Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
جلية في الكنايات التي سترد عليك في القرآن عن الصفة والموصوف والنسبة، مما سنشير إليه في مواطنه.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)
الإعراب:
(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) الواو استئنافية، وهم مبتدأ، وجملة ينهون خبر، وعنه جار ومجرور متعلقان بينهون، وضمير «هم» يعود على الكفار، وضمير «عنه» يعود على القرآن أو النبي ﷺ وجملة ينأون عنه عطف على ينهون عنه (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) الواو حالية، وإن نافية، ويهلكون فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر، وأنفسهم مفعول به، والواو حرف عطف، وما نافية، وجملة يشعرون معطوفة على يهلكون (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في وصف ما يصدر عنهم يوم القيامة من أحوال متناقضة متهافتة، والواو شرطية، وترى فعل مضارع، وجواب لو محذوف لفهم المعنى، والتقدير: لرأيت شيئا مذهلًا عظيما. والرؤية هنا يجوز أن تكون قلبية: أي لو انصرفت إليهم بقلبك وفكرك لتتدبر أحوالهم وتكتنه
стр. 1192
حقيقة أمرهم في ذلك الوقت تزداد يقينا. ويجوز أن تكون بصرية ومفعولها محذوف، أي: لو ترى أحوالهم وتعاينها عن كثب. وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بتري، وجملة وقفوا في محل جر بالاضافة، والواو نائب فاعل، وعلى النار جار ومجرور متعلقان بوقفوا (فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الفاء حرف عطف، وقالوا عطف على وقفوا، ويا حرف نداء، والمنادى محذوف، أو هي لمجرد التنبيه، وليت واسمها، وجملة نرد خبرها، والواو للمعية، ولا نافية، ونكذب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية، وأن وما بعدها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متوهم، والتقدير: يا ليتنا لنا رد وانتفاء تكذيب والكون من المؤمنين، وجملة التمني في محل نصب مقول القول، ولأبي جعفر الطبري كلام مطوّل حول قراءة «ولا نكذب» بالرفع، وانتهى الى ترجيحها على قراءة النصب، وهو مجرّد تعسف. والواو حرف عطف، ونكون عطف على نكذب، واسم نكون مستتر تقديره نحن، ومن المؤمنين خبرها.
البلاغة:
في هذه الآية فنان جميلان:
١- الجناس بين ينهون وينأون، وهو جناس التصريف الذي هو اختلاف صيغة الكلمتين بإبدال حرف من حرف أو من قريب من مخرجه، سواء أكان الإبدال في الأول أم في الوسط أم في الآخر، ومن طربف هذا التجنيس في الشعر قول البحتري:
стр. 1193
عجب الناس لاغترابي وفي الأطراف تلقى منازل الأشراف
وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي
وجميل قول أبي فراس الحمدانيّ:
تعس الحريص وقل ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف
إن الغنيّ هو الغنيّ بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي
ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... وإذا قنعت فكلّ شيء كاف
وبلغ الشريف الرضيّ الغاية منه حيث قال:
لا يذكر الرمل إلا حنّ مغترب ... له إلى الرمل أوطار وأوطان
٢- والفن الثاني: هو الإيجاز بحذف جواب «لو» في الآية الثانية، ومفعول ترى فيها أيضا. والحذف كثير شائع في القرآن، وفائدته أن النفس تذهب في تقدير المحذوف كل مذهب، والخيال يتسع للتقدير، ومما جاء من حذف جواب لو قول أبي تمام في قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم بالله عند فتحه عمورية:
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له المنيّة بين السّمر والقضب
أي لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبته، أو لما أقدم على ما فرط منه.
على أن حذف الجواب لا بد له من دليل يدل عليه، ولذلك ورد الجواب
стр. 1194
في قوله تعالى: «ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلّوا فيه يعرجون لقالوا: إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون» إذ لو حذف الجواب لما علم مكان المحذوف.
الفوائد:
كان المشركون يظنون أنهم يستطيعون أن يضروا رسول الله ﷺ ، ويستطيعون إيذاءه وكان عمّه أبو طالب يحول بينهم وبين ابن أخيه فقال من نظمه:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقرّ منه عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبّةً ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)
الإعراب:
(بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) بل حرف إضراب وعطف،
стр. 1195
والمراد بالإضراب هنا إبطال كلام الكفرة، وبدا فعل ماض، ولهم جار ومجرور متعلقان ببدا، وما اسم موصول في محل رفع فاعل بدا، وجملة كانوا صلة الموصول، وكان واسمها، وجملة يخفون خبر كانوا، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بيخفون (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) الواو عاطفة، ولو شرطية، وردوا فعل ماض ونائب فاعل، واللام واقعة في جواب لو، وجملة لعادوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ولما اللام حرف جر، وما اسم موصول في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بعادوا، وجملة نهوا عنه صلة الموصول، والجار والمجرور متعلقان بنهوا (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) الواو حالية، وإن واسمها، واللام المزحلقة وكاذبون خبر إن (وَقالُوا: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة عادوا، فالجملة داخلة في حيز الجواب، أو على قوله «وإنهم لكاذبون» ، ويجوز أن تكون استئنافية وإن نافية وهي مبتدأ، وإلا أداة حصر، وحياتنا خبر، والدنيا صفة، والواو عاطفة، وما حجازية تعمل عمل ليس، ونحن ضمير منفصل في محل رفع اسمها، والباء حرف جر زائد ومبعوثين مجرور لفظا خبر «ما» الحجازية محلًا.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٠]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)
الإعراب:
(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ) الواو استئنافية، ولو شرطية،
стр. 1196
وترى فعل مضارع وهو شرط لو، وجوابها محذوف لفهم المعنى، والتقدير: لرأيت شيئا عظيما، و «ترى» يجوز أن تكون بصرية ومفعولها محذوف، ويجوز أن تكون قلبية، والمعنى لو حرفت قلبك وفكرك لتتدبر أحوالهم وتكتنه حقيقة أمرهم في ذلك الوقت لازددت يقينا. وإذ ظرف لما مضى متعلق بتري، وجملة وقفوا في محل جر بالاضافة، والواو نائب فاعل، وعلى ربهم جار ومجرور متعلقان بوقفوا (قالَ: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ) الجملة مستأنفة مسوقة لتكون جواب سؤال مقدر تقديره: ماذا قال لهم ربهم إذا وقفوا عليه؟ ويجوز أن تكون حالية وصاحب الحال «ربهم» ، كأنه قيل: وقفوا عليه قائلًا لهم: أليس هذا بالحق؟ والهمزة للاستفهام التوبيخي الإنكاري، وليس فعل ماض ناقص، وهذا اسم اشارة في محل رفع اسمها، والباء حرف جر زائد، والحق مجرور بالباء لفظا منصوب محلًا على أنه خبر ليس (قالُوا: بَلى وَرَبِّنا) كلام مستأنف مسوق لتأكيد اعترافهم باليمين. وبلى حرف جواب لإثبات النفي، وربنا الواو حرف قسم وجر، وربنا مجرور بواو القسم، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره، نقسم (قالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما قال لهم. والفاء الفصيحة، أي: إذا علمتم هذا ثم انحرفتم عن مقتضاه فذوقوا العذاب، والعذاب مفعول به لذوقوا، والباء حرف جر، وما موصولية أو مصدرية، أي: بالذي كنتم، أو بكونكم كفرتم، وكان واسمها، وجملة تكفرون خبر كنتم.
