Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
٣- دورست: بالتخفيف والواو مبنيا للمجهول.
٤- دورست: مبنيا للمجهول مسندا لضمير الآيات.
٥- دارست: بتاء ساكنة للتأنيث لحقت آخر الفعل.
٦- درست: بفتح الدال وضم الراء، مسندا إلى ضمير الآيات.
٧- درس: فاعله النبيّ.
٨- درسن: مسند لنون الإناث، وهي ضمير الآيات.
٩- درّسن: كالذي قبله، إلا أنه بالتشديد، بمعنى:
اشتد درسها.
١٠- دارسات: جمع دارسة، بمعنى: قديمات، أو بمعنى:
ذات دروس.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)
اللغة:
(عَدْواً) : ظلما واعتداء.
стр. 1297
(جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) : الجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة.
(يُشْعِرُكُمْ) : يدريكم ويعلمكم.
الإعراب:
(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق للنهي عن أمر هو واجب في حد ذاته، ولكنه يؤدّي إلى سبّ الله تعالى، فلذلك جرى النهي عنه، ورب طاعة جرت إلى معصية. ولا ناهية، وتسبوا فعل مضارع مجزوم بها، والواو فاعل، والذين اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة يدعون صلة الموصول، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) الفاء هي السببية، ويسبوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها، لأنها مسبوقة بالنهي، أي: لا تسبوا آلهتهم فقد يترتب على ذلك ما تكرهون من سب الله. ويجوز أن تكون الفاء عاطفة، ويسبوا معطوفة على تسبوا، ولفظ الجلالة مفعول به، وعدوا منصوب على المصدر لأنه مرادفه، ويصح أن يكون مفعولا لأجله، أي: لأجل الاعتداء، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، لأن السب لا يكون إلا عدوا. وبغير علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مؤكدة (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) كذلك الجار والمجرور نعت لمصدر محذوف، أي: زينا لهؤلاء أعمالهم تزيينا مثل تزييننا لكل أمة عملهم، وزينا فعل وفاعل، ولكل أمة جار ومجرور متعلقان بزينا، وعملهم مفعول به، والجملة نصب على الحال (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) ثم عاطفة للترتيب مع التراخي، والعطف على محذوف تقديره: فأتوه، وإلى ربهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف
стр. 1298
خبر مقدم، ومرجعهم مبتدأ مؤخر، فينبئهم الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب لتقرير أن التوبيخ والتقريع تابعان للمرجع بسرعة لا هوادة فيها، وينبئهم فعل مضارع والهاء مفعول به أول، وبما جار ومجرور في موضع المفعول الثاني لينبئهم، وجملة كانوا صلة الموصول، وجملة يعلمون خبر كانوا (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) الواو استئنافية، وأقسموا فعل وفاعل، وبالله جار ومجرور متعلقان بأقسموا، وجهد أيمانهم منصوب على المصدرية، أي: أقسموا جهد اقساماتهم، والأيمان بمعنى الاقسامات، كما تقول: ضربته أشدّ الضربات، وقيل:
مصدر في موضع الحال، أي: أقسموا مجتهدين في أيمانهم، وقال المبرد: منصوب بفعل من لفظه، وأيمانهم مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله (لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) اللام موطئة للقسم، وإن شرطية وجاءتهم فعل الشرط ومفعوله، وآية فاعل، وليؤمنن: اللام واقعة في جواب القسم، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، لأنه متقدم على الشرط، ويؤمنن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة هي نون التوكيد الثقيلة، وبها جار ومجرور متعلقان بيؤمنن، قل فعل أمر، والجملة مستأنفة، وإنما كافة ومكفوفة، والآيات مبتدأ، وعند الله ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان الحكمة التي دعت إلى أن يكون الجواب على هذا الشكل، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ، وجملة يشعركم خبرها، والكاف مفعول أول ليشعركم، وأنّ وما في حيزها في موضع المفعول الثاني، وإذا ظرف متعلق بيؤمنون، وجملة لا يؤمنون خبر أنها. وسيأتي مزيد من القول في هذا التركيب المعجز.
стр. 1299
الفوائد:
كثر اختلاف العلماء حول هذا التركيب المعجز، وسنختار ما هو أكثر ملاءمة للمنطق والذوق، فقد مثل بعضهم لهذا التركيب بمثال وهو: إذا قال لك قائل أكرم فلانا فإنه يكافئك، وأنت تعلم منه نفيها، قلت في الجواب: وما يدريك أني إذا أكرمته يكافئني، فتنكر عليه إثبات المكافأة، فإن انعكس الأمر فقال لك: لا تكرمه فإنه لا يكافئك، وكنت تعلم منه المكافأة، فأنكرت على المشير بحرمانه، قلت:
وما يدريك أنه لا يكافئني، تريد: وأنا أعلم منه المكافأة، فكان مقتضى الإنكار على المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمعاندين فاعتقدوا أنهم يؤمنون عند نزول الآية المقترحة أن يقال: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون، بإسقاط «لا» ، فلما جاءت الآية على هذا الشكل، اختلف العلماء، فحمل بعضهم «لا» على أنها زائدة، وبعضهم أوّل «أنّ» ب «لعل» من قول العرب: أئت السوق أنك تشتري لحما، واستشهدوا بقول امرئ القيس:
عوجا على الطّلل المحيل لأننا ... نبكي الديار كما بلى ابن حزام
أي: لعلنا، وبعضهم جعل الكلام جواب قسم محذوف، وقد تفتح همزة أن بعد القسم، فقال: التقدير: والله أنها إذا جاءت لا يؤمنون. والأصح أن الآية باقية على ظاهرها، وأن هذا كله مجرد تكلّف، ولإيضاح ذلك يقال: إذا حرمت زيدا لعلمك بعدم مكافأته فأشير عليك بالإكرام، بناء على أن المشير يظن المكافأة، فلك معه حالتان: حالة تنكر عليه ادعاء العلم بما يعلم خلافه، وحالة تعذره في عدم العلم بما أحطت به علما، فان أنكرت عليه قلت: وما يدريك أنه
стр. 1300
بكافئ، وإن عذرته في عدم علمه بأنه لا يكافىء قلت: وما يدريك أنه لا يكافىء؟ يعني ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم مكافأته، وأنت لم تخبر أمره خبري، ولم تسبر غوره سبري؟ فكذلك الآية، إنما ورد فيها الكلام إقامة عذر للمؤمنين في عدم علمهم بالمغيب في علم الله تعالى، وهو عدم إيمان هؤلاء، فاستقام دخول «لا» وتبيّن أن سبب الاضطراب التباس الإنكار بإقامة الأعذار، وهذا من أسمى دلائل الإعجاز.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٠]
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)
اللغة:
(يَعْمَهُونَ) : مضارع «عمه» في طغيانه عمها، من باب تعب:
إذا تردّد متحيرا، وهو مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء، إذا لم تكن فيها أمارات النجاة، فهو عمه وأعمه.
