُ الْقَرِينَةِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ وَكَادَ السُّبْكِيّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يَنْقُلَ إجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَيْهِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْحَقِيقِيِّ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْقَرَائِنُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ وَهُوَ الْمَنْقُولُ وَعَلَيْهِ كَثِيرُونَ أَيْضًا لِأَنَّ مَحَلَّ هَذَا الْخِلَافِ كَمَا يَعْلَمهُ مَنْ أَحَاطَ بِحُجَجِ الْفَرِيقَيْنِ فِي لَفْظٍ يَشْمَلُ ذَا النَّصِيبِ الْمُقَدَّرِ وَيَجْعَلُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا لَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَتنَا مَعَ قَوْلِ الْوَاقِفِ وَلَا تَحْجُبُ مَنْ دُونِهَا إلَخْ وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ عَلَى الْإِشَاعَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَقْفٌ لِلْغِرَاسِ تَبَعًا لِغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الضَّيْعَةِ وَرُبْعُهَا طَلْقٌ وَقَدْ صَارَ لِبَعْضِ أَرْبَابِ الْوَقْفِ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ وَفِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَسْجِدٌ صَغِيرٌ بَنَاهُ الْأَوَائِلُ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ حِصَّتَهُ فَاتَّفَقَ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ يَتْرُكُونَ تِلْكَ الضَّيْعَةِ بَعْضَ السَّنَةِ مِنْ خَوْفِ الْإِفْرِنْجِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الضَّيْعَةِ مَاءٌ سِوَى بِرْكَةٍ وَاحِدَةٍ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ وَاحْتَاجُوا لِمَسْجِدٍ فَجَاءَ بَعْضُ النَّاسِ وَأَحْدَثَ دَكَّةً شَرْقِيَّ الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ لِيُصَلِّيَ النَّاسُ عَلَيْهَا وَجَاءَ آخَرُ وَأَحْدَثَ دَكَّةً أُخْرَى قِبْلِيَّ الْمَسْجِدِ أَيْضًا وَاتَّصَلَتْ الْمَنَافِذُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى الدَّكَّتَيْنِ وَأَقَامُوا عَلَى هَذَا مُدَّةً. وَلَمَّا رَأَى بَعْضُ أَرْبَابِ الْوَقْفِ حَاجَةَ النَّاسِ إلَى الْمَسْجِدِ وَاسْتَمَرَّتْ عَادَةُ الْبَلَدِ بِالنَّقْلَةِ إلَى هَذِهِ الضَّيْعَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ انْتَهَضَ لِعِمَارَةِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَأَخْرَبَ الدِّكَّتَيْنِ وَالْمَسْجِدَ وَجَعَلَهُمَا مَسْجِدًا وَقَدْ بَنَاهُ وَخَصَّصَهُ بِالْجِصِّ سَطْحَهُ وَصَحْنَهُ فَمُنْذُ شَرَعَ فِي عِمَارَتِهِ إلَى الْآنَ نَحْوُ اثْنَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَالْآنَ جَمَعَ شَيْئًا مِنْ النُّورَةِ وَأَرَادَ تَرْمِيمَ الْمَسْجِدِ وَتَقْوِيَتِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ بِأَنَّ بِنَاءَ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ رَضِيَ أَهْلُ الْوَقْفِ وَكَانَ الْفَقِيهُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَنْظُرْ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ عِلْمٌ بِالْوَقْفِ وَإِلَّا فَهَذَا الْفَقِيهُ نَفْسُهُ قَدْ رَامَ بِنَاءَ هَذِهِ الْبُقْعَةِ لَمَّا رَأَى حَاجَةَ النَّاسِ إلَى الْمَسْجِدِ فَالْآنَ الْمَسْجِدُ قَدْ بُنِيَ وَالنَّاسُ مُحْتَاجُونَ لَهُ وَلَا فِي الْمَكَانِ مَسْجِدٌ آخَرُ غَيْرُهُ وَقَدْ بَدَا الْخَلَلُ فِي سَطْحِهِ وَشُرَافَاتِهِ إنْ لَمْ يُتَدَارَكْ وَيُتَعَهَّدُ بِالتَّرْمِيمِ وَإِلَّا خَرِبَ رَأْسًا وَأَيْضًا عَامِرُ الْمَسْجِدِ هُوَ صَاحِبُ الرُّبْعِ.
стр. 857
الطَّلْقِ فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُعَوِّضَ أَهْلَ الْوَقْفِ بِمِثْلِ مِسَاحَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ بِمِثْلَيْهَا أَوْ يَتْرُكُ رُبْعَهُ كُلَّهُ وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَى مُقْتَضَى الْوَقْفِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ وَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَثِمِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَكَيْفَ صُورَةُ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَهَلْ مِنْ حِيلَةٍ أَوْ رُخْصَةٍ وَلَوْ بِتَقْلِيدِ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ فِي تَبْقِيَةِ الْمَسْجِدِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى عِمَارَتِهِ وَتَعَهُّدِهِ وَلَا تَرَوْا عَلَى الْمَمْلُوكِ بِالسُّؤَالِ عَنْ الرُّخْصَةِ فَالْأَمْرُ كَمَا عَلِمْتُمْ وَلَا يَخْفَى كَمْ مَقْصُودُهُ فَإِنْ قُلْتُمْ لَا رُخْصَةَ وَلَا حِيلَةَ فَهَلْ تُشِيرُونَ بِخَرَابِ الْمَسْجِدِ وَمَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهِ أَمْ بِالْبَقَاءِ عَلَى حَالِهِ وَنَكُفُّ عَنْ تَرْمِيمِهِ لَا غَيْرُ؟ وَمَا الْحُكْمُ لَوْ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي بَنَى بَنَى بِإِذْنِ أَرْبَابِ أَهْلِ الْوَقْفِ الْكَامِلِينَ؟ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُمْ وَلَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَرْبَابُ الْوَقْفِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ مَنْ سَيَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنْ بَاقِي الْبُطُونِ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى هَذِهِ وَرَدُّ الْأَرْضِ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَوْ أَنَّ الَّذِي بَنَاهُ امْتَنَعَ مِنْ هَدْمِهِ وَحَاوَلَ تَبْقِيَتَهُ وَلَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ الصَّلَاةُ وَالْقُعُودُ فِيهِ عَلَى الدَّوَامِ وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ لِمُرِيدِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ أَيْضًا أَوْ لَا وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الْمُكْثُ فِيهِ أَوْ لَا وَلَوْ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي بَنَاهُ وَقَفَهُ مَسْجِدًا مَا حُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ تُوجِبُونَ هَدْمَهُ أَمْ لَا وَلَوْ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ إمَامًا يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ فِيهِ دَوَامًا فَهَلْ الْأَوْلَى لِلشَّخْصِ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ ثَوَابِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ الْأَوْلَى تَرْكُهُ وَاعْتِزَالُهُ عَنْهُ وَصَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَجِبُ هَدْمُ الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِعَادَتُهُ عَلَى حَالَتِهِ الْأُولَى لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا وَقَفَ بَعْضَ تِلْكَ الْأَرْضِ لِلْغِرَاسِ أَبْطَلَ سَائِرَ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِغَيْرِ الْغِرَاسِ فَلَوْ جَوَّزْنَا بِنَاءَ مَسْجِدٍ فِيهَا وَلَوْ بِإِذْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لَزِمَ إبْطَالُ غَرَضِ الْوَاقِفِ وَتَغْيِيرُ مَعَالِمِ الْوَقْفِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ احْتَاجَ النَّاسُ لِمَسْجِدٍ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ أَعَوَّضَ بَانِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ أَهْلَ الْوَقْفِ أَضْعَافَهَا أَمْ لَا نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ الْأَمْرُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى التَّعْوِيضَ فَإِذَا رُفِعَ إلَيْهِ وَحَكَمَ بِهِ جَازَ بِنَاءُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَالصَّلَاةُ فِيهَا وَأَمَّا قَبْلَ الْحُكْمِ بِذَلِكَ فَلَا يَثْبُتُ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ أَحْكَامُ الْمَسْجِدِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقِرَّ بَانِيهَا عَلَى بِنَائِهَا أَوْ تَرْمِيمِهَا وَلَا الصَّلَاةِ فِيهَا وَلَا الِاعْتِكَافِ لِأَنَّ الْأَرْضَ حِينَئِذٍ مَغْصُوبَةٌ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى بَانِيهَا أَحْكَامُ الْغَاصِبِ إثْمًا وَضَمَانًا وَرَدًّا وَغَيْرَهَا وَلَوْ كَانَ بَانِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ يَمْلِكُ بَعْضَ أَرْضِهَا فَوَقَفَ ذَلِكَ الْبَعْضَ مَسْجِدًا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حُرْمَةِ الْجُلُوسِ فِيهِ عَلَى الْجُنُبِ لَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَوَقْفُهُ ذَلِكَ الْبَعْضَ مَسْجِدًا لَا يَمْنَعُ حُرْمَةَ الْبِنَاءِ وَوُجُوبَ الْهَدْمِ عَلَيْهِ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ وَيَجِبُ هَدْمُهُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ صَلَاةٌ وَلَا اعْتِكَافٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ مَا مَلَكَهُ مَسْجِدًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِي وَقْفٍ عَلَى فُطُورِ الْمَسْجِدِ هَلْ يَحِلُّ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ أَمْ يَخْتَصُّ بِالْفَقِيرِ وَهَلْ يَحِلُّ لِلْمُفْطِرِ الْمَعْذُورِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُقِيمِ بِالْمَسْجِدِ التَّفْضِيلُ بَيْنَ آحَادِ النَّاسِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ مَنْ صَلَّى فِيهِ وَهَلْ يَحِلُّ لِلْعَبِيدِ وَالصِّغَارِ وَمَنْ لَا يُصَلِّي وَإِذَا أَخَذَ بَعْضُ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ شَيْئًا وَخَرَجَ بِهِ لِغَيْرِ مَنْ صَلَّى فِيهِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ أَوْ لِمَنْ لَا يُصَلِّي لَكِنَّهُ حَضَرَ الْمَسْجِدَ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ أَخَذَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِمَنْ لَا يَصُومُ أَوْ يَصْرِفَهُ فِي حَوَائِجِهِ حَوَائِجِهِ وَأَغْرَاضِهِ أَوْ يَبِيعَهُ أَوْ يُبْقِيَهُ لِسُحُورِهِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ؟
بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ فَقَدْ وَقَفْنَا عَلَى جَوَابَاتٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَتَحَرَّرْ لَنَا مَا التَّحْقِيقُ فِيهَا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْوَقَائِعِ عِنْدَنَا فَبَيِّنُوا لَنَا حُكْمَهَا وَابْسُطُوا لَنَا الْكَلَامَ فِيهَا أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَتَّضِحُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا إنْ عُلِمَ لَفْظُ الْوَاقِفِ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْأَوْقَافِ مَنُوطَةٌ بِأَلْفَاظِ الْوَاقِفِينَ دَائِمًا إلَّا إذَا عَرَفْتَ مَقَاصِدَهُمْ كَأَنْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ زَمَنِهِمْ بِأَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ فَتَنْزِلُ عَلَيْهَا أَلْفَاظُهُمْ وَحِينَئِذٍ فَمَا ذُكِرَ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ لِذَلِكَ عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ وَعَلَمَ بِهَا الْوَاقِفُ كَانَ وَقْفُهُ مُنَزَّلًا عَلَيْهَا لِتَصْرِيحِ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ فَحِينَئِذٍ مَا قَصَدْت بِهِ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِالْفَقِيرِ أَوْ الصَّائِمِ.
стр. 858
أَوْ الْأَكْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ أَنَّ مَا يُعْطَاهُ يَأْكُلهُ فَوْرًا أَوْ لَا يُعْطِيهِ غَيْرَهُ أَوْ غَيْر ذَلِكَ يُعْمَلُ بِالْعَادَةِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا إشْكَالٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَادَةٌ لِذَلِكَ فَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ نَظَرِ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ لِنُرَتِّبَ عَلَيْهَا مُقْتَضَاهَا وَبِفَرْضٍ أَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَقُلْ إلَّا وَقَفْتُ كَذَا عَلَى مَنْ يَفْطُرُ فِي رَمَضَانَ فِي مَسْجِدِ كَذَا فَحُكْمُ ذَلِكَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ اغْتِنَامُ فَضِيلَةِ تَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ وَفَضِيلَةِ تَعْجِيلِهِمْ لِلْفِطْرِ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَيَتَقَيَّدُ الْإِعْطَاءُ بِمِنْ فِي الْمَسْجِدِ وَبِالصَّائِمِ حَقِيقَةً فَلَا يُعْطَى لِمَنْ أَفْطَرَ لِنَحْوِ مَرَضٍ وَلَا لِمَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ وَإِنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَيُعْطَى مُمَيَّزٌ صَامَ، وَقِنٌّ كَذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ أُعْطَى شَيْئًا أَنْ يُفْطِرَ بِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِسُحُورِهِ وَلَا أَنْ يُعْطِيَهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ تَقْدِيمًا لِغَرَضِ الْوَاقِفِ وَتَحْقِيقًا لِمَا قَصَدَهُ مِنْ عَظِيمِ ثَوَابِ تَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ وَتَعْجِيلِهِمْ لِلْفِطْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ بُقْعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ تَشْتَمِلُ عَلَى قَدْرِ عِشْرِينَ عُودًا مِنْ النَّخْلِ وَصِفَةُ ذَلِكَ النَّخْلِ فِي الْبُقْعَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ نَخْلَةٍ وَنَخْلَةٍ مَسَافَةً قَدْرَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ تَقْرِيبًا ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النَّخْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْبُقْعَةِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ هُوَ مِمَّا يَشْرَبُ مِنْ النَّهْرِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَشْرَبُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عِنْدَ غِرْسِهِ بِحَمْلِ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي قِرَبٍ وَنَحْوِهَا فَإِذَا اشْتَدَّ وَصَارَ حَيًّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْمَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْمَاءِ بِجَذْبِ عُرُوقِهِ وَاكْتِفَائِهِ بِذَلِكَ إذَا عُرِفَ هَذَا فَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو مُشَاعًا لِزَيْدٍ فِيهِ رُبْعُهُ وَلِعَمْرٍو ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ فَاتَّفَقَ مِنْ حَالِ الشَّرِيكَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ النَّخْلِ الْمَذْكُورِ دُونَ أَرْضِهِ بِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَبْقِيَتهَا بَيْنَهُمَا عَلَى الْإِشَاعَةِ إلَى وَقْتٍ مَا فَاقْتَسَمَا كَذَلِكَ فَخَرَجَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ عَدَدًا مِنْ النَّخْلِ عَلَى قَدْرِ مَا اقْتَضَتْهُ شَرِكَتُهُمَا فِي ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي جَمِيعِ جِهَاتِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ فَأَخَذَا عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً مَدِيدَةً وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَعْرِفُ مَا يَخْرُجُ لَهُ مِنْ النَّخْلِ بِالْقِسْمَةِ ثُمَّ إنَّ عُمَرًا صَاحِبَ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ الْمَذْكُورَةِ وَقَفَ نَصِيبَهُ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ جَمِيعًا عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ مَا تَنَاسَلُوا ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أَيْضًا طَلَبَ وَرَثَةُ عَمْرٍو الْوَاقِفِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ زَيْدٍ الشَّرِيكِ الْمَذْكُورِ قِسْمَةَ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ النَّخْلِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ النَّخْلَ الَّذِي اقْتَسَمَاهُ كُلَّهُ أَوْ مُعْظَمَهُ بَاقٍ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ لَمْ يَزُلْ مِنْهَا فَأَجَابَ زَيْدٌ إلَى ذَلِكَ وَاقْتَسَمَا الْأَرْضَ الْمَذْكُورَةَ فَخَرَجَ لِزَيْدٍ رُبْعُ بَيَاضِ الْأَرْضِ فِي طَرَفٍ مُعَيَّنٍ مَشْغُولًا بِشَيْءٍ مِنْ نَخْلِهِ وَنَخْلِ شُرَكَائِهِ أَصْحَابِ الْوَقْفِ وَلِأَرْبَابِ الْوَقْفِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ بَيَاضِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ النَّخْلِ مُفَرَّقًا أَيْضًا فِي سَائِرِ جِهَاتِهَا فَالثَّلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ الْمَذْكُورَةِ صَارَتْ مَشْغُولَةً كَذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ نَخْلِهِمْ وَنَخْلِ زَيْدٍ الْمَذْكُورِ فَدَامُوا عَلَى هَذَا الْوَصْفِ مُدَّةً ثُمَّ إنَّ بَعْضَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ اُنْتُدِبَ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ بَيْنَ بَيَاضِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّخْلِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ يَقَعُ فِي بَعْضِهِ دَاخِلًا وَذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسُ إلَيْهِ وَتَعْوِيلِهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ فَبَنَاهُ بِإِذْنِ أَرْبَابِ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيَاضِ الَّذِي صَارَ لِلْوَقْفِ وَكَانَ مِنْ صُورَةِ بِنَائِهِ فِيهِ أَنَّهُ اخْتَطَّ بُقْعَةً قَدْرُهَا عِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَبَنَاهَا بِنَاءً مُحْكَمًا وَأَوْقَفَهَا مَسْجِدًا عَلَى الْمُصَلِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ بَعْدَ بِنَائِهِ وَتَرَدَّدَ النَّاسُ إلَيْهِ وَصَلَاتُهُمْ فِيهِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ يَزِيدُ قَدْرُهَا عَلَى عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمَدْرَسَةِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَصَلَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي اتَّفَقَ فِيهِ وُقُوعُ ذَلِكَ الْبِنَاءِ وَجَرَى لَهُ مَعَ صَاحِبِ الْمَكَانِ الَّذِي اتَّفَقَ لَهُ وُقُوعُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْبِنَاءِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ بَحْثٌ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ وَعَدَمِهِ فَقَالَ ذَلِكَ الْمُتَفَقِّهُ إنَّ ذَلِكَ الْبِنَاءَ لَا يَجُوزُ وَيَجِبُ عَلَى بَانِيهِ أَنْ يَهْدِمَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَلَا ثَوَابَ لِلْجَمَاعَةِ فِيهِ بَلْ لَا يَثْبُتُ لِذَلِكَ الْبِنَاءِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ لَا حِلًّا وَلَا حُرْمَةً فَتَحَرَّجَ الَّذِي بَنَاهُ وَطَالَ لِأَجْلِ ذَلِكَ عَنَاهُ وَذَلِكَ لِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأُمُورٍ غَيْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ تَعِبَ فِي بِنَائِهِ تَعَبًا شَدِيدًا وَأَنْفَقَ فِي إنْشَائِهِ مَالًا كَثِيرًا وَمِنْهَا أَنَّ أَهْلَ الْمَكَانِ الَّذِي بَنَى ذَلِكَ الْمَسْجِدَ مِنْ أَجْلِهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ وَبِرَأْيِهِمْ
стр. 859
حَاجَتُهُمْ إلَى إبْقَائِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مُتَأَكِّدَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَكَانًا تُصَلِّي فِيهِ الْجَمَاعَةُ غَيْرَهُ وَلَا يَجِدُونَ مَا يَتَوَضَّؤُنَّ وَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ إلَّا عِنْدَهُ وَمِنْهَا أَنَّ فِي هَدْمِهِ وَإِزَالَتِهِ عَنْ مَكَانِهِ سَبَبُ افْتِرَاقِ شَمْلِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي كَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ لَا سِيَّمَا مَعَ ضَعْفِ أَهْلِ الْمَكَانِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى إنْشَاءِ مَسْجِدٍ آخَرَ فَهَلْ تَرَوْنَ طَرِيقًا لِهَذَا الْمُسْتَفْتِي فِي إبْقَاءِ مَا بَنَاهُ وَتَقْرِيرُ مَا عَنَاهُ فَقَدْ طَالَ تَعَطُّشُهُ لِذَلِكَ وَتَطَلُّبُهُ لِمَا هُنَالِكَ أَوْ تَجِدُونَ فِي ذَلِكَ وَجْهًا نَخْتَارُهُ وَنَقْتَفِي مَنَارَهُ أَوْ تَرَوْنَ فِي بَعْضِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ إسَاغَةَ التَّقْلِيدِ فِي هَذِهِ الْمُهِمَّةِ فَإِنْ رَأَيْتُمْ ذَلِكَ وَعَرَفْتُمُوهُ فَأَوْضِحُوهُ لَنَا وَمَا الَّذِي تَعُدُّونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا صَوَابًا التَّقْلِيدُ لِلضَّرَرِ الْأَكِيدِ وَالِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَالتَّخَلِّي عَنْهُ أَوْضِحُوا لَنَا حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَدِلَّتِهَا وَأَحْكَامِهَا وَأَقْسَامِهَا إيضَاحًا شَافِيًا وَبَيِّنُوا لَنَا الْمَقْصُودَ مِنْ الْغَرَضِ فِي التَّقْلِيدِ وَعَدَمِهِ بَيَانًا شَافِيًا وَافَيَا وَلِيَعْلَمْ سَيِّدُنَا شَرَّفَ اللَّهُ قَدْرَهُ وَأَعْلَى فِي الطَّيِّبِينَ ذِكْرَهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي بَنَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَبْنِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ اسْتَشَارَ أَهْلَ الْوَقْفِ وَاسْتَشَارَ صَاحِبَ الرُّبْعِ الطَّلْقِ أَيْضًا فَصَوَّبَ الْجَمِيعُ رَأْيَهُ وَأَذِنَ فِي بِنَائِهِ فَهَلْ تَرَوْنَ ذَلِكَ لَهُ مُفِيدًا أَوْ تَجِدُونَ لِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ تَسْدِيدًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قِسْمَةُ النَّخْلِ دُونَ الْأَرْضِ جَائِزَةٌ بِالتَّرَاضِي وَكَذَا قِسْمَةُ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ الْوَقْفِ عَنْ الرُّبْعِ الْمِلْكِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْقِسْمَةُ إفْرَازًا بِأَنْ تَسْتَوِيَ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَقَعْ رَدٌّ مِنْ الْمَالِكِ وَإِذَا اقْتَسَمَاهَا كَذَلِكَ صَارَ مَا خَرَجَ بِالْقِسْمَةِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ وَلِجِهَةِ الْمِلْكِ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ وَأَمَّا فِي حِصَّةِ كُلٍّ مِنْ نَخْلِ الْآخَرَ فَيَجْرِي فِيهِ كَمَا رَجَّحْتُهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مَا ذَكَرُوهُ آخِرَ الْعَارِيَّةِ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِهِمْ هُنَاكَ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَا خَرَجَ بِالْقِسْمَةِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْوَقْفِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَلَوْ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ تَغْيِيرُ مَا قَصَدَهُ الْوَاقِفُ مِنْ كَوْنِهِ وَقْفًا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ يَنْتَفِعُونَ بِغَلَّتِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ مَسْجِدًا فَحِينَئِذٍ يَجِبُ هَدْمُهُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِيَّةِ وَيَجِبُ عَلَى بَانِيهِ الرُّجُوعُ إلَى اللَّهِ وَالتَّوْبَةُ مِمَّا اقْتَرَفَهُ إنْ عَلِمَ حُرْمَةُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْمُ بِنَائِهِ وَإِنْ تَعِبَ وَصَرَفَ أَمْوَالًا وَإِنْ احْتَاجَ النَّاسُ أَوْ اُضْطُرُّوا إلَيْهِ وَلَوْ تَفَرَّقَتْ الْجَمَاعَةُ بِسَبَبِ هَدْمِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ قَصْدٌ صَالِحٌ فِي الْبِنَاءِ وَالرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ نَعَمْ إنْ رَأَى لَهُ فِي مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ وَجْهًا مُسَوِّغًا لِبَقَاءِ بِنَائِهِ مَسْجِدًا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي رَفْعِ الْأَمْرِ لِلْحَاكِمِ بِهِ لِيَحْكُمَ لَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا وَوَجَدَ قَوْلًا مُعْتَمِدًا فِي أَحَدِ تِلْكَ الْمَذَاهِبِ بِذَلِكَ فَلَهُ تَقْلِيدُهُ لَكِنْ لَا يُقَلِّدُ فِي اعْتِقَادِهِ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا ثِقَةً عُرِفَ بِالتَّقَدُّمِ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَيُمَيِّزُ مُعْتَمِدُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِي لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ هَلْ هُوَ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاقِفُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ دُخُولُ أَوْلَادِ الْبَنِينَ دُونَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاقِفُ رَجُلًا أَمْ امْرَأَةً فَإِنْ قُلْتَ هُوَ فِي الْمَرْأَةِ مُشْكِلٌ بِقَوْلِهِمْ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ إنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَ الْأُمِّ وَالِابْنِ فِي النَّسَبِ قُلْتُ: يُمْكِنُ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنِهَا فِي الِانْتِسَابِ إلَى مَنْ تُنْسَبُ هِيَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَى أَبِيهَا لِكَوْنِهِ ابْنَ ابْنَتِهِ وَإِنْ كَانَ يُنْسَبُ إلَيْهَا لِكَوْنِهِ ابْنهَا فَدَخَلَ ابْنُهُ فِي قَوْلِهَا مَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ ابْنِ بِنْتِهَا فَإِنَّهُ إنَّمَا يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ وَأَبُوهُ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّ أُمِّهِ بِخِلَافِ ابْنِ ابْنِهَا فَإِنَّهُ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ وَأَبُوهُ مَنْسُوبٌ إلَى أُمِّهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرْتُهُ وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا قَرَّرْتُهُ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ شَيْخِنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْإِشْكَالَ السَّابِقَ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ الِانْتِسَابَ هُنَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلْإِخْرَاجِ فَتَدْخُلُ أَوْلَادُ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ أَيْضًا وَلَا يَلْزَمُ إلْغَاءُ الْوَصْفِ أَصْلًا فَالْعِبْرَةُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ وَيَكُونُ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ مَحْمُولًا عَلَى وَقْفِ الرَّجُلِ اهـ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانَةَ إلَّا عَمَلَا لَهَا حُلِيًّا فَهَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَيَلْزَمُ الشَّرْطُ أَوْ لَا
стр. 860
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هَذَا الْوَقْفُ بَاطِلٌ سَوَاء قَصَدَ تَعْلِيقَ صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُعْلَم لَهُ قَصْدٌ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ الصِّيغَةَ ظَاهِرَةٌ فِي الشَّرْطِ وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْد أَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْوَقْفُ وَهُوَ قَاصِدٌ عَدَمَ تَعْلِيقِهِ عَلَى شَيْءٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ يَسْتَحِقُّ وَقْفًا كَامِلًا بِمُفْرَدِهِ وَشَرَطَ لَهُ الْوَاقِفُ النَّظَرَ بَعْدَهُ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ يَسْتَحِقُّ الْوَقْفَ أَوْلَادُهُ إلَى آخِرِهَا ثُمَّ عَصَبَاتُهُمْ إلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْفُقَرَاءُ فَخَرِبَ الْوَقْفُ (بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ) وَلَمْ يَجِد النَّاظِرُ الْمُسْتَحِقُّ مَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَخَشِيَ عَلَى أَنْقَاضِهِ الْفَوْتَ فَأَجَّرَهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ هَلْ يَصِحّ مِنْهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ رَأَى الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَة فِي ذَلِكَ وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ سَوَاءٌ أَصَرَفَهَا فِي عِمَارَتِهِ أَمْ لَا لِكَوْنِهِ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي حَيَاتِهِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ.