البلاغة:
الاستعارة المكنية في قوله: «فذوقوا العذاب» ، وقد تقدم القول فيها، فجدّد به عهدا: والله يعصمك.
стр. 1197
[سورة الأنعام (٦) : آية ٣١]
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١)
اللغة:
(أَوْزارَهُمْ) الأوزار: جمع وزر بكسر الواو، وهو الحمل الثقيل، والوزر في الأصل: الثقل، ومنه وزرته، ووزير الملك من هذا، لأنه يتحمل أعباء ما قلده من أمور الرعية، ومنه أوزار الحرب لسلاحها وعتادها وآلتها، قال الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالًا وخيلًا ذكورا
ووضعت الحرب أوزارها: أي أثقالها، كناية عن توقفها.
الإعراب:
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان مصير هؤلاء الذين حكيت أقوالهم. وقد حرف تحقيق، وخسر فعل ماض، والذين اسم موصول فاعله، وجملة كذبوا صلة، وبلقاء الله جار ومجرور متعلقان بكذبوا (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) تقدم القول قريبا في أن «حتى» في مثل هذا التركيب يجوز أن تكون غاية للتكذيب لا للخسران، أو ابتدائية، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى
стр. 1198
الشرط، وجملة جاءتهم الساعة في محل جر بالإضافة. وبغتة حال أو منصوب على المصدر، قال سيبويه: وهي مصدر في موضع الحال، قال. ولا يجوز أن يقاس عليه. فلا يقال: جاء فلان سرعة (قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. وقالوا فعل وفاعل، ويا حرف نداء، وحسرتنا منادى مضاف، وعلى ما فرطنا متعلقان بالحسرة، وجملة فرطنا فيها صلة «ما» (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) الواو حالية، وهم ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، وجملة يحملون خبر، وعلى ظهور هم جار ومجرور متعلقان بيحملون (أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) ألا أداة تنبيه، وساء فعل ماض لإنشاء الذم، وما نكرة تامة منصوبة على التمييز، أو اسم موصول فاعل، وجملة يزرون صفة على الأول، وصلة على الثاني.
البلاغة:
١- الاستعارة التصريحية، فقد شبه الذنوب بالأوزار الثقيلة، ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به.
٢- فنّ المقارنة: فقد اقترن ضربان من فنون البديع في الكلام، وهما التنكيت والمبالغة، فإن لقائل أن يقول: ما النكتة التي رجّحت اختصاص الظهور بالحمل دون الرؤوس؟ والجواب أن النكتة في ذلك الإشارة الى ثقل الأوزار، لأن الظهور أحمل للثقل من الرؤوس، وما يلزم من ذكر الظهور عن عجز الرؤوس عن حمل هذه الأوزار من المبالغة في ثقلها مقترن بالتنكيت، وما اكتنف هذا الاقتران من تجنيس المزاوجة في قوله تعالى: «أوزارهم» قبل قوله: «على ظهورهم» ،
стр. 1199
وقوله تعالى: «يزرون» بعدها، وترشيح هذا التجنيس لتمكين الفاصلة بالتصدير، واقتران الترشيح بالتصدير.
نموذج شعري:
ومن نماذج هذا الفنّ الشعري قول إدريس بن اليمان:
وكنت إذا استنزلت من جانب الرضا ... نزلت نزول الغيث في البلد المحل
وإن هيّج الأعداء منك حفيظة ... وقعت وقوع النار في الحطب الجزل
فإن الشاعر قرن في البيت الاستعارة في قوله «نزلت نزول الغيث» بالتشبيه فقد استعار الشاعر النزول للمدوح، لأن حقيقة ما أراد: إذا استرضيت رضيت، وأما التشبيه ففي قوله: «نزول الغيث» فإن التقدير: نزلت نزولا مثل نزول الغيث، وقرن تجنيس التغاير في قوله «نزلت نزول الغيث» فإن اللفظة الأولى فعل والثانية اسم بالترشيح، فإنه رشح بذلك التجنيس للإيغال، وجاءت المبالغة مدمجة في التشبيه، إذ شبه نزوله بنزول الغيث، وقرن في البيت الثاني الاستعارة التي في قوله: «وقعت» بالتشبيه الذي في لفظ: «وقوع النار» وأدمج المبالغة في هذا التشبيه، لأن قوله: «وقعت وقوع النار» مبالغة، وأدمج في تجنيس التغاير الذي في لفظتي «وقعت» و «وقوع» ، والترشيح للإيغال. وجميلة المقارنة في قول تميم بن مقبل:
стр. 1200
لدن غدوة حتى نزعنا عشيّة ... وقد مات شطر الشمس والشطر مدنف
فإنه قرن في هذا البيت الإرداف والاستعارة، لأنه عبر عن الغروب بموت شطر الشمس في أوائل العجز، وهذا هو الإرداف، واستعار للشطر الآخر الدنف وهو شدة المرض، وهذا بليغ جدا حيث أتت المقارنة في عجز البيت وحده.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٢ الى ٣٣]
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)
الإعراب:
(وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد ما وراء الطبيعة، وأن هناك حياة أخرى، وتبيان حقيقة تينك الحياتين. وما نافية، والحياة مبتدأ والدنيا صفة، وإلا أداة حصر، ولعب خبر الحياة، ولهو عطف على لعب (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) الواو حالية، واللام لام الابتداء، والدار مبتدأ والآخرة صفة، وخير خبر، وللذين جار ومجرور متعلقان بخير، وجملة يتقون صلة الموصول، والجملة نصب على الحال. ولك
стр. 1201
أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لإتمام بيان حال الحياتين، والهمزة للاستفهام الإنكاري داخلة على مقدر، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: أتغفلون فلا تعقلون، والجملة الاستفهامية مستأنفة (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة للتسرية عن الرسول ﷺ ، وقد في الأصل للتقليل، ولكن أريد بها التكثير، وسيرد تفسير ذلك في باب البلاغة . ونعلم فعل مضارع متعد لاثنين، وما بعده سادّ مسدّهما، فانه معلق عن العمل بلام الابتداء، وكسرت همزة إن لدخول اللام في حيزها، وإنه واسمها، وجملة يحزنك خبر إن، والذي فاعل يحزنك، وجملة يقولون صلة (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الفاء تعليلية، وإن واسمها، ولا نافية، وجملة لا يكذبونك خبرها، ولكن الواو حالية أو عاطفة، ولكن واسمها، وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بيجحدون، وجملة يجحدون خبر لكن.
