Полный текст (1 335 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا شَرْطٍ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى وُجُودِهِ، وَالسَّبَبُ إنَّمَا يُفْضِي إلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسَائِطَ، وَلِذَلِكَ يَتَرَاخَى الْحُكْمُ عَنْهُ حَتَّى تُوجَدَ الشَّرَائِطُ وَتَنْتِفِي الْمَوَانِعُ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ، فَلَا يَتَرَاخَى الْحُكْمُ عَنْهَا إذْ لَا شَرْطَ لَهَا، بَلْ مَتَى وُجِدَتْ أَوْجَبَتْ مَعْلُولَهَا اتِّفَاقًا، كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجَّهُوهُ بِدَلَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ تُحَاكِيهَا أَبَدًا لَا يَفْتَرِقَانِ إلَّا فِي أَنَّ تِلْكَ مُوجِبَةٌ بِنَفْسِهَا بِخِلَافِ هَذِهِ قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا تُوجِبُ الْمَعْلُولَ أَنَّهَا تُثْبِتُهُ كَمَا تَقْتَضِي الْقُدْرَةُ حُدُوثَ الْمَقْدُورِ، لَكِنَّا أَرَدْنَا بِالْإِيجَابِ تَلَازُمَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ وَاسْتِحَالَةَ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي اهـ.
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْفَرْقُ الْأَوَّلُ السَّابِقُ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ، فَإِنَّهُ لَا يُلَازِمُ الْمُسَبَّبَ لِجَوَازِ تَخَلُّفِهِ لِمَانِعٍ أَوْ فَقْدِ شَرْطٍ وَالْعِلَّةُ سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُلَازَمَةُ فِيهَا مَوْجُودَةٌ أَبَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ مِنْ نَافِذٍ طَلَاقُهُ عِلَّةٌ، لِأَنَّهُ يَسْتَعْقِبُ الْوُقُوعَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ، وَإِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ سَبَبٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الدُّخُولِ، فَالسَّبَبُ مَوْجُودٌ وَالْمُسَبَّبُ مَفْقُودٌ، وَلَا كَذَلِكَ الْعِلَّةُ، وَالْأُصُولِيُّونَ لَمْ يَعْتَنُوا بِتَحْقِيقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بَلْ رُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ مَقْصَدَهُمْ الْوَصْفُ الَّذِي تَرَتَّبَ بَعْدَهُ الْحُكْمُ وَلَهُ مَدْخَلٌ فِيهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إنْكَارًا مِنْهُمْ لِلْفَرْقِ، بَلْ لَمَّا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ وَاسْتَعْمَلَهُ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْفِقْهِيَّاتِ عَلَى نَحْوِ مَا أَبْدَيْنَاهُ فَقَالَ فِي الْجِرَاحِ: مَا لَهُ دَخْلٌ فِي الزُّهُوقِ فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَلَا فِيمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَالشَّرْطُ كَالْحَفْرِ، وَإِنْ أَثَّرَ فِيهِ وَحَصَّلَهُ فَالْعِلَّةُ كَالْقَدِّ، وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ بَلْ فِي حُصُولِهِ فَالسَّبَبُ كَالْإِكْرَاهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ سَمَّى الْحَفْرَ سَبَبًا فِي الْغَصْبِ، وَأَجَابَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَفْرِ.
وَإِنْ انْعَدَمَتْ التَّرْدِيَةُ وَفِي الْجِرَاحِ لَا قِصَاصَ بِهِ إذَا انْعَدَمَتْ، وَمِنْ ثَمَّ جُعِلَ الْحَفْرُ سَبَبًا لِلدِّيَةِ لِتَرَتُّبِهَا عَلَيْهِ وَإِنْ انْعَدَمَتْ التَّرْدِيَةُ، فَالْحَفْرُ صَالِحٌ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ، فَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمُسَبَّبُ كَانَ سَبَبًا، وَحِينَئِذٍ فَالرَّوَابِطُ بَيْنَ الْأَحْكَامِ وَالْأَسْبَابِ إمَّا مُسْتَقِلَّةٌ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهَا وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا وَهِيَ الْعِلَلُ، وَإِمَّا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، فَمَا لَهُ دَخْلٌ فِي التَّأْثِيرِ وَمُنَاسَبَةٌ أَيًّا كَانَ فِي قِيَاسِ الْمُنَاسَبَاتِ فَهُوَ السَّبَبُ، وَمَا لَا مَدْخَلَ لَهُ وَلَكِنَّهُ إذَا انْعَدَمَ يَنْعَدِمُ الْحُكْمُ فَهُوَ الشَّرْطُ، فَالْعِلَّةُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ الْقِصَاصُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَهِيَ الْعِلَّةُ دُونَ الشَّرْطِ مُطْلَقًا وَدُونَ السَّبَبِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، فَهُوَ رُتْبَةٌ وُسْطَى بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ، نَعَمْ الشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ
وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَقْوَى مِنْ السَّبَبِ إذْ هُوَ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَبَّبِ انْتِفَاءً وَثُبُوتًا، بِخِلَافِ الشَّرْطِ وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقَ الْقَفَّالُ الْكَبِيرُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ بِأَنَّ مَا جَرَى مُقَارِنًا لِلشَّيْءِ أَوْ غَيْرَ مُقَارِنٍ وَلَا تَأْثِيرَ، فَالسَّبَبُ وَمَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ فَالشَّرْطُ فَهُوَ مُقَارِنٌ غَيْرُ مُقَارَنٍ كَالْعِلَّةِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْحُكْمِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْعِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الشَّرْطُ مَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ أَيْ لِكَوْنِهِ عَلَامَةً عَلَيْهِ، وَالسَّبَبُ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَهُ، بَلْ يُوجِبُ مُصَادَفَتَهُ وَمُوَافَقَتَهُ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ قَوْلُ الْوَسِيطِ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ إنَّهُ مُفِيدٌ لِلْمِلْكِ احْتِرَازًا عَنْ زَمَنِ الْخِيَارِ، فَإِنَّهُ مَانِعٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ عَلَى تَفْصِيلٍ فَلَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ دَائِمًا، بَلْ سَبَبٌ لِإِفَادَتِهِ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ كَالْخِيَارِ، فَسَبَبِيَّةُ الْبَيْعِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا ثُمَّ عِنْدَنَا السَّبَبُ مُتَّصِلٌ بِالْمُسَبَّبِ حَتَّى فِي زَمَنِ الْخِيَارِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا وَمِنْ فَرْقِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ قَوْلُهُمْ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِرِضَا فُلَانٍ؛ لَمْ يَقَعْ إلَّا إنْ رَضِيَ بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بَلْ يُوَافِقُهُ، فَإِنَّ جَعْلَهُ الرِّضَا سَبَبًا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِوُقُوعِهِ، فَعَلَّقْنَا الْوُقُوعَ بِتَحَقُّقِ الرِّضَا، بِخِلَافِ جَعْلِهِ عِلَّةً فَإِنَّهُ جَزْمٌ بِوُقُوعِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ، فَأَخَذْنَاهُ بِمُقْتَضَاهُ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ ذَلِكَ لَوْ صَدَرَ مِنْ عَامِّيٍّ أَوْ نَحْوِيٍّ قَالَ: أَرَدْت بِالْعِلَّةِ مَعْنَى السَّبَبِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا إنْ وُجِدَ الرِّضَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْتِ الدَّارَ بِفَتْحِ أَنْ إذَا تَقَرَّرَ
стр. 912
ذَلِكَ فَلْنَرْجِعْ إلَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ إلَى آخِرِهِ، فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُقْتَضَى الْوَاقِعِ فِي لَفْظِ الْحَاكِمِ وَمِثْلُهُ الشَّاهِدُ.
فَنَقَلَ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا انْفِكَاكَ لَهُ ثُمَّ رَدَّهُ فَإِنَّهُ مَفْعُولٌ اُقْتُضِيَ أَيْ طُلِبَ، وَالطَّلَبُ قَدْ يَكُونُ مَعَ إلْزَامٍ وَمَعَ عَدَمِهِ، ثُمَّ الْمُقْتَضَى هُنَا هُوَ كَوْنُ الْأُجْرَةِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً إذْ إضَافَةُ مُقْتَضَى إلَى مَا بَعْدَهُ إضَافَةٌ بَيَانِيَّةٌ أَوْ إضَافَةُ أَعَمَّ إلَى أَخَصَّ، وَعَلَى كُلٍّ تَكُونُ الْأُجْرَةُ كَذَلِكَ مُقْتَضَى أَيْ مَطْلُوبًا، وَحِينَئِذٍ فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي إيجَارِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ بِالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ ثَبَتَتْ بِمَطْلُوبٍ هُوَ أَنَّ تِلْكَ الْأُجْرَةَ زَائِدَةٌ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَيْ بِسَبَبِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ، وَكُلٌّ مِنْ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ يَقْتَضِي تَوَقُّفَ الْمُسَبَّبِ أَوْ الْمُعَلَّلِ عَلَى وُجُودِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ الْمُقْتَضَى يَتَخَلَّفُ أَوْ لَا يَتَخَلَّفُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الْوُجُودَ عِنْدَ السَّبَبِ لَا بِهِ وَبِالْعِلَّةِ لَا عِنْدَهَا، أَوْ فِي أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى وَاسِطَةٍ بِخِلَافِهَا، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرْقَيْنِ لَا يَخْتَلِفُ بِهِ حُكْمٌ هُنَا، وَلَيْسَ مَا هُنَا نَظِيرَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَتَيْ الطَّلَاقِ لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فِيهِمَا، وَإِذَا اقْتَضَى كُلٌّ مِنْ ذَيْنَك أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْإِيجَارِ الْمَذْكُورِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى وُجُودِ الْمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ، اقْتَضَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَرَتِّبَةً إلَّا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا عِلَّةَ وَلَا سَبَبَ لِوُجُودِهَا غَيْرَ هَذَا الْمُقْتَضَى.
أَلَا تَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ [النساء: ١٦٠] مِنْ أَنَّ الْإِخْرَاجَ وَالتَّحْرِيمَ إنَّمَا تَرَتَّبَا عَلَى الْمَاءِ وَالظُّلْمِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَإِذَا انْحَصَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ دَلَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي تِلْكَ الْإِجَارَةِ إلَّا الزِّيَادَةُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَقَدْ بَسَطْنَا لَك الْقَوْلَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ هَذَا وَحْدَهُ كَافٍ وَغَيْرُ مُسَوِّغٍ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَاتِمَةُ) فِي السُّؤَالِ الرَّابِعِ، وَهُوَ مَا قَوْلُكُمْ فِي مُسْتَنَدِ إيجَارِ مَكَان وُقِفَ مُدَّةَ مِائَةِ سَنَةٍ صَدَرَ مِنْ نَاظِرٍ شَرْعِيٍّ: حَكَمَ شَافِعِيٌّ فِيهِ بِالْمُوجَبِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مَعْرِفَةُ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ وَأَنَّ الْأُجْرَةَ الَّتِي قَدَّرَهَا كَذَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ يَوْمَئِذٍ لِلْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فِيهِ وَأَنَّ الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَةَ وَالْغِبْطَةَ الْوَافِرَةَ كَمَا شُرِحَ بِمُقَدِّمَةِ الْمُسْتَنَدِ الْمَذْكُورِ فِي إيجَارِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَعْلَاهُ بِالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِيهِ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ الْمُعَيَّنَةَ أَعْلَاهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَزِيَادَةٌ فَهَلْ قَوْلُهُ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ إلَى آخِرِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْحَظِّ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْغِبْطَةِ الْوَافِرَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ آخَرَ مَعَ أَنَّ الْمُوَثِّقَ لِلْمُسْتَنَدِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ ثُبُوتِ خَرَابِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ وَلَا لِإِشْرَافِهِ عَلَى الْخَرَابِ حَتَّى يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسَوِّغَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِيجَارِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ مَثَلًا وَهَلْ يَحْتَاجُ فِي إيجَارِ الْأَوْقَافِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إلَى ثُبُوتِ الْمَصْلَحَةِ لِلْوَقْفِ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِالِاحْتِيَاجِ فَهَلْ الزِّيَادَةُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ تُعَدُّ مَنْفَعَةً أَوْ لَا؟ وَهَلْ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مِنْ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ أَعْلَاهُ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ أَوْ لَا؟ وَهَلْ الْإِيجَارُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ عَلَى النَّصِّ الْمَذْكُورِ الْمَشْرُوحِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَبْتُ) : الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمُسْتَنَدُ الْمَذْكُورُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إنَّمَا اسْتَنَدَ فِيهِ إلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ
وَأَنَّ حَاصِلَ صِيغَةِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ أَشْهَدُ أَنَّ الْمَكَانَ الْمَوْصُوفَ بِكَذَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ كَذَا لِمُدَّةِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَأَنَّ الْحَظَّ وَالْمَصْلَحَةَ وَالْغِبْطَةَ الْوَافِرَةَ لِجِهَتَيْ الْوَقْفِ وَالْمُسْتَحَقِّينَ فِي إيجَارِهِ تِلْكَ الْمُدَّةَ بِتِلْكَ الْأُجْرَةِ، بِمُقْتَضَى أَنَّ الْأُجْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَزِيَادَةٌ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ حَاصِلُ لَفْظِ الشَّاهِدِ الَّذِي اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَقَطْ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مُؤَدَّى هَذَا اللَّفْظِ ثُمَّ حُكْمِهِ، فَمُؤَدَّاهُ أَنَّ الْحَظَّ وَمَا بَعْدَهُ لِتَيْنَك الْجِهَتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْإِيجَارِ مُسَبَّبٌ أَوْ مَعْلُولٌ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الْأُجْرَةِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً، إذْ الْبَاءُ إمَّا لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ الْعِلَّةِ، وَالْمُقْتَضَى الْمَطْلُوبُ وَإِضَافَتُهُ لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ، وَالْبَاءُ بِقِسْمَيْهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمُتَعَلِّقِ خَبَرِ أَنَّ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ أَوْ بِخَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ حَصْرِ الْحَظِّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ، إذْ الْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ بِسَبَبٍ وَهُوَ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ الْحُكْمُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِعِلَّةٍ وَهِيَ
стр. 913
مَا يُوجَدُ بِهَا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، دَلَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبَبَ لَهُ أَوْ لَا عِلَّةَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ الْمَذْكُورَ فَقَطْ إذْ لَوْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ أَوْ عِلَّةٌ أُخْرَى، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَذْكُورُ سَبَبًا وَلَا عِلَّةً، وَإِنَّمَا السَّبَبُ أَوْ الْعِلَّةُ مَجْمُوعُ الْمَذْكُورِ وَالْمَحْذُوفِ أَوْ الْمَحْذُوفُ فَقَطْ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ فَوَجَبَ أَنْ لَا سَبَبَ أَوْ لَا عِلَّةَ إلَّا الْمَذْكُورَ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ حَصْرُ الْحَظِّ وَمَا بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ الْمُقْتَضِي وَأَنَّهُ لَا حَظَّ فِي تِلْكَ الْإِجَارَةِ غَيْرُهُ
وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ هَذَا هُوَ مُؤَدَّى لَفْظِ الشَّاهِدِ الْمَذْكُورِ فَلْنُبَيِّنْ حُكْمَهُ مَعَ الْإِشَارَةِ إلَى عِبَارَاتِ الْأَئِمَّةِ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ تَعْوِيلًا عَلَى مَا بَسَطَتْهُ فِي تَقْرِيرِهَا فِي غَيْرِ هَذَا فَنَقُولُ: قَدْ تَبَايَنَتْ آرَاءُ الْأَئِمَّةِ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فَمَنَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ الزَّرْكَشِيُّ، فَاسْتَبْعَدَ جَوَازَهَا، وَجَوَّزَهَا آخَرُونَ بِشَرْطٍ مِنْهُمْ السُّبْكِيّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَجَرَى عَلَيْهِ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ شَارِحُ الْإِرْشَادِ وَهُوَ الْحَقُّ، وَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهَا مَفَاسِدَ، فَالْمَانِعُونَ نَظَرُوا إلَيْهَا فَأَطْلَقُوا مَنْعَهَا نَظَرًا لِلْعَادَةِ الْمُحَقَّقَةِ لَهَا غَالِبًا، وَالْمُجَوِّزُونَ لَهَا نَظَرُوا إلَى أَنَّهَا مَوْهُومَةٌ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ إذَا حَقَّتْ مَنَعَتْ النَّظَرَ إلَيْهَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِجَارَةِ وَفِي حِفْظِ الْأُصُولِ، وَلَا يَتِمُّ الِاحْتِيَاطُ فِي هَذَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ إلَّا إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا كَمَا ذُكِرَ، وَصَرَّحُوا أَيْضًا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ عَلَى الْغَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ فِي تَصَرُّفِهِ الْأَغْبَطَ وَالْأَصْلَحَ، فَفِي مُدَدِ الْإِجَارَاتِ يَلْزَمُهُ رِعَايَةُ الْأَصْلَحِ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ الصَّالِحِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلَحِ، فَلَا يَفْعَلُ الْإِجَارَةَ الطَّوِيلَةَ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ كَوْنُهَا أَصْلَحَ.
وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُسَجِّلُ نَحْوَ إجَارَتِهِ إلَّا إنْ ثَبَتَ مُسَوِّغُهَا عِنْدَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُؤَيِّدٌ لِلْمُجَوِّزِينَ لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ، بِشَرْطِ الْحَاجَةِ لِتَوَقُّفِ بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ أَوْ نَحْوِهَا عَلَيْهَا، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ كَثُرَتْ الزِّيَادَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَلَامُ الْوَلِيِّ أَبِي زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ وَسَبَقَهُ إلَى نَحْوِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي كَافِيهِ وَابْنُ رَزِينٍ صَاحِبُ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَفَرْضُ كَلَامِهِ فِي إجَارَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا الظَّنُّ بِمِائَةٍ؟ وَنَحَا إلَى ذَلِكَ السُّبْكِيّ وَالْبُلْقِينِيُّ، بَلْ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَزِيزِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَلْفَاظِ الْوَجِيزِ، وَجَزَمَ بِهِ شَارِحُ الْإِرْشَادِ الرَّدَّادُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ فَتَاوِيهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِإِجَارَةٍ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ إجَارَةِ الْوَقْفِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: إيجَارُ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ مُشَبَّهٌ بِإِيجَارِ مِلْكِ الْيَتِيمِ أَوْ بَيْعِهِ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ أَوْ فِي الْعَقَارِ فَلَا بُدَّ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنْ يَجِدَ مِثْلَهُ بِبَعْضِ الثَّمَنِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ جَرَيَانُ نَظِيرِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ مَدَارَ ذَلِكَ عَلَى التِّجَارَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِإِخْرَاجِ مَا فِي الْيَدِ لِأَصْلَحَ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ فِي الْعَقَارِ إلَّا بِمَا ذُكِرَ وَهُنَا عَلَى حِفْظِ عَيْنِ الْوَقْفِ وَعَدَمِ تَطَرُّقِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ
فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَأَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا أَثَرَ لَهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى وُجِدَتْ مَصْلَحَةٌ أَوْ حَاجَةٌ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَمَتَى انْتَفَى كُلٌّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ امْتَنَعَتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ زَادَتْ الْأُجْرَةُ، وَإِنَّمَا اكْتَفَيْنَا فِي الْقَصِيرَةِ بِمُجَرَّدِ الْمَصْلَحَةِ، وَاشْتَرَطْنَا فِي الطَّوِيلَةِ الْحَاجَةَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ فِي الطَّوِيلَةِ مَفَاسِدَ فَلَمْ تَجُزْ، إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ لِحَاجَةٍ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ السُّبْكِيّ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ فِي عَقْدٍ لَيْسَ حُكْمًا بِوُجُودِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْحُكْمَيْنِ مُتَرَادِفَانِ، فَلَا يَنْفَعُ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَحْكُمْ بِالْمُوجَبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى شَيْءٍ، وَإِلَّا نَزَلَ حُكْمُهُ عَلَى السَّدَادِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدِ، وَإِنَّمَا حَكَمَ مُسْتَنِدًا إلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُسْتَنَدِ، وَشَهَادَتُهُمَا إنَّمَا هِيَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُسَوِّغَةَ لِلْإِجَارَةِ كَوْنُ الْأُجْرَةِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً، وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ هَذِهِ وَحْدَهَا لَا تَكُونُ مَصْلَحَةً مُسَوِّغَةً لِلْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ
وَإِذَا اسْتَنَدَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ إلَيْهَا وَحْدَهَا بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ، فَإِذَا
стр. 914
ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ أَنْ لَا مَصْلَحَةَ فِي تِلْكَ الْإِجَارَةِ أَبْطَلَهَا وَلَا نَقْضَ فِي ذَلِكَ لِحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اسْتِنَادَهُ لِمَا لَا يُسَوِّغُهُ صَيَّرَهُ لَغْوًا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الشَّاهِدَ أَطْلَقَ الْمَصْلَحَةَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي إيجَارِ كَذَا لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَ هَذَا مِنْهُ، بَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِفْسَارُهُ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ بَلْ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ مُخْتَلِفَةٌ وَتَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَا يَأْتِي هُنَا الْخِلَافُ فِي إطْلَاقِ الشَّاهِدِ اسْتِحْقَاقَ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو مِائَةً عُرِفَ سَبَبُهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ ثَمَّ عَلَى آدَمِيٍّ بَرْهَنَ هُوَ أَوْ وَارِثُهُ عَلَى رَدِّهَا.
وَسَبَبُهَا كَالْإِقْرَارِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، بِخِلَافِهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْمَلِكَ فِي الْمَوْقُوفِ لِلَّهِ وَأَسْبَابُ الْمَصَالِحِ مُخْتَلِفَةٌ فَوَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَقْبَلَ الشَّهَادَةَ بِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ احْتِيَاطًا لِحَقِّ اللَّهِ ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ الِاسْتِفْسَارِ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ أَكْثَرِهَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ الْوَاقِعَةِ فِي لَفْظِ الشَّاهِدِ وَالْوَاقِعَةِ فِي لَفْظِ الْحَاكِمِ فَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ: حَكَمْتُ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ بِمُوجَبِهَا لِثُبُوتِ الْمَصْلَحَةِ عِنْدِي لَمْ يَقْدَحْ فِي حُكْمِهِ عَدَمُ بَيَانِهَا، بَلْ لَوْ حَذَفَهَا بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ دَقِيقٍ الْعِيدِ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ حَمْلًا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ عَلَى السَّدَادِ مَا أَمْكَنَ.
وَأَمَّا إذَا أَسْنَدَ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ إلَى شَهَادَةٍ بِمُطْلَقِ مَصْلَحَةٍ أَوْ بِمَصْلَحَةٍ، لَا تُعَدُّ فِي مَذْهَبِهِ مَصْلَحَةً، فَيَكُونُ حُكْمُهُ لَغْوًا وَجَهْلًا مِنْهُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِمَا يُرْضِيهِ عَنِّي وَأَنْ يُجِيرَنِي مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ وَمِحْنَةٍ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَإِلَيْهِ أَفْزَعُ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، يَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِك وَعَظِيمِ سُلْطَانِك حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ عَدَدَ خَلْقِك وَرِضَاءَ نَفْسِكَ وَزِنَةَ عَرْشِك وَمِدَادَ كَلِمَاتِك، وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ عَدَدَ مَعْلُومَاتِك وَمِدَادَ كَلِمَاتِك، كُلَّمَا ذَكَرَك وَذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِك وَذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢]
(مَسْأَلَةٌ: سُئِلْتُ) عَنْ كِتَابِ وَقْفٍ عَلَى النَّفْسِ لِمِيَاهٍ وَأَرَاضٍ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ حَكَمَ بِمُوجَبِهِ حَنَفِيٌّ ثُمَّ مَاتَ قَاضِيهِ وَشُهُودُهُ فَأَثْبَتَهُ الْحَاكِمُ الْمَالِكِيُّ بِطَرِيقِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَوَضَعَ إنْسَانٌ يَدَهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ مُدَّةً مَدِيدَةً بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ شَافِعِيٌّ ثُمَّ ثَبَتَ الْوَقْفُ الْمَذْكُورُ فَانْتَزَعَ ذَلِكَ الْمَاءَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَأَرَادَ نَاظِرُ الْوَقْفِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ بِغَلَّةِ ذَلِكَ الْمَاءِ لَدَى شَافِعِيٍّ فَهَلْ لَهُ سَمَاعُ هَذِهِ الدَّعْوَى عَمَلًا بِمَذْهَبِهِ أَنَّ مَاءَ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَانِ مَمْلُوكٌ لِوَاضِعِي الْأَيْدِي عَلَيْهِ فَيُضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا حَرَّرُوهُ فِي الْغَصْبِ أَمْ لَا؟ نَظَرًا لِحُكْمِ الشَّافِعِيِّ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بَانَ فَسَادُهُ
وَبِتَبَيُّنِ فَسَادِهِ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ لَيْسَ لَهُ سَمَاعُهَا نَظَرًا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ الْحَنَفِيِّ بِالْمُوجَبِ بِنَاءً عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ مُفْتِيِي مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمَاءَ الْمَوْقُوفَ مَضْمُونٌ، بِخِلَافِ الْمَمْلُوكِ، لَكِنْ خَالَفَهُ مُفْتٍ آخَرُ مِنْهُمْ فَقَالَ: الْمَاءُ الْمَحْضُ لَا يُضْمَنُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ الْمَوْقُوفُ وَغَيْرُهُ، أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ مَعَ الْبَسْطِ التَّامِّ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُشْكِلَةٌ جِدًّا (فَأَجَبْتُ) : بِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَسْتَدْعِي بَسْطًا، فَلَا تَضْجَرْ مِنْهُ، فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ نَفِيسَةً لَا تَظْفَرُ بِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ، وَلْنَجْعَلْهُ فِي أُمُورٍ، لَكِنَّ بَعْضَهَا مُقَدِّمَاتٌ وَبَعْضُهَا مَقَاصِدُ أَحَدُهَا تَحْرِيرُ مَاءِ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَان وَغَيْرِهِ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ هَلْ هُوَ مِلْكٌ لِأَهْلِهَا أَوْ مُسْتَحَقٌّ فَقَطْ فَلَا يُضْمَنُ؟
وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا الثَّانِي وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِي عَلَيْهِ وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ بِأَنْ لَمْ تُمَلَّكْ مِنْ الْأَوْدِيَةِ كَالسَّيْلِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَوَاتِ وَسُيُولِ الْأَمْطَارِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» وَصَحَّ خَبَرِ «ثَلَاثَةٌ لَا يُمْنَعْنَ الْمَاءُ وَالْكَلَأَ وَالنَّارُ» فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ
стр. 915
تَحَجُّرُهَا وَلَا لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا إجْمَاعًا، ثُمَّ قُلْتُ: وَلَيْسَ مِنْ الْمُبَاحَةِ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ وَهُوَ تَحْتَ يَدِ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ مَنْبَعُهُ مِنْ مَمْلُوكٍ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا مَنْبَعُهُ بِمَوَاتٍ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ نَهْرٍ عَامٍّ كَدِجْلَةَ، فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ اهـ.
وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَاءَ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَانِ وَنَحْوِهِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعُيُونَ مَنَابِعُهَا غَائِصَةٌ فِي جِبَالٍ مُبَاحَةٍ لَا يُعْلَمُ مُنْتَهَى تِلْكَ الْمَنَابِعِ وَلَا أَصْلُهَا، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِيَاهٌ مِنْ أَسْفَلَ تِلْكَ الْجِبَالِ، وَقَدْ جِيءَ إلَى ذَلِكَ الْأَسْفَلِ، وَبُنِيَ عَلَيْهِ جُدْرَانٌ بَيْنَهُمَا قَنَاةٌ، فَإِذَا خَرَجَ الْمَاءُ مِنْ ذَلِكَ السُّفْلِ جَرَى بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِدَارَيْنِ إلَى أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى أَرَاضٍ يَسْقِيهَا.
وَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْمَنَابِعُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُ الْمِنْهَاجِ " وَالْعُيُونُ فِي الْجِبَالِ " وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ: وَمَحَلُّهُ إنْ كَانَ مَنْبَعُهُ فِي غَيْرِ مَمْلُوكٍ لَهُمْ إلَى آخِرِهِ، وَتَأَمَّلْ حِكَايَتَهُمْ الْإِجْمَاعَ، عَلَى أَنَّ مَاءَ الْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَحَجُّرُهَا الصَّرِيحُ فِي بَقَائِهَا عَلَى إبَاحَتِهَا، وَإِنْ بَنَى عَلَيْهَا وَحَجَّرَ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْبِنَاءَ عَلَى تِلْكَ الْعُيُونِ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إسْلَامِيٌّ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَاهِلِيٌّ، فَلَا يُسْتَدَلُّ بِوُجُودِهِ لِلْمِلْكِ وَلَا لِعَدَمِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَا ذَكَرْته أَوَّلًا تَصْرِيحُهُمْ: بِأَنَّ الْمَاءَ النَّابِعَ فِي الْمُبَاحِ كَالْمَعْدِنِ الظَّاهِرِ، فَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ بِالتَّحَجُّرِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ تِلْكَ الْمَنَابِعَ فِي جِبَالٍ مُبَاحَة، فَلَا تُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا بِتَحَجُّرٍ، وَبِهَذَا صَحَّ الْحَدِيثُ وَقَامَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَمَّا الْحَدِيثُ: فَهُوَ «أَنَّهُ ﷺ أَقْطَعَ رَجُلًا مِلْحَ مَأْرَبِ أَيْ مَدِينَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ صَنْعَاءَ كَانَتْ بِهَا بِلْقِيسُ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَالْمَاءِ الْعِدِّ أَيْ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ لَا انْقِطَاعَ لِمَنْبَعِهِ فَقَالَ: فَلَا إذْنَ» فَعُلِمَ أَنَّ الْمَاءَ الْعِدَّ وَهُوَ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لِمَنْبَعِهِ لَا يُمْلَكُ، وَتِلْكَ الْمَنَابِعُ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْمَاءِ، فَلَا يُمْلَكُ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ قَوْلُهُمْ: أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ إقْطَاعِ مَشَارِعِ الْمَاءِ أَيْ الَّتِي مِنْهَا مَنَابِعُهُ، وَعَبَّرُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى مَنْعِ إقْطَاعِ مَشَارِعِ الْمَاءِ، فَكَذَا الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ بِجَامِعِ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ اهـ.
وَبَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ لَمْ يَبْقَ لِمُنَازِعٍ فِيمَا ذَكَرْته حُجَّةٌ يَتَمَسَّكُ بِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ أَيُّ مُهِمٍّ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْبُلْقِينِيُّ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْتُهُ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهَا مَنْبَعٌ غَالِبًا
فَأَجَابَ فِيهَا بِجَوَابٍ طَوِيلٍ مُسَطَّرٍ فِي فَتَاوِيهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْأَصْلُ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهُ غَالِبًا جَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ اهـ. فَفِيهِ أَوْضَحُ تَصْرِيحٍ بِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ مَاءَ الْعُيُونِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَنْبَعُهَا يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى إبَاحَتِهِ وَإِنْ وَصَلَ إلَى تِلْكَ الْقَنَاةِ.
وَخَرَجَ مِنْهَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ مَحَلُّ النَّبْعِ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا الْمَمْلُوكُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهِ فَإِذَا صَدَرَ بَيْعٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ.
وَلِهَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ كَانَ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَإِذَا بَاعَ الْقَرَارَ لَمْ يَدْخُلْ الْمَاءُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْضِ فِيهِ الْمُسَمَّى بِالشِّرْبِ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَرَأَيْتُ السُّبْكِيّ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ مَا حَاصِلُهُ: لَا أَشُكُّ فِي نَهْرِ دِمَشْقَ الْمُسَمَّى بِبَرَدَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ بِأَرْضِهِ، وَالْعَيْنُ الَّتِي يَجْرِي الْمَاءُ فِيهَا إمَّا مُبَاحَةٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِمَّا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِكُفَّارٍ وَانْتَقَلَتْ عَنْهُمْ إلَى مُسْلِمِينَ، وَأَيَّا مَا كَانَ فَلَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ، وَبَقِيَّةُ أَنْهَارِهَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا أَيْضًا كَذَلِكَ وَأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ، وَيُحْتَمَلُ حُدُوثُهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ بِانْخِرَاقٍ فِي مَوَاتٍ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ وَمَا كَانَ بِحَفْرٍ، بِأَنْ قَصَدَ بِهِ حَافِرُهُ الْإِبَاحَةَ فَكَذَلِكَ أَوْ نَفْسَهُ فَمِلْكٌ لَهُ، لَكِنَّا الْآنَ لَا نَعْلَمُهُ هُوَ وَلَا وَارِثُهُ فَهُوَ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَخْصِيصُ طَائِفَةٍ بِجَمِيعِهِ وَلَا بَيْعُهُ، بِخِلَافِ الْأَمْلَاكِ الْمُنْتَقِلَةِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ الَّتِي يَبِيعُ فِيهَا وَيُعْطِي مِنْهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ نَفْعُهَا عَامٌّ دَائِمٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهَا عَلَيْهِمْ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ الْبِيَعِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَمَتَى جُهِلَ الْحَالُ هَلْ هُوَ بِانْخِرَاقٍ أَوْ حَفْرٍ فَهُوَ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. وَقَوْلُهُمْ: لَوْ رَأَيْنَا نَهْرًا يُسْقَى بِهِ أَرَضُونَ، وَلَمْ
стр. 916
يُدْرَ أَنَّهُ حُفِرَ أَوْ انْخَرَقَ، حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ مَحَلُّهُ إذَا كَانَتْ أَيْدِيهِمْ الْخَاصَّةُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ أَيْ: بِأَنْ كَانُوا مُسْتَوْلِينَ عَلَى مَنْبَعِهَا وَمَا بَعْدَهُ نَظِيرُ مَا مَرَّ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ. اهـ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قَدَّمْتُهُ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ قَالَ: وَالْمَاءُ الَّذِي يَمُرُّ فِي تِلْكَ الْأَنْهَارِ مُبَاحٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ أَيْ: لِأَنَّ مَنْبَعَهَا غَيْرُ مَمْلُوكٍ بَلْ وَلَا مَعْرُوفٍ ثَانِيهِمَا: تَحْرِيرُ حُكْمِ مَا إذَا اجْتَمَعَ فِي قَضِيَّةٍ أَحْكَامٌ مُتَنَاقِضَةٌ كَمَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ، فَإِنَّهَا مِنْ الْعَوِيصَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى مَزِيدِ تَتَبُّعٍ لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَاطِّلَاعٍ عَلَى فَتَاوِيهِمْ وَمُؤَلَّفَاتِهِمْ فِي الْأَقْضِيَةِ وَأَحْكَامِ الْقُضَاةِ الْمُتَعَارِضَةِ بِالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَسَبَبُ إشْكَالِهَا أَنَّ الْحُكْمَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ لَا يَقُولُ بِهِ الْحَنَفِيُّ الْحَاكِمُ بِالْوَقْفِ الَّذِي أَثْبَتَ حُكْمَهُ بِطَرِيقِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ.
