← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

مِنْوَالٍ وَاحِدٍ فَجَوَّزَ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِمَا وَحَمَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَطْلَبِ نَصَّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأُمِّ عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا عَقَدَ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتَيْنِ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا. وَقَالَ الْإِمَامُ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: إنَّهُ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الشَّافِعِيِّ أَيْ: بَلْ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] قِيلَ لَهُ: أَرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ الْجِمَاعَ؟ فَقَالَ: أَحْمِلُهُ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْوِقَاعِ مَجَازًا، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وَعَلَى مَحَلِّهَا، وَهُوَ الْمَسْجِدُ مَجَازًا بِدَلِيلِ: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] وَأَمَّا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُمْ عُتَقَاءُ لَمْ يَدْخُلُوا مَعَ أَنَّهُمْ مَوَالِيهِ مَجَازًا بِالسَّبَبِيَّةِ، وَقَوْلُهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، بَلْ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ هُنَا عَيَّنَتْ الْحَقِيقَةَ وَحْدَهَا أَمَّا فِي الْأَوَّلِ؛ فَلِأَنَّ وَلَاءَ مَوَالِيهِمْ لَهُمْ دُونَهُ كَمَا مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّعْمِيمُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَقْرَبُ مِنْهُ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ اهـ. وَفِيهِ خَفَاءٌ يَحْتَاجُ لِتَوْضِيحٍ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَوْلَادَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَأَوْلَادَ الْأَوْلَادِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي، فَإِرَادَةُ هَذَيْنِ الْحَقِيقَتَيْنِ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ بَعِيدَةٌ، إذْ لَا تَقْرِيبَ لِلِاسْتِعْمَالِ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سُمِّيَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ أَوْلَادًا مَجَازًا مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ الْأَوْلَادِ لِتِلْكَ الْعَلَاقَةِ مَعَ إرَادَةِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ لَا بُعْدَ فِيهِ نَظَرًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَلَاقَةِ الْمُقَرِّبَةِ لِلِاسْتِعْمَالِ فَاتَّضَحَ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بِعَدَمِ دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي الْأَوْلَادِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ مَعَ مَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْبُعْدِ بِخِلَافِ الثَّانِي، هَذَا وَالْأَوْلَى فِي الْفَرْقِ مَا أَشَرْتُ إلَيْهِ بِالْفَرْقِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ قَبْلَ الْمَبْحَثِ الثَّانِي فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنَّهُ أَوْضَحُ مِمَّا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إرَادَةِ اللَّافِظِ أَوْ قِيَامِ قَرِينَةٍ عَلَى إرَادَتِهِ، وَالْكَلَامُ فِي وَاقِفٍ لَمْ تُعْلَمْ إرَادَتُهُ وَلَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ ثَمَّ رَأَيْتُ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا مَرَّ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَطَعَ بِمَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ وَتَرَدَّدَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَقَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا: هُوَ عِنْدَنَا كَالْمُشْتَرَكِ وَإِنْ كَانَ التَّعْمِيمُ فِيهِ أَقْرَبَ قَلِيلًا اهـ. وَسَبَبُ الْأَقْرَبِيَّةِ مَا أَشَرْت إلَيْهِ قَرِيبًا فَتَأَمَّلْهُ وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَامْتِنَاعِهِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَهُوَ بَعِيدٌ، فَإِنْ قُلْت: يُؤَيِّدُهُ مَا تَقَرَّرَ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعَانِيهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، قُلْت: لَا تَأْيِيدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي الْأَخِيرَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا هُوَ لِضَرُورَةِ وُجُودِ الْمَجَازِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ لَا مَجَازَ فِيهِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِقَرِينَةٍ، فَالِاحْتِيَاجُ لَهَا وَعَدَمُهُ أَمْرٌ خَارِجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ مَعَ وُجُودِهَا أَقْرَبُ مِنْهُ فِي الْجَمْعِ بِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ يَلْزَمُهُ مُحَاوَلَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ يُرَدُّ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ حَيْثُ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمَعَ اعْتِبَارٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ حَيْثِيَّتَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَاوَلَةُ جَمْعٍ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وَقَطْعًا فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأُصُولِيِّينَ تَعَقَّبَ الْقَاضِيَ فِي كَلَامِهِ هَذَا وَهُوَ جَدِيرٌ بِالتَّعَقُّبِ وَالرَّدِّ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ. ثُمَّ رَأَيْت مَا ذَكَرْتُهُ عَنْ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا رَدَدْت بِهِ كَلَامَ الْقَاضِي، وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُطْلَقًا وَنَقَضَ عَلَيْهِمْ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ فَدَخَلَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا حَنِثَ نَظَرًا لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَقَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ: الْيَوْمُ الَّذِي أَدْخُلُ فِيهِ الدَّارَ عَبْدِي حُرٌّ عَتَقَ بِدُخُولِهِ لَهَا وَلَوْ لَيْلًا، وَقَوْلِهِمْ لَوْ أَخَذَ الْأَمَانَ لِبَنِيهِ دَخَلَ بَنُوهُ وَبَنُو بَنِيهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِنَا عَدَمُ الْحِنْثِ فِي الْأَوَّلِ إذَا دَخَلَ رَاكِبًا إذْ لَا قَرِينَةَ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ، وَفِي الثَّانِي مُوَافَقَتُهُمْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ طَلُقَتْ حَالًا وَلَوْ لَيْلًا، وَيَلْغُو ذِكْرُ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ وَإِنَّمَا سَمَّى الْوَقْتَ بِغَيْرِ اسْمِهِ كَذَا قِيلَ. وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ؛

стр. 877

لِأَنَّ قَوْلَهُ: الْيَوْمُ الَّذِي أَدْخُلُ فِيهِ الدَّارَ فِي مَعْنَى التَّعْلِيقِ بِدُخُولِهَا فِي الْيَوْمِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ بِدُخُولِهَا لَيْلًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّعْلِيقُ بِالْيَوْمِ بِوَجْهٍ فَأُلْغِيَ وَفِي الثَّالِثِ عُدِمَ الدُّخُولُ كَمَا فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَحَيْثُ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَشَرْطُهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ، وَقِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ لَا تَنْفِي عَنْ اللَّفْظِ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ اهـ. قِيَامُ قَرِينَةٍ عَلَى الْمَجَازِ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَيْ: عَنْ الْقَرِينَةِ حَتَّى لَا يُنَافِيَ قَوْلَهُمْ السَّابِقَ. وَحَمَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطْلَاقِ ثَمَّ أَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ إرَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ لِلْمَجَازِ، فَحِينَئِذٍ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا اخْتَصَّ بِالْحَقِيقَةِ وَلَوْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهَا قَرِينَةٌ خِلَافًا لِمَنْ اشْتَرَطَ الْقَرِينَةَ فِيهَا أَيْضًا فَقَالَ: لَا يُحْمَلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِمَا مَا إذَا ظَهَرَ قَصْدُ الْمَجَازِ بِقَرِينَةٍ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْحَقِيقَةِ أَوْ بِقَصْدِهِمَا مَعًا أَمَّا إذَا قَصَدَهَا فَقَطْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا قَطْعًا أَوْ قَصَدَهُ فَقَطْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَطْعًا، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدٌ لَمْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ إذْ اللَّفْظُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَجَازِهِ بِقَرِينَةٍ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ وَنَظِيرُهُ لَوْ أَوْصَى لِإِخْوَةِ فُلَانٍ، وَلَهُ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ قَالَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَخْتَصُّ بِالْإِخْوَةِ دُونَ الْأَخَوَاتِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَدْخُلْنَ أَيْضًا وَكَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ يَقْتَضِيهِ وَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُمَا إذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ بِأَنْ يَكْثُرَ الْمَجَازُ كَثْرَةً تُوَازِي الْحَقِيقَةَ تَسَاوَيَا فِيهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يُحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى قَرِينَةٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ إحْدَاهَا: أَنْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْحَقِيقَةِ ثَانِيهَا: أَنْ تَدُلَّ عَلَى إرَادَتِهِمَا جَمِيعًا ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ قَرِينَةٌ وَلَكِنْ لِلْمَجَازِ شُهْرَةٌ يُوَازِي بِهَا الْحَقِيقَةَ، وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِي الْكُلِّ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ: الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا رَابِعُهَا: حَالَةُ الْإِطْلَاقِ مَعَ عَدَمِ شُهْرَةِ الْمَجَازِ فَلَا يُحْمَلُ فِيهَا عَلَى الْمَجَازِ بِلَا خِلَافٍ، وَحَيْثُ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هُوَ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمِنْ ثَمَّ أَشَارَ الزَّرْكَشِيُّ إلَى ضَعْفِ مُقَابِلِهِ فَقَالَ: وَزَعَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ مَجَازٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ اهـ. لَكِنْ وَافَقَ ابْنَ الْحَاجِبِ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَهِرَ الْمَجَازُ شُهْرَةً يُوَازِي بِهَا الْحَقِيقَةَ، أَوْ تَقُومَ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى إرَادَتِهِ وَمَا فِي السُّؤَالِ مِنْ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ اشْتَمَلَتْ عَلَى قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَوْلَادِ، بَلْ عَلَى قَرَائِنَ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ. الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ وَتَبِعَهُ الْأَصْحَابُ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِوَاحِدٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدَيْهِ وَلَهُ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَعَصَبَةٌ أُعْطِيَ السُّدُسَ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ حَتَّى لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ اهـ. وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَدُ وَلَدَيْهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ مِنْ الصُّلْبِ إلَّا وَاحِدٌ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْوَلَدِ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ، فَاسْتُعْمِلَ فِيهِ لِأَجْلِ الْقَرِينَةِ وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَقْفِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى شُمُولِ الْوَلَدِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ التَّتِمَّةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَوْلَادٌ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ أَيْ لِلْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَلَدِ مَا يَشْمَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ، وَإِذَا تَأَيَّدَ جَوَابُ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِهَذَا فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ أَطْرَافُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَيَنْتَفِيَ عَنْهُ تَوَهُّمُ التَّنَاقُضِ الَّذِي ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ شَاهِدُ صِدْقٍ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى

стр. 878

فِي شُمُولِ الْوَلَدِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ بِأَدْنَى قَرِينَةٍ، فَكَذَا فِي الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي السُّؤَالِ يُكْتَفَى فِي شُمُولِهِمْ لِأَوْلَادِهِمْ بِأَدْنَى قَرِينَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ عَلَيْهِمْ وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ إلَى بَاقِي الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ إلَخْ مَا يَشْمَلُ الْعُتَقَاءَ حَقِيقَةً وَأَوْلَادَهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا مَجَازًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّك إذًا لَا تَجِدُ بَيْنَ هَذِهِ وَالْقَرِينَةِ الَّتِي فِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ فَرْقًا أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، بَلْ هَذِهِ الْقَرِينَةُ أَوْضَحُ وَأَقْوَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ وَتِلْكَ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَالْقَرِينَةُ اللَّفْظِيَّةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْحَالِيَّةَ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهَا عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْقَرِينَةَ لَا تَتِمُّ لِابْنِ الرِّفْعَةِ فِي سَائِرِ صُوَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْوَصِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدَيْهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ ثُمَّ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَعَصَبَةٍ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا مَرَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالَةِ الْمَوْتِ لَا الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَتَأَتَّى جَوَابُ ابْنِ الرِّفْعَةِ لِانْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، فَلَا مُسَاغَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ جَوَابِ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَأْخُذُ مِثْلَ نَصِيبِ الْبِنْتِ. وَلَا تَدْخُلُ بِنْتُ الِابْنِ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى دُخُولِ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْوَلَدِ أَوْ يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلُ نَصِيبِ بِنْتِ الِابْنِ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى شُمُولِ الْوَلَدِ لَهَا: أَنَّ الْمَدَارَ فِي الْإِعْطَاءِ بِالْوَصِيَّةِ عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ السُّدُسُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ نَصِيبِ بِنْتِ الِابْنِ لَا النِّصْفُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ نَصِيبِ الْبِنْتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَدْنَى أَنْصِبَاءِ أَهْلِ التَّرِكَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدٍ، وَكَانَ نَصِيبُ وَلَدِ الْوَلَدِ أَقَلَّ أُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ مِثْلَ نَصِيبِ وَلَدِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ الْأَقَلُّ، وَالْأَقْرَبُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا تَتِمُّ الْقَرِينَةُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي عَنْ الشَّافِعِيِّ وَهِيَ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدَيْهِ، لَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي حَكَاهَا الْمُتَوَلِّي عَنْ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْوَصَايَا: لَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ أَوْلَادِهِ وَلَهُ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ أُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ مِثْلَ نَصِيبِ بِنْتِ الِابْنِ فَعَدَّهُ أَيْ وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدًا اهـ. فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَوْلَادَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ مَعَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ عَصَبَةً فَأَيُّ قَرِينَةٍ عَلَى شُمُولِ الْأَوْلَادِ لِبِنْتِ الِابْنِ هُنَا؟ قُلْت: الْقَرِينَةُ مَوْجُودَةٌ هُنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ أَوْلَادِهِ وَلَا مَوْجُودَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْوَلَدِ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ مَا يَشْمَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ، وَعَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَمْعِ فِي الْحَالَةِ الْمُتَرَقَّبَة مَا يَشْمَلُ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاحِدِ بِفَرْضِ أَنْ يَأْتِيَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ أَكْثَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْقَرِينَةُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ كَمَا تَرَى، وَقَدْ اكْتَفَى بِهَا الشَّافِعِيُّ فِي اسْتِعْمَالِ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ، وَفِي شُمُولِ الْوَلَدِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ فَلْتَكْفِ الْقَرِينَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صُورَةِ الْعُتَقَاءِ بِالْأَوْلَى، فَإِنْ قُلْت: مَا مَسَاغُ الْحِكَايَةِ لِلْخِلَافِ عَنْ الشَّافِعِيِّ؟ قُلْت: اخْتِلَافُ نُصُوصِهِ وَكُتُبِهِ فَيَكُونُ الْقَاضِي نَقَلَ نَصًّا وَتِلْمِيذُهُ الْمُتَوَلِّي نَقَلَ نَصًّا آخَرَ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ لِذَلِكَ كَمَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمَنْقُولَيْنِ لِمَا قَدَّمْته فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ اعْتِبَارِ الْقَرِينَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَهُ وَلَدٌ وَأَوْلَادُ وَلَدٍ اخْتَصَّ بِهِ الْوَلَدُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوا هُنَا الْقَرِينَةَ الْحَالِيَّةَ فَكَيْفَ اعْتَبَرَهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيمَا مَرَّ وَجَعَلَهَا مَحَطَّ جَوَابِهِ؟ قُلْت: عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ هُنَا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَلْ اعْتَبَرَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ يَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: أَوْلَادِي قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصِيغَةِ جَمْعٍ مَعَ فَقْدِهِ فِي أَوْلَادِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَشْمَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ حَتَّى عَبَّرَ بِالْجَمْعِ. وَعَلَى الْأَصَحِّ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَصُورَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِمَا قَدَّمْت الْإِشَارَةَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا كَانَ لَهَا قَاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ، وَهِيَ إعْطَاءُ مِثْلِ أَقَلِّ الْأَنْصِبَاءِ اخْتَلَفَ الْحَالُ فِيهَا بِوُجُودِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ الْوَارِثِينَ، فَأَثَّرَتْ الْقَرِينَةُ الَّتِي هِيَ التَّعْبِيرُ بِالْجَمْعِ فِيهَا بِخِلَافِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِلَفْظِ الْجَمْعِ فِيهِ تَأْثِيرٌ فَأَعْمَلْنَا الْحَقِيقَةَ وَجَعَلْنَاهُ لِلْوَلَدِ، وَأَلْغَيْنَا

стр. 879

الْمَجَازَ فَلَمْ نُعْطِ وَلَدَ الْوَلَدِ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ هُنَا عَلَى إرَادَةِ التَّجَوُّزِ، وَمُجَرَّدُ لَفْظِ الْجَمْعِ هُنَا لَا أَثَرَ لَهُ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْلَادِ فِي هَذَا الْبَابِ الْجِهَةُ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ يَكُونُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ فَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ أَوَّلًا لَمْ يُوجَدْ وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِ: أَنَّ لَفْظَ الْأَوْلَادِ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي جِهَةِ الْفُرُوعِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، فَأَدَرْنَا الْأَمْرَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِيهِ وَأَلْغَيْنَاهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْعُرْفِيَّةَ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ اللُّغَوِيَّةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهَا كَالنَّاسِخَةِ لَهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَفِيسٌ وَبِهِ يَجْتَمِعُ أَطْرَافُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَأَطْرَافُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي رِعَايَةِ الْجَمْعِ تَارَةً وَعَدَمِ رِعَايَتِهِ أُخْرَى، وَخُذْ مِنْ ذَلِكَ اتِّضَاحَ مَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِأَوْلَادِهِمْ لِلْقَرِينَةِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي مَرَّ بَيَانُهَا. ، الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّا سَبَرْنَا كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِي فَتَاوِيهِمْ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَوْقَاتِ، فَلَمْ نَرَهُمْ قَطُّ بَحَثُوا عَنْ عَلَاقَةِ الْمَجَازِ وُجُودًا وَلَا عَدَمًا وَلَا عَوَّلُوا عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَطْبَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ تَجَوُّزٌ بَحَثُوا عَنْ قَرِينَةٍ، فَإِنْ وَجَدُوا لَهُ قَرِينَةً دَلَّ عَلَيْهَا كَلَامُ الْوَاقِفِ أَوْ غَرَضُهُ أَوْ حَالُهُ عَوَّلُوا عَلَيْهَا وَعَمِلُوا بِالْمَجَازِ لِأَجْلِهَا، سَوَاءٌ أَوُجِدَتْ عَلَاقَةٌ لِذَلِكَ الْمَجَازِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُ قَرِينَةً أَعْرَضُوا عَنْ الْعَمَلِ بِهِ، هَذَا مَا عَلِمْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ النَّظَرِ فِيهِ وَالتَّأَمُّلِ لِمَدَارِكِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَنِيعُهُمْ ظَاهِرُ الْمَعْنَى جَلِيُّ الْمَغْزَى، فَإِنَّ كَلَامَ الْوَاقِفِينَ غَالِبًا إنَّمَا يُنَزَّلُ عَلَى الْأُمُورِ الْمُتَعَارَفَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْعَلَاقَةُ لَا شُغْلَ لَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْهَا إنَّمَا يَلِيقُ بِكَلَامِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْبَلَاغَةِ، وَأَمَّا كَلَامُ الْوَاقِفِينَ فَلَا يَرْتَبِطُ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ هُوَ الْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّجَوُّزِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. وَقَدْ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِمَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْته وَحَاصِلُ عِبَارَةِ فَتَاوِيهِ: رَجُلٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى ذُكُورِ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ ابْنُ الْبِنْتِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الذُّكُورِ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْمُضَافِ فِي قَوْلِهِ ذُكُورِ أَوْلَادِهِمْ، أَمْ لَا يَسْتَحِقُّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَوْلَادِ؟ وَلَا يُقَالُ: الْإِبْدَالُ مِنْ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ مُمْتَنِعٌ عَلَى الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ بَدَلِ الْبَعْضِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْهُ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّ بَدَلَ الْبَعْضِ يَحْتَاجُ إلَى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْمُبْدَلِ لِأَنَّهُ هُنَا مُقَدَّرٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ﴾ [آل عمران: ٩٧] أَيْ ذُكُورِ أَوْلَادِ الذُّكُورِ مِنْهُمْ، وَابْنُ الْبِنْتِ مِنْ ذُكُورِ الْأَوْلَادِ لَا مِنْ ذُكُورِ أَوْلَادِ الذُّكُورِ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى التَّأْسِيسِ خَيْرٌ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّأْكِيدِ فَمَنْ هُوَ الْمُصِيبُ مِنْ هَذَيْنِ فَأَجَابَ: لَا يَسْتَحِقُّ ابْنُ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الْبَدَلِ مِنْ ضَمِيرِ الْغَائِبِ وَلَا إلَى بَدَلِ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ مِنْ الْمُقِرِّينَ وَالْمُنْشِئِينَ لِوَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إعْتَاقٍ تُحْمَلُ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا عَلَى دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ الْوَاقِفَ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا دَقَائِقِهَا وَلَا الْبَدَلِ وَلَا الْمُبْدَلِ، فَتَنْزِيلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا لَا يَعْرِفُهُ لَا يَسْتَقِيمُ وَلَوْ لَحَنَ فِي الْإِعْتَاقِ بِتَذْكِيرٍ أَوْ تَأْنِيثٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْإِعْتَاقِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى لَفْظِهِ الَّذِي لَهُ مُحْتَمَلَاتٌ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَاتِ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ إرَادَةُ ذَلِكَ. قَالَ: وَمَسْأَلَةُ الْبَدَلِ لَنَا عَلَيْهَا عَمَلٌ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِهِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْفَتْوَى وَوَجْهُ تَأْيِيدِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِأَوْلَادِهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَالْقَرِينَةُ الْمُتَعَدِّدَةُ كَمَا مَرَّ، وَيَأْتِي وَكَلَامُهُ أَوَّلًا إنَّمَا هُوَ فِي فَهْمِ شَيْءٍ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِقَرِينَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يُعْتَمَدُ عَلَى فَهْمِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي قَضِيَّةِ أَوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ كَانَ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا فَهُوَ فَاهِمٌ لِلَفْظِهِ مُعْتَقِدٌ بِهِ مَدْلُولَهُ الَّذِي عِنْدَهُمْ، لَكِنْ خَفَّفَ الشَّارِعُ عَنْهُ بِإِلْغَاءِ الطَّلَاقِ الَّذِي كَانُوا يَتَعَارَفُونَهُ وَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ، فَهُوَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِغَيْرِ مَا يَفْهَمُهُ مِنْ اللَّفْظِ، بَلْ سُومِحَ فِي مُقْتَضَى اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ عَقِيدَتِهِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ. وَلَكِنَّا نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَخْ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا قُلْنَاهُ مِنْ حَمْلِ الْعُتَقَاءِ عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ شَرْعًا سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّ

стр. 880

الْوَاقِفَ فَهِمَ ذَلِكَ وَقَصَدَهُ أَمْ لَا، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْحُجَّةِ لَنَا عَلَى مَا فَهِمْنَا مِنْ لَفْظِ الْعُتَقَاءِ وَعَمِلْنَا بِهِ لِوُجُودِ عَاضِدِهِ وَقَرِينَتِهِ بِاسْتِحْقَاقِ مَنْ ذُكِرَ أَوْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، ثُمَّ بَيَّنَّ خَارِجَ هَذَا الْجَوَابِ كَلَامَهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى الْبَدَلِ: بِأَنَّ بَدَلَ الظَّاهِرِ مِنْ الضَّمِيرِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ الْمُخَاطَبِ، فَأَمَّا ضَمِيرُ الْغَائِبِ فَلَا يَمْتَنِعُ الْبَدَلُ مِنْهُ اتِّفَاقًا فَمَا أُورِدَ عَلَى ذَلِكَ أَيْ فِي السُّؤَالِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَتْوَى مِنْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ لِلْبَدَلِ لَمْ يُقَرِّرْ مُدَّعِيهِ عَلَى دَعْوَاهُ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي فِي الْعَرَبِيَّةِ لَا تُعْتَمَدُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ اهـ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ مِنْ الْمُقِرِّينَ أَوْ الْمُنْشَئِينَ لِوَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إعْتَاقٍ تُحْمَلُ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ الْعُرْفِ، لَا عَلَى دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ: مِثْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي فِي الْعَرَبِيَّةِ لَا تُعْتَمَدُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ تَجِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا أَيَّ صَرِيحٍ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْوَاقِفِينَ إنَّمَا يُنَزَّلُ عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ، لَا عَلَى دَقَائِقِ الْبَلَاغَةِ وَنَحْوِهَا، وَأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ الْعَلَاقَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا لَا يَلِيقُ بِكَلَامِ الْوَاقِفِينَ وَتَأَمَّلْ وُضُوحَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ: لِرَجُلٍ زَنَيْتِ بِكَسْرِ التَّاءِ أَوَلِامْرَأَةٍ زَنَيْتَ بِفَتْحِهَا كَانَ ذَلِكَ قَذْفًا وَكَذَا فِي الْعِتْقِ وَنَحْوِهِ، وَلَا أَثَرَ لِلَّحْنِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، فَإِذَا أَلْغَوْا النَّظَرَ إلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ عَمَلًا بِالْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ، فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ الْوَاقِفِ أَوْلَادَ الْعُتَقَاءِ وَأَنَّ لَهُمْ نَصِيبَ آبَائِهِمْ لَا يَقْبَلُ النِّزَاعَ فِي أَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِوَقْفِهِ رِفْقَ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ، وَأَنَّ لَهُمْ اسْتِحْقَاقًا فِي وَقْفِهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ اتَّضَحَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعُتَقَاءِ مَا يَشْمَلُ أَوْلَادَهُمْ، سَوَاءٌ أَوُجِدَ لِهَذَا الْمَجَازِ عَلَاقَةٌ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ كَاللَّاحِنِ، وَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ اللَّحْنَ وَنَحْوَهُ لَا يُؤَثِّرُ. وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ أَيْضًا فِيمَنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي وَظَائِفِ مَدْرَسَتِهِ عَجَمِيٌّ ثُمَّ نَزَلَ فِيهَا عَتِيقُهُ الرُّومِيُّ، فَهَلْ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ عَزْلُهُ؟ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى الطَّائِفَةِ الْمَخْصُوصَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ التُّرْكِ وَالرُّومِ الَّذِينَ لُغَتُهُمْ غَيْرُ لُغَةِ الْعَجَمِ، فَتَأَمَّلْ تَحْكِيمَهُ الْعُرْفَ وَإِعْرَاضَهُ عَنْ مَدْلُولِ الْعَجَمِ لُغَةً وَشَرْعًا، تَجِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا أَيَّ صَرِيحٍ فِيمَا ذَكَرْته أَنَّ أَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ إنَّمَا تُحْمَلُ غَالِبًا عَلَى الْأُمُورِ الْمُتَعَارَفَةِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ غَيْرِهَا، وَذَلِكَ مِنْ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلَ الزَّرْكَشِيّ فِي قَوَاعِدِهِ، الْأَمْرُ الرَّابِعُ: أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِي وَاقِفَةٍ جَعَلَتْ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِهَا ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، بِأَنَّ أَوْلَادَ أَوْلَادِهَا يَدْخُلُونَ فِي قَوْلِهَا مِنْ أَوْلَادِهَا، وَبِأَنَّ الْمُوَثِّقَ سَهَا فَأَسْقَطَ مَرْتَبَةً وَهِيَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَرَائِنَ ثُمَّ قَالَ: وَمَعَ السَّهْوِ الَّذِي نَسِينَاهُ لِلْمُوَثِّقِ وَأَيَّدْنَاهُ بِمَا قَرَّرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ أَوْلَادُ أَوْلَادِهَا فِي قَوْلِهَا ثُمَّ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدُ مِنْ أَوْلَادِهَا وَتَكُونُ الْقَرَائِنُ الْمَذْكُورَةُ قَاضِيَةً بِإِدْخَالِ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْأَوْلَادِ اهـ. فَتَأَمَّلْ إفْتَاءَهُ بِإِدْخَالِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي الْأَوْلَادِ لِلْقَرَائِنِ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ فِي مَسْأَلَتِنَا لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلَ الْبُلْقِينِيُّ لِلْقَرَائِنِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ قَرِينَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الْجَمْعَ؛ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ، لَا لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِيهِ بِقَرِينَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ اكْتَفَى هُوَ بِالْقَرِينَةِ الْوَاحِدَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ فِي جَوَابٍ لَهُ: وَقَوْلُ الْوَاقِفِ إلَى أَقْرَبِ أَهْلِهِ مِنْ الْعَصَبَاتِ الظَّاهِرُ فِيهِ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ عَصَبَاتُ أَهْلِ الْوَقْفِ لَا الْعَصَبَةُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ التَّخْصِيصِ بِالْأَوْلَادِ الْمَذْكُورِينَ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَدْخُلَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ اهـ. فَتَأَمَّلْ جَعْلَهُ ذِكْرَ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ قَرِينَةً عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَقَصْرِهِ تَجِدْهُ صَرِيحًا أَيَّ صَرِيحٍ فِي أَنَّ ذِكْرَ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشْمَلُ أَوْلَادَهُمْ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ هَذَا وَصُورَةِ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ قَصْرَ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ، بَلْ دَلِيلٍ بِخِلَافِ تَعْمِيمِ الْعُتَقَاءِ لِأَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَرِينَةِ وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ

стр. 881

إلَى دَلِيلٍ فَإِذَا اكْتَفَى الْبُلْقِينِيُّ فِيمَا يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ بِمُجَرَّدِ قَرِينَةِ ذِكْرِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ قَرِينَةِ ذِكْرِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى شُمُولِ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ وَالْجَلَاءِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مَنْعًا وَلَا تَشْكِيكًا، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ أَنْ تَغْفُلَ عَنْهُ فَإِنَّك إذَا تَأَمَّلْتَهُ اتَّضَحَ لَك مَا أَفْتَى بِهِ أَصْحَابُ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ دُخُولِ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ عَلَى أَنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ: إنَّ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ فِيهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا قَرِينَةٌ أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ جَعَلَ نَظِيرَهُ مِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي الْأَوْلَادِ فَاتَّضَحَ أَنَّ هَذَا قَرِينَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى دُخُولِ فُرُوعِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ. وَالْقَرِينَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ أَوَّلًا: إلَى بَاقِي الْعُتَقَاءِ، وَثَانِيًا: إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ فَعِنْدَ نَصِّهِ عَلَى عَدَمِ الْوَلَدِ عَبَّرَ بِبَاقِي الْعُتَقَاءِ، وَعِنْدَ عَدَمِ نَصِّهِ عَلَى ذَلِكَ عَبَّرَ بِالْعُتَقَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَاقِيَ وَلَا قَالَ: إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُمْ فَعُدُولُهُ عَنْ الضَّمِيرِ إلَى الظَّاهِرِ مَعَ تَعْبِيرِهِ أَوَّلًا بِبَاقِي وَثَانِيًا بِالْعُتَقَاءِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ وَبُرْهَانٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ الْفَرْقُ إلَّا إنْ قُلْنَا: إنَّهُ حَيْثُ لَا وَلَدَ مُرَادُهُ بِالْعُتَقَاءِ مَا يَشْمَلُ أَوْلَادَهُمْ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُعَبِّرْ هُنَا بِبَاقِي؛ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ الْفُرُوعَ فِي مَنْزِلَةِ الْأُصُولِ لَمْ يَتَّضِحْ التَّعْبِيرُ بِالْبَاقِي، وَمِثْلُ هَذَا التَّغَايُرِ فِي التَّعْبِيرِ الَّذِي مُسْتَنَدُ إدْرَاكِ الْفَرْقِ فِيهِ إلَى مُجَرَّدِ الذَّوْقِ يَكْفِي فِي الْقَرِينَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْوُضُوحُ بِحَيْثُ لَا تَقْبَلُ الْمَنْعَ كَمَا يُعْلَمُ بِتَصَفُّحِ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، بَلْ وَالْبُلَغَاءِ فِي الْقَرَائِنِ الَّتِي يُرَجِّحُونَ بِهَا إرَادَةَ الْمَجَازَاتِ. وَالْقَرِينَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ: وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ خَمْسُونَ نَفَرًا وَوَجْهُ الْقَرِينَةِ فِي هَذَا: أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الِاسْتِمْرَارِ أَنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْفُرُوعِ يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِمْ كَمَا كَانَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ لَا عَنْ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِأَهْلِ دَرَجَتِهِ، وَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ خَمْسُونَ نَفَرًا، وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ مَعْنَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ، إذْ لَا يَتَأَتَّى جَرَيَانُ ذَلِكَ الشَّرْطِ فِي انْتِقَالِ نَصِيبِ الْمَيِّتِ لِوَلَدِهِ، وَإِلَّا فَلِأَهْلِ طَبَقَتِهِ، إلَّا إذَا أُرِيدَ بِالْعُتَقَاءِ مَا يَشْمَلُ الْكُلَّ فِي سَائِرِ الطَّبَقَاتِ، وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِمْ حَقِيقَتُهُمْ فَقَطْ فَلَيْسَ مَعَنَا إلَّا مَرْتَبَةٌ وَاحِدَةٌ اُسْتُفِيدَتْ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ إلَخْ، فَلَوْ قَصَرْنَا الْحُكْمَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ لَزِمَ إمَّا إلْغَاءُ قَوْلِهِ وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَسْكَةٍ مِنْ ذَوْقٍ، وَإِمَّا كَوْنُهُ تَأْكِيدًا لِمَا قَبْلَهُ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، عَلَى أَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْكَلَامِ عَلَى كُتُبِ الْأَوْقَافِ وَغَيْرِهَا إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ التَّأْكِيدِ وَالتَّأْسِيسِ فَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا قُلْنَاهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ تَأْسِيسٌ؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ مَا لَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ أَوَّلًا: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ إلَخْ بِخِلَافِ مَا إذَا قُصِرَ لَفْظُ الْعُتَقَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ إمَّا لَغْوٌ أَوْ تَأْكِيدٌ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ كَمَا تَقَرَّرَ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ حَقَّ التَّأَمُّلِ، فَإِنَّك حِينَئِذٍ تَجِدُهُ قَرِينَةً جَلِيَّةً وَاضِحَةً بَلْ صَرِيحًا لَائِحًا عَلَى دُخُولِ فُرُوعِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ، وَأَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ بِقَوْلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ خَمْسُونَ الْعُتَقَاءُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْكُلِّ بِقَوْلِهِ وَمَنْ تُوُفِّيَ إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ إلَخْ فَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِتَعْبِيرِهِ بِبَاقِي الْعُتَقَاءِ أَوَّلًا وَبِالْعُتَقَاءِ ثَانِيًا وَثَالِثًا. وَالْقَرِينَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَافِيَةٌ فَكَيْفَ وَقَدْ اجْتَمَعَتْ كُلُّهَا؟ بَلْ يَأْتِي قَرِيبًا قَرِينَةٌ رَابِعَةٌ أَيْضًا وَهَذَا أَعْدَلُ شَاهِدٍ وَأَوْضَحُ بُرْهَانٍ عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يُرِدْ بِالْعُتَقَاءِ الْحَقِيقَةَ فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِمْ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لِمَا بَيَّنَاهُ وَقَرَّرْنَاهُ وَأَيَّدْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ، وَاتَّضَحَ بِهِ مَا قَالَهُ أَصْحَابُ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ الْأَوَّلُ: مِنْ دُخُولِ فُرُوعِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ وَبِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 882

التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ وَإِلَيْهِ الضَّرَاعَةُ فِي التَّأْيِيدِ وَالْحِفْظُ مِنْ الزَّلَلِ وَالْوَصْمَةِ إنَّهُ أَكْرَمُ كَرِيمٍ وَأَرْحَمُ رَحِيمٍ آمِينَ. الْأَمْرُ الْخَامِسُ: أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ أَيْضًا بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ طَوِيلٍ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفَةِ إدْخَالُ جَمِيعِ ذُرِّيَّتِهَا عَلَى مَا رَتَّبَتْ قَوْلَهَا، وَتُوُفِّيَتْ الْوَاقِفَةُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ هَذَا التَّعْمِيمِ فَتَأَمَّلْ جَعْلَهُ قَوْلَهَا: وَتُوُفِّيَتْ الْوَاقِفَةُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلَى دُخُولِ جَمِيعِ فُرُوعِهَا فِي وَقْفِهَا تَجِدْهُ صَرِيحًا عَلَى دُخُولِ فُرُوعِ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْأَوْلَى، وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْوَاقِفَ فِي مَسْأَلَتِنَا ذَكَرَ انْتِقَالَ نَصِيبِ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَلِلْمُسَاوِي وَهَذَانِ قَرِينَتَانِ بِمُقْتَضَى قِيَاسِ هَذِهِ الَّتِي نَظَرَ إلَيْهَا الْبُلْقِينِيُّ وَمَا فِيهِ قَرِينَتَانِ أَوْلَى مِمَّا فِيهِ قَرِينَةٌ، بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَّا الْقَرِينَةُ الْأُولَى لَكَانَ أَوْلَى أَيْضًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ انْتِقَالِ نَصِيبِ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ عَلَى دُخُولِ الْفَرْعِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ جَعْلِ فَقْدِ الْفَرْعِ شَرْطًا لِانْتِقَالِهِ لِغَيْرِ الْفَرْعِ عَلَى دُخُولِ الْفَرْعِ إنْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ وَذَاكَ مَنْطُوقٌ قَوِيٌّ فَاتَّضَحَ أَنَّ فِيمَا قُلْنَاهُ قَرِينَتَيْنِ وَأَنَّ إحْدَاهُمَا بِانْفِرَادِهَا أَقْوَى مِنْ قَرِينَةِ الْبُلْقِينِيُّ، فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِأَوْلَادِهِمْ وَسَائِرِ فُرُوعِهِمْ أَوْلَى بِالشُّمُولِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ، فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ الصَّرَائِحِ فِي مَسْأَلَتِنَا. فَإِنْ قُلْت يُنَافِي هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ مَا يَأْتِي فِي الْأَمْرِ الْعَاشِرِ مِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ انْقِرَاضِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي الصَّرْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ لِشَيْءٍ مِنْ الْوَقْفِ قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْبُلْقِينِيُّ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ قَوْلِهَا ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَ أَهْلِ مَرْتَبَةٍ شَيْئًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْوَاقِفُ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهَا وَلَا أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ عَامٌّ فَأَخَذْنَا بِمَفْهُومِهِ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ لَهُ أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ صُرِفَ إلَيْهِ، وَهَذَا أَخْذٌ ظَاهِرٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ كَلَامِ الْوَاقِفَةِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَأَمَّا صُورَةُ الْأَكْثَرِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهَا فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ مَا يُفْهِمُ عِنْدَهُمْ اسْتِحْقَاقَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ الْوَقْفَ بِالْأَوْلَادِ ثُمَّ جَعَلَ انْقِرَاضَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَرْطًا فِي إعْطَاءِ الْفُقَرَاءِ، وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ وَضْعًا أَنَّ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَيْئًا، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ. الْأَمْرُ السَّادِسُ، وَلَمْ أَظْفَرْ بِهِ إلَّا بَعْدَ كِتَابَةِ جَمِيعِ مَا سَبَقَ أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِي عَيْنِ مَسْأَلَتِنَا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ لِلْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَتْ الْوَاقِفَةُ فِي أَمْرِ الْعُتَقَاءِ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ مِنْ بَعْدِ مَنْ لَهُ وَلَدٌ مِنْهُمْ يُصْرَفُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ إلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَعَقِبِهِ وَنَسْلِهِ، ثُمَّ قَالَ وَقَدْ قَالَتْ الْوَاقِفَةُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِنْ انْقَرَضَ الْعُتَقَاءُ الْمَذْكُورُونَ فِيهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَبْقَ بِوَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ مِنْهُمْ حِينَ وَفَاةِ الْوَاقِفَةِ الْمَذْكُورَةِ صُرِفَ مَا هُوَ مُعَيَّنٌ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَوْلَادِ الْوَاقِفَةِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ إلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهَا إلَخْ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ عَيْنُ صُورَةِ سُؤَالِ الْمُفْتِي الْمَذْكُورِ أَوَّلَ هَذَا الِاسْتِفْتَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِيهِ بِأَنَّهُ يَعُمُّ ذُرِّيَّةَ الْعُتَقَاءِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ الْعِبَارَةِ الْأُولَى: وَقَضِيَّةُ هَذَا تَعْمِيمُ ذُرِّيَّةِ الْعُتَقَاءِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ مَاتَ قَبْلَ صُدُورِ الْوَقْفِ، وَهَذَا مِنْهُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفَةِ آخَرُ فَإِذَا انْقَرَضَ الْعُتَقَاءُ الْمَذْكُورُونَ إلَخْ لَمْ تُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْعُتَقَاءِ وَإِنَّمَا أَرَادَتْ بِهِمْ مَا يَشْمَلُ أَوْلَادَهُمْ وَأَوْلَادَ أَوْلَادِهِمْ، وَإِنْ سَفَلُوا أَخْذًا بِقَوْلِهَا أَوَّلًا: ثُمَّ مِنْ بَعْدِ مَنْ لَهُ وَلَدٌ مِنْهُمْ يُصْرَفُ إلَخْ فَتَصْرِيحُهُ بِشُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ لِقَرِينَةِ ذِكْرِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ حَتَّى إنَّ أَوْلَادَ الْوَاقِفَةِ لَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ حِصَّةِ الْعُتَقَاءِ شَيْئًا مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ فُرُوعِهِمْ. وَلَا نَظَرَ لِتَعْبِيرِهَا آخِرًا بِالْعُتَقَاءِ لِشُمُولِهِمْ لِفُرُوعِهِمْ لِأَجْلِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ تَصْرِيحٌ فِي مَسْأَلَتِنَا بِشُمُولِ الْعُتَقَاءِ فِيهَا لِفُرُوعِهِمْ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْبُلْقِينِيُّ وَمَسْأَلَتَنَا وَاحِدَةٌ، وَالْقَرِينَةَ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ فَإِذَا قَالَ فِي تِلْكَ: بِشُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ كَانَ قَائِلًا فِي هَذِهِ بِشُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ الْبُلْقِينِيُّ مُفْتٍ فِي مَسْأَلَتِنَا بِعَيْنِهَا بِشُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهَا هِيَ عَيْنُ صُورَةِ مَسْأَلَتِنَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ

стр. 883

وَلَا نَقْصٍ، وَإِذَا كَانَ الْبُلْقِينِيُّ مُفْتِيًا فِي مَسْأَلَتِنَا بِذَلِكَ فَكَفَى بِهِ حُجَّةً وَمُسْتَنَدًا لِمَا قُلْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ، وَلِمَ لَا؟ وَالْمُحَقِّقُ أَبُو زُرْعَةَ الَّذِي قِيلَ فِي تَرْجَمَتِهِ مَا رَأَى مِثْلَ نَفْسِهِ يَقُولُ فِي حَقِّ شَيْخِهِ السِّرَاجِ الْبُلْقِينِيُّ بَعْدَ أَنْ أَطْنَبَ فِي تَرْجَمَتِهِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَمُلَتْ فِي شَيْخِنَا هَذَا شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ. فَلِلَّهِ أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ وَأَزْكَاهُ وَأَنْمَاهُ وَأَشْمَلُهُ وَأَفْضَلُهُ، إذْ وَافَقْتُ أَنَا وَأَصْحَابُ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ هَذَا الْحَبْرَ فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ لَفْظَ الْعُتَقَاءِ يَشْمَلُ فُرُوعَهُمْ إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَافِيًا فِي الْحُجَّةِ، وَلِذَا لَوْ اطَّلَعْت عَلَيْهِ فِي الْأُوَلِ لَاكْتَفَيْتَ بِهِ وَلَمْ أُتْعِبْ نَفْسِي فِيمَا سَبَقَ وَلَا فِيمَا يَأْتِي، لَكِنَّ فِي ذَلِكَ فَرَائِدَ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ لَا بَأْسَ بِاسْتِفَادَتِهَا، فَإِنَّهَا تَزِيدُ الْحَقَّ وُضُوحًا وَظُهُورًا وَتُبْلِجُ الصَّدْرَ سُرُورًا وَحُبُورًا وَتُعِينُ عَلَى إدْرَاكِ عَوِيصَاتِ الْوَقَائِعِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بِخُصُوصِهَا مَنْقُولٌ وَلَا يُهْتَدَى لِدَرْكِ الْحُكْمِ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْمَعْقُولِ، يَسَّرَ اللَّهُ لَنَا ذَلِكَ وَجَعَلَنَا مِمَّنْ تَحَقَّقَ بِإِدْرَاكِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. الْأَمْرُ السَّابِعُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْأَئِمَّةَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْوَقْفُ إلَيْهِ كَانَ لِوَلَدِهِ إذَا انْتَقَلَ إلَيْهِ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَى أَبِيهِ، فَكَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً زَعَمَ الْقَاضِي بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ الزَّكِيِّ أَنَّ نَصِيبَهَا لَا يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِهَا بِحُكْمِ هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ الْأَبِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ الْأُمَّ، وَأَنَّ التَّاجَ الْفَزَارِيّ إمَامَ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَنِهِ وَكَانَ مِنْ مُعَاصِرِي النَّوَوِيِّ لَكِنَّهُ كَانَ أَشْيَعَ وَأَشْهَرَ مِنْ النَّوَوِيِّ قَالَ: إنَّ لَفْظَ الْأَبِ جَاءَ لِلتَّغْلِيبِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَأَفْتَى بِذَلِكَ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَسَاعَدَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَبَلَغَهُ أَنَّ السُّؤَالَ عُرِضَ عَلَى الشَّرَفِ الْمَقْدِسِيِّ وَالزِّيَنِ بْنِ عُمَرَ مَكِّيٌّ فَامْتَنَعَا مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْقَاضِي بَهَاءِ الدِّينِ، فَحَوْقَلَ الشَّيْخُ ﵀ وَاسْتَرْجَعَ لِذَلِكَ اهـ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ، وَهُوَ صَرِيحٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلتَّاجِ وَمُوَافِقِيهِ وَمُنْكِرٌ عَلَى الْبَهَاءِ الزَّكِيِّ وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْكِتَابَةِ لِأَجْلِهِ. وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْأَبَ اُسْتُعْمِلَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا لِذَلِكَ قَرِينَةً، فَكَيْفَ لَا يُسْتَعْمَلُ الْعُتَقَاءُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ لِلْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي سَبَقَ تَقْرِيرُهَا، فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ سَاغَ لِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَعْلَمُوا اللَّفْظَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ بِلَا قَرِينَةٍ سِيَّمَا مَعَ تَصْرِيحِ رَئِيسِهِمْ التَّاجِ الْفَزَارِيّ بِالتَّغْلِيبِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلتَّجَوُّزِ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ اكْتَفَوْا بِوُضُوحِ الْقَرِينَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ لَفْظِ الْوَاقِفِ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ أَوَّلًا بِأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَبِأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ انْتَقَلَ لِوَلَدِهِ مَا كَانَ لَهُ كَمَا يُعْرَفُ بِمُرَاجَعَةِ كَلَامِ التَّوَسُّطِ وَجَامِعِ فَتَاوَى التَّاجِ الْفَزَارِيّ وَأَئِمَّةِ عَصْرِهِ لِبَعْضِ تَلَامِذَتِهِ، وَمِنْهُ نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّك تَجِدُهُ نَصًّا فِي شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ أَخَذُوا مِنْ قَوْلِ الْوَاقِفِ أَوَّلًا أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَبِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشْمَلُ الْأُمَّ تَغْلِيبًا، فَاكْتَفَوْا بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ الْوَاحِدَةِ فِي ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ بِمِثْلِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ، وَقَدْ مَرَّ قَرِيبًا مِثْلُهَا مَعَ قَرَائِنَ أُخْرَى فَلْيَكُنْ الشُّمُولُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَفْتَى بِهِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ نَصٌّ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ الْعُدُولُ عَنْهُ. الْأَمْرُ الثَّامِنُ: قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ طَوِيلٍ: ثُمَّ إنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى رُجْحَانِ هَذَا الْمَحْمَلِ عَلَى مَا يُعَارِضُهُ، بَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا مُتَسَاوِيًا فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرُهُ لَفْظَ النَّسْلِ وَالْعَقِبِ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَقْيِيدُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِمُحْتَمِلٍ لِذَلِكَ، انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي صُورَةٍ وُجُوهًا لِلِاسْتِحْقَاقِ وَوُجُوهًا لِعَدَمِهِ وَبَيَّنَهَا ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِحْقَاقُ مُحَقَّقٌ وَالْحَجْبُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُتْرَكُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ وَيُعْمَلُ بِالْمُحَقَّقِ فَيُقْضَى لَهُنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ قَبْلَ الْوَقْفِ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يُحْكَمُ بِهِ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ اهـ. وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ لِهَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ نَصٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا أَيْضًا بِاسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا، وَبَيَانُهُ أَنَّا تَيَقَّنَّا اسْتِحْقَاقَ فُرُوعِ الْعُتَقَاءِ

стр. 884

بِنَصِّ الْوَاقِفِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ إلَخْ ثُمَّ شَكَكْنَا فِي قَوْلِهِ: فَإِذَا بَقِيَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ، هَلْ أَرَادَ مِنْ الْعُتَقَاءِ دُونَ فُرُوعِهِمْ أَوْ مِنْهُمْ وَمِنْ فُرُوعِهِمْ؟ وَعِنْدَ الشَّكِّ يَجِبُ الرُّجُوعُ لِلْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْفُرُوعِ فَيُحْكَمُ لَهُمْ بِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ خُرُوجُهُمْ بِدَلِيلٍ غَيْرِ مُحْتَمِلٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ الْمَذْكُورِ، فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَقْيِيدُهُ وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِمُحْتَمِلٍ لِذَلِكَ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا يَقِينٌ وَمَشْكُوكٌ فِيهِ كَانَ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ: وَإِنْ مُحْتَمِلًا مُتَسَاوِيًا إلَخْ مُقْتَضِيًا لِاسْتِحْقَاقِ الْفُرُوعِ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ اسْتَدَلَّ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ بِتَقَدُّمِ ذِكْرِ النَّسْلِ وَالْعَقِبِ فَأُجْرِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَقْيِيدُهُ بِغَيْرِ مُحْتَمِلِ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي صُورَتِنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ وَأَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا جَرَى فِيهَا ذَلِكَ جَرَى فِيهَا مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْفُرُوعِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا تَسَاوِيَ الِاحْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرُ الْفُرُوعِ فَيَخْرُجُونَ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مُخْرِجٌ لَهُمْ مِنْهُ بِغَيْرِ مُحْتَمِلٍ، وَلَا يُمْكِنُ مُدَّعِيًا هُنَا أَنْ يَزْعُمَ إخْرَاجَهُمْ بِغَيْرِ مُحْتَمِلٍ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْعُتَقَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا قَرِينَةَ لَهُ كَانَ مِنْ أَظْهَرْ قَرَائِنِهِ تَقَدُّمُ اسْتِحْقَاقِ الْفُرُوعِ وَالنَّظَرِ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا لَهُ مِنْ ادِّعَاءِ انْصِرَافِهِ إلَى حَقِيقَتِهِ فَقَطْ، وَإِذَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَ الْعَمَلُ بِالْمُتَيَقَّنِ أَوَّلًا وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْفُرُوعِ بِنَصِّ الْوَاقِفِ، فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَصْدُقُ عَلَى أَوْلَادِ الْعُتَقَاءِ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاةِ آبَائِهِمْ أَوْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ آبَائِهِمْ؟ قُلْت: كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى قَوَاعِدِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ، كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ ثُمَّ اسْتَنْتَجَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ دَاخِلُونَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ وَمُرَادِهِ أَوَّلًا، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمْ وَبِثُمَّ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِكَوْنِ الْمُقْتَضَى إذَا وُجِدَ عَمَلٌ عَمِلَهُ وَلَهُ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ طَوِيلٌ فِي إفْتَاءٍ آخَرَ حَاصِلُهُ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَنَّهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ يُسَمَّى مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ وَبَيْنَ ذَلِكَ. الْأَمْرُ التَّاسِعُ: قَالَ السُّبْكِيّ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَمْرَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لِبَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ: فَهَذَانِ الظَّاهِرَانِ تَعَارَضَا وَهُوَ تَعَارُضٌ قَوِيٌّ صَعْبٌ، وَلَيْسَ التَّرْجِيحُ فِيهِ بِالْهَيِّنِ، بَلْ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ الْفَقِيهِ وَخَطَرَ لِي فِيهِ طُرُقٌ مِنْهَا أَنَّ الشَّرْطَ الْمُقْتَضِيَ لِاسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ جَمِيعِهِمْ مُتَقَدِّمٌ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ، وَالشَّرْطَ الْمُقْتَضِيَ لِإِخْرَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ مُتَأَخِّرٌ فَالْعَمَلُ بِالْمُقَدَّمِ أَوْلَى، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ النَّسْخِ حَتَّى يُقَالَ: الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ أَوْلَى اهـ. وَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ غَايَةَ التَّنَزُّلِ فِيهَا أَنْ يُقَالَ: الشَّرْطُ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْقَاقِ الْعُتَقَاءِ مُتَقَدِّمٌ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ وَالشَّرْطُ الْمُقْتَضِي لِإِخْرَاجِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُتَقَاءَ فِي قَوْلِهِ: إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ إلَخْ الْمُرَادُ بِهِمْ الْعُتَقَاءُ حَقِيقَةً فَقَطْ مُتَأَخِّرٌ، وَالْعَمَلُ بِالْمُتَقَدِّمِ أَوْلَى بِنَصِّ هَذَا الْخَبْرِ، وَيُوَجَّهُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُتَقَدِّمِ أَوْلَى بِمَا عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ فِي كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ: مِنْ أَنَّ الْأَوَّلَ أَفَادَ بِيَقِينٍ إدْخَالَهُمْ وَشَكَكْنَا فِي الثَّانِي هَلْ أَخْرَجَهُمْ أَوْ لَا؟ فَأَبْقَيْنَا الْمُتَيَقَّنَ عَلَى حُكْمِهِ مِنْ دَوَامِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَمْ نَرْفَعْهُ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْوَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مُعَارَضَتِهِ لِلْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ يَزْدَدْ لَك بِهِ وُضُوحُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ دُخُولِ فُرُوعِ الْعُتَقَاءِ، وَاشْكُرْ اللَّهَ عَلَى وُضُوحِ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُشْكِلَةِ وَالْوَاقِعَةِ الْعَوِيصَةِ الْمُعْضِلَةِ. الْأَمْرُ الْعَاشِرُ: قَالَ السُّبْكِيّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادِي وَأَوْلَادُ أَوْلَادِي فَعَلَى الْفُقَرَاءِ صُرِفَ إلَى الْأَوْلَادِ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَبَقِيَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: وَكَلَامُ الْأَكْثَرِينَ مَائِلٌ لِتَرْجِيحِهِ يَكُونُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ الثَّانِي أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ وَلَيْسَ لِأَجْلِ الْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ لَا يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ، وَهُوَ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَإِنَّمَا انْصَرَفَ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ ذِكْرِهِمْ وَتَوْقِيفِ الصَّرْفِ إلَى الْفُقَرَاءِ

стр. 885

عَلَى انْقِرَاضِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَوْلَادِي وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِيهِمْ وَتَجَوَّزَ بِإِطْلَاقِ الْأَوْلَادِ وَإِرَادَةِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ، بَلْ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمَفْهُومِ فِي شَيْءٍ وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا جَرَيَانُهُ فِيمَا إذَا قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادِي وَانْقَرَضَ زَيْدٌ الْأَجْنَبِيُّ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ، بَلْ الَّذِي يُتَّجَهُ هَهُنَا الْقَطْعُ بِكَوْنِهِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ؛ لِأَنَّ زَيْدًا لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْأَوْلَادِ بِوَجْهٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا كَوْنُهُ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ اهـ. كَلَامُ السُّبْكِيّ، فَتَأَمَّلْ مَا وَجَّهَ بِهِ الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِاسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مِنْ أَنَّ قَرِينَةَ ذِكْرِهِمْ وَتَوْقِيفِ الصَّرْفِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَوْلَادِي وَأَنَّهُ تَجَوَّزَ فَأَطْلَقَ الْأَوْلَادَ عَلَى الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّك تَجِدُهُ صَرِيحًا فِي شُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ؛ لِأَنَّ السُّبْكِيّ إذَا اكْتَفَى فِي أَنَّ لَفْظَ الْأَوْلَادِ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَتَوْقِيتِ الصَّرْفِ عَلَى انْقِرَاضِهِمْ، فَهُوَ يَكْتَفِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَهُوَ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ فَلْيُكْتَفَ فِيهَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ قَطْعًا، فَيَكُونُ لَفْظُ الْعُتَقَاءِ شَامِلًا لِلْعُتَقَاءِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فَيَشْمَلُ سَائِرَ فُرُوعِهِمْ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك أَنَّ الْوَجْهَيْنِ الْجَارِيَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَا يَجْرِي نَظِيرُهُمَا فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرِينَ إنَّمَا مَالَ كَلَامُهُمْ إلَى تَرْجِيحِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ لِضَعْفِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ كَمَا ظَهَرَ لَكَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ وَأَمَّا مَسْأَلَتُنَا فَالْقَرِينَةُ فِيهَا قَوِيَّةٌ جِدًّا بَلْ وَمَعَهَا قَرَائِنُ أُخْرَى كَمَا مَرَّ بَيَانُهَا، فَلَا يَأْتِي نَظِيرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا يُعَلِّلُونَ بِهِ أَنَّ جَعْلَ انْقِرَاضِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَرْطًا فِي الصَّرْفِ لِلْفُقَرَاءِ لَا يَدُلُّ وَضْعًا لَا مَنْطُوقًا وَلَا مَفْهُومًا عَلَى الصَّرْفِ لَهُمْ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِمْ فَعَمِلُوا بِذَلِكَ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِنَظِيرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا ذَكَرَ الْأَوْلَادَ وَنَصَّ عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ مَا كَانَ لِأَبِيهِ دَلَّ ذَلِكَ صَرِيحًا عَلَى دُخُولِهِمْ فِي وَقْفِهِ وَلَفْظِهِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِدَوَامِ اسْتِحْقَاقِهِمْ، إذْ لَا رَافِعَ لَهُ وَبِتَقْدِيرِ أَنَّ لَهُ رَافِعًا بَعْدَهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ كَمَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ قَرِيبًا فِي الْأَمْرِ التَّاسِعِ. (الْكَلَامُ الثَّانِي) فِي بَيَانِ مَا فِي تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ، أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ: أَرَادَ الْوَاقِفُ إلَخْ كَلَامٌ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ وُجِدَ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ مِنْ الْقَرَائِنِ الْمُتَعَدِّدَةِ كَمَا قَدَّمْت بَيَانَهَا وَإِيضَاحَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ مَا يَشْمَلُ حَقِيقَتَهُ وَمَجَازَهُ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّنَزُّلِ لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعَانِيهِ، لَا مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ إزَالَةَ الرِّقِّ إلَخْ بَيَانٌ لِعَلَاقَةِ ذَلِكَ الْمَجَازِ وَقَوْلُهُ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَيَانٌ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ مِنْ لَفْظِ الْعُتَقَاءِ مَا يَشْمَلُ مَجَازَهُ أَيْضًا، وَقَدْ قَدَّمْت مِنْ الْقَرَائِنِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ مَا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ وَتَقَرُّ بِهِ الْعَيْنُ وَيَتَّضِحُ بِهِ الْحَقُّ وَيَزُولُ عَنْ إدْرَاكِ عَوْرَةِ كَثَائِفِ الرَّيْنِ وَالْغَيْنِ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يَدْخُلُ إلَخْ هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْوَاقِفِ وَمَرَّ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ التَّصْرِيحُ بِنَظِيرِهِ وَعَنْهُ وَعَنْ أَئِمَّةٍ آخَرِينَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِهِ لَا تَقْبَلُ تَأْوِيلًا وَلَا تَحْتَاجُ دَلِيلًا، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَابِ الثَّانِي فَقَوْلُهُ: لَا يَخْتَصُّ إلَخْ لَا يُنَافِي الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْعُتَقَاءِ حَقِيقَةً إلَّا خَمْسُونَ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْمَيِّتِينَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ الصَّرْفِ لِجِهَةِ الْحَرَمِ، وَأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْعُتَقَاءُ وَأَوْلَادُهُمْ قُدِّمَ الْعُتَقَاءُ حَقِيقَةً إنْ زَادُوا عَلَى خَمْسِينَ لِنَصِّ الْوَاقِفِ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ إلَخْ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالِاخْتِصَاصِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَإِذَا انْقَرَضَ إلَخْ نَعَمْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ فَإِذَا انْقَرَضَ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ عُتَقَاءُ حَقِيقَةً وَبَعْضَهُمْ مِنْ فُرُوعِ الْمَيِّتِينَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ قِسْمَةِ الرَّيْعِ شَطْرَيْنِ وَلَيْسَ هَذَا مُرَادًا؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ إذَا كَانُوا مِنْ مَحْضِ الْفُرُوعِ وَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ بِنَصِّ هَذَا الْمُجِيبِ وَبَقِيَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ إلَخْ فَأَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ الْأَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ الَّذِينَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْعُتَقَاءِ وَبَعْضُهُمْ مِنْ الْفُرُوعِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مَعْلُومَةٌ مِنْ كَلَامِهِ فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَوْهَمَ ظَاهِرُهُ خِلَافَهَا

стр. 886

عِنْدَ عَدَمِ التَّأَمُّلِ وَأَنَّهُ مَتَى وُجِدَ مِنْ الْعُتَقَاءِ حَقِيقَةً وَبَعْضُهُمْ مِنْ الْفُرُوعِ، فَإِنَّ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ هُمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُجِيبِينَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْفُرُوعَ كَالْأُصُولِ فِي الْمَنْعِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْفُرُوعِ فُرُوعُ مَنْ مَاتَ لَا مَنْ هُوَ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ نَصَّ الْوَاقِفِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ إلَخْ أَفَادَ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ فِي تَنَاوُلِ لَفْظِ الْعُتَقَاءِ لَهُ، إلَّا إنْ مَاتَ أَبُوهُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَرِينَةَ الظَّاهِرَةَ عَلَى دُخُولِهِ قَوْلُهُ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ إلَخْ لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى إنْ قُلْنَا: إنَّ دُخُولَهُمْ فِي لَفْظِ الْعُتَقَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ إلَخْ أَمَّا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ فَتَدْخُلُ الْفُرُوعُ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ آبَائِهِمْ، بَلْ قَضِيَّةُ مَا قَدَّمْته أَوَاخِرَ الْأَمْرِ الثَّامِنِ عَنْ السُّبْكِيّ دُخُولُهُمْ هُنَا مُطْلَقًا وَيُجَابُ: بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّد اتِّصَافِهِمْ بِالدُّخُولِ وَأَنَّهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَحْجُبُونَ غَيْرَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَجْبَ حُكْمٌ مُغَايِرٌ لِمُجَرَّدِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّسْمِيَةِ، فَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْوَجْهُ أَنَّ الْفُرُوعَ الْمَوْجُودَ آبَاؤُهُمْ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي حَجْبِ جِهَةِ الْحَرَمِ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْعُتَقَاءِ حَقِيقَةً وَمِنْ فُرُوعِ الْمَوْتَى إلَّا خَمْسُونَ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ ظَاهِرُهَا التَّنَافِي فِي ذَلِكَ، إذْ ظَاهِرُ هَذَا الْجَوَابِ هُنَا مَا قُلْنَاهُ. وَظَاهِرُ الْحَاصِلِ الَّذِي ذَكَرَهُ عِنْدَ تَأَمُّلِ آخِرِهِ وَظَاهِرُ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْفَرْعَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ وَالِدِهِ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِمَا بَيَّنَّاهُ وَقَوْلُهُ الزَّائِدُ عَلَى الْخَمْسِينَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْوِيرٌ لَا تَقْيِيدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: كَأَنَّهُ إلَخْ وَقَوْلُهُ: عَصَبَةُ كُلِّ عَتِيقٍ الْمُرَادُ مِنْهُمْ فُرُوعُهُ لَا مُطْلَقًا، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَابِ الثَّالِثِ فَقَوْلُهُ: كَانَ الْأَوْلَادُ إلَخْ الظَّاهِرُ: أَنَّهُ أَخَذَ هَذَا التَّقْيِيدَ مِمَّا قَرَّرَهُ أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ مَوْجُودٌ شَرْعًا بِوُجُودِ فَرْعِهِ حِسًّا، وَإِذَا كَانَتْ الْأُصُولُ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ بِوُجُودِ فُرُوعِهَا، فَلَا بُدَّ عِنْدَ تَمَحُّضِ الْفُرُوعِ الْأَكْثَرِ مِنْ خَمْسِينَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفُرُوعِ الْمَوْجُودِينَ نَشَأَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الْعُتَقَاءِ حَتَّى تَكُونَ الْعُتَقَاءُ حَقِيقَةً كَأَنَّهُمْ مَوْجُودُونَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَتِمُّ لَهُ بِإِطْلَاقِهِ، لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ: انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ يَشْمَلُ الْفَرْعَ الْوَاحِدَ وَالْمُتَعَدِّدَ وَإِذَا شَمَلَ ذَلِكَ اقْتَضَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ الْعُتَقَاءِ الْأَكْثَرِ مِنْ خَمْسِينَ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ خَمْسِينَ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْخَمْسِينَ مِنْ الْعُتَقَاءِ حَقِيقَةً، وَبَقِيَتْ الْفُرُوعُ الْأَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ الَّذِينَ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ، مَنَعَ هَؤُلَاءِ الصَّرْفَ لِجِهَةِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ بِمُقْتَضَى الْقَرَائِنِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا أَنَّ الْفُرُوعَ يُسَمَّوْنَ عُتَقَاءَ فَيَدْخُلُونَ فِي لَفْظِ الْعُتَقَاءِ فِي كَلَامِهِ. وَإِذَا دَخَلُوا فِيهِ وَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ آبَائِهِمْ اُتُّجِهَ مَا قُلْنَاهُ لَا مَا قَالَهُ، فَالْوَجْهُ مَا أَفَادَهُ الْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ مِمَّا يُوَافِقُ مَا قَرَّرْنَاهُ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَابِ الرَّابِعِ فَمَا أَفَادَهُ فِيهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ لِفُرُوعِ الْعُتَقَاءِ شَيْءٌ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ مِنْ مَنْعِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازه، وَاسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ لَكِنَّهُ أَشَارَ إلَى رَدِّ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ بِمَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ أَقْصَى إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا التَّدْقِيقَ لَا يُبْحَثُ عَنْهُ فِي عِبَارَةِ الْوَاقِفِينَ، كَمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ فَتَاوَى أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ وَعِبَارَاتِ الْوَاقِفِينَ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا، وَقَدْ قَدَّمْت فِي تِلْكَ الْأُمُورِ الْعَشَرَةِ شَوَاهِدَ صِدْقٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ، وَقَوْلُهُ: بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ التَّصْرِيحُ بِهِ إلَّا مِمَّنْ يَمْنَعُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَأَمَّا مَنْ يُجَوِّزُهُ بَلْ يُوجِبُهُ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِنَا كَمَا مَرَّ فَالْقَرِينَةُ عِنْدَهُ عَلَى قِسْمَيْنِ. قَرِينَةٌ: تَمْنَعُ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ وَقَرِينَةٌ: تَدُلُّ عَلَى انْضِمَامِ الْمَجَازِ إلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى يَشْمَلَهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ. وَأَصْحَابُ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ بَنَوْا كَلَامَهُمْ عَلَى الثَّانِي فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ بِالْأَوَّلِ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَرِينَةِ مَنْعُ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ مُطْلَقًا إلَّا مِمَّنْ يَمْنَعُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَقَوْلُهُ: إنَّ إلَخْ فَهُوَ رَدٌّ لِمَا قَالَهُ الْمُجِيبُ الْأَوَّلُ وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِزَالَةُ عَنْ الْمَوْجُودِ وَاَلَّذِي سَيُوجَدُ لَكِنْ لَا بِمَعْنَى أَنَّ مُعْتِقَ الْأَصْلِ بَاشَرَ عِتْقَ الْفَرْعِ وَلَا أَزَالَ عَنْهُ رِقًّا حَقِيقِيًّا؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ ذَلِكَ بَدِيهِيٌّ، فَلَا يُورَدُ مِثْلُهُ وَلَا يُرَادُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُجِيبُ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ قَوْلَ أَصْحَابِنَا: إنْ مَسَّ الْمَيِّتَ رِقٌّ فَالْعَصَبَةُ الْوَارِثُ لَهُ بَعْدَ عَصَبَةِ