الإعراب:
(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الواو استئنافية أو عاطفة، ونقلب فعل مضارع، وأفئدتهم مفعوله، وأبصارهم عطف على أفئدتهم، وكما الجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره: فلا يؤمنون كما كانوا عند نزول الآيات على مقترحهم الأول،
стр. 1301
لكونهم مطبوعا على قلوبهم، فهو مفعول مطلق، وما مصدرية، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويؤمنوا فعل مضارع مجزوم بلم، وبه جار ومجرور متعلقان بيؤمنوا وأول مرة ظرف زمان متعلق بيؤمنوا (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) الواو عاطفة، ونذرهم عطف على لا يؤمنون، داخل في نطاق الإنكار، مقيّد بما تقيد به، وفي طغيانهم جار ومجرور متعلقان بيعمهون، وجملة يعمهون حال، أي متحيرين.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١١]
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)
اللغة:
(قُبُلًا) بضمتين جمع قبيل، ونظيره: رغيف ورغف، وقضيب وقضب، أو جمع قبيل، بمعنى كفيل.
الإعراب:
(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى) الواو استئنافية، ولو شرطية، وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف، أي: يثبت.
وجملة نزلنا إليهم الملائكة خبر أن، وكلّمهم عطف على نزلنا، وذلك ما اقترحوه عند ما قالوا: لولا أنزل علينا الملائكة والموتى فاعل (وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا) الواو عاطفة أيضا، وحشرنا فعل
стр. 1302
وفاعل، معطوف على نزلنا، أي: كما قالوا أيضا. وعليهم جار ومجرور متعلقان بحشرنا، وكل شيء مفعول به، وقبلا حال، أي:
فوجا فوجا، أو كفلاء، كما تقدم في باب اللغة (ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وما نافية، واللام لام الجحود، ويؤمنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، ويؤمنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف هو الخبر، أي:
ما كانوا أهلا للإيمان، وإلا أداة استثناء من أعم الأحوال، فهو استثناء متصل، والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله، فأن وما بعدها مصدر في موضع نصب على الحال، أو استثناء من أعم الأزمنة، فالمصدر في موضع نصب على الظرفية الزمانية، إلا في زمان مشيئة الله، أو استثناء من علة عامة، أي:
ما كانوا ليؤمنوا لشيء من الأشياء إلا لمشيئة الله الإيمان، فهو مفعول لأجله، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا، وتكون أن ومدخولها في تأويل مبتدأ محذوف الخبر، أي: لكن مشيئة الله تحصل، وحجة القائلين بذلك أن مشيئة الله ليست من جنس إرادتهم (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) الواو حالية أو استئنافية، ولكن واسمها، وجملة يجهلون خبرها.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٢ الى ١١٣]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)
стр. 1303
الإعراب:
(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) كلام مستأنف مسوق لتسلية النبي ﷺ عمّا شاهده من عداء قريش له، وما يبيتونه من مؤامرات. والكاف في محل نصب على أنها مع مدخولها نعت لمصدر محذوف مؤكد لما بعده، وجعلنا فعل وفاعل وهو يتعدى لمفعولين، ولكل نبي جار ومجرور في موضع نصب على الحال لأنه كان في الأصل صفة ل «عدوا» ، وعدوا مفعول جعلنا الثاني، وشياطين الإنس والجن مفعول جعلنا الأول (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) يجوز أن تكون الجملة مستأنفة لبيان حال العدو، وسمي وحيا لأنه إنما يكون خفية بينهم، وجعل تمويههم زخرفا من القول لتزيينهم إياه، ويجوز أن تكون حالا منه، ويوحي فعل مضارع، وبعضهم فاعل، وإلى بعض جار ومجرور متعلقان بيوحي، وزخرف القول مفعول به، وغرورا مفعول لأجله، أي: ليغرّوهم، أو مصدر في موضع نصب على الحال، أي غارّين، أو على المفعولية المطلقة، لأن معنى يوحي بعضهم إلى بعض: يغرونهم بذلك غرورا (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ) الواو استئنافية، ولو شرطية، وشاء ربك فعل وفاعل وهو شرط لو، ومفعوله محذوف، وقد تقدم بحثه، وجملة ما فعلوه لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والفاء هي الفصيحة، وذرهم فعل أمر وفاعل مستتر، والهاء مفعول به، والواو عاطفة، وما اسم موصول معطوف على الهاء في
стр. 1304
فذرهم، أي: اتركهم واترك الذي يفترونه، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع، وما مفعول معه، ويجوز أن تكون ما مصدرية، أي:
اتركهم واترك افتراءهم. وقد نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال (وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) الواو عاطفة، واللام للتعليل، وتصغى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور عطف على «غرورا» ، وإنما لم ينصب على أنه مفعول لأجله لاختلاف الفاعل، ففاعل تصغى المغرور وفاعل الأول الفارّون، ولأنه ليس صريح المصدرية، ففات شرطان من شروط نصب المفعول لأجله، ومعنى تصغى: تميل، وإليه جار ومجرور متعلقان بتصغى، وأفئدة فاعل تصغى، والذين مضاف إليه، وجملة لا يؤمنون صلة الموصول، وبالآخرة جار ومجرور متعلقان بيؤمنون (وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ) عطف على «غرورا» أيضا، أي: فاللام للتعليل، وهي مكسورة، و «أن» مقدرة بعدها جوازا في الأفعال الثلاثة، وترتيبها حسن للغاية وفي منتهى الفصاحة، لأنه يكون أولا الخداع فيكون الميل فيكون الرضا فيكون الاقتراف، فكل واحد مسبّب عما قبله، وجنح الزمخشري إلى تسمية هذه اللامات بلام الصيرورة أو العاقبة، وليس ببعيد.