وَالْحَاكِمُ إذَا أَثْبَتَ حُكْمَهُ بِطَرِيقٍ لَا يَقُولُ بِهَا، كَيْفَ يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الْإِثْبَاتِ الْمُنَاقِضِ لِمَذْهَبِ الْمُثْبَتِ حُكْمَهُ، وَأَيْضًا الشَّافِعِيُّ الْمُتَدَاعَى عِنْدَهُ بِضَمَانِ الْمَاءِ لَا يَرَى مَا يَثْبُتُ بِهِ الْوَقْفُ وَلَا الْوَقْفُ عَلَى النَّفْسِ وَلَا وَقْفُ الْمَاءِ وَحْدَهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِمِلْكِهِ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَدَاعَى فِيهَا إنَّمَا هِيَ مَاءٌ مُجَرَّدٌ ثَبَتَ وَقْفُهُ، وَحِينَئِذٍ فَالشَّافِعِيُّ هُنَا لَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ وَلَا بِمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ، لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنَّ الْحُكْم بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ إلَّا إنْ كَانَ الْحَاكِمُ بِالْوَقْفِ مَالِكِيًّا؛ لِأَنَّهُ يَرَى ثُبُوتَ حُكْمِهِ هَذَا بِتِلْكَ الطَّرِيقِ وَإِلْزَامَ الْعَمَلَ بِهِ، فَتَنْتِفِي وَصْمَةُ التَّلْفِيقِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ أُثْبِتَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ حُكْمُ حَنَفِيٍّ أَوْ شَافِعِيٍّ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِآثَارِ هَذَا الْحُكْمِ الْمُثْبَتِ عَمَلٌ بِحُكْمَيْنِ مُلَفَّقَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ لَا يَقُولُ بِهِمَا إمَامٌ وَاحِدٌ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ وَالْحُكْمِ بِالْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَوَقْفِ الْمَاءِ الْمُسْتَقِلِّ.
وَكَذَلِكَ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ بِضَمَانِ الْمَاءِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ مُلَفَّقٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ مُتَنَاقِضَةٍ، بَلْ أَرْبَعَةٍ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ وَلَا يَقُولُ بِهِ الْحَنَفِيُّ وَلَا الشَّافِعِيُّ، وَالْحُكْمِ بِالْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَلَا يَقُولُ بِهِ الْمَالِكِيُّ وَلَا الشَّافِعِيُّ، وَالْحُكْمِ بِوَقْفِ الْمَاءِ الْمُسْتَقِلِّ وَلَا يَقُولُ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَلَا الْحَنَفِيُّ، وَالْحُكْمِ بِضَمَانِ الْمَاءِ لَا يَقُولُ بِهِ الْمَالِكِيُّ وَلَا الْحَنَفِيُّ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الْعِمَادِ ذَكَرَ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ بَلْ مَا يُصَرِّحُ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ كَمَا حَكَيْته عَنْهُ فِي كِتَابِي فِي إجَارَة الْأَوْقَافِ هُنَا
(فَائِدَةٌ) يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهَا وَهِيَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُلَفَّقَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَصَوَّرُوا ذَلِكَ بِصُوَرٍ مِنْهَا أَنْ يَحْكُمَ حَنْبَلِيٌّ بِأَنَّ الْخُلْعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَسْخٌ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ إعَادَةُ الْمُخْتَلِعَةِ مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمُحَلِّلٍ فَلَوْ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ حُكْمِ الْحَنْبَلِيِّ بِأَنَّ ذَلِكَ فَسْخٌ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِلَا مُحَلِّلٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ حِينَئِذٍ بَاطِلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَكَيْفَ يَتَعَاطَاهُ؟ فَإِذَا تَعَاطَاهُ نُقِضَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَاطَاهُ حَنْبَلِيٌّ وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ مَالِكِيٌّ بِثُبُوتِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ بِالْخَطِّ، وَحَكَمَ حَنَفِيٌّ بِصِحَّتِهِ فَهَذَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ الْآنَ بِاتِّفَاقِ الْحَاكِمَيْنِ الْمَالِكِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَقْفٌ عَلَى النَّفْسِ وَالْحَنْبَلِيِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِالْخَطِّ، وَهَذَا كُلُّهُ مَقِيسٌ عَلَى مَا لَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ ثُمَّ صَلَّى وَبِهِ نَجَاسَةٌ كَلْبِيَّةٌ مُقَلِّدًا لِمَالِكٍ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا عَلَى مَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ، بَلْ رَكَّبَ فِيهَا قَوْلَ مُجْتَهِدٍ مَعَ قَوْلِ آخَرَ، فَصَارَ كُلٌّ مِنْ الْإِمَامَيْنِ قَائِلًا بِبُطْلَانِهَا الشَّافِعِيِّ مِنْ جِهَةِ النَّجَاسَةِ وَمَالِكٍ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ مَسْحِ الرَّأْسِ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ فَكَذَلِكَ الْقَاضِي لَمَّا لَفَّقَ قَوْلَ مُجْتَهِدٍ مَعَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ نُقِضَ حُكْمُهُ، قَالَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْقُضَاةِ يَجِبُ عَزْلُهُمْ وَلَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُمْ اهـ. كَلَامُهُ وَذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ بِمَا لَفْظُهُ مِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الْمُلَفَّقُ وَهُوَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَصُورَتُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمَالِكِيَّ يَرَى الْحُكْمَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، فَإِذَا أَثْبَتَ الْخَطَّ وَحَكَمَ بِهِ وَاتَّصَلَ بِشَافِعِيٍّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْقُضُهُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﷺ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَاشْهَدْ أَيْ عَلَى مِثْلِ الشَّمْسِ
وَالْخَطُّ يَحْتَمِلُ التَّزْوِيرَ وَتَجْرِبَةَ الْقَلَمِ فَلَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَلَا الْحُكْمُ بِهِ، فَلَوْ أَثْبَتَ الْخَطَّ قَاضٍ مَالِكِيٌّ وَلَمْ يَحْكُمْ وَأَنْهَاهُ إلَى قَاضٍ شَافِعِيٍّ، فَحَكَمَ بِالْخَطِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ وَإِنْ حَكَمَ نُقِضَ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَعْتَقِدُ جَوَازَ ذَلِكَ
стр. 917
وَكَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الْقُضَاةِ الْمَنْسُوبِينَ إلَى الشَّافِعِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الْقُضَاةِ يَجِبُ عَزْلُهُمْ وَلَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُمْ وَكَذَلِكَ الْحَنْبَلِيُّ إذَا حَكَمَ بِكَوْنِ الْخُلْعِ فَسْخًا لَيْسَ لِلْقَاضِي الشَّافِعِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ مُلَفَّقٌ، بَلْ الطَّرِيقُ أَنْ يُزَوِّجَ الْقَاضِي الْحَنْبَلِيُّ، وَكَذَلِكَ إذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَثْبَتَ الْمَالِكِيُّ الْخَطَّ بِمَكْتُوبِ وَقْفٍ قَدْ مَاتَ شُهُودُهُ وَاتَّصَلَ بِقَاضٍ مُحَلِّلٍ شَافِعِيٍّ فَنَفَّذَهُ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْخَطِّ لِيُمَيِّزَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي الْحَنَفِيِّ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ تَعَاطِيهِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَقَضَاءٌ مُلَفَّقٌ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا إذَا تَوَضَّأَ وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقَاضِي الْمُحَلِّلُ لَوْ لَفَّقَ قَوْلَ مُجْتَهِدٍ مَعَ قَوْلِ آخَرَ وَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ اهـ.
فَعَلَى مَا قَرَّرَهُ لَا مِرْيَةَ فِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَحْكُمُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِضَمَانِ الْمَاءِ وَلَا يَسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ، لَكِنْ رَأَيْت فِي فَتَاوَى السَّيِّدِ السَّمْهُودِيّ مَا يُعَكِّرُ عَلَى ابْنِ الْعِمَادِ وَيُصَرِّحُ بِأَنَّ عُلَمَاءَ مِصْرَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ وَأَنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ لِهَذَا التَّلْفِيقِ، وَكَانَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إذَا طَابَقَ بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ ظَاهِرَهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَيَصِيرُ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ مَثَلًا لِشَافِعِيٍّ بِمَا لَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ كَشُفْعَةِ الْجِوَارِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ نَقْضِ حُكْمِهِ بِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ الْأَخْذُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي حَنَفِيٍّ حَكَمَ بِصِحَّةِ وَقْفٍ عَلَى النَّفْسِ يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ بَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الضَّعِيفِ، بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ تَعْلِيلُهُ وَزَعْمُهُ أَعْنِي ابْنَ الْعِمَادِ أَنَّ حُكْمَ الْمَالِكِيِّ بِالْخَطِّ يُنْقَضُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ
إذْ الْمُعْتَمَدُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَالْبُطْلَانِ فِي الْعَرَايَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا صَحَّتْ الْأَحَادِيثُ بِخِلَافِهِ عَدَمُ النَّقْضِ، وَإِنْ أَطَالَ جَمْعٌ فِي خِلَافِهِ لِأَنَّ تَأْوِيلَ الْمُخَالِفِ فِيهَا لَهُ وَجْهٌ وَمَنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ لَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ «عَلَى مِثْلِ هَذَا فَاشْهَدْ» لَا يَرِدُ عَلَى الْمُخَالِفِ أَصْلًا؛ لِأَنَّا اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَهُوَ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْخَطَّ الْمَعْرُوفَ يُفِيدُ ذَلِكَ فَأُرِيدَ بِمِثْلِيَّةِ الشَّمْسِ مَا يُفِيدُ الظَّنَّ الْمُؤَكَّدَ أَوْ الْعِلْمَ، فَلَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْمُخَالِفِ الْحَدِيثُ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ آخِرَ الْكِتَابِ مَا يُبَيِّنُ لَك عَدَمَ النَّقْضِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ الْمَالِكِيُّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ، بَلْ فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ أَبْلَغُ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْعِمَادِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ الشَّافِعِيَّ يَخْتَصُّ بِأُمُورٍ فِي زَمَنِهِ وَمَا قَبْلَهُ كَالنَّظَرِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ وَفِي الْأَوْقَافِ وَالْأَيْتَامِ وَبَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ قَالَ: لَوْ اعْتَقَدَ حَقِّيَّةَ وَصِيَّةٍ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا فِي مَذْهَبِهِ كَأَنْ قَامَتْ قَرَائِنُ بِصِحَّةِ مَسْطُورٍ عَلَى مَيِّتٍ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِقَاضٍ مَالِكِيٍّ لِيُثْبِتَهُ بِالْخَطِّ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَكَذَا فِي الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ يَأْذَنُ لِحَنَفِيٍّ أَوْ حَنْبَلِيٍّ فِي إثْبَاتِهِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ يَنْبَغِي لِلشَّافِعِيِّ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ تَجِدْهُ أَبْلَغَ رَادٍّ عَلَى ابْنِ الْعِمَادِ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ نَفَّذَ كِتَابَ وَقْفِ صَلَاحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ لِلصَّلَاحِيَّةِ الَّتِي بِالْقُدْسِ، وَذَلِكَ الْكِتَابُ لَمْ يَتَّصِلْ لِلسُّبْكِيِّ إلَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِهِ مِمَّنْ يَرَاهُ تَارِيخُ وَقْفِهِ ثَالِثَ عَشَرَ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَتَارِيخُ تَنْفِيذِ السُّبْكِيّ شَهْرُ مُحَرَّمٍ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَسَبْعمِائَةٍ، فَبَيْنَهُمَا فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقَبْلَ السُّبْكِيّ تَلَامِيذُ جَمَاعَةٍ أَجِلَّاءٍ غَالِبُهُمْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ إلَّا بِمَا وَصَلَ بِهِ لِلسُّبْكِيِّ، فَهَذَا إطْبَاقٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ بِتَقْرِيرِ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ بِالْخَطِّ وَتَنْفِيذِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَاحْتِمَالُ أَنَّ كُلًّا إنَّمَا نَفَّذَ بِتَنْفِيذِ مَنْ قَبْلَهُ الثَّابِتِ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا إلَى الْوَاقِفِ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَةِ السُّبْكِيّ مَا قَدْ يُتَلَمَّحُ مِنْهُ ذَلِكَ وَفِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَجَزَمَ بِهِ مُخْتَصِرُوهَا وَغَيْرُهُمْ
بَلْ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَوْ قَضَى حَنَفِيٌّ لِشَافِعِيٍّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ حَلَّ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ أَبَا حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُصَيِّرُ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْحِلُّ عَلَى تَقْلِيدٍ إذْ لَوْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ لَقَالُوا: حَلَّ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ إنْ قَلَّدَ إمَامَ ذَلِكَ الْقَاضِي، وَأَيْضًا فَالتَّقْلِيدُ نَفْسُهُ كَافٍ فِي الْحِلِّ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى حُكْمٍ فَنَتَجَ أَنَّ
стр. 918
التَّقْلِيدَ يُبِيحُ وَحْدَهُ وَحُكْمَ الْحَاكِمِ الْمُخَالِفِ يُبِيحُ وَحْدَهُ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي شُفْعَةِ الْجِوَارِ مَعَ صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ فِيهَا الَّتِي يَعْسُرُ تَأْوِيلُهَا وَلِذَا قَالَ كَثِيرُونَ: بِنَقْضِهِ فَالْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ أَوْلَى بِعَدَمِ النَّقْضِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ الْحِلِّ بِالْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْحِلَّ هُنَا وَلَا تَكَلَّمُوا عَلَى حِلِّ الشَّهَادَةِ بِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيِّ، وَفَصَلَ الْإِسْنَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بَيْنَ أَنْ يَشْهَدَ بِالْجِوَارِ فَيَحِلَّ أَوْ بِاسْتِحْقَاقِهَا فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ لِلشَّاهِدِ إلَّا إنْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ، هَذَا عَنْ الْحُكْمِ اُحْتِيجَ فِيهِ إلَى التَّقْلِيدِ
وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ اثْنَانِ لِقَاضٍ: قَدْ حَكَمَ بَيْنَنَا فُلَانٌ الْقَاضِي فِي كَذَا بِكَذَا وَنُرِيدُ أَنْ تَحْكُمَ بَيْنَنَا بِمَذْهَبِك وَنَرْضَ بِحُكْمِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ إجَابَتُهُمَا، بَلْ يُمْضِي حُكْمَ ذَلِكَ الْقَاضِي حَيْثُ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ فَانْظُرْ إيجَابَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُمْضِيَ حُكْمَ غَيْرِهِ الْمُخَالِفَ لِمَذْهَبِهِ وَأَنْ يُلْزِمَ بِهِ يَظْهَرْ لَك رَدُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يُصَيِّرُهُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ يَصِيرُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَحُكْمُ الْمَالِكِيِّ بِثُبُوتِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ أَوْ الشَّافِعِيِّ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ يُصَيِّرُ الْخَطَّ حِينَئِذٍ كَبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالشَّيْءِ يُصَيِّرُهُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَلَا نَظَرَ حِينَئِذٍ إلَى كَوْنِ الْمَالِكِيِّ يَقُولُ بِالْحُكْمِ الَّذِي أَثْبَتَهُ، وَلَا إلَى أَنَّ الْمُخَالِفَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ لَا يَقُولُ بِهِ، كَيْفَ يُنَفِّذُهُ وَيَحْكُمُ بِهِ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ؟ وَلَا تَلْفِيقَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّعْ حُكْمَهُ عَلَى حُكْمٍ مُخَالِفٍ بَلْ عَلَى حُكْمٍ أُعْطِيَ حُكْمَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْتُهُ انْدَفَعَ قِيَاسُ ابْنِ الْعِمَادِ لِمَا نَحْنُ فِيهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ مَسْحِ الرَّأْسِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَيْسَ فِيهَا حُكْمٌ بِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ يُصَيِّرُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَفِيهَا التَّلْفِيقُ الْمُجْمَعُ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَالْحُكْمُ الْأَوَّلُ صَارَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ الثَّانِي صَارَ كَذَلِكَ فَانْتَفَى التَّلْفِيقُ فَإِنْ قُلْت: مَا ذَلِكَ الَّذِي أَشَرْتَ إلَيْهِ أَوَّلًا أَنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَى ابْنِ الْعِمَادِ وَيُصَرِّحُ بِأَنَّ عُلَمَاءَ مِصْرَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ قُلْت: قَوْلُهُ أَعْنِي السَّيِّدَ مَسْأَلَةٌ وَقَعَتْ بِمِصْرَ فِيمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَشَرَطَ فِيهِ أَنَّ لَهُ إدْخَالَ مَنْ شَاءَ وَإِخْرَاجَ مَنْ شَاءَ مَثَلًا وَحَكَمَ بِهِ حَنَفِيٌّ ثُمَّ أَدْخَلَ الْوَاقِفُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَاسْتَحْكَمَتْ بِنْتُهُ مَالِكِيًّا مَثَلًا فَحَكَمَ بِانْحِصَارِ الْوَقْفِ فِيهَا وَمَنَعَ مَنْ يُعَارِضُهَا مَثَلًا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عُلَمَاءُ مِصْرَ فَأَفْتَى غَالِبُهُمْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: بِصِحَّةِ إدْخَالِ الزَّوْجَةِ نَظَرًا لِسَبْقِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ لَمْ يَتَنَاوَلْ إدْخَالَ الزَّوْجَةِ لِتَجَدُّدِهِ بَعْدَهُ، بَلْ هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى حُكْمٍ، فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ؟ الْجَوَابُ: أَنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ لِتَضَمُّنِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ صِحَّةَ اشْتِرَاطِ مَا ذُكِرَ وَإِذْنَهُ لِلْوَاقِفِ فِيمَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ الْإِدْخَالِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ الْجَوَابُ الثَّانِي، وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ إنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْ الْآثَارِ إلَّا مَا دَخَلَ وَقْتُهُ، وَإِدْخَالُ الزَّوْجَةِ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ عِنْدَ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَجَدَّدَ بَعْدَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ.
وَنُقِلَ كَلَامُ أَبِي زُرْعَةَ فِي ذَلِكَ بِرُمَّتِهِ وَمَتْنِهِ، وَلْنَذْكُرْ مِثَالًا فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ وَاقِفًا جَعَلَ لِنَفْسِهِ التَّغْيِيرَ وَالزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ وَحَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِهِ، ثُمَّ وَقَعَ مِنْ الْوَاقِفِ التَّغْيِيرُ، هَلْ لِلشَّافِعِيِّ الْمُبَادَرَةُ بَعْدَ التَّغْيِيرِ إلَى الْحُكْمِ بِإِبْطَالِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ فَيَمْتَنِعُ عَلَى الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ لِلْوَاقِفِ فِي التَّغْيِيرِ فَقَدْ فَعَلَ مَا هُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ مِنْ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ، فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ آخَرَ مَنْعُهُ وَلَا الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهِ لَوْ وَقَعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالْمِثَالِ الثَّانِي، وَهُوَ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إذْنِ الْحَنَفِيِّ لَهُ فِي التَّغْيِيرِ وُقُوعُهُ فَقَدْ يُغَيِّرُ وَقَدْ لَا، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ. اهـ قَالَ السَّيِّدُ: فَجَعَلَ أَيْ أَبُو زُرْعَةَ تَخْرِيجَ ذَلِكَ عَلَى الْمِثَالِ الثَّانِي مُجَرَّدَ احْتِمَالٍ، وَكَذَا عَلَى الْأَوَّلِ وَالْأَرْجَحُ عِنْدِي التَّخْرِيجُ عَلَى الثَّانِي اهـ. كَلَامُ السَّمْهُودِيِّ.
وَوَجْهُ رَدِّ مَا حَكَاهُ لِمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ: أَنَّ الْحَنَفِيَّ حَكَمَ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَشَرْطِ التَّغْيِيرِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ لَا يَقُولُ بِهِ الْمَالِكِيُّ وَلَا الشَّافِعِيُّ وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمَالِكِيِّ
стр. 919
هَلْ صَادَفَ مَحَلًّا أَوْ لَا؟ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ الْحَنَفِيِّ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ صَارَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي بَعْدَهُ هَلْ يَسُوغُ وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَ الْحَنَفِيِّ؟ فَقَالَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَعُمُّ الْآثَارَ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا: هُوَ سَائِغٌ، وَقَالَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ مُخْتَصٌّ بِمَا دَخَلَ وَقْتُهُ: لَا يَسُوغُ، فَإِعْرَاضُهُمْ عَنْ كَوْنِ حُكْمِهِ لَا يَرَى بِهِ الْمَالِكِيُّ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي أَنَّ الْحُكْمَ الثَّانِيَ يُعَارِضُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ شَمِلَ مَا حَكَمَ بِهِ أَوْ لَا يُعَارِضُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَشْمَلْهُ صَرِيحٌ أَيْ: صَرِيحٌ فِي رَدِّ كَلَامِ ابْنِ الْعِمَادِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَالِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ عَامٌّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ وَإِطْبَاقِ قُضَاةِ هَذَا الْعَصْرِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ أَنَّهُ لَا تَلْفِيقَ هُنَا وَأَنَّ ابْنَ الْعِمَادِ اسْتَرْوَحَ فِي قِيَاسِ هَذَا عَلَى مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ.
وَسَيَأْتِي عَنْ السُّبْكِيّ آخِرَ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ تَنْفِيذَ الْحَاكِمِ لِحُكْمِ حَاكِمٍ آخَرَ تَصْحِيحٌ لَهُ وَقَطْعٌ لِلنِّزَاعِ فِيهِ وَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ: التَّنْفِيذُ لَيْسَ حُكْمًا مُبْتَدَأً وَإِنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُخَالِفَ إذَا نَفَّذَ حُكْمَ مُخَالِفِهِ صَارَ صَحِيحًا عِنْدَهُ مَقْطُوعَ النِّزَاعِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فِيهِ، فَلَمْ يَنْظُرْ السُّبْكِيّ هُنَا لِتَلْفِيقٍ لِمَا قَرَّرْتُهُ أَنَّهُ لَا تَلْفِيقَ مَعَ النَّظَرِ لِلْحُكْمِ الْمُصَيَّرِ لِلْمَحْكُومِ بِهِ، كَأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمِمَّا يُرَدُّ أَيْضًا عَلَى ابْنِ الْعِمَادِ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ: سُئِلْت عَنْ قَاضٍ مَالِكِيٍّ عَمِيَ، وَمَذْهَبُهُ بَقَاءُ وِلَايَةِ الْأَعْمَى، فَهَلْ تَنْفُذُ أَحْكَامُهُ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِأَحَدٍ نَقْضُهَا، بَلْ يَجِبُ تَنْفِيذُهَا، كَمَا لَوْ قَضَى الْبَصِيرُ بِقَضَاءٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَضَى عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِهِ فَأَجَبْتُ: بِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْعَمَى، فَعَرَضَ لِبَعْضِ قُضَاتِهِمْ عَمًى فَإِنْ عَزَلَهُ السُّلْطَانُ انْعَزَلَ وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى وِلَايَتِهِ عَلَى مُقْتَضَى عَقِيدَتِهِ، فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ أَيْضًا عَقِيدَتُهُ ذَلِكَ فَلَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ نَقْضُهَا وَلَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَنْفِيذِهَا كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا الَّتِي لَا تُخَالِفُ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا جَلِيًّا، وَهَذِهِ كَذَلِكَ فَلَا يَسُوغ لِمَنْ يَرَى انْعِزَالَ الْقَاضِي بِالْعَمَى الِامْتِنَاعُ مِنْ تَنْفِيذِهَا وَلَا نَقْضُهَا وَلَا يُقَالُ: هَذَا غَيْرُ قَاضٍ عَلَى عَقِيدَةِ مَنْ رَفَعَ إلَيْهِ حُكْمَهُ فَكَيْفَ يُنَفِّذُهُ؟ وَإِنَّمَا يُنَفِّذُ أَحْكَامَ الْقُضَاةِ لِأَنَّا نَقُولُ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ الْمُخَالِفُ فِي وَضْعِ الْخِلَافِ، لَيْسَ حُكْمَ اللَّهِ عِنْدَ مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَنْقُضُهُ إذْ لَا قَاطِعَ عَلَى إبْطَالِهِ، وَكَذَلِكَ هَذَا لَا قَاطِعَ عَلَى انْعِزَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّلْطَانُ عَلَى عَقِيدَةِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَإِنْ عَلِمَ بِعَمَاهُ وَلَمْ يَعْزِلْهُ نَفَذَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُ وِلَايَتِهِ أَيْضًا إلَى أَنْ يَعْزِلَهُ. اهـ.
وَفِيهِ فَوَائِدُ وَأَبْلَغُ رَدٍّ لِكَلَامِ ابْنِ الْعِمَادِ فَإِنْ قُلْتَ فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ لَا يَرَاهُ أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلَا يُنَفِّذُهُ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يُنَفِّذُهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، فَمَا مَحْمَلُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ؟ قُلْت: يُحْمَلُ عَلَى حُكْمٍ يَنْتَقِضُ فَهَذَا إذَا رُفِعَ لِحَاكِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ نَقْضُهُ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إبْطَالُهُ وَنَقْضُهُ، وَاخْتَارَ السُّبْكِيّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا، حَاصِلُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ إنْ كَانَ مِمَّا اسْتَقَرَّ فِي مَذْهَبٍ مُعْتَبَرٍ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّا يُنْقَضُ نَفَّذَهُ لِضَرُورَةِ الْمَحْكُومِ لَهُ لِئَلَّا يَبْطُلَ حَقُّهُ، وَإِنْ اعْتَقَدَ خَطَأَهُ لِاجْتِهَادٍ أَوْ لِشَيْءٍ فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَعْرَضَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَهُ لَهُ حِينَئِذٍ حُكْمٌ بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
قَالَ: وَقَوْلِي أَوَّلًا نَفَّذَهُ أَيْ جَوَازًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ، فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ الْجَوَازُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُهُ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهُ لِتَقَارُبِ الْمَأْخَذِ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ صَارَ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ عَدَمُ نَقْضِهِ لَا اعْتِقَادِهِ اهـ.
وَتَفْصِيلُهُ مُتَّجِهٌ إلَى قَوْلِهِ بِجَوَازِهِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ نَفْسِهِ إنَّ تَنْفِيذَهُ لِلضَّرُورَةِ لِئَلَّا يَضِيعَ حَقُّ الْمَحْكُومِ لَهُ فَإِنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي وُجُوبِهِ.
وَمَا عَلَّلَ بِهِ الْجَوَازَ لَا يُفِيدُهُ، أَمَّا النَّصُّ فَلِمَا عَلِمْتَ مِنْ مَحْمَلِهِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُهُ إلَخْ فَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمَ مِنْ وُجُوبِ تَنْفِيذِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ حَقِيقَتَهُ، بَلْ أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّا لَا نَعْتَقِدُ بُطْلَانَ أَحْكَامِ
стр. 920
الْمُخَالِفِينَ وَإِنَّمَا نَقُولُ: بُطْلَانُهَا عِنْدَ مُقَلِّدِنَا أَرْجَحُ مِنْ صِحَّتِهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ لِضَرُورَةِ بَقَاءِ حَقِّ الْمَحْكُومِ لَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، ثَالِثُهَا: تَحْرِيرُ الْمُعْتَمَدِ فِيمَا قَالَهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ مِمَّا مَرَّ، نَقْلُهُ عَنْهُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْ الْآثَارِ إلَّا مَا دَخَلَ وَقْتُهُ، اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا قَضِيَّةُ كَلَامِ السُّبْكِيّ وَصَرِيحُ كَلَامِ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيُّ خِلَافُهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ السُّبْكِيّ قَالَ: وَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِمُوجَبِ الْقَرْضِ وَعَقِيدَتُهُ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ مِلْكًا تَامًّا يَمْنَعُ رُجُوعَ الْمُقْتَرِضِ فِي عَيْنِهِ، امْتَنَعَ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِالرُّجُوعِ فِي عَيْنِهِ بَعْدَ قَبْضِهَا، وَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ لَا تُنَافِي الرُّجُوعَ فِيهِ، وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِمُوجَبِ الرَّهْنِ أَوْ الْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَاهُ امْتَنَعَ عَلَى الْمُخَالِفِ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي لَا يَقُولُ بِهَا ذَلِكَ الْحَاكِمُ، أَوْ بِصِحَّتِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْمُخَالِفِ ذَلِكَ. اهـ.
فَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ الْآثَارَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ، وَأَنَّ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ: لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ تَدْبِيرٍ امْتَنَعَ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِالْبَيْعِ، أَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجَبِ شِرَاءِ دَارٍ لَهَا جَارٌ امْتَنَعَ عَلَى الْحَنَفِيِّ الْحُكْمُ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ مَثَلًا أَوْ بِمُوجَبِ إجَارَةٍ امْتَنَعَ عَلَى الْحَنَفِيِّ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهَا بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ مِنْ مُوجَبِهَا الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ لِلْوَرَثَةِ. اهـ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ آخِرًا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا حَضَرَ وَقْتُهُ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَحْضُرْ، لَكِنْ اعْتَرَضَهُ تِلْمِيذُهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فَقَالَ: مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ مَمْنُوعٌ وَفَارَقَتْ الصُّورَتَيْنِ قَبْلَهَا بِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا بِالْمُوجَبِ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْبِيَعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَنَفَذَ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْبِيَعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَامْتَنَعَ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِمَا كَمَا لَوْ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِمَا صَرِيحًا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِجَارَةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ إلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ وَقْتُهُ وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ وَلَوْ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِ فَقَالَ: حَكَمْتُ بِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ كَانَ لَغْوًا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْحُكْمِ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِ أَجْنَبِيَّةٍ إذْ هُمَا مِنْ وَادٍ وَاحِد اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّورَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا السُّبْكِيّ كَمَا ذَكَرَهُمَا الْبُلْقِينِيُّ، وَالثَّالِثَةُ الَّتِي زَادَهَا الْبُلْقِينِيُّ هِيَ الَّتِي تَوَجَّهَ عَلَيْهَا اعْتِرَاضُ تِلْمِيذِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِيهَا: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا تَوَجَّهَ إلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا الَّذِي تَوَجَّهَ إلَيْهِ بِالذَّاتِ هُوَ بَقَاءُ الْعَقْدِ وَاسْتِمْرَارُهُ إلَى مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وُجِدَ مَوْتٌ أَمْ لَا، وَهَذَا قَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ فَتَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ، وَبِهِ فَارَقَتْ مَسْأَلَةَ تَعْلِيقِ طَلَاقِ أَجْنَبِيَّةٍ، فَإِنَّهُ حَالَ حُكْمِهِ ثَمَّ بِالْمُوجَبِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ حَتَّى يَنْصَبَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، فَيَسْتَتْبِعَ مَنْعَ التَّزْوِيجِ، وَهُنَا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ تَوَجَّهَ إلَى مَوْجُودٍ حَالَ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ وَالِاسْتِمْرَارُ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَصَحَّ الْحُكْمُ فِيهِ وَمَنْ لَازَمَهُ امْتِنَاعُ الْحَنَفِيِّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْفَسْخِ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ يُنَافِي حُكْمَ الشَّافِعِيِّ بِالْبَقَاءِ وَالِاسْتِمْرَارِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَبِهَذَا يَزُولُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْوَلِيُّ عَلَى شَيْخِهِ.