البلاغة:
في الآية الثانية نوعان من البلاغة:
١- الرجوع الى الضد فيما بلغ الغاية، وهي سنة من سنن العرب ولطائفهم، فيسمون الجميلة المفرطة في جمالها قبيحة، ويعبرون عن الشيء بضده، وقد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه البلاغة بقوله:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمنتهى ومن السرور بكاء
стр. 1202
يريد أنك بلغت في الجود أقصى غايته وطلبت شيئا آخر وراءه فلم تجد فكدت تحول أي ترجع عن آخره لما انت هيت اليه، إذ ليس من شأنك أن تقف في الكرم على غاية بعد بلوغك غايته. وهذا من أحسن الكلام أي إذا تناهى الإنسان في الجود كاد يعود الى البخل.
وفي الآية عبر ب «قد» التي هي للتقليل إذا دخلت على الفعل المضارع تنبيها على زيادة الفعل، والمراد بكثرة علمه تعالى كثرة متعلقاته.
وسيرد الكثير منه في هذا الكتاب.
٢- أقام الظاهر مقام المضمر بقوله: «ولكن الظالمين» وقياس الظاهر يقتضي إضماره، ولكنه عدل عن القياس للإسهاب في ذمهم وللتصريح بلفظ الظلم وتسميتهم به، ليكون سمة يتميزون بها زيادة في تأكيد ذمهم.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٤]
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)
الإعراب:
(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للتسرية عنه، ﷺ ، واللام جواب للقسم المحذوف، وقد حرف تحقيق، وكذبت فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث الساكنة، ورسل نائب فاعل، ومن قبلك
стр. 1203
جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرسل (فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا) الفاء عاطفة، وصبروا فعل وفاعل عطف على كذبت، و «على ما» جار ومجرور متعلقان بصبروا و «ما» مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر، أي: على تكذيبهم، وأوذوا عطف على «صبروا» ، وحتى تحتمل الغاية- ولعلها هنا أرجح- وتحتمل أن تكون ابتدائية، وأتاهم نصرنا فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) الواو حالية، ولا نافية للجنس، ومبدل اسمها المبني على الفتح، ولكلمات الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، والواو استئنافية، واللام جواب القسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وجاءك فعل ومفعول به، وفاعل جاءك مشكل، والظاهر أن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف هو صفة للفاعل نابت منابه، أي جاءك بعض أنبائهم أو مزيد من أنبائهم وقصصهم، ويجوز أن يعلق الجار والمجرور بمحذوف حال من الفاعل المستتر في جاء، والعائد الى ما هو مفهوم من الجملة السابقة، أي: ولقد جاءك هذا الخبر كائنا من نبأ المرسلين. والأول أسهل، وأبعد عن التكلف.
البلاغة:
الالتفات البديع من ضمير الغيبة الى ضمير المتكلم في قوله تعالى:
«حتى أتاهم نصرنا» ، إذ قبله: «بآيات الله يجحدون» ، ولو جرى الكلام على نسقه لقيل: نصره، وفائدة هذا الالتفات- بالإضافة الى تطرية الكلام وتنويعه- إسناد النصر الى ضمير المتكلم المشعر بالعظمة، والحافز على وجوب مداومة الجهاد والنضال والصمود في سبيل تحقيق المطمح الكبير، وتأدية الرسالة السامية المثلى.
стр. 1204
[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٥]
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)
اللغة:
(نَفَقاً) النفق: سرب في الأرض له مخرج الى مكان معهود، ومنه نفق السكة الحديدية. وقد تقدم البحث مستوفى في هذه المادة.
(السلم) : هو المصعد، وقيل: هو الدّرج، وقيل: هو السبب أيّا كان، تقول العرب: اتخذني سلما لحاجتك، أي: سببا، وهو مشتق من السلامة، لأن الصاعد به تكتب له السلامة. والأفصح تذكيره، وحكى الفرّاء تأنيثه عن العرب.
الإعراب:
(وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد وجوب صبره ﷺ . وإن شرطية، وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسم كان هو ضمير الشأن، وجملة كبر عليك إعراضهم خبر، وعليك جار ومجرور متعلقان بكبر، وإعراضهم فاعل (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ) الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وإن شرطية أيضا، واستطعت فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف، أي: فافعل. والمعنى: إن استطعت منفذا تحت الأرض تنفذ فيه فتطلع لهم بآية، أو سلما تصعد به الى السماء
стр. 1205
فتنزل منها بآية فافعل، وأن تبتغي مصدر مؤول في محل نصب مفعول استطعت، والشرط الثاني وجوابه جواب الشرط الأول، وفي الأرض صفة ل «نفقا» وفي السماء جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «سلما» (فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) الفاء حرف عطف، وتأتيهم فعل مضارع معطوف على تبتغي، والواو استئنافية، ولو شرطية، وشاء الله فعل وفاعل، واللام واقعة في جواب لو، وجملة جمعهم على الهدى لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا عرفت هذا فلا تكونن، ولا ناهية، وتكونن فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم ب «لا» ، ومن الجاهلين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكونن.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)
стр. 1206
الإعراب:
(إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد أن عدم استجابتهم ناشىء عن وجود الأكنة على قلوبهم والوقر في آذانهم، لأنهم يحسبون في عداد الأحياء وهم في الحقيقة موتى. وإنما كافة ومكفوفة، ويستجيب فعل مضارع مرفوع، والذين فاعله، وجملة يسمعون صلة الموصول لا محل لها، والموتى الواو يجوز أن تكون مستأنفة، والموتى مبتدأ، وجملة يبعثهم الله خبره، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، والموتى منصوب على الاشتغال بفعل مضمر يفسره الاسم الظاهر بعده وتكون جملة يبعثهم الله مفسرة لا محل لها، ولعل هذا الوجه أولى، لينسجم التركيب. وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، واليه جار ومجرور متعلقان بيرجعون، ويرجعون فعل مضارع عطف على جملة يبعثهم (وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) الواو استئنافية، وقالوا فعل وفاعل، والجملة مستأنفة لحكاية نمط آخر من أنماط جناياتهم، ولولا حرف تحضيض، ونزل فعل ماض مبني للمجهول، وعليه جار ومجرور متعلقان بنزل، وآية نائب فاعل، ومن ربه جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية، والجملة في محل نصب مقول قولهم. (قُلْ: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) الجملة مستأنفة مسوقة للدلالة على إفراطهم في اللجاجة، وتماديهم في الفساد، مع ترادف الآيات وتتابعها. وإن واسمها وخبرها، والجملة في محل نصب مقول القول، وعلى حرف جر، وإن وما في حيزها في تأويل مصدر مجرور بعلى، والجار والمجرور متعلقان بقادر، وآية مفعول به لينزل (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الواو حالية، ولكن واسمها، ولا نافية، وجملة يعلمون خبرها،
стр. 1207
والجملة نصب على الحال (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان قدرته تعالى وعلمه وتدبيره.