стр. 887

النَّسَبِ هُوَ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ رِقٌّ، وَإِنَّمَا مَسَّ أَحَدَ آبَائِهِ فَالْعَصَبَةُ الْوَارِثُ لَهُ هُوَ مُعْتِقُ ذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي انْجَرَّ الْوَلَاءُ مِنْهُ إلَى ذَلِكَ الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْأَصْلِ نِعْمَةٌ عَلَى الْفَرْعِ فَمَنْ أُمُّهُ حُرَّةٌ أَصْلِيَّةٌ وَأَبُوهُ عَتِيقٌ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِمَوَالِي أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِسَابَ إلَى الْأَبِ وَهُوَ حُرٌّ مُسْتَقِلٌّ لِأَوْلَادٍ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ الْوَلَدُ مِثْلَهُ اهـ. فَهَذَا يُظْهِرُ مَعْنَى قَوْلِ الْمُجِيبِ الْأَوَّلِ: إنَّ إزَالَةَ الرِّقِّ عَنْ الْأَصْلِ إزَالَةٌ لَهُ عَنْ الْفَرْعِ فَأَرَادَ بِإِزَالَةِ الرِّقِّ إزَالَةَ آثَارِهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْإِزَالَةَ تَسْتَلْزِمُ الْإِنْعَامَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، أَمَّا الْأَصْلُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ بَاشَرَتْهُ حَقِيقَةً، وَأَمَّا الْفَرْعُ؛ فَلِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ زَوَالُ الْعَارِ عَنْهُ بِرِقِّ أَصْلِهِ وَمُكَافَأَتِهِ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي تُسَاوِيهِ فِي حُرِّيَّةِ الْأُصُولِ، إذْ لَوْ بَقِيَ أَصْلُهُ رَقِيقًا لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا لِمَنْ أَصْلُهَا عَتِيقٌ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَصْلَانِ عَتِيقَانِ لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا لِمَنْ لَهَا ثَلَاثَةُ أُصُولٍ عُتَقَاءُ. وَكَذَا فِي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ لَوْ اسْتَمَرَّ رَقِيقًا لَمْ يَتَحَمَّلْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ أَقْرِبَائِهِ عَنْهُ لَوْ جَنَى، فَلَمَّا عَتَقَ أَصْلُهُ صَارَ مُعْتِقَ أَصْلِهِ يَتَحَمَّلُ عَنْ ذَلِكَ الْفَرْعِ لَوْ جَنَى، وَلَا مُوجِبَ لِهَذَا التَّحَمُّلِ عَنْهُ إلَّا نِعْمَتُهُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ عَلَى أَصْلِهِ السَّارِيَةُ مِنْ أَصْلِهِ إلَيْهِ الْمُقْتَضِيَةُ لِكَوْنِهِ صَارَ كَقَرِيبِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ جَلْدَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: ﷺ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» فَظَهَرَ أَنَّ الْفَرْعَ اكْتَسَبَ شَرَفًا وَفَوَائِدَ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ بِسَبَبِ عِتْقِ أَصْلِهِ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ الْعِتْقَ سَرَى إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ وُصُولِ آثَارِهِ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَتَسْمِيَةُ الْفَرْعِ عَتِيقًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَجَازٌ وَاضِحٌ لِلْعَلَاقَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي أَشَرْت إلَيْهَا، وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّ الْفَرْعَ إذَا وُجِدَ حُرًّا إلَخْ جَوَابُهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حُرًّا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ أَبِيهِ حَصَلَ لَهُ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْ جِهَةِ حُرِّيَّةِ أَبِيهِ أَوْجَبَتْ لَهُ أَنْ تَكُونَ النِّعْمَةُ عَلَى أَبِيهِ نِعْمَةً عَلَيْهِ، فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ مُطْلَقًا بَلْ مُغَيًّا إلَى غَايَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهَا، وَهِيَ بُلُوغُ عَدَدِ الْعُتَقَاءِ خَمْسِينَ، جَوَابُهُ: أَنَّ الْمُجِيبِينَ الْأَوَّلِينَ لَا يُخَالِفُونَ فِي هَذِهِ الْغَايَةِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ: بِإِلْغَائِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُرَادِ بِلَفْظِ الْعُتَقَاءِ فِيهَا فَهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَجَازَهُ كَحَقِيقَتِهِ لِلْقَرِينَةِ، بَلْ وَالْقَرَائِنِ الَّتِي قَدَّمْت إيضَاحَهَا، وَمُخَالِفُوهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَقِيقَتُهُ فَقَطْ إلْغَاءً لِتِلْكَ الْقَرِينَةِ أَوْ الْقَرَائِنِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْوَ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا هُوَ مَنْشَأُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مَعَ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْغَايَةَ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا، لَكِنْ الْأَوَّلُونَ يَعْتَبِرُونَ فِيهَا الْفُرُوعَ أَيْضًا، وَالْآخَرُونَ يَعْتَبِرُونَ فِيهَا الْأُصُولَ فَقَطْ. وَقَوْلُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ لِنَصِيبِ الْأَبِ يَجْعَلُ الْأَبَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْجَعْلَ لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُجِيبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي قَرَّرْته وَوَضَّحْته فِيمَا بَسَطْته سَابِقًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا نَصَّ عَلَى أَنَّ الْفُرُوعَ يَسْتَحِقُّونَ مَا كَانَ لِأُصُولِهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي فِي سَائِرِ طَبَقَاتِ الْفُرُوعِ، كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: أَوْ أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ الْمَذْكُورِينَ خَمْسُونَ، كَانَ هَذَا النَّصُّ الَّذِي ذَكَرَهُ قَرِينَةً أَيَّ قَرِينَةٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعُتَقَاءِ فِي الْغَايَةِ جَمِيعَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَبْلَ الْغَايَةِ، وَهُمْ الْعُتَقَاءُ وَفُرُوعُهُمْ إعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ لِوُجُودِ الْعَلَاقَةِ، وَهِيَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْأَصْلِ نِعْمَةٌ عَلَى الْفَرْعِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ وَلِوُجُودِ الْقَرِينَةِ وَهِيَ نَصُّهُ عَلَى قِيَامِ الْفُرُوعِ مَقَامَ أَبِيهِمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ الْمُوجِبِ لِكَوْنِهِ مُتَيَقَّنًا فِيهِمْ، وَشَكَكْنَا فِي ارْتِفَاعِهِ عَنْهُمْ بِإِرَادَةِ الْعُتَقَاءِ حَقِيقَةً فِي الْغَايَةِ فَلَزِمَنَا الْعَمَلُ بِالْيَقِينِ وَطَرْحُ الشَّكِّ، كَمَا مَرَّ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَرَّ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ فِي عَيْنِ مَسْأَلَتِنَا التَّصْرِيحُ بِشُمُولِ الْعُتَقَاءِ لِفُرُوعِهِمْ، وَكَفَى بِذَلِكَ حُجَّةً فِي تَأْيِيدِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ إذَا قُلْتُمْ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّ الْمُجِيبَ الثَّالِثَ قَدْ نَظَرَ لِذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَوَّلَيْنِ كَمَا قَدَّمْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا عِنْدَ بَيَانِ مَا فِي الْجَوَابِ الثَّالِثِ، وَأَنَّ الْحَقَّ مَا أَفَادَهُ الْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ لَا مَا ذَكَرَهُ الثَّالِثُ، وَقَوْلُهُ: يَلْزَمُ أَنْ يَقُولُوا بِقَسْمِ الرَّيْعِ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنِّي قَدَّمْت أَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ الْخَمْسِينَ لَوْ كَانُوا أَوْلَادَ عَتِيقٍ وَاحِدٍ مَنَعُوا قِسْمَةَ الرَّيْعِ

стр. 888

شَطْرَيْنِ؛ لِأَنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى وُجُودِ أُصُولِهِمْ لَا شَرْعًا وَلَا حِسًّا، خِلَافًا لِمَا نَظَرَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْجَوَابِ الثَّالِثِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُنْظَرُ إلَيْهِ أَنَّ الْفُرُوعَ يُسَمَّوْنَ عُتَقَاءَ مَجَازًا وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ بِمُقْتَضَى الْعَلَاقَةِ وَالْقَرِينَةِ السَّابِقَتَيْنِ فِي لَفْظِ الْعُتَقَاءِ فِي قَوْلِهِ، إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ خَمْسُونَ، وَإِذَا كَانَ الْفُرُوعُ دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ، وَأَوْلَدَ بَعْضُ الْعُتَقَاءِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَ الْكُلُّ إلَّا فُرُوعَ ذَلِكَ الْعَتِيقِ مَنَعُوا مِنْ قِسْمَةِ الرَّيْعِ شَطْرَيْنِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَمْ تُوجَدْ إذْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْعُتَقَاءِ مَجَازًا خَمْسُونَ فَقَطْ، بَلْ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ، فَظَهَرَ أَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ لِتَقْدِيرِ وُجُودِ الْأَصْلِ حَتَّى يَلْزَمَ عَلَيْهِ مَا مَرَّ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَسْمِيَةِ الْفُرُوعِ عُتَقَاءَ وَدُخُولِهِمْ فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ خَمْسُونَ. وَقَوْلُهُ: قُلْنَا الْوَاقِفُ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّ النَّظَرَ إلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْأَصْلِ مِنْ أَنَّهُ لَا مَعْقُولَ عَلَيْهِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَ قَائِلِهِ أَنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ مُرَجِّحٌ لِإِرَادَةِ الْوَاقِفِ بِلَفْظِ الْعُتَقَاءِ مَا يَشْمَلُ فُرُوعَهُمْ، لَكَانَ لَهُ بَعْضُ إيضَاحٍ وَآلَ إلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ إنَّمَا هُوَ لِتَسْمِيَةِ الْوَاقِفِ الْفُرُوعَ عُتَقَاءَ بِمُقْتَضَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ، وَقَوْلُهُ: إنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَا يُسْتَرَابُ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَتَغْلِيطُهُ عَلَى مَنْ خَالَطَهُ بِمَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ لَا غَيْرُ لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَذْهَبٍ أَعْرَفُ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَا يَسَعُ غَيْرَهُمْ أَنْ يُشَنِّعَ عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُطَالِعَ كُتُبَ فُرُوعِهِمْ وَفَتَاوَى أَئِمَّتِهِمْ، فَإِذَا أَحَاطَ بِذَلِكَ سَاغَ لَهُ أَنْ يُشَنِّعَ عَلَى مَنْ خَالَفَ قَوَاعِدَ مَذْهَبِهِ، كَمَا وَقَعَ لِلسُّبْكِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ بِكَلَامِ أَئِمَّتِهِمْ وَذِكْرِ نُصُوصِهِمْ مَعَ بَيَانِ أَنَّهُمْ خَالَفُوهَا، بَلْ وَقَعَ لَهُ مَعَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْوَقْفِ نَقَلَ فِيهَا كَلَامَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ سَفَّهَ جَمِيعَ مَا قَالَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَبَيَّنَ سَبَبَ وَهْمِهِ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ حَتَّى فَهِمَ مِنْهُ غَيْرَ الْمُرَادِ، وَنَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَسَاقَ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ الظَّاهِرِ مِنْهُ سَبَبُ الْوَهْمِ، وَأَنَّهُ مُخْطِئٌ فِي فَهْمِهِ، وَبَيَّنَّ أَيْضًا سَبَبَ وَهْمِهِ فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ ثُمَّ سَاقَ نُصُوصَهُمْ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ، وَكَذَا فَعَلَ مَعَ مَنْ بَقِيَ وَأَطَالَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ، فَمَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِ الْمُخَالِفِينَ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِكَلَامِ أَئِمَّتِهِمْ قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ لَا فَلَا، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَابِ الْخَامِسِ، فَمَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ قَائِلَهُ نَظَرَ إلَى كَلَامِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَلَمْ يُمْعِنْ النَّظَرَ فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ فُرُوعِ مَذْهَبِهِ، إذْ لَوْ أَمْعَنَ ذَلِكَ لَمْ يَفُتْهُ مَا قَدَّمْته عَنْهُمْ فِي الْأُمُورِ الْعَشَرَةِ الَّتِي بَسَطْت الْكَلَامَ فِيهَا. عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْعُتَقَاءَ مُشْتَرَكًا كَمَا بَسَطْت بَيَانَهُ فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ لَظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ مَا مَرَّ مِنْ قِيَامِ الْفُرُوعِ مَقَامَ آبَائِهِمْ، وَلَمْ يُورِدْ شَيْئًا مِمَّا أَوْرَدَهُ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابُ عَمَّا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ تَمْهِيدُ مُقَدِّمَةٍ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ لَكِنَّ مَا بَرْهَنْت عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دَاعٍ لِلتَّجَوُّزِ لَا يُرَدُّ عَلَى مُخَالِفِيهِ، لِمَا مَرَّ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ تَدْقِيقَاتِ النُّحَاةِ وَغَيْرِهِمْ لَا تُدَارُ عَلَيْهَا كُتُبُ الْأَوْقَافِ، وَلِمَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُمْ فِي الْمَجَازِ الْوَاقِعِ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ لَا يَبْحَثُونَ عَنْ الدَّاعِي إلَيْهِ أَبَدًا وَإِنَّمَا يَبْحَثُونَ عَنْ وُجُودِ قَرِينَةٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ وُجِدَتْ أَدَارُوا الْحُكْمَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا وَمَرَّ بَيَانُ سَبَبِ إعْرَاضِهِمْ عَنْ الْبَحْثِ عَنْ الدَّاعِي وَالِاكْتِفَاءِ بِالنَّظَرِ إلَى الْقَرِينَةِ فَحَسْبُ فَرَاجِعْهُ، عَلَى أَنَّ هُنَا دَاعِيًا ظَاهِرًا وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ بِتَجَوُّزِهِ بِتَسْمِيَةِ الْفُرُوعِ عُتَقَاءَ أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى أَخْذِ الْفُرُوعِ حِصَصَ أُصُولِهِمْ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ تَشْمَلْهُمْ نِعْمَةُ عِتْقِهِ مُبَاشَرَةً فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا سَبَبُ إلْحَاقِك الْفُرُوعَ بِأُصُولِهِمْ مَعَ بُعْدِهِمْ عَنْك؟ فَقَالَ: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نِعْمَةَ عِتْقِي شَمِلَتْ الْجَمِيعَ، فَكَمَا أَوْجَبَ عَلَيَّ الشَّرْعُ تَحَمُّلَ الدِّيَةِ عَنْهُمْ وَأَوْجَبَ لِي أَنِّي أَرِثُهُمْ، نَدَبَنِي إلَى بِرِّهِمْ وَإِلْحَاقِهِمْ بِآبَائِهِمْ فِي وُصُولِ بِرِّي لِجَمِيعِهِمْ. وَذَلِكَ كُلُّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَسْمِيَتِهِ آبَاءَهُمْ عُتَقَاءَ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْعُتَقَاءِ مُرِيدًا بِهِمْ حَقِيقَتَهُمْ وَبِفُرُوعِهِمْ، لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْهُ هَذِهِ الْفَائِدَةُ، فَلِذَا عَدَلَ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَحْدَهَا إلَى مَا يَشْمَلُ مَجَازَهَا بَيَانًا لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْعَائِدَةِ الْبَاهِرَةِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَتَّضِحُ بِهِ أَنَّ فِي

стр. 889

عُدُولِهِ عَنْ قَوْلِهِ: إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ وَفُرُوعِهِمْ إلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى لَفْظِ الْعُتَقَاءِ مُرِيدًا بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفُرُوعَ دَاعِيًا أَيَّ دَاعٍ إلَى هَذَا التَّجَوُّزِ، وَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ رِعَايَةِ الِاخْتِصَارِ وَزِيَادَةِ الْبَيَانِ اللَّذَيْنِ اُدُّعِيَا ازْدَادَ وُضُوحًا لَكِنَّا لَا نُعَوِّلُ إلَّا عَلَى الْأَوَّلِ لِظُهُورِ مَغْزَاهُ وَإِيضَاحِ مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَقَوْلُهُ قُلْنَا قَدْ كَانَ يَتَأَتَّى إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّا لَا نَشْتَرِطُ فِي الدَّاعِي الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُتَجَوِّزُ انْحِصَارَ الْأَمْرِ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَإِذَا كَانُوا فِي الضَّرُورَاتِ الشِّعْرِيَّةِ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ فَأَوْلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ لَا يُبِيحُهَا إلَّا الِاضْطِرَارُ إلَيْهَا وَمَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُونَ مِنْهَا مَا يَقَعُ فِي نَحْوِ الشِّعْرِ، وَإِنْ سَهُلَ الْعُدُولُ عَنْهُ، وَأَمَّا الدَّاعِي فَهُوَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُخْرِجَ ذِكْرَهُمْ الْمُتَجَوِّزَ عَنْ كَوْنِهِ عَابِثًا، وَحَيْثُ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي الْعُدُولِ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَمْكَنَ وُجُودُ سَبَبٍ آخَرَ مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ قَالَ: إنَّ الدَّاعِيَ الِاخْتِصَارُ أَوْ زِيَادَةُ الْبَيَانِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ كَمَا لَا يَخْفَى مِمَّا قَرَّرْته فَتَأَمَّلْهُ، عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا فَسَادَ الدَّاعِي لَمْ يَضُرَّنَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ اشْتِرَاطِهِمْ الدَّاعِيَ لِيَخْرُجَ بِهِ الْمُتَجَوِّزُ عَنْ الْعَبَثِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي كَوْنِهِ دَاعِيًا صَحِيحًا بِاعْتِقَادِ الْمُتَجَوِّزِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُودَ الدَّاعِي خَارِجٌ عَنْ الْعَبَثِ فِي اعْتِقَادِهِ فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ، وَإِنْ اعْتَقَدَ غَيْرُهُ فَسَادَ ذَلِكَ الدَّاعِي. وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَالْعَلَاقَةِ وَالْقَرِينَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا لِلسَّامِعِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَيْضًا بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْمُتَجَوِّزِ إفَادَةُ غَيْرِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ بَلْ وَلَا يُوجَدُ إلَّا إنْ كَانَ هُنَاكَ رَابِطٌ بَيْنَ الْمَعْدُولِ عَنْهُ وَالْمَعْدُولِ إلَيْهِ وَقَرِينَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَوْ دَالَّةٌ عَلَى انْضِمَامِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ إلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ جَمْعَهُمَا، فَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالسَّامِعِ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا ظَاهِرَيْنِ لَهُ بِحَيْثُ يَسْتَفِيدُ بِهِمَا ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ، وَأَمَّا الدَّاعِي إلَى التَّجَوُّزِ فَهُوَ لَا يَرْتَبِطُ بِالسَّامِعِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَرْتَبِطُ بِالْمُتَجَوَّزِ حَتَّى يَصُونَ قَوْلَهُ عَنْ الْعَبَثِ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ صِحَّةُ ذَلِكَ الدَّاعِي عِنْدَ الْمُتَجَوِّزِ لَا عِنْدَ السَّامِعِ، إذْ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْبَحْثِ عَنْهُ فَافْهَمْ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ مَعَ خَفَائِهِ وَنَفَاسَتِهِ. وَقَوْلُهُ: وَأَنَّى لَهُ بِالْقَرَائِنِ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا اسْتِبْعَادَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حُدُودِهَا مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ: فَإِنْ فَرَضْنَا الظَّفَرَ بِالدَّاعِي إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ قَدْ بَانَ وُجُودُهُ وَاتَّضَحَ، فَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ فَرْضِ وُجُودِهِ وَقَوْلُهُ: بَقِيَتْ الْمُطَالَبَةُ بِالْقَرِينَةِ الْمُصَحِّحَةِ ثُمَّ فَسَرَّهَا بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ الْعَلَاقَةُ، قَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ: هَذَا مَا قَدَّمْته تَبَعًا لِلْأَئِمَّةِ مِنْ مُغَايَرَةِ الْعَلَاقَةِ لِلْقَرِينَةِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ تَجَوَّزَ بِإِطْلَاقِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، إلَّا أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَعْنَى الْعَلَاقَةِ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ لِتَعْبِيرِهِ بِالْقَرِينَةِ الْمُصَحِّحَةِ وَبِقَوْلِهِ: أَنْ يُصَحِّحَ، وَالْمُصَحِّحُ لِلتَّجَوُّزِ إنَّمَا هُوَ حَقِيقَةُ الْعَلَاقَةِ لَا الْقَرِينَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمَهُ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَتْ الْعَلَاقَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ هُنَا انْحَلَّ الِاعْتِرَاضُ إذْ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَأَوْلَادِهِ اشْتِرَاكًا فِي شُمُولِ نِعْمَةِ الْمُعْتِقِ لَهُمَا، فَصَحَّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْعَتِيقِ عَلَيْهِمَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، أَوْ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ، أَوْ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِمَا مَعْنَى الْقَرِينَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَحِينَئِذٍ انْحَلَّ الِاعْتِرَاضُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلِمَ وُجُودُ الْقَرِينَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا بِمَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وُجُودَ الْعَلَاقَةِ اتَّضَحَ مُدَّعَانَا، وَلَمْ يَبْقَ مَسَاغٌ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ هَذَا الْمَجَازُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تُرِيدَ الْبِنَاءَ عَلَى مَا قَدَّمْته عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَزَعَمْت أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ، أَوْ عَلَى مَا قَدَّمْته عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَعَمْت أَنَّهُ غَيْرُ الْمُعْتَمَدِ، فَإِنْ أَرَدْت الْأَوَّلَ اُحْتِيجَ إلَى قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى التَّجَوُّزِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَتِيقِ مُبَاشَرَةً وَالْعَتِيقِ سِرَايَةً فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرَائِنَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ مِنْ لَفْظِ الْعُتَقَاءِ فِي كَلَامِهِ كُلٌّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ أَعْنِي مَنْ بَاشَرَهُمْ الْعِتْقُ وَمَنْ سَرَى إلَيْهِمْ، وَإِنْ أَرَدْت الثَّانِيَ اُحْتِيجَ إلَى قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ عَلَى حَالِهِ مِنْ مُبَادَرَةِ الذِّهْنِ إلَيْهِ مِنْ اللَّفْظِ، وَعَلَى انْضِمَامِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ إلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ فِي فَهْمِهِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ أَيْضًا. وَكُلٌّ مِنْ الْقَرَائِنِ الَّتِي

стр. 890

قَدَّمْنَا بَسْطَهَا عَلَى ذَلِكَ فَرَاجِعْهَا، عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى عُتَقَائِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي فِي سَائِرِ الْبُطُونِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ خَمْسُونَ، عُلِمَ مِنْ صَنِيعِهِ هَذَا أَنَّهُ مُدْخِلٌ لِفُرُوعِ عُتَقَائِهِ فِي وَقْفِهِ، وَدَلَالَةُ كَلَامِهِ عَلَى هَذَا تَكَادُ أَنْ تَكُونَ ضَرُورِيَّةً، وَإِذَا دَخَلُوا فِي وَقْفِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْهُ إلَّا بِيَقِينٍ كَمَا مَرَّ نَقْلُهُ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَإِذَا لَمْ يَخْرُجُوا عَنْهُ بِمُحْتَمِلٍ كَالْعُتَقَاءِ الْمُحْتَمِلِ لَأَنْ يُرَادَ بِهِمْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي الْعُتَقَاءِ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ، حَتَّى يُتَيَقَّنَ وُجُودُ مَا يُخْرِجُهُمْ، وَهَذِهِ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ غَيْرُ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَبِهَا يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ بِالْعُتَقَاءِ حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ، وَكَوْنُ الْمَجَازِ هُنَا مِنْ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ الَّذِي يَعِزُّ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ لَهُ أَوْ مِنْ الْكُلِّ الْإِفْرَادِيِّ الَّذِي يَسْهُلُ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الْغَامِضَةِ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، فَلَا يَجْرِي مِثْلُهُ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرِهِ، فَالْإِعْرَاضُ عَنْ هَذَا صَفْحًا أَحَقُّ وَالتَّنَاسِي لِلْكَلَامِ فِيهِ هُنَا أَلْيَقُ. وَقَوْلُهُ: قُلْنَا: دَعُوا الْحَيْرَةَ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ قَدْ بَانَ بِمَا قَرَّرْته وُجُودُ الْعَلَاقَة وَالْقَرِينَةِ بَلْ الْقَرَائِنِ وَأَنَّ إحْدَاهُمَا لَا تَلْتَبِسُ بِالْأُخْرَى فَلَا حَيْرَةَ حِينَئِذٍ، وَإِذَا لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَلَاقَةٌ وَلَا قَرِينَةٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي اقْتَضَاهُ صَنِيعُهُمْ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ قَرِينَةٌ لَا عَلَاقَةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مَسْكَةٍ مِنْ ذَوْقِ الْفِقْهِ يَفْهَمُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْعَتِيقِ مُبَاشَرَةً وَالْعَتِيقِ سِرَايَةً فَلَمْ يَحْتَاجُوا لِبَيَانِهَا، بِخِلَافِ الْقَرِينَةِ فَإِنَّهَا الَّتِي يَعْسُرُ إدْرَاكُهَا، فَاحْتَاجَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا فَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ عَنْهَا بِبَادِي الرَّأْيِ لَكِنَّهَا لَمْ تَخْتَلِفْ فِي الْحَقِيقَةِ، كَمَا قَدَّمْت ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا وَاضِحًا مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ: أَوْ الثَّانِي بَيَّنَّا إهْمَالَهُ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَرِينَةَ هِيَ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَقَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى أَنَّهُ لَا يُفَسِّرُهَا بِذَلِكَ فَحَسْبُ إلَّا مَنْ يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَأَمَّا مَنْ يُجَوِّزُ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُفَسِّرَ الْقَرِينَةَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ بِأَنَّهَا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى انْضِمَامِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ إلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَإِرَادَتِهِمَا مِنْهُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي قَرَّرْته وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ إهْمَالُ مَا قَالُوهُ، بَلْ بَانَ ظُهُورُهُ وَاتِّضَاحُهُ وَأَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا يَصْرِفُ عَنْ الشَّيْءِ وَيُبْعِدُ عَنْ إرَادَتِهِ غَيْرُ مَا يُقَرِّبُ مِنْهُ وَيَرْبِطُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّدَّ مَبْنِيٌّ عَلَى انْحِصَارِ الْقَرِينَةِ فِي الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يُفَسِّرُهَا بِذَلِكَ وَحْدَهُ إلَّا مَنْ يَمْنَعُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَنَحْنُ إنَّمَا بَنَيْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى جَوَازِهِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي. وَقَوْلُهُ مَسُوقٌ مَسَاقَ الْأَقْوَالِ السَّقِيمَةِ إلَخْ فِيهِ جَفَاءٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا كُنْت أَوَدُّ لِهَذَا الْمُجِيبِ مَعَ أَنَّ عِنْدَهُ مِنْ تَعْظِيمِ الشَّافِعِيِّ مَا لَا أَصِفُهُ مِمَّا أَعْلَمُهُ مِنْهُ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ بِقَلَمِهِ وَلَا أَنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ بِفَمِهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ نُوزِعَ فِي نِسْبَتِهِ لِلشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَنَاهِيك بِذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ جَوَازُ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا قَرِينَةً فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمْ وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ: إنَّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ رَدُّوهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُقَفْ عَلَى هَذَا النَّقْلِ، وَقَدْ قَدَّمْت ذَلِكَ مَبْسُوطًا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ فِي أَوَّلِ الْمَبْحَثِ الثَّانِي فَرَاجِعْهُ. وَقَوْلُهُ عَنْ الرَّافِعِيِّ إنَّهُ قَالَ: الْأَشْبَهُ إلَخْ مَرَّ أَنَّهُمْ رَدُّوهُ بِأَنَّ هَذَا الْأَشْبَهَ إنَّمَا يَلِيقُ بِقَوَاعِدِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَمَّا مَنْقُولُ مَذْهَبِنَا، فَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يُرَادُ بِهِ جَمِيعُ مَعَانِيهِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا نَقَلَهُ الْكَمَالُ عَنْ السُّبْكِيّ مِنْ قَوْلِهِ: فَسِيَاقُ كَلَامِهِ إلَخْ وَقَوْلُهُ هُوَ مَا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ مَعَ الْقَرِينَةِ، وَأَنَّ مَنْ ادَّعَى تَجَوُّزًا مُنْضَمًّا إلَى الْحَقِيقَةِ لَا يُكَلَّفُ بِغَيْرِ بَيَانِ الْقَرِينَةِ لِخَفَائِهَا. وَقَوْلُهُ: وَضِدَّيْهِمَا مَعَ قَوْلِهِ: قَبْلَهُ بَيْنَ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ سَهْوٌ، وَقَوْلُهُ: أَلَيْسَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْوَلَدِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ مُمْتَنِعٌ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ إرَادَتِهِ بِالْوَلَدِ حَقِيقَتَهُ فَقَطْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعُتَقَاءِ حَقِيقَتَهُمْ فَقَطْ، فَضْلًا عَنْ أَنَّ

