Полный текст (1 335 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
الشُّرُوطَ ثَمَّ لَا تُنَافِي مَوْضُوعَ الْوَصِيَّةِ، وَهُنَا تُنَافِيهَا إذْ مَوْضُوعُهَا مِلْكُ الْعَيْنِ، وَالتَّصْرِيفُ، وَأَنَّهَا لَا تَعُودُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي بِشَرْطِ عَوْدِهَا لَهُمْ لَا لِمُوجِبٍ مِنْ الْمُوصَى لَهُ فَكَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْعُمْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِيمَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِكَذَا وَكَذَا وَاجِبٌ كَفَّارَةً وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي وَصِيَّتِهِ أَنَّهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا غَيْرُهَا مَثَلًا وَذَلِكَ الْقَدْرُ لَا يَبْلُغُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَبْلُغُ تَمَامَ ثَانِيَةٍ كَيْفَ صَرَفَهَا مَثَلًا وَالْحَالُ أَنَّ فِي عُرْفِ الْمُوصِي أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ عَلَى غَيْرِ الْقَانُونِ الشَّرْعِيِّ بَيِّنُوا ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْوَاجِبِ، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ، وَإِلَّا فَمِنْ الثُّلُثِ فَلَوْ عَرَفَ بِالْقَرَائِنِ مِنْ الْمُوصِي إرَادَةَ الِاحْتِيَاطِ مَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ تِلْكَ الْكَفَّارَةِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهَا لِلِاحْتِيَاطِ وَلَا أَثَرَ لِلْقَرَائِنِ وَلَا لِلْعُرْفِ فِي ذَلِكَ وَلَا لِكَوْنِ الْكَفَّارَةِ الْمُوصَى بِهَا تَبْلُغُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا أَوْ تَنْقُصُ عَنْهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ، وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا، وَبَقِيَ بَعْضُهَا، وَيَلْزَمُهُ صَرْفُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِي الْكَفَّارَاتِ فَلْيُحْمَلْ لَفْظُهُ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا صَرَّحَ بِأَنَّ أَمْرَهُ بِإِخْرَاجِ تِلْكَ الْكَفَّارَاتِ إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فَإِنْ كَانَ الِاحْتِيَاطُ وَاجِبًا كَانَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ احْتِيَاطًا مَنْدُوبًا كَانَتْ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ شَكَّ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ انْصِرَافُهُ إلَى الْمَنْدُوبِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الِاحْتِيَاطِ، وَيُحْتَمَلُ انْصِرَافُهُ لِلْوَاجِبِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى وَصِيَّةً، وَضَمَّنَ مَكْتُوبَ الْوَصِيَّةِ بِإِشْهَادٍ شَرْعِيٍّ أَنَّهُ فِي عَامِ كَذَا أَوْقَفَ جَمِيعَ مَا بِيَدِهِ إذْ ذَاكَ مِنْ الْعَقَارِ بِمَكَّةَ، وَحَدَّهُ عَلَى أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ الثَّلَاثَةِ، وَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِالسَّوِيَّةِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، وَذُرِّيَّتِهِمْ، وَنَسْلِهِمْ، وَعُوِّلَ عَلَى مَكْتُوبِ وَقْفٍ سَابِقٍ مُؤَرَّخٍ فِي الْعَامِ الْمَذْكُورِ أَعْلَاهُ ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ الْمُوصِيَ انْتَقَلَ بِالْوَفَاةِ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبُ الْوَقْفِ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي تَرِكَتِهِ، وَحَصَلَ نِزَاعٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْوَقْفِ الْمُتَضَمَّنِ بِكِتَابِ الْوَصِيَّةِ فَهَلْ هَذَا الْإِشْهَادُ الصَّادِرُ مِنْهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَخْرُجُ الْوَقْفُ مِنْ الثُّلُثِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا عُوِّلَ عَلَى مَكْتُوبِ الْوَقْفِ كَمَا ذُكِرَ أَعْلَاهُ، وَفُقِدَ عُمِلَ بِإِشْهَادِهِ الثَّانِي بِالْوَقْفِيَّةِ كَمَا ذَكَرَ بِكِتَابِ وَصِيَّتِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ فِي حَالِ مَرَضِهِ بِوَقْفٍ سَابِقٍ عَلَى الْمَرَضِ صَحَّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ تَبَرُّعًا حَتَّى يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ لِوَارِثٍ أَمْ أَجْنَبِيٍّ فَلَا تَدْخُلُ الْأَعْيَانُ الَّتِي أَقَرَّ بِوَقْفِيَّتِهَا فِي التَّرِكَةِ بَلْ تَكُونُ مُسْتَحَقَّةً لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ أَوْصَى بِنَخْلَةٍ عَلَى مَسْجِدٍ مَثَلًا وَأُخْرَى عَلَى مَكَان آخَرَ بِمَسْجِدٍ آخَرَ سَاقِيَّةٍ مَمْلُوكَةٍ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ ثُمَّ نَسِيَ الشُّهُودُ أَوْ بَعْضُهُمْ دُونَ النِّصَابِ مُعَيَّنَ كُلٍّ فَهَلْ يَأْتِي هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِيمَا لَوْ انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَمَا لَوْ أَشْكَلَ التَّقْسِيطُ عَلَى النُّشُوِّ لِجَهْلِ مِقْدَارِ السَّقْيِ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ جِهَةٍ كَمُعَيِّنِينَ الْوَقْفَ عَلَى إصْلَاحِهَا، وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ أَوْ مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ مَا قَالُوهُ فِي الْوَقْفِ لِيَتَعَرَّفَ هَلْ يَصِحُّ تَخْرِيجُ هَذِهِ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ ، وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ مَثَلًا وَجَهِلَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ أَوْ الْمَقَادِيرَ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ سَوَّى الْوَاقِفُ بَيْنَهُمْ أَوْ فَاضَلَ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ إذْ لَا مُرَجِّحَ.
فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَرْطِهِ وَلَا بَيِّنَةَ صُدِّقَ ذُو الْيَدِ بِيَمِينِهِ لِاعْتِضَادِ دَعْوَاهُ بِالْيَدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْوُقُوفِ يَدٌ أَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ سَوَّى بَيْنَهُمْ فَإِنْ جَهِلَ مُسْتَحِقُّ الْوَقْفِ صُرِفَ لِأَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ حَيًّا كَمَا بَيَّنَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إنْ كَانَ حَيًّا عُمِلَ بِقَوْلِهِ بِلَا يَمِينٍ فَإِنْ مَاتَ رَجَعَ لِوَارِثِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ وَلَهُ نَاظِرٌ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ رَجَعَ إلَيْهِ لَا إلَى الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ فَإِنْ وُجِدَ، وَاخْتَلَفَا فَهَلْ يَرْجِعُ إلَى الْوَارِثِ أَوْ إلَى النَّاظِرِ، وَجْهَانِ رَجَّحَ الْأَذْرَعِيُّ مِنْهُمَا الثَّانِيَ، وَفِي فَتَاوَى
стр. 947
النَّوَوِيِّ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّ الْوَقْفَ يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ لَا يَثْبُتُ بِهَا شُرُوطُهُ، وَتَفَاصِيلُهُ بَلْ إنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى مَدْرَسَةٍ مَثَلًا أَوْ تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ الشُّرُوطِ صَرَفَ النَّاظِرُ الْغَلَّةَ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ مَصَالِحِهَا اهـ.
وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ سُرَاقَةَ، وَغَيْرُهُ لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ الْأَرْجَحُ فِيهِ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ قَالَ: يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ لَا أَنَّ فُلَانًا وَقَفَهُ قَالَ: وَأَمَّا الشُّرُوطُ فَإِنْ شَهِدَ بِهَا مُنْفَرِدَةً لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي شَهَادَتِهِ بِأَصْلِ الْوَقْفِ سُمِعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوَقْفِ اهـ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ اهـ.
وَتَبِعَ الْإِسْنَوِيَّ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فَقَالَ الْأَوْجَهُ حَمْلُ مَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ اهـ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ سَوَّوْا بَيْنَ بَابَيْ الْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تُقَاسَ مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ فَيُقَالُ: إنْ كَانَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ رَجَعَ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ رَجَعَ إلَى وَصِيِّهِ إنْ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ فَإِنْ وُجِدَا، وَاخْتَلَفَا فَهَلْ يُرْجَعُ إلَى الْوَارِثِ أَوْ إلَى الْوَصِيِّ احْتِمَالَانِ أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي عَلَى قِيَاسِ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، وَلَا وَصِيٌّ قُسِمَتْ غَلَّةُ النَّخْلَتَيْنِ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ أَوْ الْمَسْجِدِ، وَالضَّمِيرُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ جِسْرٌ فِي وَسَطِ النَّهْرِ يُجْعَلَ لِسَدِّهِ حَتَّى يُسْقَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَرَاضِي، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ السَّابِقُ أَوْ جِهَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ بَلْ مَسْأَلَتُنَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّوَوِيِّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْجِهَاتِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ بَعْضٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ بَلْ سَوَّوْا بَيْنَهَا حَذَرًا مِنْ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَمَسْأَلَتُنَا نَتَحَقَّقُ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ النَّخْلَتَيْنِ مُسْتَحِقٌّ لِهَذِهِ، وَوَاحِدَةً مُسْتَحِقَّةٌ لِهَذَا فَاسْتِحْقَاقُهَا مُتَيَقَّنٌ، وَإِنَّمَا شَكَكْنَا فِي الْمُعَيَّنِ فَكَانَ حَمْلُهَا عَلَى التَّسَاوِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلَّا فَوْزُ إحْدَاهُمَا بِزِيَادَةٍ عَلَى حِصَّتِهَا مِنْ حِصَّةِ الْأُخْرَى أَوْلَى مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ الَّتِي فِيهَا احْتِمَالُ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُ أَنَّ إحْدَى الْجِهَاتِ فَازَ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ.
فَإِنْ قُلْت: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَقْفِ تَحَقَّقَ فِيهَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعَيَّنِينَ أَوْ الْجِهَاتِ حَقًّا فِي هَذَا الْوَقْفِ الْمَشْكُوكِ فِي شُرُوطِهِ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي تَعْجِيلِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَتَأَخُّرِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّا نَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنْ الْجِهَتَيْنِ حَقٌّ فِي كُلٍّ مِنْ النَّخْلَتَيْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهِمَا فَيَلْزَمُ عَلَى التَّسَاوِي هُنَا إعْطَاءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ شَيْئًا لَا اسْتِحْقَاقَ لَهَا فِيهِ بِوَجْهٍ لَا مُتَقَدِّمًا وَلَا مُتَأَخِّرًا بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ فَإِنَّ غَايَةَ مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْجِيلُ حَقِّ الْمُتَأَخِّرِ وَهَذَا الْحَقُّ كَمَا لَا يَخْفَى قُلْت: مُحْتَمَلٌ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ بَعْضَ الْجِهَاتِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ قَدْ يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فِي هَذَا الْوَقْفِ بِأَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُ مَشْرُوطًا بِانْقِرَاضِ غَيْرِهِ إلَى ذَهَابِ عَيْنِ الْوَقْفِ، وَالْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَاسْتَوَتْ الْمَسْأَلَتَانِ، وَيَكْفِي فِي الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا يُحْتَمَلُ فِيهِ إعْطَاءُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، وَتَنْقِيصُ حَقِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ وَهَذَا جَامِعٌ صَحِيحٌ يَكْفِي مِثْلُهُ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا تَخْرِيجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي السُّؤَالِ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ أَنَّ مَا يُسْقَى بِنَحْوِ الْمَطَرِ، وَالدُّولَابِ سَوَاءٌ وَاجِبُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا قُسِّطَ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ أَوْ الثَّمَرِ، وَنَمَائِهِ لَا بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ فَلَوْ كَانَتْ مُدَّتُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَسَقَى فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الشِّتَاءِ، وَالرَّبِيعِ مَرَّتَيْنِ بِالْمَطَرِ، وَفِي شَهْرَيْنِ مِنْ الصَّيْفِ ثَلَاثَةً بِالنَّضْحِ، وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَرُبْعُ نِصْفِهِ فَإِنْ جَهِلَ الْمِقْدَارَ أَوْ الْغَالِبَ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ عِنْدَ الْجَهْلِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَقْدِيرِ التَّسَاوِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَلَا حَدَّ لِلنَّقْصِ عَنْ التَّسَاوِي يُرْجَعُ إلَيْهِ فَقَدَّرْنَا التَّسَاوِيَ احْتِيَاطًا وَقِيلَ: الْوَاجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ، وَيُرَدُّ بِمَا ذَكَرْته، وَبِهِ يَتَّضِحُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهَا عَلَى هَذِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي هَذِهِ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُسْتَحَقِّينَ لَكِنْ شَكَكْنَا فِي قَدْرِ حَقِّهِمْ فَقَدَّرْنَا التَّسَاوِيَ احْتِيَاطًا
стр. 948
لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ مُتَّحِدٌ، وَالْمَغْرُومُ عَنْهُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ فِيهَا جِهَتَانِ مُتَمَايِزَتَانِ، وَالْمُسْتَحَقَّ عَيْنَانِ كَذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى التَّسَاوِي فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ لِلِاحْتِيَاطِ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ كَانَ مُوَافِقًا لِمَا قَرَّرْته فِي قِيَاسِهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ، وَعَلَى مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَضِي مَا يَقْتَضِيه الْآخَرُ لَا أَنَّهُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَعُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِجِهَتَيْنِ أَوْ لِمُعَيَّنَيْنِ أَوْ لِجِهَاتٍ أَوْ لِمُعَيَّنِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْوَصِيِّ بِتَفْرِقَةِ الْكَفَّارَةِ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ مَثَلًا وَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَوْصَى لَهُ بِتَفْرِقَتِهِ سَوَاءٌ الْكَفَّارَةُ، وَغَيْرُهَا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأُمِّ إذَا قَالَ الرَّجُلُ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ يَضَعُهُ حَيْثُ يَرَاهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى بَيْعِهِ يَكُونُ مُبَايِعًا، وَهُوَ لَا يَكُونُ مُبَايِعًا إلَّا لِغَيْرِهِ وَكَذَا مَعْنَى يَضَعُهُ يُعْطِيه لِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا كَانَ يَجُوزُ لِلْمَيِّتِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُعْطِيَهُ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ صَيَّرَهُ إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ لِلْمَيِّتِ نَظَرٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَ نَفْسِهِ وَلَا يُودِعُهُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لِلْمَيِّتِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الْأَجْرُ لِلْمَيِّتِ أَنْ يَسْلُكَ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ الَّتِي يُرْجَى أَنْ تُقَرِّبَهُ إلَى اللَّهِ عَزَّ، وَجَلَّ قَالَ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَاخْتَارَ لِلْمُوصَى إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْ قَرَابَةِ الْمَيِّتِ حَتَّى يُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإِنَّ إعْطَاءَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ لِمَا يَنْفَرِدُونَ بِهِ مِنْ صِلَةِ الْمَيِّتِ قَرَابَتَهُمْ، وَيَشْتَرِكُونَ بِهِ أَهْل الْحَاجَاتِ فِي حَاجَاتِهِمْ وَقَرَابَته مَا وَصَفْت مِنْ الْقَرَابَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَالْأُمِّ مَعًا وَلَيْسَ الرَّضَاعُ قَرَابَةً، وَأُحِبُّ لَهُ إنْ كَانَ لَهُ رُضَعَاءُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ دُونَ جِيرَانِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ تُقَابِلُ حُرْمَةَ النَّسَبِ.
ثُمَّ أُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَ قَرَابَتَهُ الْأَقْرَبَ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبَ، وَأَقْصَى الْجِوَارِ فِيهَا أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ثُمَّ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِفَقِيرٍ مِمَّنْ يَجِدُ، وَأَشَدُّهُ تَعَفُّفًا، وَانْكِسَارًا وَلَا يُبْقِي فِي يَدِهِ مِنْهُ شَيْئًا يُمْكِنُهُ أَنْ يُخْرِجَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ اهـ. كَلَامُ الْأُمِّ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ نَفِيسَةٍ فَلِذَا أَحْبَبْت ذِكْرَهُ بِرُمَّتِهِ لِيُسْتَفَادَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ لَوْ قَالَ: ضَعْ ثُلُثَ مَالِي حَيْثُ رَأَيْت أَوْ فِيمَا أَرَاك اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَضْعُهُ فِي نَفْسِهِ اهـ. وَبِكَلَامِ الْأُمِّ، وَالرَّوْضَةِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فَرِّقْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ لِلْفُقَرَاءِ مَثَلًا وَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ مَثَلًا وَهُوَ مِسْكِينٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ بِلَا تَرْجِيحٍ.
فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ لِلْمُوصِي طَرِيقٌ فِي الْأَخْذِ قُلْت: نَعَمْ بِأَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ، فَيَأْخُذَهُ النَّاظِرُ الْعَامُّ، وَهُوَ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ كَانَ وَصِيًّا فَإِنْ قُلْت: لَا يُحْتَاجُ لِعَزْلِهِ نَفْسَهُ بَلْ حَيْثُ فَرَّقَ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ جَازَ لَهُ إعْطَاؤُهُ قُلْت: مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْقَاضِي مَعَ وُجُودِ الْوَصِيِّ فَعُلِمَ أَنَّ بَقَاءَهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ قَادِحٍ فِيهِ مَانِعٌ لِلْقَاضِي مِنْ التَّصَرُّفِ وَلَهُ مِنْ الْأَخْذِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا تَوَاطَأَ شَخْصٌ مَثَلًا وَآخَرُ عَلَى أَنْ يُوصِيَ لِلْآخَرِ بِشَيْءٍ مَثَلًا وَيَرُدَّهُ عَلَى أَحَدِ وَرَثَتِهِ ثُمَّ أَوْصَى فَمَاتَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الرَّدِّ فَهَلْ الْمُوصَى بِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي مَثَلًا وَلَوْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَرُدَّ لَكِنْ قَدْ مَاتَ الْمُتَوَاطِئُ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ مَثَلًا وَخَلَّفَ وَرَثَةً وَقُلْنَا أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ الرَّدَّ عَلَى الْمُوَرِّثِ لَا الْوَارِثِ مَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ حَيْثُ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لِلْمُوصَى لَهُ بِأَنْ وُجِدَتْ فِيهَا شُرُوطُهَا الْمَعْرُوفَةُ، وَمِنْهَا أَنْ يَقْبَلَهَا الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِذَا قَبِلَهَا حِينَئِذٍ مَلَكَهَا مِلْكًا تَامًّا وَلَا عِبْرَةَ بِمُوَاطَأَتِهِ مَعَ الْمُوصِي عَلَى أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَحَدِ وَرَثَتِهِ فَإِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ كَانَ الْمُوصَى بِهِ لِوَرَثَتِهِ لَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، وَلَوْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَفِيَ بِمَا وَاطَأَ عَلَيْهِ الْمُوصِي جَازَ لَهُ الرَّدُّ إلَى أَحَدِ وَرَثَةِ الْمُوصِي، وَإِلَى وَارِثِ ذَلِكَ الْأَحَدِ لَكِنْ لَا يَكْفِي قَوْلُهُ رَدَدْت ذَلِكَ
стр. 949
عَلَيْك بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إيجَابٍ وَقَبُولٍ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ جَدِيدٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا تَامًّا فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِصِيغَةٍ تُفِيدُ التَّمْلِيكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ وَصِيٍّ شَاهِدٍ عَلَى طِفْلٍ بِمُوصًى بِهِ لِآخَرَ فِي مُخَلَّفٍ إلَى هَذَا الطِّفْلِ لَا شَاهِدَ بِهِ غَيْرُهُ هَلْ لَهُ تَنْفِيذُ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْوَصِيَّ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِإِنْسَانٍ وَصِيَّةً صَحِيحَةً وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ جَازَ لَهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لَهُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَاطِنًا حَيْثُ لَمْ يَخْشَ مِنْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهَا إلَى الْمُوصَى لَهُ لَزِمَهُ إمْسَاكُهَا وَعَدَمُ التَّصَرُّفِ فِيهَا حَتَّى يَكْمُلَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْلِمَهُ بِالْحَالِ لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهَا هَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْوَصِيَّ فِي مَالِ الْمُوصَى عَلَيْهِ مُتَصَرِّفًا لَهُ
بِالْمَصْلَحَةِ
وَهَذَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ خَافَ عَلَى الْمَالِ مِنْ اسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ جَازَ لَهُ تَخْلِيصُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمِنْ هَذَا مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا لِقَاضِي سُوءٍ لَانْتَزَعَ مِنْهُ الْمَالَ، وَسَلَّمَهُ لِبَعْضِ خَوَنَتِهِ، وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى اسْتِئْصَالِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّى فِي أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْضَى بِهِ الظَّالِمُ، وَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُهُ إذَا نَازَعَهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُشْدِهِ فِي بَذْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ قَالَ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَجُوزُ تَغْيِيبُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالسَّفِيهِ، وَالْمَجْنُونِ لِحِفْظِهِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْغَصْبُ كَمَا فِي قِصَّةِ الْخَضِرِ ﵊، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ هُنَا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ لِهَذَا الْغَرَضِ إلَّا إنْ دَلَّتْ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا، وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا مَرَّ ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ فِي الْخَتَمَاتِ وَاحِدًا أَوْ لَا بُدَّ مِنْ جَمَاعَةٍ وَهَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا وَهَلْ يَكُونُ الْقَارِئُ الْمُوصَى بِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ سِيَّمَا كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ الَّذِي ذَكَرْته فِي أَوَائِلِ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي زَمَنِ الْمُوصِي عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي قِرَاءَةِ تِلْكَ الْخَتْمَةِ أَوْ الْخَتْمَاتِ وَجَبَ عَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا اطَّرَدَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَادَةٌ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ وَاحِدًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصَى بِهِ خَتْمَةً أَمْ أَكْثَرَ ثُمَّ إنْ كَانَ لَفْظُ الْمُوصِي أَوْصَيْت بِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ كَانَ الْوَاجِبُ قِرَاءَةَ خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَوْصَيْت بِقِرَاءَةِ خَتَمَاتٍ كَانَ الْوَاجِبُ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ، وَإِذَا عَيَّنَ الْوَصِيُّ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ لِلْقِرَاءَةِ فَقَبِلَ وَقَرَأَ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا أَوْصَى لِمَنْ بَاتَ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ هَلْ لَهُ النَّوْمُ إذَا غَلَبَهُ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَهَلْ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مَثَلًا وَإِذَا تَرَكَ لَيْلَةً بَاتَ الْمُوصِي فِي الْقَبْرِ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا هَلْ يَقْضِي أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ قِيَاسُ نَظَائِرِهِ أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِمَنْ بَاتَ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ اسْتِيعَابُ اللَّيْلِ بِالْقِرَاءَةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ إحْيَاءُ أَكْثَرِهِ بِالْقِرَاءَةِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَحْيَا الْأَكْثَرَ جَازَ لَهُ نَوْمُ الْبَاقِي سَوَاءٌ أَغَلَبَهُ النَّوْمُ قَبْلَ أَنْ يُحْيِيَ الْأَكْثَرَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّوْمُ لَكِنْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي فَوَّتَهُ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ لَيْلَةً كَامِلَةً سَوَاءٌ أَكَانَ عَامِدًا أَمْ سَاهِيًا فَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ الْقَضَاءُ بِأَنْ اسْتَغْرَقَتْ الْوَصِيَّةُ جَمِيعَ اللَّيَالِي حُسِبَ عَلَيْهِ مَا فَوَّتَهُ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّ الْمُدَرِّسَ أَوْ نَحْوَهُ لَوْ عَطَّلَ التَّدْرِيسَ أَيَّامًا فِي الشَّهْرِ حُسِبَ عَلَيْهِ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ.
فَإِنْ قُلْت: أَفْتَى الْبُرْهَانُ الْمَرَاغِيُّ بِأَنَّ مَنْ حُبِسَ ظُلْمًا عَنْ مُبَاشَرَةِ مَثَلًا وَظَائِفِهِ اسْتَحَقَّ جَامَكِيَّةً مُدَّةَ حَبْسِهِ قُلْت: مَا أَفْتَى بِهِ ضَعِيفٌ، وَالْقِيَاسُ خِلَافُهُ، وَمِنْ ثَمَّ عَرَضَ مَا أَتَى بِهِ عَلَى التَّاجِ الْفَزَارِيّ فَامْتَنَعَ مِنْ مُوَافَقَتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ جَامِعُ فَتَاوَى التَّاجِ الْمَذْكُورِ، وَغَيْرُهُ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيّ نَقَلَ عَنْ التَّاجِ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّ مَنْ تَوَلَّى وَظِيفَةً، وَأُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ مُبَاشَرَتِهَا اسْتَحَقَّ الْمَعْلُومَ ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهَا جِعَالَةٌ، وَهُوَ لَمْ يُبَاشِرْ اهـ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنْ يَكُونَ التَّاجُ مِمَّنْ لَمْ يُوَافِقْ الْبُرْهَانَ أَوْ لَا ثُمَّ وَافَقَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا
стр. 950
قَالَاهُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَمَا تَقَرَّرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا حُكْمُ الْفِرَارِ، وَالْمَجِيءِ مِنْ مَكَانِ الطَّاعُونِ، وَإِلَيْهِ وَهَلْ حُكْمُ مَكَانِهِ فِي بُيُوتِ الْجِيرَانِ كَحُكْمِ مَكَانِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى وَهَلْ صَحَّ أَنَّهُ وَخْزٌ مِنْ الْجِنِّ، وَإِذَا خَصَّ فِي قَرْيَةٍ فِي الصِّغَارِ، وَنَادِرًا فِي الْكِبَارِ هَلْ يَكُونُ التَّبَرُّعُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا مَاتَ وَقْتَ الطَّاعُونِ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَصْلُ فِي امْتِنَاعِ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ قَوْلُهُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] الْآيَةَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبِ فِرَارِهِمْ، وَأَحْسَنُ الطُّرُقِ، وَأَقْوَاهَا أَنَّ فِرَارَهُمْ كَانَ بِسَبَبِ الطَّاعُونِ، وَفِي مُدَّةِ مَوْتِهِمْ فَقِيلَ: سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَقِيلَ: ثَمَانِيَةٌ وَقِيلَ: شَهْرٌ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْهُ بِحَيْثُ بَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُمْ رَجَعُوا وَقَدْ تَوَالَدَتْ ذُرِّيَّتُهُمْ، وَفِي عَدَدِهِمْ، وَمُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَصَوَّبَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا أَزْيَدَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأُلُوفَ جَمْعُ كَثْرَةٍ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ.
وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ: أَنَّهُمْ سِتُّ مِائَةِ أَلْفٍ، وَمِنْ غَرَائِبِ التَّفْسِيرِ أَنَّ أُلُوفٌ جَمْعُ آلِفٍ كَجُلُوسٍ جَمْعُ جَالِسٍ فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى الْعَدَدِ بَلْ عَلَى تَأَلُّفِ قُلُوبِهِمْ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ كَمَا قَالَهُ الرَّازِيّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ كَرِهَ فِرَارَهُمْ مِنْ الطَّاعُونِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] ، وَفِي امْتِنَاعِ الدُّخُولِ إلَى مَكَانِهِ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إنَّ الطَّاعُونَ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، وَعَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» .
، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ إلَى الشَّامِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا أُخْبِرَ أَنَّ بِهَا طَاعُونًا فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَرَأَى بَعْضُهُمْ الدُّخُولَ لِيَتِمَّ مَا خَرَجُوا إلَيْهِ، وَبَعْضُهُمْ عَدَمَهُ خَوْفًا عَلَى مَنْ مَعَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ دَعَا الْأَنْصَارَ فَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ دَعَا مَشْيَخَةَ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، وَهُمْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْفَتْحِ فَحَصَلَ لَهُمْ فَضْلٌ بِالْهِجْرَةِ قَبْلَهُ إذْ لَا هِجْرَةَ بَعْدَهُ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ فَنَادَى عُمَرُ بِذَلِكَ فِي النَّاسِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ: أَوَغَيْرُك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك إبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إنْ رَعَيْت الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْت الْجَدْبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ فَقَالَ: إنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثُمَّ انْصَرَفَ» .
، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ مَثَلًا وَالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَالِكِيَّيْنِ أَنَّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ لِلتَّحْرِيمِ ثُمَّ زَادَ الثَّانِي أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: هُوَ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى إمَامُ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فَإِنَّهُ تَرْجَمَ فِي صَحِيحِهِ بَابُ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «الْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَغَيْرُهُمْ.
، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيّ، وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُونَ: مَذْهَبُنَا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِرَارِ مِنْهُ لِلتَّحْرِيمِ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ الْقُدُومِ عَلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ كَالْفِرَارِ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَفِي الْأَحَادِيثِ
стр. 951
مَنْعُ الْقُدُومِ عَلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ، وَمَنْعُ الْخُرُوجُ مِنْهُ فِرَارًا مِنْ ذَلِكَ أَمَّا الْخُرُوجُ لِعَارِضٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - الْفِرَارُ مِنْهُ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْقُدُومَ عَلَيْهِ، وَالْخُرُوجَ عَنْهُ فِرَارًا أَيْ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَالْفِرَارِ مِنْهُ اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: أَمَّا الْخُرُوجُ عَنْهُ لِعَارِضٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَنَّ الْخُرُوجَ بِقَصْدِ التَّدَاوِي جَائِزٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمِنْ قَوْلِهِ: وَالْخُرُوجُ عَنْهُ فِرَارًا أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ لِأَجْلِ الْفِرَارِ فَمَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ الْحُرْمَةُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ، وَبِذَلِكَ يُرَدُّ قَوْلُ التَّاجِ السُّبْكِيّ: لَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فِيمَنْ خَرَجَ فَارًّا مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ شَيْءٌ لَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ فِيمَا إذَا خَرَجَ لِلتَّدَاوِي اهـ.
وَوَجْهُ رَدِّهِ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ خُرُوجَهُ لِلتَّدَاوِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَائِزًا بِلَا خِلَافٍ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَمِنْ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَنْ خَرَجَ لِلْفِرَارِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ شَرْحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا نَعَمْ إنْ اقْتَرَنَ بِقَصْدِ الْفِرَارِ قَصْدُ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ، وَأَنَّ فِعْلَهُ هُوَ الْمُنَجِّي لَهُ فَوَاضِحٌ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ بَلْ كُفْرٌ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ قَصْدِ الْفِرَارِ فَقَطْ فَإِنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ وَقَدْ مَرَّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَأْيِيدٌ لِلْمَالِكِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِرَّ مِنْ مَحَلِّ الطَّاعُونِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ اعْتَرَضَ مَا مَرَّ عَنْ التَّاجِ السُّبْكِيّ فَقَالَ عَقِبَ مَا مَرَّ عَنْهُ هَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِلتَّدَاوِي لَيْسَ حَرَامًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَجَمَاعَةٍ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْخُرُوجَ حَرَامٌ فَكَيْفَ مَحَلُّهُ مَا إذَا خَرَجَ لِلتَّدَاوِي، وَالْخُرُوجُ لِلتَّدَاوِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ بَلْ الْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَقُولَ: مَحَلُّ النِّزَاعِ فِيمَا إذَا خَرَجَ فَارًّا مِنْ الْمَرَضِ الْوَاقِعِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَوْ قَدَّرَهُ عَلَيْهِ لَأَصَابَهُ، وَأَنَّ فِرَارَهُ لَا يُنْجِيه لَكِنْ يَخْرُجُ مُؤَمِّلًا أَنْ يَنْجُوَ هَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ النِّزَاعِ فَمَنْ مَنَعَ احْتَجَّ بِالنَّهْيِ، وَمَنْ أَجَازَ حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ اهـ.
وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِشُغْلٍ عَرَضَ لَهُ أَوْ لِلتَّدَاوِي مِنْ عِلَّةٍ بِهِ طَعْنٌ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ لَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَلَوْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ لِلْخُرُوجِ، وَانْضَمَّ لِذَلِكَ قَصْدُ الْفِرَارِ فَاَلَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا فِي فُرُوعٍ مُتَعَدِّدَةٍ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْمُحَرَّمِ وُجِدَ، وَانْضِمَامُ الْقَصْدِ الْجَائِزِ لَهُ لَا يَمْنَعُ إثْمَهُ فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَرَأَ الْجُنُبُ بِقَصْدِ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ، وَمَا لَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] أَوْ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [المؤمنون: ٩١] بِقَصْدِ الْقُرْآنِ، وَتَنْبِيهِ الْغَيْرِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ نَظَرًا لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ، وَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهِ قَصْدُ الْقُرْآنِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك أَنَّهُ لَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ قَصْدُ الْفِرَارِ أَوْ الْحَاجَةُ أَوْ يَتَسَاوَيَا فَالْحُرْمَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَحَلُّ النَّظَرِ إلَى قُوَّةِ الْبَاعِثِ، وَضَعْفِهِ فِيمَا إذَا جَازَ الْقَصْدَانِ لَكِنَّ أَحَدَهُمَا يَقْتَضِي الثَّوَابَ، وَالْآخَرَ يَقْتَضِي عَدَمَهُ كَقَصْدِ الْوُضُوءِ، وَالتَّنْظِيفِ أَوْ التَّبَرُّدِ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ هُنَا لِقُوَّةِ الْبَاعِثِ إنَّمَا هُوَ رَأْيُ الْغَزَالِيِّ.
وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يُغَلِّبُ قَصْدَ نَحْوِ التَّبَرُّدِ هُنَا، وَإِنْ ضَعُفَ فَلَا ثَوَابَ عِنْدَهُ مُطْلَقًا، وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ذَهَبَ إلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْخُرُوجِ تَعَبُّدِيٌّ؛ لِأَنَّ الْفِرَارَ مِنْ الْمَهَالِكِ مَأْمُورٌ بِهِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَهُوَ لِسِرٍّ لَا نَعْلَمُهُ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ مُعَلَّلٌ إمَّا بِالطَّاعُونِ إذَا وَقَعَ فِي الْبَلَدِ عَمَّ جَمِيعَ مَنْ فِيهِ بِمُدَاخَلَةِ سَبَبِهِ فَلَا يُفِيدُهُ الْفِرَارُ مِنْهُ بَلْ إنْ كَانَ أَجَلُهُ قَدْ حَضَرَ فَهُوَ مَيِّتٌ، وَإِنْ رَحَلَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ أَقَامَ فَتَعَيَّنَتْ الْإِقَامَةُ لِمَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْعَبَثِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِالْعُقَلَاءِ، وَإِمَّا بِأَنَّ النَّاسَ لَوْ تَوَارَدُوا عَلَى الْخُرُوجِ لَبَقِيَ مَنْ وَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ عَاجِزًا عَنْ الْخُرُوجِ فَضَاعَتْ الْمَرْضَى لِفَقْدِ مَنْ يَتَعَهَّدُهُمْ، وَالْمَوْتَى لِفَقْدِ مَنْ يُجَهِّزُهُمْ.