стр. 1305
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)
اللغة:
(حَكَماً) : حاكما لا يحكم إلا بالعدل، وهو أبلغ من حاكم، لأن الحكم لا يحكم إلا بالعدل، والحاكم قد يشتطّ ويجور، أو لأن الحكم تكرر منه، بخلاف الحاكم فإنه يصدق بمرّة واحدة، وقد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه الكلمة بقوله:
يا أعدل الناس إلّا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
الإعراب:
(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً) الجملة عطف على مقدّر يقتضيه سياق الكلام، أي قل لهم: أأميل إلى زخارف الدنيا فأبتغي حكما؟ والهمزة للاستفهام الإنكاري، فهي مقول قول محذوف، وجملة القول مستأنفة، وغير الله مفعول به مقدم لأبتغي، وحكما حال أو تمييز، ويجوز أن يكون «حكما» هو المفعول به، و «غير» حال من «حكما» لأنه في الأصل وصف له (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا) الواو للحال، والجملة حال مؤكدة للإنكار، وهو مبتدأ، والذي خبر، وجملة أنزل صلة لا محل لها، وإليكم جار ومجرور متعلقان بأنزل، والكتاب مفعول به، ومفصلا حال من الكتاب
стр. 1306
(وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة من الله تعالى لتقرير كون الكتاب حقيقة منزلة من عنده تعالى، والذين اسم موصول مبتدأ، وجملة آتيناهم صلة الموصول، والكتاب مفعول به ثان، وجملة يعلمون خبر اسم الموصول، وأنّ واسمها وخبرها، وقد سدت مسد مفعولي يعلمون، ومن ربك جار ومجرور متعلقان بمنزل، بالحق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المرفوع في «منزل» والذي هو نائب فاعل، والفاء في «فلا» الفصيحة، أي: إذا علمت هذا وتأكدت منه فلا تكونن، ولا ناهية، وتكونن فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون الثقيلة وهو في محل جزم بلا الناهية، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت، ومن الممترين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والخطاب، وإن كان في ظاهر الكلام موجها إلى النبي ﷺ ، إلا أنه موجّه في الواقع إلى أمته (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في بيان كمال الكتاب، وكلمة ربك فاعل تمت، وصدقا وعدلا حال، وأعربهما أبو البقاء والطبريّ تمييزا، وتبعهما الجلال، وردّ ابن عطية هذا القول، وقال: «وهو غير صواب» . ولعل مراده أن كلمات الله من شأنها الصدق والعدل، والتمييز إنما يفسر ما انبهم، وليس في ذلك إبهام. وأعربهما الكواشي حالا من «ربك» أو على المفعولية من أجله، وإذا أعربناهما حالين فلا بد من تأويلهما بمعنى المشتق، أي صادقا وعادلا، واقتصر الزمخشري على الحالية.
قلت: ولا أرى بعيدا أن ينصبا على نزع الخافض، أي بالصدق والعدل، تفادا للتأويل، أو على أنهما نعتان لمصدر محذوف، أي:
стр. 1307
نمام صدق وعدل (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الجملة حالية من فاعل تمت، أو مستأنفة، ولا نافية للجنس، ومبدل اسمها المبني على الفتح، ولكلماته جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «لا» .
وهو السميع العليم الواو استئنافية، وهو مبتدأ، والسميع خبر أول، والعليم خبر ثان.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٦ الى ١١٧]
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)
اللغة:
(يَخْرُصُونَ) : يكذبون، من الخرص: وهو الحزر والتخمين.
وسمي الكذب خرصا لما يدخله من الظنون الكواذب، وقد خرص يخرص وبابه نصر، واخترص القول وتخرّصه: افتعله.
الإعراب:
(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الواو عاطفة. وإن شرطية، وتطع فعل الشرط، وأكثر مفعول به، ومن اسم موصول في محل جر بالإضافة، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، ويضلوك جواب الشرط مجزوم، والواو
стр. 1308
فاعل، والكاف مفعول به، وعن سبيل الله جار ومجرور متعلقان بيضلوك (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الجملة مستأنفة لا محل لها وإن نافية، ويتّبعون فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، وإلا أداة حصر، والظن مفعول به والواو حرف عطف، وإن نافية، وهم مبتدأ وإلا أداة حصر، وجملة يخرصون خبرهم (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) الجملة مستأنفة لتقرير مضمون الجملة الشرطية. وإن واسمها، وهو مبتدأ وأعلم خبر، والجملة خبر «إن» ، أو «هو» ضمير فصل، وأعلم خبر «إن» ، ومن اسم موصول منصوب بفعل مقدر لا بنفس أعلم، لأن اسم التفضيل لا ينصب الظاهر في مثل هذه الصورة وسيأتي مزيد من بحث هذا الإعراب في باب الفوائد ، والتقدير: يعلم من يضل، وجملة يضل صلة الموصول، وعن سبيله جار ومجرور متعلقان بيضل، وهو مبتدأ، وأعلم خبر وبالمهتدين جار ومجرور متعلقان بأعلم.
الفوائد:
شغلت هذه الآية المعربين والمفسرين، وسنلخص لك ما قيل في هذا الصدد. فقد قال بعضهم: إن «أعلم» في الموضعين بمعنى يعلم قال حاتم الطائي:
فحالفت طيء من دوننا حلفا ... والله أعلم ما كنا لهم خولا
وقيل: إن اسم التفضيل على بابه، والنصب بفعل مقدر، كما اخترنا في باب الإعراب، وقيل: إنها منصوبة باسم التفضيل على مذهب الكوفيين. ويشكل على ذلك أن الإضافة تقتضي أن الله بعض الضالين، تعالى عن ذلك، وقيل: في محل نصب بنزع الخافض، أي: بمن يضل،
стр. 1309
وقيل في محل جر بإضافة اسم التفضيل إليها، وقيل: «من» في موضع رفع، وهي استفهامية في محل رفع مبتدأ، والخبر جملة يضل: والجملة في موضع نصب أو معلقة عن العمل ب «أعلم» ، أي: أعلم أي الناس يضل: كقوله تعالى: «لنعلم أي الحزبين» ؟ فتدبّر، والله يعصمك.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٨ الى ١١٩]
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)
الإعراب:
(فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ) الفاء هي الفصيحة، لأنها أفصحت عن شرط مقدر، والتقدير: إذا كنتم متحقفين بالإيمان فكلوا. وهذا الأمر مرتب على النهي عن اتباع المضلّين الذين يحرّمون الحلال ويحللون الحرام. ومما جار ومجرور متعلقان بكلوا، وجملة ذكر اسم الله عليه صلة الموصول، واسم الله نائب فاعل ذكر، وعليه جار ومجرور متعلقان بذكر، وإن شرطية، وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها، ومؤمنين خبرها، وبآياته جار ومجرور متعلقان بمؤمنين، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: فكلوا (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)
стр. 1310
كلام مستأنف مسوق للتأكيد على إباحة ما ذبح على اسم الله. وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «ما» ، وأن لا تأكلوا مصدر مؤوّل منصوب بنزع الخافض، أي: في أن لا تأكلوا، ولما حذف حرف الجر كان في موضع نصب، والجار والمجرور متعلقان بما تعلق به «لكم» الواقع خبر ل «ما» الاستفهامية، ومما جار ومجرور متعلقان بتأكلوا، وجملة ذكر اسم الله عليه صلة الموصول (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الواو حالية، وقد حرف تحقيق، وفصل فعل ماض وفاعل مستتر، ولكم جار ومجرور متعلقان بفصّل، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة حرم عليكم لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإلا أداة استثناء، وما اسم موصول في محل نصب على الاستثناء المنقطع، وجملة اضطررتم إليه صلة الموصول، ولك أن تجعله استثناء من ضمير «حرّم» ، وما مصدرية في معنى المدة، أي الأشياء التي حرّمت عليكم إلا اضطرارا إليها، كما فصله في آية حرمت عليكم الميتة، فيكون الاستثناء متصلا، ولعل هذا أولى، لأن الاستثناء من الجنس، وجملة اضطررتم لا محل لها على كل حال، وإليه جار ومجرور متعلقان باضطررتم المبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، والجملة كلها نصب على الحال (وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الواو عاطفة أو حالية، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وجملة يضلون خبر إن، وبأهوائهم جار ومجرور متعلقان بيضلون، وبغير علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: متلبسين بالجهل.