стр. 891

ذَلِكَ يُعَيِّنُ هَذَا، وَحِينَئِذٍ انْدَفَعَ مَا بَنَاهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمُدَّعٍ إلَخْ وَقَوْلُهُ: أَفَتَحْفَظُ إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّا لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ وَلَا ادَّعَيْنَا شَيْئًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا أَنَّ لَفْظَ عُتَقَاءَ الْأَوَّلَ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ فَقَطْ وَهَذَا لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَفْظُ الْوَلَدِ وَوَلَدِهِ وَأَسْفَلَ مِنْهُ كُلٌّ مِنْهَا مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ ثُمَّ لَمَّا مَهَّدَ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَالَ: وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ عَبَّرَ بِبَاقِي الْعُتَقَاءِ تَارَةً وَبِالْعُتَقَاءِ أُخْرَى: وَلَمْ يُعِدْ الضَّمِيرَ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِيهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْعُتَقَاءِ خَمْسُونَ فَاحْتَمَلَ هَذَا أَنْ يُرِيدَ الْحَقِيقَةَ وَحْدَهَا وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَجَازَ مَعَهَا، فَنَظَرْنَا فِي كَلَامِهِ فَرَأَيْنَا فِيهِ قَرَائِنَ دَالَّةً عَلَى الثَّانِي، وَتَرَجَّحَتْ بِأَنَّ دُخُولَ الْأَوْلَادِ فِي وَقْفِهِ وَاسْتِحْقَاقَهُمْ لِلْأَخْذِ مِنْهُ أَمْرٌ يَقِينِيٌّ، وَالْيَقِينِيُّ لَا يُرْفَعُ بِالْمُحْتَمَلِ، فَأَوْجَبَ لَنَا ذَلِكَ كُلُّهُ كَمَا بَسَطْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ فِيمَا مَرَّ حَمْلَ الْعُتَقَاءِ عَلَى جَمِيعِ مَا مَرَّ مِنْ الْعُتَقَاءِ وَفُرُوعِهِمْ، فَتَأَمَّلْ بَعْدَ مَا أَحَطْت بِهَذَا التَّحْقِيقِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَتُلِيَ عَلَى سَمْعِك هَذَا التَّدْقِيقُ غَيْرَ كَرَّةٍ. وَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ حَقِيقَةَ الْغَيْثِ اعْتِبَاطًا أَوْ لِدَلِيلٍ؟ وَهَلْ هَذَا نَظِيرُ أَوْ قَرِيبُ رَأَيْت رَجُلًا شُجَاعًا إلَخْ؟ وَاحْكُمْ حِينَئِذٍ بِمَا هُوَ الْإِنْصَافُ لِتَتَخَلَّصَ مِنْ وَرْطَةِ التَّعَصُّبِ وَالِاعْتِسَافِ، وَقَوْلُهُ: وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ إلَخْ قَدْ مَرَّ مَبْسُوطًا أَنَّ كَلَامَهُ هَذَا مَعَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَعْدَلُ شَاهِدٍ وَأَصْدَقُ بُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ وَحَقِيقَةِ مَا حَرَّرْنَاهُ، لِإِطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ خُرُوجِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَنْ الْأَوْلَادِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِمْ، أَمَّا مَعَ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ قَطْعًا كَمَا أَنَّهُمْ مَعَ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى خُرُوجِهِمْ يَخْرُجُونَ قَطْعًا، فَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي دُخُولِهِمْ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ أَصْلًا، وَإِذَا دَخَلَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فِي الْأَوْلَادِ بِقَرِينَةٍ، فَكَيْفَ لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْعُتَقَاءِ فِيهِمْ بِقَرِينَةٍ بَلْ بِقَرَائِنَ، بَلْ مَرَّ أَنَّ شُمُولَ الْعُتَقَاءِ لِأَوْلَادِهِمْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ وَلَا كَذَلِكَ الْأَوْلَادُ لِأَوْلَادِهِمْ، وَمَرَّ الْفَرْقُ الْوَاضِحُ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا اكْتَفَوْا فِيمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ قَطْعًا بِالْقَرِينَةِ، فَكَيْفَ لَا يَكْتَفُونَ بِهَا فِيمَا هُوَ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ. وَقَوْلُهُ: وَنَرْجِعُ إلَى الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ إلَخْ جَوَابُهُ مَا قَدَّمْته عَنْ السُّبْكِيّ كَابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ تَسَاوِيهِمَا وَتَسَاقُطُهُمَا، وَجَبَ إعْطَاءُ الْفُرُوعِ اسْتِصْحَابًا لِلْيَقِينِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْذِ وَطَرْحًا لِلشَّكِّ حَذَرًا مِنْ مَنْعِ الْمُتَيَقَّنِ اسْتِحْقَاقَهُمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَقِيرٍ وَلَا جَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ وَلَا قَلِيلٍ، وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، فَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، يَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِك وَعَظِيمِ سُلْطَانِك، سُبْحَانَك لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك، فَعِيَاذًا اللَّهُمَّ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك وَبِك مِنْك، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى خَيْرِ أَنْبِيَائِك وَمُبَلِّغِ أَنْبَائِك سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك وَنَبِيِّك النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَكَمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى عَدَدَ مَعْلُومَاتِك وَمِدَادَ كَلِمَاتِك، كُلَّمَا ذَكَرَك الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِك وَذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ، سُبْحَانَ رَبِّك رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آمِينَ [كِتَابُ الْإِتْحَافِ بِبَيَانِ أَحْكَامِ إجَارَةِ الْأَوْقَافِ] (هَذَا كِتَابُ الْإِتْحَافِ بِبَيَانِ أَحْكَامِ إجَارَةِ الْأَوْقَافِ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، تَأْلِيفُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَجَرٍ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَتْحَفَنَا بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ حَيْثُمَا كَانَ، وَلَمْ نَرْقُبْ فِي ذَلِكَ مَنْ سِوَاهُ حَسْبَ الْإِمْكَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَتَبَوَّأُ بِهَا أَعْلَى فَرَادِيسِ الْجِنَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَخْصُوصُ بِأَشْرَفِ الْأَوْصَافِ وَالْأَدْيَانِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ مَا زَالُوا يُظْهِرُونَ الْحَقَّ، وَلَمْ يُبَالُوا بِخِلَافِ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالْبُهْتَانِ (أَمَّا بَعْدُ) فَإِنَّهُ رُفِعَ سُؤَالٌ أَوَائِلَ

стр. 892

سَنَةِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ فِي إجَارَةِ وَقْفٍ، فَكَتَبْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنِّي خُولِفْت فِيهِ، ثُمَّ رُفِعَ إلَيَّ سُؤَالٌ بِصُورَةٍ أُخْرَى، فَكَتَبْت عَلَيْهِ ثُمَّ سُؤَالٌ بِصُورَةٍ أُخْرَى فَكَتَبْت عَلَيْهِ حَتَّى أَضْجَرَتْنِي هَذِهِ الْوَاقِعَةُ، وَلَمْ أَكْتُبْ فِيهَا إلَّا بَعْدَ مَزِيدِ اسْتِخَارَةٍ وَتَثَبُّتٍ وَتَفَحُّصٍ، حَتَّى لَقَدْ اطَّلَعْتُ مِنْ تَصَانِيفِ أَئِمَّتِنَا الْمُعْتَبَرَةِ عَلَى مَا يَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ مُؤَلَّفًا، مِنْهَا مَا طَالَعْتُهُ كُلَّهُ كَكِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَمِنْهَا مَا طَالَعْت أَكْثَرَهُ كَكُتُبِ الْفَتَاوَى، وَمِنْهَا مَا طَالَعْت مَوَاضِعَ عَدِيدَةً مِنْهُ، فَلَمَّا كَثُرَتْ مِنِّي الْكِتَابَاتُ فِي ذَلِكَ أَرَدْت أَنْ أَجْمَعَهَا مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا فِي هَذَا التَّأْلِيفِ، وَسَمَّيْته (الْإِتْحَافُ بِبَيَانِ أَحْكَامِ إجَارَةِ الْأَوْقَافِ) أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ وَسِيلَةً لِي يَوْمِ الدِّينِ، وَعُدَّةً أَدَّخِرُهَا عِنْدَهُ، إنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. وَرَتَّبْتُهُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَبَابَيْنِ وَخَاتِمَةِ الْمُقَدِّمَةِ فِي السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ شَخْصٌ وَقَفَ دَارًا عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا وَشَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِوَلَدِهِ الْمُعَيَّنِ ثُمَّ لِلْأَرْشَدِ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ وَبِصِحَّتِهِ وَلُزُومِهِ حَنَفِيٌّ وَشَرَطَ أَنْ يُبْدَأَ بِعِمَارَتِهِ مِنْ إجَارَتِهِ بِنَظَرِ وَلَدِهِ فَبَعْدَ وَفَاتِهِ أَجَّرَهُ وَلَدُهُ مِائَةَ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِعِمَارَتِهِ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْإِيجَارِ شَافِعِيٌّ مَثَلًا فَهَلْ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ يَتَنَاوَلُ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِ هَذِهِ الْإِجَارَةِ؟ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ. فَأَجَبْت: الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِجَمِيعِ الْآثَارِ الَّتِي يَرَاهَا الْحَاكِمُ، بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الْحُكْمِ بِهَا عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِيهِ، مِثَالُهُ: أَنْ يَحْكُمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ تَدْبِيرٍ. فَمِنْ مُوجَبِهِ عِنْدَهُ مَنْعُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، فَقَدْ حَكَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لِلسَّيِّدِ مِنْهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ شَافِعِيٌّ فِيهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ لَوْ وَقَعَ، فَإِنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا بِقَضِيَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ هَذَا الْوَقْفِ مُتَضَمِّنٌ لِحُكْمِهِ بِامْتِنَاعِ إجَارَتِهِ مُدَّةً لَا يُجِيزُهَا الْحَنَفِيُّ؛ لِأَنَّ هَذَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ حُكْمِهِ، وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ وَعَلَى التَّنَزُّلِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ لَا يَشْمَلُ ذَلِكَ فَإِجَارَةُ النَّاظِرِ الْوَقْفَ مِائَةَ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِذَلِكَ بَاطِلَةٌ، كَمَا حَرَّرَهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ حَيْثُ قَالَ: مَا يَفْعَلُهُ حُكَّامُ مَكَّةَ مِنْ إجَارَةِ دُورِ الْوَقْفِ الْخَرِبَةِ السَّاقِطَةِ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ لِأُجْرَةِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ حَسَنٌ يَسُوغُ اعْتِمَادُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ حَاصِلٌ يُعْمَرُ بِهِ، وَلَا وُجِدَ مَنْ يُقْرِضُ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعِمَارَةِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِجَارَةِ مُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ بِأُجْرَةٍ حَالَّةٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِذَلِكَ اهـ. فَإِجَارَةُ النَّاظِرِ الْمَذْكُورَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، عَلَى أَنَّ الْأَذْرَعِيَّ قَالَ: لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْوَقْفِ مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِهْلَاكِ الْوَقْفِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ إجَارَةَ النَّاظِرِ الْمَذْكُورَةَ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ اهـ. جَوَابِي، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ نَازَعَ فِيهِ بِإِطْلَاقِ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّ الْوَقْفَ كَالْمِلْكِ زَاعِمًا أَنَّ قَضِيَّتَهُ صِحَّةُ الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا، وَرَوَّجَ بِهِ عَلَى الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ فَكَتَبْت إلَيْهِ أُبَيِّنُ بُطْلَانَ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ، فَقُلْت: مَا أَفْتَيْت بِهِ مِنْ بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ ذَكَرْت لَهُ سَبَبَيْنِ. أَوَّلَهُمَا: حُكْمُ الْحَنَفِيِّ بِالْمُوجَبِ وَإِفْسَادُ هَذِهِ الْإِجَارَةِ مِائَةَ سَنَةٍ ظَاهِرٌ مِمَّا قَرَّرْته فِيهِ تَبَعًا لِمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا، فَلَا مَسَاغَ لِإِنْكَارِهِ، لَا يُقَالُ: لَيْسَ الْوَقْفُ كَالتَّدْبِيرِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى الْعِتْقِ؛ وَلِأَنَّ الْبِيَعَ يُنَافِي التَّدْبِيرَ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لَا تُنَافِي الْوَقْفَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الشَّارِعُ تَشَوَّفَ إلَى الْوَقْفِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. وَزَعْمُ أَنَّ الْبِيَعَ يُنَافِي التَّدْبِيرَ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لَا تُنَافِي الْوَقْفَ غَلَطٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّ النَّظَرَ هُنَا إلَى مَذْهَبِ الْحَاكِمِ الْحَنَفِيِّ، وَالْإِجَارَةُ الطَّوِيلَةُ مُنَافِيَةٌ لِلْوَقْفِ عِنْدَهُ أَيْضًا، فَالْمَسْأَلَتَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ثَانِيَهُمَا: مَا حَكَيْته عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَالْأَذْرَعِيِّ. فَأَمَّا مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَإِطْلَاقُهُ بَعِيدٌ عَنْ قَوَاعِدِنَا، فَلِذَا لَمْ أَذْكُرْهُ فِي الْجَوَابِ إلَّا لِتَقْوِيَةِ كَلَامِ أَبِي زُرْعَةَ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ فَهُوَ حَسَنٌ وَقَوَاعِدُنَا لَا تُخَالِفُهُ، بَلْ تُؤَيِّدُهُ وَتُقَوِّيهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. فَإِنْ قِيلَ:

стр. 893

يُنَافِيهِ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْأَرْضَ تُؤَجَّرُ مِائَةَ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ، وَالْوَقْفُ كَالْمِلْكِ فَظَاهِرُ التَّشْبِيهِ: جَوَازُ إجَارَةِ الْوَقْفِ مِائَةَ سَنَةٍ، وَلَوْ كَانَ عَامِرًا بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وَقَدْ شُبِّهَ الْوَقْفُ بِهِ فَلْيُعْطَ حُكْمَهُ، قُلْت: لَا قَائِلَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِظَاهِرِ هَذَا التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا سَبَبُ تَوَهُّمِ هَذَا مِنْهُ الْغَفْلَةُ عَنْ كَلَامِهِمَا أَعْنِي الرَّوْضَةَ وَأَصْلَهَا فِي بَابِ الْوَقْفِ، إذْ بِتَأَمُّلِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُمَا بِقَوْلِهِمَا: الْوَقْفُ كَالْمِلْكِ أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يُقَدَّرُ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ تَشْبِيهِ الْوَقْفِ بِالْمِلْكِ. وَأَمَّا حُكْمُ إجَارَةِ النَّاظِرِ مِنْ الصِّحَّةِ تَارَةً وَالْفَسَادِ أُخْرَى، فَقَدْ تَعَرَّضُوا لَهُ فِي بَابِ الْوَقْفِ، حَيْثُ أَشَارُوا فِيهِ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ النَّاظِرَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ الْوَقْفِ كَالْوَصِيِّ بِالْمَصْلَحَةِ بِالنِّسْبَةِ لِرِعَايَةِ مَقْصُودِهِ وَبَقَاءِ عَيْنِهِ، لَا بِالنِّسْبَةِ لِرِعَايَةِ مَصْلَحَةِ الْمُسْتَحِقِّ، وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ النَّاظِرَ فِي مَالِ الْوَقْفِ كَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا التَّصَرُّفُ إلَّا بِالْغِبْطَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَلَا يُكْتَفَى فِيهِمَا بِقَوْلِهِمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ إحْدَاهُمَا عِنْدَ الْقَاضِي، فَكَذَلِكَ النَّاظِرُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ الْوَقْفَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ لِلْوَقْفِ لَا لِلْمُسْتَحِقِّ. وَقَدْ ثَبَتَتْ عِنْدَ الْقَاضِي وَمَتَى تَصَرَّفَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ، هَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا فِي بَابِ الْوَقْفِ صَرِيحًا وَاقْتِضَاءً وَتَشْبِيهُ الشَّيْخَيْنِ الْوَقْفَ بِالْمِلْكِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ لَا يُنَافِيهِ كَمَا تَقَرَّرَ لِمَا ذَكَرْته أَنَّ مَعْنَى التَّشْبِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِمُدَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ عَلَى وَفْقِ الْغِبْطَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ أَوْ الْحَاجَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَقْفِ دُونَ مُسْتَحَقِّهِ، عَلَى أَنَّ الشَّيْخَيْنِ إنَّمَا قَصَدَا بِذَلِكَ التَّشْبِيهِ الرَّدَّ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي قَوْلِهِ: لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَا عَقِبَهُ: وَهُوَ غَرِيبٌ، لَكِنْ انْتَصَرَ لَهُ فِي الْخَادِمِ وَتَعَجَّبَ مِنْ اسْتِغْرَابِهِمَا لَهُ، وَبَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ قَالَا أَعْنِي الشَّيْخَيْنِ نَقْلًا عَنْ الْمُتَوَلِّي: إنَّ الْحُكَّامَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤَجَّرَ الْوَقْفُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، لِئَلَّا يَنْدَرِسَ ثُمَّ تَعَقَّبَاهُ بِقَوْلِهِمَا، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وَبَيَّنَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْحُكَّامَ مِنْ أَئِمَّتِنَا مَالُوا فِي ذَلِكَ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ ﵁ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ: إنَّ مَا فَعَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ هُوَ الِاحْتِيَاطُ، وَقَالَ السُّبْكِيّ مُنْتَصِرًا لِهَذَا الِاصْطِلَاحِ: لَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّ إجَارَةَ الْوَقْفِ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ تَكُونَ بِالْقِيمَةِ، وَتَقْوِيمُ الْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ الْبَعِيدَةِ ضَعِيفٌ، قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا تَوَقُّعُ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَقَدْ تَتْلَفُ الْأُجْرَةُ فَتَضِيعُ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لِعِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا، فَالْحَاكِمُ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ وَيَقْصِدُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى اهـ كَلَامُ السُّبْكِيّ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ، إذْ يَجِبُ عَلَى نَاظِرِ الْوَقْفِ رِعَايَةُ الْمَصْلَحَةِ فِي إيجَارِهِ فَلَا يُؤَجِّرُهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَقَاءِ عَيْنِهِ، وَقَدْ انْحَصَرَتْ فِي إيجَارِهِ تِلْكَ الْمُدَّة كَمَا بَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَا يُؤَجِّرُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً لِرِعَايَةِ مَصْلَحَةِ الْمُسْتَحِقِّ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ: يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إجَارَةُ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ اهـ. وَلَا يُظَنُّ بِأَبِي زُرْعَةَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ مِنْ امْتِنَاعِهَا إلَّا بِشُرُوطِهَا الْمَذْكُورَةِ غَافِلًا عَنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ السَّابِقِ: إنَّ الْوَقْفَ كَالْمِلْكِ بَلْ قَرَّرَهُ أَوَّلًا، وَاعْتَمَدَهُ وَرَدَّ مَا يُخَالِفُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ إجَارَةِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَحِينَئِذٍ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِكَلَامِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِكَلَامِهِمَا وَمُبَيَّنٌ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَاهُ، وَسَبَبُهُ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ كَلَامَهُمَا كَالْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْوَقْفِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ وَنَاطِقٌ بِهِ. وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِيهِ وَظِيفَةُ الْمُتَوَلِّي الْعِمَارَةُ وَالْإِجَارَةُ وَتَحْصِيلُ الرَّيْعِ وَقِسْمَتُهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَحِفْظُ الْأُصُولِ وَالْغَلَّاتِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ اهـ. فَقَوْلُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ رَاجِعٌ إلَى كُلٍّ مِمَّا قَبْلَهُ وَمِنْهُ الْإِجَارَةُ فَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ إجَارَةَ النَّاظِرِ إنَّمَا تَنْفُذُ مِنْهُ إنْ كَانَتْ عَلَى جِهَةِ الِاحْتِيَاطِ وَأَنْ لَا تُؤَجَّرَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إلَّا إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا وَكَانَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِعَيْنِ الْوَقْفِ، وَسَبَقَهُمَا الْجُرْجَانِيُّ إلَى ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ: وَيَتَصَرَّفُ مَنْ إلَيْهِ النَّظَرُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي يَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ انْتَهَتْ. وَكَوْنُهُ كَالْوَصِيِّ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا فَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ صَلَاحِيَةِ الْمُتَوَلِّي لِشَغْلِ التَّوْلِيَةِ

стр. 894

وَالصَّلَاحِيَّةِ فِي الْأَمَانَةِ وَالْكِفَايَةِ فِي التَّصَرُّفِ، وَاعْتِبَارُهُمَا كَاعْتِبَارِهِمَا فِي الْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ انْتَهَتْ وَقَالَا أَيْضًا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ: إنَّهُ لَا يُبَدَّلُ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ الْقَيِّمُ الَّذِي نَصَّبَهُ كَأَنَّهُ يُجْعَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالْوَصِيِّ اهـ. وَذَكَرَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي اسْتِقْرَاضِ النَّاظِرِ مِنْ إذْنِ الْإِمَامِ، وَاعْتَرَضَ السُّبْكِيّ عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ إذْنِهِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمَا الْبُلْقِينِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُ بِأَنَّ النَّاظِرَ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَقَدْ صَرَّحُوا فِيهِ بِأَنَّهُ يَقْتَرِضُ بِدُونِ إذْنِ الْقَاضِي، وَجَوَابُ الْأَوَّلِ: أَنَّ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرًا فَإِنَّهُ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ وَهُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الْحَاكِمِ دُونَ النَّاظِرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ دَيْنٍ فِي رَقَبَةِ الْوَقْفِ مُتَعَلِّقٍ بِسَائِرِ الْبُطُونِ، فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ النَّاظِرُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ إلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَيْ: وَإِنْ بَقِيَتْ آثَارُ تَصَرُّفِهِ الشَّرْعِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَاحْتِيجَ إلَى إذْنٍ لَهُ مِمَّنْ لَهُ النَّظَرُ الْعَامُّ عَلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ، ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ وَغَيْرُهُ وَجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُضَيَّقُ فِي النَّاظِرِ مَا لَا يُضَيَّقُ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَمِنْ ثَمَّ جَرَى خِلَافٌ فِي الْفَسْخِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَجَّرَ بِهِ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ، وَلَمْ يَجِرْ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي إيجَارِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّا حَيْثُ جَوَّزْنَا إجَارَةَ الْوَقْفِ نَحْوَ مِائَةِ سَنَةٍ بِشُرُوطِهَا لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، إذْ الْإِجَارَةُ إثْبَاتُ حَقٍّ بِرَقَبَةِ الْوَقْفِ مُتَعَلِّقٍ بِسَائِرِ الْبُطُونِ، فَلَمْ يَسْتَقِلَّ بِهِ النَّاظِرُ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ: إيجَارُ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ مُشَبَّهٌ بِإِيجَارِ مِلْكِ الْيَتِيمِ، وَهَذَا أَبْلَغُ تَصْرِيحٍ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي إيجَارِ الْمَوْقُوفِ مِنْ الْغِبْطَةِ أَوْ الْحَاجَةِ، وَبِهَذَا الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمْ، بَلْ فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْإِصْطَخْرِيِّ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ كَالْوَصِيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ لِلْوَاقِفِ تَوْلِيَةَ النَّظَرِ لِمَنْ شَاءَ مُطْلَقًا وَعَزْلَهُ، قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْوَصِيَّ، وَأَخَذَ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْوَصِيِّ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ لِنَفْسِهِ إذَا خَافَ ضَيَاعَ الْوَقْفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِعَزْلِهِ لِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ، وَعِبَارَةُ الْخُوَارِزْمِيِّ فِي كَافِيهِ: الدَّارُ الْمَوْقُوفَةُ إذَا انْهَدَمَتْ وَخَرِبَتْ وَتَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا نَقْلُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يَتَحَرَّى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى رِعَايَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِي فَتَاوَى الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ رَزِينٍ صَاحِبِ ابْنِ صَلَاحٍ أَنَّهُ سُئِلَ: عَنْ خَانٍ مَوْقُوفٍ دَائِرٍ وَبَقِيَتْ سَاحَتُهُ فِيهَا بَعْضُ مَخَازِنَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجَّرَ ثَلَاثِينَ سَنَةً لِمَنْ يَبْنِيهِ دَارًا إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً؟ فَأَجَابَ: إنْ حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ إلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى تِلْكَ الصِّفَةِ جَازَ إيجَارُهُ لِمَنْ يَعْمُرُهُ مُدَّةً لَا يُنْسَى فِي مِثْلِهَا الْوَقْفُ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ قَوْلُهُ مُدَّةً لَا يُنْسَى فِيهَا، هَذَا مَعَ أَنَّهُ خَرَابٌ دَائِرٌ، فَكَيْفَ بِعَامِرٍ لَا يَحْتَاجُ لِشَيْءٍ أَصْلًا. وَذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لَهُ الَّذِي نَخْتَارُهُ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ الْوَقْفُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ أَوْ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إلَّا أَنْ يَقَعَ فِي ضَرَرٍ فَيَزِيدُ وَيَعْمَلُ مَا فِيهِ الصَّلَاحُ فِي الِاسْتِغْلَالِ، فَأَمَّا مَا يَدْخُلُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ، فَلَا يَجُوزُ فَإِنْ أَجَّرَهُ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ وَجَبَ فَسْخُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ التَّسْوِيَةُ فِيمَا ذَكَرَهُ بَيْنَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَحْجُورِينَ وَالْأَوْقَافِ وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ اهـ. وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِيمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَغَرَسَهَا وَبَنَاهَا وَوَقَفَ ذَلِكَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ مَصَالِحِ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْأَرْضَ وَقْفٌ لِلْحَرَمَيْنِ، بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُؤَجَّرَ هَذِهِ الْأَرْضُ لِغَيْرِ مُعَمِّرِهَا إنْ كَانَ فِي إبْقَاءِ مَا ذُكِرَ مَصْلَحَةٌ لِلْوَقْفِ بِأَخْذِ أُجْرَةٍ مُحَقَّقَةٍ مِنْهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّهَا لَوْ قُلِعَ مِنْهَا ذَلِكَ تُؤَجَّرُ ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى النَّاظِرِ الْإِبْقَاءُ بِالْأُجْرَةِ. وَإِنْ كَانَ فِي بَابِ الْأَمْلَاكِ لِلْمَالِكِ الْقَلْعُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ لِنَفْسِهِ الْأَصْلَحَ وَالنَّاظِرَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا كَالْغَاصِبِ فَلِلنَّاظِرِ الْقَلْعُ مَجَّانًا، قُلْنَا: هَذَا مُعَارَضٌ بِأَنَّ النَّاظِرَ يَنْظُرُ فِي الْمَصْلَحَةِ، وَالْمَصْلَحَةُ فِي الْإِبْقَاءِ، وَلَا يُتْرَكُ الْمُحَقَّقُ لِلْمَوْهُومِ، وَهَذَا يَتَقَيَّدُ بِهِ إطْلَاقُهُمْ وَهُوَ مِنْ النَّفَائِسِ اهـ. كَلَامُهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَصَرُّفَ النَّاظِرِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ فَيَتَقَيَّدُ

стр. 895

بِهَا وَلَا يَتَعَدَّاهَا مُطْلَقًا. وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ أَيْضًا فِي نَاظِرٍ أَجَّرَ دَارًا ثَلَاثَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ قَبَضَ مِنْهَا أُجْرَةَ الْأُولَى، وَمَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ مُعْسِرًا، بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَسْخُهَا فِي الْمَنْفَعَةِ الْبَاقِيَةِ لِتَنْفَرِدَ جِهَةُ الْوَقْفِ بِهَا، قَالَ: وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْفَسْخِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اخْتِيَارُ الْإِمْضَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْوَلِيُّ لِمَحْجُورِهِ ثَوْبًا فَظَهَرَ مَعِيبًا وَالْمَصْلَحَةُ فِي رَدِّهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَفِي الْخَادِمِ: قَضِيَّةُ إلْحَاقِ الْوَقْفِ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا جَوَازُ إجَارَتِهِ مِائَةَ سَنَةٍ وَنَحْوِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِهْلَاكِهِ. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سُرَاقَةَ وَأَبِي الْفَرَجِ الْجَزْمُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا فِي الْخَرَابِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ لِيُحْتَكَرَ اهـ. فَاشْتُرِطَ لِإِجَارَةِ الْخَرَابِ الْمَصْلَحَةُ فَكَيْفَ بِالْعَامِرِ (فَائِدَةٌ) يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ، وَهِيَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُلَفَّقَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَوَّرُوا ذَلِكَ بِصُوَرٍ مِنْهَا إذَا حَكَمَ حَنْبَلِيٌّ بِأَنَّ الْخُلْعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَسْخٌ، فَعِنْدَهُ تَجُوزُ إعَادَةُ الْمُخْتَلِعَةِ مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمُحَلِّلٍ، فَلَوْ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ مَا حَكَمَ الْحَنْبَلِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ فَسْخٌ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِلَا مُحَلِّلٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ حِينَئِذٍ بَاطِلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَكَيْفَ يَتَعَاطَاهُ فَإِذَا تَعَاطَاهُ نُقِضَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَاطَاهُ حَنْبَلِيٌّ، وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ مَالِكِيٌّ بِثُبُوتِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ بِالْخَطِّ وَحَكَمَ حَنَفِيٌّ بِصِحَّتِهِ، فَهَذَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ الْآنَ بِاتِّفَاقِ الْحَاكِمَيْنِ الْمَالِكِيِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ وَقْفًا عَلَى النَّفْسِ وَالْحَنَفِيِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِالْخَطِّ. وَهَذَا كُلُّهُ مَقِيسٌ عَلَى مَا لَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ ثُمَّ صَلَّى وَبِهِ نَجَاسَةٌ كَلْبِيَّةٌ مُقَلِّدًا لِلْمَالِكِيِّ، فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا عَلَى مَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ، بَلْ رَكَّبَ فِيهَا قَوْلَ مُجْتَهِدٍ مَعَ قَوْلِ آخَرَ، فَصَارَ كُلٌّ مِنْ الْإِمَامَيْنِ قَائِلًا بِبُطْلَانِهَا الشَّافِعِيِّ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْمَالِكِيِّ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ مَسْحِ كُلِّ الرَّأْسِ، قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْقَاضِي مَتَى لَفَّقَ قَوْلَ مُجْتَهِدٍ مَعَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ نُقِضَ حُكْمُهُ قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنْ الْقُضَاةِ الْمَنْسُوبِينَ لِلشَّافِعِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَمَثَلُ هَؤُلَاءِ الْقُضَاةِ يَجِبُ عَزْلُهُمْ وَلَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُمْ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إذْ الْإِجَارَةُ فِيهَا وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهَا مُسْتَوْفِيَةٌ لِشُرُوطِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَاطِلَةٌ بِاتِّفَاقِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، الْأَوَّلُ: مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى النَّفْسِ وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ زِيَادَتِهَا عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ فَحُكْمُ الشَّافِعِيِّ بِهَا مُلَفَّقٌ مِنْ قَوْلِ مُجْتَهِدَيْنِ فَلْتَكُنْ بَاطِلَةً إجْمَاعًا لِمَا تَقَرَّرَ لَا يُقَالُ: الْحُكْمُ بِشَرْطِهِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَبَعْدَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ صَارَ الْوَقْفُ صَحِيحًا بَاطِنًا أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَعْنَى كَوْنِهِ صَحِيحًا بَاطِنًا أَنَّا نُنَفِّذُهُ وَنُلْزِمُ بِهِ وَنُدِيرُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ، لَكِنَّنَا نُرَاعِي مَعَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، فَلَا نَأْتِي بِمَا يُخَالِفُهُ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّلْفِيقُ الْمَحْذُورُ، وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَهُ نَعَمْ يَأْتِي قَرِيبًا آخِرَ مَسْأَلَةِ حُكْمِ مِيَاهِ مَرِّ الظَّهْرَانِ مَا فِيهِ الْجَوَابُ عَنْ كَلَامِ ابْنِ الْعِمَادِ فَانْظُرْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. (تَنْبِيهٌ) أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَكَانَ مِمَّنْ يَرَاهُ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَوَقْفٍ وَغَيْرِهِمَا كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ فِي الْبَاطِنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، قَالَ مَا مَعْنَاهُ: وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ سِيَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ، وَأَقَرَّهُ الشَّرَفُ الْغَزِّيُّ وَشَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ ظَاهِرٍ، لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِشَرْطِهِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَكَأَنَّهُ فَرَّعَ مَا قَالَهُ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ يَنْفُذُ بَاطِنًا إلَّا أَنَّهُ يُغَيِّرُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ عَلَى بُعْدٍ بِأَنَّ مَعْنَى نُفُوذِهِ بَاطِنًا فِي شُفْعَةِ الْجِوَارِ مَثَلًا إذَا حَكَمَ بِهَا حَنَفِيٌّ يَجُوزُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ أَخْذُهَا وَلَا عِقَابَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا وَأَمَّا الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِهَا الشَّافِعِيُّ فَلَهُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ أَنْ لَا يَفْعَلَ بِقَضِيَّةِ الْحُكْمِ أَوْ يُقَالُ: مَحَلُّ نُفُوذِهِ بَاطِنًا وَتَغْيِيرُهُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ خَصْمَانِ، كَمَا فِي شُفْعَةِ الْجِوَارِ مَثَلًا بِخِلَافِهِ فِي نَحْوِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ خَصْمَانِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْوَاقِفَ الْعَمَلُ بِقَضِيَّةِ هَذَا الْحُكْمِ لِفَقْدِ تَحَقُّقِ التَّغَايُر فِيهِ بَيْنَ الْمَحْكُومِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلِلنَّظَرِ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَجَالٌ فَتَأَمَّلْهُ. ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيّ صَرَّحَ بِمَا