وَإِمَّا بِأَنَّ خُرُوجَ الْأَقْوِيَاءِ فِيهِ كَسْرٌ لِقُلُوبِ مَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَإِمَّا بِأَنَّ الْخَارِجَ يَقُولُ: لَوْ لَمْ أَخْرُجْ لَمُتُّ، وَيَقُولُ الْمُقِيمُ: لَوْ خَرَجْت لَسَلِمْت، فَيَقَعُونَ فِي اللَّوْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ مَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْفِرَارِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ، وَعَدَمِ الصَّبْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا فِي الْإِقَامَةِ مِنْ الْأَجْرِ
стр. 952
الْكَبِيرِ إذْ لِلْمَيِّتِ بِهِ أَجْرُ شَهِيدٍ وَكَذَا لِلْمُقِيمِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّهْيُ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَعَنْ الْقُدُومِ لِرَفْعِ مَلَامَةِ النَّفْسِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حِكْمَةُ مَنْعِ الْقُدُومِ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ لِلْحَتْفِ، وَإِنْ كَانَ لَا نَجَاةَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ مَعَ الصِّيَانَةِ عَنْ الشِّرْكِ لِئَلَّا يَقُولَ الدَّاخِلُ: لَوْ لَمْ أَدْخُلْ لَمْ أَمْرَضْ، وَغَيْرُهُ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ لَمْ يَمُتْ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الْفِرَارِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْقُدُومِ أَنَّ الْقُدُومَ عَلَيْهِ تَعَرُّضٌ لِلْبَلَاءِ وَلَعَلَّهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ الدَّعْوَى لِمَقَامِ الصَّبْرِ، وَالتَّوَكُّلِ فَمُنِعَ ذَلِكَ لِاغْتِرَارِ النَّفْسِ، وَدَعْوَاهَا مَا لَا تَثْبُت عَلَيْهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وَأَمَّا الْفِرَارُ فَقَدْ يَكُونُ دَاخِلًا فِي بَابِ التَّوَغُّلِ فِي الْأَسْبَابِ مُتَصَوَّرًا بِصُورَةِ مَنْ يُحَاوِلُ النَّجَاةَ مِمَّا قُدِّرَ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ إلَى مَا قَرَّرْته قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُ فَاصْبِرُوا» فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ التَّمَنِّي لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ، وَخَوْفِ الْإِضْرَارِ بِالنَّفْسِ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْوُقُوعِ تَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ . اهـ.
وَخَرَجَ بِالْفِرَارِ مِنْ مَحَلِّ الطَّاعُونِ الْفِرَارُ مِنْ أَرْضِ الْوَبَاءِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ، وَعِبَارَتُهُ الْوَبَاءُ غَيْرُ الطَّاعُونِ، وَالطَّاعُونُ أَخَصُّ مِنْ الْوَبَاءِ وَقَدْ اُخْتُصَّ أَيْ: الطَّاعُونُ بِكَوْنِهِ شَهَادَةً، وَرَحْمَةً، وَبِتَحْرِيمِ الْفِرَارِ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ الْوَبَاءِ بِغَيْرِهِ كَالْحُمَّى، وَمِنْ سَائِرِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَبَاءِ، وَالطَّاعُونِ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ هُوَ.
وَسَيَأْتِي إيضَاحُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَتَرَدَّدَ بَعْضُهُمْ فِيمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ وَخِمَةً، وَالْأَرْضُ الَّتِي يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا صَحِيحَةً فَتَوَجَّهَ إلَيْهَا بِهَذَا الْقَصْدِ، وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ مِنْ السَّلَفِ مَنْ مَنَعَ نَظَرًا إلَى صُورَةِ الْفِرَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ الْخُرُوجِ فِرَارًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَخَّضْ الْفِرَارُ اهـ.
وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ تَرْجِيحُهُ عَلَى قَوَاعِدِنَا أَنَّهُ إنْ خَرَجَ بِقَصْدِ التَّدَاوِي أَوْ حَاجَةٍ أُخْرَى جَازَ أَوْ بِقَصْدِ الْفِرَارِ، وَلَوْ مَعَ قَصْدِ التَّدَاوِي أَوْ غَيْرِهِ حَرُمَ كَمَا مَرَّ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ عَمَّ إقْلِيمًا لَمْ يَحْرُمْ الْخُرُوجُ مِنْ بَعْضِ قُرَاهُ إلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا فِرَارَ حِينَئِذٍ أَلْبَتَّةَ، وَأَنَّهُ لَوْ خَصَّ مَحَلَّةً مِنْ بَلْدَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي بَقِيَّةِ مَحَلَّاتِ تِلْكَ الْبَلَدِ كَانَ حُكْمُ الْمَحَلَّةِ حِينَئِذٍ كَحُكْمِ الْبَلَدِ الْمُسْتَقِلِّ، فَيَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنْهَا فِرَارًا، وَالدُّخُولُ إلَيْهَا أَيْ: لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ هُنَا، وَفِيمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ جَازَ الدُّخُولُ قِيَاسًا إذْ لَا يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْبَلَدِ عَمَّ جَمِيعَ مَنْ فِيهِ بِمُدَاخَلَةِ سَبَبِهِ.
قُلْت: لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَحَلَّةَ لَيْسَتْ كَالْبَلَدِ فِيمَا إذَا تَحَقَّقْنَا اخْتِصَاصَهُ بِهَا، وَتَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِهِ فِي بَقِيَّةِ الْبَلَدِ فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ لِغَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ دُخُولُهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَالْخُرُوجُ مِنْهَا بِقَصْدِ الْفِرَارِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ نَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فَحُكْمُ بَقِيَّةِ الْبَلَدِ حُكْمُ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ عَمَّ جَمِيعَ مَنْ فِيهِ بِمُدَاخَلَةِ سَبَبِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ اخْتِصَاصُهُ بِمَحَلٍّ مِنْ بَلَدٍ، وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِهِ فِي بَقِيَّةِ تِلْكَ الْبَلَدِ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ كَبَلَدٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَيَحْرُمُ الدُّخُولُ، وَالْخُرُوجُ إلَيْهِ بِقَيْدِهِمَا السَّابِقِ، وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ نَتَحَقَّقْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ مُغَايِرٌ لِذَلِكَ الْبَلَدِ.
وَسَيَأْتِي بَحْثُ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ السَّاكِنَ قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الطَّاعُونِ لَا يُعْطَى حُكْمَهَا، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ لِمَنْ قَرُبَ مِنْ بَلَدِهِ وَلَمْ يَدْخُلْهَا الرُّجُوعَ، وَلَوْ بِقَصْدِ الْفِرَارِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا أَفْهَمَتْهُ التَّعَالِيلُ السَّابِقَةُ فِي حِكْمَةِ مَنْعِ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ، وَمَرَّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ.
وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ، وَالطَّاعُونِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُونُ قَالَ: وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ، وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ» .
، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ «غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْإِبِلِ الْمُقِيمُ فِيهَا كَالشَّهِيدِ، وَالْفَارُّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ» ، وَسَنَدُهَا حَسَنٌ
стр. 953
فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهَا «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي، وَوَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ يَخْرُجُ فِي الْآبَاطِ، وَالْمَرَاقِّ، وَالْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَقَوْلُهُ: يَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِّ، وَالْآبَاطِ هُوَ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ يَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي، وَالْأَصَابِعِ، وَحَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْبَدَنِ قَالَ الْخَلِيلُ، وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْوَبَاءُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَصْلُ الطَّاعُونِ الْقُرُوحُ الْخَارِجَةُ فِي الْجَسَدِ، وَالْوَبَاءُ عُمُومُ الْأَمْرَاضِ فَسُمِّيَتْ طَاعُونًا لِشَبَهِهَا بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَكُلُّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ وَلَيْسَ كُلُّ وَبَاءٍ طَاعُونًا، وَجَرَى عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا ابْنُ سِينَا، وَغَيْرُهُ مِنْ حُذَّاقِ الْأَطِبَّاءِ فَفَسَّرُوا الطَّاعُونَ بِأَنَّهُ مَادَّةٌ سُمِّيَّةٌ تُحْدِثُ وَرَمًا قَتَّالًا تَحْصُلُ فِي مَغَابِنِ الْبَدَنِ، وَالرِّخْوِ مِنْهُ، وَسَبَبُهُ دَمٌ رَدِيءٌ مَائِلٌ إلَى الْعُفُونَةِ، وَالْفَسَادِ يَسْتَحِيلُ إلَى جَوْهَرٍ سُمَيٍّ يُفْسِدُ الْعُضْوَ، وَيُؤَدِّي إلَى الْقَلْبِ كَيْفِيَّةً فَيُحْدِثُ الْقَيْءَ، وَالْغَثَيَانَ، وَالْغَشْيَ، وَالْخَفَقَانَ، وَهُوَ لِرَدَاءَتِهِ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْأَعْضَاءِ إلَّا مَا كَانَ أَضْعَفَ بِالطَّبْعِ، وَأَرْدَأُ مَا يَقَعُ فِي الْأَعْضَاءِ الرَّعْشَةُ.
قَالَ أَعْنِي: ابْنَ سِينَا، وَالطَّوَاعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ الْوَبَاءِ، وَفِي الْبِلَادِ الْوَبِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ عَلَى الطَّاعُونِ أَنَّهُ وَبَاءٌ بِالْعَكْسِ قَالَ، وَأَمَّا الْوَبَاءُ فَهُوَ فَسَادُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ الرُّوحِ، وَمَدَدُهُ اهـ.
فَعُلِمَ أَنَّ الطَّاعُونَ أَخَصُّ مِنْ الْوَبَاءِ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» مَعَ حَدِيثِهِمَا «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَهِيَ أَوْبَى أَرْضِ اللَّهِ» فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَبَاءَ يَدْخُلُهَا دُونَ الطَّاعُونِ فَكَانَ غَيْرَهُ، وَمِمَّا يُفَارِقُهُ فِيهِ خُصُوصُ سَبَبِهِ الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْبَاءِ نَظِيرُهُ، وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ وَكَوْنُهُ مِنْ طَعْنِهِمْ لَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ مَادَّةٍ سُمِّيَّةٍ أَوْ هَيَجَانِ الدَّمِ أَوْ انْصِبَابِهِ إلَى عُضْوٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَحْدُثَ عَنْ الطَّعْنَةِ الْبَاطِنَةِ، فَيَحْدُثَ مِنْهَا الْمَادَّةُ السُّمَيَّةُ أَوْ يَهِيجُ بِسَبَبِهَا الدَّمُ أَوْ يَنْصَبُّ، وَعُذْرُ الْأَطِبَّاءِ فِي عَدَمِ تَعَرُّضِهِمْ لِكَوْنِهِ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ، وَإِنَّمَا يُتَلَقَّى مِنْ الشَّارِعِ فَتَكَلَّمُوا عَلَى مَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ الطَّعْنِ بِقَدْرِ مَا اقْتَضَتْهُ قَوَاعِدُ عِلْمِهِمْ.
عَلَى أَنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ أَبْطَلَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يَنْشَأُ مِنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُ يَقَعُ فِي أَعْدِلْ الْفُصُولِ، وَفِي أَصَحِّ الْبِلَادِ هَوَاءً، وَأَطْيَبِهَا مَاءً، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْهَوَاءِ لَعَمَّ النَّاسَ، وَالْحَيَوَانَاتِ، وَرُبَّمَا كَثُرَ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ وَقَلَّ عِنْدَ فَسَادِهِ وَلَدَامَ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَصِحُّ تَارَةً، وَيَفْسُدُ تَارَةً، وَالطَّاعُونُ يَأْتِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَلَا تَجْرِبَةٍ وَلَا انْتِظَامٍ فَرُبَّمَا جَاءَ سَنَةً عَلَى سَنَةٍ، وَرُبَّمَا أَبْطَأَ عِدَّةَ سِنِينَ، وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ دَاءٍ تَسَبَّبَ مِنْ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ لَهُ دَوَاءٌ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ عَلَى مَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا الطَّاعُونُ قَدْ أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ دَوَاؤُهُ حَتَّى سَلَّمَ حُذَّاقُهُمْ أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ إلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَقَدَّرَهُ اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي فَتْحِ الْبَارِي: يَقَعُ فِي الْأَلْسِنَةِ، وَهُوَ فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ تَبَعًا لِغَرِيبَيْ الْهَرَوِيِّ بِلَفْظِ «وَخْزُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَلَمْ أَرَهُ بِلَفْظِ إخْوَانِكُمْ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الطَّوِيلِ الْبَالِغِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدَةِ لَا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا الْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ وَقَدْ عَزَاهُ بَعْضُهُمْ لِمُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ أَوْ كِتَابِ الطَّوَاعِينِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَلَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِ بَذْلِ الْمَاعُونِ فَقَالَ: مَا حَاصِلُهُ جَمِيعُ مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ «وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ» أَوْ بِلَفْظِ «طَعْنُ أَعْدَائِكُمْ» وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ، وَفِي لَفْظِ أَحْمَدَ " إخْوَانكُمْ " غَلَطٌ فِي الْمَتْنِ، وَالسَّنَدِ ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَاتِ الْمُسْنَدِ، وَمُعْجَمَ الطَّبَرَانِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
ثُمَّ هُوَ صَاحِبُ آكَامِ الْمَرْجَانِ فِي أَحْكَامِ الْجَانِّ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّبْلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الْحَنَفِيُّ مِنْ تَلَامِذَةِ الْمِزِّيِّ، وَالذَّهَبِيِّ فِي الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِهِ ذَلِكَ عَنْ مُسْنِدِ أَحْمَدَ وَكِتَابِ الطَّوَاعِينِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِلَفْظِ إخْوَانِكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَلَا مِنْ كُتُبِ الْغَرِيبِ إلَّا فِي كِتَابِ الْغَرِيبَيْنِ لِلْهَرَوِيِّ، وَالنِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ لَفْظِ " إخْوَانِكُمْ " فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ " أَعْدَائِكُمْ " أُمُورٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الْأُخُوَّةَ فِي الدِّينِ لَا تُنَافِي الْعَدَاوَةَ؛ لِأَنَّ عَدَاوَةَ الْجِنِّ لِلْإِنْسِ بِالطَّبْعِ، وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ.
стр. 954
الثَّانِي أَنَّ رِوَايَةَ " أَعْدَائِكُمْ " فِي طَعْنِ الْكَافِرِينَ مِنْهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَّا، وَرِوَايَةَ " إخْوَانِكُمْ " فِي طَعْنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ لِلْكَافِرِينَ مِنْ الْإِنْسِ الثَّالِثُ أَنَّ كُلًّا مِنْ اللَّفْظَيْنِ يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْآخَرُ فَحَيْثُ جَاءَ بِلَفْظِ أَعْدَائِكُمْ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ إذْ لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إلَّا مِنْ عَدُوٍّ فِي عَدُوِّهِ، وَيَكُونُ الْخِطَابُ لِجَمِيعِ الْإِنْسِ فَإِنَّ الطَّعْنَ يَكُونُ مِنْ كَافِرِي الْجِنِّ فِي مُؤْمِنِي الْإِنْسِ أَوْ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ فِي كَافِرِي الْإِنْسِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «أَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَرِجْزٌ عَلَى الْكَافِرِينَ» ، وَحَيْثُ جَاءَ بِلَفْظِ إخْوَانِكُمْ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ أَيْضًا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أُخُوَّةُ التَّقَابُلِ كَمَا يُقَالُ: اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ أَخَوَانِ أَوْ أُخُوَّةُ التَّكْلِيفِ فَإِنَّ الْجِنَّ، وَالْإِنْسَ هُمَا الثَّقَلَانِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّكْلِيفِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِزَادِ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ فَإِنَّهُ زَادٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَالْكَافِرِ جَمِيعًا ثُمَّ فِي تَسْلِيطِ الْجِنِّ عَلَى الْإِنْسِ بِالطَّعْنِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَإِنَّ أَعْدَاءَنَا مِنْهُمْ شَيَاطِينُهُمْ.
وَأَمَّا الْمُطِيعُونَ مِنْهُمْ فَهُمْ إخْوَانُنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَنَا بِمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلَّا مُسَالَمَتَهُمْ فَسَلَّطَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ حَيْثُ أَطَاعُوهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ مَعَاصِيهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُطِعْهُمْ فَهُوَ شَهَادَةٌ لَهُمْ، وَرَحْمَةٌ وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْعُقُوبَاتِ تَقَعُ عَامَّةً فَتَكُونُ طُهْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَانْتِقَامًا مِنْ الْفَاجِرِينَ، وَإِنَّمَا مُكِّنَ الْجِنِّيُّ مِنْ طَعْنِ الْمُؤْمِنِ مَعَ أَنَّهُ مَحْرُوسٌ بِالْمُعَقِّبَاتِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ إرَادَةً لِلْخَيْرِ بِهِ، وَنَيْلًا لِدَرَجَةِ الشَّهَادَةِ كَمَا مَكَّنَ عَدُوَّهُ الظَّاهِرِ مِنْهُ لِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِالرُّعْبِ تَارَةً، وَبِالْقُوَّةِ، وَالنَّصْرِ أُخْرَى وَلَا يُنَافِي كَوْنُهُ وَخْزُ الْجِنِّ وُقُوعَهُ فِي رَمَضَانَ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ بَلْ رُبَّمَا كَانَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ، وَإِنْ كَانَتْ تُصَفَّدُ، وَتُغَلْغَلُ كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ أَعْمَالَهَا تَبْطُلُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْصُلُ لَهَا بِذَلِكَ الْمَنْعُ مِنْ مُعْظَمِ الْعَمَلِ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ طُعِنُوا قَبْلَ دُخُولِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَصْفِيدَهُمْ إنَّمَا هُوَ عَمَّا يَأْثَمُ بِهِ الْآدَمِيُّ مِنْ تَحْسِينِ الْفُجُورِ لِيَقَعَ فِيهِ، وَأَمَّا هَذَا فَالْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ كَمَا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ الِاحْتِلَامِ عَلَى أَنَّ تَصْفِيدَهُمْ فِيهِ اُسْتُشْكِلَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ وُجُودُ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرِ، وَغَيْرِهَا فِيهِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَفَّدُونَ مِنْهُمْ مُسْتَرِقِي السَّمْعِ فَقَطْ، وَأَنَّ تَسَلْسُلَهُمْ يَقَعُ فِي لَيَالِيه فَقَطْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ لَا يَخْلُصُونَ فِيهِ إلَى إفْسَادِ الْمُسْلِمِينَ مِثْل مَا يَخْلُصُونَ فِي غَيْرِهِ لِاشْتِغَالِ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّوْمِ الْقَامِعِ لِلشَّهَوَاتِ، وَبِالْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُصَفَّدَ بَعْضُهُمْ لَا كُلُّهُمْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ مَرَدَةُ الْجِنِّ» .
عَلَى أَنَّ مَرَدَةَ نَعْتٌ مُخَصِّصٌ أَوْ بَدَلٌ مُخَصِّصٌ أَوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ بَقِيَّةِ أَحَادِيثِ تَصْفِيدِ الشَّيَاطِينِ فَعَلَيْهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْوَخْزَ يَقَعُ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَرَدَةِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﷺ «فَنَاءُ أُمَّتِي فِي الطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ» إمَّا الطَّلَبُ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي فِي الطَّاعُونِ» ، وَفِي أُخْرَى عِنْدَ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك بِالطَّعْنِ، وَالطَّاعُونِ» أَوْ الْخَبَرُ لِقَوْلِ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَرَادَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى فَنَاءِ الْأُمَّةِ الْفِتَنُ الَّتِي تُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ، وَالْوَبَاءُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ اسْتِشْكَالُ الْحَدِيثِ بِأَنَّ أَكْثَرَ الْأُمَّةِ يَمُوتُونَ بِغَيْرِ الطَّعْنِ، وَالطَّاعُونِ.
وَيَنْدَفِعُ أَيْضًا الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ الصَّحَابَةُ أَوْ الْخِيَارُ قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ: وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ فَإِنَّهُ إذَا اُسْتُقْرِئَ الْأَمْرُ وُجِدَ مَنْ يَمُوتُ بِالطَّاعُونِ أَكْثَرَ مِمَّنْ مَاتَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الطَّاعُونِ الَّذِي قَبْلَهُ فَكَيْفَ إذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الْقَتْلُ فِي الْجِهَادِ، وَفِي الْفِتَنِ وَلَمْ يَقْصِدْ ﷺ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لِلدُّعَاءِ الدُّعَاءَ عَلَى أُمَّتِهِ بِالْهَلَاكِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ حُصُولُ الشَّهَادَةِ لَهُمْ بِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَالْمَوْتُ حَتْمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَكَانَ الْقَصْدُ جَعْلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمَوْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ أَوْ دَعَا بِذَلِكَ لِيَكُونَ كَفَّارَةً لِمَا يَقَعُ بَيْنَ الْأُمَّةِ مِنْ الْعَدَاوَةِ كَمَا وَرَدَ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَمُرُّ بِذَنْبٍ إلَّا مَحَاهُ لَا مَحَالَةَ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْ اسْتِشْكَالِ الدُّعَاءِ بِالشَّهَادَةِ مَعَ اسْتِلْزَامِهِ تَمَكُّنَ الْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ مَعْصِيَةٌ، وَتَمَنِّي الْمَعْصِيَةِ حَرَامٌ، وَوَجْهُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ قَصْدًا إنَّمَا هُوَ نَيْلُ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ الْمُرَتَّبَةِ
стр. 955
عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِدَفْعِ الْكُفَّارِ، وَإِذْلَالِهِمْ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ.
، وَأَمَّا فِعْلُ الْكَافِرِ فَهُوَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُودِ فَلَيْسَ مَنْظُورًا إلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَهِيدَ الطَّاعُونِ مُلْحَقٌ بِشَهِيدِ الْمُعْتَرَكِ فَفِي حَدِيثٍ سَنَدُهُ حَسَنٌ «يَأْتِي الشُّهَدَاءُ، وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ، فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ: نَحْنُ شُهَدَاءُ فَيُقَالُ: اُنْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحَاتُهُمْ كَجِرَاحِ الشَّهِيدِ أَيْ: تَسِيلُ دِمَاؤُهُمْ، وَرِيحُهُمْ كَرِيحِ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ، فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ» ، وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ «تَخْتَصِمُ الْمَوْتَى، وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إلَى رَبِّنَا ﷻ فِي الَّذِينَ يَمُوتُونَ بِالطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ: إخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ : اُنْظُرُوا إلَى جِرَاحَاتِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَاتِ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ فَإِذَا جِرَاحُهُمْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ» .
وَقَضِيَّةُ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْقَدَرِ أَنَّ أَجْرَ الشَّهِيدِ إنَّمَا يُكْتَبُ لِمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَلَدِ الطَّاعُونِ، وَأَقَامَ قَاصِدًا ثَوَابَ اللَّهِ رَاجِيًا صِدْقَ وَعْدِهِ عَارِفًا أَنَّهُ إنْ وَقَعَ لَهُ أَوْ صَرَفَهُ عَنْهُ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ غَيْرَ مُتَضَجِّرٍ بِهِ إنْ وَقَعَ بِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الصِّفَاتِ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ، وَإِنْ مَاتَ بِغَيْرِ الطَّاعُونِ، وَاسْتُشْكِلَ كَوْنُهُ شَهَادَةً، وَرَحْمَةً بِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ قُرِنَ بِالدَّجَّالِ وَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَلَا الْمَدِينَةَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ لَمْ يَدْخُلْهُمَا إشَارَةً إلَى أَنَّ كُفَّارَ الْجِنِّ، وَشَيَاطِينَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِهِمَا أَوْ مِنْ التَّسْلِيطِ عَلَى أَهْلِهِمَا صِيَانَةً مِنْ اللَّهِ لَهُمْ حَتَّى مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الطَّعْنِ مِنْهُمْ أَيْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ طَاعُونٌ أَصْلًا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ وَكَذَا مَكَّةُ، وَمَنْ حَكَى أَنَّهُ دَخَلَهَا فَقَدْ تَجَوَّزَ، وَأَطْلَقَ الطَّاعُونَ عَلَى الْوَبَاءِ، وَإِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي بَلَدٍ كَانَ حُكْمُ أَهْلِهَا فِي التَّصَرُّفِ كَحُكْمِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ سَوَاءٌ مَنْ أَصَابَهُ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ كَمَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ كَالْبَغَوِيِّ، وَإِنْ نَازَعَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ فِي ذَلِكَ، وَأَطَالَ نَعَمْ إنَّمَا يَكُونُ مَخُوفًا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ إنْ وَقَعَ فِي أَمْثَالِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا وَقَعَ فِي الْبَلَدِ فِي أَمْثَالِهِ فَهُوَ مَخُوفٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَوْلُهُ فِي أَمْثَالِهِ قَيْدٌ مُتَعَيِّنٌ كَمَا شُوهِدَ فِي الطَّوَاعِينِ السَّابِقَةِ، وَاللَّاحِقَةِ مِنْ طَوَاعِينِ السَّلَفِ طَاعُونُ الْأَشْرَافِ، وَطَاعُونُ الْفِتْيَانِ، وَشُوهِدَ فِي عَصْرِنَا فِي وَقْتٍ فِي الْأَطْفَالِ، وَتَارَةً فِي النِّسَاءِ، وَتَارَةً فِي الشَّبَابِ دُونَ الشُّيُوخِ. اهـ.
، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ كَوْنِهِ مَخُوفًا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ مَا إذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي أَمْثَالِهِ فَإِنْ وَقَعَ فِي الْأَطْفَالِ مَثَلًا فَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَخُوفًا فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلَامُ صَاحِبِ الْكَافِي فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ أَصَابَهُ مَخُوفٌ، وَإِنْ وَقَعَ فِي أَمْثَالِهِ فَهُوَ مَخُوفٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فَقَوْلُهُ فِي أَمْثَالِهِ قَيْدٌ حَسَنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَقَدْ تَخْتَلِفُ الطَّوَاعِينُ الْوَاقِعَةُ فِي كُلِّ عَصْرٍ فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِحَسَبِهِ اهـ.
قَالَ أَعْنِي: الزَّرْكَشِيّ، وَسَكَتُوا عَنْ فُرُوعٍ: أَحَدُهَا السَّاكِنُ قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الطَّاعُونِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ هَلْ يُعْطَى حُكْمُ بَلَدِ الطَّاعُونِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْأَصِحَّاءِ فِي تَبَرُّعَاتِهِمْ. الثَّانِي الْوَارِدُونَ مِنْ بَلَدِ الطَّاعُونِ إلَى بَلَدٍ لَيْسَ بِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلُوا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ بِصَدَدِ أَنْ يَقَعَ بِهِمْ ذَلِكَ لِمَا قَدْ عَلِقَ بِأَجْسَادِهِمْ مِنْهُ كَمَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ كَثِيرًا فَيُحْسَبُ تَبَرُّعُهُمْ مِنْ الثُّلُثِ إذَا حَصَلَ الْمَوْتُ بِذَلِكَ الدَّاءِ بَعْدَ التَّبَرُّعَ اهـ.
، وَذَكَرَ فَرْعًا ثَالِثًا مَبْنِيًّا عَلَى ضَعِيفٍ لَا حَاجَةَ لَنَا بِذِكْرِهِ، وَطَاعُونُ الْأَشْرَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ مَاتَ فِيهِ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، وَطَاعُونُ الْفِتْيَانِ كَانَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ مَاتَ فِيهِ مِنْ النِّسَاءِ الشَّوَابِّ، وَالْعَذَارَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي شَخْصٍ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَفْعَلُونَ لِي كَذَا وَكَذَا بِمُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ وَلَمْ يَعْلَمْ إلَى مَنْ يُشِيرُ مَنْ يَكُونُ الْوَصِيُّ مَثَلًا وَإِذَا زَادَ مَثَلًا وَيَكُونُ النَّظَرُ لِفُلَانٍ هَلْ يَكُونُ هُوَ الْوَصِيَّ؟
(فَأَجَابَ) إذَا قَالَ: يَفْعَلُونَ لِي كَذَا وَلَمْ يَعْلَمْ إلَى مَنْ يُشِيرُ فَلَا وَصِيَّ لَهُ فَإِنْ قَالَ: وَيَكُونُ النَّظَرُ لِفُلَانٍ لَمْ يَثْبُتْ لِفُلَانٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا
стр. 956
يُتَصَوَّرُ حَيْثُ عُرِفَ الْوَصِيُّ، وَهُوَ هُنَا مَجْهُولٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ مَرِضَ بِالِاسْتِسْقَاءِ الْمَخُوفِ فَأَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَمَةً ثُمَّ عَقَدَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ثُمَّ مَلَّكَهَا حُلِيًّا ذَهَبًا مَثَلًا وَفِضَّةً مَجْهُولَ الْقَدْرِ مَثَلًا وَالثَّمَنِ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ الْعِتْقُ مَثَلًا وَالتَّزْوِيجُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ تَرِثُ الْمَعْتُوقَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ مُعْتِقِهَا؟ ثُمَّ دَبَّرَ عَبِيدًا لَهُ مَثَلًا وَجَوَارِيَ مَثَلًا وَمَلَّكَ أَحَدَهُمْ حِمْلَيْنِ فَهَلْ التَّمْلِيكُ مَثَلًا وَالتَّدْبِيرُ صَحِيحٌ أَمْ لَا مَثَلًا وَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلُ الثُّلُثُ ذَلِكَ تَنْفُذُ أَمْ لَا.
(الْجَوَابُ) إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ بَانَ صِحَّةُ نِكَاحِهَا، وَعِتْقِهَا، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا إنْ أَدَّى وُجُوبُهُ إلَى ثُبُوتِ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ كَأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مُسَاوِيَةً لِثُلُثِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ يُؤَدِّي إلَى رِقِّ بَعْضِهَا لِعَدَمِ خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ فَبَطَلَ النِّكَاحُ، وَالْمَهْرُ فَكَانَ إثْبَاتُ الْمَهْرِ مُؤَدِّيًا إلَى عَدَمِ إثْبَاتِهِ فَسَقَطَ أَمَّا إذَا خَرَجَتْ مِنْ ثُلُثِهِ مَعَ وُجُوبِ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا إذْ لَا مَانِعَ مِنْ وُجُوبِهِ حِينَئِذٍ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا تَرِثُ مِنْهُ بِالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا سَوَاءٌ أَدَخَلَ بِهَا أَمْ لَا؟ وَمَا مَلَّكَهُ لَهَا إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ أَيْضًا فَازَتْ بِهِ.
وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ فَازَتْ بِذَلِكَ الْبَعْضِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ تَوَقَّفَ نُفُوذُ الْوَصِيَّةِ بِهِ كَالْبَعْضِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ بِشُرُوطِهَا وَلَا يَضُرُّ جَهْلُ قَدْرِهِ، وَثَمَنِهِ فَتُطَالَبُ بِإِحْضَارِهِ، وَيُنْظَرُ إلَى قَدْرِهِ وَقِيمَتِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ ثُمَّ مَا فَضَلَ مِنْ ثُلُثِهِ عَنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الْحُلِيِّ الَّذِي مَلَّكَهُ لَهَا يُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ وَفَّى بِقِيمَةِ الْمُدَبَّرِينَ كُلِّهِمْ عَتَقُوا بِمَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَإِنْ فَضَلَ مَا لَا يَفِي بِجَمِيعِهِمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ عَتَقَ مِنْهُ مَا يَفِي بِالثُّلُثِ سَوَاءٌ أَكَانَ شِقْصًا مِنْ وَاحِدٍ أَمْ أَكْثَرَ هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ، وَإِلَّا عَتَقَ مَنْ أَجَازُوا لَهُ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ فَعُلِمَ أَنَّ لَهُمْ إجَازَةَ بَعْضِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ دُونَ بَعْضٍ، وَتَمْلِيكِ أَحَدِهِمْ الْحِمْلَيْنِ إنْ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْوَصِيَّةِ بِأَنْ قَالَ: مَلَّكْته إيَّاهُمَا بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ، وَإِلَّا بِأَنْ قَالَ: مَلَّكْته إيَّاهُمَا وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ مَوْتِي لَغَا فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ بُطْلَانَ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ، وَلَوْ مُدَبَّرًا وَقَوْلُهُمْ: التَّبَرُّعَاتُ الْمُنَجَّزَةُ فِي الْمَرَضِ كَالْهِبَةِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْوَصِيَّةِ، مَحَلُّهُ إذَا كَانَتْ مَعَ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُهَا قَبْلَ الْمَوْتِ لِبَقَاءِ رِقِّهِ فَكَانَتْ مُلْغَاةً.