وَمِمَّا يُقَوِّي مَا قَالَهُ شَيْخُهُ وَيَدْفَعُ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّ الْقُضَاةَ مِنْ بَعْدِ الْوَلِيِّ، وَإِلَى الْآنَ كَادُوا يُجْمِعُونَ عَلَى مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْحُكْمِ بِمُوجَبِ الْإِجَارَةِ تَارَةً وَبِصِحَّتِهَا أُخْرَى، وَمِنْهُ عَدَمُ انْفِسَاخِهَا بِالْمَوْتِ فَإِنَّك لَا تَرَى مُسْتَنَدَ إجَارَةٍ عَنْ شَافِعِيٍّ قَدِيمٍ أَوْ جَدِيدٍ إلَّا وَفِيهِ التَّعَرُّضُ لِلْحُكْمِ بِأَحَدِ الْكَيْفِيَّاتِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ عَنْ مُخَالِفٍ قَطُّ أَنَّهُ أَبْطَلَ هَذَا الْحُكْمَ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مُحْتَرَمٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُتَآجِرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقُضَاةَ وَالْعُلَمَاءَ مُعْتَمِدُونَ لِكَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ غَيْرُ نَاظِرِينَ لِاعْتِرَاضِ تِلْمِيذِهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا لِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ السَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ أَنَّ غَالِبَ عُلَمَاءِ مِصْرَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا حَكَمَ بِمُوجَبِ وَقْفٍ عَلَى النَّفْسِ شَرَطَ فِيهِ الْإِدْخَالَ وَالْإِخْرَاجَ، فَأَدْخَلَ الْوَاقِفُ زَوْجَتَهُ تَنَاوَلَ هَذَا الْإِدْخَالَ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ وَلَمْ يَكُنْ لِمُخَالِفٍ إبْطَالُهُ، فَتَأَمَّلْ جَعْلَهُمْ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ شَامِلًا لِلْإِدْخَالِ مَعَ كَوْنِهِ حَادِثًا مُتَجَدِّدًا بَعْدَ الْحُكْمِ تَجِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِتَنَاوُلِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ لِلْآثَارِ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا حَالَ الْحُكْمِ، وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا حِينَئِذٍ.
وَتَأَمَّلْ
стр. 921
أَيْضًا أَنَّ السَّيِّدَ السَّمْهُودِيَّ لَمَّا كَانَ يَعْتَمِدُ تَفْصِيلَ أَبِي زُرْعَةَ خَالَفَ عُلَمَاءَ مِصْرَ، وَرَجَّحَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: إنَّ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ الْإِدْخَالِ وَيُبْطِلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ فَنَتَجَ أَنَّ غَالِبَ عُلَمَاءِ مِصْرَ الَّذِينَ فِي زَمَنِ السَّيِّدِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ تَلَامِذَةُ أَبِي زُرْعَةَ أَوْ تَلَامِذَةُ تَلَامِذَتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا بِمَا قَالَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: بِأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْحَادِثَ الْمُتَجَدِّدَ وَحَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لَهُ مُخَالِفٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ اعْتِمَادُهُ وَبِهِ يَلْتَئِمُ أَطْرَافُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَنَاوَلُ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ سَبَبِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِدْخَالِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّ الْحَاكِمَ بِالْمُوجَبِ تَضَمَّنَ حُكْمُهُ الْإِذْنَ لِلْوَاقِفِ فِي الْإِدْخَالِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْإِدْخَالُ كَأَنَّهُ وُجِدَ لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ إذْنِ الْحَاكِمِ لَهُ فِيهِ أَوْ وَقْتِ مَا يَشْمَلُهُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا تَوَجَّهَ إلَى الدَّوَامِ الشَّامِلِ لِمَنْعِ الِانْفِسَاخِ بِالْمَوْتِ، فَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا يَتَنَاوَلُهَا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ كَمَا يَتَنَاوَلُ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ، بَلْ بَالَغَ بَعْضُ مُحَقِّقِي مَشَايِخِنَا وَقَالَ: الْمُوجَبُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ وَهُوَ لِلْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْآثَارِ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا.
وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ التَّصْرِيحُ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْعُمُومِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ طَلَاقِ الْأَجْنَبِيَّةِ لَهُ وَجْهٌ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ فِيهَا: أَنَّ مَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى تَزْوِيجِهِ بِهَا فَحَكَمَ مَالِكِيٌّ أَوْ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ ذَلِكَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَبَادَرَ شَافِعِيٌّ وَحَكَمَ بِاسْتِمْرَارِ الْعِصْمَةِ وَعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَوْ تَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَقَعْ إلَى الْآنَ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ؟ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُتَحَقِّقٍ فَمَا هَذَا مِنْهُ إلَّا فَتْوَى، وَتَسْمِيَتُهُ حُكْمًا جَهْلٌ أَوْ تَجَوُّزٌ يَعْنِي بِهِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الشَّرْعِ عِنْدَهُ لَا أَنَّهُ بَتَّهُ وَأَلْزَمَ بِهِ، وَكَيْفَ يُلْزِمُ بِمَا لَمْ يَقَعْ؟ وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِصِيغَةِ عُمُومٍ وَهُوَ الْمُوجَبُ بَلْ حَكَمَ بِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْخَاصَّةِ فَقَالَ: حَكَمْتُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَعُدَّ سَفَهًا وَجَهْلًا، وَكَيْفَ يَحْكُمُ الْإِنْسَانُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ؟ فَيَقُولُ: حَكَمْتُ بِصِحَّةِ بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ لَوْ وَقَعَ بِشُرُوطِهِ وَبِصِحَّةِ نِكَاحِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَوْ وَقَعَ بِشُرُوطِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْمُدَبَّرِ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ: حَكَمْتُ بِمَنْعِ بَيْعِهِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِهِ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ وَوَقْتِهِ فَنَفَذَ فَافْهَمْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ حَسَنٌ وَوَقَعَ بِسَبَبِ عَدَمِ تَدَبُّرِهِ خَبْطٌ فِي الْأَحْكَامِ.
وَتَوْجِيهُ الْحَنَفِيِّ أَوْ الْمَالِكِيِّ حُكْمَهُ إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الَّتِي يَتَزَوَّجُ بِهَا، وَحُكْمُهُ بِمَنْعِ التَّزْوِيجِ بِهَا أَفْسَدُ مِنْهُ، فَإِنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ بِلَا تَوَقُّفٍ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بَعْدَ صُدُورِ النِّكَاحِ، وَلَا يَدْرِي، هَلْ يَقَعُ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الْحُكْمِ إلَى مَنْعِ النِّكَاحِ كَمَا وَجَّهَ الْحَنَفِيُّ حُكْمَهُ إلَى مَنْعِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، وَلَا إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي عِصْمَةٍ لَا يَدْرِي، هَلْ تَقَعُ فِي نَفْسِ الْوُجُودِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ نَفْسَ الطَّلَاقِ لَمْ يَقَعْ قَبْلَ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا وَقَعَ تَعْلِيقُهُ، وَالتَّعْلِيقُ غَيْرُ مُوقِعٍ فِي الْحَالِ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَعْ، هَذَا وَاضِحٌ لِصَاحِبِ الْأَلْمَعِيَّةِ الْخَالِي عَنْ الْعَصَبِيَّةِ اهـ.
وَلِمَا ذَكَرَهُ فِي خُصُوصِ هَذَا الْمِثَالِ وَجْهٌ كَمَا مَرَّ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِطْلَاقُهُ إلْغَاءَ هَذَا الْحُكْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ يَتَعَيَّنُ فِي هَذَا الْمِثَالِ وَأَشْبَاهِهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ يَقُولُ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ: لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ وَقْتِ الْمَحْكُومِ بِهِ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْوَلِيُّ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ مَا قَالَهُ الْوَلِيُّ مِنْ بُطْلَانِ حُكْمِ الْمُخَالِفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَشْبَاهِهَا إنَاطَةُ الْحُكْمِ فِيهَا بِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ فَحَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ الْمِلْكِ صَحِيحًا فِي مَذْهَبِهِ، لَزِمَ كُلَّ أَحَدٍ تَنْفِيذُ حُكْمِهِ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ مُخَالِفٍ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ، بَلْ وَلَا مِنْ قِبَلِ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ بِأَنَّهُ فَاسِدٌ وَلَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِفْتَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ اجْتِهَادِهِ أَوْ اجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُخَالِفِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ حَيْثُ وَقَعَ صَحِيحًا عَلَى مَذْهَبِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ نَصًّا صَرِيحًا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا
стр. 922
جَلِيًّا وَلَا الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ وَلَا مُعْتَمَدَ مَذْهَبِهِ، حَيْثُ كَانَ مُقَلِّدًا اُعْتُدَّ بِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ وَلَا الطَّعْنُ فِيهِ، وَبِهَذَا يَزْدَادُ تَعَجُّبُكَ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْوَلِيُّ إنْ كَانَ الْحَاكِمُ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَأَنَّهُ حُكْمٌ حَقِيقَةً لَا إفْتَاءٌ، وَكَانَ أَقَلُّ مَا عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِ الْحَاكِمِ بِهِ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ حُكْمٌ صَحِيحٌ حَقِيقِيٌّ أَرَاحَ نَفْسَهُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ مُجَرَّدُ إفْتَاءٍ نَقَلَ عَنْهُمْ ذَلِكَ وَلَمْ يُشَنِّعْ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي كَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا تُذْكَرَ، وَإِذَا اقْتَضَى اجْتِهَادُ مُقَلَّدِهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ وَأَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بَعْدَ التَّزَوُّجِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلَا طَلَاقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، فَكَيْفَ يَسْلَمُ لَهُمْ هَذَا وَيُعْتَرَضُ حُكْمَهُمْ بِهِ، بَلْ كَمَا يَسْلَمُ لَهُمْ الْأَصْلُ يَسْلَمُ لَهُمْ الْحُكْمُ بِهِ، وَمِنْ الْوَاضِحِ الْمَعْلُومِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ مَحْمُولٌ عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ بِمِصْرَ مِنْ قَرِيبٍ وَأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ احْتَجُّوا بِمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ صَحِيحٌ عَلَى قَوَاعِدِنَا، فَكَيْفَ يَسُوغُ أَنْ تَطْعَنُوا فِيهِ؟ وَأَنَّ مُحَقِّقِي الشَّافِعِيَّةِ وَافَقُوهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّعَرُّضُ لِحُكْمِ الْمَالِكِيِّ الْمُوَافِقِ لِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَغَيْرِهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْمُخَالِفِ حَيْثُ وَقَعَ عِنْدَهُ صَحِيحًا شَامِلًا لِمَا دَخَلَ وَقْتُهُ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ مِنْ الْآثَارِ لَمْ يَجُزْ لِمُخَالِفٍ التَّعَرُّضُ لِشَيْءِ مِنْ آثَارِهِ مُطْلَقًا بِنَقْضِهِ وَلَا بِالْحُكْمِ بِخِلَافِهِ، هَذَا إنْ عُلِمَ مَذْهَبُ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا دَخَلَ وَقْتُهُ أَوْ سَبَبُهُ أَوْ مَا يَشْمَلُهُ كَانَ حُكْمُهُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَازَ التَّعَرُّضُ لَهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّفْصِيلَ وَاحْفَظْهُ، فَإِنَّهُ الْمُتَعَيِّنُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الشَّاهِدَةُ بِهِ الْمَدَارِكُ وَالدَّلَائِلُ، وَلَا تَرْكَنْ إلَى مَا يُخَالِفُهُ مِمَّا مَرَّ إذْ كَيْفَ يَغْفُلُ عَنْ النَّظَرِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ إنْ عَرَفَ؟ وَعَمَّا ذَكَرْته مِنْ التَّفْصِيلِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ؟ فَالْغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتِرْوَاحٌ عَجِيبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَرْجُوُّ أَنْ يَقْسِمَ لَنَا مِنْ تَوْفِيقِهِ أَوْفَرَ نَصِيبٍ فَإِنْ قُلْت: قَدْ اُسْتُفْتِيَ أَبُو زُرْعَةَ فِي وَقْفٍ عَلَى النَّفْسِ حَكَمَ بِهِ حَنَفِيٌّ أَسْئِلَةً مُتَعَدِّدَةً، فَأَفْتَى فِي كُلٍّ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ كَمَا هُوَ مَسْطُورٌ عَلَى طُولِهِ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَمْ يُحِلْ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْفِ.
وَكَذَلِكَ فَعَلَ شَيْخُهُ الْبُلْقِينِيُّ وَكَذَلِكَ فَعَلَ السُّبْكِيّ فَأَطْبَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُحِيلُوا عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْفِ بِالْمُوجَبِ، قُلْت: إنَّ مَا أَفْتَى بِهِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ مِنْ مُوجَبَاتِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الْمَذَاهِبُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي جَوَابٍ آخَرَ، فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَهُوَ مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذَاهِبُ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ مَا ذَكَرْته مِنْ الرُّجُوعِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ بَعْدُ، فَتَأَمَّلْهُ فِي تَفْرِيعِهِ أَعْنِي أَبَا زُرْعَةَ عَلَى مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ، فَقَدْ جَرَى عَلَى مَا هُوَ الْمُقَرَّرُ فِي الْمَذَاهِب أَنَّ الْحُكْمَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ بَعْدَ الْحُكْمِ يَكُونُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ فِي الْقَوْلِ الْمُوعَبِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ مَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُوجَبِ كُلُّ حُكْمٍ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ، وَمُلَخَّصُ عِبَارَتِهِ لَا إبْهَامَ فِي الْمُوجَبِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَمَدْلُولَهُ وَمُوجَبَهُ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ، فَمَدْلُولُهُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ، وَمُقْتَضَاهُ وَمُوجَبُهُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمُ مِنْهُ كَالْبَيْعِ مَدْلُولُهُ: نَقْلُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ وَمُقْتَضَاهُ: ذَلِكَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ وَحِلِّ الِانْتِفَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي اقْتَضَاهَا الْبِيَعُ.
وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ مَدْلُولُهُ إنْشَاءُ الْوَاقِفِ الْوَقْفَ وَمُقْتَضَاهُ وَمُوجَبُهُ صَيْرُورَةُ ذَلِكَ وَقْفًا وَاسْتِحْقَاقُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَنَافِعَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لَهُ، وَقَوْلِ الزَّوْجِ: أَنْتِ طَالِقٌ مَدْلُولُهُ: إيقَاعُ الْفُرْقَةِ وَمُقْتَضَاهُ وَمُوجَبُهُ وُقُوعُهَا وَحُرْمَةُ الِاسْتِمَاعِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ أَنَّ الْمُوجَبَ فِيهِ إبْهَامٌ مُنْدَفِعٌ بِأَنَّ مَدْلُولَ الْمُوجَبِ مَعْلُومٌ وَبِإِضَافَتِهِ إلَى ذَلِكَ الْعَقْدِ الْخَاصِّ تَعَيَّنَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّتَهُ، وَيَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى مُوجَبًا لَهُ لِلْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ إضَافَةِ الْمُوجَبِ إلَى الْحُكْمِ، وَيَصِحُّ الْحُكْمُ بِالْأَمْرِ الْعَامِّ سَوَاءٌ اسْتَحْضَرَ الْحَاكِمُ
стр. 923
أَفَرَادَهُ أَمْ لَا، فَلَيْسَ هُنَا إبْهَامٌ فَادِحٌ.
وَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ: حَكَمْتُ بِكُلِّ مَا يُوجِبُهُ هَذَا اللَّفْظُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهَذِهِ الْكُلِّيَّةِ إذْ الشَّرْطُ عِلْمُ الْحَاكِمِ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ ذَلِكَ الْوَقْتَ جُزْئِيَّاتِهَا وَلَوْ قَالَ: مَهْمَا كَانَ مُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ حَكَمْتُ بِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِمُقْتَضَاهُ صَحَّ وَكَانَ حُكْمًا بِذَلِكَ اللَّفْظِ وَتَرَتَّبَ أَثَرُهُ عَلَيْهِ اهـ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ آثَارِ ذَلِكَ الْمَحْكُومِ بِهِ عَلَى الْعُمُومِ الشَّامِلِ صَرِيحًا لِمَا دَخَلَ وَقْتُهُ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ وَحِينَئِذٍ فَالْحَقُّ مَعَ الْبُلْقِينِيُّ لِمُوَافَقَتِهِ لِكَلَامِ السُّبْكِيّ، هَذَا لَا مَعَ أَبِي زُرْعَةَ لِمُخَالَفَةِ كَلَامِهِ لِكَلَامِ هَذَيْنِ الْحَبْرَيْنِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَعْلَمُ بِالْمُصْطَلَحَاتِ وَمُقْتَضَى الْأَلْفَاظِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ أَيُّ مُهِمٍّ، رَابِعُهَا: تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ، وَهِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ هَلْ يَسْمَعُ الدَّعْوَى بِضَمَانِ الْمَاءِ وَيَحْكُمُ بِهِ بَعْدَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ وَقْفِهِ أَمْ لَا؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هَلْ هِيَ مِمَّا دَخَلَ وَقْتُهُ أَمْ لَا؟ وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ سُؤَالُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ الْحُكْمِ بِمُوجَبِ وَقْفِ الْمَاءِ إذًا هَلْ يَتَنَاوَلُ عَدَمَ ضَمَانِهِ؟ فَإِنْ قَالُوا: يَتَنَاوَلُهُ لَمْ يَجُزْ لِلشَّافِعِيِّ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهِ لِيَحْكُمَ بِضَمَانِهِ لِمَا تَقَرَّرَ: أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الصَّحِيحِ عَلَى مَذْهَبِهِ لَا يَجُوزُ لِمُخَالِفِهِ نَقْضُهُ وَلَا التَّعَرُّضُ لِمَا يُخَالِفُهُ.
وَإِنْ قَالُوا: لَا يَتَنَاوَلُهُ أَوْ ذَكَرُوا: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَنْقُولَةً عِنْدَهُمْ رَجَعْنَا إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مِمَّا دَخَلَ وَقْتُهُ عِنْدَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِالْمُوجَبِ، فَتَكُونَ مِنْ حَيِّزِ الْقِسْمِ الْمُتَّفِقِ عَلَى شُمُولِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ لَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِغَلَّةِ الْوَقْفِ، وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ لِمَا لَيْسَ مِنْ غَلَّتِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَحُكْمُهُ بِمُوجَبِ وَقْفِ الْمَاءِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْم بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِضَمَانِ الْمَاءِ عَلَى مَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَدِّيًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْمَاءِ الَّذِي حُكِمَ بِمُوجَبِ وَقْفِهِ، فَهُوَ مِنْ آثَارِهِ الْحَاضِرَةِ وَقْتَ الْحُكْمِ، فَعَلَيْهِ لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِضَمَانِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ الْمُتَضَمِّنَ لِعَدَمِ ضَمَانِهِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ مَا يُرَجِّحُ هَذَا الِاحْتِمَالَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمُوجَبُ الْوَقْفِ صَيْرُورَةُ ذَلِكَ وَقْفًا وَاسْتِحْقَاقُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَنَافِعَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لَهُ اهـ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لَهُ اسْتِحْقَاقَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَدَلَ الْمَاءِ الْمَوْقُوفِ تَارَةً، وَعَدَمَ بَدَلِهِ أُخْرَى، فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ حُكْمٌ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا اسْتِحْقَاقُ بَدَلِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِضَمَانِ الْمَاءِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَفَارِيعِ الْوَقْفِ حَتَّى يَشْمَلَهُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَفَارِيعِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ، وَحِينَئِذٍ فَحُكْمُ الشَّافِعِيِّ بِضَمَانِ الْمَاءِ لَا يُنَاقِضُ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ، وَقَدْ أَفْتَيْتُ سَابِقًا فِيمَنْ وَقَفَ دَارًا عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِ وَهَكَذَا، وَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ وَصِحَّتِهِ وَلُزُومِهِ حَنَفِيٌّ، فَأَجَّرَهُ وَلَدُهُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَحَكَمَ لَهُ بِذَلِكَ شَافِعِيٌّ، فَهَلْ يَنْفُذُ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ أَمْ لَا؟ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا يَرَاهُ الْحَنَفِيُّ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِجَمِيعِ الْآثَارِ الَّتِي يَرَاهَا الْحَاكِمُ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ مُخَالِفًا لِشَيْخِهِ الْإِمَامِ الْبُلْقِينِيُّ: بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الْحُكْمِ بِهَا، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ مُتَضَمِّنٌ لِحُكْمِهِ بِامْتِنَاعِ إجَارَتِهِ مُدَّةً لَا يُجِيزُهَا الْحَنَفِيُّ؛ لِأَنَّ هَذَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ حُكْمِهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ أَيْ: فَهُوَ كَمَنْعِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ السَّابِقِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ هُنَا مِنْ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ وَقْفِ الْمَاءِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِعَدَمِ ضَمَانِهِ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا جَعْلُ السَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إذَا حَكَمَ بِمُوجَبِ إجَارَةٍ كَانَ مِنْ آثَارِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ وَقْتَهَا الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ وَقْفِ الْمَنَافِعِ، فَتَأَمَّلْ جَعْلَهُ هَذَا مِنْ آثَارِ الْحُكْمِ بِمُوجَبِ تِلْكَ الْإِجَارَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ ضَمَانِ الْمَاءِ مِنْ آثَارِ الْحُكْمِ بِوَقْفِ الْمَاءِ، إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ وَقْفَ الْمَنَافِعِ وَقَعَ عَلَى الْمَنَافِعِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ بِالْإِجَارَةِ، فَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، بِخِلَافِهِ
стр. 924
فِي مَسْأَلَتِنَا.
وَلِلسُّبْكِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَلَامٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، بَعْضُهُ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ وَبَعْضُهُ يَشْهَدُ لِلثَّانِي، وَحَاصِلُ عِبَارَتِهِ: أَنَّ لِلْأَوَّلِ شُرُوطًا تَرْجِعُ لِلْمُتَصَرِّفِ وَالْمُتَصَرَّفِ فِيهِ وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا ثَبَتَ حُكْمٌ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ وَبِالْمُوجَبِ الَّذِي هُوَ نَتِيجَةُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُ تِلْكَ الشُّرُوطِ حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهَا فَمَا رَجَعَ لِلصِّيغَةِ أَوْ حَالِ التَّصَرُّفِ فَوَاضِحٌ، وَمَا رَجَعَ لِلْمُتَصَرِّفِ فَمَا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ الْوُجُودِيَّةِ كَالْمِلْكِ اُشْتُرِطَ ثُبُوتُهُ لِلْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ، بِخِلَافِ الشُّرُوطِ الْعَدَمِيَّةِ كَكَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ لَمْ يُشْتَرَطْ ثُبُوتُهُ، وَاشْتُرِطَ ثُبُوتُ نَحْوِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا ظَاهِرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ مِلْكٌ وَلَا عَدَمُهُ وَثَبَتَ مَا سِوَاهُ لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِالصِّحَّةِ، وَلَكِنَّ التَّصَرُّفَ صَالِحٌ وَسَبَبٌ لِتَرَتُّبِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَمْلُوكِ، وَيَكُونُ عَلَى وَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِمُوجَبِ ذَلِكَ.
وَلَهُ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّ التَّصَرُّفَ سَبَبٌ مُفِيدٌ لِلْمِلْكِ بِشَرْطِهِ حَتَّى إذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِي إفَادَتِهِ الْمِلْكَ كَالْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ فَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ مَنْ يَرَى صِحَّتَهُ، ارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَأَنَّ الْوَاقِفَ يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ حَتَّى لَوْ أَرَادَ بَيْعَهُ بَعْدُ، لَمْ يُمَكَّنْ وَأَنْ يُؤْخَذَ كُلُّ مَا هُوَ فِي يَدِهِ إذَا أَقَرَّ لِلْوَاقِفِ بِالْمِلْكِ، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ كَمَا يُؤَاخَذُ الْوَاقِفُ وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْ يُصْرَفَ الرَّيْعُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِ ذِي الْيَدِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ وَقْفُ الْوَاقِفِ لِمَا فِي يَدِهِ أَوْ اعْتِرَافُ ذِي الْيَدِ لَهُ كَافٍ فِيهِ، فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فِي الْحَقِيقَةِ حُكْمٌ بِالْبَيِّنَةِ.
وَثُبُوتُ أَثَرِهَا فِي حَقِّ مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ كَالْوَاقِفِ وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ بِلَا شَرْطٍ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْبَيِّنَةِ لَازِمٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَحُكْمَ الْإِقْرَارِ قَاصِرٌ عَلَى الْمُقِرِّ وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمِلْكُ كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لَازِمًا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَانَ لَازِمًا لِذِي الْيَدِ وَمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ.
وَلَا نَقُولُ: إنَّ الْحُكْمَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، بَلْ الْحُكْمُ مُنْجَرٌّ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ كُلِّيٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ فَأَجَابَ: يَثْبُتُ الْمَلِكُ عَلَيْهِ إمَّا بِإِقْرَارٍ وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ، وَيَزِيدُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَبِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ أَثَرِهِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْأَثَرِ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ ثَبَتَ الْمَلِكُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِقْرَارُ وَالْبَيِّنَةُ مَوْجُودَيْنِ أَمْ مُتَجَدِّدَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِي حَقِّهِمْ لَا مُطْلَقًا وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ مَعْنَاهُ: الْحُكْمُ بِالْمُؤَثِّرِيَّةِ التَّامَّةِ مُطْلَقًا، وَيَلْزَمُ مِنْهَا ثُبُوتُ الْأَثَرِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ أَنْ لَا يَأْتِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِدَافِعٍ، وَاحْتِمَالُ الدَّافِعِ لَا يُنَافِي الْجَزْمَ بِالْحُكْمِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ مَنْ بِيَدِهِ مِلْكٌ لَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا وَثَبَتَ مُكِّنَ مِنْ بَيْعِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ: أَنَّ الْمُقِرَّ وَالْمُتَصَرِّفَ يُؤَاخَذُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَتَعَيَّنَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِمُوجَبِ إقْرَارِهِ لِذَلِكَ وَلِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْهُ بِالْوَقْفِ وَإِلَّا فَلَا يُقَرُّ عَلَى بَيْعِهِ، فَهُوَ مِنْهُ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَإِنَّمَا جَازَ الْحُكْمُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِصِحَّةِ كَوْنِهِ سَبَبًا حَتَّى يَرْتَفِعَ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ بِالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ مَثَلًا وَيُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ يَرَاهُ وَالْحَاكِمُ لَا يَرَاهُ، فَيَحْكُمُ فِيهِ الْحَاكِمُ بِرَأْيِهِ مِنْ صِحَّةِ السَّبَبِيَّةِ وَخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، فَإِنْ قُلْت: الْمُوجَبُ مَجْهُولٌ وَالْحُكْمُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَعْيِينِ الْمَحْكُومِ بِهِ كُلِّهِ قُلْت: الْمُوجَبُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَهُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ.
وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ وَمُوجَبُهُ وَمَدْلُولُهُ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ فَمَدْلُولُهُ: مَا يُفْهَمُ مِنْهُ وَمُقْتَضَاهُ: وَمُوجَبُهُ: مَا يُفْهَمُ مِنْهُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ كَحِلِّ الِانْتِفَاعِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ مَدْلُولُهُ إنْشَاءُ الْوَاقِفِ الْوَقْفَ وَمُقْتَضَاهُ وَمُوجَبُهُ صَيْرُورَتُهُ ذَلِكَ وَقْفًا وَاسْتِحْقَاقُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَنَافِعَهُ وَسَائِرَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لَهُ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ تَنْفَعُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، لَا سِيَّمَا جَعْلُهُ مِنْ مُوجَبِ الْوَقْفِ اسْتِحْقَاقَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَنَافِعَهُ وَسَائِرَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ قَوِيٌّ فِي تَرْجِيحِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ مِنْ مُوجَبِ الْوَقْفِ مِلْكَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِبَدَلِ
стр. 925
الْمَاءِ فِي مَسْأَلَتِنَا تَارَةً وَعَدَمَهُ أُخْرَى، فَاسْتَحْضِرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
خَامِسُهَا: يَتَعَيَّنُ عَلَى الشَّافِعِيِّ إذَا أُرِيدَ الدَّعْوَى عِنْدَهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ بَعْضِ عُيُونِ مَرِّ الظَّهْرَانِ أَنْ يُكَلِّفَهُمْ الْبَيِّنَةَ بِمِلْكِ مَنْبَعِهِ حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ مَمْلُوكًا، وَلَا يَكْفِي حُكْمُ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ وَقْفِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِمِلْكِ الْمَحْكُومِ لَهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَإِذَا اسْتَوَى ذَلِكَ سَأَلَ الْحَنَفِيَّةَ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ يَمْنَعُ ضَمَانَ الْمَاءِ لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى لِئَلَّا يَكُونَ مُنَاقِضًا لِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ، وَإِنْ قَالُوا: لَا يَمْنَعُهُ تُسْمَعُ الدَّعْوَى.
وَحَكَمَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَذْهَبَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ هَذَا مِنْ آثَارِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى أَيْضًا، وَإِلَّا سَمِعَهَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَكَتَبَهُ أَحْمَدُ بْن حَجَرٍ الشَّافِعِيُّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ مَشَايِخِهِ وَوَالِدَيْهِ وَالْمُسْلِمِينَ حَامِدًا مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا مُحْتَسِبًا مُحَوْقِلًا، ثُمَّ رَأَيْت الْإِمَامَ السُّبْكِيّ ﵀ وَأَعْلَى دَرَجَتَهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْقَوْلِ الْمُوعِبِ مَا يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْته: أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ لَا يُنْقَضُ بِشَيْءٍ مِنْ آثَارِهِ وَلَا مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ بِالْمُطَابَقَةِ أَوْ التَّضَمُّنِ أَوْ الِاسْتِلْزَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ امْرَأَةً أَقَرَّتْ أَنَّهَا وَقَفَتْ دَارَهَا الثَّابِتَ مِلْكُهَا وَحِيَازَتُهَا لَهَا عَلَى كَذَا، وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لِنَفْسِهَا، وَأَشْهَدَ حَاكِمٌ شَافِعِيٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ وَثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَبِالْحُكْمِ بِهِ، فَأَرَادَ مَالِكِيٌّ إبْطَالَهُ لِشَرْطِهَا النَّظَرَ لِنَفْسِهَا وَاسْتِمْرَارِ يَدِهَا، وَلِكَوْنِ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَحْكُمْ بِالصِّحَّةِ وَأَنَّ حُكْمَهُ بِالْمُوجَبِ لَا يَمْنَعُ النَّقْضَ.
وَأَفْتَاهُ بِذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَخْذًا مِنْ تَصْوِيبِ الرَّافِعِيِّ أَنَّ قَوْلَ الْحَاكِمِ: صَحَّ وُرُودُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَيَّ فَقَبِلْته قَبُولَ مِثْلِهِ وَأَلْزَمْت الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحُكْمِ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ جَازَ نَقْضُهُ وَلَكِنْ هُنَا زِيَادَةٌ تَمْنَعُ النَّقْضَ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَبِالْحُكْمِ بِهِ أَيْ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ، وَوَافَقَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَوْ قَارَبَ ثُمَّ صَوَّبَ السُّبْكِيّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ، اقْتَصَرَ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَمْ لَا، وَرَدَّ جَعْلَ الضَّمِيرِ فِي بِهِ لِلْوَاقِفِ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْتَمِلُهُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْإِقْرَارِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَوْ عَلَى مُوجَبِ الْإِقْرَارِ فَهُوَ تَأْكِيدٌ، وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ فَقَطْ أَوْ عَلَى الثُّبُوتِ، فَالْمَحْكُومُ بِهِ مُوجَبُ الْإِقْرَارِ أَوْ ثُبُوتُ الْإِقْرَارِ.
وَنِسْبَةُ الْحُكْمِ إلَى الثُّبُوتِ صَحِيحَةٌ بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ وَإِنْهَاءَ الْحَالِ إلَى الْقَاضِي نَقْلُ شَهَادَةٍ لَا حُكْمٌ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْحُكْمِ بِهَا وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ لَفْظَةَ الْحُكْمِ قَدْ لَا يُرَادُ بِهَا الْإِلْزَامُ بِالْمُدَّعَى بِهِ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي تَثْبِيتِ الدَّعْوَى ثُمَّ صَوَّبَ السُّبْكِيّ أَنَّ الْحُكْمَ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ بِحَالٍ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا قَاعِدَةً كُلِّيَّةً.
وَأَطَالَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَمِنْهُ حِكَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِنَا وَغَيْرِهِمْ الْإِجْمَاعَ، عَلَى أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ، نَعَمْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْحَاكِمِ نَقْضُ حُكْمِ نَفْسِهِ إذَا بَانَ خَطَؤُهُ بِالِاجْتِهَادِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا، وَرَدَّ السُّبْكِيّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا يُنْقَضُ بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ، بَلْ لَا يُنْقَضُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَبَيَّنَ أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ الْمُطْلَقَةِ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْحُكْمِ وُجُودُ جَمِيعِ شُرُوطِهَا، وَكَذَا عَبَّرَ الْقُضَاةُ فِيهَا.
