Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وعلى كل شيء متعلقان بشهيد (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إن شرطية وتعذبهم فعل الشرط والهاء مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وإن واسمها وخبرها والجملة الشرطية مستأنفة مسوقة على وجه الاستعطاف ولهذا لم يقل إن تعذبهم فإنهم عصوك (قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) كلام مستأنف مسوق لاختتام ما بدأ الحديث به عند ما قال: يوم يجمع الله الرسل، وجملة الاشارة في محل نصب مقول القول وهذا مبتدأ ويوم خبر وجملة ينفع في محل جر بالاضافة، والصادقين مفعول به مقدم، وصدقهم فاعل مؤخر (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان النفع المذكور، ولهم متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجنات مبتدأ مؤخر، وجملة تجري صفة لجنات، ومن تحتها متعلقان بتجري، والأنهار فاعل، وخالدين حال، وأبدا ظرف زمان متعلق بخالدين (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الجملة دعائية معترضة لا محل لها، وجملة ورضوا عنه عطف عليها، وذلك مبتدأ، والفوز خبر، والعظيم صفة (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الجملة مستأنفة مسوقة لتحقيق الحق، والله متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وملك السماوات والأرض مبتدأ مؤخر، والواو عاطفة، وما اسم موصول معطوف على الملك، وفيهن متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وأتى ب «ما» تغليبا لغير العاقل لأنه أدل على العظمة، وهو مبتدأ، وقدير خبره، وعلى كل شيء متعلقان بقدير.
البلاغة:
في قوله: «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت
стр. 1157
العزيز الحكيم» فن من فنون البلاغة، منقطع النظير، صعب الإدراك، يحتاج المتأمل فيه الى الكثير من رهافة الحسّ، وشعوف الطبع، ويسمى فن التخيير. وحدّده علماء البلاغة بأن يأتي الشاعر أو الناثر بفصل من الكلام أو بيت من الشعر يسوغ أن يقفّى بقواف شتى فيتخير منها قافية مرجحة على سائرها، ويستدل بإيثاره إياها على حسن اختياره وصدق حسه، وقد تقضي البداهة الأولى بأن تكون غير ما اختاره، ولكنه عزف عن ذلك لسرّ دقيق كقول أحدهم:
إنّ الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت
فإنه يسوغ أن يقول: ما له نشب، أو ما له سيد، أو ما له أحد.
وإذا نظرت الى ما قاله وهو: «ماله قوت» وجدتها أبلغ من الجميع، وأدلّ على الفاقة والعوز، وأمسّ بذكر الحاجة، وأشجى للقلوب، وأدعى للاستعطاف. فذلك رجحت على ما سواها.
القول في الآية:
ونعود بعد هذا التعريف السريع لهذا الفن الى الآية التي نحن بصددها فنقول: إن البداهة البدائية تقضي بأن تكون الفاصلة:
«إنك أنت الغفور الرحيم» لملاءمتها لقوله: «إن تغفر» ولمناسبته ما بين الغفران والغفور، ولكنّ هذا الوهم الناجم عن هذه البداهة سرعان ما يزول أثره عند ما يذكر المتوهم أن هؤلاء قد استحقوا العذاب دون الغفران، فيجب أن تكون الفاصلة: «العزيز الحكيم» إذ لو
стр. 1158
جاءت «الغفور الرحيم» بعد ذكر الغفران- وهو لا يغفر لهم- فوجب أن تكون الفاصلة كما وردت، لأن الله سبحانه ممتنع عن القهر والمعارضة، والعزيز هو الممتنع، ولا بد من أن يصف نفسه بعد وصفه بالعزة بالحكمة، لأنه الحكيم الذي يضع كل شيء موضعه.
طرفة الأصمعي:
وقد مرت معنا في السابق طرفة الأصمعي، وهي ما ذكره أنه كان يقرأ يوما فقرأ: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم» وكان يسمعه أعرابي، فاعترضه وغلّطه، فراجع الأصمعي الآية، فإذا بها «والله عزيز حكيم» ، فقال للأعرابيّ: كيف عرفت ذلك؟ فقال: يا هذا عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. فدهش الأصمعي وأفحم.
وخفي هذا السر على أبي حيان:
وقد خفي سر هذا الفن على أبي حيان- على جلالة قدره- فقال في «البحر» محاولا تعليل الاعتراض ما نصه: «وقال أبو بكر ابن الأنباري: وقد طعن على القرآن من قال: إن قوله: «فإنك أنت العزيز الحكيم» لا يناسب قوله: «وإن تغفر لهم» لأن المناسب «فإنك أنت الغفور الرحيم» . والجواب أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله تعالى، ومتى نقل إلى ما قاله هذا الطاعن ضعف معناه، فإن ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلّق.
وهو ما أنزله الله تعالى وأجمع على قراءته المسلمون» . ونقول: ولو
стр. 1159
عرف أبو حيّان هذا الفنّ لأجاب بما قدّمناه، ولم يتكلّف الأجوبة البعيدة.
الفوائد:
بين ابن هشام والزمخشريّ:
ذكر ابن هشام في مغني اللبيب ما يلي: «وذكر الزمخشري في قوله تعالى: «ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله» أنه يجوز أن تكون مفسرة للقول على تأويله بالأمر، أي: ما أمرتهم إلا بما أمرتني أن اعبدوا الله، وهو حسن. وعلى هذا فيقال في الضابط: أن يكون فيها حروف القول إلا والقول مؤوّل بغيره، ولا يجوز في الآية أن تكون مفسرة لأمرتني، لأنه لا يصح أن يقال: اعبدوا الله ربي وربكم مقولا لله تعالى، فلا يصح أن تكون مفسرة لأمره لأن المفسر عين تفسيره.
عبارة ابن يعيش:
وعبارة ابن يعيش: ف «أن» بمعنى «أي» ، وهو تفسير «ما أمرتني به» ، لأن الأمر في معنى القول، ولأن هذه إذا كانت تفسيرا ثلاث شرائط:
١- أولها أن يكون الفعل الذي تفسره وتعبر عنه فيه معنى القول وليس بقول.
стр. 1160
٢- والثاني أن لا يتصل ب «أن» شيء من صلة الفعل الذي تفسره، لأنه إذا اتصل بها شيء من ذلك صارت جملته، ولم تكن تفسيرا له، وذلك نحو: أوعزت إليه بأن قم، وكتبت إليه بأن قم، لأن الباء هاهنا متعلقة بالفعل، وإذا كانت متعلقة به صارت من جملته، والتفسير إنما يكون بجملة غير الأولى.