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن واسمها، وهو مبتدأ، أو ضمير فصل وأعلم خبر هو، أو خبر إن، وبالمعتدين جار ومجرور متعلقان بأعلم.
стр. 1311
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٠ الى ١٢١]
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)
الإعراب:
(وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) الواو عاطفة على ما تقدم، وذروا فعل أمر، والواو فاعل، وظاهر الإثم مفعول به، وباطنه عطف على ظاهر (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن واسمها، وجملة يكسبون صلة الموصول، والإثم مفعول به، وجملة سيجزون خبر إن، وبما جار ومجرور متعلقان بيجزون، وجملة كانوا صلة الموصول، والواو اسم كان، وجملة يقترفون خبرها، والعائد محذوف، أي: يقترفونه (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتأكلوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، ومما جار ومجرور متعلقان بتأكلوا، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويذكر فعل مضارع مجزوم بلم، واسم الله نائب فاعل يذكر، وعليه جار ومجرور متعلقان بيذكر، وإنه الواو حالية، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وفسق خبر إن، والضمير في «إنه» يعود إلى مصدر الفعل الذي دخل عليه حرف النهي،
стр. 1312
أي: الأكل، أو من «ما» ، أي: من متروك التسمية. وسيأتي مزيد من القول في هذه المسألة (وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ) الواو عاطفة على «وإنه لفسق» ، أو استئنافية، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وجملة يوحون خبر «إن» ، وإلى أوليائهم جار ومجرور متعلقان بيوحون، واللام للتعليل، ويجادلوكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان ب «يوحون» أيضا (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الواو عاطفة، وإن شرطية، وأطعتموهم فعل وفاعل ومفعول به، في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، والواو لإشباع الضمة، وإن واسمها، واللام المزحلقة، ومشركون خبرها، ولم يقترن جواب الشرط بالفاء لأمرين:
أولهما أن لام التوطئة للقسم مقدرة قبل إن الشرطية، لذلك أجيب القسم المقدر بقوله: «إنكم لمشركون» ، وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسدّه، وقال أبو البقاء: حذف الفاء من جواب الشرط، وهو حسن، إذا كان الشرط بلفظ الماضي، وسيأتي مزيد بحث بهذا الصدد في باب الفوائد .
الفوائد:
١- شغلت الواو في قوله تعالى: «وانه لفسق» المفسرين والمعربين والفقهاء بما لا يتسع صدر هذا الكتاب له، وقد اخترنا ما رأيناه أدنى إلى الفهم، ونرى من المفيد أن نلمح إلى خلافهم إلماحا سريعا، وعلى من يريد الاستيعاب أن يرجع إلى المطوّلات.
стр. 1313
عبارة السمين:
قال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: «قوله: وإنه لفسق- هذه الجملة فيها أوجه:
١- انها مستأنفة: قالوا لا يجوز أن تكون نسقا على ما قبلها، لأن الأولى طلبية، وهذه خبرية، وتسمى هذه الواو واو الاستئناف.
٢- أنها منسوقة على ما قبلها، ولا يبالي نتجا لفهمها، وهو مذهب سيبويه.
٣- أنها حالية: لا تأكلوه والحال أنه فسق» .
وعلى أساس هذه الأوجه اختلف الفقهاء في جواز أكل ما لم يذكر اسم الله عليه:
١- فذهب قوم إلى تحريمها سواء أتركها عمدا أو نسيانا، وهو قول ابن سيرين والشعبي ومالك بن أنس، ونقل عن عطاء أنه قال:
كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام، واحتجوا عليه بظاهر هذه الآية.
٢- وقال الثوري وأبو حنيفة: إن ترك التسمية عامدا لا تحل، وإن تركها ناسيا حلّت.
٣- وقال الشافعي: تحل الذبيحة سواء أترك التسمية عامدا أو ناسيا. ونقله ابن الجوزيّ عن أحمد بن حنبل.
стр. 1314
ما نقله الرازي عن الشافعي:
وذكر الرازي في كتابه: مناقب الشافعي: أن مجلسا ضمه وجماعة من الحنفية، وأنهم زعموا أن قول الشافعي بحل أكل متروك التسمية مردود بقوله تعالى: «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق» ، فقال: فقلت لهم: لا دليل فيها، بل هي حجة للشافعي، وذلك لأن الواو ليست للعطف، لتخالف الجملتين الاسمية والفعلية، ولا للاستئناف، لأن أصل الواو أن تربط ما بعدها بما قبلها، فبقي أن تكون للحال، فتكون جملة الحال مقيدة للنهي، والمعنى: لا تأكلوا منه في حالة كونه فسقا، ومفهومه جواز الأكل إذا لم يكن فسقا.
ما يقوله الزمخشري:
وقال الزمخشري في كشّافه: «فإن قلت: قد ذهب جماعة من المجتهدين إلى جواز أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بنسيان أو عمد قلت: قد تأوّله هؤلاء بالميتة، وبما ذكر غير اسم الله عليه، كقوله:
«أو فسقا أهل لغير الله به» . وواضح أن الزمخشري حنفي، فهو ينتصر لمذهبه. ويطول بنا القول إن رحنا نورد حجج الفريقين، مما لا يندرج في نطاق كتابنا، وحسبنا ما تقدم.
٢- كل جواب يمتنع جعله شرطا فإن الفاء تجب فيه، لأن معناها التعقيب بلا فصل، كما أن الجزاء يتعقب فعل الشرط كذلك، وذلك في المواضع الآتية:
١- الجملة الاسمية نحو قوله تعالى: «وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير» .
стр. 1315
٢- الجملة الطلبية، نحو قوله تعالى: «إن كنتم تحبون الله فاتبعوني» .
٣- الجملة التي فعلها ماض، لفظا ومعنى، وحينئذ يجب أن يكون مقترنا ب «قد» ظاهرة، نحو قوله تعالى: «إن يسرق فقد سرق» ، أو مقدّرة، نحو قوله تعالى: «إن كان قميصه قد من قبل فصدقت» أي: فقد صدقت.
٤- الجملة التي فعلها جامد، نحو قوله تعالى: «إن ترني أنا أقلّ منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنّتك» .
٥- الجملة التي فعلها مقترن ب «قد» ، نحو قوله تعالى:
«إن يسرق فقد سرق» .
٦- الجملة التي فعلها مقترن بما النافية، نحو قوله تعالى:
«فإن توليتم فما سألتكم من أجر» .
٧- الجملة التي فعلها مقترن ب «لن» ، نحو قوله تعالى:
«وما يفعلوا من خير فلن يكفروه» .
٨- الجملة التي فعلها مقترن بالسين، نحو قوله تعالى: «ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا» .
٩- الجملة التي فعلها مقترن بسوف، نحو قوله تعالى: «وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله» .