стр. 896

ذَكَرْته أَوَّلًا مِنْ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ الْمَذْكُورِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا جَزَمَ بِبِنَائِهِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُدْرَى أَرَأَى كَلَامَ الزَّرْكَشِيّ هَذَا أَمْ وَافَقَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؟ وَحِينَئِذٍ يَزُولُ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ إجْرَاءُ أَحْكَامِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (فَائِدَةٌ) سُئِلْت عَنْ مَسْأَلَةٍ مُهِمَّةٍ فَأَحْبَبْت إثْبَاتَهَا هُنَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ هِيَ وَمِيَاهُهَا شَرَطَ وَاقِفُهُمَا شُرُوطًا مِنْهَا أَنْ لَا تُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَلَا تُؤَجَّرَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ السَّنَةُ الْأُولَى، وَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ حَنَفِيٌّ وَنَفَّذَهُ شَافِعِيٌّ وَغَيْرُهُ فَأَجَّرَ نَاظِرُهُ مِنْهُ أَرَاضِيَ وَمِيَاهَهَا مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا فِي مِائَةِ عَقْدٍ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ لِمَحْجُورَيْهِ ابْنَيْ ابْنِهِ مَثَلًا وَحَكَمَ بِهَذِهِ الْإِجَارَةِ شَافِعِيٌّ وَذَكَرَ مُوَرِّقُهُ مَا يَعْتَادَهُ الْمُوَرِّقُونَ فِي كُلِّ مُسْتَنَدٍ وَحُكْمٍ مَثَلًا وَهُوَ حُكْمٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ مُسْتَوْفِي شَرَائِطِهِ الشَّرْعِيَّةِ مَثَلًا فَهَلْ يُعْمَلُ بِهَذِهِ الْإِجَارَةِ الْمُخَالِفَةِ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ لِقَوْلِ الْمُوَرِّقِ الْمَذْكُورِ أَوْ لَا يُعْمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا مُسَوِّغٌ لِمُخَالَفَتِهِ شَرْطَ الْوَاقِفِ وَالْمُوَرِّقُونَ؟ يَقُولُونَ ذَلِكَ وَلَا يَفْهَمُونَ مَعْنَاهُ وَلَا يَكُونُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ، وَالْمَسْئُولُ مِنْ تَفَضُّلَاتِ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ نُجُومُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الِاقْتِدَاءِ وَعَلَيْهِمْ الْمُعَوَّلُ فِي النَّوَائِبِ وَإِلَيْهِمْ الْمَلْجَأُ فِي الْمَصَائِبِ بَيَانُ حُكْمِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ، الَّتِي أُكِلَ بِهَا مَالُ الْوَقْفِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا مُسَوِّغٌ فِي مُسْتَنَدِ الْإِجَارَةِ وَلَا فِي الْخَارِجِ مَعَ مُخَالَفَتِهَا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ نَصًّا، وَإِيضَاحُ حُكْمِ ذَلِكَ وَبَسْطُهُ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ لِيَصِلَ كُلُّ ذِي حَقٍّ إلَى حَقِّهِ وَيَرْجِعَ الْمُعْتَدِي عَنْ تَعَدِّيهِ وَعِنَادِهِ وَخَرَقِهِ (فَأَجَبْت) : هَذِهِ الْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: كَوْنُ النَّاظِرِ آجَرَ ابْنَيْ ابْنِهِ الْمَحْجُورَيْنِ لَهُ وَاسْتَأْجَرَ لَهُمَا وَهَذَا بَاطِلٌ وَلَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرُ كَمَا صَرَّحُوا بِنَظِيرِهِ فِي الْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ وَقَالُوا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا: إنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ كَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمَا وَيَجُوزُ لَهُ مَا يَجُوزُ لَهُمَا، وَفِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْإِصْطَخْرِيِّ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ كَالْوَصِيِّ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ مِنْ الثَّانِي وَهُوَ مُخَالَفَةُ تِلْكَ الْإِجَارَةِ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ، وَذَلِكَ مُقْتَضٍ لِبُطْلَانِهَا، وَإِنْ قَالَ الْمُوَرِّقُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ كَوْنِ الْأَوَّلِ أَظْهَرَ أَنَّ إبْطَالَهُ لِلْإِجَارَةِ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ إنَّهُ اسْتَوْفَى الْمُسَوِّغَاتِ الشَّرْعِيَّةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا مُسَوِّغَ لَهُ فَأَبْطَلَ الْإِجَارَةَ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُ مُسَوِّغٍ لَهُ بِأَنْ تَشْهَدَ الْآنَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ بِأَنَّ الْوَقْفَ كَانَ خَرِبًا وَلَمْ يَبْقَ مِنْ غَلَّتِهِ مَا يَعْمُرُ خَرَابَهُ، وَلَا يُمْكِنُ اقْتِرَاضُ مَا يَعْمُرُهُ وَلَمْ تُمْكِنْ عِمَارَتُهُ إلَّا بِأُجْرَةِ تِلْكَ الْمِائَةِ سَنَةٍ إذْ هَذَا مُجَوِّزٌ لِمُخَالِفَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَمَعَ وُجُودِ هَذَا الْمُسَوِّغِ وَإِقَامَةِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِهِ لَا تُمْكِن صِحَّةُ هَذِهِ الْإِجَارَةِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمُبْطِلِ الْأَوَّلِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ اهـ [الْبَابُ الْأَوَّلُ أَجْرُ نَاظِرٍ عَلَى وَقْفٍ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَكَانَ الْمَوْقُوفَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ] الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي السُّؤَالِ الثَّانِي وَهُوَ أَجَرَ نَاظِرٌ عَلَى وَقْفٍ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَكَانَ الْمَوْقُوفَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ أَنَّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ بِمُوجَبِهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَكْثَرُ مِنْ الْأُولَى أَوْ مُسَاوِيَةٌ لَهَا مَثَلًا بِأَنَّ تِلْكَ الْأُجْرَةَ دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ مَثَلًا فَهَلْ يَتَبَيَّنُ انْفِسَاخُ الْإِجَارَةِ الْأُولَى عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ لَا تَنْفَسِخُ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى لِتَفْوِيتِهَا بِالْحُكْمِ؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا مِنْ إفْتَاءِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَمُخَالَفَةِ السُّبْكِيّ لَهُ وَافْتِرَاقِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى مُعْتَمَدِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَمُتَوَقَّفٌ فِيهِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ بَيِّنُوا ذَلِكَ وَأَوْضِحُوا الْحَقَّ فِيهِ بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ؟ الْجَوَابِ: قَدْ اُسْتُفْتِيت قَدِيمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانَ الرَّافِعُ لِلسُّؤَالِ شَخْصًا مِنْ فُقَهَاءِ مَكَّةَ وَأَفَاضِلِهَا أَلْزَمَ بِالِاسْتِفْتَاءِ وَالْبَحْثِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَكَابِرِ الدَّوْلَةِ فَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِقَرِيبٍ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ، فَرُفِعَتْ لِشَافِعِيٍّ لِيَحْكُمَ فِيهَا فَأَرَادَ الْحُكْمَ بِهَا حَتَّى يُخَلِّصَ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْوَعْدِ بِإِرْضَاءِ وَرَثَةِ الْمُؤَجِّرِ بِمَالٍ لَهُ صُورَةٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ الْمُسْتَأْجِرَ إلَى زَبِيدٍ وَغَيْرِهَا لِيَسْتَفْتِيَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْفَتَاوَى، فَأَظْهَرَ مَا يُوَافِقُهُ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ تَمَسُّكًا بِمَا أَفْتَيْت بِهِ ثُمَّ تُمِّمَتْ صُورَةُ ذَلِكَ الصُّلْحِ، وَإِنَّمَا حَكَيْت ذَلِكَ؛ لِأَنِّي سَمِعْت عَنْ بَعْضِ الْمُسَاعِدِينَ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ عَلَى

стр. 897

نَقْضِ الْحُكْمِ وَالْقِيَامِ التَّامِّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَصِيَاحِهِ فِي الْمَلَإِ فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ بِأَنَّ نَقْضَ الْحُكْمِ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ الْآنَ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ وَمُشَدِّدٌ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ يُعْتَمَدُ إفْتَاءَ ابْنِ الصَّلَاحِ، فَتَأَمَّلْ اخْتِلَافَ الْأَغْرَاضِ، كَيْفَ يُلْجِئُ غَيْرَ الْمُوَفَّقِ إلَى مَاذَا؟ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُوَافِقَ لِلْقَوَاعِدِ وَالْبَرِيءَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ تَفْصِيلٌ يُوَافِقُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مِسْكَةٍ مِنْ فَهْمٍ، وَأَحَاطَهُ بِتَصَرُّفَاتِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَأَمَّا عُمُومُ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي النَّقْضِ وَعُمُومُ كَلَامِ السُّبْكِيّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ بِعَدَمِهِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، فَلَا تُعَوِّلْ عَلَيْهِمَا لِمَا سَأُمْلِيهِ عَلَيْك مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَكَرْته مِنْ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ فَأَقُولُ: قَدْ أَشْبَعْت الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ. وَحَاصِلُهُ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِبَيِّنَةٍ لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحُهَا كَمَا ذَكَرُوهُ، بَلْ مَتَى كَانَ فِي إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مَعْنًى يَقْتَضِي تَرْجِيحَهَا قُدِّمَتْ وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْأُخْرَى خِلَافًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ بَعْضِ الْعِبَارَاتِ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَوْ اُحْتِيجَ لِبَيْعِ مَالِ يَتِيمٍ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْحَاجَةِ وَبِأَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ وَحَكَمَ حَاكِمٌ أَيْ شَافِعِيٌّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ غَيْرَهُ يَرْجِعُ فِي نَقْضِ حُكْمِهِ إلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ بِصِحَّةِ الْبِيَعِ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهُ بِيعَ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ نُقِضَ الْحُكْمُ وَحُكِمَ بِفَسَادِ الْبِيَعِ. قَالَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ سَالِمَةٌ مِنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أُزِيلَتْ يَدُ الدَّاخِلِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ ثُمَّ أَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ لِذَلِكَ وَفِيهِ وَجْهٌ يَجِيءُ هُنَا اهـ. وَمَا ذُكِرَ فِي الْبِيَعِ بِلَا حَاجَةٍ يَأْتِي تَوْجِيهُهُ وَخَالَفَهُ السُّبْكِيّ وَصَنَّفَ فِيهِ مُصَنَّفًا فَقَالَ: الَّذِي أَرَاهُ إنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا نُقِضَ فِيمَا قَاسَ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ لِأَجْلِ الْيَدِ وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: بِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ وَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ اهـ. وَرَدَّهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى ثَرَاهُ فِي عِمَادِ الرِّضَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ فَقَالَ عَقِبَهُ: وَيُجَابُ عَنْهُ أَيْ عَمَّا أَوْرَدَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ بِالشَّكِّ وَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْحُكْمِ امْتَنَعَا كَمَا صَرَّحَ هُوَ أَيْ السُّبْكِيّ بِهِ اهـ. وَوَجْهُ عَدَمِ تَسْلِيمِهِ لِمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُرَجِّحًا وَحِينَئِذٍ فَغَايَةُ مَا أَفَادَتْهُ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى الظَّنُّ وَمُفَادُ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ الظَّنُّ أَيْضًا فَقُدِّمَتْ لِمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ سَالِمَةٌ مِنْ الْمُعَارِضِ، وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ فَإِنْ قُلْت: كَلَامُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ رُبَّمَا يَقْتَضِي ضَعْفَ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّقْوِيمِ مِنْ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْأَقَلِّ فِيهِ؛ لِأَنَّ مُدْرِكَهَا الِاجْتِهَادُ وَقَدْ تُطْلِعُ بَيِّنَةُ الْأَقَلِّ عَلَى عَيْبٍ فَمَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ قُلْت: كَلَامُهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ يُخَالِفُ كَلَامَهُمْ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَعِنْدَ عَدَمِ التَّأَمُّلِ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّحْقِيقِ فَلَا يُخَالِفُهُ. وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهُوَ أَبُو زُرْعَةَ أَنَّهُ حَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى حَالَةٍ وَكَلَامَهُمْ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى كَمَا سَأَذْكُرُهُ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ الشَّيْخُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَكِتَابُهُ أَدَبُ الْقَضَاءِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَقْوَالِ الْإِنْسَانِ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا عَلَى أَنَّ أَدَبَ الْقَضَاءِ أَمَسُّ بِتَحْرِيرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، فَالِاعْتِنَاءُ يَكُونُ فِيهِ بِالْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقَضَاءِ أَكْثَرَ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ: إنَّ مَا صَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْ غَيْرُهُ فِي بَابِهِ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ مِمَّا صَحَّحَاهُ فِي غَيْرِ بَابِهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِتَحْرِيرِ الْمَسَائِلِ فِي أَبْوَابِهَا أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَجْرِي فِي نَظَائِرِهَا أَيْ كَصُورَةِ السُّؤَالِ وَغَيْرِهَا هَذَا وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَهُوَ أَنَّ الْعَيْنَ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً قَائِمَةً عَلَى صِفَاتِهَا وَقْتَ نَحْوِ الْبِيَعِ أَوْ الْإِجَارَةِ وَقُطِعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالزِّيَادَةِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا. وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ حَتَّى عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَقُطِعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى

стр. 898

الشَّاهِدَةِ بِالنَّقْضِ عَمَلًا بِالثَّانِيَةِ، وَنُقِضَ الْحُكْمُ حَتَّى عِنْدَ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ فِيهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْلُهُ: شَرْطُ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ أَنْ لَا يُكَذِّبَهَا الْحِسُّ وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَيْنَ إذَا كَانَتْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ يَكُونُ الْحِسُّ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالنَّقْضِ، فَتَكُونُ شَهَادَتُهَا مُلْغَاةً وَالْحُكْمُ الْمُسْتَنِدُ إلَيْهَا لَغْوٌ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي فَتَاوِيهِ فِي مُنَازَعَتِهِ لِابْنِ الصَّلَاحِ وَأَيْضًا بَيِّنَةُ الْقِيمَةِ تَعْتَمِدُ التَّقْوِيمَ، وَالتَّقْوِيمُ حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ وَيُفْرَضُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ تَشْهَدَ الْآنَ أَنَّ قِيمَتَهُ الْآنَ كَذَا فَهَذِهِ لَا تُعَارِضُ الْبَيِّنَةَ السَّابِقَةَ يَوْمَ الْبِيَعِ بِلَا إشْكَالٍ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَشْهَدَ الْآنَ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْبِيَعِ كَذَا فَهَذِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُسْمَعْ وَعَلَّلَهُ وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا تُقَوَّمَ الْآنَ لَكِنْ تَشْهَدُ أَنَّ قِيمَتَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عِنْدَ النَّاسِ كَذَا فَإِنَّ الْأَسْعَارَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ عُمُومِ النَّاسِ تَنْضَبِطُ فِي أَوْقَاتِهَا، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ تَقْوِيمًا بَلْ شَهَادَةً بِأَمْرٍ خَارِجٍ فَهَذِهِ تُسْمَعُ وَلَيْسَ شَهَادَةَ قِيمَةٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَأَمَّا الْأَمْلَاكُ فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا هَذَا، إذَا عَرَفْت هَذَا فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ شَهِدَتْ بِالْحَالَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ فَلَا أَثَرَ لَهَا وَشَهَادَتُهَا بِالْحَالَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْمِلْك إمَّا مُمْتَنِعٌ أَوْ بَعِيدٌ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْعَيْنَ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بَاقِيَةً عَلَى صِفَاتِهَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَقَطَعَ أَهْلُ الْعَادَةِ بِأَنَّ مَا بِيعَتْ أَوْ أُجِّرَتْ بِهِ لَيْسَ ثَمَنَ أَوْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا عَادَةً سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمْ وَنُقِضَ الْحُكْمُ الْمُسْتَنِدُ لِلْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالنَّقْضِ، لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهَا حِينَئِذٍ، وَوَجْهُ أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ إذَا قَالَ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ وَإِنْ اسْتَبْعَدَ تَصَوُّرَهَا فَأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي صُورَتِنَا. وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ صُورَتَهُ لَيْسَ فِيهَا الْقَطْعُ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَمَا هُوَ فِي صُورَتِنَا فَنَتَجَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي صُورَتِنَا وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الصَّلَاحِ عَلَى النَّقْضِ فِيهَا، فَإِنْ قُلْت: لَا يَلْزَمُ مِنْ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا نَقْضُ الْحُكْمِ قُلْت: مَمْنُوعٌ إذْ لَا فَائِدَةَ لِسَمَاعِهَا إلَّا نَقْضُهُ أَيْ لِتُبَيِّنَ أَنَّ لَهُ مُعَارِضًا يَقْضِي عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَقَعَ لَغْوًا، وَمِنْهَا قَوْلُهُ بَعْدَ مَا مَرَّ عَنْهُ فَإِنْ قُلْت: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يَحْكُمْ قُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ مَعَ الشَّكِّ وَكَذَلِكَ لَا يُنْقَضُ مَعَ الشَّكِّ، وَصَرَّحَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ فَتَاوِيهِ بِنَحْوِ هَذَا مِنْ أَنَّ سَبَبَ مُخَالَفَتِهِ لِابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الثَّانِيَةَ غَايَتُهَا أَنَّهَا أَوْرَثَتْ شَكًّا فِيمَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُولَى فَكَيْفَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ؟ فَتَأَمَّلْ تَعْلِيلَهُ هَذَا وَأَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ ابْنَ الصَّلَاحِ، لِذَلِكَ تَعْلَمُ بِلَا مِرْيَةٍ أَنَّهُ قَائِلٌ: بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الثَّانِيَةَ إذَا أَفَادَتْ الْقَطْعَ بِكَذِبِ الْأُولَى كَمَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَدَّمْتهَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِهَا عِنْدَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ لَمْ يُنْقَضْ بِشَكٍّ بَلْ بِيَقِينٍ عَلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ ذَكَرُوا النَّقْضَ بِالظَّنِّ وَبِهِ يَقْوَى مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَيَضْعُفُ مَا عَلَّلَ بِهِ السُّبْكِيّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ بَانَا فَاسِقَيْنِ عِنْد الْحُكْمِ نُقِضَ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْبَيِّنَةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا فَيَكُونُ الْفِسْقُ الثَّابِتُ بِهَا مَظْنُونًا وَالْفِسْقُ الْمَظْنُونُ لَا نَقْضَ بِهِ انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْ أَنَّ مَا عُلِّلَ بِهِ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ هُوَ عَيْنُ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ فِي مُخَالَفَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَتَجِدْ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ النَّقْضِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَصَحِّ هُنَا الْقَائِلُ بِالنَّقْضِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ لِمَا عُلِّلَ بِهِ الضَّعِيفُ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ بِهِ إلَّا أَنَّهُ بَانَ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ مُعَارِضٍ فَأُلْغِيَ، وَفِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْته تَأْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ ابْنِ الصَّلَاحِ النَّقْضَ أَيْ إلَّا فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ أَوَّلًا أَعْنِي الَّتِي قُطِعَ فِيهَا بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ الْإِطْلَاقُ هُوَ مَا ارْتَضَيْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ مَعَ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ دَالٌّ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَقَدْ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ، فَإِنَّهُ. سُئِلَ عَمَّا لَوْ اُدُّعِيَ عَلَى إنْسَانٍ بِمَالٍ فَأَنْكَرَ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً وَقَضَى لَهُ الْقَاضِي بِالْمَالِ ثُمَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَامَ بَيِّنَةً بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ بِوُصُولِ هَذَا الْمَالِ إلَيْهِ قَالَ: تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ لِأَنَّ بَيِّنَةَ مُدَّعِي الْبَرَاءَةِ لَمَّا كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي قَبْلَ الْقَضَاءِ فَالْقَضَاءُ

стр. 899

لَا يَمْنَعُ إقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْبَغَوِيّ لِذَلِكَ وَأَطَالَ وَأَفْتَى الْبَغَوِيّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بَاعَنِي هَذِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَحَكَمَ لَهُ بِهَا الْقَاضِي ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا رَهْنٌ مِنْهُ مَقْبُوضٌ لَهُ قَبْلَ الْبِيَعِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ حُكِمَ بِالرَّهْنِ وَبَطَلَ الْبَيْعُ اهـ. فَتَأَمَّلْ مَا قَالَهُ سِيَّمَا تَعْلِيلُهُ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَجِدْهُ مُوَافِقًا لِمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ، بَلْ نَصٌّ فِيهِ، وَلَوْ اسْتَحْضَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ لَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ، فَإِنَّ عِلَّةَ الْبَغَوِيِّ هِيَ بِعَيْنِهَا عِلَّةُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، إذْ حَاصِلُهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ إذَا كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى أُخْرَى قَبْلَ الْحُكْمِ. تَكُونُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهَا بَعْدَهُ، وَمَرَّ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ إنَّمَا قَدَّمَ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُمَا لَوْ تَعَارَضَتَا قَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيّ وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ الَّذِي ذَكَرْته صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَبِهَذَا الَّذِي عَلِمْت أَنَّهُ مَنْقُولُ الْبَغَوِيِّ يَتَّضِحُ لَك رَدُّ مَا أَطَالَ بِهِ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهَا رَدًّا عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَسَائِرُ النَّاقِلِينَ لِكَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَمْ يُؤَيِّدُوهُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ غَيْرِ مَا أَيَّدَ هُوَ بِهِ مِمَّا مَرَّ وَبِحَمْدِ اللَّهِ قَدْ تَأَيَّدَ بِمَسَائِلَ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا لَمْ أَمْشِ هُنَا عَلَى إطْلَاقِهِ النَّقْضَ بَلْ خَصَّصْته بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهِيَ مَا إذَا قُطِعَ بِكَذِبِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ اللَّائِقُ بِالْفَتَاوَى سِيَّمَا مَعَ مَا غَلَبَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ شَهَادَاتِ الزُّورِ وَالْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ مِنْ الْقُضَاةِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ أَعْنِي السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا أَنَّ قَاضِيَ الْمَقْدِسِ أَذِنَ لِمَنْ عَوَّضَ امْرَأَةً مُرْتَهِنَةً مَا رَهَنَهُ الدَّائِنُ عِنْدَهَا. لِغَيْبَتِهِ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّعْوِيضِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَنَّ نَائِبَ الْحَكَمِ بِالْقُدْسِ أَرْسَلَ إلَى دِمَشْقَ فَتَاوَى فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ لَهُ عُلَمَاؤُهَا: إذَا ثَبَتَ أَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قُدِّمَتْ الْبَيِّنَةُ الَّتِي شَهِدَتْ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يُنَازِعْهُمْ السُّبْكِيّ فِي هَذَا الْإِفْتَاءِ. وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ وَإِنَّمَا نَازَعَ النَّائِبَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى كَلَامٌ مُخْلِصٌ، لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ النَّائِبَ وَبَيَّنَ ذَلِكَ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ عُلَمَاءَ دِمَشْقَ الَّذِينَ فِي زَمَنِ السُّبْكِيّ كَانُوا مُوَافِقِينَ لِابْنِ الصَّلَاحِ، فَإِنْ قُلْت: مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ لَا حُكْمَ فِيهَا فَلَا تُشْبِهُ صُورَةَ ابْنِ الصَّلَاحِ قُلْت: بَلْ فِيهَا حُكْمٌ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْحَاكِمِ فِي قَضِيَّةٍ رُفِعَتْ إلَيْهِ وَطُلِبَ مِنْهُ فَصْلُهَا حُكْمٌ وَهَذِهِ الصُّورَةُ كَذَلِكَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ لَك عَنْ السُّبْكِيّ مَا ذَكَرْته اتَّضَحَ أَنَّهُ هُوَ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُمَا مُتَّفِقُونَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَدَّمْتهَا عَلَى نَقْضِ الْحُكْمِ فِيهَا، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَيُوَافِقُ مَا ذَكَرْته فِيهَا قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ. مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ نَاظِرٍ شَرْعِيٍّ أَجَرَ بِأُجْرَةٍ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَحُكِمَ بِهَا فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ وَبَانَ بِهَا أَنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِأُجْرَةِ الْأَرَاضِيِ، فَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِمُوجَبِ الْأُولَى؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُقُوعِهِ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ. أَوَّلُهُمَا: إذَا بَانَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ، وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَتَبَيَّنُ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ شَهَادَةُ نَفْيٍ أَوْ بِاعْتِرَافِهِمَا وَهُوَ لَا يُفِيدُ بَعْدَ الْحُكْمِ؟ وَيُجَابُ بِالْتِزَامِ تَبَيُّنِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا شَهَادَةَ نَفْيٍ مَحْصُورٍ وَالشَّهَادَةُ بِهِ مَسْمُوعَةٌ. وَيَدُلُّ لَهُ مَا قَدَّمْته عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَنَّ شَهَادَةَ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ بَيْعٌ بِلَا حَاجَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى أَنَّ هَذَا نَفْيٌ لِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ نَفْيٌ مَحْصُورٌ ثَانِيهمَا أَنْ تُفِيدَ الْبَيِّنَةُ. الثَّانِيَةُ: تَعَيُّنُ كَذِبِ الْأُولَى بِأَنْ تَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ إذْ لَا يَنْتَهِي الْحَالُ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ التَّعَارُضِ إلَى الْقَطْعِ بِكَذِبِ إحْدَاهُمَا إلَّا إنْ وَصَلَتْ الْأُخْرَى إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ التَّوَاتُرَ مَتَى خَالَفَ الْآحَادَ عُلِمَ كَذِبُ الْآحَادِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قُوَّةِ مَالِكِ الْأَرْضِ وَضَعْفِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ثُمَّ قَالَ: قَدْ يُخَالِفُ مَا أَفْتَيْت بِهِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْهُ ثُمَّ اعْتَرَضَهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ صُورَتِهِ وَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ، بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي أَقَامَهَا الدَّاخِلُ لَوْ كَانَ أَقَامَهَا قَبْلُ، امْتَنَعَ الْحُكْمُ لِغَرِيمِهِ، وَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ بِخِلَافِ صُورَةِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُعَارِضَةَ لَوْ أُقِيمَتْ مِنْ الْأَوَّلِ مَنَعَتْ الْحُكْمَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، لِتَعَارُضِهِمَا وَتَسَاقُطِهِمَا.

стр. 900

فَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى، بَلْ قَدْ تَرَجَّحَتْ الْمَحْكُومُ بِهَا بِالْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ لَا يُنْقَضُ بِالِاحْتِمَالِ وَلَك رَدُّ اعْتِرَاضِهِ هَذَا بِأَنَّهُ فَرْقٌ صُورِيٌّ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَقَوْلُهُ: بَلْ قَدْ تَرَجَّحَتْ إلَى آخِرِهِ مَرَّ مَا يَرُدُّهُ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يُعَدُّ مُرَجِّحًا، ثُمَّ اعْتَرَضَهُ أَيْضًا بِنَحْوِ مَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ وَقَدْ مَرَّ رَدُّهُ عَلَى السُّبْكِيّ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَاَلَّذِي يَتَحَرَّرُ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَأَنْ تُقَوَّمَ الْحِجَارَةُ الَّتِي هِيَ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا، نُقِضَ الْحُكْمُ بِهَا لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهَا فَصَارَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَأَمَّا مَعَ الِاحْتِمَالِ فَلَا نَقْضَ لِلْحُكْمِ وَبِدُونِ الْحُكْمِ مَعَ الِاحْتِمَالِ إمَّا أَنْ تُرَجَّحَ النَّاقِضَةُ. وَإِمَّا أَنْ يَتَعَارَضَا وَيَتَسَاقَطَا انْتَهَى كَلَامُ أَبِي زُرْعَةَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَدَّمْتهَا مِنْ أَنَّ الْقَطْعَ بِكَذِبِ الْأُولَى مُبْطِلٌ لِلْحُكْمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ أَيْضًا إجْمَاعُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعَارُضُ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَمَظْنُونٍ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالسُّبْكِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْخِلَافِ فِيهَا. وَاسْتُفِيدَ مِنْ تَمْثِيلِ أَبِي زُرْعَةَ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَلِمَ اسْتِحَالَةَ أَمْرٍ اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ حُكْمٌ أَلْغَاهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ التَّاجُ السُّبْكِيّ لِأَبِيهِ بِمَسْأَلَةٍ فِي الرَّافِعِيِّ لَكِنَّنِي بَيَّنْتُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الرَّافِعِيِّ لَا يَدُلُّ لِمَا مَرَّ عَنْ أَبِيهِ: مِنْ إطْلَاقِ عَدَمِ النَّقْضِ، نَعَمْ قَدْ يُشْكَلُ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ: لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَأُخْرَى بِفَسَادِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُخْرَى أَنَّهُ بَاعَ بِدُونِهِ رُجِّحَتْ الْأُولَى. قَالَ الْأَزْرَقِيُّ: وَبِهِ أَفْتَى أَهْلُ زُبَيْدٍ لَكِنْ أَفْتَى الْعُمْرَانِيُّ بِأَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِكَلَامِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَيُجَابُ بِأَنَّ السُّبْكِيّ الْمُخَالِفَ لِابْنِ الصَّلَاحِ لَا يَقُولُ بِتَقْدِيمِ الشَّهَادَةِ بِالْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، بَلْ يَقُولُ: بِمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ مِنْ التَّعَارُضِ فَكَانَ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَمَا أَخَذَهُ مِنْهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَارِدًا عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَالسُّبْكِيِّ مَعًا، وَيُوَجَّهُ خُرُوجَ هَذِهِ عَنْ قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الصِّحَّةِ، بِأَنَّ الْقِيمَةَ أَمْرُ تَخْمِينٍ. وَالشَّاهِدُ بِهَا إنَّمَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ ظَنٍّ فَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى ظَنِّهِ إلَّا حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهُ ظَنٌّ آخَرُ، فَإِذَا عَارَضَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ تَسَاقَطَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ بَانَ أَنَّ الْحُكْمَ بُنِيَ عَلَى ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ لَمْ يَسْلَمْ عَنْ مُعَارِضٍ، فَفَاتَ شَرْطُهُ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الِاعْتِمَادِ عَلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ وَلَوْ مِثْلَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. وَبِهِ يَظْهَرُ لَك أَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ السُّبْكِيّ يَرُدُّهُ مَا قَرَّرْتُهُ فَاحْفَظْ ذَلِكَ، وَلَا تَغْفُلْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ نَفِيسٌ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ بَيَانِ الْمَدَارِكِ وَالْمَآخِذِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَتَحَرَّرُ الْإِفْتَاءُ بِهِ مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ بِوَجْهٍ أَنَّهُ مَتَى عُلِمَ كَذِبُ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدَّمْتهَا بَانَ بُطْلَانُ شَهَادَتِهَا وَالْحُكْمُ الْمُسْتَنِدُ إلَيْهَا فَيُنْقَضُ بِمَعْنَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُظْهِرُ بُطْلَانَهُ وَيَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا سُئِلَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ [الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيْتٍ وُقِفَ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ عَامِرٍ أَجَّرَهُ نَاظِرُهُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ] الْبَابُ الثَّانِي فِي السُّؤَالِ الثَّالِثِ وَهُوَ بَيْتٌ وُقِفَ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ عَامِرٌ لَا يَحْتَاجُ لِعِمَارَةٍ وَلَا يُخْشَى انْهِدَامُهُ لِمُكْنَةِ بِنَائِهِ وَأَحْكَامِهِ وَمَعَ ذَلِكَ أَجَّرَهُ نَاظِرُهُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ مِائَةَ سَنَةٍ. وَحَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجَبِ الْإِجَارَةِ وَعَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتِ الْمُتَآجِرَيْنِ وَذَكَرَ فِي مَكْتُوبِ الْإِجَارَةِ أَنَّ الْأُجْرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَأَنَّ الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَةَ وَالْغِبْطَةَ لِجِهَةِ الْوَقْفِ وَلِلْمَوْقُوفِ فِي إيجَارِهِ بِالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِيهِ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَزِيَادَةٌ مَثَلًا فَهَلْ إجَارَةُ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ صَحِيحَةٌ أَوْ لَا؟ وَهَلْ الْحَظُّ وَالْمَصْلَحَةُ وَالْغِبْطَةُ تَتَقَيَّدُ بِقَوْلِهِ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ إلَى آخِرِهِ أَوْ لَا؟ وَإِذَا تَقَيَّدَتْ فَهَلْ يَكْفِي فِي الْمَصْلَحَةِ كَوْنُ الْأُجْرَةِ زَائِدَةً عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ أَخْذًا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ فِي بَيْعِ عَقَارِ الْيَتِيمِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مَصْلَحَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَصْلَحَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَمَا تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ، وَهَلْ يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ: أَنْ يُؤَجِّرَ مَا رَآهُ وَأَنْ لَا يَقُولَ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَهَلْ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ.