٣- والثالث أن يكون ما قبلها كلاما تاما لما ذكرناه من أنها وما بعدها جملة مفسرة جملة قبلها، ولذلك قالوا في قوله تعالى:
«أن الحمد لله رب العالمين» أنّ «أن» فيه مخففة من الثقيلة، والمعنى:
أنه الحمد لله، ولا يكون تفسيرا لأنه ليس ما قبلها جملة تامة، ألا ترى أنك لو وقفت على قوله: «وآخر دعواهم» لم يكن كلاما» .
قلت: ولهذا جنحنا الى ما اخترناه في إعرابها مصدرية تفاديا للوقوع في هذه المزالق.
٢- إذا وقعت «ما» قبل «ليس» أو «لم» أو «لا» أو بعد «إلّا» فهي موصولة، وإذا وقعت بعد كاف التشبيه فهي مصدرية، وإذا وقعت بعد الباء فهي تحتملهما، وإذا وقعت بين فعلين والأول علم أو دراية أو نظر احتملت الموصولية والاستفهامية.
٣- كل ما كان من أسماء الزمان مبهما لما مضى تجوز إضافته الى الجملة، فإن كان ما بعده مبنيا فالبناء على الفتح أرجح للتناسب، قال النابغة:
стр. 1161
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت: ألمّا أصح والشيب وازع
يروى «على حين» بالجر على الإعراب، و «على حين» بالبناء على الفتح، وهو الأرجح. وإن كان ما بعده فعلا معربا أو جملة اسمية فالإعراب أرجح كما ورد في الآية: «هذا يوم ينفع» .
стр. 1162
(٦) سورة الأنعام مكيّة وآياتها خمس وستون ومائة
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)
اللغة:
(جَعَلَ) : تكون بمعنى أنشأ وأحدث فتنصب مفعولا واحدا، وتكون بمعنى صيّر فتتعدى الى مفعولين. وقال ابن جنّي في الخصائص: «إن العرب قد تتسع فتوقع أحد الفعلين موقع الآخر إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر» . والفرق بين الجعل والخلق دقيق يلتقطه الخاطر المرهف، وهو أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء، أو تصيير شيء شيئا، أو نقله من مكان الى مكان آخر.
стр. 1163
(يمترون) يشكّون، والامتراء الشك، وفعله: مرى في الأمر وامترى وتمارى، وما فيه مرية أي شك، ومريت الناقة وأمريتها حلبتها فأمرت، ومن المجاز قرع مروته، قال أبو ذؤيب الهذلي:
حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشقّر كل يوم تقرع
وماريته مماراة: جادلته ولاججته، وتماروا ومعناه المحالبة.
كأنّ كل واحد يحلب ما عند صاحبه.
الإعراب:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) كلام مستأنف للحث على التفكير والتأمل، والعدول عن الجدل والمماراة.
والحمد مبتدأ، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والذي اسم موصول في محل جر صفة، وجملة خلق السموات والأرض صلة الموصول والسموات مفعول به وجملة وجعل الظلمات والنور عطف على الجملة الأولى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي والعطف على قوله الحمد الله وما بعده على معنى أن الله خليق بالحمد على ما خلق لأنه خلق ما خلق نعمة للبشر ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته. والذين مبتدأ وكفروا فعل وفاعل والجملة صلة الموصول وبربهم متعلقان بكفروا فيكون يعدلون بمعنى يميلون عنه من العدول ويجوز أن يتعلقا بيعدلون وقدم الجار والمجرور للفاصلة ويكون يعدلون من العدل وهو التسوية بين الشيئين، أي: ثم الذين كفروا يسوّون بربهم غيره من المخلوقين فيكون المفعول محذوفا (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
стр. 1164
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)
كلام مستأنف مسوق لإقامة الحجة على امترائهم وهو مبتدأ والذي خبر وجملة خلقكم لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول ومن طين جار ومجرور متعلقان بخلقكم، ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وقضى أجلا فعل ماض ومفعول به، والجملة عطف على جملة خلقكم، وأجل الواو استئنافية، وأجل مبتدأ، ساغ الابتداء به مع أنه نكرة لأنه وصف بقوله: «مسمى» ، وعنده ظرف مكان متعلق بمحذوف خبره، ثم حرف عطف واستبعاد لتراخي الرتبتين، وأنتم مبتدأ وجملة تمترون خبر.
البلاغة:
في الآيتين فنون متعددة من البلاغة نوجزها فيما يلي:
١- ثبوت الديمومة التي يستحقها سبحانه، وهي ديمومة الحمد له بسبب كونه منعما، والكلام خبري أريد به الأمر.
٢- الطباق بين السموات والأرض، والظلمات والنور، وإذا تعدد الطباق سمّي مقابلة.
٣- المخالفة في الإفراد والجمع، فقد أفرد النور وجمع الظلمات، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، ولها أسباب كثيرة، ولأن النور من جنس متحد، وهو النار.
٤- الإظهار في موضع الإضمار: فقد أظهر الضمير فقال:
«ربهم» مع أن ذكر الله تقدم، تفخيما لجلاله. وهي سنة من سنن العرب في كلامهم، يعيدون الاسم ظاهرا وإن تقدّم، دون تعبير عنه
стр. 1165
بالضمير، للدلالة على كمال العناية. وقد تقدم هذا البحث والاستشهاد عليه بمطلع سينية البحتري.
٥- التنكير: فقد ابتدأ بالنكرة، وهو «أجل» ، وكان الظاهر أن يؤخر المبتدأ، تقول: عندي كتاب، ولا تقول كتاب عندي.
ولكن الذي أوجب تقديم النكرة تعظيم شأن الأجل المضروب عنده سبحانه، والمراد به الساعة وتهويل أمرها.
٦- حذف المفعول به لظهوره، أي: يعدلون به، أي:
يسوون بربهم غيره مما لا يقدر على شيء مما يقدر عليه. وهذه نهاية الحمق، وغاية الرّقاعة.
٧- العطف بثمّ لاستبعاد صدور الشك منهم مع وجود ما يقتضي عدمه.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣ الى ٥]
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥)
الإعراب:
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ
стр. 1166
ما تَكْسِبُونَ)
الكلام مستأنف مسوق للتنبيه على صفات الألوهية التي لا يستحقها غيره. وهو ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ أو هو ضمير الشأن، والله خبر، وفي السموات جار ومجرور متعلقان بمعنى اسم الله، أي: المعبود فيها وفي الأرض جار ومجرور متعلقان أيضا بمعنى اسم الله. وسيرد في باب الفوائد المزيد من تعليق هذا الجار والمجرور.
