Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
أداة استثناء، والمصدر المؤول من أن والفعل مستثنى متصل، لأنه من جنس الأول، والمستثنى منه الزمان، وقد قدره الزمخشري بقوله:
إلا وقت مشيئة ربي شيئا يخاف، فحذف الوقت. ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، فتكون «إلا» بمعنى «لكن» ، فإن المشيئة ليست مما يشركونه به. والمصدر المؤوّل مبتدأ خبره محذوف، تقديره:
لكن مشيئة ربي أخافها وشيئا مفعول به (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) الجملة تعليل للاستثناء لا محل لها، ووسع ربي فعل وفاعل، وكل شيء مفعول به، وعلما تمييز، محوّل عن الفاعل، والتقدير: وسع علم ربي كل شيء، والهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة، ولا نافية، وتتذكرون معطوف على محذوف، أي:
أتعرضون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات لا تضرّ ولا تنفع فلا تتذكرون أنها بهذه المثابة؟
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)
الإعراب:
(وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ
стр. 1262
يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً)
الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لنفي الخوف عن النبي ﷺ . وكيف اسم استفهام في محل نصب حال، وأخاف فعل مضارع، وما اسم موصول مفعول به، وجملة أشركتم صلة، ويجوز أن تكون ما مصدرية، والمصدر المؤول مفعول أخاف، ولا تخافون عطف على أخاف، فتكون داخلة في حيز الإنكار، ويجوز أن تكون الواو للحال، فتكون الجملة في محل نصب على الحال، أي: وكيف أخاف الذي تشركون به غيره، وإشراككم حال كونكم أنتم غير خائفين. وأن واسمها، وجملة أشركتم بالله خبرها، وما اسم موصول مفعول به لأشركتم، وبه جار ومجرور متعلقان بينزل، وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لقوله: سلطانا، فلما تقدم أعرب حالا، وسلطانا مفعول به (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة، وأي أداة استفهام مبتدأ، وأحق خبرها، وإن شرطية، وكان فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها، وجملة تعلمون خبرها، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: فأخبروني أي الفريقين أحق بالاتباع؟ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) الذين خبر لمبتدأ محذوف، بناء على أن الكلام مسوق من إبراهيم جوابا عن السؤال في قوله: فأي الفريقين؟ ويجوز أن تكون مبتدأ بناء على أن الكلام من الله تعالى، وجملة آمنوا صلة، ولم الواو عاطفة، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويلبسوا فعل مضارع مجزوم بلم، معطوف على الصلة، وبظلم جار ومجرور متعلقان بيلبسوا (أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) أولئك مبتدأ، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والأمن مبتدأ مؤخر ثان، والجملة الاسمية خبر اسم الإشارة، وجملة الاشارة وما في حيزها في محل نصب مقول قول
стр. 1263
محذوف على الوجه الأول، أو مرفوعة على أنها خبر الذين على الوجه الثاني، والواو حرف عطف، وهم مبتدأ، ومهتدون خبره، والجملة عطف على ما تقدم.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨٣ الى ٨٧]
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)
الإعراب:
(وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) كلام مستأنف مسوق للاشارة الى الدلائل المتقدمة، والأنبياء التي أنزلت على أيديهم، وتلك:
اسم إشارة مبتدأ، وحجتنا خبره، وجملة آتيناها خبر ثان أو حال،
стр. 1264
والعامل فيها معنى الاشارة، وآتيناها فعل وفاعل ومفعول به، وإبراهيم مفعول به ثان، وعلى قومه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أو بحجتنا (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الجملة مستأنفة لا محل لها، وأعربها أبو البقاء حالا من فاعل آتيناها، أي: في حال كوننا رافعين، ودرجات مفعول فيه، ومن اسم موصول مفعول به، وجملة نشاء صلة الموصول، والمعنى نرفع من نشاء في درجات، أي:
مراتب. وإن واسمها وخبراها، والجملة تعليلية لا محل لها (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا) الواو عاطفة على قوله: وتلك حجتنا، ولا مشاحة في جواز عطف كل من الفعلية والاسمية على الأخرى، ووهبنا فعل وفاعل، وإسحق مفعول به، ويعقوب عطف على إسحق، وكلا مفعول به مقدم لهدينا، وهدينا فعل وفاعل، والجملة عطف على وهبنا (وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ) ونوحا مفعول مقدم لهدينا، والجملة معطوفة على ما تقدم، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بهدينا، وبني قبل على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى، أي: قبل ابراهيم (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) الواو حرف عطف، ومن ذريته جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: وهدينا داود وسليمان إلى آخر من ذكرهم من الأنبياء حال كونهم من ذريته، فجملة الأربعة عشر نبيا بعد نوح منصوبة بفعل الهداية الذي نصب «نوحا» ، والواو استئنافية، وكذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول مطلق، ونجزي فعل مضارع، والمحسنين مفعول به (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ) الواو عاطفة، وكل مبتدأ، وساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم، والتنوين في كل عوض عن كلمة، أي: كل واحد، ومن الصالحين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ
стр. 1265
وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ)
كلّا مفعول به مقدم لفضلنا، وعلى العالمين جار ومجرور متعلقان بفضلنا (وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ) أي: وهدينا كلّا من آبائهم. واجتبيناهم فعل وفاعل ومفعول به، والجملة عطف على ما تقدم (وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) الواو عاطفة، وكرر الهداية لتكرير التأكيد وتمهيدا لبيان ما هدوا إليه، وإلى صراط جار ومجرور متعلقان بهديناهم، ومستقيم صفة.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨٨ الى ٩٠]
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)
الإعراب:
(ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما أشير إليه، وهو إما الاجتباء وإما الهداية. وذلك اسم إشارة مبتدأ، وهدى الله خبر، وجملة يهدي حالية أو خبر ثان،
стр. 1266