وما نافية، ومن حرف جر زائد، ودابة اسم مجرور بمن لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لدابة، والواو حرف عطف، ولا نافية، وطائر اسم معطوف على دابة، وجملة يطير بجناحيه صفة لطائر، وسيأتي مزيد من بحث هذه الآية في باب البلاغة (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) إلا أداة حصر، وأمم خبر دابة، وأمثالكم صفة لأمم (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) ما نافية، وفرطنا فعل وفاعل، وفي الكتاب جار ومجرور متعلقان بفرطنا، ومن حرف جر زائد، وشيء مجرور لفظا منصوب محلا على المصدرية أو المفعولية وجملة ما فرطنا استئنافية، وسيأتي مزيد من إعراب هذا الكلام في باب الفوائد، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، والى ربهم جار ومجرور متعلقان بيحشرون، ويحشرون فعل مضارع معطوف على ما تقدم.
البلاغة:
في قوله: «يطير بجناحيه» فن الانفصال لزيادة التعميم والشمول، فإن لقائل أن يقول: جملة قوله تعالى: «يطير بجناحيه» لا فائدة في الإتيان بها ظاهرا، إذ كل طائر يطير بجناحيه، وهذا إخبار بمعلوم، والانفصال عن ذلك أن يقال: إنه سبحانه أراد أن يدمج في هذا الخبر النهي عن قتل الحيوان الذي لا يؤذي عبثا بدليل قوله:
«إلا أمم أمثالكم» ، ففي مساواته بين ذلك وبين المكلفين إشارة الى أن الإنسان يدان بما يفعله مع كل جسم قابل للحياة، وفي دواب
стр. 1208
الأرض ما لا حرج على قاتله، كالذباب والبعوض والنمل والعقارب والجعلان وسائر الهمج. فأراد تبيين هذا الصنف من هذا النوع، وهو أشرف أصنافه الذي امتنّ الله سبحانه على نبيّه داود ﵇ بتسخيره له وعلى ابنه سليمان بتعليم منطقه، وقال فيه رسول الله ﷺ مصرحا بأن الإنسان يدان به: «من قتل عصفورا عبثا ... » الحديث، فخصّص هذا الصنف بصفة مميزة له من بقية الأصناف فقال «يطير بجناحيه» ، لأنه لا يطلق الجناح حقيقة إلا على العضو الذي ليس له ريش وقصب وأباهر وخوافي وقوارم، ليستدل يكون هذا الصنف من بين جميع أصناف الطائر هو المقصود بالنهي عن قتله وتعذيبه، على أن المراد بالدابة المذكورة في صدر الآية هي الصنف الشريف من أصناف الدواب، لتخرج الحشرات من ذلك النوع كما خرجت الهمج من نوع الطائر بتمييز الصنف المشار اليه منه، واكتفى بتبيين الثاني عن تبيين الأول لعلمه أن العارف بترتيب نظم الكلام يقيس الأول منه على الثاني. وفي صحيح مسلم: إن رسول الله ﷺ قال: لتؤدنّ الحقوق الى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
الفوائد:
هل تزاد «من» في بقية المفاعيل؟ الجواب إنها لا تزاد في المفعول معه والمفعول لأجله والمفعول فيه، ووجه منع زيادتها أنهن في المعنى بمنزلة المجرور بالإضافة وباللام وبفي، ولا تجامعهن «من» ، ولكن لا يظهر وجه للمنع في المفعول المطلق، وقد خرّج عليه أبو البقاء قوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء» ، فقال: من زائدة،
стр. 1209
وشيء في موضع المصدر، أي: تفريطا شيئا، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، ثم زيدت «من» ، قال: ولا يكون مفعولا به، لأنّ «فرط» إنما يتعدى إليه ب «في» ، وقد عدّي بها الى الكتاب، قال: وعلى هذا فلا حجة في الآية لمن ظنّ أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا. والردّ على هؤلاء الظانّين بأن هذا لا يسلم إلا لو كان «من شيء» مفعولا به لأن المعنى: ما فرطنا أي: ما تركنا شيئا في الكتاب، وأما لو جعل المفعول به «في الكتاب» وجعل قوله:
«من شيء» مصدرا، أي: ما فرطنا في الكتاب فلا دلالة له على ذلك.
وزاد ابن هشام فقال: «وكذا لا حجة فيها لو كان «شيء» مفعولا به، لأن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، كما في قوله تعالى: «ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين» وهو رأي الزمخشري، والسياق يقتضيه.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٣٩]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)
الإعراب:
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لبيان مصير المكذبين. والذين مبتدأ، وجملة كذبوا صلة الموصول لا محل لها، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا، وصم خبر، وبكم عطف على صم، وفي الظلمات جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، وقد وهم أبو البقاء فظنّ أنهما من باب «الرمان حلو حامض» ، فجعل الكلمتين خبرا، وليس الأمر
стр. 1210
كذلك، لأن الاختلاف واضح بين التعبيرين، فكلمتا حلو حامض تعبران عن معنى واحد، وهو مزّ، أما صم وبكم فلكل واحدة منهما معناها القائم بها، فالصمم عدم السمع، والبكم عدم النطق، وسيأتي مزيد لهذا البحث الفريد. (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) كلام مستأنف مسوق لتقدير ما سبق من حالهم، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويشأ فعل الشرط، ويضلله جوابه، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم عطف على الجملة السابقة، ومفعول المشيئة في كلا الفعلين محذوف، وهو مضمون الجزاء، أي: إضلاله وهدايته.
