← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وجملة لئن آتيتنا تفسيرية لجملة دعوا الله، كأنه قيل: فما كان دعاؤهما؟ ما قالاه، ولك أن تجعلها مقولا لقول محذوف تقديره: فقالا: لئن آتيتنا، وجملة لنكونن جواب القسم، وجواب الشرط محذوف على ما تقرر (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) شركاء مفعول جعلا، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لشركاء وتقدّم، وفيما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لشركاء، وجملة آتاهما صلة، والمعنى: آتى أولادهما، وقد دل على ذلك قوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك. والفاء حرف عطف، وجملة تعالى الله عطف على خلقكم، وما بينهما اعتراض. ويجوز أن تكون الفاء استئنافية، والجملة مستأنفة، وسيأتي في باب الفوائد سرّ هذا الخطاب، وما قاله العلماء فيه. والله فاعله، وعما جار ومجرور متعلقان بتعالى، وجملة يشركون لا محل لها لأنها صلة الموصول (أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، ويشركون فعل مضارع، والواو فاعل، وما مفعول به، وجملة لا يخلق صلة الموصول، والواو حالية، وهم مبتدأ، وجملة يخلقون بالبناء للمجهول خبر «هم» ، والواو نائب فاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتوبيخهم على ما اقترفوه. وهذا الضمير يعود على الأصنام المعبر عنها ب «ما» ، وعبر عنها ب «ما» لاعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه في العقلاء، ويجوز أن يعود على الكفار، أي: وهم ومخلوقون لله، فلو تفكروا في ذلك لآمنوا (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) الجملة معطوفة على سابقتها، وأنفسهم مفعول به مقدم لينصرون.

стр. 1612

الفوائد: المراد في الخطاب الوارد في هذه الآيات شغل العلماء والمفسرين وخاضوا فيه كثيرا، ولا يتسع المجال لنقل ما قالوه في هذا الصدد. وأسلم ما نراه وأقربه الى الصواب والمعقول أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى، لا يقصد فيه الى معين، ويكون المعنى حينئذ: خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من الجنسين كذا وكذا. وقيل: الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ وهم آل قصيّ- ألا ترى الى قوله في قصة أم معبد: فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يبارى وسؤدد وقبل هذا البيت: جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا ... فيا فوز من أمسى رفيق محمد وبعده: ليهن بني سعد مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

стр. 1613

والقائل مجهول. روى التاريخ أنه حين خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا يصحبه أبوبكر، وجهل أهلهما خبرهما بعد خروجها من الغار، هتف الهاتفون بهذا القول. وأم معبد امرأة من بني سعد، نزلا عندها. و «يا لقصيّ» أصله: يا آل قصي، أو تكون لام الاستغاثة، والجار والمجرور متعلقان بما في «يا» من معنى الفعل. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٣ الى ١٩٥] وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) الإعراب: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لخطاب عبدة الأصنام، أي: وإن تدعوا آلهتكم الى طلب هدى ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعوكم على مرادكم. وإن

стр. 1614

شرطية. وتدعوهم فعل الشرط، والواو فاعل. والهاء مفعول به يعود على الأصنام، والى الهدى جار ومجرور متعلقان بتدعوهم، ولا نافية، ويتبعوكم جواب الشرط المجزوم (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) سواء خبر مقدم، وعليكم جار ومجرور متعلقان بسواء، والهمزة للاستفهام، وهي همزة التسوية التي تؤوّل ما بعدها بمصدر، وقد مر ذكرها في البقرة، وهي وما في حيزها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، ولك أن تعرب «سواء» خبرا لمبتدأ محذوف، والمصدر المؤول فاعل لسواء الذي أجري مجرى المصادر، وأم عاطفة وتسمى متصلة، وقد سبق ذكرها، وأنتم مبتدأ، وصامتون خبر، والجملة معطوفة على الجملة السابقة (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدمها، وإن واسمها، وجملة تدعون صلة، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال. وعباد خبر إنّ، وأمثالكم صفة لعباد، ووصف الأصنام بأنها عباد أمثالهم مع أنها جمادات، ولفظ العباد إنما يطلق على الأحياء العقلاء، وعبّر عنها بضرورة في قوله: «فادعوهم» ، وقوله: «فليستجيبوا لكم» ، إنما ساغ ذلك كله لأنهم لما اعتقدوا ألوهيتها لزمهم كونها حية عاقلة وإن كانت في الواقع خلاف ذلك، ولكن وردت الألفاظ على مقتضى اعتقادهم. وسيأتي مزيد من التحقيق في هذا في باب الفوائد (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا صح ذلك- وهو لم يصح إلا في اعتقادهم وعرفهم- فادعوهم. وادعوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به، وقوله: «فليستجيبوا» الفاء عاطفة، واللام لام الأمر، ويستجيبوا فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ولكم جار ومجرور متعلقان بيستجيبوا، وإن شرطية، وكنتم صادقين فعل الشرط، والجواب محذوف دلت

стр. 1615

عليه الفاء الفصيحة، أي: فادعوهم، وصادقين خبر كنتم (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) كلام مستأنف بمثابة التوبيخ لهم على عقولهم القاصرة. والهمزة للاستفهام الإنكاري مع النفي، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وأرجل مبتدأ مؤخر وجملة يمشون بها صفة (أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها) أم عاطفة بمعنى بل، والجملة معطوفة على سابقتها، وكذلك قوله: (أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) أي: ليس لهم شيء من ذلك البتة مما هو لكم، فكيف تعبونهم؟ وأنتم أتمّ منهم وأكمل حالا (قُلِ: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ) جملة ادعوا شركاءكم مقول القول، وثم حرف عطف وتراخ، وكيدون عطف على ادعوا، والفاء عاطفة ولا ناهية، تنظرون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والنون للوقاية، وياء المتكلم محذوفة، وقد تقدم القول في جواز حذفها في البقرة. البلاغة: في قوله: «ألهم أرجل يمشون» بها الى قوله: «فلا تنظرون» فنّ بديعي معروف باسم نفي الشيء بإيجابه، وهو أن يثبت المتكلم شيئا في ظاهر كلامه بشرط أن يكون المثبت مستعارا، ثم ينفي ما هو من سببه مجازا، والمنفي حقيقة في باطن الكلام، وهو الذي أثبته لا الذي نفاه، وفي الآيات المتقدمة يقتضي نفي الإلهية جملة عمن يبصر ويسمع من الآلهة المتخذة من دون الله تعالى، فكيف من لا يسمع ولا يبصر منها. وقد تقدمت له أمثلة، وسيأتي المزيد منه. الفوائد: لم ير أشهر المفسرين إشكالا في إطلاق لفظ «عباد» على