وَإِذَا قُلْتُمْ بِبُطْلَانِهَا فَهَلْ لِوَرَثَتِهِ أَوْ لِعَصَبَاتِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ الرُّجُوعُ بِالْأُجْرَةِ كُلِّهَا أَوْ بِأُجْرَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ حَالَ مَوْتِهِ وَإِذَا أَجَّرَهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَأَصْرَفَ بَعْضَهَا فِي عِمَارَتِهِ وَالْبَاقِي أَصَرَفَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ يَسْتَحِقُّهُ فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بَعْدَ حَيَاتِهِ وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ وَارِثُهُ بَقِيَّةَ الْأُجْرَةِ مِنْ تَرِكَةِ مُوَرِّثِهِ وَالْحَالُ أَنَّ الْوَقْفَ وَالتَّرِكَةَ صَارَتْ إلَيْهِ بِمَوْتِهِ وَإِذَا قُلْتُمْ لَهُ ذَلِكَ كَيْف صُورَةُ ذَلِكَ وَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ الْوَارِثِ وَالْأَجْنَبِيِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً أَمْ يَفْتَرِقَانِ وَإِذَا أَصْرَفَ النَّاظِر الْمُسْتَحَقّ مِنْ مَالِهِ بِإِذْنِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ فِي صَرْفِ عِمَارَتِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى رِيعِهِ بِذَلِكَ هَلْ يَسُوغُ مِنْهُ ذَلِكَ أَمْ لَا يَسُوغُ لِكَوْنِهِ يَسْتَحِقّ رِيعَهُ وَيَرُوحُ عَلَيْهِ مَجَّانًا فَإِذَا قُلْتُمْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ كَيْفَ يُحَاسِبُ بِشَيْءٍ يَسْتَحِقُّهُ وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَيْنَا ذَلِكَ أَوْضِحُوهُ لَنَا وُضُوحًا شَافِيًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَصِحُّ لِلنَّاظِرِ الْمُسْتَحِقِّ وَحْدَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَكِنَّهُ إذَا مَاتَ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ يَنْتَقِلُ لِمَنْ بَعْدَهُ وَهُوَ لَمْ يَرْضَ حَالَ اسْتِحْقَاقِهِ بِإِيجَارِهِ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنْ أَجَّرَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ وَإِنْ مَاتَ مُعْسِرًا وَضَيَّعَ الْأُجْرَةَ جَمِيعَهَا لَكِنَّهَا أَعْنِي مَا يَخُصّ مَا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ يَصِيرُ لِلطَّبَقَةِ الَّذِينَ بَعْدَهُ وَلَوْ كَانُوا أَوْلَادَهُ دَيْنًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَلَقَّوْنَ مِنْهُ بَلْ مِنْ الْوَاقِفِ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ قُسِّمَتْ تَرِكَتُهُ بَيْن الْكُلِّ بِالْحِصَّةِ وَحَيْثُ قُدِّمَ اسْتِحْقَاقُ النَّاظِرِ عَلَى الْعِمَارَةِ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ ذَلِكَ فَأَصْرَفَ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِيَرْجِعَ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا يَرْجِعُ إنْ صَرَفَ مِنْ مَالِهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَفَائِدَةُ الرُّجُوعِ مَعَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ وَحْدَهُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ صَارَ مَا أَصَرَفَهُ دَيْنًا لِوَرَثَتِهِ عَلَى الْوَقْفِ وَكَذَا لَوْ فُرِضَ بُطْلَانُ اسْتِحْقَاقِهِ فِي حَيَاتِهِ فَيَصِيرُ مَا أَصَرَفَهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْوَقْف فَعُلِمَ أَنَّ كَوْنَهُ الْمُسْتَحِقّ لَا يُنَافِي أَنَّهُ يَثْبُت لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْوَقْفِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادٍ ذُكُورٍ خَمْسَةٍ قَاسِم الرَّجُلِ الرَّشِيدِ وَأَحْمَدَ الرَّجُلِ الرَّشِيدِ أَيْضًا حَسْبَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَالِدُهُمَا الْوَاقِفُ الْمَذْكُورُ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ وَإِبْرَاهِيمَ الْمُرَاهِقِ وَحَسَنٍ الْمُمَيِّزِ وَحُسَيْنٍ السُّدَاسِيِّ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنهمْ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ سَهْمَانِ وَلِلْأُنْثَى سَهْمٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لَهُ وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِأَهْلِ دَرَجَتِهِ وَذَوِي طَبَقَتِهِ تَحْجُبُ أَبَدًا الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فَإِذَا انْقَرَضُوا بِأَسْرِهِمْ وَأَبَادَهُمْ الْمَوْتُ عَنْ آخِرِهِمْ كَانَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ الْقَاطِنِينَ بِمَكَّةَ وَالْوَارِدِينَ إلَيْهَا وَجَعَلَ الْوَاقِف الْمَذْكُور النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَمَاتَ الْوَاقِفُ الْمَذْكُورُ ثَمَّ مَاتَ قَاسِمٌ وَتَرَكَ وَلَدًا يُدْعَى جَسَّارًا ثُمَّ مَاتَ جَسَّارٌ الْمَذْكُورُ وَلَمْ يَعْقُب وَمَاتَ أَحْمَدُ وَحُسَيْنٌ وَلَمْ يَعْقُبَا وَالْمَوْجُودُ الْآن مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ ذَكَرَانِ أَخَوَانِ شَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا يُدْعَى مُبَارَكًا وَالْآخَرُ يُدْعَى عَلِيًّا مِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ ابْن الْوَاقِفِ أَحَدِ الْأُخُوَّةِ الْخَمْسَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَبِنْتٌ تُدْعَى شُمَيْسَةَ يَتَّصِلُ نَسَبُهَا بِحَسَنٍ وَلَدِ الْوَاقِفِ فَمَا يَسْتَحِقُّ الْأَخَوَانِ وَمَا تَسْتَحِقُّ شُمَيْسَةُ مِنْ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ هَلْ يَكُونُ بَيْنهمْ أَثْلَاثًا النِّصْف لِلْبِنْتِ وَالنِّصْفُ لِلْأَخَوَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَوْ الْخُمْسُ لِلْبِنْتِ أَمْ
стр. 861
كَيْفَ الْحَالُ وَمُبَارَكٌ وَعَلِيٌّ الْأَخَوَانِ الْمَذْكُورَانِ هُمَا وَلَدَا إبْرَاهِيمَ بْن إبْرَاهِيمَ بْن عَلِيٍّ الَّذِي هُوَ الْوَاقِفُ وَشُمَيْسَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ بِنْتُ إبْرَاهِيمَ بْن مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن حَسَن بْن عَلِيٍّ الْوَاقِفِ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا شُمَيْسَةُ فَلَهَا الْخُمْسُ بِيَقِينٍ عَلَى كُلّ تَقْدِير وَأَمَّا الْأَخَوَانِ الْمَذْكُورَانِ عَلِيٌّ وَمُبَارَكٌ فَلَهُمَا الْخُمْسُ كَذَلِكَ وَأَمَّا الْأَخْمَاسُ الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ فَيَحْتَاجُ الْكَلَامُ فِيهَا إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْد مَوْت جَسَّارٍ وَأَحْمَدَ وَحُسَيْنٍ مِنْ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ أَوْ مِمَّنْ بَعْدهمْ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ فَإِنَّ جَدّ شُمَيْسَة إنْ تَأَخَّرَ مَوْته عَنْ جَسَّار وَأَحْمَد وَحُسَيْن وَإِبْرَاهِيمَ كَانَتْ تِلْكَ الْأَخْمَاسُ الثَّلَاثَةُ لَهَا وَحْدَهَا وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّر مَوْته هُوَ جَدّ الْوَلَدَيْنِ كَانَتْ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ لَهُمَا وَحْدَهُمَا وَإِنْ تَأَخَّرَ مَوْتٌ الْجَدَّيْنِ عَنْ مَوْتِ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ كَانَتْ تِلْكَ الْأَخْمَاسُ الثَّلَاثَةُ بَيْنهمَا وَانْتَقَلَتْ إلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا شُمَيْسَةَ وَالْأَخَوَيْنِ كَذَلِكَ فَإِنْ عُرْف ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْرَف فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ تُوقَفُ الْأَخْمَاسُ الثَّلَاثَةُ بَيْن شُمَيْسَةَ وَالْأَخَوَيْنِ إلَى أَنْ يُعْرَفَ ذَلِكَ أَوْ يَصْطَلِحُوا فِيهِ عَلَى شَيْءٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ بِالسَّوِيَّةِ شُرِطَ فِيهِ لِقَارِئٍ بِمَبْلَغٍ مَعْلُومٍ وَلِجِهَةِ صَدَقَاتٍ بِمَبْلَغٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ فِيهِمْ فَهَلْ يُقَدَّمُ مِنْ رَيْعِهِ بَعْدَ عِمَارَتِهِ أَحَدٌ إذَا لَمْ يَفِ رَيْعُهُ بِهِمْ أَجْمَعِينَ أَمْ يُوَزَّعُ بَيْنهمْ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْحُقُوقُ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَإِذَا قُلْتُمْ بِالتَّوْزِيعِ وَكَانَ رَيْعُهُ فِي سَنَةٍ أَرْبَعِينَ أَشْرَفِيًّا وَكَانَ لِلْقَارِئِ عَشْرَةٌ أَشْرَفِيَّةٌ وَلِجِهَاتِ الْبِرِّ خَمْسَ عَشَرَ أَشْرَفِيًّا مَثَلًا مَا يَأْخُذُ الْقَارِئُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ وَأَصْحَابُ الْبِرِّ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِمْ إذَا كَانَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنهمْ وَمَاذَا يَأْخُذُهُ الْجَمَاعَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَمَا الْحُكْمُ بَيْنهمْ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ مُرَتَّبًا وَلَمْ يَفِ رَيْعُهُ بِهِمْ فَهَلْ يُعْطِي الْقَارِئُ كَمَلًا أَوَّلًا ثُمَّ جِهَاتُ الْبِرِّ كَمَلًا إنْ كَانَ أَوْ مَا فَضَلَ وَالْبَاقِي لِجَمَاعَةِ الْوَقْفِ إنْ كَانَ بَقِيَ شَيْءٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ وَإِذَا سَكَنَ بَعْضُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوْ مَنْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِيهِ بِإِجَارَةٍ مِنْ النَّاظِرِ هَلْ لَهُ أَنْ يُقَاصِصَ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الرِّيعِ وَيَسْقُط عَنْهُ وَيَدْفَع الْبَاقِي لِلْمُسْتَحِقِّينَ أَمْ لَا وَإِذَا أَرَادَ الْبَعْضُ السُّكْنَى بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَأَبَى الْبَعْضُ وَأَرَادُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَتَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ هَلْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ يُؤَجِّرَ أَجْنَبِيًّا أَوْ يُغْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إلَى أَنْ يَصْطَلِحُوا وَهَلْ يَتَوَقَّفُ إغْلَاقُ الْبَابِ عِنْد التَّنَازُعِ عَلَى إذْنِ الْحَاكِمِ مَعَ وُجُودِ النَّاظِرِ الْخَاصِّ أَمْ لَا.
وَإِذَا سَكَنَ الْبَعْضُ تَعَدِّيًا مِنْ غَيْرِ إجَارَةٍ مِنْ نَاظِرِهِ هَلْ لَهُ إخْرَاجُهُمْ وَيُطَالِبُهُمْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ أَمْ لَا وَإِذَا غَابَ النَّاظِرُ الْخَاصُّ غَيْبَةً طَوِيلَةً وَلَمْ يُوَكِّل وَكِيلًا أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِجَارَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ يَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ وَإِذَا كَانَ لِلْوَقْفِ نَاظِرَانِ وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا اسْتِئْجَارَ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ هَلْ لِلنَّاظِرِ الثَّانِي أَنْ يُؤَجِّرَهُ أَوْ الْحَاكِمِ الشَّرْعِيّ وَإِذَا لَمْ يَحْصُل فِي الْوَقْفِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فَهَلْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ رَضِيَ أَرْبَابُ الْحُقُوقِ أَمْ لَا وَهَلْ تَنْفَسِخُ إجَارَتُهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا تَنْفَسِخ إذَا رَأَى الْحَظَّ فِي ذَلِكَ لِلْوَقْفِ خُصُوصًا لِإِجْلِ عِمَارَته وَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ إنَّ هَذَا حَظٌّ وَمَصْلَحَةٌ لِلْعِمَارَةِ.