وَفِيمَا إذَا صَحَّتْ بِأَنْ قَالَ بَعْدَ مَوْتِي لِكَوْنِ الْوَصِيَّةِ بِذَيْنِك الْحِمْلَيْنِ مُتَأَخِّرَةً فِي الِاسْتِحْقَاقِ عَنْ رُتْبَةِ الْمُوصَى لَهُ بِهِمَا فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُمَا شَيْئًا حَتَّى يَعْتِقَ جَمِيعُهُ ثُمَّ بَعْدَ عِتْقِ جَمِيعِهِ يُوَزَّعُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى الْحِمْلَيْنِ، وَعَلَى بَقِيَّةِ الْمُدَبَّرِينَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ادَّعَى وَارِثٌ وَصِيٌّ صَرْفَ مُوَرِّثِهِ مَا تَحْتَ يَدِهِ عَلَى مَحْجُورِهِ فَهَلْ يُصَدَّقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ مُوَرِّثَهُ لَوْ ادَّعَى الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ الْمُحْتَمَلَ صُدِّقَ فَكَذَلِكَ هُوَ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ تَصْدِيقُ وَارِثِ الْوَدِيعِ فِي الرَّدِّ لِمُوَرِّثِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي شَخْصٍ أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ مَثَلًا وَسَلَامَتِهِ لِرَجُلٍ جَعَلَهُ وَصِيًّا عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ مَثَلًا وَوَفَاءِ دُيُونِهِ ثُمَّ قَالَ: وَصَّيْته وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ عِنْدِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إلَّا مَا فِي الْبَيْتِ مِنْ الْأَثَاثِ، وَالْكُتُبِ فَاسْأَلْ وَصِيِّي إنْ لَمْ يُخَلِّصْنِي جَمِيعَ ذَلِكَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَبْقَى الْكُتُبَ لِمَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرَتِهِ عَلَيْهَا فَالْوَصِيَّةُ بِهَا لِعَقِبِي أَوْ لِعَقِبِهِ فَإِنْ انْقَرَضُوا فَالْمَرْجِعُ خِزَانَةُ الْمَغَارِبَةِ بِرِبَاطِ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثُمَّ تُوُفِّيَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ مُدَّةٍ عَنْ الْأَثَاثِ، وَالْكُتُبِ، وَعَنْ بَيْتٍ تَجَدَّدَ لَهُ مِلْكُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَبَاعَ الْوَصِيُّ الْأَثَاثَ، وَسَدَّ بِهِ بَعْضَ الدَّيْنِ، وَبَقِيَ بَعْضُ الدَّيْنِ فَهَلْ قَوْلُ الْمُوصِي فَإِنْ أَبْقَى الْكُتُبَ إلَخْ وَصِيَّةً بِوَقْفِهَا عَلَى تَقْدِيرِ وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْتِ وَفَاءً، وَزِيَادَةً، وَحِينَئِذٍ، فَيَضُمُّ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَنِ الْبَيْتِ بَعْدَ، وَفَاءِ بَقِيَّةِ الدَّيْنِ إلَى قِيمَةِ الْكُتُبِ فَإِنْ حَصَلَ مَا يُحْتَمَلُ ثُلُثُهُ الْكُتُبَ خَرَجَتْ وَقْفًا أَوْ الْحُكْمُ غَيْرُ ذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ قَوْلُ الْمُوصِي مَا ذَكَرَ وَصِيَّةً بِوَقْفِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً بَلْ قَوْلُهُ: الْوَصِيَّةُ بِهَا لِعَقِبِي إلَخْ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ إرَادَةِ وَقْفِهَا، وَدَالٌّ عَلَى إرَادَةِ الْوَصِيَّةِ بِمَنَافِعِهَا لِعَقِبِهِ أَوْ عَقِبِ الْوَصِيِّ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا لِمَنْ يُرِيدُ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي خِزَانَةِ الْمَغَارِبَةِ الْمَذْكُورَةِ
стр. 957
وَلَوْلَا إتْيَانُهُ بِأَوْ فِي قَوْلِهِ: " لِعَقِبِي أَوْ عَقِبِهِ " لَقُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ وَصِيَّةٌ بِمَنَافِعِهَا إنْ خَرَجَتْ مِنْ ثُلُثِهِ لِمَنْ ذَكَرَ كَذَلِكَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ لَكِنَّهُ لَمَّا أَتَى بِأَوْ صَارَ كَلَامُهُ لَغْوًا أَمَّا قَوْلُهُ: " فَالْوَصِيَّةُ بِهَا لِعَقِبِي أَوْ عَقِبِهِ " فَأَخْذًا مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا كَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْكِنَ تَمْلِيكُهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ لِلْعَيْنِ، وَالْمَنْفَعَةِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَالْوَقْفُ تَمْلِيكٌ لِلْمَنْفَعَةِ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَوْ لِفُلَانٍ مَثَلًا وَهُنَاكَ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ لِإِبْهَامِ الْمُوصَى لَهُ، وَالْمُبْهَمُ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ، وَهُنَاكَ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ لِمَا ذُكِرَ، وَفِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَصِحُّ الْوَقْفُ، وَعَلَيْهِ فَبَحَثَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ الْوَاقِفِ فَوَارِثِهِ وَقِيَاسُ ذَلِكَ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَعَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ الْمُوصِي ثُمَّ وَارِثِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ أَوْ الْوَقْفَ لِزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو كَالْوَصِيَّةِ أَوْ الْوَقْفِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ بِجَامِعِ إبْهَامِ الْمُوصَى لَهُ، وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَكَمَا صَرَّحُوا بِالْبُطْلَانِ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ فَكَذَلِكَ نَقُولُ بِالْبُطْلَانِ فِي هَذَا أَوْ هَذَا لِوُجُودِ الْجَامِعِ الْمَذْكُورِ، وَعَدَمِ ظُهُورِ فَارِقٍ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ فَإِنْ قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ إنْ جُعِلَتْ " أَوْ " هُنَا لِلشَّكِّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ لِلْإِبْهَامِ عَلَى السَّامِعِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ سَوَاءٌ امْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَمْ جَازَ وَقَصَرَ ابْنُ مَالِكٍ، وَغَيْرُهُ التَّخْيِيرَ عَلَى الْأَوَّلِ
وَسَمَّوْا الثَّانِيَ بِالْإِبَاحَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْإِبَاحَةَ الشَّرْعِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَعْنَى أَوْ بِحَسَبِ اللُّغَةِ بَلْ الْإِبَاحَةُ بِحَسَبِ الْعَقْلِ أَوْ الْعُرْفِ أَمَّا إذَا جُعِلَتْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ كَالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ:
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا
أَيْ: وَعَلَيْهَا فُجُورُهَا أَوْ لِتَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ نَحْوُ " الْكَلِمَةُ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ حَرْفٌ " أَيْ: مُنْقَسِمَةٌ إلَى الثَّلَاثَةِ تَقْسِيمَ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ، فَيَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا أَوْ الْكُلَّ إلَى أَجْزَائِهِ نَحْوُ ثِنْتَانِ صُدُورُ رِمَاحٍ أُشْرِعَتْ أَوْ سَلَاسِلُ فِي قَوْلِ الْحَمَاسِيِّ:
وَقَالُوا لَنَا ثِنْتَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا ... صُدُورُ رِمَاحٍ أُشْرِعَتْ أَوْ سَلَاسِلُ
" أَوْ " لِلْإِضَافَةِ كَبَلْ نَحْوُ ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أَيْ: بَلْ يَزِيدُونَ وَقِيلَ: هِيَ هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَوَجْهُ جَوَازِ الْإِضْرَابِ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ بِنَاءً عَلَى حَزْرِ النَّاسِ مَعَ كَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا بِأَنَّهُمْ يَزِيدُونَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّحْقِيقَ مُضْرِبًا عَمَّا يَغْلَطُ فِيهِ النَّاسُ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْحَزْرِ أَيْ: أَرْسَلْنَاهُ إلَى جَمَاعَةٍ يَحْزِرُهُمُ النَّاسُ مِائَةَ أَلْفٍ، وَهُمْ كَانُوا يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] فَلَا يَتَّجِهُ حِينَئِذٍ الْقِيَاسُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْإِبْهَامِ وَهَذَا أَعْنِي: أَوْصَيْت لِهَذَا أَوْ هَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ " أَوْ " عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ تُفِيدُ جَوَازَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَوْ تَعَيُّنَ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِلْإِضَافَةِ قُلْت: لَنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ مَسْلَكَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّا لَوْ تَنَزَّلْنَا، وَسَلَّمْنَا أَنَّ " أَوْ " مَوْضُوعَةٌ لِكُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي السَّابِقَةِ فَهَذَا أَعْنِي: الْحَمْلَ عَلَى أَنَّهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَوْ مَا بَعْدَهُ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ حَيْثُ عُلِمَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ إمَّا بِتَصْرِيحٍ مِنْهُ بِذَلِكَ أَوْ قَرِينَةٍ تُبَيِّنُ أَنَّ مُرَادَهُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ مَعَانِيهَا أَمَّا إذَا جُهِلَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّ الْمُوصِيَ مَاتَ وَلَمْ يُعْلَمْ مُرَادُهُ " بِأَوْ " وَلَا قَامَتْ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا مُطْلَقَ الْجَمْعِ أَوْ نَحْوَهُ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ فَإِنْ قُلْت: يُرَجِّحُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمُكَلَّفِ يَنْبَغِي صَوْنُهُ عَنْ الْإِبْطَالِ، وَالْإِفْسَادِ مَا أَمْكَنَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ، وَغَيْرِهِ
قُلْت: مَحَلُّ هَذَا الصَّوْتِ مَا لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ ظَاهِرًا فِي الْوَجْهِ الْمُقْتَضِي لِفَسَادِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ الْأَخْذُ بِظَاهِرِهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ التَّكَلُّفَاتِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ " أَوْ " فِيهِ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهَا لِتَخْيِيرِ الْمُوصِي الْوَصِيَّ فِي الصَّرْفِ لِعَقِبِهِ أَوْ عَقِبِ الْوَصِيِّ، وَلَوْ كَانَ التَّكَلُّفُ لِصَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ سَائِغًا لَتَكَلَّفُوا وَقَالَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ إنَّهُ خَيَّرَ الْوَصِيَّ فِي الصَّرْفِ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَمَدْلُولِهِ مِنْ
стр. 958
الْإِبْهَامِ الْمُتَعَذَّرِ مَعَهُ التَّمْلِيكُ كَمَا مَرَّ كَانَ قِيَاسُهُ الْإِعْرَاضَ عَنْ التَّكَلُّفِ فِي صَرْفِ " أَوْ " عَنْ ظَاهِرِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ التَّخْيِيرِ أَوْ نَحْوِهِ كَمَا سَيَتَّضِحُ، وَالْأَخْذُ بِظَاهِرِهَا الْمُقْتَضِي لِلْإِبْهَامِ الْمُتَعَذَّرِ مَعَهُ التَّمْلِيكُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَجْوِيزَ الْإِضْرَابِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ إذْ الْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِإِحَالَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَقْصِدُ الْإِضْرَابَ عَنْ إعْطَاءِ عَقِبِهِ، وَالْحُكْمَ بِإِعْطَاءِ عَقِبِ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ صِنَاعَةً؛ لِأَنَّهَا إذَا أَتَتْ لِلْإِضْرَابِ لَا يَكُونُ بَعْدَهَا إلَّا الْجُمَلُ وَلَا تَكُونُ حِينَئِذٍ حَرْفَ عَطْفٍ بَلْ حَرْفَ اسْتِئْنَافٍ قَالَهُ الرَّضِيُّ وَكَذَلِكَ التَّقْسِيمُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي سَبْقَ مُقَسَّمٍ سَابِقٍ حَتَّى تَكُونَ أَوْ مُقَسِّمَةً لَهُ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ أَوْ أَجْزَائِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا احْتِمَالُ كَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ كَالْوَاوِ وَقَدْ مَرَّ امْتِنَاعُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ مَعَانِيهَا وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ حَتَّى تَكُونَ مُقَوِّيَةً لِلْحَمْلِ عَلَيْهِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يُحْتَاجُ عَنْهُ بِخِلَافِ التَّقْسِيمِ، وَالْإِضْرَابِ لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ اسْتِحَالَتِهِمَا، وَبِخِلَافِ نَحْوِ التَّخْيِيرِ، وَالشَّكِّ فَإِنَّ هَذِهِ تَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْبُطْلَانِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ مَعَانِيهَا مَا يُحْوِجُ لِلْجَوَابِ عَنْهُ غَيْرُ احْتِمَالِ كَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَرَّرَ الْجَوَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ مَعَانِيهَا لِنُدْرَتِهِ، وَعَدَمِ تَبَادُرِهِ مِنْهَا وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ حَتَّى تَكُونَ مُرَجِّحَةً لِلْحَمْلِ عَلَيْهِ
وَيَأْتِي عَنْهُ جَوَابٌ آخَرُ ثَانِيهَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ " أَوْ " مَوْضُوعَةٌ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالْحَقِيقَةِ الْمُتَبَادِرَةِ لِكُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الْمَعَانِي السَّابِقَةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا كَوْنُهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَفِي الْكَشَّافِ أَوَائِلَ الْبَقَرَةِ أَوْ فِي أَصْلِهَا مَوْضُوعَةٌ لِتَسَاوِي شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا فِي الشَّكِّ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهَا فَاسْتُعِيرَتْ لِلتَّسَاوِي فِي غَيْرِ الشَّكِّ ثُمَّ أَوْضَحَهُ بِالتَّمْثِيلِ لَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيَّ الشَّكُّ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّخْيِيرِ، وَالْإِبَاحَةِ مَعْنًى مَجَازِيٌّ لَهَا، وَأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْخَبَرِ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَقَطْ، وَفِي الْخَيْرِيَّةِ، وَبِالْحَقِيقِيِّ أَيْضًا، وَفِي الْمُفَصَّلِ أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُطْلَقًا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَعْنَاهَا هَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ مَوَارِدِهَا فِي الْإِنْشَاءِ، وَالْإِخْبَارِ، وَفِي أَنَّ " أَوْ " لِلتَّشْكِيكِ، وَالْإِبْهَامِ، وَالتَّخْيِيرِ، وَالْإِبَاحَةِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا دَاخِلًا فِي مَفْهُومِهَا بَلْ يُسْتَفَادُ مِنْ مَوَاقِعِهَا فِي الْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ السِّيَاقِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَمَا اخْتَارَهُ فِي الْكَشَّافِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَبَادُرِ الشَّكِّ مِنْهَا فِي الْخَبَرِ، وَيُوَافِقُ مَا تَقَرَّرَ فِي مَعْنَى كَلَامِ الْمُفَصَّلِ قَوْلَ السَّعْدِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي التَّلْوِيحِ فِي نَحْوِ جَالِسْ الْحَسَنَ أَوْ ابْنَ سِيرِينَ الْإِبَاحَةُ، وَالتَّخْيِيرُ قَدْ يُضَافَانِ إلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ: لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ قَدْ تَأْتِي لِلْإِبَاحَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَقَدْ يُضَافَانِ إلَى كَلِمَةٍ " أَوْ " وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كَلِمَةَ " أَوْ " لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ الْأُمُورِ، وَأَنَّ جَوَازَ الْجَمِيعِ، وَامْتِنَاعَهُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَحَلِّ الْكَلَامِ، وَدَلَالَةِ الْقَرَائِنِ اهـ.
وَقَدْ حَرَّرَ ذَلِكَ الرَّضِيُّ أَتَمَّ تَحْرِيرٍ فَقَالَ: وَقَالُوا: إنَّ لِأَوْ إذَا كَانَ فِي الْخَبَرِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ الشَّكُّ، وَالْإِبْهَامُ، وَالتَّفْصِيلُ، وَإِذَا كَانَ فِي الْأَمْرِ فَلَهُ مَعْنَيَانِ التَّخْيِيرُ، وَالْإِبَاحَةُ، الشَّكُّ إذَا أَخْبَرْت عَنْ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَلَا تَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، وَالْإِبْهَامُ إذَا عَرَفْته بِعَيْنِهِ
وَتَقْصِدُ أَنْ تُبْهِمَ الْأَمْرَ عَلَى الْمُخَاطَبِ ثُمَّ قَالَ: وَالتَّفْصِيلُ إذَا لَمْ تَشُكَّ وَلَمْ تَقْصِدْ الْإِبْهَامَ إذَا عَرَفْته بِعَيْنِهِ، وَتَقْصِدُ أَنْ تُبْهِمَ الْأَمْرَ عَلَى الْمُخَاطَبِ ثُمَّ قَالَ: وَالتَّفْصِيلُ إذَا لَمْ تَشُكَّ وَلَمْ تَقْصِدْ الْإِبْهَامَ عَلَى السَّامِعِ كَقَوْلِك: هَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا إذَا قَصَدْت الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّهُ جَوْهَرٌ لَا غَيْرُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ عَرَضٌ لَا غَيْرُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ.
، وَأَمَّا فِي الْأَمْرِ فَإِنْ حَصَلَ لِلْمَأْمُورِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ فَضِيلَةٌ، وَشَرَفٌ فِي الْغَالِبِ فَهِيَ لِلْإِبَاحَةِ نَحْوُ تَعَلَّمْ الْفِقْهَ أَوْ النَّحْوَ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ نَحْوُ اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ يَجُوزُ فِيهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَفِي التَّخْيِيرِ يَتَحَتَّمُ أَحَدُهُمَا وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ هَذَا مَا قِيلَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ جَوَازَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي نَحْوِ تَعَلَّمْ الْعِلْمَ إمَّا النَّحْوَ أَوْ الْفِقْهَ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ إمَّا، وَأَوْ بَلْ لَيْسَتَا إلَّا لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُفِيدَتْ الْإِبَاحَةُ مِمَّا قَبْلَ الْعَاطِفَةِ، وَمَا بَعْدَهَا مَعًا؛ لِأَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ خَيْرٌ، وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ خَيْرٌ بِدَلَالَةِ " أَوْ " وَأَمَّا فِي الْإِبَاحَةِ، وَالتَّخْيِيرِ، وَالشَّكِّ، وَالْإِبْهَامِ، وَالتَّفْصِيلِ عَلَى مَعْنَى أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ عَلَى السَّوَاءِ وَهَذِهِ الْمَعَانِي تَعْرِضُ فِي الْكَلَامِ لَا مِنْ قِبَلِ " أَوْ " وَإِمَّا " بَلْ " مِنْ قِبَلِ أَشْيَاءَ أُخَرَ فَالشَّكُّ مِنْ قِبَلِ جَهْلِ الْمُتَكَلِّمِ، وَعَدَمِ قَصْدِهِ إلَى التَّفْصِيلِ، وَالْإِبْهَامِ، وَالتَّفْصِيلُ مِنْ حَيْثُ قَصْدُهُ إلَى ذَلِكَ، وَالْإِبَاحَةُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْجَمْعِ تَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةٌ، وَالتَّخْيِيرُ
стр. 959
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهَا فِي الِاسْتِفْهَامِ لَا تَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَفِي التَّمَنِّي يَجُوزُ فِيهِ الْجَمْعُ، وَفِي التَّحْضِيضِ، وَالْعَرْضِ كَالْأَمْرِ فِي الْإِبَاحَةِ، وَالتَّخْيِيرِ بِحَسَبِ الْقَرِينَةِ قَالَ وَلَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ " أَوْ " فِي الْإِبَاحَةِ الَّتِي مَعْنَاهَا جَوَازُ الْجَمْعِ جَازَ اسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَمْثِلَةٍ ذَكَرَهَا: فَلَفْظَةُ " أَوْ " فِي جَمِيعِ الْأَمْثِلَةِ مُوجِبَةً كَانَتْ أَوْ لَا؟ مُفِيدَةٌ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ قَالَ: فَلَمْ تَخْرُجْ " أَوْ " عَنْ مَعْنَى الْوَحْدَةِ الَّتِي هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ اهـ.
وَإِذَا تَأَمَّلْت كَلَامَهُ هَذَا الْمُوَافِقَ لِمَا مَرَّ عَنْ التَّلْوِيحِ، وَالْمُفَصَّلِ مِنْ أَنَّ " أَوْ " إنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ مَوَاضِعِهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لِمَعْنَى الْوَحْدَةِ فَهِيَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ الْأُمُورِ، وَجَوَازُ الْجَمْعِ، وَامْتِنَاعُهُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَحَلِّ الْكَلَامِ، وَدَلَالَةِ الْقَرَائِنِ كَمَا بَيَّنَهُ الرَّضِيُّ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ كَمَا يَظْهَرُ بِتَأَمُّلِهِ عَلِمْت اتِّجَاهَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَوْصَيْت بِهَذَا لِزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو بَاطِلٌ كَقَوْلِهِ: لِأَحَدِ هَذَيْنِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ مَعْنَى " أَوْ " وَمَعْنَى أَحَدٍ مُتَقَارِبَانِ بَلْ مُتَّحِدَانِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فِي أَوْ، وَإِذَا بَانَ أَنَّ قَوْلَهُ: " فَالْوَصِيَّةُ بِهَا لِعَقِبِي أَوْ عَقِبِهِ " لَغْوٌ بَاطِلٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَهُ " فَإِنْ انْقَرَضُوا فَالْمُرَجَّحُ خِزَانَةُ الْمَغَارِبَةِ " بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُفَرَّعَ عَلَى الْبَاطِلِ بَاطِلٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ قَبُولُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَإِنْ رُدَّ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ بَطَلَ الْوَقْفُ قَطْعًا كَالْوَصِيَّةِ، وَالْوَكَالَةِ اهـ.
وَأَيْضًا فَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْبَاطِلِ بَاطِلٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْعَالَمِينَ طَوَالِقُ، وَأَنْتَ يَا زَوْجَتِي طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَإِنْ انْقَرَضُوا إلَخْ إمَّا مُفَرَّعٌ أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَيَكُونُ هُوَ بَاطِلًا أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا كَانَ لِأَيْتَامٍ قَاصِرِينَ مَالٌ صَارَ إلَيْهِمْ مِنْ وَالِدِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَاجِزٌ شَرْعِيٌّ بِوِصَايَةٍ مِنْ وَالِدِهِمْ وَلَا بِإِقَامَةٍ مِنْ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ فَبَاعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ أَخُوهُمْ الْأَكْبَرُ الْمُتَوَلِّي لِأَمْرِهِمْ الذَّابُّ عَنْهُمْ بِطَرِيقِ الْحِمَايَةِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْخِلَالَةِ، وَالْحُنُوِّ، وَالشَّفَقَةِ، وَاشْتَرَى ذَلِكَ مِنْهُ إنْسَانٌ آخَرُ بِثَمَنٍ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَاعْتَرَفَ الْبَائِعُ الْمُشَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِتَمَامِهِ وَكَمَالِهِ مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ فِي ذَلِكَ قَبْضًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا مُبَرِّئًا لِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي مِنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ، وَمِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً بَرَاءَةَ قَبْضٍ بِطَرِيقِ الْوِصَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى إخْوَتِهِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ وَالِدِهِمْ، وَبِأَنَّ الثَّمَنَ الْمَعْقُودَ بِهِ ثَمَنُ الْمِثْلِ لِذَلِكَ، وَبِأَنَّ لِلْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ الْحَظَّ، وَالْمَصْلَحَةَ، وَالْغِبْطَةَ فِي بَيْعِ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ الْمَذْكُورِ حَسْبَمَا اعْتَرَفَ الْبَائِعُ الْمَذْكُورُ بِذَلِكَ رِعَايَةً لِمَا يَظْهَرُ بِهِ صِحَّةُ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْمُوَثِّقِينَ بِاسْتِرْعَاءِ مِثْلِ ذَلِكَ، وَتَسْطِيرِهِ فِي الْوَثَائِقِ رِعَايَةً لِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ شَافِعِيٍّ، وَحَكَمَ بِمُوجِبِهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُشْتَرِي عَنْ وَرَثَةٍ مُسْتَوْعِبِينَ لِمِيرَاثِهِ شَرْعًا ثُمَّ ادَّعَى الْأَيْتَامُ الْمَبْيُوعُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ، وَرُشْدِهِمْ أَنَّ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَطَالَبُوا وَرَثَةَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ الْمَذْكُورِ لِكَوْنِ الْبَيْعِ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ مُسَوِّغَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي مِنْهَا كَوْنُ الْبَائِعِ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا، وَمِنْهَا وُجُودُ الْحَظِّ، وَالْمَصْلَحَةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنَّ الثَّمَنَ ثَمَنُ الْمِثْلِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا عُوِّلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى اعْتِرَافِ الْبَائِعِ بِهِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَشْرُوحَةِ أَعْلَاهُ وَلَمْ يُصْدَرْ إذْنٌ مِنْ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ فِي بَيْعِ ذَلِكَ فَهَلْ دَعْوَى الْأَيْتَامِ،
وَمُطَالَبَتُهُمْ بِمَا ذُكِرَ مَسْمُوعَةٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكْفِي لِصِحَّةِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ اعْتِرَافُ الْبَائِعِ بِالْمُسَوِّغَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَمْ لَا وَإِذَا لَمْ تَجِدْ وَرَثَةُ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً شَرْعِيَّةً تَشْهَدُ بِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ حِينَ الْبَيْعِ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا مَثَلًا وَبِوُجُودِ بَقِيَّةِ الْمُسَوِّغَاتِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ ذَاكَ فَهَلْ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ، وَبَقَاءُ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْأَيْتَامِ، وَاسْتِحْقَاقُهُمْ لِانْتِزَاعِ ذَلِكَ مِنْ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي أَمْ لَا؟ ، وَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، وَانْتَزَعَ الْأَيْتَامُ الْمَبِيعَ الْمَذْكُورَ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ بِمَسْطُورٍ، وَأَرَادَ وَرَثَةُ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ صَدَّقَ الْأَيْتَامُ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَطَالَبُوا بِالثَّمَنِ فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ اعْتِرَافَهُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ عَنْ قَبْضٍ حَقِيقَةً، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ، وَأَنَّ الثَّمَنَ
стр. 960
بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي إلَى الْآنَ فَهَلْ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ مَسْمُوعَةٌ لِتَحْلِيفِ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: نَعَمْ فَهَلْ يُقْبَلُ جَوَابُ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَيْتَامَ لَا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْنَا شَيْئًا مِنْ هَذَا الثَّمَنِ أَوْ لَا نَعْلَمُ اسْتِحْقَاقَهُمْ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الثَّمَنِ أَوْ أَنَّ مُوَرِّثَنَا تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبْقَ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الثَّمَنِ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ عَلَى شِرَاءِ مُوَرِّثِهِمْ لِلْمَبِيعِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْبَائِعِ الْمَذْكُورِ بِالثَّمَنِ الْمَذْكُورِ، وَإِذَا قُلْتُمْ: لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَمَاذَا يَكُونُ كَيْفِيَّةُ يَمِينِ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ وَهَلْ هِيَ عَلَى الْبَتِّ بِأَنَّ اعْتِرَافَ الْبَائِعِ بِالْقَبْضِ كَانَ بَعْدَ وُجُودِ حَقِيقَةِ قَبْضِهِ لِلثَّمَنِ أَوْ بِأَنَّ مُوَرِّثَهُمْ دَفَعَ الثَّمَنَ كُلَّهُ لِلْبَائِعِ أَوْ هِيَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ أَيْ: بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الِاعْتِرَافَ عَنْ غَيْرِ حَقِيقَةِ الْقَبْضِ أَوْ لَا يَعْلَمُونَ بَقَاءَ الثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ مُوَرِّثِهِمْ، وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَذْهَبِ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ الْمُثْبِتِ لِمَضْمُونِ الْمَكْتُوبِ الْمَذْكُورِ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ، وَابْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ، وَأَوْضِحُوهُ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ آمِينَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا دَعْوَى الْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ، وَمُطَالَبَتُهُمْ بِمَا ذُكِرَ فَمَمْنُوعَةٌ وَلَا يَكْفِي لِصِحَّةِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ اعْتِرَافُ الْبَائِعِ بِالْمُسَوِّغَاتِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهَا بِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِجَمِيعِهَا مُفَصَّلَةً مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ وَصِيٌّ أَوْ قَيِّمٌ مِنْ جِهَةِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ، وَأَنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الشَّاهِدِ لِوَجْهِ الْمَصْلَحَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا مُوَافِقًا لِلْقَاضِي عَلَى الْأَوْجَهِ أَوْ بِاعْتِرَافِ الْمُدَّعِينَ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ، وَرُشْدِهِمْ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ فَإِنْ وُجِدَتْ بَيِّنَةٌ أَوْ اعْتِرَافٌ كَمَا ذُكِرَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا نَظَرَ لِحُكْمِ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِمُوجِبِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ إقْرَارِ الْبَائِعِ، وَمُوجِبُهُ الصِّحَّةُ إنْ ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِلَّا فَالْبُطْلَانُ، وَإِذَا بَانَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ فَالْمَبِيعُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْأَيْتَامِ، فَيَنْزِعُونَهُ مِنْ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي، وَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ بِأَرْشِ عَيْبٍ حَدَثَ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ مُوَرِّثِهِمْ إلَى حِينِ انْتِزَاعِهِ مِنْهُمْ، وَبِأُجْرَةِ الْمَبِيعِ تِلْكَ الْمُدَّةَ إنْ صَلَحَ أَنْ يُؤَجَّرَ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ وَلَا كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِعْمَالِ، وَبِأَقْصَى مَا تَلِفَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ بِزَوَائِدِهِ الْمُنْفَصِلَةِ كَالْوَلَدِ، وَاللَّبَنِ، وَغَيْرِهِمَا وَلَا رُجُوعَ لِلْوَرَثَةِ عَلَى الْأَيْتَامِ بِمَا أَنْفَقُوا عَلَى الْمَبِيعِ نَعَمْ يَرْجِعُونَ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا غَرِمُوهُ لِلْأَيْتَامِ مِنْ أُجْرَةِ مَنَافِعَ، وَفَوَائِدَ لَمْ يَسْتَوْفُوهَا هُمْ وَلَا مُوَرِّثُهُمْ بِخِلَافِ مَا غَرِمُوهُ مِنْ بَدَلِ مَا اسْتَوْفَوْهُ مِنْهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُمْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ عَادَتْ إلَيْهِمْ؛ وَلِأَنَّهُمْ الْمُبَاشِرُونَ لَا لِلْإِضَافَةِ ثُمَّ بَعْدَ انْتِزَاعِ الْمَبِيعِ مِنْ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تَقَرَّرَ لِلْوَرَثَةِ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اعْتَرَفَ بِقَبْضِهِ مِنْ مُوَرِّثِهِمْ، وَأَمَّا إذَا صَدَّقَ الْأَيْتَامُ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَأَنَّ الْبَائِعَ وَلِيُّهُمْ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِمْ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَيَرْجِعُونَ بِهِ عَلَيْهِ لَا عَلَى وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ إقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي الصُّورَتَيْنِ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ عَلَى وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي بِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ لِتَحْلِيفِهِمْ.
نَعَمْ إنْ كَانَتْ صِفَةُ إقْرَارِهِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ بِكَمَالِهِ مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ فِي ذَلِكَ قَبْضًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا مُبَرِّئًا لِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي مِنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ، وَمِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرَ أَوْ بِبَعْضِهِ الْمُؤَدِّي مَعْنَاهُ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّا إنَّمَا قَبِلْنَا دَعْوَاهُ لِعَدَمِ الْقَبْضِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ أَقَرَّ بِهِ كَمَلًا
وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ الْوَثَائِقَ يُشْهَدُ عَلَيْهَا قَبْلَ تَحْقِيقِ مَا فِيهَا وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ فِي ذَلِكَ إلَخْ لِتَحْلِيفِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَادُ فِي الْإِقْرَارِ عَنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ ذَلِكَ فَلَا نَظَرَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً لِمُخَالَفَتِهَا لِلْعَادَةِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ: لَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ مَالٍ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدْت عَازِمًا عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَادُ أَيْ: وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذُكِرَ لَا يُنَافِي تَرْجِيحَ الْأَذْرَعِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِقَبْضٍ مُمْكِنٍ ثُمَّ قَالَ: أَقْرَرْت بَاطِلًا قُبِلَتْ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا، وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِذَلِكَ بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي خِلَافًا لِلْقَفَّالِ، وَإِنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَكَادُ يُقِرُّ عِنْدَ الْقَاضِي إلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ لِشُمُولِ
стр. 961
الْإِمْكَانِ لِذَلِكَ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لَا يَقَعُ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَتِهِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مُعْتَادٌ قُبِلَتْ دَعْوَاهُ لِلتَّحْلِيفِ، وَلَوْ مَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَمَّا إذَا لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ عَلَى الْمُقِرِّ بِأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَلَا عِبْرَةَ بِوُقُوعِهَا فِي خَطِّهِمْ، وَتُقْبَلُ دَعْوَى الْمُقَرِّ لَهُ لِتَحْلِيفِ الْوَرَثَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ لَا بُدَّ فِي جَوَابِهِمْ، وَحَلِفِهِمْ مِنْ مُطَابَقَتِهِمَا لِلدَّعْوَى فَإِنْ كَانَتْ بِصِيغَةِ إنَّ إقْرَارِي بِالْقَبْضِ بَاطِلٌ كَانَ الْحَلِفُ بِصِيغَةِ إنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَبْضِ صَحِيحٌ أَوْ بِصِيغَةِ إنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَدْفَعْ لِي شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ كَانَتْ الْيَمِينُ بِصِيغَةِ أَنَّ مُوَرِّثِي دَفَعَ لَك الثَّمَنَ جَمِيعَهُ أَوْ بِصِيغَةِ إنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إقْرَارِي لَمْ يَكُنْ عَنْ حَقِيقَةٍ كَانَتْ الْيَمِينُ بِصِيغَةِ لَا نَعْلَمُ أَنَّ إقْرَارَك عَنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ، وَيُقَاسُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوَرِ مَا فِي مَعْنَاهَا
وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ: لَا بُدَّ فِي الْيَمِينِ، وَالْجَوَابِ مِنْ مُطَابَقَتِهِمَا لِلدَّعْوَى وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْيَمِينَ فِي كُلِّ إثْبَاتٍ، وَفِي كُلِّ نَفْيٍ فُعِلَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ الَّذِي فِي يَدِهِ يَكُونُ عَلَى الْبَتِّ، وَفِي نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ يَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ اهـ.
وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلْتُ) عَمَّنْ قَرَأَ وَهَلَّلَ مَثَلًا وَأَذِنَ لِآخَرَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُوصِلَ ثَوَابَ ذَلِكَ إلَى فُلَانٍ مَا الْحُكْمُ حِينَئِذٍ أَوْ قَرَأَ مَثَلًا وَدَعَا بِإِيصَالِ ثَوَابِ ذَلِكَ لِحَيٍّ مَا حُكْمُهُ، وَمَا حَقِيقَةُ الثَّوَابِ الْوَاصِلِ لِلْمَيِّتِ.