الفوائد:
يجوز أن يتعدد الخبر، نحو: «زيد كاتب شاعر» ، وليس من تعدّد الخبر ما ذكره بعضهم من قولهم: «الرّمان حلو حامض» لأن معنى الخبرين راجع الى شيء واحد، إذ معناهما مزّ.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)
الإعراب:
(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ) الكلام مستأنف مسوق لطلب الإخبار عن حالتهم
стр. 1211
العجيبة، وأ رأيتكم تعبير استفاض في كلامهم وكثرت فيهم أقوال العلماء والمعربين، وسترى تلخيصا مفيدا في باب الفوائد لما قيل فيه، وهو على وجه الاختصار. الهمزة للاستفهام، ورأى فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والكاف حرف خطاب يدل على اختلاف المخاطب، والتاء مفتوحة دائما في جميع أحواله، ومعنى الكلام:
أخبروني عن حالتكم العجيبة، وقد جرى ذلك على سبيل المجاز، لأنه لما كان العلم بشيء سببا للإخبار عنه أو الإبصار به طريقا للإحاطة به علما والى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي هي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخبر لاشتراكهما في الطلب، ففيه مجازان:
رأى بمعنى علم أو أبصر في الإخبار، واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار. هذا ولا يلزم من كون «أرأيت» بمعنى «أخبرني» أن يتعدى تعديته لأن أخبرني يتعدّى ب «عن» ، وأ رأيت يتعدى لمفعول به صريح، وإلى جملة استفهامية في موضع المفعول الثاني. والمفعول الأول في هذه الآية محذوف، تقديره:
«أرأيتم إياه» أي: العذاب، والثاني هو الجملة الاستفهامية، وهي:
«أغير الله تدعون» ، (إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) إن شرطية، وأتاكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به، وعذاب الله فاعل، وأو حرف عطف، وأتتكم الساعة عطف على أتاكم، وجواب الشرط محذوف تقديره: «فمن تدعون» ، وقيل: تقديره:
«فأخبروني عنه أتدعون غير الله لكشفه» ؟ (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الجملة استئنافية والهمزة للاستفهام، وغير الله مفعول به مقدم لتدعون، وإن شرطية، وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، وصادقين خبرها، وجواب إن محذوف، أي: إن كنتم صادقين في أن الأصنام تنفعكم فادعوها
стр. 1212
(بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ) بل حرف إضراب وعطف، وإياه ضمير منفصل في محل نصب مفعول به مقدم لتدعون، فيكشف عطف على تدعون، وما اسم موصول في محل نصب مفعول يكشف، وجملة تدعون إليه صلة، الواو حرف عطف وإن شرطية، وشاء فعل الشرط، والجواب محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، والمراد بها ما عبد من دون الله مطلقا من العقلاء وغيرهم، وغلب «غير الله» زيادة في التنديد بهم، وتنسون معطوفة على تدعون، وما اسم موصول مفعول به، وجملة تشركون صلة «ما» .
الفوائد:
(أَرَأَيْتَكُمْ) هذه التاء من الأمور الغريبة في لغتنا، وذلك أنه إذا أريد ب «أرأيت» معنى «أخبرني» جاز أن تتصل به تاء الخطاب، فإن لم تتصل به وجب للتاء ما يجب لها مع سائر الأفعال، من تذكير وتأنيث، وتثنية وجمع، عما يلحق التاء مما يلزمها في خطاب المفرد المذكّر، ولو كان الخطاب لاثنين لقيل: أرأيتكما، أو للجمع لقيل:
أرأيتكم، أو للإناث لقيل: أرأيتكن، فتلزم التاء الفتح والتجريد عن الخطاب، والكاف في هذا حرف خطاب لا موضع لها من الإعراب، واستدل سيبويه على ذلك بقول العرب: أرأيتك فلانا ما حاله؟ أما إذا لم يرد ب «أرأيت» معنى أخبرني فإنه يجب للتاء والكاف مجتمعتين ما يجب لهما منفردتين، فيقال: أرأيتك قادرا أو أرأيتكما قادرين أو أرأيتكم قادرين أو أرأيتكنّ قادرات، كما تقول:
أعلمتك قادرا.
стр. 1213
خلاصة المذاهب في هذا التعبير:
إذا قررنا هذا فنقول: اختلف العلماء في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
المذهب الأول:
إن المفعول الأول والجملة التي سدّت مسد المفعول الثاني محذوفان لفهم المعنى، والتقدير: أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم؟ أو اتخاذكم غير الله إلها هل يكشف عنكم العذاب؟ ونحو ذلك، فعبادتكم واتخاذكم مفعول أول، والجملة الاستفهامية مسد الثاني، والتاء هي الفاعل، والكاف حرف خطاب.
المذهب الثاني:
إن الشرط وجوابه قد سدّا مسدّ المفعولين، لأنهما قد حصلا المعنى المقصود، فلم يحتج هذا الفعل الى مفعول.
المذهب الثالث:
إن المفعول الأول محذوف، والمسألة من باب التنازع بين أرأيتكم وأتاكم، والمتنازع فيه هو لفظ العذاب.
стр. 1214
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) الجملة القسمية كلام مستأنف مسوق لتسليته ﷺ . والواو استئنافية، واللام جواب قسم محذوف، وأرسلنا فعل وفاعل، وإلى أمم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا، ومن قبلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأمم، وجملة قد أرسلنا لا محل لها لأنها جواب للقسم المحذوف (فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)
الفاء حرف عطف، وأخذناهم فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على محذوف تقديره:
فكذبوا فأخذناهم، وبالبأساء جار ومجرور متعلقان بأخذناهم، والضراء عطف على قوله: بالبأساء، ولعل واسمها، وجملة يتضرعون خبرها، وجملة الرجاء حالية (فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا) الفاء استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لتوبيخهم وحثهم على الندامة والتخويف من العاقبة واللياذ بالتضرّع إليه تعالى. ولولا وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بتضرعوا، وجملة جاءهم في محل جر بالإضافة، وبأسنا فاعل تضرعوا (وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) الواو حالية، ولكن مخففة من الثقيلة مهملة، فهي لمجرد الاستدراك، وقست قلوبهم فعل ماض وفاعل، والجملة حالية، أي: والحال أنها استمرت على ما هي عليه من القساوة وجفاء الطبع.
стр. 1215
وزين فعل ماض، ولهم جار ومجرور متعلقان بزين، والشيطان فاعل، والجملة معطوفة، وما اسم موصول مفعول به، وجملة كانوا صلة، والواو اسم كان، وجملة يعملون خبرها.
الفوائد:
(لولا) تكون على ثلاثة أوجه:
١- حرف امتناع لوجود، يمتنع الشرط لوجود الجواب، والاسم بعدها مبتدأ محذوف الخبر وجوبا، ويجب كون الخبر كونا مطلقا. أما إذا كان مقيدا كالقيام والقعود فيجب ذكره، ولذلك لحنوا أبا العلاء المعري بقوله يصف السيف:
يذيب الرّعب منه كلّ عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا
وأجيب عنه بأن جملة يمسكه ليست خبرا وإنما هي بدل اشتمال من الغمد أو حالية، وإذا وليها مضمر فحقه أن يكون ضمير رفع، نحو قوله: «لولا أنتم لكنّا مؤمنين» . وسمع قليلا: لولاي ولولاك ولولاه فهي عندئذ حرف جر ولا تتعلق بشيء.