стр. 1616

الأصنام، فابن جرير- الذي هو أشدهم عناية بتقرير كل ما كان يعدّ شكلا والجواب عنه- لم يورده في الآية، وفسر العباد بالأملاك، وأما من بعده من المفسرين فقد أوردوا ذلك وأجابوا عنه بجوابين نقلهما الرازي. عبارة الرّازيّ: أحدها: أن المشركين لما ادّعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعقتدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فلا جرم وردت هذه الآية على وفق معتقداتهم، ولذلك قال: «فادعوهم فليستجيبوا لكم» ، وقال: إن الذين ولم يقل «التي» . والجواب الثاني أن هذا لغو ورد في معرض الاستهزاء بهم، أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فإذا ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم، ولا فضل لهم عليكم، فلم جعلتم أنفسكم عبيدا؟ وجعلتموهم آلهة وأربابا. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٦ الى ٢٠٠] إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)

стр. 1617

اللغة: (وَلِيِّيَ) : ناصري ومتولي أموري. (الْعَفْوَ) : اليسر وضدّ الجهد. أي: خذ ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم، وما أتى منهم، وتسهّل من غير تكلف ولا إعنات، ولا تحرجهم وتشق عليهم، وقال النبي ﷺ في هذا المعنى: «يسّروا ولا تعسّروا» . وقال: خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب (العرف) : بضم العين: المعروف وكل جميل من الأفعال، قال الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازية لا يذهب العرف بين الله والناس (النزغ) : النخس والغرز، شبه وسوسة الشيطان بغرز السائق لما يسوقه. الإعراب: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ) إن واسمها وخبرها، والذي

стр. 1618

صفة لله، وجملة نزل الكتاب صلة الموصول (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) الواو حالية أو عاطفة، وهو مبتدأ، وجملة يتولى الصالحين خبر (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) عطف على ما تقدم، وقد مرّ إعرابه آنفا، وأنفسهم مفعول به مقدم لينصرون (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا) عطف أيضا، وإن الشرطية وفعلها وجوابها (وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) الواو استئنافية، وتراهم فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به، وجملة ينظرون إليك حالية، والواو للحال، وهم مبتدأ، وجملة لا يبصرون خبر، وجملة وهم لا يبصرون حال أيضا (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) خذ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، والعفو مفعول به، وفعلا الأمر الآخران عطف عليه (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو عاطفة وإن شرطية، أدغمت نونها بما الزائدة، وينزغنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم فعل الشرط. ومن الشيطان جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه في الأصل كان صفة ل «نزغ» ، ونزغ فاعل، فاستعذ: الفاء رابطة لجواب الشرط، لأن الجواب بعدها طلبي، واستعذ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، وبالله جار ومجرور متعلقان باستعذ، وإن واسمها، وخبرها، وجملة إن وما في حيزها للتعليل والاستئناف. البلاغة: أعجب العرب كثيرا بقوله تعالى: «خذ العفو» الى آخر الآية، لما فيها من سهولة سبك، وعذوبة لفظ، وسلامة تأليف، مع ما تضمنته من إشارات بعيدة، ورموز لا تتناهى، وأطلقوا على هذا النوع من

стр. 1619

الأساليب اسم فنّ يقال له «الانسجام» ، وهو أن يكون الكلام متحدّرا كتحدّر الماء المنسجم، حتى يكون للجملة من المنثور وللبيت من المنظوم وقع في النفوس، وتأثير في القلوب، ما ليس لغيره. نماذج شعرية من الانسجام: ومن النماذج الشعرية لهذا الفنّ التي خلت من البديع، إلا أن يأتي ضمن السهولة، من غير قصد، كقول بعضهم، وينسب الى ديك الجنّ الشاعر الحمصي: يا بديع الدّلّ والغنج ... لك سلطان على المهج إنّ بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السّرج وجهك المأمول حجّتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج ولبهاء الدين زهير: لحاظك أمضى من المرهف ... وريقك أشهى من القرقف ومن سيف لحظك لا أتّقي ... ومن خمر ريقك لا أكتفي أقاسي المنون لنيل المنى ... ويا ليت هذا بهذا يفي زها ورد خدّيك لكنه ... بغير النواظر لم يقطف وقد زعموا أنه مضعف ... وما علموا أنه مضعفي ومما يستحق أن يغنى به قول صفيّ الدين، وقد بلغ غاية الانسجام:

стр. 1620

قالت: كحلت الجفون بالوسن ... قلت: ارتقابا لطيفك الحسن قالت: تسلّيت بعد فرقتنا ... قلت: عن مسكني وعن سكني قالت: تشاغلت عن محبتنا ... قلت: بفرط البكاء والحزن قالت: تخلّيت، قلت عن جلدي ... قالت: تغيّرت، قلت: في بدني قالت: أذعت الأسرار، قلت لها: ... صيّر سري هواك كالعلن قالت: فماذا تروم؟ قلت لها: ... ساعة سعد بالوصال تسعفني قالت: وعين الرقيب ترقبنا ... قلت: فإنّي للعين لم أبن أنحلتني بالبعاد عنك فلو ... ترصّدتني العيون لم ترني ونختم هذه المختارة بالحكاية الآتية: قيل: إن بعض الأدباء اجتاز

стр. 1621

بدار الشريف الرضي، وقد أخنى عليها الزمان، وأذهب بهجتها، وأخلق ديباجتها، وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة. فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وتمثل بهذه الأبيات: ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها بيد البلى نهب فبكيت حتى ضجّ من لغب ... نضوي وعجّ بعذلي الرّكب وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطّلول تلفّت القلب فمر شخص فقال له: أتعرف هذه الأبيات؟ فقال: لا قال: والله إنها لصاحب هذه الدار، فتعجبا من غريب هذا الاتفاق، والشيء بالشيء يذكر. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٠١ الى ٢٠٦] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)