(فَأَجَبْت) بِقَوْلِي الدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ الْحَيِّ أَوْ الْمَيِّتِ بِثَوَابِ الدَّاعِي أَوْ غَيْرِهِ الْآذِنِ لَهُ لَا يَنْبَغِي فَإِنَّ ثَوَابَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِالدُّعَاءِ، فَيَكُونُ الدُّعَاءُ بِذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْوَاقِعِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ أَمَّا الدُّعَاءُ بِحُصُولِ مِثْلِ ذَلِكَ الثَّوَابِ لِلْغَيْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدُّعَاءِ لِلْأَخِ الْمُسْلِمِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى قَبُولِهِ بِهَذَا، وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَحْذُورٌ فَلَمْ يَكُنْ لِامْتِنَاعِهِ وَجْهٌ بَلْ لَوْ ذَكَرَ الدَّاعِي الثَّوَابَ، وَمُرَادُهُ مِثْلُهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ امْتِنَاعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ إضْمَارَ مِثْلِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ سَائِغٌ شَائِعٌ ذَائِعٌ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِنَصِيبِ ابْنِي صَحَّ، وَأُعْطِيَ مِثْلَ نَصِيبِ ابْنِهِ بِشَرْطِ رِعَايَتِهِ لِمَعْنَى الْمِثْلِيَّةِ الْمُتَبَادَرِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ،، وَحَقِيقَةُ الثَّوَابِ الْوَاصِلِ لِلْمَيِّتِ: هِيَ كُلُّ مُلَائِمٍ وَاصِلٍ لِلرُّوحِ مِنْ نَعِيمِهَا بِالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْمَوَاهِبِ الِاخْتِصَاصِيَّةِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَالتَّمَلِّي بِمَا شَاهَدَتْهُ مِنْهَا، وَمَجِيءِ رِزْقِهَا إلَيْهَا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ أَوْ فِيهَا، وَهِيَ بِقِبَابٍ نَحْوِ اللُّؤْلُؤِ أَوْ بِخِيَامِهِ أَوْ بِأَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْمَقَامَاتِ، وَالْعِنَايَاتِ ثُمَّ الْمُتَنَعِّمُ بِهَذَا النَّعِيمِ الْأَرْفَعِ الْأَوْسَعِ الْأَكْمَلِ الْأَفْضَلِ هُوَ الرُّوحُ بِطَرِيقِ الذَّاتِ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَهُوَ، وَإِنْ كَانَ بِالْبَرْزَخِ يَحْصُلُ لَهُ بَعْضُ آثَارِهِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ يُحِسُّ بِالنَّعِيمِ، وَضِدِّهِ فَلِلرُّوحِ مِنْ الثَّوَابِ أَعْلَاهُ وَلِلْجَسَدِ مِنْهُ أَدْنَاهُ، وَسِرُّهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ، وَالتَّوْحِيدِ، وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ الْبَاطِنَةِ - وَالْمَدَارُ لَيْسَ إلَّا عَلَيْهَا - إنَّمَا يَنْشَأُ عَنْ الرُّوحِ فَاسْتَحَقَّتْ أَكْمَلَ الثَّوَابِ، وَأَفْضَلَهُ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ الظَّاهِرَةِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا كَالتَّبَعِ، وَالْقَائِمُ بِهِ الْبَدَنُ فَاسْتَحَقَّ مِنْ الثَّوَابِ أَدْنَاهُ وَلَا يُسْتَبْعَدُ إدْرَاكُهُ لَهُ مَعَ كَوْنِهِ جَمَادًا لَا رُوحَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْجَمَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ لَهُ نَوْعُ إدْرَاكٍ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً عَنْهُ - إذْ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ، وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ - لَكِنْ لَهَا اتِّصَالٌ بِالْبَدَنِ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ بِالسَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَلَهَا اتِّصَالٌ، وَشُعَاعٌ، وَإِنَارَةٌ، وَنَفْعٌ عَامٌّ بِالْأَرْضِ فَبِذَلِكَ الِاتِّصَالِ الْوَاصِلِ إلَى الْبَدَنِ مِنْ الرُّوحِ صَارَ لِلْبَدَنِ نَوْعُ إحْسَاسٍ، وَإِدْرَاكٍ فَأَحَسَّ بِالنَّعِيمِ، وَنَضْرَتِهِ، وَابْتَهَجَ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ شُهُودِهِ، وَمَسَرَّتِهِ
(وَسُئِلَ) سُؤَالًا صُورَتُهُ قَدْ وَقَعَ الطَّاعُونُ عِنْدَنَا بِأَرْضِ الْيَمَنِ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَفِرُّونَ مِنْهُ، وَيَقُولُونَ إنَّهُ عَدْوَى فَهَلْ هُوَ عَدْوَى أَوْ لَا؟ ، وَأَنَّا رَأَيْنَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَلَامًا فِي الطَّاعُونِ، وَفِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، وَنَحْنُ نُرِيدُ الزِّيَادَةَ مِنْكُمْ فَالْمَسْئُولُ مِنْكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا لَنَا مَا يَحْضُرُكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي بَيَانِ الطَّاعُونِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَتَّى نَعِظَ بِهِ أَهْلَ الْبَلَدِ، وَالْمَسْئُولُ مِنْكُمْ بَسْطُ ذَلِكَ جَزَاكُمْ اللَّهُ خَيْرًا.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الطَّاعُونِ مَثَلًا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَثِيرٌ، وَمِنْ ثَمَّ أُفْرِدَ بِتَآلِيفَ فَلْنُشِرْ هُنَا إلَى مُلَخَّصِهَا، وَهِيَ تَنْحَصِرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا الْكَلَامُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ
стр. 962
وَالطَّاعُونِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُونُ قَالَ: وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ، وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «وَهُوَ شَهَادَةٌ لِلْمُسْلِمِ.
» وَوَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِسَنَدٍ حَسَنٍ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْإِبِلِ، الْمُقِيمُ فِيهِ كَالشَّهِيدِ، وَالْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «شِبْهُ الدُّمَّلِ يَخْرُجُ فِي الْآبَاطِ، وَالْمَرَاقِّ، وَفِيهِ تَزْكِيَةُ أَعْمَالِكُمْ، وَهُوَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ شَهَادَةٌ» ، وَفِي أُخْرَى «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي، وَوَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ يَخْرُجُ فِي الْآبَاطِ، وَالْمَرَاقِّ، الْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
وَكَوْنُهُ يَخْرُجُ فِي الْآبَاطِ، وَالْمَرَاقِّ هُوَ الْغَالِبُ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ ﷺ عَلَيْهِمَا وَقَدْ يَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي، وَالْأَصَابِعِ كَمَا وَقَعَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا رَوَى حَدِيثَ الطَّاعُونِ دَعَا لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ بِالْحَظِّ الْأَوْفَرِ مِنْهُ فَطُعِنُوا، وَمَاتُوا، وَطُعِنَ هُوَ فِي أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا حُمُرَ النَّعَمِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ الطَّاعُونُ مَرَضٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بَثْرٌ، وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا يَخْرُجُ مِنْهُ لَهِيبٌ، وَيَسْوَدُّ مَا حَوَالَيْهِ أَوْ يَخْضَرُّ أَوْ يَحْمَرُّ حُمْرَةً بَنَفْسَجِيَّةً كَدِرَةً، وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانُ الْقَلْبِ، وَالْقَيْءُ، وَيَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِّ، وَالْآبَاطِ غَالِبًا اهـ. وَقَالَ: مُحَقِّقُو الْأَطِبَّاءِ: الطَّاعُونُ مَادَّةٌ سُمِّيَّةٌ تُحْدِثُ وَرَمًا قَتَّالًا يَحْدُثُ فِي الْمَوَاضِعِ الرِّخْوَةِ، وَالْمَغَابِنِ مِنْ الْبَدَنِ، وَأَغْلَبُ مَا يَكُونُ تَحْتَ الْإِبْطِ، وَخَلْفَ الْأُذُنِ أَوْ عِنْدَ الْأَرْنَبَةِ، وَسَبَبُهُ دَمٌ رَدِيءٌ مَائِلٌ إلَى الْعُفُونَةِ، وَالْفَسَادِ، فَيَسْتَحِيلُ إلَى جَوْهَرٍ سُمَيٍّ يُفْسِدُ الْعُضْوَ، وَيُغَيِّرُ مَا يَلِيه، وَيُؤَدِّي إلَى الْقَلْبِ كَيْفِيَّةً رَدِيئَةً فَيُحْدِثُ الْقَيْءَ، وَالْغَثَيَانَ، وَالْغَشْيَ، وَالْخَفَقَانَ، وَهُوَ لِرَدَاءَتِهِ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْأَعْضَاءِ إلَّا مَا كَانَ أَضْعَفَ بِالطَّبْعِ، وَأَرْدَؤُهُ مَا يَقَعُ فِي الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسِيَّةِ، وَالْأَسْوَدُ مِنْهُ قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُ، وَأَسْلَمُهُ الْأَحْمَرُ ثُمَّ الْأَصْفَرُ، وَتَكْثُرُ الطَّوَاعِينُ عِنْدَ الْوَبَاءِ، وَفِي الْبِلَادِ الْوَبِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ عَلَى الطَّاعُونِ وَبَاءٌ، وَعَكْسُهُ، وَأَمَّا الْوَبَاءُ فَهُوَ فَسَادُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ الرُّوحِ، وَمَدَدُهُ اهـ.
وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الطَّاعُونَ أَخَصُّ مِنْ الْوَبَاءِ مُطْلَقًا فَكُلُّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ وَلَا عَكْسَ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّ الْمَدِينَةَ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا أَوْبَى أَرْضِ اللَّهِ، وَعَنْ بِلَالٍ أَنَّهَا أَرْضُ الْوَبَاءِ، فَيَلْزَمُ أَنَّ الطَّاعُونَ غَيْرُ الْوَبَاءِ، وَإِلَّا تَعَارَضَ الْحَدِيثَانِ فَقَوْلُ ابْنِ الرَّتِّيِّ أَنَّهُ هُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا تُجُوِّزَ عَنْهُ بِهِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا يَنْشَأُ عَنْهُ كَثْرَةُ الْمَوْتِ، وَيُفَارِقُهُ بِخُصُوصِ سَبَبِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ، وَالْوَبَاءُ إنَّمَا هُوَ لِفَسَادِ الْهَوَاءِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ عُمُومُ الْأَمْرَاضِ وَلَا يُنَافِي كَوْنُ سَبَبِ الطَّاعُونِ طَعْنُ الْجِنِّ مَا مَرَّ عَنْ الْأَطِبَّاءِ مِنْ أَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ مَادَّةٍ سُمِّيَّةٍ أَوْ هَيَجَانِ الدَّمِ، وَانْصِبَابِهِ إلَى عُضْوٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنَّ ذَلِكَ يَحْدُثُ عِنْدَ الطَّعْنَةِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الصَّادِقُ فَتَكَلَّمُوا عَلَى مَا ظَهَرَ بِحَسَبِ قَوَاعِدِهِمْ دُونَ مَا بَطَنَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ قِيلَ: وَقَدْ يَنْشَأُ الطَّاعُونُ عَنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ وَهَذَا قَوْلٌ مُزَيَّفٌ كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي هَدْيِهِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ يَقَعُ فِي أَعْدَلِ الْفُصُولِ، وَفِي أَصَحِّ الْبِلَادِ هَوَاءً، وَأَطْيَبِهَا مَاءً وَبَاءٌ لَا يَعُمُّ النَّاسَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْهَوَاءِ لَعَمَّ بَلْ قَدْ يُفْنِي أَهْلَ بَيْتٍ وَلَا يَدْخُلُ بَيْتًا يُجَاوِرُهُمْ، وَبِأَنَّهُ قَدْ يَقِلُّ عِنْدَ فَسَادِ الْهَوَاءِ، وَيَكْثُرُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ، وَبِأَنَّ كُلَّ دَاءٍ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ لَهُ دَوَاءٌ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ عَلَى مَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»
وَالطَّاعُونُ بِاعْتِرَافِ حُذَّاقِ الْأَطِبَّاءِ لَا دَوَاءَ لَهُ وَلَا دَافِعَ لَهُ إلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَقَدَّرَهُ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﷺ «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ، وَالطَّاعُونِ» مَعْنَاهُ الطَّلَبُ لِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّاعُونِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك بِالطَّعْنِ، وَالطَّاعُونِ» وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَى الْخَبَرِ لَا الدُّعَاءِ أَيْ: الْغَالِب عَلَى فَنَاءِ الْأُمَّةِ الْفِتَنُ الَّتِي تُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ، وَالْوَبَاءُ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ أَكْثَرَ الْأُمَّةِ يَمُوتُونَ بِغَيْرِ هَذَيْنِ فَقَدْ أَخْطَأَ بَلْ أَكْثَرُهُمْ يَمُوتُونَ بِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْأَثِيرِ
стр. 963
وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ يَمُوتُ بِالطَّاعُونِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَمُوتُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الطَّاعُونِ الْآخَرِ فَكَيْفَ إذَا انْضَمَّ لِذَلِكَ الْقَتْلُ الْحَاصِلُ فِي الْجِهَادِ، وَفِي الْفِتَنِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ وَلَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَعُمُومًا فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَعَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلدُّعَاءِ فَلَيْسَ الْقَصْدُ بِهِ الدُّعَاءُ عَلَى الْأُمَّةِ بِالْهَلَاكِ بَلْ الْمُرَادُ الدُّعَاءُ لَهُمْ بِلَازِمِ ذَلِكَ، وَهُوَ حُصُولُ الشَّهَادَةِ لَهُمْ بِكُلٍّ مِنْ ذَيْنِك فَالْقَصْدُ الدُّعَاءُ بِجَعْلِهِمَا سَبَبًا لِلْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ لَا الدُّعَاءُ بِمُطْلَقِ الْهَلَاكِ، وَمِنْ لَازِمِ حُصُولِ الشَّهَادَةِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَفَّارَةً لِمَا يَقَعُ مِنْ الْأُمَّةِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَمُرُّ بِذَنْبٍ إلَّا مَحَاهُ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرِينَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ، وَالْمَوْتَ بِالطَّاعُونِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى أَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ تَمْكِينَ الْكَافِرِ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ مَعْصِيَةٌ، وَتَمَنِّي الْمَعْصِيَةِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُمْ بِتَمَنِّيهَا لَيْسَ ذَلِكَ بَلْ نَيْلُ دَرَجَتِهَا الرَّفِيعَةِ وَلَا نَظَرَ لِفِعْلِ الْكَافِرِ
لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُودِ ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ وَخْزُ أَعْدَائِنَا مِنْ الْجِنِّ هُوَ الثَّابِتُ، وَمَا وَقَعَ لِابْنِ الْأَثِيرِ تَبَعًا لِغَرِيبَيْ الْهَرَوِيِّ مِنْ أَنَّهُ " وَخْزُ إخْوَانِكُمْ " فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الطَّوِيلِ الْبَالِغِ، وَنِسْبَةُ الزَّرْكَشِيّ كَغَيْرِهِ ذَلِكَ إلَى رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَهْمٌ وَكَذَا نِسْبَتُهُ لِمُسْنَدِ الطَّبَرَانِيِّ أَوْ كِتَابِ الطَّوَاعِينِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَعَلَى تَسْلِيمِ وُرُودِهِ فَلَا تَنَافِيَ؛ لِأَنَّ أُخُوَّتَهُمْ فِي الدِّينِ لَا تُنَافِي عَدَاوَتَهُمْ؛ لِأَنَّهَا بِالطَّبْعِ، وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَوْ أَنَّ الْأُولَى فِي طَعْنِ كَافِرِهِمْ لِمُسْلِمِنَا، وَالثَّانِيَةُ فِي طَعْنِ مُسْلِمِهِمْ لِكَافِرِنَا أَوْ أَنَّ كُلًّا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْآخَرُ إذْ لَفْظُ " أَعْدَائِكُمْ " عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الطَّعْنَ لَا يَقَعُ إلَّا مِنْ عَدُوٍّ فِي عَدُوِّهِ، وَيَكُونُ الْخِطَابُ لِجَمِيعِ الْإِنْسِ فَإِنَّ الطَّعْنَ يَكُونُ مِنْ كَافِرِهِمْ فِي مُؤْمِنِنَا أَوْ مِنْ مُؤْمِنِهِمْ فِي كَافِرِنَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَّهُ «شَهَادَةٌ لِلْمُسْلِمِ، وَرِجْزٌ عَلَى الْكَافِرِ» وَلَفْظُ " إخْوَانِكُمْ " عَلَى عُمُومِهِ أَيْضًا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أُخُوَّةُ التَّقَابُلِ كَمَا فِي - اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ أَخَوَانِ - أَوْ أُخُوَّةُ التَّكْلِيفِ
فَإِنَّهُ يَعُمُّهُمْ أَيْضًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِهِ فِي حَدِيثِ «زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» فَإِنَّهُ زَادٌ لِلْكَافِرِ أَيْضًا، وَحِكْمَةُ تَسْلِيطِهِمْ عَلَى الْإِنْسِ بِالطَّعْنِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِمُعَادَاةِ أَعْدَائِنَا مِنْهُمْ أَيْضًا وَهُمْ شَيَاطِينُهُمْ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلَّا مُسَالَمَتَهُمْ بَلْ، وَمُطَاوَعَتَهُمْ عَلَى مَا يَطْلُبُونَهُ مِنْهُمْ مِنْ الْمَعَاصِي، وَالضَّلَالِ فَسُلِّطُوا عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ كَمَا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاؤُهُمْ مِنْ الْإِنْسِ حَيْثُ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ عُقُوبَةً لِمُسْتَحِقِّهَا، وَشَهَادَةَ رَحْمَةٍ لِأَهْلِهَا وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْعُقُوبَاتِ تَقَعُ عَامَّةً فَتَكُونُ طُهْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَانْتِقَامًا لِلْكَافِرِينَ.
وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ أَنَّ اللَّهَ اخْتَصَّ الْمُؤْمِنَ لِنَفْسِهِ، وَأَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ فِي كُلِّ مَا أَصَابَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ أَوْ أَلَمٍ أَوْ لَذَّةٍ وَقَيَّضَ لَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَوْ يَشْفَعُ لَهُ أَوْ يُعَاوِنُهُ مِنْ مَلَكٍ، وَنَبِيٍّ، وَمُؤْمِنٍ، وَمَنْ يُعَادِيه مِنْ شَيْطَانٍ يُزِلُّهُ، وَعَدُوٍّ يُقَاتِلُهُ وَجِنِّيٍّ يَخِزُهُ وَهُوَ لَهُ حَافِظٌ وَلِعَدُوِّهِ قَاهِرٌ مَعَ أَنَّهُ إنْ أَصَابَهُ شَرٌّ فَشَكَرَ أَوْ خَيْرٌ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَسَلَّطَ الْجِنَّ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ مَحْفُوظًا فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ كَمَا جَازَ أَنَّهُ يَطْعَنُهُ عَدُوُّهُ الظَّاهِرُ فِي وَقْتٍ مَعَ حِفْظِهِ بِالرُّعْبِ أَوْ النَّصْرِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ لِإِرَادَةِ الْخَيْرِ بِهِ، وَنَيْلِهِ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ بِقَتْلِ الْعَدُوِّ لَهُ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١]
أَيْ: مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنَّهُ يَطْعَنَهُ عَدُوُّهُ الْجِنِّيُّ مَعَ كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْهُ بِالْمُعَقِّبَاتِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ لِإِرَادَةِ الْخَيْرِ بِهِ، وَنَيْلِهِ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ مِنْ وَخْزِهِ مَعَ ضَعْفِ كَيَدِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ طَعْنُهُ غَيْرَ نَافِذٍ بِخِلَافِ طَعْنِ الْإِنْسِ إذْ ذَاكَ أَصْلُ الْوَخْزِ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا زَايٌ،، وَسَبَبُ عَدَمِ نُفُوذِهِ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ فَيُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ أَوَّلًا ثُمَّ قَدْ يَنْفُذُ إلَى الظَّاهِرِ، وَطَعْنُ الْإِنْسِ يُؤَثِّرُ أَوَّلًا فِي الظَّاهِرِ وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ عَدَمُ وُقُوعِهِ فِي رَمَضَانَ لِمَا صَحَّ أَنَّ الشَّيَاطِينَ تُفَلُّ فِيهِ، وَتُصَفَّدُ.
وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ بَلْ كَانَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ تَصْفِيدَهُمْ إنَّمَا هُوَ عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إثْمٌ مِنْ تَزْيِينِ الْمَعْصِيَةِ لِابْنِ آدَمَ حَتَّى يَقَعَ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ كَالطَّاعُونِ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ كَمَا لَا يُمْنَعُونَ مِمَّا لَا إثْمَ فِيهِ وَلَا ثَوَابَ كَالِاحْتِلَامِ
стр. 964
وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُزَيِّنُونَ لِابْنِ آدَمَ كَثِيرًا مِنْ الْمَعَاصِي فِيهِ، ثُمَّ رَأَيْت الْحَلِيمِيَّ أَجَابَ بِذَلِكَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: الْمُرَادُ بَعْضُهُمْ لَا كُلُّهُمْ لِحَدِيثِ " صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ " مَرَدَةُ الْجِنِّ فَمَرَدَةُ نَعْتٌ مُخَصِّصٌ أَوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَرِوَايَةُ مَرَدَةُ بِمَعْنَى رِوَايَةِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ الْمُطْلَقَةُ، وَعَلَى هَذَا فَالْوَخْزُ يَقَعُ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَرَدَةِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ الْمُرَادُ كُلُّهُمْ إشَارَةً إلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّةِ إغْوَائِهِمْ فَهُمْ كَالْمُصَفَّدِينَ.
وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ صَامَ الصَّوْمَ الْمُعْتَبَرَ بِشُرُوطِهِ، وَآدَابِهِ، وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مَا قَالَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَمِنْهَا الْكَلَامُ عَلَى كَوْنِهِ شَهَادَةً وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ
وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَيْضًا، وَفِي حَدِيثٍ حَسَن «أَتَانِي جِبْرِيلُ بِالْحُمَّى، وَالطَّاعُونِ فَأَمْسَكْتُ الْحُمَّى بِالْمَدِينَةِ، وَأَرْسَلْت الطَّاعُونَ إلَى الشَّامِ فَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي، وَرَحْمَةٌ لَهُمْ، وَرِجْسٌ عَلَى الْكَافِرِ» وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً. فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَا ظَهَرَتْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إلَّا سَلَّطَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الْمَوْتَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا» ، وَفِي رِوَايَةٍ «مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمْ الزِّنَا إلَّا أُخِذُوا بِالْفَنَاءِ، وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمْ الرِّبَا إلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ، وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمْ الرِّشَا إلَّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ»
، وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ أَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ عَجَّلَ لَهُمْ عُقُوبَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ «أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ حَسَنٍ
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُعْظَمِ الْأُمَّةِ لِثُبُوتِ أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ فِي قَوْمٍ يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْ النَّارِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَوْنَهُ عُقُوبَةً بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ شَهَادَةً لِجَمِيعِ مَنْ طُعِنَ لَا سِيَّمَا مَنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْمَعْصِيَةَ الْمَذْكُورَةَ وَلَعَلَّ سَبَبَ الْعُمُومِ تَقَاعُدُهُمْ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ زِيَادَةُ حَسَنَاتِ مَنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْفَاحِشَةَ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَنْزِلَةُ مَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ فَمَا يَزَالُ يَبْتَلِيه بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إيَّاهَا» وَلَا كَوْنَهُ شَهَادَةً فِي حَقِّ الْعَاصِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الرَّحْمَةِ فِي حَقِّهِ أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا لِتُكَفِّرَ خَطَايَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُهُ ظُهُورَ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ غَالِبًا يَقَعُ سِرًّا، وَحَدُّهُ: إزْهَاقُ رُوحِ الْمُحْصَنِينَ فَإِذَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ سَلَّطَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ عَدُوًّا يَقْتُلُهُمْ سِرًّا مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ.
وَقَاعِدَةُ الْعَذَابِ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ يَعُمُّ الْمُسْتَحِقَّ لَهُ، وَغَيْرَهُ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، ثُمَّ الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ فَرُوحُهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامَ، وَرُوحُ غَيْرِهِ إنَّمَا تَشْهَدُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْمَوْتِ مَا لَهُ مِنْ الْكَرَامَةِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةَ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ، أَوْ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِالْأَمَانِ مِنْ النَّارِ أَوْ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَلَائِكَتِهِ،، وَالشَّهَادَةُ اصْطِلَاحًا تَخْصِيصُ مَنْ حَصَلَ لَهُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِهَا بِثَوَابٍ مَخْصُوصٍ، وَكَرَامَةٍ زَائِدَةٍ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَتِيلِ الْمَعْرَكَةِ
فَفِي حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى قَتِيلِ الْمَعْرَكَةِ، وَعَدَّدَهَا الْمَطْعُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ أَيْ: وَهُوَ الْمَيِّتُ بِقُرْحَةِ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَالْمَبْطُونُ أَيْ: الَّذِي يَمُوتُ بِمَرَضِ بَطْنِهِ كَالِاسْتِسْقَاءِ، وَقِيلَ: صَاحِبُ الْإِسْهَالِ، وَقِيلَ: الْمَجْنُونُ.، وَقِيلَ: صَاحِبُ الْقُولَنْجِ، وَالْحَرِيقِ، وَالْمَيِّتُ تَحْتَ الْهَدْمِ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ أَيْ: بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ قِيلَ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ بِالْوِلَادَةِ أَلْقَتْ وَلَدَهَا أَوْ لَا، وَقِيلَ: إنْ لَمْ تُلْقِهِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَقِيلَ: هِيَ الْبِكْرُ، وَفِي رِوَايَةٍ «الْمَرْأَةُ يَجُرُّهَا وَلَدُهَا بِسُرُرِهَا إلَى الْجَنَّةِ» وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ خَطَأٌ ظَاهِرٌ مَثَلًا وَمِنْ الشُّهَدَاءِ صَاحِبُ السِّلِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ "، وَالْغَرِيبُ " رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، وَفِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ " وَصَاحِبُ الْحُمَّى " رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ
«وَمَنْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ أَوْ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ، وَالشَّرِيقُ، وَالْخَارُّ عَنْ دَابَّتِهِ، وَالْمُتَرَدِّي مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَغَيْرُهُ
«وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ أَهْلِهِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ «وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلِمَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ «وَالْمَيِّتُ فِي حَبْسٍ حُبِسَ فِيهِ ظُلْمًا» رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ «وَمَنْ عَشِقَ فَكَتَمَ فَعَفَّ» رَوَاهُ الْخَطِيبُ وَالدَّيْلَمِيُّ «وَالْمَيِّتُ وَهُوَ طَالِبٌ لِلْعِلْمِ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ «وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ
стр. 965
الْقَيْءُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا» . رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ
«وَمَنْ صَبَرَ فِي الطَّاعُونِ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ بِهِ» عَلَى مَا يَأْتِي «وَأُمَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا» رَوَاهُ أَحْمَدُ «، وَمَنْ قَرَأَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَرَأَ الثَّلَاثَ آيَاتٍ آخِرَ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَمَاتَ فِي يَوْمِهِ أَوْ حِينَ يُمْسِي، وَمَاتَ فِي لَيْلَتِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ «وَمَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «وَمَنْ مَاتَ عَلَى وُضُوءٍ» رَوَاهُ الْآجُرِّيُّ «وَمَنْ صَلَّى الضُّحَى وَصَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَلَمْ يَتْرُكْ الْوِتْرَ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ» رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ «. وَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك، وَرَسُولُك أَبُوءُ بِنِعْمَتِك عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُك حِينَ يُصْبِحُ، وَمَاتَ فِي يَوْمِهِ أَوْ يُمْسِي، وَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ» رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَغَيْرُهُ
«وَمَنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمِهَا» أَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي حَدِيثِهِ «أَنَّهُ يُوقَى فِتْنَةَ الْقَبْرِ» «، وَمَنْ دَعَا فِي مَرَضِهِ بِأَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي حَدِيثِهِ «وَإِنْ بَرِئَ بَرِئَ وَقَدْ غُفِرَتْ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ» وَمَنْ مَاتَ عَقِبَ رَمَضَانَ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ. نَقَلَهُ جَمْعٌ عَنْ الْحَسَنِ
«وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيهَا، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» قَالَ: النَّوَوِيُّ الثَّانِيَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى، وَمَعْنَاهُمَا أَنَّهُ يُعْطَى مِنْ ثَوَابِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَوَرَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ «كُلُّ مَوْتَةٍ يَمُوتُ بِهَا الْمُسْلِمُ فَهُوَ شَهِيدٌ» أَيْ: لَكِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَفَاضَلُ «وَمَنْ مَاتَ مَرِيضًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي حَدِيثِهِ
«وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَغُدِيَ عَلَيْهِ، وَرِيحَ بِرِزْقِهِ مِنْ الْجَنَّةِ» ، وَظَاهِرُهُ شُمُولُ جَمِيعِ الْأَمْرَاضِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ يُقَيَّدُ بِقَوْلِهِ «مَنْ يَقْتُلُهُ بَطْنُهُ» أَيْ: صَاحِبُ الْإِسْهَالِ أَوْ الِاسْتِسْقَاءِ مَرْدُودٌ وَهَذِهِ الْخِصَالُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَرَدَ فِي كُلٍّ مِنْهَا أَنَّ صَاحِبَهَا شَهِيدٌ أَيْ: يُعْطَى أَجْرَ الشُّهَدَاءِ، وَمَرَاتِبُهَا فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ حَتَّى فِي الْأَشْخَاصِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَلِلشُّهَدَاءِ خُصُوصِيَّاتٌ مِنْهَا أَنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ أَوَّلَ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُزَوَّجُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ " رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ غَرِيبٍ ".
وَمِنْهَا أَنَّهُمْ ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] كَمَا فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ «وَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْخِصَالِ يَكُونُ لِسَائِرِ الشُّهَدَاءِ كَالْأَخِيرَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَكَوِقَايَةِ فِتْنَةِ الْقَبْرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ وَرَدَّ عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ مِنْ مُعَاصِرِيهِ فِي كَوْنِ الْمَطْعُونِ يَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ قَالَ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ يُفْتَنُ فِي قَبْرِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ اهـ.
وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَطْعُونَ كَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ. وَلَفْظُ حَدِيثِهِمْ «يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ، وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إلَى رَبِّنَا ﷻ فِي الْمَوْتَى يُتَوَفَّوْنَ فِي الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ: إخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ : اُنْظُرُوا إلَى جِرَاحِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ فَإِذَا جِرَاحُهُمْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ»
، وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا حَسَنٌ «يَأْتِي الشُّهَدَاءُ، وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ، فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ: نَحْنُ شُهَدَاءُ فَيُقَال: اُنْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحَاتُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًا، وَرِيحُهُمْ كَرِيحِ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ، فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ» نَعَمْ يُشْتَرَطُ لِتَحْصِيلِ الشَّهَادَةِ بِالطَّاعُونِ أُمُورٌ.
مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ أَنْ " يَمْكُثَ فِي بَلَدِهِ الْوَاقِعِ بِهِ الطَّاعُونُ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا مَا كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ مُحْتَسِبًا " فَعُلِمَ أَنَّ أَجْرَ الشُّهَدَاءِ إنَّمَا يُكْتَبُ لِمَنْ لَمْ يَخْرُجْ بَلْ أَقَامَ قَاصِدًا بِذَلِكَ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى رَاجِيًا بِهِ صِدْقَ مَوْعُودِهِ عَارِفًا أَنَّهُ إنْ سَلِمَ أَوْ مَاتَ بِهِ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ غَيْرُ مُتَضَجِّرٍ بِهِ لَوْ وَقَعَ، مُعْتَمِدًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ فَمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ
стр. 966
شَهِيدٍ، وَإِنْ سَلِمَ مِنْ الطَّاعُونِ كَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ كَمَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ فَمَاتَ قَبْلَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ «وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وَلَمْ يَقُلْ بِالطَّاعُونِ وَاحْتِمَالُ كَوْنِهَا لِلسَّبَبِيَّةِ، وَإِنْ أَيَّدَهُ مَا فِي الْحَدِيثِ «وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ» أَيْ: بِهَا لَا يَمْنَعُ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ مَا مَرَّ بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فِي زَمَنِ الطَّاعُونِ، وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ
وَرَوَى أَحْمَدُ «إنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِي لِأَصْحَابِ الْفُرُشِ» وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِمَا مَرَّ، وَمَاتَ بِالطَّعْنِ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ لِمَا مَرَّ أَنَّ دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ فَأَرْفَعُهَا مَنْ اتَّصَفَ بِمَا مَرَّ، وَمَاتَ مَطْعُونًا ثُمَّ مَنْ اتَّصَفَ، وَطُعِنَ وَلَمْ يَمُتْ ثُمَّ مَنْ اتَّصَفَ وَلَمْ يُطْعَنْ، وَمَاتَ زَمَنَ الطَّاعُونِ بِغَيْرِهِ ثُمَّ مَنْ اتَّصَفَ وَلَمْ يُطْعَنْ وَلَا مَاتَ زَمَنَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ أَجْرِ الشَّهَادَةِ لِمَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ سَبَبَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَسْبَابِهَا كَغَرِيبٍ مَطْعُونٍ كَمَا يَتَعَدَّدُ الْقِيرَاطُ لِمَنْ صَلَّى عَلَى جَنَائِزَ وَكَمَا أَنَّ مَنْ اقْتَنَى كِلَابًا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قَرَارِيطُ بِعَدَدِهِمْ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَطْعُونَ شَهِيدٌ مَثَلًا وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا.
بَلْ هُوَ صَرِيحُ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» وَلَا يَلْزَمُ مُسَاوَاتُهُ لِلْعَدْلِ لِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ كَمَا مَرَّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ لَا يَقْدَحُ فِسْقُهُ فِي شَهَادَتِهِ فَوُجُودُ التَّبِعَاتِ لَا يَقْدَحُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا ثَوَابٌ وَكَرَامَةٌ زَائِدَةٌ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِيه فِسْقٌ وَلَا غَيْرُهُ نَعَمْ صَحَّ أَنَّ الشَّهِيدَ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ، وَفِي مَعْنَاهُ سَائِرُ تَبِعَاتِ الْعِبَادِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ «يُغْفَرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبُ كُلُّهَا إلَّا الدَّيْنَ وَلِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبُ، وَالدَّيْنُ» ضَعِيفٌ فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى مَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ قِيلَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَفَادَ اسْتِثْنَاءُ الدَّيْنِ أَنَّ حَقَّ الْعِبَادِ لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ، وَأَفَادَ إثْبَاتُهُ أَنَّهُ قَدْ يُوهَبُ مِنْ مَزِيدِ الثَّوَابِ مَا يُوَفِّي مِنْهُ الْمَظَالِمَ الَّتِي فِي قِبَلِهِ، وَيَتَوَفَّرُ لَهُ ثَوَابُ الشَّهَادَةِ كَامِلًا، وَبِمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ مَنْ مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الشَّهَادَةِ فَهُوَ شَهِيدٌ.
وَإِنْ مَاتَ فِي مَعْصِيَةٍ جَزَمَ الْإِمَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَنْ غَرِقَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ قَالَ: وَكُلُّ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ، وَإِنْ مَاتَ فِي مَعْصِيَةٍ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الشَّهَادَةِ فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَتِهِ، وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَتِهِ، وَحِكْمَةُ كَوْنِ الطَّاعُونِ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ مَثَلًا وَالْمَدِينَةَ كَمَا يَأْتِي مَعَ أَنَّهُ شَهَادَةٌ، وَرَحْمَةٌ أَنَّهُ لَيْسَ نَفْسَ الشَّهَادَةِ بَلْ سَبَبُهَا وَلَمَّا كَانَ مِنْ الْجِنِّ مُدِحَتْ الْبَلَدَانِ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُمَا إشَارَةً إلَى أَنَّ كُفَّارَ الْجِنِّ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِهِمَا لِلْعَبَثِ، وَالْفَسَادِ بِأَهْلِهِمَا حِمَايَةً لَهُمْ بِبَرَكَةِ جِوَارِهِ وَجِوَارِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ، وَإِنْ سَلِمَ وُقُوعُهُ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ أَيْضًا فَمُؤْمِنُوهُمْ يُجِلُّونَهُمَا مِنْ إيقَاعِ ذَلِكَ فِيهِمَا عِلْمًا مِنْهُمْ بِجَلَالَتِهِمَا وَتَعْظِيمًا لِحَقِّهِمَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِمَا طَاعِنٌ أَصْلًا، وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ سَبَبَ الرَّحْمَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الطَّاعُونِ.