وَإِذَا خَرِبَ بَعْضُ الْوَقْفِ وَعَمَّرَهُ النَّاظِرُ مِنْ رَيْعِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ هَلْ يُرْجَعُ إذَا اقْتَرَضَهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِإِذْنِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا أَصَرَفَهُ وَعَمَّرَ بِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ تَشْهَدُ بِذَلِكَ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ التَّفْصِيلُ بِمَا أَصَرَفَهُ فِي ثَمَنِ نَوْرَةٍ وَأَحْجَارٍ وَأُجْرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَمْ يَكْفِي قَوْلُ الشَّاهِدِ إنَّهُ أَصْرَفَ كَذَا وَكَذَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ وَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ النَّاظِرِ أَنَّ الْوَقْفَ خَرَابٌ أَمْ لَا بُدّ مِنْ الْبَيِّنَةِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ مُرَتَّبًا مُفَصَّلًا أَثَابَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُقَدَّمُ أَحَدٌ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الْعِمَارَةِ بَلْ يُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِمْ فَلَوْ كَانَ الرِّيعُ خَمْسَةً وَالْمَشْرُوطُ لِوَاحِدٍ عَشَرَةً وَلِآخَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ قُسِّمَتْ الْخَمْسَةُ بَيْنهمَا أَخْمَاسًا فَيَأْخُذُ ذُو الْعَشَرَةِ اثْنَيْنِ وَذُو الْخَمْسَةِ ثَلَاثَةً وَأَمَّا مِثَال السَّائِلِ فَلَا تَوْزِيعَ فِيهِ لِأَنَّهُ إذَا فُرِضَ أَنَّ الرِّيعَ أَرْبَعُونَ وَأَنَّ لِوَاحِدٍ عَشَرَةٌ
стр. 862
وَلِآخَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ كَانَ الرَّيْعُ أَكْثَرَ مِنْ مَجْمُوعِ حَقَّيْهِمَا فَيَأْخُذَانِ حَقَّيْهِمَا وَيُفْعَلُ فِي الْفَاضِلِ مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ فِيهِ وَإِلَّا أَرْصَدَهُ لِنَحْوِ عِمَارَةِ الْوَقْفِ فَإِنْ كَانَ وَقْفَ تَرْتِيبٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُؤَخَّرُ شَيْئًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُقَدَّمُ جَمِيعَ مَا شَرَطَهُ لَهُ وَلَا تَقَاصَّ فِي مَسْأَلَةِ السُّكْنَى الْمَذْكُورَةِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ فَيَدْفَعُ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ لِلنَّاظِرِ ثُمَّ يُفَرِّقُهَا النَّاظِرُ فِي مَصَارِفِهَا وَيَتَخَيَّرُ النَّاظِرُ بَيْن إيجَارِ بَعْضِهِمْ وَغَيْرِهِمْ وَلَا يُجَابُ طَالِبٌ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ غَلْقٍ وَغَيْرِهِ بَلْ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ إجَابَةُ طَالِب الْغَلْقِ وَمَنْ سَكَنَ مِنْهُمْ تَعَدِّيًا أَخْرَجَهُ النَّاظِرُ قَهْرًا عَلَيْهِ وَأَخَذَ مِنْهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي سَكَنَهَا أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْوَقْفِ فِيهَا وَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَ النَّاظِرِ لِنَحْوِ غَيْبَةٍ أَوْ امْتِنَاعِهِ وَإِذَا شَرَطَ اجْتِمَاعَ النَّاظِرِينَ عَلَى تَصَرُّفٍ لَمْ يُؤَجِّرْ أَحَدَهُمَا الْآخَر وَإِلَّا جَازَ لَهُ إيجَارُهُ وَلَهُ الْإِجَارَةُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِرِضَا الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ أَوْ لِضَرُورَةِ الْعِمَارَةِ وَنَحْوِهَا أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي وَلِيّ الْيَتِيمِ وَلَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ تِلْكَ الضَّرُورَةِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْقَدْرِ الْمُحْتَمَلِ الَّذِي صَرَفَهُ فِي نَحْو الْعِمَارَةِ وَلِلْحَاكِمِ تَحْلِيفَهُ إنْ اتَّهَمَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) عَنْ مَوْضِعٍ فِي مَدْرَسَةٍ لِلْفُقَرَاءِ فَانْهَدَمَتْ وَتَعَطَّلَتْ وَخِيفَ عَلَى أَحْجَارِهَا وَأَخْشَابهَا مِمَّنْ يَأْخُذُهَا فَهَلْ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْهَا وَيَبْنِيهَا مَدْرَسَةً حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً أَمْ لَا يَحِلُّ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَجُوزُ النَّقْلُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ وَظِيفَةِ تَدْرِيسٍ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ فِيهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ السُّبْكِيّ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ ابْنِ رَزِينٍ امْتِنَاعَ ذَلِكَ وَكَأَنَّ مَلْحَظَهُ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَعْهُودِ أَوْ إنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ نَقْصُ انْتِفَاعِ الطَّلَبَةِ بِمُغَايَرَةِ مَا يُلْقَى إلَيْهِمْ مِنْ تَقْرِير كُلّ وَأُسْلُوبِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ وَقْفَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ قِطْعَةَ أَرْضٍ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى وَلِيٍّ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَعْلَمُ هَلْ مُرَادُهُ يَقْرَأُ عِنْد قَبْرِهِ أَوْ يَقْرَأُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَيَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُوصِلَ ثَوَابَ قِرَاءَتِهِ إلَيْهِ مَا الْحُكْمُ وَإِذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ عُلِمَ أَنَّهُ قَالَ وَقَفْت هَذَا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى فُلَانٍ لَمْ تَجِب الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ وَلَا يَبْحَثُ عَنْ مُرَادِ الْوَاقِفِ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى خُصُوصِ الْأَرْضِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الصُّورَةُ الَّتِي تَلَفَّظَ بِهَا الْوَاقِفُ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَصْلَ إجْزَاؤُهَا عَلَى الْقَبْرِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَعْلَمَ تَخْصِيصَ الْوَاقِفِ لَهَا بِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَعْلَم ذَلِكَ فَعَمِلْنَا بِالْأَصْلِ نَعَمْ إنْ أَطَّرَدَتْ عَادَةُ بَلَد الْوَاقِف حِين الْوَقْفِ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى الْقَبْرِ دُون غَيْرِهِ فَتَتَعَيَّنُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَتَعَيَّنُ الْقَبْرُ فَالْأَحْوَطُ وَالْوَرَع أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُبَرِّئَةٌ لِلذِّمَّةِ بِيَقِينٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَقَفَ مَحَلًّا عَلَى قُرَّاءٍ ثَلَاثَةٍ مِنْ طَائِفَةٍ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ كَهُمْ ثَلَاثَةٌ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ إلَى مَا لَا يَنْتَهِي وَقْفًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا ثُمَّ شَرَطَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ رَيْعِ وَقْفِهِ بَعْدَ الْمَصَارِيفِ الْبَاقِي لِلْقُرَّاءِ الْمَذْكُورِينَ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي مُقَابَلَةِ قِرَاءَتِهِمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَثَلًا مَا تَيَسَّرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَزِيزِ وَأَنْ يُهْدُوا مِثْلَ ثَوَابِ ذَلِكَ فِي صَحَائِفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالصَّالِحِينَ ثُمَّ فِي صَحَائِفِ الْوَاقِفِ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا وَفِي صَحَائِفِ وَالِدَيْهِ وَالْمُسْلِمِينَ فَهَلْ هَذَا الْوَقْفُ صَحِيحٌ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهِ فَهَلْ مَا تَأْخُذهُ الْقُرَّاءُ مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِرَاءَةِ صَحِيحٌ وَيَكُونُ كَالْأُجْرَةِ إذَا أَتَوْا بِالْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَى وَجْهِهِ وَإِذَا أَخَلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ وَنَحْوِهِ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَمْ يَسْتَنِبْ عَنْهُ فِيهِمَا هَلْ يَسْقُط مِنْ حَقِّهِ بِقَدْرِ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ الْأَيَّامِ مَثَلًا وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيب إذَا لَمْ يَشْرِط لَهُ الْوَاقِفُ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا لَا فَهَلْ يُقَرِّرُ النَّاظِرُ غَيْرَهُ وَيَسْقُطُ حَقَّهُ مِنْ الرِّيعِ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ وَبَعْد زَوَالِهِ أَمْ يَسْتَنِيبَ عَنْهُ النَّاظِرُ إلَى أَنْ يَزُولَ الْعُذْرُ وَيُعْطَى لَهُ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْعَمَلِ أَمْ تَسْتَمِرُّ الْقِرَاءَةُ شَاغِرَةً إلَى حِين زَوَالِ الْعُذْرِ وَيَعْمَلُ وَيَأْخُذُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ حَالَةَ الْعُذْرِ وَهَذَا الْأَخِيرُ كَمَا لَا يَخْفَى عَنْ عِلْمِكُمْ الْكَرِيمِ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّ
стр. 863
الِاسْتِحْقَاقَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ وَلَا عَمَل وَمَا قَدْرُ مَا يَلْزَمُ الْقَارِئُ مِنْ الْقِرَاءَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ أَنْ يَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَلَاثِ آيَاتٍ وَهُوَ أَقَلُّ الْجَمْعِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَمْ يَتَّبِعُ عُرْفَ بَلَدِ الْوَاقِفِ وَهَلْ يَصِلُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ إلَى الْوَاقِفِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَمَا شَرَطَ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَإِذَا شَرَطَ أَنْ يُهْدَى لَهُ عَقِب الْقِرَاءَةِ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَلِوَالِدِيهِ وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ قَبْرًا وَلَا غَيْرَهُ.
هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ وَيُهْدَى لَهُمْ حَيْثُمَا كَانُوا سَوَاءٌ أَعَرِف قُبُورَهُمْ أَمْ لَا وَإِذَا شَرَطَ الْقِرَاءَةَ عَلَى قَبْرِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ قَبْرٌ هَلْ يَصِحّ ذَلِكَ أَمْ لَا وَيَبْطُلُ وَقْفُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَإِذَا شَرَطَ أَنْ يُهْدَى مِثْل ثَوَاب ذَلِكَ إلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمُسْلِمِينَ حَيْثُمَا كَانُوا هَلْ يَصِحّ ذَلِكَ وَيَصِلُ إلَى جَمِيعِهِمْ وَمَا صِيغَةُ الْإِهْدَاءِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لِلْوَاقِفِ وَغَيْرِهِ وَهَلْ يَقُولُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ أَوْ مِثْلهَا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْوَقْفُ صَحِيحٌ بِشُرُوطِهِ وَمَعْنَى إهْدَائِهِ مِثْل ثَوَابِ ذَلِكَ فِي صَحَائِفِ الْوَاقِفِ الْحَيِّ الدُّعَاء لَهُ بِأَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مِثْلَ ثَوَابِ قِرَاءَتِهِمْ لَهُ وَهَذَا غَرَضٌ صَحِيحٌ لِرَجَاءِ قَبُولِ مِثْلِ ذَلِكَ وَوُصُوله لَهُ إذْ هُوَ لِلْغَيْرِ مَقْبُولٌ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﷺ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعُمْرَةِ «لَا تَنْسَانَا مِنْ دُعَائِك» ثُمَّ رَأَيْت شَيْخنَا زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ يُفْتِي بِنَحْوِ مَا ذَكَرْته فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ إجَارَةِ مَنْ يَقْرَأُ لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ بِنَحْوِ وَصِيَّةٍ أَوْ نَذْرِ خَتْمَةً هَلْ يَصِحّ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ زَمَنٍ وَمَكَانٍ وَهَلْ يَصِحّ الْإِجَارَةُ لِلْقِرَاءَةِ وَإِذَا فَرَغَ الْقَارِئُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فَمَا صُورَةُ مَا يَدْعُو بِهِ وَهَلْ يُهْدِيه أَوَّلًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ ثُمَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَهُ أَوْ يَعْكِس فَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ تَصِحّ لِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِزَمَنٍ وَلِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَعَيَّنَ مَكَانًا أَوْ لَا وَقَدْ أَفْتَى الْقَاضِي بِصِحَّتِهَا بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ مُدَّةً قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْوَجْهُ تَنْزِيلُهُ عَلَى مَا يَنْفَعُ الْمُسْتَأْجِرَ إمَّا بِالدُّعَاءِ لَهُ عَقِبَهَا إذْ هُوَ حِينَئِذٍ أَقْرَبُ إجَابَةً وَأَكْثَرُ بَرَكَةً وَإِمَّا بِجَعْلِ مَا حَصَلَ مِنْ الْأَجْرِ لَهُ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ صِحَّتَهَا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي لِأَنَّ مَحَلَّهَا مَحَلُّ بَرَكَةٍ وَتَنْزِيلُ الرَّحْمَةِ وَهَذَا مَقْصُودٌ يَنْفَعُ الْمُسْتَأْجِرَ لَهُ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْن الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ وَغَيْرِهِ وَلَهُ الدُّعَاءُ بِثَوَابِ ذَلِكَ وَمِثْلِهِ إذْ الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَهْدِيَهُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ ثُمَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَهُ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ التَّبَرُّكِ بِتَقْدِيمِ مَنْ يَطْلُبُ بَرَكَتَهُ وَهُوَ أَحَبُّ لِلْمُسْتَأْجِرِ غَالِبًا فَالْأُجْرَةُ الْمَأْخُوذَةُ فِي مُقَابِلِ ذَلِكَ حَلَال لِمَا قُلْنَا وَلِعُمُومِ خَبَرِ الْبُخَارِيِّ «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» اهـ.
عَلَى أَنَّ بُطْلَانَ جُمْلَة مِنْ كَلَامِ الْوَاقِفِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْوَقْفِ كَنَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْت دَارِي هَذِهِ عَلَى مَسْجِدِ كَذَا وَلِأَمِّي السُّكْنَى بِهَا فَفِي فَتَاوَى الْعِمَادِ بْنِ يُونُسَ احْتِمَالُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا صِحَّةُ الْوَقْفِ وَإِلْغَاءُ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفٌ تَطْلُقُ، وَيَلْغُو الْإِلْزَامَ وَالثَّانِي بُطْلَانُهُ لِأَنَّهُ شَرَطَ اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُدَّةً مَجْهُولَةً وَهِيَ حَيَاتُهَا اهـ وَالْأَوْجُه الْأَوَّلُ وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا فِيهِ نَصَّا بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الْوَقْفُ الْمُحَقَّقُ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الصَّلَاحِ صَرَّحَ بِمَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته فَإِنَّهُ قَالَ وَإِنْ تَرَدَّدْنَا فِي اشْتِرَاطِ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا لَوْ قَالَ وَقَفْت لِتَفْعَلُوا كَذَا وَتَفْعَلُوا كَذَا فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْن كَوْنِهِ تَوْصِيَةً وَاشْتِرَاطًا وَالِاحْتِيَاطُ أَوْلَى وَمَا يَأْخُذُهُ الْقُرَّاءُ مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِرَاءَةِ سَائِغ بَلْ هُوَ مِنْ أَطْيَبِ وُجُوهِ الْكَسْبِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ السَّابِقِ وَهُوَ كَالْأُجْرَةِ أَوْ الْجَعَالَةِ فَيَتَوَقَّفُ اسْتِحْقَاقُهُمْ عَلَى إتْيَانِهِمْ بِالْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ أَخَلَّ مِنْهُمْ بِهِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي سَقَطَ مِنْ مَعْلُومِهِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ وَإِنْ أَطَرَدَتْ الْعَادَةُ بِالتَّرْكِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي أَخَلَّ بِهِ فَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ لَوْ وَقَفَ عَلَى مُقْرِئٍ يَقْرَأَ لِلنَّاسِ بِمَوْضِعِ كَذَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَجَرَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ بِتَرْكِ الْإِقْرَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ لَهُ تَرْكُ الْإِقْرَاءِ فِيهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ يَوْمٍ صَرِيحٍ فِي الْعُمُومِ فَلَا يُتْرَكُ بِعُرْفٍ خَاصٍّ فَكَذَا قَوْلُهُ هُنَا كُلُّ لَيْلَةٍ صَرِيح فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي بِعُرْفٍ خَاصٍّ وَفِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا لَوْ شَرَطَ قِرَاءَةَ جُزْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ كُلَّ يَوْمٍ فَتَرَكَهُ أَيَّامًا ثُمَّ قَضَاهُ هَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَهَلْ يَسْتَحِقُّونَ
стр. 864
فِي أَشْهُرِ الْبَطَالَةِ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ أَجَابَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَلْحَظُ شُرُوطَ الْوَاقِفِ فَمَا كَانَ فِيهِ إخْلَالٌ بِمَا شَرَطَهُ مَنَعَ الِاسْتِحْقَاقِ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إخْلَالٌ بِهِ لَمْ يَمْنَعهُ إلَّا أَنْ يَقْتَضِيَهُ الْعُرْفُ وَتَنْزِلُ الْعَادَةُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ وَالْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ الْمُقَارِنُ لِلْوَقْفِ إذَا كَانَ الْوَاقِفُ مِنْ أَهْلِهِ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا مَنْ أَخَلَّ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دُون بَعْضٍ فَيَنْظُرُ فِي كَيْفِيَّةِ اشْتِرَاطِهِ فَإِنْ اقْتَضَى اشْتِرَاطُ الزَّمَنِ الَّذِي تُرِك فِيهِ سَقَطَ اسْتِحْقَاقُهُ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ كَإِخْلَالِ الْمُتَفَقِّهَةِ بِالِاشْتِغَالِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ حَيْثُ لَا نَصَّ لِلْوَاقِفِ عَلَى وُجُودِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَكَذَلِكَ تَرْك الدُّرُوسِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْرُجهُ عَنْ الْمُعْتَادِ وَمِنْ الْقَبِيلِ الْأَوَّلِ اشْتِرَاطُ جُزْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ كُلَّ يَوْمٍ فَأَيُّ يَوْم تَرَكَهُ فِيهِ سَقَطَ اسْتِحْقَاقُهُ وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الْبَطَالَةُ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ فَالْوَاقِعُ مِنْهَا فِي رَمَضَانَ وَنِصْفِ شَعْبَانَ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِحْقَاقَ حَيْثُ لَا نَصَّ لِلْوَاقِفِ عَلَى الِاشْتِغَالِ فِيهِمَا وَالْوَاقِعُ قَبْلَهُمَا يُمْنَعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي أَكْثَرِ التَّأْثِيرِ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ الْعَامِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتْرُكُ وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الِاحْتِيَاطِ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْإِخْلَالَ بِالشَّرْطِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ يَسْقُطُ اسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَطْ وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ خَالَفَهُ فِيهِ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْن عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ حَيْثُ قَالَ لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَوْ مَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ أَوْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَذَا فِي هَذِهِ التُّرْبَةِ فَأَخَلَّ الْأَمَامُ وَالْمُشْتَغِلُ وَالْقَارِئُ بِهَذِهِ الْوَظَائِفِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ لَمْ يَسْتَحِقّ شَيْئًا مِنْ الْغَلَّةِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَدَّى فِيهَا الْوَظِيفَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَةِ خَمْسَةِ أَثْوَابٍ فَخَاطَ بَعْضَهَا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ حِصَّتَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّا نَتَّبِعُ فِي الْأَعْوَاضِ وَالْعُقُودِ الْمَعَانِي وَفِي الشُّرُوطِ وَالْوَصَايَا الْأَلْفَاظ وَالْوَقْفُ مِنْ بَابِ الْأَرْصَادِ وَالْأَرْزَاقِ لَا الْمُعَاوَضَاتِ فَمَنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ الشُّرُوطِ لَمْ يَسْتَحِقّ شَيْئًا لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الِاسْتِحْقَاقِ اهـ.
وَاعْتَرَضَهُ جَمْعٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ بَلْ غَلَّطَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَمَا يَأْتِي وَقَالَ السُّبْكِيّ مَا قَالَهُ فِي غَايَةِ التَّضْيِيق وَيُؤَدِّي إلَى مَحْذُورٍ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُمْكِنهُ أَنْ لَا يُخِلَّ بِيَوْمٍ وَلَا بِصَلَاةٍ إلَّا نَادِرًا وَلَا يَقْصِدُ الْوَاقِفُونَ ذَلِكَ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَائِلٌ بِمَنْعِ الِاسْتِنَابَةِ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي وَبِهِ يَزِيدُ التَّضْيِيقِ وَيَقْوَى الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ وَقَالَ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتِيَارٌ لَهُ يَلِيقُ بِالْمُتَوَرَّعِينَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ أَقَوْمُ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْن الْإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ لَا يَنْهَضُ عِنْد التَّأَمُّلِ بَلْ الْوَقْفُ إذَا كَانَ أَرْصَادًا وَأَرْزَاقًا أَوْسَعُ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ لِأَنَّهُ يَتَسَامَحُ فِيمَا فِيهِ شَائِبَةُ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ مَا لَا يَتَسَامَحُ بِهِ فِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اسْتِقْصَاء الْمُتَعَاوَضِينَ لِغَرَضَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ مُسَامَحَةِ صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهُ فَإِذَا كَانَ الْإِخْلَالُ بِمَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهُ أُجْرَةَ مَا عَمِلَهُ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ ثُمَّ رَأَيْت السُّبْكِيّ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجَامِكِيَّةَ عَلَى الْإِمَامَةِ وَالطَّلَبِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ حَتَّى لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إذَا أَخَلَّ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ أَوْ الْإِمَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَرْصَادِ وَالْأَرْزَاقِ الْمَبْنِيّ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ وَيَجُوزُ أَرْزَاقه مِنْ بَيْن الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ وَهُوَ يَمْنَع مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهَا اهـ.
فَتَأَمَّلْ فَرْقَهُ بَيْن الْأَرْصَادِ وَالْأَرْزَاقِ وَبَيْن مِمَّا يَحْتَاجُ لِتَأَمُّلِ فَإِنْ قُلْت يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي التِّبْيَانِ مَا حَاصِلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى بَرَاءَةٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا إنَّهَا آيَةٌ مِنْ غَيْرِ بَرَاءَةٍ فَإِذَا قَرَأَهَا تَيَقَّنَ قِرَاءَةَ الْخَتْمَةِ أَوْ السُّورَةِ وَإِلَّا كَانَ تَارِكًا لِبَعْضِ الْقُرْآنِ عِنْد الْأَكْثَرِينَ فَإِنْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ فِي وَظِيفَةٍ عَلَيْهَا جُعْل كَالْأَسْبَاعِ وَالْأَجْزَاءِ الَّتِي عَلَيْهَا أَوْقَافٌ وَأَرْزَاقٌ كَانَ الِاعْتِنَاءُ بِالْبَسْمَلَةِ أَشَدُّ لِيَسْتَحِقَّ مَا يَأْخُذُهُ يَقِينًا فَإِنَّهُ إذَا أَخَلَّ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْوَقْفِ عِنْد مَنْ يَقُولُ الْبَسْمَلَةُ مِنْ أَوَائِلِ السُّورَةِ وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ بِتَأَكُّدِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَإِشَاعَتِهَا اهـ.
قُلْت لَا يُؤَيِّدُهُ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا أَيْ لِمَا أَخَلَّ بِهِ إذْ
стр. 865
الْفَرْضُ أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ قَدْر مُعَيَّنٌ فَإِذَا أَخَلَّ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَهُوَ اخْتِيَارٌ لَهُ أَيْضًا يَلِيق بِمَزِيدِ وَرَعِهِ وَزُهْدِهِ عَلَى أَنَّ الزَّرْكَشِيّ أَشَارَ إلَى تَغْلِيطِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ لَوْ وَرَدَتْ الْجَعَالَةُ عَلَى تَحْصِيلِ شَيْئَيْنِ يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَرَدَّ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ نِصْف الْجُعْلِ قَالَ وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ غَيْبَةُ الطَّالِبِ عَنْ الدَّرْسِ بَعْضِ الْأَيَّامِ إذَا قَالَ الْوَاقِفُ مَنْ حَضَرَ شَهْرَ كَذَا فَلَهُ كَذَا فَإِنَّ الْأَيَّامَ مُتَفَاضِلَةٌ فَيَسْتَحِقُّ بِقِسْطِ مَا حَضَرَ تَفَطَّنْ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا يُغْلَطُ فِيهِ اهـ.
وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْن أَنْ يَتْرُكَ الْمُبَاشَرَةَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَسْتَحِقَّ لِمَا بَاشَرَهُ مَا يُقَابِلُهُ وَيَسْقُطُ مَا يُقَابِلُ مَا لَمْ يُبَاشِرُهُ مُطْلَقًا وَأَفْتَى النَّوَوِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِمَنْعِ الِاسْتِنَابَةِ وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَّا النَّائِبُ فَلِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَنْصِبهُ وَأَمَّا الْمُسْتَنِيبُ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالشَّرْطِ وَخَالَفَ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَجْعُولِ لَهُ تَمَامَ الْجُعْلِ عِنْد قَصْد الْمُشَارِكِ إعَانَتَهُ جَوَاز الِاسْتِنَابَةِ فِي الْإِمَامَةِ وَالتَّدْرِيسِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْوَظَائِفِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِثْله أَوْ خَيْرًا مِنْهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِصِفَتِهِ لَمْ يَحْصُلُ الْغَرَض بِهِ وَشَبَّهَ الِاسْتِنَابَةِ فِي ذَلِكَ بِالتَّوْكِيلِ بِالْمُبَاحَاتِ قَالَ وَيَسْتَحِقُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كُلَّ الْمَعْلُومِ اهـ.
وَأَشَارَ الزَّرْكَشِيُّ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَوَّلَانِ بِقَوْلِهِ وَمَدْرَكُهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الرِّيعَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ وَلَا الْجَعَالَةِ لِأَنَّ شَرْطَهُمَا أَنْ يَقَعَ الْعَمَلُ فِيهِمَا لِلْمُسْتَأْجِرِ وَالْجَاعِلِ وَالْعَمَلُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ لِلْجَاعِلِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْإِبَاحَةُ بِشَرْطِ الْحُضُورِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَصْلُحُ إلْحَاق مَا قَالَاهُ بِمَسْأَلَةِ الْجَعَالَةِ قَالَ وَهَذَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَاقِفِ فَإِنْ أَذِنَ فَهُوَ كَمَا لَوْ فَوَّضَ إلَيْهِمَا الْقَضَاءَ وَالْوَكَالَةَ وَأَذِنَ لَهُ فَاسْتَنَابَ وَفِي كَوْنِ النَّائِبِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يَتَوَلَّى عَنْ الْوَكِيلِ أَوْ الْمُوَكِّلِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَعَلَى هَذَا لَا يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَنِيبُ مِنْ عَزْلِهِ وَلَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْأَوَّلِ وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ هُنَا اهـ.
وَذَلِكَ رَدُّ مَا قَالَهُ أَوَّلًا فَإِنَّا لَمْ نَدَّعِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْإِجَارَةِ أَوْ الْجَعَالَةِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ فِيهِ شَائِبَةً مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُ الْعَمَلُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ لِلْجَاعِلِ لَا يَضُرُّنَا لِأَنَّهُ يَقَعُ لَهُ نَظِيرُهُ إذْ الْقَصْدُ بِهِ الثَّوَابُ وَالدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ فَضْلًا عَنْ الْمُسْتَنِيب فِيهِ لَهُ مِثْل أَجْرِ فَاعِلِهِ وَقَوْلُهُ: فَلَمْ يَبْقَ. . . إلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ حُضُورُ النَّائِبِ كَحُضُورِ الْمُسْتَنِيبِ فَلِمَ يَفُتْ الْحُضُورُ مِنْ أَصْلِهِ وَبِهَذَا اتَّضَحَ كَلَامُ السُّبْكِيّ وَيُؤْخَذُ مِنْ آخِرِ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الِاسْتِنَابَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَنَّهَا لِعُذْرٍ كَالْقَدْرِ الْعَاجِزِ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ سَائِغَةً بِلَا شَكٍّ وَبِهِ صَرَّحَ الدَّمِيرِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْد بَحْثِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ وَهَذَا فِيمَا لَا يَعْجَزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْفَخْرِ ابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ مَدَارِسُ بِدِمَشْقَ يُدَرِّسُ فِيهَا وَكَانَ مَعَهُ الصَّلَاحِيَّة بِالْقُدْسِ يُقِيمُ بِهَذِهِ أَشْهُرًا وَبِهَذِهِ أَشْهُرًا فِي السَّنَةِ مَعَ عِلْمِهِ وَوَرَعِهِ قَالَ وَقَدْ وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ وَلِيَ تَدْرِيسَ مَدْرَسَتَيْنِ فِي بَلَدَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ كَحَلَبِ وَدِمَشْقَ فَأَفْتَى جَمَاعَةٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَيَسْتَنِيبُ مِنْهُمْ قَاضِي الْقُضَاةِ بَهَاءُ الدِّينِ السُّبْكِيّ وَالشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ الْبَعْلَبَكُّيُّ وَشَمْسُ الدِّينِ الْقَرَنِيُّ وَالشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ الْحُسْبَانِيُّ وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ آخَرُونَ وَمَنَعَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ غَيْرُهُمْ وَهَذَا الْأَشْبَهُ لِأَنَّ غَيْبَتَهُ فِي أَحَدِهِمَا لِأَجْلِ الْحُضُور فِي الْأُخْرَى لَيْسَتْ بِعُذْرٍ اهـ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الِاسْتِنَابَةِ آرَاءً أَحَدُهَا لَا تَجُوزُ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالنَّوَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ إلَّا إنْ أَخَذْنَا بِقَضِيَّةِ كَلَامِهِ السَّابِقِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ قَائِلٌ بِالْإِطْلَاقِ قَوْلُهُ مِنْ وَلِيَ وَظِيفَةً وَأُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ مُبَاشَرَتِهَا لَا يَسْتَحِقّ مَعْلُومَهَا لِأَنَّهَا جَعَالَةٌ وَهُوَ لَمْ يُبَاشِرُ اهـ.
لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ فَاسْتَنَابَ اسْتَحَقَّ وَالثَّانِي الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ ابْنُ عَسَاكِرَ وَالْبَهَاءُ السُّبْكِيّ كَأَبِيهِ إلَّا عَلَى احْتِمَالٍ مَرَّ عَنْ الْغَزِّيِّ وَالْبَعْلَبَكِّيِّ وَالْحُسْبَانِيِّ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ اسْتَحَقَّ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَيْهِ السُّبْكِيّ عَلَى احْتِمَالٍ مَرَّ عَنْ الزَّرْكَشِيّ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ آخِرُ كَلَامِهِ وَالدَّمِيرِيِّ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَيُوَافِقُهُ إفْتَاءُ التَّاجِ الْفَزَارِيّ بِاسْتِحْقَاقِ الْمُكْرَهِ السَّابِقِ إذْ الْمُكْرَهُ
стр. 866
شَرْعًا كَالْمُكْرَهِ حِسًّا وَحَيْثُ مَنَعْنَاهُ مِنْ الِاسْتِبَانَةِ فَغَابَ غَيْبَةً تُشْعِرُ بِالْإِعْرَاضِ قَرَّرَ النَّاظِرُ غَيْرَهُ، وَحَيْثُ جَوَّزْنَاهَا لَهُ فَإِنْ اسْتَنَابَ فَوَاضِحٌ، وَإِلَّا قَرَّرَ غَيْرَهُ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ، وَإِذَا شُرِطَتْ قِرَاءَةُ مَا تَيَسَّرَ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ حَالَ الشَّرْطِ عَلِمَهُ الْوَاقِفُ نَزَلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا اكْتَفَى بِمَا يُسَمَّى قِرَاءَةً كَجُمْلَةٍ أَفَادَتْ مَعْنَى مُسْتَقِلًّا لِصِدْقِ الِاسْمِ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ.
وَقَدْ قَالُوا: لَوْ قَالَ لِقِنِّهِ: إنْ قَرَأْت الْقُرْآنَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِقِرَاءَةِ جَمِيعِهِ أَوْ قُرْآنًا عَتَقَ بِقِرَاءَةِ بَعْضِهِ، وَالْفَرْقُ التَّعْرِيفُ وَالتَّنْكِيرُ وَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته؛ لِأَنَّ قُرْآنًا وَمَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى لَكِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْبَعْضَ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ مَا قَدَّمْته وَيَصِلُ لِلْوَاقِفِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَإِيصَالِ الْبِرِّ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، لَا نَفْسُ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ لِلْقَارِئِ بِالنَّصِّ فَلَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ لِغَيْرِهِ، وَمَرَّ بَعْضُ ذَلِكَ فَإِنْ دَعَا بِوُصُولِ مِثْلِهِ لِلْوَاقِفِ حَصَلَ لَهُ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ الدُّعَاءِ لَا مِنْ حَيْثُ الْقِرَاءَةِ، وَإِذَا شَرَطَ الْإِهْدَاءَ لَهُ وَلِآخَرِينَ عَيَّنَهُمْ وَجَبَ الْإِهْدَاءُ إلَيْهِمْ، وَإِنْ جُهِلَتْ قُبُورُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إلَيْهِمْ مُطْلَقًا.
وَالْوَقْفُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ إذْ قَدْ لَا يُعْلَمُ قَبْرُهُ فَيَتَعَذَّرُ الْإِتْيَانُ بِمَا شَرَطَهُ فَإِنْ قَالَ: وَقَفْت بَعْدَ مَوْتِي عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيَّ فَهُوَ وَصِيَّةٌ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ صَحَّ الْوَقْفُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ صَحَّتْ فِيهِ فَقَطْ، وَيَصِحُّ شَرْطُ إهْدَاءِ الثَّوَابِ أَوْ مِثْلِهِ فِي صَحَائِفَ مِنْ ذِكْرٍ وَصُورَةُ مَا يَدْعُو بِهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ ذَلِكَ أَوْ اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِثْلَ ثَوَابِ ذَلِكَ، إذْ الْمَعْنَى عَلَى مِثْلِ ثَوَابِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِنَصِيبِ ابْنِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى مَعْنَى مِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ اهـ
(وَسُئِلَ) عَنْ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ طَوِيلٌ بَيْن عُلَمَاءِ مِصْرَ وَنُقِلَتْ مَعَ أَجْوِبَةِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا إلَيْهِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فِي عِدَّةِ أَعْوَامٍ لِطَلَبِ جَوَابِهِ فِيهَا وَهُوَ يَمْتَنِعُ مِنْ الْكِتَابَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي فِيهَا لِبَعْضِ مَشَايِخِهِ فَخَشِيَ مِنْ تَغَيُّرِ خَاطِرِهِ إنْ وَقَعَ مِنْهُ مُخَالَفَةٌ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ لَمَّا تَأَكَّدَ الطَّلَبُ لِجَوَابِهِ اسْتَخَارَ اللَّهَ وَاسْتَعَانَ بِهِ فِي أَنْ يُلْهِمَهُ مَوَانِحَ التَّوْفِيقِ وَيَقْطَعَ عَنْهُ مَوَانِعَ التَّحْقِيقِ إنَّهُ الْجَوَّادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ وَأَفْرَدَ ذَلِكَ بِهَذَا التَّأْلِيفِ، وَسَمَّاهُ التَّحْقِيقُ لِمَا يَشْمَلُهُ لَفْظُ الْعَتِيقِ) سَائِلًا مِنْ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَأَنْ يَحِلَّهُ، تَقَبَّلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ بِفَضْلِهِ أَعَالِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ آمِينَ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ: أَمَّا السُّؤَالُ فَصُورَتُهُ مَا قَوْلُكُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ - وَنَفَعَ بِعُلُومِكُمْ الْمُسْلِمِينَ فِي مَكْتُوبِ وَقْفٍ عِبَارَتُهُ: جُعِلَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى عُتَقَاءِ الْوَاقِفِ بِالسَّوِيَّةِ الذَّكَر وَالْأُنْثَى وَالطَّوَاشِيَّةِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ مُدَّةَ حَيَّاتِهِمْ وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ إلَى بَاقِي الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ خَمْسُونَ نَفَرًا، فَإِذَا بَقِيَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ نَفَرًا قُسِّمَ رَيْعُ الْمَوْقُوفِ الْمُخْتَصِّ بِالْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ شَطْرَيْنِ شَطْرٍ: يُصْرَفُ لِلْعُتَقَاءِ الْخَمْسِينَ الْبَاقِينَ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْرُوحِ وَالشَّطْرِ الثَّانِي: يُصْرَفُ لِلْخُدَّامِ بِالْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى الْحَالِّ بِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَالْفَرَّاشِينَ وَالْوَقَّادِينَ بِالْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ، فَهَلْ قَوْلُهُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ خَمْسُونَ نَفَرًا يَخْتَصُّ بِمَنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ أَمْ لَا فَإِذَا قُلْتُمْ يَخْتَصُّ وَقَدْ انْقَرَضَ الَّذِينَ بَاشَرَهُمْ الْعِتْقُ بِأَسْرِهِمْ وَبَقِيَ الْآنَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلَى الْخَمْسِينَ، فَهَلْ يَكُون ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قِسْمَةِ الرَّيْعِ شَطْرَيْنِ بَيْنهمْ وَبَيْن جِهَةِ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ، وَيَسْتَحِقُّ أَوْلَادُ الْعُتَقَاءِ جَمِيعُ الرَّيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَتِيقَ الزَّائِدَ عَلَى الْخَمْسِينَ كَأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِوُجُودِ وَلَدِهِ الْمُسْتَحَقِّ لِنَصِيبِهِ أَمْ لَا؟ وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟
هَذَا لَفْظُ السُّؤَالِ وَأَمَّا الْأَجْوِبَةُ عَنْهُ فَمِنْهَا: أَنَّهُ أَرَادَ الْوَاقِفُ بِقَوْلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ خَمْسُونَ نَفَرًا مَا يَشْمَلُ حَقِيقَتَهُ وَمَجَازَهُ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ الرِّقِّ عَنْ الْأَصْلِ تَتَضَمَّنُ إزَالَةَ الرِّقِّ عَنْ الْفَرْعِ فَكَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، فَلَا يَدْخُلُ لِجِهَةِ الْحَرَمِ رَيْعُ الْوَقْفِ مَا بَقِيَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْعُتَقَاءَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ نَفَرًا لِاسْتِحْقَاقِهِمْ حِينَئِذٍ
стр. 867
لِجَمِيعِ الرَّيْعِ، وَمِنْهَا قَوْلُ الْوَاقِفِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ خَمْسُونَ نَفَرًا لَا يَخْتَصُّ بِمَنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْعُتَقَاءُ الَّذِينَ بَاشَرَهُمْ الْعِتْقُ بِأَسْرِهِمْ وَبَقِيَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ عَدَدٌ يَزِيد عَلَى الْخَمْسِينَ كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قِسْمَةِ الرَّيْعِ شَطْرَيْنِ بَيْنهمْ وَبَيْنَ جِهَةِ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ، وَيَسْتَحِقُّ أَوْلَادُ الْعُتَقَاءِ جَمِيعَ الرَّيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَتِيقَ الزَّائِدَ عَلَى الْخَمْسِينَ كَأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِوُجُودِ وَلَدِهِ الْمُسْتَحِقِّ لِنَصِيبِهِ، فَالْمَوْجُودُ بِوُجُودِ أَوْلَادِهِ هُوَ الْعَتِيقُ الَّذِي بَاشَرَهُ الْعِتْقُ فَهُوَ لَمْ يَنْقَرِضْ، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ بِوُجُودِ نَصِيبِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَصَبَةَ كُلِّ عَتِيقٍ يَقُومُونَ مَقَامَ ذَلِكَ الْعَتِيقِ فَكَأَنَّ ذَلِكَ الْعَتِيقَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ وَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا بِوُجُودِ عَصَبَتِهِ فَلَمْ يَنْقَرِضْ الْعُتَقَاءُ الْخَمْسُونَ، بَلْ مَنْ وُجِدَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَأَوْلَادُهُ، فَهُوَ مَوْجُودٌ وَمِنْهَا حَيْثُ كَانَ الْأَوْلَادُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ عَدَدُ جُمْلَتِهِمْ تَزِيدُ عَلَى الْخَمْسِينَ نَسَلُوا عَنْ الْعُتَقَاءِ يَزِيدُ عَدَدُ جُمْلَتِهِمْ عَلَى خَمْسِينَ، فَجَوَابِي كَهَذَا الْجَوَابِ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَادَ الْمَذْكُورِينَ يَسْتَحِقُّونَ جَمِيعَ الرَّيْعِ دُونَ قِسْمَتِهِ بَيْنَهُمْ وَبَيْن خِدْمَةِ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ عَلَى سَاكِنِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لِأَنَّ الْوَاقِفَ جَعَلَ الْفَرْعَ قَائِمًا مَقَامَ أَصْلِهِ وَحَائِزًا لِنَصِيبِهِ فَيَكُونُ الْأَصْلُ الْعَتِيقُ مَوْجُودًا شَرْعًا بِوُجُودِ فَرْعِهِ حِسًّا.
وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ قَائِمُونَ مَقَامَهُمْ وَخَالَفَ قَائِلِيهَا آخَرُونَ فَأَجَابُوا بِأَجْوِبَةٍ مُخَالِفَةٍ لَهَا وَارِدَةٍ عَلَيْهَا مِنْهَا لَا يَشُكُّ شَاكٍّ أَنَّ الْعُتَقَاءَ حَقِيقَةٌ، فِيمَنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ وَلَا يَجُوز حَمْلَهُ عَلَى مَجَازِهِ، وَهُوَ مَنْ شَمِلَهُ نِعْمَةُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ أَقْصَى مَا يَتَمَحَّلُ لِهَذَا الْمَجَازِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ عَلَاقَةٌ مُصَحِّحَةٌ لِإِرَادَةِ الْمَجَازِ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَاَلَّتِي، وَهَذَا الْمِقْدَارُ غَيْرُ كَافٍ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ إرَادَةُ الْحَقِيقَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ، فَإِنْ قُلْت: إزَالَةُ الرِّقِّ عَنْ الْأَصْلِ تَتَضَمَّنُ الْإِزَالَةَ عَنْ فَرْعِهِ فَكَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ قُلْنَا: إنْ أَرَدْت أَنَّ إزَالَةَ الرِّقِّ عَنْ الْأَصْلِ إزَالَةٌ عَنْ فَرْعِهِ الْمَوْجُودِ فَهُوَ بَاطِلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ أَرَدْت بِهِ الْفَرْعَ الَّذِي سَيُوجَدُ فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهُ رِقٌّ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ، عَلَى أَنَّ الْفَرْعَ إذَا وُجِدَ حُرًّا لَمْ تَكُنْ حُرِّيَّتَهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَتِيقَ الْمَذْكُورَ إذَا تَزَوَّجَ بِأَمَةِ الْغَيْرِ فَأَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا لِلْغَيْرِ، فَأَيُّ رِقٍّ أَزَالَهُ عَنْ فَرْعِهِ بِإِزَالَتِهِ عَنْ أَصْلِهِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ: انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ فَلَيْسَ مُطْلَقًا بَلْ مُغَيًّا إلَى غَايَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا يَجُوز إلْغَاؤُهَا وَهِيَ بُلُوغُ عَدَدِ الْعُتَقَاءِ خَمْسِينَ فَإِنْ قُلْت: إذَا بَقِيَ مِنْ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلَى الْخَمْسِينَ كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قِسْمَةِ الرَّيْعِ شَطْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَتِيقَ الزَّائِدَ عَلَى الْخَمْسِينَ إذَا مَاتَ عَنْ وَلَدٍ صَارَ كَأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِوُجُودِ وَلَدِهِ الْمُسْتَحِقِّ لِنَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ عَصَبَةَ كُلِّ عَتِيقٍ يَقُومُونَ مَقَامَ ذَلِكَ الْعَتِيقِ، فَلَمْ يَنْقَرِضْ الْعُتَقَاءُ الْخَمْسُونَ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ لِنَصِيبِ الْأَبِ يَجْعَلُ الْأَبَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ، وَعَصَبَةُ الْعَتِيقِ لَا تَقُومُ مَقَامُ الْعَتِيقِ فِي وُجُودِهِ بَلْ تَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ الَّذِي كَانَ لَهُ لَا غَيْرُ إلَى الْغَايَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ عَلَى أَنَّهُ إذَا قُلْتُمْ: إنَّ الْعَصَبَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعَتِيقِ يَلْزَمُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْأَوْلَادِ الْمَوْجُودِينَ الْآنَ الزَّائِدِينَ عَلَى الْخَمْسِينَ، هَلْ هُمْ أَوْلَادُ خَمْسِينَ مِنْ الْعُتَقَاءِ فَمَا دُونَهُمْ؟ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولُوا: بِقِسْمَةِ الرَّيْعِ شَطْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَصَبَةَ وَإِنْ تَعَدَّدُوا يَقُومُونَ مَقَامَ أَصْلِهِمْ الْوَاحِدِ فَتَحَقَّقَتْ الْغَايَةُ، فَكَيْفَ يَكُون الْعَدَدُ الزَّائِدُ عَلَى الْخَمْسِينَ مِنْ الْأَوْلَادِ مُطْلَقًا مَانِعًا مِنْ قِسْمَةِ الرَّيْعِ، فَإِنْ قُلْت الْوَاقِفُ جَعَلَ الْوَلَدَ قَائِمًا مَقَامَ أَصْلِهِ وَحَائِزًا لِنَصِيبِهِ فَيَكُونُ الْأَصْلُ الْعَتِيقُ مَوْجُودًا شَرْعًا بِوُجُودِ فَرْعِهِ حِسًّا قُلْنَا: الْوَاقِفُ لَمْ يَجْعَلُ الْفَرْعَ قَائِمًا مَقَامَ الْأَصْلِ فِي الْوُجُودِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُسْتَحِقًّا لِنَصِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا شَرْعًا، بَلْ الْمَوْجُودُ شَرْعًا وَحِسًّا إنَّمَا هُوَ فَرْعُهُ لِانْتِقَالِ نَصِيبِ وَالِدِهِ الَّذِي قَدْ مَاتَ إلَيْهِ لَا يَسَعُ أَحَدًا أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ سِيَّمَا مِنْ مَارْسَ الْمَنْقُولَ وَالْمَعْقُولَ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَا يُسْتَرَابُ وَالصَّوَابَ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ أُولُو الْأَلْبَابِ أَنَّهُ إذَا انْقَرَضَ الْعُتَقَاءُ الَّذِينَ بَاشَرَهُمْ الْعِتْقُ، وَبَقِيَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلَى الْخَمْسِينَ سَوَاءٌ نَشَئُوا عَنْ خَمْسِينَ فَمَا
стр. 868
دُونَهُمْ مِنْ الْأُصُولِ أَوْ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مِنْهُمْ، قُسِّمَ رَيْعُ الْوَقْفِ شَطْرَيْنِ شَطْرٍ لِلْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ وَشَطْرٍ لِأَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى حُكْمِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ عَمَلًا بِصَرِيحِ قَوْلِهِ بِظَاهِرِ عِبَارَتِهِ.