стр. 1622

اللغة: (طائِفٌ) : يحتمل أن يكون اسم فاعل من طاف به الخيال يطيف طيفا، أو مصدر منه، وقد قرأ أهل البصرة «طيف» ، وكذا أهل مكة، وقرأ أهل المدينة والكوفة: «طائف» . (اجْتَبَيْتَها) اجتبى الشيء: بمعنى جباه لنفسه، أي: جمعه. (الغدو) بضمتين جمع غدوة، بضم الغين وسكون الدال، وهي من طلوع الفجر الى طلوع الشمس. (الْآصالِ) جمع أصيل وهو من العصر إلى الغروب. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) إن واسمها، وجملة اتقوا صلة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن، متضمن معنى الشرط، وجملة مسهم في محل جر بالإضافة لوقوعها بعد الظرف، والهاء مفعول به لمسّ، وطائف فاعله، ومن الشيطان جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائف، وإذا وشرطها وجوابها الآتي خبر إن (تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) جملة تذكروا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والفاء عاطفة، وإذا فجائية، وقد تقدم الكلام عنها،

стр. 1623

وهم مبتدأ ومبصرون خبر (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) اضطربت أقوال المعربين والمفسرين في هذه الآية، وتفاديا للضياع في متاهات الأقوال المتشعبة نجتزئ بأشهر الأقوال وأقربها الى العقل والمنطق، فنقول: وإخوانهم: الواو استئنافية، وإخوانهم مبتدأ، والضمير فيه يعود على الشيطان، لأنه لا يراد به الواحد بل الجنس، والضمير المنصوب في يمدونهم يعود على الكفار، والمرفوع يعود على الشيطان، والتقدير وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين، وعلى هذا فالخبر جار على غير من هو له في المعنى، ألا ترى أن الإمداد مسند الى الشياطين، وهو في اللفظ خبر عن إخوانهم؟ قال الزمخشري: وهذا الوجه أوجه، لأن «إخوانهم» في مقابلة «الذين اتقوا» ، وفي الغي جار ومجرور متعلقان بيمدونهم، وثم حرف عطف وتراخ، ولا يقصرون عطف على يمدونهم، ولا نافية. وهناك أوجه ترجع من حيث النتيجة إليه، فنكتفي به (وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا: لَوْلا اجْتَبَيْتَها) الواو حرف عطف، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة لم تأتهم في محل جر بالإضافة، وبآية جار ومجرور متعلقان بتأتهم، وجملة قالوا لا محل لها من الإعراب، ولولا حرف تحضيض، فالكلام طلبيّ، أي: اجتبها واخترعها من عند نفسك، كما هي عادتك (قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) إنما كافة ومكفوقة، وأتبع فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة يوحى بالبناء للمجهول لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإلي جار ومجرور متعلقان بيوحى، ومن ربي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) هذه الجملة تتمة لقول القول، داخلة في حيزه، وهذا اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، وبصائر خبره، ومن

стр. 1624

ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبصائر، وهدى عطف على بصائر، وكذلك رحمة ولقوم جار ومجرور متعلقان برحمة، وجملة يؤمنون صفة لقوم (وَإِذا قُرِئَ، الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة، ويحتمل أن تكون عاطفة، والكلام من جملة المقول المأمور به، وإذا شرط مستقبل، وجملة قرئ القرآن في محل جر بالإضافة، والقرآن نائب فاعل، والفاء رابطة، وجملة استمعوا له لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وله جار ومجرور متعلقان باستمعوا، واختلف في الاستماع والمراد به، وأظهر الأقوال أنه الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاة أو غير صلاة، وقيل: معنى «فاستمعوا» : فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. ولعل واسمها، وجملة ترحمون خبرها، وجملة الرجاء حالية (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً) الواو عاطفة، واذكر فعل أمر، وربك مفعول به، وفي نفسك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وهو عام في الأذكار، وتضرعا وخيفة في نصبهما وجهان: أحدهما أنهما مفعولان لأجلهما، والثاني أنهما مصدران وقعا موقع الحال، أي: متضرعين خائفين (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) الواو عاطفة، ودون ظرف متعلق بمحذوف معطوف على في نفسك، أي: في السّرّ وفي الجهر، ومن القول جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وبالغدو والآصال جار ومجرور متعلقان باذكر، والواو عاطفة، ولا ناهية، وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية، ومن الغافلين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) كلام مستأنف مسوق لذكر المؤمنين الذين استأهلوا القرب من الله. وإن واسمها، وعند ربك ظرف متعلق بمحذوف لا محل له من

стр. 1625

الإعراب، لأنه صلة الموصول، وجملة لا يستكبرون خبر إن، والمراد بالعندية القرب من الله والزلفى إليه، وعن عبادته جار ومجرور متعلقان بيستكبرون، ويسبحونه عطف على ما تقدم، وله الواو عاطفة والجار والمجرور متعلقان بيسجدون، ويسجدون عطف على يسبحونه، ويجوز ان تكون الواو حالية أو استئنافية، وجملة يسبحونه خبر لمبتدأ محذوف، أي: وهم يسبحونه. الفوائد: وهذا فصل ممتع للإمام الغزالي ننقل بعضه لمناسبته ونفاسته. قال: «ولأجل شرف ذكر الله عظمت رتبة الشّهادة، لأنّ المطلوب الخاتمة، ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على الله تعالى، والقلب مستغرق بالله ، فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صف القتال، فانه قطع الطّمع عن مهجته وأهله، وماله وولده، بل من الدنيا كلّها، فإنه يريدها لحياته. وقد هون على قلبه حياته في حب الله ، وطلب مرضاته، فلا تجرّد أعظم من ذلك، ولذلك عظم أمر الشّهادة. ولما استشهد عبد الله بن عمرو الأنصاريّ يوم أحد قال رسول الله ﷺ لجابر: ألا أبشّرك يا جابر؟ قال: بلى بشّرك الله بالخير، قال: إنّ الله أحيا أباك فأقعده بين يديه، وليس بينه وبينه حجاب ولا رسول. فقال تعالى: تمنّ عليّ يا عبدي، ما شئت أعطيكه. فقال: يا ربّ! إن تردّني إلى الدنيا حتّى أقتل فيك وفي نبيّك مرّة أخرى. فقال الله : سبق القضاء منّي بأنهم إليها لا يرجعون. ثم القتل سبب الخاتمة على مثل هذه الحالة.