٢- حرف تحضيض وعرض، فتختص بالمضارع أو ما في تأويله، نحو: «لولا تستغفرون الله» و «لولا أخرتني إلى أجل قريب» .
٣- حرف توبيخ وتنديم، فتختص بالماضي كهذه الآية، وكثيرا ما ترافقها إذ الظرفية أو إذا، كقوله تعالى: «فلولا إذا بلغت الحلقوم» .
وسيأتي مزيد بحث عنها في مواطنه.
стр. 1216
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٤ الى ٤٥]
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)
اللغة:
(مُبْلِسُونَ) : واجمون متحيرون آيسون.
(دابِرُ) : الدابر: التابع من خلف، أي آخرهم.
الإعراب:
(فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) الفاء استئنافية، ولما ظرفية، ونسوا فعل وفاعل، وجملة نسوا في محل جر بالإضافة، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة ذكروا صلة الموصول، وبه جار ومجرور متعلقان بذكروا، وفتحنا فعل وفاعل. والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وعليهم جار ومجرور متعلقان بفتحنا، وأبواب مفعول به، وكل شيء مضاف إليه (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) حتى ابتدائية أو غائية، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بأخذناهم، وجملة فرحوا في محل جر بالإضافة، وبما جار ومجرور متعلقان بفرحوا، وجملة أوتوا صلة الموصول، وأوتوا فعل ماض مبني
стр. 1217
للمجهول والواو نائب فاعل، وجملة أخذناهم من الفعل والفاعل والمفعول لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وبغتة حال أو مفعول مطلق، فإذا الفاء عاطفة، وإذا هي الفجائية وهي حرف على ما اخترناه، وهم مبتدأ، ومبلسون خبر، والجملة استئنافية.
(فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) الفاء عاطفة، وقطع فعل ماض مبني للمجهول، ودابر نائب فاعل، والقوم مضاف إليه، والذين اسم موصول في محل جر نعت للقوم، وجملة ظلموا لا محل لها لأنها صلة الموصول، والحمد الواو استئنافية، والحمد مبتدأ، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، ورب نعت أو بدل، والعالمين مضاف اليه.
الفوائد:
(إذا الفجائية) فيها ثلاثة مذاهب:
١- مذهب سيبويه: وهو أنها ظرف مكان أو زمان.
٢- مذهب جماعة آخرين من البصريين: وهو أنها ظرف زمان.
وفي الحالين تتعلق بالخبر وهو قوله: مبلسون، أي أبلسوا في زمان إقامتهم أو مكانها.
٣- مذهب الكوفيين: وهو أنها حرف فلا تتعلق بشيء. وهذا ما اخترناه. وسترد تفاصيل عنها في مواطنها.
стр. 1218
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٦ الى ٤٧]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)
اللغة:
(يَصْدِفُونَ) في المختار: «صدف عنه: أعرض، وبابه ضرب وجلس. وأصدفه عنه كذا: أماله عنه» ، وصادفه قابله على قصد وبدونه، فما تقوله العامة: صدفة خطأ ولحن. وزعم صاحب المنجد أن الصدفة بكسر الصاد: لفظة مولّدة بمعنى المصادفة والاتفاق.
الإعراب:
(قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ) كلام مستأنف مسوق لأخذ الحجة عليهم، وقطع الطريق على مكابرتهم.
وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت يا محمد، والهمزة للاستفهام التقريري، ومفعول رأيتم الأول محذوف تقديره: أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذها الله؟ والجملة الاستفهامية الآتية وهي: «من إله» في موضع المفعول الثاني، وإن شرطية، وأخذ فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف، وقد تقدم إعراب نظيره في:
«أرأيتكم» ، ولم يؤت هنا بكاف الخطاب كما أتى به هناك لهول التهديد في الأول، ووحد السمع وجمع الأبصار لسرّ تقدم ذكره في
стр. 1219
سورة البقرة، وقيل: جائز أن تكون الهاء عائدة على السمع فتكون موحدة لتوحيده، وجائز أن تكون موحدة لتوحيد «من» ، أي:
من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار والأفئدة؟
وسمعكم مفعول به وأبصاركم عطف، وجملة ختم معطوفة وعلى قلوبكم متعلقان بختم. (مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) من اسم استفهام للتوبيخ، وهو مبتدأ، وإله خبره، وغير الله صفة، وجملة يأتيكم صفة ثانية، وبه جار ومجرور متعلقان بيأتيكم (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) الجملة مستأنفة، وانظر فعل أمر، وكيف اسم استفهام في محل نصب حال، وقد علقت انظر عن العمل، وجملة نصرف الآيات في محل نصب مفعول به، والآيات مفعول به، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، وهم مبتدأ، وجملة يصدفون خبر (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً) تقدم الكلام في أرأيتكم قريبا، وإعراب بغتة أو جهرة (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) إلا أداة حصر، والقوم نائب فاعل، والظالمون صفة.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)
الإعراب:
(وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لتبيان مهام الرسالة، ودقة التكليف الذي يتمرس به المرسلون. ونرسل المرسلين فعل وفاعل مستتر ومفعول به،
стр. 1220
وإلا أداة حصر، ومبشرين حال، ومنذرين عطف على مبشرين (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) الفاء استئنافية، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، وآمن فعل ماض وهو فعل الشرط، وأصلح عطف عليه والفاء رابطة لجواب الشرط، ولا نافية مهملة وخوف مبتدأ، وعليهم خبر، ولا هم يحزنون الجملة عطف على الجملة الأولى، وجملة «لا خوف عليهم» في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، ويجوز أن تكون «من» موصولة لمناسبة ما بعدها، فتكون في محل رفع مبتدأ، وتكون جملة: «لا خوف عليهم» هي الخبر للموصول، وجيء بالفاء لما في الموصول من رائحة الشرط (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) الواو عاطفة أو استئنافية، والذين مبتدأ، وجملة كذبوا صلة، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا، وجملة يمسهم العذاب خبر اسم الموصول، وبما الباء حرف جر، وما مصدرية، والمصدر المؤول مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان بيمسهم، أي: بسبب فسقهم، وكان واسمها، وجملة يفسقون خبرها.
البلاغة:
في قوله: «يمسهم العذاب» استعارة تصريحية تبعية كأن العذاب كائن حيّ يفعل بهم ما يريده من الآلام. وقد تقدم أمثالها كثيرا.