ويجوز إعراب هدى الله بدلا من اسم الإشارة وجملة يهدي خبر، وبه جار ومجرور متعلقان بيهدي، ومن اسم موصول مفعول به، وجملة يشاء صلة الموصول، ومن عباده جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من اسم الموصول (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) الواو حالية، ولو شرطية، وأشركوا فعل وفاعل، وهو فعل الشّرط، واللام واقعة في جواب الشرط، وجملة حبط لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وعنهم جار ومجرور متعلقان بحبط، وما اسم موصول فاعل، وجملة كانوا صلة الموصول، وجملة يعملون خبر كانوا (أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) الجملة مستأنفة، وأولئك اسم إشارة مبتدأ والإشارة الى الأنبياء الثمانية عشر المذكورين والذين خبر اسم الإشارة، وجملة آتيناهم صلة الموصول، والكتاب مفعول به ثان، وما بعده عطف عليه (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، ويكفر فعل الشرط، وبها جار ومجرور متعلقان بيكفر، وهؤلاء فاعل، والإشارة الى أهل مكة الذين أرسل محمد ﵊ لهدايتهم، فقد الفاء رابطة لجواب الشرط، وقد حرف تحقيق، ووكلنا فعل وفاعل، وبها جار ومجرور متعلقان بوكلنا، وقوما مفعول به، وجملة ليسوا صفة، وبها جار ومجرور متعلقان بكافرين، والباء حرف جر زائد، وكافرين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليسوا (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) الجملة مستأنفة، وأولئك مبتدأ، أي الأنبياء المذكورون، والذين اسم موصول في محل رفع خبر، وجملة هدى الله صلة، فبهداهم الفاء الفصيحة، أي إذا شئت سلوك الطريق القويم والارتفاع الى أسمى المسئوليّات فاقتد بهداهم، وقد جمع الله له خصائص الأنبياء الكبرى التي كانت متوزعة عليهم، اقتد فعل
стр. 1267
أمر مبني على حذف حرف العلة، والهاء للسكت. وقد تقدّم بحثها والجملة الواقعة بعد الفاء الفصيحة جواب شرط لا محل لها (قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ)
جملة قل مستأنفه، وجملة لا أسألكم في محل نصب مقول القول، وعليه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضمير في «عليه» يعود على التبليغ المفهوم من سياق الكلام، وأجرا مفعول به ثان لأسألكم، وإن نافية، وهو مبتدأ، وإلا أداة حصر، وذكرى خبر، وللعالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة. وجملة إن هو إلا ذكرى استئنافية.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٩١]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)
الإعراب:
(وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) كلام مستأنف مسوق للرّد على اليهود الذين قالوا ما يأتي مما ينسجم مع طبعهم الأصيل في التّعنّت والملاحاة. وما نافية، وقدروا الله فعل وفاعل ومفعوله، وحق قدره مفعول مطلق، والأصل: قدره الحقّ، ثم أضيفت الصّفة الى الموصوف، يقال: قدر الشيء إذا سبره وحزره ليعرف مقداره ومداه،
стр. 1268
ثم استعمل في صفة الشّيء (إِذْ قالُوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بقدروا، وجملة قالوا: في محل جر بالإضافة، والقائلون هم اليهود، فلم تكن ثمّة مندوحة عن إلزامهم ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التّوراة على موسى، وأدرج تحت إلزامهم تبويخهم والانحناء عليهم باللائمة، ووصمهم بالغباء المفرط والجهالة الرعناء، وجملة ما أنزل الله في محل نصب مقول القول، ومن حرف جر زائد، وشيء مجرور لفظا مفعول به منصوب محلا، (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرّد عليهم وإسقاطهم في حضيض المذلة. ومن اسم استفهام مبتدأ، وجملة أنزل الكتاب خبر، والذي اسم موصول صفة للكتاب، وجملة جاء به موسى صلة، ونورا منصوب على الحال، وهدى عطف على: نورا وللناس جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لهدى (تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً) الجملة حالية من الكتاب، أو من الضمير في به، وتجعلونه فعل وفاعل ومفعول به أول، وقراطيس مفعول به ثان، نزلوه منزلة القراطيس، وقد تقدم القول في القرطاس، وجملة تبدونها في محل نصب صفة ل «قراطيس» ، وجملة وتخفون كثيرا عطف على جملة تبدونها، وكثيرا مفعول به ل «تخفون» (وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) الواو عاطفة، وجملة علمتم عطف على جملة تجعلونه في نطاق الحال، وعلمتم فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به ثاني. وجملة لم تعلموا صلة الموصول، وأنتم تأكيد للفاعل وهو الواو في: «لم تعلموا» ولا الواو حرف عطف، وآباؤكم عطف على قوله «أنتم» . (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لمتابعة الرّدّ عليهم، والله مبتدأ حذف خبره،
стр. 1269
أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الله أنزله، أو وهو الله، ثم حرف عطف، وذرهم فعل أمر أمات العرب ماضيه، وفي خوضهم جار ومجرور متعلقان بذرهم، أو بيلعبون أو بمحذوف حال، وجملة يلعبون في محل نصب على الحال من مفعول ذرهم.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٩٢]
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)
اللغة:
(أُمَّ الْقُرى) سميت مكة أم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا.
وأنشد الزمخشري لبعض المجاورين، ولعله يريد نفسه، فهو من نظمه:
فمن يلق في بعض القريّات رحله ... فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي
الإعراب:
(وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) الواو استئنافية، وهذا اسم اشارة مبتدأ، وكتاب خبره، وجملة أنزلناه في محل رفع صفة أولى ل «كتاب» ، ومبارك صفة ثانية، ومصدق صفة
стр. 1270
ثالثة، والذي اسم موصول في محل جر بالإضافة، والظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، ويديه مضاف إليه (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها) الواو عاطفة واللام للتعليل، وتنذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان بأنزلناه، أي: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدّمه من الكتب وأم القرى مفعول به ومن عطف على أم القرى، وحولها ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) الواو استئنافية، والذين اسم موصول مبتدأ، وجملة يؤمنون بالآخرة صلة الموصول، وجملة يؤمنون به خبر، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، والذين اسم موصول معطوف على أم القرى، أي: لتنذر أهل أم القرى ولتنذر الذين آمنوا، فتكون جملة يؤمنون الثانية حالا من الموصول، والواو حالية، وهم مبتدأ، وجملة يحافظون خبر، والجملة نصب على الحال.
البلاغة:
جاء بالصفة الأولى فعلية، وهي جملة أنزلناه، لأن الإنزال يتجدد وقتا بعد وقت، على حد قوله:
وقال رائدهم: أرسو نزاولها ... فحتف كل امرئ يجري بمقدار
ووقعت الصفة الثانية اسما، وكذلك الثالثة، للدّلالة على الثبوت والاستمرار وديمومة البركة.
стр. 1271
[سورة الأنعام (٦) : آية ٩٣]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)
اللغة:
(غَمَراتِ الْمَوْتِ) : شدائده وسكراته، والغمرات: جمع غمرة، وهي الشدة الفظيعة، من غمره الماء إذا ستره، وفي المختار: «وقد غمره الماء أي علاه وبابه نصر، والغمرة: الشدة، والجمع غمر، كنوبة ونوب، وغمرات الموت شدائده» . ومن غريب أمر اشتقاق هذه الأحرف الثلاثة- وهي الغين والميم والرّاء- أنك تعقد على تراكيبها معنى واحدا يجمع تلك التراكيب وما تصرّف منها، فلهذه الأحرف ستة تراكيب وهي: غمر وغرم ومرغ ومغر ورغم ورمغ، ويجمعها معنى واحد وهو التغطية والستر والإخفاء وإزالة الأثر.
وفي اجتماع الغين والميم فاء وعينا معنى التغطية تقول: سيف مغمود ومغمد، أي موضوع في غمده، وتغمّده الله برحمته أي: ستره، والغمز معروف، تقول: ما فيه مغمز ولا غميزة أي: أمر مغطّى معاب، وله جارية غمّازة أي: حسنة الغمز للأعضاء، وغمسه في الماء فانغمس واغتمس أي: أخفاه فيه، وغمس النجم غموسا غاب، ومه اليمين الغموس لشدتها، وغمض الأمر: خفي، وكلام غامض: غير واضح، وغمط النعمة: احتقرها ولم يشكرها، وغمّ الشيء إذا غطّاه.