стр. 901

مُسْتَدِلًّا بِمَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ لَا؟ وَهَلْ إذَا تَعَرَّضَ الْحَاكِمُ الشَّافِعِيُّ لِعَدَمِ انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ بِمَوْتِ الْمُتَآجِرَيْنِ يَكُونُ لِلْحَنَفِيِّ الْحُكْمُ بِانْفِسَاخِهَا بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْعَادَةُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَاتِ مُعْتَبَرَةٌ أَوْ لَا؟ وَمَا مَعْنَى الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ فِي الْمَكْتُوبِ بِمُقْتَضَى إلَى آخِرِهِ وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ، وَابْسُطُوا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ لِذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْمُفْتِينَ بِمَكَّةَ فِيهِ وَتَبَايُنِ آرَائِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ. الْجَوَابُ: أَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ كَالْأَصْحَابِ أَنَّ مِنْ وَظِيفَةِ نَاظِرِ الْوَقْفِ حِفْظَ الْأُصُولِ وَالْغَلَّاتِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَمِنْ وَظِيفَتِهِ أَيْضًا إجَارَتُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ كَغَيْرِهِمَا. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ: وَلَا يَتَصَرَّفُ النَّاظِرُ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَصَرَّحَ التَّاجُ السُّبْكِيّ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَصَرِّفٍ عَنْ الْغَيْرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِالْمَصْلَحَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ وَاسْتَوَيَا لَمْ يَتَصَرَّفْ، وَيَشْهَدُ لَهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ فِي وُجُوبِ أَخْذِ الْوَلِيِّ بِالشُّفْعَةِ لِمَحْجُورِهِ، إنْ كَانَ فِي الْأَخْذِ مَصْلَحَةٌ، وَتَرْكِهِ إذَا عُدِمَتْ فِي الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ مَعًا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ : ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَعِنْدَ اسْتِوَاءِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ لَمْ تُوجَدْ الْأَحْسَنِيَّةُ فَامْتَنَعَ الْقُرْبَانُ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا، فَكَانَ مِثْلَهُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى نَاظِرِ الْوَقْفِ فِعْلُ الْأَصْلَحِ، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الِاحْتِيَاطُ فِي بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ وَفِي إيجَارِهِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِعْلُ الْأَصْلَحِ مِنْ إيجَارِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَالْقَصِيرَةَ إذَا كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَصْلَحَةٌ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي أَحَدِهِمَا مَصْلَحَةٌ، وَفِي الْأُخْرَى مَفْسَدَةٌ، وَاسْتَوَيَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ عُلِمَ وَظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إلَّا إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ أَصْلَحَ مِنْ بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ بِلَا إجَارَةٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ مَفْسَدَةٌ، وَفِي بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ بِدُونِ تِلْكَ الْإِجَارَةِ مَصْلَحَةٌ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَاسْتَوَتْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِيجَارُ، إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا اسْتَوَتَا تَعَارَضَتَا فَتَسَاقَطَتَا. وَبَعْدَ أَنْ اتَّضَحَ لَك أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ مِنْ تَحَقُّقِ كَوْنِهَا أَصْلَحَ مِنْ بَقَاءِ الْعَيْنِ بِلَا إيجَارٍ، فَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ مِنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَ الْقَاضِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ حَيْثُ جَعَلُوا نَاظِرَ الْوَقْفِ كَالْوَصِيِّ وَصَرَّحُوا فِي الْوَصِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُسَجِّلَ بَيْعَهُ إلَّا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ لِلْمَحْجُورِ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ وَالْغِبْطَةَ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْجَدِّ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا، ثُمَّ لَا بُدَّ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ بَيَانِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُمَا: نَشْهَدُ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً وَغِبْطَةً كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ ابْنِ أَبِي الدَّمِ وَأَقَرَّهُ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي نَظِيرِ مَسْأَلَتِنَا الْآتِيَةِ. قَالَ: فَلَا نَسْمَعُ شَهَادَتَهُ الْمُطْلَقَةَ وَإِنْ وَافَقَ الْحَاكِمَ فِي مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى أَسْبَابِهَا، بَلْ وَظِيفَتُهُ نَقْلُ مَا سَمِعَهُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مَا شَاهَدَهُ مِنْ الْأَفْعَالِ، ثُمَّ الْحَاكِمُ يَنْظُرُ فِيهِ فَإِنْ رَآهُ سَبَبًا رَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ كَغَيْرِهِ لَوْ عَلِمَ الشَّاهِدُ اسْتِحْقَاقَ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو دِرْهَمًا مَثَلًا، بِأَنْ عَرَفَ سَبَبَهُ كَأَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِاسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ دِرْهَمًا وَتُسْمَعُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ عَلَى شَاهِدٍ فَقِيهٍ مُوَافِقٍ لِلْحَاكِمِ فِي مَذْهَبِهِ بِحَيْثُ يُوثَقُ بِعِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِتَفَاصِيلِ الْأَسْبَابِ وَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا، بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا مَسَاغَ لِلْحَاكِمِ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ بِهِ فِي مِثَالِهِمْ لِظُهُورِ حُكْمِهِ حَتَّى لِلْعَوَامِّ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُسَوِّغَةَ لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ حَتَّى أَخْطَأَ فِيهَا بَعْضُ الْمُفْتِينَ كَمَا يَأْتِي، فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ لِقَاضٍ شَهِدَ عَامِّيٌّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي إجَارَةِ كَذَا مِائَةَ سَنَةٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ قَبُولُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ؟ ، هَذَا مِمَّا لَا يَسَعُ شَافِعِيًّا أَنْ يَقُولَ بِعُمُومِهِ. وَأَمَّا

стр. 902

عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، فَعِبَارَةُ الْمَكْتُوبِ الْمَذْكُورِ صَرِيحَةٌ فِي تَقْيِيدِ الْحَظِّ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْغِبْطَةِ بِكَوْنِ الْأُجْرَةِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً، هَذَا مِمَّا لَا مِرْيَةَ فِيهِ عَلَى جَمِيعِ احْتِمَالَاتِهِ وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَّا بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي إيجَارِهِ مِائَةَ سَنَةٍ بِكَذَا، بِمُقْتَضَى أَنَّ هَذِهِ الْأُجْرَةَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَزِيَادَةٌ فَحَصَرَ الْمَصْلَحَةَ الَّتِي شَهِدَا بِهَا فِي هَذَا الْفَرْدِ الْخَاصِّ وَصَارَا كَالْمُصَرِّحَيْنِ بِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي الْإِيجَارِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْ عِبَارَةِ مَكْتُوبِ الْإِجَارَةِ الْمَذْكُورِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاتَّضَحَ مِنْهُ مَا قَرَّرْنَاهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ تَكُونُ مَصْلَحَةً مُسَوِّغَةً لِإِجَارَةِ مِائَةِ سَنَةٍ مَثَلًا عَجِيبٌ غَرِيبٌ، وَقِيَاسُهُ عَلَى بَيْعِ عَقَارِ الْيَتِيمِ أَعْجَبُ وَأَغْرَبُ وَمِمَّا يُبْطِلُ قِيَاسَهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا فِي بَيْعِ عَقَارِ الْيَتِيمِ لِغِبْطَةٍ بِمُجَرَّدِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا شَرَطُوا ثَمَّ فِي الْغِبْطَةِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، بَلْ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَبِهِ يُرَدُّ عَلَى مَنْ نَازَعَ فِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةَ مَعَ كَوْنِهِ يَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَقَارَ بِبَعْضِ ذَلِكَ الثَّمَنِ، قَالَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَوْ الْأَكْثَرُونَ: أَوْ يَجِدُ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ الْعَقَارِ بِكُلِّ ذَلِكَ الثَّمَنِ فَحِينَئِذٍ تَتَحَقَّقُ الْغِبْطَةُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مِثْلُ عَقَارِهِ مَعَ بَقَاءِ فَضْلَةٍ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْرَمَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا آخَرَ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ الْعَقَارِ الْأَدْوَنِ. وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ غِبْطَةٌ ظَاهِرَةٌ فَجَازَ بَيْعُ الْعَقَارِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا اكْتَفَوْا فِي بَيْعِ غَيْرِ نَحْوِ الْعَقَارِ بِمُجَرَّدِ رِبْحٍ قَلِيلٍ بَلْ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ: بِلَا رِبْحٍ بِخِلَافِ الْعَقَارِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ النَّهْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالضَّيَاعِ مَعَ أَنَّ لَهُ غَلَّةً وَفَوَائِدَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَاحْتِمَالُ خَرَابِهِ لَيْسَ كَاحْتِمَالِ ضَيَاعِ غَيْرِهِ لِقُرْبِ هَذَا وَبُعْدِ ذَاكَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي بَيْعِ عَقَارِ الْيَتِيمِ مِمَّا ذُكِرَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي إجَارَةِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ بِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَلَيْتَهُ إذَا أَخَذَ ذَلِكَ قَيَّدَهُ بِزِيَادَةٍ لَهَا وَقْعٌ، وَإِلَّا فَالِاكْتِفَاءُ بِمُطْلَقِ الزِّيَادَةِ لَا يَكْفِي فِي الْبَيْعِ عَلَى الْيَتِيمِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَبِيعُ الْعَقَارَ إلَّا بِغِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَهِيَ مِمَّا لَا يَسْتَهِينُ بِهِ أَرْبَابُ الْعُقُولِ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَرَفِ الْعَقَارِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَحْصِيلِ عَقَارٍ لِلطِّفْلِ وَنَحْوِهِ أَكْثَرَ قِيمَةً وَرَيْعًا مِمَّا يَبِيعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا خَيْرَ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ اهـ. فَتَأَمَّلْ ضَبْطَهُ لِلْغِبْطَةِ بِمَا ذُكِرَ لِتَعْلَمَ مَا فِي كَلَامِ ذَلِكَ الْمُفْتِي مِنْ التَّسَاهُلِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُمْ اكْتَفَوْا فِي بَيْعِ عَقَارِ الْمَحْجُورِ بِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ، لَمْ يُقَسْ بِهِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمَحْجُورِينَ التِّجَارَةَ لَهُمْ، وَمَوْضُوعُهَا إدْخَالُ الْأَعْيَانِ وَإِخْرَاجُهَا لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْوِلَايَةِ هُنَا حِفْظُ الْأُصُولِ وَتَحْصِيلُ غَلَّتِهَا عَلَى الِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا. وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقْصُودَيْنِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ثَمَّ لَا يُنَافَى التِّجَارَةَ الْمَقْصُودَةَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ هُنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُنَافَى الْمَقْصُودَ هُنَا مِنْ بَقَاءِ الْعَيْنِ سَلِيمَةً عَمَّا يُؤَدِّي إلَى تَمَلُّكِهَا وَانْقِطَاعِ حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنِهَا، فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَلَا عُذْرَ لِذَلِكَ الْمُفْتِي فِي ذَلِكَ الْقِيَاسِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَلَا اعْتِبَارَ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ. وَمِمَّا يُبْطِلُ مَا قَالَهُ أَيْضًا مَا فِي فَتَاوَى الْإِمَامِ الْكَمَالِ الرَّدَّادِ شَارِحِ الْإِرْشَادِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتَعَدٍّ عَلَى وَقْفٍ لَهُ نَاظِرٌ فَطَلَبَ نَاظِرُهُ مِنْ الْحَاكِمِ رَفْعَ يَدِ الْمُتَعَدَّيْ هَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَجِبُ. عَلَى الْحَاكِمِ رَفْعُ يَدِ الْمُتَعَدَّيْ عَنْهَا وَيُؤَجِّرُهَا النَّاظِرُ عَلَى مَنْ تَرَجَّحَ لَهُ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ. اهـ. فَاشْتَرَطَ مَعَ الْمَصْلَحَةِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ فَأَفْهَمْ أَنَّ الْإِيجَارَ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، فَبَطَلَ مَا زَعَمَهُ ذَلِكَ الْمُفْتِي مِنْ أَنَّهُ يَكْفِي، وَقَالَ الْكَمَالُ الْمَذْكُورُ أَيْضًا: وَأَمَّا تَأْجِيرُ النَّاظِرِ ثَلَاثِينَ سَنَةً. فَالْمَنْقُولُ الصِّحَّةُ مَعَ مُرَاعَاةِ الْغِبْطَةِ وَكَوْنِهَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ، فَانْظُرْ إلَى هَذَا التَّصْرِيحِ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْإِمَامِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْغِبْطَةِ وَكَوْنِهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ. وَقَالَ أَيْضًا: عَلَى النَّاظِرِ الْعَمَلُ فِي الْوَقْفِ بِمَا يَتَوَجَّهُ شَرْعًا مِنْ الْبَدَاءَةِ بِعِمَارَتِهِ وَتَأْجِيرِهِ.

стр. 903

بِالْمَصْلَحَةِ وَالْغِبْطَةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ عَلَى ثِقَةِ مَلِيءٍ أَمِينٍ. اهـ وَبِذَلِكَ كُلِّهِ عُلِمَ أَنَّ زَعْمَ الِاكْتِفَاءِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَحْدَهَا بَاطِلٌ صَرِيحٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَصْلَحَةٍ غَيْرِ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ ظَهَرَ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجَارَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْحَاكِمُ إلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ فِيهِ هُوَ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ بِالْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ زِيَادَةُ الْأُجْرَةِ، وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ لَا تُفِيدُ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ فَإِذَا اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى مَا لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ وَلَا الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَحْدَهُ، فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُصَادِفٍ لِمَا يُصَحِّحُهُ فَكَانَ لَغْوًا مِنْ أَصْلِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ. وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ فَالْمُرَادُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِإِجَارَةِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هِيَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ، وَقَدْ انْحَصَرَتْ فِي إيجَارِهِ تِلْكَ الْمُدَّةَ لَا إلَى مُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ الْمُسْتَحِقِّ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا يَأْتِي عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا قَرَّرْته مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ زِيَادَةِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا تُجَوِّزُ إجَارَةَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيّ حَيْثُ قَالَ: لِعِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا كَمَا يَأْتِي عَنْهُ فَخَصَّ الْجَوَازَ بِالْعِمَارَةِ وَنَحْوِهَا وَعَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ الْإِجَارَةَ لِمُجَرَّدِ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ لَا تَجُوزُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ إطْلَاقُ الْأَذْرَعِيِّ امْتِنَاعَ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى تَمَلُّكِ الْوَقْفِ وَمَفَاسِدَ أُخْرَى تُعْلَمُ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ فَمَحَلُّ امْتِنَاعِهَا إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ عَائِدَةً لِلْمُسْتَحِقِّينَ فَقَطْ، وَأَمَّا إطْلَاقُهُ امْتِنَاعَهَا وَإِنْ عَادَتْ إلَى عَيْنِ الْوَقْفِ فَلَا يُتَّجَهُ كَمَا بَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ وَسَيَأْتِي فَتَعَيَّنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَكَذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ تِلْمِيذِهِ الزَّرْكَشِيّ: جَوَازُ إجَارَةِ الْوَقْفِ مِائَةَ سَنَةٍ وَنَحْوِهَا بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِهْلَاكِهِ وَيَدُلُّ عَلَى حَمْلِ كَلَامِهِ أَعَنَى الزَّرْكَشِيّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُهُ أَيْضًا. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سُرَاقَةَ وَأَبِي الْفَرَجِ الْجَزْمُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا فِي الْخَرَابِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ لِيُحْتَكَرَ اهـ. فَافْهَمْ أَنَّ اسْتِبْعَادَهُ الْأَوَّلَ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْخَرَابِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي غَيْرِ الْخَرَابِ إنَّمَا تَعُودُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، فَلَمْ تَكُنْ مُسَوِّغَةً لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَفَاسِدَ فَلَا تُفْعَلُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ تَرْجِعُ إلَى عَيْنِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ رِعَايَةَ حِفْظِهِ بِالْعِمَارَةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ تَوَهُّمِ تَمَلُّكِهِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ اشْتِمَالَهَا عَلَى مَفَاسِدَ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: إنَّ الْحُكَّامَ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُؤَجَّرُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ لِئَلَّا يَنْدَرِسَ مَالُوا إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَقَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ وَصَاحِبِ الْأَنْوَارِ: مَا فَعَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ هُوَ الِاحْتِيَاطُ. وَقَوْلُ السُّبْكِيّ مُنْتَصِرًا لِهَذَا الِاصْطِلَاحِ لَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّ إجَارَةَ الْوَقْفِ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ بِالْقِيمَةِ، وَتَقْوِيمُ الْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ الْبَعِيدَةِ صَعْبٌ قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا تَوَقُّعُ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَقَدْ تَتْلَفُ الْأُجْرَةُ فَتَضِيعُ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لِعِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا، فَالْحَاكِمُ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ وَيَقْصِدُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. قَالَ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ شَارِحُ الْإِرْشَادِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا كَثِيرًا إجَارَةَ بَعْضِ الْحُكَّامِ الْوَقْفَ مُدَّةً طَوِيلَةً أَدَّتْ إلَى تَمَلُّكِهِ وَإِبْطَالِ وَقْفِيَّتِهِ وَانْدِرَاسِهِ، وَالِاحْتِيَاطُ مُتَعَيِّنٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِلَا شَكٍّ. اهـ. وَقَالَ أَيْضًا فِي امْرَأَةٍ أَرَادَتْ أَنْ تُؤَجِّرَ وَقْفًا خَمْسِينَ سَنَةً بِإِذْنِ الْحَاكِمِ فِرَارًا مِنْ الْبَطْنِ الَّذِي بَعْدَهَا لَا يَجُوز لَهَا ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْإِذْنُ لَهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ الْمُدَّةَ الْبَعِيدَةَ صَعْبٌ؛ وَلِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَى الْوَقْفِ إذَا أُجِّرَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ انْدِرَاسُهُ كَمَا رَأَيْنَا ذَلِكَ وَشَاهَدْنَاهُ، عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ وَتِلْمِيذَهُ الْبَغَوِيَّ وَالْمُتَوَلِّي ذَكَرُوا أَنَّ الْحُكَّامَ اصْطَلَحُوا عَلَى مَنْعِ إجَارَةِ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ هَذَا فِي زَمَانِهِمْ فَكَيْفَ فِي زَمَانِنَا الَّذِي لَا يُوجَدُ فِيهِ قَاضٍ أَمِينٌ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ؟ بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: قُضَاةُ الْعَصْرِ كَقَرِيبِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَهَذَا فِي زَمَانِهِ فَكَيْفَ فِي زَمَانِنَا؟ اهـ. وَقَالَ أَيْضًا: وَقَدْ كَثُرَتْ الْمَفَاسِدُ مِنْ نُظَّارِ الْوَقْفِ فِي تَأْجِيرِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ حَتَّى صَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَمَاكِنِ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ مُنْدَرِسَ الْوَقْفِ وَيُتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمِلْكِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ

стр. 904

ذَلِكَ قَادِحٌ فِي نَظَرِهِمْ فَعَلَى الْإِمَامِ وَنُوَّابِهِ أَصْلَحَهُمْ اللَّهُ إزَالَةُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ اهـ. فَظَهَرَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ مَفَاسِدَ فَلِذَا وَجَبَ الِاحْتِيَاطُ فِيهَا أَكْثَرَ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ إلَّا إنْ انْحَصَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْعِمَارَةِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْوَقْفِ وَبَقَائِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو زُرْعَةَ مُحَقِّقُ عَصْرِهِ بِاتِّفَاقِ مَنْ بَعْدَهُ. وَمِنْ ثَمَّ تَرْجُمُوهُ بِأَنَّهُ مَا رَأَى مِثْلَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِقْهَ شَيْخَيْهِ الْإِسْنَوِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَحَدِيثَ وَالِدِهِ حَافِظِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَحَاصِلُ عِبَارَتِهِ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَفْعَلُهُ حُكَّامُ مَكَّةَ مِنْ إجَارَةِ دُورِ مَكَّةَ الْخَرِبَةِ السَّاقِطَةِ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَهَا مِمَّنْ يَقُومُ بِعِمَارَتِهَا وَيُقَدِّرُونَ ذَلِكَ أُجْرَتَهَا فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَيَأْذَنُونَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي صَرْفِهِ فِي الْعِمَارَةِ وَيُقِرُّونَ الدَّارَ مَعَهُ بَعْد عِمَارَتِهَا. عَلَى حُكْمِ الْإِجَارَةِ السَّابِقَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْأُجْرَةِ، هَلْ هَذَا التَّصَرُّفُ حَسَنٌ يَسُوغُ اعْتِمَادُهُ وَتَكْرَارُهُ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ تُؤَدِّي إلَى تَمَلُّكِ الْوَقْفِ غَالِبًا، وَذَلِكَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ الْخَرَابِ وَأَطَالُوا فِي السُّؤَالِ فَأَجَابَ وَأَطَالَ وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّ مَنَافِعَ الْوَقْفِ كَمَنَافِعِ الطَّلْقِ يَتَصَرَّفُ النَّاظِرُ فِيهَا بِالْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ تَكْثِيرَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَتَقْلِيلِهَا وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ إجَارَةُ الدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ مُدَّةً تَبْقَى إلَيْهَا غَالِبًا، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الدُّورِ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ فِي أَحْكَامِ مَا يَبْنُونَ بِهِ وَإِتْقَانِهِ وَمُدَّةِ بَقَائِهِ غَالِبًا، فَمَا يَفْعَلُهُ حُكَّامُ مَكَّةَ مِنْ إجَارَةِ دُورِ الْوَقْفِ الْخَرِبَةِ السَّاقِطَةِ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ لِأُجْرَةِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ حَسَنٌ يَسُوغُ اعْتِمَادُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ حَاصِلٌ يُعَمَّرُ بِهِ، وَلَا وُجِدَ مَنْ يُقْرِضُ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعِمَارَةِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِجَارَةِ مُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ بِأُجْرَةٍ حَالَّةٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَّاهُ وَسَوَّغْنَاهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَقَاءَ عَيْنِ الْوَقْفِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى سَائِرِ الْمَقَاصِدِ، وَقَدْ تَعَيَّنَتْ الْإِجَارَةُ الْمَذْكُورَةُ طَرِيقًا لِذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَظَرَ لِخَشْيَةِ تَمَلُّكِ الْوَقْفِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ إذَا ظُنَّتْ مَصْلَحَتُهُمَا فِي الْحَالِ لَا نَظَرَ فِي إبْطَالِهَا إلَى احْتِمَالِ مَفْسَدَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْعِمَارَةَ إنَّمَا يَحْصُلُ النَّفْعُ بِهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَفْرُغُ إلَّا وَقَدْ عَادَتْ الدَّارُ خَرِبَةً كَمَا كَانَتْ لِحُصُولِ غَرَضِ الْوَاقِفِ مَعَ ذَلِكَ بِعِمَارَتِهِ لَهَا، وَذَلِكَ الْغَرَضُ هُوَ بَقَاءُ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ مُنْفَكَّةً عَنْ مِلْكِ الْآدَمِيِّينَ لِرَقَبَتِهَا مَمْلُوكَةً لِلَّهِ ، فَيَبْقَى ثَوَابُهُ مُسْتَمِرًّا حَتَّى يُجْرَى عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِرَيْعِهَا، وَالصُّورَةُ الَّتِي تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا أَنَّ الْإِجَارَةَ الْمَذْكُورَةَ تَعَيَّنَتْ طَرِيقًا لِبَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ تَدَاعَى لِلسُّقُوطِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ مِنْ رَيْعٍ حَاصِلٍ وَالْقَرْضِ، وَالْأَوْلَى إذَا خَرِبَ الْوَقْفُ وَلَمْ يَنْهَضْ بِعِمَارَتِهِ إلَّا أُجْرَةُ مِائَةِ سَنَةٍ أَنْ يُؤَجَّرَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ، لِيُعْمَرَ جَمِيعُهُ بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ عَيْنِ الْوَقْفِ مَقْصُودٌ شَرْعًا فِي غَرَضِ الْوَاقِفِ، وَلَا نَظَرَ إلَى خَشْيَةِ الْإِفْضَاءِ إلَى تَمَلُّكِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَقِّقٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَتَى أَمْكَنَتْ الْمُبَادَرَةُ إلَى عِمَارَةِ الْوَقْفِ وَبَقَاءِ عَيْنِهِ كَمَا كَانَتْ، فَهُوَ حَسَنٌ فَلْيُفْعَلْ ذَلِكَ بِكُلِّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ شَرْعِيٍّ. وَيُحْتَرَزُ عَمَّا يُتَوَقَّعُ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ بِمَا أَمْكَنَ الِاحْتِرَازُ بِهِ، وَلَا تُتْرَكُ الْمَصَالِحُ الْمَظْنُونَةُ لِلْمَفَاسِدِ الْمَوْهُومَةِ اهـ. حَاصِلُ كَلَامِ الْوَلِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ صَرِيحٌ لِمَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ، لِمَا ذَكَرْته أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْحَاجَةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ مِنْ عَوْدِهَا إلَى عَيْنِ الْوَقْفِ لِتَوَقُّعِ بَقَائِهَا عَلَى ذَلِكَ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ لِأُجْرَةِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ حَسَنٌ يَسُوغُ اعْتِمَادُهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ حَاصِلٌ يُعْمَرُ بِهِ، وَلَا وُجِدَ مَنْ يُقْرِضُ الْقَرْضَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعِمَارَةِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِجَارَةِ مُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ بِأُجْرَةٍ حَالَّةٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٌ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَّاهُ إلَخْ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ وَقَوْلَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ إلَخْ وَقَوْلَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ، لِذَلِكَ تَجِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ كَبَقِيَّةِ كَلَامِهِ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْعِمَارَةِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مُعَانِدٌ مُكَابِرٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ السُّبْكِيّ السَّابِقُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لِعِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ قُلْت: الْحَاجَةُ أَخَصُّ مِنْ.

стр. 905

الْمَصْلَحَةِ وَهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي إجَارَةِ النَّاظِرِ إلَّا الْمَصْلَحَةَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْأَعَمِّ اشْتِرَاطُ الْأَخَصِّ، وَإِذَا أَجَّرَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً، فَلِمَ لَا يُسَوَّغُ أَنَّ زِيَادَةَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ هُنَا بِمُجَرَّدِهَا تَكُونُ مَصْلَحَةً مُسَوِّغَةً لِلْإِجَارَةِ، وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهَا، وَكَلَامُ السُّبْكِيّ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَاجَةِ وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي نَحْوِ الْعِمَارَةِ، فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ: مِنْ جَوَازِ الْإِجَارَةِ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قُلْتُ: أَمَّا كَوْنُ الْحَاجَةِ أَخَصَّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُمْ فِي النَّاظِرِ مَا ذُكِرَ، فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي كُلِّ إجَارَةٍ ثُمَّ بَعْضُ الْإِجَارَاتِ كَاَلَّذِي نَحْنُ فِيهِ يُشْتَرَطُ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْحَاجَةُ، وَبَعْضُهَا كَإِجَارَةِ الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ يَكْفِي فِيهِ مُطْلَقُ الْمَصْلَحَةِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُحْتَاجُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، بَلْ حَيْثُ كَانَ فِي الْإِجَارَةِ مَصْلَحَةٌ اُكْتُفِيَ فِيهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَمْ يُكْتَفَ فِيهَا إلَّا بِالزِّيَادَةِ، كَمَا مَرَّ عَنْ الْكَمَالِ شَارِحِ الْإِرْشَادِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ بِمُجَرَّدِهَا لَيْسَتْ مَصْلَحَةً كَافِيَةً عَنْ غَيْرِهَا لَا فِي الْإِجَارَةِ الْقَصِيرَةِ، وَلَا فِي الطَّوِيلَةِ، فَبَطَلَ اعْتِبَارُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَلَمْ يَجُزْ النَّظَرُ إلَيْهَا وَبِهَذَا عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْهُ. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ اشْتَرَطْتُمْ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ الْحَاجَةَ وَاكْتَفَيْتُمْ فِي الْقَصِيرَةِ بِمُجَرَّدِ الْمَصْلَحَةِ، قُلْتُ: لِأَنَّ الطَّوِيلَةَ فِيهَا مَفَاسِدُ شَتَّى كَمَا مَرَّ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُطْلِقِينَ لِلْمَنْعِ وَالْمُجَوِّزِينَ لَهَا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، وَإِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَفَاسِدَ مُنَافِيَةٍ لِغَرَضِ الْوَاقِفِ وَالشَّارِعِ مِنْ بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ، فَكَانَ الْأَصْلُ امْتِنَاعَهَا، وَمَا كَانَ الْأَصْلُ امْتِنَاعَهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ حَاقَّةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِمَارَةَ إذَا تَوَقَّفَتْ عَلَى الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ كَانَ ذَلِكَ إمَّا ضَرُورَةً أَوْ حَاجَةً، فَمِنْ ثَمَّ جَوَّزُوهَا حِينَئِذٍ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً وَلَا حَاجَةً بِأَنْ كَانَ الْمَكَانُ عَامِرًا لَا يُخْشَى عَلَيْهِ انْهِدَامٌ، وَلَا يَحْتَاجُ لِتَرْمِيمٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْعِمَارَاتِ، فَالْمَنْعُ بَاقٍ بِحَالِهِ خَشْيَةً مِنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيَّ قَالَ فِي رَدِّهِ: مَنْعُ الْأَذْرَعِيِّ الطَّوِيلَةَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِهْلَاكِهِ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَهُ هَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا نَظِيرَ يَشْهَدُ لَهُ، وَمَنْعُ الْإِجَارَةِ بِأَمْرٍ مُتَوَهَّمٍ، وَهُوَ إفْضَاءُ الْأَمْرِ إلَى اسْتِهْلَاكِهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُنَا، وَكَيْفَ نُثْبِتُ أَمْرًا بِالشَّكِّ، وَلَيْسَ مِنْ مَذْهَبِنَا سَدُّ الذَّرَائِعِ اهـ. فَرَدُّهُ لِهَذَا مَعَ تَقْيِيدِهِ الْجَوَازَ بِمَا مَرَّ عَنْهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ رَدَّ إطْلَاقِ الْمَنْعِ لَا أَصْلِ الْمَنْعِ، وَإِلَّا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْجَوَازِ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُ، وَنَتَجَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الطَّوِيلَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَلَيْسَ عِلَّتُهُ إلَّا مَا قَرَّرْته فَافْهَمْهُ، فَإِنْ قُلْتَ: يُنَافِي مَا ذَكَرْتَهُ كَلَامُ الْكَمَالِ شَارِحِ الْإِرْشَادِ فِي فَتَاوِيهِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَفَ بَيْتًا يَمْلِكُهُ عَلَى وَلَدَيْ ابْنٍ لَهُ لِيَسْكُنَاهُ وَيُؤَجِّرَاهُ وَيَنْتَفِعَا بِهِ وَجَعَلَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ بَعْدَهُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمَا. ثُمَّ مَاتَ الْوَاقِفُ وَأَحَدُ الْوَلَدَيْنِ صَغِيرٌ لَمْ يَبْلُغْ فَاحْتَاجَ إلَى الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ فَنَصَبَ الْحَاكِمُ الِابْنَ الْبَالِغَ عَلَى أَخِيهِ الْيَتِيمِ فَأَجَّرَ الْمَنْصُوبُ حِصَّةَ أَخِيهِ الْيَتِيمِ بِالْمَصْلَحَةِ لِحَاجَتِهِ وَضَرُورَتِهِ إلَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ عَلَى أَخِيهِ بِأُجْرَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي الْوَقْفِ مُدَّةَ مِائَةِ سَنَةٍ وَقَبَضَ لَهُ الْأُجْرَةَ فَهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) : نَعَمْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ الْمَذْكُورَةُ اهـ. قُلْت: لَا يُنَافَى مَا ذَكَرْته، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ أَطْلَقَ هُنَا الصِّحَّةَ وَقَدْ قَدَّمْتُ عَنْهُ عِدَّةَ أَمَاكِنَ مِنْ فَتَاوِيهِ مُصَرِّحَةً بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ مِنْ مَصْلَحَةٍ غَيْرَ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ جَوَابَهُ مُنَزَّلٌ عَلَى مَا قَالَهُ السَّائِلُ وَهُوَ أَنَّهُ أَجَّرَ الْحِصَّةَ بِالْمَصْلَحَةِ وَلِحَاجَةِ الْيَتِيمِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ، فَذَكَرَ هُنَا ثَلَاثَةَ أَسْبَابٍ الْمَصْلَحَةَ وَحَاجَةَ الْيَتِيمِ وَزِيَادَةَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ رَاجِعَةٌ لِعَيْنِ الْوَقْفِ، وَلَيْتَ مُسْتَنَدَ الْإِجَارَةِ فِي السُّؤَالِ ذُكِرَ فِيهِ مِثْلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إذْ لَوْ ذُكِرَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ لَكَانَ أَمْرُهُ وَاضِحًا جَلِيًّا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الَّتِي لِلْوَقْفِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مُقَيَّدَةٌ بِزِيَادَةِ الْأُجْرَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ وَوَضَّحْتُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ هَذِهِ غَيْرُ كَافٍ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَتَنَبَّهْ لَهُ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمُعَانِدِينَ رُبَّمَا اطَّلَعَ عَلَى كَلَامِ الْكَمَالِ هَذَا فَجَعَلَهُ مُسْتَنَدًا لَهُ عَلَى صِحَّةِ مَكْتُوبِ الْإِجَارَةِ الَّذِي فِي السُّؤَالِ، وَلَيْسَ فِيهِ مُسْتَنَدٌ لِذَلِكَ بِوَجْهٍ لِمَا عَلِمْت مِنْ إيضَاحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ فَرَاغِي مِنْ جَوَابِ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ وَالْآتِيَةِ الرَّافِعِيَّ صَرَّحَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَلْفَاظِ الْوَجِيزِ بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِيمَا.