فَقَدْ قَالَ: ﷺ «وَلَكِنَّ عَافِيَتَك أَوْسَعُ لِي» فَكَانَ عَدَمُ دُخُولِهِمَا مِنْ خَصَائِصِهِمَا وَلَوَازِمِ دُعَائِهِ ﷺ لَهُمَا بِالصِّحَّةِ، وَخَصَّهُمَا بِذَلِكَ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ كُبْرَى وَهِيَ عَجْزُ الْأَطِبَّاءِ قَاطِبَةً عَنْ حِمَايَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ الطَّاعُونِ وَهُوَ ﷺ قَدْ حَمَى هَذَيْنِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ فِيهِمَا مِنْهُ عَلَى مَمَرِّ الْأَعْصَارِ، وَتَوَالِي الْأَزْمَانِ وَقَدْ عَوَّضَنَا عَنْهُ بِالْأَمْنِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ «مَنْ مَاتَ بِأَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بُعِثَ مِنْ الْآمِنِينَ» ، وَبِالشَّفَاعَةِ لِحَدِيثٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي مُسْنَدِهِ «مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ اسْتَوْجَبَ شَفَاعَتِي وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْآمِنِينَ» ، وَرُوِيَ أَيْضًا «مَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ بُعِثَ مِنْ الْآمِنِينَ» قَالَ: الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ، وَيُرْوَى «الْأَمْنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ لِمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ أَوْ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ أَوْ مُرَابِطًا وَلِمَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمُلْكِ عِنْدَ مَنَامِهِ»
وَلِكَوْنِهِ شَهَادَةً جَاءَ عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ «أَنَّ الطَّاعُونَ أَوَّلُ رَحْمَةٍ تُرْفَعُ مِنْ الْأَرْضِ» ، وَعِنْدَ ابْنِ السُّنِّيِّ، وَغَيْرِهِ «أَوْشَكَ الْفَالِجُ أَنْ يَفْشُوَ فِي النَّاسِ حَتَّى يَتَمَنَّوْا الطَّاعُونَ مَكَانَهُ» .
وَمِنْهَا الْكَلَامُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَحَلِّهِ، وَالدُّخُولِ إلَيْهِ قَالَ: تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣] الْآيَةَ، وَأَقْوَى الطُّرُقِ، وَأَحْسَنُهَا أَنَّ فِرَارَهُمْ كَانَ مِنْ الطَّاعُونِ فَعُوقِبُوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ أَمَاتَهُمْ اللَّهُ قَبْلَ آجَالِهِمْ
стр. 967
ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أَحْيَاهُمْ اللَّهُ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِمْ آثَارُ الْمَوْتِ فَلَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا إلَّا صَارَ عَلَيْهِمْ كَفَنًا لِيَعْرِفَهُمْ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَيَعْتَبِرُوا بِهِمْ.
قَالَ: الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ فِرَارَهُمْ مِنْ الطَّاعُونِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» ، وَفِيهِمَا «أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ لِلشَّامِ فَأُخْبِرَ أَنَّ بِهَا وَبَاءً فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ فَاخْتَلَفُوا، وَالْأَنْصَارَ فَاخْتَلَفُوا فَدَعَا مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا يُقْدِمَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْوَبَاءِ فَهَمَّ بِالرُّجُوعِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرَك قَالَهَا نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ عَوْفٍ غَائِبًا فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: إنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ» .
وَقَدْ وَرَدَ بِمَعْنَى ذَلِكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دُخُولِ بَلَدِ الطَّاعُونِ مَثَلًا وَالْخُرُوجِ مِنْهُ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: التَّاجُ السُّبْكِيّ مَذْهَبُنَا وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِرَارِ مِنْهُ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إنَّ الْفِرَارَ مِنْهُ كَبِيرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَاتِبُ الْفَارَّ مِنْهُ مَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَابْنِ عَدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ «الْفَارُّ مِنْ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ» ، وَبِهِ يُعْلَمُ وَهْمُ ابْنِ رُشْدٍ الْمَالِكِيِّ فِي دَعْوَاهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ، وَضَعْفِ قَوْلِ كَثِيرِينَ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ قِيلَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَتَزْيِيفِ الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ عَنْهُ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْخُرُوجِ لِشُغْلٍ عَرَضَ غَيْرِ الْفِرَارِ، قَالَ: وَلَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فِيمَنْ خَرَجَ فَارًّا مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِحِلِّهِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ فِيمَا إذَا خَرَجَ لِلتَّدَاوِي اهـ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْخُرُوجَ لِلتَّدَاوِي غَيْرُ مُحَرَّمٍ فِي مَذْهَبِنَا فَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يُقَالَ: مَحَلُّ النِّزَاعِ إذَا خَرَجَ فَارًّا مِنْ الْمَرَضِ الْوَاقِعِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَوْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لَأَصَابَهُ، وَأَنَّ فِرَارَهُ لَا يُنْجِيه لَكِنْ يُؤَمِّلُ النَّجَاةَ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَعَ اعْتِقَادِ إلَخْ مَنْ خَرَجَ فَارًّا مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مُعْتَقِدًا أَنَّ ذَلِكَ يُنْجِيه فَلَا تَوَقُّفَ فِي تَحْرِيمِهِ بَلْ رُبَّمَا يَكْفُرُ بِهِ، وَلَوْ قَصَدَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةٍ، وَالْفِرَارَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِقَدْرِ قَصْدِهِ؛ لِأَنَّ الْفِرَارَ مُحَرَّمٌ وَقَصْدُ الْمُحَرَّمِ حَرَامٌ سَوَاءٌ انْفَرَدَ أَوْ شَارَكَهُ قَصْدُ شَيْءٍ آخَرَ جَائِزٍ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ لَوْ كَانَتْ وَخِمَةً، وَاَلَّتِي يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا صَحِيحَةً فَتَوَجَّهَ إلَيْهَا بِهَذَا الْقَصْدِ حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ صُوَرِ الْفِرَارِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ مَا الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ فِي أَرْضِ الطَّاعُونِ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ بِإِقْلِيمٍ حَرُمَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ لَا مِنْ بَعْضِ قُرَاهُ إلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الطَّاعُونِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِبَلَدٍ أَوْ بِلَادٍ مِنْ إقْلِيمٍ حَرُمَ الْخُرُوجُ مِمَّا اُخْتُصَّ بِهِ إلَى غَيْرِهِ لَا مِنْ بَعْضِ مَا اُخْتُصَّ بِهِ إلَى بَعْضِهِ، وَإِذَا كَانَ فِي بَلَدٍ مَثَلًا فَهَلْ الْفِرَارُ مِنْهَا بِالْخُرُوجِ إلَى خَارِجِ عُمْرَانِهَا أَوْ سُورِهَا أَوْ إلَى خَارِجِ مَزَارِعِهَا لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ شَيْئًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ عُرْفُ أَهْلِهَا فَكُلُّ مَحَلٍّ عَدُّوا الْخُرُوجَ إلَيْهِ فِرَارًا حَرُمَ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَحُكْمُ دُخُولِ مَحَلِّ الطَّاعُونِ كَالْخُرُوجِ مِنْهُ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ التَّحْرِيمِ، وَغَيْرِهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَنْعُ الْقُدُومِ عَلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ، وَمَنْعُ الْخُرُوجِ مِنْهُ فِرَارًا مِنْ ذَلِكَ أَمَّا الْخُرُوجُ لِعَارِضٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ هَذَا مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَالْفِرَارِ مِنْهُ اهـ.
قِيلَ: وَالنَّهْيُ عَنْ
стр. 968
الْخُرُوجِ تَعَبُّدِيٌّ؛ لِأَنَّ الْفِرَارَ عَنْ الْمَهَالِكِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَعَلَّلَهُ آخَرُونَ بِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ بِمَحَلٍّ عَمَّ جَمِيعَ مَنْ فِيهِ فَلَا يُفِيدُهُ الْخُرُوجُ شَيْئًا فَكَانَ عَبَثًا، وَبِأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ النَّاسُ مِنْهُ بَقِيَ مَنْ وَقَعَ بِهِ عَاجِزًا عَنْ الْخُرُوجِ فَلَا يَبْقَى لِلْمَرْضَى مُتَعَهِّدٌ وَلَا لِلْمَوْتَى مُجَهِّزٌ، وَأَيْضًا فَفِي خُرُوجِ الْأَقْوِيَاءِ كَسْرٌ لِقُلُوبِ الضُّعَفَاءِ وَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّهْيُ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَعَنْ الْقُدُومِ لِدَفْعِ مَلَامَةِ النَّفْسِ قَالَ: غَيْرُهُ: وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ لِلْحَتْفِ، وَإِنْ كَانَ لَا نَجَاةَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، وَفِيهِ الصِّيَانَةُ عَنْ الشِّرْكِ لِئَلَّا يَقُولَ الْقَائِلُ: لَوْ لَمْ أَدْخُلْهُ لَمْ أَمْرَضْ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ لَمْ يَمُتْ.
وَقَالَ: ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الْفِرَارِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْقُدُومِ أَنَّ عِلَّةَ الْقُدُومِ التَّعَرُّضُ لِلْبَلَاءِ وَلَعَلَّهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ نَوْعُ دَعْوَى لِمَقَامِ الصَّبْرِ، وَالتَّوَكُّلِ فَمُنِعَ لِاغْتِرَارِ النَّفْسِ، وَدَعْوَاهَا مَا لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وَأَمَّا الْفِرَارُ فَقَدْ يَكُونُ دَاخِلًا فِي بَابِ التَّوَغُّلِ فِي الْأَسْبَابِ مُتَصَوِّرًا بِصُورَةِ مَنْ يُحَاوِلُ النَّجَاةَ مِمَّا قُدِّرَ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﷺ «لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا» فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ التَّمَنِّي لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ وَخَوْفِ الْإِضْرَارِ بِالنَّفْسِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْوُقُوعِ تَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ مَثَلًا وَإِذَا خَرَجَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ خُرُوجًا مِنْ الْمَعْصِيَةِ أَوْ لَا لِانْتِهَائِهَا بِالْخُرُوجِ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّنَا مَتَى قُلْنَا بِأَنَّ النَّهْيَ تَعَبُّدِيٌّ وَجَبَ الْعَوْدُ، وَإِلَّا بُنِيَ ذَلِكَ عَلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ فَعَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى لَا يَجِبُ الْعَوْدُ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ النَّاسُ مِنْ الْخُرُوجِ لَضَاعَ الْبَاقُونَ يَجِبُ الْعَوْدُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْغَيْرِ فَلَوْ مَكَّنَّاهُ مِنْ التَّمَادِي لَضَاعَ حَقُّ الْغَيْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِالْعَوْدِ فَإِنْ قُلْت: فِي عَوْدِهِ دُخُولٌ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فَتَعَارَضَ فِي حَقِّهِ وَاجِبٌ وَهُوَ الْعَوْدُ، وَمُحَرَّمٌ وَهُوَ الدُّخُولُ فَلِمَ غُلِّبَ الْأَوَّلُ قُلْت: هَذَا التَّعَارُضُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْآنَ لَا يُسَمَّى ابْتِدَاءً دُخُولٌ، وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ لَا الدُّخُولُ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ لَا لِلْفِرَارِ ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ مَعَ أَنَّ فِيهِ دُخُولًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَتَعَارَضْ مَا مَرَّ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فَاتَّجَهَ الْبِنَاءُ الَّذِي ذَكَرْته، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ: بِعَدَمِ وُجُوبِ الْعَوْدِ مُطْلَقًا لَمْ يَبْعُدْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَجْهَ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ هَلْ يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ «الْمَدِينَةُ، وَمَكَّةُ مَحْفُوفَتَانِ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا أَيْ: طَرِيقٍ أَوْ بَابٍ أَوْ مَدْخَلٍ مَلَكٌ لَا يَدْخُلُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ» ، وَضَمِيرُ مِنْهَا عَائِدٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَلَدَيْنِ قَالَ: ابْنُ قُتَيْبَةَ وَلَمْ يَقَعْ بِهِمَا طَاعُونٌ قَطُّ، وَأَقَرَّهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَذْكَارِهِ وَغَيْرُهُ، وَمَا قِيلَ: إنَّهُ دَخَلَهَا فِي عَامِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَسَبْعِ مِائَةٍ فَهُوَ، وَإِنْ نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا أَيْ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ وَبَاءً لَا طَاعُونًا كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ الْفَاسِيِّ فِي مَوْضِعٍ، وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالطَّاعُونِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ يُسَمَّى طَاعُونًا مَجَازًا كَعَكْسِهِ بِجَامِعِ كَثْرَةِ الْمَوْتِ فِيهِمَا كَمَا مَرَّ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ طَاعُونٌ قَطُّ وَلَا يَدْخُلُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُ الدَّمَامِينِيِّ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَهْمٌ، وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فَلَا يَدْخُلُهَا يَعْنِي: الْمَدِينَةَ الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إنْ شَاءَ اللَّهُ قِيلَ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ، وَيَحْتَمِلُ التَّبَرُّكَ وَهُوَ أَوْلَى وَقِيلَ: إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالطَّاعُونِ، وَعَدَمُ دُخُولِ الطَّاعُونِ لِلْمَدِينَةِ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا شَذَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: الْمُرَادُ لَا يَدْخُلُهَا طَاعُونٌ عَظِيمٌ مِثْلُ طَاعُونِ عَمَوَاسَ، وَطَاعُونِ الْجَارِفِ إذْ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَدْخُلُهَا طَاعُونٌ غَيْرُ عَظِيمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْعُلَمَاءُ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ هَلْ يُشْرَعُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهِ أَمَّا الدُّعَاءُ بِرَفْعِهِ، وَالْخُرُوجُ إلَى الصَّحْرَاءِ فَبِدْعَةٌ قِيلَ: بَلْ لَوْ قِيلَ: بِتَحْرِيمِهِ لَكَانَ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثُ كَيْفِيَّةٍ يَظُنُّ الْجُهَّالُ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَأَمَّا الْقُنُوتُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ. فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فَبَعْضُهُمْ أَفْتَى بِهِ، وَبَعْضُهُمْ أَفْتَى بِامْتِنَاعِهِ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ كَمَا بَيَّنْته فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ، وَغَيْرِهَا مَعَ الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَطَالَ فِي خِلَافِهِ وَلَا
стр. 969
كَرَاهَةَ فِي الدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِمَاعٍ لِذَلِكَ وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَمَالَ إلَيْهِ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ، وَيَدُلُّ لِمَا مَرَّ مِنْ الْقُنُوتِ لَهُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ يُشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لِنَازِلَةٍ كَالْوَبَاءِ فَقَوْلُهُمَا كَالْوَبَاءِ يَشْمَلُ الطَّاعُونَ إمَّا بِقِيَاسِ الْمُسَاوَاةِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَجَازًا كَمَا مَرَّ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُ شَهَادَةً وَرَحْمَةً؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ، وَأَكَابِرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَيَحْصُلُ لِلْإِسْلَامِ بِذَلِكَ ضَعْفٌ، وَوَهْنٌ فَطُلِبَ رَفْعُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ مَعَ كَوْنِهِ شَهَادَةً، وَبِمَا قَرَّرْته يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِكَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ الْوَبَاءِ وَقَدْ اُخْتُصَّ بِكَوْنِهِ شَهَادَةً، وَرَحْمَةً وَدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ الْوَبَاءِ فَلِهَذَا يُشْرَعُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِ الْوَبَاءِ دُونَهُ قَالَ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ اخْتِصَاصُهُ بِتَحْرِيمِ الْفِرَارِ مِنْهُ وَهُوَ مِنْ الْوَبَاءِ بِغَيْرِهِ كَالْحُمَّى، وَسَائِرِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ اهـ.
وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ آخِرًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِرَارِ تَعَبُّدِيٌّ عِنْدَ قَوْمٍ.
(تَتِمَّاتٌ) يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِطُولِ الْعُمُرِ كَمَا دَعَا بِهِ ﷺ لِأَنَسٍ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِمَنْ فِي بَقَائِهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُنْدَبُ لَهُ الدُّعَاءُ حِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ نَفْعُهُ قَاصِرًا فَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ قَالَ: وَمَنْ عَدَاهُمَا قَدْ يَصِلُ لِلْكَرَاهَةِ، وَالتَّحْرِيمِ إنْ اتَّصَفَ بِضِدِّهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ فَقَدْ قَالَ: بَعْضُهُمْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحِبَّ مَا يُحِبُّهُ إبْلِيسُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ طُولَ الْبَقَاءِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الضَّابِطَ الرُّجُوعُ إلَى الْمُتَعَلِّقِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْأَجَلُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَفَائِدَةُ الدُّعَاءِ تَظْهَرُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ أَنَّ زَيْدًا عُمْرُهُ ثَلَاثُونَ فَإِنْ دَعَا فَأَرْبَعُونَ، وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الدُّعَاءِ اهـ. وَالطَّاعُونُ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ عِنْدَنَا بَلْ أَهْلُ مَحَلَّتِهِ كُلُّهُمْ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ مَرَضًا مَخُوفًا فَلَا يَنْفُذُ تَبَرُّعُهُمْ فِي زَمَنِهِ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَوْ مِمَّنْ لَمْ يُصِبْهُ.
وَمِنْهَا يَنْبَغِي أَخْذًا مِمَّا مَرَّ مِنْ مَنْعِ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ، وَمِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الدَّوَاءِ التَّحَرُّزُ أَيَّامَ الْوَبَاءِ مِنْ أُمُورٍ أَوْصَى بِهَا بَعْضُ حُذَّاقِ الْأَطِبَّاءِ وَالِاعْتِنَاءُ بِأُمُورٍ أُخْرَى مِثْلِ إخْرَاجِ الرُّطُوبَاتِ الْفَضْلِيَّةِ، وَتَقْلِيلِ الْغِذَاءِ، وَتَرْكِ الرِّيَاضَةِ، وَالْمُكْثِ فِي الْحَمَّامِ، وَمُلَازَمَةِ السُّكُونِ، وَالدَّعَةِ، وَأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ اسْتِنْشَاقِ الْهَوَاءِ الْغَضِّ، وَأَوَّلُ مَا يُبْدَأُ بِهِ فِي عِلَاجِ الطَّاعُونِ شَرْطُهُ إنْ أَمْكَنَ لِيَسِيلَ مَا فِيهِ لِئَلَّا تَزْدَادَ سُمِّيَّتُهُ فَإِنْ اُحْتِيجَ لِمَصِّهِ بِالْمِحْجَمَةِ فُعِلَ بِلُطْفٍ، وَيُعَالَجُ أَيْضًا بِمَا يُبَرِّدُ، وَبِإِسْفَنْجَةٍ مَغْمُوسَةٍ فِي خَلٍّ، وَمَاءٍ أَوْ دُهْنِ وَرْدٍ أَوْ دُهْنِ تُفَّاحٍ أَوْ دُهْنِ آسٍ وَبِالِاسْتِفْرَاغِ بِالْفَصْدِ بِمَا يَحْتَمِلُهُ الْوَقْتُ أَوْ يُوجَرُ بِمَا يُخْرِجُ الْخَلْطَ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى الْقَلْبِ بِالْحِفْظِ، وَالتَّقْوِيَةِ بِالْمُبَرِّدَاتِ قَالَهُ ابْنُ سِينَا، وَبِهِ رَدَّ عَلَى أَطِبَّاءِ الْوَقْتِ فِي تَرْكِهِمْ مُعَالَجَةَ الْمَطْعُونِ رَأْسًا لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الطَّاعُونِ فَسَادُ الْهَوَاءِ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَبَبُهُ وَخْزُ الْجِنِّ كَمَا مَرَّ فَالْأَوْلَى طَرْحُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَكَذَلِكَ يُطْرَحُ مَا فِي مُفْرَدَاتِ ابْنِ الْبَيْطَارِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ مَنْ تَخَتَّمَ بِالْيَاقُوتِ أَوْ عَلَّقَهُ عَلَيْهِ أَمِنَ مِنْ الطَّاعُونِ قَالَ جَمْعٌ مِنْ الْأَطِبَّاءِ: وَيَحْذَرُ الصَّحِيحُ زَمَنَ الطَّاعُونِ مُخَالَطَةَ مَنْ أَصَابَهُ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيّ: وَمَحَلُّهُ أَنْ يَشْهَدَ عَدْلَا طِبٍّ بِأَنَّ الْمُخَالَطَةَ سَبَبٌ لِأَذَى الْمُخَالِطِ، وَرُدَّ مَا قَالَهُ بِأَنَّهُ يُخَالِفُ شَهَادَةَ الْحِسِّ الْمُشَاهَدِ الْمُتَكَرِّرِ فَإِنَّ كَثِيرِينَ مِنْ الْمُخَالِطِينَ الْمُخَالَطَةَ الْكُلِّيَّةَ لَا يُصِيبُهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ وَقَدْ ثَبَتَ بُطْلَانُ الْعَدْوَى بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَرَضَ يُعْدِي بِمَحْضِ طَبْعِهِ كُفْرٌ، وَبِأَنَّهُ يُعْدِي بِأَمْرٍ خُلِقَ فِيهِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلَّا مُعْجِزَةً أَوْ كَرَامَةً مَذْهَبٌ إسْلَامِيٌّ لَكِنَّهُ مَرْجُوحٌ
وَبِأَنَّهُ لَا يُعْدِي بِطَبْعِهِ بَلْ بِعَادَةٍ إلَهِيَّةٍ وَقَدْ تَتَخَلَّفُ نَادِرًا كَذَلِكَ، وَبِأَنَّهُ لَا يُعْدِي أَصْلًا بَلْ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ الْمَرَضُ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ فِيهِ ابْتِدَاءً وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﷺ «لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا» وَقَوْلِهِ: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ» قِيلَ: وَاسْتُقْرِئَ أَنَّ مَنْ طُعِنَ، وَسَلِمَ لَا يَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالطَّعْنِ، وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ جَمْعًا وَقَعَ لَهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ، وَعَلَى تَسْلِيمِ الِاسْتِقْرَاءِ فَحِكْمَتُهُ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا يُسَلِّطُ الْجِنِّيَّ عَلَى الْإِنْسِيِّ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَمِنْ الْآدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي فِعْلُهَا عِنْدَ وُقُوعِ الطَّاعُونِ الْمُبَادَرَةُ
стр. 970
إلَى التَّوْبَةِ، وَالتَّنَقِّي مِنْ جَمِيعِ الْمَظَالِمِ، وَالتَّبِعَاتِ وَاسْتِعْمَالُ الْأَذْكَارِ الَّتِي تَحْرُسُ مِنْ الْجِنِّ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ كَمَا فِي حَدِيثِ الدَّارِمِيِّ، وَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَضَعُ جَنْبَهُ عَلَى فِرَاشِهِ يَأْمَنُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا الْمَوْتَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ لِمَا صَحَّ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنْ بَيْتٍ قُرِئَتْ فِيهِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ لِمَا صَحَّ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا عِنْدَ النَّوْمِ لَا يَزَالُ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَافِظٌ وَلَا يَعْتَرِيهِ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ وَصَحَّ مَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ لَيْلًا لَمْ يَدْخُلْ الشَّيْطَانُ بَيْتَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا نَهَارًا لَمْ يَدْخُلْ الشَّيْطَانُ بَيْتَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالْآيَتَيْنِ آخِرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُمَا لَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَيَقْرَبُهَا شَيْطَانٌ، وَالْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَمَا عِنْدَ الْبَزَّارِ «أَمَرَ بِالتَّعَوُّذِ بِهِنَّ وَقَالَ: مَا تَعَوَّذَ الْعِبَادُ بِمِثْلِهِنَّ قَطُّ» وَكَقَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إلَخْ لِمَا صَحَّ أَنَّهَا حِرْزٌ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى الْمِسَاءِ. وَصَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ
فِيمَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ دُبُرَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانِي رَجْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، قِيلَ: وَأَعْظَمُ الْأَسْبَابِ النَّافِعَةِ مِنْهُ كَثْرَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَشَرْطُ حُصُولِ النَّفْعِ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ صَفَاءُ الْقَلْبِ مِنْ الْكَذِبِ، وَالْإِخْلَاصُ فِي التَّوْبَةِ، وَالنَّدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْهُ، وَإِلَّا فَغَلَبَةُ أَسْبَابِ الدَّاءِ تُبْطِلُ نَفْعَ الدَّوَاءِ كَأَنْ يَغْفُلَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى تَهْجُمَ عَلَيْهِ الْآفَةُ ثُمَّ يَطْلُب الْإِقَالَةَ بِذَلِكَ فَلَا يَجِدُ إلَيْهَا سَبِيلًا، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحْسَنُ مَا يُدَاوَى بِهِ الطَّاعُونُ التَّسْبِيحُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْعَذَابَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] الْآيَةَ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْهُ لَمْ أَرَ لِلْوَبَاءِ أَنْفَعَ مِنْ الْبَنَفْسَجِ يُدْهَنُ بِهِ، وَيُشْرَبُ،، وَيَتَأَكَّدُ لِمَنْ أَصَابَهُ طَاعُونٌ أَوْ مَرَضٌ غَيْرُهُ أَنْ يُدِيمَ سُؤَالَ الْعَافِيَةِ وَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ ﷺ لِلْعَبَّاسِ بِالْإِكْثَارِ مِنْ الدُّعَاءِ بِهَا، وَوَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ خِلَافًا لِلْحَاكِمِ «مَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ الْعَافِيَةِ» .
، وَوَرَدَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّ الدُّعَاءَ بِهَا أَفْضَلُ الدُّعَاءِ» وَصَحَّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «لَمْ يُعْطَ النَّاسُ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ» وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِمَنْ اشْتَكَى إلَيْهِ وَجَعًا فِي جَسَدِهِ «امْسَحْ بِيَمِينِكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِك وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ، وَأُحَاذِرُ، وَأَنْ يَصْبِرَ عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ فَإِنَّ أُمُورَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهَا خَيْرٌ إنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ شَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَهُ شَرٌّ صَبَرَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ «إنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَنْزِلَةَ فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ فَمَا يَزَالُ يَبْتَلِيه بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إيَّاهَا» وَصَحَّ «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا خَطَايَاهُ» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ «مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فِي مَالِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ فَكَتَمَهَا وَلَمْ يَشْكُهَا إلَى النَّاسِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ» وَصَحَّ «إذَا اشْتَكَى الْمُؤْمِنُ خَلَّصَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الذُّنُوبِ كَمَا يُخَلِّصُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» ، وَأَنْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ بِاَللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ «إنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» .