وَأَمَّا هِيَ بِالنِّسْبَةِ لِمُعَيَّنٍ فَيَكْفِي إقْرَارُهُ فِي الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ لِيُؤَاخَذَ بِهِ، فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ وَصِحَّةَ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، فَهُنَا ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ. حُكْمٌ بِالْمُطَابَقَةِ: وَهُوَ مُوجَبُهُ، وَحُكْمَانِ بِالِاسْتِلْزَامِ: وَهُمَا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، وَقَوْلُ الْهَرَوِيِّ: إنَّ مَا يُحْكَمُ فِيهِ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ لَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلْإِقْرَارِ الثَّابِتِ عِنْدَهُ لَا الْمَوْتِ وَلَا الْوَقْفِ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْإِشَارَةَ لِلْإِقْرَارِ تَعَيَّنَ أَنَّ الضَّمِيرَ لَهُ فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِأَمْرَيْنِ بِالْإِقْرَارِ وَمُوجَبِهِ، فَلَوْ صَحَّ حُكْمُ الْمَالِكِيِّ السَّابِقِ، لَكَانَ الصَّادِرُ مِنْهُ بِالْمُطَابَقَةِ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ مُطْلَقًا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَبِالتَّضَمُّنِ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ وَبِالِاسْتِلْزَامِ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ بِهِ، فَيَكُونُ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثُ رَافِعًا لِحُكْمِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي وَالثَّالِثِ لِتَوَارُدِهِمَا عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ كَانَ مَا حَكَمَ بِهِ الثَّانِي بِالْمُطَابَقَةِ غَيْرَ مَا حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ بِالْمُطَابَقَةِ وَامْتِنَاعِ
стр. 926
النَّقْضِ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ، لَمْ يَفْصِلُوا فِيهِ بَيْنَ الْمُطَابَقَةِ وَالِاسْتِلْزَامِ وَالْجَوَازِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَطَرَّقَ الِاسْتِلْزَامِيُّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَطَرَّقَ التَّضَمُّنِيَّ بِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي حَقِّهِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِلْزَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَّا وَالْقَرَافِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، هَذَا فِي الْحُكْمِ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ، أَمَّا الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَذَلِكَ إذْ لَا مَعْنَى لِلْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ إلَّا الْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ تَصَرُّفٍ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ أَوْ وَقْفٍ إذَا قَالَ: حَكَمْت بِهِ مَعْنَاهُ: حَكَمْت بِمُوجَبِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حُكْمٌ بِثُبُوتِهِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى هُنَا لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ دُونَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهَا أَخَصُّ، وَمَرَّ أَنَّ التَّخَالُفَ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ لَا هُنَا، فَإِنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقِرِّ، ثُمَّ بَيَّنَ السُّبْكِيّ بُطْلَانَ مَا مَرَّ مِنْ التَّعْلِيقِ بِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ: بِأَنَّ ضَمِيرَ مُوجَبِهِ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِهِ يَعُودُ عَلَى الْكِتَابِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَمُوجَبُهُ صُدُورُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إقْرَارٍ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْ تَصَرُّفٍ، وَقَوْلُهُ وَإِلْزَامُ الْعَمَلِ بِهِ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزُورٍ، فَمُفَادُ كَلَامِهِ يُثْبِتُ الْحُجَّةَ وَقَبُولَهَا لَا الْحُكْمَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ، فَلِذَا صَوَّبَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ يُحْكَمُ فِي مَسْأَلَتِهِ، وَمَسْأَلَتُنَا لَيْسَتْ مِثْلَهَا لِلتَّصْرِيحِ فِيهَا بِالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ.، وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ لَفْظَةُ الْحُكْمِ بَلْ الْإِلْزَامِ، وَهُوَ وَإِنْ عَدُّوهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ فِي الْإِلْزَامِ بِالْمُدَّعَى بِهِ.
أَمَّا إلْزَامُ الْعَمَلِ بِالْمُوجَبِ فَلَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِهِمْ إلَّا هُنَا، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي مُرَادَفَتِهِ لِلْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَالْإِلْزَامِ بِالْمُوجَبِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا صَرَّحَ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَا حَكَمَ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْحَاكِمَ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ كَانَ قَدْحًا فِيهِ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي قَاضٍ مُتَبَصِّرٍ بِالْحَقَائِقِ عَالِمٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ، وَقَدْ اطَّرَدَ عُرْفُ بِلَادِنَا بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ صَحِيحٌ كَافٍ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَ هَذَا الْحُكْمَ حَاكِمٌ جَيِّدٌ كَالْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، وَالتَّنْفِيذُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحُكْمِ لَا الثُّبُوتِ، فَحَمْلُهُ عَلَى الثُّبُوتِ فِيهِ قَدْحٌ لِلْمُنَفِّذِ أَيْضًا، إذْ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ فَسَمَاعُهُ لِلْبَيِّنَةِ.
وَحُكْمُهُ بِهَا تَصْحِيحٌ لِلْحُكْمِ وَقَطْعٌ لِلنِّزَاعِ فِيهِ، عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا حَمْلَ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ وَصِحَّةِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، فَتَنْفِيذُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمًا؛ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ وَالثُّبُوتِ، الْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ فَإِذَا نَفَّذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ كَانَ تَنْفِيذُهُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَيَصِيرُ تَنْفِيذُ الثَّانِي لَازِمًا، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ أَمَّا الْحَاكِمُ الثَّانِي إذَا قَالَ: إنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا صَدَرَ مِنْ الْأَوَّلِ وَأَلْزَمَ بِمُقْتَضَاهُ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِلُزُومِ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَوَّلِ، فَهُوَ حُكْمٌ لَا يُتَّجَهُ فِيهِ خِلَافُ ثَمَّ قَالَ: الْمُوجِبُ: الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِبُهُ ذَلِكَ الْأَثَرُ فَهُمَا شَرْعِيَّانِ.
وَقِيلَ: الثَّانِي عَقْلِيٌّ لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، فَمُوجَبُ الْإِقْرَارِ: ثُبُوتُ الْمُقَرِّ بِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِيُؤَاخَذَ بِهِ، وَصِحَّتُهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ شُرُوطِهِ عِنْدَهُ بِخِلَافِ الْمُوجَبِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمُؤَاخَذَةِ، فَالْحُكْمُ بِالسَّبَبِيَّةِ فَقَطْ وَتَوَقُّفُهَا عَلَى وُجُودِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إعْمَالِ السَّبَبِ وَإِثْبَاتُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ مُوجَبَ الْإِنْشَاءِ أَثَرُهُ الْمُسَبَّبُ عَنْهُ، وَصِحَّتَهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَهَا شُرُوطٌ فِي التَّصَرُّفِ وَالْمُتَصَرَّفِ فِيهِ وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ اهـ. مُلَخَّصًا وَفِيهِ فَوَائِدُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا وَقَعَ لِلسُّبْكِيِّ مِمَّا مَرَّ فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ سَبَبُهُ أَنَّ نُسْخَتَهُ أَلْزَمْت الْعَمَلَ بِهِ، وَهِيَ نُسَخٌ أُخْرَى غَيْرُ مُعْتَمَدَةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَتِهِ، وَحَاصِلُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ عَلَى ظَهْرِ الْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ صَحَّ وُرُودُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَيَّ فَقَبِلْته قَبُولَ مِثْلِهِ وَالْتَزَمْت الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَصْحِيحَ الْكِتَابِ وَهُوَ إثْبَاتُ الْحُجَّةِ انْتَهَتْ. وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ فَتَعْلِيلُهُمَا الْمَذْكُورُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ عِبَارَتَهُمَا اُلْتُزِمَتْ لَا أَلْزَمْت وَحِينَئِذٍ زَالَ التَّعْلِيقُ بِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ السَّابِقِ فِي أَوَّلِ كَلَامِ السُّبْكِيّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْهِبَةِ]
стр. 927
وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ لَهُ دَارٌ مَلَّكَهَا لِوَلَدِهِ الْقَاصِرِ أَوْ الْبَالِغِ السَّفِيهِ الْمَشْمُولِ بِحَجْرِهِ مَثَلًا وَقَبِلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَأَذِنَ لَهُ فِي تَسَلُّمِهَا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ مَثَلًا فَتَسَلَّمَهَا لَهُ وَحَازَهَا لَهُ وَهُوَ سَاكِنٌ هُوَ وَإِيَّاهُ فِيهَا إلَى حِينِ وَفَاةِ الْوَالِدِ مَثَلًا فَهَلْ يَمْلِكُهَا الْوَلَدُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ وَيَرْجِعُ الْوَلَدُ عَلَى تَرِكَةِ وَالِدِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مُدَّةَ سُكْنَاهُ فِيهَا إلَى حِينِ وَفَاتِهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إذَا مَلَّكَهَا لِأَجْنَبِيٍّ وَقَبِلَ مِنْهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي تَسَلُّمِهَا وَحَوْزِهَا ثُمَّ حَازَهَا وَتَسَلَّمَهَا، لَكِنْ هُوَ وَإِيَّاهُ سَاكِنَانِ إلَى حِينِ وَفَاةِ الْمُتَمَلِّكِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا وَهَبَ دَارِهِ لِوَلَدِهِ الْمَشْمُولِ بِحَجْرِهِ وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْقَبْضُ وَقَصَدَ الْقَبْضَ عَنْهُ أَوْ أَقَبَضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، مَلَكَ الْوَلَدُ الدَّارَ وَلَهُ عَلَى الْأَبِ أُجْرَةُ سُكْنَاهُ لَهَا بَعْدَ الْقَبْضِ عَنْهُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِقَبْضِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ وَالِدُهُ فِيهِ، وَلَا بُدَّ فِي الْقَبْضِ مِنْ خُلُوِّهَا مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَمَتَى كَانَتْ مَشْغُولَةً بِأَمْتِعَةِ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ مِنْ الْأَبِ قَبْضٌ وَلَا إقْبَاضٌ لَهَا.
وَكَذَا الْمَوْهُوبَةُ لِأَجْنَبِيٍّ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَبْضُهَا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْوَاهِبُ حَيْثُ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِأَمْتِعَةِ الْوَاهِبِ أَوْ بِأَمْتِعَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْقَفَّالِ فِي فَتَاوِيهِ: لَوْ جَهَّزَ ابْنَتَهُ بِأَمْتِعَةٍ لَمْ تَمْلِكْهَا إلَّا بِلَفْظٍ مَعَ الْقَبْضِ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهَا لَهَا إلَّا ادَّعَتْهُ اهـ. فَإِذَا مَاتَتْ الْبِنْتُ وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ لَهُ فِي الْأَمْتِعَةِ الْمِيرَاثَ وَقَالَ الْأَبُ: بَلْ هِيَ لِي لِأَنِّي لَمْ أَهَبْ وَلَمْ أُعْطِ بِنْتِي الْأَمْتِعَةَ إلَّا تَجْهِيزًا فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ ابْنَتَهُ وَجَهَّزَهَا إلَى دَارِ الزَّوْجِ فَإِنْ قَالَ: هَذَا جِهَازُ ابْنَتِي فَهُوَ مِلْكٌ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ فَهُوَ إعَارَةٌ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ اهـ. فَهَلْ يُصَدَّقُ أَيْضًا بِيَمِينِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْبِنْتِ إذَا طَلَبَ الزَّوْجُ الْمِيرَاثَ؟ أَمْ لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ؟ اهـ.
وَقَوْلُ الْخُوَارِزْمِيِّ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى حُلِيًّا أَوْ دِيبَاجًا وَزَيَّنَ بِهِ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، يَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَحَكَاهُ الْقَمُولِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ وَقَرَّرَهُ اهـ. فَهَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِلْأَبِ أَمْ يَكُونُ لِلْوَلَدِ؟ اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ صَحِيحٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ بِالْإِقْبَاضِ أَوْ الْإِذْنِ فِيهِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْهِبَةُ مِنْ الْأَبِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنَّ الْأَبَ وَالْجَدَّ يَتَوَلَّيَانِ طَرَفَيْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ وَالْإِقْبَاضِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَإِذَا وَهَبَ لِلصَّغِيرِ أَوْ نَحْوِهِ وَلِيُّ غَيْرِهِمَا قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ، وَإِنَّمَا صُدِّقَ الْأَبُ بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ لَهَا إذَا ادَّعَتْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْجِهَازِ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يُعْلَمَ نَاقِلٌ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِهَا، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ حُكِمَ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ وَصُدِّقَ فِي ذَلِكَ دُونَهَا، وَإِذَا صُدِّقَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لَزِمَ تَصْدِيقُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَوْجِهَا بِالْأَوْلَى، فَإِذَا مَاتَتْ وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ لَهُ فِي تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ الرُّبُعَ أَوْ النِّصْفَ وَأَنْكَرَ الْأَبُ كَوْنَهَا مِلْكًا لَهَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلزَّوْجِ حَقٌّ فِي تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ إنْ وَافَقَ الْأَبُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لِبِنْتِهِ، وَكَذَا إذَا أَقَامَ الْأَبُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُجَهِّزَ بِهَا بِنْتَه، أَمَّا إذَا أَنْكَرَ الزَّوْجُ كَوْنَهَا مِلْكًا لِلْأَبِ قَبْلَ التَّجْهِيزِ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْأَبِ صُدِّقَ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَتْ تَرِكَةً عَنْهَا وَوَرِثَهَا عَنْهَا الزَّوْجُ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ لَا يُنَافِيه مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الْقَاضِي، بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَجْعَلْ نَقْلَهُ الْجِهَازَ مَعَهَا إلَى دَارِ الزَّوْجِ مُقْتَضِيًا لِمِلْكِهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ إقْرَارَهُ بِقَوْلِهِ: هَذَا جِهَازُ بِنْتِي فَتَمْلِكُهُ حِينَئِذٍ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لَهَا بِالْمِلْكِ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ نَقْلِهِ الْأَمْتِعَةَ إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِذَا ادَّعَتْهُ هِيَ أَوْ زَوْجُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَادَّعَى الْأَبُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ قَوْلُهُ: هَذَا جِهَازُهَا أَوْ مِلْكُهَا أَوْ لَهَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ كَمَا فِي كَلَامِ الْقَفَّالِ، فَمَا قَالَهُ الْقَاضِي مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ، أَمَّا مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ عَنْ الْكَافِي فَصَاحِبُ الْكَافِي لَمْ يَقُلْهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا نَقَلَهُ عَنْ الْقَفَّالِ وَعِبَارَتُهُ عَنْهُ: لَوْ اشْتَرَى حُلِيًّا أَوْ دِيبَاجًا لِزَوْجَتِهِ وَزَيَّنَهَا بِهِ، لَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهَا، وَفِي الْوَلَدِ الصَّغِيرِ يَكُونُ تَمْلِيكًا لَهُ انْتَهَتْ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عَنْ الْقَفَّالِ
стр. 928
يُعْلَمُ رَدُّ نَقْلِ هَذَا عَنْهُ، فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَهُوَ إمَّا اخْتِيَارٌ لَهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَذْهَبِ وَإِمَّا مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ مَا سَبَقَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِالْفِعْلِ، بَلْ مِنْ اللَّفْظ فِي هِبَةِ الْوَالِدِ وَغَيْرِهِ، وَمِمَّا يُضَعِّفُهُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: لَوْ غَرَسَ شَجَرًا وَقَالَ عِنْدَ غَرْسِهِ: أَغْرِسُهُ لِطِفْلِي لَمْ يَمْلِكْهُ الطِّفْلُ بِذَلِكَ فَإِنْ قَالَ: جَعَلْته لَهُ وَاكْتَفَيْنَا بِأَحَدِ الشِّقَّيْنِ مِنْ الْوَلَدِ أَيْ وَهُوَ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّ هِبَتَهُ لَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا تَقْتَضِي قَبُولًا، وَإِنْ لَمْ يَكْتَفِ بِأَحَدِ الشِّقَّيْنِ مِنْ الْوَلَدِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لَمْ يَصِرْ مِلْكَهُ بِذَلِكَ.
هَذَا حَاصِلُ عِبَارَتِهِمَا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي رَدِّ كَلَامِ الْقَفَّالِ هَذَا الْأَخِيرَ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ تَزْيِينِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ لَا يَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ بِاتِّفَاقِ الْأَصَحِّ وَمُقَابِلِهِ الْمَذْكُورَيْنِ وَمِنْ ثَمَّ ضَعَّفَ كَلَامَ الْقَفَّالِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ السُّبْكِيّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَالْأَزْرَقِيُّ الْيَمَنِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَسُكُوتُ آخَرِينَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِلْعِلْمِ بِضَعْفِهِ مِمَّا قَدَّمُوهُ قَبْلَهُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ السَّائِلِ، وَمِمَّا تَقَرَّرَ مِنْ عِبَارَةِ الْقَفَّالِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ فِي الْكَافِي يُعْلَم رَدُّ قَوْلِ السَّائِلِ، فَهَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِلْأَبِ أَوْ يَكُونُ لِلْوَلَدِ؟ وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ عِبَارَةَ الْكَافِي الْمَذْكُورَةَ صَرِيحَةٌ وَاضِحَةٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَلَدِ، لَكِنْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَهَبَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ عَيْنًا دُونَ الْآخَرِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُكْرَهُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ خِلَافًا لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ أَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ فِي صَحِيحِهِ أَنْ يَهَبَ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا أَكْثَرَ مِمَّا يَهَبُ لِغَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ كَالِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ أَوْ ابْنِ الْبِنْتِ، كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَالْمُتَبَادَرُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ اهـ، وَذَلِكَ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْعُقُوقِ.
وَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ إنْ اسْتَوَتْ حَاجَاتُهُمْ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَتْ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ السَّابِقِ حِينَئِذٍ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا ارْتَكَبَ التَّفْضِيلَ الْمَكْرُوهَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُعْطِيَ الْآخَرَيْنِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعَدْلُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُنَّ لَهُ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ أَنْ يَرْجِعَ أَيْ فِي الْكُلِّ عِنْدَ التَّخْصِيصِ وَفِي الزَّائِدِ فَقَطْ عِنْدَ التَّفْضِيلِ، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا كَرَاهَةَ فِي التَّخْصِيصِ وَلَا يُسْتَحَبُّ الرُّجُوعُ حَيْثُ رَضِيَ الْمَحْرُومُ بِذَلِكَ لِدِينِهِ أَوْ لِغِنَاهُ، أَوْ عُلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ وَثِقَتِهِ بِهِ، أَوْ أَذِنَ ابْتِدَاءً فِي الْهِبَةِ لِأَخِيهِ دُونَهُ، أَوْ الْتَمَسَ هُوَ لَهُ ذَلِكَ.
أَمَّا الرُّجُوعُ عِنْدَ الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ فِي هِبَةِ الْجَمِيعِ أَوْ فِي هِبَةِ بَعْضِهِمْ فَمَكْرُوهٌ إلَّا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِدَيْنٍ أَوْ نَفَقَةِ عِيَالٍ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَإِلَّا لِمَصْلَحَةٍ كَأَنْ يَكُونُوا عَقَقَةً أَوْ يَسْتَعِينُوا بِمَا أَعْطَاهُ لَهُمْ فِي مَعْصِيَةٍ وَأَصَرُّوا عَلَيْهَا بَعْدَ إنْذَارِهِ لَهُمْ بِالرُّجُوعِ، فَلَا يُكْرَهُ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: بَلْ الْقِيَاسُ اسْتِحْبَابُ الرُّجُوعِ فِي الثَّانِيَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَبَحَثَ فِي الْعَاقِّ أَنَّ الرُّجُوعَ إنْ زَادَهُ عُقُوقًا كُرِهَ أَوْ أَزَالَ عُقُوقَهُ اُسْتُحِبَّ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا فِيهِمَا أُبِيحَ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ اسْتِحْبَابُ عَدَمِهِ وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَافَقَهُ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي مَعْصِيَةٍ، وَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ طَرِيقًا فِي كَفِّهِ أَوْ انْكِفَافِهِ عَنْهَا أَنَّهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ حِينَئِذٍ فَتَأَمَّلْهُ. تَجِدْهُ حَقًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ اهـ.
وَبَحَثَ أَيْضًا تَحْرِيمَ الْهِبَةِ لِمَنْ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَصْرِفُ ذَلِكَ فِي الْمَعَاصِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَيْهَا، وَيُسَنُّ لِلْوَلَدِ الْعَدْلُ فِي هِبَتِهِ لِوَالِدَيْهِ فَإِنْ أَرَادَ تَفْضِيلَ أَحَدِهِمَا فَالْأُمُّ أَوْلَى قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ نَحْوَ الْإِخْوَةِ لَا يَجْرِي فِيهِمْ هَذَا الْحُكْمُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيُحْتَمَلُ طَرْدُهُ لِلْإِيحَاشِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَحْذُورَ فِي الْأَوْلَادِ عَدَمُ الْبِرِّ وَهُوَ وَاجِبٌ قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ مَطْلُوبَةٌ لَكِنْ دُونَ طَلَبِهَا فِي الْأَوْلَادِ، وَاَللَّه أَعْلَم.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ: لَوْ طَلَبَ مِنْ إنْسَانٍ أَنْ يَهَبَهُ مَالًا فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ مَثَلًا فَاسْتَحَى مِنْهُمْ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ وَكَانَ يَوَدُّ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْوَةٍ فَلَا يُعْطِيهِ، فَوَهَبَ لَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ كَالْمُصَادِرِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ وَهَبَ لَهُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ أَوْ شَرِّ
стр. 929
سِعَايَتِهِ اهـ.
وَإِذَا كَانَ شَخْصٌ فِي بِلَادِنَا بِبَجِيلَةٍ حَضَرَ بَعْضَ أَسْوَاقِهِمْ وَجَلَسَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ السُّوقِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَقَالَ لَهُمْ: أَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ثُمَّ مِنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ يُعْطِنِي مُحَلِّقًا مَثَلًا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَالْفَقِيرُ مِنْكُمْ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا أَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَجَابُوهُ وَسَلَّمُوا إلَيْهِ ذَلِكَ بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَبَشَاشَةِ وَجْهٍ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ غَيْرِ إلْحَاحٍ مِنْ السَّائِلِ وَلَا تَذَلُّلٍ وَلَا إظْهَارِ فَاقَةٍ وَلَا إيذَاءٍ لِمَسْئُولٍ، فَهَلْ يَكُونُ كَمَسْأَلَةِ الْغَزَالِيِّ الْمَذْكُورَةِ أَمْ لَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا، وَلِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، وَلِكَوْنِ السَّائِلِ يَتَحَقَّقُ وَيَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي خَلْوَةٍ لَأَعْطَاهُ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَدَارَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِالْأَخْذِ أَوْ بِالسُّؤَالِ أَوْ بِالْإِعْطَاءِ، وَالْمُوَفَّقُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تِلْكَ الْمَخَايِلُ وَالْقَرَائِنُ، فَمَتَى ظَهَرَ لَهُ مِنْ حَالِ الْمُعْطِي قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى إعْطَائِهِ لَهُ مَا سَأَلَهُ فِيهِ، بَلْ وَمَا لَمْ يَسْأَلْهُ مُجَرَّدُ الْحَيَاءِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَخْذُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ مَالِكِهِ لَمْ تَسْمَحْ بِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَانْشِرَاحٍ.
وَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَيْهِ خَوْفُهُ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَمِنْ ثَمَّ أَلْحَقَ الْغَزَالِيُّ بِذَلِكَ هَدِيَّةَ الْقَادِمِ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ مِنْ حَالِهِ أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى تَفْرِقَتِهَا عَلَى أَصْدِقَائِهِ وَجِيرَانِهِ خَوْفُ أَلْسِنَتِهِمْ وَمَذَمَّتُهُمْ فَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْ قَبُولِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ لَمْ يَسْمَحْ بِهِ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا إذَا دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَى طِيبِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ بِأَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَمَارَةُ الرِّضَا بِذَلِكَ وَظَنَّ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَحَلِّ خَلْوَةٍ وَسُئِلَ أَعْطَى جَازَ قَبُولُ مَا أَعْطَاهُ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَاضٍ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ مَلَّكَ شَخْصًا عَقَارًا نَحْوَ أَرْضٍ وَقَبِلَ مِنْهُ فِي الْمَجْلِسِ وَأَذِنَ الْمَالِكُ فِي تَسْلِيمِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَاعْتَرَفَ الْمُمَلِّكُ لَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَالْجَوَازِ قَبْلَ التَّمْلِيكِ مَثَلًا فَهَلْ يَكْفِي اعْتِرَافُهُ بِذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَالَ فِي بَلْدَةٍ غَيْرِ بَلْدَةِ التَّمْلِيكِ، وَهَلْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالْحَوْزِ بَعْدَ التَّمْلِيكِ وَالْإِذْنِ وَبَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَصِلُ إلَيْهِ؟ وَهَلْ يُشْتَرَطُ وُصُولُهُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ أَوْ يَكْفِي مُضِيُّ زَمَنٍ يَصِلُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ فِي التَّسْلِيمِ كَذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ؟ وَإِذَا رَجَعَ الْمُمَلِّكُ قَبْلَ مُضِيِّ الزَّمَنِ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ وَقَبْلَ الْحَوْزِ هَلْ يَصِحُّ رُجُوعُهُ وَيَمْلِكُهُ مَالِكُهُ الْأَوَّلُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؟ أَمْ لَا؟ وَمَا صُورَةُ الْحَوْزِ؟ إذَا كَانَ أَرْضًا بَيْضَاءَ أَوْ دَارًا أَوْ نَخْلًا مَثَلًا هَلْ يَكْفِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ؟ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْأَرْضِ بِالْحَرْثِ وَالزَّرْعِ؟ وَالدَّارِ بِالسُّكْنَى وَالْإِسْكَانِ؟ وَالنَّخْلِ بِالتَّصَرُّفِ؟ وَمَا قَوْلُكُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ - أَيْضًا إذَا مَلَكَهُ وَأُخْلِيَ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ الْمُمَلِّكَ أَبَاحَهُ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ مِدَّةً قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَالْحَوْزِ، فَهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْإِبَاحَةُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالْحَوْزِ ثُمَّ الْإِبَاحَةُ؟ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا وَهَبَ الْإِنْسَانُ أَوْ رَهَنَ أَوْ بِيَعِ لَهُ مَا تَحْتَ يَدِهِ لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ إلَّا بِإِذْنِ نَحْوَ الْوَاهِبِ وَمُضِيِّ زَمَنٍ بَعْدَ الْإِذْنِ يُمْكِنُ فِيهِ السَّيْرُ إلَى ذَلِكَ وَالتَّخْلِيَةُ مِنْ مَتَاعِ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَالنَّقْلُ فِي الْمَنْقُولِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُتَّهَبِ التَّصَرُّفُ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ الْغَائِبِ عَنْ بَلَدِهِ إلَّا بَعْدَ الْإِذْنِ وَمُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَمُجَرَّدُ اعْتِرَافِهِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْإِذْنِ، وَكَذَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُصُولُ الْمُتَّهَبِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَلَا بِوَكِيلِهِ، وَأَنَّ الْقَبْضَ فِي نَحْوِ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالنَّخْلِ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّفْرِيغِ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُتَّهَبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إبَاحَةُ الْمُتَّهَبِ مَا وُهِبَ لَهُ لِلْوَاهِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ حِسًّا فِي الْحَاضِرِ وَتَقْدِيرًا فِي الْغَائِبِ كَمَا ذُكِرَ.
وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمْ لَوْ مَلَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَأَبَاحَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا فِيمَا مَلَكَ بِنَحْوِ بَيْعٍ فَكَانَتْ الْإِبَاحَةُ فِيهِ مُتَضَمَّنَةً لِلْقَبْضِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي الْمِلْكَ أَصْلًا، فَلَمْ يُمْكِنْ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِي مَمْلُوكٍ وَنَحْوِهِ وَلَا مِلْكَ هُنَا وَلَا اسْتِحْقَاقَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِوَجْهٍ، وَقَبْضُ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ فِي نَحْوِ الْهِبَةِ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الشَّرِيكِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 930
وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ مَلَّكَ شَخْصًا حِصَّةً مُشَاعَةً مِنْ دُورٍ مُشْتَرَكَةٍ مُسْتَأْجَرَةٍ مُدَّةً طَوِيلَةً وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِأَمْتِعَةِ الْمُسْتَأْجِرِينَ وَأَذِنَ لَهَا فِي تَسَلُّمِهَا مَثَلًا فَهَلْ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَيَتَوَقَّفُ الْقَبْضُ عَلَى إذْنِ الشَّرِيكِ فَإِنْ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: التَّمْلِيكُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ وَيَصِحُّ قَبْضُهُ إذَا خَلِيَتْ الدُّورُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُتَّهَبِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى إذْنِ الشَّرِيكِ نَعَمْ إنْ امْتَنَعَ ذَوُو الْأَمْتِعَةِ مِنْ نَقْلِهَا أَمَرَ الْقَاضِي مَنْ يَنْقُلُهَا حَتَّى يَصِحَّ، وَأُجْرَةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَّهَبِ هَذَا هُوَ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ سَلَّمَ لِزَوْجَتِهِ حُلِيًّا قَبْلَ وَطِئَهَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَادَّعَتْ مِلْكَهُ وَادَّعَى بَقَاءَهُ عَلَى مِلْكِهِ، وَمَا يُرْسِلُ بِهِ أَبُو الزَّوْجَةِ يَوْمَ ثَامِنِ التَّزْوِيجِ إلَى بَيْتِ بِنْتِهِ مِنْ مَطْعُومٍ وَمَلْبُوسٍ وَحَيَوَانٍ يَبْقَى وَيُتَوَلَّدُ، هَلْ تَمْلِكُهُ الْبِنْتُ أَوْ زَوْجُهَا وَمَا حُكْمُ النُّقُوطِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِنِيَّةِ الدَّافِعِ فَإِنْ نَوَى فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ دَفَعَهُ لَهَا عَمَّا لَهَا عَلَيْهِ سَقَطَ مِمَّا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ بِقَدَرِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ وَطَالَبَتْهُ بِمَا لَهَا عَلَيْهِ، إذْ لَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِبْدَالِ، وَلَمْ تُوجَدْ فَإِنْ نَوَى الْقَرْضَ مَلَكَتْهُ مِلْكَ قَرْضٍ وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِبَدَلِهِ أَوْ الْهَدِيَّةِ أَوْ الْهِبَةِ مَلَكَتْهُ بِشَرْطِ الْإِقْبَاضِ أَوْ الْإِذْنِ فِيهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُرْسِلُ بِهِ أَبُوهَا لِبَيْتِهَا، فَإِنْ نَوَاهَا أَوْ الزَّوْجَ عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا رَجَعَ إلَيْهِ.
وَالنُّقُوطُ أَفْتَى الْأَزْرَقِيُّ وَالنَّجْمُ الْبَالِسِيُّ بِأَنَّهُ قَرْضٌ فَيَرْجِعُ بِهِ دَافِعُهُ، وَخَالَفَهُمَا الْبُلْقِينِيُّ وَالْعَادَةُ الْغَالِبَةُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يُعْطِي شَيْئًا مِنْهُ إلَّا بِقَصْدِ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ مِثْلُهُ إذَا عَمِلَ نَظِيرَ ذَلِكَ الْفَرَحِ، وَقَاعِدَةُ أَنَّ الْعَادَةَ مُحْكَمَةٌ تُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا أَرْسَلَ إنْسَانٌ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنَةٍ مَالًا لِيَتَصَدَّقَ بِهِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَعَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِقَاضِيهَا مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مَثَلًا وَكَانَ مُتَوَلِّي قَضَاهَا فِي زَمَنِ الْإِرْسَالِ وَالتَّعْيِينِ شَخْصًا مَعْلُومًا وَلَمْ يَزَلْ مُتَوَلِّيًا بِهَا إلَى أَنْ وَصَلَ الْمَالُ الْمَذْكُورُ مَثَلًا وَوُضِعَ فِي حَاصِلٍ مَخْتُومٍ عَلَيْهِ بِخَتْمِ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ مَثَلًا وَاسْتَمَرَّ مُدَّةً عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ وَرَدَ إلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ عَزْلُ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ وَوِلَايَةُ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لِلْقَدْرِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ، مَعَ إمْكَانِ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الْعَزْلِ الْمَذْكُورِ، وَمَعَ اطِّرَادِ الْعَادَةِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ بِأَنَّهُ مَهْمَا عُيِّنَ لِذَوِي الْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الصَّدَقَاتِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُسْتَمِرَّةٍ وَمَرْتَبَةِ الْوَارِدَةِ إلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ يُصْرَفُ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ مُتَوَلِّيًا يُبَاشِرُ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ فِي زَمَنِ وُصُولِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ.