стр. 1272
(الْهُونِ) : بضم الهاء: مصدرها هوانا وهونا، أي: ذلّ، والعرب إذا أرادت بالهون معنى الهوان ضمّت الهاء، وإذا أرادت به الرفق والدّعة وخفّة المئونة فتحت الهاء، فقالوا: هو قليل هون المئونة.
الإعراب:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لذكر بعض المتنبّئين ضلالة، ومن اسم استفهام يفيد معنى النفي، أي: لا أحد، في محل رفع مبتدأ، وأظلم خبره، وممّن جار ومجرور متعلقان بأظلم، وجملة افترى صلة الموصول، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافترى، وكذبا يجوز فيه أن يكون مفعولا به لفعل افترى، وأن يكون مصدرا على المعنى، أي افتراء، فيكون مفعولا مطلقا، وأن يكون مفعولا لأجله، وأن يكون مصدرا في موضع الحال (أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) أو حرف عطف، وقال عطف على افترى، وأوحي فعل ماض مبني للمجهول، وإليّ الجار والمجرور في موضع رفع على أنهما نائب فاعل أوحي، والواو حالية. وجملة لم يوح في موضع نصب على الحال من ضمير الفاعل في «قال» ، أو الياء في «إليّ» ، وشيء نائب فاعل ل «يوح» (وَمَنْ قالَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ) أو حرف عطف، ومن اسم موصول معطوف على المجرور ب «من» ، أي: ممّن افترى، وجملة سأنزل في محل نصب مقول القول، ومثل: يجوز أن تكون منصوبة على أنها مفعول به، وما اسم موصول في محل جر بالإضافة، وجملة أنزل الله صلة الموصول، ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف، والتقدير
стр. 1273
سأنزل إنزالا مثل ما أنزل الله، و «ما» على هذا الوجه مصدرية، وجملة أنزل الله لا محل لها لأنها وقعت بعد موصول حرفي (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ) الواو استئنافية، ولو شرطية، وترى فعل مضارع شرطه لو، وجواب لو محذوف أي:
لرأيت أمرا عظيما. وقد تقدمت نظائر لذلك. والرؤية بصرية، ومفعولها محذوف، أي: ولو ترى الظالمين إذ هم في غمرات الموت، وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بتري، والظالمون مبتدأ، وفي غمرات الموت جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «الظالمون» ،، والجملة الاسمية في محل جر بالإضافة، والملائكة الواو حالية، والملائكة مبتدأ وباسطو خبر، وأيديهم مضاف اليه وهو مفعول به في المعنى، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في الخبر، وهو في غمرات الموت (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ) جملة أخرجوا أنفسكم منصوبة بقول مضمر، أي: يقولون لهم تعنيفا وتقريعا، وهذا القول في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في اسم الفاعل، وهو باسطو، وأنفسكم مفعول به، واليوم ظرف زمان منصوب متعلق بأخرجوا أو بتجزون، وجملة تجزون مستأنفة، وهو فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، وعذاب الهون مفعول به ثان، وبما الباء حرف جر، وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان بتجزون، أي: بسببه، وكان واسمها، وجملة تقولون خبر كنتم، وغير الحق نعت لمصدر محذوف، أي: تقولون القول غير الحق (وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) عطف على كنتم الأولى، داخلة في حيز صلة الموصول، وهو ما، وعن آياته جار ومجرور متعلقان بتستكبرون، وجملة تستكبرون خبر كنتم.
стр. 1274
البلاغة:
في قوله: «غمرات الموت» استعارة تصريحية تمثيلية، فقد استعار ما يغمر من الماء للشدة البالغة.
[سورة الأنعام (٦) : آية ٩٤]
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)
اللغة:
(فُرادى) : اختلف علماء اللغة في فرادى: هل هو جمع أم لا! والقائلون بأنه جمع اختلفوا في مفرده، فقال الفراء: فرادى جمع فرد وفريد وفردان، وقال ابن قتيبة: هو جمع فردان كسكران وسكارى وعجلان وعجالى، وقال قوم: هو جمع فريد كرديف وردافى، وأسير وأسارى، قاله الراغب. وقيل: هو اسم جمع لأن فردا لا يجمع على فرادى، وقول من قال: إنه جمع له، فإنما يريد في المعنى، ومعنى فرادى: فردا فردا.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الواو استئنافية،
стр. 1275
واللام جواب قسم محذوف، وجئتمونا فعل وفاعل ومفعول به، والواو لإشباع ضمة الميم التي هي علامة جمع الذكور وفرادى منصوب على الحال من التاء، أي فاعل جاء، وكما خلقناكم يصح في الكاف ومجرورها- وهو المصدر المؤوّل من ما المصدرية والفعل- أن تكون في محل نصب نعت لمصدر محذوف، أي: مجيئا مثل مجيئكم يوم خلقناكم أول مرة، وأن تكون في محل نصب على الحال من فاعل جئتمونا، وأول مرة منصوب على الظرفية الزمانية، والعامل فيه خلقناكم، ومرة في الأصل مصدر لمرّ يمرّ مرّة، ثم اتسع فيها فصارت زمانا (وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ) يجوز في الواو أن تكون استئنافية أو حالية، والجملة إما مستأنفة لا محل لها، أو في محل نصب على الحال من فاعل جئتمونا، بتقدير: قد، وتركتم فعل وفاعل، وترك هنا يجوز أن تتعدى لواحد لأنها بمعنى التخلية لا التصيير، أو بمعنى التصيير فتتعدى لمفعولين، أولهما «ما» الموصولية، والثاني الظرف، فيتعلق بمحذوف أي: وصيّرتم بالترك الذي خوّلناكموه كائنا وراء ظهوركم، وعلى الأول يتعلق الظرف بتركتم (وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ) الواو عاطفة، وما نافية، ونرى فعل مضارع مرفوع، ومعكم ظرف مكان متعلق بنرى، وشفعاءكم مفعول به، والذين نعت، وجملة زعمتم صلة الموصول، وأن وما في حيزها سد مسد مفعولي زعم، وأن واسمها، وفيكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لشركاء وقدم عليه، وشركاء خبر أن (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) اللام جواب لقسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وتقطع فعل ماض وفاعله مضمر يعود على الاتصال الذي تدل عليه لفظة «شركاء» ، إذ يفهم منها الوصل، أي:
стр. 1276
الارتباط والتعلق، والمعنى: لقد تقطع الاتصال بينكم، وقرئ بالرفع، وبينكم فاعل لأنه اسم غير ظرف، وهو من الأضداد يستعمل للوصل والفراق، أي: لقد تقطّع وصلكم. وضل الواو عاطفة، وضل فعل ماض، وعنكم جار ومجرور متعلقان بضل، وما اسم موصول فاعل، وجملة كنتم صلة الموصول، وجملة تزعمون خبر كنتم، ومفعولا تزعمون محذوفان، والتقدير: تزعمونهم شفعاء، وحذفا للدلالة عليهما، على حدّ قول الكميت:
بأي كتاب أم بأية سنّة ... ترى حبهم عارا عليّ وتحسب
أي: وتحسبه عارا.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩٥ الى ٩٦]
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)
اللغة:
(فالِقُ) اسم فاعل من فلق، أي: شقّ الشيء، وفيده الراغب بإبانة بعضه عن بعض، أي: شاق الحبّ عن النبات، فيشق الجبة فيخرج منها ورق أخضر، ويشقّ النواة اليابسة فيخرج منها شجرة صاعدة في الهواء. والفرق بين الحب والنوى معروف، فالأول كالحنطة والشعير، والثاني كالخوخ والمشمش.