وجملة يعلم خبر ثان أو حالية، وسركم مفعول به، وجهركم عطف على سركم، وجملة ويعلم عطف على جملة يعلم، وما اسم موصول مفعول به، وجملة تكسبون صلة لا محل لها (وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف لبيان إصرار هم على الكفر، والإعراض عن الآيات الباهرة الدّالة على التوحيد. وما نافية، وتأتيهم فعل مضارع ومفعول به مقدم، ومن حرف جر زائد، وآية مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل تأتيهم، ومن آيات ربهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية، وإلا أداة حصر، وكان واسمها، وعنها جار ومجرور متعلقان بالخبر «معرضين» وجملة كانوا حالية (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) الفاء الفصيحة، وقد حرف تحقيق، وكذبوا فعل وفاعل، وبالحق جار ومجرور متعلقان بكذبوا، أي: إذا كانوا معرضين عنها فقد كذبوا بما هو أعظم منها، وهو الحق. والجملة على كل حال لا محل لها من الإعراب. ولما حينية أو رابطة، وعلى الأول فهي متعلقة، وجملة جاءهم في محل جرّ بالإضافة، وعلى الثاني لا محل لها (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة، وسوف حرف استقبال، ويأتيهم فعل مضارع ومفعول به مقدم، وأنباء فاعل مؤخر، وما اسم موصول مضاف اليه، وجملة كانوا صلة، والواو اسم كان، وجملة يستهزئون خبرها، وبه جار ومجرور متعلقان بيستهزئون.
стр. 1167
الفوائد:
ما اخترناه في تعليق قوله تعالى: «في السموات» هو وجه من اثني عشر وجها أوردها المفسرون والمعربون في إعراب هذا التعبير، وقد اختاره الزّجاج والزمخشريّ وابن عطية وأبو السعود، كأنه قيل:
وهو المعبود فيها، وقال ابن عطية: هو عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازا. لفصاحة اللفظ، وجزالة المعنى. وفيما يلي بعض الوجوه المستساغة.
١- في السموات: متعلقان بمحذوف صفة لله تعالى، حذفت لفهم المعنى، والتقدير: وهو الله المعبود أو المدبر.
٢- الكلام تمّ عند قوله: «وهو الله» ، والجار والمجرور متعلقان بمفعول يعلم وهو: سركم وجهركم فيهما.
٣- متعلقان بيعلم، وجملة يعلم على هذا الوجه مستأنفة.
ونتجاوز بقية الأوجه لأنها لم تستقم معنا.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٦]
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦)
стр. 1168
اللغة:
(مكّن له في الأرض) جعل له مكانا ومكنته أثبته.
(المدرار) : المغزار، ومفعال صيغة مبالغة تدل على الكثرة، كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور، ومئناث للتي تلد الإناث.
(قَرْناً) القرن اسم جمع، كقوم ورهط. وقد اختلف الناس في القرن حالة إطلاقه على الزمان، فجمهور أهل اللغة على أنه مائة سنة، ويطلق على الجماعة من الناس أهل زمان واحد، كما في الآية، ويجمع على قرون.
الإعراب:
(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) الكلام مستأنف مسوق للشروع في توبيخ الذين لا يؤمنون، لأنهم غمطوا نعمة ربهم، وكذبوا بالحق لما جاءهم. والهمزة للاستفهام التقريري والتوبيخي في وقت واحد، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويروا فعل مضارع مجزوم بلم، والرؤية بصرية أو علمية، وكم خبرية أو استفهامية في محل نصب مفعول مقدم لأهلكنا، وجملة أهلكنا سدت مسد مفعول أو مفعولي الرؤية، ومن قبلهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ومن الجارة ومجرورها في موضع نصب تميز كم. (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) الجملة في محل جر صفة لقرن، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمكناهم، ومكناهم فعل وفاعل ومفعول به، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمكناهم، و «ما» يجوز أن تكون نكرة تامة بمعنى
стр. 1169
شيء في محل نصب مفعول مطلق، أي: شيئا من التمكين لم نمكنه لكم، فتكون الجملة بعدها في محل نصب صفة، ويجوز أن تكون مصدرية ظرفية أي: مدة تمكنهم أطول من مدة تمكنكم، وتكون الجملة صفة أيضا. وقيل: «ما» اسم موصول بمعنى الذي، ويكون التقدير:
التمكين الذي لم نمكن لكم، فحذف المنعوت وأقيم النعت مقامه، والجملة بعده صلة، والضمير العائد على «ما» محذوف، أي: الذي لم نمكنه لكم، والأول أسهلها. ولم حرف نفي وقلب وجزم، ونكن فعل مضارع مجزوم بلم، ولكم متعلقان بنمكن (وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً) الواو عاطفة، وأرسلنا السماء فعل وفاعل ومفعول به، وعليهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا، ومدرارا حال (وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) عطف أيضا على ما تقدم، وجملة تجري من تحتهم في محل نصب مفعول به ثان لجعلنا، فأهلكناهم الفاء عاطفة، وأهلكناهم فعل وفاعل ومفعول به، وبذنوبهم جار ومجرور متعلقان بأهلكناهم (وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) عطف أيضا، وأنشأنا فعل وفاعل، ومن بعدهم جار ومجرور متعلقان بأنشأنا، وقرنا مفعول به، وآخرين صفة.
البلاغة:
١- الالتفات في قوله: «ما لم نمكن لكم» ، والسياق يقتضي:
ما لم نمكن لهم، لتخصيص المرسل إليهم الرسول محمد ﷺ بالمواجهة، فضلا عن تطرية نشاط السامع.
٢- المجاز المرسل: في قوله: «وأرسلنا السماء عليهم مدرارا» ،
стр. 1170
والعلاقة المحلية، يريد المطر الكثير، عبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها، وقد رمق هذا المجاز الشاعر بقوله:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧ الى ٨]
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)
اللغة:
(قِرْطاسٍ) القرطاس: ما يكتب فيه، وكسر القاف فيه أشهر من ضمها. والقرطس: وزن «جعفر» : لغة فيه، وفي القاموس:
«مثلث القاف، وكجعفر ودرهم: الكاغد، والكاغد معروف، بفتح الغين والدال المهملة، وربما قيل بالذال المعجمة وهو معرّب» وهو المراد هنا، وله معان أخرى منها الغرض، وبرد مصريّ، والجارية البيضاء المديدة القامة، والناقة الفتية، والجمع قراطيس.