وَصَحَّ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ أَنَّ مَنْ قَالَهُ صَبَاحًا فَمَاتَ يَوْمَهُ أَوْ لَيْلَتَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ، وَأَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِالْحُسْنَى، وَيُبَلِّغَنَا مِنْ فَضْلِهِ الْمَقَامَ الْأَسْنَى آمِينَ هَذَا خُلَاصَةُ مَا تَيَسَّرَ جَمْعُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) سُؤَالًا صُورَتُهُ إذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ بِلَادِنَا بِأَرْضِ بَجِيلَةَ الشَّخْصُ مِنْهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ بِعَيْنٍ مِنْ تَرِكَتِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، فَيَقُولُ مَثَلًا هَذَا لِفُلَانٍ وَهَذَا لِفُلَانَةَ عَلَى قَصْدِ الْوَصِيَّةِ لَا قَصْدِ الْإِقْرَارِ، وَاطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ وَصِيَّةً فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ وَصِيَّةً لِاطِّرَادِ عُرْفِهِمْ بِذَلِكَ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْوَصِيَّةِ مِنْ جَوَازِ الرُّجُوعِ فِيهِ وَكَوْنِ الْمُقَرِّ لَهُ وَارِثًا فَلَا تَصِحُّ بِغَيْرِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْوَصِيَّةِ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ اللَّفْظُ إقْرَارًا لِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - صِيغَةُ الْإِقْرَارِ هَذَا لِفُلَانٍ وَقَدْ أَتَى الْمُقِرُّ بِصِيغَةِ الْإِقْرَارِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ
стр. 971
الْإِقْرَارِ مِنْ جَوَازِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْإِقْرَارِ أَوْضِحُوا لَنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَالُ مَا ذَكَرْنَا فِي السُّؤَالِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا مِنْ أَنَّهُ إنْ قَالَ هُوَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي كَانَ صَرِيحًا فِي الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ قَالَ هُوَ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ مَوْتِي كَانَ صَرِيحًا فِي الْإِقْرَارِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ نَوَاهَا نَعَمْ إنْ قَالَ: هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي كَانَ كِنَايَةً فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِقْرَارِ حِينَئِذٍ، وَمِثْلُهُ عَبْدِي هَذَا لَهُ، فَيَكُونُ كِنَايَةَ وَصِيَّةٍ أَيْضًا وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَيَّنْته لَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَهَبْته لَهُ بِدُونِ بَعْدَ مَوْتِي فَإِنَّهُ يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْهِبَةِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْوَصِيَّةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ إلَى وَلَدٍ لَهُ وَجَعَلَ أَخَاهُ نَاظِرًا عَلَى وَلَدِهِ الْوَصِيِّ، وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فَلَمَّا بَلَغَ الصِّغَارُ رُشْدَهُمْ عَمَرَ أَخُوهُمْ الْوَصِيُّ بِئْرًا لَهُ وَلَهُمْ، وَأَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ فِي الْعِمَارَةِ وَقَالَ لَهُ: كُلُّ مَا تَخْسَرهُ فِي الْمَحَلِّ خُذْ حِسَابَهُ مِنِّي فَعَمَرَ الْبِئْرَ الْمَذْكُورَةَ وَخَسِرَ فِيهَا نَحْوَ أَرْبَعِينَ أَشْرَفِيًّا فَأَعْطَاهُ الْإِخْوَةُ مِمَّا يَخُصُّهُمْ مِنْ الْخَسَارَةِ فِي الْبِئْرِ الْمَذْكُورَةِ أَشْرَفِيَّيْنِ ثُمَّ امْتَنَعُوا مِنْ إعْطَاءِ بَقِيَّةِ مَا يَخُصُّهُمْ فَهَلْ يَلْزَمُ النَّاظِرَ الْخُرُوجُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحِسَابِ أَمْ عَلَى الصِّغَارِ وَهَلْ يُطَالَبُ الْمُعَمِّرُ إخْوَتَهُ أَمْ الْعَمَّ النَّاظِرَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حَيْثُ بَلَغَ الْمُوصَى عَلَيْهِ رُشْدَهُ بِأَنْ بَلَغَ مُصْلِحًا لِدِينِهِ، وَمَالِهِ اُشْتُرِطَ إذْنُهُ فِي الْعِمَارَةِ، وَمَتَى لَمْ يَأْذَنْ فَصَاحِبُ الْعِمَارَةِ مُتَبَرِّعٌ بِهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغ كَذَلِكَ فَإِنْ أَذِنَ الْقَاضِي لِلْمُعَمِّرِ رَجَعَ فِي مَالِ الْمُوصَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا إذْنُ الْعَمِّ النَّاظِرِ عَلَى الْوَصِيِّ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ فَإِنْ جَعَلَ لَهُ الْمَيِّتُ الِاسْتِقْلَالَ بِهِ كَفَى إذْنُهُ فِي رُجُوعِ الْمُعَمِّرِ عَلَى الْمَحَاجِيرِ بِمَا خَصَّهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ تَرَكَ زَوْجَةً، وَابْنَ ابْنِ عَمٍّ شَقِيقٍ، وَابْنَ ابْنِ عَمٍّ لِأَبٍ، وَعَبْدًا بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ وَجَمَلًا بِثَلَاثِينَ، وَأَرْبَعَ شِيَاهٍ، وَأَعْتَقَ الْعَبْدَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى لَهُ بِالْغَنَمِ، وَأَوْصَى بِثُلُثِ الْجَمَلِ لِزَوْجَتِهِ، وَثُلُثَيْهِ لِلَّذِي لِلْأَبِ فَهَلْ تَصِحُّ الْوَصَايَا وَهَلْ يَرِثُ ابْنُ ابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ مَعَ الشَّقِيقِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْوَارِثُ هُوَ زَوْجَتُهُ، وَابْنُ ابْنِ عَمِّهِ الشَّقِيقُ دُونَ ابْنِ ابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ فَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثَانِ الْوَصَايَا كُلَّهَا فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ رَدَّاهَا قُدِّمَ الْمُعْتَقُ فَيُعْتِقُ مِنْ الْعَبْدِ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْمَالِ فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّ جَمِيعَ التَّرِكَةِ الْعَبْدُ، وَالْجَمَلُ، وَالشِّيَاهُ تُسَاوِي مِائَةً وَعِشْرِينَ فَثُلُثُ مَالِهِ أَرْبَعُونَ فَيُعْتَقُ مِنْ الْعَبْدِ بِقَدْرِهَا فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَمَانِينَ عَتَقَ نِصْفُهُ وَلَا شَيْءَ لِابْنِ ابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ، وَالثَّمَانُونَ الْبَاقِيَةُ لِلزَّوْجَةِ رُبْعُهَا عِشْرُونَ وَلِابْنِ ابْنِ الْعَمِّ الشَّقِيقِ الْبَاقِي وَهُوَ سِتُّونَ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ دَبَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى لَهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ذَهَبًا ثُمَّ مَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَتَرَكَ طِفْلًا صَغِيرًا، وَعَقَارًا لَا تَزِيدُ غَلَّتُهُ عَنْ كِفَايَةِ الْوَلَدِ الْمَذْكُورِ، وَمَنْ يَخْدُمُهُ، وَطَالَبَ الْمُدَبَّرُ الْمَذْكُورُ بِمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ الْمَيِّتُ فَهَلْ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ لِإِيفَاءِ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ، وَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: بِالْمَنْعِ، وَفَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الْغَلَّةِ عَنْ كِفَايَةِ السَّنَةِ فَهَلْ يُصْرَفُ الْفَاضِلُ لِلْمُدَبَّرِ الْمُوصَى لَهُ بِالْعِشْرِينِ الْمَذْكُورَةِ أَمْ لَا.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّمَا يُعْتَقُ الْمُدَبَّرُ إنْ وَفَّى بِهِ الثُّلُثُ ثُمَّ إنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ بَقِيَ مَا يَفِي بِالْوَصِيَّةِ وَهِيَ الْعِشْرُونَ الْمَذْكُورَةُ أُعْطِيهَا أَوْ مَا يَفِي بِبَعْضِهَا أُعْطِيه فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْمُدَبَّرِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَصَارَتْ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ بَعْضُهُ لِلْوَارِثِ، وَبَعْضُهُ حُرٌّ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْحِيلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَغَيْرِهِ هَلْ هِيَ مِثَالٌ حَتَّى لَوْ عَكَسَ الْمُوصِي لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ، وَعَمَّا لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ عَلَى رِشَا بِئْرٍ، وَعُمِّقَتْ هَلْ يُزَادُ مِنْ الْمُوصَى بِهِ طُولًا فِي الرِّشَاءِ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ الْبِئْرِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، وَعَمَّنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: وَيَحُجُّ، وَيُزَارِعُنِي بِكَذَا أَوْ مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ كَذَا وَقَالَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، وَالْوَصِيُّ فِي تَنْفِيذِ وَصَايَايَ فُلَانٌ فَحَجَّ مَنْ عَلِمَ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ مِنْ الْمُوصِي، وَحَجَّ
стр. 972
آخَرُ بِإِذْنِ الْوَصِيِّ فَلِمَنْ يَكُونُ الْمُوصَى بِهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ صُورَةِ الْحِيلَةِ مِثَالٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَفِي عَكْسِ تِلْكَ الصُّورَةِ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ أَيْضًا فَلَا يَسْتَحِقُّهَا الْمُوصَى إلَيْهِ إلَّا إنْ أَعْطَى الْوَارِثُ مَا ذَكَرَهُ الْمُوصِي حَتَّى لَوْ أَوْصَى لَهُ بِدِرْهَمٍ إنْ أَعْطَى وَلَدَهُ الْعَالِمَ يَسْتَحِقُّ الدِّرْهَمَ إلَّا إنْ أَعْطَى الْوَلَدَ الْأَلْفَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا مُقَابَلَةَ فِيهِ بِعَقْدٍ وَلَا بِغَيْرِهِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ امْتِنَاعُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ بِشَرْطٍ فَإِنَّ الْمُوصِيَ شَرَطَ لِاسْتِحْقَاقِ الْمُوصَى إلَيْهِ الْوَصِيَّةَ أَنْ يُعْطِيَ وَلَدَهُ كَذَا فَإِعْطَاءُ الْوَلَدِ شَرْطٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لَا مُقَابِلَ لِلْمُوصَى بِهِ فَاتَّضَحَ أَنَّ صُورَةَ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْحِيلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ مِثَالٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَأَنَّ الضَّابِطَ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ أَنْ يُوصَى لِإِنْسَانٍ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ إلَّا أَعْطَى وَلَدَهُ شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ يُزَادُ فِي الرِّشَاءِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ مُعَيَّنٌ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ كَثْرَةِ زِيَادَةِ مَاءِ الْبِئْرِ، وَنَقْصِهِ فَلَمْ يُقْصَدْ بِالْوَصِيَّةِ تَقْيِيدُهَا بِالْقَدْرِ الْمَعْهُودِ عِنْدَهَا، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ حُصُولُ مَا يَطْلُعُ الْمَاءُ بِسَبَبِهِ سَوَاءٌ أَزَادَ عَلَى الْمَعْهُودِ حَالَ الْوَصِيَّةِ أَمْ نَقَصَ عَنْهُ، وَأَيْضًا فَالْمَدَارُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَنَحْوِهَا عَلَى اللَّفْظِ غَالِبًا حَيْثُ لَا عُرْفَ مُطَّرِدٌ بِخِلَافِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْصَيْت بِكَذَا عَلَى رِشَاءِ الْبِئْرِ الْفُلَانِيَّةِ يَتَنَاوَلُ الرِّشَاءَ الطَّوِيلَ، وَالْقَصِيرَ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعْمِيقِ الْبِئْرِ أَوْ قِلَّةِ مَائِهَا عَنْ الْمَعْهُودِ حَالَ الْوَصِيَّةِ مُخَالِفَةٌ لِلَفْظِ الْمُوصِي بِوَجْهٍ بَلْ مُوَافِقَةٌ لَهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ لَفْظَهُ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُسَمَّى رِشَاءً لِذَلِكَ الْبِئْرِ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي يَحُجُّ عَنِّي، وَنَحْوِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْوَصِيِّ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْحَاجُّ بِدُونِ إذْنِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِخِلَافِهِ فِيمَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ كَذَا فَإِنَّ مَنْ سَبَقَ بِالْحَجِّ عَنْهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِمَا عُيِّنَ فِي الْوَصِيَّةِ
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْوَصِيُّ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ هُنَا لَمْ يُفَوِّضْ الْأَمْرَ لِأَحَدٍ بَلْ جَعَلَ الِاسْتِحْقَاقَ مَنُوطًا بِشَرْطٍ عَامٍّ، وَهُوَ مَنْ حَجَّ، وَعِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِشَرْطٍ عَامٍّ كَذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى إذْنِ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ قَطَعَ تَوَقَّفَهُ عَلَيْهِ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِهِ فِي يَحُجُّ عَنِّي فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعَمِّمْ وَلَا عَيَّنَ كَانَ مُفَوِّضًا التَّعْيِينَ لِلْوَصِيِّ فَمَنْ أُذِنَ لَهُ اسْتَحَقَّ، وَمَنْ لَا فَلَا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ، وَأَخٍ، وَابْنِ أَخٍ، وَأَوْصَى أَنَّ لِبِنْتِهِ النِّصْفَ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ بَيْنَ أَخِيهِ، وَابْنِ أَخِيهِ فَمَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسُ وَلِلْأَخِ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْوَصِيَّةَ فِي نَصِيبِ الْأَخِ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُ تَوْفِيرُ النِّصْفِ عَلَى الْبِنْتِ فَاتَّبَعَ شَرْطَهُ ثُمَّ لَا يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ فِي نَصِيبِ الْأَخِ إلَّا فِي ثُلُثِهِ فَصَحَّتْ فِي ثُلُثِهِ، وَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْأَخِ هَذَا مَا أَفْتَى بِنَظِيرِهِ الْقَاضِي وَكَلَامُ الرَّوْضَةِ، وَأَصْلُهَا فِي دَوْرِيَّاتِ الْوَصَايَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفْتَى أَبُو مَنْصُورِ بْنُ الصَّبَّاغِ بِمَا يُنَازَعُ فِيهِ، وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْفَرْضِيِّينَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِمَا فِي دَارِهِ مِنْ طَعَامٍ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْجُلْجُلَانَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الطَّعَامُ لُغَةً يَتَنَاوَلُ حَتَّى الْمَاءَ كَمَا فِي التَّهْذِيبِ لِلنَّوَوِيِّ، وَشَرْعًا كَذَلِكَ فِي الرِّبَا، وَفِي الْأَيْمَانِ يُسْتَثْنَى الدَّوَاءُ لِلْعُرْفِ، وَفِي الْوَكَالَةِ لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ طَعَامٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْحِنْطَةِ، وَفِي الْمُهَذَّبِ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي الطَّعَامِ لَمْ يَتَّجِرْ إلَّا فِي الْحِنْطَةِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوَسِيطِ عَلَى بَلَدٍ عُرْفُهُمْ ذَلِكَ فَإِنْ أُطْلِقَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ عَلَى نَحْوِ الشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهِ اُخْتُصَّ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ اسْمُ الطَّعَامِ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ بِالْعِرَاقِ عَلَى الْحِنْطَةِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْمُتَّجَهُ حَمْلُ الطَّعَامِ فِي لَفْظِ الْمُوصِي عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ فِي أَيِّ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ يُعْطِيه مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ هَلْ تَدْخُلُ ثَمَرَتُهَا الْمُؤَبَّرَةُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا تَدْخُلُ الْمُؤَبَّرَةُ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَإِنْ حَدَثَ الثَّمَرُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِوَقْفِ شَيْءٍ، وَتَأَخَّرَ وَقْفُهُ عَنْ مَوْتِهِ حَتَّى حَصَلَ مِنْهُ رَيْعٌ فَلِمَنْ يَكُونُ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَكُونُ لِمُسْتَحِقِّ الْوَقْفِ، وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَكُونُ لِلْوَارِثِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ قِيَاسًا عَلَى كَسْبِ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَفِيهِ خِلَافٌ فَاَلَّذِي رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ قَبْلَ الْعِتْقِ لِلْوَارِثِ، وَحَكَى الْبَنْدَنِيجِيُّ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ لِلْعَبْدِ ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ رَجَّحَ ذَلِكَ أَيْضًا وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ لَكِنَّهُ قَاسَهُ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَهُ عَقَارٌ لَهُ أُجْرَةٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاسْتَغَلَّ الْوَارِثُ
стр. 973
ذَلِكَ الرِّيعَ مُدَّةً ثُمَّ أَثْبَتَ الدَّيْنَ، وَأَخَذَ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ الْعَقَارَ، وَبَقِيَ لَهُمْ شَيْءٌ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُمْ عَلَى الْوَارِثِ بِمَا أَخَذَهُ اهـ. وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى لِعَبْدِ زَيْدٍ الصَّغِيرِ فَهَلْ يَقْبَلُ لَهُ سَيِّدُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَقْبَلُ لَهُ عَلَى الْأَوْجَهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى أَوْ وَقَفَ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ فَمَا الْمُرَادُ بِهِمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حَكَى الْأَذْرَعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحْتَاجِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ مُرَاجَعَةَ الْوَاقِفِ إنْ كَانَ حَيًّا وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ تَيَسَّرَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ شَرْطُ إعْطَائِهِ الْحَاجَةُ دُونَ الْبَقِيَّةِ لِقَرِينَةِ لَفْظِ الْحَاجَةِ.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ مَاتَ الْمُوصَى، وَالْوَصِيُّ غَائِبٌ فَهَلْ يَنُوبُ عَنْهُ الْقَاضِي فِي نَحْوِ تَنْفِيذِ الْوَصَايَا كَغَيْبَةِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ، وَمَا مَعْنَى قَوْلُهُمْ تَنْفِيذُ الْوَصَايَا لِلْحَاكِمِ وَقَضَاءُ الدُّيُونِ لِلْأَبِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَنُوبُ الْحَاكِمُ بَدَلًا عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِاثْنَيْنِ فَغَابَ أَحَدُهُمَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصَايَا حَيْثُ لَا وَصِيَّ لِلْقَاضِي، وَأَنَّ قَضَاءَ الدُّيُونِ لِلْأَبِ مَفْرُوضٌ فِي وَرَثَةِ أَطْفَالٍ وَقَوْلُهُمْ لِلْوَارِثِ قَضَاءُ الدُّيُونِ الْمُرَادُ إذَا كَانَ كَامِلًا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِنَحْوِ كَفَّارَةٍ فَهَلْ يَجُوزُ إعْطَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا لِوَارِثٍ لَهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فِي حَيَاتِهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بَلْ صَرَّحُوا أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ لَمْ يُعْطَ وَارِثُهُ الشَّامِلُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَغَيْرُهُ هَذَا فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فِيهَا فَحُكْمُهُ فِي الصَّرْفِ إلَى فُقَرَاءِ الْوَرَثَةِ حُكْمُ الزَّكَاةِ فِي صَرْفِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ صَرْفُهَا إلَى ابْنِ الْمَيِّتِ الْفَقِيرِ قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لِزَوَالِ شُبْهَةِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ وَكَذَا قَالَ الْعِجْلِيّ وَاسْتَبْعَدَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَتُصْرَفَ إلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا بِأَعْظَمَ مِنْهُ وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي مَا قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ نَائِبٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ الْمَيِّتِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ لَهُ إعْطَاءُ ابْنِهِ مِنْ زَكَاتِهِ فَكَذَا مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ رَدَّ مَا اعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْجَوَازِ إذَا دُفِعَتْ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى الْمُسْتَحِقِّ مِنْ الْوَرَثَةِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ دَفَعَهَا عَنْ الْمَيِّتِ أَجْنَبِيٌّ مِنْ مَالِهِ إذْ الْأَجْنَبِيُّ لَيْسَ نَائِبًا عَنْ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْحَاكِمِ فَلَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِأَنَّ مَا فَضَلَ مِنْ ثُلُثِهِ يَجْعَلُهُ الْوَصِيُّ تَحْتَ يَدِهِ، وَيَصْرِفُهُ لِفُلَانٍ، وَفُلَانٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى فَهَلْ يَنْتَقِلُ لِمَنْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَسْتَحِقُّهُ وَرَثَةُ الْمُوصِي لَا الْمُوصَى لَهُ قَبْلُ وَلَا يَأْتِي فِيهِ خِلَافُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِدِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ هُنَاكَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ عَتَقَ عَبْدُهُ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِأَرْضٍ، وَشَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهَا، وَأَنَّهُ إلَّا مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ رَجَعَتْ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي فَهَلْ يُعْمَلُ بِشَرْطٍ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا تَعُودُ لِمِلْكِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ فَاسِدٌ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الْهِبَةِ، وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِأَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُوصِي عَدَمَ الْبَيْعِ، وَإِلَّا كَانَتْ وَصِيَّةً بِالْمَنْفَعَةِ فَقَطْ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ، وَغَيْرِهَا، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ صِحَّةَ الشَّرْطِ فِي قَوْلِ الْجَوَاهِرِ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ كَأَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا إنْ تَزَوَّجَ أَوْ إنْ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ، وَفِي قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ أُعْطِيت الْأَلْفَ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ اُسْتُرْجِعَ مِنْهَا، وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهَا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ عَتَقَتْ عَلَى الشَّرْطِ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ لَمْ يَبْطُلْ الْعِتْقُ، وَالنِّكَاحُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ يَمْنَعُ مِنْ إمْضَاءِ الْوَصِيَّةِ، وَنُفُوذُ الْعِتْقِ يَمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهِ لَكِنْ يُرْجَعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهَا، وَتَكُونُ مِيرَاثًا، وَلَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ لَمْ تَسْتَحِقَّ اسْتِرْجَاعَ الْقِيمَةِ اهـ.
، وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ خَارِجَةٌ عَنْ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا فَلَا يُنَافِي مِلْكَهَا بِخِلَافِ شَرْطِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ أَوْ أَنَّهَا تَرْجِعُ لِوَرَثَتِهِ فَقَوْلُ جَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ، وَمُتَأَخِّرِينَ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوَصِيَّةِ بِالشَّرْطِ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ نَحْوُ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُنَافِيَةِ لِمَوْضُوعِ الْوَصِيَّةِ إذْ مَوْضُوعُهَا مِلْكُ الْعَيْنِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ، وَغَيْرِهِ
стр. 974
فَاشْتِرَاطُ عَدَمِ الْبَيْعِ مُنَافٍ لِمَوْضُوعِهَا فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنَّهُ يُفْسِدُهَا فَإِنْ قُلْت: وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ مُنَافِيَةٌ لِمَوْضُوعِهَا قُلْت: مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا فِيهَا تَعْلِيقُ اسْتِحْقَاقِهَا عَلَى صِفَةٍ فَحَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ أُرِيدُ لِفُلَانٍ كَذَا مِنْ مَالِي فَهَلْ هُوَ بِمَعْنَى أَعْطُوهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيمَنْ قِيلَ: لَهُ أَتُرِيدُ أَنْ أُطَلِّقَ زَوْجَتَك فَقَالَ: نَعَمْ إنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي طَلَاقِهَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِرَادَةَ مَيْلُ الْقَلْبِ، وَتَجِدُ النَّاسَ كَثِيرًا يُرِيدُونَ الشَّيْءَ وَلَا يُظْهِرُونَهُ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي الْجَوَابِ نَعَمْ أَيْ: أُرِيدُ ذَلِكَ مِنْك بِمَعْنَى وَكَّلْتُك فِيهِ أَوْ أَمَرْتُك بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْقِيَاسُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بِمَعْنَى أَعْطُوهُ كَذَا مِنْ مَالِي.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ، وَذَكَرَ لِلْقُرَّاءِ شَيْئًا مَعْرُوفًا مِنْ الْحَبِّ، وَاللَّحْمِ فَهَلْ يُعْطَوْنَهُ أَوْ يَطْبُخُهُ لَهُمْ الْوَصِيُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ احْتَمَلَ لَفْظُ الْمُوصِي لِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ مَا اطَّرَدَ بِهِ عُرْفُهُ حَالَ الْوَصِيَّةِ، فَيَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يَتَّبِعَ جَمِيعَ مَا اطَّرَدَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ تَخَيَّرَ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الْأَصْلَحِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ، وَلَوْ اُعْتِيدَ أَنَّ الْوَصِيَّ يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَهَلْ لَهُ الْعَمَلُ بِالْعَادَةِ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّ الْمُوصِيَ نَصَّ لَهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ مَحَلُّ نَظَرٍ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَا وَرَائِي فَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قِيَاسُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَإِنْ اشْتَهَرَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ بِهِ الْمَوْتُ إذْ مَأْخَذُ الصَّرَاحَةِ لَيْسَ هَذَا الِاشْتِهَارُ كَمَا قَالُوهُ فِي الطَّلَاقِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ أَفْتَى بِأَنَّهُ صَرِيحٌ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ مَأْخَذَ الصَّرَاحَةِ الِاشْتِهَارُ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى لِمَنْ عَامَلَهُ بِكَذَا فَهَلْ يَصِحُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ مَعْرُوفِينَ صَحَّ، وَإِلَّا احْتَمَلَ الصِّحَّةَ أَيْضًا كَالْفُقَرَاءِ وَاحْتَمَلَ الْفَرْقَ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ فَعَلَيْهِ يَجِبُ إعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ أَوْصَى لِأُمِّ الْأَطْفَالِ عَلَيْهِمْ أَوْ نَصَّبَهَا الْحَاكِمُ هَلْ يَبْطُلُ حَقُّهَا بِتَزَوُّجِهَا كَالْحَضَانَةِ أَوْ يُفَرَّقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْحَضَانَةِ بِأَنَّ حِفْظَ الصَّغِيرِ، وَتَرْبِيَتَهُ يَحْتَاجُ إلَى مُبَاشَرَةِ أَعْمَالٍ تُفَوِّتُ عَلَى الزَّوْجِ بَعْضَ حُقُوقِهِ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا التَّوْكِيلُ فِيمَا لَا يَتَيَسَّرُ لَهَا مُبَاشَرَتُهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ: الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ صَدَقَةٌ بَعْدَ مَوْتِي لِمَسْجِدِ كَذَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْصَى بِوَصَايَا فَمَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ قَوْلَهُ: صَدَقَةٌ بَعْدَ مَوْتِي وَصِيَّةٌ فَحُكْمُهُ كَالْوَصَايَا الَّتِي بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْدَ مَوْتِي فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا أَوْ إنْشَاءً، وَعَلَى كُلٍّ فَيُقَدَّمُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَصَايَا.
(وَسُئِلَ) هَلْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَرْهُونِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ تَصِحُّ مُطْلَقًا وَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِبَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَرَثَةِ تَسَلُّمُهُ مِنْ التَّرِكَةِ لِتَبْقَى الْوَصِيَّةُ نَعَمْ لَوْ تَبَرَّعَ الْمُوصَى لَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ لِتُسَلَّمَ لَهُ الْعَيْنُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الدَّائِنِ قَبُولُهُ كَالْوَارِثِ؛ لِأَنَّ لَهُ عُلَقَةً بِهِ أَوْ لَا؟ يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْغَرِيمِ قَبُولُ قَضَاءِ مُتَبَرِّعٍ غَيْرِ الْوَارِثِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْوَارِثِ بِأَنَّ الْوَارِثَ مَالِكٌ بِخِلَافِ الْمُوصَى لَهُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ إلَى الْآنَ.
(وَسُئِلَ) هَلْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمُدَبَّرِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَرَّحَ الشَّيْخَانِ فِي بَابِهِ بِصِحَّتِهَا، وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ رُجُوعٌ بِالْقَوْلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَبِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِهِ ثُمَّ دَبَّرَهُ كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ أَقْوَى إذْ لَا يَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ وَلَا يَبْطُلُ بِالرَّدِّ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَقْوَى يَرْفَعُ الْأَضْعَفَ وَلَا عَكْسَ، وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ الرُّجُوعُ بِالْقَوْلِ مُمْتَنِعٌ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ التَّدْبِيرِ بِقَرِينَةِ كَلَامِهِمْ فِيهِ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ التَّدْبِيرَ نَفْسَهُ قِيلَ: إنَّهُ وَصِيَّةٌ بَلْ ذَكَرُوا فُرُوعًا تَقْتَضِيه فَلَمَّا كَانَ مِنْ جِنْسِهَا أَثَّرَتْ فِيهِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَال الثَّانِي.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ أَوْ عَكْسُهُ فَمَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ ذَكَرَ الثَّانِيَةَ فِي الْأُولَى كَأَوْصَيْتُ لَهُ بِاَلَّذِي أَوْصَيْت بِعِتْقِهِ كَانَ رُجُوعًا، وَإِلَّا شُرِّكَ بَيْنَهُمَا فَيُعْتَقُ نِصْفُهُ وَلِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُهُ إنْ قَبِلَ، وَإِلَّا عَتَقَ الْجَمِيعُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى لِآخَرَ بِثُلُثِهِ ثُمَّ لِآخَرَ إلَّا فَعَلَ كَذَا بِأَرْضِهِ الْفُلَانِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَتْ لِوَرَثَتِهِ فَهَلْ قَوْلُهُ: كَانَتْ لِوَرَثَتِهِ رُجُوعٌ عَنْ
стр. 975
الْوَصِيَّةِ الْأُولَى؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَفْقِ الشَّرْطِ كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْنُهُ، وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ أَوَّلًا، وَإِلَّا كَانَ قَوْلُهُ: الْمَذْكُورُ رُجُوعًا فَقَدْ قَالُوا لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ لِلِابْنِ إلَّا مُنَجَّزًا، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِخِلَافِ الْهِبَةِ، وَتَبْقَى الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ الْبَاقِي مِنْ مُخَلَّفِهِ غَيْرَ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ زَيْدٍ وَلَهُ حَمْلٌ مُجْتَنٌّ حَالَ الْوَصِيَّةِ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي أَوْلَادِهِ كَالْوَقْفِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَشْهَدُ لِلْفَرْقِ قَوْلُهُمْ الْوَصِيَّةُ لِلْمَعْدُومِ بَاطِلَةٌ، وَالْبَاطِلُ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا، وَالْحَمْلُ مَعْدُومٌ، وَإِنْ نَزَّلَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْبَيْعِ، وَنَحْوِهِ مَنْزِلَةَ الْمَعْلُومِ لِلتَّبَعِيَّةِ ثُمَّ لِمَا هُوَ كَالْجُزْءِ مِنْهُ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمُعَيَّنِ لَا تَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا كَمَا تَقَرَّرَ بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْمَعْدُومِ بِالتَّبَعِيَّةِ فَدَخَلَ فِيهِ الْحَمْلُ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِينَ لَكِنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا عِنْدَ الِانْفِصَالِ إذْ لَا يُسَمَّى وَلَدًا إلَّا حِينَئِذٍ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ قَالَ حُجُّوا عَنِّي مِنْ أَرْضِي أَوْ بِأَرْضِي فَهَلْ تَتَعَيَّنُ تِلْكَ الْأَرْضُ وَهَلْ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فَرْقٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ تَتَعَيَّنُ، وَبَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فَرْقٌ إذْ الْأُولَى تَقْتَضِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ أُجْرَةِ أَرْضِهِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّ الْمُوصِيَ أَوْ الْحَاكِمَ يَبِيعُهَا، وَيَحُجُّ عَنْهُ بِثَمَنِهَا أَوْ يُعْطِيهَا أُجْرَةً لِمَنْ يَحُجُّ إنْ رَضِيَ.
(وَسُئِلَ) عَنْ امْرَأَةٍ تَشَاجَرَتْ هِيَ، وَزَوْجُهَا فَقَالَتْ: حَقِّي بَعْدَ عَيْنِي صَدَقَةٌ عَلَى مَسْجِدِ كَذَا فَهَلْ هُوَ وَقْفٌ أَوْ وَصِيَّةٌ أَوْ نَذْرٌ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَلَمْ تَقُلْ بَعْد مَوْتِي، وَالْمَسْجِدُ الْمَذْكُورُ مُعَيَّنٌ فَإِذَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا بَعْدَ عَيْنِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ وَصِيَّةً، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ إرَادَتُهَا فَالظَّاهِرُ الْعَمَلُ بِعُرْفِ أَهْلِ بَلَدِهَا الْمُطَّرِدِ فِي الْمُرَادِ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَيُحْتَمَلُ إلْغَاؤُهُ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَأْخَذَ الصَّرَاحَةِ لَيْسَ هُوَ الِاشْتِهَارُ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ أَفْتَى الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَقَاسَمَ الْوَصِيُّ الْوَرَثَةَ، وَأَفْرَزَ الثُّلُثَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ قِسْمَتِهِ فَكَتَلَفِهِ فِي يَدِ الْمُسْتَحَقِّينَ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِهِمْ وَكَذَا الْقَيِّمُ فِي الْحَجِّ إذَا أَخَذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَتَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ بِهِ مَنْ يَحُجَّ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْمُوصِيَ لَوْ أَخْرَجَ مِنْ التَّرِكَةِ الثُّلُثَ لِلْفُقَرَاءِ، وَأُفْرِزَ ذَلِكَ فَقَبْلَ أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ تَلِفَ فِي يَدِهِ رَجَعَ فِي بَاقِي التَّرِكَةِ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّ تَلَفَهُ فِي يَدِ الْوَصِيِّ لَا يُجْعَلُ كَوُصُولِهِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ اهـ فَمَا الرَّاجِحُ مِنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا خَفَاءَ أَنَّ الْوَصِيَّ نَائِبٌ عَنْ الْمَيِّتِ فِي الْإِقْبَاضِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ نَائِبًا عَنْ الْمُسْتَحَقِّينَ فِي الْقَبْضِ لِئَلَّا يَلْزَمَ مِنْهُ اتِّحَادُ الْقَابِضِ، وَالْمُقْبَضِ بِلَا ضَرُورَةٍ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْأَوْجَهُ مَا ذَكَرَهُ آخِرًا مِنْ أَنَّ تَلَفَهُ فِي يَدِهِ لَا يُجْعَلُ كَوُصُولِهِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُمْ بَلْ عَنْ الْمَيِّتِ، وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ بِكَذَا فَتَلِفَ بِيَدِ وَكِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ الدَّائِنُ تَلِفَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَبَقِيَ حَقُّ الدَّائِنِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَا يُقَالُ: بِالْإِفْرَازِ يَتَبَيَّنُ مِلْكَ الْوَرَثَةِ لِمَا أُفْرِزَ لَهُمْ فَتَلَفُهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِمْ كَهُوَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُنَا مَمْنُوعٌ بَلْ بِتَلَفِهِ قَبْلَ الْوُصُولِ لَهُمْ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا أُفْرِزَ لِلْوَرَثَةِ صَارَ كَأَنَّهُ كُلُّ التَّرِكَةِ فَيُؤْخَذُ ثُلُثُهُ
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَوَلَدٌ، وَوَلَدُ ابْنٍ فَأَوْصَى لِوَلَدِ الِابْنِ بِوَصِيَّةٍ فِي نَصِيبِ الِابْنِ خَاصَّةً فَهَلْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى الِابْنِ دُونَ الزَّوْجَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ، وَأَفْتَى بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَكَذَا ابْنُ السُّنِّيِّ لَكِنْ قَالَ: إنَّهَا فِي ثُلُثِ نَصِيبِ مَنْ جُعِلَتْ فِي نَصِيبِهِ، وَوَافَقَهُمَا ابْنُ مَنْصُورٍ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لَكِنْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَفِي فَتَاوَى الشَّرَفِ الْجَيَّانِيِّ بَعْدَ نَقْلِ مَا ذُكِرَ الصَّوَابُ إبْطَالُ الْوَصِيَّةِ إذَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ فِي نَصِيبِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ اللَّهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَإِذَا خَصَّصَهَا بِنَصِيبِ أَحَدِهِمْ فَقَدْ وَفَّرَ نَصِيبَ الْآخَرِ بَعْدَ مَا كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْهُ لَوْ كَانَتْ شَائِعَةً وَهَذَا وَصِيَّةٌ لَهُ فَتَحْتَاجُ إلَى إجَازَةٍ إذْ لَا تَصِحُّ إلَّا بِهَا.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا وَلَمْ يَحْكِيَا فِيهِ خِلَافًا صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاخْتِصَاصُ الْوَصِيَّةِ بِحِصَّةِ مَنْ خَصَّصَهَا الْمُوصَى بِهِ، وَعِبَارَتُهُمَا فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ
стр. 976
بِنَصِيبٍ، وَبِجُزْءٍ شَائِعٍ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يُضَامَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَيْ: لَا يَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَيْهِ مِثَالُهُ ابْنَانِ، وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِرُبْعِ الْمَالِ وَلِعَمْرٍو بِنَصِيبِ أَحَدِ الِابْنَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يُضَامَ الثَّانِي بِالْوَصِيَّتَيْنِ هِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِذِكْرِهِ الرُّبْعَ لِزَيْدٍ سَهْمٌ وَلِلِابْنِ الَّذِي شُرِطَ لَهُ أَنْ لَا يُضَامَ سَهْمَانِ يَبْقَى سَهْمٌ لِعَمْرٍو وَلِلِابْنِ الْآخَرِ لَا يَصِحُّ عَلَيْهِمَا فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي أَرْبَعَةٍ أَيْ: فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ لِمَنْ لَمْ يُضَمْ أَرْبَعَةً وَلِمَنْ أُضِيمَ أَيْ:، وَأَجَازَ إذْ الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَاحِدٌ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ اثْنَانِ وَلِعَمْرٍو الْمُوصَى لَهُ بِنَصِيبِ أَحَدِ الِابْنَيْنِ وَاحِدٌ، وَحِينَئِذٍ اُخْتُصَّ النَّقْصُ بِنَصِيبِ مَنْ شُرِطَ إضَافَتُهُ، وَمَنْ شُرِطَ عَدَمُ إضَافَتِهِ أَخَذَ حَقَّهُ كَامِلًا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مَسْأَلَةٌ ثَلَاثُ بَنِينَ أَحَدُهُمْ بَكْرٌ، وَأَوْصَى مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ بِنَصِيبِ أَحَدِهِمْ وَلِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ، وَشَرَطَ أَنْ لَا يُضَامَ بَكْرٌ، وَبَيَّنَّا طَرِيقَةَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا تَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ لِبَكْرٍ الَّذِي شَرَطَ أَنْ لَا يُضَامَ الثُّلُثُ كَامِلًا وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَلِكُلٍّ مِنْ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ شُرِطَ إضَافَتُهُمَا خَمْسَةٌ وَلِزَيْدٍ الْمُوصَى لَهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ بِنَصِيبِ أَحَدِهِمْ خَمْسَةٌ وَلِعَمْرٍو الْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ أَيْ: بَعْدَ إخْرَاجِ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ خَمْسَةِ زَيْدٍ ثَلَاثَةٌ ثُلُثُهَا وَاحِدٌ، وَبِذَلِكَ صَحَّ مَا قَالَهُ الْمُوصِي، فَإِنَّ بَكْرًا أَخَذَ الثُّلُثَ كَامِلًا بِاعْتِبَارِ رُءُوسِ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةِ وَصُدِّقَ أَنَّهُ لَمْ يُضَمْ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ هُوَ حِصَّتُهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَمَا أَخَذَهُ كُلٌّ مِنْ الِابْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ هُوَ دُونَ حِصَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ بِثَلَاثَةٍ فَأَخَذْنَا ثَلَاثَةً مِنْ سَهْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْأَصْلِيِّ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَقَسَمْنَا هَذِهِ السِّتَّةَ الْمَأْخُوذَةَ بَيْنَ الْوَصِيَّتَيْنِ فَأَعْطَيْنَا زَيْدًا مِنْهَا خَمْسَةً مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ الْمَضَامِينَ، وَعَمْرًا وَاحِدًا
لِأَنَّهُ ثُلُثُ الْبَاقِي مِنْ الثُّلُثِ، وَحِينَئِذٍ فَالْوَصِيَّةُ هُنَا بِالرُّبْعِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ مَجْمُوعَ الْوَصِيَّتَيْنِ سِتَّةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَقَدْ اُخْتُصَّتْ كَمَا تَرَى بِنَصِيبَيْ الْمَضَامِينَ، وَبَقِيَ نَصِيبُ مَنْ شَرَطَ عَدَمَ إضَافَتِهِ كَامِلًا فَأَثَّرَتْ الْوَصِيَّةُ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِ الْأَنْصِبَاءِ بِالنَّقْصِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ إجَازَةُ الْمَضَامِينَ كَمَا يَأْتِي فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ الشَّيْخَيْنِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، وَبِدُخُولِ النَّقْصِ عَلَى الِابْنِ دُونَ الزَّوْجَةِ إنْ أَجَازَ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ كَمَا يَدُلُّ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَقَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ: إنَّهَا فِي ثُلُثِ نَصِيبِ مَنْ جُعِلَتْ فِي نَصِيبِهِ يُوهِمُ أَنَّ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ، وَأَصْلُهَا لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي ذَلِكَ وَلَا فِي تَخْصِيصٍ بِمَنْ شَرَطَ إضَافَتَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهِمَا لِمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ عِبَارَةَ الشَّيْخَيْنِ صَرِيحَةٌ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي تَخْصِيصِ النَّقْصِ بِمَنْ شَرَطَ إضَافَتَهُ، وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى فَرْضِ خِلَافٍ فِيهِ فَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ شَاذٌّ، وَمَا عُلِّلَ بِهِ يُنَافِيه لِاقْتِضَائِهِ صِحَّتَهَا، وَإِنَّمَا شَرْطُ تَنْفِيذِهَا الْإِجَازَةُ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فَقَدْ قَالُوا: عَقِبَ مَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ إنَّمَا تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَنَظَائِرُهَا إذَا أَجَازَ الْمُضَامُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فَإِنْ لَمْ يَجُزْ خَرَجَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ التَّرِكَةِ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي عَلَى كُلِّ الْوَرَثَةِ، وَعِلَّتُهُ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْفَرْضَيْنِ الشِّهَابُ ابْنُ الْهَائِمِ فِي شَرْحِ كِفَايَتِهِ، وَغَيْرِهِ، وَأَقَرَّهُ شُرَّاحُ كَلَامِهِ كَشَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا وَكَالشَّيْخِ الْإِمَامِ الْبَدْرِ سِبْطِ الْمَارْدِينِيِّ لَوْ خَلَّفَ جَدًّا، وَبِنْتًا، وَأَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ الْبَاقِي بَعْدَ الْفَرْضِ فَإِنْ قُلْنَا بِالضَّعِيفِ إنَّهُ لَا يُفْرَضُ لِلْجَدِّ فِيهَا فَالْوَصِيَّةُ بِالسُّدُسِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ يُفْرَضُ لَهُ فِيهَا كَالْأَبِ مَعَهَا فَالْوَصِيَّةُ بِالتُّسْعِ
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ تَضَمَّنَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى لِوَارِثٍ وَهُوَ الْبِنْتُ لِإِدْخَالِهِ الضَّيْمَ عَلَى الْجَدِّ دُونَهَا كَمَا لَوْ أَوْصَى بِإِدْخَالِ الضَّيْمِ عَلَيْهِ دُونَهَا فَلِمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الضَّيْمُ أَنْ لَا يُجِيزَ مَا حَصَلَ بِهِ الضَّيْمُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْوَصِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ اُخْتُصَّ الضَّيْمُ بِالْجَدِّ فَإِنْ أَجَازَ لِلْبِنْتِ فَعَلَى الضَّعِيفِ تَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ لِلْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ وَلِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ وَلِلْجَدِّ سَهْمَانِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ تَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِلْبِنْتِ تِسْعَةٌ وَلِلْجَدِّ ثَلَاثَةٌ بِالْفَرْضِ، وَثُلُثُ الْبَاقِي سَهْمَانِ لِلْمُوصَى لَهُ، وَيَبْقَى أَرْبَعَةٌ لِلْجَدِّ بِالْعُصُوبَةِ يَجْتَمِعُ لَهُ سَبْعَةٌ، وَإِنْ رَدَّ لِلْبِنْتِ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهَا وَلَمْ تَفْتَقِرْ وَصِيَّةُ الْأَجْنَبِيِّ إلَى إجَازَةٍ؛ لِأَنَّهَا دُونَ الثُّلُثِ فَهِيَ عَلَى الضَّعِيفِ
стр. 977
وَصِيَّةٌ بِالسُّدُسِ أَيْضًا لِيَخْرُجَ مِنْ مَخْرَجِهِ، وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي عَلَى اثْنَيْنِ فَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمَانِ وَلِكُلٍّ مِنْ الْبِنْتِ، وَالْجَدِّ خَمْسَةٌ، وَعَلَى الْأَصَحِّ وَصِيَّةٌ بِالتِّسْعِ أَيْضًا، فَيَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِهِ، وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي عَلَى سِتَّةٍ فَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ بِالِاخْتِصَارِ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ وَلِكُلٍّ مِنْ الْبِنْتِ، وَالْجَدِّ أَرْبَعَةٌ قَالَ: وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ صِدْقِ قَوْلِ الْمُوصِي إذْ رِعَايَةُ صِدْقِهِ إنَّمَا تَجِبُ حَالَ الْإِجَازَةِ قَالَ شَيْخُنَا، وَأَقُولُ: الْعِبْرَةُ بِالْفَرْضِ الْمُعَلَّقِ بِهِ وَصَيِّتَةُ لَا بِمَا يَأْخُذُهُ الْوَرَثَةُ فَصَدَقَ قَوْلُهُ: حَالَ الرَّدِّ أَيْضًا وَقَالَ الْبَدْرُ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِ الْفُصُولِ هُوَ، وَالْمَتْنُ مَا حَاصِلُهُ وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الْجَدِّ مَعَ الْبِنْتِ يَأْخُذُ بِالْفَرْضِ أَوْ التَّعْصِيبِ لَفْظِيًّا كَمَا زَعَمَ جَمْعُ أَئِمَّةٍ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ بَلْ مَعْنَوِيٌّ إذْ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا لَوْ أَوْصَى وَقَدْ تَرَكَ بِنْتًا وَجَدًّا لِزَيْدٍ بِنِصْفِ مَا يَبْقَى بَعْدَ نَصِيبِ ذَوِي الْفُرُوضِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْوَصِيَّةِ بِإِدْخَالِ الضَّيْمِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ فِيمَا لَوْ
قَالَ: عَلَى أَنْ لَا يُضَامَ ذُو الْفَرْضِ، وَيَخْتَصُّ الضَّيْمُ بِالْعَاصِبِ فَتَفْتَقِرُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ إلَى إجَازَةِ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الضَّيْمُ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِإِدْخَالِ الضَّيْمِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ وَهِيَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ فَلِمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الضَّيْمُ أَنْ لَا يُجِيزَ الْقَدْرَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الضَّيْمُ فَإِنْ أَجَازَ الْجَدُّ الْوَصِيَّةَ لِلْبِنْتِ فَعَلَى الضَّعِيفِ وَهُوَ أَنَّ الْجَدَّ يَأْخُذُ عُصُوبَةً فَقَطْ يَكُونُ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْجَدِّ نِصْفُ الْبَاقِي وَلِزَيْدٍ النِّصْفُ الْآخَرُ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِمَا يَكُونُ لَهَا النِّصْفُ وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ فَرْضًا وَلَهُ نِصْفُ الْبَاقِي عُصُوبَةً، وَنِصْفُهُ الْآخَرُ لِزَيْدٍ فَلِزَيْدٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ رُبْعُ الْمَالِ عَلَى الضَّعِيفِ، وَسُدُسُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَنَّ رَدَّ وَصِيَّتَهَا فَلِزَيْدٍ الرُّبُعُ أَيْضًا عَلَى الضَّعِيفِ، وَالسُّدُسُ عَلَى الصَّحِيحِ لَكِنْ لَا يَدْخُلُ الضَّيْمُ عَلَى الْجَدِّ وَحْدَهُ فَعَلَى الضَّعِيفِ الْبَاقِي بَعْدَ رُبُعِ الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْبِنْتِ، وَالْجَدِّ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ لِلْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ فَرْضًا وَلِلْجَدِّ ثَلَاثَةٌ عُصُوبَةً وَلِزَيْدٍ اثْنَانِ، وَعَلَى الصَّحِيحِ يَخْرُجُ لِزَيْدٍ السُّدُسُ وَصِيَّةً، وَالْبَاقِي لِلْبِنْتِ نِصْفُهُ وَلِلْجَدِّ سُدُسُهُ فَرْضًا وَبَاقِيه عُصُوبَةً فَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ، وَثَلَاثِينَ، وَبِالِاخْتِصَارِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ اهـ. وَعِبَارَةُ الْفُصُولِ صَرِيحَةٌ فِي التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ مَا إذَا صَرَّحَ الْمُوصِي بِقَوْلِهِ عَلَى أَنْ لَا يُضَامَ ذُو الْفَرْضِ، وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بِأَنَّ اقْتَصَرَ عَلَى أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِنِصْفِ مَا يَبْقَى بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَرْضِ أَوْ بَعْدَ نَصِيبِ ذِي الْفَرْضِ وَصَرَّحَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ كِفَايَتِهِ أَيْ: كَمَا مَرَّ عَنْهُ، وَأَخَذَ مَا فِيهَا، وَفِي الْفُصُولِ مِنْ تَدْرِيبِ شَيْخِهِ السِّرَاجِ الْبُلْقِينِيُّ، وَفِي مَجْمُوعِ الْكَلَّائِيِّ وَعُمْدَةِ ابْنِ الْمُلَقِّنِ عَنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ الْأَبُ يَرِثُ بِالْفَرْضِ إذَا كَانَ مَعَهُ ابْنٌ إلَخْ.