١٠- الجملة التي فعلها مصدر ب «ربّ» ، نحو: «إن تجيء فربما أجيء» .
стр. 1316
١١- الجملة التي فعلها مصدر بكأنما، نحو قوله تعالى:
«أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا» .
١٢- الجملة التي فعلها مصدّر بأداة شرط، نحو قوله تعالى:
«وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية» .
وقد تحذف الفاء في الندرة كقوله ﷺ لأبّي ابن كعب لما سأله عن اللقطة: «فإن جاء بها صاحبها وإلا استمتع بها» .
أو في الضرورة كقول حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشرّ بالشرّ عند الله مثلان
أراد فالله يشكرها.
هذا وقد تخلف فاء الجزاء إذا الفجائية إن كانت الأداة «إن» ، نحو قوله تعالى: «وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون» .
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٢]
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)
стр. 1317
الإعراب:
(أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) كلام مستأنف مسوق للتمثيل لحال الكافر والمؤمن. والهمزة للاستفهام الإنكاري، والواو عاطفة على جملة منتزعة من قوله: «وإن أطعتموهم» والتقدير: أأنتم مثلهم، لتستوي الجملتان في الاسمية.
من اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وجملة كان صلة الموصول، وميتا خبر كان، فأحييناه الفاء عاطفة، وأحييناه فعل وفاعل ومفعول به، وجعلنا عطف على قوله فأحييناه، وله جار ومجرور في موضع نصب مفعول جعلنا الأول، ونورا مفعول به ثان، أو تكون «جعلنا» بمعنى: خلقنا، فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال، لأنه كان في الأصل صفة له، نورا مفعول به إذا كانت جعلنا بمعنى خلقنا ومفعول ثان إذا كانت على حالها وجملة يمشي في محل نصب صفة ل «نورا» ، وبه جار ومجرور متعلقان بيمشي، وفي الناس جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: كائنا بينهم (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) كمن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر «من» ، ومثله مبتدأ، وفي الظلمات جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، والجملة الاسمية صلة الموصول، وجملة ليس بخارج منها نصب على الحال، وليس فعل ماض ناقص، واسمها مستتر، والباء حرف جر زائد، وخارج مجرور بالباء لفظا منصوب على أنه خبر ليس محلا، ومنها جار ومجرور متعلقان بخارج (كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) كذلك جار ومجرور في محل نصب نعت لمصدر محذوف، وقد تقدمت نظائره كثيرا. وزين بالبناء للمجهول، وللكافرين جار ومجرور متعلقان بزين، وما اسم موصول نائب فاعل، وجملة كانوا صلة الموصول، وجملة يعملون خبر كانوا.
стр. 1318
البلاغة:
في الآية التشبيه التمثيلي، وقد سبقت الاشارة إليه كثيرا. وإن وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدّد، وهذا مثل ضربه الله تعالى لحال المؤمن والكافر، فبّين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا فأحياه وأعطاه نورا يهتدي به في مصالحه، وإن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها، ولم تأتلف هذه الأجناس المختلفة للتمثيل، ولم تتصادف هذه الأشياء المتباينة على حكم المشبه، إلا لأنه لم يراع ما يحضر العين، ولكن ما يستحضر العقل، ولم يعن بما تنال الرؤية بل بما تعلق به الرّويّة. ونحن نعتقد أن ما ورد في القرآن من أمثال هو عام بحق كل إنسان في مختلف ظروفه وأحواله، وهو الصحيح الذي يتناسب مع مدلول الهداية التي جاء بها القرآن، ولكن المفسرين، ﵏، يتوسعون، فيجعلون لكل آية مناسبة تتعلق بها، وليس ثمة مانع من ذلك ما دامت أحوال الناس متناسبة متشابهة في مختلف ظروف الزمان والمكان. وقد ذكر غير واحد منهم أن في الآية رجلين معنيين، الأول هو حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ ، والثاني هو أبو جهل بن هشام. ويوردون قصة طريقة لا بأس بإيرادها، وخلاصتها أن أبا جهل رمى النبي ﷺ بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل- وكان حمزة قد رجع من صيد، وبيده قوس، وحمزة لم يؤمن بعد- فأقبل حمزة غضبان حتّى علا أبا جهل، وجعل يضربه بالقوس، وجعل أبو جهل يتضرّع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى! أما ترى ما جاء به؟ سفّه عقولنا وسبّ آلهتنا وخالف آباءنا! فقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولا؟ تعبدون الحجارة من دون الله! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فأسلم حمزة يومئذ.
стр. 1319
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٤]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)
اللغة:
(صَغارٌ) الصغار: بفتح الصاد الذل والهوان. يقال فيه صغر ككرم صغرا بكسر الصاد وفتح الغين، وصغرا بضمّ الصاد وسكون الغين، وصغار بفتح الصاد والغين، وصغارة وصغرانا بضم الصاد وسكون الغين. وأما صغر بفتح الصاد وكسر الغين، وصغر بضم الغين أيضا: فهو ضد كبر وعظم.
الإعراب:
(وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها) كلام مستأنف للشروع في تقسيم الناس إلى أقوياء وضعفاء، وخص الأكابر بالإجرام لأنهم أقدر على بثّ الإجرام والفساد. وقيل عاطفة على ما قبلها.
وليس ثمة مانع. وكذلك نعت لمصدر محذوف، وقد تقدم. وجعلنا
стр. 1320
فعل وفاعل، وفي كل قرية مفعول جعلنا الثاني، وأكابر مفعول جعلنا الأول، ومجرميها مضاف لأكابر (لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ) اللام للتعليل، وقيل للعاقبة أو الصيرورة، وكلاهما صحيح، والجار والمجرور متعلقان بجعلنا، والواو للحال، وما نافية، ويمكرون فعل مضارع، والجملة نصب على الحال من فاعل يمكروا، وإلا أداة حصر، وبأنفسهم جار ومجرور متعلقان بيمكرون، والواو حالية، وما نافية، وجملة ما يشعرون في محل نصب من ضمير يمكرون (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) الواو عاطفة نسقا على ما تقدم، وإذا ظرف مستقبل متعلق بقالوا، وجملة جاءتهم في محل جر بالإضافة، وآية فاعل، وجملة قالوا لا محلّ لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم، ولن حرف نفي ونصب واستقبال، ونؤمن فعل مضارع منصوب بلن، والجملة في محلّ نصب مقول القول، وحتى حرف غاية وجر، ونؤتى فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن مضمرة بعد حتى، ونائب الفاعل مستتر، ومثل مفعول به ثان، وما اسم موصول في محل جر بالإضافة، وجملة أوتي لا محل لها لأنها صلة الموصول، ورسل الله نائب فاعل (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) الله مبتدأ، وأعلم خبره، وحيث:
اختلفت آراء المعربين فيها فقال قوم: إنها ليست ظرفا، لأنه تعالى أن يكون في مكان أعلم منه في مكان آخر، ولأن علمه لا يختلف باختلاف الأمكنة، وإنما هو مفعول به لفعل دل عليه «أعلم» ، أي: يعلم الموضع الصالح لوضع رسالته، وهؤلاء ليسوا أهلا لوضعها فيهم.