стр. 1626

وصيّة عمر لبعض قوّاده: وتعجبني دعوة عمر بن الخطاب إلى ذكر الله وخشيته، رجاء غوثه ورحمته، في وصية لبعض قواده: «أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وأن تكون أنت ومن معك أشدّ احتراسا من المعاصي فيكم من عدوّكم، فإنّ ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإن لا ننصر عليهم بطاعتنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، واسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم» .

стр. 1627

(٨) سورة الأنفال مدنيّة وآياتها خمس وسبعون [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) اللغة: (الْأَنْفالِ) : جمع نفل، بفتح النّون والفاء، كفرس وأفراس، والمراد بها الأغنام. والنّفل: الزيادة والغنيمة. ومنه قول لبيد:

стр. 1628

إنّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل شبّه لبيد الثّواب الّذي وعده الله عباده على التقوى بالنفل، وهو ما يعده الإمام المجاهد تحريضا على اقتحام الحرب، فاستعار النفل نه على طريق الاستعارة التصريحيّة، وأخبر به عن التّقوى، لأنّها سببه. ويجوز استعارة النفل للتقوى بجامع النفع. وريثي: بطئي، وعجل: أي عجلي، فحذفت الياء لوزن الشعر. وفي المصباح: النّفل: الغنيمة: والجمع أنفال، مثل سبب وأسباب، والنّفل بسكون الفاء: مثله. (وَجِلَتْ) وجل بالكسر في الماضي، يؤجل بالفتح في المضارع، وفيه لغة أخرى، وهي وجل بفتح الجيم في الماضي، وكسرها في المضارع، فتحذف الواو، كوعد يعد. الإعراب: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير تشريع الغنيمة في الجهاد، ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به، والضمير الفاعل هو من سأل هذا السّؤال، ممن حضروا غزوة بدر. وسأل يكون تارة لا قتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى الى الثاني بعن، كهذه الآية وقد يكون لاقتضاء مادة أو مال، فيتعدّى لاثنين نحو سألت زيدا مالا. وعن الأنفال متعلقان بيسألونك كما تقدم، وقل فعل أمر والأنفال مبتدأ ولله خبره والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول والرسول عطف على الله (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الفاء

стр. 1629

الفصيحة، واتقوا فعل أمر وفاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، وأصلحوا عطف على اتقوا، وذات بينكم مفعول به، ومعنى ذات بينكم: ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومحبّة واتّفاق. فالبين هنا بمعنى الاتّصال، ويطلق أيضا على الفراق، فهو من الأضداد. وإن شرطية، وكنتم فعل الشرط، والتاء اسمها، ومؤمنين خبرها، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) إنما كافة ومكفوفة، والمؤمنون مبتدأ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان من أراد بالمؤمنين، بذكر أوصافهم الجليلة المستتبعة لما ذكر من الخصال الثلاث الآتية، والذين خبر، وإذا ظرف لما يستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة ذكر الله في محل جر بالإضافة، والله نائب فاعل، وجملة وجلت قلوبهم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً) عطف على الصفة الأولى، وجملة زادتهم لا محل لها، وإيمانا مفعول به ثان أو تمييز (وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) صفة ثالثة داخلة في نطاق الصلة للموصول، وعلى ربهم جار ومجرور متعلقان بيتوكلون، والتقديم يفيد الاختصاص، أي: عليه لا على غيره (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) وأردف الصفات الثلاث المتقدمة- وهي من أفعال القلوب، وهي الخشية والإخلاص والتوكل- بصفتين من أعمال الجوارح، وهما إقامة الصلاة والصدقة. وقد تقدم إعراب نظائرها (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) اسم الاشارة مبتدأ، وهم ضمير فصل أو خبر ثان، والمؤمنون خبر على كل حال، والجملة خبر اسم الإشارة، والجملة مستأنفة، وحقا صفة لمصدر محذوف، أي هم المؤمنون إيمانا حقا، ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقا (لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) لهم جار ومجرور

стр. 1630

متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ودرجات مبتدأ مؤخر، وعند ربهم ظرف متعلق بدرجات لأنها بمعنى أجور أو يتعلق بمحذوف صفة لدرجات لأنها نكرة، ومغفرة ورزق كريم عطف على درجات. الفوائد: روى التاريخ أن الاختلاف وقع بين المسلمين في غنائم بدر وقسمتها فسألوا رسول الله ﷺ : كيف نقسم؟ ولمن الحكم في قسمتها؟ أللمهاجرين أم للأنصار؟ أم لهم جميعا؟ فقيل لهم: هي للرسول وهو الحاكم فيها خاصة يحكم فيها ما يشاء، ليس لأحد غيره فيها حكم، وقيل: شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن ينفله فتسارع شبّانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلما يسر الله الفتح اختلفوا فيما بينهم وتنازعوا، فقال الشبان: نحن المقاتلون، وقال الشيوخ الوجوه الذين كانوا عند الرايات: إنا كنا رداءا لكم، وفئة تنحازون إليها إن انهزمتم، وقالوا لرسول الله: المغنم قليل والناس كثير، وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك فنزلت. قصة سعد بن أبي وقاص: وعن سعيد بن أبي وقّاص: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به الى رسول الله ﷺ فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض، يعني المال المقبوض، فطرحته وبي مالا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني رسول الله وقد أنزلت سورة

стр. 1631

الأنفال فقال: يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وأنه قد صار لي فاذهب وخذه. رواية عبادة بن الصامت: وعن عبادة بن الصامت: نزلت فينا معشر أصحاب بدر، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول الله فقسمه بين المسلمين على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين. [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥ الى ٩] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)