وَلَا يَتَشَبَّثُ بِمَا تَوَهَّمَهُ الْمُخَالِفُونَ مِنْ ارْتِكَابِ التَّمَحُّلَاتِ الْبَعِيدَةِ وَالتَّكَلُّفَاتِ الشَّدِيدَةِ الْغَيْرِ سَدِيدَةٍ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الطَّبْعُ السَّلِيمُ وَالذِّهْنُ الْمُسْتَقِيمُ، وَمِنْهَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَمْهِيدَ مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ فَإِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى الْمَجَازِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَاعٍ يَدْعُوهُ لِتَرْكِ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ، وَإِلَّا لَكَانَ عَبَثًا، ثَمَّ عَلَاقَةٌ تَرْبِطُ بَيْن الْمَعْدُولِ عَنْهُ وَالْمَعْدُولِ إلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ إطْلَاقُ كُلِّ لَفْظٍ عَلَى كُلِّ مَعْنًى، ثُمَّ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَإِلَّا تَبَادَرَ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِمَّا لَا نِزَاعَ لِفَاضِلٍ فِيهِ لِإِطْبَاقِ كُتُبِ الْأُصُولِ، بَلْ وَكُتُبِ الْبَلَاغَةِ عَلَيْهِ غَالِبًا، وَلَوْ أَرَدْنَا الِاسْتِشْهَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَطَالَ الْحَالُ وَأَدَّى إلَى الْمَلَالِ.
لَا يُقَالُ: إنَّ الدَّاعِيَ إلَى التَّجَوُّزِ وَالْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا يَصْرِفُ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّا نَقُولُ: افْتِرَاقُهُمَا فِي عَدِّ كُلٍّ شَرْطًا عَلَى حِيَالِهِ يَأْبَى ذَلِكَ وَأَيْضًا فَالدَّاعِي شَرْطٌ لِلْعُدُولِ، وَمَعْنَاهُ جَوَازُ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ إلَى غَيْرِهَا، وَالْقَرِينَةُ شَرْطٌ لِمَنْعِ تَبَادُرِ الْحَقِيقَةِ لِأَصَالَتِهَا، وَاخْتِلَافُ الْأَثَرَيْنِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُؤَثِّرَيْنِ، وَأَيْضًا فَاعْتِبَارُ الْقَرِينَةُ بَعْد اعْتِبَارِ الدَّاعِي بَلْ وَبَعْدَ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ لِمَا لَا يَخْفَى مِنْ أَنَّ طَلَبَ مَا يُصَحِّحُ الْإِطْلَاقَ الْمَجَازِيَّ لَا يَحْسُنُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا يَجُوز الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَإِنْ طَلَبَ مَا يَمْنَعُ مُبَادَرَةِ الْأَصْلِ إنَّمَا يَتَأَتَّى بَعْدَ صِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْفَرْعِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضْنَا لِذَلِكَ لِادِّعَاءِ بَعْضِ الْأَعْيَانِ لَهُ عِنْد مُنَاصَرَتِهِ فِيمَا كَتَبَ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ لِمَا عَرَفَهُ، وَإِذَا تَمَهَّدَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَتَأَكَّدَتْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ فَاعْلَمْ أَنَّ حَامِلَ الْعَتِيقِ فِي هَذَا السُّؤَالِ عَلَى مَا يَشْمَلُ وَلَدَهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ الْجَادَّةَ، وَهِيَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ مَجَازٌ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُعْتَمَدُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَارِحِهِ الْعَضُدِ وَالتَّاجِ السُّبْكِيّ وَغَيْرِهِمْ
بِدَلِيلِ سَوْقِهِمْ مَا عَدَا ذَلِكَ مَسَاقَ الْآرَاءِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَذَاهِبِ الْمَرْجُوحَةِ لِتَصْدِيرِهِمْ الْأَوَّلِ وَتَرْجِيحِهِ وَتَأْخِيرِهِمْ الثَّانِيَ وَتَوْهِينِهِ، أَوْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهِيَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ عَلَى التَّوْزِيعِ.
وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالْمُتَجَوِّزُ مُطَالَبٌ بِالدَّاعِي لِمَا سَبَقَ، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ الِاخْتِصَارُ لَوْ عَبَّرَ عَنْ الْمَعْنَيَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، أَمَّا حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ كُلِّ مَعْنَى بِلَفْظٍ فَأَنَّى يَدَّعِي لَهُ الِاخْتِيَارَ، وَكَيْفَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الْبَيَانِ، وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ إمَّا فَرْعُ الْعَتِيقِ أَوْ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْعَتِيقِ مَعَ فَرْعِهِ، وَكَوْنُ لَفْظِ الْعَتِيقِ بِمُفْرَدِهِ أَوْضَحُ دَلَالَةً عَلَى الْفَرْعِ أَوْ عَلَيْهِ مَعَ أَصْلِهِ مِنْ لَفْظِ الْوَلَدِ أَوْ الْعَتِيقِ وَوَلَدِهِ مِمَّا لَا يُدَّعَى إلَّا سَهْوًا أَوْ عِنَادًا، لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَا لَمْ تُهْجَرُ أَوْضَحُ دَلَالَةً عَلَى الْمَعْنَى مِنْ الْمَجَازِ، وَلَوْ احْتَفَّ بِقَرَائِنَ شَتَّى؛ لِأَنَّ قُصَارَى أَثَرِ الْقَرَائِنِ أَنْ تُلْحِقَ الْمَجَازَ فِي الْوُضُوحِ بِالْحَقِيقَةِ، وَأَنَّى لَهُ بِالْقَرَائِنِ بَلْ بِالْقَرِينَةِ الْوَاحِدَةِ، فَكَيْفَ بِالْمُسَاوَاةِ فَضْلًا عَنْ الزِّيَادَةِ؟ ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ زَعْمُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِنْد تَعْدِيدِ أَقْسَامِ الدَّاعِي أَنَّ بَعْضَ الْمَجَازَاتِ أَوْضَحُ دَلَالَةً مِنْ الْحَقِيقَةِ لِقَوْلِ السَّعْدِ فِي التَّلْوِيحِ بَعْدَ مَا أَوْرَدَ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِالْمَعْنَى مَا يُقْصَدُ مِنْ اللَّفْظِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا كَالْحُجَّةِ وَالْعِلْمِ مَثَلًا، فَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ دَلَالَةَ لَفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ عَلَيْهِ أَوْضَحُ عِنْد الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ مِنْ دَلَالَةِ لَفْظِ الشَّمْسِ وَالثَّوْرِ، وَلَوْ مَعَ أَلْفِ قَرِينَةٍ، فَإِنْ فَرَضْنَا الظَّفَرَ بِالدَّاعِي بَقِيَتْ الْمُطَالَبَةُ بِالْقَرِينَةِ الْمُصَحِّحَةِ، فَإِنْ قِيلَ: هِيَ كَوْنُ الْوَلَدِ قَائِمًا مَقَامَ أَبِيهِ وَحَائِزًا نَصِيبَهُ عِنْد عَدَمِهِ وَمُكْتَسِبَ الْحُرِّيَّةِ عَنْ حَرِيَّتِهِ، قُلْنَا: هَذِهِ الْعَلَاقَة مَعَ مَا فِيهَا قُصَارَى أَمْرِهَا أَنْ تُصَحِّحَ إطْلَاقَ الْعَتِيقِ مَجَازًا عَلَى وَلَدِهِ لَيْسَ غَيْرُ.
وَلَيْسَ هَذَا الْمَجَازُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا عَلَى كِلْتَا الطَّرِيقَتَيْنِ لِمَا لَا يَخْفَى، فَيَبْقَى الطَّلَبُ مُتَعَلِّقًا بِعَلَاقَةِ هَذَا الْمَجَازِ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ الْكُلُّ الْمَجْمُوعِيُّ، وَعَزَّ أَنْ يَظْفَرَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْمَوْلَى سَعْدُ الدِّينِ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ إنْ أُرِيدَ الْمَجْمُوعُ لَا مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالْمَجْمُوعِ مِنْ
стр. 869
حَيْثُ هُوَ، بَلْ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ كَانَ شَامِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ لَكِنَّ تَصْحِيحَ هَذَا الْمِثَالِ وَبَيَانَ الْعَلَاقَةِ فِيهِ مُشْكِلٌ، وَحَدِيثُ اسْتِعْمَالِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ كَاذِبٌ لِمَا سَمِعْتَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَا أَسْلَفَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الثَّالِثِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ إطْلَاقُهُ عَلَى مَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنَاطًا لِلْحُكْمِ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ وَلَا نِزَاعَ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَجَوَازِهِ مَجَازًا إنْ قَامَتْ عَلَاقَةٌ مُصَحِّحَةٌ، فَإِنْ قِيلَ: عَلَاقَةُ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ مُتَحَقِّقَةٌ قَطْعًا قُلْنَا: لَيْسَ كُلُّ مَا يُعْتَبَرُ جُزْءًا مِنْ مَجْمُوعٍ يَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِهِ عَلَيْهِ لِلْقَطْعِ بِامْتِنَاعِ إطْلَاقِ الْأَرْضِ عَلَى مَجْمُوعِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا جُزْؤُهُ، وَهَذَا مِنْهُ تَصْرِيحٌ أَوْ كَالتَّصْرِيحِ بِالْعَجْزِ عَنْ إثْبَاتِ الْعَلَاقَةِ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَجَازِ وَأَنَّ أَبْلَغَ مَا يَتَبَادَرُ عَلَاقَةُ مَا أَبْدَاهُ وَدَفْعُهُ عَلَى تَقْدِيرِي: الْكُلُّ الْمَجْمُوعِيُّ وَالْكُلُّ الْإِفْرَادِيُّ. فَإِنْ قُلْتَ: الَّذِي اسْتَظْهَرْت بِهِ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ، وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، قُلْتُ: هُمَا مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ حَتَّى قَالَ السَّعْدُ فِي الْحَاشِيَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ ذِكْرَ الرَّابِعِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْتَرَكِ: وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، بَلْ رُبَّمَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِذِكْرِ الْمُشْتَرَكِ نَظَرًا إلَى أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِالشَّخْصِ وَالْمَجَازِيِّ بِالنَّوْعِ سَلَّمْنَا الِاقْتِدَارَ عَلَى إبْدَاءِ الْعَلَاقَةِ بَقِيَتْ الْمُطَالَبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْقَرِينَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْقَرِينَةَ قِيَامُهُ مَقَامَ أَبِيهِ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ فِي الْعَلَاقَةِ قُلْنَا: دَعَوَا الْحِيرَةَ وَأَنْتُمْ بِالْخِيرَةِ بَيْنَ أَنْ تَجْعَلُوا مَا ذَكَرْتُمْ عَلَاقَةً كَمَا تَوَارَدْتُمْ عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَبَيْنَ أَنْ تَجْعَلُوهُ قَرِينَةً، فَإِنْ اخْتَرْتُمْ الْأَوَّلَ فَقَدْ أَسَلَفْنَا إبْطَالَهُ أَوْ الثَّانِيَ بَيَّنَّا إهْمَالَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا يُصْرَفُ عَنْ الشَّيْءِ وَيُبْعَدُ عَنْ إرَادَتِهِ غَيْرُ مَا يَقْرَبُ مِنْهُ وَيَرْبِطُ بِهِ، وَإِذَا صَارَ هَذَا مِنْ الْوُضُوحِ بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَأَيُّ مَجَازٍ لَا دَاعِيَةَ إلَيْهِ وَلَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْجَادَّةُ سَبِيلَ هَذَا الْمُتَجَوِّزِ، وَهُوَ مِمَّنْ رَأَى مَا رَأَى الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، فَبَعْدَ مُطَالَبَتِهِ بِالدَّاعِي وَالْعَلَاقَةِ فِي الْمَجَازِ.
وَاعْتِرَافُنَا بِأَنَّ مَا زَعَمَهُ ثَمَّ عَلَاقَةٌ يُمْكِنُ هُنَا لَنَا فِي تَضْعِيفِ مُعْتَمَدِهِ وَتَوْهِينِ مُسْتَنَدِهِ طُرُقٌ أَحَدُهَا: أَنَّ مَا نُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ ذَلِكَ مَسُوقٌ كَمَا مَرَّ مَسَاقَ الْأَقْوَالِ السَّقِيمَةِ وَالْآرَاءِ الضَّعِيفَةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ قَوْلُ الْكَمَالِ بْنِ أَبِي شَرِيفٍ - فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ - عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ (وَعَنْ الشَّافِعِيِّ حَقِيقَةٌ وَفِي التَّعْبِيرِ بِعَنْ إشَارَةٌ) إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، لِمَا ذَكَرْنَا يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ أَوَّلَ الْقَوْلَةِ، أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَحَكَاهُ عَنْهُ الْآمِدِيُّ وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: إنَّهُ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ لَكِنْ نَقْلَ النَّقْشَوَانِيُّ فِي التَّلْخِيصِ عَنْهُ أَنَّهُ مَجَازٌ كَمَا مَال إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِلْآمِدِيِّ اهـ.
وَلَا يُنَافِي اخْتِيَارُ التَّاجِ السُّبْكِيّ لِذَلِكَ مَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِهِ لِمِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ، مِنْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَابِ الْوَصَايَا مِنْ مَطْلَبِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ نَصَّهُ مِنْ الْأُمِّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي خَاتِمَةِ بَحْثِ الْمُشْتَرَكِ عَنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْأَشْبَهُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ لَا يُرَادُ بِهِ جَمِيعُ مَعَانِيهِ وَلَا يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى جَمِيعِهَا، ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيّ: فَسِيَاقُ كَلَامِهِ لَا يَقْتَضِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَأَى ذَلِكَ وَكَيْفَ وَقَدْ جَعَلَ الْأَشْبَهَ خِلَافَ ذَلِكَ اهـ.
ثَانِي الطُّرُقِ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كَمَا قَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي حَاشِيَةِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْمَحَلِّيِّ تَبَعًا لِلشَّارِحِ هُوَ مَا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ مَعَ الْحَقِيقَةِ، فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ الْحَقِيقَةِ وَحْدَهَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى قَصْدِ الْمَجَازِ وَحْدَهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ فَقَطْ، أَوْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ الْمَجَازِ وَلَا انْتِفَائِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَقَطْ. كَذَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَنْ وَالِدِهِ قَالَ: وَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: إذَا لَمْ يَظْهَرْ قَصْدٌ فَلَا مَدْخَلَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ فَإِنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَجَازِهِ بِقَرِينَةٍ اهـ. فَأَنْتَ تَرَى كَلَامَ الْكَمَالِ عَلَى هَذَا الْمَطْلَبِ كَمَالَ الْكَلَامِ، فَإِنْ رَجَعْتُمْ إلَى ادِّعَاءِ أَنَّ الْقَرِينَةَ قِيَامُ الْفَرْعِ مَقَامَ أَصْلِهِ فَجَوَابُكُمْ مَا أَسْلَفْنَاهُ عَلَى أَنَّا نَدَّعِي أَنَّ الْقَرِينَةَ عَلَى قَصْدِ الْحَقِيقَةِ كَنَارٍ عَلَى عَلَمٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاقِفَ وَقَفَ عَلَى عُتَقَائِهِ، وَهُمْ بِالِاتِّفَاقِ حَقِيقَةٌ فِيمَنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ
стр. 870
وَسَوَّى بَيْنَ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ وَضِدَّيْهِمَا ثَمَّ قَالَ: إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌّ أَوْ وَلَدُّ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ بِلَا مِرْيَةٍ وَمُقَرَّرٌ بِلَا شُبْهَةٍ أَنَّ الْوَلَدَ هُنَا حَقِيقَةٌ فِي فَرْعِ مَنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ، أَلَيْسَ الدَّلَّالَةُ عَلَى الْفَرْعِ بِلَفْظِ حَقِيقَتِهِ مِمَّا يُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَتِيقِ حَقِيقَتُهُ فَقَطْ دُونَ مَجَازِهِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمُدَّعٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ لَفْظَ عَتِيقٍ مُسْتَعْمَلٌ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِيمَنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ وَفِي فُرُوعِهِ، سَوَاءٌ أَقُلْنَا إنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ عَلَى التَّوْزِيعِ أَفَتَحْفَظُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْفُضَلَاءِ بَلْ مِنْ الْعُقَلَاءِ قَالَ: إذَا اجْتَمَعَ مِنْ لَافِظٍ وَاحِدٍ فِي تَعْبِيرٍ وَاحِدٍ حَقِيقَتَانِ أَلْغَيْنَا مَدْلُولَ أَحَدِهِمَا اعْتِبَاطًا وَجَعَلْنَاهُ مَدْلُولًا مَجَازِيًّا لِلْأُخْرَى، وَهَلْ ذَلِكَ إلَّا بِمَثَابَةِ رَأَيْتُ رَجُلًا شُجَاعًا إذَا غَابَ الْأَسَدُ خَلَفَهُ فِي شَجَاعَتِهِ، فَالْأَسَدُ بِمَثَابَةِ الْعَتِيقِ لِتَأَصُّلِ الْوَصْفِ فِيهِ، وَالْغَيْبَةُ بِمَثَابَةِ الْمَوْتِ، وَالرَّجُلُ الشُّجَاعُ بِمَثَابَةِ الْوَلَدِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الشَّجَاعَةِ بِمَثَابَةِ قِيَامِ وَلَدِ الْعَتِيقِ مَقَامَهُ فِي حَوْزِ نَصِيبِهِ، وَلَا يَلِيقُ بِلَبِيبٍ وَلَا يَنْبَغِي لِأَرِيبٍ أَنْ يُخَالِجَهُ شَكٌّ أَوْ يُزَاحِمَهُ وَهْمٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسَدِ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْهَيْكَلُ السَّبُعِيُّ الْمَخْصُوصُ فَقَطْ، وَبِالرَّجُلِ الشُّجَاعِ الذَّكَرُ الْبَالِغُ مِنْ بَنِي آدَمَ وَإِلَّا لَزِمَ إهْمَالُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مَعَ تَأَتِّيهِ وَإِعْمَالُ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مَعَ عَدَم تَأَتِّيهِ.
وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَاهِدُ صِدْقٍ عَلَى مَا ادَّعَيْنَاهُ وَهُوَ مَا حَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي هَلْ يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِمَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِخُرُوجِهِمْ كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَحْفَادِي فَهَلْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ ثَمَّ حَقِيقَتَيْنِ أَعْمَلَ كُلَّ مِنْهُمَا فِي مَدْلُولِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ لَهُ الْمَدْلُولُ الْمَجَازِيُّ مَكَانًا تَنَزَّلْنَا حَيْثُ لَا مُنَزَّلَ، وَكُلِّفْنَا الْقَوْلَ بِمُسَاوَاةِ التِّبْرِ لِلتُّرَابِ الْأَسْفَلِ، وَسَلَّمْنَا مَا ادَّعَيْتُمُوهُ قَرِينَةً أَفَلَا تَجْعَلُونَهُ مُسَاوِيًا لِقَرِينَتَا فَيَتَعَارَضَانِ فَيَتَسَاقَطَانِ وَنَرْجِعُ إلَى الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ لِمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ الْكَمَالِ، فَإِنْ قُلْتَ إنَّ الْكَمَالَ عَقَّبَ مَا حَكَيْتَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ كَثْرَةً يُوَازِي بِهَا الْحَقِيقَةَ بِحَيْثُ يَتَسَاوَيَانِ، فَهُمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْقَوَاطِعِ لِابْنِ السَّمْعَانِيِّ قُلْنَا: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] أَتَقَوَّلُ: إنَّ لَفْظَ عَتِيقٍ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مَنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ كَهُوَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَهُ؟ وَأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ فَهْمًا وَبِدَارًا إلَى الذِّهْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَلْتَزِمُ ذَلِكَ اللَّهُمَّ مَنْ أَغْشَى التَّعَصُّبُ بَصَرَ بَصِيرَتِهِ وَحَلَّى ظَاهِرَهُ بِتَعْطِيلِ سَرِيرَتِهِ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ وَتَبَيَّنَ مَا نَهَيْنَا عَلَيْهِ فَالْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا خَطَأَ يَعْتَرِيهِ، أَنْ يَسْتَحِقَّ أَهْلُ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ مُشَاطَرَةَ الْعُتَقَاءِ فِي الرَّيْعِ عِنْدَ بُلُوغِ الْعُتَقَاءِ بِالتَّنَاقُصِ خَمْسِينَ نَفَرًا كَمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، وَعَدَمُ قِيَامِ أَوْلَادِ الزَّائِدِينَ عَلَى خَمْسِينَ مَقَامَهُمْ فِي الْعَدِّ عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ لِحِرْمَانِهِمْ، وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يُهْدِي السَّبِيلَ، هَذَا بَعْضُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ وَالثَّانِي مِنْهَا لِمَالِكِيٍّ وَالرَّابِعُ لِحَنَفِيٍّ وَالْبَقِيَّةُ لِلشَّافِعِيَّةِ، فَهَلْ تَعْتَمِدُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَاذَا مِنْهَا فَإِنَّ الْخَطْبَ فِيهَا عَظِيمٌ بَيْنَ الْمُفْتِينَ، وَالتَّنَازُعُ الشَّدِيدُ فِي تَحْرِيرِهَا قَدْ تَفَاشَى بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَوُلَاةِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ بِحَيْثُ إنَّ كَثِيرِينَ أَفْتَوْا ثَمَّ رَجَعُوا ثَمَّ أَفْتَوْا وَصَمَّمُوا، وَلَمْ تَزَلْ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّنَاقُضِ وَالتَّخَالُفِ، فَلَعَلَّ بِجَوَابِكُمْ يَحْصُلُ التَّوَافُقُ وَالتَّآلُفُ، جَزَاكُمْ اللَّهُ خَيْرًا عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَمَتَّعَكُمْ بِقُرْبِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ فِي بَلَدِهِ الْأَمِينِ آمِينَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا ذُكِرَ فِي الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ، الْأَوَّلُ: مِنْ قِيَامِ الْوَلَدِ مَقَامَ أَبِيهِ لِلْقَرِينَةِ الَّتِي أَشَارُوا إلَيْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ، وَذِكْرُ الْقَرِينَةِ لِمَزِيدِ التَّقْوِيَةِ وَدَفْعِ الْخِلَافِ لَا لِاشْتِرَاطٍ لِمَا يَأْتِي فِيهِ هُوَ اللَّائِقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَالِاسْتِعْمَالَات الشَّرْعِيَّةِ أَوْ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ كُتُبِ الْأَوْقَافِ كَمَا سَتَرَاهُ مُصَرَّحًا بِهِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ.
وَمَا ذُكِرَ فِي الْجَوَابَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ عَدَمِ قِيَامِ الْوَلَدِ مَقَامَ أَبِيهِ لِعَدَمِ اتِّضَاحِ الدَّاعِي إلَى التَّجَوُّزِ، وَالْعَلَاقَةِ الْمُصَحِّحَةِ، وَالْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ هُوَ اللَّائِقُ
стр. 871
بِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ لَكِنَّ الْمَدَارَ فِي الْفَتَاوَى إنَّمَا هُوَ عَلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي كَلَامِ الْوَاقِفِينَ دُونَ تَدْقِيقَاتِ الْأُصُولِيِّينَ وَالنُّحَاةِ وَغَيْرِهِمَا وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَيْسَ لِلْأُصُولِيِّ الْمَاهِرِ الْإِفْتَاءُ؛ لِأَنَّ الْمُفْتِي إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَعِلْمُ الْأُصُولِ وَحْدَهُ لَا يَنْفَعُهُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ فِي الْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَهُوَ مُرْتَبِطُ بِكَلَامِ أَئِمَّةِ الْفُرُوعِ دُونَ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ فَاتَّضَحَ أَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ وَحْدَهُ مَثَلًا لَا يُدَارُ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ فِي الْمَسَائِلِ الْجُزْئِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى عِلْمِ الْفُرُوعِ وَتَصَرُّفَاتِ أَهْلِهِ حَتَّى لَا يَسُوغُ لِلْمُفْتِي الْخُرُوجُ عَنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمْ وَحِينَئِذٍ قُلْنَا: هُنَا كَلَامَانِ (الْكَلَامُ الْأَوَّل) فِي بَيَانِ الْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ عَلَى شُمُولِ الْعُتَقَاءِ فِي عِبَارَةِ الْوَاقِفِ السَّابِقَةِ فِي السُّؤَالِ لِأَوْلَادِهِمْ، (الْكَلَامُ الثَّانِي فِي الْكَلَامِ) عَلَى تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ وَاحِدًا فَوَاحِدًا وَبَيَانِ مَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْمَقْبُولِ وَغَيْرِهِ.
وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ فِيمَا ذَكَرَ وَفِيهِ مَبْحَثَانِ (الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ) فِي تَحْقِيقِ خِلَافِ مَا أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْأَجْوِبَةُ الْخَمْسَةُ مِنْ أَنَّ أَوْلَادَ الْعَتِيقِ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ لَفْظُهُ إلَّا مَجَازًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّويَانِيَّ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا وَنَاهِيكَ بِهِ يَقُولُ: لَوْ أُحْرِقَتْ كُتُبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمْلَيْتُهَا مِنْ حِفْظِي قَالَ فِي بَحْرِهِ - الَّذِي هُوَ مِنْ أَجْلِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ - أَثَرُ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَقْفَ عَلَى الْمَوَالِي: فَرْعٌ لَوْ قَالَ: عَلَى مَوَالِي مِنْ أَسْفَلَ وَلِوَلَدِهِ مَوَالٍ مِنْ أَسْفَلَ، لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَوَالِيهِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَوَالِي وَلَدِهِ. ثَمَّ قَالَ فَرْعٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَيَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْمَوَالِي وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوَالِي الْمَوَالِي؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ مَوَالِيهمْ لَهُمْ دُونَهُ وَوِلَايَةَ أَوْلَادِهِمْ لَهُ دُونَهُمْ اهـ.
فَتَأَمَّلْ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ هَذَا وَفَرْقَهُ بَيْنَ أَوْلَادِ الْمَوَالِي وَمَوَالِي الْمَوَالِي، بِأَنَّ الْأَوَّلِينَ وَلَاؤُهُمْ لَهُ وَالْآخَرِينَ وَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِيهِ لَا لَهُ، تَجِدْهُ قَاضِيًا فِي مَسْأَلَتِنَا بِأَنَّ الْعُتَقَاءَ يَشْمَلُ أَوْلَادَ الْمُعْتَقِينَ بِالْمُبَاشَرَةِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، وَهَكَذَا فَيَصْدُقُ عَلَى الْكُلِّ صِدْقًا وَاحِدًا بِنَاءً عَلَى جَوَازِ بَلْ وُجُوبِ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ الْمُنْكَرِ أَمْ الْمُعَرَّفِ أَمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ خِلَافًا لِمَنْ فَرَّقَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَلْخِيصِهِ لِتَقْرِيبِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ الْبَاقِلَّانِيِّ عَنْ مَذَاهِبِ الْمُحَقِّقِينَ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ: إنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَحَكَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْعُيُونِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَحَمَلُوا مَنْ حَلِفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْإِنَاءِ عَلَى الْكَرْعِ وَالشُّرْبِ مِنْ الْإِنَاءِ، وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْكَرْعِ وَنَسَبَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ لِمَذْهَبِهِمْ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَعَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمَجَازِ؟
قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ إنَّهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَنَقَلَهُ السَّيْفُ الْآمِدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ، وَلِهَذَا حُمِلَتْ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ عَلَى الْجَمِيعِ وَقِيلَ: إنَّهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَمَالَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الَأَوَّلُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ مِنْ أَكَابِرِهِمْ: إنَّ وُجُوبَ حَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: إنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ دَالٌ عَلَى ذَلِكَ قَالَ جَمْعٌ: وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجِبْ فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا وَيَلْزَمَ التَّحَكُّمُ أَوْ تَعْطِيلُ النَّصِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَلَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ تَفْهِيمُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، فَيَصِيرُ انْتِفَاءُ الْقَرِينَةِ الْمُخَصِّصَةِ قَرِينَةً أَيْ قَرِينَةً عَلَى التَّعْمِيمِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي التَّدْبِيرِ: الْأَشْبَهُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا يُرَادُ بِهِ جَمِيعُ مَعَانِيهِ وَلَا يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى جَمِيعِهَا رَدُّوهُ بِأَنَّهُ بَحْثٌ مُخَالِفٌ لِمَنْقُولِ الْمَذْهَبِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ أَعْنَى
стр. 872
الرَّافِعِيَّ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ فِي مَوَاضِعَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ بَحْثَهُ لِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ تَبَعٌ لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ كَابْنِ الْقُشَيْرِيِّ. قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلْجَمِيعِ بَلْ لِآحَادِ مُسَمَّيَاتِهِ عَلَى الْبَدَلِ اهـ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تُعَيِّنُ أَحَدَ مَعَانِيهِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ وُجِدَتْ حُمِلَ عَلَيْهَا قَطْعًا.
(تَنْبِيهٌ) مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ أَنَّهُ يُوجِبُ حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ، هُوَ مَا اُشْتُهِرَ عَنْهُ فِي كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَقَالَ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ صَرِيحٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا اسْتَنْبَطُوا هَذَا مِنْ نَصِّهِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ أَعْلَى وَمِنْ أَسْفَلَ أَنَّهُ يُصْرَفُ لِلْجَمِيعِ، وَهَذَا اسْتِنْبَاطٌ لَا يَصِحُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ اسْمَ الْمَوْلَى مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ، وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَعِنْدَ هَذَا الِاحْتِمَالِ فَكَيْفَ يُحْكَى عَنْهُ ذَلِكَ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً. اهـ.
وَالْقَوْلُ بِالتَّوَاطُؤِ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى جِهَةِ التَّوَاطُؤِ، وَهُوَ الْمُوَالَاةُ وَالْمُنَاصَرَةُ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ شَيْخِهِ عِمَادِ الدِّينِ فِي الْمَطْلَبِ ثَمَّ رَدَّهُ بِمَا فِيهِ خَفَاءٌ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ بَابِ التَّوَاطُؤِ لَمْ يَأْتِ الْخِلَافُ: هَلْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَالْوَقْفُ أَوْ لَا؟ وَعَلَى الصِّحَّةِ هَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى الْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى أَوْ عَلَى الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ أَوْ يُوقَفُ؟ أَقْوَالٌ. فَاخْتِلَافُهُمْ فِيهِ كَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ لَا مِنْ بَابِ التَّوَاطُؤِ فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَيْضًا، وَبَانَ أَنْ تَجْوِيزَهُ احْتِمَالَ التَّوَاطُؤِ فِي لَفْظِ الْمَوْلَى غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ.
وَلَقَدْ قَالَ السُّبْكِيّ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: وَهَذَا الرَّجُلِ كُنْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ فِي إنْكَارِهِ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي إنْكَارِهِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ إذَا حُلِفَ بِهِ، ثَمَّ ظَهَرَ لِي مِنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي نَقْلٍ تَفَرَّدَ بِهِ لِمُسَارَعَتِهِ إلَى النَّقْلِ بِفَهْمِهِ، وَلَا فِي بَحْثٍ يُنْشِئُهُ لِخَلْطِهِ الْمَقْصُودَ بِغَيْرِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ الْحَدِّ جِدًّا، وَهُوَ كَانَ مُكْثِرًا مِنْ الْحِفْظِ وَلَمْ يَتَهَذَّبْ بِشَيْخٍ وَلَمْ يَرْتَضِ فِي الْعُلُومِ، بَلْ يَأْخُذُهَا بِذِهْنِهِ مَعَ جَسَارَتِهِ وَاتِّسَاعِ خَيَالِهِ وَشَغَبٍ كَثِيرٍ، ثَمَّ بَلَغَنِي مَنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي الْإِعْرَاضَ عَنْ النَّظَرِ فِي كَلَامِهِ جُمْلَةً، وَكَانَ النَّاسُ فِي حَيَاتِهِ اُبْتُلُوا بِالْكَلَامِ مَعَهُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ، وَحُبِسَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَنَا غَرَضٌ فِي ذِكْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ وَلَكِنْ لَهُ أَتْبَاعٌ يَنْعَقُونَ وَلَا يَعُونَ اهـ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ الْمُبَالَغَةَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ ثَمَّ عَقَّبْتُهُ بِكَلَامِ السُّبْكِيّ هَذَا؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ يَعْتَرِضُ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فِي حَمْلِهِمْ الْمُشْتَرَكَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ، وَيَحْتَجُّ بِكَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ هَذَا، وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا عَلَى حَمْلِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ كَمَا قَرَّرْتُ فِي مَحَلِّهَا، وَالِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ الشَّفَقَ عَلَى مَعْنَيَيْهِ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ غَفْلَةٌ عَنْ أَنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِهِ لَهُ بِالْأَحْمَرِ وُرُودُ التَّقْيِيدِ بِهِ فِي حَدِيثٍ، وَكَذَا حَيْثُ خَصَّصَ مُشْتَرَكًا بِأَحَدِ مَعَانِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ الدَّلِيلُ أَوْ قَرِينَةٌ كَمَا يُعْرَفُ بِتَأَمُّلِ مَوَاقِعِ كَلَامِهِ وَاسْتِنْبَاطَاته، ثَمَّ الْخِلَافُ فِي حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكُلِّيِّ الْعَدَدِيِّ أَيْ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَهُ يَدُلّ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ بِالْمُطَابَقَةِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ بِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُلَّ الْمَجْمُوعِيَّ أَيْ: يَجْعَلُ مَجْمُوعَ الْمَعْنَيَيْنِ مَدْلُولًا مُطَابِقًا كَدَلَالَةِ الْخَمْسَةِ عَلَى آحَادِهَا وَلَا الْكُلِّيِّ الْبَدَلِيِّ أَيْ: يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مَدْلُولًا مُطَابِقًا عَلَى الْبَدَلِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أُرِيدَ بِالْمُشْتَرَكِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ، وَأَمَّا إرَادَةُ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءَ الْمَعْنَى، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُصَيِّرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ.
وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْكُلِّيِّ الْمَجْمُوعِيِّ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ عَنَدَ الشَّافِعِيِّ كَالْعَامِّ اهـ. وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ الْأَكْثَرِ يُعْرَفُ بِتَحْرِيرِ أَنَّ حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعَانِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ أَوْ الِاحْتِيَاطِ؟ وَفِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا: وَعَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ كَالْعَامِّ وَأَنَّ نِسْبَةَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ إلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ كَنِسْبَةِ الْعَامِّ إلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ. وَالْعَامُّ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ
стр. 873
يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، فَكَذَا الْمُشْتَرَكُ وَتَضْعِيفُ النَّقْشَوَانِيِّ لَهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّفْظَ حِينَئِذٍ مُتَوَاطِئٌ لَا مُشْتَرَكٌ، وَبِأَنَّ الْأَئِمَّةَ لَمْ يُرِيدُوا الْعُمُومَ وَإِنَّمَا وَهْمُ النَّاقِلِ عَنْهُمْ ذَلِكَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ تَوْهِيمَهُمْ النَّاقِلَ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَهْمٌ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّ الْمُشْتَرَكُ كَالْعَامِّ فِي مَعْنَى اسْتِغْرَاقِهِ لِمَدْلُولَاتِهِ وَوُجُوبِ حَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِهَا حَيْثُ لَا قَرِينَةَ، فَهُوَ كَالْعَامِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَا أَنَّ الْأَفْرَادَ الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ كَالْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْعَامِّ حَتَّى يَلْزَمَ التَّوَاطُؤُ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَيْفَ وَأَفْرَادُهُ مَحْصُورَةٌ؟ بِخِلَافِ الْعَامِّ وَقَدْ حَمَلُوهُ عَلَى مَعَانِيهِ حَتَّى فِي النَّكِرَةِ الْمُفْرَدَةِ وَالْفِعْلِ مَعَ أَنَّهُ لَا عُمُومَ فِيهِمَا.
ثَانِيهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَخْرُ الرَّازِيّ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا: بِالتَّوَقُّفِ لَزِمَ تَعْطِيلُ النَّصُّ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى أَحَدِهَا لَزِمَ التَّحَكُّمُ فَلِمَ يَبْقَ إلَّا الْحَمْلُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ أَحْوَطُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَدْلُولَاتِ اللَّفْظِ بِأَسْرِهِمْ؛ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِالْخِطَابِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَحَدُهَا عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْكُلُّ.
وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: إنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْكُلِّ لَا لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَضْعًا، بَلْ لِأَنَّ اللَّفْظَ دَالٌّ عَلَى أَحَدِهَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِالْجَمِيعِ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ظَهَرَ وَاتَّضَحَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَوْلَى مُشْتَرَكٌ وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ، وَأَنَّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ تَنَاوُلِهِ لِأَوْلَادِ الْعَتِيقِ هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا نَقْضَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ فِيهِ ذَلِكَ ثَبَتَ فِي الْعُتَقَاءِ فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَكُونَ مُشْتَرَكًا كَالْأَوَّلِ؟ قُلْتُ: الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ تُعْلَمْ حَقِيقَتُهُ وَمَدْلُولُهُ وَمُسَمَّاهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ حَيْثُ قَالَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَكَانَ مِنْ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ غَالِبًا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الثَّلَاثِ يُعْرَفُ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْوَضْعُ الْمُعْتَبَرُ إمَّا وَضْعُ اللُّغَةِ وَهِيَ اللُّغَوِيَّةُ كَالْأَسَدِ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، وَإِمَّا وَضْعُ الشَّرْعِ وَهِيَ الشَّرْعِيَّةُ كَالصَّلَاةِ لِلْأَرْكَانِ، وَقَدْ كَانَتْ لُغَةً لِلدُّعَاءِ، وَإِمَّا وَضْعُ الْعُرْفِ وَهِيَ الْعُرْفِيَّةُ بِأَنْ يَنْقُلَ اللَّفْظَ أَهْلُ الْعُرْفِ عَنْ وَضْعِهِ الْأَصْلِيِّ إلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ.
وَالْأَصْلُ اللُّغَوِيَّةُ إذْ كُلٌّ مِنْ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ نَاقِلٌ لِلْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ إلَى غَيْرِهِ، فَالْوَضْعُ فِي اللُّغَوِيَّةِ غَيْرُهُ فِيهِمَا إذْ الْأَوَّلُ تَعْلِيقُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ مَعْنًى لَمْ يُعْرَفْ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْوَضْعِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: بِمَعْنَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لُغَةً، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الشَّارِعِ أَنَّهُ وَضَعَ لَفْظَ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ بَلْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِإِزَاءِ تِلْكَ الْمَعَانِي حَتَّى صَارَتْ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ مَهْجُورَةً، وَكَذَلِكَ الْعُرْفُ فَإِنَّ أَهْلَهُ لَمْ يَضَعُوا الْقَارُورَةَ مَثَلًا لِلظَّرْفِ مِنْ الزُّجَاجِ عَلَى جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ، كَمَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَضَعْ لَفْظَ الزَّكَاةِ لِقَطْعِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِ لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ، بَلْ صَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ شَرْعِيَّةً وَعُرْفِيَّةً بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ أَنْ يَسْبِقَهُ تَعْرِيفٌ بِتَوَاضُعِ الِاسْمِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لِلشَّرْعِ وَضْعًا كَاللُّغَةِ، فَإِنَّ الْوَضْعَ تَعْلِيقُ لَفْظٍ بِإِزَاءِ مَعْنًى لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ فِي سَبَبِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: إعْلَامُ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ وَفِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ: كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ وَفِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ الْمُرَادُ بِالشَّرِيعَةِ: اللَّفْظَةُ الَّتِي اُسْتُفِيدَ وَضْعُهَا لِلْمَعْنَى مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ مَا كَانَ مَعْنَاهُ ثَابِتًا بِالشَّرْعِ فَالِاسْمُ مَوْضُوعٌ لَهُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: تَارَةً يُسْتَفَادُ الْمَعْنَى مِنْ الشَّرْعِ وَاللَّفْظُ مِنْ اللُّغَةِ وَتَارَةً عَكْسُهُ وَالْكُلُّ أَسَامٍ شَرْعِيَّةٌ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ كُلُّ مَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ مِمَّا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ أَوْ وَإِنْ وَافَقَهُ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، فَإِطْلَاقُ حَمَلَةُ الشَّرْعِ لَفْظَ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ فِي مَوَاضِعَ لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى صَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ إلَى مَجَازِهِ الشَّرْعِيِّ، إذْ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ مَتَى أَمْكَنَتْ لَمْ يَكُنْ بِنَا حَاجَةٌ إلَى ادِّعَاءِ الْمَجَازِ الشَّرْعِيِّ.
وَتَنْقَسِمُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَى أَرْبَعَة أَقْسَامٍ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى مَعْلُومَيْنِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوا ذَلِكَ الِاسْمَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى كَلَفْظَةِ الرَّحْمَنِ لِلَّهِ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا غَيْرَ مَعْلُومَيْنِ
стр. 874
لَهُمْ كَأَوَائِلِ السُّوَرِ، الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمُوا اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى كَلَفْظِ الصَّلَاةِ، الرَّابِعُ: عَكْسُهُ كَلَفْظِ الْأَبِّ لِمَا تَأْكُلهُ الْبَهَائِمُ وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] قَالَ عُمَرُ: مَا الْأَبُّ؟ وَنُوزِعَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ نَقْلُ الشَّرْعِ لَفْظَةً لُغَوِيَّةً إلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ لُغَةً وَلَا يَعْرِفُهُمَا أَهْلُ اللُّغَةِ، وَنُوزِعَ أَيْضًا فِي وُقُوعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وُقُوعُهَا، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا أَبَا حَامِدٍ الْمَرْوَزِيَّ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَسَامِي بَاقِيَةٌ عَلَى وَضْعِهَا اللُّغَوِيِّ قَبْلَ الشَّرْعِ أَيْ: وَالشَّرْعُ إنَّمَا اعْتَبَرَ زِيَادَةَ أَرْكَانٍ وَشُرُوطٍ وَقُيُودٍ لِلِاعْتِدَادِ بِهَا، وَعَلَى هَذَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، وَالْقَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ اخْتَلَفُوا فَفِرْقَةٌ عَلَى إنَّهَا حَقَائِقُ وَضَعَهَا الشَّارِعُ مُبْتَكَرَةً لَمْ يُلَاحَظْ فِيهَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَصْلًا، وَلَيْسَ لِلْعَرَبِ فِيهَا تَصَرُّفٌ فَلَيْسَتْ مَجَازَاتٍ لُغَةً، فَإِنْ وُجِدَتْ عَلَاقَةٌ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، فَهُوَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهِ وَفِرْقَةٌ وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ تَجَوُّزًا بِأَنْ اُسْتُعِيرَ لَفْظُهَا لِلْمَدْلُولِ الشَّرْعِيِّ لِعَلَاقَةِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ، وَنَصُّ الْأُمِّ صَرِيحٌ فِيهِ فَالْحَاصِلُ: أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَافَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ قَدْ كَانَ لَهَا فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَحَقِيقَتُهَا مَا نَقَلَهَا الشَّارِعُ عَنْهُ وَمَجَازُهَا مَا نَقَلَهَا إلَيْهِ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا، ثَمَّ الْمُثْبِتُونَ اتَّفَقُوا عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْفَرْعِيَّةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الدِّينِيَّةِ كَالْإِيمَانِ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ ذَلِكَ وَبَيَّنَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ: أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ تَصَرَّفَ بِالزِّيَادَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لُغَةً الدُّعَاءُ فَأَبْقَاهُ وَزَادَ عَلَيْهِ مُعْتَبَرَاتٍ أُخَرَ وَبِالنَّقْصِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْحَجِّ، فَإِنَّهُ لُغَةً الْقَصْدُ وَبِالزِّيَادَةِ مِنْ وَجْهٍ وَالنَّقْصِ مِنْ وَجْهٍ كَالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَشَرْعًا إمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ مَعَ النِّيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَقُ عَلَى مَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ وَمَا فِي كَلَامِ جُمْلَةِ الشَّرْعِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ قَالَ: لَكِنَّ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، بَلْ عُرْفِيَّةً وَأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إذَا وُجِدَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْقَرِينَةِ مُحْتَمِلَةً الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَالشَّرْعِيَّ فَعَلَى أَيِّهِمَا تُحْمَلُ؟ فَمَنْ أَثْبَتَ النَّقْلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا مَرَّ قَالَ: إنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى عُرْفِ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ كُلَّ مُتَكَلِّمٍ يُحْمَلُ لَفْظُهُ عَلَى عُرْفِهِ وَقِيلَ: يَجِبُ الْوَقْفُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الَّتِي فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، أَمَّا الَّتِي فِي كَلَامِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ فَتُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ حَقَائِقُ عُرْفِيَّةٌ لَا حَاجَةَ لَهُمْ فِيهَا إلَى الْقَرِينَةِ كَمَا هُوَ حُكْمُ سَائِرِ الْحَقَائِقِ، وَإِذْ قَدْ اتَّضَحَ مَا قَرَّرْنَاهُ وَتَأَيَّدَ مَا بَيِّنَاهُ فِي الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْوَلَاءِ اتَّضَحَ مَا قُلْنَاهُ فِي الْعَتِيقِ: مِنْ أَنَّهُ كَالْمَوْلَى لِلْجَامِعِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَبَيَانُهُ: أَنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ عَلَى الْعَتِيقِ وَفُرُوعِهِ وَتَسْمِيَتَهُمْ مَوَالِيَ وَعُتَقَاءَ لَهُ إنَّمَا عُرْفٌ مِنْ الشَّارِعِ سِيَّمَا عِنْدَ تَوَهُّمِ أَقْوَامٍ فِي قَضِيَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ، فَبَالَغَ ﷺ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ عَلَى مِنْبَرِهِ الشَّرِيفِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْوَلَاءَ خَاصٌّ بِمَنْ أَعْتَقَ فَأَفْهَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا تَلَازُمًا فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ.
وَحِينَئِذٍ كَمَا سَمَّيْتُ أَوْلَادَ الْعَتِيقِ مَوَالِيَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً كَمَا مَرَّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَظَهَرَ بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ مَبَاحِثِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَذَا يُسَمُّونَ عُتَقَاءَ شَرْعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعْنِي انْجِرَارَ آثَارِ الْعِتْقِ إلَيْهِمْ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَسْمِيَتِهِمْ عُتَقَاءَ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا مِنْ الشَّارِعِ، فَلْيَكُنْ إطْلَاقُ لَفْظِ الْعَتِيقِ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَ بِإِلْحَاقِ الْأَبْنَاءِ بِالْآبَاءِ فِي أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُمْ مَا لِآبَائِهِمْ أَنَّ الْكُلَّ يُسَمُّونَ عُتَقَاءَ شَرْعًا حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْعَتِيقِ عَلَى الْأَوْلَادُ إنَّمَا هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ تَجَوُّزًا، وَقَدْ تَقَرَّرَ قَرِيبًا أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي لَمْ تُسْتَفَدْ إلَّا مِنْ كَلَامِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ تُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ اُسْتُفِيدَتْ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ تُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَوْلَى وَالْعَتِيقِ مِنْ شُمُولِهِمَا لِأَوْلَادِهِمَا مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَأَئِمَّةِ الشَّرْعِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، فَتَأَمَّلَهُ حَقَّ التَّأَمُّلِ يَظْهَرُ لَكَ أَنَّهُ الْحَقُّ الْوَاضِحُ وَالصِّدْقُ النَّاجِحُ وَأَنَّ مَا سِوَاهُ لَا يَصِلُ شَفَاهُ، وَإِذَا بَانَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ حَمْلُ
стр. 875
كَلَامِ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ وَلَا احْتِيَاجَ لِقَرِينَةٍ، وَحِينَئِذٍ اتَّضَحَ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَلْيُعْمَلْ بِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ مَتَى بَقِيَ مِنْ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ لَا يُصْرَفُ شَيْءٌ إلَى جِهَةِ الْحَرَمِ النَّبَوِيِّ عَلَى مَشْرِفِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَتَأَمَّلْ تَصْرِيحَ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ الْوَلَاءِ عَلَى قِسْمَيْنِ: وَلَاءُ الْمُبَاشَرَةِ وَوَلَاءُ الِاسْتِرْسَالِ وَالسِّرَايَةِ قَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَثْبُتُ عَلَى أَوْلَادِ الْعَتِيقِ وَأَحْفَادِهِ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ عَلَى أَبِيهِمْ، فَصَرَّحُوا بِأَنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ عَلَى فُرُوعِ الْعَتِيقِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ صَرَّحُوا بِأَنَّ لَفْظَ الْمَوْلَى مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَفُرُوعِهِ، فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا أَيْ شَرْعًا كَمَا قَدَّمْتُهُ وَلَمْ يُبَالُوا بِأَنَّ ثُبُوتَهُ فِي أَحَدِهِمَا إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّبَعِ لِمَا قَرَّرْتُهُ مِنْ أَنَّ أَئِمَّةَ الشَّرْعِ أَطْلَقُوهُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ إطْلَاقًا وَاحِدًا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْأَصْلِ نِعْمَةٌ عَلَى الْفَرْعِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقِ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ فَلَمَّا كَانَ حَقِيقَةً فِيهِمَا كَانَ مُشْتَرَكًا.
وَهَذَا جَمِيعُهُ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي إطْلَاقِ الْعَتِيقِ عَلَى مِنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ وَمَنْ سَرَى إلَيْهِ مَنْ فُرُوعِهِ، فَكَانَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِيهِمَا أَيْضًا فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ كَمَا تَقَرَّرَ، فَإِنْ قُلْتَ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ إطْلَاقُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْأَوْلَادِ لَا يَتَنَاوَلُ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَلَفْظِ الْمَوْلَى وَالْعَتِيقِ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ وَبَيَانُهُ أَنَّ هَذَيْنِ لَمْ يُعْرَفْ مَدْلُولُهُمَا إلَّا مِنْ الشَّارِعِ وَأَئِمَّةِ الشَّرْعِ فَحَسْبُ، فَلِمَ يَكُنْ لِلُّغَةِ فِيهِمَا مَدْخَلٌ حَتَّى يُقْضَى بِهَا عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْأَوْلَادِ فَإِنَّ لَهُ مَدْلُولًا لُغَوِيًّا لَمْ يَنْقُلْهُ الشَّارِعُ عَنْهُ وَلَا صَرَفَهُ إلَى غَيْرِهِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ، إذْ لَا مُعَارِضَ لَهُ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ، وَمَدْلُولُهُ اللُّغَوِيِّ هُوَ الْأَوْلَادُ حَقِيقَةً وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ مَجَازًا، وَإِذَا تَعَارَضَ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَة وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْمَجَاز مَعَهَا أَوْ وَحْدَهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَعَلَى هَذَا جَرَى أَصْحَابُنَا فِي بَاب الْوَقْف فَقَالُوا: لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَأَمَّا إلْحَاقُهُمْ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ بِالْأَوْلَادِ فِي بَاب الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهِ فَلِأَدِلَّةٍ وَمَدَارِكٍ تَخُصُّهَا فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمَوْلَى، وَلَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَتِيقِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَاهُ كَمَا تَقَرَّرَ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِمَّا يُسْتَفَادُ وَيُحْتَاجُ إلَيْهِ، إذْ بِهِ يَنْكَشِف إشْكَالٌ رُبَّمَا يُورَدُ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي دُخُولِ الْأَوْلَادِ دُون أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَدُخُولِ الْمَوْلَى وَأَوْلَادِهِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَوْلَى، وَمِثْلُهُ الْعَتِيقُ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ بَاشَرَهُ الْعِتْقُ وَأَوْلَادُهُ، فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي مَا قَرَّرْته فِي هَذَا الْمَبْحَثِ قَوْلُ السُّبْكِيّ فِي أَثْنَاءِ إيرَادٍ أَوْرَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَنَحْنُ إنَّمَا نَرْجِعُ فِي الْأَوْقَافِ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ وَاقِفِهَا سَوَاءٌ أَوَافَقَ ذَلِكَ عُرْفَ الْفُقَهَاءِ أَمْ لَا، قُلْت: لَا يُنَافِيهِ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَنْزِيلُ لَفْظِ الْوَاقِفِ عَلَى عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، أَمَّا إذَا أَمْكَنَ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيّ نَفْسُهُ فِي أَثْنَاءِ جَوَابِ هَذَا الْإِيرَادِ، فَإِنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ كَلَام الْوَاقِفِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ لَمْ يُخَالِفْ الْفُقَهَاءَ، قَالَ: فَقْد ظَهَرَ إمْكَانُ حَمْلِ كَلَامِ الْوَاقِفِ عَلَى مَا لَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَكَلَامَ الْفُقَهَاءِ، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ اهـ.
(الْمَبْحَث الثَّانِي) فِي بَيَانِ أَنَّا إذَا تَنَزَّلْنَا وَقُلْنَا: إنَّ لَفْظَ الْعَتِيقِ لَا يَشْمَلُ أَوْلَادَهُ إلَّا مَجَازًا، وَأَنَّ قَوْل الْوَاقِفِ السَّابِقَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ جَمْعٌ بَيْن الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ اللُّغَوِيَّيْنِ، فَالْأَوْجَهُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ، الْأَوَّلُ لِأُمُورٍ بَعْضُهَا ذَكَرَهُ أَئِمَّتُنَا فِي الْأُصُولِ، وَبَعْضُهَا ذَكَرَهُ أَئِمَّتُنَا فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَبَعْضُهَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْوَاقِفِ، الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الْإِيمَانِ جَوَازُ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَكَأَنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يَقِفْ عَلَى النَّقْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِمَا مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَهُوَ عَلَى مِنْوَالِ مَا سَبَقَ عَنْهُ فِي الْمُشْتَرَكِ، وَمَرَّ رَدُّهُ، وَمَنْ نَقَلَ عَنْ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ الْمَنْعَ وَأَطْلَقَ، فَقْد وَهِمَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ الْحَمْلَ لَا الِاسْتِعْمَالَ حَيْثُ قَالَ فِي تَقْرِيبِهِ، وَتَبِعَهُ الْإِمَامُ فِي تَلْخِيصِهِ: اعْلَمْ أَنْ إرَادَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إنَّمَا تَصِحُّ مِمَّنْ لَا يَخْطِرُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، لَكِنْ يُقْتَصَرُ عَلَى إرَادَةِ الْمُسَمَّيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِ وَجْهَ الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَجَرَى عَلَى
стр. 876
مِنْوَالٍ وَاحِدٍ فَجَوَّزَ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِمَا وَحَمَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَطْلَبِ نَصَّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأُمِّ عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا عَقَدَ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتَيْنِ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: إنَّهُ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الشَّافِعِيِّ أَيْ: بَلْ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] قِيلَ لَهُ: أَرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ الْجِمَاعَ؟ فَقَالَ: أَحْمِلُهُ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْوِقَاعِ مَجَازًا، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وَعَلَى مَحَلِّهَا، وَهُوَ الْمَسْجِدُ مَجَازًا بِدَلِيلِ: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]
وَأَمَّا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُمْ عُتَقَاءُ لَمْ يَدْخُلُوا مَعَ أَنَّهُمْ مَوَالِيهِ مَجَازًا بِالسَّبَبِيَّةِ، وَقَوْلُهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، بَلْ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ هُنَا عَيَّنَتْ الْحَقِيقَةَ وَحْدَهَا أَمَّا فِي الْأَوَّلِ؛ فَلِأَنَّ وَلَاءَ مَوَالِيهِمْ لَهُمْ دُونَهُ كَمَا مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّعْمِيمُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَقْرَبُ مِنْهُ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ اهـ.
وَفِيهِ خَفَاءٌ يَحْتَاجُ لِتَوْضِيحٍ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَوْلَادَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَأَوْلَادَ الْأَوْلَادِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي، فَإِرَادَةُ هَذَيْنِ الْحَقِيقَتَيْنِ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ بَعِيدَةٌ، إذْ لَا تَقْرِيبَ لِلِاسْتِعْمَالِ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سُمِّيَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ أَوْلَادًا مَجَازًا مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ الْأَوْلَادِ لِتِلْكَ الْعَلَاقَةِ مَعَ إرَادَةِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ لَا بُعْدَ فِيهِ نَظَرًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَلَاقَةِ الْمُقَرِّبَةِ لِلِاسْتِعْمَالِ فَاتَّضَحَ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بِعَدَمِ دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي الْأَوْلَادِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ مَعَ مَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْبُعْدِ بِخِلَافِ الثَّانِي، هَذَا وَالْأَوْلَى فِي الْفَرْقِ مَا أَشَرْتُ إلَيْهِ بِالْفَرْقِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ قَبْلَ الْمَبْحَثِ الثَّانِي فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنَّهُ أَوْضَحُ مِمَّا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إرَادَةِ اللَّافِظِ أَوْ قِيَامِ قَرِينَةٍ عَلَى إرَادَتِهِ، وَالْكَلَامُ فِي وَاقِفٍ لَمْ تُعْلَمْ إرَادَتُهُ وَلَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ ثَمَّ رَأَيْتُ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا مَرَّ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَطَعَ بِمَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ وَتَرَدَّدَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَقَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا: هُوَ عِنْدَنَا كَالْمُشْتَرَكِ وَإِنْ كَانَ التَّعْمِيمُ فِيهِ أَقْرَبَ قَلِيلًا اهـ.
وَسَبَبُ الْأَقْرَبِيَّةِ مَا أَشَرْت إلَيْهِ قَرِيبًا فَتَأَمَّلْهُ وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَامْتِنَاعِهِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَهُوَ بَعِيدٌ، فَإِنْ قُلْت: يُؤَيِّدُهُ مَا تَقَرَّرَ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعَانِيهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، قُلْت: لَا تَأْيِيدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي الْأَخِيرَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا هُوَ لِضَرُورَةِ وُجُودِ الْمَجَازِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ لَا مَجَازَ فِيهِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِقَرِينَةٍ، فَالِاحْتِيَاجُ لَهَا وَعَدَمُهُ أَمْرٌ خَارِجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ مَعَ وُجُودِهَا أَقْرَبُ مِنْهُ فِي الْجَمْعِ بِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ يَلْزَمُهُ مُحَاوَلَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ يُرَدُّ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ حَيْثُ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمَعَ اعْتِبَارٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ حَيْثِيَّتَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَاوَلَةُ جَمْعٍ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وَقَطْعًا فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأُصُولِيِّينَ تَعَقَّبَ الْقَاضِيَ فِي كَلَامِهِ هَذَا وَهُوَ جَدِيرٌ بِالتَّعَقُّبِ وَالرَّدِّ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ.
ثُمَّ رَأَيْت مَا ذَكَرْتُهُ عَنْ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا رَدَدْت بِهِ كَلَامَ الْقَاضِي، وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُطْلَقًا وَنَقَضَ عَلَيْهِمْ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ فَدَخَلَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا حَنِثَ نَظَرًا لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَقَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ: الْيَوْمُ الَّذِي أَدْخُلُ فِيهِ الدَّارَ عَبْدِي حُرٌّ عَتَقَ بِدُخُولِهِ لَهَا وَلَوْ لَيْلًا، وَقَوْلِهِمْ لَوْ أَخَذَ الْأَمَانَ لِبَنِيهِ دَخَلَ بَنُوهُ وَبَنُو بَنِيهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِنَا عَدَمُ الْحِنْثِ فِي الْأَوَّلِ إذَا دَخَلَ رَاكِبًا إذْ لَا قَرِينَةَ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ، وَفِي الثَّانِي مُوَافَقَتُهُمْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ طَلُقَتْ حَالًا وَلَوْ لَيْلًا، وَيَلْغُو ذِكْرُ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ وَإِنَّمَا سَمَّى الْوَقْتَ بِغَيْرِ اسْمِهِ كَذَا قِيلَ.
وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ؛
стр. 877
لِأَنَّ قَوْلَهُ: الْيَوْمُ الَّذِي أَدْخُلُ فِيهِ الدَّارَ فِي مَعْنَى التَّعْلِيقِ بِدُخُولِهَا فِي الْيَوْمِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ بِدُخُولِهَا لَيْلًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّعْلِيقُ بِالْيَوْمِ بِوَجْهٍ فَأُلْغِيَ وَفِي الثَّالِثِ عُدِمَ الدُّخُولُ كَمَا فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَحَيْثُ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَشَرْطُهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ، وَقِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ لَا تَنْفِي عَنْ اللَّفْظِ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ اهـ. قِيَامُ قَرِينَةٍ عَلَى الْمَجَازِ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَيْ: عَنْ الْقَرِينَةِ حَتَّى لَا يُنَافِيَ قَوْلَهُمْ السَّابِقَ.
وَحَمَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطْلَاقِ ثَمَّ أَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ إرَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ لِلْمَجَازِ، فَحِينَئِذٍ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا اخْتَصَّ بِالْحَقِيقَةِ وَلَوْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهَا قَرِينَةٌ خِلَافًا لِمَنْ اشْتَرَطَ الْقَرِينَةَ فِيهَا أَيْضًا فَقَالَ: لَا يُحْمَلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِمَا مَا إذَا ظَهَرَ قَصْدُ الْمَجَازِ بِقَرِينَةٍ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْحَقِيقَةِ أَوْ بِقَصْدِهِمَا مَعًا أَمَّا إذَا قَصَدَهَا فَقَطْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا قَطْعًا أَوْ قَصَدَهُ فَقَطْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَطْعًا، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدٌ لَمْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ إذْ اللَّفْظُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَجَازِهِ بِقَرِينَةٍ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ وَنَظِيرُهُ لَوْ أَوْصَى لِإِخْوَةِ فُلَانٍ، وَلَهُ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ قَالَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَخْتَصُّ بِالْإِخْوَةِ دُونَ الْأَخَوَاتِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَدْخُلْنَ أَيْضًا وَكَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ يَقْتَضِيهِ وَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُمَا إذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ بِأَنْ يَكْثُرَ الْمَجَازُ كَثْرَةً تُوَازِي الْحَقِيقَةَ تَسَاوَيَا فِيهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يُحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى قَرِينَةٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ إحْدَاهَا: أَنْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْحَقِيقَةِ ثَانِيهَا: أَنْ تَدُلَّ عَلَى إرَادَتِهِمَا جَمِيعًا ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ قَرِينَةٌ وَلَكِنْ لِلْمَجَازِ شُهْرَةٌ يُوَازِي بِهَا الْحَقِيقَةَ، وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِي الْكُلِّ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ: الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا رَابِعُهَا: حَالَةُ الْإِطْلَاقِ مَعَ عَدَمِ شُهْرَةِ الْمَجَازِ فَلَا يُحْمَلُ فِيهَا عَلَى الْمَجَازِ بِلَا خِلَافٍ، وَحَيْثُ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هُوَ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمِنْ ثَمَّ أَشَارَ الزَّرْكَشِيُّ إلَى ضَعْفِ مُقَابِلِهِ فَقَالَ: وَزَعَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ مَجَازٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ اهـ.