مَا يُوَافِقُ التَّدْرِيبَ وَلَمْ نَجِدْ هَذِهِ الصُّورَةَ أَعْنِي: الْوَصِيَّةَ بِجُزْءٍ مِمَّا يَبْقَى بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اشْتِرَاطِ إدْخَالِ الضَّيْمِ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ دُونَ الْعَاصِبِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ الْقَدِيمَةِ وَلَا الْمُتَأَخِّرَةِ بَعْدَ الْبَحْثِ الطَّوِيلِ السِّنِينَ الْعَدِيدَةَ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُصَنِّفُ، وَالْكَلَّائِيُّ، وَابْنُ الْمُلَقِّنِ فَكُلُّهُمْ أَصْحَابُ الْبُلْقِينِيُّ وَلَمْ يَعْزُهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهِ وَلَا زَالَ مَشَايِخُنَا، وَغَيْرُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهَا مِنْهُمْ ابْنُ الْمَجْدِيِّ فَقَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَرْضِ إنَّمَا هُوَ لِتَمَيُّزِ الْبَاقِي لِيَعْلَمَ قَدْرَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ لَا أَنَّهُ يُعْطِي لِذِي الْفَرْضِ فَرْضَهُ، وَتُعْطَى الْوَصِيَّةُ مِنْ الْبَاقِي فَهِيَ مِنْ الدَّوْرِيَّاتِ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ بَعْضِ وَرَثَتِهِ، وَأَوْصَى لِعَمْرٍو بِجُزْءِ مَا يَبْقَى بَعْدَ إخْرَاجِ النَّصِيبِ وَجَعَلَ مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْفُصُولِ، وَغَيْرِهِ سَهْوًا، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَلَائِيُّ الْقَلْقَشَنْدِيُّ لَكِنْ غَلَّطَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ فَأَجَابَ بِعِبَارَةِ الْفُصُولِ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا فِي التَّدْرِيبِ، وَتَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ شَيْخَا الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْقَايَاتِيُّ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَجْدِيِّ اهـ.
كَلَامُ الْبَدْرِ الْمَارْدِينِيِّ، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ عُلِمَ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ، وَنَحْوِهَا صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ لَكِنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ مَنْ دَخَلَ الضَّيْمُ عَلَيْهِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا نُقِلَ فِي السُّؤَالِ مِنْ الْمَقَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ بِأَنَّ مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي مَحَلُّهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ وَكَلَامُ ابْنِ مَنْصُورٍ مَحَلُّهُ عِنْدَ الرَّدِّ وَكَذَلِكَ تَصْوِيبُ الْجَيَّانِيُّ، وَإِنْ أَوْهَمَ تَعْبِيرُهُ بِالْبُطْلَانِ خِلَافَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ الْمَذْكُورَ فِي السُّؤَالِ صَرِيحٌ فِي الصِّحَّةِ عِنْدِ الْإِجَازَةِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: بِالْبُطْلَانِ عَلَى مَا يَحْتَاجُ
стр. 978
لِلْإِجَازَةِ وَلَمْ يُجِزْهُ الْوَارِثُ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ فِي السُّؤَالِ فَإِنْ قُلْت: مَسْأَلَةُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورَةِ آخِرًا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ السُّؤَالِ فَيُجْزِي فِيهَا خِلَافُ أُولَئِكَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَيْضًا قُلْت: مَمْنُوعٌ بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَاضِحٌ فَإِنَّ صُورَةَ السُّؤَالِ لَمَّا قَالَ فِيهَا فِي نَصِيبِ الِابْنِ خَاصَّةً كَانَ مُصَرِّحًا بِإِدْخَالِ الضَّيْمِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَصُورَةُ الْخِلَافِ إنَّمَا هِيَ فِيمَا إذَا سَكَتَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِجَمِيعِ أَطْرَافِهَا فَإِنَّهَا مُهِمَّةٌ، وَيَقَعُ الْغَلَطُ فِيهَا كَثِيرًا وَقَدْ اتَّضَحَ حُكْمُهَا. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ:، وَمَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ كَذَا، وَالْوَصِيُّ فِي ذَلِكَ أَوْ فِي تَنْفِيذِ وَصَايَايَ فُلَانٌ فَأَخْرَجَ الْوَصِيُّ حَاجًّا فَأَحْرَمَ قَبْلَ مَخْرَجِ الْوَصِيِّ آخَرَ عَلِمَ بِالْوَصِيَّةِ مَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَقَعُ إحْرَامُ الْمُتَقَدِّمِ لِلْمَيِّتِ، وَيَسْتَحِقَّ الْمُوصَى بِهِ وَقَدْ أَفْتَيْت بِذَلِكَ قَدِيمًا فِيمَا أَظُنُّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا قَالَ: مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ كَذَا لَمْ يَجْعَلْ لِلْوَصِيِّ نَظَرًا فِي تَعْيِينِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بَلْ قَطَعَ تَعْيِينَهُ بِتَعْبِيرِهِ بِمَنْ حَجَّ عَنِّي، وَالسَّابِقُ بِالْإِحْرَامِ صَدَقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فَاسْتَحَقَّ بِنَصِّ الْمُوصِي بِخِلَافِ مُعَيَّنِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ عِبَارَةِ الْمُوصِي بِسَبْقِ الْأَوَّلِ لَهُ، وَالْوَصِيُّ لَيْسَتْ لَهُ وِلَايَةٌ إلَّا فِي إقْبَاضِ الْمُوصَى بِهِ لَا فِي تَعْيِينٍ يُخَالِفُ قَضِيَّةَ لَفْظِ الْمُوصِي فَلَا تَغْرِيرَ مِنْهُ يَقْتَضِي غُرْمَهُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ أَوْصَى بِحَجَّةٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا فَجَاعَلَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَصِيٌّ شَخْصًا لِلْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ الْمَذْكُورِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ الْمَذْكُورُ جَهْلًا مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ أَوْ عَمْدًا فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْحَاجُّ جَمِيعَ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ لَهُ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ أَوْ لَا؟ يَسْتَحِقُّ إلَّا مَا سُمِّيَ لَهُ، وَيُصْرَفُ الزَّائِدُ لِلْوَرَثَةِ أَوْ يَنْظُرُ فِي لَفْظِ الْمُوصِي فَإِنْ قَالَ: أَوْصَيْت لِمَنْ يَحُجُّ عَنِّي اسْتَحَقَّ جَمِيعَهُ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ لَهُ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ أَوْ أَوْصَيْت بِأَنْ يَحُجَّ عَنِّي أَوْ أَوْصَيْت بِحَجَّةٍ مَثَلًا فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَا سَمَّى لَهُ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ، وَيُصْرَفُ الزَّائِدُ لِلْوَرَثَةِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَوْ قَالَ أَحِجُّوا عَنِّي زَيْدًا بِخَمْسِينَ دِينَارًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهَا شَيْءٌ مَعَ خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَحُجَّ بِدُونِهَا، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فَوَجَدَ مَنْ يَحُجُّ بِأَقَلَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْفَتَاوَى صُرِفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْقَدْرُ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَكَانَ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ وَقِيلَ: يَجِبُ صَرْفُ الْجَمِيعِ قُلْت: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالْقِيَاسُ الظَّاهِرُ اهـ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ قَالَ أَحِجُّوا عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنْ عَيَّنَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَكَانَ الْأَلْفُ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ صُرِفَ إلَيْهِ إنْ احْتَمَلَ الثُّلُثُ الزِّيَادَةَ وَكَانَ الْمُعَيَّنُ أَجْنَبِيًّا فَإِنْ كَانَ وَارِثًا فَالزِّيَادَةُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ الْأَلْفُ زَائِدًا عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَحُجُّ عَنْهُ إلَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَالثَّانِي يَحُجُّ عَنْهُ بِهِ إنْ وَفَّى الثُّلُثُ بِهِ، وَبِهِ يُشْعِرُ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ، وَبِهِ أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ اهـ.
وَنَقَلَ الْغَزِّيُّ الثَّانِي عَنْ الرَّافِعِيِّ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: حُجُّوا عَنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ خَمْسُمِائَةٍ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُصْرَفُ لِمَنْ يَحُجُّ إلَّا أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَصِيَّةٌ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُوصَى لَهُ، وَالثَّانِي هُوَ وَصِيَّةٌ لِشَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ إلَيْهِ الْأَلْفَ إنْ خَرَجَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْأَلْفِ مِنْ الثُّلُثِ، وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ اهـ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ أَوْصَى بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ حِنْطَةً جَيِّدَةً بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَيَتَصَدَّقَ بِهَا فَكَانَ ثَمَنُهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا تُرَدُّ الْمِائَةُ أَيْ: لِلْوَرَثَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا وَصِيَّةٌ، وَالثَّالِثُ يَشْتَرِي بِهَا حِنْطَةً بِهَذَا السِّعْرِ، وَيَتَصَدَّقُ بِهَا اهـ.
قَالَ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَعَلَى مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَاجُّ إلَّا الْمُسَمَّى لَهُ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ سَوَاءٌ أَقَالَ الْمُوصِي لِمَنْ يَحُجُّ عَنِّي أَوْ أَنْ يَحُجَّ عَنِّي أَوْ بِحَجَّةٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُوَافِقٌ لِأَوَّلِ وَجْهَيْ الْجَوَاهِرِ، وَأَوَّلِ أَوْجُهِ الْبَحْرِ، وَأَوَّلِ وَجْهَيْ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَقَدْ عَلَّلَهُ قَائِلُهُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَصِيَّةٌ وَلَمْ يُعَيَّنْ الْمُوصَى لَهُ أَيْ: فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ بِالزَّائِدِ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمُوصَى لَهُ بِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ مَلْحَظُ الْبُطْلَانِ فَلَا
стр. 979
فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ يَحُجُّ عَنِّي أَوْ بِحَجَّةٍ مَثَلًا لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْمَعْنَى الْمُعَلَّلِ بِهِ وَهُوَ أَنَّ الزَّائِدَ وَصِيَّةٌ لِمَنْ لَمْ يُعَيَّنْ فَتَبْطُلُ، وَعَلَى مَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ إذْ هُوَ الْمُوَافِقُ لِثَانِي وَجْهَيْ الْجَوَاهِرِ الْمَنْقُولِ عَنْ قَضِيَّةِ نَصِّ الْأُمِّ، وَتَصْرِيحِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَاخْتِيَارِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَلِثَانِي أَوْجُهِ الْبَحْرِ وَلِثَانِي وَجْهَيْ أَدَبِ الْقَضَاءِ الْمَنْقُولِ عَنْ تَصْرِيحِ الرَّافِعِيِّ يَسْتَحِقُّ الْحَاجُّ بَقِيَّةَ الْأَلْفِ إذَا وَفَّى بِهَا الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ ثَانِيَ وَجْهَيْ أَدَبِ الْقَضَاءِ عَلَّلَ الِاسْتِحْقَاقَ بِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِشَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَأَفْهَمَ هَذَا تَقْيِيدَ اسْتِحْقَاقِهِ لِلزِّيَادَةِ بِاتِّصَافِهِ بِالْحَجِّ عَنْهُ، وَالْحَاجُّ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ فَلْيَسْتَحِقَّ الزِّيَادَةَ عَمَلًا بِقَضِيَّةِ هَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي صَرَّحَ بِهَا الرَّافِعِيُّ
وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ اتِّصَافُهُ بِمَا ذَكَرَ وَهَذَا الِاتِّصَافُ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ أَنَّ الْحَاجَّ يَسْتَحِقُّ الزِّيَادَةَ مُطْلَقًا لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لَهُ بِشَرْطِ اتِّصَافِهِ بِالْحَجِّ عَنْهُ وَقَدْ وُجِدَ فِيهِ هَذَا الْوَصْفُ فَإِنْ قُلْت: الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرُوا فِيهَا جَمِيعَ مَا مَرَّ إنَّمَا هِيَ حُجُّوا وَصُورَةُ السُّؤَالِ أَوْصَى بِحَجَّةٍ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ قُلْت: نَعَمْ يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ لَوْلَا مَا قَرَّرْته مِنْ أَنَّ عِلَّةَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ السَّابِقِ تَقْتَضِي عَدَمَ الِاسْتِحْقَاقِ مُطْلَقًا، وَعِلَّةُ الْوَجْهِ الثَّانِي السَّابِقِ تَقْتَضِي الِاسْتِحْقَاقَ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فَأَخَذْنَا بِمُقْتَضَى الْعِلَّةِ، وَأَعْرَضْنَا عَنْ خُصُوصِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى مُقْتَضَى الْعِلَّةِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ خُصُوصِ الصُّورَةِ هُوَ دَأْبُ الْأَئِمَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَدَبَّرَ كُتُبَهُمْ فَإِنْ قُلْت: لِمَ جَرَى فِي صُورَةِ الْبَحْرِ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَلَمْ يَجُزْ فِيهَا قَبْلَهَا إلَّا وَجْهَانِ قُلْت: يُوَجَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّ تَعْيِينَ ثَمَنِ الْأَقْفِزَةِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ قَصْدُهُ إلَّا التَّصَدُّقُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّدَقَةِ مَطْلُوبَةٌ أَصَالَةً فَجَرَى ذَلِكَ الْوَجْهُ بِالتَّصَدُّقِ بِالزَّائِدِ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ عَلَى حَجَّةِ الْفَرْضِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْغَيْرِ كَمَا هُوَ شَأْنُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لَوْلَا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ وَجْهٌ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةً أُخْرَى بِالزَّائِدِ فَتَأَمَّلْهُ تَعْلَمْ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ حَاوَلَ تَخْرِيجَ وَجْهٍ مِنْ مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ إلَى الْحَجِّ ثُمَّ رَأَيْتنِي ذَكَرْت جَوَابَ مَا فِي السُّؤَالِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِمَا يُوَافِقُ مَا قَدَّمْته لَكِنْ مُقَيَّدًا، وَعِبَارَتِي فِيهِ فَرَّعَ عَيْنُ الْمُوصِي مِقْدَارًا لِلْحَجِّ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فَاسْتَأْجَرَ الْوَصِيُّ لِلْحَجِّ بِدُونِهِ فَاَلَّذِي يَحُثُّهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَصَاحِبُ الْوَافِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُوصِي إنْ كَانَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ كَانَ الْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ لِلْأَجِيرِ، وَيَكُونُ وَصِيَّةً لَهُ، وَيُوَافِقُهُ مَا صَحَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَالسُّبْكِيُّ مِنْ أَنَّهُ فِي هَذَا، وَفِيمَا لَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي رَجُلًا بِأَلْفٍ، فَيَحُجُّ عَنْهُ بِالْأَلْفِ، وَيَكُونُ الزَّائِدُ وَصِيَّةً فَإِنْ عَيَّنَ مِقْدَارًا أَوْ شَخْصًا وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ صُرِفَ إلَيْهِ إنْ احْتَمَلَ الثُّلُثُ الزِّيَادَةَ وَلَمْ يَكُنْ وَارِثًا، وَإِلَّا لَمْ يَصْرِفْ إلَيْهِ الزَّائِدَ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَهِيَ لَهُ مُمْتَنِعَةٌ، فَيَحُجُّ عَنْهُ الْمُعَيَّنُ إنْ رَضِيَ، وَإِلَّا فَغَيْرُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْرُ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَرَضِيَ غَيْرُهُ بِدُونِهِ وَلَمْ يَرْضَ هُوَ أُجِيبَ غَيْرُهُ قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَرَّعَ وَاحِدٌ بِالْحَجِّ، وَنَظَرَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الْمَذْكُورِ بِالْمَالِ وَلِهَذَا جَعَلَ الزَّائِدَ وَصِيَّةً لَهُ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ هَذَا أَيْ: كَلَامُ الْقَاضِي إذَا عُيِّنَ الْمَالُ فَقَطْ اهـ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الْغَرَضُ فِي التَّخْصِيصِ إلَّا عِنْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا فَلَيْسَ هُنَاكَ كَبِيرُ غَرَضٍ حَتَّى يَنْظُرَ إلَيْهِ فَقُدِّمَ حَقُّ الْوَرَثَةِ الْمُحَقَّقُ عَلَى حَقِّ الْمُعَيَّنِ الْمُحْتَمَلِ لَأَنْ يَكُونَ عَيْنُهُ لِقَصْدِ إيثَارِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَأَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً انْتَهَتْ، وَفِيهَا فَوَائِدُ، وَأَوَّلُهَا مُوَافِقٌ لِمَا أَفْتَيْت بِهِ فِيمَا مَرَّ لَكِنْ فِيهَا زِيَادَةُ قَيْدٍ وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ وَصِيَّةً يَسْتَحِقُّهَا، وَإِنْ أُوجِرَ بِدُونِهَا أَنْ يَزِيدَ ذَلِكَ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ قَبْلَ الِاسْتِئْجَارِ، فَيَسْتَأْجِرُ عَنْهُ بِمَا عَيَّنَهُ الْمَيِّتُ مُطْلَقًا وَهَذَا الَّذِي فِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِصُورَةِ السُّؤَالِ فِيمَا إذَا وَقَعَ الِاسْتِئْجَارُ بِأَقَلَّ مِمَّا عَيَّنَهُ الْمَيِّتُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَلَا غَرَضَ فِي تَعْيِينِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَزِيدَ فَلَهُ غَرَضٌ فِي التَّعْيِينِ، فَيَكُونُ الزَّائِدُ
стр. 980
وَصِيَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُعَيَّنَ إذَا اُسْتُؤْجِرَ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَهُوَ قَضِيَّةُ مَا مَرَّ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ، وَغَيْرِهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِيمَا مَرَّ
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِنِصْفِهِ وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ وَلِآخَرَ بِرُبُعِهِ وَلِآخَرَ بِخُمُسِهِ وَلِآخَرَ بِسُدُسِهِ وَلِآخَرَ بِسُبُعِهِ وَلِآخَرَ بِثُمُنِهِ وَلِآخَرَ بِتُسْعِهِ وَلِآخَرَ بِعُشْرِهِ، وَأَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ فَمِنْ كَمْ تَصِحُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَإِنْ زَادَتْ الْوَصَايَا عَلَى الْمَالِ بِأَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ وَلِعَمْرٍو بِثُلُثِهِ فَإِنْ أَجَازُوا فَقَدْ عَالَتْ الْمَسْأَلَةُ إلَى أَرْبَعَةٍ لِزَيْدٍ ثَلَاثَةٌ وَلِعَمْرٍو سَهْمٌ، وَإِنْ رَدُّوا قَسْمَ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَتَكُونُ قِسْمَةُ الْوَصِيَّةِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلِعَمْرٍو بِثُلُثِهِ وَلِبَكْرٍ بِرُبُعِهِ قُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا إنْ أَجَازُوا، وَإِلَّا قُسِمَ ثُلُثُهُ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ اهـ.
وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّك تَفْرِضُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِزَيْدٍ مَا تَصِحُّ مِنْهُ تِلْكَ الْكُسُورُ وَهُوَ أَلْفَانِ وَخَمْسُ مِائَةٍ وَعِشْرُونَ ثُمَّ تَزِيدُ عَلَيْهَا تِلْكَ الْكُسُورُ فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ مِنْ سَبْعَةِ آلَافٍ، وَثَلَاثِ مِائَةٍ، وَأَحَدٍ وَثَمَانِينَ لِزَيْدٍ أَلْفَانِ وَخَمْسِ مِائَةٍ وَعِشْرُونَ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ أَلْفٌ، وَمِائَتَانِ وَسِتُّونَ، وَبِالثُّلُثِ ثَمَانِ مِائَةٍ، وَأَرْبَعُونَ، وَبِالرُّبْعِ سِتُّ مِائَةٍ وَثَلَاثُونَ، وَبِالْخُمُسِ خَمْسُ مِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ، وَبِالسُّدُسِ أَرْبَعُ مِائَةٍ وَعِشْرُونَ، وَبِالسُّبْعِ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ، وَبِالثُّمُنِ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَبِالتُّسْعِ مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ، وَبِالْعُشْرِ مِائَتَانِ، وَاثْنَانِ وَخَمْسُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ وَكَانَ فِي جِيرَانِهِ مَسْجِدٌ هَلْ يَكُونُ كَدَارٍ، فَيَسْتَحِقُّ نَصِيبَهَا مَنْ يَسْكُنُهَا أَوْ يَكُونُ نَصِيبُهَا لَهَا، وَيَعْمَلُ النَّاظِرُ فِيهِ بِالْأَهَمِّ مِنْ عِمَارَتِهَا كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهَا فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّهُ كَدَارٍ، وَيَكُونُ نَصِيبُهَا لِمَنْ يَسْكُنُهَا وَلَمْ يَسْكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَمَا الْحُكْمُ فِيهِ أَوْ لَا يَكُونُ كَدَارٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ يُحْسَبُ مِنْ جُمْلَةِ الدُّورِ الَّتِي هِيَ مِائَةٌ وَسِتُّونَ مَجْمُوعُ أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَنَّ مَا يَخُصُّهُ يُصْرَفُ لِمَصَالِحِهِ لَا لِسُكَّانِهِ لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ حُرٌّ يَمْلِكُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى لِوَارِثِهِ ثُمَّ قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَقَفَ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصَى بِهِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ الْمُحْتَاجِ إلَى إجَازَتِهِمْ يَصِحُّ فِي حِصَّةِ الْوَارِثِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِمَا يَخْتَصُّ بِإِجَازَتِهِ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ لِمُقَدَّمَةٍ هِيَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْإِجَازَةَ مِنْ الْوَارِثِ تَنْفِيذٌ لِإِعْطَاءِ الْمَيِّتِ لَا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ الْوَارِثِ فَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ إلَى قَبُولٍ ثَانٍ وَلَيْسَ لِلْمُجِيزِ الرُّجُوعُ عَنْ إجَازَتِهِ، وَلَوْ لِوَلَدِهِ، وَبِالْإِجَازَةِ وَقَبُولِهِ الْوَصِيَّةَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَلَكَ الْوَصِيَّةَ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا فَتَكُونُ لَهُ فَوَائِدُهَا مِنْ حِينَئِذٍ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ وَقْفَ الْوَارِثِ لِمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مُوَرِّثُهُ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَقَبُولُهُ الْوَصِيَّةَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَإِنْ أَجَازُوا كُلُّهُمْ بَانَ أَنَّهُ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ كُلِّهِ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّ وَقْفَهُ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ وَقَفَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ أَنَّهُ عِنْدَ الْوَقْفِ كَانَ مَيِّتًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ صِحَّةَ وَقْفِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِجَازَةِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقِفَ عَلَى وَارِثٍ تُعْتَبَرُ إجَازَتُهُ أَمْ لَا؟
فَإِذَا وَقَفَ عَلَى وَارِثٍ تُعْتَبَرُ إجَازَتُهُ، اُشْتُرِطَ لِتَبَيُّنِ صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْإِجَازَةِ مِنْهُ، وَمِنْ غَيْرِهِ إنْ وُجِدَ بِاللَّفْظِ كَأَجَزْتُ أَوْ أَمْضَيْت لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِمُجَرَّدِ الرِّضَا مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ فَإِذَا أَجَازَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وَغَيْرَهُ بَانَتْ صِحَّةُ الْوَقْفِ الْمُوصَى بِهِ كُلِّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَدَّ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ هُوَ مَعَ غَيْرِهِ صَحَّ الْوَقْفُ فِيمَا يَمْلِكُهُ الْوَاقِفُ بِالْإِرْثِ، وَفِي حِصَّةِ الْمُجِيزِ دُونَ حِصَّةِ الرَّادِّ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا قَرَّرْته، وَمَا أَشَارَ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إلَى الْقِيَاسِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ بَيْعَ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى لَفْظِ فَكِّ الرَّهْنِ مِنْهُ بِأَنْ مِلْكَ الرَّاهِنِ هُنَاكَ تَامٌّ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ لِلْمُرْتَهِنِ بِهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ فَقَطْ فَكَانَ قَبُولُهُ لِبَيْعِهِ مُتَضَمِّنًا لِفَكِّ تِلْكَ الْوَثِيقَةِ، وَانْحِلَالِهَا فَلَا يَحْتَجْ مَعَهُ إلَى غَيْرِ قَبُولِ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْوَارِثِ هُنَا فَإِنَّ حَقَّهُ فِي مِلْكِ عَيْنِ الْمُوصَى بِهِ لِغَيْرِهِ فَكَانَ حَقُّهُ أَقْوَى فَتَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ عَلَى تَصْرِيحِهِ بِالْإِجَازَةِ وَلَمْ
стр. 981
يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ رِضَاهُ أَوْ فِعْلِهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ قُوَّةَ تَعَلُّقِهِ بِمِلْكِ رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ اقْتَضَى أَنْ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ الْأَقْوَى وَلَا يُزِيلُهُ إلَّا بِمَا يُمَاثِلُهُ فِي الْقُوَّةِ وَهُوَ اللَّفْظُ
لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ التَّأْوِيلَ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ أَوْ الرِّضَا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ بَاعَ الْوَارِثُ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصَى بِهِ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ أَيْضًا وَقَبِلَهُ لَمْ يَكْتَفِ بِقَبُولِهِ عَنْ التَّصْرِيحِ بِالْإِجَازَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ لَفْظِهَا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَلَوْ بَعْدَ قَبُولِ الْبَيْعِ فَإِذَا وُجِدَ بَانَتْ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَصِحَّةُ قَبُولِهِ فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ هَذَا، وَالرَّهْنُ، وَإِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا أَشَارَ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَهُمْ
وَأَحَاطَ بِمُدَارِكِهِمْ عَلَى وَجْهِهَا فَإِنْ قُلْت: قَدْ اكْتَفَوْا فِي إجَازَةِ خِيَارِ الْبَيْعِ بِمُجَرَّدِ قَبُولِ الشِّرَاءِ أَوْ إيجَابِهِ فَلِمَ لَا يَكُونُ مَا هُنَا كَذَلِكَ قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا، وَذَاكَ وَاضِحٌ فَإِنَّ الْإِجَازَةَ ثَمَّ بِالْفِعْلِ كَافِيَةٌ وَهُنَا لَا يُكْتَفَى إلَّا بِاللَّفْظِ، وَأَيْضًا فَالشَّرْطُ هُنَا وُقُوعُ حَقِيقَةِ الْإِجَازَةِ، وَأَمَّا ثَمَّ فَالشَّرْطُ لِلُزُومِ عَدَمِ الْفَسْخِ إذْ لَوْ مَضَى زَمَنُ الْخِيَارِ وَلَمْ يُفْسَخْ وَلَمْ يُجَزْ لَزِمَ الْعَقْدُ فَعُلِمَ أَنَّ مَلْحَظَ الْإِجَازَةِ ثَمَّ غَيْرُ مَلْحَظِهَا هُنَا فَلَا يُقَاسُ مَا هُنَا بِمَا هُنَاكَ، وَنَحْوِهِ ثُمَّ رَأَيْت الْقَمُولِيَّ نَقَلَ فِي جَوَاهِرِهِ فِي آخِرِ بَابِ الصَّدَاقِ عَنْ الْأَصْحَابِ مَا قَدْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ قَبُولَ الْوَارِثِ الْوَقْفَ أَوْ الْبَيْعَ أَوْ نَحْوَهَا لَا يَكُونُ إجَازَةً، وَعِبَارَتُهُ قَالَ الْمُتَوَلِّي لَوْ وَهَبَ مَرِيضٌ مَالًا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَسَلَّمَهُ لَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ الْوَارِثِ، وَسَلَّمَهُ ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ أَيْ: وَرَدَّ الْوَارِثُ فَهَلْ يَغْرَمُ الْمُوصَى لَهُ قِيمَتَهُ لِلْوَارِثِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَطْلَقَ وَجْهَيْنِ كَهِبَةٍ مِنْ الزَّوْجِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَقْتَ الْهِبَةِ وَلِهَذَا لَوْ تَصَرَّفَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْمَالِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَلَهُ أَيْ: الْوَارِثُ نَقْضُ تَصَرُّفِهِ فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ جُعِلَ كَأَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَكُنْ، وَحَقُّ الزَّوْجِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّدَاقِ عِنْدَ الْهِبَةِ فَنَفَذَ التَّصَرُّفُ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَتْ لَمْ يَجُزْ لِلزَّوْجِ نَقْضُهُ، وَالْعَوْدُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الصَّدَاقِ انْتَهَتْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ اهـ.