стр. 1632

اللغة: (الشَّوْكَةِ) للشوكة معان كثيرة وهي هنا بمعنى البأس والقوة والسلاح، وحدته على أن جميع معانيها ترجع الى معنى التفوق والظهور والغلبة، ومن معانيها إبرة العقرب، وحمرة تعلو الجسد، والنكاية في العدوّ، يقال: لا تشوكك مني شوكة، أي لا يلحقك مني أذى. وشوكة الحائك: الآلة التي يسوّى بها السدى واللحمة، ويقال: شاكت إصبعه شوكة، وشوّكت النخلة: خرج شوكها، وشوكت الحائط: جعلت عليه الشوك، ومن المجاز: شوّك الزرع وزرع مشوّك إذا خرج أوله، وشوّك ثدي الجارية وتشوّك: إذا بدأ خروجه. قال: أحببت هذي قديما وهي ماشية ... وما تشوّك ثدياها وما نهدا وإذا استعرضنا مادة الشين والواو فاء وعينا للكلمة وجدنا خاصة عجيبة لها كأنها قد وضعت خاصة لمعاني الظهور والتأثير والارتفاع والتفوق، فالشوب: خلط الشيء بغيره بحيث يؤثر فيه، يقال: شاب العسل بالماء وكأن ريقتها خمر يشوبها عسل، ولهم المشاجب والمشاوب وهي أسفاط وحقق تتحذ من الخوص، وشوّرت به فتشوّر ومنه قيل: أبدى الله شوارك أي عورتك، وفي حديث الزّبّاء: أشوار عروس ترى؟ وهذا من عجيب أمر لغتنا العربية الشريفة فافهم وتدبر. الإعراب: (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) كما يجوز أن تكون الكاف

стр. 1633

بمعنى مثل ومحلها الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كحال اخراجك، ويجوز أن تكون حرفا جارا، ومحل الجار والمجرور الرفع كما تقدّم والمعنى: ان حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، ويجوز أن يكون محلها النصب على أنها صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله: الأنفال لله والرسول، أي الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون. وقد توسّع المعربون القدامى في التقدير والتأويل، وأنهاها بعضهم الى عشرين وجها ولكنها لا تخرج عما ذكرناه. ومن بيتك جار ومجرور متعلقان بأخرج، وبالحق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي ملتبسا بالحق والحكمة والصواب الذي لا محيد عنه، وسيأتي في باب الفوائد ذكر بعض الحوادث التاريخية التي توضح هذا المعنى والإعراب (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) الواو حالية وإن واسمها ومن المؤمنين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، واللام المزحلقة وكارهون خبر إن، والجملة في محل نصب حال من الكاف في أخرجك، أي أخرجك في حالة كراهتهم (يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ) الجملة مستأنفة مسوقة للإخبار عن حالهم بالمجادلة، ويجوز أن تكون حالا ثانية من الكاف أي أخرجك في حال مجادلتهم إياك أو من الضمير في كارهون أي لكارهون في حال الجدال، وفي الحق جار ومجرور متعلقان بيجادلونك وبعد ظرف زمان متعلق بيجادلونك وما مصدرية وهي وما في حيزها مصدر مضاف للظرف أي بعد تبينه وخروجه وهو أقبح من الجدال في الشيء قبل اتضاحه (كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) الجملة حالية من الضمير في «لكارهون» أي حال كونهم مشبهين بالذين يساقون بالعنف والصغار الى القتل، وكأنما كافة

стр. 1634

ومكفوفة، ويساقون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والى الموت جار ومجرور متعلقان بيساقون، والواو حالية وهم ينظرون جملة في محل نصب على الحال. (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) الواو عاطفة وإذ ظرف متعلق بفعل محذوف أي «واذكر إذ» وجملة يعدكم الله في محل جر بالإضافة وإحدى الطائفتين مفعول به، ولا بد من تقدير محذوف، أي: الظفر بإحدى الطائفتين، والطائفتان العير والنفير (أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) ان واسمها ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وأن وما في حيزها بدل اشتمال من أحد الطائفتين، وتودون: الواو حالية أو عاطفة، وتودون فعل مضارع مرفوع وعلامة بثبوت النون والواو فاعل، وأن وما في حيزها مفعول تودّون، وجملة تكون خبر أن، ولكم جار ومجرور لكم العير لأنها الطائفة التي لا شوكة لها ولا تريدون الطائفة الأخرى (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ) الواو عاطفة ويريد الله فعل وفاعل وأن مصدرية وهي وما في حيزها مفعول يريد، وبكلماته جار ومجرور متعلقان بيحق. ويقطع دابر الكافرين جملة معطوفة، وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) اللام للتعليل ويحق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة واللام وما في حيزها متعلقان بمحذوف تقديره فعل ذلك ليحق الحق ويبطل الباطل وليس هذا تكريرا لما قبله لأن الأول خاص والثاني عام فالمراد بالأول تثبيت ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر. والمراد بالثاني تدعيم الدين وتقويته وإظهار الشريعة وتثبيتها. (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) الظرف متعلق بمحذوف، أي: واذكروا، ويجوز أن يتعلق بيحق، وعبّر بالحق حكاية للحال الماضية ولذلك عطف عليه: فاستجاب لكم بصيغة الماضي (فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) الفاء عاطفة كما تقدم ولكم جار ومجرور

стр. 1635

متعلقان باستجاب وإن وما في حيزها في محل نصب بنزع الخافض أي: بأني ممدكم، والجار والمجرور متعلقان باستجاب أيضا، وممدكم خبر إن، وبألف جار ومجرور متعلقان بممدكم ومن الملائكة جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لألف، ومردفين صفة ثانية ومفعول مردفين محذوف لأنه اسم فاعل أي أمثالهم أي متبعين بعضهم بعضا، أو متبعين بعضهم لبعض. الفوائد: ما يقوله التاريخ ؟: أقبلت عير قريش من الشام فيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا، منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقّي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة، النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم أموالكم إن أصابها محمد فلن تفلحوا بعدها أبدا، ثم خرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير في المثل السائر: لا في العير ولا في النفير فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس الى مكة، فقال: لا والله لن يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور، ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع العرب بمخرجنا، وإن محمدا لم يصب العير وإنا قد أعضضناه فمضى بهم الى بدر، وبدر ماء كانت العرب تجمع فيه نوقهم يوما في السنة، فنزل جبريل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير وإما فريشا، فاستشار النبي أصحابه وقال: ما تقولون؟ إن القوم قد خرجوا