وَأَمَّا الْمُرَتَّبَاتُ فَكُلُّ إنْسَانٍ يَأْخُذُ مِنْهَا بِقَدْرِ زَمَنِ مُبَاشَرَتِهِ لِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ سَوَاءٌ وَصَلَتْ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ الْمُسْتَحِقُّ الْآنَ لِقَبْضِ الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ الْمَذْكُورِ الْقَاضِي الْأَوَّلُ أَمْ الْقَاضِي الثَّانِي؟ أَوْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا؟ وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي قَدْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي زَمَنٍ هُوَ قَبْلَ زَمَنِ وُصُولِ مَالِ الصَّدَقَةِ إلَى الْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ خَبَرُ وِلَايَتِهِ إلَيْهَا وَلَمْ يَبْلُغْ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ وُصُولِ الْمَالِ الْمَذْكُورِ بِمُدَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فَهَلْ وُقُوعُ ذَلِكَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَانِعٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لِلْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ الْمَذْكُورِ اعْتِبَارًا بِتَقْدِيمِ زَمَنِ وِلَايَةِ الْقَاضِي الثَّانِي فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ؟ أَوْ وُقُوعِ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِاسْتِحْقَاقِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لِذَلِكَ اعْتِبَارًا بِمُبَاشَرَتِهِ وَنُفُوذِ قَضَائِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ خَبَرَ الْعَزْلِ الْمَذْكُورِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِاسْتِحْقَاقِ الْمَعْزُولِ لِأُمُورٍ مِنْهَا فِي الْمَطْلَبِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ جَعَلَ الْوَاقِفُ التَّوْلِيَةَ لِلْأَفْضَلِ أَوْ الْأَرْشَدِ مِنْ ابْنَيْهِ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى وَاحِدٍ ثُمَّ حَدَثَ فِيهِمْ أَفْضَلُ مِنْهُ، لَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِ وَهَذَا يَشْهَدُ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَعْزُولِ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَا نَظَرُوا لِلْمُتَّصِفِ بِالْأَفْضَلِيَّةِ حَالَ جَعْلِ الْوَاقِفِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى صَيْرُورَتِهِ مَفْضُولًا، كَذَلِكَ يُنْظَرُ حَالَ قَوْلِ الْمُتَصَدِّقِ لِلْمُتَّصِفِ بِالْقَضَاءِ.
وَإِنْ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: لَوْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَدْخُلْ مَنْ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ كَالْمُسْتَوْلَدَةِ وَالْمُدَبَّرِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْمَوَالِي حَالَ الْوَصِيَّةِ، فَكَذَا يُعَلَّلُ بِنَظِيرِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَيُقَالُ: الثَّانِي لَيْسَ بِقَاضٍ حَالَ قَوْلِ الْمُتَصَدِّقِ فَإِنْ
стр. 931
قُلْت: صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ دَخَلَ فِيهِمْ مَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ وَنَحْوِهِمْ وَقْفٌ عَلَى جِهَةٍ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيهَا لِلْأَفْرَادِ، فَدَخَلَ غَيْرُ الْمَوْجُودِ تَبَعًا لَهُ وَهُنَا النَّظَرُ إلَى صِدْقِ هَذَا اللَّفْظِ حَالَ الْوَقْفِيَّةِ، فَمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ وَمَنْ لَا فَلَا.
وَسَيَأْتِي مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْمَوْلَى مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ وَلَفْظَ الْأَوْلَادِ مِنْ بَابِ الْمُتَوَاطِئِ وَمَسْأَلَتُنَا كَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ لَا الْمُتَوَاطِئِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ كُلًّا لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِالْقَبُولِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ اضْطِرَابٍ طَوِيلٍ إنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا لَا جِهَةً، وَكَمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْقَبْضِ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ مُتَوَقِّفَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى الْقَبُولِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِوُجُودِهِ حَالَ الْمَوْتِ، بَلْ نَظَرُوا لِوُجُودِهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ فَكَذَا يُنْظَرُ هُنَا لِلْوَصْفِ حَالَ قَوْلِهِ أَعْطُوا.
فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إنْ لَوْ كَانَ الْمَوْلَى حَالَ الْوَصِيَّةِ يَدْخُلُ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَوْلًى حَالَ الْمَوْتِ كَانَ كَافِرًا فَحَارَبَ وَاسْتُرِقَّ قُلْت: ذَاكَ مُتَعَدٍّ فَلَا يُنَاسِبُهُ الْإِعْطَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْوَصْفَ الْمُقْتَضِيَ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، ثُمَّ رَأَيْت الْمُحَقِّقَ أَبَا زُرْعَةَ قَالَ فِي بَابِ الْهِبَةِ مَعَ بَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ: وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ تَمْلِيكًا مُنَجَّزًا وَالْآخَرُ مُعَلَّقًا عَلَى الْمَوْتِ، لَكِنْ جَمَعَهُمَا الْمَوْتُ وَالشَّيْخَ الْإِمَامَ أَبَا حَسَنٍ السُّبْكِيّ أَشَارَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَأَقَرَّهُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي قَبُولِ الْوَقْفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَبُولِ الصَّدَقَةِ النَّاجِزَةِ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ بَابَ الْوَصِيَّة وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُدَّعَى وَمِمَّا قَدْ يَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْبَغَوِيِّ لَوْ أَوْصَى لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ صُرِفَ إلَى مَنْ دَخَلَ فِي طَلَبِهِ يَوْمئِذٍ اهـ. فَاعْتُبِرَ يَوْمُ الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمَوْتِ بِشَرْطِ الْقَبُولِ، وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ دَلَالَةً قَوِيَّة قَوْلُهُمْ لَوْ مَاتَ الْمُجَاهِدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَقَبْلَ حِيَازَة الْمَالِ أُسْهِمَ لَهُ، وَثَبَتَ لِلْوَرَثَةِ حَقُّ الْمِلْك أَوْ التَّمْلِيكِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ نِزَاعٍ مَعَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ إنَّمَا تُمَلَّكُ بِالْحِيَازَةِ أَوْ اخْتِيَارِ التَّمْلِيكَ، فَنَظَرُوا لِجَرَيَانِ سَبَبِ الْمِلْك فِي حَيَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجِدْ الْمِلْكُ نَفْسُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِمَوْتِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمِلْكِ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا جَرَى سَبَبُ الْمِلْكِ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ فَلْيَسْتَحِقَّ إذْ طُرُوُّ عَزْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَطُرُوِّ مَوْتِ الْمُجَاهِدِ.
فَإِنْ قُلْت: أَيُّ جَامِعٍ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ؟ قُلْت: الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الِاتِّصَافِ بِكُلٍّ مِنْ الصِّفَتَيْنِ أَعْنِي الْقَضَاءَ وَحُضُورَ الْوَقْعَةِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ مُقْتَضٍ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَقَدْ أَعْطَوْا الْمُتَّصِفَ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ مَعَ زَوَالِ أَهْلِيَّتِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ يُعْطَى هُنَا الْمُتَّصِفُ بِالْقَضَاءِ مَعَ زَوَالِ صِفَتِهِ وَبَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ بِالْمُسَاوَاةِ، بَلْ بِالْأَوْلَى وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: لَوْ أَوْصَى لِحُرٍّ فَرُقَّ لَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ لِسَيِّدِهِ بِحَالٍ، بَلْ مَتَى عَتَقَ فَهِيَ لَهُ فَإِنْ مَاتَ رَقِيقًا بَعْدَ مَوْتِ الْوَصِيِّ كَانَ الْمُوصَى بِهِ فِي أَعْلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرُوهُ فِي مَالِ مَنْ اُسْتُرِقَّ بَعْدَ نَقْضِ أَمَانِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبْطِلُوا الْوَصِيَّةَ لَهُ بِطُرُقِ رِقِّهِ، بَلْ نَظَرُوا لِاتِّصَافِهِ بِالْحُرِّيَّةِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْقَاقِهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى أَنَّ طُرُوَّ الْوَصْفِ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ وَهُوَ الرِّقُّ، بَلْ أَوْقَفُوا الْأَمْرَ إلَى تَأَهُّلِهِ لِلْإِعْطَاءِ، فَإِنْ تَأَهَّلَ لَهُ بِأَنْ عَتَقَ أُعْطِيَ وَإِلَّا كَانَ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إعْطَاؤُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ لِاتِّصَافِهِ بِالرِّقِّ الْمَانِع مِنْ ذَلِكَ إلَى الْمَوْتِ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْوَصْفُ وَإِنْ زَالَ الْمَوْصُوفُ بِهِ مُتَأَهِّلٌ لِلْإِعْطَاءِ فَلْيُعْطَ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرُوهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ بِطُرُوِّ الرِّقِّ كَذَلِكَ لَا يَبْطُلُ هُنَا الِاسْتِحْقَاقُ بِطُرُوِّ الْعَزْلِ وَعَدَمِ إعْطَاءِ الْمُوصَى لَهُ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ خَلَّى عَنْهُ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَتِنَا، وَلِبَاحِثٍ أَنْ يَبْحَثَ وَيَأْخُذَ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ أَنَّ الْمَالَ الْمُعَيَّنَ هُنَا لِلْقَاضِي يُوقَفُ فَإِنْ اتَّصَفَ الْمَعْزُولُ بِالصِّفَةِ بِأَنْ وُلِّيَ أَخَذَهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ اتِّصَافِهِ بِهَا كَانَ فَيْئًا وَيُجَابُ: بِأَنَّ سَبَبَ الْوَقْفِ ثَمَّ قِيَامُ مَانِعٍ بِالْمُوصَى إلَيْهِ لَا يُمْكِنُ الْإِعْطَاءُ مَعَهُ.
وَهُنَا لَا مَانِعَ فَيُمْكِنُ الْإِعْطَاءُ وَإِنَّمَا كَانَ فَيْئًا ثَمَّ لِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ مَاتَ لَا عَنْ وَارِثٍ وَلَهُ مَالٌ اسْتَحَقَّهُ قَبْلَ الرِّقِّ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا إفْتَاءُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَنَقَلُوهُ عَنْهُ وَأَقَرُّوهُ فِي مَوْقُوفٍ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُقِيمِينَ بِدِمَشْقَ مِنْ أَهْلِهَا وَالْوَارِدِينَ مِنْ الشَّامِ إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَتَأَخُّرٌ مِنْهُ حَاصِلٌ وَتَأَخَّرَتْ قِسْمَتُهُ
стр. 932
حَتَّى وَرَدَ وَارِدٌ مِنْ الْمَوْصُوفِينَ، فَهَلْ يُقَاسِمُهُمْ؟
(فَأَجَابَ) : لَا يُسَاهِمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الرَّيْعَ قَبْلَ وُرُودِهِ، فَهَذِهِ نَظِيرُ مَسْأَلَتنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْوَصْفُ الْحَادِثُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْقِسْمَةِ وَكَذَلِكَ الْوَصْفُ فِي مَسْأَلَتِنَا حَادِثٌ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْقِسْمَةِ فَإِنْ قُلْت: يُنَاقِضُ ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ دَخَلَ فِيهِ مَا يَتَجَدَّدُ قُلْت: ذَاكَ إنَّمَا دَخَلَ تَبَعًا لَا مَقْصُودًا، فَلَا تَنَاقُضَ لِاغْتِفَارِهِمْ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ دُخُولَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَبَعًا كَمَا يُعْرَفُ بِتَصَفُّحِ كَلَامِهِمْ فِيهَا وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا مَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ مِنْ أَنَّ لَفْظَ التَّصَدُّقِ صَرِيحٌ فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقَبَةِ فِي الْحَالِ إلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اعْتِبَارُ الصِّفَةِ حَالَ اللَّفْظِ بِالتَّصْدِيقِ وَعَدَمُ النَّظَرِ إلَى حَالِ الصِّفَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ.
بَعْدُ وَعِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ: الصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مَدَارُ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَهُ الْأَثْبَاتُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ. وَاعْتَمَدَهُ
الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ أَنَّ الْقَبْضَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِلُّزُومِ أَيْ لَا لِلْمِلْكِ أَوْ شُبْهَةِ الْمِلْكِ، وَفَرَّعَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِهِ قَالَا: لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ كَالْبَيْعِ الْجَائِزِ أَيْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَأَفْهَمَ صَرِيحُ هَذَا أَنَّ الْمِلْكَ النَّاقِصَ أَوْ شُبْهَةَ الْمِلْكِ تَحْصُلُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَأَصْلِهِ وَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مِنْ حُصُولِ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ قُلْت: صَرَّحَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِأَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ صَدَقَةً مَعَ رَسُولِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَاسْتَرَدَّهَا مِنْ الطَّرِيقِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا كَانَتْ تَرِكَةً، وَهَذَا يَقْتَضِي خِلَافَ مَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ غَيْرِهِمَا قُلْت: لَا يُنَاقِضُهُ وَلَا يُخَالِفُهُ لِأَنَّا إنَّمَا أَثْبَتْنَا لَهُ شُبْهَةَ مِلْكٍ أَوْ مِلْكًا غَيْرَ تَامٍّ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ أَثْبَتِنَا لَهُ مِلْكًا تَامًّا، وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ رَسُولَ الْمُهْدِي لَوْ أَوْجَبَ فَقَبِلَ الْمَهْدِيُّ إلَيْهِ مَلَكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ.
وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَمْلِكَ الْهَدِيَّةَ وَكَّلَ الرَّسُولَ الْحَامِلَ لَهَا حَتَّى يُوجِبَ وَيَقْبَلَ الْمُهْدَى إلَيْهِ فَيَمْلِكَ بِذَلِكَ. اهـ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ وَلَوْ بِغَيْرِ قَبْضٍ مِلْكًا تَامًّا، وَمُنَازَعَةُ ابْنِ الصَّبَّاغِ لِلشَّيْخِ إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِ كَلَامِهِ وَكَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُعْمَلُ بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْإِمَامِ فِي النِّهَايَةِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْبَسِيطِ وَالْقُشَيْرِيِّ فِي الْمُوَضِّحِ الْعَادَةُ تُفَسِّرُ اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ فِي الْعُقُودِ اتِّفَاقًا، فَانْظُرْ لِحِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَالصَّدَقَةُ مِنْ الْعُقُودِ جَزْمًا، وَقَوْلُهُ أَعْطَوْا الْقَاضِي الشَّافِعِيَّ كَذَا مُجْمَلٌ أَيُّ مُجْمَلٍ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُجْمَلَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ جَلِيٌّ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ النَّذْرِ: لَوْ نُذِرَ لِلْقَبْرِ الَّذِي بِجُرْجَانَ تَعَيَّنَ صَرْفُ ذَلِكَ إلَى الْجَمَاعَةِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ مَا يَجْتَمِعُ يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، فَكَمَا تَعَيَّنَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ النَّاذِرَ لَمْ يَذْكُرْهُمْ، فَأَوْلَى فِي مَسْأَلَتِنَا، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنَّ الْعُرْفَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ يَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ لَهُ فِي وَقْفِهِ صَرِيحًا حِينَئِذٍ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا قَوْلُ الْقَمُولِيِّ: الْعُرْفُ الْخَاصُّ يُؤَثِّرُ كَالْعُرْفِ الْعَامِّ.
وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: مَتَى وُجِدَ اصْطِلَاحٌ سَابِقٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ، وَقَاعِدَةُ الْأَصْحَابِ فِي الْوَكَالَةِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ: أَنَّ الْقَرِينَةَ قَدْ تَقْوَى فَيُتْرَكُ لَهَا إطْلَاقُ اللَّفْظِ، وَقَدْ يَتَعَادَلُ اللَّفْظُ وَالْقَرِينَةُ فَتَارَةً يَغْلِبُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَتَارَةً يَغْلِبُ مُقْتَضَى الْقَرِينَةِ، وَقَدْ أَوْضَحُوهُ بِصُوَرٍ فِي الْوَكَالَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَعْزُولِ وَالْمُتَوَلِّي لِقَوْلِهِمْ: لَوْ انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ وَلَمْ تُعْرَفْ مَقَادِيرُ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ كَيْفِيَّةُ التَّرْتِيبِ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَيُجَابُ: بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كَمَا قَيَّدَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ عَنْ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَنْ لَا تَكُونَ الْعَادَةُ قَاضِيَةً فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ وَإِلَّا وَجَبَ عَمَلًا بِالْعَادَةِ وَبِأَنْ لَا يُوجَدَ اصْطِلَاحٌ سَابِقٌ، فَمَتَى وُجِدَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ بِالِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ النَّقِيبِ: لَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَأَطْلَقَ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا وَاحِدٌ وَحَمَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ الْآخَرُ دَخَلَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْإِخْوَةِ
стр. 933
فَحَدَثَ أَخٌ وَيُرَدُّ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ النَّقِيبِ ضَعِيفٌ وَلَا شَاهِدَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ عَلَى الْإِخْوَةِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَتِهِمْ وَمَسْأَلَةِ الْمَوَالِي؛ وَهُوَ أَنَّ إطْلَاقَ الْمَوَالِي عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، وَقَدْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَةِ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ وَهِيَ الِانْحِصَارُ فِي الْوُجُودِ فَصَارَ الْمَعْنَى الْآخَرُ غَيْرَ مُرَادٍ.
وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا أَوْ عُمُومًا عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى الْإِخْوَةِ، فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ وَاحِدَةٌ، وَإِطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْمُتَوَاطِئِ فَمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ اسْتَحَقَّ مِنْ الْوَقْفِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِالْمَوْجُودِينَ حَالَّةَ الْوَقْفِ فَيُتْبَعَ تَقْيِيدُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُوقَفُ إلَى مُرَاجَعَةِ الْمُتَصَدِّقِ وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ غَنِيَّةٌ عَنْ الْبَيَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِاسْتِحْقَاقِ الْمُتَوَلِّي وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ؛ قَوْلُهُمْ: لَوْ أَوْصَى لَعَبْدٍ وَهُوَ مِلْكُ زَيْدٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي وَقَبِلَ الْعَبْدُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَبَنَاهُ هُنَا أَعْنِي فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُمَلِّكْ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَوْتَ فِي الْوَصِيَّةِ كَقَوْلِ الْمُتَصَدِّقِ: أَعْطُوا فُلَانًا كَذَا بِجَامِعِ أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ فِي الْوَصِيَّةِ هُوَ الْمَوْتُ بِشَرْطِ الْقَبُولِ، وَسَبَبَهُ هُنَا قَوْلُ الْمُتَصَدِّقِ: أَعْطُوا بِشَرْطِ الْقَبْضِ، وَالْمَوْتُ هُنَا هُوَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ إنَّمَا وَقَعَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَحَقَّ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ السَّبَبَ الْأَوَّلَ هُوَ قَوْلُ الْمُتَصَدِّقِ وَقَعَ فِي زَمَنِ وِلَايَةِ الْمَعْزُولِ.
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِاسْتِحْقَاقِ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا مَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِيمَا لَوْ شُرِطَ النَّظَرُ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ بِبَلَدِ كَذَا فَنَصَّبَ الْقَاضِي وَاحِدًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ انْعَزَلَ، مِنْ أَنَّ الْمَنْصُوبَ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي الَّذِي نَصَّبَهُ وَانْعِزَالِهِ وَيَعُودُ النَّظَرُ فِيهِ إلَى الْقَاضِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ آلَ إلَيْهِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ النَّائِبَ إنَّمَا انْعَزَلَ هُنَا لِانْعِزَالِ مَنْ نَابَ عَنْهُ فَهُوَ فَرْعٌ، وَالْفَرْعُ لَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ بَعْد زَوَال الْأَصْل وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا.
وَمِمَّا يَشْهَد لِاسْتِحْقَاقِهِ أَيْضًا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرهمَا: لَوْ قَالَ لَا أَرَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَتْهُ إلَى الْقَاضِي وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا بِلَفْظِهِ وَلَا نِيَّتِهِ اخْتَصَّ بِقَاضِي الْبَلَد حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُود، وَهَلْ يَتَعَيَّن قَاضِي الْبَلَد فِي الْحَال لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ؟ أَمْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَنْ يُنَصَّبُ بَعْدَهُ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَة وَالثَّانِي قَالَ الرَّافِعِيُّ: حَمْلًا لِلْأَلِفِ وَاللَّام عَلَى تَعْرِيفِ الْجِنْس أَيْ: جِنْسِ قَاضِي الْبَلَد، فَلَوْ عَزَلَ الْأَوَّلَ وَوَلَّى غَيْرَهُ بَرَّ بِالرَّفْعِ إلَى الْمُتَوَلِّي دُونَ الْمَعْزُولِ، وَهَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ، بَلْ صَرِيحَةٌ عَلَى اسْتِحْقَاق الْمُتَوَلِّي فِي مَسْأَلَتنَا دُونَ الْمَعْزُول، وَقَدْ يُمْكِن تَمَحُّلُ فَرْقٍ لَا يَسْلَم مِنْ نِزَاعٍ، فَيَنْبَغِي إمْعَانُ النَّظَر فِي كُلِّ ذَلِكَ سِيَّمَا هَذَا الْآخَرُ، فَإِنَّهُ قَدْ يُدَّعَى أَنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ، فَحِينَئِذٍ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال: إنْ اطَّرَدَتْ عَادَةٌ وَكَانَ الْمُتَصَدِّق مِنْ أَهْلِهَا وَلَمْ يُمْكِنْ مُرَاجَعَةُ الْمُتَصَدِّقِ، أَوْ رُوجِعَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ عَمِلَ بِهَا، وَإِلَّا اسْتَحَقَّهُ الْمُتَوَلِّي عَمَلًا بِهَذَا الْفَرْع الْأَخِيرِ لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِ بَلْ صَرَاحَتِهَا فِي ذَلِكَ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ عَيْنًا فَمَرِضَ الْوَلَدُ فَهَلْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ لَهُ الرُّجُوعُ خِلَافًا لِمَنْ أَفْتَى بِعَدَمِهِ لِثُبُوتِهِ لَهُ مَا بَقِيَ الْمَوْهُوبُ فِي وِلَايَةِ الْمُتَّهَبِ، وَلَا نَظَرَ لِمَا يُتَخَيَّلُ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِهِ بِالْمَرَضِ، وَفَارَقَ تَعَلُّقَ الْغُرَمَاءِ بِهِ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ بِعَدَمِ مُزَاحَمَةِ أَحَدٍ لِلْأَبِ الْآنَ؛ إذْ الْوَرَثَةُ لَا حَقَّ لَهُمْ إلَّا بِالْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْغُرَمَاءِ فَإِنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِهِ بِمُجَرَّدِ الْحَجْرِ.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ اخْتَلَفَ مَنْ بِيَدِهِ عَيْنٌ هُوَ وَوَاهِبُهَا لَهُ أَوْ وَارِثُهُ فِي الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ أَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا الرُّجُوعَ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ أَوْ وَارِثُهُ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ، وَكَذَا إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الرُّجُوعَ عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِ الْمُتَّهَبِ فَإِنَّهُ الْمُصَدَّقُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَبَضَ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَوَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ صُدِّقَ الْمُتَّهَبُ أَيْضًا، كَمَا فِي اخْتِلَافِ الْمُرْتَهِنِ وَالرَّاهِنِ، لَكِنَّ لَهُمَا تَحْلِيفَهُ.
(سُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ لِزَوْجَتِهِ مَبْلَغًا وَقَالَ: اشْتَرِ بِهِ جَارِيَةً لِلْخِدْمَةِ، فَزَادَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْمَبْلَغِ مِنْ عِنْدِهَا وَاشْتَرَتْ الْجَارِيَةَ لِنَفْسِهَا، ثُمَّ أَنَّ الزَّوْجَ وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَحَمَلَتْ، فَأَتَى وَمَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ إلَى شَخْصٍ يَسْأَلُهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَرَفَ فِي سُؤَالِهِ: بِأَنَّ الْجَارِيَةَ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ
стр. 934
اشْتَرَتْهَا لِنَفْسِهَا، وَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِمُقْتَضَى الْمَبْلَغِ الَّذِي أَعْطَاهُ لِزَوْجَتِهِ وَدَفَعَتْهُ فِي قِيمَةِ الْجَارِيَةِ، فَهَلْ هَذِهِ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ وَتُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْحُرِّيَّةَ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً لِغَيْرِهِ عَلَى فِرَاشِهِ ظَنَّهَا أَمَتَهُ؟ أَوْ تَكُونُ شُبْهَةً تُثْبِتُ مَا عَدَا الْحُرِّيَّةِ كَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً لِشَخْصٍ وَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ وَحَلَفَ؟ أَوْ لَا تَكُونُ شُبْهَةً كَمَا لَوْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ وَظَنَّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِسَبَبِ الرَّهْنِ وَكَانَ نَاشِئًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا، وَعَنْ قَوْلِهِمْ: ادِّعَاءُ الْمِلْكِ شُبْهَةً.
وَكَذَا ظَنُّهُ هَلْ ذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ؟ حَتَّى إذَا بَيَّنَ سَبَبًا لَا يَقْتَضِي الْمِلْكَ يُقْبَلُ مِنْهُ كَأَنْ ادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ ارْتِهَانُهُ لَهَا، أَوْ إبَاحَةُ مَالِكِهَا لَهُ، أَوْ قَرْضُهُ أَوْ هِبَتُهُ لِمَالِكِهَا ثَمَنَهَا حِينَ اشْتَرَاهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَطْلَقَ أَوْ بَيَّنَ سَبَبًا يَقْتَضِي الْمِلْكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا قَوْلُهُ لَهَا مَا ذُكِرَ فَمُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ اشْتَرِ جَارِيَةً لِخِدْمَتِك اللَّازِمَةِ لِي فَتَكُونُ حِينَئِذٍ وَكِيلَةً عَنْهُ فِي شِرَائِهِ وَمَا زَادَتْهُ قَرْضٌ تَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ اشْتَرِ بِهِ جَارِيَةً لِخِدْمَتِك لِأَنِّي وَهَبْتُهُ لَك وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ مِلْكًا لَهَا وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: الْجَارِيَةُ مِلْكٌ لَهَا اشْتَرَتْهَا لِنَفْسِهَا مُؤَيِّدٌ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْوَطْءِ، وَلَا تَصْرِيحَ فِي كَلَامِهِ بِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حِينَ الْوَطْءِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّل أَوْ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهَا اشْتَرَتْهَا لَهُ وَلَهَا فَوَطِئَهَا بِظَنِّ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا إنَّمَا اشْتَرَتْهَا كُلَّهَا لِنَفْسِهَا فَاعْتَرَفَ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لَهَا فَيَجِبُ اسْتِفْسَارُهُ، فَإِنْ أَرَادَ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا اشْتَرَتْهَا لَهُ وَلَهَا فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ مَا ذَكَرَهُ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُنَافِيه إلَّا لَوْ كَانَ أَقَرَّ بِمَا ذُكِرَ قَبْلَ الْوَطْءِ، وَإِنْ أَرَادَ الِاحْتِمَالَ الثَّانِي حُدَّ وَكَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا، وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى نَظِيرُ مَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَيْسَ نَظِيرَ مَنْ وَطِئَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ وَحَلَفَ، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَزْعُمُ الْمِلْكَ، فَأَسْقَطْنَا عَنْهُ الْحَدَّ لِاحْتِمَالِ مَا ادَّعَاهُ، وَلَمْ نُثْبِتْ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ لِثُبُوتِ مِلْكِهَا لِلْحَالِفِ وَالْوَلَدُ جُزْءٌ مِنْهَا، فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ رِقُّهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْغَيْر.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الدَّرْءِ مَا أَمْكَنَ النَّظَرُ بِالنِّسْبَةِ لِفَوَاتِ الْمَالِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ مَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا فِي تِلْكَ فَهُوَ يَزْعُمُ الْمِلْكَ لَهَا فَلَمْ يُفِدْهُ ظَنُّهُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ شَيْئًا، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِي هَذِهِ قَوْلُهُمْ: ادِّعَاءُ الْمِلْكِ شُبْهَةً لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شُبْهَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ فَقَطْ، لَا لِإِثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ أَيْضًا لِوُجُودِ مُعَارِضِهَا مِنْ حَلِفِ الْمَالِكِ، بِخِلَافِ ظَنِّ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ شُبْهَةٌ فِي الْأَمْرَيْنِ، أَمَّا الْحَدُّ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مُعَارِضٌ لِظَنِّهِ مَعَ عُذْرِهِ فِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَقْتَضِيه إطْلَاقُهُمْ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى الْمِلْكَ أَوْ ظَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْسِرْ لَكِنَّهُ إذَا تَبَرَّعَ بِتَفْسِيرٍ نُظِرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ الْعَامَّةُ مِنْهُ إبَاحَةَ الْوَطْءِ كَانَ شُبْهَةً وَإِلَّا فَلَا.
(سُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ -: عَمَّا لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالتَّسَامُحِ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الْبُقُولَاتِ أَوَّلَ وَقْتِ النَّبَاتِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ يُؤْكَلُ مَثَلًا هَلْ هُوَ حَلَالٌ طَيِّبٌ أَمْ لَا؟ وَقَدْ يَأْخُذُ ذَلِكَ الصَّبِيُّ وَيَأْتِي بِهِ إلَى أَهْلِ الثَّرْوَةِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِإِعْطَائِهِ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ لَهُمْ وَيَأْكُلُ ذَلِكَ الْوَرِعُ وَغَيْرُهُ وَفِي نَفْسِ الْفَقِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حَيْثُ اطَّرَدَتْ عَادَةُ أَهْلِ نَاحِيَةٍ بِالْمُسَامَحَةِ فِي الْبُقُولَاتِ بِحَيْثُ يَجْزِمُ الْآخِذُ بِأَنَّ مَالِكَ الْمَأْخُوذِ لَا يَتَأَثَّرُ فِيهِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ جَازَ الْأَخْذُ، نَظِيرَ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي أَخْذِ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ، وَمَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ تَصَرَّفَ فِيهِ بِالْأَكْلِ لَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إلَّا إنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِرِضَا الْمُلَّاكِ بِتَصَرُّفِهِ فِيهِ بِمَا شَاءَ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ لِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ الْغَيْرِ الْأَكْلُ مِنْهُ، نَعَمْ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إنَّمَا سَمَحَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يُعْطِيه لَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، حَتَّى يُعْطِيَهُ الْمُقَابِلَ أَوْ يَعْزِمَ عَلَى ذَلِكَ، وَحَيْثُ جَزَمَ بِالرِّضَا وَبِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ تَرْكُ الْأَكْلِ وَرَعًا وَإِلَّا كَانَ تَرْكُهُ مِنْ الْوَرَعِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْلِ الْإِرْشَادِ فِي بَابِ الْهِبَةِ إلَّا إنْ تَفَرَّخَ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْفَلَسِ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ بَيْضًا فَتَفَرَّخَ لَا يَمْنَعُ رُجُوعَ الْبَائِعِ فَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (فَأَجَابَ)
стр. 935
بِقَوْلِهِ: أَمَّا هَذَا السُّؤَالُ فَجَوَابُهُ: أَنِّي فَرَّقْت بَيْنَهُمَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ حَيْثُ قُلْت فِي بَابِ الْهِبَةِ: إلَّا إنْ اُسْتُهْلِكَ كَأَنْ تَفَرَّخَ الْبَيْضُ أَوْ نَبَتَ الْحَبُّ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ صَارَ مُسْتَهْلَكًا، قَالَ الشَّيْخَانِ عَنْ الْبَغَوِيِّ: هَذَا إذَا ضَمِنَّا الْغَاصِبَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَقَدْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَيَرْجِعُ، وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ، الرُّجُوعِ وَبِهِ جَزَمَ الْبُلْقِينِيُّ وَاخْتَارَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي الْمُفْلِسِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ: بِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الْبَائِعِ ثَمَّ آكَدُ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْأَصْلِ هُنَا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ فُرُوعِ الْبَابَيْنِ وَفَارَقَ مَا هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْغَاصِب بِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يُفِيدُهُ هَذَا التَّغَيُّرُ حُدُوثَ مِلْكٍ، بِخِلَافِ الْفَرْعِ فَإِنَّ مِلْكَهُ صَحِيحٌ، وَمَا حَصَلَ مِنْ التَّغَيُّرِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْمَوْهُوبِ عَلَى حَالِهِ، فَامْتَنَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ رُجُوعُ الْأَصْلِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَرْسَلَ شَيْئًا لِفَقِيرٍ فَهَلْ لِآخَرَ مِثْلِهِ فِي الْفَقْرِ أَخْذُهُ مِنْ الرَّسُولِ قَهْرًا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا فَمَا الْمُرَادُ مِمَّا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ صَدَقَةً فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ وَهَلْ فِي قَوْلِهِ ﷺ حِينَ تَخَاصَمَا: لَك مَا نَوَيْت وَلَك مَا أَخَذْت مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لِآخَرَ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْفَقْرِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الرَّسُولِ قَهْرًا وَلَا اخْتِيَارًا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ صَدَقَةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، لِمَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الْمُرْسَلَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مُرْسِلِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ، وَمَا دَامَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مُرْسِلِهِ، وَقَدْ عَيَّنَهُ لِإِنْسَانٍ، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورُ فَيُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ تَرْجَمَتِهِ وَسِيَاقِهِ وَهُمَا بَابُ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا إسْرَائِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَّةِ: إنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ قَالَ: «بَايَعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي وَخَطَبَ أَيْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ أَيْ: خَطَبَ لِي امْرَأَةً مِنْ وَلِيِّهَا فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْت إلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْت فَأَخَذْتهَا فَأَتَيْته بِهَا فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا إيَّاكَ أَرَدْت فَخَاصَمْته إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَك مَا نَوَيْت يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْت يَا مَعْنُ» اهـ. فَتَأَمَّلْ التَّرْجَمَةَ تَعْلَمْ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ حَذْفًا لَا بُدَّ مِنْهُ تَقْدِيرُهُ فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مُحْتَاجٍ إلَيْهَا إذْنًا مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا مِنْ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا بِإِذْنِهِ، لَا بِطَرِيقِ الِاعْتِدَاءِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ عَنْ أَبِي جُوَيْرِيَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قُلْت: وَمَا كَانَتْ خُصُومَتك؟ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَغْشَى الْمَسْجِدَ فَيَتَصَدَّقَ عَلَى رِجَالٍ يَعْرِفُهُمْ فَظَنَّ أَنِّي بَعْضُ مَنْ يَعْرِفُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَضَمِيرُ أَتَيْته لِأَبِيهِ، وَقَوْلُهُ لَهُ مَا إيَّاكَ أَرَدْت مَعْنَاهُ لَوْ أَرَدْت أَنَّك تَأْخُذَهَا لَنَاوَلْتُهَا لَك وَلَمْ أُوَكِّلْ فِيهَا، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ لَا تُجْزِي، أَوْ أَنَّهَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى الْوَلَدِ، وَمَعْنَى لَك مَا نَوَيْت أَنَّك نَوَيْت أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا، وَابْنُك مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فَوَقَعَتْ الْمَوْقِعَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِك أَنَّهُ يَأْخُذُهَا أَوْ أَنَّ أَخْذَهُ لَهَا لَا يَقَعُ الْمَوْقِعَ.