فَتَأَمَّلْ تَحْوِيرَهُمْ الرَّدَّ لِلْوَارِثِ بَعْدَ قَبُولِ الْهِبَةِ وَقَبْضِهِ مِنْ الْمُوصَى لَهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا لَوْلَا فَرْضُهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ تَصْوِيرٌ لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ تَيْنِك الطَّرِيقَتَيْنِ يَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي أَنَّ هَذَا الْقَبُولَ، وَالْقَبْضَ لَيْسَا إجَازَةً، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ كَمَا مَرَّ وَهَذَا عَيْنُ مَا قَدَّمْته أَنَّ قَبُولَ الْوَارِثِ لِلْوَقْفِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ الْمُوصَى لَهُ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ لَا يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِإِجَازَتِهِ بَلْ لَهُ الرَّدُّ بَعْدَهُ، وَمَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ الْوَجْهُ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُنَا، وَالصَّدَاقُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الزَّوْجَةَ قَبْلَ الطَّلَاقِ تَمْلِكُ الصَّدَاقَ مِلْكًا تَامًّا حَقِيقِيًّا فَصَحَّ تَصَرُّفُهَا فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ بَعْدَ الْفِرَاقِ فَإِذَا وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ فَارَقَهَا كَانَتْ مُتْلِفَةً لَهُ قَبْلَ الْفِرَاقِ فَرَجَعَ عَلَيْهَا بِبَدَلِهِ، وَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَهُوَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ مِنْ الْوَارِثِ لَا مِلْكَ لَهُ تَامٌّ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْوَارِثِ نَقْضَ تَصَرُّفِهِ فَإِذَا تَصَرَّفَ، وَلَوْ مَعَ الْوَارِثِ بِالْهِبَةِ لَهُ أَوْ الْوَقْفِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَإِنْ أَجَازَ بِأَنْ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ وَصِحَّةُ الْوَصِيَّةِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ أَيْضًا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته قَوْلُ الْقَفَّالِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَيْ: إنَّ إجَازَةَ الْوَارِثِ تَنْفِيذٌ أَوْ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ تَجُوزُ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ، وَالتَّنْفِيذ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِهِبَةٍ مَحْضَةٍ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاوِي اهـ.
فَعَلِمْنَا مِنْ كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَمَدٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الضَّعِيفُ أَنَّ الْإِجَازَةَ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهَا هِبَةٌ لَكِنَّهَا غَيْرُ مَحْضَةٍ، وَإِذَا كَانَ فِيهَا ذَلِكَ اتَّضَحَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ اللَّفْظِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي الْفِعْلُ نَظَرًا إلَى شَائِبَةِ الْهِبَةِ فَإِنَّ لِلْوَارِثِ حَقًّا فِيمَا نَفَّذَهُ فَكَأَنَّهُ بِإِجَازَتِهِ وَهَبَهُ ذَلِكَ الْحَقَّ فَكَانَتْ إجَازَتُهُ مُتَضَمِّنَةً لِلْهِبَةِ فَاتَّضَحَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهَا الْفِعْلُ كَالْهِبَةِ وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّ الْإِجَازَةَ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا تَنْفِيذٌ تَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ اهـ.
وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِيمَا ذَكَرْته؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اللَّفْظِ وَلَا يَكْفِي الْفِعْلُ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ حَيْثُ قَالَ إنَّهَا إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْوَارِثِ عَنْ مَالِ الْمَيِّتِ
стр. 982
فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ كَالْإِبْرَاءِ وَقَدْ جَرَى الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالُوا: لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ مَعَ الْجَهْلِ بِمِقْدَارِ مَا أَجَازَهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ لِأُنَاسٍ مُعَيَّنِينَ عَشْرَ سِنِينَ لِيَكُونَ بَعْدَ الْعَشْرِ الْأَصْلُ، وَالشَّجَرُ مِلْكًا لِإِنْسَانٍ هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ ، وَبَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي يَكْفِي قَبُولُ الْمُوصَى لَهُمْ بِالرَّقَبَةِ قَبْلَ مَوْتِ مَنْ لَهُمْ ثَمَرَةُ الْبُسْتَانِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا قَالَ: أَوْصَيْت بِثَمَرَةِ بُسْتَانِي لِفُلَانٍ أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّهَا يَكُونُ الْأَصْلُ، وَالثَّمَرَةُ لِفُلَانٍ صَحَّتْ الْوَصِيَّتَانِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ اسْتَخْدِمُوا عَبْدِي سَالِمًا بَعْدَ مَوْتِي سَنَةً ثُمَّ أَعْطُوهُ فُلَانًا أَوْ ثُمَّ أَعْتِقُوهُ صَحَّ وَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِمْ خِدْمَةُ السَّنَةِ لِاسْتِعْمَالِهِمْ مِلْكَهُمْ، وَتُقَوَّمُ بَعْدَهَا وَقَوْلُهُمْ: لَوْ قَالَ: إلَّا وَلَدَتْ دَابَّتِي ذَكَرًا فَهُوَ لِزَيْدٍ أَوْ أُنْثَى فَهِيَ لِعَمْرٍو صَحَّ، وَاتُّبِعَ مَا قَالَهُ فَإِنْ وَلَدَتْهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبَيْنِ أُعْطِيَ الذَّكَرُ لِزَيْدٍ، وَالْأُنْثَى لِعَمْرٍو وَقَوْلُهُمْ: لَوْ أَوْصَى لِصَبِيٍّ بِشَيْءٍ وَقَالَ: لَا تُعْطُوهُ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ لَمْ يُعْطَ حَتَّى يَبْلُغَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقُوهُ بَعْدَ مَوْتِي بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَوْلُهُمْ: لَوْ أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ عَبْدِهِ لِزَيْدٍ، وَبِرَقَبَتِهِ لِعَمْرٍو جَازَ فَإِنْ رَدَّ عَمْرٌو فَهَلْ تَعُودُ الْمَنْفَعَةُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ أَوْ لِلْوَارِثِ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ الثَّانِي وَقَوْلُهُمْ لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ مِنْ أُجْرَةِ دَارِهِ مَثَلًا كُلَّ سَنَةٍ بِدِينَارٍ ثُمَّ جَعَلَهُ بَعْدَهُ لِوَارِثِ زَيْدٍ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ جَازَ وَقَوْلُهُمْ: لَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ رَقِيقِهِ بَعْدَ خِدْمَةِ زَيْدٍ سَنَةٍ جَازَ وَلَا يُعْتَقُ قَبْلَ السَّنَةِ سَوَاءٌ أَرَدَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ الْوَصِيَّةَ أَمْ قَبِلَهَا، وَوَجْهُ دَلَالَةِ هَذِهِ النُّقُولُ عَلَى مَا ذَكَرْته أَنَّ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى لَا نِزَاعَ وَلَا تَوَقُّفَ فِيهَا لِإِطْبَاقِ الْأَئِمَّةِ عَلَى صِحَّتِهَا، وَإِنَّمَا التَّوَقُّفُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِمُضِيِّ الْأُولَى وَقَدْ عَلِمْتَ مِنْ كَلَامِهِمْ الْمَذْكُورِ، وَمِنْ غَيْرِهِ أَنَّ التَّعْلِيقَ، وَالْجَهْلَ، وَالْإِبْهَامَ لَا يَضُرُّ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْجَهَالَاتِ، وَالْأَخْطَارِ تَوْسِعَةً لِلْإِنْسَانِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ أَنْ يَسْتَبْقِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يَفُوزُ بِثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَإِذَا لَمْ يَضُرَّ فِيهَا التَّعْلِيقُ، وَالْجَهْلُ، وَالْإِبْهَامُ، وَالْإِخْطَارُ فَالْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ فِي صُورَتِنَا صَحِيحَةٌ
وَإِنْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِمُضِيِّ الْأُولَى لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ التَّعْلِيقَ مُغْتَفَرٌ فِي الْوَصِيَّةِ، وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّتِهَا فَالرَّقَبَةُ مُدَّةَ السِّنِينَ الْعَشْرِ الَّتِي هِيَ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى مِلْكٌ لِلْوَارِثِ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا كَمَا صَرَّحُوا بِنَظِيرِهِ لِتَعَلُّقِ الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ بِهَا، وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْبُسْتَانِ الْمَذْكُورِ جَمِيعِهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ حَكَمْنَا بِمِلْكِ الْوَارِثِ لِلرَّقَبَةِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ خَالِيَةً عَنْ الْمَنْفَعَةِ كَلَا مِلْكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ ثُمَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَيْضًا أَنَّهُ يَصِحُّ قَبُولُ الْمُوصَى لَهُمْ بِالرَّقَبَةِ، وَالثَّمَرَةِ عَقِبَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَإِنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُمْ مُنْتَظَرًا أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْقَبُولَ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالْمَوْتِ فَإِنْ قُلْت: كَلَامُهُمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَا سَتَحْمِلُهُ هَذِهِ الْأَمَةُ لَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ لِلْوَصِيَّةِ قَبْلَ الْحَمْلِ، وَبَعْدَهُ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ، فَيَصِحُّ قُلْت: فَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ هَذِهِ، وَمَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ مَوْجُودٌ فِيهَا بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمْلِ، وَالْمَعْدُومُ لَا يَصِحُّ قَبُولُهُ بِخِلَافِ الْمَوْجُودِ وَتَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ لَا يُصَيِّرُهُ كَالْمَعْدُومِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي بِخَمْسِينَ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فَاسْتَأْجَرَ الْوَارِثُ بِدُونِ الْخُمُسَيْنِ فَالْفَاضِلُ لِمَنْ هُوَ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِح.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هُوَ لِلْوَرَثَةِ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ عَنْهُ وَارِثٌ أَوْ أَجْنَبِيٌّ بِالْحَجِّ فَإِنَّ الْمُعَيَّنَ كُلَّهُ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُخْرِجَ عَنْهُمْ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِذَا تَعَذَّرَ صَرْفُهُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ رَجَعَ إلَيْهِمْ عَلَى الْأَصْلِ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ لِذَلِكَ نَظَائِرَ مِنْهَا مَا فِي الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ حِنْطَةً جَيِّدَةً بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا فَكَانَ ثَمَنُهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا يَرُدُّ الْمِائَةَ لِلْوَرَثَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا وَصِيَّةٌ، وَالثَّالِثُ يَشْتَرِي بِهَا حِنْطَةً بِهَذَا السِّعْرِ، وَيَتَصَدَّقُ بِهَا قَالَ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى ثَرَاهُ:، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ أَعْتِقُوا عَنِّي بِثُلُثِي رِقَابًا فَفَضَلَ مِنْ ثُلُثِهِ عَنْ أَنْفَسِ رَقَبَتَيْنِ شَيْءٌ أُعْطِيَ هَذَا الْفَاضِلُ لِلْوَرَثَةِ لِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ فِيهِ وَقَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي بِثُلُثِي صُرِفَ ثُلُثُهُ إلَى مَا يُمْكِنُ مِنْ حَجَّةٍ أَوْ حَجَّتَيْنِ فَصَاعِدًا فَإِنْ فَضَلَ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَجَّ بِهِ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ يُوفِ ثُلُثُهُ بِحَجَّةٍ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَكَذَا لَوْ قَالَ حُجُّوا مِنْ ثُلُثِي بِمِائَةٍ
стр. 983
فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَحُجُّ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَيَعُودُ إرْثًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا يَعُودُ إلَى الثُّلُثِ وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَيُتَصَدَّقُ بِهَا عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي بِثُلُثِي حَجَّةً صُرِفَ إلَى حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ فِي الْحَاوِي: سَوَاءٌ سَمَّى مَنْ يَحُجُّ أَمْ لَا؟ ثُمَّ إنْ كَانَ الثُّلُثُ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِلْحَجِّ عَنْهُ الْوَارِثَ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فَوَجْهَانِ فِي الْإِبَانَةِ أَحَدُهُمَا لَا يُحَجُّ عَنْهُ إلَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ
وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَالثَّانِي يُصْرَفُ الْجَمِيعُ لِلْحَجَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ بِأَلْفٍ فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الْأُجْرَةِ أَوْ أَقَلَّ أَعْطَى لَهُ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْأُجْرَةِ أَعْطَى لَهُ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَإِنْ كَانَ وَارِثًا، وَرَضِيَ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ أُعْطِيه، وَرُدَّ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ اُسْتُؤْجِرَ غَيْرُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَالْبَاقِي يَعُودُ إرْثًا، فَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ وَكَذَا لَوْ تَطَوَّعَ شَخْصٌ جَازَ، وَرُدَّ الْكُلُّ لِلْوَرَثَةِ وَلَمْ يَجُزْ اسْتِئْجَارُ الْمُعَيَّنِ هَذَا فِي الْفَرْضِ أَمَّا النَّفَلُ فَإِنْ امْتَنَعَ الْمُعَيَّنُ فَفِي جَوَازِ حَجِّ غَيْرِهِ عَنْهُ وَجْهَانِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْوَصِيُّ زَيْدًا الْمُعَيَّنَ بِخَمْسِ مِائَةٍ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُسْتَأْجَرُ بِالْوَصِيَّةِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا، وَفِي الْحَاوِي مَا يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ إذَا أَوْصَى بِشِرَاءِ عَبْدِ زَيْدٍ بِأَلْفٍ، وَبِعِتْقِهِ عَنْهُ فَاشْتَرَاهُ بِخَمْسِ مِائَةٍ
وَأَعْتَقَهُ، وَالْبَائِعُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَ يُسَاوِي أَلْفًا فَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ أَيْ:؛ لِأَنَّهُ لَا مُحَابَاةَ فَلَا وَصِيَّةَ فَإِذَا رَضِيَ الْبَائِعُ بِدُونِ الثَّمَنِ صَحَّ الْبَيْعُ وَتَعَيَّنَ الْفَاضِلُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ يُسَاوِي خَمْسَ مِائَةٍ فَالْبَاقِي لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لَهُ، وَإِنْ سَاوَى سَبْعَ مِائَةٍ فَلِلْوَارِثِ مِائَتَانِ إذْ لَا وَصِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَلِلْبَائِعِ ثَلَاثُ مِائَةٍ؛ لِأَنَّهَا الْقَدْرُ الْمُوصَى بِهِ إذْ هُوَ الزَّائِدُ عَلَى ثَمَنِهِ وَهُوَ السَّبْعُ مِائَةِ اهـ.
، وَمَا بَحَثَهُ فِي الْكِفَايَةِ فِي الْمُعَيَّنِ وَخَرَّجَهُ عَلَى كَلَامِ الْحَاوِي الْمَذْكُورِ ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ أَيْضًا وَخَرَّجَهُ عَلَى كَلَامِ الْحَاوِي الْمَذْكُورِ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ فَإِنَّ الَّذِي فِيهَا فِيمَا إذَا عَيَّنَ الْمُوصَى لَهُ، وَاَلَّذِي فِيهِ فِيمَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَقَعَ فِي الْفَتَاوَى فِي زَمَانِنَا أَنَّ شَخْصًا أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَرْبَعِ مِائَةٍ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فَاسْتَأْجَرَ أَمِينُ الْحَاكِمِ شَخْصًا لِلْحَجِّ عَنْهُ بِثَلَاثِ مِائَةٍ، وَأَفْهَمَهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُوصَى بِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُسْتَأْجِرُ صُورَةَ الْحَالِ فَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَالُ فَطَلَبَ الْمِائَةَ الزَّائِدَةَ فَاقْتَضَى النَّظَرُ بَعْد إمْعَانِ الْفِكْرِ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُوصَى بِهِ إنْ كَانَ قَدْرَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَذِكْرُهُ لَيْسَ لِغَرَضٍ فِيهِ بَلْ لِأَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَتَصِحُّ الْإِجَازَةُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ الْمِائَةَ الْفَاضِلَةَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَأَنْ كَانَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ثَلَاثَ مِائَةٍ اسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ الْمِائَةَ الزَّائِدَةَ ثُمَّ أَيَّدَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ الْمَاوَرْدِيُّ كَمَا مَرَّ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْكِفَايَةِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ عَقِبَ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَا وَقَعَ فِي نَفْسِي صِحَّتُهُ لَا لِأَجْلِ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ ذَلِكَ وَصِيَّةٌ لَهُ فَإِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ غَيْرُ وَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ، وَإِنْ كَانَ تَبَرُّعًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهُ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ، وَالتَّبَرُّعُ فِي ضِمْنِ الْعَقْدِ لَا يُفْرَدُ عَنْ الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِمُحَابَاةٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَاتَّفَقَ رَدُّ الْوَرَثَةِ الثَّمَنَ بِعَيْبٍ لَا يَبْقَى قَدْرَ الْمُحَابَاةِ مِنْ الْمَبِيعِ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي
لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ قَدْ انْفَسَخَ فَلَا يُفْرَدُ بِالْحُكْمِ فَكَذَا نَقُولُ إذَا وَقَعَ الثَّمَنُ بِخَمْسِ مِائَةٍ وَصَحَّ بَطَلَ الْقَدْرُ الزَّائِدُ مِنْ الْمُحَابَاةِ عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ وَلَكِنَّهُ أَيْ: الْمَاوَرْدِيُّ قَدْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُنَا بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ جَمِيعَ الْخَمْسِ مِائَةِ الْفَاضِلَةِ لِلْبَائِعِ كَيْفَ كَانَ الْحَالُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنْ يَكُونَ مَأْخَذًا لِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي عَلَى مَا عَلَيْهِ نُفَرِّعُ أَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِئْجَارِ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ غَرَضِ تَحْسِينِ الْأَجِيرِ الْحَجَّ، وَفِي الِاسْتِئْجَارِ بِدُونِهِ مُخَالَفَةٌ لِلْإِذْنِ، وَتَفْوِيتٌ لِغَرَضِ الْمُوصِي فَلَا يَصِحُّ لَكِنَّ الْحَجَّ وَقَعَ عَنْ الْمَيِّتِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَاسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ الْقَدْرَ الْمُوصَى لَهُ بِهِ مَعَ زِيَادَتِهِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ جَعَلَ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ فَاسْتَحَقَّ بِمُقْتَضَى الْوَصِيَّةِ اهـ.
كَلَامُ الْمَطْلَبِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مُتَّجَهٌ، وَمِنْ الْقِيَاسِ عَلَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي مُوصًى لَهُ مُعَيَّنٍ وَكَلَامُ الْمَطْلَبِ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا لَكِنْ آلَ كَلَامُ الْمَطْلَبِ إلَى
стр. 984
أَنَّهُ لَا يُرْتَضَى الْقِيَاسُ عَلَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِنَّمَا يُلْحَظُ اسْتِحْقَاقُ الْحَاجِّ لِلْمُعَيَّنِ كُلِّهِ حَيْثُ زَادَ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فَعَلَيْهِ إنْ كَانَتْ الْخَمْسُونَ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ أُجْرَةَ مِثْلِ الْحَجِّ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمَيِّتُ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمِيقَاتِ فَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَالْبَاقِي لِلْمُوصَى لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِمْ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ دَخَلَ الْقَرِيبُ الْوَارِثُ، وَتَبْطُلُ فِي قِسْطِهِ هَلْ تَبْطُلُ فِي قِسْطِ الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ أَوْ كُلِّ وَارِثٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ، وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ بِالْبُطْلَانِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إجَازَةُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ فَيُعَارَضُ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، وَأَنَّهَا تَصِحُّ بِالْإِجَازَةِ فَلَزِمَ إجَازَتُهُ لِنَفْسِهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْإِشْكَالِ أَبْدَيْتُ قَرِيبًا مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ حَتَّى وَارِثُهُ عَلَى الْمُرَجَّحِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالْمُهِمَّاتِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَبْطُلُ فِي نَصِيبِهِمْ لِتَعَذُّرِ إجَازَتِهِمْ لِنَفْسِهِمْ، وَيَصِحُّ الْبَاقِي لِغَيْرِهِمْ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْوَارِثُ عَلَى هَذَا لَمْ يَبْطُلْ جَمِيعُ نَصِيبِهِ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى إجَازَةِ نَفْسِهِ خَاصَّةً، وَحِينَئِذٍ يَنْتُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ الْإِجَازَةَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَدْخُلَ، وَيُعْطَى نَصِيبَهُ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِأَهْلِهِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِمَا هُنَا فِي تِلْكَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَوْ يَدْخُلُ، وَيَبْطُلُ نَصِيبُهُ وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ الْوَارِثُ بِقَرِينَةِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوصَى لَهُ عَادَةً وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْحَاوِي، وَالْمُصَنِّفُ فِي رَوْضِهِ قَبْلُ، وَأَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ، وَأَصْلُهَا انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَلَك أَنْ تَمْنَعَ تِلْكَ الْمُعَارَضَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ، وَتُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُنَا، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ بِأَنَّ الْمُوصِيَ هُنَا عَلَّقَهَا بِاسْمِ قَرِيبِهِ الشَّامِلِ لِوَرَثَتِهِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَنُصَّ الْمُوصِي عَلَى خُصُوصِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْأَئِمَّةِ حِينَئِذٍ فِي أَنَّ ذَلِكَ الشُّمُولَ مَنْظُورٌ إلَيْهِ أَوْ لَا؟
فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مَنْظُورٌ إلَيْهِ وَهُمْ الْقَوْمُ الْمُصَحِّحُونَ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ إلَى عُمُومِ الْقَرَابَةِ فَقَالَ بِدُخُولِهِ ثُمَّ لَمَّا حَقَّقَ النَّظَرَ قَالَ بِعَدَمِ إعْطَائِهِ لِتَعَذُّرِ إجَازَتِهِ لِنَفْسِهِ أَيْ: فِي هَذَا الْغَرَضِ بِخُصُوصِهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ إلَى مُرَادِ الْمُوصِي الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَهُوَ بِرُّهُ لِمَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي إرْثِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ مُرَادُهُ، فَيَتَعَذَّرُ إعْطَاءُ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ لَتَوَقَّفَ عَلَى إجَازَتِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ أَجَازَ لِنَفْسِهِ لَأَخَذَ مِنْ حَيْثُ إجَازَتِهِ؛ لِأَنَّهَا السَّبَبُ الْقَرِيبُ لَا مِنْ حَيْثُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا سَبَبٌ بَعِيدٌ فَكَانَ فِي أَخْذِهِ مُنَافَاةٌ لِغَرَضِ الْمُوصِي، وَأَمَّا الْمُوصَى لِلْوَارِثِ بِخُصُوصِهِ فَلَمْ يُعَلَّقْ بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنَّهُ مَعَ قِيَامِ وَصْفِ الْإِرْثِ بِهِ يَأْخُذُ فَكَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يُجِيزَ، وَيَأْخُذَ فَلَمْ يَكُنْ فِي أَخْذِهِ بَعْدَ إجَازَتِهِ مُنَافَاةً لِغَرَضِ الْمُوصِي عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَإِنَّا لَا نَعْتَبِرُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ الْإِجَازَةَ إلَّا إذَا كَانَ مَعَهُ وَرَثَةٌ غَيْرَهُ فَإِذَا أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ لَهُ صَحَّتْ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ هُوَ، وَإِذَا رَدُّوهَا بَطَلَتْ، وَإِنْ أَجَازَ هُوَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ لِتَعَذُّرِ إجَازَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَا هُنَا فَاَلَّذِي مَعَهُ غَيْرُ وَرَثَةٍ وَهُمْ لَا تُعْتَبَرُ إجَازَتُهُمْ فَلَوْ أَعْطَيْنَاهُ لَصَحَّحْنَا الْوَصِيَّةَ لَهُ مَعَ انْفِرَادِهِ، وَوَقَفْنَاهَا عَلَى إجَازَتِهِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ فَالْمَوْضِعَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْوَارِثِ الْمُوصَى لَهُ غَيْرُهُ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ لِتَعَذُّرِ إجَازَتِهِ لِنَفْسِهِ، وَحَيْثُ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ صَحَّتْ إنْ أَجَازَهَا ذَلِكَ الْغَيْرُ، وَمَا قَالُوهُ هُنَا مِنْ صُوَرِ مَا إذَا كَانَ الْوَارِثُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ بِالْوَصِيَّةِ حِينَئِذٍ إذْ لَوْ أَخَذَ لَتَوَقَّفَ عَلَى إجَازَته لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ، وَإِجَازَته لِنَفْسِهِ مُتَعَذِّرَة فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ يَتَّضِحُ لَك أَنَّهُ لَا إشْكَالَ بَيْنَ مَا قَالُوهُ هُنَا مِنْ دُخُولِهِ نَظَرًا لِشُمُولِ اسْمِ الْقَرِيبِ لَهُ أَيْ: حَتَّى يُزَاحِمَ بَقِيَّةَ الْأَقَارِبِ، وَعَدَم إعْطَائِهِ لِتَعَذُّرِ إجَازَته لِنَفْسِهِ إذْ لَا وَارِثَ غَيْرُهُ
وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْوَارِثِ الْمُوصَى لَهُ وَارِثٌ آخَرُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَمَا قَالُوهُ ثَمَّ مِنْ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ الَّذِي مَعَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُهُ، وَتَوَقُّفِهَا عَلَى إجَازَتِهِمْ
(وَسُئِلَ) عَنْ تَزْوِيجِ الْأُمِّ الْمُوَلَّاةِ عَلَى أَوْلَادِهَا مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ هَلْ تَبْطُلُ وِصَايَتُهَا بِتَزْوِيجِهَا كَحَضَانَتِهَا.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ رَأَيْت مُعَلَّقًا
стр. 985
أَنَّهَا تَبْطُلُ وَلَمْ يُسْنِدْهُ الْمُعَلَّقُ إلَى أَحَدٍ وَهُوَ مُنْقَاسٌ غَيْرُ بَعِيدٍ فَإِنْ قِيلَ: لِلْوَصِيِّ التَّوْكِيلُ فِي الْبَيْعِ فَكَذَا قَيِّمُ الْحَاكِمِ قُلْنَا: وَإِنْ جَوَّزْنَا لَهَا التَّوْكِيلَ هِيَ مَشْغُولَةٌ بِحَقِّ الزَّوْجِ كَمَا أَنَّ الْحَاضِنَةَ تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا بِالتَّزْوِيجِ مَعَ إمْكَانِ أَنْ تَسْتَنِيبَ مَنْ يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ عَنْهَا اهـ.
، وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ إطْلَاقُهُمْ بَقَاءُ وِلَايَتِهَا مَعَ التَّزَوُّجِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ وَصِيَّةً أَوْ قَيِّمَةً مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ الْحَاضِنَةِ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْحَاضِنَةِ تَعَهُّدَ الْمَحْضُونِ، وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا، وَفِي مَحَلِّهَا، وَالتَّزَوُّجُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُشْغِلَ عَنْ هَذَا، وَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجُ بِإِقَامَةِ الْوَلَدِ بِمَحَلِّهِ فَذَلِكَ لَا يُوثَقُ بِهِ مِنْهُ غَالِبًا فَكَانَ التَّزَوُّجُ مُنَافِيًا لِمَقْصُودِ الْحَضَانَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَبَطَلَ بِهَا بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَقْصُودِ التَّصَرُّفِ عَنْ الْغَيْرِ بِنَحْوِ الْبَيْعِ لِسُهُولَةِ تَعَاطِيهَا لِذَلِكَ بِنَفْسِهَا وَهِيَ فِي بَيْتِهَا، وَتَوْكِيلِهَا مَعَ قِيَامِهَا بِجَمِيعِ حُقُوقِ الزَّوْجِ فَلَا مُزَاحَمَةَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّهَا تَشْتَغِلُ بِحُقُوقِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِلْأَوْلَادِ بِخِلَافِ الْحَضَانَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فَافْهَمْ ذَلِكَ وَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَكَثِيرُ الْوُقُوعِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ طَوِيلٌ بَيْنَ فُقَهَاءِ حَضْرَمَوْتَ وَلَمْ يَتَحَرَّرُوا مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمْ يُخَطِّئُ صَاحِبَهُ فَالْمَسْئُولُ مَزِيدُ تَحْرِيرِهَا، وَتَوْضِيحِهَا صُورَتُهَا شَخْصٌ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ، وَبِنْتٌ، وَأَوْلَادُ ابْنٍ مَيِّتٍ أَوْصَى لَهُمْ بِمِيرَاثِ أَبِيهِمْ لَوْ كَانَ حَيًّا أَوْ بِمِثْلِ مِيرَاثِ أَبِيهِمْ لَوْ كَانَ حَيًّا أَوْ قَالَ: هُمْ عَلَى مِيرَاثِ أَبِيهِمْ لَوْ كَانَ حَيًّا فَكَيْفَ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ فَهَلْ لِأَوْلَادِ الِابْنِ خُمُسَانِ؛ لِأَنَّهُ مِيرَاثُ أَبِيهِمْ أَوْ لَهُمْ سُبُعَانِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهَا، وَعُرْفُ الْبَلَدِ أَنَّهُمْ يُنْزِلُونَهُمْ مَنْزِلَةَ أَبِيهِمْ مِنْ غَيْرِ فَرْضِ زِيَادَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مُفْتِينَ بِحَضْرَمَوْتَ بِالْأَوَّلِ، وَأَطْبَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ
أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِمَا حَاصِلُهُ إذَا كَانَتْ الصُّورَةُ كَمَا ذَكَرَ فَلَهُمْ سُبُعَا تَرِكَةِ الْمُوصِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مِثْلِ صُورَةِ السُّؤَالِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي الرَّوْضِ تَبَعًا لِلرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ مَاتَ لَهُ ابْنَانِ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهِمَا نَعَمْ إنْ قَالَ الْمُوصِي: أَوْلَادُ ابْنِي عَلَى مِيرَاثِ أَبِيهِمْ لَوْ كَانَ حَيًّا أَوْ جَعَلْتهمْ عَلَى مِيرَاثِ أَبِيهِمْ لَوْ كَانَ حَيًّا فَالْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسَيْنِ اهـ.
وَأَجَابَ آخَرُ بِمَا حَاصِلُهُ الْكَلَامُ فِي وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةِ فَإِذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِي وَلَهُ ابْنٌ وَارِثٌ صَحَّتْ أَوْ بِنَصِيبِ ابْنِي صَحَّتْ أَيْضًا كَمَا فِي الرَّوْضِ، وَالْحَاوِي، وَالْإِرْشَادِ تَبَعًا لِلشَّرْحِ الصَّغِيرِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ وَلِلرَّوْضَةِ، وَأَصْلُهَا فِي بَابِ الْمُرَابَحَةِ تَقْدِيرُ الْمِثْلِ لِكَثْرَتِهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَارِدَةٌ عَلَى مَالِ الْمُوصِي وَلَا نَصِيبَ لِلِابْنِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَكَانَ الْغَرَضُ التَّقْدِيرَ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَهُ وَلِذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ أَصْلًا وَكَانَ صِيغَتُهُ أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِي صَحَّ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي تَهْذِيبِهِ، وَالْخُوَارِزْمِيّ فِي كَافِيه قَالَ: وَالتَّقْدِيرُ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِي لَوْ كَانَ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ الْحِصَّةِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ، وَالْخُوَارِزْمِيّ مَا لَوْ قَالَ: لِابْنِ ابْنِهِ الَّذِي قَدْ مَاتَ أَبُوهُ أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِنَصِيبِ أَبِيهِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا فَالْمُوصَى بِهِ خُمُسَا التَّرِكَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى الضَّابِطِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ وَهُوَ تَصْحِيحٌ لِلْفَرِيضَةِ بِدُونِ الْوَصِيَّةِ، وَيُزَادُ فِيهَا مِثْلُ مَا لِلْمَذْكُورِ فَمَسْأَلَةُ السُّؤَالِ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِلِابْنِ سَهْمَانِ وَلِلْبِنْتِ سَهْمٌ فَيُزَادُ عَلَيْهَا مِثْلُ نَصِيبِ الْمُوصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهِ وَهُوَ سَهْمَانِ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ خَمْسَةً وَلَيْسَ لِلِابْنِ الْمُوصِي بِمِثْلِ نَصِيبِهِ سَهْمٌ، وَمَنْ جَعَلَ لَهُ سَهْمًا حَتَّى صَارَتْ الْقِسْمَةُ أَسْبَاعًا فَقَدْ خَالَفَ الْفُقَهَاءَ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِالْخُمُسَيْنِ، وَالْحَادِثَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ مَيِّتٍ وَصُورَةُ الرَّوْضَةِ
وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ مَفْرُوضَةٌ فِي بَنِينَ أَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَمِنْ الْمُحَالِ جَهْلُ الْفُقَهَاءِ الْمَذْكُورِينَ بِمَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ وَكُتُبِ الْأَصْحَابِ وَلَكِنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ الصُّورَةَ غَيْرُ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَادِثَةِ فَأَضْرَبُوا عَنْ قِيَاسِهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ، وَوَهِمَ مَنْ قَاسَهَا عَلَيْهَا مَعَ وُضُوحِ الْفَرْقِ فَإِنَّ الْمُوصِي فِي الْحَادِثَةِ جَعَلَ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْزِلَةِ وَالِدِهِ الْمَيِّتِ فَلَا يُحْسَبُ لِلْمَيِّتِ سَهْمٌ بَلْ لِلْمُوصَى لَهُ فَقَطْ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُوصِيَ خُصُوصًا الْعَامِّيَّ إنَّمَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَافِدَ بِمَنْزِلَةِ
следующие страницы →