стр. 1221
[سورة الأنعام (٦) : آية ٥٠]
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)
الإعراب:
(قُلْ: لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ) الكلام مستأنف مسوق لتنزيه نفسه مما يقترحونه عليه. وقل فعل أمر، ولا نافية، وأقول فعل مضارع، ولكم جار ومجرور متعلقان بأقول، وجملة لا أقول مقول القول الأول، ولكم متعلقان بأقول وعندي ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وخزائن الله مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب مقول القول الثاني (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) جملة ولا أعلم الغيب معطوفة على جملة عندي خزائن الله لأنه من جملة مقول القول وجملة لا أقول لكم إني ملك معطوفة على جملة لا أقول لكم الأولى، وإني ملك: إن واسمها وخبرها مقول القول أيضا. (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ) الجملة داخلة في حيز المقول الذي لم ينته بعد، وإن نافية، وإلا أداة حصر، و «ما» اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة يوحى صلة الموصول، ونائب الفاعل مستتر، وإليّ جار ومجرور متعلقان بيوحى (قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) كلام مستأنف لتتمة الوصايا، وهل حرف استفهام معناه النفي، أي: لا يستويان، ويستوي فعل مضارع، والأعمى فاعله، والبصير عطف على الأعمى، والجملة في محل نصب مقول القول، أفلا الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة، ولا نافية، وتتفكرون عطف على مقدر محذوف تقديره أي لا يستمعون هذا الكلام الذي يتلى عليكم فلا تتفكرون فيه وتتبينون مغابّه؟
стр. 1222
البلاغة:
الطباق بين الأعمى والبصير، وهما تشبيهان بليغان للضّالّ والمهتدي. ويجوز أن يعتبرا من باب الاستعارة التصريحية، لأن المشبّه لم يذكر وذكر المشبه به.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥١ الى ٥٢]
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)
الإعراب:
(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ) الواو عاطفة، والكلام معطوف على ما تقدم معدولا به إلى توجيه الانذار للذين يتفرس فيهم قبول الاتعاظ والاستعداد لتقبّله، وهم المؤمنون العاصون.
وأنذر فعل أمر، وبه جار ومجرور متعلقان بأنذر، والذين اسم موصول مفعول به، وجملة يخافون صلة الموصول، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول يخافون (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ
стр. 1223
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
الجملة حال من الضمير في أن يحشروا، أي: أنذر به هؤلاء الذين يخافون الحشر حال كونهم لا ولي لهم يواليهم ولا نصير ولا شفيع يشفع لهم من دون الله، وليس فعل ماض ناقص، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس، ومن دونه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وولي اسم ليس، ولا شفيع عطف على ولي، ولعل واسمها، وجملة يتقون خبرها، وجملة الرجاء حالية (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) الواو حرف عطف، ولا ناهية، وتطرد فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت، والذين اسم موصول مفعول به وجملة يدعون صلة وربهم مفعول به وبالغداة جار ومجرور متعلقان بيدعون، والعشي عطف على الغداة (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) الجملة حال من ضمير يدعون، أي: يدعونه مخلصين، ووجهه مفعول به (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ما يجوز أن تكون الحجازية العاملة عمل ليس فيكون «علبك» في محل نصب على أنه خبرها، عند من يجوز إعمالها في الخبر المقدّم، إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا، أما في حال المنع فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ المؤخر هو «شيء» زيدت فيه «من» . وقوله من حسابهم حال، وصاحب الحال هو «شيء» لأن الجار والمجرور لو تأخرا عنه لتعلقا بمحذوف صفة له، وصفة النكرة متى تقدمت انتصبت على الحال، وجملة ما عليك إلخ حال أيضا (وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) الواو عاطفة، وما من حسابك عليهم من شيء تقدم إعرابها، إلا أن من حسابك يشكل جعلها حالًا لأنه يلزم تقدم الحال على عامله المعنوي، وهو ضعيف، ولو جاءت الجملة الثانية على نمط الأولى لكان التركيب:
وما عليهم من حسابك من شيء، فتقدم المجرور بعلى كما قدمته في الأولى، لكنه قدمه تشريفا له ﷺ ليكون الخطاب
стр. 1224
مواجها له، وإذن أنت مضطر أن تجعله صفة مقدمة على موصوفها.
فتطردهم الفاء هي السببية وهي جواب النفي، وتطردهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة، فتكون الفاء أيضا سببية، وهي جواب النهي، فتأمل دقّة الفرق بين معنى الفاءين. ويجوز أن تجعل الفاء الثانية عاطفة، وتكون معطوفة على تطردهم على وجه التسبيب، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم، ومن الظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكون.
البلاغة:
١- في قوله: «يريدون وجهه» أي: ذاته وحقيقته: مجاز مرسل، والعلاقة ذكر البعض وإرادة الكل، وهو مجاز سائغ في كلامهم.
٢- في قوله: «وما من حسابك عليهم من شيء» فنّ ردّ العجز على الصدر، وهو أن يجعل المتكلم أحد اللفظين المتفقين في النطق والمعنى، أو المتشابهين في النطق دون المعنى أو اللذين يجمعهما الاشتقاق أو شبه الاشتقاق، في آخر الكلام بعد جعل اللفظ الآخر له في أوله.
ومنه قول البحتري:
ضرائب أبدعتها في السّماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا
وقول أبي تمام:
ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع
وقول المعرّي:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
стр. 1225
وبيت الحماسة المشهور:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
الفوائد:
روي أن رؤساء المشركين قالوا لرسول الله ﷺ :
لو طردت عنا هؤلاء الأعبد، يعنون فقراء المسلمين، وهم عمار بن ياسر وصهيب وبلال وأرواح جبابهم- وكانت عليهم جباب من صوف لمداومة لبسها ولعدم وجود غيرها- جلسنا إليك وحادثناك؟ فقال ﵊: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم عنّا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت. فقال: نعم، طمعا في إسلامهم. فقالوا فاكتب لنا كتابا عليك بذلك، فأتى بالصحيفة ودعا عليّا ليكتب، فنزل عليه جبريل بقوله: «ولا تطرد..» الآية. وهذا من أروع مثل المساواة الاسلامية.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)
стр. 1226
اللغة:
(فَتَنَّا) : اختبرنا وابتلينا.
(مَنَّ) : أنعم، وله عليّ منّة ومنن، ومنّ عليّ بما صنع، وامتننت منك بما فعلت منّة جسيمة أي: احتملت منّة، وليس لقلبه منّة أي: قوّة. ومادة الميم والنون تفيد الإعطاء والمنع على الأغلب، ومنه: منح وفلان منّاح، وفلان يعطي المنائح والمنح، ومنح الشيء ومنه وعنه، وهو منوع ومنّاع. وهذا من غرائب لغتنا التي لا تقف عند حدّ.