стр. 906

قَدَّمْتُهُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَغَيْرِهِ، مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ لِلْوَقْفِ دُونَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ الْوَجِيزِ: وَتَأْثِيرُهُ أَيْ: لُزُومِ الْوَقْفِ إزَالَةُ الْمِلْكِ وَحَبْسُ التَّصَرُّفِ عَلَى الْمَوْقُوفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُغَيَّرَ قَوْلُهُ وَحَبْسُ التَّصَرُّفِ عَلَى الْمَوْقُوفِ بِقَصْرِ التَّصَرُّفِ عَلَى مَا يُلَائِمُ غَرَضَ الْوَاقِفِ وَيَمْنَعُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ اهـ. كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، فَتَأَمَّلْ تَفْسِيرَهُ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ بِقَصْرِ التَّصَرُّفِ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ النَّاظِرِ عَلَى مَا يُلَائِمُ غَرَضَ الْوَاقِفِ وَيَمْنَعُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ تَجِدْهُ قَاضِيًا بِمَا قُلْنَاهُ: مِنْ أَنَّ مَصْلَحَةَ التَّصَرُّفِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَرْجِعَ إلَى غَرَضِ بَقَاءِ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ هَذَا مَعَ غَرَضِ الْمُسْتَحِقِّ قُدِّمَ الْأَوَّلُ وَمُنِعَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ غَرَضِهِ الْمُنَافِي لَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: لَا شَاهِدَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِأَنَّ مِنْ غَرَضِ الْوَاقِفِ نَفْعَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قُلْتُ: نَعَمْ هُوَ مِنْهُ، لَكِنْ إنَّمَا يُرَاعَى حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْ غَرَضَ الْوَقْفِ، أَمَّا عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ فَيُقَدَّمُ غَرَضُ الْوَقْفِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ جَعَلْنَا مُجَرَّدَ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ مُسَوِّغًا لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى اسْتِهْلَاكِ الْوَقْفِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةِ الْوَقْفِ إلَى ذَلِكَ لَكِنَّا قَدَّمْنَا غَرَضَ الْمُسْتَحِقِّ عَلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ كَمَا عَلِمْتَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ هَذَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَسْكُنُ الدَّارَ. وَقَالَ النَّاظِرُ أُؤَجِّرُهَا لِأُرَمِّمَهَا بِأُجْرَتِهَا أُجِيبَ النَّاظِرُ، فَهَذَا فِيهِ التَّصْرِيحُ مِنْهُمْ بِتَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الْوَقْفِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْمُسْتَحِقِّ وَقَوْلُهُمْ فِي مَوْقُوفٍ لَهُ مَنَافِعُ يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ وَيَسْتَعْمِلُهُ فِيمَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الْوَاقِفِ، وَأَجْرَى الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي الدَّارِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى انْهِدَامٍ، فَفِيهِ تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ إذَا تَقَابَلَ غَرَضُ الْوَاقِفِ وَغَرَضُ الْمُسْتَحِقِّ قُدِّمَ غَرَضُ الْوَاقِفِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ تَقَابَلَ غَرَضَاهُمَا، فَلْيُقَدَّمْ غَرَضُ الْوَاقِفِ مِنْ عَدَمِ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ عَلَى غَرَضِ الْمُسْتَحِقِّ، وَقَوْلُهُمْ يُرَاعَى غَرَضُ الْوَاقِفِ مَا أَمْكَنَ فَانْظُرْ قَوْلَهُمْ مَا أَمْكَنَ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا قُلْنَاهُ، وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ. وَالْعِبَارَةُ لِلشَّيْخَيْنِ: يُؤَجَّرُ الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمُفْلِسِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةَ إلَى أَنْ يَفِيَ الدَّيْنَ، وَتَبِعَهُمَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى. وَلَمْ يَقُولُوا يُؤَجَّرُ مُدَّةً طَوِيلَةً تَرَاهُ شَاهِدًا لِمَا قَرَّرْتُهُ مِنْ رِعَايَةِ غَرَضِ الْوَاقِفِ دُونَ الْمُسْتَحِقِّ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَكَرُّرِ الْإِجَارَةِ، وَأُجِّرَ مُدَّةً طَوِيلَةً رِعَايَةً لِغَرَضِهِ مَعَ قُوَّتِهِ بِأَنَّ الْحَجْرَ يَدُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْفِيَ الدَّيْنَ عَلَى مَا فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَلْتَفِتْ الْأَئِمَّةُ إلَى هَذَا الْغَرَضِ، وَيُجَوِّزُونَ الْإِجَارَةَ لِأَجْلِ ارْتِفَاعِ الْحَجْرِ مُدَّةً طَوِيلَةً تَفِي بِالدَّيْنِ، بَلْ أَوْجَبُوا أَنْ يُؤَجَّرَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى دَوَامِ الْحَجْرِ فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ خَالَفَ السُّبْكِيّ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ أَيْ: الْعَيْنُ الْمَوْقُوفَةُ مِمَّا تُؤَجَّرُ غَالِبًا لِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ يَغْلِبُ الْبَقَاءُ فِيهَا أُلْزِمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ تِلْكَ الْمُدَّةِ كَالْمَالِ الْحَاضِرِ عُرْفًا، وَتُضَافُ تِلْكَ الْأُجْرَةُ إلَى بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِ وَيُقَسَّمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَيُفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ. وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُؤَجَّرُ دَفْعَةً وَاحِدَةً بِأُجْرَةٍ مُعَجَّلَةٍ لَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، خِلَافًا لِلشَّيْخَيْنِ قُلْتُ: لَا نَظَرَ لِمُخَالَفَتِهِ هَذِهِ فَإِنَّهُ نَفْسَهُ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا رَأْيٌ لَهُ وَلَمْ يَرَهُ مَنْقُولًا، وَإِذَا تَعَارَضَ رَأْيُهُ وَمَنْقُولُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، قُدِّمَ الْمَنْقُولُ وَلَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الرَّأْيِ كَمَا هُوَ بَدِيهِيٌّ لِمَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ وَمَأْخَذِهِ، فَتَأَمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَفِيهِ دَلَالَاتٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ صَرِيحَةٌ لِمَا قَرَّرْتُهُ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ دَلَالَةِ عِبَارَتِهِمْ عَلَى امْتِنَاعِ إيجَارِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هُنَا؟ قُلْتُ: صَرَاحَةُ عِبَارَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ لَا تَحْتَاجُ إلَى بُرْهَانٍ، وَكَفَاك شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مُخَالَفَةُ السُّبْكِيّ الْمَذْكُورَةُ إذْ لَوْلَا أَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ لِلِاشْتِرَاطِ لَمَا قَالَ خِلَافًا لِلشَّيْخَيْنِ، وَلَمَا قَالَ عَمَّا قَالَهُ هَذَا مَا رَأَيْتُهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا. وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ فَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطُوهَا فِي النَّاظِرِ بَيْنَ أَنْ يَشْرُطَ لَهُ الْوَاقِفُ الْعَمَلَ بِمَا يَرَاهُ وَأَنْ لَا، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ اشْتِرَاطَ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِيهِ لَيْسَ لِحَظِّ الْوَاقِفِ فَحَسْبُ؛ لِأَنَّ الْمِلْك انْقَطَعَ عَنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ صَارَ مِلْكًا لِلَّهِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ رَقَبَتِهِ اخْتِصَاصُ الْآدَمِيِّينَ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِلْكُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ، وَإِذَا صَارَ الْمِلْكُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 907

فَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ تَعَلُّقٌ بِمَنَافِعِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ النَّاظِرُ مُتَكَلِّمًا عَلَى الْغَيْرِ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ، فَلَا أَثَرَ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ قُلْتَ: شَرْطُ الْوَاقِفِ مُرَاعًى كَنَصِّ الشَّارِعِ قُلْتُ: مَحَلُّ مُرَاعَاتِهِ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ غَرَضَ الشَّارِعِ عَلَى أَنَّ شَرْطَهُ عَلَى النَّاظِرِ الْعَمَلُ بِمَا يَرَاهُ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُؤَجَّرُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَلَا مُدَّةً طَوِيلَةً، بِلَا مَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ هَذَا يَجِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَرَاهُ مِمَّا يُوَافِقُ غَرَضَ الشَّارِعِ، فَإِنْ صَرَّحَ بِعَمَلِهِ بِمَا يَرَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ ذَلِكَ كَانَ لَغْوًا يَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ. وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ: فَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُهُ إذْ الْأَعَمُّ كَالْحَيَوَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ كَالْإِنْسَانِ، وَبِمَا ذَكَرْته أَفْتَى شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ خَاتِمَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَافِعِيٍّ حَكَمَ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ فِي أَمَاكِنَ مَلَكَهَا الْبَائِعُ مِنْ وَالِدَتِهِ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ التَّمْلِيكُ وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ أَيْضًا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمِهِ؟ (فَأَجَابَ) : بِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَا يَقْتَضِي صِحَّتَهُ فَقَدْ يَثْبُتُ الشَّيْءُ عِنْدَهُ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي كَوْنِهِ صَحِيحًا أَوْ لَا، وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى مِلْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِلْعَاقِدِ، فَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمِهِ بِالْمُوجِبِ إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي رُجُوعَهُ عَنْهُ كَعَدَمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْعَاقِدِ اهـ. وَكَلَامُهُ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ يُوَافِقُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَعَلَ كَأَصْلِهِ وَغَيْرِهِ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ أَهْلِيَّةَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَثُبُوتَ الْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي غَيْرِ الْإِقْرَارِ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَوُجُودَ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَلِلْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ ثُبُوتُ الْأَهْلِيَّةِ، وَوُجُودُ الصِّيغَةِ، قَالَ: فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَخَصُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ ثُمَّ قَالَ: فَقَوْلُ السُّبْكِيّ: إنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ إلَّا أَنَّهُ دُونَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْبَيِّنَةُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَصَحِيحٌ أَوْ فَاسِدًا فَفَاسِدٌ اهـ. وَقَدْ بَيَّنْت فِي كِتَابِي فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ حَاصِلَ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ مَجْمُوعًا فِي كِتَابٍ، وَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّ السُّبْكِيّ لَمْ يُطْلِقْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ حُكْمًا بِهَا فِي شَيْءٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ لَكِنْ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ وَوَارِثِهِ وَمَنْ صَدَّقَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَالْحُكْمَانِ إنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَفِي هَذَا الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ السُّبْكِيّ بِزِيَادَةٍ تُبَيِّنُ أَنَّهُ قَائِلٌ: بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ أَعَمُّ فِي كِتَابِهِ الْمُوعَبُ فِي الْقَضَاءِ بِالْمُوجَبِ فَقَالَ: مَا حَاصِلُهُ فَإِنْ قُلْتَ: أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُوجَبَ هُوَ الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِبُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ وَالصِّحَّةُ بِكَوْنِ اللَّفْظِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَثَرُ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالْأَوَّلُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَالثَّانِي شَرْعِيٌّ، وَقِيلَ: عَقْلِيٌّ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِهِ لِاسْتِلْزَامِهِ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَالْحَاكِمُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْإِيجَابُ أَوْ التَّحْرِيمُ أَوْ الصِّحَّةُ أَوْ الْفَسَادُ أَوْ السَّبَبِيَّةُ أَوْ الشَّرْطِيَّةُ أَوْ الْمَانِعِيَّةُ، بِخِلَافِ الْكَرَاهَةِ أَوْ النَّدْبِ إذْ لَا الْتِزَامَ فِيهِمَا وَلَا اسْتِلْزَامَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مُوجَبِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ أَنَّ الْأَوَّلَ ثُبُوتُ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ وَمُؤَاخَذَتُهُ بِهِ، وَالثَّانِي كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَشَرْطُ الصِّحَّةِ اخْتِيَارُهُ وَصِحَّةُ عِبَارَتِهِ وَأَنْ لَا يُكَذِّبُهُ حِسٌّ وَلَا عَقْلٌ وَلَا شَرْعٌ وَصِحَّةُ صِيغَتِهِ فَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ يَقْتَضِي حُصُولَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَا يَحْكُمُ بِهَا إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِحُصُولِ هَذِهِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا وَلَا يَضُرُّ احْتِمَالُ كَذِبِ الْمُقِرِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ الْمُقَرُّ بِهِ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَالْإِقْرَارُ فَاسِدٌ ظَاهِرًا، فَإِذَا صَارَ فِي يَدِهِ صَحَّ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ السَّابِقِ، وَمَتَى عَلِمَ الْقَاضِي فَوَاتَ شَرْطِ الصِّحَّةِ أَوْ عَلِمَ حَجْرًا وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَلَا بِمُوجَبِهِ بَلْ بِفَسَادِهِ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ الشَّكِّ. أَمَّا فِيهَا فَلَا يَحْكُمُ بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ وَلَا بِمُوجَبِهِ حَتَّى يَثْبُتَ زَوَالُهُ. وَقَوْلُ الْقَاضِي: لَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارٍ مُطْلَقٍ حُمِلَ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنْ احْتَمَلَ عَوَارِضَ يَمْنَعُهَا مَحَلُّهُ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ حَصَلَ بِسَبَبِهِ شَكٌّ لَمْ يَثْبُتْ.

стр. 908

فَحِينَئِذٍ يُقْتَصَرُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَبَيَّنَ عِنْدَهُ حَالُهَا، وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ لَا يَقْتَضِي إلَّا أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمُؤَاخَذَةِ وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى شَرْطٍ أَوْ انْتِفَاءِ مَانِعٍ فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ حُكْمٌ بِسَبَبِيَّةِ الْمُؤَاخَذَةِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ أَعْمَلْنَا السَّبَبَ وَأَثْبَتْنَا الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ اعْتِمَادًا عَلَى الْأَصْلِ وَعَلَيْهِ يَتَلَازَمُ الْحُكْمَانِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَخَصُّ وَبِهِ ظَهَرَ عُذْرُ الْحُكَّامِ فِي تَوَقُّفِهِمْ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ دُونَ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ، وَشُرُوطُ الْإِقْرَارِ الَّتِي لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَهَا الْحَاكِمُ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ التَّرَدُّدِ، وَإِلَّا اُكْتُفِيَ بِعِلْمِهِ بِظَاهِرِ الْحَالِ فِيهَا ثَلَاثَةٌ: صِحَّةُ الصِّيغَةِ وَإِمْكَانُ الْمُقَرِّ بِهِ وَرُشْدُ الْمُقِرِّ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَانِعٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مُوجَبِ الْإِنْشَاءِ وَصِحَّةِ الْإِنْشَاءِ. أَنَّ مُوجَبَهُ أَثَرُهُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ شَرْعًا، وَصِحَّتَهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ الشَّرْعِيُّ وَلِلصِّحَّةِ شُرُوطٌ تَرْجِعُ إلَى الْمُتَصَرِّفِ وَالْمُتَصَرَّفِ فِيهِ وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ، فَإِنْ ثَبَتَتْ حُكِمَ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ وَإِنْ ثَبَتَ فَقْدُ بَعْضِهَا حُكِمَ بِفَسَادِهِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فَمَا رَجَعَ لِلصِّيغَةِ أَوْ لِحَالِ الْمُتَصَرِّفِ ظَاهِرٌ مِمَّا سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ أَوْ لِحَالِ الْمُتَصَرِّفِ فِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ الْوُجُودِيَّةِ كَالْمِلْكِ. وَنَحْوِهِ اُشْتُرِطَ ثُبُوتُهُ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ الْعَدَمِيَّةِ كَكَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُشْتَرَطْ ثُبُوتُهُ، فَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ وَلَا عَدَمُهُ وَثَبَتَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِالصِّحَّةِ، وَلَكِنَّ التَّصَرُّفَ صَالِحٌ وَسَبَبٌ لِتَرَتُّبِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَمْلُوكِ فَيُحْكَمُ بِمُوجَبِهِ، وَلَهُ فَوَائِدُ: كَوْنُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ سَبَبًا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِشَرْطِهِ حَتَّى إذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِي إفَادَتِهِ كَالْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ، وَالْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَاهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَمُؤَاخَذَةُ الْوَاقِفِ بِذَلِكَ. وَكَذَا وَارِثُهُ وَكُلُّ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ إذَا أَقَرَّ لِلْوَاقِفِ بِالْمِلْكِ وَصُرِفَ الرَّيْعُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِاعْتِرَافِ ذِي الْيَدِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ وَقْفُ الْوَاقِفِ لِمَا فِي يَدِهِ أَوْ اعْتِرَافُ ذِي الْيَدِ لَهُ كَافٍ فِيهِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ، فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فِي الْحَقِيقَةِ حُكْمٌ بِالسَّبَبِيَّةِ وَبِثُبُوتِ أَثَرِهَا فِي حَقِّ مَنْ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ كَالْوَاقِفِ وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ بِشَرْطِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فَإِنَّ حُكْمَ الْبَيِّنَةِ لَازِمٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَحُكْمَ الْإِقْرَارِ قَاصِرٌ عَلَى الْمُقِرِّ وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لَازِمًا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَانَ لَازِمًا لِذِي الْيَدِ وَمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ وَلَا نَقُولُ: إنَّ الْحُكْمَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، بَلْ الْحُكْمُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَنْ ثَبَتَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ إمَّا بِإِقْرَارٍ وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِشَيْئَيْنِ: الْحُكْمُ بِالشَّرْطِ وَانْتِفَاءُ الْمَانِعِ وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ أَثَرِهِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، فَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ حُكْمٌ بِثُبُوتِ الْأَثَرِ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ ثَبَتَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَلَوْ مُتَجَدِّدَيْنِ بَعْدَهُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِي حَقِّهِمْ لَا مُطْلَقًا، وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ حُكْمٌ بِالْمُؤَثِّرِيَّةِ التَّامَّةِ مُطْلَقًا، وَيَلْزَمُ مِنْهَا ثُبُوتُ الْأَثَرِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، ثُمَّ الْقِسْمَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي الْحُجَّةِ مَا لَمْ يَأْتِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِدَافِعٍ، وَقَوْلُ الْحَاكِمِ فِي إسْجَالِهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ عِنْد الْحَاكِمِ إلَّا عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْحُكْمِ مُطْلَقًا بَلْ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إنْ اسْتَوْفَى الشَّرَائِطَ الْمُعْتَبَرَةَ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ حُكْمَهُ بِالْمُلْكِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْقَدْحُ فِيهِ عَلَى أَنَّ بَعْدَ إلَخْ تَأْكِيدٌ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ الْأَمِينَ الدَّيِّنَ إنَّمَا يَحْكُمُ بِالصِّحَّةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ ذَلِكَ. نَعَمْ تَرَدَّدَ الْأَصْحَابُ فِي شَاةٍ فِي يَدِ رَجُلٍ حَكَمَ لَهُ بِهَا حَاكِمٌ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ حُكْمِهِ، وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ وَقَالَ: أَقْيَسُهُمَا لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى، فَلَا يُنْقَضُ بِالشَّكِّ. اهـ الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ بِتَأَمُّلِهَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ غَيْرَهُ فِي أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، وَأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ أَمْرَانِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ أَخَصُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِتَلَازُمِهِمَا إنَّمَا هُوَ احْتِمَالٌ لَهُ، وَأَنَّ الْحُكْم بِالصِّحَّةِ.

стр. 909

يَزِيدُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ بِشَيْئَيْنِ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ حُكْمَ الشَّافِعِيِّ بِالْمُوجِبِ فِي مُسْتَنَدِ الْإِجَارَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ حُكْمَهُ بِوُجُودِ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا، وَإِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ حُكْمَهُ ذَلِكَ وَثَبَتَ انْتِفَاءُ بَعْضِ الشُّرُوطِ بَانَ بُطْلَانُ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ، وَفِي صُورَةِ السُّؤَالِ بَانَ فَوَاتُ بَعْضِ الشُّرُوطِ، وَهُوَ وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ، فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمُوجِبِ بَاطِلًا كَمَا عَلِمْتَ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ فَإِنْ قُلْتَ: صَرَّحَ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ فِي وَاقِعَةٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الْأَوْضَاعَ الشَّرْعِيَّةَ فِي حُكْمِهِ عُمِلَ بِحُكْمِهِ إذَا كَانَ حَاكِمًا شَرْعِيًّا، وَلَا يَتَوَقَّفُ إلَى أَنَّ حُكْمَهُ وَافَقَ الشَّرَائِطَ الشَّرْعِيَّةَ اهـ. كَلَامُهُ. وَهَذَا مُنَافٍ لِمَا قَدَّمْته وَمُؤَيِّدٌ لِلْعَمَلِ بِمَكْتُوبِ الْإِجَارَةِ السَّابِقِ فِي السُّؤَالِ قُلْتَ: لَا يُنَافِيهِ بَلْ يُوَافِقُهُ وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ الَّذِي مَرَّ آنِفًا عَنْ ابْنِ أَبِي عَصْرُونَ أَنَّهُ الْأَقْيَسُ، وَوَجْهُ عَدَمِ مُنَافَاتِهِ تُعْرَفُ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاكِمَ فِي كَلَامِهِ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِصِحَّةٍ وَلَا بِمُوجِبٍ وَإِنَّمَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ دَقِيقٍ الْعِيدِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ الْحُكْمُ، وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ حَكَمَ بِصِحَّةٍ أَوْ بِمُوجِبٍ؟ فَحَمَلْنَا حُكْمَهُ عَلَى السَّدَادِ وَلَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُ بِالشَّكِّ. وَلَا كَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ فِيهَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِالْمُوجِبِ، فَحَكَمْنَا عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ ثَانِيهِمَا وَهُوَ الْأَحْسَنُ: أَنَّ كَلَامَ ابْنِ دَقِيقٍ الْعِيدِ كَمَا تَرَى فِي حُكْمٍ مُطْلَقٍ لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ وَكَلَامُنَا إنَّمَا هُوَ فِي حُكْمٍ قُيِّدَ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ هِيَ زِيَادَةُ الْأُجْرَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَالْحُكْمُ إذَا أُسْنِدَ لِسَبَبٍ وَكَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ بَاطِلًا يَكُونُ الْحُكْمُ بَاطِلًا. وَاَلَّذِي فِي مَسْأَلَتِنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا أُسْنِدَ لِذَلِكَ السَّبَبِ الْبَاطِلِ فَكَانَ بَاطِلًا، فَبَانَ بَوْنُ مَا نَحْنُ فِيهِ لِمَا فِي كَلَامِ ابْنِ دَقِيقٍ الْعِيدِ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْك عَلَى ذِكْرٍ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَهُوَ مِمَّا يَلْتَبِسُ وَيَخْفَى عَلَى مَنْ أَرَادَ التَّسَوُّرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِلرُّقِيِّ إلَيْهِ وَالتَّشَبُّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَ، فَكَانَ إفْتَاؤُهُ مُنَادِيًا بِالْخَسَارَةِ وَالْبَوَارِ عَلَيْهِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ نِقَمِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ: فَهُوَ أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ: إذَا حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجَبِ إجَارَةٍ امْتَنَعَ عَلَى الْحَنَفِيِّ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهَا بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ مِنْ مُوجَبِهَا الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ لِلْوَرَثَةِ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ بِالصِّحَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَاعْتَرَضَهُ تِلْمِيذُهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فَقَالَ: مَا ذَكَرَهُ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِجَارَةِ وَقَعَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ إلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ وَقْتُهُ وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ، وَلَوْ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِ فَقَالَ: حَكَمْتُ بِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ كَانَ لَغْوًا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْحُكْمِ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِ أَجْنَبِيَّةٍ إذْ هُمَا مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ اهـ. لَكِنْ فَرَقْتُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فِي كِتَابِي الْمَذْكُورِ فَرَاجِعْهُ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَقَدْ أَفْتَى الْوَلِيُّ بِمَا قَالَهُ هُنَا فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا مَوْقُوفَةً مِنْ نَاظِرٍ شَرْعِيٍّ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخَالِفُ شَرْطَ الْوَاقِفِ بَلْ يُوَافِقُهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَاسْتَوْفَى شُرُوطَهُ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْإِجَارَةِ وَبِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتِ الْمُتَآجِرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَبِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِزِيَادَةِ الْأُجْرَةِ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ فَهَلْ هَذَا الْحُكْمُ صَحِيحٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) : بِأَنَّ حُكْمَهُ بِالْمُوجَبِ صَحِيحٌ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ النَّاظِرِ عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ وَلَا بِمَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ. وَلَكِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِهَذَا قَبْلَ وُقُوعِهِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا، وَإِنَّمَا هُوَ فَتْوَى، وَكَيْفَ يُحْكَمُ عَلَى شَيْءٍ قَدْ يَقَعُ وَقَدْ لَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَزِيدُ الْأُجْرَةُ وَقَدْ لَا وَقَدْ يَمُوتُ أَحَدُ الْمُتَآجِرَيْنِ وَقَدْ لَا، فَإِذَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَمَنْ رُفِعَتْ لَهُ الْقَضِيَّةُ مِنْ الْحُكَّامِ فَحَكَمَ بِمَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ نَفَذَ، سَوَاءٌ حَكَمَ بِاسْتِمْرَارِ الْإِجَارَةِ أَمْ بِانْفِسَاخِهَا، وَلَوْ صَدَرَ مِنْ شَافِعِيٍّ الْحُكْمُ حِينَ صُدُورِ الْإِجَارَةِ بِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا كَمَا قَدَّمْته وَإِنَّمَا هُوَ فَتْوَى وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ حُكْمًا فَلَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، فَإِنَّهُ حُكْمٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحُكْمِ وَتَعْجِيلٌ لِلشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِهِ انْتَهَى. وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةِ: فَهُوَ أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ صَرَّحَ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِمُدَّةٍ فِي وَقْفٍ لَمْ تُجِزْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، فَإِنْ زِيدَ عَلَيْهَا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ أَصْلِهَا وَلَمْ تَتَفَرَّقْ الصَّفْقَةُ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْجَائِزَ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ قَدْ يَزِيدُ

стр. 910

قَلِيلًا وَقَدْ يَنْقُصُ قَلِيلًا، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْقَدْرُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْإِبْطَالِ انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا أَنَّ الْعَادَةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ إذَا عَرَفَهَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ حِينَ الْوَقْفِ قَدْ اطَّرَدَتْ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُمَاثَلَةِ لِلْمَوْقُوفِ أَنَّهَا لَا تُؤَجَّرُ إلَّا مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَحِينَئِذٍ يَنْزِلُ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَيْهَا، وَيَمْتَنِعُ إيجَارُهُ مُدَّةً أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْعَادَةَ الْمَذْكُورَةَ كَشَرْطِ الْوَاقِفِ قُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ: يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا لَوْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ نُظَّارِ وَقْفٍ عَلَى إجَارَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَقَدْ جُهِلَ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَهُنَا يَلْزَمُ النَّاظِرَ الْجَائِيَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى مِنْوَالِهِمْ، فَلَا تَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا دَرَجُوا عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِنَظِيرِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ إذَا جُهِلَ فِي شَيْءٍ وَاطَّرَدَتْ عَادَةُ نُظَّارِ الْوَقْفِ بِشَيْءٍ وَجَبَ اتِّبَاعُهُمْ وَامْتَنَعَتْ مُخَالَفَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ أَوْ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ فِي زَمَنِهِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ فَهُوَ أَنَّ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ إلَخْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ لِلْعِلَّةِ، فَهُمَا هُنَا سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ بَلْ فُرُوقٌ لَا بَأْسَ بِبَيَانِهَا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لِخَفَائِهِ وَنُدْرَةِ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَالنَّحْوِ، فَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَالسَّبَبُ قَلَّمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] أَيْ: حَبْلٍ إلَى سَقْفِ بَيْتِهِ، وَالْعِلَّةُ: الْمَرَضُ وَكَلِمَاتٌ يَدُورُ مَعْنَاهَا عَلَى أَمْرٍ يَكُونُ عَنْهُ مَعْنًى آخَرَ، أَوْ يُؤَثِّرُ فِي مَعْنًى آخَرَ. وَمُرَادُهُمْ بِالتَّأْثِيرِ مَا لَا يَتَخَلَّفُ عَادَةً لَا الِاخْتِرَاعُ، وَيُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيّ: وَذَكَرَ النُّحَاةُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، حَيْثُ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْلِيلِ وَلَمْ يَقُولُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَلَمْ يَقُولُوا لِلتَّعْلِيلِ وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالتَّعْلِيلِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُمَا غَيْرَانِ، وَمَثَّلَ لِلسَّبَبِيَّةِ بِقَوْلِهِ : ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] ، وَالْعِلَّةُ بِقَوْلِهِ : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وَذَكَرُوا أَيْضًا: أَنَّ بَاءَ الِاسْتِعَانَةِ غَيْرُ مَعْنَى السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَالْبَاءُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي لَهُ قُدْرَةُ أَثَرٍ فِي وُجُودِ مُتَعَلَّقِهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ بَاءُ الِاسْتِعَانَةِ وَبَاءُ السَّبَبِ وَبَاءُ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إنْ صَحَّ نِسْبَةُ الْقَائِلِ إلَى مَصْحُوبِهَا مَجَازًا، فَهِيَ بَاءُ الِاسْتِعَانَةِ نَحْوَ كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ، وَتُعَرَّفُ أَيْضًا بِأَنَّهَا الدَّاخِلَةُ عَلَى أَسْمَاءِ الْآلَاتِ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ إنَّمَا وُجِدَ لِأَجْلِ وُجُودِ مَجْرُورِهَا، فَهِيَ بَاءُ الْعِلَّةِ نَحْوَ ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ، فَوُجُودُ التَّحْرِيمِ لَيْسَ إلَّا لِوُجُودِ الظُّلْمِ، وَتُعَرَّفُ بِأَنَّهَا الصَّالِحَةُ غَالِبًا لِحُلُولِ اللَّامِ مَحَلَّهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَهِيَ بَاءُ السَّبَبِيَّةِ، نَحْوَ ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] فَإِخْرَاجُ الثَّمَرَاتِ مُسَبَّبٌ عَنْ وُجُودِ الْمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْمَاءِ، بَلْ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْعِبَادِ فَعُلِمَ أَنَّ بَاءَ الِاسْتِعَانَةِ لَا تَصِحُّ فِي الْأَفْعَالِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى اللَّهِ ، هَذَا مُنْتَهَى قَوْلِ النَّاقِلِينَ عَنْ الْعَرَبِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّرْعِ فَالسَّبَبُ وَالْعِلَّةُ يَشْتَرِكَانِ عِنْدَهُمْ فِي تَرَتُّبِ الْمُسَبَّبِ وَالْمَعْلُولِ عَلَيْهِمَا، وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّبَبَ مَا يَحْصُلُ الشَّيْءُ عِنْدَهُ لَا بِهِ وَالْعِلَّةَ مَا يَحْصُلُ بِهِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي كِتَابِهِ الْقَوَاطِعِ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّيْءَ لِلشَّيْءِ عِلَّةٌ ... يَكُونُ بِهِ كَالنَّارِ يُقْدَحُ بِالزَّنْدِ وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ فِي تَعْرِيفِ السَّبَبِ بِأَنَّهُ مَا يُوَصِّلُ إلَى الْمُسَبَّبِ مَعَ جَوَازِ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: تَقَدُّمٌ يُعْقِبُهُ مَقْصُودٌ لَا يُوجَدُ إلَّا بِتَقَدُّمِهِ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالْحَبْلِ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ لِلْمَاءِ، ثُمَّ الْوُصُولُ بِقُوَّةِ النَّازِحِ لَا بِالْحَبْلِ، وَالطَّرِيقُ سَبَبُ الْوُصُولِ لِلْمَقْصِدِ وَوُصُولُهُ بِقُوَّةِ الْمَاشِي لَا بِالطَّرِيقِ وَحَلُّ الْقَيْدِ سَبَبٌ لِفِرَارِ الْمُقَيَّدِ وَفِرَارُهُ بِقُوَّتِهِ لَا بِالْحَلِّ، وَمِنْهُ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] فَضَرْبُهُ بِبَعْضِهَا سَبَبُ الْحَيَاةِ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهَا، وَكَذَا ضَرْبُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ، قَالَ: فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمُوَصِّلُ مَعَ جَوَازِ الْمُفَارَقَةِ، وَأَطَالَ فِي تَعْرِيفِ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ، وَعَقَدَ لِذَلِكَ بَابًا مُسْتَقِلًّا. ثَانِيهِمَا أَنَّ الْمَعْلُولَ يَتَأَثَّرُ عَنْ عِلَّتِهِ