الإعراب:
(وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان فرط تعنتهم وتماديهم في المكابرة واللجاج.
стр. 1171
ولو شرطية ونزلنا فعل وفاعل، وعليك جار ومجرور متعلقان بنزلنا، وكتابا مفعول به، وفي قرطاس جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «كتابا» ، فلمسوه الفاء عاطفة، ولمسوه فعل وفاعل ومفعول به، عطف على نزلنا، وبأيديهم جار ومجرور متعلقان بلمسوه (لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) اللام واقعة في جواب لو، وقال الذين فعل وفاعل، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإن نافية، وهذا مبتدأ، وإلا أداة حصر، وسحر خبر هذا، ومبين صفة، وجملة النفي مقول القول (وَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) الجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد لجاجتهم وتماديهم في التعنت والمكابرة، وقالوا فعل وفاعل، ولولا حرف تحضيض لا تحتاج الى جواب، وأنزل فعل ماض مبني للمجهول، وعليه جار ومجرور متعلقان بأنزل، وملك نائب فاعل، وجملة التحضيض في محل نصب مقول القول (وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة للردّ عليهم بجوابين على تعنتهم ومكابرتهم. ولو شرطية، وأنزلنا ملكا فعل وفاعل ومفعول، واللام واقعة في جواب لو، وجملة قضي الأمر لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي لبعد ما بين الأمرين:
قضاء الأمر وعدم الإنظار، أي: إن بعد قضاء الأمر شدة، أين منها منها ما رأوه! والمفاجأة بالشدة أصعب من الشدة نفسها. ولا نافية، وينظرون فعل مضارع مرفوع مبني للمجهول معطوف على قضى الأمر، والواو نائب فاعل.
البلاغة:
الإطناب في قوله: «فلمسوه بأيديهم» ، وإنما ذكر الأيدي
стр. 1172
واللمس لا يكون إلا بها حتى يجتمع لهم إدراك الحاسّتين: حاسة البصر وحاسة اللمس.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩ الى ١١]
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)
اللغة:
(يَلْبِسُونَ) : يقال لبس عليه الأمر يلبسه، بضم الباء في المضارع، لبسا: جعله يلتبس في أمره، وشبهته وجعله مشكلا عليه، وأصله الستر بالثوب.
الإعراب:
(وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للرد عليهم بالجواب الثاني، ولو شرطية، وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به، وملكا مفعول به ثان، والضمير يعود على النذير الذي اقترحوه، والمعنى: لو جعلنا ذلك النذير ملكا لمثلنا ذلك الملك رجلا لعدم تمكّن الآحاد من رؤية الملك
стр. 1173
بزيه وهيكله، واللام رابطة لجواب لو، وجملة جعلناه رجلا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وللبسنا عطف على «لجعلنا» وعليهم متعلقان بلبسنا، و «ما» يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي، أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم أو على غيرهم، وتكون مفعولا به ويجوز أن تكون مصدرية، أي: وللبسنا عليهم لبسا مثل ما يلبسون على غيرهم، فتكون منسبكة بمصدر مفعول مطلق، وجملة يلبسون لا محل لها على الحالين (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) كلام مستأنف مسوق لتسلية النبي ﷺ ، واللام جواب للقسم المحذوف، وقد حرف تحقيق، واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول، وبرسل جار ومجرور متعلقان باستهزئ وقد نابا عن نائب الفاعل، ومن قبلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة، وحاق فعل ماض معطوف على استهزئ، وبالذين جار ومجرور متعلقان بحاق، وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول، ومنهم جار ومجرور متعلقان بسخروا، وما فاعل حاق، وهي إما موصولة وإما مصدرية، وكان واسمها، وجملة يستهزئون خبرها، وبه جار ومجرور متعلقان بيستهزئون، والضمير في به يعود على الرسول، والمعنى أنه حاق بهم عاقبة استهزائهم بالرسول المنتظم في سلك الرسل، أو على كلمة ما المصدرية أو الموصولية (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) كلام مستأنف مسوق للحض على التفكير والسير في الأرض للتأمل في مغاب الأمم السابقة ومصائرها. وجملة سيروا في محل نصب مقول القول، وأتى بثم للإشارة الى البعد الكامن في السير المؤدي الى الاستبصار والتأمل، ولأن وجوب السير لم يكن إلا لبلوغ هذه المرتبة السامية التي هي قصارى ما تطمع إليه الهمم العالية، وفي الأرض
стр. 1174
جار ومجرور متعلقان بسيروا، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، وانظروا فعل أمر وفاعل (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) الجملة في محل نصب مفعول انظروا، وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر مقدم لكان، وعاقبة اسمها، ولم تؤنث كان لأن العاقبة مؤنث مجازي، وقد علقت النظر عن العمل لفظا، والمكذبين مضاف إليه.
البلاغة:
١- المجاز المرسل في قوله: «عاقبة المكذبين» ، والعلاقة هي المصير والمآل الذي ينتهي اليه مصير المكذبين ومآلهم.
٢- في قوله: «ولقد استهزئ» الى قوله: «ما كانوا به يستهزئون» فن يسمى رد الاعجاز على الصدور، وهو عبارة عن كل كلام بين صدره وعجزه رابطة لفظية غالبا، أو معنوية نادرا، ما تحصل بها الملاءمة والتلاحم بين قسمي كل كلام، وهو ثلاثة أقسام:
١- ما وافق آخر كلمة في الكلام آخر كلمة في صدره أو كانت مجانسة لها، كقوله تعالى في سورة «النساء» : «أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا» .
٢- ما وافق آخر كلمة من الكلام أول كلمة منه، كقوله تعالى في سورة «آل عمران» : «وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب» .
٣- ما وافق آخر كلمة من الكلام بعض كلمات صدره، حيث كانت كالآية التي نحن بصددها. وهذه الروابط كلها لفظية، وقد
стр. 1175
تكون معنوية كقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم» .