الإعراب:
(وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) الكلام مستأنف مسوق لبيان أن الإسلام جعل المساواة شرعة ومنهاجا، لأن الله ابتلى الغني بالفقير والفقير بالغنيّ، وكل مبتلى بضده حتى تعم المساواة، فلا رفيع ولا وضيع، ولا كبير ولا صغير، والكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف، أو هي حرف جر، واسم الاشارة في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، وقد تقدم بحثه، وسيبويه يختار إعرابه حالا، وبعضهم مفعول به، وببعض جار ومجرور متعلقان بفتنّا (لِيَقُولُوا: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) اللام للتعليل، ويقولوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والتقدير: ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا، ويجوز أن تكون اللام هي
стр. 1227
لام الصيرورة أو العاقبة، ويكون قوله: «أهؤلاء» صادرا عنهم على سبيل الاستخفاف بالمؤمنين، والجملة الاستفهامية في محل نصب مقول القول، والهمزة للاستفهام التقريري والتهكمي، وهؤلاء اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، وجملة «منّ» الله خبر، وعليهم جار ومجرور متعلقان ب «منّ» ، ومن بيننا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ويجوز أن نعرب «هؤلاء» نصبا على الاشتغال بفعل محذوف يفسره الفعل الظاهر العامل في ضميره بواسطة «على» ، ويكون المفسر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، والتقدير: أفضل الله هؤلاء ومنّ عليهم أو اختارهم، وتكون جملة منّ الله عليهم لا محل لها من الإعراب لأنها مفسرة، وإنما ساغ هذا الوجه وفضله الكثيرون لأنه ولي همزة الاستفهام، وهي أداة يغلب إيلاء الفعل بعدها. وقوله: أليس الهمزة للاستفهام التقريري، وليس فعل ماض ناقص، والله اسمها، والباء حرف جر زائد، وأعلم مجرور لفظا بالباء منصوب محلا على أنه خبر ليس، وبالشاكرين جار ومجرور متعلقان بأعلم، والجملة الاستفهامية مستأنفة مسوقة لتكون جوابا للاستفهام التقريري (وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق للعودة الى ذكر المؤمنين الذين نهي عن طردهم وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب، أي: فقل سلام عليكم وقت مجيئهم، وجملة جاءك في محل جر بالإضافة، والذين فاعل، وجملة يؤمنون صلة، فقل الفاء واقعة في جواب الشرط، وسلام مبتدأ ساغ الابتداء به مع أنه نكرة لما فيه من معنى الدعاء، وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وجملة قل لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة سلام عليكم في محل نصب مقول القول (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) الجملة داخلة في حيز المقول لأنه من جملة ما يقوله
стр. 1228
لهم، وكتب ربكم فعل وفاعل، وعلى نفسه جار ومجرور متعلقان بكتب، والرحمة مفعول به (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قرئ بفتح الهمزة، فتكون أن واسمها في موضع نصب بدل من الرحمة، وتكون الجملة منتظمة في حيز القول.
وفي قراءة بكسر الهمزة، فالجملة استئنافية مسوقة لتفسير الرحمة، وتكون الهاء ضمير الشأن اسم إن. ومن اسم شرط جازم أو موصولية، وهي مبتدأ على كل حال، وعمل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، وسوءا مفعول به، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل عمل، وبجهالة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أيضا من الفاعل نفسه، أي: عمل وهو جاهل بحقيقة ما ينجم عنه من المضارّ والمثالب، وسوء العواقب، ثم حرف عطف، وتاب عطف على تاب، وأصلح عطف عليه أيضا، والفاء رابطة لجواب الشرط، وأن المفتوحة الهمزة وما في حيزها خبر لمبتدأ محذوف، أي: فأمره ومآله غفران الله له، وغفور رحيم خبران لأن، وقرئ بكسر همزة إن على الاستئناف، ورجحها ابن جرير على أنه استئناف لوقوعها بعد الفاء، وجملة من عمل خبر إن، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» .
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)
стр. 1229
الإعراب:
(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان الغاية من تفصيل الآيات. وكذلك في محل نصب مفعول مطلق، والآيات مفعول به، والواو عاطفة على محذوف، والتقدير: ليظهر الحق ولتظهر سبيل المجرمين، واللام للتعليل، وتستبين فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وسبيل فاعل، والسبيل مؤنثة وقد تذكر، وقد قرئ: «ليستبين» ، فتأنيث الفعل لتأنيث السبيل وتذكيره لتذكيره (قُلْ: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق للرجوع إلى مخاطبتهم حسما لأطماعهم الفارغة. وقل فعل أمر، وإن واسمها، وجملة نهيت خبرها، والجملة في محل نصب مقول القول، وأن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بنهيت، والمعنى: ونهيت عن عبادة الذين تدعون. والذين اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة تدعون صلة الموصول، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بتدعون (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) الكلام مستأنف مسوق ليرجع ﷺ إلى مخاطبتهم وكرره مع قرب ذكره زيادة في التأكيد. وجملة لا أتبع أهواءكم في محل نصب مقول القول، وجملة قد ضللت مستأنفة مسوقة منه ﷺ لتأكيد انتهائه عما نهي عنه. وإذن حرف جواب وجزاء، فيه معنى الشرط، والمعنى: إن اتبعت أهواءكم ضللت وما اهتديت. فهي في قوة شرط وجواب، والواو حرف عطف، وما نافية حجازية تعمل عمل ليس، وأنا اسمها، ومن المهتدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وإنما عدل عن الفعلية إلى الاسمية للدلالة على الديمومة والاستمرار.
стр. 1230
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)
الإعراب:
(قُلْ: إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) كلام مستأنف لبيان الحق الذي يتبعه النبي ﷺ ، وإزهاق الباطل الذي يتبعونه. قل فعل أمر وجملة إني على بينة مقول القول، وإن واسمها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها، ومن ربي جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبينة (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لاستقباح تكذيبهم، ويجوز أن تكون حالية، فالجملة في محل نصب على الحال، ولا بدّ من تقدير «قد» عندئذ. وكذبتم فعل وفاعل، وبه متعلقان بتستعجلون، وما نافية، وعندي ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وما اسم موصول في محلّ رفع مبتدأ مؤخر، وجملة تستعجلون صلة الموصول، وبه جار ومجرور متعلقان بتستعجلون، وجملة ما عندي مستأنفة (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن الحكم هو لله سبحانه. وإن نافية، والحكم مبتدأ، وإلا أداة حصر، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر الحكم، وجملة يقصّ الحق في محل نصب على الحال، والحق مفعول به، وفي
следующие страницы →