стр. 1277
(تُؤْفَكُونَ) : تصرفون، أي: كيف تصرفون عن الإيمان.
(الْإِصْباحِ) بكسر الهمزة: مصدر سمي به الصبح، وقرئ بفتح الهمزة على أنه جمع صبح، قال:
أفنى رياحا وبني رياح ... تناسخ الإمساء والإصباح
وسيأتي المزيد من معناهما في باب البلاغة.
(حُسْباناً) : بضم الحاء مصدر حسب الحساب، وتكسر هاؤه أيضا، والحساب العدّ.
(سَكَناً) السكن: ما يسكن إليه من أهل ومال وغير ذلك، وهو مصدر سكنت إلى الشيء من باب طلب. قال أبو الطيب:
بم التّعلّل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) كلام مستأنف مسوق لذكر الدلائل على كمال قدرته تعالى، وأنه المبدع للأشياء. ومن كان هذا شأنه فهو المستحق للعبادة. وإن واسمها وخبرها، والحب مضاف لفالق، والإضافة غير محضة، على أنه بمعنى الحال أو الاستقبال، فيكون الحب مجرور اللفظ منصوب المحل، ويجوز أن تكون الإضافة محضة على أنه اسم فاعل بمعنى الماضي، لأن ذلك قد كان. والنوى عطف على الحب، وجملة يخرج الحي يجوز أن تكون مستأنفة، فلا محل لها، ويجوز أن تكون في
стр. 1278
محل رفع خبر ثان لإن، ومن الميت جار ومجرور متعلقان بيخرج، ومخرج عطف على فالق، أي: الله فالق ومخرج، ويجوز أن يعطف على يخرج، لممالأة الكلام بعضه لبعض، ولا بد حينئذ من تأويل الفعل بالاسم ليصح عطف الاسم عليه أو بالعكس. ومن الحي جار ومجرور متعلقان بمخرج (ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) الكلام مستأنف مسوق لبيان أن الله هو فاعل ذلك كله، والفاء استئنافية، واسم الاشارة مبتدأ، والله خبره، والفاء استئنافية، وأنى اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب حال، وتؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل (فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) فالق الإصباح نعت لله، والإصباح مضاف إليه، وجعل الواو عاطفة، جعل فعل ماض، والليل مفعوله الأول، وسكنا مفعوله الثاني، وفي قراءة ينسبونها إلى الجمهرة:
«جاعل» بجر «الليل» بالإضافة مناسبة لقوله: «فالق الإصباح» ، ولك أن تنصب سكنا على الحال (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً) الواو عاطفة، والشمس عطف على الليل، وحسبانا عطف على سكنا، ولك أن تنصب حسبانا على نزع الخافض، والجار والمجرور في محل نصب على الحال، أي: يجريان بحسبان، وتدل عليه آية الرحمن كما سيأتي (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) الكلام مستأنف، واسم الاشارة مبتدأ، وتقدير خبره، والعزيز مضاف إليه، والعليم صفة.
البلاغة:
انطوت هذه الآية على فنون رائعة من فنون البيان:
١- فن مخالفة الظاهر:
فقد جاءت «يخرج الحي من الميت» بالفعل، وكان الظاهر
стр. 1279
ورودها بصيغة اسم الفاعل، أسوة بأمثالها من الصفات المذكورة من قوله: «فالق الإصباح» و «مخرج الميت من الحي» ، إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، وهو قوله.
«يخرج الحي من الميت» إرادة لتصوير إخراج الحيّ من الميت كالانسان والطائر من النطفة والبيضة، واستحضاره في ذهن السامع كأنه يشهده بعيان، وقد سبق التمثيل لهذا الفن بقوله: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة» فعدل عن الماضي المطابق لقوله «أنزل» لهذا المعنى. ولا شك في أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة وأدل عليها من عكسه، والنظر أول ما يبدأ فيه كإخراج النطفة والبيضة من الحيوان.
٢- فن الاشكال:
وقد تقدمت الاشارة إليه في «آل عمران» ، والإشكال هنا مجيء «مخرج» على خلاف ما جاء عليه أمثاله، ولم يأت كما أتى في آل عمران: «وتخرج» ، ولا كما جاء في «يونس» وكما جاء في «الروم» . وعلى هذا يرد السؤال التالي: ما النكتة التي أوجبت مجيء هذا المكان على ما جاء عليه مخالفا لأمثاله؟ والجواب الذي يتضح به هذا الإشكال أن يقال: إنما جاء توخيا لحسن الجوار في النظم، لأنه قال: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح. والآية إنما سيقت للتمدّح بالقدرة المطلقة التي هي صفة ذاتية لله تعالى، فكان التمدّح بها مع الإتيان بصيغة اسم الفاعل أبلغ من الإتيان بصيغة الفعل، لما يدل عليه اسم الفاعل من المضيّ المطلق الدالّ على القدم، فإن مجيء ذلك على ما جاء عليه يستفاد منه قدم القدرة، ويلزم من
стр. 1280
قدمها قدم الموصوف بها. ولما علم سبحانه أن تمدّحه بمجرد فلق الحب والنوى في بطن الأرض غير تام، لأنه لا ينتفع به حتى يخرج نباته إلى ظاهر الأرض، ويشاهد الناس قدرة مخرجه ومخترعه، وصار قوله:
«ومخرج الميت من الحي» مكملا، وأتى في هذه الجملة باسم الفاعل، وهذا من المعاجز التي تتقطّع دونها الأعناق.
٣- فن الاستعارة التمثيلية:
وذلك بقوله: «فالق الإصباح» ، وخلاصتها أنه تعالى شبّه انشقاق عمود الفجر وانصداع الفجر بفلق الإصباح. وقد رمق الشعراء سماء هذه البلاغة، فقال أبو تمام وتلاعب بهذا المعنى:
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب
يقول: إن أوائل الأمور تبدو قليلة، ثم تكثر، فينبغي الحرص من أول الأمر قبل بلوغ غايته. وأتبعه ببيت آية في الحسن فقال:
ومثل ذلك وجد العاشقين هوى ... بالمزح يبدو وبالإدمان ينتهب
ومن النقاد من ينسب هذين البيتين إلى ابن الرومي، يريد أن الوجد في أوله هوى وفي آخره نار.