نماذج شعرية:
ومن أمثلة هذا الفن في الشعر قول البحتري:
ضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا
وقول أبي تمام:
ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع
وأبيات الحماسة المشهورة الرائعة:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار
وتظرّف الثعالبي فجمع بين هذا الفن وفن التجنيس، فقال- ويكاد يكون طريفا لولا مسحة التكلف-:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل
فالبلابل الأولى جمع بلبل، وهو طائر غرد معروف، والثانية:
جمع بلبال، وهو الحزن، والثالثة: جمع بلبلة، بالضم، وهي إبريق الخمر. وتظرّف آخر فجمع بين هذا الفنّ وفنّ التجنيس وفن التورية فقال:
стр. 1176
لا كان إنسان تيمّم قاصدا ... صيد المها فاصطاده إنسانها
فالإنسان الأول هو الشخص المعروف، والإنسان الثاني بؤبؤ العين. وفيما يلي طائفة من أمثلة هذا الفنّ موزّعة على أقسامه الثلاثة المتقدمة. قال أبو العلاء:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
والخصر بفتحتين: البرودة.
وقال أبو تمام:
ومن يك بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغريا
وما أجمل قول بعضهم:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟
وقال أبو تمام راثيا:
ثوى بالثّرى من كان يحيا به الثّرى ... ويغمر حرف الدهر نائله الغمر
وقد كانت البيض القواضب قبله ... بواتر فهي الآن من بعده بتر
стр. 1177
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢]
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢)
الإعراب:
(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لتبكيت الكفار وتوبيخهم على ما بدر منهم من تخلّف في الكفر، وعجز عن التأمل والاستبصار. ولمن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن اسم استفهام للتوبيخ والإنكار، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب مقول القول، وفي السموات جار ومجرور متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة «ما» ، والأرض عطف على السموات (قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) كلام مستأنف مسوق ليبدأ الرسول بالجواب الذي ليس ثمة جواب غيره. ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو لله، والجملة في محل نصب مقول القول، وجملة كتب على نفسه الرحمة مستأنفة، لأنها مستقلة عما قبلها، غير مندرجة في سلك المقول، وعلى نفسه جار ومجرور متعلقان بكتب، والرحمة مفعول به (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) اللام جواب للقسم المحذوف المفهوم من قوله:
«كتب على نفسه» ، كأنه أقسم على ذلك، وجملة يجمعنكم لا محل لها من الإعراب لأنها جواب للقسم، وقد اختلف في هذه الجملة كثيرا ولكن ما ارتأيناه أولى بالصواب. والى يوم القيامة جار ومجرور
стр. 1178
متعلقان بمحذوف حال، أي: مبعوثين أو محشورين الى يوم القيامة، ولا نافية للجنس، وريب اسمها، وفيه جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة حالية (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الذين نصب على الذم، ويجوز أن تعربها مبتدأ خبره جملة فهم لا يؤمنون، وجيء بالفاء لما في الموصول من رائحة الشرط، وجملة خسروا أنفسهم لا محل لها لأنها صلة الموصول، وهم مبتدأ، وجملة لا يؤمنون خبره، وجملة الذين خسروا أنفسهم على وجه النصب على الذم في محل نصب على الحال، وعلى وجه الرفع مستأنفة مسوقة لبيان سبب خسرانهم.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣ الى ١٤]
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)
اللغة:
(سَكَنَ) : يحتمل أن يكون من السكنى، ويتعدى بفي، ومعناه حل وثبت. ويحتمل أن يكون من السكون ضد التحرك.
واكتفى بأحد الضدين، لأنه يدل على ضده، وخصه بالذكر لأن السكون هو الأصل، والحركة طارئة، ويتعدى بفي أيضا.
(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) : مبدعهما.
стр. 1179
ويروى عن ابن عباس قوله: ما عرفت فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي:
ابتدعتها. وسيأتي مزيد بحث عن هذه المادة.
الإعراب:
(وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) الواو استئنافية، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وجملة سكن في الليل والنهار صلة الموصول، واختار الزمخشري أن تكون الواو عاطفة نسقا على قوله: «لله» ، أي على الجملة المحكية ب «قل» ، أي قل: هو لله، وقل: وله ما سكن. ولا بأس بذلك (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الواو عاطفة، وهو مبتدأ، والسميع خبر أول، والعليم خبر ثان (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) كلام مستأنف مسوق لمتابعة الرد عليهم حين دعوه إلى دين آبائه. وقل فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، والهمزة للاستفهام الإنكاري، وغير الله مفعول به أول لأتخذ، ووليا مفعول به ثان، والجملة في محل نصب مقول القول (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) فاطر السموات والأرض نعت أو بدل لله، والواو عاطفة، وهو مبتدأ، وجملة يطعم بالبناء للمعلوم خبر، وجملة لا يطعم بالبناء للمجهول عطف عليها (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) كلام مستأنف مسوق لتكرير الرد عليهم. وإن واسمها، وجملة أمرت خبرها. وإن واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول، وأمرت فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بأمرت، وأول خبر أكون، ومن
стр. 1180
اسم موصول في محل جر بالإضافة، وجملة أسلم صلة الموصول، ولا تكونن الواو عاطفة، ولا ناهية، وتكونن فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب «لا» ، والجملة مقول القول محذوف معطوف على ما تقدم، أي: وقيل لي: لا تكونن، ومن المشركين خبر تكونن.
والمعنى أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥ الى ١٨]
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)
الإعراب:
(قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) كلام مستأنف ليكون جوابا ثالثا للردّ عليهم. وإن واسمها، وجملة أخاف خبرها، والجملة في محل نصب مقول القول، وإن شرطية، وعصيت ربي فعل ماض وفاعل ومفعول به في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف دلّ عليه ما قبله، والجملة الشرطية يجوز أن تكون معترضة بين فعل أخاف ومفعوله، وهو: عذاب يوم عظيم، ويجوز أن تكون حالية، والأول أولى، ويوم مضاف اليه، وعظيم صفة (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ
стр. 1181
رَحِمَهُ)
الجملة صفة لعذاب يوم عظيم، ومن شرطية في محل رفع مبتدأ، ويصرف فعل الشرط وهو مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو، وعنه جار ومجرور متعلقان بيصرف، ويومئذ ظرف مضاف الى مثله متعلق بيصرف، والتنوين في «إذ» عوض عن جملة، وسيأتي بحثه في باب الفوائد. والفاء رابطة لجواب الشرط، وقد حرف تحقيق، ورحمه فعل ومفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملة فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من» . (وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) الواو استئنافية أو حالية، وذلك اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، والفوز خبر، والمبين صفة والجملة مستأنفة أو حالية (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) الواو عاطفة، وإن شرطية ويمسسك فعل الشرط، والكاف مفعول به المقدم، والله فاعله المؤخر لفظا، وبضرّ جار ومجرور متعلقان بيمسسك، فلا الفاء رابطة للجواب لأن الجواب جملة اسمية، ولا نافية للجنس، وكاشف اسمها المبني على الفتح، وله جار ومجرور متعلقان بكاشف، وإلا أداة حصر وهو بدل من محل لا واسمها، وخبر «لا» محذوف، أي: موجود والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عطف على ما تقدم، وجملة: «وهو على كل شيء قدير» تعليلية لجواب الشرط المحذوف، أي: فلا رادّ له غيره، وهو مبتدأ، وقدير خبر، وعلى كل شيء متعلقان بقدير (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) الواو استئنافية أو حالية، وهو مبتدأ، والقاهر خبر، وفوق عباده ظرف متعلق بالقاهر، ويجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ثان أو بمحذوف حال، أي: مستعليا. والصورة رائعة للقهر والعلوّ بالغلبة والقدرة.