стр. 1636

من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحبّ إليكم أم النفير؟ قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ ثم ردّ عليهم فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا رسول عليك بالعير ودع العدوّ، فقام عند غضب النبي أبوبكر وعمر فأحسنا ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فو الله لو سرت بنا الى عدن لسرنا ما تخلّف رجل، ثم قال المقداد: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيث لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت منا عين تطرف، فضحك رسول الله ثم قال: أشيروا علي أيها الناس وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا برآء من ذمامك حتى تصل الى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك ما نمنع منه آباءنا ونساءنا، فكان النبي ﷺ يتخوف أن تكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد ابن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل، قال: قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله ثم قال: سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر الى مضارع القوم. وقد أطلنا في الاقتباس لأهمية هذا الفصل وبلاغته.

стр. 1637

خلاصة مفيدة لأقوال المعربين في «كما» : اختلفوا على خمسة عشر قولا: ١- ان «الكاف» بمعنى واو القسم و «ما» بمعنى «الذي» واقعة على ذي العلم وهو الله، وجواب القسم يجادلونك. قاله أبو عببيدة. ٢- إن الكاف بمعنى «إذا» و «ما» زائدة والتقدير: اذكر إذ جاءك ٣- إن الكاف بمعنى «على» و «ما» بمعنى «الذي» . ٤- وقال عكرمة: التقدير: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، كما أخرجكم في الطاعة خير لكم كان إخراجك خيرا إليهم. ٥- قال الكسائي: كما أخرجك ربك من بيتك على كراهة من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتال كفار مكة ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يريدون. ٦- قال الفراء: امض لأمرك في الغنائم ونفّل من شئت إن كرهوا كما أخرجك ربك. ٧- قال الأخفش: الكاف نعت ل «حقا» والتقدير: هم المؤمنون حقا كما. ٨- ان الكاف في موضع رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا الله كأنه ابتداء وخبر.

стр. 1638

٩- قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، والتقدير: الأنفال ثابتة لله ثباتا كما أخرجك ربك. ١٠- إن الكاف في موضع رفع، والتقدير: لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم، وهذا وعد حق كما أخرجك. ١١- إن الكاف في موضع رفع أيضا، والمعنى: وأصلحوا ذات بينكم ذلكم خير لكم كما أخرجك، فالكاف نعت لخبر ابتداء محذوف. ١٢- إنه شبه كراهية أصحاب رسول الله ﷺ بخروجه من المدينة حين تحققوا خروج قريش للدفع عن أبي سفيان وحفظ غيره بكراهيتهم نزع الغنائم من أيديهم وجعلها للرسول أو التنفيل منها، وهذا القول أخذه الزمخشري وحسّنه فقال: «يرتفع الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الحال كحال اخراجك» . ١٣- ان قسمتك للغنائم حق كما كان خروجك حقا. ١٤- إن التشبيه وقع بين اخراجين، أي: اخراجك ربك إياك من بيتك وهو مكة وأنت كاره لخروجك وكانت عاقبة ذلك الخير والنصر والظفر كاخراج ربك إياك من المدينة وبعض المؤمنين كاره يكون عقيب ذلك الظفر والنصر. ١٥- الكاف للتشبيه على سبيل المجاز كقول القائل لعبده: كما وجهتك الى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقوّيتك فخذهم الآن فعاقبهم بكذا، وكم كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكما أحسنت إليك فاشكرني عليك. وواضح أن مرجع هذه الأوجه واحد فتدبر والله يعصمك.

стр. 1639

البلاغة: ١- التشبيهات التمثيلية الواردة في الآيات قد أشرنا إليها أثناء الإعراب لعلاقتها الوثيقة به. ٢- العموم والخصوص في قوله تعالى «ليحق الحق ويبطل الباطل» بعد قوله: «يريد الله أن يحق الحق بكلماته» . والتحقيق في التمييز بين الكلامين أن الأول ذكرت فيه الارادة مطلقة غير مقيدة بالواقعة الخاصة كأنه قيل: وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ومن شأن الله تعالى إرادة تحقيق الحق وتمحيق الكفر على الإطلاق ولإرادته أن يحق الحق ويبطل الباطل خصكم بذات الشوكة، فبين الكلامين عموم وخصوص واطلاق وتقييد، ولا يخفى ما في ذلك من المبالغة في تأكيد المعنى بذكره على وجهين: اطلاق وتقييد. [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٠ الى ١١] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) الإعراب: (وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى) الواو استئنافية أو عاطفة على ما تقدم،

стр. 1640

وما نافية، وجعله الله فعل ومفعول به وفاعل، والضمير يعود للامداد، وإلا أداة حصر وبشرى مفعول لأجله مستثنى من أعم العلل (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) الواو عاطفة واللام للتعليل وتطمئن فعل مضارع منصوب أن مضمرة بعدها والجار والمجرور عطف على بشرى، وجر المفعول من أجله باللام هنا لفقد شرط النصب وهو اتحاد الفاعل، وقلوبكم فاعل تطمئنّ (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الواو استئنافية أو حالية أيضا، وما نافية والنصر مبتدأ، وإلا أداة حصر، ومن عند الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الجملة الاسمية تعليل لما تقدم (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) إذ ظرف مبدل من إذ يعدكم وهو ثاني بدل كما تقدم، وجملة يغشيكم النعاس في محل جر بالاضافة والنعاس مفعول به وأمنة حال أو مفعول من أجله، ومنه جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأمنة (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) وينزل عطف على يغشيكم وعليكم جار ومجرور متعلقان بينزل وكذلك من السماء، وماء مفعول به، وليطهركم: اللام للتعليل ويطهركم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها، وبه جار ومجرور متعلقان بيطهركم (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) جمل معطوفة على ما تقدم والضمير في به يعود على الماء حتى يسهل المشي على الرمال لأن العادة ان المشي عليها عسر فإذا نزل عليه الماء جمد، وسهل المشي عليه وقيل الضمير يعود على الربط لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجرأة ثبت الأقدام في مواطن القتال.