وقال أبو حيّان في البحر: «الظاهر إقرارها على الظرفية المجازية، وتضمين «أعلم» معنى ما يتعدّى إلى الظرف، فيكون التقدير:
الله أنفذ علما حيث يجعل، أي هو نافذ العلم في هذا الموضع الذي
стр. 1321
يجعل فيه رسالته» . وقال السفاقسي: «الظاهر أنه باق على معناه من الظرفية، والإشكال إنما يرد من حيث مفهوم الظرف، وكم من موضع ترك فيه المفهوم لقيام الدليل عليه، لا سيما وقد قام في هذا الموضع» . وجملة يجعل رسالته في محل جر بالإضافة، ورسالته مفعول به (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ) الجملة مستأنفة، مسوقة لبيان ما يصل بهم يوم القيامة. والسين حرف استقبال، ويصيب فعل مضارع مرفوع، والذين اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة أجرموا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وصغار فاعل، وعند الله ظرف متعلق بيصيب أو صفة لصغار، أي: ثابت عند الله، وعذاب شديد معطوفة على صغار، والباء حرف جر للسببية، وما مصدرية، أو موصولة، بمعنى الذي، وجملة كانوا لا محل لها من الإعراب على كل حال، وجملة يمكرون في محل نصب خبر كانوا.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٦]
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)
الإعراب:
(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) الفاء استئنافية،
стр. 1322
ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويرد فعل الشرط، والله فاعله، وأن يهديه مصدر مؤول منصوب لأنه مفعول به، أي: هداية، ويشرح جواب الشرط، وصدره مفعول به، وللاسلام جار ومجرور متعلقان بيشرح وفعل الشرط وجوابه خبر «من» . (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) الواو عاطفة، ومن اسم شرط جازم معطوفة على «من» الأولى، وأن يضلّه مصدر مؤول مفعول يرد، ويرد فعل الشرط، ويجعل جواب الشرط مجزوم، وصدره مفعول به، وضيقا مفعول به ثان، وحرجا نعت ل «ضيقا» ، وجملة كأنما التشبيهية في محل نصب على الحال من صدره، أو من الضمير المستكن في «ضيقا» ، وهي كافة ومكفوفة، ويصعّد فعل مضارع، وفي السماء جار ومجرور متعلقان بيصّعد (كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) الجملة مستأنفة، وكذلك الجار والمجرور نعت لمصدر محذوف، ويجعل فعل مضارع، والله فاعل، والرجس مفعول به، وعلى الذين في موضع المفعول الثاني، وجملة لا يؤمنون صلة الموصول (وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان أن ما يسير عليه محمد ﷺ ، وهو الإسلام.
وهذا مبتدأ، وصراط ربك خبر، ومستقيما حال مؤكد للجملة، والعامل فيه اسم الإشارة، باعتبار ما فيه من معنى الفعل، فإنه في معنى أشير (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) الجملة مستأنفة، وقد حرف تحقيق، وفصلنا الآيات فعل وفاعل ومفعول به، ولقوم جار ومجرور متعلقان بفصّلنا، وجملة يذكرون صفة لقوم.
البلاغة:
في قوله: «كأنما يصّعد في السماء» تشبيه تمثيلي منتزع من
стр. 1323
متعدد، أي: إن حال من جعل صدره ضيقا حرجا كحال من يكلف الصعود إلى السماء. وقد مرت له نظائر.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٨]
لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)
الإعراب:
(لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) جملة مستأنفة لا محل لها، كأنها جاءت جوابا عن سؤال سائل عما أعده الله لهم، فقيل له ذلك. ويحتمل أن تكون نصبا على الحال من فاعل يذكرون. ولهم جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم، ودار السلام مبتدأ مؤخّر، وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال من «دار السلام» والعامل فيها معنى الاستقرار المستكن في «لهم» ، والواو حالية، وهو مبتدأ، ووليهم خبر، والباء جارّة سببية، وما اسم موصول أو مصدرية، وجملة كانوا لا محلّ لها على كل حال، وجملة يعملون في محل نصب خبر كانوا (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ
стр. 1324
الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ)
الواو استئنافية، ويوم ظرف منصوب بفعل محذوف، أي: واذكر يوم نحشرهم، وجملة نحشرهم- بالنون والياء، فهما قراءتان- في محل جر بالإضافة بعد الظرف، وجميعا حال، وقال أبو حيان: «أعرب بعضهم «يوم» مفعولا باذكر محذوفا، والأولى أن يكون الظرف معمولا لفعل القول المحكيّ به النداء، أي: ويوم نحشرهم نقول: يا معشر الجن، وهو أولى مما أجاز بعضهم من نصبه باذكر مفعولا به لخروجه عن الظرفية» ويا معشر الجن منادى مضاف، مقول قول محذوف، أي: ونقول لهم: يا معشر الجن، وقد حرف تحقيق، واستكثرتم فعل وفاعل، ومن الإنس جار ومجرور متعلقان باستكثرتم (وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ) الواو عاطفة، وقال أولياؤهم فعل وفاعل ومن الإنس جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وربنا منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، واستمتع بعضنا فعل وفاعل، وببعض جار ومجرور متعلقان باستمتع، والجملة في محل نصب القول. (وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا) الواو حرف عطف، وبلغنا فعل وفاعل، وأجلنا مفعول، والذي اسم موصول في محل نصب صفة ل «أجلنا» ، وجملة أجلت لا محل لها لأنها صلة الموصول، ولنا جار ومجرور متعلقان بأجلت (قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) الجملة مستأنفة مسوقة لرد الله تعالى عليهم. وقال فعل ماض، وفاعله يعود على الله، والنار مبتدأ، ومثواكم خبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وخالدين حال من الكاف في «مثواكم» ، وفيها جار ومجرور متعلقان بخالدين، وإلا ما شاء الله: إلا أداة استثناء، وما اسم موصول أو مصدرية في محل نصب على الاستثناء من الجنس باعتبار الزمان أو المكان أو العذاب لدلالة خالدين عليهم، أي: خالدين في كل زمان
стр. 1325
من الأزمن زمن مشيئة الله، أو خالدين في مكان وعذاب مخصوصين إلا أن يشاء الله نقلهم إلى غيرهما. وسيأتي مزيد من البحث عن هذا الاستثناء المذهل في باب البلاغة (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) إن واسمها، وحكيم خبرها الأول، وعليم خبرها الثاني، والجملة لا محل لها لأنها بمثابة التعليل.
البلاغة:
تحدثنا في باب الإعراب عن الاستثناء المذهل حسب ما يرشد إليه سياق الكلام والنصوص النحوية، ولكن رائد البلاغة المثلى لا يقتنع بمثل هذه السهولة، ومن أجل ذلك عني العلماء البلاغيون بهذه الآية وبأختها من سورة هود، كما سيأتي، وكثرت الخلافات والمناقشات حولها، وسنجتزئ بأهمّ ما توصلنا إليه.