стр. 1182
الفوائد:
(يَوْمَئِذٍ) التنوين اللاحق ل «إذ» في نحو: يومئذ وحينئذ، عوض عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، والأصل: يوم إذ يصرف عنه فقد رحمه، فحذفت جملة «يصرف عنه» وجيء بالتنوين عوضا عن الجملة المحذوفة، إيجازا وتحسينا، فالتقى ساكنان: ذال «إذ» والتنوين، فكسرت الذال على أصل التقاء الساكنين، وليست هذه الكسرة كسرة إعراب باضافة «يوم» إليها لأن «إذ» ملازمة للبناء لشبهها بالحرف في الافتقار الى جملة وفي الوضع على حرفين، وليست الاضافة في «يومئذ» ونحوها من إضافة أحد المترادفين للآخر، بل من إضافة الأعم الى الأخص، كشجر أراك.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٩]
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)
اللغة:
(شَيْءٍ) الشيء: ما يصحّ أن يعلم ويخبر عنه، ويجمع على أشياء. وقد تقدم القول في منع أشياء من الصرف، والشيء في اصطلاح المتكلمين هو أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يندرج تحته. وقد
стр. 1183
شجر بين المتكلمين خلاف نلمح إليه لطرافته، فقد ذهب الأشاعرة- وهم من أهل السنة- إلى أنه الموجود ليس إلّا، وخالفهم المعتزلة بأنه الذي يصح وجوده، فشمل المعدوم. ولكن الفريقين اتفقا على خروج المستحيل من مفهومه. والمفهوم اللغوي أنه لا يتناوله، قال أبو الطيب المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
الإعراب:
(قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً) كلام مستأنف مسوق للردّ على من طلبوا من الرسول ﷺ أن يريهم من يشهد له بأنه رسول الله. وقل فعل أمر وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، وأي شيء مبتدأ، وأكبر خبر، وشهادة تمييز محوّل عن المبتدأ، والجملة في محل نصب مقول القول (قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لتهيئة الرد عليهم، والله مبتدأ، وشهيد خبره، والظرفان متعلقان بشهيد، والجملة في محل نصب مقول القول.
وإذا كان الله هو الشهيد بينهم وبينه فهو أكبر شهادة (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) الواو عاطفة أو استئنافية، وأوحي فعل ماض مبني للمجهول، وإلى جار ومجرور متعلقان بأوحي، وهذا اسم إشارة في محل رفع نائب فاعل أوحي، والقرآن بدل من اسم الاشارة، والجملة معطوفة أو مستأنفة بمثابة التعليل، والمعنى أن شهادة الله لي بأني رسوله كافية في نزول هذا القرآن، واللام للتعليل،
стр. 1184
وأنذركم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والكاف مفعول، ومن الواو عاطفة، ومن اسم موصول منسوق على الكاف في أنذركم، أي: لأنذركم وأنذر كل من بلغه القرآن (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى) الهمزة للاستفهام الإنكاري التقريري، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وجملة تشهدون خبرها، وأن واسمها وخبرها سدت مسد مفعول تشهدون، والجملة الاستفهامية في محل نصب مقول قول محذوف أي: ويقول: أئنكم لتشهدون، وأن حرف مشبه بالفعل ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أن المقدم، وآلهة اسمها المؤخر، وأخرى صفة لآلهة (قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الردّ عليهم، لا نافية وأشهد فعل مضارع، والجملة نصب على أنها مقول القول، وقل فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة مستأنفة أيضا للغرض نفسه، وإنما كافة ومكفوفة، وهو مبتدأ وإله خبر، وواحد صفة، وإنني الواو عاطفة، وإن واسمها، وبريء خبرها، والجملة منسوقة على ما قبلها، ومما جار ومجرور متعلقان ببريء، و «ما» يحتمل أن تكون مصدرية أو موصولة، أي: من إشراككم بالله، أو من الأصنام التي تشركونها مع الله.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)
стр. 1185
الإعراب:
(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ) كلام مستأنف مسوق للرد على الذين يزعمون أن أهل الكتاب لا يعرفونه، أي الرسول، ويجوز أن يعود الضمير على القرآن. والذين اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وجملة آتيناهم صلة الموصول، والكتاب مفعول به ثان، وجملة يعرفونه خبر الذين، وكما الكاف حرف جر، وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور نصب على المفعولية المطلقة، وقد تقدمت له نظائر كثيرة.
وأبناءهم مفعول به (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الذين مبتدأ أيضا، وجملة خسروا صلة الموصول، وأنفسهم مفعول به، والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط، وهم مبتدأ ثان وجملة لا يؤمنون خبر «هم» ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الذين، ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين خسروا أنفسهم، وأعربها ابن جرير نعتا ل «الذين» الأولى، وهو سائغ. وقيل: هو منصوب على الذّم، وهو محتمل أيضا (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام معناه النفي والتوبيخ، أي لا أحد أظلم، وهو مبتدأ، وأظلم خبر، وممن جار ومجرور متعلقان بأظلم، وجملة افترى صلة الموصول، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافترى، وكذبا مفعول به (أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) عطف على جملة افترى داخلة في حيز الصلة (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إن واسمها، وجملة لا يفلح الظالمون خبر، والجملة تعليل لما سبق.