стр. 1641

[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٢ الى ١٤] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) اللغة: (البنان) : الأصابع كما في المصباح أو أطرافها، الواحدة: بنانة. وقال أبو الهيثم: البنان: المفاصل وكل مفصل بنانة. وقيل: البنان الأصابع من اليدين والرجلين وجميع المفاصل من كل الأعضاء. َاقُّوا) : خالفوا والمشاقّة مشتقة من الشق لأن كلا المتعاديين في عدوة خلاف عدوة صاحبه وكذلك المخاصمة لأن هذا في خصم أي في جانب وذلك في خصم. الإعراب: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) الظرف يجوز أن يكون بدلا ثالثا من إذ يعدكم ويجوز أن ينتصب بيثبت أو أن يكون معمولا لمحذوف، أي: «اذكر» وجملة يوحي ربك في محل جر بالاضافة، والى الملائكة جار ومجرور متعلقان بيوحي، وأني وما في حيزها مفعول يوحي ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر أني (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) الفاء الفصيحة أي إذا ثبت هذا فثبتوا الذين آمنوا بتبشيرهم بالنصر، والذين مفعول به وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الموصول (سَأُلْقِي

стр. 1642

فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) يجوز أن تكون الجملة تفسيرا لقوله: إني معكم فثبتوا، ولا معونة أوكد وأجدى من إلقاء الرعب في قلوب الأعداء، ويجوز أن تكون مستأنفة، وفي كلتا الحالين لا محل لها من الإعراب، وفي قلوب جار ومجرور متعلقان بألقي، والرعب مفعول به لألقي، وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الموصول (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) فعل أمر وفاعل، وفوق ظرف متعلق باضربوا والمفعول به محذوف، أي فاضربوهم فوق الأعناق، ويجوز أن تكون «فوق» مفعولا به على الاتساع لأنه عبارة عن الرأس. كأنه قيل: فاضربوا فوق رؤوسهم وهذا ما اختاره الزمخشري، قال: «أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل فكان إيقاع الضرب فيها حزا وتطييرا للرؤوس، وقيل: أراد الرؤوس لأن نها فوق الأعناق بمعنى ضرب الهام، قال عمرو بن الاطنابة: أبت لي عفّتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحجب بعد عن عرض صحيح لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) اسم الاشارة مبتدأ، والاشارة الى ما أصابهم من الضرب والقتل والعذاب وبأنهم خبره، وجملة شاقّوا الله ورسوله خبر أن، ولفظ الجلالة مفعول به، ورسوله عطف عليه. َ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) الواو استئنافية، ومن شرطية مبتدأ، ويشاقون فعل الشرط، والفاء رابطة، وإن واسمها، وخبرها، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، والشرط هنا تكملة لما قبله وتكرير لمضمونه (ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ) اسم الاشارة مبتدأ، والخطاب للكفرة على طريق الالتفات، والخبر محذوف تقديره:

стр. 1643

العقاب، ولك أن تعرب اسم الاشارة خبرا لمبتدأ محذوف، أي: العقاب ذلكم، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال، كقولك: زيدا فاضربه، وعلى كل حال فالفاء استئنافية، وذوقوه كلام مستأنف، وأن عطف على ذلكم في أوجهه الثلاثة، وللكافرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «أن» المقدم، وعذاب النار اسمها المؤخر، والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة من البلاغة، ألمعنا إليها خلال الإعراب لعلاقتها به، وهي المجاز والالتفات والاستعارة في قوله: «فذقوه» ، وقد تقدمت هذه الفنون في مواطنها. [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٥ الى ١٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)

стр. 1644

اللغة: (زَحْفاً) : الزحف مصدر زحف، وفي المصباح: زحف القوم زحفا من باب نفع وزحوفا، ويطلق على الجيش الكثير زحف تسمية بالمصدر، والجمع: زحوف، مثل فلس وفلوس، والصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي. (مُتَحَرِّفاً) : منعطفا، أو هو الكرّ بعد الفرّ، ليخيل لعدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها. (مُتَحَيِّزاً) : منحازا منضما، والتحيز والتحوّز: الانضمام، وتحوّزت الحية: انطوت، وحزت الشيء: ضممته، والحوزة ما يضم الأشياء. وأصل متحيز: متحيوز، فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداها بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء بالياء. الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) : تقدم إعرابها كثيرا (إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) إذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط، وجملة لقيتم في محل جر بالإضافة، والذين مفعوله، وجملة كفروا صلة، وزحفا حال من الذين، أي: حال كونهم زاحفين، وقيل: انتصب «زحفا» على المصدر بحال محذوفة، أي: زاحفين زحفا، وهذا الذي قيل محكم، فحرم الفرار عند اللقاء بكل حال، والفاء رابطة، ولا ناهية، وتولوهم فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، والهاء مفعول به، والأدبار: مفعول به ثان (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ

стр. 1645

دُبُرَهُ) الواو استئنافية، ومن شرطية مبتدأ، ويولهم فعل وفاعل مستتر ومفعوله الأول، ودبره مفعول يولهم الثاني، ويومئذ ظرف مضاف لظرف وهو متعلق بيولهم (إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) «إلا» يجوز أن تكون أداة حصر لتقدم النهي، ومتحرفا حال، ويجوز أن تكون «إلا» أداة استثناء، ومتحرفا مستثنى من ضمير المؤمنين، ولقتال جار ومجرور متعلقان ب «متحرفا» ، أو متحيزا الى فئة عطف على سابقه (فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) الفاء رابطة لجواب الشرط لاقتران الجواب بقد، وباء: فعل ماض، وبغضب جار ومجرور متعلقان بباء أو بمحذوف حال، ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الواو استئنافية أو عاطفة، ومأواه مبتدأ، وجهنم خبره، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم، والمصير فاعل بئس، والمخصوص بالذم محذوف، أي: مصيرهم (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) الفاء الفصيحة، أي: إذا افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، فقد وقعت جوابا لشرط مقدر، ولم حرف نفي وقلب وجزم، وتقتلوهم فعل مضارع مجزوم بلم، والواو حرف عطف، ولكن حرف مشبه بالفعل، وقد جاءت أحسن مجيء لوقوعها بين نفي وإثبات، والله اسمها، وجملة قتلهم خبرها (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) عطف على ما تقدم، وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق برميت، والواو عاطفة ولكن واسمها، وجملة رمى خبرها (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو عاطفة، واللام للتعليل، ويبلي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة، وأن وما في حيزها في محل جر باللام متعلقان بفعل محذوف، تقديره: فعل ذلك، والمؤمنين مفعول به، وبلاء مفعول مطلق، والبلاء هنا محمول على النعمة لأنه يقع على النعمة والمحنة معا، لأن أصله الاختبار،