رأي الزمخشري:
١- وللزمخشري رأي طريف بعيد عن التأويلات المتعسفة، وأدنى إلى الدقة قال: «أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب إليه أن ينفّس عن خناقه:
أهلكني الله إن نفست عليك إلا إذا شئت، وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد، فيكون قوله:
إلا إذا شئت، من أشد الوعيد مع تهكم بالموعد، لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه أطماع» . وهذا الذي ذكره الزمخشري أولى من الروايات والتأويلات المتعسفة، مثل قولهم: «فقد روي أنهم يدخلون
стр. 1326
واديا فيه من الزمهرير ما يميّز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد الى الجحيم» .
رأي الزّجّاج:
وقد عثرنا على رأي طريف للزجاج، ينقع الغليل. ولكنه مبتسر يحتاج إلى الإبانة والكشف، فقد قال الزجاج: «والمراد والله أعلم إلا ما شاء من زيادة العذاب» . بيد أنه- أي: الزجاج- لم يبيّن وجه استقامة الاستثناء، والمستثنى على هذا التأويل لم يغاير المستثنى منه في الحكم، والظاهر أن العذاب على درجات متباينة، ومراتب متفاوتة، ومقادير غير متناسبة، وكأن المراد أنهم مخلدون في حبس العذاب، إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية، وتربو على النهاية، حتى تكاد لبلوغها أقصى الغايات تعدّ خارجة عن العذاب، وكأنها ليست منه، ولا داخلة في حيّزه. والمعروف عن العرب في سنن كلامهم أنهم يعبرون عن الشيء إذا بلغ الغاية بالضّدّ، فكأنّ هؤلاء المعذبين وقد طمّ عليهم البلاء، وبلغوا من الشدة غايتها، ومن اللأواء نهايتها، وقد وصلوا إلى المدى الذي يكاد يخرجه من العذاب المطلق، فساغت معاملته في التعبير بمعاملة المغاير، وهذه وثبة من الزجاج، لا نتبين فحواها إلا بهذا البسط الذي يحتاج فهمه إلى رهافة ذوق، وشفوف طبع، والله الموفّق.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٩ الى ١٣٠]
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)
стр. 1327
اللغة:
(نُوَلِّي) من الولاية، أي: الإمارة. يقال: ولّى فلانا الأمر تولية: جعله واليا عليه، وأصله من «ولي» بتخفيف اللام وكسرها، يلي ولاية بكسر الواو، وولاية بفتحها: الشيء، وعليه: قام به وملك أمره، وولي البلد: تسلّط عليه.
الإعراب:
(وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) الواو استئنافية، وكذلك نعت لمصدر محذوف كما تقدم في نظائره، ويجوز أن يكون الجار والمجرور في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي:
الأمر مثل تولية بعض الظالمين، وإليه جنح الزّجّاج. ونولي فعل مضارع، وبعض الظالمين مفعوله الأول، وبعضا مفعوله الثاني، أو منصوب بنزع الخافض، أي: على بعض، والجار والمجرور متعلقان بنولي، وبما الباء حرف جر، وما اسم موصول في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بنولّي، وكان واسمها، وجملة يكسبون خبرها، وجملة كانوا صلة الموصول امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)
يا حرف نداء، ومعشر الجن منادى مضاف، وجملة
стр. 1328
النداء مقول قول محذوف، أي: يقال لهم، وجملة القول المحذوف استئناف مسوق لحكاية حال توبيخهم، والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويأتكم فعل مضارع مجزوم بلم، والكاف مفعول به، ورسل فاعل مؤخر، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفةَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا)
جملة يقصون صفة ثانية لرسل، وعليكم جار ومجرور متعلقان بيقصون، أو بمحذوف حال، لتخصص النكرة بالوصف. وآياتي مفعول به، والواو حرف عطف، وجملة ينذرونكم عطف على يقصون، والواو فاعل والكاف مفعول به، ولقاء مفعول به ثان، أو منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بينذرونكم، ويومكم مضاف إليه، وهذا صفة ليومكم، أو بدل منه الُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا)
الجملة مستأنفة مسوقة لتكون جوابا عن سؤال كأنه قيل لهم: فماذا قالوا بعد التوبيخ؟
وجملة شهدنا على أنفسنا في محل نصب مقول قولهم، وعلى أنفسنا جار ومجرور متعلقان بشهدنا، أي: اعترفنا وأقررناَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ)
الواو اعتراضية، وجملة غرتهم الحياة الدنيا معترضة لبيان مدى تماديهم في الغرور، وكرر شهادتهم على أنفسهم لأنه في الأولى حكى قولهم وكيف يقولون ويعترفون، وفي الثانية أراد مجرّد ذمهم وتسفيه آرائهم، ووصمهم بقلة النظر، وأن وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض، أي: بأنهم كانوا كافرين، وجملة كانوا خبر أن، وكافرين خبر كانوا.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣١ الى ١٣٤]
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)
стр. 1329
الإعراب:
(ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ) الجملة مستأنفة بمثابة التعليل، واسم الاشارة مبتدأ، خبره ما بعده أي:
ذلك ثابت، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، والاشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم. وأن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، هي مع مدخولها في محل نصب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف ومتعلقان بمحذوف بدل من ذلك ان كانت خبرا لمبتدأ محذوف، ولم حرف نفي، ويكن فعل مضارع مجزوم بلم، وجملة «لم يكن» خبر «أن» وربك اسم يكن، ومهلك القرى خبرها، وبظلم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ذلك، أي ملتبسا بظلم، أو من فاعل مهلك، وكلاهما بمعنى واحد، أو من القرى، أي ملتبسة بذنوبها. وأهلها الواو حالية، وأهلها مبتدأ، وغافلون خبر، والجملة في موضع نصب على الحال (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان حال المؤمنين والكفار. ولكل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه، أي: ولكل فريق، وسيأتي في باب الفوائد بحث هام عن التنوين وأقسامه. ودرجات
стр. 1330
مبتدأ مؤخّر، وما: من حرف جر، وما مصدرية أو موصولة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لدرجات، وجملة عملوا لا محل لها على كل حال، وما ربك الواو استئنافية أو حالية، وما نافية حجازية تعمل عمل ليس، وربك اسمها، والباء حرف جر زائد، وغافل مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر «ما» ، وعما جار ومجرور متعلقان بغافل، وجملة يعملون صلة «ما» الموصولية (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) كلام مستأنف، وربك مبتدأ، والغني خبر أول، وذو الرحمة خبر ثان (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ) الجملة الشرطية خبر ثالث، ويجوز أن نعرب «الغني» و «ذو الرحمة» صفتين ل «ربك» ، وتكون الجملة الشرطية خبرا ل «ربك» ، وإن شرطية. ويشأ فعل الشرط مجزوم، ويذهبكم جواب الشرط، ويستخلف الواو حرف عطف، ويستخلف فعل مضارع معطوف على يذهبكم. ومن بعدكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة يشاء صلة الموصول لا محل لها (كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) كما الجار والمجرور نعت لمصدر محذوف، وقد تقدمت نظائره، وأنشأكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ومن ذرية جار ومجرور متعلقان بأنشأكم، وقوم مضاف إليه. وآخرين نعت لقوم (إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد ما تقدم. وإن واسمها، وجملة توعدون صلة الموصول، وهو بالبناء للمجهول، والعائد محذوف، أي: به من الساعة والعذاب، واللام المزحلقة، وآت خبر إن، وما الواو عاطفة، وما نافية حجازية، وأنتم اسمها، والباء حرف جر زائد، ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا خبرها.