٤- تشبيه الليل بالسكن:
وفي تشبيه الليل بالسكن إعجاز يتجسد فيه عجز الإنسان، فالكلمة القرآنية في تعبيرها عن المعنى المراد تمتاز عن سائر مرادفاتها
стр. 1281
اللغوية بتطابق أتمّ من المعنى المراد، ومهما استبدلت بها غيرها لم يسدّ مسدّها، ولم يغن غناءها، ولم يؤدّ الصورة التي كانت تؤدّيها.
وانظر الى طبيعة الأحرف التي تتكون منها كلمة «سكنا» وتوالي الفتحات على حروفها، كل ذلك يشعرك بذلك الهدوء الذي يبعث على الطمأنينة، وينشر الراحة في النفس.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩٧ الى ٩٨]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)
اللغة:
(يَفْقَهُونَ) : مضارع فقه الشيء، بكسر القاف: إذا فهمه ولو أدنى فهم، قاله الهروي في معرض الاستدلال على أن «فقه» أنزل من «علم» . وفي حديث سلمان أنه قال وقد سألته امرأة جاءته: فقهت؟
أي فهمت؟ كالمتعجب من فهم المرأة عنه. وإذا قيل: لا يفقه فلان شيئا، كان أوغل في الذمّ في العرف من قولك: لا يعلم شيئا، وكأن معنى قولك: لا يفقه شيئا، ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك: لا يعلم شيئا، فغايته نفي حصول العلم له، وقد تكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم، وسيأتي سرّ استعمال يفقهون هنا في باب البلاغة.
стр. 1282
(مستقر) بفتح القاف، لأنه اسم مكان أو مصدر ميمي بمعنى الاستقرار.
(مُسْتَوْدَعٌ) بفتح الدّال، لأنه اسم مكان من استودع، وسيأتي مزيد من معناهما في باب الإعراب .
الإعراب:
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الواو حرف عطف، وهو مبتدأ، والذي خبره، وجعل هنا بمعنى خلق فتتعدّى لواحد، ولكم جار ومجرور متعلّقان بجعل، والنجوم مفعول به، ولتهتدوا اللام للتعليل والجر، وتهتدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التّعليل، والجار والمجرور متعلقان بجعل أيضا، عن طريق البدلية الاشتمالية، بإعادة العامل، والتقدير: جعل لكم النجوم لاهتدائكم، وفي ظلمات البر والبحر جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: حال كونكم مدلجين في ظلمات الليل بالبر والبحر (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الجملة مستأنفة، مسوقة للتأكيد على وجوب إفراغ الجهد في سبيل التعليم والهداية، والآيات مفعول به، ولقوم جار ومجرور متعلقان بفصلنا، وجملة يعلمون صفة لقوم (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) الواو عاطفة على ما تقدم، وهو مبتدأ، واسم الموصول خبره، وجملة أنشأكم صلة الموصول، ومن نفس جار ومجرور متعلقان بأنشأكم، وواحدة صفة، فمستقر الفاء واقعة في جواب الموصول لما فيه من رائحة الشرط، ومستقر قرئ بفتح القاف، فهو مبتدأ حذف خبره، والتقدير: فلكم مستقر، لأنه اسم مكان أو
стр. 1283
مصدر ميمي، ومن قرأ بكسر القاف والدال فهما اسم فاعل، والتقدير:
فمنكم مستقر ومستودع (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) تقدم إعرابها، وسيأتي المزيد منها في باب البلاغة .
البلاغة:
التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بما خلق. ومعلوم أن للجهل حالين متغايرين: أولهما جهل لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها، وثانيها جهل خارج عن أنفس النظار اي النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلهية، فاذا تمهد ذلك سهل عليك أن تعرف أن جهل الإنسان بنفسه وبأحواله وعدم النظر فيها والتفكر في تطوراتها أبشع من جهله الأمور الخارجة عنه، كالنجوم والأفلاك ومقادير سيرها، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم خصّ به أسوأ الفريقين، وصار بالتالي تخصيص نفي أعلاها بالعلم بأسوأ الفريقين حالا.
وهذا من دقائق لغتنا العربية، فاحرص عليه.
الفوائد:
وللشوكاني عبارة في «المستقر والمستودع» تروى الغليل قال:
«قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي: بكسر القاف، والباقون بفتحها، وهما مرفوعان على أنها مبتدآن، وخبرهما محذوف، والتقدير: فمنكم مستقر، أو فلكم مستقر، التقدير الأول على القراءة الأولى، والثّانية على الثّانية، أي:
فمنكم مستقر على ظهر الأرض، أو فلكم مستقر على ظهرها، ومنكم
стр. 1284
مستودع في الرحم أو في باطن الأرض أو في الصلب. وقيل: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب. وقيل: المستقر من خلق. والمستودع من لم يخلق والاستيداع إشارة الى كونهم في القبور الى البعث» .
[سورة الأنعام (٦) : آية ٩٩]
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)
اللغة:
(خَضِراً) بكسر الضّاد، صفة مشبهة، يقال: أخضر وخضر كأعور وعور.
(مُتَراكِباً) يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها.
(قِنْوانٌ) جمع تكسير، مفرده قنو كصنو وصنوان. وهذا الجمع يلتبس بالمثنّى في حال الوقف، ويتميز بحركة النّون، فنون المثنى مكسورة دائما، ونون هذا الجمع تتوارد عليها الحركات الثلاث بحسب الإعراب. ويتميّزان أيضا في النسب، فإذا نسبت الى المثنّى رددته الى المفرد فقلت: قنويّ، وإذا نسبت الى الجمع أبقيته على حاله لأنه
стр. 1285
جمع تكسير، فنقول: قنوانيّ. ويتميزان أيضا بالإضافة، فنون المثنّى تسقط لها بخلاف نون جمع التكسير، فتقول في المثنى: هذان قنواك، وفي الجمع: هذه قنوانك، ويقال مثل هذا في: صنوان، مثنى وجمعا، والقنو بكسر القاف، ويقال: بضمها: العذق، وهو من النخل كالعنقود من العنب.
(دانِيَةٌ) سهلة المتجنى، قريبة للقاطف.
(يَنْعِهِ) مصدر ينع بكسر النون، فهي مكسورة في الماضي مفتوحة في المضارع، أي: نضج واستوى. وقال أبو عبيدة في كتابه مجاز القرآن: إذا فتحت ياؤه هو جمع يانع، كما التجر جمع تاجر، والصّحب جمع صاحب، وقد يجوز في مصدره ينوعا، ومسموع من العرب: وأينعت الثمرة تونع إيناعا. ومن لغة الذين قالوا: ينع قول الشاعر يزيد بن معاوية في نصرانية ترهّبت في دير خرب عند الماطرون، وهو موضع بالشام، قال:
آب هذا الهمّ فاكتنفا ... وأترّ النوم فامتنعا
راعيا للنجم أرقبه ... فإذا ما كوكب طلعا
في قباب عند سكرة ... حولها الزيتون قد ينعا
الى آخر هذه القصيدة الممتعة.