стр. 911

بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا شَرْطٍ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى وُجُودِهِ، وَالسَّبَبُ إنَّمَا يُفْضِي إلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسَائِطَ، وَلِذَلِكَ يَتَرَاخَى الْحُكْمُ عَنْهُ حَتَّى تُوجَدَ الشَّرَائِطُ وَتَنْتِفِي الْمَوَانِعُ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ، فَلَا يَتَرَاخَى الْحُكْمُ عَنْهَا إذْ لَا شَرْطَ لَهَا، بَلْ مَتَى وُجِدَتْ أَوْجَبَتْ مَعْلُولَهَا اتِّفَاقًا، كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجَّهُوهُ بِدَلَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ تُحَاكِيهَا أَبَدًا لَا يَفْتَرِقَانِ إلَّا فِي أَنَّ تِلْكَ مُوجِبَةٌ بِنَفْسِهَا بِخِلَافِ هَذِهِ قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا تُوجِبُ الْمَعْلُولَ أَنَّهَا تُثْبِتُهُ كَمَا تَقْتَضِي الْقُدْرَةُ حُدُوثَ الْمَقْدُورِ، لَكِنَّا أَرَدْنَا بِالْإِيجَابِ تَلَازُمَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ وَاسْتِحَالَةَ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي اهـ. وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْفَرْقُ الْأَوَّلُ السَّابِقُ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ، فَإِنَّهُ لَا يُلَازِمُ الْمُسَبَّبَ لِجَوَازِ تَخَلُّفِهِ لِمَانِعٍ أَوْ فَقْدِ شَرْطٍ وَالْعِلَّةُ سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُلَازَمَةُ فِيهَا مَوْجُودَةٌ أَبَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ مِنْ نَافِذٍ طَلَاقُهُ عِلَّةٌ، لِأَنَّهُ يَسْتَعْقِبُ الْوُقُوعَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ، وَإِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ سَبَبٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الدُّخُولِ، فَالسَّبَبُ مَوْجُودٌ وَالْمُسَبَّبُ مَفْقُودٌ، وَلَا كَذَلِكَ الْعِلَّةُ، وَالْأُصُولِيُّونَ لَمْ يَعْتَنُوا بِتَحْقِيقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بَلْ رُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ مَقْصَدَهُمْ الْوَصْفُ الَّذِي تَرَتَّبَ بَعْدَهُ الْحُكْمُ وَلَهُ مَدْخَلٌ فِيهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إنْكَارًا مِنْهُمْ لِلْفَرْقِ، بَلْ لَمَّا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ وَاسْتَعْمَلَهُ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْفِقْهِيَّاتِ عَلَى نَحْوِ مَا أَبْدَيْنَاهُ فَقَالَ فِي الْجِرَاحِ: مَا لَهُ دَخْلٌ فِي الزُّهُوقِ فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَلَا فِيمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَالشَّرْطُ كَالْحَفْرِ، وَإِنْ أَثَّرَ فِيهِ وَحَصَّلَهُ فَالْعِلَّةُ كَالْقَدِّ، وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ بَلْ فِي حُصُولِهِ فَالسَّبَبُ كَالْإِكْرَاهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ سَمَّى الْحَفْرَ سَبَبًا فِي الْغَصْبِ، وَأَجَابَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَفْرِ. وَإِنْ انْعَدَمَتْ التَّرْدِيَةُ وَفِي الْجِرَاحِ لَا قِصَاصَ بِهِ إذَا انْعَدَمَتْ، وَمِنْ ثَمَّ جُعِلَ الْحَفْرُ سَبَبًا لِلدِّيَةِ لِتَرَتُّبِهَا عَلَيْهِ وَإِنْ انْعَدَمَتْ التَّرْدِيَةُ، فَالْحَفْرُ صَالِحٌ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ، فَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمُسَبَّبُ كَانَ سَبَبًا، وَحِينَئِذٍ فَالرَّوَابِطُ بَيْنَ الْأَحْكَامِ وَالْأَسْبَابِ إمَّا مُسْتَقِلَّةٌ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهَا وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا وَهِيَ الْعِلَلُ، وَإِمَّا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، فَمَا لَهُ دَخْلٌ فِي التَّأْثِيرِ وَمُنَاسَبَةٌ أَيًّا كَانَ فِي قِيَاسِ الْمُنَاسَبَاتِ فَهُوَ السَّبَبُ، وَمَا لَا مَدْخَلَ لَهُ وَلَكِنَّهُ إذَا انْعَدَمَ يَنْعَدِمُ الْحُكْمُ فَهُوَ الشَّرْطُ، فَالْعِلَّةُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ الْقِصَاصُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَهِيَ الْعِلَّةُ دُونَ الشَّرْطِ مُطْلَقًا وَدُونَ السَّبَبِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، فَهُوَ رُتْبَةٌ وُسْطَى بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ، نَعَمْ الشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَقْوَى مِنْ السَّبَبِ إذْ هُوَ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَبَّبِ انْتِفَاءً وَثُبُوتًا، بِخِلَافِ الشَّرْطِ وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقَ الْقَفَّالُ الْكَبِيرُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ بِأَنَّ مَا جَرَى مُقَارِنًا لِلشَّيْءِ أَوْ غَيْرَ مُقَارِنٍ وَلَا تَأْثِيرَ، فَالسَّبَبُ وَمَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ فَالشَّرْطُ فَهُوَ مُقَارِنٌ غَيْرُ مُقَارَنٍ كَالْعِلَّةِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْحُكْمِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْعِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الشَّرْطُ مَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ أَيْ لِكَوْنِهِ عَلَامَةً عَلَيْهِ، وَالسَّبَبُ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَهُ، بَلْ يُوجِبُ مُصَادَفَتَهُ وَمُوَافَقَتَهُ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ قَوْلُ الْوَسِيطِ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ إنَّهُ مُفِيدٌ لِلْمِلْكِ احْتِرَازًا عَنْ زَمَنِ الْخِيَارِ، فَإِنَّهُ مَانِعٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ عَلَى تَفْصِيلٍ فَلَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ دَائِمًا، بَلْ سَبَبٌ لِإِفَادَتِهِ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ كَالْخِيَارِ، فَسَبَبِيَّةُ الْبَيْعِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا ثُمَّ عِنْدَنَا السَّبَبُ مُتَّصِلٌ بِالْمُسَبَّبِ حَتَّى فِي زَمَنِ الْخِيَارِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا وَمِنْ فَرْقِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ قَوْلُهُمْ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِرِضَا فُلَانٍ؛ لَمْ يَقَعْ إلَّا إنْ رَضِيَ بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بَلْ يُوَافِقُهُ، فَإِنَّ جَعْلَهُ الرِّضَا سَبَبًا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِوُقُوعِهِ، فَعَلَّقْنَا الْوُقُوعَ بِتَحَقُّقِ الرِّضَا، بِخِلَافِ جَعْلِهِ عِلَّةً فَإِنَّهُ جَزْمٌ بِوُقُوعِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ، فَأَخَذْنَاهُ بِمُقْتَضَاهُ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ ذَلِكَ لَوْ صَدَرَ مِنْ عَامِّيٍّ أَوْ نَحْوِيٍّ قَالَ: أَرَدْت بِالْعِلَّةِ مَعْنَى السَّبَبِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا إنْ وُجِدَ الرِّضَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْتِ الدَّارَ بِفَتْحِ أَنْ إذَا تَقَرَّرَ

стр. 912

ذَلِكَ فَلْنَرْجِعْ إلَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ إلَى آخِرِهِ، فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُقْتَضَى الْوَاقِعِ فِي لَفْظِ الْحَاكِمِ وَمِثْلُهُ الشَّاهِدُ. فَنَقَلَ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا انْفِكَاكَ لَهُ ثُمَّ رَدَّهُ فَإِنَّهُ مَفْعُولٌ اُقْتُضِيَ أَيْ طُلِبَ، وَالطَّلَبُ قَدْ يَكُونُ مَعَ إلْزَامٍ وَمَعَ عَدَمِهِ، ثُمَّ الْمُقْتَضَى هُنَا هُوَ كَوْنُ الْأُجْرَةِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً إذْ إضَافَةُ مُقْتَضَى إلَى مَا بَعْدَهُ إضَافَةٌ بَيَانِيَّةٌ أَوْ إضَافَةُ أَعَمَّ إلَى أَخَصَّ، وَعَلَى كُلٍّ تَكُونُ الْأُجْرَةُ كَذَلِكَ مُقْتَضَى أَيْ مَطْلُوبًا، وَحِينَئِذٍ فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي إيجَارِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ بِالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ ثَبَتَتْ بِمَطْلُوبٍ هُوَ أَنَّ تِلْكَ الْأُجْرَةَ زَائِدَةٌ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَيْ بِسَبَبِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ، وَكُلٌّ مِنْ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ يَقْتَضِي تَوَقُّفَ الْمُسَبَّبِ أَوْ الْمُعَلَّلِ عَلَى وُجُودِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ الْمُقْتَضَى يَتَخَلَّفُ أَوْ لَا يَتَخَلَّفُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الْوُجُودَ عِنْدَ السَّبَبِ لَا بِهِ وَبِالْعِلَّةِ لَا عِنْدَهَا، أَوْ فِي أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى وَاسِطَةٍ بِخِلَافِهَا، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرْقَيْنِ لَا يَخْتَلِفُ بِهِ حُكْمٌ هُنَا، وَلَيْسَ مَا هُنَا نَظِيرَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَتَيْ الطَّلَاقِ لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فِيهِمَا، وَإِذَا اقْتَضَى كُلٌّ مِنْ ذَيْنَك أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْإِيجَارِ الْمَذْكُورِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى وُجُودِ الْمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ، اقْتَضَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَرَتِّبَةً إلَّا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا عِلَّةَ وَلَا سَبَبَ لِوُجُودِهَا غَيْرَ هَذَا الْمُقْتَضَى. أَلَا تَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ [النساء: ١٦٠] مِنْ أَنَّ الْإِخْرَاجَ وَالتَّحْرِيمَ إنَّمَا تَرَتَّبَا عَلَى الْمَاءِ وَالظُّلْمِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَإِذَا انْحَصَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ دَلَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي تِلْكَ الْإِجَارَةِ إلَّا الزِّيَادَةُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَقَدْ بَسَطْنَا لَك الْقَوْلَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ هَذَا وَحْدَهُ كَافٍ وَغَيْرُ مُسَوِّغٍ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْخَاتِمَةُ) فِي السُّؤَالِ الرَّابِعِ، وَهُوَ مَا قَوْلُكُمْ فِي مُسْتَنَدِ إيجَارِ مَكَان وُقِفَ مُدَّةَ مِائَةِ سَنَةٍ صَدَرَ مِنْ نَاظِرٍ شَرْعِيٍّ: حَكَمَ شَافِعِيٌّ فِيهِ بِالْمُوجَبِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مَعْرِفَةُ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ وَأَنَّ الْأُجْرَةَ الَّتِي قَدَّرَهَا كَذَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ يَوْمَئِذٍ لِلْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فِيهِ وَأَنَّ الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَةَ وَالْغِبْطَةَ الْوَافِرَةَ كَمَا شُرِحَ بِمُقَدِّمَةِ الْمُسْتَنَدِ الْمَذْكُورِ فِي إيجَارِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَعْلَاهُ بِالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِيهِ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ الْمُعَيَّنَةَ أَعْلَاهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَزِيَادَةٌ فَهَلْ قَوْلُهُ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ إلَى آخِرِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْحَظِّ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْغِبْطَةِ الْوَافِرَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ آخَرَ مَعَ أَنَّ الْمُوَثِّقَ لِلْمُسْتَنَدِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ ثُبُوتِ خَرَابِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ وَلَا لِإِشْرَافِهِ عَلَى الْخَرَابِ حَتَّى يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسَوِّغَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِيجَارِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ مَثَلًا وَهَلْ يَحْتَاجُ فِي إيجَارِ الْأَوْقَافِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إلَى ثُبُوتِ الْمَصْلَحَةِ لِلْوَقْفِ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِالِاحْتِيَاجِ فَهَلْ الزِّيَادَةُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ تُعَدُّ مَنْفَعَةً أَوْ لَا؟ وَهَلْ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مِنْ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ أَعْلَاهُ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ أَوْ لَا؟ وَهَلْ الْإِيجَارُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ عَلَى النَّصِّ الْمَذْكُورِ الْمَشْرُوحِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَبْتُ) : الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمُسْتَنَدُ الْمَذْكُورُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إنَّمَا اسْتَنَدَ فِيهِ إلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَأَنَّ حَاصِلَ صِيغَةِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ أَشْهَدُ أَنَّ الْمَكَانَ الْمَوْصُوفَ بِكَذَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ كَذَا لِمُدَّةِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَأَنَّ الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَةَ وَالْغِبْطَةَ الْوَافِرَةَ لِجِهَتَيْ الْوَقْفِ وَالْمُسْتَحَقِّينَ فِي إيجَارِهِ تِلْكَ الْمُدَّةَ بِتِلْكَ الْأُجْرَةِ، بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَزِيَادَةٌ. وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ حَاصِلُ لَفْظِ الشَّاهِدِ الَّذِي اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَقَطْ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مُؤَدَّى هَذَا اللَّفْظِ ثُمَّ حُكْمِهِ، فَمُؤَدَّاهُ أَنَّ الْحَظَّ وَمَا بَعْدَهُ لِتَيْنَك الْجِهَتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْإِيجَارِ مُسَبَّبٌ أَوْ مَعْلُولٌ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الْأُجْرَةِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً، إذْ الْبَاءُ إمَّا لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ الْعِلَّةِ، وَالْمُقْتَضَى الْمَطْلُوبُ وَإِضَافَتُهُ لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ، وَالْبَاءُ بِقِسْمَيْهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمُتَعَلِّقِ خَبَرِ أَنَّ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ أَوْ بِخَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ حَصْرِ الْحَظِّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ، إذْ الْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ بِسَبَبٍ وَهُوَ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ الْحُكْمُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِعِلَّةٍ وَهِيَ

стр. 913

مَا يُوجَدُ بِهَا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، دَلَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبَبَ لَهُ أَوْ لَا عِلَّةَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ الْمَذْكُورَ فَقَطْ إذْ لَوْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ أَوْ عِلَّةٌ أُخْرَى، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَذْكُورُ سَبَبًا وَلَا عِلَّةً، وَإِنَّمَا السَّبَبُ أَوْ الْعِلَّةُ مَجْمُوعُ الْمَذْكُورِ وَالْمَحْذُوفِ أَوْ الْمَحْذُوفُ فَقَطْ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ فَوَجَبَ أَنْ لَا سَبَبَ أَوْ لَا عِلَّةَ إلَّا الْمَذْكُورَ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ حَصْرُ الْحَظِّ وَمَا بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ الْمُقْتَضِي وَأَنَّهُ لَا حَظَّ فِي تِلْكَ الْإِجَارَةِ غَيْرُهُ وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ هَذَا هُوَ مُؤَدَّى لَفْظِ الشَّاهِدِ الْمَذْكُورِ فَلْنُبَيِّنْ حُكْمَهُ مَعَ الْإِشَارَةِ إلَى عِبَارَاتِ الْأَئِمَّةِ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ تَعْوِيلًا عَلَى مَا بَسَطَتْهُ فِي تَقْرِيرِهَا فِي غَيْرِ هَذَا فَنَقُولُ: قَدْ تَبَايَنَتْ آرَاءُ الْأَئِمَّةِ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فَمَنَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ الزَّرْكَشِيُّ، فَاسْتَبْعَدَ جَوَازَهَا، وَجَوَّزَهَا آخَرُونَ بِشَرْطٍ مِنْهُمْ السُّبْكِيّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَجَرَى عَلَيْهِ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ شَارِحُ الْإِرْشَادِ وَهُوَ الْحَقُّ، وَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهَا مَفَاسِدَ، فَالْمَانِعُونَ نَظَرُوا إلَيْهَا فَأَطْلَقُوا مَنْعَهَا نَظَرًا لِلْعَادَةِ الْمُحَقَّقَةِ لَهَا غَالِبًا، وَالْمُجَوِّزُونَ لَهَا نَظَرُوا إلَى أَنَّهَا مَوْهُومَةٌ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ إذَا حَقَّتْ مَنَعَتْ النَّظَرَ إلَيْهَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِجَارَةِ وَفِي حِفْظِ الْأُصُولِ، وَلَا يَتِمُّ الِاحْتِيَاطُ فِي هَذَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ إلَّا إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا كَمَا ذُكِرَ، وَصَرَّحُوا أَيْضًا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ عَلَى الْغَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ فِي تَصَرُّفِهِ الْأَغْبَطَ وَالْأَصْلَحَ، فَفِي مُدَدِ الْإِجَارَاتِ يَلْزَمُهُ رِعَايَةُ الْأَصْلَحِ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ الصَّالِحِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلَحِ، فَلَا يَفْعَلُ الْإِجَارَةَ الطَّوِيلَةَ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ كَوْنُهَا أَصْلَحَ. وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُسَجِّلُ نَحْوَ إجَارَتِهِ إلَّا إنْ ثَبَتَ مُسَوِّغُهَا عِنْدَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُؤَيِّدٌ لِلْمُجَوِّزِينَ لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ، بِشَرْطِ الْحَاجَةِ لِتَوَقُّفِ بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ أَوْ نَحْوِهَا عَلَيْهَا، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ كَثُرَتْ الزِّيَادَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَلَامُ الْوَلِيِّ أَبِي زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ وَسَبَقَهُ إلَى نَحْوِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي كَافِيهِ وَابْنُ رَزِينٍ صَاحِبُ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَفَرْضُ كَلَامِهِ فِي إجَارَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا الظَّنُّ بِمِائَةٍ؟ وَنَحَا إلَى ذَلِكَ السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيُّ، بَلْ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَزِيزِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَلْفَاظِ الْوَجِيزِ، وَجَزَمَ بِهِ شَارِحُ الْإِرْشَادِ الرَّدَّادُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ فَتَاوِيهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِإِجَارَةٍ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ إجَارَةِ الْوَقْفِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: إيجَارُ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ مُشَبَّهٌ بِإِيجَارِ مِلْكِ الْيَتِيمِ أَوْ بَيْعِهِ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ أَوْ فِي الْعَقَارِ فَلَا بُدَّ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنْ يَجِدَ مِثْلَهُ بِبَعْضِ الثَّمَنِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ جَرَيَانُ نَظِيرِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ مَدَارَ ذَلِكَ عَلَى التِّجَارَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِإِخْرَاجِ مَا فِي الْيَدِ لِأَصْلَحَ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ فِي الْعَقَارِ إلَّا بِمَا ذُكِرَ وَهُنَا عَلَى حِفْظِ عَيْنِ الْوَقْفِ وَعَدَمِ تَطَرُّقِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَأَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا أَثَرَ لَهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى وُجِدَتْ مَصْلَحَةٌ أَوْ حَاجَةٌ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَمَتَى انْتَفَى كُلٌّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ امْتَنَعَتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ زَادَتْ الْأُجْرَةُ، وَإِنَّمَا اكْتَفَيْنَا فِي الْقَصِيرَةِ بِمُجَرَّدِ الْمَصْلَحَةِ، وَاشْتَرَطْنَا فِي الطَّوِيلَةِ الْحَاجَةَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ فِي الطَّوِيلَةِ مَفَاسِدَ فَلَمْ تَجُزْ، إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ لِحَاجَةٍ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا. وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ السُّبْكِيّ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ فِي عَقْدٍ لَيْسَ حُكْمًا بِوُجُودِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْحُكْمَيْنِ مُتَرَادِفَانِ، فَلَا يَنْفَعُ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَحْكُمْ بِالْمُوجَبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى شَيْءٍ، وَإِلَّا نَزَلَ حُكْمُهُ عَلَى السَّدَادِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدِ، وَإِنَّمَا حَكَمَ مُسْتَنِدًا إلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُسْتَنَدِ، وَشَهَادَتُهُمَا إنَّمَا هِيَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُسَوِّغَةَ لِلْإِجَارَةِ كَوْنُ الْأُجْرَةِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً، وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ هَذِهِ وَحْدَهَا لَا تَكُونُ مَصْلَحَةً مُسَوِّغَةً لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ وَإِذَا اسْتَنَدَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ إلَيْهَا وَحْدَهَا بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ، فَإِذَا

стр. 914

ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ أَنْ لَا مَصْلَحَةَ فِي تِلْكَ الْإِجَارَةِ أَبْطَلَهَا وَلَا نَقْضَ فِي ذَلِكَ لِحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اسْتِنَادَهُ لِمَا لَا يُسَوِّغُهُ صَيَّرَهُ لَغْوًا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الشَّاهِدَ أَطْلَقَ الْمَصْلَحَةَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي إيجَارِ كَذَا لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَ هَذَا مِنْهُ، بَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِفْسَارُهُ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ بَلْ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ مُخْتَلِفَةٌ وَتَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَا يَأْتِي هُنَا الْخِلَافُ فِي إطْلَاقِ الشَّاهِدِ اسْتِحْقَاقَ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو مِائَةً عُرِفَ سَبَبُهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ ثَمَّ عَلَى آدَمِيٍّ بَرْهَنَ هُوَ أَوْ وَارِثُهُ عَلَى رَدِّهَا. وَسَبَبُهَا كَالْإِقْرَارِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، بِخِلَافِهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْمَلِكَ فِي الْمَوْقُوفِ لِلَّهِ وَأَسْبَابُ الْمَصَالِحِ مُخْتَلِفَةٌ فَوَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَقْبَلَ الشَّهَادَةَ بِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ احْتِيَاطًا لِحَقِّ اللَّهِ ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ الِاسْتِفْسَارِ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ أَكْثَرِهَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ الْوَاقِعَةِ فِي لَفْظِ الشَّاهِدِ وَالْوَاقِعَةِ فِي لَفْظِ الْحَاكِمِ فَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ: حَكَمْتُ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ بِمُوجَبِهَا لِثُبُوتِ الْمَصْلَحَةِ عِنْدِي لَمْ يَقْدَحْ فِي حُكْمِهِ عَدَمُ بَيَانِهَا، بَلْ لَوْ حَذَفَهَا بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ دَقِيقٍ الْعِيدِ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ حَمْلًا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ عَلَى السَّدَادِ مَا أَمْكَنَ. وَأَمَّا إذَا أَسْنَدَ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ إلَى شَهَادَةٍ بِمُطْلَقِ مَصْلَحَةٍ أَوْ بِمَصْلَحَةٍ، لَا تُعَدُّ فِي مَذْهَبِهِ مَصْلَحَةً، فَيَكُونُ حُكْمُهُ لَغْوًا وَجَهْلًا مِنْهُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِمَا يُرْضِيهِ عَنِّي وَأَنْ يُجِيرَنِي مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ وَمِحْنَةٍ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَإِلَيْهِ أَفْزَعُ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، يَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِك وَعَظِيمِ سُلْطَانِك حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ عَدَدَ خَلْقِك وَرِضَاءَ نَفْسِكَ وَزِنَةَ عَرْشِك وَمِدَادَ كَلِمَاتِك، وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ عَدَدَ مَعْلُومَاتِك وَمِدَادَ كَلِمَاتِك، كُلَّمَا ذَكَرَك وَذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِك وَذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] (مَسْأَلَةٌ: سُئِلْتُ) عَنْ كِتَابِ وَقْفٍ عَلَى النَّفْسِ لِمِيَاهٍ وَأَرَاضٍ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ حَكَمَ بِمُوجَبِهِ حَنَفِيٌّ ثُمَّ مَاتَ قَاضِيهِ وَشُهُودُهُ فَأَثْبَتَهُ الْحَاكِمُ الْمَالِكِيُّ بِطَرِيقِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَوَضَعَ إنْسَانٌ يَدَهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ مُدَّةً مَدِيدَةً بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ شَافِعِيٌّ ثُمَّ ثَبَتَ الْوَقْفُ الْمَذْكُورُ فَانْتَزَعَ ذَلِكَ الْمَاءَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَأَرَادَ نَاظِرُ الْوَقْفِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ بِغَلَّةِ ذَلِكَ الْمَاءِ لَدَى شَافِعِيٍّ فَهَلْ لَهُ سَمَاعُ هَذِهِ الدَّعْوَى عَمَلًا بِمَذْهَبِهِ أَنَّ مَاءَ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَانِ مَمْلُوكٌ لِوَاضِعِي الْأَيْدِي عَلَيْهِ فَيُضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا حَرَّرُوهُ فِي الْغَصْبِ أَمْ لَا؟ نَظَرًا لِحُكْمِ الشَّافِعِيِّ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بَانَ فَسَادُهُ وَبِتَبَيُّنِ فَسَادِهِ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ لَيْسَ لَهُ سَمَاعُهَا نَظَرًا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ الْحَنَفِيِّ بِالْمُوجَبِ بِنَاءً عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ مُفْتِيِي مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمَاءَ الْمَوْقُوفَ مَضْمُونٌ، بِخِلَافِ الْمَمْلُوكِ، لَكِنْ خَالَفَهُ مُفْتٍ آخَرُ مِنْهُمْ فَقَالَ: الْمَاءُ الْمَحْضُ لَا يُضْمَنُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ الْمَوْقُوفُ وَغَيْرُهُ، أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ مَعَ الْبَسْطِ التَّامِّ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُشْكِلَةٌ جِدًّا (فَأَجَبْتُ) : بِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَسْتَدْعِي بَسْطًا، فَلَا تَضْجَرْ مِنْهُ، فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ نَفِيسَةً لَا تَظْفَرُ بِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ، وَلْنَجْعَلْهُ فِي أُمُورٍ، لَكِنَّ بَعْضَهَا مُقَدِّمَاتٌ وَبَعْضُهَا مَقَاصِدُ أَحَدُهَا تَحْرِيرُ مَاءِ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَان وَغَيْرِهِ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ هَلْ هُوَ مِلْكٌ لِأَهْلِهَا أَوْ مُسْتَحَقٌّ فَقَطْ فَلَا يُضْمَنُ؟ وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا الثَّانِي وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِي عَلَيْهِ وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ بِأَنْ لَمْ تُمَلَّكْ مِنْ الْأَوْدِيَةِ كَالسَّيْلِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَوَاتِ وَسُيُولِ الْأَمْطَارِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» وَصَحَّ خَبَرِ «ثَلَاثَةٌ لَا يُمْنَعْنَ الْمَاءُ وَالْكَلَأَ وَالنَّارُ» فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ

стр. 915

تَحَجُّرُهَا وَلَا لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا إجْمَاعًا، ثُمَّ قُلْتُ: وَلَيْسَ مِنْ الْمُبَاحَةِ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ وَهُوَ تَحْتَ يَدِ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ مَنْبَعُهُ مِنْ مَمْلُوكٍ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا مَنْبَعُهُ بِمَوَاتٍ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ نَهْرٍ عَامٍّ كَدِجْلَةَ، فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ اهـ. وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَاءَ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَانِ وَنَحْوِهِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعُيُونَ مَنَابِعُهَا غَائِصَةٌ فِي جِبَالٍ مُبَاحَةٍ لَا يُعْلَمُ مُنْتَهَى تِلْكَ الْمَنَابِعِ وَلَا أَصْلُهَا، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِيَاهٌ مِنْ أَسْفَلَ تِلْكَ الْجِبَالِ، وَقَدْ جِيءَ إلَى ذَلِكَ الْأَسْفَلِ، وَبُنِيَ عَلَيْهِ جُدْرَانٌ بَيْنَهُمَا قَنَاةٌ، فَإِذَا خَرَجَ الْمَاءُ مِنْ ذَلِكَ السُّفْلِ جَرَى بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِدَارَيْنِ إلَى أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى أَرَاضٍ يَسْقِيهَا. وَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْمَنَابِعُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُ الْمِنْهَاجِ " وَالْعُيُونُ فِي الْجِبَالِ " وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ: وَمَحَلُّهُ إنْ كَانَ مَنْبَعُهُ فِي غَيْرِ مَمْلُوكٍ لَهُمْ إلَى آخِرِهِ، وَتَأَمَّلْ حِكَايَتَهُمْ الْإِجْمَاعَ، عَلَى أَنَّ مَاءَ الْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَحَجُّرُهَا الصَّرِيحُ فِي بَقَائِهَا عَلَى إبَاحَتِهَا، وَإِنْ بَنَى عَلَيْهَا وَحَجَّرَ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْبِنَاءَ عَلَى تِلْكَ الْعُيُونِ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إسْلَامِيٌّ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَاهِلِيٌّ، فَلَا يُسْتَدَلُّ بِوُجُودِهِ لِلْمِلْكِ وَلَا لِعَدَمِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَا ذَكَرْته أَوَّلًا تَصْرِيحُهُمْ: بِأَنَّ الْمَاءَ النَّابِعَ فِي الْمُبَاحِ كَالْمَعْدِنِ الظَّاهِرِ، فَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ بِالتَّحَجُّرِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ تِلْكَ الْمَنَابِعَ فِي جِبَالٍ مُبَاحَة، فَلَا تُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا بِتَحَجُّرٍ، وَبِهَذَا صَحَّ الْحَدِيثُ وَقَامَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَمَّا الْحَدِيثُ: فَهُوَ «أَنَّهُ ﷺ أَقْطَعَ رَجُلًا مِلْحَ مَأْرَبِ أَيْ مَدِينَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ صَنْعَاءَ كَانَتْ بِهَا بِلْقِيسُ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَالْمَاءِ الْعِدِّ أَيْ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ لَا انْقِطَاعَ لِمَنْبَعِهِ فَقَالَ: فَلَا إذْنَ» فَعُلِمَ أَنَّ الْمَاءَ الْعِدَّ وَهُوَ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لِمَنْبَعِهِ لَا يُمْلَكُ، وَتِلْكَ الْمَنَابِعُ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْمَاءِ، فَلَا يُمْلَكُ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ قَوْلُهُمْ: أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ إقْطَاعِ مَشَارِعِ الْمَاءِ أَيْ الَّتِي مِنْهَا مَنَابِعُهُ، وَعَبَّرُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى مَنْعِ إقْطَاعِ مَشَارِعِ الْمَاءِ، فَكَذَا الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ بِجَامِعِ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ اهـ. وَبَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ لَمْ يَبْقَ لِمُنَازِعٍ فِيمَا ذَكَرْته حُجَّةٌ يَتَمَسَّكُ بِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ أَيُّ مُهِمٍّ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْبُلْقِينِيُّ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْتُهُ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهَا مَنْبَعٌ غَالِبًا فَأَجَابَ فِيهَا بِجَوَابٍ طَوِيلٍ مُسَطَّرٍ فِي فَتَاوِيهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْأَصْلُ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهُ غَالِبًا جَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ اهـ. فَفِيهِ أَوْضَحُ تَصْرِيحٍ بِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ مَاءَ الْعُيُونِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَنْبَعُهَا يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى إبَاحَتِهِ وَإِنْ وَصَلَ إلَى تِلْكَ الْقَنَاةِ. وَخَرَجَ مِنْهَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ مَحَلُّ النَّبْعِ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا الْمَمْلُوكُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهِ فَإِذَا صَدَرَ بَيْعٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ. وَلِهَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ كَانَ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَإِذَا بَاعَ الْقَرَارَ لَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ فِيهِ الْمُسَمَّى بِالشِّرْبِ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَرَأَيْتُ السُّبْكِيّ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ مَا حَاصِلُهُ: لَا أَشُكُّ فِي نَهْرِ دِمَشْقَ الْمُسَمَّى بِبَرَدَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ بِأَرْضِهِ، وَالْعَيْنُ الَّتِي يَجْرِي الْمَاءُ فِيهَا إمَّا مُبَاحَةٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِمَّا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِكُفَّارٍ وَانْتَقَلَتْ عَنْهُمْ إلَى مُسْلِمِينَ، وَأَيَّا مَا كَانَ فَلَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ، وَبَقِيَّةُ أَنْهَارِهَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا أَيْضًا كَذَلِكَ وَأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ، وَيُحْتَمَلُ حُدُوثُهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ بِانْخِرَاقٍ فِي مَوَاتٍ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ وَمَا كَانَ بِحَفْرٍ، بِأَنْ قَصَدَ بِهِ حَافِرُهُ الْإِبَاحَةَ فَكَذَلِكَ أَوْ نَفْسَهُ فَمِلْكٌ لَهُ، لَكِنَّا الْآنَ لَا نَعْلَمُهُ هُوَ وَلَا وَارِثُهُ فَهُوَ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ. وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَخْصِيصُ طَائِفَةٍ بِجَمِيعِهِ وَلَا بَيْعُهُ، بِخِلَافِ الْأَمْلَاكِ الْمُنْتَقِلَةِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ الَّتِي يَبِيعُ فِيهَا وَيُعْطِي مِنْهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ نَفْعُهَا عَامٌّ دَائِمٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهَا عَلَيْهِمْ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ الْبِيَعِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. وَمَتَى جُهِلَ الْحَالُ هَلْ هُوَ بِانْخِرَاقٍ أَوْ حَفْرٍ فَهُوَ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. وَقَوْلُهُمْ: لَوْ رَأَيْنَا نَهْرًا يُسْقَى بِهِ أَرَضُونَ، وَلَمْ
следующие страницы →