стр. 1646

فهو مردوده، وحسنا صفة، وإن الله سميع عليم عطف على ما تقدم، وإن واسمها وخبراها (ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ) تقدم إعراب نظير اسم الإشارة، فهو مبتدأ، وخبره محذوف، أي ذلكم الإبلاء حق، وأن الله أن وما في حيزها عطف على ذلكم، وموهن خبر «أن» ، وكيد الكافرين مضاف لموهن، والإشارة للقتل والرمي والإبلاء، ويجوز أن تكون «أن» وما في حيزها عطف على «وليبلي» أو في محل نصب بفعل مقدر، أي: واعلموا أن الله. البلاغة: ١- فن التعريض: في قوله تعالى «ومن يولهم يومئذ دبره» فن يقال له: فن التعريض وبعضهم يدخله في ضمن الكناية، قال السعد التفتازاني: «الكناية إذا كانت عرضية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور كان المناسب أن يطلق عليها اسم التعريض، فقال عرضت لفلان وعرضت بفلان، إذا قلت قولا وأنت تعنيه فكأنك أشرت الى جانب وتريد جانبا آخر، ومنه المعاريض في الكلام، وهي التورية بالشيء عن الشيء» وقال الزمخشري: «الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، فكأنه أمال الكلام الى عرض يدل على المقصود، وعرض الشيء بالضم ناصيته من أي وجه جئته» . وقال ابن الأثير في المثل السائر: «الكناية ما يدل على معنى يجوز حمله على جانب الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما، ويكون في المفرد

стр. 1647

والمركب، والتعريض هو اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي بل من جهة التلويح والإشارة، فيختص باللفظ المركب، كقول من يتوقع صلة: والله إني. محتاج، فإنه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا، وإنما فهم منه المعنى، من عرض اللفظ، أي: جانبه» . إذا عرفت هذا سهل عليك أن تعرف سر التعريض في هذا التعبير الرشيق بالآية، فقد ذكر لهم حالة تستهجن من فاعلها، فأتى بلفظ الدبر دون الظهر. وقد ولع أبو الطيب بهذا الفن، فقد قال يعرض بكافور الاخشيدي: ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب يريد أن من ركب الثور وكان من عادته أن يركب الجواد ينكر أظلاف الثور وغببه، وأما من كان مثل كافور وقد سبق له ركوب الثور فلا ينكر ذلك إن ركبه بعد الجواد. وقال أيضا يستزيد كافورا من الجوائز بعد مدحه: أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغني منذ حين وتشرب يقول مديحي إياك يطربك كما يطرب الغناء الشارب، فقد حان أن تسقيني من فضل كأسك. ثم قال بعده: وهبت على مقدار كفّي زماننا ... ونفسي على مقدار كفّيك تطلب

стр. 1648

٢- فن الاستدراك والرجوع: وهو الكلام المشتمل على لفظة «لكن» ، وهو قسمان: قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير، وقسم لا يتقدمه، ومن القسم الثاني قوله تعالى: «فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» ، فقد أتى الاستدراك في هذه الكلمات في موضعين كل منهما مرشح للتعطف، فان لفظة تقتلوهم وقتلهم، ورميت ورمى، تعطف. وهذا أقرب استدراك وقع في الكلام لتوسط حرفه بين لفظي التعطف في الموضعين. وسيأتي مثال القسم الأول قريبا. ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب: هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى ... وأحسن منه كرّهم في المكارم ولولا احتقار الأسد شبّهتها بهم ... لكنّها معدودة في البهائم وما أحسن قول بعضهم في الرأس المصلوب على الرمح: وعاد لكنّه رأس بلا جسد ... يمشي ولكن على ساق بلا قدم إذا تراءى على الخطي أسفر في ... حال العبوس لنا عن ثغر مبتسم

стр. 1649

الفوائد: روى التاريخ أنه لما كان يوم أحد أخذ أبيّ بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله ﷺ ، واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه، فقال لهم رسول الله ﷺ : استأخروا، فاستأخروا. فأخذ رسول الله ﷺ حربته في يده فرمى بها أبيّ بن خلف وكسر ضلعا من أضلاعه، فرجع أبيّ بن خلف الى أصحابه ثقيلا، فاحتملوه حين ولّوا قافلين، فطفقوا يقولون: لا بأس. فقال أبيّ حين قالوا له ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله. فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق فدفنوه. قال ابن المسيب وفي ذلك أنزل الله: «وما رميت إذ رميت» . [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٩ الى ٢٣] إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)

стр. 1650

اللغة: (تَسْتَفْتِحُوا) : تطلبوا الفتح، أي: القضاء والحكم بينكم وبين محمد بنصر المحق وخذلان المبطل، روي أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. أي: أهلكه. (الدَّوَابِّ) : جمع دابّة. والمراد بها هنا الإنسان. وإطلاق الدابة على الإنسان حقيقي لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفي المصباح: الدابة كل حيوان في الأرض مميز أو غير مميز. الإعراب: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) إن شرطية، وتستفتحوا فعل مضارع مجزوم لأنه فعل الشرط، والفاء رابطة لاقتران الجواب بقد، وقد حرف تحقيق، وجاءكم الفتح فعل ومفعول به وفاعل (وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) عطف على ما تقدم، والإعراب مماثل لما قبله، واقتران الجواب بالفاء لأنه جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر. وجملة الجواب في الموضعين في محل جزم (وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ) عطف أيضا. وجملة الجواب لا محل لها. (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ)
следующие страницы →