الإعراب:
(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) الواو عاطفة، والكلام معطوف على ما قبلها لمناسبة أول الكلام آخره وذكر ما يحتاج اليه الناس في معاشهم، وهو مبتدأ، والذي خبره،
стр. 1286
وجملة أنزل من السماء صلة، وماء مفعول به، والفاء عاطفة، وأخرجنا فعل وفاعل، وبه جار ومجرور متعلّقان بأخرجنا، ونبات كل شيء مفعول به (فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً) الفاء: حرف عطف، وأخرجنا فعل وفاعل، ومنه جار ومجرور متعلقان بأخرجنا، وخضرا مفعول به وجملة نخرج صفة ل «خضرا» وعبر بالمضارع مع أن المقام للماضي لاستحضار الصورة القريبة، وقد مرت نظائره في أبواب البلاغة. ومنه جار ومجرور متعلقان بنخرج، وحبا مفعول به، ومتراكبا صفة. (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ) الواو اعتراضية، ومن النّخل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن طلعها بدل من الجار والمجرور قبله بإعادة الجار، والبدل هنا بدل بعض من كل، لأن الطلع أول ما يبدو للعيون منها، وقنوان مبتدأ مؤخر، ودانية صفة لقنوان، والجملة معترضة سيقت للمنّة، لأنه من أعظم أقوات العرب، ولأنه جامع بين اللذة والقوت (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) الواو عاطفة، وجنات عطف على نبات، فهو منصوب، أي: فأخرجنا بالماء النّبات، وجنات، فهو من عطف الخاص على العام، ومن أعناب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، وكذلك الزيتون والرمان، واختار الزمخشري أن ينصب الزيتون والرمان على الاختصاص تنويها بهذين الجنسين وتمييزا لهما، ومشتبها حال، والمراد تشابه أوراقهما، وغير متشابه عطف عليه، وقرأ بعضهم «وجنات» بالرفع، وضعفها أبو جعفر الطّبري، والرفع على عطفها على قنوان، أو على أنها مبتدأ خبره محذوف، أي:
وثمّ جنات من أعناب، وقدره أبو البقاء ومن الكرم جنات (انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم مقدم، وانظروا فعل أمر والواو فاعل، وإلى ثمره جار ومجرور
стр. 1287
متعلقان بانظروا، وإذا ظرف مستقل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو انظروا وجملة أثمر في محل جر بالإضافة، وينعه عطف على ثمره (إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الكلام مستأنف مسوق لتعليل عبادته سبحانه، وبيان قدرته البالغة. وإن حرف مشبه بالفعل، وفي ذلكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم، واللّام المزحلقة، وآيات اسم إن، لقوم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لآيات، وجملة يؤمنون صفة لقوم، والإشارة تقع على جميع ما تقدم ذكره من قوله: «إن الله فالق الحب والنوى» إلى هنا.
البلاغة:
في الآية التفات بليغ بقوله: «فأخرجنا» ، وسره العناية بشأن هذا الإخراج والتنويه بالعظمة والقدرة البالغتين.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٠ الى ١٠١]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)
اللغة:
(وَخَرَقُوا) : اختلقوا، يقال: خلق الإفك وخرقه، واختلقه وافتراه وافتعله، بمعنى كذب، وهو من باب ضرب.
стр. 1288
(بَدِيعُ) وردت كلمة بديع في القرآن مرتين، الأولى في البقرة، في قوله: «بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون» ، والثانية في هذه الآية، ومعنى بديع في الآيتين منشئهما ومبدعهما على غير مثال سابق، ولهذه المادة معان كثيرة تنتهي الى أمرين اثنين:
١- الجدّة الّتي يدلّ عليها إنشاء الشيء ابتداء وعلى غير مثال سابق.
٢- البراعة والغرابة التي يدلّ عليها العجيب، قال عمر بن أبي ربيعة:
فأتتها فأخبرتها بعذري ... ثم قالت: أتيت أمرا بديعا
الإعراب:
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ) كلام مستأنف مسوق في بيان موقفهم من خالقهم، بعد أن بين المنن المسبغة عليهم، وكيف خالفوا ما يقتضيه العقل السّليم. وجعلوا فعل وفاعل، ولله: جار ومجرور متعلقان بشركاء أو حال منه، وشركاء مفعول جعلوا الثاني، وقدمه لاستعظام أن يتخذ لله شريك، والجن هو المفعول الأول. (وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الواو حالية، ولا بد من تقدير قد بعدها وخرقوا الواو حرف عطف، وخرقوا فعل وفاعل، وله جار ومجرور متعلقان بخرقوا، وبنين مفعول به، وبنات عطف على بنين، وبغير علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل خرقوا، أي:
стр. 1289
افتعلوا الكذب مصاحبين للجهل وهو عدم العلم، والجملة عطف على جملة وخلقهم (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ) سبحانه: مفعول مطلق لفعل محذوف، أي تنزه تنزيها، وتعالى عطف على الفعل المقدر العامل في سبحانه، وعما جار ومجرور متعلقان بتعالى، وجملة يصفون صلة الموصول، والجملة التنزيهية مستأنفة (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان استحالة ما ينسونه إليه، وتقرير تنزيهه عنه، وبديع السموات والأرض خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو بديع، وأنى اسم استفهام بمعنى كيف أو من أين، في محل نصب حال، ويكون فعل مضارع ناقص، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم، وولد اسمها المؤخر وجملة أنى يكون له ولد استئنافية (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الواو عاطفة، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ولكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكن المقدم، وصاحبة اسمها المؤخر، وخلق كل شيء: هذه الجملة إما مستأنفة أو حالية، وعلى الإعراب الأخير يكون المعنى: كيف ومن أين يكون له ولد والحال أنه خلق جميع الأشياء ومن جملتها ما سموه ولدا له، فكيف يدور بخلد أحد أن يكون المولود ولدا لخالقه؟
وهو: الواو عاطفة أو حالية، وهو مبتدأ، وبكل شيء جار ومجرور متعلقان بعليم، وعليم خبر «هو» .
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٣]
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)
стр. 1290
الإعراب:
(ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الكلام مستأنف، وهو وما بعده سرد لتقرير نعته سبحانه بهذه الأوصاف السّامية، واسم الإشارة مبتدأ، والله خبر أول، وربكم خبر ثان، وجملة لا إله إلا هو خبر ثالث، وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة، فجدّد به عهدا (خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) خالق كل شيء خبر رابع، فاعبدوه: الفاء تعليلية، واعبدوه فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها لبيان سبب العبادة، وهو الواو عاطفة، وهو مبتدأ، وعلى كل شيء جار ومجرور متعلقان بوكيل، ووكيل خبر هو (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الجملة خبر خامس، وتدركه الأبصار فعل ومفعول به مقدم وفاعل، وهو يدرك: الواو عاطفة، وهو مبتدأ، وجملة يدرك الأبصار خبره، وهو: الواو حرف عطف، وهو مبتدأ، واللطيف خبر أول، والخبير خبر ثان.