لَكِنْ وَافَقَ ابْنَ الْحَاجِبِ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَهِرَ الْمَجَازُ شُهْرَةً يُوَازِي بِهَا الْحَقِيقَةَ، أَوْ تَقُومَ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى إرَادَتِهِ وَمَا فِي السُّؤَالِ مِنْ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ اشْتَمَلَتْ عَلَى قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَوْلَادِ، بَلْ عَلَى قَرَائِنَ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ وَتَبِعَهُ الْأَصْحَابُ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِوَاحِدٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدَيْهِ وَلَهُ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَعَصَبَةٌ أُعْطِيَ السُّدُسَ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ حَتَّى لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ اهـ.
وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَدُ وَلَدَيْهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ مِنْ الصُّلْبِ إلَّا وَاحِدٌ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْوَلَدِ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ، فَاسْتُعْمِلَ فِيهِ لِأَجْلِ الْقَرِينَةِ وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَقْفِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى شُمُولِ الْوَلَدِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ التَّتِمَّةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَوْلَادٌ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ أَيْ لِلْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَلَدِ مَا يَشْمَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ، وَإِذَا تَأَيَّدَ جَوَابُ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِهَذَا فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ أَطْرَافُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَيَنْتَفِيَ عَنْهُ تَوَهُّمُ التَّنَاقُضِ الَّذِي ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ شَاهِدُ صِدْقٍ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى
стр. 878
فِي شُمُولِ الْوَلَدِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ بِأَدْنَى قَرِينَةٍ، فَكَذَا فِي الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي السُّؤَالِ يُكْتَفَى فِي شُمُولِهِمْ لِأَوْلَادِهِمْ بِأَدْنَى قَرِينَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ عَلَيْهِمْ وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ إلَى بَاقِي الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ إلَخْ مَا يَشْمَلُ الْعُتَقَاءَ حَقِيقَةً وَأَوْلَادَهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا مَجَازًا
فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّك إذًا لَا تَجِدُ بَيْنَ هَذِهِ وَالْقَرِينَةِ الَّتِي فِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ فَرْقًا أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، بَلْ هَذِهِ الْقَرِينَةُ أَوْضَحُ وَأَقْوَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ وَتِلْكَ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَالْقَرِينَةُ اللَّفْظِيَّةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْحَالِيَّةَ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهَا عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْقَرِينَةَ لَا تَتِمُّ لِابْنِ الرِّفْعَةِ فِي سَائِرِ صُوَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْوَصِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدَيْهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ ثُمَّ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَعَصَبَةٍ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا مَرَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالَةِ الْمَوْتِ لَا الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَتَأَتَّى جَوَابُ ابْنِ الرِّفْعَةِ لِانْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، فَلَا مُسَاغَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ جَوَابِ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَأْخُذُ مِثْلَ نَصِيبِ الْبِنْتِ.
وَلَا تَدْخُلُ بِنْتُ الِابْنِ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى دُخُولِ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْوَلَدِ أَوْ يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلُ نَصِيبِ بِنْتِ الِابْنِ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى شُمُولِ الْوَلَدِ لَهَا: أَنَّ الْمَدَارَ فِي الْإِعْطَاءِ بِالْوَصِيَّةِ عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ السُّدُسُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ نَصِيبِ بِنْتِ الِابْنِ لَا النِّصْفُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ نَصِيبِ الْبِنْتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَدْنَى أَنْصِبَاءِ أَهْلِ التَّرِكَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدٍ، وَكَانَ نَصِيبُ وَلَدِ الْوَلَدِ أَقَلَّ أُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ مِثْلَ نَصِيبِ وَلَدِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ الْأَقَلُّ، وَالْأَقْرَبُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا تَتِمُّ الْقَرِينَةُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي عَنْ الشَّافِعِيِّ وَهِيَ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدَيْهِ، لَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي حَكَاهَا الْمُتَوَلِّي عَنْ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْوَصَايَا: لَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ أَوْلَادِهِ وَلَهُ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ أُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ مِثْلَ نَصِيبِ بِنْتِ الِابْنِ فَعَدَّهُ أَيْ وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدًا اهـ.
فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَوْلَادَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ مَعَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ عَصَبَةً فَأَيُّ قَرِينَةٍ عَلَى شُمُولِ الْأَوْلَادِ لِبِنْتِ الِابْنِ هُنَا؟ قُلْت: الْقَرِينَةُ مَوْجُودَةٌ هُنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ أَوْلَادِهِ وَلَا مَوْجُودَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْوَلَدِ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ مَا يَشْمَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ، وَعَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَمْعِ فِي الْحَالَةِ الْمُتَرَقَّبَة مَا يَشْمَلُ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاحِدِ بِفَرْضِ أَنْ يَأْتِيَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ أَكْثَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْقَرِينَةُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ كَمَا تَرَى، وَقَدْ اكْتَفَى بِهَا الشَّافِعِيُّ فِي اسْتِعْمَالِ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ، وَفِي شُمُولِ الْوَلَدِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ فَلْتَكْفِ الْقَرِينَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صُورَةِ الْعُتَقَاءِ بِالْأَوْلَى، فَإِنْ قُلْت: مَا مَسَاغُ الْحِكَايَةِ لِلْخِلَافِ عَنْ الشَّافِعِيِّ؟ قُلْت: اخْتِلَافُ نُصُوصِهِ وَكُتُبِهِ فَيَكُونُ الْقَاضِي نَقَلَ نَصًّا وَتِلْمِيذُهُ الْمُتَوَلِّي نَقَلَ نَصًّا آخَرَ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ لِذَلِكَ كَمَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمَنْقُولَيْنِ لِمَا قَدَّمْته فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ اعْتِبَارِ الْقَرِينَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَهُ وَلَدٌ وَأَوْلَادُ وَلَدٍ اخْتَصَّ بِهِ الْوَلَدُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوا هُنَا الْقَرِينَةَ الْحَالِيَّةَ فَكَيْفَ اعْتَبَرَهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيمَا مَرَّ وَجَعَلَهَا مَحَطَّ جَوَابِهِ؟ قُلْت: عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ هُنَا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَلْ اعْتَبَرَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ يَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: أَوْلَادِي قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصِيغَةِ جَمْعٍ مَعَ فَقْدِهِ فِي أَوْلَادِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَشْمَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ حَتَّى عَبَّرَ بِالْجَمْعِ.
وَعَلَى الْأَصَحِّ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَصُورَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِمَا قَدَّمْت الْإِشَارَةَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا كَانَ لَهَا قَاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ، وَهِيَ إعْطَاءُ مِثْلِ أَقَلِّ الْأَنْصِبَاءِ اخْتَلَفَ الْحَالُ فِيهَا بِوُجُودِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ الْوَارِثِينَ، فَأَثَّرَتْ الْقَرِينَةُ الَّتِي هِيَ التَّعْبِيرُ بِالْجَمْعِ فِيهَا بِخِلَافِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِلَفْظِ الْجَمْعِ فِيهِ تَأْثِيرٌ فَأَعْمَلْنَا الْحَقِيقَةَ وَجَعَلْنَاهُ لِلْوَلَدِ، وَأَلْغَيْنَا
стр. 879
الْمَجَازَ فَلَمْ نُعْطِ وَلَدَ الْوَلَدِ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ هُنَا عَلَى إرَادَةِ التَّجَوُّزِ، وَمُجَرَّدُ لَفْظِ الْجَمْعِ هُنَا لَا أَثَرَ لَهُ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْلَادِ فِي هَذَا الْبَابِ الْجِهَةُ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ يَكُونُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ فَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ أَوَّلًا لَمْ يُوجَدْ وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِ: أَنَّ لَفْظَ الْأَوْلَادِ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي جِهَةِ الْفُرُوعِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، فَأَدَرْنَا الْأَمْرَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِيهِ وَأَلْغَيْنَاهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْعُرْفِيَّةَ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ اللُّغَوِيَّةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهَا كَالنَّاسِخَةِ لَهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَفِيسٌ وَبِهِ يَجْتَمِعُ أَطْرَافُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَأَطْرَافُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي رِعَايَةِ الْجَمْعِ تَارَةً وَعَدَمِ رِعَايَتِهِ أُخْرَى، وَخُذْ مِنْ ذَلِكَ اتِّضَاحَ مَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِأَوْلَادِهِمْ لِلْقَرِينَةِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي مَرَّ بَيَانُهَا.
، الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّا سَبَرْنَا كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِي فَتَاوِيهِمْ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَوْقَاتِ، فَلَمْ نَرَهُمْ قَطُّ بَحَثُوا عَنْ عَلَاقَةِ الْمَجَازِ وُجُودًا وَلَا عَدَمًا وَلَا عَوَّلُوا عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَطْبَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ تَجَوُّزٌ بَحَثُوا عَنْ قَرِينَةٍ، فَإِنْ وَجَدُوا لَهُ قَرِينَةً دَلَّ عَلَيْهَا كَلَامُ الْوَاقِفِ أَوْ غَرَضُهُ أَوْ حَالُهُ عَوَّلُوا عَلَيْهَا وَعَمِلُوا بِالْمَجَازِ لِأَجْلِهَا، سَوَاءٌ أَوُجِدَتْ عَلَاقَةٌ لِذَلِكَ الْمَجَازِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُ قَرِينَةً أَعْرَضُوا عَنْ الْعَمَلِ بِهِ، هَذَا مَا عَلِمْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ النَّظَرِ فِيهِ وَالتَّأَمُّلِ لِمَدَارِكِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَنِيعُهُمْ ظَاهِرُ الْمَعْنَى جَلِيُّ الْمَغْزَى، فَإِنَّ كَلَامَ الْوَاقِفِينَ غَالِبًا إنَّمَا يُنَزَّلُ عَلَى الْأُمُورِ الْمُتَعَارَفَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْعَلَاقَةُ لَا شُغْلَ لَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْهَا إنَّمَا يَلِيقُ بِكَلَامِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْبَلَاغَةِ، وَأَمَّا كَلَامُ الْوَاقِفِينَ فَلَا يَرْتَبِطُ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ هُوَ الْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّجَوُّزِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِمَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْته وَحَاصِلُ عِبَارَةِ فَتَاوِيهِ: رَجُلٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى ذُكُورِ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ ابْنُ الْبِنْتِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الذُّكُورِ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْمُضَافِ فِي قَوْلِهِ ذُكُورِ أَوْلَادِهِمْ، أَمْ لَا يَسْتَحِقُّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَوْلَادِ؟ وَلَا يُقَالُ: الْإِبْدَالُ مِنْ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ مُمْتَنِعٌ عَلَى الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ بَدَلِ الْبَعْضِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْهُ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّ بَدَلَ الْبَعْضِ يَحْتَاجُ إلَى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْمُبْدَلِ لِأَنَّهُ هُنَا مُقَدَّرٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ﴾ [آل عمران: ٩٧] أَيْ ذُكُورِ أَوْلَادِ الذُّكُورِ مِنْهُمْ، وَابْنُ الْبِنْتِ مِنْ ذُكُورِ الْأَوْلَادِ لَا مِنْ ذُكُورِ أَوْلَادِ الذُّكُورِ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى التَّأْسِيسِ خَيْرٌ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّأْكِيدِ فَمَنْ هُوَ الْمُصِيبُ مِنْ هَذَيْنِ
فَأَجَابَ: لَا يَسْتَحِقُّ ابْنُ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الْبَدَلِ مِنْ ضَمِيرِ الْغَائِبِ وَلَا إلَى بَدَلِ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ مِنْ الْمُقِرِّينَ وَالْمُنْشِئِينَ لِوَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إعْتَاقٍ تُحْمَلُ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا عَلَى دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ الْوَاقِفَ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا دَقَائِقِهَا وَلَا الْبَدَلِ وَلَا الْمُبْدَلِ، فَتَنْزِيلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا لَا يَعْرِفُهُ لَا يَسْتَقِيمُ وَلَوْ لَحَنَ فِي الْإِعْتَاقِ بِتَذْكِيرٍ أَوْ تَأْنِيثٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْإِعْتَاقِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى لَفْظِهِ الَّذِي لَهُ مُحْتَمَلَاتٌ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَاتِ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ إرَادَةُ ذَلِكَ.
قَالَ: وَمَسْأَلَةُ الْبَدَلِ لَنَا عَلَيْهَا عَمَلٌ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِهِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْفَتْوَى وَوَجْهُ تَأْيِيدِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِأَوْلَادِهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَالْقَرِينَةُ الْمُتَعَدِّدَةُ كَمَا مَرَّ، وَيَأْتِي وَكَلَامُهُ أَوَّلًا إنَّمَا هُوَ فِي فَهْمِ شَيْءٍ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِقَرِينَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يُعْتَمَدُ عَلَى فَهْمِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي قَضِيَّةِ أَوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ كَانَ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا فَهُوَ فَاهِمٌ لِلَفْظِهِ مُعْتَقِدٌ بِهِ مَدْلُولَهُ الَّذِي عِنْدَهُمْ، لَكِنْ خَفَّفَ الشَّارِعُ عَنْهُ بِإِلْغَاءِ الطَّلَاقِ الَّذِي كَانُوا يَتَعَارَفُونَهُ وَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ، فَهُوَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِغَيْرِ مَا يَفْهَمُهُ مِنْ اللَّفْظِ، بَلْ سُومِحَ فِي مُقْتَضَى اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ عَقِيدَتِهِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ. وَلَكِنَّا نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَخْ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا قُلْنَاهُ مِنْ حَمْلِ الْعُتَقَاءِ عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ شَرْعًا سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّ
стр. 880
الْوَاقِفَ فَهِمَ ذَلِكَ وَقَصَدَهُ أَمْ لَا، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْحُجَّةِ لَنَا عَلَى مَا فَهِمْنَا مِنْ لَفْظِ الْعُتَقَاءِ وَعَمِلْنَا بِهِ لِوُجُودِ عَاضِدِهِ وَقَرِينَتِهِ بِاسْتِحْقَاقِ مَنْ ذُكِرَ أَوْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، ثُمَّ بَيَّنَّ خَارِجَ هَذَا الْجَوَابِ كَلَامَهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى الْبَدَلِ: بِأَنَّ بَدَلَ الظَّاهِرِ مِنْ الضَّمِيرِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ الْمُخَاطَبِ، فَأَمَّا ضَمِيرُ الْغَائِبِ فَلَا يَمْتَنِعُ الْبَدَلُ مِنْهُ اتِّفَاقًا فَمَا أُورِدَ عَلَى ذَلِكَ أَيْ فِي السُّؤَالِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَتْوَى مِنْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ لِلْبَدَلِ لَمْ يُقَرِّرْ مُدَّعِيهِ عَلَى دَعْوَاهُ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي فِي الْعَرَبِيَّةِ لَا تُعْتَمَدُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ اهـ.
فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ مِنْ الْمُقِرِّينَ أَوْ الْمُنْشَئِينَ لِوَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إعْتَاقٍ تُحْمَلُ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ الْعُرْفِ، لَا عَلَى دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ: مِثْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي فِي الْعَرَبِيَّةِ لَا تُعْتَمَدُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ تَجِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا أَيَّ صَرِيحٍ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْوَاقِفِينَ إنَّمَا يُنَزَّلُ عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ، لَا عَلَى دَقَائِقِ الْبَلَاغَةِ وَنَحْوِهَا، وَأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ الْعَلَاقَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا لَا يَلِيقُ بِكَلَامِ الْوَاقِفِينَ وَتَأَمَّلْ وُضُوحَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ: لِرَجُلٍ زَنَيْتِ بِكَسْرِ التَّاءِ أَوَلِامْرَأَةٍ زَنَيْتَ بِفَتْحِهَا كَانَ ذَلِكَ قَذْفًا وَكَذَا فِي الْعِتْقِ وَنَحْوِهِ، وَلَا أَثَرَ لِلَّحْنِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، فَإِذَا أَلْغَوْا النَّظَرَ إلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ عَمَلًا بِالْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ، فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ الْوَاقِفِ أَوْلَادَ الْعُتَقَاءِ وَأَنَّ لَهُمْ نَصِيبَ آبَائِهِمْ لَا يَقْبَلُ النِّزَاعَ فِي أَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِوَقْفِهِ رِفْقَ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ، وَأَنَّ لَهُمْ اسْتِحْقَاقًا فِي وَقْفِهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ اتَّضَحَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعُتَقَاءِ مَا يَشْمَلُ أَوْلَادَهُمْ، سَوَاءٌ أَوُجِدَ لِهَذَا الْمَجَازِ عَلَاقَةٌ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ كَاللَّاحِنِ، وَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ اللَّحْنَ وَنَحْوَهُ لَا يُؤَثِّرُ.
وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ أَيْضًا فِيمَنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي وَظَائِفِ مَدْرَسَتِهِ عَجَمِيٌّ ثُمَّ نَزَلَ فِيهَا عَتِيقُهُ الرُّومِيُّ، فَهَلْ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ عَزْلُهُ؟ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى الطَّائِفَةِ الْمَخْصُوصَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ التُّرْكِ وَالرُّومِ الَّذِينَ لُغَتُهُمْ غَيْرُ لُغَةِ الْعَجَمِ، فَتَأَمَّلْ تَحْكِيمَهُ الْعُرْفَ وَإِعْرَاضَهُ عَنْ مَدْلُولِ الْعَجَمِ لُغَةً وَشَرْعًا، تَجِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا أَيَّ صَرِيحٍ فِيمَا ذَكَرْته أَنَّ أَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ إنَّمَا تُحْمَلُ غَالِبًا عَلَى الْأُمُورِ الْمُتَعَارَفَةِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ غَيْرِهَا، وَذَلِكَ مِنْ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلَ الزَّرْكَشِيّ فِي قَوَاعِدِهِ، الْأَمْرُ الرَّابِعُ: أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِي وَاقِفَةٍ جَعَلَتْ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِهَا ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، بِأَنَّ أَوْلَادَ أَوْلَادِهَا يَدْخُلُونَ فِي قَوْلِهَا مِنْ أَوْلَادِهَا، وَبِأَنَّ الْمُوَثِّقَ سَهَا فَأَسْقَطَ مَرْتَبَةً وَهِيَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَرَائِنَ ثُمَّ قَالَ: وَمَعَ السَّهْوِ الَّذِي نَسِينَاهُ لِلْمُوَثِّقِ وَأَيَّدْنَاهُ بِمَا قَرَّرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ أَوْلَادُ أَوْلَادِهَا فِي قَوْلِهَا ثُمَّ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدُ مِنْ أَوْلَادِهَا وَتَكُونُ الْقَرَائِنُ الْمَذْكُورَةُ قَاضِيَةً بِإِدْخَالِ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْأَوْلَادِ اهـ.
فَتَأَمَّلْ إفْتَاءَهُ بِإِدْخَالِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي الْأَوْلَادِ لِلْقَرَائِنِ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ فِي مَسْأَلَتِنَا لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلَ الْبُلْقِينِيُّ لِلْقَرَائِنِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ قَرِينَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الْجَمْعَ؛ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ، لَا لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِيهِ بِقَرِينَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ اكْتَفَى هُوَ بِالْقَرِينَةِ الْوَاحِدَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ فِي جَوَابٍ لَهُ: وَقَوْلُ الْوَاقِفِ إلَى أَقْرَبِ أَهْلِهِ مِنْ الْعَصَبَاتِ الظَّاهِرُ فِيهِ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ عَصَبَاتُ أَهْلِ الْوَقْفِ لَا الْعَصَبَةُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ التَّخْصِيصِ بِالْأَوْلَادِ الْمَذْكُورِينَ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَدْخُلَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ اهـ.
فَتَأَمَّلْ جَعْلَهُ ذِكْرَ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ قَرِينَةً عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَقَصْرِهِ تَجِدْهُ صَرِيحًا أَيَّ صَرِيحٍ فِي أَنَّ ذِكْرَ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشْمَلُ أَوْلَادَهُمْ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ هَذَا وَصُورَةِ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ قَصْرَ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ، بَلْ دَلِيلٍ بِخِلَافِ تَعْمِيمِ الْعُتَقَاءِ لِأَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَرِينَةِ وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ
следующие страницы →