وَمَعْنَى: وَلَك مَا أَخَذْت يَا مَعْنُ أَيْ لِأَنَّك مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فَوَقَعَ أَخْذُك لَهَا الْمَوْقِعَ، وَإِنْ خَالَفَ ظَنَّ أَبِيك، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ لَهُ مَا إيَّاكَ أَرَدْتُ أَنِّي أَخْرَجْتُك بِنِيَّتِي، وَإِنَّمَا أَطْلَقْتُ لِوَكِيلِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَنْ تُجْزِي مِنِّي الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَخْطِرْ أَنْتَ يَا مَعْنُ بِبَالِي، فَأَمْضَى النَّبِيُّ ﷺ الْإِطْلَاقَ لِأَنَّهُ فَوَّضَ لِلْوَكِيلِ بِلَفْظٍ مُطْلَقٍ فَنَفَّذَ فِعْلَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالْمُطْلَقَاتِ عَلَى إطْلَاقِهَا، وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الْمُطْلِقَ لَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ فَرْدٌ مِنْ الْأَفْرَادِ لَقَيَّدَ اللَّفْظَ بِهِ.
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الصَّدَقَةِ إلَى كُلِّ أَصْلٍ وَفَرْعٍ وَإِنْ لَزِمَتْهُ، نَفَقَتُهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا لَا يَلْزَمُ أَبَاهُ يَزِيدَ نَفَقَتُهُ اهـ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ وَاقِعَةَ الْحَالِ الْقَوْلِيَّةَ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ أَفَادَهَا الْعُمُومُ بِخِلَافِ وَاقِعَةِ الْحَالِ الْفِعْلِيَّةِ، فَإِنْ تَطَرَّقَ الِاحْتِمَالُ إلَيْهَا يُسْقِطُهَا، وَهَذَا هُوَ
стр. 936
مَحْمَلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرَّةً: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ أَكْسَبَهَا الْعُمُومَ فِي الْمَقَالِ، فَهَذَا فِي الْوَاقِعَةِ الْقَوْلِيَّةِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ﵁ بِقَوْلِهِ فِي الْمَقَالِ، وَقَوْلِهِ مَرَّةً أُخْرَى: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ، وَأُسْقِطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال، فَهَذَا فِي الْوَاقِعَةِ الْفِعْلِيَّةِ، كَوَضْعِ يَدِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى قَدَمِهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَمَّا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّا لَا نَمْنَعُ دَفْعَ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ إلَى الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ إلَّا إنْ كَانَ مَكْفِيًّا بِنَفَقَةِ قَرِيبِهِ الدَّافِعِ، لِأَنَّ دَفْعَهَا لَهُ حِينَئِذٍ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الدَّافِعِ عَلَى أَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ غَنِيٌّ بِإِنْفَاقِ قَرِيبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَكْفِيًّا بِنَفَقَةِ الدَّافِعِ كَأَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ حِينَئِذٍ الدَّفْعُ إلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ الْعُمُومِ الدَّالِ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مَعْنًى خَصَّصَهُ بِغَيْرِ مَكْفِيٍّ بِنَفَقَةِ قَرِيبِهِ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَيْضًا: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَبَ لَا رُجُوعَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهِمَا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ لَوْ قَالَ يَزِيدُ أَبُو مَعْنٍ رَجَعْت، أَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ وَلَمْ يُمَكِّنْهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنًا ظَنَّ أَنَّ أَخْذَ وَلَدِهِ لَا يُجْزِيهِ فَبَيَّنَ لَهُ ﷺ : أَنَّهُ يُجْزِيهِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُلْهِمَنَا الْحَقَّ وَيُيَسِّرَ لَنَا اتِّبَاعَهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ مِنْ مُسْتَأْجِرِ الْأَرْضِ وَقْتَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ الْأُجْرَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ لَا؟ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ الْمُسْتَأْجِرِ حَرْبِيًّا أَوْ لَا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْكَفَرَةِ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ احْتِرَامًا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ اُعْتِيدَ الْإِهْدَاءُ إلَى الْمُؤَجِّرِ فَأَهْدَى الْمُسْتَأْجِرُ إلَيْهِ شَيْئًا بِطِيبِ نَفْسٍ لَا لِحَيَاءِ وَلَا لِظَنِّ كَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَحْضِ التَّبَرُّعِ وَإِيثَارِ فِعْلِ الْجَمِيلِ، جَازَ لَلْمُؤَجِّرِ الْقَبُولُ حِينَئِذٍ، وَمَتَى فُقِدَ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْته لَمْ يَحِلَّ الْقَبُولُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ عَطَايَا الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ ظُلْمًا وَالْغَالِبُ عَلَى مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ الْحَرَامُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا اقْتَرَضُوهَا، أَوْ اشْتَرَوْا شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ وَاسْتَأْذَنُوا بِقَبْضِهِ، فَإِذَا أَعْطَوْا أَحَدًا مِنْهَا شَيْئًا وَجُهِلَ الْحَالُ، فَهَلْ يَجُوزُ قَبُولُهُ وَلَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ إذَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ حَرَامًا؟ أَمْ يَحْرُمُ قَبُولُهُ؟ وَإِذَا قَبِلَهُ فَمَا حُكْمُ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَالصَّدَقَةِ مِنْهُ هَلْ يُثَابُ عَلَيْهَا كَمَا يُثَابُ فِي فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِهَا أَمْ دُونَهُ أَمْ لَا يُثَابُ بَلْ يَأْثَمُ؟
وَقَوْلُهُ فِي جَوَاهِرِ الْقَمُولِيِّ (فَرْعٌ) لَوْ أَخَذَ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ بِتَمْلِيكٍ أَوْ إبَاحَةٍ ظَانًّا أَنَّهُ مِلْكُهُ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَكَانَ فِي الْبَاطِنِ حَرَامًا هَلْ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْبَغَوِيّ: إنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْخَيْرَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يُطَالَبَ وَإِلَّا طُولِبَ اهـ كَلَامُهُ، هَلْ هُوَ مُقِرٌّ عَلَى كَلَامِهِ هَذَا أَمْ لَا؟ وَلَا يَخْفَى عَلَى مَوْلَانَا فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ اخْتِلَاطُ الْحَرَامِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَقَدْ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ لِأُمُورٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مَا يَضْرِبُهَا إلَّا السَّلَاطِينُ، وَلَا يُمَكَّنُ غَيْرُهُمْ أَنْ يَضْرِبَهَا لِمَا يَخْشَاهُ مِنْهُمْ وَلَوْ قَدَّرْنَا الْحِلَّ فَمُسْتَفِيضٌ أَنَّ الَّذِي يَضْرِبُهَا يَشْتَرِي فِضَّتَهَا بِعَقْدٍ لَا يَسْلَمُ فِيهِ مِنْ الرِّبَا، إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يُؤَاخَذُ بِغَلَبَةِ الْحَرَامِ.
وَإِذَا قُلْتُمْ لَا مُؤَاخَذَةَ فِي ذَلِكَ، فَهَلْ يَحْصُل عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إثْمٌ مِثْلَ تَوْسِيخِ قَلْبِهِ عَنْ الْعِبَادَةِ؟ أَمْ لِأَنَّهُ وَافَقَ الظَّاهِرَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: أَمَّا عَطَايَا الْمُلُوكِ فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْخَلَفِ فِي قَبُولِهَا، فَقَبِلَهَا قَوْمٌ اعْتِمَادًا عَلَى أُمُورٍ يَطُولُ بَسْطُهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا آخَرُونَ وَرَعًا وَزُهْدًا، وَهَذَا الْأَحْوَطُ لِلدِّينِ وَالْعِرْضِ وَلَقَدْ وَقَعَ لِمِثْلِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - أَنَّهُمْ أَحَسُّوا بِظُلْمَةِ قُلُوبِهِمْ لِتَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْ بَعْضِ أَتْبَاعِ السَّلَاطِينِ، فَالْحَرَامُ بَاطِنًا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ، وَلَقَدْ تَعَفَّفَ حَتَّى عَنْ الْحَلَالِ خَوْفًا أَنْ يَقَعَ فِي
стр. 937
حَرَامٍ.
وَمِنْ الْمُشَاهَدَةِ أَنَّ بَعْضَ النَّوَاحِي يَكْثُرُ فِيهَا الصَّالِحُونَ وَالْمُتَّقُونَ، وَبَعْضَهَا يَقِلُّونَ فِيهِ، وَلَقَدْ اسْتَقْرَيْنَا سَبَبَ ذَلِكَ فَلَمْ نَجِدْهُ غَيْرَ أَكْلِ الْحَلَالِ أَوْ قِلَّةِ تَعَاطِي الشُّبُهَاتِ، فَكُلُّ نَاحِيَةٍ كَثُرَ الْحِلُّ فِي قُوتِ أَهْلِهَا كَثُرَ الصَّالِحُونَ فِيهَا وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمُعْتَمَدُ مَذْهَبِنَا أَنَّ مُعَامَلَةَ مَنْ أَكْثَرُ أَمْوَالِهِ حَرَامٌ مَكْرُوهَةٌ لَا مُحَرَّمَةٌ، وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ: إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَعَلَيْهِ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُعْلَمُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْهُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَلَا يَجُوزُ قَبُولُهُ، وَمَعَ الْجَوَازِ يَكُونُ الْآخِذُ تَحْتَ خَطَرِ احْتِمَالِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ فَيَتَأَثَّرُ قَلْبُهُ بِهِ، بَلْ وَيُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ إنْ كَانَ الْمُعْطِي غَيْرَ مُسْتَقِيمِ الْحَالِ، كَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ الْبَغَوِيِّ، وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ حَيْثُ الْمُؤَاخَذَةِ وَعَدَمِهَا، لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ إنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ مُعَامِلُهُ مَعْذُورًا وَإِلَّا فَلَا.
أَمَّا مِنْ حَيْثُ أَخْذِ حَسَنَاتِ آكِلِ الْحَرَامِ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ وَلَوْ مِمَّنْ ظَاهِرُهُ الِاسْتِقَامَةُ فِي مُقَابَلَةِ مَا أَكَلَهُ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ، فَالْبَغَوِيُّ لَا يُجْرِي تَفْصِيلَهُ فِي هَذَا، لِأَنَّ أَخْذَ الْحَسَنَاتِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَعَدِّي بِأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ وَعَدَمِهِ، كَمَا أَشَرْت إلَى ذَلِكَ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْصِ بِأَدَائِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَخْذَ الْحَسَنَاتِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ لَا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمُعَاتَبَةِ وَالْمُؤَاخَذَةِ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِهِ، كَمَنْ عَامَلَ مَنْ ظَاهِرُهُ الظُّلْمُ أَوْ أَخْذُ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَغَيْرُ الْمُتَعَدِّي كَمَنْ عَامَلَ مَنْ ظَاهِرُهُ الْخَيْرُ.
وَالصَّلَاةُ فِي الْحَرَامِ الصِّرْفِ صَحِيحَةٌ وَلَا ثَوَابَ فِيهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِجَمْعٍ مُحَقِّقِينَ وَفِي الْمَشْكُوكِ فِي حُرْمَتِهِ فِيهَا الثَّوَابُ لِعَدَمِ التَّعَدِّي، وَدَعْوَى عَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ الْحَرَامِ مَمْنُوعَةٌ، لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا مُتَعَسِّرَةٌ.
وَلَقَدْ اُعْتُرِضَ قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ يُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ كَأَنْ يَغْتَرِفَ بِيَدِهِ مِنْ الدِّجْلَةِ، فَإِنَّ صَوَابَهُ أَنْ يَقُولَ: مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ النَّازِلِ مِنْهَا إلَى يَدِهِ، لِأَنَّ الدِّجْلَةَ أُمُّ الْفُرَاتِ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي بِلَادِ التُّرْكِ بِرْكَةٌ يُحَوَّطُ عَلَيْهَا لِصَيْدِ السَّمَكِ فَيُمْلَكُ مَاؤُهَا، ثُمَّ يَنْفَتِحُ مَا يَسُدُّهَا فَيَنْزِلَ وَيَخْتَلِطَ بِالْفُرَاتِ أَوْ الدِّجْلَةِ، فَلَمْ يَخْلُ عَنْ الشُّبْهَةِ فَإِذَا رُوعِيَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ مَعَ نُدْرَتِهَا فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهَا.
وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي قَوْلِ بَعْضِ الْأَكَابِرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ بِقُرُونٍ عَدِيدَةٍ الْآنَ أَيِسْنَا مِنْ الْحَلَالِ الْمَحْض، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّبْهَةَ كَثِيرَةٌ إذًا، وَأَنَّ التَّنَقِّيَ عَنْهَا مُتَعَسِّرٌ، وَأَنَّ غَايَةَ مَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُمْ بِسَبَبِهِ الْإِكْثَارُ مِنْ تَعَاطِي الشُّبْهَةِ وَالتَّقْلِيلُ مِنْهَا، وَاَللَّهُ يُوَفِّقُنَا لِمَرْضَاتِهِ وَيُخَفِّفُ عَنَّا مَا تَحَمَّلْنَاهُ مِنْ عَظِيمِ مُخَالَفَاتِهِ وَبِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ وَلَدِ وَلَدٍ قَالَ لِجَدَّتِهِ وَإِخْوَانُهُ حُضُورٌ: سُدُسُكِ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِنَا رَدَدْته عَلَيْنَا، قَالَتْ نَعَمْ رَدَدْته عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ لَهَا: وَالْحِصَّةُ الَّتِي قَدْرُهَا النِّصْفُ الْآيِلَةُ إلَيْك بِالْإِرْثِ مِنْ وَالِدِك لَنَا، قَالَتْ: نَعَمْ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ سُدُسَهَا وَحِصَّتَهَا الْمَذْكُورَةَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: قَوْلُهَا: رَدَدْته عَلَيْكُمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كِنَايَةُ هِبَةٍ، فَإِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا وَقَبَضُوا الْمَوْهُوبَ بِإِذْنِهَا مَلَكُوهُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَوْلُهَا: نَعَمْ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ لَهَا الْآيِلَةُ إلَيْك بِالْإِرْثِ مِنْ وَالِدِك؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، وَقَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ فِيهِ الِاعْتِرَافُ لَهَا بِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لِذَلِكَ حَالًا، وَالْمَمْلُوكُ حَالًا يَسْتَحِيلُ الْإِقْرَارِ بِهِ وَلَا بَيْعًا، لِعَدَمِ ذِكْرِ ثَمَنٍ، وَلَا هِبَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ نَعَمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا يُكْتَفَى بِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَبُولٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ تَصِحُّ هِبَةُ الْمَنَافِعِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: لِلْأَصْحَابِ فِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَارِيَّةٌ لِلدَّارِ لَا تُمْلَكُ مَنَافِعُهَا بَلْ تَكُونُ إبَاحَةً، وَالثَّانِي: أَنَّهَا هِبَةٌ فَتَكُونُ أَمَانَةً فَلَا يَضْمَنُ الدَّارَ إنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ، وَرَجَّحَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ الْأَوَّلَ، وَرَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ كَالسُّبْكِيِّ الثَّانِيَ، قَالَ: وَيَكُونُ قَبْضُ الْمَنَافِعِ بِاسْتِيفَائِهَا، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْحَوَاشِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا ذَكَرُهُ فِي غَيْرِ الْحَوَاشِي مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِقَبْضِ الدَّارِ، رَدَّهُ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ: لَا تَلْزَمُ إلَّا بِإِتْلَافِهَا، وَأَخَذَهُ مِنْ فَرْقِ السُّبْكِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ كَوْنِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ مَقْبُوضَةً بِقَبْضِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يُتْلِفْ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ بِخِلَافِهِ فِي هِبَةِ الْمَنَافِعِ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِيهَا مُعَاوَضَةٌ فَكَانَتْ
стр. 938
كَمِلْكِ الْأُجْرَةِ بِالْقَبْضِ، وَلَا مُعَاوَضَةَ فِي الْهِبَةِ فَلَمْ تَلْزَمْ إلَّا بِالْإِتْلَافِ فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَلَوْ بَعْدَ قَبْضِ الْعَيْنِ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ بَاقٍ يُؤْخَذُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَمْ يَكُنْ قَبْضُ الدَّارِ قَبْضًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُوجَدُ بِوُجُوبِ الزَّمَانِ بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ فَإِنَّ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا بِكَمَالِهَا، ثَمَّ بِالْقَبْضِ وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ عُلْقَةٌ فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَهُمَا.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ تَصِحُّ هَدِيَّةُ الْعَقَارِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ حَدِّهِمْ الْهَدِيَّةَ بِمَا يُنْقَلُ إكْرَامًا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ الْوَجْهُ الصِّحَّةُ كَمَا أَفَادَهُ الْبُلْقِينِيُّ نَقْلًا، فَالتَّعْبِيرُ بِالنَّقْلِ إمَّا لِلْأَغْلَبِ أَوْ لِبَيَانِ أَنَّ الْعَقَارَ وَإِنْ صَحَّ إهْدَاؤُهُ شَرْعًا لَا يُسَمَّى هَدِيَّةٌ وَضْعًا.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا اُعْتِيدَ مِنْ إهْدَاءِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِلثَّوَابِ بِأَنْ يُمْلَأَ ظَرْفَ الْهَدِيَّة وَيُرَدَّ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَقَعَ الْعَتَبُ وَالذَّمُّ هَلْ يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَذْهَبُنَا أَنَّ الْهِبَةَ بِقَصْدِ الثَّوَابِ يُوجِبُهُ، وَكَذَلِكَ هِبَةُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى، وَإِنْ اُعْتِيدَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِطَلَبِ الْمُقَابَلَةِ وَالْهَدِيَّةِ كَالْهِبَةِ فِي ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا عَمَلَ بِتِلْكَ الْعَادَةِ.
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ الْمُهْدِي أَوْ الْوَاهِبِ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يُهْدِ أَوْ يَهَبْ إلَّا لِطَلَبِ مُقَابِلٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ هَدِيَّتِهِ أَوْ هِبَتِهِ، إلَّا إنْ قَابَلَهُ بِمَا يَعْلَمُ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ رَضِيَ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ مَا أَعْطَاهُ، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ فِي الْمُهْدِي حَيَاءً، وَلَوْلَا الْحَيَاءُ لَمَا أَهْدَى أَوْ خَوْفَ الْمَذَمَّةِ وَلَوْلَا خَوْفُهَا لَمَا أَهْدَى، بِأَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُ هَدِيَّتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَح بِهَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَكُلُّ مَا قَامَتْ الْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى أَنَّ مَالِكَهُ لَا يَسْمَحُ بِهِ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ وَقَدْ ذَكَرُوا فِي بَابِ الضِّيَافَةِ مِنْ ذَلِكَ فُرُوعًا لَا تَخْفَى.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا يُفْعَلُ لِلزَّوْجَةِ يَوْمَ ثَامِنِ زَوَاجِهَا مِنْ أَقَارِبِهَا، أَوْ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ هَلْ يَمْلِكُهُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ مِنْ غَيْر تَمْلِيكٍ، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ قُصِدَ بِذَلِكَ الزَّوْجَةُ أَوْ غَيْرُهَا مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَمْلِكُهُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ؛ لِأَنَّهُ هَدِيَّةٌ لِصِدْقِ حَدِّهَا عَلَيْهِ، وَهِيَ مَا يُنْقَلُ أَيْ غَالِبًا لِدَارِ الْغَيْرِ إكْرَامًا لَهُ، أَيْ غَالِبًا أَيْضًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا كَذَلِكَ، نَعَمْ إنْ كَانَ ثَمَّ أَحَدٌ لَهُ عَلَى النَّاقِلِ دَيْنٌ وَادَّعَى النَّاقِلُ أَنَّهُ إنَّمَا نَقْلَهُ لِدَائِنِهِ عَنْ دَيْنِهِ، صُدِّقَ النَّاقِلُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قَصَدَ الزَّوْجَةَ أَوْ غَيْرَهَا، فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ بِشَيْءٍ عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَهِيَ مِلْكٌ لِمَنْ أُرْسِلَتْ لِدَارِهِ، لِمَا عَلِمْت أَنَّ هَذَا هُوَ مَوْضُوعُ الْهَدِيَّةِ، هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ قَصْدُ الْمَالِكِ لِنَحْوِ مَوْتِهِ أَوْ جُنُونِهِ، وَإِلَّا صُدِّقَ فِي تَعْيِينِ مَنْ أَرْسَلَهَا لَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ، وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ.
[بَابُ اللُّقَطَةِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ يَقَعُ فِي رَكْبِ الْحَجِيجِ أَنَّهُمْ قَدْ يَطْرَحُونَ طَعَامَهُمْ لِعَجْزِ جِمَالِهِمْ عَنْ حَمْلِهِ، وَقَدْ يَتْرُكُونَ مَا عَجَزَ مِنْ جِمَالِهِمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَيَأْتِي إنْسَانٌ وَيَأْخُذُ ذَلِكَ، أَوْ يُطْعِمُ الدَّوَابَّ حَتَّى تَقْوَى، ثُمَّ يَأْخُذُهَا فَهَلْ يُبَاحُ ذَلِكَ وَيَمْلِكُ مَا يَأْخُذُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ فِي الْحَاوِي: إذَا تَرَكَ دَابَّةً، أَوْ بَعِيرًا كَبِيرًا فِي الصَّحْرَاءِ لِعَجْزِهِ عَنْ السَّيْرِ وَعَجَزَ الْمَالِكُ عَنْ حَمْلِهِ، أَوْ الْقِيَامِ بِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَأَحْيَاهُ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ وَمَرَاعَاتِهِ حَتَّى عَادَ إلَى حَالِهِ فِي السَّيْرِ وَالْعَمَلِ. حُكِيَ عَنْ اللَّيْثِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ يَكُونَ لِمُحْيِيهِ دُونَ تَارِكِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّارِكُ تَرَكَهُ لِيَعُودَ إلَيْهِ فَيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ الْمُحْيِي أَحَقُّ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ: هُوَ عَلَى مِلْكِ تَارِكِهِ وَلَكِنْ لِآخِذِهِ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ عَلَى مِلْكِ تَارِكِهِ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُنْفِقِ كَمَا لَوْ عَالَجَ عَبْدًا أَشْفَى عَلَى الْهَلَاكِ حَتَّى بَرَأَ أَوْ أَخْرَجَ مَتَاعًا غَرِقَ فِي الْبَحْرِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ مَتَاعًا قَدْ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ مَلَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهَذَا شَاذٌّ مَدْفُوعٌ بِالْخَبَرِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَكِنْ لَوْ وَجَدَ فِي الْبَحْرِ قِطْعَةَ عَنْبَرٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ كَانَتْ مِلْكًا لِوَاجِدِهَا، وَهَذَا كَمَا لَوْ صِيدَتْ سَمَكَةٌ مِنْ الْبَحْرِ فَوُجِدَ فِي جَوْفِهَا قِطْعَةُ عَنْبَرٍ كَانَتْ مِلْكًا لِلصَّائِدِ إذَا كَانَ بَحْرًا يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ الْعَنْبَرُ، أَمَّا الْأَنْهَارُ وَمَا لَا
стр. 939
يَكُونُ مَعْدِنًا لِلْعَنْبَرِ مِنْ الْبِحَارِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لُقَطَةً.
وَأَمَّا اللُّؤْلُؤُ فَلَا يَكُونُ فِي الْبَحْرِ إلَّا فِي صَدَفِهِ، فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ كَانَ مِلْكًا لِوَاجِدِهِ وَإِنْ وُجِدَ خَارِجَ صَدَفِهِ كَانَ لُقَطَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ وَجَدَ زَمَنَ الْأَمْنِ أَمَةً مُمَيِّزَةً آبِقَةً فَأَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا لِمَالِكِهَا فَهَرَبَتْ مِنْ عِنْدِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَهَلْ يَضْمَنُ، وَهَلْ الْعَبْدُ مِثْلُهَا؟ وَفِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْغَزِّيِّ مَا يَقْتَضِي تَقْيِيدُهُ ذَلِكَ بِمَنْ عَرَفَ الْمَالِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَفْتَى الْقَاضِي وَابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْعَبْدِ الْآبِقِ أَخْذُهُ لِيَرُدَّهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَلَّمَهُ لِلْحَاكِمِ، فَإِنْ هَرَبَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِلَّا ضَمِنَهُ، وَمَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الْغَزِّيِّ مِنْ أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَالِكَ يَضْمَنُ مُطْلَقًا، قَدْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي: أَخْذَهُ لِيَرُدَّهُ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْأَخْذُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْحَاكِمِ الْأَمِينِ كَمَعْرِفَةِ الْمَالِكِ حَتَّى يَجُوزُ لِلْآخِذِ الدَّفْعُ إلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ بِالْهُرُوبِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ: الْعَبْدُ عُرْضَةٌ لِلضَّيَاعِ، مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ وِلَايَةَ حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِينَ لِلْحَاكِمِ، وَالْأَمَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَمَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ إذَا أَخَذَهَا الْحَاكِمُ فَعَلَ الْأَصْلَحَ مِنْ حِفْظِهَا وَبَيْعِهَا، فَإِنْ هَرَبَتْ مِنْهُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ الْأَصْلَحِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِلَا ضَمِنَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِمَا لَفْظُهُ: إذَا جَوَّزْتُمْ الْتِقَاطَ الْعَبْدِ الْمُمَيِّزِ فِي زَمَنِ النَّهْبِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَ مُلْتَقِطُهُ أَنَّهُ عَبْدٌ حَتَّى يَلْتَقِطَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِعَلَامَاتِ الْأَرِقَّاءِ كَكَوْنِهِ حَبَشِيًّا أَوْ زِنْجِيًّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يُقِرَّ مَجْهُولٌ بَالِغٌ أَنَّهُ قِنٌّ مَمْلُوكٌ وَلَا يُعَيِّنُ الْمَالِكُ، فَلَهُ الْتِقَاطُهُ حِينَئِذٍ زَمَنَ النَّهْب لِلتَّمَلُّكِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى اهـ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ هَذَا التَّصْوِيرَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِهِمْ بِالْمُمَيِّزِ دُونَ الْبَالِغِ، وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ بِالْعَلَامَاتِ وَالْقَرَائِنِ الَّتِي يَظُنُّ بِهَا رِقَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْجِعَالَةِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ قَالَ لِمُعَلِّمٍ عَلِّمْ ابْنِي الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وَأَنَا آجِرٌ لَك مِثْلَ مَا يُؤْجِرُ أَصْحَابِي لَك أَوْ آجِرٌ لَهُ أَجْرًا مَعْلُومًا، وَهُوَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَعَلَّمَهُ إلَى آخِرِ سُورَةِ الْمُلْكِ فَمَاتَ الِابْنُ أَوْ الْمُعَلِّمُ، أَوْ تَرَكَ الْمُعَلِّمُ التَّعْلِيمَ، أَوْ امْتَنَعَ الْوَلِيُّ عَنْ تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ كَمْ يَسْتَحِقُّ الْمُعَلِّمُ أَوْ وَارِثُهُ مِنْ الْأَجْرِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا جَاعَلَ إنْسَانًا عَلَى تَعْلِيمِ ابْنِهِ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ صَحَّ، وَلَهُ فِي الْمَجْهُولَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، ثُمَّ إذَا عَلَّمَهُ الْبَعْضَ فَقَطْ دُونَ الْبَاقِي، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَوْتِ الْمُعَلِّمِ أَوْ الْمُتَعَلِّمِ وَجَبَ لِلْمُعَلِّمِ فِي الثَّانِيَةِ وَلِوَرَثَتِهِ فِي الْأَوْلَى الْقِسْطُ مِنْ الْمُسَمَّى الْمَعْلُومِ، وَمِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لِوُقُوعِ الْعَمَلِ مُسَلَّمًا بِالتَّعْلِيمِ مَعَ ظُهُورِ أَثَرِ الْعَمَلِ عَلَى الْمَحَلِّ، بِخِلَافِ نَحْوِ رَدِّ الْآبِقِ، وَإِنْ كَانَ لِامْتِنَاعِ الْأَبِ مِنْ التَّعْلِيمِ وَجَبَ لِلْفَقِيهِ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا عَمِلَ، لِأَنَّ الْمَنْعَ فَسْخٌ أَوْ كَالْفَسْخِ، وَحُكْمُ الْفَسْخِ مِنْ الْمَالِكِ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ يَقْتَضِي وُجُوبَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ فِيمَا عَمِلَ، وَإِنْ كَانَ لِامْتِنَاعِ الْمُعَلِّمِ لَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْجِعَالَةِ مَتَى فَسَخَ أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ إتْمَامِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ بِاخْتِيَارِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ غَرَضُ الْمَالِكِ سَوَاءٌ أَوَقَعَ مَا عَمِلَهُ مُسَلَّمًا أَمْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ عَبْدًا لِرَجُلٍ فَرَاحَ إلَيْهِ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا يُسَمُّونَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ بِشَارَةً حَتَّى أَنَّهُ وَصَلَ سَيِّدَ الْعَبْدِ فَقَالَ أَطْلُبُ مِنْك مَا حُدَّ، وَحَدَّ بِشَارَةٍ فَقَالَ سَيِّدُ الْعَبْدِ أُعْطِيكَ مَا فَادَيْنَا عَلَيْهِ مِنْ الْجُعْلِ وَهُوَ دُونَ مَا أَرَادَ فَمَسَكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ مُمْسِكُ الْعَبْدِ بَلَغَنِي نِدَاؤُك بِذَلِكَ هَاتِ ذَلِكَ فَقَالَ سَيِّدُ الْعَبْدِ هَاتِ عَبْدِي وَأُسَلِّمُ لَك ذَلِكَ فَرَاحَ وَاجِدُ الْعَبْدِ يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْعَبْدِ فَوَجَدَهُ قَدْ أَبَقَ فَهَلْ عَلَى وَاجِدِ الْعَبْدِ ضَمَانُهُ لِكَوْنِهِ حَبَسَهُ لِأَجْلِ الْجُعْلِ أَمْ لَا؟ أَجَابَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ: بِأَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالُوا: لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِأَجْلِ الْجُعْلِ وَأَجَابَ مُفْتٍ آخَرَ: بِأَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَمَا الصَّحِيحُ عِنْدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ وَاجِدَ
стр. 940
الْعَبْدِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ رَدِّهِ لَهُ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَالِكَ قَالَ مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَسَمِعَهُ وَاجِدُ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَجِدَ الْعَبْدَ ثُمَّ وَجَدَهُ وَأَمْسَكَهُ اسْتَحَقَّ حِينَئِذٍ الْجُعْلَ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمَالِكُ لِمَنْ رَدّ عَبْدَهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْوَاجِدُ: شَرَطْت جُعْلًا وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، أَوْ قَالَ: شَرَطْته عَلَى عَبْدٍ آخَرَ، أَوْ قَالَ شَخْصٌ: أَنَا رَدَدْته وَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ جَاءَ بِنَفْسِهِ أَوْ رَدَّهُ غَيْرُك صُدِّقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ وَعَلَى الْآخَرِ الْبَيِّنَةُ، نَعَمْ لَوْ اخْتَلَفَا فِي بُلُوغِهِ النِّدَاءِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّادِّ بِيَمِينِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي سَمَاعِ نِدَائِهِ وَإِذَا رَدَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ إلَّا إنْ سَلَّمَهُ لِلْمَالِكِ، فَلَوْ رَدَّهُ إلَى دَارِ الْمَالِكِ فَمَاتَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، أَوْ هَرَبَ مِنْهُ، أَوْ غَصَبَهُ ظَالِمٌ مِنْهُ، أَوْ تَرَكَهُ الْعَامِلُ، أَوْ تَرَكَ هُوَ الْعَامِلَ وَرَجَعَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِلُ شَيْئًا.