البلاغة:
في الآية الثانية فنون عديدة من البلاغة نوجزها فيما يلي:
١- المناسبة:
وهي أن يبتدئ المتكلم بمعنى، ثم يتمّم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، فإن معنى نفي إدراك الأبصار للشيء يناسب اللطف، وهذا الكلام خرج مخرج التمثيل، لأن المعهود عند المخاطب أن البصر لا يدرك الأجسام اللطيفة كالهواء وسائر العناصر، ولا الجواهر
стр. 1291
المفردة، إنما يدرك اللّون من كلّ متلوّن، والكون من كلّ متكوّن، فجاء هذا التّمثيل ليتخيّله السّامع فيقيس به الغائب على الشّاهد، وكذلك قوله تعالى: «وهو يدرك الأبصار» فإن ذلك يناسبه وصف المدرك بالخبرة.
٢- فن الاحتراس:
فإنه سبحانه لما أثبت له إدراك الأبصار اقتضت البلاغة فن الاحتراس تفاديا لأن يظنّ ظانّ أنه إذا لم يكن مدركا لم يكن موجودا، فوجب أن تقول «وهو يدرك الأبصار» لتثبت لذاته الوجود.
٣- فن اللفّ والنّشر:
وسماه بعضهم «فن تشابه الأطراف» ، فقوله: «اللّطيف» راجع الى قوله: «لا تدركه الأبصار» ، وقوله: «الخبير» راجع الى قوله: «وهو يدرك الأبصار» .
٤- فن التّعطّف:
الذي هو قوله: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار» لمجيء الأبصار في أول الكلام وآخره.
٥- فن المطابقة:
بين قوله «لا تدركه الأبصار» وقوله: «وهو يدرك الأبصار» .
فقد استكملت الآية خمسة فنون تامة من فنون البلاغة.
стр. 1292
الفوائد:
هذه الآية أقوى دلائل المعتزلة في الأدلّة السّمعيّة على أن الله تعالى لا يرى، لأنها صريحة. والجواب: إن الآية الأخرى تناقضها وهي قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة» وأما شبهتهم في قوله تعالى: «لا تدركه الأبصار» فقد أجاب الأشاعرة عنها، بأن قوله: «لا تدركه الأبصار» نقيض لقوله تعالى: «يدرك الأبصار» يقتضي أن كلّ أحد لا يبصره، لأن الألف واللّام إذا دخلتا على الجمع أفادتا الاستغراق، ونقيض السالبة الكلّية الموجبة الجزئية، فكان معنى قوله: «لا تدركه الأبصار» : لا تدركه كل الأبصار، ونحن نقول بموجبه، فإن جميع الأبصار لا تراه، ولا يراه إلّا المؤمنون، وهذه النكتة هي معنى قولهم: سلب العموم لا يفيد السلب.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٧]
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)
стр. 1293
اللغة:
(بَصائِرُ) : جمع بصيرة، وهي نور القلب الذي به يستصر، والبصر نور العين الذي به تبصر، وتطلق على العقل والفطنة والعبرة والشاهد والحجة، يقال: جوارحه بصيرة عليه، وفراسة ذات بصيرة أي: صادقة. وفي القاموس: البصر محركة: حس العين، والجمع أبصار، مثل: سبب وأسباب.
الإعراب:
(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) كلام مستأنف مسوق على لسان النبي، والمراد بها آيات القرآن، وقد حرف تحقيق، وجاءكم بصائر فعل ومفعول به مقدّم وفاعل مؤخّر، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بجاءكم، أو بمحذوف صفة لبصائر (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) الفاء استئنافية للتفصيل، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، وأبصر فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة للجواب، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: فالإبصار لنفسه، ومثله: ومن عمي فعليها، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) الواو استئنافية، ويجوز أن تكون حالية، وما نافية حجازية، وأنا ضمير منفصل في محل رفع اسمها، وعليكم جار ومجرور متعلقان بحفيظ، والباء حرف جر زائد، وحفيظ اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس (وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الواو استئنافية، والكاف في
стр. 1294
محل نصب نعت لمصدر محذوف، أي: تصريفا مثل ما صرفناها فيما يتلى عليكم، والآيات مفعول به، والواو حرف عطف، واللام هي لام التعليل، والفعل بعدها يقولوا منصوب بإضمار أن، وسماها ابن عطية وأبو البقاء: لام العاقبة أو الصيرورة، وجملة ليقولوا معطوفة على مقدر، أي: ليعتبروا وليقولوا، وجملة درست في محل نصب مقول القول، ولنبينه: الواو عطف على اللام الأولى، والجار والمجرور متعلقان بنصرف، وسيأتي الفرق بين اللامين في باب البلاغة.
والضمير في «لنبينه» يعود للقرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوما، ولقوم جار ومجرور متعلقان بنبينه، وجملة يعلمون صفة لقوم (اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) الجملة مستأنفة لخطاب النبي ﷺ ، واتبع فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت، و «ما» يجوز فيها أن تكون اسم موصول في محل نصب على المفعولية لاتبع، والعائد هو نائب فاعل أوحي، والجملة صلة الموصول، ويجوز أن تكون مصدرية، فيكون الجار والمجرور هما نائب الفاعل، ومن ربك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي كائنا من ربك، وجملة لا إله إلا هو معترضة، وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة كثيرا. وأعرض عطف على اتبع، وعن المشركين جار ومجزور متعلقان بأعرض (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا) الواو استئنافية أو حالية، ولو شرطية، وشاء ربك فعل وفاعل، ومفعول المشيئة محذوف، والتقدير عدم إشراكهم، وجملة ما أشركوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) الواو عاطفة، وما نافية، وجعلناك فعل وفاعل ومفعول به أول، وحفيظا مفعول جعلنا الثاني، وعليهم جار ومجرور متعلقان ب «حفيظا» . (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) عطف على ما تقدم، وقد تقدم إعرابها قريبا.
стр. 1295
البلاغة:
قال الزمخشري: وهو من عيون النكت التي جاء بها: «فإن قلت: أي فرق بين الامين في ليقولوا ولنبينه؟ قلت: الفرق بينهما أن الأولى مجاز والثانية حقيقة، وذلك أن الآيات صرفت للتبين، ولم تصرف ليقولوا، درست، ولكن لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين به شبه به فسيق مساقه» .
الفوائد:
في قوله «درست» ثلاث عشرة قراءة، ثلاث منها متواترة، وعشر منها شاذة، وقد أدرجناها باختصار:
الثلاث المتواترة:
١- درست بوزن ضربت، مبنيا للفاعل، والتاء للفاعل، أي:
درست يا محمد.
٢- درست والتاء تاء التأنيث الساكنة ومعناها بليت وتكررت في الأسماع.
٣- دارست: بوزن قاتلت، أي: دارست يا محمد غيرك.
العشر الشّاذّة:
١- درّست: بالتشديد والخطاب، أي: درست الكتب القديمة.
٢- درّست: مشدّدا مبنيا للمجهول المخاطب.
стр. 1296
٣- دورست: بالتخفيف والواو مبنيا للمجهول.
٤- دورست: مبنيا للمجهول مسندا لضمير الآيات.
٥- دارست: بتاء ساكنة للتأنيث لحقت آخر الفعل.