стр. 1186
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)
الإعراب:
(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً) الواو استئنافية، ويوم ظرف ناصبه محذوف مبهم زيادة في التخويف والتهويل، والمعنى: ويوم نحشرهم كان كذا وكذا. ويجوز أن يكون مفعول ل «اذكر» مقدرا، وجملة نحشرهم في محل جر بإضافة الظرف إليها، والهاء مفعول به، وجميعا حال (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ثم حرف عطف للتراخي، لطول المدة بين الحشر والقول، وللذين جار ومجرور متعلقان بنقول، وجملة أشركوا صلة الموصول، وأين اسم استفهام في محل نصب ظرف مكان، والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وشركاؤكم مبتدأ مؤخر، والذين اسم موصول صفة لشركاء، وجملة كنتم صلة، والتاء اسم كنتم، وجملة تزعمون خبرها، ومفعولا تزعمون محذوفان للعلم بهما، أي: تزعمونهم شركاء (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) ثم حرف عطف للتراخي، ولم حرف نفي وقلب وجزم، وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، وفتنتهم اسم تكن. وإلا أداة حصر، وأن ما في حيزها في تأويل مصدر خبر تكن (وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) الواو حرف قسم وجر، ولفظ الجلالة مجرور بالواو، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره «نقسم» ، وربنا بدل أو نعت ل «الله» ، وجملة القسم في محل نصب مقول قولهم، وما نافية، وكان واسمها، ومشركين خبرها.
стр. 1187
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٥]
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)
اللغة:
(أَكِنَّةً) الأكنّة: جمع كنان بكسر الكاف، وهو وقاء كل شيء وستره، ويجمع على أكنان أيضا. وكنّه وأكنّه: ستره، قال أبو زيد:
الثلاثي والرباعي لغتان في الستر والإخفاء جميعا، واستكن استتر، وأكننته في نفسي: سترته وأضمرته. وسميت جعبة السهام كنانة لأنها تسترها فإذا أراد إخراجها نثرها، ومنه قول الحجاج في خطبته «نثر كنانته بين يديه» . وكانون الشتاء الذي هو أشده بردا، ومن أقوالهم: «أحسن من الكانون في الكانون» ، والكانون الأول المصطلى. والكنة بفتح الكاف امرأة الابن أو الأخ، وجمعها كنائن، ومن معاني الكانون: الثقيل، ومنه قول الحطيئة يهجو أمه:
أغر بالًا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدثينا
ومن العاميّ الفصيح قولهم: «كنكن في البيت» أي: رزمه واستقر فيه، وخاصة في الشتاء.
стр. 1188
(وَقْراً) الوقر: بفتح الواو مصدر وقرت أذنه، أي ثقلت وذهب سمعه، والكلمة من المجاز. ومن غريب أمر هذه المادة أنها تدل على الثقل والرزانة، يقال: وقر يقر- بكسر عين المضارع- العظم:
صدعه، ووقر يقر قرة ووقارة ووقرا الرجل كان رزينا ذا وقار وثبت.
ووقرت أذنه من باب تعب: ثقلت أو ذهب سمعه. والوقار: الحلم والرزانة، وهو مصدر وقر بالضم، والمرأة وقور: فعول بمعنى فاعل، مثل صبور وشكور، قال أبو فراس:
وقور وريعان الصبا يستفزّها ... فتأرن أحيانا كما يأرن المهر
(أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) : في مختار الصحاح: الأساطير: الأباطيل، والواحدة أسطورة بالضم، وإسطارة بالكسر. وقال غيره: إنه جمع جمع، فأساطير جمع أسطار، وأسطار جمع سطر بفتح الطاء. وأما سطر بسكونها فجمعه في القلة على أسطر، وفي الكثرة على سطور، وقيل: إنه جمع جمع الجمع، فأساطير جمع أسطار، وأسطار جمع أسطر، وأسطر جمع سطر، وقال المبرّد: إنه جمع أسطورة، نحو: أرجوحة وأراجيح، وأحدوثة وأحاديث. ومعنى الأساطير الأحاديث الباطلة.
الإعراب:
(انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) كلام مستأنف مسوق للإخبار عنهم بالكذب. وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت، وكيف اسم استفهام في محل نصب حال، وكذبوا فعل وفاعل، والجملة في محل نصب بانظر لأنها معلقة لها عن العمل، وعلى أنفسهم جار ومجرور متعلقان بكذبوا (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) يجوز أن تكون الواو
стр. 1189
عاطفة، فتكون الجملة منسوقة على جملة كذبوا، فتكون داخلة في حيّز النظر، ويجوز أن تكون الواو استئنافية، فتكون الجملة مستأنفة، مسوقة للإخبار بها عن كذبهم. وضلّ فعل ماض، وعنهم جار ومجرور متعلقان بضل، وما يجوز أن تكون موصولة اسمية، فتكون فاعلًا لضلّ، وجملة كانوا يفترون صلة، ويجوز أن تكون مصدرية فالمصدر المؤوّل هو فاعل ضلّ، وجملة يفترون خبر كان (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) الواو عاطفة، أو استئنافية، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن اسم موصول مبتدأ مؤخر، وجملة يستمع صلة، وإليك جار ومجرور متعلقان بيستمع، وسيأتي سر إفراد الصلة في باب البلاغة (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) الواو عاطفة على الجملة قبلها من عطف الفعلية على الاسمية. وقيل: الواو للحال بتقدير «قد» ، أي: وقد جعلنا.
وجعلنا فعل وفاعل، وعلى قلوبهم جار ومجرور متعلقان بجعلنا على أنه مفعوله الثاني، هذا إذا اعتبرنا جعلنا للتصيير، وأما إذا كانت بمعنى خلقنا فتتعدى لواحد وهو أكنة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال منه، لأنهما لو تأخرا لوقعا صفة له، وأن يفقهوه مصدر مؤول في محل نصب مفعول لأجله على حذف مضاف، أي: كراهية أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا عطف على الجملة السابقة (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها) الواو عاطفة، وإن شرطية ويروا فعل الشرط والواو فاعل وكل آية مفعول به ولا نافية ويؤمنوا جواب الشرط وبها جار ومجرور متعلقان بيؤمنوا (حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ) يجوز أن تكون «حتى» هنا غاية وجر، ويكون «إذا جاءوك» في محل الجر، بمعنى: حتى وقت مجيئهم، وجملة يجادلونك حال، ويجوز
стр. 1190
أن تكون حتى ابتدائية، وهي التي تقع بعدها الجمل، وعلى كل حال جملة يجادلونك حال من الواو في جاءوك (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والذين فاعل، وجملة كفروا صلة، وإن نافية، وهذا اسم إشارة مبتدأ، وإلا أداة حصر، وأساطير الأولين خبر، والجملة المنفية في محل نصب مقول القول.