نَعَمْ لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَالِكَ وَسَلَّمَهُ لِلْحَاكِمِ فَهَرَبَ اسْتَحَقَّ كَمَا فِي فُرُوعِ ابْنِ الْقَطَّانِ، وَكَذَا لَوْ هَرَبَ الْمَالِكُ وَسَلَّمَهُ لِلْحَاكِمِ فَيَسْتَحِقُّ اتِّفَاقًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ أَشْهَدَ وَاسْتَحَقَّ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَنْ رَدَّ آبِقًا أَوْ مَالًا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ الرَّدِّ فَلَا شَيْءَ لَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ مَعْرُوفًا بِالرَّدِّ أَمْ لَا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ: وَفِي ضَمَانِهِ لِمَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ الْخِلَافُ فِي انْتِزَاعِ الْمَغْصُوبِ لِرَدِّهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ فِيمَنْ انْتَزَعَ مَغْصُوبًا لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ إلَّا إنْ انْتَزَعَهُ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوْ مِنْ عَبْدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ وَاجِدَ الْعَبْدِ يَضْمَنُهُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْمَالِكَ نَادَى عَلَيْهِ بِجُعْلٍ أَوْ أَمَرَ مَنْ يُنَادِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَهَرَبَ مِنْهُ وَهُوَ جَاءٍ بِهِ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ كَانَ هَرَبُهُ بِتَفْرِيطٍ مِنْ وَاجِدِهِ، كَأَنْ خَلَّاهُ بِمَضْيَعَةٍ أَوْ لَمْ يَحْتَفِظْ عَلَيْهِ حَقَّ الْحِفْظِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ كَأَنْ خَلَّاهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَمْ يَضْمَنْهُ، هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ هَرَبَ مِنْهُ وَهُوَ آتٍ بِهِ إلَى الْمَالِكِ، أَمَّا لَوْ وَجَدَهُ ثُمَّ جَاءَ بِهِ إلَى دَارِه وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ الْجُعْلِ الْمَشْرُوطِ لَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِحَبْسِهِ، سَوَاءٌ هَرَبَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ فِي حِفْظِهِ حَتَّى هَرَبَ أَمْ لَا، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ حَبْسَهُ نَفْسَهُ تَفْرِيطٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْغَزِّيُّ وَغَيْرُهُ إلَى مَا ذَكَرْته مِنْ التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِمْ: أَبَقَ عَبْدٌ فَظَفِرَ بِهِ مَنْ يَعْرِفُ مَالِكَهُ فَأَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ فَهَرَبَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ رَدِّهِ وَرَفْعِ أَمْرِهِ إلَى الْحَاكِمِ بِلَا تَقْصِيرٍ لَمْ يَضْمَنْهُ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَالِكَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْ رَدَّهُ أَوْ قَصَّرَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ اهـ.
وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف مَالِكَهُ يَضْمَنَهُ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُرِدْ رَدَّهُ يَضْمَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ لِتَقْصِيرِهِ فِيهِمَا وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ خَطَأُ كُلٍّ مِنْ الْمُفْتِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْجَوَابِ فِي مَحَلِّ التَّفْصِيلِ خَطَأٌ، لَكِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرِينَ الْآنَ صَارُوا يَتَسَوَّرُونَ ذُرَى مَنْصِبِ الْإِفْتَاءِ قَبْلَ التَّأَهُّلِ لَهُ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ، وَاَللَّهُ يَهْدِينَا وَإِيَّاهُمْ لِسَوَاءِ السَّبِيلِ إنَّهُ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) عَمَّا إذَا رَدَّ الصَّبِيُّ الْعَيْنَ الْمَجْعُولَ عَلَيْهَا جُعْلٌ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَسْتَحِقُّهُ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَأَفْتَى بِهِ الْبَارِزِيُّ، وَقَاسَهُ عَلَى مَا لَوْ قَالَ لَهُ خُطَّ هَذَا الثَّوْبَ وَلَكَ أُجْرَةٌ، وَلَهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ عَقَدَ الْإِجَارَةَ مَعَ الصَّبِيِّ عَلَى عَمَلٍ وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْإِجَارَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَبُولُ وَهُوَ لَا يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ فَكَانَتْ فَاسِدَةً، بِخِلَافِ الْجِعَالَةِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إلَّا الْعَمَلُ وَهُوَ يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ، فَلَمْ تَكُنْ فَاسِدَةً وَإِذَا لَمْ تَفْسُدْ وَجَبَ الْمُسَمَّى.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ لَوْ جُوعِلَ شَخْصٌ عَلَى زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَعَجَزَ عَنْ الزِّيَارَةِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَاعِلَ غَيْرَهُ أَوْ لَا؟ أَجَابَ أَبُو قِضَامٍ: نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَاعِلَ عَلَيْهَا غَيْرَهُ أَوْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا تَبَرُّعًا قَالَهُ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا فَيَجِب لَهُ الْمُسَمَّى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَجَابَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِلْحَاحٍ: فَضْلُ الْمُجَاعِلِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَاعِلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصِّيغَةِ عُمُومٌ كَمَتَى حَصَلَتْ حُجَّةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْجِعَالَةِ يَدُلُّ لِصِحَّةِ فَتْوَى أَبِي قِضَامٍ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ الْجَعِيلَ الْمُعَيَّنَ كَالْوَكِيلِ الْمُعَيَّنِ، لَكِنْ يُشْكِلُ
стр. 941
عَلَى فَتْوَاهُ مَا قَالُوهُ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِيمَا يُمْكِنْهُ عَادَةً وَلَكِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ لِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ فِي حَالِ عِلْمِهِ بِسَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ، وَإِنْ طَرَأَ الْعَجْزُ فَلَا، وَقَضِيَّةُ تَقْيِيدِهِمْ بِذَلِكَ فِي الْوَكِيلِ: أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُهُ فِي الْجَعِيلِ فَيَقْتَضِيَ أَنَّهُ لَوْ وَقَّعَ عَقَدَ الْجِعَالَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ بِالْيَمَنِ مَثَلًا ثُمَّ طَرَأَ الْعَجْزُ بِمَكَّةَ مَثَلًا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْجَعِيلِ أَنْ يُجَاعِلَ، فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِحُّ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْيَمَنِيَّةِ وَالْحَضَارِمَةِ؟ أَوْ تَصِحُّ جِعَالَةُ الْجَعِيلِ إذَا طَرَأَ لَهُ الْعَجْزُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَجْزُ طَارِئًا أَوْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُجَاعِلُ بِطُرُوِّ الْعَجْزِ أَمْ لَا، وَهَلْ الْمُعْتَمَدُ مَا أَفْتَى بِهِ أَبُو قُضَامٍ أَوْ مَا أَفْتَى بِهِ أَبُو فَضْلٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يَرَهُ الشَّيْخَانِ فَأَبْدَيَا فِيهَا بَحْثًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَ: وَقَدْ خَطَرَ بِالْبَالِ هُنَا أَنَّ الْعَامِلَ الْمُعَيَّنَ هَلْ يُوَكِّلُ الْغَيْرَ لِيَنْفَرِدَ بِالرَّدِّ كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ؟ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ النِّدَاءُ عَامًّا فَوَكَّلَ رَجُلًا غَيْرَهُ لِيَرُدَّهُ هَلْ يَجُوزُ؟ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ كَتَوْكِيلِ الْوَكِيلِ وَالثَّانِي كَالتَّوْكِيلِ بِالِاحْتِطَابِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: فَإِنْ قِيلَ: هَلْ لِلْعَامِلِ الْمُعَيَّنِ أَنْ يُوَكِّلَ بِالرَّدِّ غَيْرَهُ كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ وَهَلْ إذَا كَانَ النِّدَاءُ عَامًّا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ سَمِعَهُ غَيْرُهُ فِي الرَّدِّ؟ قُلْت: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ كَتَوْكِيلِ الْوَكِيلِ وَالثَّانِي كَالتَّوْكِيلِ بِالِاحْتِطَابِ وَالِاسْتِقَاءِ انْتَهَتْ. فَظَاهِرُ بَحْثِهِمَا، بَلْ صَرِيحُهُ فِي الْأُولَى أَنَّهُ يَتَأَتَّى هُنَا مَا قَالُوهُ فِي تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ مِنْ اشْتِرَاطِ عُذْرٍ أَوْ عَدَمِ لِيَاقَةٍ، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ خِلَافًا لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَفِي الثَّانِيَةِ، وَالصُّورَةُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ سَمِعَ النِّدَاءَ قَبْلَ تَوْكِيلِهِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا، وَجَزَمَ بِمَا بَحَثَاهُ فِي الصُّورَتَيْنِ مُخْتَصِرُو الرَّوْضَةِ وَغَيْرُهُمْ، فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي بَحْثُهُمَا هَذَا قَوْلَهُمَا كَالْأَصْحَابِ لَوْ قَالَ لِزَيْدٍ: رُدَّهُ وَلَك كَذَا فَأَعَانَهُ آخَرُ فِي رَدِّهِ بِعِوَضٍ أَوْ مَجَّانًا، فَالْكُلُّ لِزَيْدٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ لِلْمُعَاوَنَةِ، وَغَرَضُ الْمُلْتَزِمِ الْعَمَلُ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى قَصْرِ الْعَمَلِ عَلَى الْمُخَاطَبِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُعَاوِنِ إلَّا إنْ الْتَزَمَ لَهُ زَيْدٌ أُجْرَةً فَيَسْتَحِقُّهَا حِينَئِذٍ.
قُلْتُ: فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ التَّوْكِيلِ وَالْإِعَانَةِ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ فِيهِ رَفْعُ يَدِهِ وَاسْتِقْلَالُ يَدِ وَكِيلِهِ، وَلَيْسَ يَدُ وَكِيلِهِ كَيَدِهِ بِخِلَافِ يَدِ قِنِّهِ غَيْرِ مُكَاتَبِهِ، فَاغْتُفِرَ فِي الْإِعَانَةِ مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي التَّوْكِيلِ، فَلِذَا جَازَتْ الْإِعَانَةُ مُطْلَقًا، وَفُصِّلَ فِي التَّوْكِيلِ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ إلَّا بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْجَاعِلَ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودُهُ مُبَاشَرَةَ الْعَامِل بِنَفْسِهِ فَامْتَنَعَ تَوْكِيلُهُ حَيْثُ لَا عُذْرَ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ لَهُ: لِتَعْمَلْ بِنَفْسِك لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّوْكِيلُ مُطْلَقًا، وَبَيَّنَ الْمُبْهَمَ فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْجَاعِلَ لَمْ يَقْصِدْ عَيْنَ أَحَدٍ، فَإِنْ قُلْتَ: يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي التَّوْكِيلِ عِنْدَ التَّعْيِين قَوْلَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ أَبُو قِضَامٍ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: لِمُعَيَّنٍ إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ كَذَا يَقْتَضِي اسْتِدْعَاءَ الْعَمَلِ مِنْ الْمُخَاطَبِ نَفْسِهِ وَلَا مَعْنَى لِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى قَصْرِ الْعَمَلِ فِي الْمُخَاطَبِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ وَالسَّعْيِ فِيهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، حَتَّى لَوْ اسْتَعَانَ الْعَامِلُ بِمَنْ أَرَادَ بِأُجْرَةٍ يَبْذُلُهَا أَوْ أَعَانَهُ مُتَبَرِّعًا، فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَلَا نَظَرَ إلَى جِهَاتِ الْعَمَلِ بِنَاءً عَلَى مَقْصُودِ الْبَابِ اهـ.
وَجَرَى عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي بَسِيطِهِ فَقَالَ: إذَا عَيَّنَ مُخَاطَبًا وَقَالَ إلَّا رَدَدْت عَبْدِي الْآبِقَ فَلَكَ كَذَا، فَلَيْسَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ السَّعْيُ بِنَفْسِهِ، بَلْ لَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِغَيْرِهِ، فَإِذَا حَصَلَ الْعَمَلُ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ. اهـ. قُلْت: لَا يُنَافِيهِ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ إنَّمَا فَرَضَا ذَلِكَ فِي الْإِعَانَةِ لَا فِي التَّوْكِيلِ، كَمَا فَهِمَهُ السُّبْكِيّ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ فِي تَوَسُّطِهِ عَقِبَ كَلَامِهِمَا، قَالَ قَائِلٌ: وَأَحْسَبُهُ السُّبْكِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ صَحِيحٌ يَشْهَدُ لَهُ مَسْأَلَةُ مُعَاوَنَةِ الْغَيْرِ لَهُ، وَهِيَ مَنْصُوصَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا اهـ. وَجَرَى عَلَيْهِ الْخَادِمُ فَقَالَ: وَقَدْ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ اتِّفَاقُ الْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا قَالَ: إنْ رَدَدْتَهُ فَلَكَ كَذَا فَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الرَّدِّ وَقَصَدَ مُعَاوَنَتِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ زَيْدٌ الْجُعْلَ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ أَنْ يَقَعَ عَمَلُ الْأَجْنَبِيِّ لَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَبِإِذْنِهِ أَوْلَى.
فَإِنْ قُلْت: سَلَّمْنَا أَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ وَإِمَامِهِ فِي الْمُعَاوَنَةِ لَا التَّوْكِيلِ فَكَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَتِلْمِيذِهِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي صَرِيحَانِ فِي مَنْعِ التَّوْكِيل، وَعِبَارَةُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقَتِهِ غَيْرِ الْمَشْهُورَةِ: وَلَوْ رَدَّهُ عَبْدَهُ اسْتَحَقَّ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ يَدُهُ،
стр. 942
وَلَوْ رَدَّ وَكِيلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ غَيْرُ يَدِهِ انْتَهَتْ. وَعِبَارَةُ الْمُتَوَلِّي: إذَا رَدَّهُ وَكِيلُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا قُلْتُ: غَايَةُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ أَطْلَقَا مَنْعَ التَّوْكِيلِ. وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا اعْتَمَدُوا التَّفْصِيلَ السَّابِقَ فِيهِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ إطْلَاقِ هَذَيْنِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْ تَفْصِيلِ أُولَئِكَ وَبِمَا فَرَّقْت بِهِ بَيْنَ التَّوْكِيلِ وَالْإِعَانَةِ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ: وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمُعَاوَنَةِ وَالتَّوْكِيلِ بِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ كُلِّيٌّ أَيْ: وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِعَانَةُ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا قَدَّمْته مِنْ الْفَرْقِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ إطْلَاقَ كُلٍّ مِنْ أَبِي قِضَامٍ وَأَبِي فَضْلٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، أَمَّا أَبُو قِضَامٍ فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ كَلَامَ الْإِمَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِعَانَةِ لَا فِي التَّوْكِيلِ، وَاَلَّذِي فِي السُّؤَالِ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّوْكِيلِ فِي مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْجَاعِلَ قَالَ لِآخَرَ: جَاعَلْتُكَ عَلَى الزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ فَجَاعَلَ غَيْرَهُ لِيَزُورَ وَيَدْعُوَ، وَتَخَلَّفَ هُوَ فَهَذَا تَوْكِيلٌ لِانْفِرَادِ الْوَكِيلِ لَا إعَانَةٌ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِعَانَةِ لَا التَّوْكِيلِ فَاتَّضَحَ أَنَّ إطْلَاقَ أَبِي قِضَامٍ الْجَوَازَ هُنَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ اسْتَدَلَّا لَهُ بِكَلَامِ الْإِمَامِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا، وَأَمَّا أَبُو فَضْلٍ فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ إطْلَاقَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي امْتِنَاعَ التَّوْكِيلِ فِي الْمُعَيَّنِ، وَأَخَذَ بِمَفْهُومِ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِهِ حَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ، وَهُوَ إطْلَاقًا وَأَخْذًا غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَد حَمْلُ كَلَامِ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ فَيَمْتَنِعُ التَّوْكِيلُ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ الْمَعْذُورُونَ.
الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي عَدَمِ التَّعْيِين جَوَازُ التَّوْكِيلِ مُطْلَقًا وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ، كَيْفَ غَفَلَا عَنْ كَوْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَمُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَاعْتَمَدَ الْأَوَّلُ كَلَامَ الْإِمَامِ وَهُوَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَالثَّانِي كَلَامَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَهُوَ لَيْسَ مُوفِيًا لِتَفْصِيلِهِ الَّذِي فَصَّلَهُ مِنْ الِامْتِنَاعِ عِنْدَ التَّعْيِينِ مُطْلَقًا وَالْجَوَازِ عِنْدَ الْإِبْهَامِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ وَاتَّضَحَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْجَاعِلَ مَتَى قَالَ: جَاعَلْتُكَ لِتَدْعُوَ مَثَلًا، فَإِنْ عُذِرَ جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ بِأُجْرَةٍ وَغَيْرِهَا وَإِلَّا فَلَا، وَتَجُوزُ لَهُ الْإِعَانَةُ بِمَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْإِتْيَانِ بِالْعَمَلِ الْمُلْتَزَمِ مُطْلَقًا، هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَقُلْ بِنَفْسِك، وَإِلَّا امْتَنَعَتْ الِاسْتِعَانَةُ وَالتَّوْكِيلُ مُطْلَقًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَمَتَى قَالَ مَنْ دَعَا لِمَيِّتِي بِمَحَلِّ كَذَا، فَلَهُ كَذَا جَازَ التَّوْكِيلُ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ الِاسْتِعَانَةِ، وَيَسْتَحِقُّ الْمُوَكِّلُ وَالْمُسْتَعِينُ الْمُسَمَّى فَاحْفَظْ ذَلِكَ وَافْهَمْهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا وَقَعَ لِكُلٍّ مِنْ ذَيْنَك الْإِمَامَيْنِ لِمَا عَلِمْته، ثُمَّ رَأَيْت الْقَمُولِيَّ أَوَّلَ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ عَقِبَهُ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إذَا لَمْ يَسْتَعِنْ بِهِ الْمُوَكِّلُ فِي رَدِّهِ أَيْ: بِأَنْ فَوَّضَ إلَيْهِ الرَّدَّ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَعَانَ بِهِ بِأَنْ شَارَكَهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مُطْلَقًا.
وَهَذَا صَرِيحٌ مِنْ الْقَمُولِيِّ أَيْضًا فِيمَا قَدَّمْته مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِعَانَةِ وَالتَّوْكِيلِ فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هَاهُنَا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ لِآخَرَ إلَّا فَعَلْتَ كَذَا فَلَكَ كَذَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ، بِخِلَافِ اسْتَأْجَرْتُك لِتَحُجَّ أَوْ لِتَدْعُوَ أَوْ تَزُورَ وَقُلْنَا: بِصِحَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمُبَاشَرَةُ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا قُلْتُ: الْإِجَارَةُ لَيْسَ فِيهَا شَائِبَةُ تَوْكِيلٍ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ لِمُعَيَّنٍ: لِتَفْعَلْ كَذَا مِنْ قَصْرِهِ عَلَى فِعْلِهِ، وَالْجِعَالَةُ فِيهَا شَائِبَةُ تَوْكِيلٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَصَرَّحُوا بِهِ فَنَظَرُوا إلَى أَنَّ الْغَرَضَ تَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ لَا عَيْنُ مُحَصِّلِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ جُوعِلَ عَلَى تَحْصِيلِ حَجَّةٍ وَزِيَارَةٍ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ بِأَرْبَعِينَ أَشْرَفِيًّا مَثَلًا فَلَمَّا حَجَّ ذَلِكَ الْمُجَاعَلُ عَمَّنْ جُوعِلَ لَهُ شَرَعَ فِي السَّيْرِ إلَى الْمَدِينَةِ لِيَزُورَ عَنْهُ فَلَمَّا بَلَغَ إلَى مقرح تُوُفِّيَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الزِّيَارَةِ بِكَمَالِهَا أَوْ يَسْتَحِقُّ الْقِسْطَ مِنْهَا أَوْ لَا يَسْتَحِقّ شَيْئًا أَصْلًا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ يَسْتَحِقُّ أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ مَثَلًا فَهَلْ بَيْنَ الْجِعَالَةِ وَالْإِجَارَةِ فَرْقٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْجَعِيلُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا كَالْأَجِيرِ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِمَّا أُمِرَ بِهِ، فَهُمَا سَوَاءٌ فِي هَذَا وَإِنَّمَا يَتَخَالَفَانِ فِي أَنَّ الْجَاعِلَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنْ أَتَى بِبَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْأَجِيرُ يَسْتَحِقُّ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَازِمَةٌ تَجِبُ الْأُجْرَةُ فِيهَا بِالْعَقْدِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَالْجِعَالَةُ جَائِزَةٌ لَا يَثْبُتُ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا بِفِعْلِ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]
стр. 943
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ هَلَكَ مَثَلًا وَخَلَّفَ جَدَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا أُمُّ أُمِّهِ مَثَلًا وَالثَّانِيَةُ أُمُّ أَبِيهِ مَثَلًا وَجَدًّا مَثَلًا وَامْرَأَةً حَامِلًا، وَعَنْ رَجُلٍ هَلَكَ مَثَلًا وَخَلَّفَ جَدًّا مَثَلًا وَجَدَّةً؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَتَعُولُ لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ لِلْجَدَّتَيْنِ السُّدُسُ عَائِلًا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ عَائِلًا، وَيُوقَفُ لِلْعَمَلِ ثُلُثَانِ عَائِلَانِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ أُنْثَيَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَلِلْجَدِّ مَا بَقِيَ ثُمَّ إنْ بَانَ الْحَمْلُ مُحَابَاةً فَأَكْثَرَ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ بَانَ أُنْثَى أَخَذَتْ الْجَدَّتَانِ السُّدُسَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَالزَّوْجَةُ الثُّمُنَ مِنْهَا، وَالْبِنْتُ نِصْفَهَا، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ، وَإِنْ بَانَ ذَكَرًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ ذَكَرًا، وَأُنْثَى أَخَذَتْ الْجَدَّتَانِ السُّدُسَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَالزَّوْجَةُ الثُّمُنَ مِنْهَا، وَالْبَاقِي لِلذَّكَرِ أَوْ الذُّكُورِ، وَالْإِنَاثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ سِتَّةٍ لِلْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ مَا بَقِيَ، وَشَرْطُ إرْثِ الْجَدَّةِ مَعَ الْجَدِّ أَنْ لَا تُدْلِيَ بِهِ، وَإِلَّا حَجَبَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنَارَ الْكَوْنَ بِالْعُلَمَاءِ، وَجَعَلَهُمْ سَبَبًا لِكَشْفِ الْغُمَّةِ، وَالْعَمَاءِ، وَأَنَارَ الْحِكْمَةَ فِي قُلُوبِهِمْ فَاسْتَنَارَتْ حَتَّى بَلَغَتْ عَنَانَ السَّمَاءِ تَفَضَّلُوا يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ بِكَشْفِ هَذَا الرَّيْنِ الَّذِي عَمَّ عَلَى قُلُوبِ أَهْلِ زَمَانِنَا حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ يَمُوتُ، وَلَا يُوصِي تَكُونُ لَهُ الضِّيَاعُ فَيَقْسِمُ مَا بِيَدِهِ لِلْأَوْلَادِ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَيَجْعَلُ الذَّكَرَ، وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءً فَإِذَا مَاتَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ، وَجَاءَتْ الْأُنْثَى تَطْلُبُ حَقَّهَا قَالَ لَهَا أَخُوهَا: لَا أَقْسِمُ مَا أَعْطَانِي أَبِي، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَك مَعِي فِي حَيَاتِهِ تَأْكُلِينَ إذَا احْتَجْتِ، وَامْتَنَعَ فَهَلْ يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ إذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ الْأَرْضَ إلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ يَجُوزُ هَذَا مَعَ الْخَطَرِ الْعَظِيمِ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَكَيْفَ لِهَذَا الْمُعْطِي إذَا دَفَعَ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ شِقْصًا مِنْ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ مَثَلًا وَمَاتَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ مَثَلًا وَقَدْ زَرَعَ الشِّقْصَ الْمَذْكُورَ زَمَنًا مَثَلًا وَهُوَ أَيْ: الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ قَدْ خَلَّفَ زَوْجَةً مَثَلًا وَبِنْتًا هَلْ يُعْطَيَانِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي فِيهَا حَقُّ الْإِنَاثِ الْمَذْكُورَاتِ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا فَكَيْفَ الصَّوَابُ الَّذِي
стр. 944
تَرْكَنُ إلَيْهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا قَسَمَ مَا بِيَدِهِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ أَنَّهُ مَلَّكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا عَلَى جِهَةِ الْهِبَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُسْتَوْفِيَةِ لِشَرَائِطِهَا مِنْ الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، وَالْإِقْبَاضِ أَوْ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ، وَقَبَضَ كُلٌّ مِنْ الْأَوْلَادِ الْمَوْهُوبِ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ صِحَّةِ الْوَاهِبِ جَازَ ذَلِكَ، وَمَلَكَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا بِيَدِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ إخْوَتِهِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أُعْطِيَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ أَرْضٍ، وَمُغَلٍّ لِوَرَثَتِهِ كَالزَّوْجَةِ، وَالْبِنْتِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي السُّؤَالِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ أَنَّهُ قَسَمَ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ شَرْعِيٍّ فَتِلْكَ الْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ.
فَإِذَا مَاتَ كَانَ جَمِيعُ مَا يَمْلِكُهُ إرْثًا لِأَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ أَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَرَقَ مِنْ الدِّينِ فَتُضْرَبُ عُنُقُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ، وَيُجَدِّدُ إسْلَامَهُ، وَقَدْ عَمَّتْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ، وَطَمَّتْ بَيْنَ نَوَاحِي أَهْلِ بَجِيلَةَ، وَمَنْ ضَاهَاهُمْ، فَيَجِبُ إذَاعَةُ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَإِعْلَامُهُمْ بِأَنَّ اعْتِقَادَ أَنَّ الْأُنْثَى لَا تَرِثُ كُفْرٌ يُخْرِجُ مُعْتَقِدَهُ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ أَنْ يَقِفَ مَا بِيَدِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ فِي حَالَ صِحَّتِهِ مَثَلًا وَيَشْتَرِطُ أَنَّ الْأُنْثَى لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ مَا دَامَتْ مُتَزَوِّجَةً مَثَلًا وَأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا فِيهِ إلَّا إذَا احْتَاجَتْ فَهَذَا وَقْفٌ صَحِيحٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ مَثَلًا وَأَخٍ لِأَبٍ فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ إنَّهَا حَامِلٌ فَهَلْ تُصَدَّقُ أَمْ لَا فَإِنْ طَلَبَتْ الزَّوْجَةُ الْقِسْمَةَ قَبْلَ الْوَضْعِ فَهَلْ تُجَابُ أَوْ لَا فَإِنْ أَجَابَهَا الْأَخُ لِلْقِسْمَةِ، وَلَمْ يَكُنْ وَصِيًّا، وَلَا وَكِيلًا مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ فَهَلْ تَصِحُّ الْقِسْمَةُ أَوْ لَا؟ ثُمَّ مَاتَ الْأَخُ الْمَذْكُورُ عَنْ ثَلَاثَةِ بَنِينَ أَحَدُهُمْ غَائِبٌ ثُمَّ رَجَعَتْ الزَّوْجَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ الْحَمْلِ فَهَلْ تُصَدَّقُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ صُدِّقَتْ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ فَهَلْ تَتَرَبَّصُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: تَتَرَبَّصُ فَإِلَى مَتَى ثُمَّ بَعْدَ أَنْ رَجَعَتْ طَلَبَتْ الْقِسْمَةَ ثَانِيًا فَهَلْ تُجَابُ أَوْ لَا؟ فَلَوْ أَجَابَهَا الْحَاضِرُونَ لِلْقِسْمَةِ فِي غَيْبَةِ أَخِيهِمْ فَهَلْ تَصِحُّ الْقِسْمَةُ أَوْ لَا؟ فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ أَوْ وَكِيلُهُ فَهَلْ لَهُ إبْطَالُ الْقِسْمَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ تُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْحَمْلِ إنْ ظَهَرَتْ مَخَايِلُهُ أَوْ وَصَفَتْهُ بِعَلَامَةٍ خَفِيَّةٍ وَكَذَا إنْ لَمْ تَدَّعِهِ، وَأَمْكَنَ لِقُرْبِ الْوَطْءِ، وَلَهَا طَلَبُ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الثُّمُنَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ نَعَمْ لَيْسَ لَهَا طَلَبُ الْقِسْمَةِ مِنْ الْأَخِ، وَلَا مِنْ وَرَثَتِهِ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُمْ مَا دَامَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا، وَإِنَّمَا يَقْسِمُ لَهَا الْقَاضِي، وَإِنْ رَجَعَتْ إذْ لَا أَثَرَ لِرُجُوعِهَا مَعَ رَجَائِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) هَلَكَ مَثَلًا وَتَرَكَ ابْنَ أَخٍ مَثَلًا وَشَقِيقَتَهُ فَهَلْ يُعَصِّبُهَا مَثَلًا وَيَأْخُذُ حِصَّتَهَا مَثَلًا وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَثَلًا وَبَيْنَ بِنْتِ الِابْنِ الَّتِي يُعَصِّبُهَا أَخُوهَا مَثَلًا وَتَرِثُ مَعَهُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ مَثَلًا وَوَلَدُ بِنْتِ الِابْنِ هَلْ يَرِثُ أُمَّ أُمِّهِ مَثَلًا وَأُمَّ أَبِي أُمِّهِ مَثَلًا وَهَلْ يَرِثَانِهِ أَوْ لَا (الْجَوَابُ) بِنْتُ الْأَخِ لَيْسَتْ وَارِثَةً فِي حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ أَخَاهَا يُعَصِّبُهَا بِخِلَافِ بِنْتِ الِابْنِ فَإِنَّهَا وَارِثَةٌ فَعَصَّبَهَا أَخُوهَا، وَغَيْرُهُ، وَلَا يَرِثُ وَلَدُ بِنْتِ الِابْنِ أُمَّ أُمِّهِ وَلَا أُمَّ أَبِي أُمِّهِ، وَتَرِثُ مِنْهُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلْت) عَنْ طَائِفَتَيْنِ اقْتَتَلَتَا مَثَلًا وَفُقِدَ مِنْهُمْ جَمْعٌ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُمْ فِي جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ فَهَلْ يُقَسَّمُ إرْثُهُمْ مَثَلًا وَتَتَزَوَّجُ نِسَاؤُهُمْ (فَأَجَبْت) لَا تَحِلُّ الْقِسْمَةُ وَلَا التَّزْوِيجُ إلَّا إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ مَوْتُهُ أَوْ مَضَتْ مُدَّةٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهَا وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فَلَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْهَا فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمَوْتِهِ وَقَسَمَ مَالَهُ عَلَى مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ الْحُكْمِ ثُمَّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ تَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَتْ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا مَوْتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ حَتَّى يَثْبُتَ مَوْتُهُ نَعَمْ لِمَنْ أَخْبَرَهَا عَدْلٌ، وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً بِوَفَاةِ زَوْجِهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ سِرًّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ لَا شَهَادَةٌ وَلَا تُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ قَدْ يُقَالُ: إذَا سَاغَ لَهَا اعْتِمَادُهُ، وَعَلِمْنَا ذَلِكَ اتَّجَهَ جَوَازُ اعْتِمَادِهِ ظَاهِرًا أَيْضًا فَفِيهِ وَقْفَةٌ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَيْ:؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا جَازَ لَهَا سِرًّا لِلضَّرُورَةِ فَلَوْ جَوَّزْنَاهُ لَهَا ظَاهِرًا لَكِنَّا مُبْطِلِينَ لِعِصْمَةٍ مُحَقَّقَةِ الثُّبُوتِ بِمُجَرَّدِ ظَنٍّ لَمْ يَعْتَضِدْ بِمَا يُقَوِّيهِ مِنْ حُكْمٍ أَوْ تَمَامِ نِصَابٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ رَدُّ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ
стр. 945
خِلَافُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ الْوَصِيَّةِ]
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبْدِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ عَتِيقٌ كَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَثَلًا وَثَمَرُ أَرْضِي الْفُلَانِيُّ أَوْ اسْتِغْلَالُ أَرْضِي الْفُلَانِيُّ وَصِيَّةٌ لَهُ مَثَلًا وَإِنْ سَرَقَ أَوْ سَافَرَ مِنْ بَلَدِنَا أَوْ نَاكَرَ أَهْلَهُ مَا هِيَ لَهُ مَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ قَوْلَهُ لِقِنِّهِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لَهُ فَيُعْتَقُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَيَسْتَحِقُّ الثَّمَرَ أَوْ الْغَلَّةَ، وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ عِتْقِهِ، وَمَا وَصَّى لَهُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ وَفَّى بِهِمَا فَذَاكَ أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ قُدِّمَ عِتْقُهُ، وَبَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِكُلٍّ عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ وَصَارَتْ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَبَعْضُهُ لِلْوَارِثِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى سَرَقَ أَوْ سَافَرَ أَوْ نَاكَرَ أَهْلَهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ فَهُوَ صَحِيحٌ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِكَذَا إلَّا أَعْطَى وَلَدِي كَذَا فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ اسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ، وَإِلَّا فَلَا.