٦- درست: بفتح الدال وضم الراء، مسندا إلى ضمير الآيات.
٧- درس: فاعله النبيّ.
٨- درسن: مسند لنون الإناث، وهي ضمير الآيات.
٩- درّسن: كالذي قبله، إلا أنه بالتشديد، بمعنى:
اشتد درسها.
١٠- دارسات: جمع دارسة، بمعنى: قديمات، أو بمعنى:
ذات دروس.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)
اللغة:
(عَدْواً) : ظلما واعتداء.
стр. 1297
(جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) : الجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة.
(يُشْعِرُكُمْ) : يدريكم ويعلمكم.
الإعراب:
(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق للنهي عن أمر هو واجب في حد ذاته، ولكنه يؤدّي إلى سبّ الله تعالى، فلذلك جرى النهي عنه، ورب طاعة جرت إلى معصية. ولا ناهية، وتسبوا فعل مضارع مجزوم بها، والواو فاعل، والذين اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة يدعون صلة الموصول، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) الفاء هي السببية، ويسبوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها، لأنها مسبوقة بالنهي، أي: لا تسبوا آلهتهم فقد يترتب على ذلك ما تكرهون من سب الله. ويجوز أن تكون الفاء عاطفة، ويسبوا معطوفة على تسبوا، ولفظ الجلالة مفعول به، وعدوا منصوب على المصدر لأنه مرادفه، ويصح أن يكون مفعولا لأجله، أي: لأجل الاعتداء، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، لأن السب لا يكون إلا عدوا. وبغير علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مؤكدة (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) كذلك الجار والمجرور نعت لمصدر محذوف، أي: زينا لهؤلاء أعمالهم تزيينا مثل تزييننا لكل أمة عملهم، وزينا فعل وفاعل، ولكل أمة جار ومجرور متعلقان بزينا، وعملهم مفعول به، والجملة نصب على الحال (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) ثم عاطفة للترتيب مع التراخي، والعطف على محذوف تقديره: فأتوه، وإلى ربهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف
стр. 1298
خبر مقدم، ومرجعهم مبتدأ مؤخر، فينبئهم الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب لتقرير أن التوبيخ والتقريع تابعان للمرجع بسرعة لا هوادة فيها، وينبئهم فعل مضارع والهاء مفعول به أول، وبما جار ومجرور في موضع المفعول الثاني لينبئهم، وجملة كانوا صلة الموصول، وجملة يعلمون خبر كانوا (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) الواو استئنافية، وأقسموا فعل وفاعل، وبالله جار ومجرور متعلقان بأقسموا، وجهد أيمانهم منصوب على المصدرية، أي: أقسموا جهد اقساماتهم، والأيمان بمعنى الاقسامات، كما تقول: ضربته أشدّ الضربات، وقيل:
مصدر في موضع الحال، أي: أقسموا مجتهدين في أيمانهم، وقال المبرد: منصوب بفعل من لفظه، وأيمانهم مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله (لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) اللام موطئة للقسم، وإن شرطية وجاءتهم فعل الشرط ومفعوله، وآية فاعل، وليؤمنن: اللام واقعة في جواب القسم، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، لأنه متقدم على الشرط، ويؤمنن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة هي نون التوكيد الثقيلة، وبها جار ومجرور متعلقان بيؤمنن، قل فعل أمر، والجملة مستأنفة، وإنما كافة ومكفوفة، والآيات مبتدأ، وعند الله ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان الحكمة التي دعت إلى أن يكون الجواب على هذا الشكل، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ، وجملة يشعركم خبرها، والكاف مفعول أول ليشعركم، وأنّ وما في حيزها في موضع المفعول الثاني، وإذا ظرف متعلق بيؤمنون، وجملة لا يؤمنون خبر أنها. وسيأتي مزيد من القول في هذا التركيب المعجز.
стр. 1299
الفوائد:
كثر اختلاف العلماء حول هذا التركيب المعجز، وسنختار ما هو أكثر ملاءمة للمنطق والذوق، فقد مثل بعضهم لهذا التركيب بمثال وهو: إذا قال لك قائل أكرم فلانا فإنه يكافئك، وأنت تعلم منه نفيها، قلت في الجواب: وما يدريك أني إذا أكرمته يكافئني، فتنكر عليه إثبات المكافأة، فإن انعكس الأمر فقال لك: لا تكرمه فإنه لا يكافئك، وكنت تعلم منه المكافأة، فأنكرت على المشير بحرمانه، قلت:
وما يدريك أنه لا يكافئني، تريد: وأنا أعلم منه المكافأة، فكان مقتضى الإنكار على المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمعاندين فاعتقدوا أنهم يؤمنون عند نزول الآية المقترحة أن يقال: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون، بإسقاط «لا» ، فلما جاءت الآية على هذا الشكل، اختلف العلماء، فحمل بعضهم «لا» على أنها زائدة، وبعضهم أوّل «أنّ» ب «لعل» من قول العرب: أئت السوق أنك تشتري لحما، واستشهدوا بقول امرئ القيس:
عوجا على الطّلل المحيل لأننا ... نبكي الديار كما بلى ابن حزام
أي: لعلنا، وبعضهم جعل الكلام جواب قسم محذوف، وقد تفتح همزة أن بعد القسم، فقال: التقدير: والله أنها إذا جاءت لا يؤمنون. والأصح أن الآية باقية على ظاهرها، وأن هذا كله مجرد تكلّف، ولإيضاح ذلك يقال: إذا حرمت زيدا لعلمك بعدم مكافأته فأشير عليك بالإكرام، بناء على أن المشير يظن المكافأة، فلك معه حالتان: حالة تنكر عليه ادعاء العلم بما يعلم خلافه، وحالة تعذره في عدم العلم بما أحطت به علما، فان أنكرت عليه قلت: وما يدريك أنه
стр. 1300
بكافئ، وإن عذرته في عدم علمه بأنه لا يكافىء قلت: وما يدريك أنه لا يكافىء؟ يعني ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم مكافأته، وأنت لم تخبر أمره خبري، ولم تسبر غوره سبري؟ فكذلك الآية، إنما ورد فيها الكلام إقامة عذر للمؤمنين في عدم علمهم بالمغيب في علم الله تعالى، وهو عدم إيمان هؤلاء، فاستقام دخول «لا» وتبيّن أن سبب الاضطراب التباس الإنكار بإقامة الأعذار، وهذا من أسمى دلائل الإعجاز.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٠]
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)
اللغة:
(يَعْمَهُونَ) : مضارع «عمه» في طغيانه عمها، من باب تعب:
إذا تردّد متحيرا، وهو مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء، إذا لم تكن فيها أمارات النجاة، فهو عمه وأعمه.
الإعراب:
(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الواو استئنافية أو عاطفة، ونقلب فعل مضارع، وأفئدتهم مفعوله، وأبصارهم عطف على أفئدتهم، وكما الجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره: فلا يؤمنون كما كانوا عند نزول الآيات على مقترحهم الأول،
следующие страницы →