стр. 1331
الفوائد:
التنوين: هو نون ساكنة تلحق الآخر لفظا لا خطّا لغير توكيد، وأنواعه المشهورة أربعة وهي:
١- تنوين التمكين:
وهو اللاحق للأسماء المعربة، وفائدته الدلالة على تمكن الاسم في الاسمية، نحو: جاء زيد، ورأيت زيدا، ومررت بزيد.
٢- تنوين التنكير:
وهو اللاحق لبعض الأسماء المبنية للفرق بين ما هو معرفة منها وما هو نكرة، وذلك قياسي في باب العلم المختوم بويه، نحو: مررت بسيبويه وسيبويه آخر، وسماعي في باب أسماء الأفعال إذا نكرت، نحو إيه بكسر الهمزة وكسر الهاء بلا تنوين، وكقول حافظ ابراهيم في رثاء سعد زغلول:
إيه يا ليل هل شهدت المصابا ... كيف ينصبّ في النفوس انصبابا
فإذا أردت الاستزادة من حديث ما نوّنته فقلت: إيه.
٣- تنوين المقابلة:
وهو اللاحق لجمع المؤنث السالم، نحو: رأيت مؤمنات. وسمّي كذلك لأنه في مقابلة النون من جمع المذكر السالم.
стр. 1332
٤- تنوين العوض:
وهو ما يأتي به إما عوضا عن كلمة هي مضاف إليه في كل وبعض، نحو الآية المتقدمة «ولكلّ» أي: لكل فريق، وإما عوضا عن حرف يقضي القياس بحذفه، وهو اللاحق للاسم المنقوص غير المنصرف، نحو: جوار وغواش. وإما عوضا عن جملة، وهو اللاحق لفظة «إذ» عند وقوعها مضافا إليه، نحو: وأنتم حينئذ تنظرون، فالتنوين عوض عن جملة، أي حين إذ بلغت الروح الحلقوم.
وهذه الأقسام الأربعة هي الأصل في التنوين، وزاد جماعة- منهم ابن هشام في مغني اللبيب، وابن الخباز في شرح الجزولية- على هذه الأنواع الأربعة:
١- تنوين التّرنّم:
وهو اللاحق للقوافي المطلقة، أي: التي آخرها حرف مد، وهي الألف والواو والياء المولّدات من إشباع الحركة، وتسمى أحرف الإطلاق، كقول جرير:
أقلّى اللوم عاذل والعتابن ... وقولي إن أصبت لقد أصابن
فلحق التنوين العروض والقافية، وهما: العتابن وأصابن، والأصل العتابا وأصابا، فجيء بالتنوين بدلا من الألف، والأول اسم، والثاني فعل. وقد يدخل الحرف أيضا كقول النّابغة الذّبيانيّ:
أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأن قد
والأصل: قدي، فجيء بالتنوين بدلا من الياء.
стр. 1333
٢- التنوين الغالي:
وهو الّلاحق للقوافي المقيّدة، أي: التي يكون حرف رويّها ساكنا ليس حرف مدّ، زيادة على الوزن، ومن أجل هذا سمّي غاليا، اي: لتجاوزه حدّ الوزن، كقول رؤبة الرّجّاز:
وقاتم الأعماق خاوي المخترقن ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفقن
٣- تنوين الضرورة:
وهو اللاحق لما لا ينصرف كقول امرئ القيس:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت: لك الويلات إنّك مرجلي
وللمنادى المضموم كقول الأحوص:
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
٤- التنوين الشاذّ:
كقول بعضهم حكاه أبو زيد: هؤلاء قومك.
٥- تنوين الحكاية:
مثل أن تسمي رجلا بعاقلة، فإنك تحكي اللفظ المسموع، فقد نحصّل تسعة أنواع. وجعل ابن الخباز كلا من تنوين المنادى المضموم
стр. 1334
وتنوين الممنوع من الصرف قسما برأسه، فتحصّل لديه عشرة أنواع أوردناها لمجرد الاطلاع والطرافة، وإلا فبعضها غير سائغ، ولا يقبله الذوق، وذلك مدرك بالبداهة.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)
اللغة:
(مَكانَتِكُمْ) : اختلف في ميم «مكان» و «مكانة» ، فقيل:
هي أصلية، وهما من مكن يمكن. وقيل: هي زائدة، وهما من الكون، فالمعنى على القول الأول: على ممكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، فالمكانة مصدر. وعلى الثاني: اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها.
(ذَرَأَ) : خلق، وذرأ الله الخلق وذرأنا الأرض وذروناها، أي:
بذرناها. وقد علته ذرأة، وهي: بياض الشيب أول ما يبدو في الفودين منه، ورجل أذرأ، وامرأة ذرآء، قال:
فمرّ ولمّا تسخن الشمس غدوة ... بذرآء تدري كيف تمشي المنائح
стр. 1335
أي: منحت كثيرا فاعتادت ذلك، فهي تسامح بالمشي لا تأبى.
(الزعم) بفتح الزاي وضمها، وفي المصباح: زعم زعما من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي لأهل الحجاز، وضمها لبني أسد، وكسرها لبعض قيس. ويطلق الزعم بمعنى القول، ومنه:
زعمت الحنفية، وزعم سيبويه، أي: قال، وعليه قوله تعالى: «أو تسقط السماء كما زعمت» أي: قلت. ويطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا. وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى: «زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا» . قال الأزهري: وأكثر ما يكون الزعم فيما يشكّ فيه، ولا يتحقق. وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال في أساس البلاغة: «وزعموا مطيّة الكذب، وفي قوله مزاعم: إذا لم يوثق به، وأفعل ذلك ولا زعماتك» وهذا القول: ولا زعماتك، أي: ولا أتوهم زعماتك. قال ذو الرمة:
لقد خطّ رومي ولا زعماته ... لعتبة خطّا لم تطبّق مفاصله
روميّ: عريف كان بالبادية، قضى عليه لعتبة بن طرثوث، رجل كان يخاصمه في بئر، وكتب له سجلا.
الإعراب:
(قُلْ: يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) كلام مستأنف مسوق للوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه. ويا حرف نداء، وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وقد تقدّم بحثه.
следующие страницы →