ثُمَّ رَأَيْت جَمْعًا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ صَرَّحُوا بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ بِالشُّرُوطِ مِنْهُمْ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَصَاحِبُ التَّنْبِيهِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ، وَتَبِعَهُمْ الْقَمُولِيُّ فَقَالَ: تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ كَأَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا إنْ تَزَوَّجَ بِنْتِي أَوْ إنْ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ وَتَعْلِيقُهَا بِمَرَضِهِ كَإِنْ مِتُّ فِي مَرَضِي هَذَا فَأَعْطُوا فُلَانًا كَذَا أَوْ فَسَالِمٌ حُرٌّ فَإِنْ بَرِئَ، وَمَاتَ بِغَيْرِهِ بَطَلَتْ، وَعِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهَا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ عَتَقَتْ عَلَى الشَّرْطِ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ لَمْ يَبْطُلْ الْعِتْقُ، وَالنِّكَاحُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ يَمْنَعُ مِنْ إمْضَاءِ الْوَصِيَّةِ، وَنُفُوذَ الْعِتْقِ يَمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهِ لَكِنْ يُرْجَعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهَا، وَيَكُونُ مِيرَاثًا، وَلَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ لَمْ تَسْتَحِقَّ اسْتِرْجَاعَ الْقِيمَةِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ أُعْطِيت الْأَلْفَ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ اُسْتُرْجِعَ مِنْهَا بِخِلَافِ الْعِتْقِ انْتَهَتْ.
وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، وَالشَّرْطَ، وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ التَّدْرِيبِ أَنَّهَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ دُونَ الشَّرْطِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى شَرْطٍ يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، وَبِهِ يُرَدُّ أَيْضًا مَا فِي الرَّافِعِيِّ فِي الْوَقْفِ عَنْ الْقَفَّالِ مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ أَيْضًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّعْلِيقَ مَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِأَدَاتِهِ كَانَ، وَإِذَا، وَالشَّرْطُ مَا جُزِمَ فِيهِ بِالْأَصْلِ، وَشُرِطَ فِيهِ أَمْرًا آخَرَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ اتَّضَحَ مَا ذَكَرْته فِي الْجَوَابِ عَنْ صُورَةِ السُّؤَالِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ إفْتَاءٌ مُسْتَنِدٌ إلَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ فِي الْهِبَةِ يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ مَا تَقَرَّرَ، وَسَيُعْلَمُ رَدُّهُ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ، وَعِنْدَ وُجُودِ السَّرِقَةِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا شُرِطَ عَدَمُهُ يُسْتَرْجَعُ الْمُوصَى بِهِ لَهُ مِنْهُ إنْ بَقِيَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ مَنْ بَاعَهُ مَثَلًا فَإِنْ تَلِفَ رَجَعَ الْوَرَثَةُ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ فِي الْمِثْلِيِّ وَقِيمَتِهِ فِي الْمُتَقَوِّمِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِآخَرَ بِعَيْنٍ وَقَالَ إلَّا مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ عَادَتْ لِوَارِثِي فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِ الْهِبَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ عَقْدُ الْعُمْرَى لَا شَرْطُهَا فَفِي أَعْمَرْتُكَ هَذَا أَوْ وَهَبْتُهُ لَك أَوْ جَعَلْته لَك عُمُرَكَ فَإِذَا مِتَّ عَادَ إلَيَّ أَوْ إلَى وَارِثِي صَحَّ الْعَقْدُ لَا الشَّرْطُ فَإِذَا قَبِلَ الْمُعَمَّرُ وَقَبَضَ مِلْكَهُ، فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ فَإِذَا مَاتَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ ثُمَّ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْعُمْرَى إلَّا بِمَوْتِ الْمُعَمِّرِ كَإِذَا مِتُّ فَهُوَ لَك عُمْرَك، فَيَكُونُ وَصِيَّةً فَإِنْ زَادَ، وَإِنْ مِتُّ عَادَ إلَيَّ أَوَ إلَى وَرَثَتِي أَوْ إلَى فُلَانٍ فَهُوَ وَصِيَّةٌ بِالْعُمْرَى عَلَى صُورَةِ الْحَاكِمِ السَّابِقَةِ اهـ.
فَافْهَمْ قَوْلَهُمْ، فَيَكُونُ وَصِيَّةً وَقَوْلُهُمْ فَهِيَ وَصِيَّةٌ إلَخْ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَمَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا يُوجِبُ عَوْدَهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْعُمْرَى مِنْ فَسَادِ الشَّرْطِ فِيهَا مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ.
وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت لَهُ بِهَذِهِ إلَّا بَلَغَ مَثَلًا وَبِمَنْفَعَتِهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَهِيَ لِوَارِثِي فَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ تَقْيِيدُ الْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ بِمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِذَا بَلَغَ مَلَكَهَا وَقَبْلَ الْبُلُوغِ إنَّمَا يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهَا فَقَطْ وَقَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ لِوَارِثِي بَاطِلٌ لِمَا مَرَّ نَعَمْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: مَتَى دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ اشْتَرَطَ حُصُولَ الدُّخُولِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلَا تَدْبِيرَ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ بِالشَّرْطِ، وَلُزُومِهِ؛ لِأَنَّ
стр. 946
الشُّرُوطَ ثَمَّ لَا تُنَافِي مَوْضُوعَ الْوَصِيَّةِ، وَهُنَا تُنَافِيهَا إذْ مَوْضُوعُهَا مِلْكُ الْعَيْنِ، وَالتَّصْرِيفُ، وَأَنَّهَا لَا تَعُودُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي بِشَرْطِ عَوْدِهَا لَهُمْ لَا لِمُوجِبٍ مِنْ الْمُوصَى لَهُ فَكَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْعُمْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِيمَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِكَذَا وَكَذَا وَاجِبٌ كَفَّارَةً وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي وَصِيَّتِهِ أَنَّهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا غَيْرُهَا مَثَلًا وَذَلِكَ الْقَدْرُ لَا يَبْلُغُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَبْلُغُ تَمَامَ ثَانِيَةٍ كَيْفَ صَرَفَهَا مَثَلًا وَالْحَالُ أَنَّ فِي عُرْفِ الْمُوصِي أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ عَلَى غَيْرِ الْقَانُونِ الشَّرْعِيِّ بَيِّنُوا ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْوَاجِبِ، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ، وَإِلَّا فَمِنْ الثُّلُثِ فَلَوْ عَرَفَ بِالْقَرَائِنِ مِنْ الْمُوصِي إرَادَةَ الِاحْتِيَاطِ مَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ تِلْكَ الْكَفَّارَةِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهَا لِلِاحْتِيَاطِ وَلَا أَثَرَ لِلْقَرَائِنِ وَلَا لِلْعُرْفِ فِي ذَلِكَ وَلَا لِكَوْنِ الْكَفَّارَةِ الْمُوصَى بِهَا تَبْلُغُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا أَوْ تَنْقُصُ عَنْهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ، وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا، وَبَقِيَ بَعْضُهَا، وَيَلْزَمُهُ صَرْفُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِي الْكَفَّارَاتِ فَلْيُحْمَلْ لَفْظُهُ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا صَرَّحَ بِأَنَّ أَمْرَهُ بِإِخْرَاجِ تِلْكَ الْكَفَّارَاتِ إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فَإِنْ كَانَ الِاحْتِيَاطُ وَاجِبًا كَانَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ احْتِيَاطًا مَنْدُوبًا كَانَتْ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ شَكَّ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ انْصِرَافُهُ إلَى الْمَنْدُوبِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الِاحْتِيَاطِ، وَيُحْتَمَلُ انْصِرَافُهُ لِلْوَاجِبِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى وَصِيَّةً، وَضَمَّنَ مَكْتُوبَ الْوَصِيَّةِ بِإِشْهَادٍ شَرْعِيٍّ أَنَّهُ فِي عَامِ كَذَا أَوْقَفَ جَمِيعَ مَا بِيَدِهِ إذْ ذَاكَ مِنْ الْعَقَارِ بِمَكَّةَ، وَحَدَّهُ عَلَى أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ الثَّلَاثَةِ، وَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِالسَّوِيَّةِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، وَذُرِّيَّتِهِمْ، وَنَسْلِهِمْ، وَعُوِّلَ عَلَى مَكْتُوبِ وَقْفٍ سَابِقٍ مُؤَرَّخٍ فِي الْعَامِ الْمَذْكُورِ أَعْلَاهُ ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ الْمُوصِيَ انْتَقَلَ بِالْوَفَاةِ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبُ الْوَقْفِ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي تَرِكَتِهِ، وَحَصَلَ نِزَاعٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْوَقْفِ الْمُتَضَمَّنِ بِكِتَابِ الْوَصِيَّةِ فَهَلْ هَذَا الْإِشْهَادُ الصَّادِرُ مِنْهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَخْرُجُ الْوَقْفُ مِنْ الثُّلُثِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا عُوِّلَ عَلَى مَكْتُوبِ الْوَقْفِ كَمَا ذُكِرَ أَعْلَاهُ، وَفُقِدَ عُمِلَ بِإِشْهَادِهِ الثَّانِي بِالْوَقْفِيَّةِ كَمَا ذَكَرَ بِكِتَابِ وَصِيَّتِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ فِي حَالِ مَرَضِهِ بِوَقْفٍ سَابِقٍ عَلَى الْمَرَضِ صَحَّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ تَبَرُّعًا حَتَّى يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ لِوَارِثٍ أَمْ أَجْنَبِيٍّ فَلَا تَدْخُلُ الْأَعْيَانُ الَّتِي أَقَرَّ بِوَقْفِيَّتِهَا فِي التَّرِكَةِ بَلْ تَكُونُ مُسْتَحَقَّةً لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ أَوْصَى بِنَخْلَةٍ عَلَى مَسْجِدٍ مَثَلًا وَأُخْرَى عَلَى مَكَان آخَرَ بِمَسْجِدٍ آخَرَ سَاقِيَّةٍ مَمْلُوكَةٍ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ ثُمَّ نَسِيَ الشُّهُودُ أَوْ بَعْضُهُمْ دُونَ النِّصَابِ مُعَيَّنَ كُلٍّ فَهَلْ يَأْتِي هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِيمَا لَوْ انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَمَا لَوْ أَشْكَلَ التَّقْسِيطُ عَلَى النُّشُوِّ لِجَهْلِ مِقْدَارِ السَّقْيِ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ جِهَةٍ كَمُعَيِّنِينَ الْوَقْفَ عَلَى إصْلَاحِهَا، وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ أَوْ مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ مَا قَالُوهُ فِي الْوَقْفِ لِيَتَعَرَّفَ هَلْ يَصِحُّ تَخْرِيجُ هَذِهِ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ ، وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ مَثَلًا وَجَهِلَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ أَوْ الْمَقَادِيرَ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ سَوَّى الْوَاقِفُ بَيْنَهُمْ أَوْ فَاضَلَ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ إذْ لَا مُرَجِّحَ.
فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَرْطِهِ وَلَا بَيِّنَةَ صُدِّقَ ذُو الْيَدِ بِيَمِينِهِ لِاعْتِضَادِ دَعْوَاهُ بِالْيَدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْوُقُوفِ يَدٌ أَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ سَوَّى بَيْنَهُمْ فَإِنْ جَهِلَ مُسْتَحِقُّ الْوَقْفِ صُرِفَ لِأَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ حَيًّا كَمَا بَيَّنَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إنْ كَانَ حَيًّا عُمِلَ بِقَوْلِهِ بِلَا يَمِينٍ فَإِنْ مَاتَ رَجَعَ لِوَارِثِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ وَلَهُ نَاظِرٌ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ رَجَعَ إلَيْهِ لَا إلَى الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ فَإِنْ وُجِدَ، وَاخْتَلَفَا فَهَلْ يَرْجِعُ إلَى الْوَارِثِ أَوْ إلَى النَّاظِرِ، وَجْهَانِ رَجَّحَ الْأَذْرَعِيُّ مِنْهُمَا الثَّانِيَ، وَفِي فَتَاوَى
стр. 947
النَّوَوِيِّ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّ الْوَقْفَ يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ لَا يَثْبُتُ بِهَا شُرُوطُهُ، وَتَفَاصِيلُهُ بَلْ إنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى مَدْرَسَةٍ مَثَلًا أَوْ تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ الشُّرُوطِ صَرَفَ النَّاظِرُ الْغَلَّةَ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ مَصَالِحِهَا اهـ.
وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ سُرَاقَةَ، وَغَيْرُهُ لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ الْأَرْجَحُ فِيهِ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ قَالَ: يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ لَا أَنَّ فُلَانًا وَقَفَهُ قَالَ: وَأَمَّا الشُّرُوطُ فَإِنْ شَهِدَ بِهَا مُنْفَرِدَةً لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي شَهَادَتِهِ بِأَصْلِ الْوَقْفِ سُمِعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوَقْفِ اهـ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ اهـ.
وَتَبِعَ الْإِسْنَوِيَّ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فَقَالَ الْأَوْجَهُ حَمْلُ مَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ اهـ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ سَوَّوْا بَيْنَ بَابَيْ الْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تُقَاسَ مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ فَيُقَالُ: إنْ كَانَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ رَجَعَ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ رَجَعَ إلَى وَصِيِّهِ إنْ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ فَإِنْ وُجِدَا، وَاخْتَلَفَا فَهَلْ يُرْجَعُ إلَى الْوَارِثِ أَوْ إلَى الْوَصِيِّ احْتِمَالَانِ أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي عَلَى قِيَاسِ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، وَلَا وَصِيٌّ قُسِمَتْ غَلَّةُ النَّخْلَتَيْنِ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ أَوْ الْمَسْجِدِ، وَالضَّمِيرُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ جِسْرٌ فِي وَسَطِ النَّهْرِ يُجْعَلَ لِسَدِّهِ حَتَّى يُسْقَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَرَاضِي، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ السَّابِقُ أَوْ جِهَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ بَلْ مَسْأَلَتُنَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّوَوِيِّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْجِهَاتِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ بَعْضٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ بَلْ سَوَّوْا بَيْنَهَا حَذَرًا مِنْ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَمَسْأَلَتُنَا نَتَحَقَّقُ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ النَّخْلَتَيْنِ مُسْتَحِقٌّ لِهَذِهِ، وَوَاحِدَةً مُسْتَحِقَّةٌ لِهَذَا فَاسْتِحْقَاقُهَا مُتَيَقَّنٌ، وَإِنَّمَا شَكَكْنَا فِي الْمُعَيَّنِ فَكَانَ حَمْلُهَا عَلَى التَّسَاوِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلَّا فَوْزُ إحْدَاهُمَا بِزِيَادَةٍ عَلَى حِصَّتِهَا مِنْ حِصَّةِ الْأُخْرَى أَوْلَى مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ الَّتِي فِيهَا احْتِمَالُ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُ أَنَّ إحْدَى الْجِهَاتِ فَازَ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ.
فَإِنْ قُلْت: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَقْفِ تَحَقَّقَ فِيهَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعَيَّنِينَ أَوْ الْجِهَاتِ حَقًّا فِي هَذَا الْوَقْفِ الْمَشْكُوكِ فِي شُرُوطِهِ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي تَعْجِيلِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَتَأَخُّرِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّا نَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنْ الْجِهَتَيْنِ حَقٌّ فِي كُلٍّ مِنْ النَّخْلَتَيْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهِمَا فَيَلْزَمُ عَلَى التَّسَاوِي هُنَا إعْطَاءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ شَيْئًا لَا اسْتِحْقَاقَ لَهَا فِيهِ بِوَجْهٍ لَا مُتَقَدِّمًا وَلَا مُتَأَخِّرًا بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ فَإِنَّ غَايَةَ مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْجِيلُ حَقِّ الْمُتَأَخِّرِ وَهَذَا الْحَقُّ كَمَا لَا يَخْفَى قُلْت: مُحْتَمَلٌ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ بَعْضَ الْجِهَاتِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ قَدْ يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فِي هَذَا الْوَقْفِ بِأَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُ مَشْرُوطًا بِانْقِرَاضِ غَيْرِهِ إلَى ذَهَابِ عَيْنِ الْوَقْفِ، وَالْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَاسْتَوَتْ الْمَسْأَلَتَانِ، وَيَكْفِي فِي الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا يُحْتَمَلُ فِيهِ إعْطَاءُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، وَتَنْقِيصُ حَقِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ وَهَذَا جَامِعٌ صَحِيحٌ يَكْفِي مِثْلُهُ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا تَخْرِيجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي السُّؤَالِ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ أَنَّ مَا يُسْقَى بِنَحْوِ الْمَطَرِ، وَالدُّولَابِ سَوَاءٌ وَاجِبُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا قُسِّطَ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ أَوْ الثَّمَرِ، وَنَمَائِهِ لَا بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ فَلَوْ كَانَتْ مُدَّتُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَسَقَى فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الشِّتَاءِ، وَالرَّبِيعِ مَرَّتَيْنِ بِالْمَطَرِ، وَفِي شَهْرَيْنِ مِنْ الصَّيْفِ ثَلَاثَةً بِالنَّضْحِ، وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَرُبْعُ نِصْفِهِ فَإِنْ جَهِلَ الْمِقْدَارَ أَوْ الْغَالِبَ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ عِنْدَ الْجَهْلِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَقْدِيرِ التَّسَاوِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَلَا حَدَّ لِلنَّقْصِ عَنْ التَّسَاوِي يُرْجَعُ إلَيْهِ فَقَدَّرْنَا التَّسَاوِيَ احْتِيَاطًا وَقِيلَ: الْوَاجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ، وَيُرَدُّ بِمَا ذَكَرْته، وَبِهِ يَتَّضِحُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهَا عَلَى هَذِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي هَذِهِ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُسْتَحَقِّينَ لَكِنْ شَكَكْنَا فِي قَدْرِ حَقِّهِمْ فَقَدَّرْنَا التَّسَاوِيَ احْتِيَاطًا
стр. 948
لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ مُتَّحِدٌ، وَالْمَغْرُومُ عَنْهُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ فِيهَا جِهَتَانِ مُتَمَايِزَتَانِ، وَالْمُسْتَحَقَّ عَيْنَانِ كَذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى التَّسَاوِي فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ لِلِاحْتِيَاطِ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ كَانَ مُوَافِقًا لِمَا قَرَّرْته فِي قِيَاسِهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ، وَعَلَى مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَضِي مَا يَقْتَضِيه الْآخَرُ لَا أَنَّهُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَعُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِجِهَتَيْنِ أَوْ لِمُعَيَّنَيْنِ أَوْ لِجِهَاتٍ أَوْ لِمُعَيَّنِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْوَصِيِّ بِتَفْرِقَةِ الْكَفَّارَةِ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ مَثَلًا وَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَوْصَى لَهُ بِتَفْرِقَتِهِ سَوَاءٌ الْكَفَّارَةُ، وَغَيْرُهَا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأُمِّ إذَا قَالَ الرَّجُلُ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ يَضَعُهُ حَيْثُ يَرَاهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى بَيْعِهِ يَكُونُ مُبَايِعًا، وَهُوَ لَا يَكُونُ مُبَايِعًا إلَّا لِغَيْرِهِ وَكَذَا مَعْنَى يَضَعُهُ يُعْطِيه لِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا كَانَ يَجُوزُ لِلْمَيِّتِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُعْطِيَهُ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ صَيَّرَهُ إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ لِلْمَيِّتِ نَظَرٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَ نَفْسِهِ وَلَا يُودِعُهُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لِلْمَيِّتِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الْأَجْرُ لِلْمَيِّتِ أَنْ يَسْلُكَ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ الَّتِي يُرْجَى أَنْ تُقَرِّبَهُ إلَى اللَّهِ عَزَّ، وَجَلَّ قَالَ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَاخْتَارَ لِلْمُوصَى إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْ قَرَابَةِ الْمَيِّتِ حَتَّى يُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإِنَّ إعْطَاءَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ لِمَا يَنْفَرِدُونَ بِهِ مِنْ صِلَةِ الْمَيِّتِ قَرَابَتَهُمْ، وَيَشْتَرِكُونَ بِهِ أَهْل الْحَاجَاتِ فِي حَاجَاتِهِمْ وَقَرَابَته مَا وَصَفْت مِنْ الْقَرَابَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَالْأُمِّ مَعًا وَلَيْسَ الرَّضَاعُ قَرَابَةً، وَأُحِبُّ لَهُ إنْ كَانَ لَهُ رُضَعَاءُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ دُونَ جِيرَانِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ تُقَابِلُ حُرْمَةَ النَّسَبِ.
ثُمَّ أُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَ قَرَابَتَهُ الْأَقْرَبَ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبَ، وَأَقْصَى الْجِوَارِ فِيهَا أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ثُمَّ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِفَقِيرٍ مِمَّنْ يَجِدُ، وَأَشَدُّهُ تَعَفُّفًا، وَانْكِسَارًا وَلَا يُبْقِي فِي يَدِهِ مِنْهُ شَيْئًا يُمْكِنُهُ أَنْ يُخْرِجَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ اهـ. كَلَامُ الْأُمِّ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ نَفِيسَةٍ فَلِذَا أَحْبَبْت ذِكْرَهُ بِرُمَّتِهِ لِيُسْتَفَادَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ لَوْ قَالَ: ضَعْ ثُلُثَ مَالِي حَيْثُ رَأَيْت أَوْ فِيمَا أَرَاك اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَضْعُهُ فِي نَفْسِهِ اهـ. وَبِكَلَامِ الْأُمِّ، وَالرَّوْضَةِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فَرِّقْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ لِلْفُقَرَاءِ مَثَلًا وَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ مَثَلًا وَهُوَ مِسْكِينٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ بِلَا تَرْجِيحٍ.
فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ لِلْمُوصِي طَرِيقٌ فِي الْأَخْذِ قُلْت: نَعَمْ بِأَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ، فَيَأْخُذَهُ النَّاظِرُ الْعَامُّ، وَهُوَ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ كَانَ وَصِيًّا فَإِنْ قُلْت: لَا يُحْتَاجُ لِعَزْلِهِ نَفْسَهُ بَلْ حَيْثُ فَرَّقَ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ جَازَ لَهُ إعْطَاؤُهُ قُلْت: مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْقَاضِي مَعَ وُجُودِ الْوَصِيِّ فَعُلِمَ أَنَّ بَقَاءَهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ قَادِحٍ فِيهِ مَانِعٌ لِلْقَاضِي مِنْ التَّصَرُّفِ وَلَهُ مِنْ الْأَخْذِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا تَوَاطَأَ شَخْصٌ مَثَلًا وَآخَرُ عَلَى أَنْ يُوصِيَ لِلْآخَرِ بِشَيْءٍ مَثَلًا وَيَرُدَّهُ عَلَى أَحَدِ وَرَثَتِهِ ثُمَّ أَوْصَى فَمَاتَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الرَّدِّ فَهَلْ الْمُوصَى بِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي مَثَلًا وَلَوْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَرُدَّ لَكِنْ قَدْ مَاتَ الْمُتَوَاطِئُ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ مَثَلًا وَخَلَّفَ وَرَثَةً وَقُلْنَا أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ الرَّدَّ عَلَى الْمُوَرِّثِ لَا الْوَارِثِ مَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ حَيْثُ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لِلْمُوصَى لَهُ بِأَنْ وُجِدَتْ فِيهَا شُرُوطُهَا الْمَعْرُوفَةُ، وَمِنْهَا أَنْ يَقْبَلَهَا الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِذَا قَبِلَهَا حِينَئِذٍ مَلَكَهَا مِلْكًا تَامًّا وَلَا عِبْرَةَ بِمُوَاطَأَتِهِ مَعَ الْمُوصِي عَلَى أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَحَدِ وَرَثَتِهِ فَإِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ كَانَ الْمُوصَى بِهِ لِوَرَثَتِهِ لَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، وَلَوْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَفِيَ بِمَا وَاطَأَ عَلَيْهِ الْمُوصِي جَازَ لَهُ الرَّدُّ إلَى أَحَدِ وَرَثَةِ الْمُوصِي، وَإِلَى وَارِثِ ذَلِكَ الْأَحَدِ لَكِنْ لَا يَكْفِي قَوْلُهُ رَدَدْت ذَلِكَ
стр. 949
عَلَيْك بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إيجَابٍ وَقَبُولٍ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ جَدِيدٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا تَامًّا فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِصِيغَةٍ تُفِيدُ التَّمْلِيكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ وَصِيٍّ شَاهِدٍ عَلَى طِفْلٍ بِمُوصًى بِهِ لِآخَرَ فِي مُخَلَّفٍ إلَى هَذَا الطِّفْلِ لَا شَاهِدَ بِهِ غَيْرُهُ هَلْ لَهُ تَنْفِيذُ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْوَصِيَّ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِإِنْسَانٍ وَصِيَّةً صَحِيحَةً وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ جَازَ لَهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لَهُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَاطِنًا حَيْثُ لَمْ يَخْشَ مِنْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهَا إلَى الْمُوصَى لَهُ لَزِمَهُ إمْسَاكُهَا وَعَدَمُ التَّصَرُّفِ فِيهَا حَتَّى يَكْمُلَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْلِمَهُ بِالْحَالِ لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهَا هَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْوَصِيَّ فِي مَالِ الْمُوصَى عَلَيْهِ مُتَصَرِّفًا لَهُ
بِالْمَصْلَحَةِ
وَهَذَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ خَافَ عَلَى الْمَالِ مِنْ اسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ جَازَ لَهُ تَخْلِيصُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمِنْ هَذَا مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا لِقَاضِي سُوءٍ لَانْتَزَعَ مِنْهُ الْمَالَ، وَسَلَّمَهُ لِبَعْضِ خَوَنَتِهِ، وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى اسْتِئْصَالِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّى فِي أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْضَى بِهِ الظَّالِمُ، وَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُهُ إذَا نَازَعَهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُشْدِهِ فِي بَذْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ قَالَ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَجُوزُ تَغْيِيبُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالسَّفِيهِ، وَالْمَجْنُونِ لِحِفْظِهِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْغَصْبُ كَمَا فِي قِصَّةِ الْخَضِرِ ﵊، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ هُنَا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ لِهَذَا الْغَرَضِ إلَّا إنْ دَلَّتْ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا، وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا مَرَّ ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ فِي الْخَتَمَاتِ وَاحِدًا أَوْ لَا بُدَّ مِنْ جَمَاعَةٍ وَهَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا وَهَلْ يَكُونُ الْقَارِئُ الْمُوصَى بِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ سِيَّمَا كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ الَّذِي ذَكَرْته فِي أَوَائِلِ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي زَمَنِ الْمُوصِي عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي قِرَاءَةِ تِلْكَ الْخَتْمَةِ أَوْ الْخَتْمَاتِ وَجَبَ عَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا اطَّرَدَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَادَةٌ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ وَاحِدًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصَى بِهِ خَتْمَةً أَمْ أَكْثَرَ ثُمَّ إنْ كَانَ لَفْظُ الْمُوصِي أَوْصَيْت بِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ كَانَ الْوَاجِبُ قِرَاءَةَ خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَوْصَيْت بِقِرَاءَةِ خَتَمَاتٍ كَانَ الْوَاجِبُ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ، وَإِذَا عَيَّنَ الْوَصِيُّ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ لِلْقِرَاءَةِ فَقَبِلَ وَقَرَأَ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا أَوْصَى لِمَنْ بَاتَ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ هَلْ لَهُ النَّوْمُ إذَا غَلَبَهُ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَهَلْ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مَثَلًا وَإِذَا تَرَكَ لَيْلَةً بَاتَ الْمُوصِي فِي الْقَبْرِ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا هَلْ يَقْضِي أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ قِيَاسُ نَظَائِرِهِ أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِمَنْ بَاتَ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ اسْتِيعَابُ اللَّيْلِ بِالْقِرَاءَةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ إحْيَاءُ أَكْثَرِهِ بِالْقِرَاءَةِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَحْيَا الْأَكْثَرَ جَازَ لَهُ نَوْمُ الْبَاقِي سَوَاءٌ أَغَلَبَهُ النَّوْمُ قَبْلَ أَنْ يُحْيِيَ الْأَكْثَرَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّوْمُ لَكِنْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي فَوَّتَهُ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ لَيْلَةً كَامِلَةً سَوَاءٌ أَكَانَ عَامِدًا أَمْ سَاهِيًا فَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ الْقَضَاءُ بِأَنْ اسْتَغْرَقَتْ الْوَصِيَّةُ جَمِيعَ اللَّيَالِي حُسِبَ عَلَيْهِ مَا فَوَّتَهُ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّ الْمُدَرِّسَ أَوْ نَحْوَهُ لَوْ عَطَّلَ التَّدْرِيسَ أَيَّامًا فِي الشَّهْرِ حُسِبَ عَلَيْهِ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ.
فَإِنْ قُلْت: أَفْتَى الْبُرْهَانُ الْمَرَاغِيُّ بِأَنَّ مَنْ حُبِسَ ظُلْمًا عَنْ مُبَاشَرَةِ مَثَلًا وَظَائِفِهِ اسْتَحَقَّ جَامَكِيَّةً مُدَّةَ حَبْسِهِ قُلْت: مَا أَفْتَى بِهِ ضَعِيفٌ، وَالْقِيَاسُ خِلَافُهُ، وَمِنْ ثَمَّ عَرَضَ مَا أَتَى بِهِ عَلَى التَّاجِ الْفَزَارِيّ فَامْتَنَعَ مِنْ مُوَافَقَتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ جَامِعُ فَتَاوَى التَّاجِ الْمَذْكُورِ، وَغَيْرُهُ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيّ نَقَلَ عَنْ التَّاجِ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّ مَنْ تَوَلَّى وَظِيفَةً، وَأُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ مُبَاشَرَتِهَا اسْتَحَقَّ الْمَعْلُومَ ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهَا جِعَالَةٌ، وَهُوَ لَمْ يُبَاشِرْ اهـ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنْ يَكُونَ التَّاجُ مِمَّنْ لَمْ يُوَافِقْ الْبُرْهَانَ أَوْ لَا ثُمَّ وَافَقَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا
стр. 950
قَالَاهُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَمَا تَقَرَّرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا حُكْمُ الْفِرَارِ، وَالْمَجِيءِ مِنْ مَكَانِ الطَّاعُونِ، وَإِلَيْهِ وَهَلْ حُكْمُ مَكَانِهِ فِي بُيُوتِ الْجِيرَانِ كَحُكْمِ مَكَانِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى وَهَلْ صَحَّ أَنَّهُ وَخْزٌ مِنْ الْجِنِّ، وَإِذَا خَصَّ فِي قَرْيَةٍ فِي الصِّغَارِ، وَنَادِرًا فِي الْكِبَارِ هَلْ يَكُونُ التَّبَرُّعُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا مَاتَ وَقْتَ الطَّاعُونِ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَصْلُ فِي امْتِنَاعِ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ قَوْلُهُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] الْآيَةَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبِ فِرَارِهِمْ، وَأَحْسَنُ الطُّرُقِ، وَأَقْوَاهَا أَنَّ فِرَارَهُمْ كَانَ بِسَبَبِ الطَّاعُونِ، وَفِي مُدَّةِ مَوْتِهِمْ فَقِيلَ: سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَقِيلَ: ثَمَانِيَةٌ وَقِيلَ: شَهْرٌ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْهُ بِحَيْثُ بَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُمْ رَجَعُوا وَقَدْ تَوَالَدَتْ ذُرِّيَّتُهُمْ، وَفِي عَدَدِهِمْ، وَمُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَصَوَّبَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا أَزْيَدَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأُلُوفَ جَمْعُ كَثْرَةٍ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ.
وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ: أَنَّهُمْ سِتُّ مِائَةِ أَلْفٍ، وَمِنْ غَرَائِبِ التَّفْسِيرِ أَنَّ أُلُوفٌ جَمْعُ آلِفٍ كَجُلُوسٍ جَمْعُ جَالِسٍ فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى الْعَدَدِ بَلْ عَلَى تَأَلُّفِ قُلُوبِهِمْ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ كَمَا قَالَهُ الرَّازِيّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ كَرِهَ فِرَارَهُمْ مِنْ الطَّاعُونِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] ، وَفِي امْتِنَاعِ الدُّخُولِ إلَى مَكَانِهِ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إنَّ الطَّاعُونَ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، وَعَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» .
، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ إلَى الشَّامِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا أُخْبِرَ أَنَّ بِهَا طَاعُونًا فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَرَأَى بَعْضُهُمْ الدُّخُولَ لِيَتِمَّ مَا خَرَجُوا إلَيْهِ، وَبَعْضُهُمْ عَدَمَهُ خَوْفًا عَلَى مَنْ مَعَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ دَعَا الْأَنْصَارَ فَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ دَعَا مَشْيَخَةَ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، وَهُمْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْفَتْحِ فَحَصَلَ لَهُمْ فَضْلٌ بِالْهِجْرَةِ قَبْلَهُ إذْ لَا هِجْرَةَ بَعْدَهُ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ فَنَادَى عُمَرُ بِذَلِكَ فِي النَّاسِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ: أَوَغَيْرُك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك إبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إنْ رَعَيْت الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْت الْجَدْبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ فَقَالَ: إنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثُمَّ انْصَرَفَ» .
، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ مَثَلًا وَالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَالِكِيَّيْنِ أَنَّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ لِلتَّحْرِيمِ ثُمَّ زَادَ الثَّانِي أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: هُوَ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى إمَامُ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فَإِنَّهُ تَرْجَمَ فِي صَحِيحِهِ بَابُ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «الْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَغَيْرُهُمْ.
، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيّ، وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُونَ: مَذْهَبُنَا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِرَارِ مِنْهُ لِلتَّحْرِيمِ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ الْقُدُومِ عَلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ كَالْفِرَارِ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَفِي الْأَحَادِيثِ
следующие страницы →