البلاغة:
الكناية- في جعل الأكنة- على القلوب والوقر في الآذان عن نبوّ قلوبهم ومسامعهم عن قبول الحق والاعتقاد بصحته، ونزيد هنا أن الكناية مزية إعطاء المعاني صورة المحسسات، وهذه المزية من أبرز خواص الفنون، فان المصوّر إذا رسم لك صورة للأمل أو اليأس بهرك وجعلك ترى ما كنت تعجز عن التعبير عنه واضحا ملموسا، وعلى هذا تتضح لك روعة الصورة لهؤلاء الذين ضربت على قلوبهم الأسداد، وتبلدت منهم الأذهان، فما تتمخض عن ذوق ولا تسفر عن فنّ، ولا تهيج إلى معرفة، ومن هذا القبيل في إظهار الروعة قول البحتريّ:
يغضّون فضل اللحظ من حيث ما بدا ... لهم عن مهيب في الصدور محبّب
فإنه كنى عن إكبار الناس للمدوح وهيبتهم إياه بعض الأبصار الذي هو في الحقيقة برهان على الهيبة والإجلال، وتظهر هذه الخاصة
стр. 1191
جلية في الكنايات التي سترد عليك في القرآن عن الصفة والموصوف والنسبة، مما سنشير إليه في مواطنه.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)
الإعراب:
(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) الواو استئنافية، وهم مبتدأ، وجملة ينهون خبر، وعنه جار ومجرور متعلقان بينهون، وضمير «هم» يعود على الكفار، وضمير «عنه» يعود على القرآن أو النبي ﷺ وجملة ينأون عنه عطف على ينهون عنه (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) الواو حالية، وإن نافية، ويهلكون فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر، وأنفسهم مفعول به، والواو حرف عطف، وما نافية، وجملة يشعرون معطوفة على يهلكون (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في وصف ما يصدر عنهم يوم القيامة من أحوال متناقضة متهافتة، والواو شرطية، وترى فعل مضارع، وجواب لو محذوف لفهم المعنى، والتقدير: لرأيت شيئا مذهلًا عظيما. والرؤية هنا يجوز أن تكون قلبية: أي لو انصرفت إليهم بقلبك وفكرك لتتدبر أحوالهم وتكتنه
стр. 1192
حقيقة أمرهم في ذلك الوقت تزداد يقينا. ويجوز أن تكون بصرية ومفعولها محذوف، أي: لو ترى أحوالهم وتعاينها عن كثب. وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بتري، وجملة وقفوا في محل جر بالاضافة، والواو نائب فاعل، وعلى النار جار ومجرور متعلقان بوقفوا (فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الفاء حرف عطف، وقالوا عطف على وقفوا، ويا حرف نداء، والمنادى محذوف، أو هي لمجرد التنبيه، وليت واسمها، وجملة نرد خبرها، والواو للمعية، ولا نافية، ونكذب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية، وأن وما بعدها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متوهم، والتقدير: يا ليتنا لنا رد وانتفاء تكذيب والكون من المؤمنين، وجملة التمني في محل نصب مقول القول، ولأبي جعفر الطبري كلام مطوّل حول قراءة «ولا نكذب» بالرفع، وانتهى الى ترجيحها على قراءة النصب، وهو مجرّد تعسف. والواو حرف عطف، ونكون عطف على نكذب، واسم نكون مستتر تقديره نحن، ومن المؤمنين خبرها.
البلاغة:
في هذه الآية فنان جميلان:
١- الجناس بين ينهون وينأون، وهو جناس التصريف الذي هو اختلاف صيغة الكلمتين بإبدال حرف من حرف أو من قريب من مخرجه، سواء أكان الإبدال في الأول أم في الوسط أم في الآخر، ومن طربف هذا التجنيس في الشعر قول البحتري:
стр. 1193
عجب الناس لاغترابي وفي الأطراف تلقى منازل الأشراف
وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي
وجميل قول أبي فراس الحمدانيّ:
تعس الحريص وقل ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف
إن الغنيّ هو الغنيّ بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي
ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... وإذا قنعت فكلّ شيء كاف
وبلغ الشريف الرضيّ الغاية منه حيث قال:
لا يذكر الرمل إلا حنّ مغترب ... له إلى الرمل أوطار وأوطان
٢- والفن الثاني: هو الإيجاز بحذف جواب «لو» في الآية الثانية، ومفعول ترى فيها أيضا. والحذف كثير شائع في القرآن، وفائدته أن النفس تذهب في تقدير المحذوف كل مذهب، والخيال يتسع للتقدير، ومما جاء من حذف جواب لو قول أبي تمام في قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم بالله عند فتحه عمورية:
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له المنيّة بين السّمر والقضب
أي لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبته، أو لما أقدم على ما فرط منه.
على أن حذف الجواب لا بد له من دليل يدل عليه، ولذلك ورد الجواب
стр. 1194
في قوله تعالى: «ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلّوا فيه يعرجون لقالوا: إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون» إذ لو حذف الجواب لما علم مكان المحذوف.
الفوائد:
كان المشركون يظنون أنهم يستطيعون أن يضروا رسول الله ﷺ ، ويستطيعون إيذاءه وكان عمّه أبو طالب يحول بينهم وبين ابن أخيه فقال من نظمه:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقرّ منه عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبّةً ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)
الإعراب:
(بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) بل حرف إضراب وعطف،
стр. 1195
والمراد بالإضراب هنا إبطال كلام الكفرة، وبدا فعل ماض، ولهم جار ومجرور متعلقان ببدا، وما اسم موصول في محل رفع فاعل بدا، وجملة كانوا صلة الموصول، وكان واسمها، وجملة يخفون خبر كانوا، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بيخفون (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) الواو عاطفة، ولو شرطية، وردوا فعل ماض ونائب فاعل، واللام واقعة في جواب لو، وجملة لعادوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ولما اللام حرف جر، وما اسم موصول في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بعادوا، وجملة نهوا عنه صلة الموصول، والجار والمجرور متعلقان بنهوا (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) الواو حالية، وإن واسمها، واللام المزحلقة وكاذبون خبر إن (وَقالُوا: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة عادوا، فالجملة داخلة في حيز الجواب، أو على قوله «وإنهم لكاذبون» ، ويجوز أن تكون استئنافية وإن نافية وهي مبتدأ، وإلا أداة حصر، وحياتنا خبر، والدنيا صفة، والواو عاطفة، وما حجازية تعمل عمل ليس، ونحن ضمير منفصل في محل رفع اسمها، والباء حرف جر زائد ومبعوثين مجرور لفظا خبر «ما» الحجازية محلًا.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٠]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)
الإعراب:
(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ) الواو استئنافية، ولو شرطية،
следующие страницы →